تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير
الرازي، فخر الدين
الجزء الأول
الجزء الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَنَا لِأَدَاءِ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ، وَوَفَّقَنَا عَلَى كَيْفِيَّةِ اكْتِسَابِ أَكْمَلِ السَّعَادَاتِ، وَهَدَانَا إِلَى قَوْلِنَا: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ كُلِّ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ نَشْرَعُ فِي أَدَاءِ كُلِّ الْخَيْرَاتِ وَالْمَأْمُورَاتِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي له ما في السموات رَبِّ الْعالَمِينَ بِحَسَبِ كُلِّ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عَلَى أَصْحَابِ الْحَاجَاتِ وَأَرْبَابِ الضَّرُورَاتِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فِي إِيصَالِ الْأَبْرَارِ إِلَى الدَّرَجَاتِ، وَإِدْخَالِ الْفُجَّارِ فِي الدَّرَكَاتِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ في القيام أداء جُمْلَةِ التَّكْلِيفَاتِ، اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ بِحَسَبِ كُلِّ أَنْوَاعِ الْهِدَايَاتِ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ الْحَالَاتِ وَالْمَقَامَاتِ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ مِنْ أَهْلِ الْجَهَالَاتِ وَالضَّلَالَاتِ. وَالصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ الْمُؤَيَّدِ بِأَفْضَلِ الْمُعْجِزَاتِ وَالْآيَاتِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ بِحَسَبِ تَعَاقُبِ الْآيَاتِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا. أَمَّا بَعْدُ: فَهَذَا كِتَابٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى شَرْحِ بَعْضِ ما رزقنا الله تعالى من علوم سورة الْفَاتِحَةِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِإِتْمَامِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا فِي الدَّارَيْنِ أَهْلًا لِإِكْرَامِهِ وَإِنْعَامِهِ، إِنَّهُ خَيْرُ مُوَفِّقٍ وَمُعِينٍ، وَبِإِسْعَافِ الطَّالِبِينَ قَمِينٌ، وهذا الكتاب مرتب على مقدمة وكتب. سورة الفاتحة [سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7) مقدمة وففيها فُصُولٌ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى عُلُومِ هذه السورة على سبيل الإجمال علوم الفاتحة اعْلَمْ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى لِسَانِي فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الْكَرِيمَةَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْ فَوَائِدِهَا وَنَفَائِسِهَا عَشَرَةُ آلَافِ مَسْأَلَةٍ، فَاسْتَبْعَدَ هَذَا بَعْضُ الْحُسَّادِ، وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالْغَيِّ وَالْعِنَادِ، وَحَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى مَا أَلِفُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مِنَ التَّعَلُّقَاتِ الْفَارِغَةِ عَنِ الْمَعَانِي، وَالْكَلِمَاتِ الْخَالِيَةِ عَنْ تَحْقِيقِ الْمَعَاقِدِ وَالْمَبَانِي، فَلَمَّا شَرَعْتُ فِي تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ، قَدَّمْتُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ لِتَصِيرَ كَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ أَمْرٌ مُمْكِنُ الْحُصُولِ، قَرِيبُ الْوُصُولِ، فَنَقُولُ وبالله التوفيق:
تفسير الاستعاذة
تفسير الاستعاذة إِنَّ قَوْلَنَا: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الِاسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَنْهِيَّاتِ وَالْمَحْظُورَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَنْهِيَّاتِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ بَابِ/ الِاعْتِقَادَاتِ، أَوْ مِنْ بَابِ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، أَمَّا الِاعْتِقَادَاتُ فَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً: كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاثْنَتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ مَوْصُوفُونَ بِالْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ، وَالْمَذَاهِبِ الْبَاطِلَةِ، ثُمَّ إِنَّ ضَلَالَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ أُولَئِكَ الْفِرَقِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِمَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ هُوَ حَاصِلٌ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِصِفَاتِهِ، وَبِأَحْكَامِهِ، وَبِأَفْعَالِهِ، وَبِأَسْمَائِهِ، وَبِمَسَائِلِ الْجَبْرِ، والقدر، والتعديل، والتجويز، وَالثَّوَابِ، وَالْمَعَادِ، وَالْوَعْدِ، وَالْوَعِيدِ، وَالْأَسْمَاءِ، وَالْأَحْكَامِ، وَالْإِمَامَةِ، فإذا وزعنا عدد الْفِرَقَ الضَّالَّةَ- وَهُوَ الِاثْنَتَانِ وَالسَّبْعُونَ- عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْكَثِيرَةِ بَلَغَ الْعَدَدُ الْحَاصِلُ مَبْلَغًا عَظِيمًا، وَكُلُّ ذَلِكَ أَنْوَاعُ الضَّلَالَاتِ الْحَاصِلَةِ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ، وَأَيْضًا فَمِنَ الْمَشْهُورِ أَنَّ فِرَقَ الضَّلَالَاتِ مِنَ الْخَارِجِينَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَقْرُبُونَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ، فَإِذَا ضُمَّتْ أَنْوَاعُ ضَلَالَاتِهِمْ إِلَى أَنْوَاعِ الضَّلَالَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْإِلَهِيَّاتِ، وَالْمُتَعَلِّقَةِ بِأَحْكَامِ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ بَلَغَ الْمَجْمُوعُ مَبْلَغًا عَظِيمًا فِي الْعَدَدِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَنَا (أَعُوذُ بِاللَّهِ) يَتَنَاوَلُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ جَمِيعِ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ، وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنَ الشَّيْءِ لَا تُمْكِنُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْمُسْتَعَاذِ مِنْهُ، وَإِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ كَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بَاطِلًا وَقَبِيحًا، فَظَهَرَ بِهَذَا الطَّرِيقِ أَنَّ قَوْلَنَا: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأُلُوفِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْحَقِيقِيَّةِ الْيَقِينِيَّةِ، وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الْبَاطِلَةُ فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ إِمَّا فِي الْقُرْآنِ، أَوْ فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، أَوْ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ، أَوْ فِي إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، أَوْ فِي الْقِيَاسَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تِلْكَ الْمَنْهِيَّاتِ تَزِيدُ عَلَى الْأُلُوفِ، وَقَوْلُنَا (أَعُوذُ بِاللَّهِ) مُتَنَاوِلٌ لِجَمِيعِهَا وَجُمْلَتِهَا، فَثَبَتَ بِهَذَا الطَّرِيقِ أَنَّ قَوْلَنَا (أَعُوذُ بِاللَّهِ) مُشْتَمِلٌ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ مَسْأَلَةٍ أَوْ أَزْيَدَ أَوْ أَقَلَّ مِنَ المسائل المهمة المعتبرة.
تفسير البسملة
سورة الفاتحة تفسير البسملة : وَأَمَّا قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَفِيهِ نَوْعَانِ مِنَ الْبَحْثِ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ: قَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَلْفًا وَوَاحِدًا مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُقَدَّسَةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ مَسْأَلَةٌ شَرِيفَةٌ عَالِيَةٌ، وَأَيْضًا فَالْعِلْمُ بِالِاسْمِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا كَانَ مَسْبُوقًا بِالْعِلْمِ بِالْمُسَمَّى، وَفِي الْبَحْثِ عَنْ ثُبُوتِ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ، وَعَنِ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى ثُبُوتِهَا، وَعَنْ أَجْوِبَةِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تُذْكَرُ فِي نَفْيِهَا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ، وَمَجْمُوعُهَا يَزِيدُ عَلَى الْأُلُوفِ، النَّوْعُ الثَّانِي: مِنْ مَبَاحِثِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ بَاءُ الْإِلْصَاقِ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ، وَالتَّقْدِيرُ: بِاسْمِ اللَّهِ أَشْرَعُ فِي أَدَاءِ الطَّاعَاتِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَصِيرُ مُلَخَّصًا مَعْلُومًا إِلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَى أَقْسَامِ الطَّاعَاتِ، وَهِيَ الْعَقَائِدُ الْحَقَّةُ وَالْأَعْمَالُ الصَّافِيَةُ مَعَ الدَّلَائِلِ وَالْبَيِّنَاتِ، وَمَعَ الْأَجْوِبَةِ عَنِ الشُّبُهَاتِ، وَهَذَا الْمَجْمُوعُ رُبَّمَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ مَسْأَلَةٍ. وَمِنَ اللَّطَائِفِ أَنَّ قَوْلَهُ (أَعُوذُ بِاللَّهِ) إِشَارَةٌ إِلَى نَفْيِ مَا لَا يَنْبَغِي مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ، وَقَوْلَهُ بِسْمِ اللَّهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَنْبَغِي مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ، فَقَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ لَا يَصِيرُ/ مَعْلُومًا إِلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَى جَمِيعِ الْعَقَائِدِ الْحَقَّةِ، وَالْأَعْمَالِ الصَّافِيَةِ، وَهَذَا هُوَ التَّرْتِيبُ الَّذِي يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ العقل الصحيح، والحق الصريح. نعم الله تعالى التي لا تحصى : أَمَّا قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْحَمْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حَمْدًا عَلَى النِّعْمَةِ، وَالْحَمْدُ عَلَى النِّعْمَةِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، لَكِنَّ أَقْسَامَ نِعَمِ اللَّهِ خَارِجَةٌ عَنِ التَّحْدِيدِ وَالْإِحْصَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها [إِبْرَاهِيمَ: 34] وَلْنَتَكَلَّمْ فِي مِثَالٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْعَاقِلَ يَجِبُ أَنْ يَعْتَبِرَ ذَاتَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنْ نَفْسٍ وَبَدَنٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَدْوَنَ الْجُزْءَيْنِ وَأَقَلَّهُمَا فَضِيلَةً وَمَنْفَعَةً هُوَ الْبَدَنُ، ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَ التَّشْرِيحِ وَجَدُوا قَرِيبًا مِنْ خَمْسَةِ آلَافِ نَوْعٍ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ الَّتِي دَبَّرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِحِكْمَتِهِ فِي تَخْلِيقِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ، ثُمَّ إِنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي «كُتُبِ التَّشْرِيحِ» عَرَفَ أَنَّ نِسْبَةَ هَذَا الْقَدْرِ الْمَعْلُومِ الْمَذْكُورِ إِلَى مَا لَمْ يَعْلَمْ وَمَا لَمْ يُذْكَرْ كَالْقَطْرَةِ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ، وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَقْسَامِ حِكْمَةِ الرَّحْمَنِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ تَشْتَمِلُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ مَسْأَلَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ إِذَا ضُمَّتْ إِلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ آثَارُ حِكَمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَخْلِيقِ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَأَطْبَاقِ السموات، وَأَجْرَامِ النَّيِّرَاتِ مِنَ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَاتِ، وَتَخْصِيصِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِقَدْرٍ مَخْصُوصٍ وَلَوْنٍ مَخْصُوصٍ وَغَيْرِ مَخْصُوصٍ، ثُمَّ يُضَمُّ إِلَيْهَا آثَارُ حِكَمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَخْلِيقِ الْأُمَّهَاتِ
أنواع العالم وإمكان وجود عوالم أخرى
وَالْمُوَلَّدَاتِ مِنَ الْجَمَادَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَأَصْنَافِ أَقْسَامِهَا وَأَحْوَالِهَا- عُلِمَ أَنَّ هَذَا الْمَجْمُوعَ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَلْفِ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى نَبَّهَ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَهَا مَخْلُوقٌ لِمَنْفَعَةِ الْإِنْسَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [الْجَاثِيَةِ: 13] وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ جَلَالُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَلْفِ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ، أو أكثر أو أقل. أنواع العالم وإمكان وجود عوالم أخرى : وَأَمَّا قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ فَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: رَبِّ مُضَافٌ وَقَوْلَهُ: الْعالَمِينَ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَإِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ تَمْتَنِعُ مَعْرِفَتُهَا إِلَّا بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِالْمُتَضَايِفَيْنِ، فَمِنَ الْمُحَالِ حُصُولُ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ تَعَالَى رَبًّا لِلْعَالَمِينَ إِلَّا بعد معرفة رب والعالمين، ثُمَّ إِنَّ الْعَالَمِينَ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْمُتَحَيِّزَاتُ، وَالْمُفَارِقَاتُ، وَالصِّفَاتُ. أَمَّا الْمُتَحَيِّزَاتُ فَهِيَ إِمَّا بسائط أو مركبات، أو الْبَسَائِطُ فَهِيَ الْأَفْلَاكُ وَالْكَوَاكِبُ وَالْأُمَّهَاتُ، وَأَمَّا الْمُرَكَّبَاتُ فَهِيَ الْمَوَالِيدُ الثَّلَاثَةُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا جِسْمَ إِلَّا هَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ حَصَلَ خَارِجَ الْعَالَمِ خَلَاءٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ، فَهُوَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ أَلْفَ أَلْفَ عَالَمٍ خَارِجَ الْعَالَمِ، / بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْعَوَالِمِ أَعْظَمَ وَأَجْسَمَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، وَيَحْصُلُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِثْلَ مَا حَصَلَ فِي هَذَا الْعَالَمِ من العرش والكرسي والسموات وَالْأَرَضِينَ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَدَلَائِلُ الْفَلَاسِفَةِ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ الْعَالَمَ وَاحِدٌ دَلَائِلُ ضَعِيفَةٌ رَكِيكَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ وَاهِيَةٍ، قَالَ أَبُو الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيِّ: - يَا أَيُّهَا النَّاسُ كَمْ لِلَّهِ مِنْ فَلَكٍ ... تَجْرِي النُّجُومُ بِهِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ مَاضِينَا وَغَابِرُنَا ... فَمَا لَنَا فِي نَوَاحِي غَيْرِهِ خَطَرُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لِلْمُتَحَيِّزَاتِ مُشْتَمِلٌ عَلَى أُلُوفِ أُلُوفٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، بَلِ الْإِنْسَانُ لَوْ تَرَكَ الْكُلَّ وَأَرَادَ أَنْ يُحِيطَ عِلْمُهُ بِعَجَائِبِ الْمَعَادِنِ الْمُتَوَلِّدَةِ فِي أَرْحَامِ الْجِبَالِ مِنَ الْفِلِزَّاتِ وَالْأَحْجَارِ الصَّافِيَةِ وَأَنْوَاعِ الْكَبَارِيتِ وَالزَّرَانِيخِ وَالْأَمْلَاحِ، وَأَنْ يَعْرِفَ عَجَائِبَ أَحْوَالِ النَّبَاتِ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَزْهَارِ وَالْأَنْوَارِ وَالثِّمَارِ، وَعَجَائِبَ أَقْسَامِ الْحَيَوَانَاتِ مِنَ الْبَهَائِمِ وَالْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ وَالْحَشَرَاتِ- لَنَفِدَ عُمُرُهُ فِي أَقَلِّ الْقَلِيلِ مِنْ هَذِهِ الْمَطَالِبِ، وَلَا يَنْتَهِي إِلَى غَوْرِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لُقْمَانَ: 27] وَهِيَ بِأَسْرِهَا وَأَجْمَعِهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ قوله رَبِّ الْعالَمِينَ. رحمة الله تعالى بعباده لا تنحصر أنواعها : وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَاعْلَمْ أَنَّ الرَّحْمَةَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّخْلِيصِ مِنْ أَنْوَاعِ الْآفَاتِ، وَعَنْ إِيصَالِ الْخَيْرَاتِ إِلَى أَصْحَابِ الْحَاجَاتِ، أَمَّا التَّخْلِيصُ عَنْ أَقْسَامِ الْآفَاتِ فَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَقْسَامِ الْآفَاتِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَلِيلٍ مِنْهَا فَلْيُطَالِعْ «كُتُبَ الطِّبِّ» حَتَّى يَقِفَ عَقْلُهُ عَلَى أَقْسَامِ الْأَسْقَامِ الَّتِي يُمْكِنُ تَوَلُّدُهَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْأَجْزَاءِ، ثُمَّ يَتَأَمَّلْ فِي أَنَّهُ تَعَالَى كَيْفَ هَدَى عُقُولَ
أحوال الآخرة وتقسيمها إلى عقلية وسمعية
الْخَلْقِ إِلَى مَعْرِفَةِ أَقْسَامِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ مِنَ الْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، فَإِنَّهُ إِذَا خَاضَ فِي هَذَا الْبَابِ وَجَدَهُ بَحْرًا لَا سَاحِلَ لَهُ. وَقَدْ حَكَى جَالِينُوسُ أَنَّهُ لَمَّا صَنَّفَ كِتَابَهُ فِي مَنَافِعِ أَعْضَاءِ الْعَيْنِ قَالَ: بَخِلْتُ عَلَى النَّاسِ بِذِكْرِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَخْلِيقِ الْعَصَبَيْنِ الْمُجَوَّفَيْنِ مُلْتَقِيَيْنِ عَلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ يَا جَالِينُوسُ، إِنَّ إِلَهَكَ يَقُولُ: لِمَ بَخِلْتَ عَلَى عِبَادِي بِذِكْرِ حِكْمَتِي؟ قَالَ: فَانْتَبَهْتُ فَصَنَّفْتُ فِيهِ كِتَابًا، وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّ طِحَالِي قَدْ غَلُظَ فَعَالَجْتُهُ بِكُلِّ مَا عَرَفْتُ فَلَمْ يَنْفَعْ، فَرَأَيْتُ فِي الْهَيْكَلِ كَأَنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَأَمَرَنِي بِفَصْدِ الْعِرْقِ الَّذِي بَيْنَ الْخِنْصِرِ وَالْبِنْصِرِ، وَأَكْثَرُ عَلَامَاتِ الطِّبِّ فِي أَوَائِلِهَا تَنْتَهِي إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ التَّنْبِيهَاتِ/ وَالْإِلْهَامَاتِ، فَإِذَا وَقَفَ الْإِنْسَانُ عَلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ عَرَفَ أَنَّ أَقْسَامَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ خارجة عن الضبط والإحصاء. أحوال الآخرة وتقسيمها إلى عقلية وسمعية : وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ كَالْمُسَافِرِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَسُنُوهُ كَالْفَرَاسِخِ، وَشُهُورُهُ كَالْأَمْيَالِ، وَأَنْفَاسُهُ كَالْخُطُوَاتِ، وَمَقْصِدُهُ الْوُصُولُ إِلَى عَالَمِ أُخْرَاهُ، لِأَنَّ هُنَاكَ يَحْصُلُ الْفَوْزُ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، فَإِذَا شَاهَدَ فِي الطَّرِيقِ أَنْوَاعَ هذه العجائب في ملكوت الأرض والسموات فَلْيَنْظُرْ أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ عَجَائِبُ حَالِ عَالَمِ الْآخِرَةِ فِي الْغِبْطَةِ وَالْبَهْجَةِ وَالسَّعَادَةِ، إِذَا عَرَفْتَ هذه فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِشَارَةٌ إِلَى مَسَائِلِ الْمَعَادِ وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ، وَهِيَ قِسْمَانِ: بَعْضُهَا عَقْلِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وَبَعْضُهَا سَمْعِيَّةٌ: أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ الْمَحْضَةُ فَكَقَوْلِنَا: هَذَا الْعَالَمُ يُمْكِنُ تَخْرِيبُهُ وَإِعْدَامُهُ، ثُمَّ يُمْكِنُ إِعَادَتُهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَإِنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ بَعْدَ مَوْتِهِ تُمْكِنُ إِعَادَتُهُ، وَهَذَا الْبَابُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْبَحْثِ عَنْ حَقِيقَةِ جَوْهَرِ النَّفْسِ، وَكَيْفِيَّةِ أَحْوَالِهَا وَصِفَاتِهَا، وَكَيْفِيَّةِ بَقَائِهَا بَعْدَ الْبَدَنِ، وَكَيْفِيَّةِ سَعَادَتِهَا وَشَقَاوَتِهَا، وَبَيَانِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى إِعَادَتِهَا، وَهَذِهِ الْمَبَاحِثُ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِمَا يَقْرُبُ مِنْ خَمْسِمِائَةِ مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَبَاحِثِ الدَّقِيقَةِ الْعَقْلِيَّةِ. وَأَمَّا السَّمْعِيَّاتُ فَهِيَ عَلَى ثلاثة أقسام: أحدها: الأحوال التي توجد عند قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَتِلْكَ الْعَلَامَاتُ مِنْهَا صَغِيرَةٌ، وَمِنْهَا كَبِيرَةٌ وَهِيَ الْعَلَامَاتُ الْعَشْرَةُ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا وَنَذْكُرُ أَحْوَالَهَا. وَثَانِيهَا: الْأَحْوَالُ الَّتِي تُوجَدُ عِنْدَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ كَيْفِيَّةُ النَّفْخِ فِي الصُّورِ، وَمَوْتِ الخلائق، وتخريب السموات وَالْكَوَاكِبِ، وَمَوْتِ الرُّوحَانِيِّينَ وَالْجِسْمَانِيِّينَ. وَثَالِثُهَا: الْأَحْوَالُ الَّتِي تُوجَدُ بَعْدَ قِيَامِ الْقِيَامَةِ وَشَرْحِ أَحْوَالِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ يَدْخُلُ فِيهَا كَيْفِيَّةُ وُقُوفِ الْخَلْقِ، وَكَيْفِيَّةُ الْأَحْوَالِ الَّتِي يُشَاهِدُونَهَا، وَكَيْفِيَّةُ حُضُورِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَكَيْفِيَّةُ الْحِسَابِ، وَكَيْفِيَّةُ وَزْنِ الْأَعْمَالِ، وَذَهَابِ فَرِيقٍ إِلَى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٍ إِلَى النَّارِ، وَكَيْفِيَّةُ صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَصِفَةِ أَهْلِ النَّارِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ شَرْحُ أَحْوَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ بَعْدَ وُصُولِهِمْ إِلَيْهَا، وَشَرْحُ الْكَلِمَاتِ الَّتِي يَذْكُرُونَهَا وَالْأَعْمَالِ الَّتِي يُبَاشِرُونَهَا، وَلَعَلَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ يَبْلُغُ الْأُلُوفَ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَهِيَ بِأَسْرِهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَةَ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى
سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِلْآمِرِ فَمَا لَمْ يَثْبُتْ بِالدَّلِيلِ أَنَّ لِهَذَا الْعَالَمِ إِلَهًا وَاحِدًا. قَادِرًا عَلَى مَقْدُورَاتٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا، عَالِمًا بِمَعْلُومَاتٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا، غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الْحَاجَاتِ، فَإِنَّهُ أَمَرَ عِبَادَهُ بِبَعْضِ الْأَشْيَاءِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ بَعْضِهَا، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْخَلَائِقِ طَاعَتُهُ وَالِانْقِيَادُ لِتَكَالِيفِهِ- فَإِنَّهُ/ لَا يُمْكِنُ الْقِيَامُ بِلَوَازِمِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ ثُمَّ إِنَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْمَقَامِ الْمَذْكُورِ لَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِ أَقْسَامِ تِلْكَ التَّكَالِيفِ، وَبَيَانِ أَنْوَاعِ تِلْكَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَجَمِيعُ مَا صُنِّفَ فِي الدِّينِ مَنْ «كُتُبِ الْفِقْهِ» يَدْخُلُ فِيهِ تَكَالِيفُ اللَّهِ، ثُمَّ كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ تَكَالِيفُ اللَّهِ تَعَالَى بِحَسَبِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ تَكَالِيفُ اللَّهِ تَعَالَى بِحَسَبِ الشَّرَائِعِ الَّتِي قَدْ كَانَ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَيْضًا يَدْخُلُ فِيهِ الشَّرَائِعُ الَّتِي كَلَّفَ اللَّهُ بِهَا مَلَائِكَتَهُ فِي السموات مُنْذُ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ وَأَمَرَهُمْ بِالِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ، وَأَيْضًا «فَكُتُبُ الْفِقْهِ» مُشْتَمِلَةٌ عَلَى شَرْحِ التَّكَالِيفِ الْمُتَوَجِّهَةِ فِي أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، أَمَّا أَقْسَامُ التَّكَالِيفِ الْمَوْجُودَةِ فِي أَعْمَالِ الْقُلُوبِ فَهِيَ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ، وَهِيَ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهَا «كُتُبُ الْأَخْلَاقِ» ، و «كتب السِّيَاسَاتِ» ، بِحَسَبِ الْمِلَلِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْأُمَمِ الْمُتَبَايِنَةِ، وَإِذَا اعْتَبَرَ الْإِنْسَانُ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ وَعَلِمَ أَنَّهَا بِأَسْرِهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ عَلِمَ حِينَئِذٍ أَنَّ الْمَسَائِلَ الَّتِي اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَيْهَا كَالْبَحْرِ الْمُحِيطِ الَّذِي لَا تَصِلُ الْعُقُولُ وَالْأَفْكَارُ إِلَّا إِلَى الْقَلِيلِ مِنْهَا. أَمَّا قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَبِ الْهِدَايَةِ، وَلِتَحْصِيلِ الْهِدَايَةِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: طَلَبُ الْمَعْرِفَةِ بِالدَّلِيلِ وَالْحُجَّةِ، وَالثَّانِي: بِتَصْفِيَةِ الْبَاطِنِ وَالرِّيَاضَةِ، أَمَّا طُرُقُ الِاسْتِدْلَالِ فَإِنَّهَا غير متناهية لأنها لَا ذَرَّةَ مِنْ ذَرَّاتِ الْعَالَمِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ إِلَّا وَتِلْكَ الذَّرَّةُ شَاهِدَةٌ بِكَمَالِ إِلَهِيَّتِهِ، وَبِعِزَّةِ عِزَّتِهِ، وَبِجَلَالِ صَمَدِيَّتِهِ، كَمَا قِيلَ: - وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ أَجْسَامَ الْعَالَمِ مُتَسَاوِيَةٌ فِي مَاهِيَّةِ الْجِسْمِيَّةِ، وَمُخْتَلِفَةٌ فِي الصِّفَاتِ، وَهِيَ الْأَلْوَانُ وَالْأَمْكِنَةُ وَالْأَحْوَالُ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ اخْتِصَاصُ كُلِّ جِسْمٍ بِصِفَتِهِ الْمُعَيَّنَةِ لِأَجْلِ الْجِسْمِيَّةِ أَوْ لَوَازِمِ الْجِسْمِيَّةِ، وَإِلَّا لَزِمَ حُصُولُ الِاسْتِوَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وَتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ، وَذَلِكَ الْمُخَصِّصُ إِنْ كَانَ جِسْمًا عَادَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، ثُمَّ ذَلِكَ الْمَوْجُودُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا، بَلْ كَانَ تَأْثِيرُهُ بِالْفَيْضِ وَالطَّبْعِ عَادَ الْإِلْزَامُ فِي وُجُوبِ الِاسْتِوَاءِ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ كُلَّ واحد من ذرات السموات وَالْأَرْضِ شَاهِدٌ صَادِقٌ، وَمُخْبِرٌ نَاطِقٌ، بِوُجُودِ الْإِلَهِ الْقَادِرِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ، وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْوَالِدُ ضِيَاءُ الدِّينِ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ جَوْهَرٍ فَرْدٍ أَنْوَاعًا غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ مِنَ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى الْقُدْرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ جَوْهَرٍ فَرْدٍ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ فِي أَحْيَازٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ عَلَى الْبَدَلِ، وَيُمْكِنُ أَيْضًا اتِّصَافُهُ بِصِفَاتٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ/ عَلَى الْبَدَلِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ الْمُقَدَّرَةِ فَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ الْوُقُوعِ يَدُلُّ عَلَى الِافْتِقَارِ إِلَى وُجُودِ الصَّانِعِ الْحَكِيمِ الرَّحِيمِ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْمَبَاحِثِ غَيْرُ مُتَنَاهٍ. وَأَمَّا تَحْصِيلُ الْهِدَايَةِ بِطَرِيقِ الرِّيَاضَةِ وَالتَّصْفِيَةِ فَذَلِكَ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّائِرِينَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَنْهَجٌ خاص، ومشرب معين، كما قال: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [البقرة: 148] وَلَا وُقُوفَ لِلْعُقُولِ عَلَى تِلْكَ الْأَسْرَارِ، وَلَا خَبَرَ عِنْدَ الْأَفْهَامِ مِنْ مَبَادِئِ مَيَادِينِ تِلْكَ الْأَنْوَارِ، وَالْعَارِفُونَ الْمُحَقِّقُونَ لَحَظُوا فِيهَا مَبَاحِثَ عَمِيقَةً، وَأَسْرَارًا دَقِيقَةً، قَلَّمَا تَرْقَى إِلَيْهَا أَفْهَامُ الْأَكْثَرِينَ.
الفصل الثاني في تقرير مشرع آخر يدل على أنه يمكن استنباط المسائل الكثيرة من الألفاظ القليلة
وَأَمَّا قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَمَا أَجَلَّ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ، وَأَعْظَمَ مَرَاتِبِ هَذِهِ الدَّرَجَاتِ! وَمَنْ وَقَفَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْبَيَانَاتِ أَمْكَنَهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مَبَادِئِ هَذِهِ الْحَالَاتِ، فَقَدْ ظَهَرَ بِالْبَيَانِ الَّذِي سَبَقَ أَنْ هَذِهِ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَبَاحِثَ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَأَسْرَارٍ لَا غَايَةَ لَهَا، وَأَنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ هَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ مَسْأَلَةٍ، كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِأَفْهَامِ السَّامِعِينَ. الْفَصْلُ الثَّانِي فِي تَقْرِيرِ مَشْرَعٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُ الْمَسَائِلِ الْكَثِيرَةِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْقَلِيلَةِ وَلْنَتَكَلَّمْ فِي قَوْلِنَا: أَعُوذُ بِاللَّهِ فَنَقُولُ: أَعُوذُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ، وَالْفِعْلُ الْمُضَارِعُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِعْلِ، وَأَمَّا الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ «بِاللَّهِ» فَهِيَ بَاءُ الْإِلْصَاقِ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ حُرُوفِ الْجَرِّ، وَحُرُوفُ الْجَرِّ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْحُرُوفِ. وَأَمَّا قَوْلُنَا «اللَّهُ» فَهُوَ اسْمٌ مُعَيَّنٌ: إِمَّا مِنْ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ، أَوْ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ، وَالِاسْمُ الْعَلَمُ وَالِاسْمُ الْمُشْتَقُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ مُطْلَقِ الِاسْمِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ، أَنَّ مَعْرِفَةَ النَّوْعِ مُمْتَنِعٌ حُصُولُهَا إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْجِنْسِ، لِأَنَّ الْجِنْسَ جُزْءٌ مِنْ مَاهِيَّةِ النَّوْعِ، وَالْعِلْمُ بِالْبَسِيطِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالْمُرَكَّبِ لَا مَحَالَةَ، فَقَوْلُنَا: أَعُوذُ بِاللَّهِ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الْعِلْمِ بِهِ كَمَا يَنْبَغِي إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ أَوَّلًا، وَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ ذِكْرِ حُدُودِهَا وَخَوَاصِّهَا، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْسِيمِ الِاسْمِ إِلَى الِاسْمِ الْعَلَمِ، وَإِلَى الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ، وَإِلَى اسْمِ الْجِنْسِ، وَتَعْرِيفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِحَدِّهِ وَرَسْمِهِ وَخَوَاصِّهِ، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ يَجِبُ الْكَلَامُ فِي أَنَّ لَفْظَةَ اللَّهِ اسْمٌ عَلَمٌ، أَوِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ مَاذَا؟ وَيُذْكَرُ فِيهِ الْوُجُوهُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي قِيلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَأَيْضًا يَجِبُ الْبَحْثُ/ عَنْ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ الْمُطْلَقِ، ثُمَّ يُذْكَرُ بَعْدَهُ أَقْسَامُ الْفِعْلِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ، وَيُذْكَرُ حَدُّهُ وَخَوَاصُّهُ وَأَقْسَامُهُ، ثُمَّ يُذْكَرُ بَعْدَهُ الْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِقَوْلِنَا «أَعُوذُ» عَلَى التَّخْصِيصِ، وَأَيْضًا يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَرْفِ الْمُطْلَقِ، ثُمَّ يُذْكَرُ بَعْدَهُ حَرْفُ الْجَرِّ وَحَدُّهُ وَخَوَاصُّهُ وَأَحْكَامُهُ ثُمَّ يُذْكَرُ بَعْدَهُ بَاءُ الْإِلْصَاقِ وَحَدُّهُ وَخَوَاصُّهُ، وَعِنْدَ الْوُقُوفِ عَلَى تَمَامِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ يَحْصُلُ الْوُقُوفُ عَلَى تَمَامِ الْمَبَاحِثِ اللَّفْظِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِقَوْلِهِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَبَاحِثَ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَى مَعَاقِدِهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. ثُمَّ نَقُولُ: وَالْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: مِنَ الْمَرَاتِبِ أَنْ نَقُولَ: الِاسْمُ وَالْفِعْلُ وَالْحَرْفُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ جِنْسِ الْكَلِمَةِ، فَيَجِبُ الْبَحْثُ أَيْضًا عَنْ مَاهِيَّةِ الْكَلِمَةِ وَحَدِّهَا وَخَوَاصِّهَا، وَأَيْضًا فَهَهُنَا أَلْفَاظٌ أُخْرَى شَبِيهَةٌ بِالْكَلِمَةِ، وَهِيَ: الْكَلَامُ، وَالْقَوْلُ، وَاللَّفْظُ، وَاللُّغَةُ، وَالْعِبَارَةُ، فَيَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، ثُمَّ يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ كَوْنِهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ، أَوْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَبَايِنَةِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ أَلْفَاظًا مُتَبَايِنَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ ذِكْرُ تِلْكَ الْفُرُوقِ عَلَى التَّفْصِيلِ وَالتَّحْصِيلِ. ثُمَّ نَقُولُ: وَالْمَرْتَبَةُ الْخَامِسَةُ: مِنَ الْبَحْثِ أَنْ نَقُولَ: لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ إِنَّمَا تَحْصُلُ مِنَ الْأَصْوَاتِ
وَالْحُرُوفِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ حَقِيقَةِ الصَّوْتِ، وَعَنْ أَسْبَابِ وُجُودِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ حُدُوثَ الصَّوْتِ فِي الْحَيَوَانِ إِنَّمَا كَانَ بِسَبَبِ خُرُوجِ النَّفَسِ مِنَ الصَّدْرِ، فَعِنْدَهَا يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ حَقِيقَةِ النَّفَسِ، وَأَنَّهُ مَا الْحِكْمَةُ فِي كَوْنِ الْإِنْسَانِ مُتَنَفِّسًا عَلَى سَبِيلِ الضَّرُورَةِ وَأَنَّ هَذَا الصَّوْتَ يَحْصُلُ بِسَبَبِ اسْتِدْخَالِ النَّفَسِ أَوْ بِسَبَبِ إِخْرَاجِهِ، وَعِنْدَ هَذَا تَحْتَاجُ هَذِهِ الْمَبَاحِثُ إِلَى مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الْقَلْبِ وَالرِّئَةِ، وَمَعْرِفَةِ الْحِجَابِ الَّذِي هُوَ الْمَبْدَأُ الْأَوَّلُ لِحَرَكَةِ الصَّوْتِ وَمَعْرِفَةِ سَائِرِ الْعَضَلَاتِ الْمُحَرِّكَةِ لِلْبَطْنِ وَالْحَنْجَرَةِ وَاللِّسَانِ وَالشَّفَتَيْنِ، وَأَمَّا الْحَرْفُ فَيَجِبُ الْبَحْثُ أَنَّهُ هَلْ هُوَ نَفْسُ الصَّوْتِ، أَوْ هَيْئَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي الصَّوْتِ مُغَايِرَةٌ لَهُ؟ وَأَيْضًا لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ إِنَّمَا تَتَوَلَّدُ عِنْدَ تَقْطِيعِ الصَّوْتِ، وَهِيَ مَخَارِجُ مَخْصُوصَةٌ فِي الْحَلْقِ وَاللِّسَانِ وَالْأَسْنَانِ وَالشَّفَتَيْنِ، فَيَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ تِلْكَ الْمَحَابِسِ، وَيَجِبُ أَيْضًا الْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ الْعَضَلَاتِ الَّتِي بِاعْتِبَارِهَا تَتَمَكَّنُ الْحَيَوَانَاتُ مِنْ إِدْخَالِ الْأَنْوَاعِ الْكَثِيرَةِ مِنَ الْجِنْسِ فِي الْوُجُودِ وَهَذِهِ الْمَبَاحِثُ لَا تَتِمُّ دَلَالَتُهَا إِلَّا عِنْدَ الْوُقُوفِ عَلَى عِلْمِ التَّشْرِيحِ. ثُمَّ نَقُولُ: وَالْمَرْتَبَةُ السَّادِسَةُ: مِنَ الْبَحْثِ هِيَ أَنَّ الْحَرْفَ وَالصَّوْتَ كَيْفِيَّاتٌ مَحْسُوسَةٌ بِحَاسَّةِ السَّمْعِ، وَأَمَّا الْأَلْوَانُ وَالْأَضْوَاءُ فَهِيَ كَيْفِيَّاتٌ مَحْسُوسَةٌ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ، وَالطُّعُومُ كَيْفِيَّاتٌ مَحْسُوسَةٌ بِحَاسَّةِ الذَّوْقِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْكَيْفِيَّاتِ الْمَحْسُوسَةِ، فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتُ/ أَنْوَاعٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهِيَ مُتَبَايِنَةٌ بِتَمَامِ الْمَاهِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا مُشَارَكَةَ بَيْنَهَا إِلَّا بِاللَّوَازِمِ الْخَارِجِيَّةِ أَمْ لَا؟. ثُمَّ نَقُولُ: وَالْمَرْتَبَةُ السَّابِعَةُ: مِنَ الْبَحْثِ أَنَّ الْكَيْفِيَّاتِ الْمَحْسُوسَةَ نَوْعٌ وَاحِدٌ مِنْ أَنْوَاعِ جِنْسِ الْكَيْفِ فِي الْمَشْهُورِ، فَيَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ تَعْرِيفِ مَقُولَةِ الْكَيْفِ، ثُمَّ يَجِبُ الْبَحْثُ أَنَّ وُقُوعَهُ عَلَى مَا تَحْتَهُ هَلْ هُوَ قَوْلُ الْجِنْسِ عَلَى الْأَنْوَاعِ أَمْ لَا؟. ثُمَّ نَقُولُ: وَالْمَرْتَبَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ مَقُولَةَ الْكَيْفِ، وَمَقُولَةَ الْكَمِّ، وَمَقُولَةَ النِّسْبَةِ عَرَضٌ، فَيَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ مَقُولَةِ الْعَرَضِ وَأَقْسَامِهِ، وَعَنْ أَحْكَامِهِ وَلَوَازِمِهِ وَتَوَابِعِهِ. ثُمَّ نقول: والمرتبة التاسعة: أن العرض والجواهر يشتركان في الدخول تحت الممكن وَالْوَاجِبُ مُشْتَرِكَانِ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ الْمَوْجُودِ، فَيَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ لَوَاحِقِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، وَهِيَ كَيْفِيَّةُ وقوع الموجود على الواجب وَالْمُمْكِنِ أَنَّهُ هَلْ هُوَ قَوْلُ الْجِنْسِ عَلَى أَنْوَاعِهِ أَوْ هُوَ قَوْلُ اللَّوَازِمِ عَلَى مَوْصُوفَاتِهَا وَسَائِرُ الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْبَابِ. ثُمَّ نَقُولُ: وَالْمَرْتَبَةُ الْعَاشِرَةُ: أَنْ نَقُولَ: لَا شَكَّ أَنَّ الْمَعْلُومَ وَالْمَذْكُورَ وَالْمُخْبَرَ عَنْهُ يَدْخُلُ فِيهَا الْمَوْجُودُ وَالْمَعْدُومُ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ أَمْرٍ أَعَمَّ مِنَ الْمَوْجُودِ؟ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ الْمَظْنُونُ أَعَمُّ مِنَ الْمَعْلُومِ، وَأَيْضًا فَهَبْ أَنَّ أَعَمَّ الِاعْتِبَارَاتِ هُوَ الْمَعْلُومُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَعْلُومَ مُقَابِلُهُ غَيْرُ الْمَعْلُومِ، لَكِنَّ الشَّيْءَ مَا لَمْ تُعْلَمْ حَقِيقَتُهُ امْتَنَعَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ مُقَابِلًا لِغَيْرِهِ، فَلَمَّا حَكَمْنَا عَلَى غَيْرِ الْمَعْلُومِ بِكَوْنِهِ مُقَابِلًا لِلْمَعْلُومِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَعْلُومِ مَعْلُومًا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُقَابِلُ لِلْمَعْلُومِ مَعْلُومًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَنِ اعْتَبَرَ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ الْعَشَرَةَ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْمَوْجُودَاتِ فَقَدِ انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أَبْوَابُ مَبَاحِثَ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَلَا يُحِيطُ عَقْلُهُ بِأَقَلِّ الْقَلِيلِ مِنْهَا، فَظَهَرَ بِهَذَا كَيْفِيَّةُ الِاسْتِنْبَاطِ لِلْعُلُومِ الْكَثِيرَةِ مِنَ الْأَلْفَاظِ القليلة
الفصل الثالث في تقرير مشرع آخر لتصحيح ما ذكرناه من استنباط المسائل الكثيرة من هذه السورة
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي تَقْرِيرِ مَشْرَعٍ آخَرَ لِتَصْحِيحِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ اسْتِنْبَاطِ الْمَسَائِلِ الْكَثِيرَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ اعْلَمْ أَنَّا إِذَا ذَكَرْنَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً فِي هَذَا الْكِتَابِ وَدَلَّلْنَا عَلَى صِحَّتِهَا بِوُجُوهٍ عَشَرَةٍ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ وَالدَّلَائِلِ مَسْأَلَةٌ بِنَفْسِهَا، ثُمَّ إِذَا حَكَيْنَا فِيهَا مَثَلًا شُبُهَاتٍ خَمْسَةً فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَيْضًا مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا، ثُمَّ إِذَا أَجَبْنَا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِجَوَابَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَتِلْكَ الْأَجْوِبَةُ/ الثَّلَاثَةُ أَيْضًا مَسَائِلُ ثَلَاثَةٌ، وَإِذَا قُلْنَا مَثَلًا: الْأَلْفَاظُ الْوَارِدَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ جَاءَتْ عَلَى سِتِّينَ وَجْهًا، وَفَصَّلْنَا تِلْكَ الْوُجُوهَ، فَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْحَقِيقَةِ سِتُّونَ مَسْأَلَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا مَعْنَى لَهَا إِلَّا مَوْضِعَ السُّؤَالِ وَالتَّقْرِيرِ، فَلَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ كَذَلِكَ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَسْأَلَةً عَلَى حِدَةٍ، وَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ فَنَقُولُ: إِنَّا لَوِ اعْتَبَرْنَا الْمَبَاحِثَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالِاسْمِ وَالْفِعْلِ، ثُمَّ نَنْزِلُ مِنْهَا إِلَى الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِتَقْسِيمِ الْأَفْعَالِ بِالْمَعْلُومِ وَالْمَذْكُورِ، وَالْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ، وَالْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ، وَالْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ، وَالْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَقُولَةِ الْكَيْفِ وَكَيْفِيَّةِ انْقِسَامِهِ إِلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَحْسُوسَةِ وَغَيْرِ الْمَحْسُوسَةِ، وَالْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصَّوْتِ وَكَيْفِيَّةِ حُدُوثِهِ وَكَيْفِيَّةِ الْعَضَلَاتِ الْمُحْدِثَةِ لِلْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ- عَظُمَ الْخَطْبُ، وَاتَّسَعَ الْبَابُ، وَلَكِنَّا نَبْدَأُ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِالْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْكَلِمَةِ وَالْكَلَامِ وَالْقَوْلِ وَاللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ، ثُمَّ نَنْزِلُ مِنْهَا إِلَى الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ، ثُمَّ نَنْزِلُ مِنْهَا إِلَى الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِتَقْسِيمَاتِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ حَتَّى نَنْتَهِيَ إِلَى الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي قَوْلِهِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَنَرْجُو مِنْ فَضْلِ اللَّهِ الْعَمِيمِ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلْوُصُولِ إِلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ الْكَرِيمِ. الْكِتَابُ الْأَوَّلُ فِي الْعُلُومِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ قَوْلِهِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ اعْلَمْ أَنَّ الْعُلُومَ الْمُسْتَنْبَطَةَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِاللُّغَةِ وَالْإِعْرَابِ وَالثَّانِي: الْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِعِلْمِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فِي الْمَبَاحِثِ الْأَدَبِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَفِيهِ أَبْوَابٌ. الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْكَلِمَةِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا، وَفِيهِ مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ أَكْمَلَ الطُّرُقِ فِي تَعْرِيفِ مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ هُوَ طَرِيقَةُ الِاشْتِقَاقِ، ثُمَّ إِنَّ الِاشْتِقَاقَ عَلَى نَوْعَيْنِ: الِاشْتِقَاقُ الْأَصْغَرُ، وَالِاشْتِقَاقُ الْأَكْبَرُ، أَمَّا الِاشْتِقَاقُ الْأَصْغَرُ فَمِثْلُ اشْتِقَاقِ صِيغَةِ الْمَاضِي
وَالْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْمَصْدَرِ، وَمِثْلُ اشْتِقَاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ واسم المفعول وغير هما مِنْهُ، وَأَمَّا الِاشْتِقَاقُ الْأَكْبَرُ فَهُوَ أَنَّ الْكَلِمَةَ إِذَا كَانَتْ مُرَكَّبَةً مِنَ الْحُرُوفِ كَانَتْ قَابِلَةً/ لِلِانْقِلَابَاتِ لَا مَحَالَةَ، فَنَقُولُ: أَوَّلُ مَرَاتِبِ هَذَا التَّرْكِيبِ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ مُرَكَّبَةً مِنْ حَرْفَيْنِ وَمِثْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا تَقْبَلُ إِلَّا نَوْعَيْنِ مِنَ التَّقْلِيبِ، كَقَوْلِنَا: «مَنْ» وَقَلْبُهُ «نَمْ» وَبَعْدَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ مُرَكَّبَةً مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ كَقَوْلِنَا: «حَمْدٌ» وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تَقْبَلُ سِتَّةَ أَنْوَاعٍ مِنَ التَّقْلِيبَاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ ابتداء لتلك الكلمة، وعلى كل واحد من التَّقْدِيرَاتِ الثَّلَاثِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُ الْحَرْفَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ لَكِنَّ ضَرْبَ الثَّلَاثَةِ فِي اثْنَيْنِ بِسِتَّةٍ فَهَذِهِ التَّقْلِيبَاتُ الْوَاقِعَةُ فِي الْكَلِمَاتِ الثُّلَاثِيَّاتِ يُمْكِنُ وُقُوعُهَا عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ، ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ رُبَاعِيَّةً كَقَوْلِنَا: «عَقْرَبٌ، وَثَعْلَبٌ» وَهِيَ تَقْبَلُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَجْهًا مِنَ التَّقْلِيبَاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ الْأَرْبَعَةِ ابْتِدَاءً لِتِلْكَ الْكَلِمَةِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ التَّقْدِيرَاتِ الْأَرْبَعَةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُ الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ عَلَى سِتَّةِ أَنْوَاعٍ مِنَ التَّقْلِيبَاتِ، وَضَرْبُ أَرْبَعَةٍ فِي سِتَّةٍ يُفِيدُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَجْهًا، ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ خُمَاسِيَّةً كَقَوْلِنَا: «سَفَرْجَلٌ» وَهِيَ تَقْبَلُ مِائَةً وَعِشْرِينَ نَوْعًا مِنَ التَّقْلِيبَاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ الْخَمْسَةِ ابْتِدَاءً لِتِلْكَ الْكَلِمَةِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُ الْحُرُوفِ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ وَجْهًا عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَضَرْبُ خَمْسَةٍ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَالضَّابِطُ فِي الْبَابِ أَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ التَّقَالِيبَ الْمُمْكِنَةَ فِي الْعَدَدِ الْأَقَلِّ ثُمَّ أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ عَدَدَ التَّقَالِيبِ الْمُمْكِنَةِ فِي الْعَدَدِ الَّذِي فَوْقَهُ فَاضْرِبِ الْعَدَدَ الْفَوْقَانِيَّ فِي الْعَدَدِ الْحَاصِلِ مِنَ التَّقَالِيبِ الْمُمْكِنَةِ فِي الْعَدَدِ الْفَوْقَانِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ اعْتِبَارَ حَالِ الِاشْتِقَاقِ الْأَصْغَرِ سَهْلٌ مُعْتَادٌ مَأْلُوفٌ، أَمَّا الِاشْتِقَاقُ الْأَكْبَرُ فَرِعَايَتُهُ صَعْبَةٌ، وَكَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رِعَايَتُهُ إِلَّا فِي الْكَلِمَاتِ الثُّلَاثِيَّةِ لِأَنَّ تَقَالِيبَهَا لَا تَزِيدُ عَلَى السِّتَّةِ، أَمَّا الرُّبَاعِيَّاتُ وَالْخُمَاسِيَّاتُ فَإِنَّهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَأَكْثَرُ تِلْكَ التَّرْكِيبَاتِ تَكُونُ مُهْمَلَةً فَلَا يُمْكِنُ رِعَايَةُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الِاشْتِقَاقِ فِيهَا إِلَّا عَلَى سَبِيلِ النُّدْرَةِ. وَأَيْضًا الْكَلِمَاتُ الثُّلَاثِيَّةُ قَلَّمَا يُوجَدُ فِيهَا مَا يَكُونُ جَمِيعُ تَقَالِيبِهَا الْمُمْكِنَةِ مُعْتَبَرَةً. بَلْ يَكُونُ فِي الْأَكْثَرِ بَعْضُهَا مُسْتَعْمَلًا وَبَعْضُهَا مُهْمَلًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَدْرَ الْمُمْكِنَ مِنْهُ هُوَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى فِي تَحْقِيقِ الْكَلَامِ فِي الْمَبَاحِثِ اللُّغَوِيَّةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي تَفْسِيرِ الْكَلِمَةِ: اعْلَمْ أَنَّ تَرْكِيبَ الْكَافِ وَاللَّامِ وَالْمِيمِ بِحَسَبِ تَقَالِيبِهَا الْمُمْكِنَةِ السِّتَّةِ تُفِيدُ القوة والشدة، خمسة منها معتبرة، وواحدة ضَائِعٌ، فَالْأَوَّلُ: «ك ل م» فَمِنْهُ الْكَلَامُ، لِأَنَّهُ يَقْرَعُ السَّمْعَ وَيُؤَثِّرُ فِيهِ، وَأَيْضًا يُؤَثِّرُ فِي الذِّهْنِ بِوَاسِطَةِ إِفَادَةِ الْمَعْنَى، وَمِنْهُ/ الْكَلْمُ لِلْجَرْحِ، وَفِيهِ شِدَّةٌ، وَالْكُلَامُ مَا غَلُظَ مِنَ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ لِشِدَّتِهِ، الثَّانِي: «ك م ل» لِأَنَّ الْكَامِلَ أَقْوَى مِنَ النَّاقِصِ، وَالثَّالِثُ: «ل ك م» وَمَعْنَى الشِّدَّةِ فِي اللَّكْمِ ظَاهِرٌ، وَالرَّابِعُ: «م ك ل» وَمِنْهُ «بِئْرٌ مَكُولٌ» إِذَا قَلَّ مَاؤُهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ وُرُودُهَا مَكْرُوهًا فَيَحْصُلُ نَوْعُ شِدَّةٍ عِنْدَ وُرُودِهَا، الْخَامِسُ: «م ل ك» يُقَالُ «مَلَكْتَ الْعَجِينَ» إِذَا أَمْعَنْتَ عَجْنَهُ فَاشْتَدَّ وَقَوِيَ، وَمِنْهُ «مَلَكَ الْإِنْسَانُ» لِأَنَّهُ نَوْعُ قُدْرَةٍ، وَ «أُمْلِكَتِ الْجَارِيَةُ» لِأَنَّ بَعْلَهَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لَفْظُ الْكَلِمَةِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ وَيُرَادُ بِهَا الْكَلَامُ الْكَثِيرُ الَّذِي قَدِ ارْتَبَطَ بَعْضُهُ
بِبَعْضٍ كَتَسْمِيَتِهِمُ الْقَصِيدَةَ بِأَسْرِهَا «كَلِمَةً» ، وَمِنْهَا يُقَالُ: «كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ» ، وَيُقَالُ: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» ، وَلَمَّا كَانَ الْمَجَازُ أَوْلَى مِنَ الِاشْتِرَاكِ عَلِمْنَا أَنَّ إِطْلَاقَ لَفْظِ الْكَلِمَةِ عَلَى الْمُرَكَّبِ مَجَازٌ، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَكَّبَ إِنَّمَا يَتَرَكَّبُ مِنَ الْمُفْرَدَاتِ، فَإِطْلَاقُ لَفْظِ الْكَلِمَةِ عَلَى الْكَلَامِ الْمُرَكَّبِ يَكُونُ إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ الْكَثِيرَ إِذَا ارْتَبَطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حَصَلَتْ لَهُ وِحْدَةٌ فَصَارَ شَبِيهًا بِالْمُفْرَدِ فِي تِلْكَ الْوُجُوهِ، وَالْمُشَابَهَةُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ حُسْنِ الْمَجَازِ، فَأَطْلَقَ لَفْظَ الْكَلِمَةِ عَلَى الْكَلَامِ الطَّوِيلِ لِهَذَا السَّبَبِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: لَفْظُ الْكَلِمَةِ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ لِمَفْهُومَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُقَالُ لِعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ، إِمَّا لِأَنَّهُ حَدَثَ بِقَوْلِهِ: «كُنْ» أَوْ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ كَمَا تَحْدُثُ الْكَلِمَةُ كَذَلِكَ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّى أَفْعَالَهُ كَلِمَاتٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي: [الكهف: 109] وَالسَّبَبُ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي الْقَوْلِ: هَذَا التَّرْكِيبُ بِحَسَبِ تَقَالِيبِهِ السِّتَّةِ يَدُلُّ عَلَى الْحَرَكَةِ وَالْخِفَّةِ، فالأول: «ق ول» فَمِنْهُ الْقَوْلُ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ سَهْلٌ عَلَى اللسان، الثاني: «ق ل و» وَمِنْهُ الْقِلْوُ وَهُوَ حِمَارُ الْوَحْشِ، وَذَلِكَ لِخِفَّتَهِ فِي الْحَرَكَةِ وَمِنْهُ «قَلَوْتُ الْبُرَّ وَالسَّوِيقَ» فَهُمَا مَقْلُوَّانِ، لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا قُلِيَ جَفَّ وَخَفَّ فَكَانَ أَسْرَعَ إِلَى الْحَرَكَةِ، وَمِنْهُ الْقَلَوْلَى، وَهُوَ الخفيف الطائش، والثالث: «وق ل» الْوَقِلُ الْوَعِلُ، وَذَلِكَ لِحَرَكَتِهِ، وَيُقَالُ «تَوَقَّلَ في الجبل» إذا صعد فيه، والرابع: «ول ق» يُقَالُ: وَلَقَ يَلِقُ إِذَا أَسْرَعَ، وَقُرِئَ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور: 15] أي: تخفون وتسرعون، والخامس: «ل وق» كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «لَا آكُلُ الطَّعَامَ إِلَّا مَا لُوِّقَ لِي» أَيْ: أُعْمِلَتِ الْيَدُ فِي تَحْرِيكِهِ وَتَلْيِينِهِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَمِنْهُ اللُّوقَةُ وَهِيَ الزُّبْدَةُ قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِخِفَّتِهَا وَإِسْرَاعِ حَرَكَتِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِهَا مَسْكَةُ الْجُبْنِ وَالْمَصْلِ، وَالسَّادِسُ: «ل ق و» وَمِنْهُ اللَّقْوَةُ وَهِيَ الْعُقَابُ، قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِخِفَّتِهَا وَسُرْعَةِ طَيَرَانِهَا، وَمِنْهُ اللَّقْوَةُ فِي الْوَجْهِ لِأَنَّ الْوَجْهَ اضْطَرَبَ شَكْلُهُ فَكَأَنَّهُ خِفَّةٌ فِيهِ وَطَيْشٌ، وَاللِّقْوَةُ النَّاقَةُ السَّرِيعَةُ اللِّقَاحِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَالَ ابْنُ جِنِّي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اللُّغَةُ فُعْلَةٌ مِنْ لَغَوْتُ أي: تلكمت، وَأَصْلُهَا لُغْوَةٌ كَكُرَةٍ وَقُلَةٍ فَإِنَّ لَامَاتِهَا كُلَّهَا وَاوَاتٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ كَرَوْتُ بِالْكُرَةِ وَقَلَوْتُ بِالْقُلَةِ، وقيل فيه لغى يلغى إذا هذا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً: [الْفُرْقَانِ: 72] قُلْتُ: إِنَّ ابْنَ جِنِّي قَدِ اعْتَبَرَ الِاشْتِقَاقَ الأكبر في الكلمة والقول ولم يعتبره هاهنا، وَهُوَ حَاصِلٌ فِيهِ، فَالْأَوَّلُ: «ل غ و» وَمِنْهُ اللُّغَةُ وَمِنْهُ أَيْضًا الْكَلَامُ اللَّغْوُ، وَالْعَمَلُ اللغو، والثاني: «ل وغ» وَيُبْحَثُ عَنْهُ، وَالثَّالِثُ: «غ ل و» وَمِنْهُ يُقَالُ: لِفُلَانٍ غُلُوٌّ فِي كَذَا، وَمِنْهُ الْغَلْوَةُ، والرابع: «غ ول» ومنه قوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ: [الصافات: 47] والخامس: «وغ ل» وَمِنْهُ يُقَالُ: فُلَانٌ أَوْغَلَ فِي كَذَا والسادس: «ول غ» وَمِنْهُ يُقَالُ: وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْكُلِّ هُوَ الْإِمْعَانُ فِي الشَّيْءِ وَالْخَوْضُ التَّامُّ فِيهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: فِي اللَّفْظِ: وَأَقُولُ: أَظُنُّ أَنَّ إِطْلَاقَ اللَّفْظِ عَلَى هَذِهِ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ عَلَى سبيل المجاز، وذلك لأنها إنما تحدث عنه إِخْرَاجِ النَّفَسِ مِنْ دَاخِلِ الصَّدْرِ إِلَى الْخَارِجِ فَالْإِنْسَانُ عِنْدَ إِخْرَاجِ النَّفَسِ مِنْ دَاخِلِ الصَّدْرِ إِلَى الْخَارِجِ يَحْبِسُهُ فِي الْمَحَابِسِ الْمُعَيَّنَةِ، ثُمَّ يُزِيلُ ذَلِكَ الْحَبْسَ، فَتَتَوَلَّدُ تِلْكَ الْحُرُوفُ فِي آخِرِ زَمَانِ حَبْسِ النَّفَسِ وَأَوَّلِ زَمَانِ إِطْلَاقِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّفْظَ هُوَ: الرَّمْيُ، وَهَذَا الْمَعْنَى حَاصِلٌ فِي هَذِهِ الْأَصْوَاتِ
وَالْحُرُوفِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَرْمِي ذَلِكَ النَّفَسَ مِنْ دَاخِلِ الصَّدْرِ إِلَى خَارِجِهِ وَيَلْفِظُهُ، وَذَلِكَ هُوَ الْإِخْرَاجُ، وَاللَّفْظُ سَبَبٌ لِحُدُوثِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ اللَّفْظِ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لِهَذَا السَّبَبِ، وَالثَّانِي: أَنَّ تَوَلُّدَ الْحُرُوفِ لَمَّا كَانَ بِسَبَبِ لَفْظِ ذَلِكَ الْهَوَاءِ مِنَ الدَّاخِلِ إِلَى الْخَارِجِ صَارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَلْفِظُ تِلْكَ الْحُرُوفَ وَيَرْمِيهَا مِنَ الدَّاخِلِ إِلَى الْخَارِجِ، وَالْمُشَابَهَةُ إِحْدَى أَسْبَابِ الْمَجَازِ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ، الْعِبَارَةُ: وَتَرْكِيبُهَا مِنْ «ع ب ر» وَهِيَ فِي تَقَالِيبِهَا السِّتَّةِ تُفِيدُ الْعُبُورَ وَالِانْتِقَالَ، فَالْأَوَّلُ: «ع ب ر» وَمِنْهُ الْعِبَارَةُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا إِلَّا إِذَا انْتَقَلَ مِنْ حَرْفٍ إِلَى حَرْفٍ آخَرَ، وَأَيْضًا كَأَنَّهُ بِسَبَبِ تِلْكَ الْعِبَارَةِ يَنْتَقِلُ الْمَعْنَى مِنْ ذِهْنِ نَفْسِهِ إِلَى ذِهْنِ السَّامِعِ، وَمِنْهُ الْعَبْرَةُ لِأَنَّ تِلْكَ الدَّمْعَةَ تَنْتَقِلُ مِنْ دَاخِلِ الْعَيْنِ إِلَى الْخَارِجِ، وَمِنْهُ الْعِبَرُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْتَقِلُ فِيهَا مِنَ الشَّاهِدِ إِلَى الْغَائِبِ. وَمِنْهُ الْمَعْبَرُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْتَقِلُ بِوَاسِطَتِهِ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيِ الْبَحْرِ إِلَى الثَّانِي، وَمِنْهُ التَّعْبِيرُ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِمَّا يَرَاهُ فِي النَّوْمِ إِلَى الْمَعَانِي الْغَائِبَةِ، وَالثَّانِي: «ع ر ب» وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الْعَرَبِ بِالْعَرَبِ لِكَثْرَةِ انْتِقَالَاتِهِمْ بِسَبَبِ رِحْلَةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ/ وَمِنْهُ «فُلَانٌ أَعْرَبَ فِي كَلَامِهِ» لِأَنَّ اللَّفْظَ قَبْلَ الْإِعْرَابِ يَكُونُ مَجْهُولًا فَإِذَا دَخَلَهُ الْإِعْرَابُ انْتَقَلَ إِلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْبَيَانِ، وَالثَّالِثُ: «ب ر ع» وَمِنْهُ «فُلَانٌ بَرَعَ فِي كَذَا» إِذَا تَكَامَلَ وَتَزَايَدَ، الرَّابِعُ: «ب ع ر» وَمِنْهُ الْبَعْرُ لِكَوْنِهِ مُنْتَقِلًا مِنَ الدَّاخِلِ إِلَى الْخَارِجِ، الْخَامِسُ: «ر ع ب» وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْخَوْفِ رُعْبٌ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْتَقِلُ عِنْدَ حُدُوثِهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ أُخْرَى، وَالسَّادِسُ: «ر ب ع» وَمِنْهُ الرَّبُعُ لِأَنَّ النَّاسَ ينتقلون منها وإليها. الفرق بين الكلمة والكلام: المسألة العاشرة: [الفرق بين الكلمة والكلام] قال أكثر النحويون: الْكَلِمَةُ غَيْرُ الْكَلَامِ، فَالْكَلِمَةُ هِيَ اللَّفْظَةُ الْمُفْرَدَةُ، وَالْكَلَامُ هُوَ الْجُمْلَةُ الْمُفِيدَةُ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَنَاوَلُ الْمُفْرَدَ وَالْمُرَكَّبَ، وَابْنُ جِنِّي وَافَقَ النَّحْوِيِّينَ وَاسْتَبْعَدَ قَوْلَ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَمَا رَأَيْتُ فِي كَلَامِهِ حُجَّةً قَوِيَّةً فِي الْفَرْقِ سِوَى أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ كَلَامًا مُشْعِرًا بِأَنَّ لَفَظَ الْكَلَامِ مُخْتَصٌّ بِالْجُمْلَةِ الْمُفِيدَةِ، وَذَكَرَ كَلِمَاتٍ أُخْرَى إِلَّا أَنَّهَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، أَمَّا الْأُصُولِيُّونَ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعُقَلَاءَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ مَا يُضَادُّ الْخَرَسَ وَالسُّكُوتَ، وَالتَّكَلُّمُ بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ يُضَادُّ الْخَرَسَ وَالسُّكُوتَ، فَكَانَ كَلَامًا، الثَّانِي: أَنَّ اشْتِقَاقَ الْكَلِمَةِ مِنَ الْكَلْمِ، وَهُوَ الْجَرْحُ وَالتَّأْثِيرُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ سَمِعَ كَلِمَةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يَفْهَمُ مَعْنَاهَا، فَهَهُنَا قَدْ حَصَلَ مَعْنَى التَّأْثِيرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا، وَالثَّالِثُ: يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنْ فُلَانًا تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ أَيْضًا: إِنَّهُ مَا تَكَلَّمَ إِلَّا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ كَلَامٌ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ تَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، الرَّابِعُ: إِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ تَكَلَّمَ فُلَانٌ بِكَلَامٍ غَيْرِ تَامٍّ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُصُولَ الْإِفَادَةِ التامة غير معتبر في اسم الكلام. مسألة فقهية في الطلاق: المسألة الحادية عشرة [مسألة فقهية في الطلاق] : تَفَرَّعَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ، وَهِيَ أُولَى مَسَائِلِ أَيْمَانِ «الْجَامِعِ الْكَبِيرِ» لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا: إِنْ كَلَّمْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالُوا: إن ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ طُلِّقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَهَلْ تَنْعَقِدُ هَذِهِ الثَّانِيَةُ طَلْقَةً؟
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: تَنْعَقِدُ، وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَنْعَقِدُ، وَحُجَّةُ زُفَرَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ إِنْ كَلَّمْتُكِ فَعِنْدَ هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْكَلَامِ حَصَلَ الشَّرْطُ، لِأَنَّ اسْمَ الْكَلَامِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا أَفَادَ شَيْئًا، سَوَاءٌ أَفَادَ فَائِدَةً تَامَّةً أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَإِذَا حَصَلَ الشَّرْطُ حَصَلَ الْجَزَاءُ، وَطُلِّقَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ إِنَّ كَلَّمْتُكِ، فَوَقَعَ تَمَامُ قَوْلِهِ: «أَنْتِ طَالِقٌ» خَارِجَ تَمَامِ مَلْكِ النِّكَاحِ، وَغَيْرَ مُضَافٍ إِلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَنْعَقِدَ، وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْطَ- وَهُوَ قَوْلُهُ إِنْ كَلَّمْتُكِ- غَيْرُ تَامٍّ، وَالْكَلَامُ اسْمٌ لِلْجُمْلَةِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ/ إِلَّا عِنْدَ تَمَامِ قَوْلِهِ إِنْ كَلَّمْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّا إِنْ قُلْنَا إِنَّ اسْمَ الْكَلَامِ يَتَنَاوَلُ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ كان القول قول زفر، وإن قلنا إنه لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا الْجُمْلَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمِمَّا يُقَوِّي قَوْلَ زُفَرَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ «إِنْ كَلَّمْتُكِ» وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهُ قَوْلَهُ: «فَأَنْتِ طَالِقٌ» طلقت، لولا أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَلَامٌ وَإِلَّا لَمَا طُلِّقَتْ، وَمِمَّا يُقَوِّي قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: «كُلَّمَا كَلَّمْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ» ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَكَلِمَةُ «كُلَّمَا» تُوجِبُ التَّكْرَارَ فَلَوْ كَانَ التَّكَلُّمُ بِالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ كَلَامًا لَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَقَاتُ الثَّلَاثُ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ: «كُلَّمَا كَلَّمْتُكِ» وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهُ قَوْلَهُ: «فَأَنْتِ طَالِقٌ» لِأَنَّ هَذَا الْمَجْمُوعَ مُشْتَمِلٌ عَلَى ذِكْرِ الْكَلِمَاتِ الْكَثِيرَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُوجِبُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَأَقُولُ: لَعَلَّ زُفَرَ يَلْتَزِمُ ذَلِكَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَحَلُّ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَا إِذَا قَالَ: «إِنْ كَلَّمْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ» أَمَّا لَوْ قَالَ: «إِنْ تَكَلَّمْتُ بِكَلِمَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ» أَوْ قَالَ: «إِنْ نَطَقْتُ» أَوْ قَالَ: «إِنْ تَلَفَّظْتُ بِلَفْظَةٍ» أَوْ قَالَ: «إِنْ قُلْتُ قَوْلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ» وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَوْلَ زُفَرَ قَوْلًا وَاحِدًا، والله أعلم. هل يطلق الكلام على المهمل: المسألة الثالثة عشرة [هل يطلق الكلام على المهمل] : لَفْظُ الْكَلِمَةِ وَالْكَلَامِ هَلْ يَتَنَاوَلُ الْمُهْمَلَ أَمْ لَا؟ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَتَنَاوَلُهُ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْكَلَامُ مِنْهُ مُهْمَلٌ وَمِنْهُ مُسْتَعْمَلٌ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ غَيْرِ مَفْهُومٍ، وَلِأَنَّ الْمُهْمَلَ يُؤَثِّرُ فِي السَّمْعِ فَيَكُونُ مَعْنَى التَّأْثِيرِ وَالْكَلَامِ حَاصِلًا فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلَامُ مُخْتَصَّانِ بِالْمُفِيدِ، إِذْ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ هَذَا الْقَيْدُ لَزِمَ تَجْوِيزُ تَسْمِيَةِ أصوات الطيور بالكلمة والكلام. هل الأصوات الطبيعية تسمى كلاما: المسألة الرابعة عشرة [هل الأصوات الطبيعية تسمى كلاما] : إِذَا حَصَلَتْ أَصْوَاتٌ مُتَرَكِّبَةٌ تَرْكِيبًا يَدُلُّ عَلَى الْمَعَانِي إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ التَّرْكِيبَ كَانَ تَرْكِيبًا طَبِيعِيًّا لَا وَضْعِيًّا فَهَلْ يُسَمَّى مِثْلُ تِلْكَ الْأَصْوَاتِ كَلِمَةً وَكَلَامًا؟ مِثْلُ أَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَ الرَّاحَةِ أَوِ الْوَجَعِ قَدْ يَقُولُ أَخْ، وَعِنْدَ السُّعَالِ قَدْ يَقُولُ أَحْ أَحْ، فَهَذِهِ أَصْوَاتٌ مُرَكَّبَةٌ، وَحُرُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى مَعَانٍ مَخْصُوصَةٍ، لَكِنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى مَدْلُولَاتِهَا بِالطَّبْعِ لَا بِالْوَضْعِ، فَهَلْ تُسَمَّى أَمْثَالُهَا كَلِمَاتٍ؟ وَكَذَلِكَ صَوْتُ الْقَطَا يُشْبِهُ كَأَنَّهُ يَقُولُ قَطَا، وَصَوْتُ اللَّقْلَقِ يُشْبِهُ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَقْ لَقْ، فَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَصْوَاتِ هَلْ تُسَمَّى كَلِمَاتٍ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَمَا رَأَيْتُ فِي الْجَانِبَيْنِ حُجَّةً مُعْتَبَرَةً، وَفَائِدَةُ هَذَا الْبَحْثِ تَظْهَرُ فِيمَا إِذَا قَالَ: إِنْ سَمِعْتُ كَلِمَةً فَعَبْدِي حُرٌّ، فَهَلْ يَتَرَتَّبُ الْحِنْثُ وَالْبِرُّ عَلَى سَمَاعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَمْ لَا؟. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: قَالَ ابْنُ جِنِّي: لَفْظُ الْقَوْلِ يَقَعُ عَلَى الْكَلَامِ التَّامِّ، وَعَلَى الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، على
سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ، أَمَّا لَفْظُ الْكَلَامِ فَمُخْتَصٌّ بِالْجُمْلَةِ التَّامَّةِ، وَلَفْظُ الْكَلِمَةِ مُخْتَصٌّ بِالْمُفْرَدِ وَحَاصِلُ كَلَامِهِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّا إِذَا بَيَّنَّا أَنَّ تَرْكِيبَ الْقَوْلِ يَدُلُّ عَلَى الْخِفَّةِ وَالسُّهُولَةِ وَجَبَ أَنْ يَتَنَاوَلَ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ، أَمَّا تَرْكِيبُ الْكَلَامِ فَيُفِيدُ التَّأْثِيرَ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنَ الْجُمْلَةِ التَّامَّةِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا يُشْكِلُ بِلَفْظِ الْكَلِمَةِ، وَمِمَّا يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: - قُلْتُ لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قَافْ سَمَّى نُطْقَهَا بِمُجَرَّدِ الْقَافِ قَوْلًا. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: قَالَ أَيْضًا إِنَّ لَفْظَ الْقَوْلِ يَصِحُّ جَعْلُهُ مَجَازًا عَنِ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْآرَاءِ، كَقَوْلِكَ: فُلَانٌ يَقُولُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ، أَيْ: يَعْتَقِدُ مَا كَانَا يَرَيَانِهِ وَيَقُولَانِ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ سَأَلْتَ رَجُلًا عَنْ صِحَّةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: لَا تَجُوزُ رُؤْيَتُهُ، فَتَقُولُ: هَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَلَا تَقُولُ هَذَا كَلَامُ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّعَسُّفِ، وَذَكَرَ أَنَّ السَّبَبَ فِي حُسْنِ هَذَا الْمَجَازِ أَنَّ الِاعْتِقَادَ لَا يُفْهَمُ إِلَّا بِغَيْرِهِ، فَلَمَّا حَصَلَتِ الْمُشَابَهَةُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا جَرَمَ حَصَلَ سبب جعله مجازا عنه. يستعمل القول في غير النطق: المسألة السابعة عشرة [يستعمل القول في غير النطق] : لَفْظُ قَالَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ النُّطْقِ، قَالَ أَبُو النَّجْمِ: - قَالَتْ لَهُ الطَّيْرُ تَقَدَّمْ رَاشِدَا ... إِنَّكَ لَا تَرْجِعُ إِلَّا حَامِدَا وَقَالَ آخَرُ: - وَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً ... وَحَدَّرَتَا كَالدُّرِّ لَمَّا يُثْقَبِ وَقَالَ: - امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ: قَطْنِي ... مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتُ بَطْنِي وَيُقَالُ فِي الْمَثَلِ: قَالَ الْجِدَارُ لِلْوَتَدِ لِمَ تَشُقُّنِي، قَالَ: سَلْ مَنْ يَدُقُّنِي، فَإِنَّ الَّذِي وَرَايِي مَا خَلَّانِي وَرَأْيِي، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: [النَّحْلِ: 40] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ: [فُصِّلَتْ: 11] . الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: الَّذِينَ يُنْكِرُونَ كَلَامَ النَّفْسِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ وَالْقَوْلَ اسْمٌ لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَالْكَلِمَاتِ، أَمَّا مُثْبِتُو كَلَامِ النَّفْسِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى النَّفْسَانِيَّ يُسَمَّى بِالْكَلَامِ وَبِالْقَوْلِ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ وَالْأَثَرِ وَالشِّعْرِ: أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ: [الْمُنَافِقُونَ: 1] وَظَاهِرٌ أَنَّهُمْ مَا كَانُوا كَاذِبِينَ فِي اللَّفْظِ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا أَنَّ مُحَمَّدًا/ رَسُولُ اللَّهِ وَكَانُوا صَادِقِينَ فِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ كَانُوا كاذبين في كلام آخر سوى اللفظ وما هو إلا كلام النفس، ولقائل أن يقول: لا نسلم أنهم ما كَانُوا كَاذِبِينَ فِي الْقَوْلِ اللِّسَانِيِّ، قَوْلُهُ: «أَخْبَرُوا أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ بَلْ أَخْبَرُوا عَنْ كَوْنِهِمْ شَاهِدِينَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَالُوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ: [المنافقون: 1] وَالشَّهَادَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ، وَهُمْ مَا كَانُوا عَالِمِينَ بِهِ، فَثَبَتَ أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ، فِيمَا أَخْبَرُوا عَنْهُ بِالْقَوْلِ اللِّسَانِيِّ، وَأَمَّا الْأَثَرُ فَمَا نُقِلَ
أَنَّ عُمَرَ قَالَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ: كُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي كَلَامًا فَسَبَقَنِي إِلَيْهِ أَبُو بكر، وأما الشاعر فَقَوْلُ الْأَخْطَلِ: - إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا وأما اللذين أَنْكَرُوا كَوْنَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ يُسَمَّى بِالْكَلَامِ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَنْطِقْ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِالْحُرُوفِ يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَأَيْضًا الْحِنْثُ وَالْبِرُّ يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: اسْمُ الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَعْنَى النَّفْسَانِيِّ وَبَيْنَ اللَّفْظِ اللِّسَانِيِّ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: هَذِهِ الْكَلِمَاتُ وَالْعِبَارَاتُ قَدْ تُسَمَّى أَحَادِيثَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [الطور: 34] وَالسَّبَبُ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ إِنَّمَا تَتَرَكَّبُ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُتَعَاقِبَةِ الْمُتَوَالِيَةِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ يَحْدُثُ عَقِيبَ صَاحِبِهِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ سُمِّيَتْ بِالْحَدِيثِ وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنَّ سَمَاعَهَا يُحْدِثُ فِي الْقُلُوبِ الْعُلُومَ وَالْمَعَانِيَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. المسألة العشرون: هاهنا أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ، فَأَحَدُهَا: الْكَلِمَةُ، وَثَانِيهَا: الْكَلَامُ، وَثَالِثُهَا: الْقَوْلُ، وَرَابِعُهَا: اللَّفْظُ، وَخَامِسُهَا: الْعِبَارَةُ، وَسَادِسُهَا: الْحَدِيثُ، وَقَدْ شَرَحْنَاهَا بِأَسْرِهَا، وَسَابِعُهَا: النُّطْقُ وَيَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ اشْتِقَاقِهِ، وَأَنَّهُ هَلْ هُوَ مُرَادِفٌ لِبَعْضِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ مُبَايِنٌ لَهَا، وَبِتَقْدِيرِ حُصُولِ الْمُبَايَنَةِ فَمَا الْفَرْقُ. الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: فِي حَدِّ الْكَلِمَةِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي أَوَّلِ «الْمُفَصَّلِ» : الْكَلِمَةُ هِيَ اللَّفْظَةُ الدَّالَّةُ عَلَى مَعْنًى مُفْرَدٍ بِالْوَضْعِ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأَنَّ صِيغَةَ الْمَاضِي كَلِمَةٌ مَعَ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى مُفْرَدٍ بِالْوَضْعِ، فَهَذَا التَّعْرِيفُ غَلَطٌ، لِأَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَمْرَيْنِ: حَدَثٌ وَزَمَانٌ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ، كَقَوْلِنَا: مَهْ، وَصَهْ، وَسَبَبُ الْغَلَطِ أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ جَعْلُ الْمُفْرَدِ صِفَةً لِلَّفْظِ، فَغَلِطَ وَجَعَلَهُ صِفَةً للمعنى. اللفظ مهمل ومستعمل وأقسامه: المسألة الثانية والعشرون [اللفظ مهمل ومستعمل وأقسامه] : اللَّفْظُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُهْمَلًا، وَهُوَ مَعْلُومٌ، أَوْ مُسْتَعْمَلًا وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَدُلَّ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَعَانِي أَلْبَتَّةَ، وَهَذَا/ هُوَ اللَّفْظُ الْمُفْرَدُ كَقَوْلِنَا فَرَسٌ وَجَمَلٌ، وَثَانِيهَا: أَنْ لَا يَدُلَّ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا حِينَ هُوَ جُزْؤُهُ أَمَّا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لِأَجْزَائِهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمَعَانِي، كَقَوْلِنَا: «عَبْدُ اللَّهِ» فَإِنَّا إِذَا اعْتَبَرْنَا هَذَا الْمَجْمُوعَ اسْمَ عَلَمٍ لَمْ يَحْصُلْ لِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ دَلَالَةٌ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، أَمَّا إِذَا جَعَلْنَاهُ مُضَافًا وَمُضَافًا إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جُزْأَيْهِ دَلَالَةٌ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَهَذَا الْقِسْمُ نُسَمِّيهِ بِالْمُرَكَّبِ، وَثَالِثُهَا: أَنْ يَحْصُلَ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْ جُزْأَيْهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَدْلُولٍ آخَرَ عَلَى جَمِيعِ الِاعْتِبَارَاتِ، وَهُوَ كَقَوْلِنَا: «الْعَالَمُ حَادِثٌ، وَالسَّمَاءُ كرة، وزيد منطلق» وهذا نسميه بالمؤلف. المسموع المقيد وأقسامه: المسألة الثالثة والعشرون [المسموع المقيد وأقسامه] : الْمَسْمُوعُ الْمُفِيدُ يَنْقَسِمُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُؤَلَّفًا وَالْمَعْنَى مُؤَلَّفًا كَقَوْلِنَا: «الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ، وَغُلَامُ زَيْدٍ» وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْمُوعُ مُفْرَدًا وَالْمَعْنَى مُفْرَدًا، وَهُوَ كَقَوْلِنَا: «الْوَحْدَةُ» وَ «النُّقْطَةُ» بَلْ قَوْلُنَا: «اللَّهُ» سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُفْرَدًا وَالْمَعْنَى مؤلفا وهو كقولك:
«إنسان» فإن للفظ مُفْرَدٌ وَالْمَعْنَى مَاهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُرَكَّبًا وَالْمَعْنَى مُفْرَدًا، وَهُوَ مُحَالٌ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: الْكَلِمَةُ هِيَ اللَّفْظَةُ الْمُفْرَدَةُ الدَّالَّةُ بِالِاصْطِلَاحِ عَلَى مَعْنًى، وَهَذَا التَّعْرِيفُ مُرَكَّبٌ مِنْ قُيُودٍ أَرْبَعَةٍ: فَالْقَيْدُ الْأَوَّلُ كَوْنُهُ لَفْظًا، وَالثَّانِي كَوْنُهُ مُفْرَدًا، وَقَدْ عَرَفْتَهُمَا، وَالثَّالِثُ كَوْنُهُ دَالًّا وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنِ الْمُهْمَلَاتِ، وَالرَّابِعُ كَوْنُهُ دَالًّا بِالِاصْطِلَاحِ وَسَنُقِيمُ الدَّلَالَةَ عَلَى أَنَّ دَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ وَضْعِيَّةٌ لَا ذَاتِيَّةٌ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: قِيلَ: الْكَلِمَةُ صَوْتٌ مُفْرَدٌ دَالٌّ عَلَى مَعْنًى بِالْوَضْعِ: قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا فِي كِتَابِ «الْأَوْسَطِ» : وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّ الصَّوْتَ مَادَّةٌ وَاللَّفْظَ جِنْسٌ، وَذِكْرُ الْجِنْسِ أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْمَادَّةِ، وَلَهُ كَلِمَاتٌ دَقِيقَةٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَادَّةِ وَالْجِنْسِ، وَمَعَ دِقَّتِهَا فَهِيَ ضَعِيفَةٌ قَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ ضَعْفِهَا فِي الْعَقْلِيَّاتِ، وَأَقُولُ: السَّبَبُ عِنْدِي فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذِكْرُ الصَّوْتِ أَنَّ الصَّوْتَ يَنْقَسِمُ إِلَى صَوْتِ الْحَيَوَانِ وَإِلَى غَيْرِهِ، وَصَوْتُ الْإِنْسَانِ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَحْدُثُ مَنْ حَلْقِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ، وَالصَّوْتُ الْحَادِثُ مِنَ الْحَلْقِ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَكُونُ حُدُوثُهُ مَخْصُوصًا بِأَحْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ مِثْلَ هَذِهِ الْحُرُوفِ، وَإِلَى مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ مِثْلَ الْأَصْوَاتِ الْحَادِثَةِ عِنْدَ الْأَوْجَاعِ وَالرَّاحَاتِ وَالسُّعَالِ وَغَيْرِهَا، فَالصَّوْتُ جِنْسٌ بَعِيدٌ، وَاللَّفْظُ جِنْسٌ قَرِيبٌ، وَإِيرَادُ الْجِنْسِ الْقَرِيبِ أَوْلَى مِنَ الْجِنْسِ الْبَعِيدِ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الشَّرْطُ فِي كَوْنِ الْكَلِمَةِ مُفِيدَةً أَنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً مِنْ حَرْفَيْنِ فَصَاعِدًا، فَنَقَضُوهُ بِقَوْلِهِمْ: «ق» و «ع» وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ فِي التَّقْدِيرِ/ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُقَالَ: «قِي» و «عِي» بِدَلِيلِ أَنَّ عِنْدَ التَّثْنِيَةِ يُقَالُ: «قِيَا» و «عِيَا» وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الْجَوَابِ بِأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ، أَمَّا الْوَاقِعُ فَحَرْفٌ وَاحِدٌ، وَأَيْضًا نَقَضُوهُ بِلَامِ التَّعْرِيفِ وَبِنُونِ التَّنْوِينِ وَبِالْإِضَافَةِ فَإِنَّهَا بِأَسْرِهَا حُرُوفٌ مُفِيدَةٌ، وَالْحَرْفُ نَوْعٌ دَاخِلٌ تَحْتَ جِنْسِ الْكَلِمَةِ، وَمَتَى صَدَقَ النَّوْعُ فَقَدْ صَدَقَ الْجِنْسُ، فَهَذِهِ الْحُرُوفُ كَلِمَاتٌ مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: كُلُّ مَنْطُوقٍ بِهِ أَفَادَ شَيْئًا بِالْوَضْعِ فَهُوَ كَلِمَةٌ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُفْرَدُ وَالْمُرَكَّبُ، وَبِقَوْلِنَا: مَنْطُوقٌ به، يقع الاحتراز عن الخط والإشارة. دلالة اللفظ على معناه غير ذاتية الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ: دَلَالَةُ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَدْلُولَاتِهَا لَيْسَتْ ذَاتِيَّةً حَقِيقِيَّةً، خِلَافًا لِعَبَّادٍ لَنَا أَنَّهَا تَتَغَيَّرُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ، وَالذَّاتِيَّاتُ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ، حُجَّةُ عَبَّادٍ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَحْصُلْ مُنَاسَبَاتٌ مَخْصُوصَةٌ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ الْمُعَيَّنَةِ وَالْمَعَانِي الْمُعَيَّنَةِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمُسَمَّاهُ تَرْجِيحًا لِلْمُمْكِنِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَجَوَابُنَا أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِاخْتِصَاصِ حُدُوثِ الْعَالَمِ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُرَجَّحْ، وَيُشْكِلُ أَيْضًا بِاخْتِصَاصِ كُلِّ إِنْسَانٍ بَاسِمِ عَلَمِهِ الْمُعَيَّنِ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: وَقَدْ يَتَّفِقُ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ كَوْنُهُ مُنَاسِبًا لِمَعْنَاهُ مِثْلَ تَسْمِيَتِهِمُ الْقَطَا بِهَذَا الِاسْمِ، لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُشْبِهُ صَوْتَهُ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي اللَّقْلَقِ، وَأَيْضًا وَضَعُوا لَفْظَ «الْخَضْمِ» لِأَكْلِ الرُّطَبِ نَحْوِ الْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ، وَلَفْظَ «الْقَضْمِ» لِأَكْلِ الْيَابِسِ نَحْوِ قَضَمَتِ الدَّابَّةُ شَعِيرَهَا، لِأَنَّ حَرْفَ الْخَاءِ يُشْبِهُ صَوْتَ أَكْلِ الشَّيْءِ الرَّطْبِ وَحَرْفَ الْقَافِ يُشْبِهُ صَوْتَ أَكْلِ الشَّيْءِ الْيَابِسِ، وَلِهَذَا الْبَابِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ جِنِّي فِي «الخصائص» .
اللغة إلهام المسألة الثلاثون [اللغة إلهام] : لَا يُمْكِنُنَا الْقَطْعُ بِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهِ، وَاحْتَجَّ فِيهِ بِالْعَقْلِ وَالنَّقْلِ: أَمَّا الْعَقْلُ فَهُوَ أَنَّ وَضْعَ الْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ لِلْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ بِوَضْعٍ آخَرَ مِنْ جَانِبِهِمْ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَضْعٍ مَسْبُوقًا بِوَضْعٍ آخَرَ لَا إِلَى نِهَايَةٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، فَوَجَبَ الِانْتِهَاءُ إِلَى مَا حَصَلَ بِتَوْقِيفِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [الْبَقَرَةِ: 31] وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الْأَلْفَاظِ لِلْمَعَانِي يَحْصُلُ بِالْإِشَارَةِ؟ وَعَنِ الثَّانِي لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ التَّعْلِيمِ الْإِلْهَامَ؟ وَأَيْضًا لَعَلَّ هَذِهِ اللُّغَاتِ وَضَعَهَا أَقْوَامٌ كَانُوا قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى عَلَّمَهَا لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: لَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ بِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِالِاصْطِلَاحِ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْعِلْمَ بِالصِّفَةِ إِذَا كَانَ ضَرُورِيًّا كَانَ الْعِلْمُ بِالْمَوْصُوفِ أَيْضًا ضَرُورِيًّا، فَلَوْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعِلْمَ فِي قَلْبِ الْعَاقِلِ بِأَنَّهُ وُضِعَ هَذَا اللَّفْظُ لِهَذَا الْمَعْنَى لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِاللَّهِ ضَرُورِيًّا وَذَلِكَ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا فِي الْقَلْبِ بِأَنَّ وَاضِعًا وَضَعَ هَذَا اللَّفْظَ لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُقَ الْعِلْمَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى؟ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: لَمَّا ضَعُفَتْ هَذِهِ الدَّلَائِلُ جَوَّزْنَا أَنْ تَكُونَ كُلُّ اللُّغَاتِ تَوْقِيفِيَّةً وَأَنْ تَكُونَ كُلُّهَا اصْطِلَاحِيَّةً، وَأَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا تَوْقِيفِيًّا وَبَعْضُهَا اصْطِلَاحِيًّا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ: اللَّفْظُ الْمُفْرَدُ لَا يُفِيدُ أَلْبَتَّةَ مُسَمَّاهُ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُ تِلْكَ اللَّفْظَةِ مَوْضُوعَةً لِذَلِكَ الْمَعْنَى لَمْ يُفِدْ شَيْئًا، لَكِنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِهَا مَوْضُوعَةً لِذَلِكَ الْمَعْنَى عِلْمٌ بِنِسْبَةٍ مَخْصُوصَةٍ بَيْنَ ذَلِكَ اللَّفْظِ وَذَلِكَ الْمَعْنَى، وَالْعِلْمُ بِالنِّسْبَةِ الْمَخْصُوصَةِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مَسْبُوقٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى مُسْتَفَادًا مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ لَزِمَ الدَّوْرُ. وَهُوَ مُحَالٌ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْخَيَالِ مُقَارَنَةٌ بَيْنَ اللَّفْظِ الْمُعَيَّنِ وَالْمَعْنَى الْمُعَيَّنِ فَعِنْدَ حُصُولِ الشُّعُورِ بِاللَّفْظِ يَنْتَقِلُ الْخَيَالُ إِلَى الْمَعْنَى، وَحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ الدَّوْرُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: وَالْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ فِي الْمُفْرَدِ غَيْرُ حَاصِلٍ فِي الْمُرَكَّبِ، لِأَنَّ إِفَادَةَ الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ لِمَعَانِيهَا إِفَادَةٌ وَضْعِيَّةٌ، أَمَّا التَّرْكِيبَاتُ فَعَقْلِيَّةٌ، فَلَا جَرَمَ عِنْدَ سَمَاعِ تِلْكَ الْمُفْرَدَاتِ يَعْتَبِرُ الْعَقْلُ تَرْكِيبَاتِهَا ثُمَّ يَتَوَصَّلُ بِتِلْكَ التَّرْكِيبَاتِ الْعَقْلِيَّةِ إِلَى الْعِلْمِ بِتِلْكَ الْمُرَكَّبَاتِ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ. اللفظ يدل على المعنى الذهني لا الخارجي المسألة الخامسة والثلاثون [اللفظ يدل على المعنى الذهني لا الخارجي] : لِلْأَلْفَاظِ دَلَالَاتٌ عَلَى مَا فِي الْأَذْهَانِ لَا عَلَى مَا فِي الْأَعْيَانِ وَلِهَذَا السَّبَبِ يُقَالُ: الْأَلْفَاظُ تَدُلُّ عَلَى الْمَعَانِي، لِأَنَّ الْمَعَانِيَ هِيَ الَّتِي عَنَاهَا الْعَانِي، وَهِيَ أُمُورٌ ذِهْنِيَّةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا جِسْمًا مِنَ الْبُعْدِ وَظَنَنَّاهُ صَخْرَةً قُلْنَا إِنَّهُ صَخْرَةٌ، فَإِذَا قَرُبْنَا مِنْهُ وَشَاهَدْنَا حَرَكَتَهُ وَظَنَنَّاهُ طَيْرًا قُلْنَا إِنَّهُ طَيْرٌ، فَإِذَا ازْدَادَ الْقُرْبُ عَلِمْنَا أَنَّهُ إِنْسَانٌ فَقُلْنَا إِنَّهُ إِنْسَانٌ، فَاخْتِلَافُ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اخْتِلَافِ التَّصَوُّرَاتِ الذِّهْنِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَ الْأَلْفَاظِ هُوَ الصُّوَرُ الذهنية لا الأعيان الخارجة، الثَّانِي أَنَّ اللَّفْظَ لَوْ دَلَّ عَلَى الْمَوْجُودِ الْخَارِجِيِّ لَكَانَ إِذَا قَالَ إِنْسَانٌ الْعَالَمُ قَدِيمٌ وَقَالَ آخَرُ الْعَالَمُ حَادِثٌ لَزِمَ كَوْنُ الْعَالَمِ قديما حادثا
مَعًا، وَهُوَ مُحَالٌ، أَمَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةِ كَانَ هَذَانِ الْقَوْلَانِ دَالَّيْنِ عَلَى حُصُولِ هَذَيْنِ/ الْحُكْمَيْنِ مِنْ هَذَيْنِ الْإِنْسَانَيْنِ، وَذَلِكَ لَا يَتَنَاقَضُ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ الْمَاهِيَّاتِ مُسَمَّيَاتٍ بِالْأَلْفَاظِ، لِأَنَّ الْمَاهِيَّاتِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ لَا يَكُونُ مَشْعُورًا بِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَمَا لَا يَكُونُ مَشْعُورًا بِهِ امْتَنَعَ وَضْعُ الِاسْمِ بِإِزَائِهِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: كُلُّ مَعْنًى كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ أَهَمَّ، كَانَ وَضْعُ اللَّفْظِ بِإِزَائِهِ أَوْلَى، مِثْلُ صِيَغِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى التَّعْبِيرِ عَنْهَا مَاسَّةٌ فَيَكُونُ الدَّاعِي إِلَى ذَلِكَ الْوَضْعِ كَامِلًا، وَالْمَانِعُ زَائِلًا، وَإِذَا كَانَ الدَّاعِي قَوِيًّا وَالْمَانِعُ زَائِلًا، كَانَ الْفِعْلُ بِهِ وَاجِبَ الْحُصُولِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْمَعْنَى الَّذِي يَكُونُ خَفِيًّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ مُسَمًّى بِاللَّفْظِ الْمَشْهُورِ، مِثَالُهُ لَفْظَةُ الْحَرَكَةِ لَفْظَةٌ مَشْهُورَةٌ وَكَوْنُ الْجِسْمِ مُنْتَقِلًا مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ أَمْرٌ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، أَمَّا الَّذِي يَقُولُ بِهِ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ- وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُوجِبُ ذَلِكَ الِانْتِقَالَ- فَهُوَ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يَتَصَوَّرُهُ إِلَّا الْخَوَاصُّ مِنَ النَّاسِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ: الْحَرَكَةُ اسْمٌ لِنَفْسِ هَذَا الِانْتِقَالِ لَا لِلْمَعْنَى الَّذِي يُوجِبُ الِانْتِقَالَ وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ اسْمًا لِنَفْسِ الْعَالِمِيَّةِ، وَالْقُدْرَةُ اسْمًا لِلْقَادِرِيَّةِ، لَا لِلْمَعْنَى الْمُوجِبِ للعالمية والقادرية. المعنى اسم للصورة الذهنية المسألة التاسعة والثلاثون [المعنى اسم للصورة الذهنية] فِي الْمَعْنَى: الْمَعْنَى اسْمٌ لِلصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ لَا لِلْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ لِأَنَّ الْمَعْنَى عِبَارَةٌ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي عَنَاهُ الْعَانِي وَقَصَدَهُ الْقَاصِدُ، وَذَاكَ بِالذَّاتِ هُوَ الْأُمُورُ الذِّهْنِيَّةُ، وَبِالْعَرَضِ الْأَشْيَاءُ الْخَارِجِيَّةُ، فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ الْقَائِلَ أَرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ قَصَدَ بِذِكْرِ ذَلِكَ اللَّفْظِ تَعْرِيفَ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُتَصَوَّرِ. الْمَسْأَلَةُ الْأَرْبَعُونَ: قَدْ يُقَالُ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهَا بِالْأَلْفَاظِ، مِثْلُ أَنَّا نُدْرِكُ بِالضَّرُورَةِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الْحَلَاوَةِ الْمُدْرَكَةِ مِنَ النَّبَاتِ وَالْحَلَاوَةِ الْمُدْرَكَةِ مِنَ الطَّبَرْزَذِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى تَعْرِيفِ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، وَأَيْضًا رُبَّمَا اتَّفَقَ حُصُولُ أَحْوَالٍ فِي نَفْسِ بَعْضِ النَّاسِ وَلَا يُمْكِنُهُ تَعْرِيفُ تِلْكَ الْحَالَةِ بِحَسَبِ التَّعْرِيفَاتِ اللَّفْظِيَّةِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ مَا بِهِ يَمْتَازُ حَلَاوَةُ النَّبَاتِ مِنْ حَلَاوَةِ الطَّبَرْزَذُ مَا وَضَعُوا لَهُ فِي اللُّغَةِ لَفْظَةً مُعَيَّنَةً، بَلْ لَا يُمْكِنُ ذِكْرُهَا إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْإِضَافَةِ، مِثْلَ أَنْ يُقَالَ حَلَاوَةُ النَّبَاتِ وَحَلَاوَةُ الطَّبَرْزَذِ، فَلَمَّا لَمْ تُوضَعْ لِتِلْكَ التَّفْرِقَةِ لَفْظَةٌ مَخْصُوصَةٌ لَا جَرَمَ لَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهَا بِاللَّفْظِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ وَضَعُوا لَهَا لَفْظَةً لَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ تَعْرِيفُهَا بِاللَّفْظِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، / وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَدْرَكَ مِنْ نَفْسِهِ حَالَةً مَخْصُوصَةً وَسَائِرُ النَّاسِ مَا أَدْرَكُوا تِلْكَ الْحَالَةَ الْمَخْصُوصَةَ اسْتَحَالَ لِهَذَا الْمُدْرِكِ وَضْعُ لَفْظٍ لِتَعْرِيفِهِ، لِأَنَّ السَّامِعَ مَا لَمْ يَعْرِفِ الْمُسَمَّى أَوَّلًا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَفْهَمَ كَوْنَ هَذَا اللَّفْظِ مَوْضُوعًا لَهُ، فَلَمَّا لَمْ يَحْصُلْ تَصَوُّرُ تِلْكَ الْمَعَانِي عِنْدَ السَّامِعِينَ امْتَنَعَ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَوَّرُوا كَوْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَوْضُوعَةً لَهَا، فَلَا جَرَمَ امْتَنَعَ تَعْرِيفُهَا، أَمَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ جَمَاعَةً تَصَوَّرُوا تِلْكَ الْمَعَانِيَ ثُمَّ وَضَعُوا لَهَا أَلْفَاظًا مَخْصُوصَةً فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ كَانَ
يُمْكِنُ تَعْرِيفُ تِلْكَ الْأَحْوَالِ بِالْبَيَانَاتِ اللَّفْظِيَّةِ- فَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُتَصَوَّرَ مَعْنَى مَا يُقَالُ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَعَانِي لَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهَا بِالْأَلْفَاظِ. الحكمة في وضع الألفاظ للمعاني المسألة الحادية والأربعون [الحكمة في وضع الألفاظ للمعاني] : فِي الْحِكْمَةِ فِي وَضْعِ الْأَلْفَاظِ لِلْمَعَانِي: وَهِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ بِحَيْثُ لَا يَسْتَقِلُّ بِتَحْصِيلِ جَمِيعِ مُهِمَّاتِهِ فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُعَرِّفَ غَيْرَهُ مَا فِي ضَمِيرِهِ لِيُمْكِنُهُ التَّوَسُّلُ بِهِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالْغَيْرِ، وَلَا بُدَّ لِذَلِكَ التَّعْرِيفِ مِنْ طَرِيقٍ، وَالطُّرُقُ كَثِيرَةٌ مِثْلُ الْكِتَابَةِ وَالْإِشَارَةِ وَالتَّصْفِيقِ بِالْيَدِ وَالْحَرَكَةِ بِسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، إِلَّا أَنْ أَسْهَلَهَا وَأَحْسَنَهَا هُوَ تَعْرِيفُ مَا فِي الْقُلُوبِ وَالضَّمَائِرِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا أَنَّ النَّفَسَ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ سَبَبٌ لِحُدُوثِ الصَّوْتِ، وَالْأَصْوَاتُ عِنْدَ تَقْطِيعَاتِهَا أَسْبَابٌ لِحُدُوثِ الْحُرُوفِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي تَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ وَمَعُونَةٍ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ وَالْإِشَارَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَالثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْأَصْوَاتَ كَمَا تُوجَدُ تَفْنَى عَقِيبَهُ فِي الْحَالِ، فَعِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ تَحْصُلُ وَعِنْدَ زَوَالِ الْحَاجَةِ تَفْنَى وَتَنْقَضِي، وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْأَصْوَاتَ بِحَسَبِ التَّقْطِيعَاتِ الْكَثِيرَةِ فِي مَخَارِجِ الْحُرُوفِ تَتَوَلَّدُ مِنْهَا الْحُرُوفُ الْكَثِيرَةُ، وَتِلْكَ الْحُرُوفُ الْكَثِيرَةُ بِحَسَبِ تَرْكِيبَاتِهَا الْكَثِيرَةِ يَتَوَلَّدُ مِنْهَا كَلِمَاتٌ تَكَادُ أَنْ تَصِيرَ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ، فَإِذَا جَعَلْنَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَعَانِي وَاحِدًا مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ تَوَزَّعَتِ الْأَلْفَاظُ عَلَى الْمَعَانِي مِنْ غَيْرِ الْتِبَاسٍ وَاشْتِبَاهٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْإِشَارَةِ وَالتَّصْفِيقِ، فَلِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ قَضَتِ الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ، بِأَنَّ أَحْسَنَ التَّعْرِيفَاتِ لِمَا في القلوب هو الألفاظ. لذاته معرفة الحق المسألة الثانية والأربعون [لذاته معرفة الحق] : كَمَالُ الْإِنْسَانِ فِي أَنْ يَعْرِفَ الْحَقَّ لِذَاتِهِ، وَالْخَيْرَ لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِهِ، وَجَوْهَرُ النَّفْسِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ عَارٍ عَنْ هَذَيْنِ الْكَمَالَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُهَا اكْتِسَابُ هَذِهِ الْكَمَالَاتِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ هَذَا الْبَدَنِ، فَصَارَ تَخْلِيقُ هَذَا الْبَدَنِ مَطْلُوبًا لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ، ثُمَّ إِنَّ مَصَالِحَ هَذَا الْبَدَنِ مَا كَانَتْ تَتِمُّ إِلَّا إِذَا كَانَ الْقَلْبُ يَنْبُوعًا لِلْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْحَرَارَةُ قَوِيَّةً احْتَاجَتْ إِلَى التَّرْوِيحِ لِأَجْلِ التَّعْدِيلِ، فَدَبَّرَ الْخَالِقُ الرَّحِيمُ الْحَكِيمُ هَذَا الْمَقْصُودَ بِأَنْ جَعَلَ لِلْقَلْبِ قُوَّةَ انْبِسَاطٍ بِهَا يَجْذِبُ الْهَوَاءَ الْبَارِدَ مِنْ خَارِجِ الْبَدَنِ إِلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ إِذَا بَقِيَ ذَلِكَ الْهَوَاءُ فِي الْقَلْبِ لَحْظَةً/ تَسَخَّنَ وَاحْتَدَّ وَقَوِيَتْ حَرَارَتُهُ، فَاحْتَاجَ الْقَلْبُ إِلَى دَفْعِهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَذَلِكَ هُوَ الِانْقِبَاضُ فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا انْقَبَضَ انْعَصَرَ مَا فِيهِ مِنَ الْهَوَاءِ وَخَرَجَ إِلَى الْخَارِجِ، فَهَذَا هُوَ الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ الْحَيَوَانِ مُتَنَفِّسًا، وَالْمَقْصُودُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ هُوَ تَكْمِيلُ جَوْهَرِ النَّفْسِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَوَقَعَ تَخْلِيقُ الْبَدَنِ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْمَطْلُوبِيَّةِ، وَوَقَعَ تَخْلِيقُ الْقَلْبِ وَجَعْلُهُ مَنْبَعًا لِلْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ، وَوَقَعَ إِقْدَارُ الْقَلْبِ عَلَى الِانْبِسَاطِ الْمُوجِبِ لِانْجِذَابِ الْهَوَاءِ الطَّيِّبِ مِنَ الْخَارِجِ لِأَجْلِ التَّرْوِيحِ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ، وَوَقَعَ إِقْدَارُ الْقَلْبِ عَلَى الِانْقِبَاضِ الْمُوجِبِ لِخُرُوجِ ذَلِكَ الْهَوَاءِ الْمُحْتَرِقِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْخَامِسَةِ، وَوَقَعَ صَرْفُ ذَلِكَ الْهَوَاءِ الْخَارِجِ عِنْدَ انْقِبَاضِ الْقَلْبِ إِلَى مَادَّةِ الصَّوْتِ فِي الْمَرْتَبَةِ السَّادِسَةِ، ثُمَّ إِنَّ الْمُقَدِّرَ الْحَكِيمَ وَالْمُدَبِّرَ الرَّحِيمَ جَعَلَ هَذَا الْأَمْرَ الْمَطْلُوبَ عَلَى سَبِيلِ الْغَرَضِ الْوَاقِعِ فِي الْمَرْتَبَةِ السَّابِعَةِ مَادَّةً لِلصَّوْتِ، وَخَلَقَ مَحَابِسَ وَمَقَاطِعَ لِلصَّوْتِ فِي الْحَلْقِ وَاللِّسَانِ وَالْأَسْنَانِ وَالشَّفَتَيْنِ، وَحِينَئِذٍ يَحْدُثُ بِذَلِكَ السَّبَبِ هَذِهِ الْحُرُوفُ الْمُخْتَلِفَةُ، وَيَحْدُثُ مِنْ تَرْكِيبَاتِهَا الْكَلِمَاتُ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا، ثُمَّ أَوْدَعَ فِي هَذَا النُّطْقِ وَالْكَلَامِ حِكَمًا عَالِيَةً وَأَسْرَارًا بَاهِرَةً عَجَزَتْ عقول الأولين
وَالْآخِرِينَ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِقَطْرَةٍ مِنْ بَحْرِهَا وَشُعْلَةٍ مِنْ شَمْسِهَا، فَسُبْحَانَ الْخَالِقِ الْمُدَبِّرِ بِالْحِكْمَةِ الْبَاهِرَةِ والقدرة الغير متناهية. الكلام اللساني المسألة الثالثة والأربعون [الكلام اللساني] : ظَهَرَ بِمَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْكَلَامِ اللِّسَانِيِّ إِلَّا الِاصْطِلَاحُ مِنَ النَّاسِ عَلَى جَعْلِ هَذِهِ الْأَصْوَاتِ الْمُقَطَّعَةِ وَالْحُرُوفِ الْمُرَكَّبَةِ مُعَرِّفَاتٍ لِمَا فِي الضَّمَائِرِ، وَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَوَاضَعُوا عَلَى جَعْلِ أَشْيَاءَ غَيْرِهَا مُعَرِّفَاتٍ لِمَا فِي الضَّمَائِرِ لَكَانَتْ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ كَلَامًا أَيْضًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ صِفَةً حَقِيقِيَّةً مِثْلَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، بَلْ أَمْرًا وَضْعِيًّا اصْطِلَاحِيًّا، وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّ الْكَلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلٍ مَخْصُوصٍ يَفْعَلُهُ الْحَيُّ الْقَادِرُ لِأَجْلِ أَنْ يُعَرِّفَ غَيْرَهُ مَا فِي ضَمِيرِهِ مِنَ الْإِرَادَاتِ وَالِاعْتِقَادَاتِ، وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كَوْنِ الْإِنْسَانِ مُتَكَلِّمًا بِهَذِهِ الْحُرُوفِ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ فَاعِلًا لَهَا لِهَذَا الْغَرَضِ الْمَخْصُوصِ، وَأَمَّا الْكَلَامُ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالنَّفْسِ فَهِيَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ كَالْعُلُومِ وَالْقُدَرِ وَالْإِرَادَاتِ. الكلام النفسي والذهني: المسألة الرابعة والأربعون [الكلام النفسي والذهني] : لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ دَلَائِلُ عَلَى مَا فِي الضَّمَائِرِ وَالْقُلُوبِ، وَالْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ هُوَ الْإِرَادَاتُ وَالِاعْتِقَادَاتُ أَوْ نَوْعٌ آخَرُ، قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: صِيغَةُ «افْعَلْ» لَفْظَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِإِرَادَةِ الْفِعْلِ، وَصِيغَةُ الْخَبَرِ لَفْظَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِتَعْرِيفِ أَنَّ ذَلِكَ القائل يعتقد أن الأمر لفلاني كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الطَّلَبُ النَّفْسَانِيُّ مُغَايِرٌ لِلْإِرَادَةِ، وَالْحُكْمُ الذِّهْنِيُّ أَمْرٌ مُغَايِرٌ لِلِاعْتِقَادِ، أَمَّا بَيَانُ أَنَّ الطَّلَبَ النَّفْسَانِيَّ مُغَايِرٌ لِلْإِرَادَةِ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَالَى/ أَمَرَ الْكَافِرَ بِالْإِيمَانِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَمْ يُرِدْ مِنْهُ الْإِيمَانَ، وَلَوْ أَرَادَهُ لَوَقَعَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّ قُدْرَةَ الْكَافِرِ إِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ كَانَ خَالِقُ تِلْكَ الْقُدْرَةِ مُرِيدًا لِلْكُفْرِ، لِأَنَّ مُرِيدَ الْعِلَّةِ مُرِيدٌ لِلْمَعْلُولِ، وَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً لِلْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ امْتَنَعَ رُجْحَانُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ، وَذَلِكَ الْمُرَجَّحُ إِنْ كَانَ مِنَ العبد عاد التقسيم الأول فيه، وَإِنْ كَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَجْمُوعُ الْقُدْرَةِ مَعَ الدَّاعِيَةِ مُوجِبًا لِلْكُفْرِ، وَمُرِيدُ الْعِلَّةِ مُرِيدٌ لِلْمَعْلُولِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى مُرِيدُ الْكُفْرِ مِنَ الْكَافِرِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِأَنَّ الْكَافِرَ يَكْفُرُ وَحُصُولُ هَذَا الْعِلْمِ ضِدٌّ لِحُصُولِ الْإِيمَانِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحَالٌ، وَالْعَالِمُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ لَا يَكُونُ مُرِيدًا لَهُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْكَافِرَ بِالْإِيمَانِ، وَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ مِنْهُ الْإِيمَانَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِعْلَ شَيْءٍ آخَرَ سِوَى الْإِرَادَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّ الْحُكْمَ الذِّهْنِيَّ مُغَايِرٌ لِلِاعْتِقَادِ وَالْعِلْمِ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: الْعَالَمُ قَدِيمٌ فَمَدْلُولُ هَذَا اللَّفْظِ هُوَ حُكْمُ هَذَا الْقَائِلِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ بِلِسَانِهِ هَذَا مَعَ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَالَمَ لَيْسَ بِقَدِيمٍ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْحُكْمَ الذِّهْنِيَّ حَاصِلٌ، وَالِاعْتِقَادَ غَيْرُ حاصل، فالحكم الذهني مغاير للاعتقاد. مدلولات الألفاظ المسألة الخامسة والأربعون [مدلولات الألفاظ] : مَدْلُولَاتُ الْأَلْفَاظِ قَدْ تَكُونُ أَشْيَاءَ مُغَايِرَةً لِلْأَلْفَاظِ: كَلَفْظَةِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ تَكُونُ مَدْلُولَاتُهَا أَيْضًا أَلْفَاظًا كَقَوْلِنَا: اسْمٌ، وَفِعْلٌ، وَحَرْفٌ، وَعَامٌّ، وَخَاصٌّ، وَمُجْمَلٌ، وَمُبَيَّنٌ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ أَسْمَاءٌ وَمُسَمَّيَاتُهَا أيضا ألفاظ.
طرق معرفة اللغة المسألة السادسة والأربعون [طرق معرفة اللغة] : طَرِيقُ مَعْرِفَةِ اللُّغَاتِ إِمَّا الْعَقْلُ وَحْدَهُ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِمَّا النَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ أَوِ الْآحَادُ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِمَّا مَا يَتَرَكَّبُ عَنْهُمَا: كَمَا إِذَا قِيلَ: ثَبَتَ بِالنَّقْلِ جَوَازُ إِدْخَالِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى صِيغَةِ مَنْ، وَثَبَتَ بِالنَّقْلِ أَنَّ حُكْمَ الِاسْتِثْنَاءِ إِخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ فِيهِ، فَيَلْزَمُ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا بِحُكْمِ الْعَقْلِ كَوْنُ تِلْكَ الصِّيغَةِ مَوْضُوعَةً لِلْعُمُومِ، وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ تَعْوِيلُ الْأَكْثَرِينَ فِي إِثْبَاتِ أَكْثَرِ اللُّغَاتِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ قُلْنَا إِنَّ وَاضِعَ تَيْنِكِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَرِفًا بِهَذِهِ الْمُلَازَمَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّنَاقُضُ، لَكِنَّ الْوَاضِعَ لِلُّغَاتِ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَجَبَ تَنْزِيهُهُ عَنِ الْمُنَاقَضَةِ، أَمَّا لَوْ كَانَ هُوَ النَّاسَ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ وَلَمَّا كَانَ هَذَا الأصل مشكوكا كان ذلك الدليل مثله. من اللغة ما بلغنا بالتواتر المسألة السابعة والأربعون [من اللغة ما بلغنا بالتواتر] : اللُّغَاتُ الْمَنْقُولَةُ إِلَيْنَا بَعْضُهَا مَنْقُولٌ بِالتَّوَاتُرِ، وَبَعْضُهَا مَنْقُولٌ بِالْآحَادِ، وَطَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي كَوْنِهَا مُتَوَاتِرَةً فَقَالَ: أَشْهَرُ الْأَلْفَاظِ هُوَ قَوْلُنَا «اللَّهُ» ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَقِيلَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً بَلْ هِيَ عِبْرِيَّةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهَا اسْمٌ عَلَمٌ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مِنَ الْأَسْمَاءِ/ الْمُشْتَقَّةِ، وَذَكَرُوا فِي اشْتِقَاقِهَا وُجُوهًا عَشَرَةً، وَبَقِيَ الْأَمْرُ فِي هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ مَوْقُوفًا إِلَى الْآنِ وَأَيْضًا فَلَفْظَةُ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِمَا اخْتِلَافًا شَدِيدًا، وَكَذَا صِيَغُ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، مَعَ أَنَّهَا أَشَدُّ الْأَلْفَاظِ شُهْرَةً، وَإِذَا كَانَ الْحَالُ كَذَلِكَ فِي الْأَظْهَرِ الْأَقْوَى فَمَا ظَنُّكَ بِمَا سِوَاهَا؟ وَالْحَقُّ أَنَّ وُرُودَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي أُصُولِ هَذِهِ الْمَوَارِدِ مَعْلُومٌ بِالتَّوَاتُرِ، فَأَمَّا مَاهِيَّاتُهَا وَاعْتِبَارَاتُهَا فَهِيَ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا، وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي حُصُولِ التَّوَاتُرِ فِي الْأَصْلِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: مِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ حُصُولَ التَّوَاتُرِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي هَذَا الْوَقْتِ، إِلَّا أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ حَالَ الْأَدْوَارِ الْمَاضِيَةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَلَعَلَّ النَّقْلَ يَنْتَهِي فِي بَعْضِ الْأَدْوَارِ الْمَاضِيَةِ إِلَى الْآحَادِ، وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَاشْتَهَرَ وَبَلَغَ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ إِنْ صَحَّتْ فَإِنَّمَا تَصِحُّ فِي الْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ. وَأَمَّا التَّصَرُّفَاتُ فِي الْأَلْفَاظِ فَهِيَ وَقَائِعُ حَقِيرَةٌ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ حَاصِلٌ بِأَنَّ لَفْظَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْجِدَارِ وَالدَّارِ كَانَ حَالُهَا وَحَالُ أَشْبَاهِهَا فِي الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ كَحَالِهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: لَا شَكَّ أَنَّ أَكْثَرَ اللُّغَاتِ مَنْقُولٌ بِالْآحَادِ، وَرِوَايَةُ الْوَاحِدِ إِنَّمَا تُفِيدُ الظَّنَّ عِنْدَ اعْتِبَارِ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَتَصَفُّحِ أَحْوَالِهِمْ بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ شَرَطُوا هَذِهِ الشَّرَائِطَ فِي رُوَاةِ الْأَحَادِيثِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوهَا فِي رُوَاةِ اللُّغَاتِ، مَعَ أَنَّ اللُّغَاتِ تَجْرِي مَجْرَى الْأُصُولِ لِلْأَحَادِيثِ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا السُّؤَالَ أَنَّ الْأُدَبَاءَ طَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ بِالتَّجْهِيلِ تَارَةً وَبِالتَّفْسِيقِ أُخْرَى، وَالْعَدَاوَةُ الْحَاصِلَةُ بَيْنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ مَشْهُورَةٌ، وَنِسْبَةُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ أَكْثَرَ الْأُدَبَاءِ إِلَى مَا لَا يَنْبَغِي مَشْهُورَةٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَتْ رِوَايَاتُهُمْ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ تَسْقُطُ أَكْثَرُ اللُّغَاتِ عَنْ دَرَجَاتِ الْقَبُولِ، وَالْحَقُّ أَنَّ أَكْثَرَ اللُّغَاتِ قَرِيبٌ مِنَ التَّوَاتُرِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَسْقُطُ هَذَا الطَّعْنُ. دلالة الألفاظ على معانيها ظنية: الْمَسْأَلَةُ الْخَمْسُونَ [دَلَالَةُ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعَانِيهَا ظَنِّيَّةٌ] : دَلَالَةُ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعَانِيهَا ظَنِّيَّةٌ لِأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى نَقْلِ اللُّغَاتِ، وَنَقْلِ الْإِعْرَابَاتِ
الباب الثاني في المباحث المستنبطة من الصوت والحروف وأحكامها، وفيه مسائل
وَالتَّصْرِيفَاتِ، مَعَ أَنَّ أَوَّلَ أَحْوَالِ تِلْكَ النَّاقِلِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا آحَادًا وَرِوَايَةُ الْآحَادِ لَا تُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَأَيْضًا فَتِلْكَ الدَّلَائِلُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاكِ، وَعَدَمِ الْمَجَازِ، وَعَدَمِ النَّقْلِ، وَعَدَمِ الْإِجْمَالِ، وَعَدَمِ التَّخْصِيصِ، وَعَدَمِ الْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ، فَإِنَّ بِتَقْدِيرِ حُصُولِهِ يَجِبُ صَرْفُ اللَّفْظِ إِلَى الْمَجَازِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اعْتِقَادَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ ظَنٌّ مَحْضٌ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الظَّنِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ظَنًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمَبَاحِثِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنَ الصَّوْتِ وَالْحُرُوفِ وَأَحْكَامُهَا، وَفِيهِ مَسَائِلُ كيفية حدوث الصوت: المسألة الأولى [كيفية حدوث الصوت] : ذَكَرَ الرَّئِيسُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا فِي تَعْرِيفِ الصَّوْتِ أَنَّهُ كَيْفِيَّةٌ تَحْدُثُ مِنْ تَمَوُّجِ الْهَوَاءِ الْمُنْضَغِطِ بَيْنَ قَارِعٍ وَمَقْرُوعٍ، وَأَقُولُ: إِنَّ مَاهِيَّةَ الصَّوْتِ مُدْرَكَةٌ بِحِسِّ السَّمْعِ وَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ أَظْهَرَ مِنَ الْمَحْسُوسِ حَتَّى يَعْرِفَ الْمَحْسُوسَ بِهِ، بَلْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى سَبَبِ حدوثه، لا إلى تعريف ماهيته. الصوت ليس بجسم: المسألة الثانية [الصوت ليس بجسم] : يُقَالُ إِنَّ النَّظَّامَ الْمُتَكَلِّمَ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الصَّوْتَ جِسْمٌ، وَأَبْطَلُوهُ بِوُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّ الْأَجْسَامَ مُشْتَرِكَةٌ فِي الْجِسْمِيَّةِ وَغَيْرُ مُشْتَرِكَةٍ فِي الصَّوْتِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْأَجْسَامَ مُبْصَرَةٌ وَمَلْمُوسَةٌ أَوَّلًا وَثَانِيًا وَلَيْسَ الصَّوْتُ كَذَلِكَ، وَمِنْهَا أَنَّ الْجِسْمَ بَاقٍ وَالصَّوْتُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَقُولُ: النَّظَّامُ كَانَ مِنْ أَذْكِيَاءِ النَّاسِ وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ أَنَّ الصَّوْتَ نَفْسُ الْجِسْمِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى أَنَّ سَبَبَ حُدُوثِ الصَّوْتِ تَمَوُّجُ الْهَوَاءِ ظَنَّ الْجُهَّالُ بِهِ أَنَّهُ يَقُولُ إِنَّهُ عَيْنُ ذَلِكَ الْهَوَاءِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّوْتُ اصْطِكَاكُ الْأَجْسَامِ الصَّلْبَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الِاصْطِكَاكَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُمَاسَّةِ وَهِيَ مُبْصَرَةٌ، وَالصَّوْتُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: الصَّوْتُ نَفْسُ الْقَرْعِ أَوِ الْقَلْعِ، وَقِيلَ إِنَّهُ تَمَوُّجُ الْحَرَكَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْوَالَ مُبْصَرَةٌ، وَالصَّوْتُ غَيْرُ مُبْصَرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قِيلَ سَبَبُهُ الْقَرِيبُ تَمَوُّجُ الْهَوَاءِ، وَلَا نَعْنِي بِالتَّمَوُّجِ حَرَكَةً انْتِقَالِيَّةً مِنْ مَبْدَأٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ إِلَى مُنْتَهًى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، بَلْ حَالَةٌ شَبِيهَةٌ بِتَمَوُّجِ الْهَوَاءِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ يَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا لِصَدْمٍ بَعْدَ صَدْمٍ وَسُكُونٍ بَعْدَ سُكُونٍ، وَأَمَّا سَبَبُ التَّمَوُّجِ فَإِمْسَاسٌ عَنِيفٌ، وَهُوَ الْقَرْعُ، أَوْ تَفْرِيقٌ عَنِيفٌ، وَهُوَ الْقَلْعُ، وَيُرْجَعُ فِي تَحْقِيقِ هَذَا إِلَى «كُتُبِنَا العقلية» . حد الحرف: المسألة الخامسة [حد الحرف] : قَالَ الشَّيْخُ الرَّئِيسُ فِي حَدِّ الْحَرْفِ: إِنَّهُ هَيْئَةٌ عَارِضَةٌ لِلصَّوْتِ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ صَوْتٍ آخَرَ مِثْلِهِ فِي الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ تَمَيُّزًا فِي المسموع.
حروف المد واللين: المسألة السادسة [حروف المد واللين] : الْحُرُوفُ إِمَّا مُصَوَّتَةٌ، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى فِي النَّحْوِ حُرُوفَ الْمَدِّ وَاللِّينِ، وَلَا يُمْكِنُ الِابْتِدَاءُ بِهَا أَوْ صَامِتَةٌ وَهِيَ مَا عَدَاهَا، أَمَّا الْمُصَوَّتَةُ فَلَا شَكَّ أَنَّهَا مِنَ الْهَيْئَاتِ الْعَارِضَةِ لِلصَّوْتِ، وَأَمَّا الصَّوَامِتُ فَمِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ تَمْدِيدُهُ كَالْبَاءِ وَالتَّاءِ وَالدَّالِ وَالطَّاءِ، وَهِيَ لَا تُوجَدُ/ إِلَّا فِي «الْآنِ» الَّذِي هُوَ آخِرُ زَمَانِ حَبْسِ النَّفَسِ وَأَوَّلُ زَمَانِ إِرْسَالِهِ، وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْتِ كَالنُّقْطَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَطِّ وَالْآنَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَانِ، وَهَذِهِ الْحُرُوفُ لَيْسَتْ بِأَصْوَاتٍ وَلَا عَوَارِضِ أَصْوَاتٍ، وَإِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ تَحْدُثُ فِي مَبْدَأِ حُدُوثِ الْأَصْوَاتِ، وَتَسْمِيَتُهَا بِالْحُرُوفِ حَسَنَةٌ لِأَنَّ الْحَرْفَ هُوَ الطَّرَفُ، وَهَذِهِ الْحُرُوفُ أَطْرَافُ الْأَصْوَاتِ وَمَبَادِيهَا، وَمِنَ الصَّوَامِتِ مَا يُمْكِنُ تَمْدِيدُهَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، ثُمَّ هَذِهِ عَلَى قِسْمَيْنِ: مِنْهَا مَا الظَّنُّ الْغَالِبُ أَنَّهَا آنِيَّةُ الْوُجُودِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَتْ زَمَانِيَّةً بِحَسَبِ الْحِسِّ، مِثْلُ الْحَاءِ وَالْخَاءِ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَنَّ هَذِهِ جَاءَتْ آنِيَّةً مُتَوَالِيَةً كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا آتي الْوُجُودِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَكِنَّ الْحِسَّ لَا يَشْعُرُ بِامْتِيَازِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ فَيَظُنُّهَا حَرْفًا وَاحِدًا زَمَانِيًّا، وَمِنْهَا مَا الظَّنُّ الْغَالِبُ كَوْنُهَا زَمَانِيَّةً فِي الْحَقِيقَةِ كَالسِّينِ وَالشِّينِ، فَإِنَّهَا هَيْئَاتٌ عَارِضَةٌ لِلصَّوْتِ مُسْتَمِرَّةٌ بِاسْتِمْرَارِهِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: الْحَرْفُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ إِمَّا سَاكِنًا أَوْ مُتَحَرِّكًا، وَلَا نُرِيدُ بِهِ حُلُولَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فِيهِ، لِأَنَّهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُوجَدُ عَقِيبَ الصَّامِتِ بِصَوْتٍ مَخْصُوصٍ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الْحَرَكَاتُ أَبْعَاضُ الْمُصَوَّتَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ الْمُصَوَّتَاتِ قَابِلَةٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَلَا طَرَفَ فِي جَانِبِ النُّقْصَانِ إِلَّا هَذِهِ الْحَرَكَاتُ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ إِذَا مُدَّتْ حَدَثَتِ الْمُصَوَّتَاتُ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِنَا. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: الصَّامِتُ سَابِقٌ على المصوت المقصور الَّذِي يُسَمَّى بِالْحَرَكَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ التَّكَلُّمَ بِهَذِهِ الْحَرَكَاتِ مَوْقُوفٌ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالصَّامِتِ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَرَكَاتُ سَابِقَةً عَلَى هَذِهِ الصَّوَامِتِ لَزِمَ الدور، وهو محال. الكلام حادث لا قديم: المسألة العاشرة [الكلام حادث لا قديم] : الْكَلَامُ الَّذِي هُوَ مُتَرَكِّبٌ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي بَدِيهَةِ الْعَقْلِ كَوْنُهُ قَدِيمًا لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكَلِمَةَ لَا تَكُونُ كَلِمَةً إِلَّا إِذَا كَانَتْ حُرُوفُهَا مُتَوَالِيَةً فَالسَّابِقُ الْمُنْقَضِي مُحْدَثٌ، لِأَنَّ مَا ثَبَتَ عَدَمُهُ امْتَنَعَ قِدَمُهُ، وَالْآتِي الْحَادِثُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَوَّلِ لَا شَكَّ أَنَّهُ حَادِثٌ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُرُوفَ الَّتِي مِنْهَا تَأَلَّفَتِ الْكَلِمَةُ إِنْ حَصَلَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ تَحْصُلِ الْكَلِمَةُ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الثُّلَاثِيَّةَ يُمْكِنُ وُقُوعُهَا عَلَى التَّقَالِيبِ السِّتَّةِ فَلَوْ حَصَلَتِ الْحُرُوفُ مَعًا لَمْ يَكُنْ وُقُوعُهَا عَلَى بَعْضِ تِلْكَ الْوُجُوهِ أَوْلَى مِنْ وُقُوعِهَا عَلَى سَائِرِهَا، وَلَوْ حَصَلَتْ عَلَى التَّعَاقُبِ كَانَتْ حَادِثَةً، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْحُرُوفِ بِالْعَقْلِ وَالنَّقْلِ: أَمَّا الْعَقْلُ فَهُوَ أَنَّ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ مَاهِيَّةً مَخْصُوصَةً بِاعْتِبَارِهَا تَمْتَازُ عَمَّا سِوَاهَا، وَالْمَاهِيَّاتُ لَا تَقْبَلُ/ الزَّوَالَ وَلَا الْعَدَمَ، فَكَانَتْ قَدِيمَةً، وَأَمَّا النَّقْلُ فَهُوَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ قَدِيمٌ، وَكَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ إِلَّا هَذِهِ الْحُرُوفَ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِقِدَمِ هَذِهِ الْحُرُوفِ، أَمَّا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ قَدِيمٌ فَلِأَنَّ الْكَلَامَ صِفَةُ كَمَالٍ وَعَدَمُهُ صِفَةُ نَقْصٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَلَامُ اللَّهِ قَدِيمًا لَزِمَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى كَانَ فِي الْأَزَلِ نَاقِصًا ثُمَّ صَارَ فِيمَا لَا يَزَالُ كَامِلًا، وَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ
إِلَّا هَذِهِ الْحُرُوفَ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التَّوْبَةِ: 6] وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَسْمُوعَ لَيْسَ إِلَّا هَذِهِ الْحُرُوفَ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ كَلَامُ اللَّهِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ من حلف على سماع كلام اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْبِرُّ وَالْحِنْثُ بِسَمَاعِ هَذِهِ الْحُرُوفِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ نُقِلَ بِالتَّوَاتُرِ إِلَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْمَسْمُوعَ الْمَتْلُوَّ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ» فَمُنْكِرُهُ مُنْكِرٌ لِمَا عُرِفَ بِالتَّوَاتُرِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَيَلْزَمُهُ الْكُفْرُ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِمَاهِيَّةٍ دُونَ مَاهِيَّةٍ، فَيَلْزَمُكُمْ قِدَمُ الْكُلِّ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ خَفِيٌّ فِي مُقَابَلَةِ الْبَدِيهِيَّاتِ فَيَكُونُ بَاطِلًا. وصف كلام الله تعالى بالقدم: المسألة الحادية عشرة [وصف كلام الله تعالى بالقدم] : إِذَا قُلْنَا لِهَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُتَوَالِيَةِ وَالْأَصْوَاتِ الْمُتَعَاقِبَةِ إِنَّهَا كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا أَلْفَاظٌ دَالَّةٌ عَلَى الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَطْلَقَ اسْمَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْحِنْثِ وَالْبِرِّ فَذَلِكَ لِأَنَّ مَبْنَى الْإِيمَانِ عَلَى الْعُرْفِ، وَإِذَا قُلْنَا: كَلَامُ اللَّهِ قَدِيمٌ، لَمْ نَعْنِ بِهِ إِلَّا تِلْكَ الصِّفَةَ الْقَدِيمَةَ الَّتِي هِيَ مَدْلُولُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَالْعِبَارَاتِ. وَإِذَا قُلْنَا: كَلَامُ اللَّهِ مُعْجِزَةٌ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنَيْنَا بِهِ هَذِهِ الْحُرُوفَ وَهَذِهِ الْأَصْوَاتَ الَّتِي هِيَ حَادِثَةٌ، فَإِنَّ الْقَدِيمَ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَكَيْفَ يَكُونُ مُعْجِزَةً لَهُ؟ وَإِذَا قُلْنَا: كَلَامُ اللَّهِ سُوَرٌ وَآيَاتٌ، عَنَيْنَا بِهِ هَذِهِ الْحُرُوفَ، وَإِذَا قُلْنَا: كَلَامُ اللَّهِ فَصِيحٌ، عَنَيْنَا بِهِ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ، وَإِذَا شَرَعْنَا فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَنَيْنَا بِهِ أَيْضًا هَذِهِ الألفاظ. الأصوات التي نقرأ بها ليس كلام الله: المسألة الثانية عشرة [الأصوات التي نقرأ بها ليس كلام الله] : زَعَمَتِ الْحَشْوِيَّةُ أَنَّ هَذِهِ الْأَصْوَاتَ الَّتِي نَسْمَعُهَا مِنْ هَذَا الْإِنْسَانِ عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّا نَعْلَمُ بِالْبَدِيهَةِ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ الَّتِي نَسْمَعُهَا مِنْ هَذَا الْإِنْسَانِ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِلِسَانِهِ وَأَصْوَاتِهِ، فَلَوْ قُلْنَا بِأَنَّهَا عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَزِمَنَا الْقَوْلُ بِأَنَّ الصِّفَةَ الْوَاحِدَةَ بِعَيْنِهَا قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَالَّةٌ فِي بَدَنِ هَذَا الْإِنْسَانِ، وَهَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ، وَأَيْضًا فَهَذَا عَيْنُ مَا يَقُولُهُ النَّصَارَى مِنْ أَنَّ أُقْنُومَ الْكَلِمَةِ حَلَّتْ فِي ناسوت صريح، وزعموا أنها حَالَّةٌ فِي نَاسُوتِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَغَيْرُ زَائِلَةٍ عَنْهُ، وَهَذَا عَيْنُ مَا يَقُولُهُ الْحَشْوِيَّةِ مِنْ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى حَالٌّ فِي لِسَانِ هَذَا الْإِنْسَانِ/ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ زَائِلٍ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، إِلَّا أَنَّ النَّصَارَى قَالُوا بِهَذَا الْقَوْلِ فِي حَقِّ عِيسَى وَحْدَهُ، وَهَؤُلَاءِ الْحَمْقَى قَالُوا بِهَذَا الْقَوْلِ الْخَبِيثِ فِي حَقِّ كُلِّ النَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَالَتِ الْكَرَّامِيَّةُ: الْكَلَامُ اسْمٌ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْقَوْلِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى النُّطْقِ يُقَالُ إِنَّهُ مُتَكَلِّمٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَالِ مُشْتَغِلًا بِالْقَوْلِ، وَأَيْضًا فَضِدُّ الْكَلَامِ هُوَ الْخَرَسُ، لَكِنَّ الْخَرَسَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَجْزِ عَنِ الْقَوْلِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ عِبَارَةً عَنِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَوْلِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمٌ، بِمَعْنَى أَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى الْقَوْلِ قَدِيمَةٌ، أَمَّا الْقَوْلُ فَإِنَّهُ حَادِثٌ، هَذَا تفصيل قولهم وقد أبطلناه. خلاف الحشوية والأشعرية في صفة القرآن: المسألة الرابعة عشرة [خلاف الحشوية والأشعرية في صفة القرآن] : قَالَتِ الْحَشْوِيَّةُ لِلْأَشْعَرِيَّةِ: إِنْ كَانَ مُرَادُكُمْ مِنْ قَوْلِكُمْ: «إِنَّ الْقُرْآنَ قَدِيمٌ» هُوَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ دَالٌّ عَلَى صِفَةٍ قَدِيمَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِجَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي الدُّنْيَا
الباب الثالث في المباحث المتعلقة بالاسم والفعل والحرف، وفيه مسائل
قَدِيمًا، لِأَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ لَهُ مَدْلُولٌ وَمَفْهُومٌ، وَكَلَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا كَانَ عَامَّ التَّعَلُّقِ بِجَمِيعِ الْمُتَعَلِّقَاتِ كَانَ خَبَرًا عَنْ مَدْلُولَاتِ ذَلِكَ الْكِتَابِ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَبَيْنَ سَائِرِ كُتُبِ الْفُحْشِ وَالْهَجْوِ فِي كَوْنِهِ قَدِيمًا بِهَذَا التَّفْسِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ قَدِيمًا وَجْهًا آخَرَ سِوَى ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نَلْتَزِمُ كَوْنَ كَلَامِهِ تَعَالَى مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ الْمُخْبَرَاتِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَسْقُطُ هَذَا السُّؤَالُ. وَاعْلَمْ أَنَّا لَا نَقُولُ: إِنَّ كَلَامَهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْمُخْبَرَاتِ لِكَوْنِهَا كَذِبًا، وَالْكَذِبُ فِي كَلَامِ اللَّهِ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ أَنْ أَقْوَامًا أَخْبَرُوا عَنْ تِلْكَ الْأَكَاذِيبِ وَالْفُحْشِيَّاتِ فَهَذَا لَا يَكُونُ كَذِبًا، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْهُ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ النَّقَائِصِ، وَالْإِخْبَارُ عَنْ هَذِهِ الْفُحْشِيَّاتِ وَالسَّخَفِيَّاتِ يَجْرِي مَجْرَى النَّقْصِ، وَهُوَ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَبَاحِثَ الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ وَتَشْرِيحِ الْعَضَلَاتِ الْفَاعِلَاتِ لِلْحُرُوفِ وَذِكْرِ الْإِشْكَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي قِدَمِ الْقُرْآنِ أُمُورٌ صَعْبَةٌ دَقِيقَةٌ، فَالْأَوْلَى الِاكْتِفَاءُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ تَقْسِيمَ الْكَلِمَةِ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ يُمْكِنُ إِيرَادُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكَلِمَةَ إِمَّا أَنْ يَصِحَّ الْإِخْبَارُ عَنْهَا وَبِهَا، وَهِيَ الِاسْمُ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَصِحَّ الْإِخْبَارُ عَنْهَا، لَكِنْ يَصِحُّ الْإِخْبَارُ بِهَا، وَهِيَ الْفِعْلُ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَصِحَّ الْإِخْبَارُ عَنْهَا وَلَا بِهَا، وَهُوَ/ الْحَرْفُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَرْفَ وَالْفِعْلَ لَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْهُمَا، وَعَلَى أَنَّ الِاسْمَ يَصِحُّ الأخبار عنه، فلنذكر البحثين في مسألتين. الكلمة اسم وفعل وحرف: المسألة الثانية [الكلمة اسم وفعل وحرف] : اتَّفَقَ النَّحْوِيُّونَ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ وَالْحَرْفَ لَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْهُمَا، قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: ضَرَبَ قَتَلَ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ المثال الواحد لا يكفي في إثبات الحكم الْعَامِّ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: جِدَارٌ سَمَاءٌ، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ لَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْهُ وَبِهِ، لِأَجْلِ أَنَّ الْمِثَالَ الْوَاحِدَ لَا يَكْفِي فِي إِثْبَاتِ الحكم العام، فكذا هاهنا، ثُمَّ قِيلَ، الَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْفِعْلِ وَالْحَرْفِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّا إِذَا أَخْبَرَنَا عَنْ «ضَرَبَ يَضْرِبُ اضْرِبْ» بِأَنَّهَا أَفْعَالٌ فَالْمُخْبَرُ عَنْهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا أَوْ فِعْلًا أَوْ حَرْفًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ كَذِبًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ كَانَ الْفِعْلُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فِعْلٌ مُخْبَرًا عَنْهُ، فَإِنْ قَالُوا: المخبر عنه بهذا الخبر هُوَ هَذِهِ الصِّيَغُ، وَهِيَ أَسْمَاءٌ قُلْنَا: هَذَا السُّؤَالُ رَكِيكٌ، لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ فِعْلٌ اسْمًا، فَرَجَعَ حَاصِلُ هَذَا السُّؤَالِ إِلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقِسْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْإِشْكَالِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ، الثَّانِي: إِذَا أَخْبَرْنَا عَنِ الْفِعْلِ وَالْحَرْفِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ فَالتَّقْدِيرُ عَيْنُ مَا تَقَدَّمَ، الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَنَا: «الْفِعْلُ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ» إِخْبَارٌ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ، وَذَلِكَ مُتَنَاقِضٌ، فَإِنْ قَالُوا: الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ هُوَ هَذَا اللَّفْظُ، فَنَقُولُ: قَدْ أَجَبْنَا عَلَى هَذَا السُّؤَالِ، فَإِنَّا نَقُولُ: الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ إِنْ كَانَ اسْمًا فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ كُلَّ اسْمٍ مُخْبَرٌ عَنْهُ، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يُخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ اسْمٌ، وَإِنْ كَانَ فِعْلًا فَقَدْ صَارَ الْفِعْلُ مُخْبَرًا عَنْهُ. الرَّابِعُ: الْفِعْلُ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلٌ وَالْحَرْفُ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَرْفٌ مَاهِيَّةٌ مَعْلُومَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَمَّا عَدَاهَا، وَكُلُّ مَا كَانَ
كَذَلِكَ صَحَّ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِكَوْنِهِ مُمْتَازًا عَنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا أَخْبَرْنَا عَنِ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلٌ بِأَنَّهُ مَاهِيَّةٌ مُمْتَازَةٌ عَنِ الِاسْمِ فَقَدْ أَخْبَرْنَا عَنْهُ بِهَذَا الِامْتِيَازِ، الْخَامِسُ: الْفِعْلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنِ الصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَخْصُوصِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَخْصُوصِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولٌ لِهَذِهِ الصِّيغَةِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَقَدْ أَخْبَرْنَا عَنْهُ بِكَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَقَدْ أَخْبَرْنَا عَنْهُ بِكَوْنِهِ مَدْلُولًا لِتِلْكَ الصِّيغَةِ، فَهَذِهِ سُؤَالَاتٌ صَعْبَةٌ فِي هَذَا الْمَقَامِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: طَعَنَ قَوْمٌ فِي قَوْلِهِمُ: «الِاسْمُ مَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْهُ» بِأَنْ قَالُوا: لَفْظَةُ «أَيْنَ وَكَيْفَ وَإِذَا» أَسْمَاءٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْهَا، وَأَجَابَ عَبْدُ الْقَاهِرِ النَّحْوِيُّ عَنْهُ بِأَنَّا إِذَا قُلْنَا: «الِاسْمُ مَا جَازَ الْإِخْبَارُ عَنْهُ» أَرَدْنَا بِهِ مَا جَازَ الْإِخْبَارُ عَنْ مَعْنَاهُ، وَيَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْ مَعْنَى/ إِذَا لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: آتِيكَ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، كَانَ الْمَعْنَى آتِيكَ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالْوَقْتُ يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّكَ تَقُولُ: طَابَ الوقت، وأقول هذا الْعُذْرُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ «إِذَا» لَيْسَ مَعْنَاهُ الْوَقْتَ فَقَطْ، بَلْ مَعْنَاهُ الْوَقْتُ حَالَ مَا تَجْعَلُهُ ظَرْفًا لِشَيْءٍ آخَرَ، وَالْوَقْتُ حَالَ مَا جُعِلَ ظَرْفًا لِحَادِثٍ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِخْبَارُ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ، فَإِنْ قَالُوا لَمَّا كَانَ أَحَدُ أَجْزَاءِ مَاهِيَّتِهِ اسْمًا وَجَبَ كَوْنُهُ اسْمًا، فَنَقُولُ: هَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ إِنْ كَفَى هَذَا الْقَدْرُ فِي كَوْنِهِ اسْمًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ اسْمًا، لِأَنَّ الْفِعْلَ أَحَدُ أَجْزَاءِ مَاهِيَّتِهِ الْمَصْدَرُ، وَهُوَ اسْمٌ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا بَاطِلًا فَكَذَا مَا قَالُوهُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي تَقْرِيرِ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ تَقْسِيمِ الْكَلِمَةِ أَنْ تَقُولَ: الْكَلِمَةُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا مُسْتَقِلًّا بِالْمَعْلُومِيَّةِ أَوْ لَا يَكُونَ، وَالثَّانِي: هُوَ الْحَرْفُ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِمَّا أَنْ يَدُلَّ ذَلِكَ اللَّفْظُ عَلَى الزَّمَانِ الْمُعَيِّنِ لِمَعْنَاهُ، وَهُوَ الْفِعْلُ، أَوْ لَا يَدُلَّ وَهُوَ الِاسْمُ، وَفِي هَذَا الْقِسْمِ سُؤَالَاتٌ نَذْكُرُهَا في حد الاسم والفعل. تعريف الاسم: المسألة الخامسة [تعريف الاسم] : فِي تَعْرِيفِ الِاسْمِ: النَّاسُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، التَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الَّذِي يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْ مَعْنَاهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ صِحَّةَ الْإِخْبَارِ عَنْ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ حُكْمٌ يَحْصُلُ لَهُ بَعْدَ تَمَامِ مَاهِيَّتِهِ فَيَكُونُ هَذَا التَّعْرِيفُ مِنْ بَابِ الرُّسُومِ لَا مِنْ بَابِ الْحُدُودِ، وَالْإِشْكَالُ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْفِعْلَ وَالْحَرْفَ يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْهُمَا، وَالثَّانِي: أَنَّ «إِذَا وَكَيْفَ وَأَيْنَ» لَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْهَا وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذَيْنِ السُّؤَالَيْنِ. التَّعْرِيفُ الثَّانِي: أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يَأْتِيَ فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا أَوْ مُضَافًا، وَاعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الَّذِي يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْهُ. والتعريف الثَّالِثُ: أَنَّ الِاسْمَ كَلِمَةٌ تَسْتَحِقُّ الْإِعْرَابَ فِي أَوَّلِ الْوَضْعِ، وَهَذَا أَيْضًا رَسْمٌ، لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِعْرَابِ حَالَةٌ طَارِئَةٌ عَلَى الِاسْمِ بَعْدَ تَمَامِ الْمَاهِيَّةِ، وَقَوْلُنَا فِي أَوَّلِ الْوَضْعِ احْتِرَازٌ عَنْ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَبْنِيَّاتُ، فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُ الْإِعْرَابَ بِسَبَبِ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُرُوفِ، وَلَوْلَا هَذِهِ الْمُنَاسَبَةُ لَقَبِلَتِ الْإِعْرَابَ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُضَارِعَ مُعْرَبٌ لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُشَابِهًا لِلِاسْمِ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ أَيْضًا ضَعِيفٌ. التَّعْرِيفُ الرَّابِعُ: قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي «الْمُفَصَّلِ» : الِاسْمُ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِي نَفْسِهِ دَلَالَةً مُجَرَّدَةً عَنِ الِاقْتِرَانِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ مُخْتَلٌّ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قَالَ فِي تَعْرِيفِ الْكَلِمَةِ أَنَّهَا اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى مَعْنًى مُفْرَدٍ بِالْوَضْعِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيمَا كَتَبَ مِنْ حَوَاشِي «الْمُفَصَّلِ» أَنَّهُ إِنَّمَا وَجَبَ/ ذِكْرُ اللَّفْظِ لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا: «الْكَلِمَةُ هِيَ
الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعْنَى» لَانْتَقَضَ بِالْعَقْدِ وَالْخَطِّ وَالْإِشَارَةِ كَذَلِكَ، مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَسْمَاءً. وَالثَّانِي: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: «فِي نَفْسِهِ» إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى الدَّالِّ، أَوْ إِلَى الْمَدْلُولِ، أَوْ إِلَى شَيْءٍ ثَالِثٍ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الدَّالِّ صَارَ التَّقْدِيرُ الِاسْمُ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى حَصَلَ فِي الِاسْمِ، فَيَصِيرُ الْمَعْنَى الِاسْمُ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى هُوَ مَدْلُولُهُ، وَهَذَا عَبَثٌ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَيَنْتَقِضُ بِالْحَرْفِ وَالْفِعْلِ، فَإِنَّهُ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى مَدْلُولِهِ، وَإِنْ عَادَ إِلَى الْمَدْلُولِ صَارَ التَّقْدِيرُ الِاسْمُ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى حَاصِلٍ فِي نَفْسِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ الشَّيْءِ حَاصِلًا فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ، فَإِنْ قَالُوا مَعْنَى كَوْنِهِ حَاصِلًا فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ لَيْسَ حَاصِلًا فِي غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: فَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ يَنْتَقِضُ الْحَدُّ بِأَسْمَاءِ الصِّفَاتِ وَالنَّسَبِ، فَإِنَّ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ حَاصِلَةٌ فِي غَيْرِهَا. التَّعْرِيفُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: الِاسْمُ كَلِمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى مَعْنًى مُسْتَقِلٍّ بِالْمَعْلُومِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا الْكَلِمَةَ لِيَخْرُجَ الْخَطُّ وَالْعَقْدُ وَالْإِشَارَةُ فَإِنْ قَالُوا: لِمَ لَمْ يَقُولُوا لَفْظَةٌ دَالَّةٌ عَلَى كَذَا وَكَذَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّا جَعَلْنَا اللَّفْظَ جِنْسًا لِلْكَلِمَةِ، وَالْكَلِمَةُ جِنْسٌ لِلِاسْمِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْحَدِّ هُوَ الْجِنْسُ الْقَرِيبُ لَا الْبَعِيدُ، وَأَمَّا شَرْطُ الِاسْتِقْلَالِ بِالْمَعْلُومِيَّةِ فَقِيلَ: إِنَّهُ بَاطِلٌ طَرْدًا وَعَكْسًا، أَمَّا الطَّرْدُ فَمِنْ وُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: إِنَّ كُلَّ مَا كَانَ مَعْلُومًا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِالْمَعْلُومِيَّةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ مَا لَمْ تُتَصَوَّرْ مَاهِيَّتُهُ امْتَنَعَ أَنْ يُتَصَوَّرَ مَعَ غَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ تَصَوُّرُهُ فِي نَفْسِهِ مُتَقَدِّمًا عَلَى تَصَوُّرِهِ مَعَ غَيْرِهِ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِالْمَعْلُومِيَّةِ، الثَّانِي: أَنَّ مَفْهُومَ الْحَرْفِ يَسْتَقِلُّ بِأَنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِالْمَعْلُومِيَّةِ، وَذَلِكَ اسْتِقْلَالٌ. الثَّالِثُ: أَنَّ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلَى أن «الباء» تفيد الإلصاق، و «من» تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، فَمَعْنَى الْإِلْصَاقِ إِنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِالْمَعْلُومِيَّةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ مِنَ الْبَاءِ مُسْتَقِلًّا بِالْمَعْلُومِيَّةِ فَيَصِيرُ الْحَرْفُ اسْمًا،، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِالْمَعْلُومِيَّةِ كَانَ الْمَفْهُومُ مِنَ الْإِلْصَاقِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِالْمَعْلُومِيَّةِ، فَيَصِيرُ الِاسْمُ حَرْفًا، وَأَمَّا الْعَكْسُ فَهُوَ أَنَّ قَوْلَنَا: «كَمْ وَكَيْفَ وَمَتَى وَإِذَا» وَمَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ وَالشَّرْطِيَّةُ كُلُّهَا أَسَامٍ مَعَ أن مفهوماتها غير مستقلة، وكذلك الموصولات. الثالث: إِنَّ قَوْلَنَا: «مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى زَمَانِ ذَلِكَ الْمَعْنَى» يُشْكِلُ بِلَفْظِ الزَّمَانِ وَبِالْغَدِ وَبِالْيَوْمِ وَبِالِاصْطِبَاحِ وَبِالِاغْتِبَاقِ، وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ: أَنَّا نُدْرِكُ تَفْرِقَةً بَيْنَ قَوْلِنَا الْإِلْصَاقُ وَبَيْنَ حَرْفِ الْبَاءِ فِي قَوْلِنَا: «كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ» فَنُرِيدُ بِالِاسْتِقْلَالِ هَذَا الْقَدْرَ. فَأَمَّا لَفْظُ الزَّمَانِ وَالْيَوْمِ وَالْغَدِ فَجَوَابُهُ أَنَّ مُسَمَّى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ نَفْسُ الزَّمَانِ، وَلَا دَلَالَةَ مِنْهَا عَلَى زَمَانٍ آخَرَ لِمُسَمَّاهُ. وَأَمَّا الِاصْطِبَاحُ وَالِاغْتِبَاقُ فَجُزْؤُهُ الزَّمَانُ، وَالْفِعْلُ هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى زَمَانٍ خَارِجٍ عَنِ/ الْمُسَمَّى، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُمْ: اغْتَبَقَ يَغْتَبِقُ، فَأَدْخَلُوا الْمَاضِيَ وَالْمُسْتَقْبَلَ عَلَى الِاصْطِبَاحِ وَالِاغْتِبَاقِ. علامات الاسم: المسألة السادسة [علامات الاسم] : عَلَامَاتُ الِاسْمِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لَفْظِيَّةً أَوْ مَعْنَوِيَّةً، فَاللَّفْظِيَّةُ إِمَّا أَنْ تَحْصُلَ فِي أَوَّلِ الِاسْمِ، وَهُوَ حَرْفُ تَعْرِيفٍ، أَوْ حَرْفُ جَرٍّ، أَوْ فِي حَشْوِهِ كَيَاءِ التَّصْغِيرِ، وَحَرْفِ التَّكْسِيرِ، أَوْ فِي آخِرِهِ كَحَرْفَيِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ. وَأَمَّا الْمَعْنَوِيَّةُ فَهِيَ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا، وَصِفَةً، وَفَاعِلًا، وَمَفْعُولًا، وَمُضَافًا إِلَيْهِ، وَمُخْبَرًا عَنْهُ، وَمُسْتَحِقًّا لِلْإِعْرَابِ بِأَصْلِ الوضع. تعريفات الفعل: المسألة السابعة [تعريفات الفعل] : ذَكَرُوا لِلْفِعْلِ تَعْرِيفَاتٍ: التَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ: قَالَ سِيبَوَيْهِ إِنَّهَا أَمْثِلَةٌ أُخِذَتْ مِنْ لَفْظِ أَحْدَاثِ
الْأَسْمَاءِ، وَيَنْتَقِضُ بِلَفْظِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ. التَّعْرِيفُ الثَّانِي: أَنَّهُ الَّذِي أُسْنِدَ إِلَى شَيْءٍ وَلَا يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَيَنْتَقِضُ بِإِذَا وَكَيْفَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ يَجِبُ إِسْنَادُهَا إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَيَمْتَنِعُ اسْتِنَادُ شَيْءٍ آخَرَ إِلَيْهَا. التَّعْرِيفُ الثَّالِثُ: قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْفِعْلُ مَا دَلَّ عَلَى اقْتِرَانِ حَدَثٍ بِزَمَانٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ: «كَلِمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى اقْتِرَانِ حَدَثٍ بِزَمَانٍ» وَإِنَّمَا يَجِبُ ذِكْرُ الْكَلِمَةِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أنا لو لم نقل بذلك لا لَانْتَقَضَ بِقَوْلِنَا اقْتِرَانُ حَدَثٍ بِزَمَانٍ فَإِنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ دَالٌّ عَلَى اقْتِرَانِ حَدَثٍ بِزَمَانٍ مَعَ أَنَّ هَذَا الْمَجْمُوعَ لَيْسَ بِفِعْلٍ، أَمَّا إِذَا قَيَّدْنَاهُ بِالْكَلِمَةِ انْدَفَعَ هَذَا السُّؤَالُ، لِأَنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَيْسَ كَلِمَةً وَاحِدَةً. وَثَانِيهَا: أنا لو لم نذكر ذلك لا لَانْتَقَضَ بِالْخَطِّ وَالْعَقْدِ وَالْإِشَارَةِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْكَلِمَةَ لَمَّا كَانَتْ كَالْجِنْسِ الْقَرِيبِ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَالْجِنْسُ الْقَرِيبُ وَاجِبُ الذِّكْرِ فِي الْحَدِّ. الْوَجْهُ الثَّانِي مَا نَذْكُرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. التَّعْرِيفُ الرَّابِعُ: الْفِعْلُ كَلِمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى ثُبُوتِ الْمَصْدَرِ لِشَيْءٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فِي زَمَانٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا كَلِمَةٌ لِأَنَّهَا هِيَ الْجِنْسُ الْقَرِيبُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا دَالَّةٌ عَلَى ثُبُوتِ الْمَصْدَرِ وَلَمْ نَقُلْ دَالَّةٌ عَلَى ثُبُوتِ شَيْءٍ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ قَدْ يَكُونُ أَمْرًا ثَابِتًا كَقَوْلِنَا ضَرَبَ وَقَتَلَ وَقَدْ يَكُونُ عَدَمِيًّا مِثْلَ فَنِيَ وَعَدِمَ فَإِنَّ مَصْدَرَهُمَا الْفَنَاءُ وَالْعَدَمُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِشَيْءٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لِأَنَّا سَنُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ مُعْتَبَرٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي زَمَانٍ مُعَيَّنٍ احْتِرَازًا عَنِ الْأَسْمَاءِ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْقُيُودِ مُبَاحَثَاتٍ: الْقَيْدُ الْأَوَّلُ: هُوَ قَوْلُنَا: «يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْمَصْدَرِ لِشَيْءٍ» فِيهِ إِشْكَالَاتٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّا إِذَا قُلْنَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَالَمَ فَقَوْلُنَا خَلَقَ إِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْخَلْقِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْ لَا يَدُلَّ، فَإِنْ لَمْ يَدُلَّ بَطَلَ ذَلِكَ الْقَيْدُ، وَإِنْ دَلَّ فَذَلِكَ الْخَلْقُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُغَايِرًا لِلْمَخْلُوقِ، وَهُوَ إِنْ كَانَ مُحْدَثًا افْتَقَرَ إِلَى خَلْقٍ آخَرَ وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وَإِنْ كَانَ قَدِيمًا لَزِمَ قِدَمُ الْمَخْلُوقِ. وَالثَّانِي: / أَنَّا إِذَا قُلْنَا وُجِدَ الشَّيْءُ فَهَلْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى حُصُولِ الْوُجُودِ لِشَيْءٍ أَوْ لَمْ يَدُلَّ؟ فَإِنْ لَمْ يَدُلَّ بَطَلَ هَذَا الْقَيْدُ، وَإِنْ دَلَّ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْوُجُودُ حَاصِلًا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ الْغَيْرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا فِي نَفْسِهِ لِأَنَّ مَا لَا حُصُولَ لَهُ فِي نَفْسِهِ امْتَنَعَ حُصُولُ غَيْرِهِ لَهُ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حُصُولُ الْوُجُودِ لَهُ مَسْبُوقًا بِحُصُولٍ آخَرَ إِلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَالثَّالِثُ: إِذَا قُلْنَا عَدِمَ الشَّيْءُ وَفَنِيَ فَهَذَا يَقْتَضِي حُصُولَ الْعَدَمِ وَحُصُولَ الْفَنَاءِ لِتِلْكَ الْمَاهِيَّةِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ، لِأَنَّ الْعَدَمَ وَالْفَنَاءَ نَفْيٌ مَحْضٌ فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُهُمَا لِغَيْرِهِمَا وَالرَّابِعُ: أَنَّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْوُجُودُ زَائِدًا عَلَى الْمَاهِيَّةِ فَإِنَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلَنَا: «أَنَّهُ حَصَلَ الْوُجُودُ لِهَذِهِ الْمَاهِيَّةِ» فَيَلْزَمُ حُصُولُ وُجُودٍ آخَرَ لِذَلِكَ الْوُجُودِ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْوُجُودُ نَفْسَ الْمَاهِيَّةِ فَإِنَّ قَوْلَنَا: حَدَثَ الشَّيْءُ وَحَصَلَ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي حُصُولَ وُجُودٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْوُجُودُ زَائِدًا عَلَى الْمَاهِيَّةِ، وَنَحْنُ الْآنَ إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْوُجُودَ نَفْسُ الْمَاهِيَّةِ. وَأَمَّا الْقَيْدُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُنَا: «فِي زَمَانٍ مُعَيَّنٍ» فَفِيهِ سُؤَالَاتٌ أَحَدُهَا: أَنَّا إِذَا قُلْنَا: «وُجِدَ الزَّمَانُ» أَوْ قُلْنَا: «فَنِيَ الزَّمَانُ» فَهَذَا يَقْتَضِي حُصُولَ الزَّمَانِ فِي زَمَانٍ آخَرَ، وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَإِنْ قَالُوا: يَكْفِي فِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِّ كَوْنُ الزَّمَانِ وَاقِعًا فِي زَمَانٍ آخَرَ بِحَسَبِ الْوَهْمِ الْكَاذِبِ، قُلْنَا: النَّاسُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا حَدَثَ الزَّمَانُ وَحَصَلَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَعْدُومًا كَلَامٌ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ بَاطِلٌ وَلَا كَذِبٌ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتُمْ لَزِمَ كَوْنُهُ بَاطِلًا وَكَذِبًا، وَثَانِيهَا: أَنَّا إِذَا قُلْنَا: كَانَ الْعَالَمُ مَعْدُومًا فِي الْأَزَلِ، فَقَوْلُنَا: كَانَ فِعْلٌ فَلَوْ أَشْعَرَ ذَلِكَ بِحُصُولِ الزَّمَانِ لَزِمَ حُصُولُ الزَّمَانِ فِي الْأَزَلِ، وَهُوَ مُحَالٌ، فَإِنْ قَالُوا: ذَلِكَ الزَّمَانُ مُقَدَّرٌ لَا مُحَقَّقٌ، قُلْنَا التَّقْدِيرُ الذِّهْنِيُّ إِنْ طَابَقَ الْخَارِجَ عاد
السُّؤَالُ، وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ كَانَ كَذِبًا، وَلَزِمَ فَسَادُ الْحَدِّ، وَثَالِثُهَا: أَنَّا إِذَا قُلْنَا: كَانَ اللَّهُ مَوْجُودًا فِي الْأَزَلِ، فَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ اللَّهِ زَمَانِيًّا، وَهُوَ مُحَالٌ، وَرَابِعُهَا أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْأَفْعَالِ النَّاقِصَةِ، فَإِنَّ كَانَ النَّاقِصَةَ إِمَّا أَنْ تَدُلَّ عَلَى وُقُوعِ حَدَثٍ فِي زَمَانٍ أَوْ لَا تَدُلَّ: فَإِنْ دَلَّتْ كَانَ تَامًّا لَا نَاقِصًا، لِأَنَّهُ مَتَى دَلَّ اللَّفْظُ عَلَى حُصُولِ حَدَثٍ فِي زَمَانٍ مُعَيَّنٍ كَانَ هَذَا كَلَامًا تَامًّا لَا نَاقِصًا، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ فِعْلًا، وَخَامِسُهَا أَنَّهُ يَبْطُلُ بِأَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ، فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَلْفَاظٍ دَالَّةٍ عَلَى الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ، وَالدَّالُّ عَلَى الدَّالِّ عَلَى الشَّيْءِ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ دَالَّةٌ عَلَى الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ، وَسَادِسُهَا أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ يَتَنَاوَلُ إِمَّا الْحَالَ وَإِمَّا الِاسْتِقْبَالَ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَاضِيَ أَلْبَتَّةَ، فَهُوَ دَالٌّ عَلَى الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ، وَالْجَوَابُ أَمَّا السُّؤَالَاتُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى قَوْلِنَا: «الْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْمَصْدَرِ لِشَيْءٍ» والثلاثة المذكورة على قولنا/ «الفعل يدل على الزَّمَانُ» فَجَوَابُهَا أَنَّ اللُّغَوِيَّ يَكْفِي فِي عِلْمِهِ تَصَوُّرُ الْمَفْهُومِ، سَوَاءٌ كَانَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: «يُشْكِلُ هَذَا الْحَدُّ بِالْأَفْعَالِ النَّاقِصَةِ» قُلْنَا: الَّذِي أَقُولُ بِهِ وَأَذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّ لَفْظَةَ كَانَ تَامَّةٌ مُطْلَقًا، إِلَّا أَنَّ الِاسْمَ الذي يسند إِلَيْهِ لَفْظُ كَانَ قَدْ يَكُونُ مَاهِيَّةً مُفْرَدَةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا مِثْلَ قَوْلِنَا: كَانَ الشَّيْءُ، بِمَعْنَى حَدَثَ وَحَصَلَ، وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْمَاهِيَّةُ عِبَارَةً عَنْ مَوْصُوفِيَّةِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ آخَرَ مِثْلَ قَوْلِنَا: كَانَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، فَإِنَّ مَعْنَاهُ حُدُوثُ مَوْصُوفِيَّةِ زيد بالانطلاق فلفظ كان هاهنا مَعْنَاهُ أَيْضًا الْحُدُوثُ وَالْوُقُوعُ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْمَاهِيَّةَ لَمَّا كَانَتْ مِنْ بَابِ النَّسَبِ، وَالنِّسْبَةُ يَمْتَنِعُ ذِكْرُهَا إِلَّا بَعْدَ ذِكْرِ الْمُنْتَسِبِينَ، لَا جرم وجب ذكرهما هاهنا، فَكَمَا أَنَّ قَوْلَنَا: كَانَ زَيْدٌ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ حَصَلَ وَوُجِدَ، فَكَذَا قَوْلُنَا: كَانَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، مَعْنَاهُ أَنَّهُ حَصَلَتْ مَوْصُوفِيَّةُ زَيْدٍ بِالِانْطِلَاقِ، وَهَذَا بحث عميق عجيب دَقِيقٌ غَفَلَ الْأَوَّلُونَ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: «خَامِسًا: يَبْطُلُ مَا ذَكَرْتُمْ بِأَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ» قُلْنَا الْمُعْتَبَرُ فِي كَوْنِ اللَّفْظِ فِعْلًا دَلَالَتُهُ عَلَى الزَّمَانِ ابْتِدَاءً لَا بِوَاسِطَةٍ، وَقَوْلُهُ: «سَادِسًا: اسْمُ الْفَاعِلِ مُخْتَصٌّ بِالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ» قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَاضِي لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَ الْفِعْلِ، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْحَالِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْفِعْلِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الْكَلِمَةُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا مُسْتَقِلًّا بِالْمَعْلُومِيَّةِ، أَوْ لَا يَكُونَ، وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الْحَرْفُ، فَامْتِيَازُ الْحَرْفِ عَنِ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ بِقَيْدٍ عَدَمِيٍّ، ثُمَّ نَقُولُ: وَالْمُسْتَقِلُّ بِالْمَعْلُومِيَّةِ إِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ لِذَلِكَ الْمُسَمَّى، أَوْ لَا يَدُلَّ، وَالَّذِي لَا يَدُلُّ هُوَ الِاسْمُ، فَامْتَازَ الِاسْمُ عَنِ الْفِعْلِ بِقَيْدٍ عَدَمِيٍّ، وَأَمَّا الْفِعْلُ فَإِنَّ مَاهِيَّتَهُ متركبة من القيود الوجودية. هل يدل الفعل على الفاعل المبهم المسألة التاسعة [هل يدل الفعل على الفاعل المبهم] : إِذَا قُلْنَا: ضَرَبَ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى صُدُورِ الضَّرْبِ عَنْ شَيْءٍ مَا إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ غَيْرُ مَذْكُورٍ عَلَى التَّعْيِينِ، بِحَسَبِ هَذَا اللَّفْظِ، فَإِنْ قَالُوا: هَذَا مُحَالٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ صِيغَةُ الْفِعْلِ وَحْدَهَا مُحْتَمِلَةً لِلتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، الثَّانِي أَنَّهَا لَوْ دَلَّتْ عَلَى اسْتِنَادِ الضَّرْبِ إِلَى شَيْءٍ مُبْهَمٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَجَبَ أَنْ يَمْتَنِعَ إِسْنَادُهُ إِلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّنَاقُضُ، وَلَوْ دَلَّتْ عَلَى اسْتِنَادِ الضَّرْبِ إِلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِنَا ضَرَبَ مَا وُضِعَ لِاسْتِنَادِ الضَّرْبِ إِلَى زَيْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ عَمْرٍو بِعَيْنِهِ، وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَيْنِ السُّؤَالَيْنِ بِجَوَابٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ ضَرَبَ صِيغَةٌ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِإِسْنَادِ الضَّرْبِ إِلَى شَيْءٍ مُبْهَمٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بَلْ وُضِعَتْ لِإِسْنَادِهِ إِلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ يَذْكُرُهُ ذَلِكَ الْقَائِلُ فَقَبْلَ أَنْ يَذْكُرَهُ الْقَائِلُ لَا يَكُونُ الْكَلَامُ تَامًّا وَلَا مُحْتَمِلًا لِلتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَالسُّؤَالُ زَائِلٌ.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَالُوا الْحَرْفُ مَا جَاءَ لِمَعْنًى في غيره، وهذه لَفْظٌ مُبْهَمٌ، لِأَنَّهُمْ إِنْ أَرَادُوا مَعْنَى الْحَرْفِ أَنَّ الْحَرْفَ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى يَكُونُ المعنى حاصلا في غيره وحاصلا فِي غَيْرِهِ لَزِمَهُمْ أَنْ تَكُونَ أَسْمَاءُ الْأَعْرَاضِ وَالصِّفَاتِ كُلُّهَا حُرُوفًا، وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ الَّذِي دَلَّ عَلَى مَعْنًى يَكُونُ مَدْلُولُ ذَلِكَ اللَّفْظِ غَيْرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَهَذَا ظَاهِرُ الْفَسَادِ، وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ مَعْنًى ثَالِثًا فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ. الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّرْكِيبَاتُ الْمُمْكِنَةُ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ سِتَّةٌ: الِاسْمُ مَعَ الِاسْمِ، وَهُوَ الْجُمْلَةُ الْحَاصِلَةُ مِنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، وَالِاسْمُ مَعَ الْفِعْلِ، وَهُوَ الْجُمْلَةُ الْحَاصِلَةُ مِنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ وَهَاتَانِ الْجُمْلَتَانِ مُفِيدَتَانِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ- وَهُوَ الِاسْمُ مَعَ الْحَرْفِ- فَقِيلَ: إِنَّهُ يُفِيدُ فِي صُورَتَيْنِ. الصُّورَةُ الْأُولَى: قَوْلُكَ: «يَا زَيْدُ» فَقِيلَ: ذَلِكَ إِنَّمَا أَفَادَ لِأَنَّ قَوْلَنَا يَا زَيْدُ فِي تَقْدِيرِ أُنَادِي وَاحْتَجُّوا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ لَفْظَ يَا تَدْخُلُهُ الْإِمَالَةُ وَدُخُولُ الْإِمَالَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الِاسْمِ أَوِ الْفِعْلِ، وَالثَّانِي أَنَّ لَامَ الْجَرِّ تَتَعَلَّقُ بِهَا فَيُقَالُ: «يَا لِزَيْدٍ» فَإِنَّ هَذِهِ اللَّامَ لَامُ الِاسْتِغَاثَةِ وَهِيَ حَرْفُ جَرٍّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُنَا يَا قَائِمَةً مَقَامَ الْفِعْلِ وَإِلَّا لَمَا جَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا حَرْفُ الْجَرِّ، لِأَنَّ الْحَرْفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْحَرْفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ يَا بِمَعْنَى أُنَادِي وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَهُ أُنَادِي إِخْبَارٌ عَنِ النِّدَاءِ، وَالْإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ مُغَايِرٌ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا أُنَادِي زَيْدًا مُغَايِرًا لِقَوْلِنَا يَا زَيْدُ، الثَّانِي أَنَّ قَوْلَنَا أُنَادِي زَيْدًا كَلَامٌ مُحْتَمِلٌ لِلتَّصْدِيقِ والتكذيب وقولنا يا زيد لا يحتملهما، الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَنَا يَا زَيْدُ لَيْسَ خِطَابًا إِلَّا مَعَ الْمُنَادَى، وَقَوْلَنَا أُنَادِي زَيْدًا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْمُنَادَى. الرَّابِعُ أَنَّ قَوْلَنَا يَا زَيْدُ يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ النِّدَاءِ فِي الْحَالِ، وَقَوْلَنَا أُنَادِي زَيْدًا لَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْحَالِ، الْخَامِسُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ أُنَادِي زَيْدًا قَائِمًا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ يَا زَيْدُ قَائِمًا، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ الْخَمْسَةُ عَلَى حُصُولِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُنَا: «زَيْدٌ فِي الدَّارِ» فَقَوْلُنَا زَيْدٌ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ هُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُنَا فِي إِلَّا أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ قَدْ يَكُونُ فِي الدَّارِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُضِيفَتْ هَذِهِ الظَّرْفِيَّةُ إِلَى الدَّارِ لِتَتَمَيَّزَ هَذِهِ الظَّرْفِيَّةُ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِهَا، فَإِنْ قَالُوا: هَذَا الْكَلَامُ إِنَّمَا أَفَادَ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ زَيْدٌ اسْتَقَرَّ فِي الدَّارِ وَزَيْدٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الدَّارِ، فَنَقُولُ: هَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ قَوْلَنَا اسْتَقَرَّ مَعْنَاهُ حَصَلَ فِي الِاسْتِقْرَارِ فَكَانَ قَوْلُنَا فِيهِ يُفِيدُ حُصُولًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ حَصَلَ فِيهِ حُصُولُ ذَلِكَ الِاسْتِقْرَارِ وَذَلِكَ يفضي إلى التسلسل وهو محال، ثبت أَنَّ قَوْلَنَا زَيْدٌ فِي الدَّارِ كَلَامٌ تَامٌّ وَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيقُهُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُضْمَرٍ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْجُمْلَةُ الْمُرَكَّبَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً تَرْكِيبًا أَوَّلِيًّا أَوْ ثَانَوِيًّا، أَمَّا الْمُرَكَّبَةُ تَرْكِيبًا أَوَّلِيًّا فَهِيَ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ أَوِ الْفِعْلِيَّةُ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ أَقْدَمُ فِي الرُّتْبَةِ مِنَ الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ لِأَنَّ الِاسْمَ بَسِيطٌ وَالْفِعْلَ مُرَكَّبٌ، وَالْبَسِيطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُرَكَّبِ، فَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَقْدَمَ مِنَ الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: بَلِ الْفِعْلِيَّةُ أَقْدَمُ، لِأَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ أَصِيلٍ فِي أَنْ يُسْنَدَ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَانَتِ الْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ أَقْدَمَ مِنَ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وَأَمَّا الْمُرَكَّبَةُ تَرْكِيبًا ثَانَوِيًّا فَهِيَ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَقَوْلِكَ: «إِنْ كَانَتِ الشَّمْسُ طَالِعَةً فَالنَّهَارُ مَوْجُودٌ» لِأَنَّ قَوْلَكَ: «الشَّمْسُ طَالِعَةٌ» جُمْلَةٌ وَقَوْلَكَ: «النَّهَارُ مَوْجُودٌ» جُمْلَةٌ أُخْرَى، ثُمَّ أَدْخَلْتَ حَرْفَ الشَّرْطِ فِي إِحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ، وَحَرْفَ الْجَزَاءِ فِي الجملة الأخرى، فحصل من مجموعهما جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
الباب الرابع في تقسيمات الاسم إلى أنواعه، وهي من وجوه
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَقْسِيمَاتِ الِاسْمِ إِلَى أَنْوَاعِهِ، وهي من وجوه أنواع الاسم التقسيم الأول [أنواع الاسم] إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْسُ تَصَوُّرِ مَعْنَاهُ مَانِعًا مِنَ الشَّرِكَةِ، أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُظْهَرًا، وَهُوَ الْعَلَمُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُضْمَرًا، وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنَ الشَّرِكَةِ فَالْمَفْهُومُ مِنْهُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَاهِيَّةً مُعَيَّنَةً، وَهُوَ أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ شَيْءٌ مَا مَوْصُوفٌ بِالصِّفَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَهُوَ الْمُشْتَقُّ، كقولنا أسود، فإن مفهومه أنه شيء ماله سَوَادٌ. فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الِاسْمَ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: أَسْمَاءُ الْأَعْلَامِ، وَأَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ، والأسماء المشتقة، فلنذكر أحكام هذه الأقسام. أحكام الأعلام النَّوْعُ الْأَوَّلُ: أَحْكَامُ الْأَعْلَامِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ: الْحُكْمُ الْأَوَّلُ قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: اسْمُ الْعَلَمِ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً أَصْلًا، وَأَقُولُ: حَقٌّ أَنَّ الْعَلَمَ لَا يُفِيدُ صِفَةً فِي الْمُسَمَّى. وَأَمَّا لَيْسَ بِحَقٍّ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، وَكَيْفَ وَهُوَ يُفِيدُ تَعْرِيفَ تِلْكَ الذَّاتِ الْمَخْصُوصَةِ؟ الْحُكْمُ الثَّانِي اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَجْنَاسَ لَهَا أَعْلَامٌ، فَقَوْلُنَا: «أَسَدٌ» اسْمُ جِنْسٍ لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ، وَقَوْلُنَا: «أُسَامَةُ» اسْمُ عَلَمٍ لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا: «ثَعْلَبٌ» اسْمُ جِنْسٍ لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ، وَقَوْلُنَا: «ثُعَالَةُ» اسْمُ عَلَمٍ لَهَا وَأَقُولُ: الْفَرْقُ بَيْنَ اسْمِ الْجِنْسِ وَبَيْنَ عَلَمِ الْجِنْسِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ اسْمَ الْعَلَمِ هُوَ الَّذِي يُفِيدُ الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ مِنْ حيث إنه ذلك الْمُعَيَّنُ، فَإِذَا سَمَّيْنَا أَشْخَاصًا كَثِيرِينَ بَاسْمِ زَيْدٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّ قَوْلَنَا: «زَيْدٌ» مَوْضُوعٌ لِإِفَادَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ تِلْكَ الْأَشْخَاصِ، بَلْ لِأَجْلِ أَنَّ لَفْظَ زَيْدٍ وُضِعَ لِتَعْرِيفِ هَذِهِ الذات من حيث أنها هذه، ولتعريف تِلْكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تِلْكَ عَلَى/ سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِذَا قَالَ الْوَاضِعُ: وَضَعْتُ لَفْظَ أُسَامَةَ لِإِفَادَةِ ذَاتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَشْخَاصِ الْأَسَدِ بِعَيْنِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، كَانَ ذَلِكَ عَلَمَ الْجِنْسِ، وَإِذَا قَالَ: وَضَعْتُ لَفْظَ الْأَسَدِ لِإِفَادَةِ الْمَاهِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْخَاصِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ، كَانَ هَذَا اسْمَ الْجِنْسِ، فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ اسْمِ الْجِنْسِ وَبَيْنَ عَلَمِ الْجِنْسِ. الثَّانِي: أَنَّهُمْ وَجَدُوا أُسَامَةَ اسْمًا غَيْرَ مُنْصَرِفٍ وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مَا لَمْ يَحْصُلْ فِي الِاسْمِ شَيْئَانِ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الصَّرْفِ، ثُمَّ وَجَدُوا فِي هَذَا اللَّفْظِ التَّأْنِيثَ، وَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا آخَرَ سِوَى الْعَلَمِيَّةِ، فَاعْتَقَدُوا كَوْنَهُ عَلَمًا لِهَذَا المعنى. الحكمة الداعية إلى وضع الأعلام: الحكم الثالث [الحكمة الداعية إلى وضع الأعلام] : اعْلَمْ أَنَّ الْحِكْمَةَ الدَّاعِيَةَ إِلَى وَضْعِ الْأَعْلَامِ أنه ربما اختص نوع بحكم واحتج إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ الْخَاصِّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ الْإِخْبَارَ عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ غَيْرُ مُمْكِنٍ إِلَّا بَعْدَ ذِكْرِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ عَلَى سبيل الخصوص، فاحتج إِلَى وَضْعِ الْأَعْلَامِ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ. الْحُكْمُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْحَاجَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ تَثْبُتُ لِأَشْخَاصِ النَّاسِ فَوْقَ ثُبُوتِهَا لِسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ،
لَا جَرَمَ كَانَ وَضْعُ الْأَعْلَامِ لِلْأَشْخَاصِ الْإِنْسَانِيَّةِ أكثر من وضعها لسائر الذوات. العلم اسم ولقب وكنية: الحكم الخامس [العلم اسم ولقب وكنية] : فِي تَقْسِيمَاتِ الْأَعْلَامِ، وَهِيَ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: اعلم إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا كَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، أَوْ لَقَبًا كَإِسْرَائِيلَ، أَوْ كُنْيَةً كَأَبِي لَهَبٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ: الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: الشَّيْءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ الِاسْمُ فَقَطْ، أَوِ اللَّقَبُ فَقَطْ، أَوِ الْكُنْيَةُ فَقَطْ، أَوِ الِاسْمُ مَعَ اللَّقَبِ، أَوِ الِاسْمُ مَعَ الْكُنْيَةِ، أَوِ اللَّقَبُ مَعَ الْكُنْيَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ سِيبَوَيْهِ أَفْرَدَ أَمْثِلَةَ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ تَرْكِيبِ الْكُنْيَةِ وَالِاسْمِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: الَّذِي لَهُ الِاسْمُ وَالْكُنْيَةُ كَالضَّبُعِ، فَإِنَّ اسْمَهَا حَضَاجِرُ، وَكُنْيَتَهَا أَمُّ عَامِرٍ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِلْأَسَدِ أُسَامَةُ وأبو الحارث، وللثعلب ثعالة وأبو الحصين، وَلِلْعَقْرَبِ شَبْوَةُ وَأُمُّ عِرْيَطٍ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الِاسْمُ دُونَ الْكُنْيَةِ كَقَوْلِنَا قُثَمُ لِذَكَرِ الضَّبُعِ، وَلَا كُنْيَةَ لَهُ. وَثَالِثُهَا: الَّذِي حَصَلَتْ لَهُ الْكُنْيَةُ وَلَا اسْمَ لَهُ، كَقَوْلِنَا لِلْحَيَوَانِ الْمُعَيَّنِ أَبُو بَرَاقِشَ. الْحُكْمُ الثَّالِثُ: الْكُنْيَةُ قَدْ تَكُونُ بِالْإِضَافَاتِ إِلَى الْآبَاءِ، وَإِلَى الْأُمَّهَاتِ، وَإِلَى الْبَنِينَ، وَإِلَى الْبَنَاتِ، فَالْكُنَى بِالْآبَاءِ كَمَا يُقَالُ لِلذِّئْبِ أَبُو جَعْدَةَ لِلْأَبْيَضِ، وَأَبُو الْجَوْنِ، وَأَمَّا الْأُمَّهَاتُ فَكَمَا يُقَالُ لِلدَّاهِيَةِ أُمُّ حَبَوْكَرَى، وَلِلْخَمْرِ أُمُّ لَيْلَى، وَأَمَّا الْبَنُونَ فَكَمَا يُقَالُ لِلْغُرَابِ ابْنُ دَأْيَةَ، وَلِلرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ حَالُهُ مُنْكَشِفًا ابْنُ جَلَا، وَأَمَّا الْبَنَاتُ فَكَمَا يُقَالُ لِلصَّدَى ابْنَةُ الْجَبَلِ، وَلِلْحَصَاةِ بِنْتُ الْأَرْضِ. الْحُكْمُ الرَّابِعُ: الْإِضَافَةُ فِي الْكُنْيَةِ قَدْ تَكُونُ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ نَحْوَ ابْنِ عُرْسٍ وَحِمَارِ قَبَّانَ وَقَدْ تَكُونُ مَعْلُومَةَ النَّسَبِ نَحْوَ ابْنِ لَبُونٍ وَبِنْتِ لَبُونٍ وَابْنِ مَخَاضٍ وَبِنْتِ مَخَاضٍ، لِأَنَّ النَّاقَةَ/ إِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا ثُمَّ حُمِلَ عَلَيْهَا بَعْدَ وِلَادَتِهَا فَإِنَّهَا لَا تَصِيرُ مَخَاضًا إِلَّا بَعْدَ سَنَةٍ، وَالْمَخَاضُ الْحَامِلُ الْمُقْرِبُ، فَوَلَدُهَا إِنْ كَانَ ذَكَرًا فَهُوَ ابْنُ مَخَاضٍ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَهِيَ بِنْتُ مَخَاضٍ، ثُمَّ إِذَا وَلَدَتْ وَصَارَ لَهَا لَبَنٌ صَارَتْ لَبَوْنًا فَأُضِيفَ الْوَلَدُ إِلَيْهَا بِإِضَافَةٍ مَعْلُومَةٍ. الْحُكْمُ الْخَامِسُ: إِذَا اجْتَمَعَ الِاسْمُ وَاللَّقَبُ: فَالِاسْمُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُضَافًا أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُضَافًا أُضِيفَ الِاسْمُ إِلَى اللَّقَبِ يُقَالُ هَذَا سَعِيدُ كُرْزٍ وَقَيْسُ بَطَّةَ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَجْمُوعُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْمِ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ الِاسْمُ مُضَافًا فَهُمْ يُفْرِدُونَ اللَّقَبَ فيقولون هذا عبد الله بطة. السر في وضع الكنية: الحكم السادس [السر في وضع الكنية] : الْمُقْتَضِي لِحُصُولِ الْكُنْيَةِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: الْإِخْبَارُ عَنْ نَفْسِ الْأَمْرِ كَقَوْلِنَا أَبُو طَالِبٍ، فَإِنَّهُ كُنِّيَ بابنه طالب، وثانيها: التفاؤل والرجا كَقَوْلِهِمْ أَبُو عَمْرٍو لِمَنْ يَرْجُو وَلَدًا يَطُولُ عُمُرُهُ، وَأَبُو الْفَضْلِ لِمَنْ يَرْجُو وَلَدًا جَامِعًا لِلْفَضَائِلِ: وَثَالِثُهَا: الْإِيمَاءُ إِلَى الضِّدِّ كَأَبِي يَحْيَى لِلْمَوْتِ، وَرَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ إِنْسَانًا مَشْهُورًا وَلَهُ أَبٌ مَشْهُورٌ فَيَتَقَارَضَانِ الْكُنْيَةَ فَإِنَّ يُوسُفَ كُنْيَتُهُ أَبُو يَعْقُوبَ وَيَعْقُوبَ كُنْيَتُهُ أَبُو يُوسُفَ، وَخَامِسُهَا: اشْتِهَارُ الرَّجُلِ بِخَصْلَةٍ فَيُكَنَّى بِهَا إِمَّا بِسَبَبِ اتِّصَافِهِ بِهَا أَوِ انْتِسَابِهِ إِلَيْهَا بِوَجْهٍ قريب أو بعيد. التقسيم الثاني للأعلام: التَّقْسِيمُ الثَّانِي لِلْأَعْلَامِ: الْعَلَمُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُفْرَدًا كَزَيْدٍ، أَوْ مُرَكَّبًا مِنْ كَلِمَتَيْنِ لَا عَلَاقَةَ بَيْنَهُمَا كَبَعْلَبَكَّ، أَوْ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةٌ وَهِيَ: إِمَّا عَلَاقَةُ الْإِضَافَةِ كَعَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي زَيْدٍ، أَوْ عَلَاقَةُ الْإِسْنَادِ وَهِيَ إِمَّا جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ أَوْ فِعْلِيَّةٌ، وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْبَابِ أَنَّكَ إِذَا جَعَلْتَ جُمْلَةً اسْمَ عَلَمٍ لَمْ تُغَيِّرْهَا أَلْبَتَّةَ، بَلْ تَتْرُكُهَا بِحَالِهَا مِثْلَ تَأَبَّطَ شَرًّا وبرق نحره. التقسيم الثالث للأعلام: التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ: الْعَلَمُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا أَوْ مُرْتَجَلًا، أَمَّا الْمَنْقُولُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا عَنْ لَفْظٍ مُفِيدٍ أَوْ
غَيْرِ مُفِيدٍ، وَالْمَنْقُولُ مِنَ الْمُفِيدِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا عَنِ الِاسْمِ، أَوِ الْفِعْلِ أَوِ الْحَرْفِ، أَوْ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْهَا، أَمَّا الْمَنْقُولُ عَنِ الِاسْمِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنِ اسْمِ عَيْنٍ: كَأَسَدٍ وَثَوْرٍ، أَوْ عَنِ اسْمِ مَعْنًى: كَفَضْلٍ وَنَصْرٍ، أَوْ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ: كَالْحُسْنِ، أَوْ عَنْ صِفَةٍ إِضَافِيَّةٍ كَالْمَذْكُورِ وَالْمَرْدُودِ، وَالْمَنْقُولُ عَنِ الْفِعْلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا عَنْ صِيغَةِ الْمَاضِي كَشَمَرَ، أَوْ عَنْ صِيغَةِ الْمُضَارِعِ كَيَحْيَى، أَوْ عَنِ الْأَمْرِ كَاطْرُقَا، وَالْمَنْقُولُ عَنِ الْحَرْفِ كَرَجُلٍ سَمَّيْتَهُ بِصِيغَةٍ مِنْ صِيَغِ الْحُرُوفِ، وَأَمَّا الْمَنْقُولُ عَنِ الْمُرَكَّبِ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَكَّبُ مُفِيدًا فَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي التَّقْسِيمِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُفِيدٍ فَهُوَ يُفِيدُ، وَأَمَّا الْمَنْقُولُ عَنْ صَوْتٍ فَهُوَ مِثْلُ تَسْمِيَةِ بَعْضِ الْعَلَوِيَّةِ بِطَبَاطَبَا، وَأَمَّا الْمُرْتَجَلُ فَقَدْ يَكُونُ قِيَاسًا مِثْلُ عِمْرَانَ وَحَمْدَانَ فَإِنَّهُمَا مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ مِثْلُ سَرْحَانَ وَنَدْمَانَ، وَقَدْ يَكُونُ شَاذًّا قَلَّمَا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ مِثْلُ مُحَبَّبٍ وَمَوْهِبٍ. التقسيم الرابع للأعلام: التَّقْسِيمُ الرَّابِعُ: الْأَعْلَامُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِلذَّوَاتِ أَوِ الْمَعَانِي، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ عَلَمَ الشَّخْصِ، أَوْ عَلَمَ الْجِنْسِ، فَهَهُنَا أَقْسَامٌ أَرْبَعَةٌ، وَقَبْلَ الْخَوْضِ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَيَجِبُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ وَضْعَ الْأَعْلَامِ لِلذَّوَاتِ أَكْثَرُ مِنْ وَضْعِهَا لِلْمَعَانِي، لِأَنَّ أَشْخَاصَ الذَّوَاتِ هِيَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ بِالْإِخْبَارِ عَنْ أَحْوَالِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْيِينِ، أَمَّا أَشْخَاصُ الصِّفَاتِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ. وَلْنَرْجِعْ إِلَى أَحْكَامِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْعَلَمُ لِلذَّوَاتِ وَالشَّرْطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى مَأْلُوفًا لِلْوَاضِعِ، وَالْأَصْلُ فِي الْمَأْلُوفَاتِ الْإِنْسَانُ، لِأَنَّ مُسْتَعْمِلَ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ هُوَ الْإِنْسَانُ، وَإِلْفُ الشَّيْءِ بِنَوْعِهِ أَتَمُّ مِنْ إِلْفِهِ بِغَيْرِ نَوْعِهِ، وَبَعْدَ الْإِنْسَانِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي يَكْثُرُ احْتِيَاجُ الْإِنْسَانِ إِلَيْهَا وَتَكْثُرُ مُشَاهَدَتُهُ لَهَا، ولهذا السبب وضعوا أعوج ولا حقا علمين لفرسين، وشذ قما وَعَلِيًّا لِفَحْلَيْنِ، وَضَمْرَانَ لِكَلْبٍ، وَكَسَابِ لِكَلْبَةٍ، وَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَا يَأْلَفُهَا الْإِنْسَانُ فَقَلَّمَا يَضَعُونَ الْأَعْلَامَ لِأَشْخَاصِهَا، أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: فَهُوَ عَلَمُ الْجِنْسِ لِلذَّوَاتِ، وَهُوَ مِثْلُ أُسَامَةَ لِلْأَسَدِ، وَثُعَالَةَ لِلثَّعْلَبِ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَهُوَ وَضْعُ الْأَعْلَامِ لِلْأَفْرَادِ الْمُعَيَّنَةِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فَهُوَ عَلَمُ الْجِنْسِ لِلْمَعَانِي، وَالضَّابِطُ فِيهِ أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا حُصُولَ سَبَبٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَسْبَابِ التِّسْعَةِ الْمَانِعَةِ مِنَ الصَّرْفِ ثُمَّ مَنَعُوهُ الصَّرْفَ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ عَلَمًا لِمَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ الصَّرْفِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا عِنْدَ اجْتِمَاعِ سَبَبَيْنِ، وَذَكَرَ ابْنُ جِنِّي أَمْثِلَةً لِهَذَا الْبَابِ، وَهِيَ تَسْمِيَتُهُمُ التَّسْبِيحَ بِسُبْحَانَ، وَالْغُدُوَّ بِكَيْسَانَ، لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُنْصَرِفَيْنِ، فَالسَّبَبُ الْوَاحِدُ- وَهُوَ الْأَلِفُ وَالنُّونُ- حَاصِلٌ. وَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الْعَلَمِيَّةِ لِيَتِمَّ السَّبَبَانِ. التَّقْسِيمُ الخامس للأعلام: التَّقْسِيمُ الْخَامِسُ لِلْأَعْلَامِ: اعْلَمْ أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ قَدْ يَنْقَلِبُ اسْمَ عَلَمٍ. كَمَا إِذَا كَانَ الْمَفْهُومُ مِنَ اللَّفْظِ أَمْرًا كُلِّيًّا صَالِحًا لِأَنْ يَشْتَرِكَ فِيهِ كَثِيرُونَ: ثُمَّ إِنَّهُ فِي الْعُرْفِ يَخْتَصُّ بِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ، مِثْلَ «النَّجْمِ» فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِكُلِّ نَجْمٍ، ثُمَّ اخْتَصَّ فِي الْعُرْفِ بِالثُّرَيَّا، وَكَذَلِكَ «السِّمَاكُ» اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الِارْتِفَاعِ ثُمَّ اخْتَصَّ بِكَوْكَبٍ مُعَيَّنٍ.
الباب الخامس في أحكام أسماء الأجناس والأسماء المشتقة، وهي كثيرة
الْبَابُ الْخَامِسُ فِي أَحْكَامِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وَالْأَسْمَاءِ المشتقة، وهي كثيرة أحكام اسم الجنس: أَمَّا أَحْكَامُ أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ فَهِيَ أُمُورٌ: الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: الْمَاهِيَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً، وَقَدْ تَكُونُ بَسِيطَةً، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ أَنَّ الْمُرَكَّبَ قَبْلَ الْبَسِيطِ فِي الْجِنْسِ، وَأَنَّ/ الْبَسِيطَ قَبْلَ الْمُرَكَّبِ فِي الْفَصْلِ، وَثَبَتَ بِحَسَبِ الِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ قُوَّةَ الْجِنْسِ سَابِقَةٌ عَلَى قُوَّةِ الْفَصْلِ فِي الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَسْمَاءُ الْمَاهِيَّاتِ الْمُرَكَّبَةِ سَابِقَةً عَلَى أَسْمَاءِ الْمَاهِيَّاتِ الْبَسِيطَةِ. الْحُكْمُ الثاني في اسم الجنس: الْحُكْمُ الثَّانِي: أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ سَابِقَةٌ بِالرُّتْبَةِ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ، لِأَنَّ الِاسْمَ الْمُشْتَقَّ مُتَفَرِّعٌ عَلَى الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ، فَلَوْ كَانَ اسْمُهُ أَيْضًا مُشْتَقًّا لَزِمَ إِمَّا التَّسَلْسُلُ أَوِ الدَّوْرُ، وَهُمَا مُحَالَانِ، فَيَجِبُ الِانْتِهَاءُ فِي الِاشْتِقَاقَاتِ إِلَى أَسْمَاءٍ مَوْضُوعَةٍ جَامِدَةٍ، فَالْمَوْضُوعُ غَنِيٌّ عَنِ الْمُشْتَقِّ وَالْمُشْتَقُّ مُحْتَاجٌ إِلَى الْمَوْضُوعِ، فَوَجَبَ كَوْنُ الْمَوْضُوعِ سَابِقًا بِالرُّتْبَةِ عَلَى الْمُشْتَقِّ، وَيَظْهَرُ بِهَذَا أَنَّ هَذَا الَّذِي يَعْتَادُهُ اللُّغَوِيُّونَ وَالنَّحْوِيُّونَ مِنَ السَّعْيِ الْبَلِيغِ فِي أَنْ يَجْعَلُوا كُلَّ لَفْظٍ مُشْتَقًّا مِنْ شَيْءٍ آخَرَ سَعْيٌ بَاطِلٌ وَعَمَلٌ ضَائِعٌ. الْحُكْمُ الثالث في اسم الجنس: الْحُكْمُ الثَّالِثُ: الْمَوْجُودُ إِمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُمْكِنٌ، وَالْمُمْكِنُ إِمَّا مُتَحَيِّزٌ أَوْ حَالٌّ فِي الْمُتَحَيِّزِ، أَوْ لَا مُتَحَيِّزٌ وَلَا حَالٌّ فِي الْمُتَحَيِّزِ أَمَّا هَذَا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالشُّعُورُ بِهِ قَلِيلٌ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِالْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، ثُمَّ إِنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ الْمُتَحَيِّزَاتِ مُتَسَاوِيَةٌ فِي تَمَامِ ذَوَاتِهَا، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهَا إِنَّمَا يَقَعُ بِسَبَبِ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهَا، فَالْأَسْمَاءُ الْوَاقِعَةُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَجْسَامِ يَكُونُ الْمُسَمَّى بِهَا مَجْمُوعَ الذَّاتِ مَعَ الصِّفَاتِ الْمَخْصُوصَةِ الْقَائِمَةِ بِهَا، هذا هو الحكم في الأكثر الأغلب. أحكام الأسماء المشتقة : وَأَمَّا أَحْكَامُ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ أَنْ تَكُونَ الذَّاتُ مَوْصُوفَةً بِالْمُشْتَقِّ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَعْلُومَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ، مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ غَيْرُ قَائِمٍ بِالْمَعْلُومِ. وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَذْكُورِ وَالْمَرْئِيِّ وَالْمَسْمُوعِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي اللَّائِقِ وَالرَّامِي. الْحُكْمُ الثَّانِي: شَرْطُ صِدْقِ الْمُشْتَقِّ حُصُولُ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ فِي الْحَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ كَانَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَقَاءَ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ شَرْطٌ فِي صِدْقِ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ. الْحُكْمُ الثَّالِثُ: الْمُشْتَقُّ مِنْهُ إِنْ كَانَ مَاهِيَّةً مُرَكَّبَةً لَا يُمْكِنُ حُصُولُ أَجْزَائِهَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ، مِثْلُ الْكَلَامِ وَالْقَوْلِ وَالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الِاسْمَ الْمُشْتَقَّ إِنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ عِنْدَ حُصُولِ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ. الْحُكْمُ الرَّابِعُ: المفهوم من الضارب أنه شيء ماله ضَرْبٌ، فَأَمَّا إِنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ جِسْمٌ أَوْ غَيْرُهُ فَذَلِكَ خَارِجٌ عَنِ الْمَفْهُومِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ.
الباب السادس في تقسيم الاسم إلى المعرب والمبني، وذكر الأحكام المفرعة على هذين القسمين، وفيه مسائل
الْبَابُ السَّادِسُ فِي تَقْسِيمِ الِاسْمِ إِلَى الْمُعْرَبِ وَالْمَبْنِيِّ، وَذِكْرِ الْأَحْكَامِ الْمُفَرَّعَةِ عَلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي لَفْظِ الْإِعْرَابِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ قَوْلِهِمْ: «أَعْرَبَ عَنْ نَفْسِهِ» إِذَا بَيَّنَ مَا فِي ضَمِيرِهِ، فَإِنَّ الْإِعْرَابَ إِيضَاحُ الْمَعْنَى، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَعْرَبَ مَنْقُولًا مِنْ قَوْلِهِمْ: «عَرِبَتْ مَعِدَةُ الرَّجُلِ» إِذَا فَسَدَتْ، فَكَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْإِعْرَابِ إِزَالَةَ الْفَسَادِ وَرَفْعَ الْإِبْهَامِ، مِثْلَ أَعْجَمْتُ الْكِتَابَ بِمَعْنَى أَزَلْتُ عُجْمَتَهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا وُضِعَ لَفْظُ الْمَاهِيَّةِ وَكَانَتْ تِلْكَ الْمَاهِيَّةُ مَوْرِدًا لِأَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْرِدًا لِأَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ لِتَكُونَ الْأَحْوَالُ الْمُخْتَلِفَةُ اللَّفْظِيَّةُ دَالَّةً عَلَى الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، كَمَا أَنَّ جَوْهَرَ اللَّفْظِ لَمَّا كَانَ دَالًّا عَلَى أَصْلِ الْمَاهِيَّةِ كَانَ اخْتِلَافُ أَحْوَالِهِ دَالًّا عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ الْمَعْنَوِيَّةِ، فَتِلْكَ الْأَحْوَالُ الْمُخْتَلِفَةُ اللَّفْظِيَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ هِيَ الْإِعْرَابُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْأَفْعَالُ وَالْحُرُوفُ أَحْوَالٌ عَارِضَةٌ لِلْمَاهِيَّاتِ، وَالْعَوَارِضُ لَا تَعْرِضُ لَهَا عَوَارِضُ أُخْرَى، هَذَا هُوَ الْحُكْمُ الْأَكْثَرِيُّ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَعْرِضُ لَهَا الْأَحْوَالُ الْمُخْتَلِفَةُ هِيَ الذَّوَاتُ، وَالْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَيْهَا هِيَ الْأَسْمَاءُ، فَالْمُسْتَحِقُّ لِلْإِعْرَابِ بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ هُوَ الْأَسْمَاءُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِنَّمَا اخْتَصَّ الْإِعْرَابُ بِالْحَرْفِ الْأَخِيرِ مِنَ الْكَلِمَةِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَحْوَالَ الْعَارِضَةَ لِلذَّاتِ لَا تُوجَدُ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الذَّاتِ، وَاللَّفْظُ لَا يُوجَدُ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْحَرْفِ الْأَخِيرِ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْعَلَامَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْكَلِمَةِ. الثَّانِي: أَنَّ اخْتِلَافَ حَالِ الْحَرْفِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مِنَ الْكَلِمَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَوْزَانِ الْكَلِمَةِ، فَلَمْ يَبْقَ لِقَبُولِ الْأَحْوَالِ الْإِعْرَابِيَّةِ إِلَّا الْحَرْفُ الْأَخِيرُ مِنَ الْكَلِمَةِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْإِعْرَابُ لَيْسَ عِبَارَةً عَنِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي أواخر الكلمات بدليل أنها موجودة في المبينات وَالْإِعْرَابُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيهَا بَلِ الْإِعْرَابُ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِحْقَاقِهَا لِهَذِهِ الْحَرَكَاتِ بِسَبَبِ الْعَوَامِلِ الْمَحْسُوسَةِ، وَذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقُ مَعْقُولٌ لَا مَحْسُوسٌ، وَالْإِعْرَابُ حَاجَةٌ مَعْقُولَةٌ لَا مَحْسُوسَةٌ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إِذَا قُلْنَا فِي الْحَرْفِ: أَنَّهُ مُتَحَرِّكٌ أَوْ سَاكِنٌ، فَهُوَ مَجَازٌ، لِأَنَّ الْحَرَكَةَ/ وَالسُّكُونَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ، وَالْحَرْفُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْ حَرَكَةِ الْحَرْفِ صَوْتٌ مَخْصُوصٌ يُوجَدُ عَقِيبَ التَّلَفُّظِ بِالْحَرْفِ، وَالسُّكُونُ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ يُوجَدَ الْحَرْفُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْقِبَهُ ذَلِكَ الصَّوْتُ الْمَخْصُوصُ الْمُسَمَّى بِالْحَرَكَةِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: الْحَرَكَاتُ إِمَّا صَرِيحَةٌ أَوْ مُخْتَلَسَةٌ، وَالصَّرِيحَةُ إِمَّا مُفْرَدَةٌ أَوْ غَيْرُ مُفْرَدَةٍ فَالْمُفْرَدَةُ ثَلَاثَةٌ وَهِيَ: الْفَتْحَةُ، وَالْكَسْرَةُ، وَالضَّمَّةُ، وَغَيْرُ الْمُفْرَدَةِ مَا كَانَ بَيْنَ بَيْنَ، وَهِيَ سِتَّةٌ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ قِسْمَانِ، فَلِلْفَتْحَةِ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الكسرة أو ما بينها وبين الضمة، وللكسرة مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الضَّمَّةِ أَوْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَتْحَةِ، وَالضَّمَّةِ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، فَالْمَجْمُوعُ تِسْعَةٌ. وَهِيَ إِمَّا مُشْبَعَةٌ أَوْ غَيْرُ مُشْبَعَةٍ، فَهِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ الْمُخْتَلَسَةُ،
وَهِيَ مَا تَكُونُ حَرَكَةً وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ فِي الْحِسِّ لَهَا مَبْدَأٌ، وَتُسَمَّى الْحَرَكَةَ الْمَجْهُولَةَ، وَبِهَا قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [الْبَقَرَةِ: 54] مُخْتَلَسَةَ الْحَرَكَةِ مِنْ بَارِئِكُمْ وَغَيْرَ ظَاهِرَةٍ بِهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: لَمَّا كَانَ الْمَرْجِعُ بِالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى أَصْوَاتٍ مَخْصُوصَةٍ لَمْ يَجِبِ الْقَطْعُ بِانْحِصَارِ الْحَرَكَاتِ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، قَالَ ابْنُ جِنِّي اسْمُ الْمِفْتَاحِ بِالْفَارِسِيَّةِ- وهو كليد- لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَوَّلَهُ مُتَحَرِّكٌ أَوْ سَاكِنٌ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ قَالَ: دَخَلْتُ بَلْدَةً فَسَمِعْتُ أَهْلَهَا يَنْطِقُونَ بِفَتْحَةٍ غَرِيبَةٍ لَمْ أَسْمَعْهَا قَبْلُ، فَتَعَجَّبْتُ مِنْهَا وَأَقَمْتُ هُنَاكَ أَيَّامًا فَتَكَلَّمْتُ أَيْضًا بِهَا، فَلَمَّا فَارَقْتُ تِلْكَ الْبَلْدَةَ نَسِيتُهَا. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: الْحَرَكَةُ الْإِعْرَابِيَّةُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنِ الْحَرْفِ تَأَخُّرًا بِالزَّمَانِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحُرُوفَ الصُّلْبَةَ كَالْبَاءِ وَالتَّاءِ وَالدَّالِ وَأَمْثَالِهَا إِنَّمَا تَحْدُثُ فِي آخِرِ زَمَانِ حَبْسِ النَّفَسِ وَأَوَّلِ إِرْسَالِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ فَاصِلَ مَا بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ غَيْرُ مُنْقَسِمٍ، وَالْحَرَكَةُ صَوْتٌ يَحْدُثُ عِنْدَ إِرْسَالِ النَّفَسِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ الْآنَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ فَالْحَرْفُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْحَرَكَةِ. الثَّانِي: أَنَّ الْحُرُوفَ الصُّلْبَةَ لَا تَقْبَلُ التَّمْدِيدَ، وَالْحَرَكَةُ قَابِلَةٌ لِلتَّمْدِيدِ، فَالْحَرْفُ وَالْحَرَكَةُ لَا يُوجَدَانِ مَعًا لَكِنَّ الْحَرَكَةَ لَا تَتَقَدَّمُ عَلَى الْحَرْفِ، فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْحَرَكَةِ. الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: الْحَرَكَاتُ أَبْعَاضٌ مِنْ حُرُوفِ الْمَدِّ وَاللِّينِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ، الْأَوَّلُ: أَنَّ حُرُوفَ الْمَدِّ وَاللِّينِ قَابِلَةٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَهُ طَرَفَانِ، وَلَا طَرَفَ لَهَا فِي النُّقْصَانِ إِلَّا هَذِهِ الْحَرَكَاتُ، الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ إِذَا مَدَدْنَاهَا ظَهَرَتْ حُرُوفُ الْمَدِّ وَاللِّينِ فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ لَيْسَتْ إِلَّا أَوَائِلَ تِلْكَ الْحُرُوفِ، الثَّالِثُ: لَوْ لَمْ تَكُنِ الْحَرَكَاتُ أَبْعَاضًا لِهَذِهِ الْحُرُوفِ لَمَا جَازَ الِاكْتِفَاءُ بِهَا لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُخَالِفَةً لَهَا لَمْ تَسُدَّ مَسَدَّهَا فَلَمْ/ يَصِحَّ الِاكْتِفَاءُ بِهَا مِنْهَا بِدَلِيلِ اسْتِقْرَاءِ الْقُرْآنِ وَالنَّثْرِ وَالنَّظْمِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَبْ أَنَّ إِبْدَالَ الشَّيْءِ مِنْ مُخَالِفِهِ الْقَرِيبِ مِنْهُ جَائِزٌ إِلَّا أَنَّ إِبْدَالَ الشَّيْءِ مِنْ بَعْضِهِ أَوْلَى، فوجب حمل الكلام عليه. الابتداء بالساكن: المسألة الحادية عشرة [الابتداء بالساكن] : الِابْتِدَاءُ بِالْحَرْفِ السَّاكِنِ مُحَالٌ عِنْدَ قَوْمٍ، وَجَائِزٌ عِنْدَ آخَرِينَ، لِأَنَّ الْحَرَكَةَ عِبَارَةٌ عَنِ الصَّوْتِ الَّذِي يَحْصُلُ التَّلَفُّظُ بِهِ بَعْدَ التَّلَفُّظِ بِالْحَرْفِ، وَتَوْقِيفُ الشَّيْءِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بَعْدَهُ مُحَالٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَثْقَلُ الْحَرَكَاتِ الضَّمَّةُ، لِأَنَّهَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِعَمَلِ الْعَضَلَتَيْنِ الصُّلْبَتَيْنِ الْوَاصِلَتَيْنِ إِلَى طَرَفَيِ الشَّفَةِ، وَأَمَّا الْكَسْرَةُ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي تَحْصِيلِهَا الْعَضَلَةُ الْوَاحِدَةُ الْجَارِيَةُ، ثُمَّ الْفَتْحَةُ يَكْفِي فِيهَا عَمَلٌ ضَعِيفٌ لِتِلْكَ الْعَضَلَةِ، وَكَمَا دَلَّتْ هَذِهِ الْمَعَالِمُ التَّشْرِيحِيَّةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَالتَّجْرِبَةُ تُظْهِرُهُ أَيْضًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَالَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ أَمْزِجَةِ الْبُلْدَانِ، فَإِنَّ أَهْلَ أَذْرَبِيجَانَ يَغْلِبُ عَلَى جَمِيعِ أَلْفَاظِهِمْ إِشْمَامُ الضَّمَّةِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْبِلَادِ يَغْلِبُ عَلَى لُغَاتِهِمْ إِشْمَامُ الْكَسْرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثَةُ مَعَ السُّكُونِ إِنْ كَانَتْ إِعْرَابِيَّةً سُمِّيَتْ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ أَوِ الْخَفْضِ وَالْجَزْمِ، وَإِنْ كَانَتْ بِنَائِيَةً سُمِّيَتْ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَالْوَقْفِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: ذَهَبَ قُطْرُبٌ إِلَى أَنَّ الْحَرَكَاتِ الْبِنَائِيَّةَ مِثْلُ الْإِعْرَابِيَّةِ، وَالْبَاقُونَ خَالَفُوهُ، وَهَذَا الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنَ التَّمَاثُلِ إِنْ كَانَ هُوَ التَّمَاثُلَ فِي الْمَاهِيَّةِ فَالْحِسُّ يَشْهَدُ بِأَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ
الْمُرَادُ حُصُولَ التَّمَاثُلِ فِي كَوْنِهَا مُسْتَحَقَّةً بِحَسَبِ الْعَوَامِلِ الْمُخْتَلِفَةِ فَالْعَقْلُ يَشْهَدُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالضَّمَّةِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ضَمِّ شَفَتَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ رَفْعُهُمَا ثَانِيًا، وَمَنْ أَرَادَ التَّلَفُّظَ بِالْفَتْحَةِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَتْحِ الْفَمِ بِحَيْثُ تَنْتَصِبُ الشَّفَةُ الْعُلْيَا عِنْدَ ذَلِكَ الْفَتْحِ، وَمَنْ أَرَادَ التَّلَفُّظَ بِالْكَسْرَةِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَتْحِ الْفَمِ فَتْحًا قَوِيًّا وَالْفَتْحُ الْقَوِيُّ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِانْجِرَارِ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ وَانْخِفَاضِهِ، فَلَا جَرَمَ يُسَمَّى ذَلِكَ جَرًّا وَخَفْضًا وَكَسْرًا لِأَنَّ انْجِرَارَ الْقُوَى يُوجِبُ الْكَسْرَ، وَأَمَّا الْجَزْمُ فَهُوَ الْقَطْعُ. وَأَمَّا إِنَّهُ لِمَ سُمِّيَ وَقْفًا وَسُكُونًا فَعِلَّتُهُ ظَاهِرَةٌ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: مِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْفَتْحَ وَالضَّمَّ وَالْكَسْرَ وَالْوَقْفَ أَسْمَاءٌ لِلْأَحْوَالِ الْبِنَائِيَّةِ، كَمَا أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الثَّانِيَةَ أَسْمَاءٌ لِلْأَحْوَالِ الْإِعْرَابِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْبَعَةَ الْأُوَلَ: أَسْمَاءُ تِلْكَ الْأَحْوَالِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِنَائِيَةً أَوْ إِعْرَابِيَّةً، وَجَعَلَ الْأَرْبَعَةَ الثَّانِيَةَ أَسْمَاءٌ لِلْأَحْوَالِ الْإِعْرَابِيَّةِ، فَتَكُونُ الْأَرْبَعَةُ الْأُولَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَرْبَعَةِ الثَّانِيَةِ كَالْجِنْسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النوع. المسألة السابعة عشر: أَنْ سِيبَوَيْهِ يُسَمِّيهَا بِالْمَجَارِي، وَيَقُولُ: هِيَ ثَمَانِيَةٌ وَفِيهِ سُؤَالَانِ: الْأَوَّلُ: لِمَ سَمَّى الْحَرَكَاتِ بِالْمَجَارِي فَإِنَّ الْحَرَكَةَ نَفْسَهَا الْجَرْيُ، وَالْمَجْرَى مَوْضِعُ الْجَرْيِ، فَالْحَرَكَةُ لَا تَكُونُ مَجْرًى؟ وَجَوَابُهُ أَنَّا بَيَّنَّا أن الذي يسمى هاهنا بِالْحَرَكَةِ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِحَرَكَةٍ إِنَّمَا هُوَ صَوْتٌ يُتَلَفَّظُ بِهِ بَعْدَ التَّلَفُّظِ بِالْحَرْفِ الْأَوَّلِ، فَالْمُتَكَلِّمُ لَمَّا انْتَقَلَ مِنَ الْحَرْفِ الصَّامِتِ إِلَى هَذَا الْحَرْفِ فَهَذَا الْحَرْفُ الْمُصَوَّتُ إِنَّمَا حَدَثَ لِجَرَيَانِ نَفَسِهِ وَامْتِدَادِهِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ صَحَّتْ تَسْمِيَتُهُ بِالْمَجْرَى. السُّؤَالُ الثَّانِي: قَالَ الْمَازِنِيُّ: غَلِطَ سِيبَوَيْهِ فِي تَسْمِيَتِهِ الْحَرَكَاتِ الْبِنَائِيَّةِ بِالْمَجَارِي لِأَنَّ الْجَرْيَ إِنَّمَا يَكُونُ لِمَا يُوجَدُ تَارَةً وَيُعْدَمُ تَارَةً. وَالْمَبْنِيُّ لَا يَزُولُ عَنْ حَالِهِ، فَلَمْ يَجُزْ تَسْمِيَتُهُ بِالْمَجَارِي، بَلْ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: الْمَجَارِي أَرْبَعَةٌ وَهِيَ الْأَحْوَالُ الْإِعْرَابِيَّةُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَبْنِيَّاتِ قَدْ تُحَرَّكُ عِنْدَ الدَّرْجِ، وَلَا تُحَرَّكُ عِنْدَ الْوَقْفِ، فَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْأَحْوَالُ لَازِمَةً لَهَا مُطْلَقًا. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: الْإِعْرَابُ اخْتِلَافُ آخِرِ الْكَلِمَةِ بِاخْتِلَافِ الْعَوَامِلِ: بِحَرَكَةٍ أَوْ حَرْفٍ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا، أَمَّا الِاخْتِلَافُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَوْصُوفِيَّةِ آخِرِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ بِحَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِغَيْرِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ تِلْكَ الْمَوْصُوفِيَّةَ حَالَةٌ مَعْقُولَةٌ لَا مَحْسُوسَةٌ فَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ النَّحْوِيُّ: الْإِعْرَابُ حَالَةٌ مَعْقُولَةٌ لَا مَحْسُوسَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: «بِاخْتِلَافِ الْعَوَامِلِ» فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي تَلْزَمُهُ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ أَبَدًا هُوَ الْمَبْنِيُّ، وَأَمَّا الَّذِي يَخْتَلِفُ آخِرُهُ فَقِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ مَعْنَاهُ قَابِلًا لِلْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ كَقَوْلِكَ: «أَخَذْتُ الْمَالَ مِنْ زَيْدٍ» فَتَكُونُ «مِنْ» سَاكِنَةً، ثُمَّ تَقُولُ: «أَخَذْتُ الْمَالَ مِنَ الرَّجُلِ» فَتَفْتَحُ النُّونَ، ثُمَّ تَقُولُ «أَخَذْتُ الْمَالَ مِنِ ابْنِكَ» فَتَكُونُ مَكْسُورَةً فَهَهُنَا اخْتَلَفَ آخِرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِإِعْرَابٍ، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلِمَةِ «مِنْ» لَا يَقْبَلُ الْأَحْوَالَ الْمُخْتَلِفَةَ فِي الْمَعْنَى، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي يَخْتَلِفُ آخِرُ الْكَلِمَةِ عِنْدَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ مَعْنَاهَا- فَذَلِكَ هُوَ الْإِعْرَابُ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أَقْسَامُ الْإِعْرَابِ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: الْإِعْرَابُ بِالْحَرَكَةِ، وَهِيَ فِي أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: الِاسْمُ الَّذِي لَا يَكُونُ آخِرُهُ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْعِلَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ أَوَّلُهُ أَوْ وَسَطُهُ مُعْتَلًّا أَوْ لَمْ يَكُنْ، نَحْوَ رَجُلٍ، وَوَعْدٍ، وَثَوْبٍ، وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْكَلِمَةِ وَاوًا أَوْ يَاءً وَيَكُونُ مَا قَبْلَهُ سَاكِنًا، فَهَذَا كَالصَّحِيحِ فِي تَعَاقُبِ الْحَرَكَاتِ عَلَيْهِ، تَقُولُ: هَذَا ظَبْيٌ وَغَزْوٌ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْمُدْغَمُ فِيهِمَا كَقَوْلِكَ: كُرْسِيٌّ وَعَدُوٌّ لِأَنَّ الْمُدْغَمَ يَكُونُ
سَاكِنًا فَسُكُونُ الْيَاءِ مِنْ كُرْسِيٍّ وَالْوَاوِ مِنْ عَدُوٍّ كَسُكُونِ الْبَاءِ مِنْ ظَبْيٍ وَالزَّايِ مِنْ غَزْوٍ، وَثَالِثُهَا: أَنْ تَكُونَ الْحَرَكَةُ/ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى الْحَرْفِ الْأَخِيرِ مِنَ الْكَلِمَةِ كَسْرَةً وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْحَرْفُ الْأَخِيرُ يَاءً، وَإِذَا كَانَ آخِرُ الْكَلِمَةِ يَاءً قَبْلَهَا كَسْرَةٌ كَانَ فِي الرَّفْعِ وَالْجَرِّ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ السُّكُونُ، وَأَمَّا فِي النَّصْبِ فَإِنَّ الْيَاءَ تُحَرَّكُ بِالْفَتْحَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ [الْأَحْقَافِ: 31] الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْإِعْرَابِ: مَا يَكُونُ بِالْحَرْفِ، وَهُوَ فِي أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: فِي الْأَسْمَاءِ السِّتَّةِ مُضَافَةً، وَذَلِكَ جَاءَنِي أَبُوهُ وَأَخُوهُ وَحَمُوهُ وَهَنُوهُ وَفُوهُ وَذُو مَالٍ، وَرَأَيْتُ أَبَاهُ وَمَرَرْتُ بِأَبِيهِ، وَكَذَا فِي الْبَوَاقِي، وَثَانِيهَا: «كِلَا» مُضَافًا إِلَى مُضْمَرٍ، تَقُولُ: جَاءَنِي كِلَاهُمَا وَمَرَرْتُ بِكِلَيْهِمَا وَرَأَيْتُ كِلَيْهِمَا، وَثَالِثُهَا: التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ، تَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمَانِ وَمُسْلِمُونَ وَرَأَيْتُ مُسْلِمَيْنِ وَمُسْلِمِينَ وَمَرَرْتُ بِمُسْلِمَيْنِ وَمُسْلِمِينَ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْإِعْرَابُ التَّقْدِيرِيُّ، وَهُوَ فِي الْكَلِمَةِ الَّتِي يَكُونُ آخِرُهَا أَلِفًا وَتَكُونُ الْحَرَكَةُ الَّتِي قَبْلَهَا فَتْحَةً، فَإِعْرَابُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ تَقُولُ: هَذِهِ رَحًا وَرَأَيْتُ رحا ومررت برحا. أصول الإعراب: المسألة العشرون [أصول الإعراب] : أَصْلُ الْإِعْرَابِ أَنْ يَكُونَ بِالْحَرَكَةِ، لِأَنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِعْرَابِ أَنْ يَجْعَلَ الْأَحْوَالَ الْعَارِضَةَ لِلَّفْظِ دَلَائِلَ عَلَى الْأَحْوَالِ الْعَارِضَةِ لِلْمَعْنَى، وَالْعَارِضُ لِلْحَرْفِ هُوَ الْحَرَكَةُ لَا الْحَرْفُ الثَّانِي، وَأَمَّا الصُّوَرُ الَّتِي جَاءَ إِعْرَابُهَا بِالْحُرُوفِ فَذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ مِنْ جِنْسِ تلك الحركات. أنواع الاسم المعرب: المسألة الحادية والعشرون [أنواع الاسم المعرب] : الِاسْمُ الْمُعْرَبُ، وَيُقَالُ لَهُ الْمُتَمَكِّنُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَسْتَوْفِي حَرَكَاتِ الْإِعْرَابِ وَالتَّنْوِينِ، وَهُوَ الْمُنْصَرِفُ وَالْأَمْكَنُ، وَالثَّانِي: مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ يُحْذَفُ عَنْهُ الْجَرُّ وَالتَّنْوِينُ وَيُحَرَّكُ بِالْفَتْحِ فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ إِلَّا إِذَا أُضِيفَ أَوْ دَخَلَهُ لَامُ التَّعْرِيفِ، وَيُسَمَّى غَيْرَ الْمُنْصَرِفِ، وَالْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنَ الصَّرْفِ تِسْعَةٌ فَمَتَى حَصَلَ فِي الِاسْمِ اثْنَانِ مِنْهَا أَوْ تَكَرَّرَ سَبَبٌ وَاحِدٌ فِيهِ امْتَنَعَ مِنَ الصَّرْفِ، وَهِيَ: الْعَلَمِيَّةُ، وَالتَّأْنِيثُ اللَّازِمُ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَوَزْنُ الْفِعْلِ الْخَاصُّ بِهِ أَوِ الْغَالِبُ عَلَيْهِ، وَالْوَصْفِيَّةُ، وَالْعَدْلُ، وَالْجَمْعُ الَّذِي لَيْسَ عَلَى زِنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالتَّرْكِيبُ، وَالْعُجْمَةُ فِي الْأَعْلَامِ خاصة، والألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث. سبب منع الصرف: المسألة الثانية والعشرون [سبب منع الصرف] : إِنَّمَا صَارَ اجْتِمَاعُ اثْنَيْنِ مِنْ هَذِهِ التِّسْعَةِ مَانِعًا مِنَ الصَّرْفِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَرْعٌ، وَالْفِعْلُ فَرْعٌ عَنِ الِاسْمِ، فَإِذَا حَصَلَ فِي الِاسْمِ سَبَبَانِ مِنْ هَذِهِ التِّسْعَةِ صَارَ ذَلِكَ الِاسْمُ شَبِيهًا بِالْفِعْلِ فِي الْفَرْعِيَّةِ، وَتِلْكَ الْمُشَابَهَةُ تَقْتَضِي مَنْعَ الصَّرْفِ، فَهَذِهِ مُقَدِّمَاتٌ أَرْبَعٌ: - الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: فِي بَيَانِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ التِّسْعَةِ فَرْعٌ، أَمَّا بَيَانُ أَنَّ الْعَلَمِيَّةَ فَرْعٌ فَلِأَنَّ وَضْعَ الِاسْمِ لِلشَّيْءِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مَعْلُومًا، وَالشَّيْءُ فِي الْأَصْلِ لَا يَكُونُ مَعْلُومًا ثُمَّ يَصِيرُ مَعْلُومًا وَأَمَّا أَنَّ التَّأْنِيثَ فَرْعٌ فَبَيَانُهُ تَارَةً بِحَسَبِ اللَّفْظِ وَأُخْرَى بِحَسَبِ الْمَعْنَى: أَمَّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ فَلِأَنَّ كُلَّ لَفْظَةٍ وُضِعَتْ لِمَاهِيَّةٍ فَإِنَّهَا تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ مِنْ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ بِلَا زِيَادَةٍ وَعَلَى الْأُنْثَى بِزِيَادَةِ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ، وَأَمَّا بِحَسَبِ الْمَعْنَى فَلِأَنَّ الذَّكَرَ أَكْمَلُ مِنَ الْأُنْثَى، وَالْكَامِلُ مَقْصُودٌ بِالذَّاتِ، وَالنَّاقِصُ مَقْصُودٌ بِالْعَرَضِ، وَأَمَّا أَنَّ الْوَزْنَ الْخَاصَّ بِالْفِعْلِ أَوِ الْغَالِبَ عَلَيْهِ
فَرْعٌ فَلِأَنَّ وَزْنَ الْفِعْلِ فَرْعٌ لِلْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ فَرْعٌ لِلِاسْمِ، وَفَرْعُ الْفَرْعِ فَرْعٌ، وَأَمَّا أَنَّ الْوَصْفَ فَرْعٌ فَلِأَنَّ الْوَصْفَ فَرْعٌ عَنِ الْمَوْصُوفِ، وَأَمَّا أَنَّ الْعَدْلَ فَرْعٌ فَلِأَنَّ الْعُدُولَ عَنِ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ مَسْبُوقٌ بِوُجُودِ ذَلِكَ الْأَصْلِ وَفَرْعٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا أَنَّ الْجَمْعَ الَّذِي لَيْسَ عَلَى زِنَتِهِ وَاحِدٌ فَرْعٌ فَلِأَنَّ ذَلِكَ الْوَزْنَ فَرْعٌ عَلَى وُجُودِ الْجَمْعِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِيهِ، وَالْجَمْعُ فَرْعٌ عَلَى الْوَاحِدِ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ فَرْعٌ عَلَى الْوَحْدَةِ، وَفَرْعُ الْفَرْعِ فَرْعٌ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَظْهَرُ أَنَّ التَّرْكِيبَ فَرْعٌ، وَأَمَّا أَنَّ الْمُعْجَمَةَ فَرْعٌ فَلِأَنَّ تَكَلُّمَ كُلِّ طَائِفَةٍ بِلُغَةِ أَنْفُسِهِمْ أَصْلٌ وَبِلُغَةِ غَيْرِهِمْ فَرْعٌ، وَأَمَّا أَنَّ الْأَلِفَ وَالنُّونَ فِي سَكْرَانَ وَأَمْثَالِهِ يُفِيدَانِ الْفَرْعِيَّةَ فَلِأَنَّ الْأَلِفَ وَالنُّونَ زَائِدَانِ عَلَى جَوْهَرِ الْكَلِمَةِ، وَالزَّائِدُ فَرْعٌ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ التِّسْعَةَ تُوجِبُ الْفَرْعِيَّةَ. الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: فِي بَيَانِ أَنَّ الْفِعْلَ فَرْعٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْفِعْلَ عِبَارَةٌ عَنِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى وُقُوعِ الْمَصْدَرِ فِي زَمَانٍ مُعَيَّنٍ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ فَرْعًا عَلَى الْمَصْدَرِ. الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ ثَبَتَ أَنَّ الِاسْمَ الْمَوْصُوفَ بِأَمْرَيْنِ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ التِّسْعَةِ يَكُونُ مُشَابِهًا لِلْفِعْلِ فِي الْفَرْعِيَّةِ وَمُخَالِفًا لَهُ فِي كَوْنِهِ اسْمًا فِي ذَاتِهِ، وَالْأَصْلُ فِي الْفِعْلِ عَدَمُ الْإِعْرَابِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَوَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ فِي مِثْلِ هَذَا الِاسْمِ أَثَرَانِ بِحَسَبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الِاعْتِبَارَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَطَرِيقُهُ أَنْ يَبْقَى إِعْرَابُهَا مِنْ أَكْثَرِ الْوُجُوهِ، وَيُمْنَعُ مِنْ إِعْرَابِهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، لِيَتَوَفَّرَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الِاعْتِبَارَيْنِ مَا يَلِيقُ بِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: إِنَّمَا ظَهَرَ هَذَا الْأَثَرُ فِي مَنْعِ التَّنْوِينِ وَالْجَرِّ لِأَجْلِ أَنَّ التَّنْوِينَ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ حال الِاسْمِ، فَإِذَا ضَعُفَ الِاسْمُ بِحَسَبِ حُصُولِ هَذِهِ الْفَرْعِيَّةِ أُزِيلَ عَنْهُ مَا دَلَّ عَلَى كَمَالِ حَالِهِ، وَأَمَّا الْجَرُّ فَلِأَنَّ الْفِعْلَ يَحْصُلُ فِيهِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ، وَأَمَّا الْجَرُّ فَغَيْرُ حَاصِلٍ فِيهِ فَلَمَّا صَارَتِ الْأَسْمَاءُ مُشَابِهَةً لِلْفِعْلِ لَا جَرَمَ سُلِبَ عَنْهَا الْجَرُّ الَّذِي هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْأَسْمَاءِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: هَذِهِ الْأَسْمَاءُ بَعْدَ أَنْ سُلِبَ عَنْهَا الْجَرُّ إِمَّا أَنْ تُتْرَكَ سَاكِنَةً فِي/ حَالِ الْجَرِّ أَوْ تُحَرَّكَ، وَالتَّحْرِيكُ أَوْلَى، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ هَذِهِ الْحَرَكَةِ عَرَضِيٌّ لَا ذَاتِيٌّ، ثُمَّ النَّصْبُ أَوَّلُ الْحَرَكَاتِ لِأَنَّا رَأَيْنَا أَنَّ النَّصْبَ حُمِلَ عَلَى الْجَرِّ فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ السَّالِمِ، فَلَزِمَ هُنَا حَمْلُ الْجَرِّ عَلَى النَّصْبِ تَحْقِيقًا لِلْمُعَارَضَةِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَا لَا يَنْصَرِفُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ أَوْ أُضِيفَ انْصَرَفَ كَقَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِالْأَحْمَرِ، وَالْمَسَاجِدِ، وَعُمَرِكُمْ، ثُمَّ قِيلَ: السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْفِعْلَ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَالْإِضَافَةُ فَعِنْدَ دُخُولِهِمَا عَلَى الِاسْمِ خَرَجَ الِاسْمُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْفِعْلِ، قَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ: هَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ إِنَّمَا شَابَهَتِ الْأَفْعَالَ لِمَا حَصَلَ فِيهَا مِنَ الْوَصْفِيَّةِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي بَاقِيَةٌ عِنْدَ دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالْإِضَافَةِ فِيهَا فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ زَالَتِ الْمُشَابَهَةُ وَأَيْضًا فَحُرُوفُ الْجَرِّ وَالْفَاعِلِيَّةِ وَالْمَفْعُولِيَّةِ مِنْ خَوَاصِّ الْأَسْمَاءِ ثُمَّ إِنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ مَعَ أَنَّهَا تَبْقَى غَيْرَ مُنْصَرِفَةٍ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْإِضَافَةَ وَلَامَ التَّعْرِيفِ مِنْ خَوَاصِّ الْأَسْمَاءِ فَإِذَا حَصَلَتَا فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَهِيَ وَإِنْ ضَعُفَتْ فِي الِاسْمِيَّةِ بِسَبَبِ كَوْنِهَا مُشَابِهَةً لِلْفِعْلِ إِلَّا أَنَّهَا قَوِيَتْ بِسَبَبِ حُصُولِ خَوَاصِّ الْأَسْمَاءِ فِيهَا، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: أَصْلُ الِاسْمِيَّةِ يَقْتَضِي قَبُولَ الْإِعْرَابِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، إِلَّا أَنَّ الْمُشَابَهَةَ لِلْفِعْلِ صَارَتْ مُعَارِضَةً لِلْمُقْتَضَى، فَإِذَا صَارَ هَذَا الْمُعَارِضُ مُعَارَضًا بِشَيْءٍ آخَرَ ضَعُفَ الْمَعَارِضُ، فَعَادَ الْمُقْتَضَى عَامِلًا عَمَلَهُ، وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي فَجَوَابُهُ: أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ وَالْإِضَافَةِ أَقْوَى مِنَ الْفَاعِلِيَّةِ وَالْمَفْعُولِيَّةِ لِأَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ وَالْإِضَافَةِ يُضَادَّانِ التَّنْوِينَ، وَالضِّدَّانِ مُتَسَاوِيَانِ فِي الْقُوَّةِ فَلَمَّا كَانَ التَّنْوِينُ دَلِيلًا على
كَمَالِ الْقُوَّةِ فَكَذَلِكَ الْإِضَافَةُ وَحَرْفُ التَّعْرِيفِ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: لَوْ سَمَّيْتَ رَجُلًا بِأَحْمَرَ لَمْ تَصْرِفْهُ، بِالِاتِّفَاقِ، لِاجْتِمَاعِ الْعَلَمِيَّةِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ، أَمَّا إِذَا نَكَّرْتَهُ فَقَالَ سِيبَوَيْهِ: لَا أَصْرِفُهُ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَصْرِفُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُمْهُورَ يَقُولُونَ فِي تَقْرِيرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ عَلَى مَا يُحْكَى أَنَّ الْمَازِنِيَّ قَالَ: قُلْتُ لِلْأَخْفَشِ: كَيْفَ قُلْتَ مَرَرْتُ بِنِسْوَةٍ أَرْبَعٍ فَصَرَفْتَ مَعَ وُجُودِ الصِّفَةِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ؟ قَالَ: لِأَنَّ أَصْلَهُ الِاسْمِيَّةُ فَقُلْتُ: فَكَذَا لَا تَصْرِفُ أَحْمَرَ اسْمَ رَجُلٍ إِذَا نَكَّرْتَهُ لِأَنَّ أَصْلَهُ الْوَصْفِيَّةُ، قَالَ الْمَازِنِيُّ: فَلَمْ يَأْتِ الْأَخْفَشُ بِمُقْنِعٍ، وَأَقُولُ: كَلَامُ الْمَازِنِيِّ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الصَّرْفَ ثَبَتَ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ فِي قَوْلِهِ: «مَرَرْتُ بِنِسْوَةٍ أَرْبَعٍ» لِأَنَّهُ يَكْفِي عَوْدُ الشَّيْءِ إِلَى حُكْمِ الْأَصْلِ أَدْنَى سَبَبٍ، بِخِلَافِ الْمَنْعِ مِنَ الصَّرْفِ، فَإِنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا يَكْفِي فِيهِ إِلَّا السَّبَبُ الْقَوِيُّ، وَأَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهَ أَنَّهُ حَصَلَ فِيهِ وَزْنُ الْفِعْلِ وَالْوَصْفِيَّةُ الْأَصْلِيَّةُ فَوَجَبَ كَوْنُهُ غَيْرَ/ مُنْصَرِفٍ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فَهِيَ إِنَّمَا تَتِمُّ بِتَقْرِيرِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ: ثُبُوتُ وَزْنِ الْفِعْلِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالثَّانِي: الْوَصْفِيَّةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَلَمَ إِذَا نُكِّرَ صَارَ مَعْنَاهُ الشَّيْءَ الَّذِي يُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ. فَإِذَا قِيلَ: «رُبَّ زَيْدٍ رَأَيْتُهُ» كَانَ مَعْنَاهُ رُبَّ شَخْصٍ مُسَمًّى بَاسْمِ زَيْدٍ رَأَيْتُهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كَوْنَ الشَّخْصِ مُسَمًّى بِذَلِكَ الِاسْمِ صِفَةٌ لَا ذَاتٌ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْوَصْفِيَّةَ أَصْلِيَّةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ لَفْظَ الْأَحْمَرِ حِينَ كَانَ وَصْفًا مَعْنَاهُ الِاتِّصَافُ بِالْحُمْرَةِ، فَإِذَا جُعِلَ عَلَمًا ثُمَّ نُكِّرَ كَانَ مَعْنَاهُ كَوْنَهُ مُسَمًّى بِهَذَا الِاسْمِ، وَكَوْنُهُ كَذَلِكَ صِفَةٌ إِضَافِيَّةٌ عَارِضَةٌ لَهُ، فَالْمَفْهُومَانِ اشْتَرَكَا فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صِفَةً إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ يُفِيدُ صِفَةً حَقِيقِيَّةً وَالثَّانِي يُفِيدُ صِفَةً إِضَافِيَّةً، وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا كَوْنُهُ صِفَةً، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أن حَصَلَ فِيهِ وَزْنُ الْفِعْلِ وَالْوَصْفِيَّةُ الْأَصْلِيَّةُ فَوَجَبَ كَوْنُهُ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ مَا ذَكَرْتُمْ بِالْعَلَمِ الَّذِي مَا كَانَ وَصْفًا فَإِنَّهُ عِنْدَ التَّنْكِيرِ يَنْصَرِفُ مَعَ أَنَّهُ عِنْدَ التَّنْكِيرِ يُفِيدُ الْوَصْفِيَّةَ بِالْبَيَانِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ. قُلْنَا إِنَّهُ وَإِنْ صَارَ عِنْدَ التَّنْكِيرِ وَصْفًا إِلَّا أَنَّ وَصْفِيَّتَهُ لَيْسَتْ أَصْلِيَّةً لِأَنَّهَا مَا كَانَتْ صِفَةً قَبْلَ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَحْمَرِ فَإِنَّهُ كَانَ صِفَةً قَبْلَ ذَلِكَ، وَالشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ فِي الْحَالِ صِفَةً مَعَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ صِفَةً كَانَ أَقْوَى فِي الْوَصْفِيَّةِ مِمَّا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ. وَاحْتَجَّ الْأَخْفَشُ بِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلصَّرْفِ قَائِمٌ وَهُوَ الِاسْمِيَّةُ، وَالْعَارِضُ الْمَوْجُودُ لَا يَصِحُّ مُعَارِضًا، لِأَنَّهُ عَلَمٌ مُنَكَّرٌ وَالْعَلَمُ الْمُنَكَّرُ مَوْصُوفٌ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مُنَكَّرًا، وَالْمَوْصُوفُ بَاقٍ عِنْدِ وُجُودِ الصِّفَةِ، فَالْعَلَمِيَّةُ قَائِمَةٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَالْعَلَمِيَّةُ تُنَافِي الْوَصْفِيَّةَ، فَقَدْ زَالَتِ الْوَصْفِيَّةُ فَلَمْ يَبْقَ سِوَى وَزْنِ الْفِعْلِ وَالسَّبَبُ الْوَاحِدُ لَا يَمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّا بَيَّنَّا بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَنَّ الْعَلَمَ إِذَا جُعِلَ مُنَكَّرًا صَارَ وَصْفًا فِي الْحَقِيقَةِ فَسَقَطَ هَذَا الْكَلَامُ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَالَ سِيبَوَيْهِ: السَّبَبُ الْوَاحِدُ لَا يَمْنَعُ الصَّرْفَ، خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ، حُجَّةُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلصَّرْفِ قَائِمٌ، وَهُوَ الِاسْمِيَّةُ، وَالسَّبَبَانِ أَقْوَى مِنَ الْوَاحِدِ فَعِنْدَ حُصُولِ السَّبَبِ الْوَاحِدِ وَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ. وَحَجَّةُ الْكُوفِيِّينَ قَوْلُهُمُ الْمُقَدَّمُ، وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا: - وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ فِي هَذَا الْبَيْتِ: يَفُوقَانِ شَيْخِي فِي مَجْمَعِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَالَ سِيبَوَيْهِ: مَا لَا يَنْصَرِفُ يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ مَفْتُوحًا/ وَاعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِأَنَّ الْفَتْحَ مِنْ بَابِ الْبِنَاءِ، وَمَا لَا يَنْصَرِفُ غَيْرُ مَبْنِيٍّ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْفَتْحَ اسْمٌ لِذَاتِ الْحَرَكَةِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ أَنَّهَا إِعْرَابِيَّةٌ أَوْ بِنَائِيَةٌ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: إِعْرَابُ الْأَسْمَاءِ ثَلَاثَةٌ: الرَّفْعُ، وَالنَّصْبُ، وَالْجَرُّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَامَةٌ عَلَى مَعْنًى، فَالرَّفْعُ عَلَمُ الْفَاعِلِيَّةِ، وَالنَّصْبُ عَلَمُ الْمَفْعُولِيَّةِ، وَالْجَرُّ عَلَمُ الْإِضَافَةِ وَأَمَّا التوابع فإنها في حركاتها مساوية للمتبوعات. سر ارتفاع الفاعل وانتصاب المفعول: المسألة الثلاثون [سر ارتفاع الفاعل وانتصاب المفعول] : السَّبَبُ فِي كَوْنِ الْفَاعِلِ مَرْفُوعًا وَالْمَفْعُولِ مَنْصُوبًا وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ مَجْرُورًا وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْفَاعِلَ وَاحِدٌ، وَالْمَفْعُولَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَإِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَإِلَى ثَلَاثَةٍ، ثُمَّ يَتَعَدَّى أَيْضًا إِلَى الْمَفْعُولِ لَهُ، وَإِلَى الظَّرْفَيْنِ، وَإِلَى الْمَصْدَرِ وَالْحَالِ، فَلَمَّا كَثُرَتِ الْمَفَاعِيلُ اخْتِيرَ لَهَا أَخَفُّ الْحَرَكَاتِ وَهُوَ النَّصْبُ، وَلَمَّا قَلَّ الْفَاعِلُ اخْتِيرَ لَهُ أَثْقَلُ الْحَرَكَاتِ وَهُوَ الرَّفْعُ، حَتَّى تَقَعَ الزِّيَادَةُ فِي الْعَدَدِ مُقَابِلَةً لِلزِّيَادَةِ فِي الْمِقْدَارِ فَيَحْصُلُ الِاعْتِدَالُ. الثَّانِي: أَنَّ مَرَاتِبَ الْمَوْجُودَاتِ ثَلَاثَةٌ: مُؤَثِّرٌ لَا يَتَأَثَّرُ وَهُوَ الْأَقْوَى، وَهُوَ دَرَجَةُ الْفَاعِلِ وَمُتَأَثِّرٌ لَا يُؤَثِّرُ وَهُوَ الْأَضْعَفُ، وَهُوَ دَرَجَةُ الْمَفْعُولِ، وَثَالِثٌ يُؤَثِّرُ بِاعْتِبَارٍ وَيَتَأَثَّرُ بِاعْتِبَارٍ وَهُوَ الْمُتَوَسِّطُ، وَهُوَ دَرَجَةُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَالْحَرَكَاتُ أَيْضًا ثَلَاثَةٌ: أَقْوَاهَا الضَّمَّةُ وَأَضْعَفُهَا الْفَتْحَةُ وَأَوْسَطُهَا الْكَسْرَةُ، فَأَلْحَقُوا كُلَّ نَوْعٍ بِشَبِيهِهِ، فَجَعَلُوا الرَّفْعَ الَّذِي هُوَ أَقْوَى الْحَرَكَاتِ لِلْفَاعِلِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى الْأَقْسَامِ، وَالْفَتْحَ الَّذِي هُوَ أَضْعَفُ الْحَرَكَاتِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هُوَ أَضْعَفُ الْأَقْسَامِ وَالْجَرَّ الَّذِي هُوَ الْمُتَوَسِّطُ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْمُتَوَسِّطُ مِنَ الْأَقْسَامِ. الثَّالِثُ: الْفَاعِلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْعُولِ: لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَسْتَغْنِي عَنِ الْفَاعِلِ، وَقَدْ يَسْتَغْنِي عَنِ الْمَفْعُولِ، فَالتَّلَفُّظُ بِالْفَاعِلِ يُوجَدُ وَالنَّفَسُ قَوِيَّةٌ، فَلَا جَرَمَ أَعْطَوْهُ أَثْقَلَ الْحَرَكَاتِ عِنْدَ قُوَّةِ النَّفَسِ، وَجَعَلُوا أَخَفَّ الْحَرَكَاتِ لِمَا يُتَلَفَّظُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. أنواع المرفوعات وأصلها: المسألة الحادية والثلاثون [أنواع المرفوعات وأصلها] : الْمَرْفُوعَاتُ سَبْعَةٌ: الْفَاعِلُ، وَالْمُبْتَدَأُ، وَخَبَرُهُ، وَاسْمُ كَانَ، وَاسْمُ مَا وَلَا الْمُشَبَّهَتَيْنِ بِلَيْسَ، وَخَبَرُ إِنَّ، وَخَبَرُ لَا النَّافِيَةِ لِلْجِنْسِ، ثُمَّ قَالَ الْخَلِيلُ الْأَصْلُ فِي الرَّفْعِ الْفَاعِلُ، وَالْبَوَاقِي مُشَبَّهَةٌ بِهِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: الْأَصْلُ هُوَ الْمُبْتَدَأُ، وَالْبَوَاقِي مُشَبَّهَةٌ بِهِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، وَاحْتَجَّ الْخَلِيلُ بِأَنَّ جَعْلَ الرَّفْعِ إِعْرَابًا لِلْفَاعِلِ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ إِعْرَابًا لِلْمُبْتَدَأِ، وَالْأَوْلَوِيَّةُ تَقْتَضِي الْأَوَّلِيَّةَ: بَيَانُ الْأَوَّلِ: أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: «ضَرَبَ زَيْدْ بَكْرْ» بِإِسْكَانِ الْمُهْمَلَتَيْنِ لَمْ يُعَرَفْ أَنَّ الضَّارِبَ مَنْ هُوَ وَالْمَضْرُوبَ مَنْ هُوَ أَمَّا إِذَا قُلْتَ: «زَيْدْ/ قَائِمْ» بِإِسْكَانِهِمَا عَرَفْتَ مِنْ نَفْسِ اللَّفْظَتَيْنِ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ أَيُّهُمَا وَالْخَبَرَ أَيُّهُمَا، فَثَبَتَ أَنَّ افْتِقَارَ الْفَاعِلِ إِلَى الْإِعْرَابِ أَشَدُّ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ هُوَ. وَبَيَانُ الثَّانِي أَنَّ الرَّفْعِيَّةَ حَالَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، فَلَا يَكُونُ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى خُصُوصِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً وَلَا عَلَى خُصُوصِ كَوْنِهِ خَبَرًا، أَمَّا لَا شَكَّ أَنَّهُ فِي الْفَاعِلِ يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ كَوْنِهِ فَاعِلًا، فَثَبَتَ أَنَّ الرَّفْعَ حَقُّ الْفَاعِلِ، إِلَّا أَنَّ الْمُبْتَدَأَ لَمَّا أَشْبَهَ الْفَاعِلَ فِي كَوْنِهِ مُسْنَدًا إِلَيْهِ
جُعِلَ مَرْفُوعًا رِعَايَةً لِحَقِّ هَذِهِ الْمُشَابَهَةِ، وَحُجَّةُ سِيبَوَيْهِ: أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْجُمَلِ الْفِعْلِيَّةِ، فَإِعْرَابُ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى إِعْرَابِ الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْفِعْلَ أَصْلٌ فِي الْإِسْنَادِ إِلَى الْغَيْرِ فَكَانَتِ الْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ مُقَدَّمَةً. وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ هذا الكلام دليلا للخليل. أنواع المفاعيل: المسألة الثانية والثلاثون [أنواع المفاعيل] : الْمَفَاعِيلُ خَمْسَةٌ، لِأَنَّ الْفَاعِلَ لَا بُدَّ لَهُ مَنْ فِعْلٍ وَهُوَ الْمَصْدَرُ، وَلَا بُدَّ لِذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْ زَمَانٍ، وَلِذَلِكَ الْفَاعِلِ مَنْ عَرَضٍ، ثُمَّ قَدْ يَقَعُ ذَلِكَ الْفِعْلُ فِي شَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ الْمَفْعُولُ بِهِ، وَفِي مَكَانٍ، وَمَعَ شَيْءٍ آخَرَ، فَهَذَا ضَبْطُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَفَاعِيلِ. وَفِيهِ مَبَاحِثُ عَقْلِيَّةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَصْدَرَ قَدْ يَكُونُ هُوَ نَفْسَ الْمَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِنَا: «خَلَقَ اللَّهُ الْعَالَمَ» فَإِنَّ خَلْقَ الْعَالَمِ لَوْ كَانَ مُغَايِرًا لِلْعَالَمِ لَكَانَ ذَلِكَ الْمُغَايِرُ لَهُ إِنْ كَانَ قَدِيمًا لَزِمَ مِنْ قِدَمَهِ قِدَمُ الْعَالَمِ وَذَلِكَ يُنَافِي كَوْنَهُ مَخْلُوقًا وَإِنْ كَانَ حَادِثًا افْتَقَرَ خَلْقُهُ إِلَى خَلْقٍ آخَرَ وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَثَانِيهَا: أَنَّ فِعْلَ اللَّهِ يَسْتَغْنِي عَنِ الزَّمَانِ، لِأَنَّهُ لَوِ افْتَقَرَ إِلَى زَمَانٍ وَجَبَ أَنْ يَفْتَقِرَ حُدُوثُ ذَلِكَ الزَّمَانِ إِلَى زَمَانٍ آخَرَ وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَثَالِثُهَا: أَنَّ فِعْلَ اللَّهِ يَسْتَغْنِي عَنِ الْعَرَضِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَرَضَ إِنْ كَانَ قَدِيمًا لَزِمَ قِدَمُ الْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ حادثا لزم التسلسل، وهو محال. عامل النصب في المفاعيل: المسألة الثالثة والثلاثون [عامل النصب في المفاعيل] : اخْتَلَفُوا فِي الْعَامِلِ فِي نَصْبِ الْمَفْعُولِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ- أَنَّ الْفِعْلَ وَحْدَهُ يَقْتَضِي رَفْعَ الْفَاعِلِ وَنَصْبَ الْمَفْعُولِ: وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ- أَنَّ مَجْمُوعَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ يَقْتَضِي نَصْبَ الْمَفْعُولِ، وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ هِشَامِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مِنَ الْكُوفِيِّينَ- أَنَّ الْعَامِلَ هُوَ الْفَاعِلُ فَقَطْ، وَالرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُ خَلَفٍ الْأَحْمَرِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ- أَنَّ الْعَامِلَ فِي الْفَاعِلِ معنى الْفَاعِلِيَّةُ، وَفِي الْمَفْعُولِ مَعْنَى الْمَفْعُولِيَّةِ. حُجَّةُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الْعَامِلَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَعْمُولِ، وَأَحَدُ الِاسْمَيْنِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْآخَرِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ أَلْبَتَّةَ، وَإِذَا سَقَطَ لَمْ يَبْقَ الْعَمَلُ إِلَّا لِلْفِعْلِ. حُجَّةُ الْمُخَالِفِ أَنَّ الْعَامِلَ الْوَاحِدَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ أَثَرَانِ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ/ إِلَّا أَثَرٌ وَاحِدٌ. قُلْنَا: ذَاكَ فِي الْمُوجَبَاتِ، أَمَّا فِي الْمُعَرَّفَاتِ فَمَمْنُوعٌ. وَاحْتَجَّ خَلَفٌ بِأَنَّ الْفَاعِلِيَّةَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْفَاعِلِ، وَالْمَفْعُولِيَّةَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْمَفْعُولِ، وَلَفْظُ الْفِعْلِ مُبَايِنٌ لَهُمَا، وَتَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِمَا يَكُونُ حَاصِلًا فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ أَوْلَى مِنْ تَعْلِيلِهِ بِمَا يَكُونُ مُبَايِنًا لَهُ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِوَجْهٍ آخَرَ: وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ، وَصِفَةُ الْفَاعِلِيَّةِ وَالْمَفْعُولِيَّةِ أَمْرٌ خَفِيٌّ، وَتَعْلِيلُ الْحُكْمِ الظَّاهِرِ بِالْمَعْنَى الظَّاهِرِ أَوْلَى مِنْ تَعْلِيلِهِ بِالصِّفَةِ الْخَفِيَّةِ وَاللَّهُ أعلم.
الباب السابع في إعراب الفعل
الباب السابع في إعراب الفعل إِعْرَابِ الْفِعْلِ: اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: (أَعُوذُ) يَقْتَضِي إِسْنَادَ الْفِعْلِ إِلَى الْفَاعِلِ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثَ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِذَا قُلْنَا فِي النَّحْوِ فِعْلٌ وَفَاعِلٌ، فَلَا نُرِيدُ بِهِ مَا يَذْكُرُهُ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ لِأَنَّا نَقُولُ: «مَاتَ زَيْدٌ» وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْ، وَنَقُولُ مِنْ طَرِيقِ النَّحْوِ: مَاتَ فِعْلٌ، وَزَيْدٌ فَاعِلُهُ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْفِعْلَ لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ دَالَّةٌ عَلَى حُصُولِ الْمَصْدَرِ لِشَيْءٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فِي زَمَانٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَإِذَا صَرَّحْنَا بِذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ الْمَصْدَرُ لَهُ فَذَاكَ هُوَ الْفَاعِلُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَنَا حَصَلَ الْمَصْدَرُ لَهُ أَعَمُّ مِنْ قولنا حصل بإيجاده واختياره كقولنا قام، أولا بِاخْتِيَارِهِ كَقَوْلِنَا مَاتَ، فَإِنْ قَالُوا: الْفِعْلُ كَمَا يَحْصُلُ فِي الْفَاعِلِ فَقَدْ يَحْصُلُ فِي الْمَفْعُولِ، قُلْنَا: إِنَّ صِيغَةَ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هِيَ تَقْتَضِي حُصُولَ ذَلِكَ الْمَصْدَرِ لِشَيْءٍ مَا هُوَ الْفَاعِلُ، وَلَا تَقْتَضِي حُصُولَهُ لِلْمَفْعُولِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الأفعال اللازمة غنية عن المفعول. وجوب تقديم الفعل: المسألة الثانية [وجوب تقديم الفعل] : الْفِعْلُ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْفَاعِلِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ- إِثْبَاتًا كَانَ أَوْ نَفْيًا يَقْتَضِي أَمْرًا مَا يَكُونُ هُوَ مُسْنَدًا إِلَيْهِ، فَحُصُولُ مَاهِيَّةِ الْفِعْلِ فِي الذِّهْنِ يَسْتَلْزِمُ حُصُولَ شَيْءٍ يُسْنِدُ الذِّهْنُ ذَلِكَ الْفِعْلَ إِلَيْهِ، وَالْمُنْتَقَلُ إِلَيْهِ مُتَأَخِّرٌ بِالرُّتْبَةِ عَنِ الْمُنْتَقَلِ عَنْهُ، فَلَمَّا وَجَبَ كَوْنُ الْفِعْلِ مُقَدَّمًا عَلَى الْفَاعِلِ فِي الذِّهْنِ وَجَبَ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ فِي الذِّكْرِ، فَإِنْ قَالُوا: لَا نَجِدُ فِي الْعَقْلِ فَرْقًا بَيْنَ قَوْلِنَا: «ضَرَبَ زَيْدٌ» وَبَيْنَ قَوْلِنَا: «زَيْدٌ ضَرَبَ» قُلْنَا: الْفَرْقُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّا إِذَا قُلْنَا زَيْدٌ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُقُوفِ الذِّهْنِ عَلَى مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ أَنْ يَحْكُمَ بِإِسْنَادِ مَعْنًى آخَرَ إِلَيْهِ، أَمَّا إِذَا فَهِمْنَا مَعْنَى لَفْظِ ضَرَبَ لَزِمَ مِنْهُ حُكْمُ الذِّهْنِ بِإِسْنَادِ هَذَا الْمَفْهُومِ إِلَى شَيْءٍ مَا، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِذَا قُلْنَا: «ضَرَبَ زَيْدٌ» / فَقَدْ حَكَمَ الذِّهْنُ بِإِسْنَادِ مَفْهُومِ ضَرَبَ إِلَى شَيْءٍ، ثُمَّ يَحْكُمُ الذِّهْنُ بِأَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ هُوَ زَيْدٌ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَحِينَئِذٍ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ زَيْدٍ بِأَنَّهُ هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي أَسْنَدَ الذِّهْنُ مَفْهُومَ ضَرَبَ إِلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ قَوْلُنَا: زَيْدٌ مُخْبَرًا عَنْهُ وَقَوْلُنَا ضَرَبَ جُمْلَةً مِنْ فِعْلٍ وَفَاعِلٍ وَقَعَتْ خَبَرًا عن ذلك المبتدأ. ارتباط الفعل بالفاعل: المسألة الثالثة [ارتباط الفعل بالفاعل] : قَالُوا: الْفَاعِلُ كَالْجُزْءِ مِنَ الْفِعْلِ، وَالْمَفْعُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَفِي تَقْرِيرِهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ قَالُوا ضَرَبْتُ فَأَسْكَنُوا لَامَ الْفِعْلِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ أَرْبَعُ مُتَحَرِّكَاتٍ، وَهُمْ يَحْتَرِزُونَ عَنْ تَوَالِيهَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا بَقَرَةٌ فَإِنَّمَا احْتَمَلُوا ذَلِكَ فِيهَا لِأَنَّ التَّاءَ زَائِدَةٌ، وَاحْتَمَلُوا ذَلِكَ فِي الْمَفْعُولِ كَقَوْلِهِمْ ضَرَبَكَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْفَاعِلَ جُزْءٌ مِنَ الْفِعْلِ، وَأَنَّ الْمَفْعُولَ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، الثَّانِي: أَنَّكَ تَقُولُ: الزَّيْدَانِ قَامَا أَظْهَرْتَ الضَّمِيرَ لِلْفَاعِلِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قُلْتَ زَيْدٌ ضرب وجب أن يكون الفعل مسند إِلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ طَرْدًا لِلْبَابِ، وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْوَجْهُ الْعَقْلِيُّ- أَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِكَ ضَرَبَ هُوَ أَنَّهُ حَصَلَ الضَّرْبُ لِشَيْءٍ مَا فِي زَمَانٍ مَضَى، فَذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ الضَّرْبُ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِكَ ضَرَبَ، فَثَبَتَ أَنَّ الفاعل جزء من الفعل.
الإضمار قبل الذكر: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْإِضْمَارُ قَبْلَ الذِّكْرِ عَلَى وُجُوهٍ: أَحُدُهَا: أَنْ يَحْصُلَ صُورَةً وَمَعْنًى، كَقَوْلِكَ ضَرَبَ غُلَامُهُ زَيْدًا وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّكَ رَفَعْتَ غُلَامَهُ بِضَرَبَ فَكَانَ وَاقِعًا مَوْقِعَهُ وَالشَّيْءُ إِذَا وَقَعَ مَوْقِعَهُ لَمْ تَجُزْ إِزَالَتُهُ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتِ الْهَاءُ فِي قَوْلِكَ غُلَامُهُ ضَمِيرًا قَبْلَ الذِّكْرِ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّابِغَةِ: - جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ... جَزَاءَ الْكِلَابِ الْعَاوِيَاتِ وَقَدْ فَعَلْ فَجَوَابُهُ: أَنَّ الْهَاءَ عَائِدَةٌ إِلَى مَذْكُورٍ مُتَقَدِّمٍ، وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: وَأَنَا أُجِيزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ رَبُّهُ عَائِدَةً عَلَى عَدِيٍّ خِلَافًا لِلْجَمَاعَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا غَيْرَ مُلَخَّصٍ، وَأَقُولُ: الْأَوْلَى فِي تَقْرِيرِهِ أَنْ يُقَالَ: الْفِعْلُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فِعْلٌ كَانَ غَنِيًّا عَنِ الْمَفْعُولِ لَكِنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ لَا يَسْتَغْنِي عَنِ الْمَفْعُولِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفَاعِلَ هُوَ الْمُؤَثِّرُ، وَالْمَفْعُولَ هُوَ الْقَابِلُ، وَالْفِعْلُ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِمَا وَلَا تَقَدُّمَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْفَاعِلَ مُؤَثِّرٌ، وَالْمُؤَثِّرُ أَشْرَفُ مِنَ الْقَابِلِ، فَالْفَاعِلُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْمَفْعُولِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْمُؤَثِّرِ وَإِلَى الْقَابِلِ مَعًا وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَكَمَا جَازَ تَقْدِيمُ الْفَاعِلِ عَلَى الْمَفْعُولِ وَجَبَ أَيْضًا جَوَازُ تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ عَلَى الْفَاعِلِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْمَفْعُولُ عَلَى الْفَاعِلِ فِي الصُّورَةِ لَا فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ كَقَوْلِكَ ضَرَبَ غُلَامَهُ زَيْدٌ: فَغُلَامُهُ مَفْعُولٌ، وَزَيْدٌ فَاعِلٌ، وَمَرْتَبَةُ، الْمَفْعُولِ بَعْدَ مَرْتَبَةِ الْفَاعِلِ، إِلَّا أَنَّهُ وَإِنْ تَقَدَّمَ فِي اللَّفْظِ لَكِنَّهُ مُتَأَخِّرٌ فِي الْمَعْنَى. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَقَعَ فِي الْمَعْنَى لَا فِي الصُّورَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ [الْبَقَرَةِ: 124] فَهَهُنَا الْإِضْمَارُ قَبْلَ الذِّكْرِ غَيْرُ حَاصِلٍ فِي الصُّورَةِ، لَكِنَّهُ حَاصِلٌ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْفَاعِلَ مُقَدَّمٌ فِي الْمَعْنَى، وَمَتَى صَرَّحَ بِتَقْدِيمِهِ لَزِمَ الْإِضْمَارُ قَبْلَ الذكر. إظهار الفاعل وإضماره: المسألة الخامسة [إظهار الفاعل وإضماره] : الْفَاعِلُ قَدْ يَكُونُ مُظْهَرًا كَقَوْلِكَ ضَرَبَ زَيْدٌ، وَقَدْ يَكُونُ مُضْمَرًا بَارِزًا كَقَوْلِكَ ضَرَبْتُ وَضَرَبْنَا، وَمُضْمَرًا مُسْتَكِنًّا كَقَوْلِكَ زَيْدٌ ضَرَبَ، فَتَنْوِي فِي ضَرَبَ فَاعِلًا وَتَجْعَلُ الْجُمْلَةَ خَبَرًا عَنْ زَيْدٍ، وَمِنْ إِضْمَارِ الْفَاعِلِ قَوْلُكَ إِذَا كَانَ غَدًا فَأْتِنِي، أَيْ: إِذَا كَانَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ غدا. قد يحذف الفعل: الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الْفِعْلُ قَدْ يَكُونُ مُضْمَرًا، يُقَالُ: مَنْ فَعَلَ؟ فَتَقُولُ: زَيْدٌ، وَالتَّقْدِيرُ فَعَلَ زَيْدٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التَّوْبَةِ: 6] والتقدير وإن استجارك أحد من المشركين. التنازع في العمل: المسألة السابعة [التنازع في العمل] : إِذَا جَاءَ فِعْلَانِ مَعْطُوفًا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَجَاءَ بَعْدَهُمَا اسْمٌ صَالِحٌ لِأَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لَهُمَا فَهَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ، لِأَنَّ الْفِعْلَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْتَضِيَا عَمَلَيْنِ مُتَشَابِهَيْنِ، أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ
الِاسْمُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُمَا وَاحِدًا، أَوْ أَكْثَرَ فَهَذِهِ أَقْسَامٌ أَرْبَعَةٌ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أَنْ يُذْكَرَ فِعْلَانِ يَقْتَضِيَانِ عَمَلًا وَاحِدًا، وَيَكُونُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُمَا اسْمًا وَاحِدًا، كَقَوْلِكَ: قَامَ وَقَعَدَ زَيْدٌ، فَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا عَامِلَانِ فِي زَيْدٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الواحد بعلتين، والأقرب راجح بسبب القرب، فوجب إحالة الحكم عليه، وأجاب الفراء بأن تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُمْتَنِعٌ فِي الْمُؤَثِّرَاتِ، أَمَّا فِي الْمُعَرِّفَاتِ فَجَائِزٌ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُعَرِّفَ يُوجِبُ الْمَعْرِفَةَ، فَيَعُودُ الْأَمْرُ إِلَى اجْتِمَاعِ الْمُؤَثِّرَيْنِ فِي الْأَثَرِ الْوَاحِدِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: إِذَا كَانَ الِاسْمُ غَيْرَ مُفْرَدٍ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ، قَامَ وَقَعَدَ أَخَوَاكَ، فَهَهُنَا إِمَّا أَنْ تَرْفَعَهُ بِالْفِعْلِ الْأَوَّلِ، أَوْ بِالْفِعْلِ الثَّانِي، فَإِنْ رَفَعْتَهُ بِالْأَوَّلِ قُلْتَ: قَامَ وَقَعَدَا أَخَوَاكَ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ قَامَ أَخَوَاكَ وَقَعَدَا، أَمَّا إِذَا أَعْمَلْتَ الثَّانِيَ جَعَلْتَ فِي الْفِعْلِ الْأَوَّلِ ضَمِيرَ الْفَاعِلِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ لا يخلوا مِنْ فَاعِلٍ مُضْمَرٍ أَوْ مُظْهَرٍ، تَقُولُ: قَامَا وَقَعَدَ أَخَوَاكَ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ إِعْمَالُ الثَّانِي أَوْلَى، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ إِعْمَالُ الْأَوَّلِ أَوْلَى، حُجَّةُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ إِعْمَالَهُمَا مَعًا مُمْتَنِعٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ/ إِعْمَالِ أَحَدِهِمَا، وَالْقُرْبُ مُرَجِّحٌ، فَإِعْمَالُ الْأَقْرَبِ أَوْلَى، وحجة الكوفيين أنا إِذَا أَعْمَلْنَا الْأَقْرَبَ وَجَبَ إِسْنَادُ الْفِعْلِ الْمُتَقَدِّمِ إِلَى الضَّمِيرِ، وَيَلْزَمُ حُصُولُ الْإِضْمَارِ قَبْلَ الذِّكْرِ، وَذَلِكَ أَوْلَى بِوُجُوبِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا إِذَا اقْتَضَى الْفِعْلَانِ تَأْثِيرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ، وَكَانَ الِاسْمُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُمَا مُفْرَدًا، فَيَقُولُ الْبَصْرِيُّونَ إِنَّ إِعْمَالَ الْأَقْرَبِ أَوْلَى، خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ، حُجَّةُ الْبَصْرِيِّينَ وُجُوهٌ، الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [الكهف: 96] فحصل هاهنا فِعْلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي مَفْعُولًا: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّاصِبُ لِقَوْلِهِ قِطْرًا هُوَ قَوْلُهُ آتُونِي أَوْ أُفْرِغْ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، وَإِلَّا صَارَ التَّقْدِيرُ آتُونِي قِطْرًا، وَحِينَئِذٍ كَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ أُفْرِغْهُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ علمنا أن الناصب لقوله قِطْرًا هُوَ قَوْلُهُ أُفْرِغْ، الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الْحَاقَّةِ: 19] فَلَوْ كَانَ الْعَامِلُ هُوَ الْأَبْعَدَ لَقِيلَ هَاؤُمُ اقْرَءُوهُ، وَأَجَابَ الْكُوفِيُّونَ عَنْ هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ بِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى جَوَازِ إِعْمَالِ الْأَقْرَبِ، وَذَلِكَ لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّا نُجَوِّزُ إِعْمَالَ الْأَبْعَدِ، وَأَنْتُمْ تَمْنَعُونَهُ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: لِلْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ يُقَالُ: مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ، فَالْفِعْلُ رَافِعٌ، وَالْحَرْفُ جَارٌّ، ثُمَّ يُرَجَّحُ الْجَارُّ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَقْرَبُ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ إِهْمَالَهُمَا وَإِعْمَالَهُمَا لَا يَجُوزُ، وَلَا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ، وَالْقُرْبُ مُرَجَّحٌ، فَإِعْمَالُ الْأَقْرَبِ أَوْلَى. وَاحْتَجَّ الْكُوفِيُّونَ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الِاسْمَ الْمَذْكُورَ بَعْدَ الْفِعْلَيْنِ إِذَا كَانَ مُثَنًّى أَوْ مَجْمُوعًا فَإِعْمَالُ الثَّانِي يُوجِبُ فِي الْأَوَّلِ الإِضمار قَبْلَ الذِّكْرِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِإِعْمَالِ الْأَوَّلِ هُنَاكَ، فَإِذَا كَانَ الِاسْمُ مُفْرَدًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ طَرْدًا لِلْبَابِ. الثَّانِي: أَنَّ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ وَجَدَ مَعْمُولًا خَالِيًا عَنِ الْعَائِقِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَفْعُولٍ، وَالْفِعْلُ الثَّانِي وَجَدَ الْمَعْمُولَ بَعْدَ أَنْ عَمِلَ الْأَوَّلُ فِيهِ، وَعَمَلُ الْأَوَّلِ فِيهِ عَائِقٌ عَنْ عَمَلِ الثَّانِي فِيهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِعْمَالَ الْخَالِي عَنِ الْعَائِقِ أَوْلَى مِنْ إِعْمَالِ الْعَامِلِ الْمَقْرُونِ بِالْعَائِقِ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: إِذَا كَانَ الِاسْمُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ الْفِعْلَيْنِ مُثَنًّى أَوْ مَجْمُوعًا فَإِنْ أَعْمَلْتَ الْفِعْلَ الثَّانِيَ قُلْتَ ضَرَبْتُ وَضَرَبَنِي الزَّيْدَانِ وَضَرَبْتُ وَضَرَبَنِي الزَّيْدُونَ، وَإِنْ أَعْمَلْتَ الْأَوَّلَ قُلْتَ ضَرَبْتُ وَضَرَبَانِي الزَّيْدَيْنِ وَضَرَبْتُ وَضَرَبُونِي الزَّيْدِينَ.
القسم الثاني من هذا الكتاب المشتمل على تفسير (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) في المباحث النقلية والعقلية، وفيه أبواب: -.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: - فَلَوْ أَنَّ مَا أَسْعَى لِأَدْنَى مَعِيشَةٍ ... كَفَانِي وَلَمْ أَطْلُبْ قليل مِنَ الْمَالِ وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ... وَقَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْمُؤَثَّلَ أَمْثَالِي فَقَوْلُهُ كَفَانِي وَلَمْ أَطْلُبْ لَيْسَا مُتَوَجِّهَيْنِ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ كَفَانِي مُوَجَّهٌ إِلَى قَلِيلٍ مِنَ الْمَالِ، وَقَوْلُهُ وَلَمْ أَطْلُبْ غَيْرُ مُوَجَّهٍ إِلَى قَلِيلٍ مِنَ الْمَالِ، وَإِلَّا لَصَارَ التَّقْدِيرُ فَلَوْ أَنَّ مَا أَسْعَى لِأَدْنَى مَعِيشَةٍ لَمْ أَطْلُبْ قَلِيلًا مِنَ الْمَالِ، وَكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ مَا سَعَى لِأَدْنَى مَعِيشَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ طَلَبَ قَلِيلًا مِنَ الْمَالِ، وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمَعْنَى وَلَوْ أَنَّ مَا أَسْعَى لِأَدْنَى مَعِيشَةٍ كَفَانِي قَلِيلٌ مِنَ الْمَالِ وَلَمْ أَطْلُبِ الْمُلْكَ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَالْفِعْلَانِ غَيْرُ مُوَجَّهَيْنِ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَلْنَكْتَفِ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي التَّفْسِيرِ. الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى تَفْسِيرِ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فِي الْمَبَاحِثِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَفِيهِ أَبْوَابٌ: -. الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ قَوْلِنَا: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرجيم) وقت قراءة الاستعاذة: المسألة الأولى [وقت قراءة الاستعاذة] : اتَّفَقَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ وَقْتَ قِرَاءَةِ الِاسْتِعَاذَةِ قَبْلَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَعَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ بَعْدَهَا، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ الْأَصْفَهَانِيِّ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: الرَّجُلُ إِذَا قَرَأَ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ بِتَمَامِهَا وَقَالَ: (آمِينَ) فَبَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَالْأَوَّلُونَ احْتَجُّوا بِمَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ. وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النَّحْلِ: 98] دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ شَرْطٌ، وَذِكْرُ الِاسْتِعَاذَةِ جَزَاءٌ، وَالْجَزَاءُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الشَّرْطِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الِاسْتِعَاذَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالُوا: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْعَقْلِ، لِأَنَّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ، فَلَوْ دَخَلَهُ الْعُجْبُ فِي أَدَاءِ تِلْكَ الطَّاعَةِ سَقَطَ ذَلِكَ الثَّوَابُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ» وَذَكَرَ مِنْهَا إِعْجَابَ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِأَنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الشَّيْطَانِ، لِئَلَّا يَحْمِلَهُ الشَّيْطَانُ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى عَمَلٍ يُحْبِطُ ثَوَابَ تِلْكَ الطَّاعَةِ. قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: 98] أَيْ إِذَا أَرَدْتَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فَاسْتَعِذْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [الْمَائِدَةِ: 6]
وَالْمَعْنَى/ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: تَرْكُ الظَّاهِرِ فِي مَوْضِعِ الدَّلِيلِ لَا يُوجِبُ تَرْكَهُ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ. أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَقَالُوا: لَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ [النَّحْلِ: 98] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ إِذَا أَرَدْتَ، وَإِذَا ثَبَتَ الِاحْتِمَالُ وَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ، وَمِمَّا يُقَوِّي ذَلِكَ مِنَ الْمُنَاسَبَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ نَفْيُ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ، قَالَ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ [الْحَجِّ: 52] وَإِنَّمَا أَمَرَ تَعَالَى بِتَقْدِيمِ الاستعاذة قبل القراءة لهذا السبب. وأقول: هاهنا قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنْ يَقْرَأَ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ بِمُقْتَضَى الْخَبَرِ، وَبَعْدَهَا بِمُقْتَضَى الْقُرْآنِ، جَمْعًا بين الدليلين بقدر الإمكان. حكم الاستعاذة: المسألة الثانية [حكم الاستعاذة] : قَالَ عَطَاءٌ: الِاسْتِعَاذَةُ وَاجِبَةٌ لِكُلِّ قِرَاءَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا تَعَوَّذَ الرَّجُلُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمُرِهِ فَقَدْ كَفَى فِي إِسْقَاطِ الْوُجُوبِ وَقَالَ الْبَاقُونَ: إِنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ. حُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَلِّمِ الْأَعْرَابِيَّ الِاسْتِعَاذَةَ فِي جُمْلَةِ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنْ ذَلِكَ الْخَبَرَ غَيْرُ مُشْتَمِلٍ عَلَى بَيَانِ جُمْلَةِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِ الِاسْتِعَاذَةِ فِيهِ عَدَمُ وُجُوبِهَا. وَاحْتَجَّ عَطَاءٌ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِعَاذَةِ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاظَبَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ واجبا لقوله تعالى: وَاتَّبِعُوهُ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَاسْتَعِذْ أَمْرٌ، وَهُوَ لِلْوُجُوبِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَجِبُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ عِنْدَ كُلِّ الْقِرَاءَاتِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَذِكْرُ الْحُكْمِ عَقِيبَ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ، وَالْحُكْمُ يَتَكَرَّرُ لِأَجْلِ تَكَرُّرِ الْعِلَّةِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ لِدَفْعِ الشَّرِّ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النحل: 98] مُشْعِرٌ بِذَلِكَ، وَدَفْعُ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَاجِبٌ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الِاسْتِعَاذَةُ وَاجِبَةً. الرَّابِعُ: أَنَّ طَرِيقَةَ الِاحْتِيَاطِ تُوجِبُ الِاسْتِعَاذَةَ، فَهَذَا مَا لَخَّصْنَاهُ في هذه المسألة. التعوذ في الصلاة: المسألة الثالثة [التعوذ في الصلاة] : التَّعَوُّذُ مُسْتَحَبٌّ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَتَعَوَّذُ فِي/ الْمَكْتُوبَةِ وَيَتَعَوَّذُ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، لَنَا الْآيَةُ الَّتِي تَلَوْنَاهَا، وَالْخَبَرُ الَّذِي رُوِّينَاهُ، وَكِلَاهُمَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ الْوُجُوبُ فَلَا أَقَلَّ مِنَ النَّدْبِ. هل يسر بالتعوذ أو يجهر: المسألة الرابعة [هل يسر بالتعوذ أو يجهر] : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي «الْأُمِّ» : رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمَّا قَرَأَ أَسَرَّ بِالتَّعَوُّذِ
وعن أبي هريرة أنه جهر به، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ جَهَرَ بِهِ جَازَ، وَإِنْ أَسَرَّ بِهِ أَيْضًا جَازَ وَقَالَ فِي «الْإِمْلَاءِ» : وَيُجْهَرُ بِالتَّعَوُّذِ، فَإِنْ أَسَرَّ لَمْ يَضُرَّ، بَيَّنَ أَنَّ الْجَهْرَ عِنْدَهُ أَوْلَى، وَأَقُولُ: الِاسْتِعَاذَةُ إِنَّمَا تُقْرَأُ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ وَقَبْلَ الْفَاتِحَةِ، فَإِنْ أَلْحَقْنَاهَا بِمَا قَبْلَهَا لَزِمَ الْإِسْرَارُ، وَإِنْ أَلْحَقْنَاهَا بِالْفَاتِحَةِ لَزِمَ الْجَهْرُ، إِلَّا أَنَّ الْمُشَابَهَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الِافْتِتَاحِ أَتَمُّ، لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَافِلَةً عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَلِأَنَّ الْجَهْرَ كَيْفِيَّةٌ وُجُودِيَّةٌ وَالْإِخْفَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ، وَالْأَصْلُ هُوَ العدم. هل يتعوذ في كل ركعة: المسألة الخامسة [هل يتعوذ في كل ركعة] : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي «الْأُمِّ» : قِيلَ إِنَّهُ يَتَعَوَّذُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي أَقُولُهُ أَنَّهُ لَا يَتَعَوَّذُ إِلَّا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَأَقُولُ: لَهُ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْعَدَمُ، وَمَا لِأَجْلِهِ أُمِرْنَا بِذِكْرِ الِاسْتِعَاذَةِ هُوَ قَوْلُهُ: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النَّحْلِ: 98] وَكَلِمَةُ إِذَا لَا تُفِيدُ الْعُمُومَ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يتكرر الحكم بتكرر العلة، والله أعلم. صيغ الاستعاذة: المسألة السادسة [صيغ الاستعاذة] : أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النَّحْلِ: 98] وَقَالَ فِي سُورَةٍ أُخْرَى إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الدخان: 6] وَفِي سُورَةٍ ثَالِثَةٍ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الْأَعْرَافِ: 200] فَلِهَذَا السَّبَبِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَاجِبٌ أَنْ يَقُولَ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالُوا: لِأَنَّ هَذَا النَّظْمَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وَمُوَافِقٌ أَيْضًا لِظَاهِرِ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ جَمْعًا بَيْنَ الْآيَتَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، لِأَنَّ هَذَا أَيْضًا جَمْعٌ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ، وَرَوَى البيهقي في «كتاب السنن» بإسناده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: أَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَالَ: قُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [الْعَلَقِ: 1] . وَبِالْجُمْلَةِ فَالِاسْتِعَاذَةُ تُطَهِّرُ الْقَلْبَ عَنْ كُلِّ مَا يَكُونُ مَانِعًا مِنَ الِاسْتِغْرَاقِ فِي اللَّهِ، وَالتَّسْمِيَةُ تُوَجِّهُ الْقَلْبَ إلى هيبة جلال الله والله الهادي. هل التعوذ للقراءة أو للصلاة: المسألة السابعة [هل التعوذ للقراءة أو للصلاة] : التَّعَوُّذُ فِي الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الْقِرَاءَةِ أَمْ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ؟ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ لِأَجْلِ الْقِرَاءَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَرْعَانِ: الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُؤْتَمَّ هَلْ يَتَعَوَّذُ خَلْفَ الْإِمَامِ أَمْ لَا؟ عِنْدَهُمَا لَا يَتَعَوَّذُ، لِأَنَّهُ لَا يَقْرَأُ، وَعِنْدَهُ يَتَعَوَّذُ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ عَلَّقَ الِاسْتِعَاذَةَ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَلَا قِرَاءَةَ عَلَى المقتدي، فلا يتعوذ، ووجه قول
أَبِي يُوسُفَ أَنَّ التَّعَوُّذَ لَوْ كَانَ لِلْقِرَاءَةِ لَكَانَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْقِرَاءَةِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ كُرِّرَ بِتَكَرُّرِ الصَّلَاةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لِلصَّلَاةِ لَا لِلْقِرَاءَةِ، الْفَرْعُ الثَّانِي: إِذَا افْتَتَحَ صَلَاةَ الْعِيدِ فَقَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ هَلْ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ ثُمَّ يُكَبِّرُ أَمْ لَا؟ عِنْدَهُمَا أَنَّهُ يُكَبِّرُ التَّكْبِيرَاتِ ثُمَّ يَتَعَوَّذُ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقَدِّمُ التَّعَوُّذَ عَلَى التَّكْبِيرَاتِ. وَبَقِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْفَاتِحَةِ أَشْيَاءُ نذكرها هاهنا: السنة في القراءة: المسألة الثامنة [السنة في القراءة] : السُّنَّةُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى التَّرْتِيلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [الْمُزَّمِّلِ: 4] وَالتَّرْتِيلُ هُوَ أَنْ يَذْكُرَ الْحُرُوفَ وَالْكَلِمَاتِ مُبَيَّنَةً ظَاهِرَةً، وَالْفَائِدَةُ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الْقِرَاءَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهِمَ مِنْ نَفْسِهِ مَعَانِيَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، وَأَفْهَمَ غَيْرَهُ تِلْكَ الْمَعَانِيَ، وَإِذَا قَرَأَهَا بِالسُّرْعَةِ لَمْ يَفْهَمْ وَلَمْ يُفْهِمْ، فَكَانَ التَّرْتِيلُ أَوْلَى، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْقَ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ عَدَدَ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى عَدَدِ دَرَجِ الْجَنَّةِ، يُقَالُ لِلْقَارِئِ: اقْرَأْ وَارْقَ فِي الدَّرَجِ عَلَى عَدَدِ مَا كُنْتَ تَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَمَنِ اسْتَوْفَى قِرَاءَةَ جَمِيعِ آيِ الْقُرْآنِ اسْتَوْلَى عَلَى أَقْصَى الْجَنَّةِ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ جهرا فَالسُّنَّةُ أَنْ يُجِيدَ فِي الْقِرَاءَةِ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» . الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ اشْتِبَاهَ الضَّادِ بِالظَّاءِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشَابَهَةَ حَاصِلَةٌ بَيْنَهُمَا جِدًّا وَالتَّمْيِيزُ عَسِرٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ التَّكْلِيفُ بِالْفَرْقِ، بَيَانُ الْمُشَابَهَةِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمَا مِنَ الْحُرُوفِ الْمَجْهُورَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا مِنَ الْحُرُوفِ الرَّخْوَةِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا مِنَ الْحُرُوفِ الْمُطْبَقَةِ، وَالرَّابِعُ: أَنَّ الظَّاءَ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهُ مِنْ بَيْنِ طَرَفِ/ اللِّسَانِ وَأَطْرَافِ الثَّنَايَا الْعُلْيَا وَمَخْرَجُ الضَّادِ مِنْ أَوَّلِ حَافَةِ اللِّسَانِ وَمَا يَلِيهَا مِنَ الْأَضْرَاسِ إِلَّا أَنَّهُ حَصَلَ فِي الضَّادِ انْبِسَاطٌ لِأَجْلِ رَخَاوَتِهَا وَبِهَذَا السَّبَبِ يَقْرُبُ مَخْرَجُهُ مِنْ مَخْرَجِ الظَّاءِ، وَالْخَامِسُ: أَنَّ النُّطْقَ بِحَرْفِ الضَّادِ مَخْصُوصٌ بِالْعَرَبِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ» فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُشَابَهَةَ بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ شَدِيدَةٌ وَأَنَّ التَّمْيِيزَ عَسِرٌ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا الْفَرْقُ مُعْتَبَرًا لَوَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي أَزْمِنَةِ الصَّحَابَةِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ دُخُولِ الْعَجَمِ فِي الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ وُقُوعُ السُّؤَالِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَلْبَتَّةَ عَلِمْنَا أَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ لَيْسَ فِي مَحَلِّ التَّكْلِيفِ. الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ اللَّامَ الْمُغَلَّظَةَ هَلْ هِيَ مِنَ اللُّغَاتِ الْفَصِيحَةِ أَمْ لَا؟ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَثْبُتَ كَوْنُهَا مِنَ اللُّغَاتِ الْفَصِيحَةِ لَكِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْلِيظُهَا حَالَ كَوْنِهَا مَكْسُورَةً لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنَ الْكَسْرَةِ إِلَى التَّلَفُّظِ بِاللَّامِ الْمُغَلَّظَةِ ثَقِيلٌ عَلَى اللسان، فوجب نفيه عن هذه اللغة. لا تجوز الصلاة بالشاذة: المسألة الثانية عشرة [لا تجوز الصلاة بالشاذة] : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالْوُجُوهِ الشَّاذَّةِ مِثْلَ قَوْلِهِمُ «الْحَمْدِ لِلَّهِ» بِكَسْرِ الدَّالِ مِنَ الْحَمْدِ أَوْ بِضَمِّ اللَّامِ مِنْ لِلَّهِ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ يَنْفِي جَوَازَ الْقِرَاءَةِ بِهَا مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنَ الْقُرْآنِ لَوَجَبَ بُلُوغُهَا فِي الشُّهْرَةِ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنَّا عَدَلْنَا
الباب الثاني في المباحث العقلية المستنبطة من قولنا: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)
عَنْ هَذَا الدَّلِيلِ فِي جَوَازِ الْقِرَاءَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ تَبْقَى قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: اتَّفَقَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةَ مَنْقُولَةٌ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَفِيهِ إِشْكَالٌ: وَذَلِكَ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذِهِ الْقِرَاءَاتُ الْمَشْهُورَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَنْقُولَةً بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَوْ لَا تَكُونُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَحِينَئِذٍ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ خَيَّرَ الْمُكَلَّفِينَ بَيْنَ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ وَسَوَّى بَيْنَهَا فِي الْجَوَازِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ تَرْجِيحُ بَعْضِهَا عَلَى الْبَعْضِ وَاقِعًا عَلَى خِلَافِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالتَّوَاتُرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الذَّاهِبُونَ إِلَى تَرْجِيحِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ مُسْتَوْجِبِينَ لِلتَّفْسِيقِ إِنْ لَمْ يَلْزَمْهُمُ التَّكْفِيرُ، لَكِنَّا نَرَى أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقُرَّاءِ يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَيَحْمِلُ النَّاسَ عَلَيْهَا وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ غَيْرِهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَ فِي حَقِّهِمْ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا إِنْ قُلْنَا إِنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مَا ثَبَتَتْ بِالتَّوَاتُرِ بَلْ بِطَرِيقِ الْآحَادِ فَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ الْقُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ مُفِيدًا لِلْجَزْمِ وَالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ فَيَقُولَ: بَعْضُهَا مُتَوَاتِرٌ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْأُمَّةِ فِيهِ، وَتَجْوِيزُ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَبَعْضُهَا مِنْ بَابِ الْآحَادِ وَكَوْنُ بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ مِنْ بَابِ الْآحَادِ لَا يَقْتَضِي خُرُوجَ الْقُرْآنِ بِكُلِّيَّتِهِ عَنْ كَوْنِهِ قَطْعِيًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمَبَاحِثِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ قَوْلِنَا: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْبَابِ يَتَعَلَّقُ بِأَرْكَانٍ خَمْسَةٍ: الِاسْتِعَاذَةُ، وَالْمُسْتَعِيذُ، وَالْمُسْتَعَاذُ بِهِ، وَالْمُسْتَعَاذُ مِنْهُ، وَالشَّيْءُ الَّذِي لِأَجْلِهِ تَحْصُلُ الِاسْتِعَاذَةُ. الرُّكْنُ الأول: في الاستعاذة، وفيه مسائل: - تفسير الاستعاذة: المسألة الأولى [تفسير الاستعاذة] : فِي تَفْسِيرِ قَوْلِنَا: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» بِحَسَبِ اللُّغَةِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: «أَعُوذُ» مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَوْذِ، وَلَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: الِالْتِجَاءُ وَالِاسْتِجَارَةُ، وَالثَّانِي: الِالْتِصَاقُ يُقَالُ: «أَطْيَبُ اللَّحْمِ عَوَذُهُ» وَهُوَ مَا الْتَصَقَ مِنْهُ بِالْعَظْمِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَعْنَى قَوْلِهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَيْ: أَلْتَجِئُ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِصْمَتِهِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مَعْنَاهُ أَلْتَصِقُ نَفْسِي بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ. وَأَمَّا الشَّيْطَانُ فَفِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّطَنِ، وَهُوَ الْبُعْدُ، يُقَالُ: شَطَنَ دَارُكَ أَيْ بَعُدَ، فَلَا جَرَمَ سُمِّيَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ مِنْ جِنٍّ وَإِنْسٍ وَدَابَّةٍ شَيْطَانًا لِبُعْدِهِ مِنَ الرَّشَادِ وَالسَّدَادِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [الْأَنْعَامِ: 112] فَجَعَلَ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينَ، وَرَكِبَ عُمَرُ بِرْذَوْنًا فَطَفِقَ يَتَبَخْتَرُ بِهِ فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ فَلَا يَزْدَادُ إِلَّا تَبَخْتُرًا فَنَزَلَ عَنْهُ وَقَالَ: مَا حَمَلْتُمُونِي إِلَّا عَلَى شَيْطَانٍ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الشَّيْطَانَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ شَاطَ يَشِيطُ إِذَا بَطَلَ، وَلَمَّا كَانَ كُلُّ مُتَمَرِّدٍ كَالْبَاطِلِ فِي نَفْسِهِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُبْطِلًا لِوُجُوهِ مَصَالِحِ نَفْسِهِ سُمِّيَ شَيْطَانًا.
وَأَمَّا الرَّجِيمُ فَمَعْنَاهُ الْمَرْجُومُ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. كَقَوْلِهِمْ: كَفٌّ خَضِيبٌ أَيْ مَخْضُوبٌ وَرَجُلٌ لَعِينٌ، أَيْ مَلْعُونٌ، ثُمَّ فِي كَوْنِهِ مَرْجُومًا وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ كَوْنَهُ مَرْجُومًا كَوْنُهُ مَلْعُونًا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الْحِجْرِ: 34] وَاللَّعْنُ يُسَمَّى رَجْمًا، وَحَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ وَالِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ [مَرْيَمَ: 46] قِيلَ عَنَى بِهِ الرَّجْمَ بِالْقَوْلِ، وَحَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ أنهم قَالُوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشُّعَرَاءِ: 116] وَفِي سُورَةِ يس لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ [يس: 18] وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا وُصِفَ بِكَوْنِهِ مَرْجُومًا لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِرَمْيِ الشَّيَاطِينِ بِالشُّهُبِ وَالثَّوَاقِبِ طردا لهم من السموات، ثُمَّ وَصَفَ بِذَلِكَ كُلَّ شِرِّيرٍ مُتَمَرِّدٍ. وَأَمَّا قوله: «إن الله هو السميع العليم» فَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ الِاحْتِرَازُ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَسَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَسْوَسَةَ كَأَنَّهَا حُرُوفٌ خَفِيَّةٌ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا أَحَدٌ، فَكَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: يَا مَنْ هُوَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي يَسْمَعُ بِهَا كُلَّ مَسْمُوعٍ، وَيَعْلَمُ كُلَّ سِرٍّ خَفِيٍّ أَنْتَ تَسْمَعُ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ وَتَعْلَمُ غَرَضَهُ فِيهَا، وَأَنْتَ الْقَادِرُ عَلَى دَفْعِهَا عَنِّي، فَادْفَعْهَا عَنِّي بِفَضْلِكَ، فَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَ ذِكْرُ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ أَوْلَى بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ سَائِرِ الْأَذْكَارِ،: الثَّانِي: أَنَّهُ إِنَّمَا تَعَيَّنَ هَذَا الذِّكْرُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ اقْتِدَاءً بِلَفْظِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الْأَعْرَافِ: 200] وَقَالَ فِي حم السَّجْدَةِ: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فُصِّلَتْ: 36] . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الْبَحْثِ الْعَقْلِيِّ عَنْ مَاهِيَّةِ الِاسْتِعَاذَةِ: اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِعِلْمٍ وَحَالٍ وَعَمَلٍ، أَمَّا الْعِلْمُ فَهُوَ كَوْنُ الْعَبْدِ عَالِمًا بِكَوْنِهِ عَاجِزًا عَنْ جَلْبِ الْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَعَنْ دَفْعِ جَمِيعِ الْمَضَارِّ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِيجَادِ جَمِيعِ الْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَعَلَى دَفْعِ جَمِيعِ الْمَضَارِّ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ قُدْرَةً لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ سِوَاهُ عَلَى دَفْعِهَا عَنْهُ. فَإِذَا حَصَلَ هَذَا الْعِلْمُ فِي الْقَلْبِ تَوَلَّدَ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ حُصُولُ حَالَةٍ فِي الْقَلْبِ، وَهِيَ انْكِسَارٌ وَتَوَاضُعٌ وَيُعَبَّرُ عَنْ تِلْكَ الْحَالَةِ بِالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْخُضُوعِ لَهُ، ثُمَّ إِنَّ حُصُولَ تِلْكَ الْحَالَةِ فِي الْقَلْبِ يُوجِبُ حُصُولَ صِفَةٍ أُخْرَى فِي الْقَلْبِ وَصِفَةٍ فِي اللِّسَانِ، أَمَّا الصِّفَةُ الْحَاصِلَةُ فِي الْقَلْبِ فَهِيَ أَنْ يَصِيرَ الْعَبْدُ مُرِيدًا لِأَنْ يصونه الله تَعَالَى عَنِ الْآفَاتِ وَيَخُصَّهُ بِإِفَاضَةِ الْخَيْرَاتِ وَالْحَسَنَاتِ وَأَمَّا الصِّفَةُ الَّتِي فِي اللِّسَانِ فَهِيَ أَنْ يَصِيرَ الْعَبْدُ طَالِبًا لِهَذَا الْمَعْنَى بِلِسَانِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ الطَّلَبُ هُوَ الِاسْتِعَاذَةُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ» إِذَا عَرَفْتَ مَا ذَكَرْنَا يَظْهَرُ لَكَ أَنَّ الرُّكْنَ الْأَعْظَمَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ هو علمه بالله، وعلمه بنفسه، أما عِلْمُهُ بِاللَّهِ فَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ كَوْنَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَالِمًا بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ عَالِمًا بِهِ وَلَا بِأَحْوَالِهِ، فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَكُونُ الِاسْتِعَاذَةُ بِهِ عَبَثًا، وَلَا بُدَّ وأن يَعْلَمَ كَوْنَهُ قَادِرًا عَلَى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ وَإِلَّا فَرُبَّمَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ مُرَادِ الْبُعْدِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ أَيْضًا كَوْنَهُ جَوَادًا مُطْلَقًا، إِذْ لَوْ كَانَ الْبُخْلُ عَلَيْهِ جَائِزًا لَمَا كَانَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ فَائِدَةٌ، وَلَا بُدَّ أَيْضًا وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنْ يُعِينَهُ عَلَى مَقَاصِدِهِ، إِذْ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ يُعِينُهُ عَلَى مَقَاصِدِهِ لَمْ تَكُنِ الرَّغْبَةُ قَوِيَّةً فِي الِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ، وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ الْمُطْلَقِ وَأَعْنِي بِالتَّوْحِيدِ الْمُطْلَقِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مُدَبِّرَ الْعَالَمِ وَاحِدٌ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَيْضًا أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِأَفْعَالِ نَفْسِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِأَفْعَالِ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ فِي الِاسْتِعَاذَةِ بِالْغَيْرِ فَائِدَةٌ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَبْدَ مَا لَمْ يَعْرِفْ عِزَّةَ الرُّبُوبِيَّةِ وَذِلَّةَ الْعُبُودِيَّةِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: / (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
الرَّجِيمِ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: لَا حَاجَةَ فِي هَذَا الذِّكْرِ إِلَى الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ، بَلِ الْإِنْسَانُ إِذَا جَوَّزَ كَوْنَ الْأَمْرِ كَذَلِكَ حَسُنَ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَابَ أَبَاهُ فِي قَوْلِهِ: لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [مَرْيَمَ: 42] فَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ الْإِلَهُ عَالِمًا بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ قَادِرًا عَلَى جَمِيعِ الْمَقْدُورَاتِ كَانَ سُؤَالُهُ سُؤَالًا لِمَنْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَكَانَ دَاخِلًا تَحْتَ مَا جَعَلَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَيْبًا عَلَى أَبِيهِ، وَأَمَّا عِلْمُ الْعَبْدِ بِحَالِ نَفْسِهِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَعْلَمَ عَجْزَهُ وَقُصُورَهُ عَنْ رِعَايَةِ مَصَالِحِ نَفْسِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمَامِ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَيْضًا أَنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَعْلَمَ تِلْكَ الْمَصَالِحَ بِحَسَبِ الْكَيْفِيَّةِ وَالْكَمِّيَّةِ لَكِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُهَا عِنْدَ عَدَمِهَا وَلَا إِبْقَاؤُهَا عِنْدَ وُجُودِهَا، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّهُ إِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْعُلُومُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ وَصَارَ مُشَاهِدًا لَهَا مُتَيَقِّنًا فيها وجب أن يحصل في قلب تلك الجالة الْمُسَمَّاةُ بِالِانْكِسَارِ وَالْخُضُوعِ، وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ فِي قَلْبِهِ الطَّلَبُ، وَفِي لِسَانِهِ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى ذَلِكَ الطَّلَبِ، وَذَلِكَ هُوَ قَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْإِنْسَانِ عَاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ مَصَالِحِ نَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنَّ الصَّادِرَ عَنِ الْإِنْسَانِ إِمَّا الْعَمَلُ وَإِمَّا الْعِلْمُ، وَهُوَ فِي كِلَا الْبَابَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ فِي غَايَةِ الْعَجْزِ، أَمَّا الْعِلْمُ فَمَا أَشَدَّ الْحَاجَةَ فِي تَحْصِيلِهِ إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ، وَفِي الِاحْتِرَازِ عَنْ حُصُولِ ضِدِّهِ إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: - الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّا كَمْ رَأَيْنَا مِنَ الْأَكْيَاسِ الْمُحَقِّقِينَ بَقُوا فِي شُبْهَةٍ وَاحِدَةٍ طُولَ عُمُرِهِمْ، وَلَمْ يَعْرِفُوا الْجَوَابَ عَنْهَا، بَلْ أَصَرُّوا عَلَيْهَا وَظَنُّوهَا عِلْمًا يَقِينِيًّا وَبُرْهَانًا جَلِيًّا، ثُمَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَعْمَارِهِمْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مَنْ تَنَبَّهَ لِوَجْهِ الْغَلَطِ فِيهَا وَأَظْهَرَ لِلنَّاسِ وَجْهَ فَسَادِهَا، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ جَازَ عَلَى الْكُلِّ مِثْلُهُ، وَلَوْلَا هَذَا السَّبَبُ لَمَا وَقَعَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِلَافٌ فِي الْأَدْيَانِ وَالْمَذَاهِبِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَوْلَا إِعَانَةُ اللَّهِ وَفَضْلُهُ وَإِرْشَادُهُ وَإِلَّا فَمَنْ ذَا الَّذِي يَتَخَلَّصُ بِسَفِينَةِ فِكْرِهِ مِنْ أَمْوَاجِ الضَّلَالَاتِ وَدَيَاجِي الظُّلُمَاتِ؟. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ إِنَّمَا يَقْصِدُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الدِّينُ الْحَقُّ وَالِاعْتِقَادُ الصَّحِيحُ، وَإِنَّ أَحَدًا لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ بِالْجَهْلِ وَالْكُفْرِ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِحَسَبِ سَعْيِهِ وَإِرَادَتِهِ لَوَجَبَ كَوْنُ الْكُلِّ مُحِقِّينَ صَادِقِينَ، وَحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ نَجِدُ الْمُحِقِّينَ فِي جَنْبِ الْمُبْطِلِينَ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا خَلَاصَ مِنْ ظُلُمَاتِ الضَّلَالَاتِ إِلَّا بِإِعَانَةِ إِلَهِ الأرض والسموات. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْقَضِيَّةَ الَّتِي تَوَقَّفَ الْإِنْسَانُ فِي صِحَّتِهَا وَفَسَادِهَا فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْجَزْمِ بِهَا إِلَّا إِذَا دَخَلَ فِيمَا بَيْنَهُمَا الْحَدُّ الْأَوْسَطُ فَنَقُولُ: ذَلِكَ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ إِنْ كَانَ حَاضِرًا فِي عَقْلِهِ كَانَ الْقِيَاسُ مُنْعَقِدًا وَالنَّتِيجَةُ لَازِمَةً. فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْعَقْلُ مُتَوَقِّفًا فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ بَلْ يَكُونُ جَازِمًا بِهَا، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ مُتَوَقِّفًا فِيهَا، هَذَا خُلْفٌ، وَأَمَّا إِنْ قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ الْحَدَّ الْأَوْسَطَ غَيْرُ حَاضِرٍ فِي عَقْلِهِ فَهَلْ يُمْكِنُهُ طَلَبُهُ؟ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ طَلَبُهُ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ فَكَيْفَ يَطْلُبُهُ؟ لِأَنَّ طَلَبَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ إِنَّمَا يُمْكِنُ بَعْدَ الشُّعُورِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ فَالْعِلْمُ بِهِ حَاضِرٌ فِي ذِهْنِهِ فَكَيْفَ يَطْلُبُ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ؟ وَأَمَّا إِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ طَلَبُهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ عَاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ التَّوَقُّفِ وَيَخْرُجُ مِنْ ظُلْمَةِ تِلْكَ الْحَيْرَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْعَبْدِ فِي غَايَةِ الْحَيْرَةِ وَالدَّهْشَةِ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ [الْمُؤْمِنُونَ: 97] فَهَذِهِ الِاسْتِعَاذَةُ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِحَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَهَذَا بَيَانُ كَمَالِ عَجْزِ الْعَبْدِ عَنْ تَحْصِيلِ الْعَقَائِدِ وَالْعُلُومِ، وَأَمَّا عَجْزُ الْعَبْدِ عَنِ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَجُرُّ بِهَا النَّفْعَ إِلَى نَفْسِهِ وَيَدْفَعُ بِهَا الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ فَهَذَا أَيْضًا كَذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قَدِ انْكَشَفَ لِأَرْبَابِ الْبَصَائِرِ أَنَّ هَذَا الْبَدَنَ يُشْبِهُ الْجَحِيمَ وَانْكَشَفَ
لَهُمْ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى بَابِ هَذَا الْجَحِيمِ تِسْعَةَ عَشَرَ نَوْعًا مِنَ الزَّبَانِيَةِ، وَهِيَ الْحَوَاسُّ الْخَمْسُ الظَّاهِرَةُ وَالْحَوَاسُّ الْخَمْسُ الْبَاطِنَةُ، وَالشَّهْوَةُ، وَالْغَضَبُ، وَالْقُوَى الطَّبِيعِيَّةُ السَّبْعُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ التِّسْعَةَ عَشَرَ فَهُوَ وَاحِدٌ بِحَسَبِ الْجِنْسِ، إِلَّا أَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَعْدَادٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا بِحَسَبِ الشَّخْصِ وَالْعَدَدِ، وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْقُوَّةِ الْبَاصِرَةِ، فَإِنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَقْوَى الْقُوَّةُ الْبَاصِرَةُ عَلَى إِدْرَاكِهَا أُمُورٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَيَحْصُلُ مِنْ إِبْصَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَثَرٌ خَاصٌّ فِي الْقَلْبِ، وَذَلِكَ الْأَثَرُ يَجُرُّ الْقَلْبَ مِنْ أَوْجِ عَالَمِ الرُّوحَانِيَّاتِ إِلَى حَضِيضِ عَالَمِ الْجِسْمَانِيَّاتِ، وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ مَعَ كَثْرَةِ هَذِهِ الْعَوَائِقِ وَالْعَلَائِقِ أَنَّهُ لَا خَلَاصَ لِلْقَلْبِ مِنْ هَذِهِ الظُّلُمَاتِ إِلَّا بِإِعَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِغَاثَتِهِ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِجِهَاتِ نُقْصَانَاتِ الْعَبْدِ وَلَا نِهَايَةَ لِكَمَالِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ ثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِاللَّهِ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ فَلِهَذَا السَّبَبِ يَجِبُ عَلَيْنَا فِي أَوَّلِ كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَمَبْدَأِ كُلِّ لَفْظَةٍ وَلَحْظَةٍ أَنْ نَقُولَ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) . الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّ اللَّذَّاتِ الْحَاصِلَةَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الْعَاجِلَةِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: اللَّذَّاتُ الْحِسِّيَّةُ. وَالثَّانِي: اللَّذَّاتُ الْخَيَالِيَّةُ. وَهِيَ لَذَّةُ الرِّيَاسَةِ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ الإنسان إذا لم يمكن يُمَارِسَ تَحْصِيلَ تِلْكَ اللَّذَّاتِ وَلَمْ يُزَاوِلْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شُعُورٌ بِهَا، وَإِذَا كَانَ عَدِيمَ الشُّعُورِ/ بِهَا كَانَ قَلِيلَ الرَّغْبَةِ فِيهَا، ثُمَّ إِذَا مَارَسَهَا وَوَقَفَ عَلَيْهَا الْتَذَّ بِهَا، وَإِذَا حَصَلَ الِالْتِذَاذُ بِهَا قَوِيَتْ رَغْبَتُهُ فِيهَا، وَكُلَّمَا اجْتَهَدَ الْإِنْسَانُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَقَامٍ آخَرَ فِي تَحْصِيلِ اللَّذَّاتِ وَالطَّيِّبَاتِ وَصَلَ فِي شِدَّةِ الرَّغْبَةِ وَقُوَّةِ الْحِرْصِ إِلَى مَقَامٍ آخَرَ أَعْلَى مِمَّا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِنْسَانَ كُلَّمَا كَانَ أَكْثَرَ فَوْزًا بِالْمَطَالِبِ كَانَ أَعْظَمَ حِرْصًا وَأَشَدَّ رَغْبَةً فِي تَحْصِيلِ الزَّائِدِ عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ لَا نِهَايَةَ لِمَرَاتِبِ الْكَمَالَاتِ فَكَذَلِكَ لَا نِهَايَةَ لِدَرَجَاتِ الْحِرْصِ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الْكَمَالَاتِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا فَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إِزَالَةُ أَلَمِ الشَّوْقِ وَالْحِرْصِ عَنِ الْقَلْبِ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا مَرَضٌ لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى عِلَاجِهِ، وَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى الرَّحِيمِ الْكَرِيمِ النَّاصِرِ لِعِبَادِهِ فَيُقَالُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) . الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: فِي تَقْرِيرِ مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَقَوْلُهُ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [الْبَقَرَةِ: 45] وَقَوْلُ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الْأَعْرَافِ: 128] وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَأَقْطَعَنَّ أَمَلَ كُلِّ مُؤَمِّلٍ غَيْرِي بِالْيَأْسِ، وَلَأُلْبِسَنَّهُ ثَوْبَ الْمَذَلَّةِ عِنْدَ النَّاسِ، وَلَأُخَيِّبَنَّهُ مِنْ قُرْبِي، وَلَأُبْعِدَنَّهُ مِنْ وَصْلِي، وَلَأَجْعَلَنَّهُ مُتَفَكِّرًا حَيْرَانَ يُؤَمِّلُ غَيْرِي فِي الشَّدَائِدِ وَالشَّدَائِدُ بِيَدِي، وَأَنَا الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَيَرْجُو غَيْرِي وَيَطْرُقُ بِالْفِكْرِ أَبْوَابَ غَيْرِي وَبِيَدِي مَفَاتِيحُ الْأَبْوَابِ وَهِيَ مُغْلَقَةٌ وَبَابِي مَفْتُوحٌ لِمَنْ دعاني» . مذهب الجبرية في الاستعاذة: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ كَيْفَ تَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْجَبْرِ وَمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) يُبْطِلُ الْقَوْلَ بِالْجَبْرِ مِنْ وُجُوهٍ: - الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) اعْتِرَافٌ بِكَوْنِ الْعَبْدِ فَاعِلًا لِتِلْكَ الِاسْتِعَاذَةِ، وَلَوْ كَانَ خَالِقُ الْأَعْمَالِ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى لَامْتَنَعَ كَوْنُ الْعَبْدِ فَاعِلًا لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ، وَأَيْضًا فَإِذَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الْعَبْدِ امْتَنَعَ دَفْعُهُ، وَإِذَا لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ فِيهِ امْتَنَعَ تَحْصِيلُهُ. فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) اعْتِرَافٌ بِكَوْنِ الْعَبْدِ مُوجِدًا لِأَفْعَالِ نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ إِنَّمَا تَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعَالَى خَالِقًا لِلْأُمُورِ الَّتِي مِنْهَا يُسْتَعَاذُ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ لَهَا هُوَ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَعَ أَنْ يُسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مِنْهَا لِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ كَأَنَّ الْعَبْدَ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مِنَ اللَّهِ فِي عَيْنِ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِاللَّهِ مِنَ الْمَعَاصِي، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ رَاضٍ بِهَا، وَلَوْ كَانَتِ الْمَعَاصِي تَحْصُلُ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَضَائِهِ وَحُكْمِهِ وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ كَوْنُهُ رَاضِيًا بِهَا، لِمَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ/ أَنَّ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَاجِبٌ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ إِنَّمَا تُعْقَلُ وَتَحْسُنُ لَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْوَسْوَسَةُ فِعْلًا لِلشَّيْطَانِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ فِعْلًا لِلَّهِ وَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ فِي وُجُودِهَا أَثَرٌ الْبَتَّةَ فَكَيْفَ يُسْتَعَاذُ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يُسْتَعَاذَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مِنْ شَرِّ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَا شَرَّ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ. الْخَامِسُ: أَنَّ الشَّيْطَانَ يَقُولُ إِذَا كُنْتُ مَا فَعَلْتُ شَيْئًا أَصْلًا وَأَنْتَ يَا إِلَهَ الْخَلْقِ عَلِمْتَ صُدُورَ الْوَسْوَسَةِ عَنِّي وَلَا قُدْرَةَ لِي عَلَى مُخَالَفَةِ قُدْرَتِكَ وَحَكَمْتَ بِهَا عَلَيَّ وَلَا قُدْرَةَ لِي عَلَى مُخَالَفَةِ حُكْمِكَ ثُمَّ قُلْتَ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [الْبَقَرَةِ: 286] وَقُلْتَ: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [الْبَقَرَةِ: 185] وَقُلْتَ: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الْحَجِّ: 78] فَمَعَ هَذِهِ الْأَعْذَارِ الظَّاهِرَةِ وَالْأَسْبَابِ الْقَوِيَّةِ كَيْفَ يَجُوزُ فِي حِكْمَتِكَ وَرَحْمَتِكَ أَنْ تَذُمَّنِي وَتَلْعَنَنِي؟. السَّادِسُ: جَعَلْتَنِي مَرْجُومًا مَلْعُونًا بِسَبَبِ جُرْمٍ صَدَرَ مِنِّي أَوْ لَا بِسَبَبِ جُرْمٍ صَدَرَ مِنِّي؟ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَقَدْ بَطَلَ الْجَبْرُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهَذَا مَحْضُ الظُّلْمِ، وَأَنْتَ قُلْتَ: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ [غَافِرٍ: 31] فَكَيْفَ يَلِيقُ هَذَا بِكَ؟. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذِهِ الْإِشْكَالَاتُ إِنَّمَا تَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِالْجَبْرِ، وَأَنَا لَا أَقُولُ بِالْجَبْرِ، وَلَا بِالْقَدَرِ، بَلْ أَقُولُ: الْحَقُّ حَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَهُوَ الْكَسْبُ. فَنَقُولُ: هَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ أَثَرٌ فِي الْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ تَمَامُ الْقَوْلِ بِالِاعْتِزَالِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ الْجَبْرُ الْمَحْضُ، وَالسُّؤَالَاتُ الْمَذْكُورَةُ وَارِدَةٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ الْوَاسِطَةِ. قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَمَّا الْإِشْكَالَاتُ الَّتِي أَلْزَمْتُمُوهَا عَلَيْنَا فَهِيَ بِأَسْرِهَا وَارِدَةٌ عَلَيْكُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ: - الْأَوَّلُ: أَنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُعِينَةً لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، أَوْ كَانَتْ صَالِحَةً لِلطَّرَفَيْنِ مَعًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَالْجَبْرُ لَازِمٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَرُجْحَانُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى الْمُرَجِّحِ، أَوْ لَا يَتَوَقَّفَ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَفَاعِلُ ذَلِكَ الْمُرَجِّحُ إِنْ كَانَ هُوَ الْعَبْدَ عَادَ التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ فيه، وإن كان هو الله تعالى فعند ما يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمُرَجِّحُ يَصِيرُ الْفِعْلُ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، وعند ما لَا يَفْعَلُهُ يَصِيرُ الْفِعْلُ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُكُمْ كُلُّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ رُجْحَانَ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُرَجِّحٍ فَهَذَا بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَبَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ بِتَرْجِيحِ أَحَدِ طَرَفَيِ الْمُمْكِنِ عَلَى الْآخَرِ عَلَى وُجُودِ الْمُرَجِّحِ، وَالثَّانِي: أَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ الرُّجْحَانُ وَاقِعًا عَلَى سَبِيلِ الِاتِّفَاقِ، وَلَا يَكُونُ صَادِرًا عَنِ الْعَبْدِ، وَإِذَا
كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ عَادَ الْجَبْرُ الْمَحْضُ، فَثَبَتَ بِهَذَا الْبَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَا أَوْرَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا فَهُوَ وَارِدٌ عَلَيْكُمْ. الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي السُّؤَالِ: أَنَّكُمْ سَلَّمْتُمْ كَوْنَهُ تَعَالَى عَالِمًا بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، وَوُقُوعُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ عِلْمِهِ يَقْتَضِي انْقِلَابَ عِلْمِهِ جَهْلًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَالْمُفْضِي إِلَى الْمُحَالِ مُحَالٌ، فَكَانَ كُلُّ مَا أَوْرَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لَازِمًا عَلَيْكُمْ فِي الْعِلْمِ لزوما لا جواب عنه. الاستعاذة تبطل قول القدرية: ثُمَّ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) يُبْطِلُ الْقَوْلَ بِالْقَدَرِ مِنْ وُجُوهٍ: - الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ قَوْلِكَ: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ أَنْ يَمْنَعَ اللَّهُ الشَّيْطَانَ مِنْ عَمَلِ الْوَسْوَسَةِ مَنْعًا بِالنَّهْيِ وَالتَّحْذِيرِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ وَالْجَبْرِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ فَعَلَهُ، وَلَمَّا فَعَلَهُ كَانَ طَلَبُهُ مِنَ اللَّهِ مُحَالًا، لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّ الْإِلْجَاءَ يُنَافِي كَوْنَ الشَّيَاطِينِ مُكَلَّفِينَ، وَقَدْ ثَبَتَ كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ، أَجَابَتِ الْمُعْتَزِلَةُ عَنْهُ فَقَالُوا: الْمَطْلُوبُ بِالِاسْتِعَاذَةِ فِعْلُ الْأَلْطَافِ الَّتِي تَدْعُو الْمُكَلَّفَ إِلَى فِعْلِ الْحَسَنِ وَتَرْكِ الْقَبِيحِ، لَا يُقَالُ: فَتِلْكَ الْأَلْطَافُ فِعْلُ اللَّهِ بِأَسْرِهَا فَمَا الْفَائِدَةُ فِي الطَّلَبِ، لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ مِنَ الْأَلْطَافِ مَا لَا يَحْسُنُ فِعْلُهُ إِلَّا عِنْدَ هَذَا الدُّعَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ هَذَا الدُّعَاءُ لَمْ يَحْسُنْ فِعْلُهُ. أَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَنَّ فِعْلَ تِلْكَ الْأَلْطَافِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَثَرٌ فِي تَرْجِيحِ جَانِبِ الْفِعْلِ عَلَى جَانِبِ التَّرْكِ، أَوْ لَا أَثَرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَعِنْدَ حُصُولِ التَّرْجِيحِ يَصِيرُ الْفِعْلُ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ عِنْدَ حُصُولِ رُجْحَانِ جَانِبِ الْوُجُودِ لَوْ حَصَلَ الْعَدَمُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَحْصُلَ عِنْدَ رُجْحَانِ جَانِبِ الْوُجُودِ رُجْحَانُ جَانِبِ الْعَدَمِ، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَهُوَ مُحَالٌ، فَثَبَتَ أَنَّ عِنْدَ حُصُولِ الرُّجْحَانِ يَحْصُلُ الْوُجُوبُ. وَذَلِكَ يُبْطِلُ الْقَوْلَ بِالِاعْتِزَالِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِحَسَبِ فِعْلِ تِلْكَ الْأَلْطَافِ رُجْحَانُ طَرَفِ الْوُجُودِ لَمْ يَكُنْ لِفِعْلِهَا الْبَتَّةَ أَثَرٌ، فَيَكُونُ فِعْلُهَا عَبَثًا مَحْضًا. وَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِصَلَاحِ حَالِ الْعَبْدِ، أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ هُوَ الْأَوَّلَ فَالشَّيْطَانُ إِمَّا أَنْ يُتَوَقَّعَ مِنْهُ إِفْسَادُ الْعَبْدِ، أَوْ لَا يُتَوَقَّعَ، فَإِنْ تُوُقِّعَ مِنْهُ إِفْسَادُ الْعَبْدِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُرِيدٌ إِصْلَاحَ حَالِ الْعَبْدِ فَلِمَ خَلَقَهُ وَلِمَ سَلَّطَهُ عَلَى الْعَبْدِ؟ وَأَمَّا إِنْ كَانَ لَا يُتَوَقَّعُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِفْسَادُ الْعَبْدِ فَأَيُّ حَاجَةٍ لِلْعَبْدِ إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ؟ وَأَمَّا/ إِذَا قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُرِيدُ مَا هُوَ صَلَاحُ حَالِ الْعَبْدِ فَالِاسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ كَيْفَ تُفِيدُ الِاعْتِصَامَ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الشَّيْطَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَجْبُورًا عَلَى فِعْلِ الشَّرِّ، أَوْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى فِعْلِ الشَّرِّ وَالْخَيْرِ مَعًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَقَدْ أَجْبَرَهُ اللَّهُ عَلَى الشَّرِّ، وَذَلِكَ يَقْدَحُ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ تَعَالَى لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاحَ وَالْخَيْرَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي- وَهُوَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِ الشَّرِّ وَالْخَيْرِ- فَهُنَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَرَجَّحَ فِعْلُ الْخَيْرِ عَلَى فِعْلِ الشَّرِّ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ، وَذَلِكَ الْمُرَجِّحُ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الِاسْتِعَاذَةِ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: هَبْ أَنَّ الْبَشَرَ إِنَّمَا وَقَعُوا فِي الْمَعَاصِي بِسَبَبِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، فَالشَّيْطَانُ كَيْفَ وَقَعَ فِي الْمَعَاصِي؟ فَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ وَقَعَ فِيهَا بِوَسْوَسَةِ شَيْطَانٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وَإِنْ قُلْنَا وَقَعَ الشَّيْطَانُ فِي الْمَعَاصِي لَا لِأَجْلِ شَيْطَانٍ آخَرَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الْبَشَرِ؟ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ
تَعَالَى سَلَّطَ الشَّيْطَانَ عَلَى الْبَشَرِ وَلَمْ يُسَلِّطْ عَلَى الشَّيْطَانِ شَيْطَانًا آخَرَ فَهَذَا حَيْفٌ عَلَى الْبَشَرِ، وَتَخْصِيصٌ لَهُ بِمَزِيدِ الثِّقَلِ وَالْإِضْرَارِ وَذَلِكَ ينافي كون الإله رحيما ناصر لِعِبَادِهِ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْفِعْلَ الْمُسْتَعَاذَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مَعْلُومَ الْوُقُوعِ فَهُوَ وَاجِبُ الْوُقُوعِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الْوُقُوعِ كَانَ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِقَوْلِهِ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) إِلَّا أَنْ يَنْكَشِفَ لِلْعَبْدِ أَنَّ الْكُلَّ مِنَ اللَّهِ وَبِاللَّهِ، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ فِيهِ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ غَضَبِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك» . المستعاذ به: الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُسْتَعَاذُ بِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) وَالثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ) أَمَّا قَوْلُهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ فَبَيَانُهُ إِنَّمَا يَتِمُّ بِالْبَحْثِ عَنْ لَفْظَةِ اللَّهِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ بِسْمِ اللَّهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ) فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النَّحْلِ: 40] وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ «كُنْ» نَفَاذُ قُدْرَتِهِ فِي الْمُمْكِنَاتِ، وَسَرَيَانُ مَشِيئَتِهِ فِي الْكَائِنَاتِ، بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ عَائِقٌ وَمَانِعٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا تَحْسُنُ الِاسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ إِلَّا لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ الْقَاهِرَةِ وَالْمَشِيئَةِ النَّافِذَةِ، وَأَيْضًا فَالْجُسْمَانِيَّاتُ لَا يَكُونُ حُدُوثُهَا إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْحَرَكَةِ، وَالْخُرُوجِ/ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ يَسِيرًا يَسِيرًا، وَأَمَّا الرُّوحَانِيَّاتُ فَإِنَّمَا يَحْصُلُ تَكَوُّنُهَا وَخُرُوجُهَا إِلَى الْفِعْلِ دَفْعَةً، وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ حُدُوثُهَا شَبِيهًا بِحُدُوثِ الْحَرْفِ الَّذِي لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي الْآنِ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ، فَلِهَذِهِ الْمُشَابَهَةِ سُمِّيَتْ نَفَاذُ قُدْرَتِهِ بِالْكَلِمَةِ، وَأَيْضًا ثَبَتَ فِي عِلْمِ الْمَعْقُولَاتِ أَنَّ عَالَمَ الْأَرْوَاحِ مُسْتَوْلٍ عَلَى عَالَمِ الْأَجْسَامِ، وَإِنَّمَا هِيَ الْمُدَبِّرَاتُ لِأُمُورِ هَذَا الْعَالَمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً [النَّازِعَاتِ: 5] فَقَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ) اسْتِعَاذَةٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ بِالْأَرْوَاحِ الْعَالِيَةِ الْمُقَدَّسَةِ الطَّاهِرَةِ الطَّيِّبَةِ فِي دَفْعِ شُرُورِ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ الظَّلْمَانِيَّةِ الْكَدِرَةِ، فَالْمُرَادُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ تِلْكَ الْأَرْوَاحُ الْعَالِيَةُ الطَّاهِرَةُ. ثُمَّ هاهنا دَقِيقَةٌ، وَهِيَ أَنَّ قَوْلَهُ: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ) إِنَّمَا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ إِذَا كَانَ قَدْ بَقِيَ فِي نَظَرِهِ الْتِفَاتٌ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَأَمَّا إِذَا تَغَلْغَلَ فِي بَحْرِ التَّوْحِيدِ، وَتَوَغَّلَ فِي قَعْرِ الْحَقَائِقِ وَصَارَ بِحَيْثُ لَا يَرَى فِي الْوُجُودِ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى، لَمْ يَسْتَعِذْ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَمْ يَلْتَجِئْ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، وَلَمْ يُعَوِّلْ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، فَلَا جَرَمَ يَقُولُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) وَ (أَعُوذُ مِنَ اللَّهِ بِاللَّهِ) كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ» وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَكُونُ الْعَبْدُ مُشْتَغِلًا أَيْضًا بِغَيْرِ اللَّهِ لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ لِطَلَبٍ أَوْ لِهَرَبٍ، وَذَلِكَ اشْتِغَالٌ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا تَرَقَّى الْعَبْدُ عَنْ هَذَا الْمَقَامِ وَفَنِيَ عَنْ نَفْسِهِ وَفَنِيَ أَيْضًا عَنْ فَنَائِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَهَهُنَا يَتَرَقَّى عَنْ مَقَامِ قَوْلِهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ وَيَصِيرُ مُسْتَغْرِقًا فِي نُورِ قَوْلِهِ: (بِسْمِ اللَّهِ) أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا قَالَ: «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ» تَرَقَّى عَنْ هَذَا الْمَقَامِ فقال: «أنت كما أثنيت على نفسك» . المستعيذ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ: مِنْ أَرْكَانِ هَذَا الْبَابِ: الْمُسْتَعِيذُ: وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ (أَعُوذُ بِاللَّهِ) أَمْرٌ مِنْهُ لِعِبَادِهِ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ،
وَهَذَا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، فَهُوَ أَمْرٌ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى حَكَى ذَلِكَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِيذًا بِاللَّهِ، فَالْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [هُودٍ: 47] فَعِنْدَ هذا أعطاه الله خلعتين، والسلام والبركات، وهو قوله تعالى: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ [هُودٍ: 48] وَالثَّانِي: حَكَى عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمَّا رَاوَدَتْهُ قَالَ: مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [يُوسُفَ: 23] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى خُلْعَتَيْنِ صَرْفَ السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ حَيْثُ قَالَ: لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ [يوسف: 24] والثالث: قيل له: فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ [يُوسُفَ: 78] فَقَالَ: مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ [يُوسُفَ: 79] فَأَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً، [يُوسُفَ: 100] الرَّابِعُ: حَكَى اللَّهُ عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ قَوْمَهُ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ/ قَالَ قَوْمُهُ: أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [الْبَقَرَةِ: 67] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ خُلْعَتَيْنِ إِزَالَةَ التُّهْمَةِ وَإِحْيَاءَ الْقَتِيلِ فَقَالَ: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ ، [الْبَقَرَةِ: 73] الْخَامِسُ: أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا خَوَّفُوهُ بِالْقَتْلِ قَالَ: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ [الدُّخَانِ: 20] وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ [غَافِرٍ: 27] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مُرَادَهُ فَأَفْنَى عَدُوَّهُمْ وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، وَالسَّادِسُ: أَنَّ أُمَّ مَرْيَمَ قَالَتْ: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ: [آلِ عِمْرَانَ: 36] فَوَجَدَتِ الْخُلْعَةَ وَالْقَبُولَ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً [آلِ عِمْرَانَ: 37] وَالسَّابِعُ: أَنَّ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ لَمَّا رَأَتْ جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ بَشَرٍ يَقْصِدُهَا فِي الْخَلْوَةِ قَالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [مَرْيَمَ: 18] فَوَجَدَتْ نِعْمَتَيْنِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَتَنْزِيهَ اللَّهِ إِيَّاهَا بِلِسَانِ ذَلِكَ الْوَلَدِ عَنِ السُّوءِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مَرْيَمَ: 30] الثَّامِنُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَقَالَ: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [الْمُؤْمِنُونَ: 97، 98] وَقَالَ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق: 1] وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [النَّاسِ: 1] وَالتَّاسِعُ: قَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الْأَعْرَافِ: 199، 200] وَقَالَ فِي حم السَّجْدَةِ: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فُصِّلَتْ: 34] إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فُصِّلَتْ: 36] فَهَذِهِ الْآيَاتُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كَانُوا أَبَدًا فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَكَثِيرَةٌ: الْخَبَرُ الْأَوَّلُ: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَغْرَقَا فِيهِ: فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَاهَا لَذَهَبَ عَنْهُمَا ذَلِكَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» وَأَقُولُ هَذَا الْمَعْنَى مُقَرَّرٌ فِي الْعَقْلِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَعْلَمُ أَنَّ عِلْمَهُ بِمَصَالِحِ هَذَا الْعَالَمِ وَمَفَاسِدِهِ قَلِيلٌ جِدًّا، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُمْكِنْهُ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ الْقَلِيلَ بِمَدَدِ الْعَقْلِ، وَعِنْدَ الْغَضَبِ يَزُولُ الْعَقْلُ، فَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ وَيَقُولُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْقَانُونِ الْجَيِّدِ، فَإِذَا اسْتَحْضَرَ فِي عَقْلِهِ هَذَا صَارَ هَذَا الْمَعْنَى مَانِعًا لَهُ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَى تِلْكَ الْأَفْعَالِ وَتِلْكَ الْأَقْوَالِ، وَحَامِلًا لَهُ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي تَحْصِيلِ الْخَيْرَاتِ وَدَفْعِ الْآفَاتِ، فَلَا جَرَمَ يَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ. الثَّانِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ غَيْرُ عَالِمٍ قَطْعًا بِأَنَّ الْحَقَّ مِنْ جَانِبِهِ وَلَا مِنْ جانب بخصمه، فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ يَقُولُ: أُفَوِّضُ هَذِهِ
الْوَاقِعَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا كَانَ الْحَقُّ مِنْ جَانِبِي فَاللَّهُ يَسْتَوْفِيهِ مِنْ خَصْمِي، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِنْ جَانِبِ خَصْمِي فَالْأَوْلَى أَنْ لَا أَظْلِمَهُ» / وَعِنْدَ هَذَا يُفَوِّضُ تِلْكَ الْحُكُومَةَ إِلَى اللَّهِ وَيَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يَغْضَبُ إِذَا أَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ بِفَرْطِ قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ بِوَاسِطَتِهَا يَقْوَى عَلَى قَهْرِ الْخَصْمِ، فَإِذَا اسْتَحْضَرَ فِي عَقْلِهِ أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ أَقْوَى وَأَقْدَرُ مِنِّي ثَمَّ إِنِّي عَصَيْتُهُ مَرَّاتٍ وَكَرَّاتٍ وَأَنَّهُ بِفَضْلِهِ تَجَاوَزَ عَنِّي فَالْأَوْلَى لِي أَنْ أَتَجَاوَزَ عَنْ هَذَا الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَحْضَرَ فِي عَقْلِهِ هَذَا الْمَعْنَى تَرَكَ الْخُصُومَةَ وَالْمُنَازَعَةَ وَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [الْأَعْرَافِ: 201] وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا تَذَكَّرَ هَذِهِ الْأَسْرَارَ وَالْمَعَانِيَ أَبْصَرَ طَرِيقَ الرُّشْدِ فَتَرَكَ النِّزَاعَ وَالدِّفَاعَ وَرَضِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. والخبر الثاني: وروى مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، فَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ» . قُلْتُ: وَتَقْرِيرُهُ مِنْ جَانِبِ الْعَقْلِ أَنَّ قَوْلَهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) مُشَاهَدَةٌ لِكَمَالِ عَجْزِ النَّفْسِ وَغَايَةِ قُصُورِهَا، وَالْآيَاتِ الثَّلَاثَ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ مُشَاهَدَةٌ لِكَمَالِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَكَمَالُ الْحَالِ فِي مَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ. الْخَبَرُ الثَّالِثُ: رَوَى أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال: «من اسْتَعَاذَ فِي الْيَوْمِ عَشْرَ مَرَّاتٍ وَكَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَلَكًا يَذُودُ عَنْهُ الشَّيْطَانَ» . قُلْتُ: وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) وَعَرَفَ مَعْنَاهُ عَرَفَ مِنْهُ نُقْصَانَ قُدْرَتِهِ وَنُقْصَانَ عِلْمِهِ، وَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى مَا تَأْمُرُهُ بِهِ النَّفْسُ، وَلَمْ يُقْدِمْ عَلَى الْأَعْمَالِ الَّتِي تَدْعُوهُ نَفْسُهُ إِلَيْهَا، وَالشَّيْطَانُ الْأَكْبَرُ هُوَ النَّفْسُ، فَثَبَتَ أَنَّ قِرَاءَةَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ تَذُودُ الشَّيْطَانَ عَنِ الْإِنْسَانِ. وَالْخَبَرُ الرَّابِعُ: عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ» . قُلْتُ: وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَشْخَاصِ الرُّوحَانِيَّةِ فَوْقَ كثرة الأشخاص الجسمانية، وأن السموات مَمْلُوءَةٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ الطَّاهِرَةِ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ قَاعِدٌ» وَكَذَلِكَ الْأَثِيرُ وَالْهَوَاءُ مَمْلُوءَةٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ، وَبَعْضُهَا طَاهِرَةٌ مُشْرِقَةٌ خَيِّرَةٌ، وَبَعْضُهَا كَدِرَةٌ مُؤْذِيَةٌ/ شِرِّيرَةٌ، فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ) فَقَدِ اسْتَعَاذَ بِتِلْكَ الْأَرْوَاحِ الطَّاهِرَةِ مِنْ شَرِّ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ، وَأَيْضًا كَلِمَاتُ اللَّهِ هِيَ قَوْلُهُ: «كُنْ» وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْقُدْرَةِ النَّافِذَةِ وَمَنِ اسْتَعَاذَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ. وَالْخَبَرُ الْخَامِسُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ مِنَ النَّوْمِ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ شَرِّ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّ» وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُعَلِّمُهَا مَنْ بَلَغَ مِنْ عَبِيدِهِ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ كَتَبَهَا فِي صَكٍّ ثُمَّ عَلَّقَهَا في عنقه.
وَالْخَبَرُ السَّادِسُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ كَانَ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَيَقُولُ: «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ» وَيَقُولُ: «كَانَ أَبِي إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ» . الْخَبَرُ السَّابِعُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُعَظِّمُ أَمْرَ الِاسْتِعَاذَةِ حَتَّى أَنَّهُ لَمَّا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَدَخَلَ بِهَا فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: عُذْتِ بِمُعَاذٍ فَالْحَقِي بِأَهْلِكِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّجُلَ الْمُسْتَبْصِرَ بِنُورِ اللَّهِ لَا الْتِفَاتَ لَهُ إِلَى الْقَائِلِ، وَإِنَّمَا الْتِفَاتُهُ إِلَى الْقَوْلِ، فَلَمَّا ذَكَرَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ كَلِمَةَ أَعُوذُ بِاللَّهِ بَقِيَ قَلْبُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْتَغِلًا بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى أَنَّهَا قَالَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةَ عَنْ قَصْدٍ أَمْ لَا. وَالْخَبَرُ الثَّامِنُ: رَوَى الْحَسَنُ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَضْرِبُ مَمْلُوكًا لَهُ فَجَعَلَ الْمَمْلُوكُ يَقُولُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) إِذْ جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَأَمْسَكَ عَنْهُ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: عَائِذُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُمْسَكَ عَنْهُ، فَقَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّهُ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تَقُلْهَا لَدَافَعَ وَجْهُكَ سَفْعَ النَّارِ. وَالْخَبَرُ التَّاسِعُ: قَالَ سُوَيْدٌ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَتْرُكَ ذَلِكَ مَا بَقِيتُ. وَالْخَبَرُ الْعَاشِرُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ غَضَبِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ» . المستعاذ منه: الرُّكْنُ الرَّابِعُ: مِنْ أَرْكَانِ هَذَا الْبَابِ الْكَلَامُ، فِي الْمُسْتَعَاذِ مِنْهُ وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ دَفْعُ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَّ الشيطان إما أن يكون بالوسوسة أو بغيرهما، / كَمَا ذَكَرَهُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [الْبَقَرَةِ: 275] وَفِي هَذَا الْبَابِ مَسَائِلُ غَامِضَةٌ دَقِيقَةٌ مِنَ العقليات، ومن علوم المكاشفات. الاختلاف في وجود الجن: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وُجُودِ الْجِنِّ والشياطين فمن الناس من أنكر الجن والشيطان، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَوَّلًا مِنَ الْبَحْثِ عَنْ مَاهِيَّةِ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ فَنَقُولُ: أَطْبَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ عِبَارَةً عَنْ أَشْخَاصٍ جُسْمَانِيَّةٍ كَثِيفَةٍ تَجِيءُ وَتَذْهَبُ مِثْلَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ، بَلِ الْقَوْلُ الْمُحَصَّلُ فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا أَجْسَامٌ هَوَائِيَّةٌ قَادِرَةٌ عَلَى التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَهَا عُقُولٌ وَأَفْهَامٌ وَقُدْرَةٌ عَلَى أَعْمَالٍ صَعْبَةٍ شَاقَّةٍ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ أَثْبَتُوا أَنَّهَا مَوْجُودَاتٌ غَيْرُ مُتَحَيِّزَةٍ وَلَا حَالَّةٍ فِي الْمُتَحَيِّزِ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا مَوْجُودَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ، ثُمَّ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتُ قَدْ تَكُونُ عَالِيَةً مُقَدَّسَةً عَنْ تَدْبِيرِ الْأَجْسَامِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 19] وَيَلِيهَا مَرْتَبَةُ الْأَرْوَاحِ
الْمُتَعَلِّقَةِ بِتَدْبِيرِ الْأَجْسَامِ، وَأَشْرَفُهَا حَمَلَةُ الْعَرْشِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [الْحَاقَّةِ: 17] وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الْحَافُّونَ حَوْلَ الْعَرْشِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الزُّمَرِ: 75] وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: مَلَائِكَةُ الْكُرْسِيِّ، والمرتبة الرابعة: ملائكة السموات طَبَقَةً طَبَقَةً، وَالْمَرْتَبَةُ الْخَامِسَةُ: مَلَائِكَةُ كُرَةِ الْأَثِيرِ، وَالْمَرْتَبَةُ السَّادِسَةُ: مَلَائِكَةُ كُرَةِ الْهَوَاءِ الَّذِي هُوَ فِي طَبْعِ النَّسِيمِ، وَالْمَرْتَبَةُ السَّابِعَةُ: مَلَائِكَةُ كُرَةِ الزَّمْهَرِيرِ، وَالْمَرْتَبَةُ الثَّامِنَةُ: مَرْتَبَةُ الْأَرْوَاحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبِحَارِ، وَالْمَرْتَبَةُ التَّاسِعَةُ: مَرْتَبَةُ الْأَرْوَاحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْجِبَالِ، وَالْمَرْتَبَةُ الْعَاشِرَةُ: مَرْتَبَةُ الْأَرْوَاحِ السُّفْلِيَّةِ الْمُتَصَرِّفَةِ فِي هَذِهِ الْأَجْسَامِ النَّبَاتِيَّةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي هَذَا الْعَالَمِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ فَهَذِهِ الْأَرْوَاحُ قَدْ تَكُونُ مُشْرِقَةً إِلَهِيَّةً خَيِّرَةً سَعِيدَةً، وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالصَّالِحِينَ مِنَ الْجِنِّ، وَقَدْ تَكُونُ كَدِرَةً سُفْلِيَّةً شِرِّيرَةً شَقِيَّةً، وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالشَّيَاطِينِ. وَاحْتَجَّ الْمُنْكِرُونَ لِوُجُودِ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ بِوُجُوهٍ: الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّ الشَّيْطَانَ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ جِسْمًا كَثِيفًا أَوْ لَطِيفًا، وَالْقِسْمَانِ بطلان فَيَبْطُلُ الْقَوْلُ بِوُجُودِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا كَثِيفًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَرَاهُ كُلُّ مَنْ كَانَ سَلِيمَ الْحِسِّ، إِذْ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِنَا أَجْسَامٌ كَثِيفَةٌ وَنَحْنُ لَا نَرَاهَا لَجَازَ أَنْ يَكُونَ بِحَضْرَتِنَا جِبَالٌ عَالِيَةٌ وَشُمُوسٌ مُضِيئَةٌ وَرُعُودٌ وَبُرُوقٌ مَعَ أَنَّا لَا نُشَاهِدُ شَيْئًا مِنْهَا، وَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ كَانَ خَارِجًا عَنِ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَوْنُهَا أَجْسَامًا لَطِيفَةً وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ تَتَمَزَّقَ أَوْ تَتَفَرَّقَ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيَاحِ الْعَاصِفَةِ الْقَوِيَّةِ، وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا/ قُوَّةٌ وَقُدْرَةٌ عَلَى الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ، وَمُثْبِتُو الْجِنِّ يَنْسُبُونَ إِلَيْهَا الْأَعْمَالَ الشَّاقَّةَ، وَلَمَّا بَطَلَ الْقِسْمَانِ ثَبَتَ فَسَادُ الْقَوْلِ بِالْجِنِّ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَشْخَاصَ الْمُسَمَّاةَ بِالْجِنِّ إِذَا كَانُوا حَاضِرِينَ فِي هَذَا الْعَالَمِ مُخَالِطِينَ لِلْبَشَرِ فالظاهر الغالب أن يحصل لَهُمْ بِسَبَبِ طُولِ الْمُخَالَطَةِ وَالْمُصَاحَبَةِ إِمَّا صَدَاقَةٌ وَإِمَّا عَدَاوَةٌ، فَإِنْ حَصَلَتِ الصَّدَاقَةُ وَجَبَ ظُهُورُ الْمَنَافِعِ بِسَبَبِ تِلْكَ الصَّدَاقَةِ، وَإِنْ حَصَلَتِ الْعَدَاوَةُ وَجَبَ ظُهُورُ الْمَضَارِّ بِسَبَبِ تِلْكَ الْعَدَاوَةِ، إِلَّا أَنَّا لَا نَرَى أَثَرًا لَا مِنْ تِلْكَ الصَّدَاقَةِ وَلَا مِنْ تِلْكَ الْعَدَاوَةِ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُمَارِسُونَ صَنْعَةَ التَّعْزِيمِ إِذَا تَابُوا مِنَ الْأَكَاذِيبِ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ قَطُّ مَا شَاهَدُوا أَثَرًا مِنْ هَذَا الْجِنِّ، وَذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَسَمِعْتُ وَاحِدًا مِمَّنْ تَابَ عن تِلْكَ الصَّنْعَةِ قَالَ إِنِّي وَاظَبْتُ عَلَى الْعَزِيمَةِ الْفُلَانِيَّةِ كَذَا مِنَ الْأَيَّامِ وَمَا تَرَكْتُ دَقِيقَةً مِنَ الدَّقَائِقِ إِلَّا أَتَيْتُ بِهَا ثُمَّ إِنِّي مَا شَاهَدْتُ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ أَثَرًا وَلَا خَبَرًا. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ إِمَّا الْحِسُّ، وَإِمَّا الْخَبَرُ، وَإِمَّا الدَّلِيلُ: أَمَّا الْحِسُّ فَلَمْ يَدُلَّ عَلَى وُجُودِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، لِأَنَّ وَجُودَهَا إِمَّا بِالصُّورَةِ أَوِ الصَّوْتِ فَإِذَا كُنَّا لَا نَرَى صُورَةً وَلَا سَمِعْنَا صَوْتًا فَكَيْفَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَدَّعِيَ الْإِحْسَاسَ بِهَا، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّا أَبْصَرْنَاهَا أَوْ سَمِعْنَا أَصْوَاتَهَا فَهُمْ طَائِفَتَانِ: الْمَجَانِينُ الَّذِينَ يَتَخَيَّلُونَ أَشْيَاءَ بسبب خلل أمزجتهم فيظنون أنهم رأوها، وَالْكَذَّابُونَ الْمُخَرِّفُونَ، وَأَمَّا إِثْبَاتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِوَاسِطَةِ إِخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَوْ ثَبَتَتْ لَبَطَلَتْ نُبُوَّةُ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ كُلَّ مَا تَأْتِي بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ إِنَّمَا حَصَلَ بِإِعَانَةِ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، وَكُلُّ فَرْعٍ أَدَّى إِلَى إِبْطَالِ الْأَصْلِ كَانَ بَاطِلًا، مِثَالُهُ إِذَا جَوَّزْنَا نُفُوذَ الْجِنِّ فِي بَوَاطِنِ الْإِنْسَانِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ حَنِينَ الْجِذْعِ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ أَنَّ الشَّيْطَانَ نَفَذَ فِي ذَلِكَ الْجِذْعِ ثُمَّ أَظْهَرَ الْحَنِينَ وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ النَّاقَةَ إِنَّمَا تَكَلَّمَتْ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ
لِأَنَّ الشَّيْطَانَ دَخَلَ فِي بَطْنِهَا وَتَكَلَّمَ، وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الشَّجَرَةَ إِنَّمَا انْقَلَعَتْ مِنْ أَصْلِهَا لِأَنَّ الشَّيْطَانَ اقْتَلَعَهَا، فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِإِثْبَاتِ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ يُوجِبُ الْقَوْلَ بِبُطْلَانِ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَأَمَّا إِثْبَاتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِوَاسِطَةِ الدَّلِيلِ وَالنَّظَرِ فَهُوَ مُتَعَذِّرٌ، لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ دَلِيلًا عَقْلِيًّا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بِوُجُودِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَاطِلًا، فَهَذِهِ جُمْلَةُ شُبَهِ مُنْكِرِي الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأُولَى: بِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُ الْجِنِّ جِسْمًا، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ جوهر مجرد عن الجسمية/ وَالْجَوَابُ عَنِ الْأُولَى بِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُ الْجِنِّ جِسْمًا فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِرَقٌ: الْأُولَى الَّذِينَ قَالُوا: النُّفُوسُ النَّاطِقَةُ الْبَشَرِيَّةُ الْمُفَارِقَةُ لِلْأَبْدَانِ قَدْ تَكُونُ خَيِّرَةً، وَقَدْ تَكُونُ شِرِّيرَةً، فَإِنْ كَانَتْ خَيِّرَةً فَهِيَ الْمَلَائِكَةُ الْأَرْضِيَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ شِرِّيرَةً فَهِيَ الشَّيَاطِينُ الْأَرْضِيَّةُ، ثُمَّ إِذَا حَدَثَ بَدَنٌ شَدِيدُ الْمُشَابَهَةِ بِبَدَنِ تِلْكَ النُّفُوسِ الْمُفَارِقَةِ وَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ الْبَدَنِ نَفْسٌ شَدِيدَةُ الْمُشَابَهَةِ لِتِلْكَ النَّفْسِ الْمُفَارِقَةِ فَحِينَئِذٍ يَحْدُثُ لِتِلْكَ النَّفْسِ الْمُفَارِقَةِ ضَرْبُ تَعَلُّقٍ بِهَذَا الْبَدَنِ الْحَادِثِ، وَتَصِيرُ تِلْكَ النَّفْسُ الْمُفَارِقَةُ مُعَاوِنَةً لِهَذِهِ النَّفْسِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْبَدَنِ عَلَى الأعمال اللائقة بها، فإن كانت النفسان من النفوس الطاهرة المشرقة الْخَيِّرَةِ كَانَتْ تِلْكَ الْمُعَاوَنَةُ وَالْمُعَاضَدَةُ إِلْهَامًا، وَإِنْ كَانَتَا مِنَ النُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ الشِّرِّيرَةِ كَانَتْ تِلْكَ الْمُعَاوَنَةُ وَالْمُنَاصَرَةُ وَسْوَسَةً، فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي الْإِلْهَامِ وَالْوَسْوَسَةِ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ. الْفَرِيقُ الثَّانِي: الَّذِينَ قَالُوا: الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ جَوَاهِرُ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَعَلَائِقِهَا، وَجِنْسُهَا مُخَالِفٌ لِجِنْسِ النُّفُوسِ النَّاطِقَةِ الْبَشَرِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْجِنْسَ يَنْدَرِجُ فِيهِ أَنْوَاعٌ أَيْضًا، فَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً نُورَانِيَّةً فَهِيَ الْمَلَائِكَةُ الْأَرْضِيَّةُ، وَهُمُ الْمُسَمَّوْنَ بِصَالِحِي الْجِنِّ، وَإِنْ كَانَتْ خَبِيثَةً شِرِّيرَةً فَهِيَ الشَّيَاطِينُ الْمُؤْذِيَةُ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْجِنْسِيَّةُ عِلَّةُ الضَّمِّ، فَالنُّفُوسُ الْبَشَرِيَّةُ الطَّاهِرَةُ النُّورَانِيَّةُ تَنْضَمُّ إِلَيْهَا تِلْكَ الْأَرْوَاحُ الطَّاهِرَةُ النُّورَانِيَّةُ وَتُعِينُهَا عَلَى أَعْمَالِهَا الَّتِي هِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَالنُّفُوسُ الْبَشَرِيَّةُ الْخَبِيثَةُ الْكَدِرَةُ تَنْضَمُّ إِلَيْهَا تِلْكَ الْأَرْوَاحُ الْخَبِيثَةُ الشِّرِّيرَةُ وَتُعِينُهَا عَلَى أَعْمَالِهَا الَّتِي هِيَ مِنْ بَابِ الشَّرِّ وَالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ. الْفَرِيقُ الثَّالِثُ، وَهُمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ وُجُودَ الْأَرْوَاحِ السُّفْلِيَّةِ، وَلَكِنَّهُمْ أَثْبَتُوا وُجُودَ الْأَرْوَاحِ الْمُجَرَّدَةِ الْفَلَكِيَّةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ تِلْكَ الْأَرْوَاحَ أَرْوَاحٌ عَالِيَةٌ قَاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ بِجَوَاهِرِهَا وَمَاهِيَّاتِهَا، فَكَمَا أَنَّ لِكُلِّ رُوحٍ مِنَ الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ بَدَنًا مُعَيَّنًا فَكَذَلِكَ لِكُلِّ رُوحٍ مِنَ الْأَرْوَاحِ الْفَلَكِيَّةِ بَدَنٌ مُعَيَّنٌ، وَهُوَ ذَلِكَ الْفَلَكُ الْمُعَيَّنُ، وَكَمَا أَنَّ الرُّوحَ الْبَشَرِيَّةَ تَتَعَلَّقُ أَوَّلًا بِالْقَلْبِ ثُمَّ بِوَاسِطَتِهِ يَتَعَدَّى أَثَرُ ذَلِكَ الرُّوحِ إِلَى كُلِّ الْبَدَنِ، فَكَذَلِكَ الرُّوحُ الْفَلَكِيُّ يَتَعَلَّقُ أَوَّلًا بِالْكَوَاكِبِ ثُمَّ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ يَتَعَدَّى أَثَرُ ذَلِكَ الرُّوحِ إِلَى كُلِّيَّةِ ذَلِكَ الْفَلَكِ وَإِلَى كُلِّيَّةِ الْعَالَمِ، وَكَمَا أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ فِي الْقَلْبِ وَالدِّمَاغِ أَرْوَاحٌ لَطِيفَةٌ وَتِلْكَ الْأَرْوَاحُ تَتَأَدَّى فِي الشَّرَايِينِ وَالْأَعْصَابِ إِلَى أَجْزَاءِ الْبَدَنِ وَيَصِلُ بِهَذَا الطَّرِيقِ قُوَّةُ الْحَيَاةِ وَالْحِسُّ وَالْحَرَكَةُ إِلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَعْضَاءِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَعِثُ مِنْ جِرْمِ الْكَوَاكِبِ خُطُوطٌ شُعَاعِيَّةٌ تَتَّصِلُ بِجَوَانِبِ الْعَالَمِ وَتَتَأَدَّى قُوَّةُ تِلْكَ الْكَوَاكِبِ بِوَاسِطَةِ تِلْكَ الْخُطُوطِ الشُّعَاعِيَّةِ إِلَى أَجْزَاءِ هَذَا الْعَالَمِ/ وَكَمَا أَنَّ بِوَاسِطَةِ الْأَرْوَاحِ الْفَائِضَةِ مِنَ الْقَلْبِ وَالدِّمَاغِ إِلَى أَجْزَاءِ الْبَدَنِ يَحْصُلُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْبَدَنِ قُوًى مُخْتَلِفَةٌ وَهِيَ الْغَاذِيَةُ وَالنَّامِيَةُ وَالْمُوَلِّدَةُ وَالْحَسَّاسَةُ- فَتَكُونُ هَذِهِ الْقُوَى كَالنَّتَائِجِ وَالْأَوْلَادِ
لِجَوْهَرِ النَّفْسِ الْمُدَبِّرَةِ لِكُلِّيَّةِ الْبَدَنِ، فَكَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْخُطُوطِ الشُّعَاعِيَّةِ الْمُنْبَثَّةِ مِنَ الْكَوَاكِبِ الْوَاصِلَةِ إِلَى أَجْزَاءِ هَذَا الْعَالَمِ تَحْدُثُ فِي تِلْكَ الْأَجْزَاءِ نُفُوسٌ مَخْصُوصَةٌ مِثْلُ نَفْسِ زَيْدٍ وَنَفْسِ عَمْرٍو، وَهَذِهِ النُّفُوسُ كَالْأَوْلَادِ لِتِلْكَ النُّفُوسِ الْفَلَكِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَتِ النُّفُوسُ الْفَلَكِيَّةُ مُخْتَلِفَةً فِي جَوَاهِرِهَا وَمَاهِيَّاتِهَا، فَكَذَلِكَ النُّفُوسُ الْمُتَوَلِّدَةُ مِنْ نَفْسِ فَلَكِ زُحَلَ مَثَلًا طَائِفَةٌ، وَالنُّفُوسُ الْمُتَوَلِّدَةُ مِنْ نَفْسِ فَلَكِ الْمُشْتَرِي طَائِفَةٌ أُخْرَى، فَتَكُونُ النُّفُوسُ الْمُنْتَسِبَةُ إِلَى رُوحِ زُحَلَ مُتَجَانِسَةً مُتَشَارِكَةً، وَيَحْصُلُ بَيْنَهَا مَحَبَّةٌ وَمَوَدَّةٌ، وَتَكُونُ النُّفُوسُ الْمُنْتَسِبَةُ إِلَى رُوحِ زُحَلَ مُخَالِفَةً بِالطَّبْعِ وَالْمَاهِيَّةِ لِلنُّفُوسِ الْمُنْتَسِبَةِ إِلَى رُوحِ الْمُشْتَرِي، وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَالُوا: إِنَّ العلة تكون أقوى من المعلول، فكل طَائِفَةٍ مِنَ النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ طَبِيعَةٌ خَاصَّةٌ، وَهِيَ تَكُونُ مَعْلُولَةً لِرُوحٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ الْفَلَكِيَّةِ وَتِلْكَ الطَّبِيعَةُ تَكُونُ فِي الرُّوحِ الْفَلَكِيِّ أَقْوَى وَأَعْلَى بِكَثِيرٍ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ، وَتِلْكَ الْأَرْوَاحُ الْفَلَكِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تِلْكَ الطَّائِفَةِ مِنَ الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ كَالْأَبِ الْمُشْفِقِ وَالسُّلْطَانِ الرَّحِيمِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ تِلْكَ الْأَرْوَاحُ الْفَلَكِيَّةُ تُعِينُ أَوْلَادَهَا عَلَى مَصَالِحِهَا وَتَهْدِيهَا تَارَةً فِي النَّوْمِ عَلَى سبيل الرؤيا، وأخرى في اليقظة في سَبِيلِ الْإِلْهَامِ، ثُمَّ إِذَا اتَّفَقَ لِبَعْضِ هَذِهِ النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ قُوَّةٌ قَوِيَّةٌ مِنْ جِنْسِ تِلْكَ الْخَاصِّيَّةِ وَقَوِيَ اتِّصَالُهُ بِالرُّوحِ الْفَلَكِيِّ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ وَمَعْدِنُهُ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ أَفْعَالٌ عَجِيبَةٌ وَأَعْمَالٌ خَارِقَةٌ لِلْعَادَاتِ، فَهَذَا تَفْصِيلُ مَذَاهِبِ مَنْ يُثْبِتُ الْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ، وَيَزْعُمُ أَنَّهَا مَوْجُودَاتٌ لَيْسَتْ أَجْسَامًا وَلَا جُسْمَانِيَّةً. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْفَلَاسِفَةِ طَعَنُوا فِي هَذَا الْمَذْهَبِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْمُجَرَّدَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إِدْرَاكُ الْجُزْئِيَّاتِ، وَالْمُجَرَّدَاتِ يَمْتَنِعُ كَوْنُهَا فَاعِلَةً لِلْأَفْعَالِ الْجُزْئِيَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُمْكِنُنَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَى هَذَا الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ بِأَنَّهُ إِنْسَانٌ وَلَيْسَ بِفَرَسٍ، وَالْقَاضِي عَلَى الشَّيْئَيْنِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَحْضُرَهُ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِمَا، فَهَهُنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ هُوَ مُدْرِكٌ لِلْكُلِّيِّ، وَهُوَ النَّفْسُ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُدْرِكُ لِلْجُزْئِيِّ هُوَ النَّفْسُ. الثَّانِي: هَبْ أَنَّ النَّفْسَ الْمُجَرَّدَةَ لَا تَقْوَى عَلَى إِدْرَاكِ الْجُزْئِيَّاتِ ابْتِدَاءً، لَكِنْ لَا نِزَاعَ أَنَّهُ يُمْكِنُهَا أَنْ تُدْرِكَ الْجُزْئِيَّاتِ بِوَاسِطَةِ الْآلَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ تِلْكَ الْجَوَاهِرَ الْمُجَرَّدَةَ الْمُسَمَّاةَ بِالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ لَهَا آلَاتٌ جُسْمَانِيَّةٌ مِنْ كُرَةِ الْأَثِيرِ أَوْ مِنْ كُرَةِ الزَّمْهَرِيرِ، ثُمَّ إِنَّهَا بِوَاسِطَةِ تِلْكَ الْآلَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ تَقْوَى عَلَى إِدْرَاكِ الْجُزْئِيَّاتِ وَعَلَى التَّصَرُّفِ فِي هَذِهِ الْأَبْدَانِ، فَهَذَا تمام الكلام في شرح هذه المذاهب. وَأَمَّا الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْجِنَّ أَجْسَامٌ هَوَائِيَّةٌ أَوْ نَارِيَّةٌ فَقَالُوا: الْأَجْسَامُ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْحَجْمِيَّةِ وَالْمِقْدَارِ، وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ أَعْرَاضٌ، فَالْأَجْسَامُ مُتَسَاوِيَةٌ فِي قَبُولِ هَذِهِ الْأَعْرَاضِ، وَالْأَشْيَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ بِالْمَاهِيَّةِ لَا يَمْتَنِعُ اشْتِرَاكُهَا فِي بَعْضِ اللَّوَازِمِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْأَجْسَامُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ ذَوَاتِهَا الْمَخْصُوصَةِ وَمَاهِيَّاتِهَا الْمُعَيَّنَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرِكَةً فِي قَبُولِ الْحَجْمِيَّةِ وَالْمِقْدَارِ؟ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَحَدُ أَنْوَاعِ الْأَجْسَامِ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ نَفَّاذَةٌ حَيَّةٌ لِذَوَاتِهَا عَاقِلَةٌ لِذَوَاتِهَا، قَادِرَةٌ عَلَى الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ لِذَوَاتِهَا، وَهِيَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّفَرُّقِ وَالتَّمَزُّقِ؟ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَتِلْكَ الْأَجْسَامُ تَكُونُ قَادِرَةً عَلَى تَشْكِيلِ أَنْفُسِهَا بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الرِّيَاحَ الْعَاصِفَةَ لَا تُمَزِّقُهَا، وَالْأَجْسَامَ الْكَثِيفَةَ لَا تُفَرِّقُهَا، أَلَيْسَ أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ قَالُوا: إِنَّ النَّارَ الَّتِي تَنْفَصِلُ عَنِ الصَّوَاعِقِ تَنْفُذُ فِي اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ فِي بَوَاطِنَ الْأَحْجَارِ وَالْحَدِيدِ، وَتَخْرُجُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ؟ فَلِمَ لَا يُعْقَلُ مِثْلُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَإِنَّ الْجِنَّ تَكُونُ قَادِرَةً عَلَى النُّفُوذِ فِي بَوَاطِنِ النَّاسِ وَعَلَى التَّصَرُّفِ فيها، وأنها
تَبْقَى حَيَّةً فَعَّالَةً مَصُونَةً عَنِ الْفَسَادِ إِلَى الْأَجَلِ الْمُعَيَّنِ وَالْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، فَكُلُّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ احْتِمَالَاتٌ ظَاهِرَةٌ، وَالدَّلِيلُ لَمْ يَقُمْ عَلَى إِبْطَالِهَا، فَلَمْ يَجُزِ الْمَصِيرُ إِلَى الْقَوْلِ بِإِبْطَالِهَا. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ حُصُولُ تِلْكَ الصَّدَاقَةِ وَالْعَدَاوَةِ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ لَا يَعْرِفُ إِلَّا حَالَ نَفْسِهِ، أَمَّا حَالُ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُهَا، فَبَقِيَ هَذَا الْأَمْرُ فِي حَيِّزِ الِاحْتِمَالِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثَّالِثَةِ: فَهُوَ أَنَّا نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَوْلَ بِوُجُودِ الْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَسَيَظْهَرُ الْجَوَابُ عَنِ الْأَجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ فِي الْجَوَابِ عَنِ الشبهات. دليل وجود الجن من القرآن: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ وَالْأَخْبَارَ يَدُلَّانِ عَلَى وُجُودِ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ: أَمَّا الْقُرْآنُ فَآيَاتٌ: الْآيَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [الْأَحْقَافِ: 29، 30] وَهَذَا نَصٌّ عَلَى وُجُودِهِمْ وَعَلَى أَنَّهُمْ سَمِعُوا الْقُرْآنَ، وَعَلَى أَنَّهُمْ أنذروا قومهم، والآية الثانية قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، [الْبَقَرَةِ: 102] وَالْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا [سَبَأٍ: 13] وَقَالَ تَعَالَى: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ [ص: 37، 38] وَقَالَ تَعَالَى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ- إِلَى قَوْلِهِ/ تَعَالَى: وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ [سبأ: 12] والآية الرابعة قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الرَّحْمَنِ: 33] وَالْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ [الصَّافَّاتِ: 6، 7] وَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَكَثِيرَةٌ: - الْخَبَرُ الْأَوَّلُ: رَوَى مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» ، عَنْ صَيْفِيِّ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، قَالَ: فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا تَحْتَ سَرِيرِهِ فِي بَيْتِهِ، فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ، فَقُمْتُ لِأَقْتُلَهَا، فَأَشَارَ أَبُو سَعِيدٍ أَنِ اجْلِسْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صِلَاتِهِ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ: تَرَى هَذَا الْبَيْتَ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ فِيهِ فَتًى حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَرَأَى امْرَأَتَهُ وَاقِفَةً بَيْنَ النَّاسِ، فَأَدْرَكَتْهُ غَيْرَةٌ فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا بِسَبَبِ الْغَيْرَةِ فَقَالَتْ: لَا تَعْجَلْ حَتَّى تَدْخُلَ وَتَنْظُرَ مَا فِي بَيْتِكَ، فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِحَيَّةٍ مُطَوِّقَةٍ عَلَى فِرَاشِهِ فَرَكَزَ فِيهَا رُمْحَهُ فَاضْطَرَبَتِ الْحَيَّةُ فِي رَأْسِ الرُّمْحِ وَخَرَّ الْفَتَى مَيِّتًا، فَمَا نَدْرِي أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا: الْفَتَى أَمِ الْحَيَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَمَنْ بَدَا لَكُمْ مِنْهُمْ فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ. الْخَبَرُ الثَّانِي: رَوَى مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ يَطْلُبُهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ كُلَّمَا الْتَفَتَ رَآهُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ طفئت شعلته
وَخَرَّ لِفِيهِ، قُلْ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ، وَبِكَلِمَاتِهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، وَشَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ. وَالْخَبَرُ الثَّالِثُ: رَوَى مَالِكٌ أيضا في «الموطأ» أن كعب الأخبار كَانَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، وَبِأَسْمَائِهِ كُلِّهَا مَا قَدْ عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ. وَالْخَبَرُ الرَّابِعُ: رَوَى أَيْضًا مَالِكٌ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرَوَّعُ فِي مَنَامِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْ يَحْضُرُونِ. وَالْخَبَرُ الْخَامِسُ: مَا اشْتَهَرَ وَبَلَغَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ مِنْ خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ وَقِرَاءَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَدَعْوَتِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَالْخَبَرُ السَّادِسُ: رَوَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي «الْهِدَايَةِ» أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ دَعَا رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشَّيْطَانِ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَأَرَاهُ ذَلِكَ فَإِذَا رَأْسُهُ مِثْلُ رَأْسِ الْحَيَّةِ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى قَلْبِهِ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى خَنَسَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ وَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى حَبَّةِ قَلْبِهِ. وَالْخَبَرُ السَّابِعُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» وَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَلَهُ شَيْطَانٌ» قِيلَ: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ» وَالْأَحَادِيثُ فِي ذلك كثيرة، والقدر الذي ذكرناه كاف. خلق الجن من النار: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي بَيَانِ أَنَّ الْجِنَّ مَخْلُوقٌ مِنَ النَّارِ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ [الْحِجْرِ: 27] وَقَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الْأَعْرَافِ: 12] وَاعْلَمْ أَنَّ حُصُولَ الْحَيَاةِ فِي النَّارِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَطِبَّاءَ قَالُوا: الْمُتَعَلِّقُ الْأَوَّلُ لِلنَّفْسِ هُوَ الْقَلْبُ وَالرُّوحُ، وَهُمَا فِي غَايَةِ السُّخُونَةِ، وَقَالَ جَالِينُوسُ: إِنِّي بَقَرْتُ مَرَّةً بَطْنَ قِرْدٍ فَأَدْخَلْتُ يَدِي فِي بَطْنِهِ، وَأَدْخَلْتُ أُصْبُعِي فِي قَلْبِهِ فَوَجَدْتُهُ فِي غَايَةِ السُّخُونَةِ بَلْ تَزِيدُ، وَنَقُولُ: أَطْبَقَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِسَبَبِ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ كُرَةَ النار تكون مملوءة من الروحانيات. سبب تسمية الجن جنا: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: ذَكَرُوا قَوْلَيْنِ فِي أَنَّهُمْ لِمَ سُمُّوا بِالْجِنِّ، الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ الْجِنِّ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاسْتِتَارِ، وَمِنْهُ الْجَنَّةُ لِاسْتِتَارِ أَرْضِهَا بِالْأَشْجَارِ، وَمِنْهُ الْجُنَّةُ لِكَوْنِهَا سَاتِرَةً لِلْإِنْسَانِ، وَمِنْهُ الْجِنُّ لِاسْتِتَارِهِمْ عَنِ الْعُيُونِ، وَمِنْهُ الْمَجْنُونُ لِاسْتِتَارِ عَقْلِهِ، وَمِنْهُ الْجَنِينُ لِاسْتِتَارِهِ فِي الْبَطْنِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة: 16، المنافقون: 2] أي وقاية وسترا، واعلم أن هَذَا الْقَوْلِ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْمَلَائِكَةُ مِنَ الجن
لِاسْتِتَارِهِمْ عَنِ الْعُيُونِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ بِسَبَبِ الْعُرْفِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ سُمُّوا بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ خُزَّانَ الْجَنَّةِ وَالْقَوْلُ الأول أقوى. طوائف المكلفين: الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ طَوَائِفَ الْمُكَلَّفِينَ أَرْبَعَةٌ: الْمَلَائِكَةُ، وَالْإِنْسُ، وَالْجِنُّ، وَالشَّيَاطِينُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ فَقِيلَ: الشَّيَاطِينُ جِنْسٌ وَالْجِنُّ جِنْسٌ آخَرُ، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ جِنْسٌ وَالْفَرَسَ جِنْسٌ آخَرُ، وَقِيلَ: الْجِنُّ مِنْهُمْ أَخْيَارٌ وَمِنْهُمْ أَشْرَارٌ وَالشَّيَاطِينُ اسم لأشرار الجن. تسلط الجن على الإنس: الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْجِنَّ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى النُّفُوذِ فِي بَوَاطِنِ الْبَشَرِ، وَأَنْكَرَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ ذَلِكَ، أَمَّا الْمُثْبِتُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْجِنُّ عِبَارَةً عَنْ مَوْجُودٍ/ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جُسْمَانِيٍّ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَى كَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى النُّفُوذِ فِي بَاطِنِهِ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي بَاطِنِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، وَإِنْ كَانَ عِبَارَةً عَنْ حَيَوَانٍ هَوَائِيٍّ لَطِيفٍ نَفَّاذٍ كَمَا وَصَفْنَاهُ كَانَ نَفَاذُهُ فِي بَاطِنِ بَنِي آدَمَ أَيْضًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ قياسا على النفس وغيره. الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ. [الْبَقَرَةِ: 275] الثَّالِثُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» . أَمَّا الْمُنْكِرُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأُمُورٍ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إِبْرَاهِيمَ: 22] صَرَّحَ بِأَنَّهُ مَا كَانَ لَهُ عَلَى الْبَشَرِ سُلْطَانٌ إِلَّا مِنَ الْوَجْهِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ إِلْقَاءُ الْوَسْوَسَةِ وَالدَّعْوَةُ إِلَى الْبَاطِلِ. الثَّانِي: لَا شَكَّ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْعُلَمَاءَ الْمُحَقِّقِينَ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى لَعْنِ الشَّيْطَانِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَهُمْ أَعْظَمَ أَنْوَاعِ الْعَدَاوَةِ، فَلَوْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى النُّفُوذِ فِي بَوَاطِنِ الْبَشَرِ وَعَلَى إِيصَالِ الْبَلَاءِ وَالشَّرِّ إِلَيْهِمْ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَضَرُّرُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَشَدَّ مِنْ تَضَرُّرِ كُلِّ أَحَدٍ، وَلَمَّا لم يكن كذلك علمنا أنه باطل. صفة الملائكة: الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَنْكِحُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ، وَأَمَّا الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ فَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ: «إِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ يَتَوَالَدُونَ قَالَ تَعَالَى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي [الكهف: 50] . وسوسة الشيطان: الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: فِي كَيْفِيَّةِ الْوَسْوَسَةِ بِنَاءً عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْآثَارِ: ذَكَرُوا أَنَّهُ يَغُوصُ فِي بَاطِنِ الْإِنْسَانِ، وَيَضَعُ رَأْسَهُ عَلَى حَبَّةِ قَلْبِهِ، وَيُلْقِي إِلَيْهِ الْوَسْوَسَةَ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، أَلَا فَضَيِّقُوا مَجَارِيَهُ بِالْجُوعِ» وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَوْلَا أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَحُومُونَ عَلَى قُلُوبِ بَنِي آدم لنظروا إلى ملكوت السموات» . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ لَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهَا، لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ حَمْلُهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ
بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ نُفُوذَ الشَّيَاطِينِ فِي بَوَاطِنِ النَّاسِ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ إِمَّا اتِّسَاعُ تِلْكَ الْمَجَارِي أَوْ تَدَاخُلُ تِلْكَ الْأَجْسَامِ. الثَّانِي: مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَدَاوَةَ الشَّدِيدَةَ حَاصِلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الدِّينِ، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى هَذَا النُّفُوذِ فَلِمَ لَا يَخُصُّهُمْ بِمَزِيدِ الضَّرَرِ؟ الثَّالِثُ: أَنَّ الشَّيْطَانَ مَخْلُوقٌ مِنَ النَّارِ، فَلَوْ دَخَلَ فِي دَاخِلِ الْبَدَنِ لَصَارَ كَأَنَّهُ نَفَّذَ النَّارَ فِي دَاخِلِ الْبَدَنِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ/ لَا يُحَسُّ بِذَلِكَ. الرَّابِعُ: أَنَّ الشَّيَاطِينَ يُحِبُّونَ الْمَعَاصِيَ وَأَنْوَاعَ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ، ثُمَّ إِنَّا نَتَضَرَّعُ بِأَعْظَمِ الْوُجُوهِ إِلَيْهِمْ لِيُظْهِرُوا أَنْوَاعَ الْفِسْقِ فَلَا نَجِدُ مِنْهُ أَثَرًا وَلَا فَائِدَةً، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا نَرَى لَا مِنْ عَدَاوَتِهِمْ ضَرَرًا وَلَا مِنْ صَدَاقَتِهِمْ نَفْعًا. وَأَجَابَ مُثْبِتُو الشَّيَاطِينِ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ: بِأَنَّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا نُفُوسٌ مُجَرَّدَةٌ فَالسُّؤَالُ زَائِلٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ كَالضَّوْءِ وَالْهَوَاءِ فَالسُّؤَالُ أَيْضًا زَائِلٌ، وَعَنِ الثَّانِي: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَمْنَعُونَهُمْ عَنْ إِيذَاءِ عُلَمَاءِ الْبَشَرِ، وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أن يقول الله تعالى لنار إبراهيم يَا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [الْأَنْبِيَاءِ: 69] فَلِمَ لا يجوز مثله هاهنا، وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّ الشَّيَاطِينَ مُخْتَارُونَ، وَلَعَلَّهُمْ يَفْعَلُونَ بعض القبائح دون بعض. تحقيق الكلام في الوسوسة: الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: فِي تَحْقِيقِ الْكَلَامِ فِي الْوَسْوَسَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرَهُ الشَّيْخُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ «الْإِحْيَاءِ» ، قَالَ: الْقَلْبُ مِثْلُ قُبَّةٍ لَهَا أَبْوَابٌ تَنْصَبُّ إِلَيْهَا الْأَحْوَالُ مِنْ كُلِّ بَابٍ، أَوْ مِثْلُ هَدَفٍ تُرْمَى إِلَيْهِ السِّهَامُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، أَوْ مِثْلُ مِرْآةٍ مَنْصُوبَةٍ تَجْتَازُ عَلَيْهَا الْأَشْخَاصُ، فَتَتَرَاءَى فِيهَا صُورَةٌ بَعْدَ صُورَةٍ، أَوْ مِثْلُ حَوْضٍ تَنْصَبُّ إِلَيْهِ مِيَاهٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْ أَنْهَارٍ مَفْتُوحَةٍ وَاعْلَمْ أَنَّ مَدَاخِلَ هَذِهِ الْآثَارِ الْمُتَجَدِّدَةِ فِي الْقَلْبِ سَاعَةً فَسَاعَةً إِمَّا مِنَ الظَّاهِرِ كَالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، وَإِمَّا مِنَ الْبَوَاطِنِ كَالْخَيَالِ وَالشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ وَالْأَخْلَاقِ الْمُرَكَّبَةِ فِي مِزَاجِ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَدْرَكَ بِالْحَوَاسِّ شَيْئًا حَصَلَ مِنْهُ أَثَرٌ فِي الْقَلْبِ، وَكَذَا إِذَا هَاجَتِ الشَّهْوَةُ أَوِ الْغَضَبُ حَصَلَ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ آثَارٌ فِي الْقَلْبِ، وَأَمَّا إِذَا مُنِعَ الْإِنْسَانُ عَنِ الْإِدْرَاكَاتِ الظَّاهِرَةِ فَالْخَيَالَاتُ الْحَاصِلَةُ فِي النَّفْسِ تَبْقَى، وَيَنْتَقِلُ الْخَيَالُ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ، وَبِحَسَبِ انْتِقَالِ الْخَيَالِ يَنْتَقِلُ الْقَلْبُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، فَالْقَلْبُ دَائِمًا فِي التَّغَيُّرِ وَالتَّأَثُّرِ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَأَخَصُّ الْآثَارِ الْحَاصِلَةِ فِي الْقَلْبِ هِيَ الْخَوَاطِرُ، وَأَعْنِي بِالْخَوَاطِرِ مَا يَعْرِضُ فِيهِ مِنَ الْأَفْكَارِ وَالْأَذْكَارِ، وَأَعْنِي بِهَا إِدْرَاكَاتٍ وَعُلُومًا إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّذَكُّرِ، وَإِنَّمَا تُسَمَّى خَوَاطِرَ مِنْ حَيْثُ أَنَّهَا تَخْطُرُ بِالْخَيَالِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْقَلْبُ غَافِلًا عَنْهَا، فَالْخَوَاطِرُ هِيَ الْمُحَرِّكَاتُ لِلْإِرَادَاتِ، وَالْإِرَادَاتُ مُحَرِّكَةٌ لِلْأَعْضَاءِ، ثُمَّ هَذِهِ الْخَوَاطِرُ الْمُحَرِّكَةُ لِهَذِهِ الْإِرَادَاتِ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَدْعُو إِلَى الشَّرِّ أَعْنِي إِلَى مَا يَضُرُّ فِي الْعَاقِبَةِ- وَإِلَى مَا يَنْفَعُ- أَعْنِي مَا يَنْفَعُ فِي الْعَاقِبَةِ- فَهُمَا خَاطِرَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَافْتَقَرَا إِلَى اسْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَالْخَاطِرُ الْمَحْمُودُ يُسَمَّى إِلْهَامًا، وَالْمَذْمُومُ يُسَمَّى وِسْوَاسًا، ثُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْخَوَاطِرَ أَحْوَالٌ حَادِثَةٌ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ سَبَبٍ، وَالتَّسَلْسُلُ مُحَالٌ، فَلَا بُدَّ مِنِ انْتِهَاءِ الْكُلِّ إِلَى وَاجِبِ الْوُجُودِ، وَهَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الشَّيْخِ الْغَزَالِيِّ بعد حذف التطويلات منه. تحقيق كلام الغزالي: الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: فِي تَحْقِيقِ الْكَلَامِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ دَارَ حَوْلَ الْمَقْصُودِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَزِيدِ التَّنْقِيحِ، فَنَقُولُ: لَا بُدَّ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ تَقْدِيمِ مُقَدِّمَاتٍ. المقدمة الأولى: لا شك أن هاهنا مَطْلُوبًا وَمَهْرُوبًا. وَكُلُّ مَطْلُوبٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ،
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَطْلُوبٍ مَطْلُوبًا لِغَيْرِهِ. وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ مَهْرُوبٍ مَهْرُوبًا عَنْهُ لِغَيْرِهِ: وَإِلَّا لَزِمَ إِمَّا الدَّوْرُ وَإِمَّا التَّسَلْسُلُ، وَهُمَا مُحَالَانِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرَافِ بِوُجُودِ شَيْءٍ يَكُونُ مَطْلُوبًا لِذَاتِهِ، وَبِوُجُودِ شَيْءٍ يَكُونُ مَهْرُوبًا عَنْهُ لِذَاتِهِ. الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّ الِاسْتِقْرَاءَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالذَّاتِ هُوَ اللَّذَّةُ وَالسُّرُورُ، وَالْمَطْلُوبَ بِالتَّبَعِ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إِلَيْهِمَا، وَالْمَهْرُوبَ عَنْهُ بِالذَّاتِ هُوَ الْأَلَمُ وَالْحُزْنُ، وَالْمَهْرُوبَ عَنْهُ بِالتَّبَعِ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إِلَيْهِمَا. الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ: إِنَّ اللَّذِيذَ عِنْدَ كُلِّ قُوَّةٍ مِنَ الْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ شَيْءٌ آخَرُ، فَاللَّذِيذُ عِنْدَ الْقُوَّةِ الْبَاصِرَةِ شَيْءٌ، وَاللَّذِيذُ عِنْدَ الْقُوَّةِ السَّامِعَةِ شَيْءٌ آخَرُ، وَاللَّذِيذُ عِنْدَ الْقُوَّةِ الشَّهْوَانِيَّةِ شَيْءٌ ثَالِثٌ، وَاللَّذِيذُ عِنْدَ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ شَيْءٌ رَابِعٌ، وَاللَّذِيذُ عِنْدَ الْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ شَيْءٌ خَامِسٌ. المقدمة الرابعة: إن الْقُوَّةُ الْبَاصِرَةُ إِذَا أَدْرَكَتْ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ لَزِمَ مِنْ حُصُولِ ذَلِكَ الْإِدْرَاكِ الْبَصَرِيِّ وُقُوفُ الذِّهْنِ عَلَى مَاهِيَّةِ ذَلِكَ الْمَرْئِيِّ، وَعِنْدَ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ لَذِيذًا أَوْ مُؤْلِمًا أو خَالِيًا عَنْهُمَا، فَإِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ لَذِيذًا تَرَتَّبَ عَلَى حُصُولِ هَذَا الْعِلْمِ أَوِ الِاعْتِقَادِ حُصُولُ الْمَيْلِ إِلَى تَحْصِيلِهِ، وَإِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بكونه مؤلما ترتب على هَذَا الْعِلْمِ أَوِ الِاعْتِقَادِ حُصُولُ الْمَيْلِ إِلَى الْبُعْدِ عَنْهُ وَالْفِرَارِ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ مُؤْلِمًا وَلَا بِكَوْنِهِ لَذِيذًا لَمْ يَحْصُلْ فِي الْقَلْبِ لَا رَغْبَةٌ إِلَى الْفِرَارِ عَنْهُ وَلَا رَغْبَةٌ إِلَى تَحْصِيلِهِ. الْمُقَدِّمَةُ الْخَامِسَةُ: إِنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِهِ لَذِيذًا إِنَّمَا يُوجِبُ حُصُولَ الْمَيْلِ وَالرَّغْبَةِ فِي تَحْصِيلِهِ إِذَا حَصَلَ ذَلِكَ الْعِلْمُ خَالِيًا عَنِ الْمُعَارِضِ وَالْمُعَاوِقِ، فَأَمَّا إِذَا حَصَلَ هَذَا الْمُعَارِضُ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ الِاقْتِضَاءُ، مِثَالُهُ إِذَا رَأَيْنَا طَعَامًا لَذِيذًا فَعَلِمْنَا بِكَوْنِهِ لَذِيذًا، إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى تَنَاوُلِهِ إِذَا لَمْ نَعْتَقِدْ أَنَّهُ حَصَلَ فِيهِ ضَرَرٌ زَائِدٌ، أَمَّا إِذَا اعْتَقَدْنَا أَنَّهُ حَصَلَ فِيهِ ضَرَرٌ زَائِدٌ فَعِنْدَ هَذَا يَعْتَبِرُ الْعَقْلُ كَيْفِيَّةَ الْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ، فَأَيُّهُمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ أَرْجَحُ عَمِلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ الرُّجْحَانِ، وَمِثَالٌ آخَرُ لِهَذَا الْمَعْنَى: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقْتُلُ نَفْسَهُ وَقَدْ يُلْقِي نَفْسَهُ مِنَ السَّطْحِ الْعَالِي، إِلَّا أَنَّهُ إِنَّمَا يُقْدِمُ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ بِسَبَبِ تَحَمُّلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ الْمُؤْلِمِ/ يتخلص عن مؤلم آخر أَعْظَمَ مِنْهُ، أَوْ يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ أَعْلَى حَالًا مِنْهَا، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اعْتِقَادَ كَوْنِهِ لَذِيذًا أَوْ مُؤْلِمًا إِنَّمَا يُوجِبُ الرَّغْبَةَ وَالنَّفْرَةَ إِذَا خَلَا ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ عَنِ الْمُعَارِضِ. الْمُقَدِّمَةُ السَّادِسَةُ: فِي بَيَانِ أَنَّ التقرير الذي بيناه يدل عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ الْحَيَوَانِيَّةَ لَهَا مَرَاتِبُ مُرَتَّبَةٌ تَرْتِيبًا ذَاتِيًّا لُزُومِيًّا عَقْلِيًّا، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ مَصْدَرُهَا الْقَرِيبُ هُوَ الْقُوَى الْمَوْجُودَةُ فِي الْعَضَلَاتِ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْقُوَى صَالِحَةٌ لِلْفِعْلِ وَلِلتَّرْكِ، فَامْتَنَعَ صَيْرُورَتُهَا مَصْدَرًا لِلْفِعْلِ بَدَلًا عَنِ التَّرْكِ، وَلِلتَّرْكِ بَدَلًا عَنِ الْفِعْلِ، إِلَّا بِضَمِيمَةٍ تَنْضَمُّ إِلَيْهَا، وَهِيَ الْإِرَادَاتُ ثُمَّ إِنَّ تِلْكَ الْإِرَادَاتِ إِنَّمَا تُوجَدُ وَتَحْدُثُ لِأَجْلِ الْعِلْمِ بِكَوْنِهَا لَذِيذَةً أَوْ مُؤْلِمَةً، ثُمَّ إِنَّ تِلْكَ الْعُلُومَ إِنْ حَصَلَتْ بِفِعْلِ الْإِنْسَانِ عَادَ الْبَحْثُ الْأَوَّلُ فِيهِ، وَلَزِمَ إِمَّا الدَّوْرُ وَإِمَّا التَّسَلْسُلُ وَهُمَا مُحَالَانِ، وَإِمَّا الِانْتِهَاءُ إِلَى عُلُومٍ وَإِدْرَاكَاتٍ وَتَصَوُّرَاتٍ تحصل في جواهر النَّفْسِ مِنَ الْأَسْبَابِ الْخَارِجَةِ، وَهِيَ إِمَّا الِاتِّصَالَاتُ الْفَلَكِيَّةُ عَلَى مَذْهَبِ قَوْمٍ أَوِ السَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ تِلْكَ الِاعْتِقَادَاتِ أَوِ الْعُلُومَ فِي الْقَلْبِ، فَهَذَا تَلْخِيصُ الْكَلَامِ فِي أَنَّ الْفِعْلَ كَيْفَ يَصْدُرُ عَنِ الْحَيَوَانِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ نُفَاةَ الشَّيْطَانِ وَنُفَاةَ الْوَسْوَسَةِ قَالُوا: ثَبَتَ أَنَّ الْمَصْدَرَ الْقَرِيبَ لِلْأَفْعَالِ الْحَيَوَانِيَّةِ هُوَ
هَذِهِ الْقُوَى الْمَذْكُورَةُ فِي الْعَضَلَاتِ وَالْأَوْتَارِ، فَثَبَتَ أَنَّ تِلْكَ الْقُوَى لَا تَصِيرُ مَصَادِرَ لِلْفِعْلِ وَالتَّرْكِ إِلَّا عِنْدَ انْضِمَامِ الْمَيْلِ وَالْإِرَادَةِ إِلَيْهَا، وَثَبَتَ أَنَّ تِلْكَ الْإِرَادَةَ مِنْ لَوَازِمِ حُصُولِ الشُّعُورِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَذِيذًا أَوْ مُؤْلِمًا، وَثَبَتَ أَنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الشُّعُورِ لَا بُدَّ وأن يكون يخلق اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً أَوْ بِوَاسِطَةِ مَرَاتِبِ شَأْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي اسْتِلْزَامِ مَا بَعْدَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ، وَثَبَتَ أَنَّ تَرَتُّبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ عَلَى مَا قبله أم لَازِمٌ لُزُومًا ذَاتِيًّا وَاجِبًا، فَإِنَّهُ إِذَا أَحَسَّ بِالشَّيْءِ وَعَرَفَ كَوْنَهُ مُلَائِمًا مَالَ طَبْعُهُ إِلَيْهِ، وَإِذَا مَالَ طَبْعُهُ إِلَيْهِ تَحَرَّكَتِ الْقُوَّةُ إِلَى الطَّلَبِ، فَإِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ حَصَلَ الْفِعْلُ لَا مَحَالَةَ، فَلَوْ قَدَّرْنَا شَيْطَانًا مِنَ الْخَارِجِ وَفَرَضْنَا أَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ وَسْوَسَةٌ كَانَتْ تِلْكَ الْوَسْوَسَةُ عَدِيمَةَ الْأَثَرِ، لِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَتْ تِلْكَ الْمَرَاتِبُ الْمَذْكُورَةُ حَصَلَ الْفِعْلُ سَوَاءٌ حَصَلَ هَذَا الشَّيْطَانُ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مَجْمُوعُ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ امْتَنَعَ حُصُولُ الْفِعْلِ سَوَاءٌ حَصَلَ هَذَا الشَّيْطَانُ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْقَوْلَ بِوُجُودِ الشَّيْطَانِ وَبِوُجُودِ الْوَسْوَسَةِ قَوْلٌ بَاطِلٌ، بَلِ الْحَقُّ أَنْ نَقُولَ: إِنِ اتَّفَقَ حُصُولُ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ فِي الطَّرَفِ النَّافِعِ سَمَّيْنَاهَا بِالْإِلْهَامِ، وَإِنِ اتَّفَقَ حُصُولُهَا فِي الطَّرَفِ الضَّارِّ سَمَّيْنَاهَا بِالْوَسْوَسَةِ، هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي تَقْرِيرِ الْإِشْكَالِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ غَافِلًا عَنِ الشَّيْءِ فَإِذَا ذَكَّرَهُ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ الشَّيْءَ تَذَكَّرَهُ، ثُمَّ عِنْدَ التَّذَكُّرِ يَتَرَتَّبُ الْمَيْلُ عَلَيْهِ، وَيَتَرَتَّبُ الْفِعْلُ عَلَى حُصُولِ ذَلِكَ الْمَيْلِ، فَالَّذِي أَتَى بِهِ الشَّيْطَانُ الْخَارِجِيُّ لَيْسَ إِلَّا ذَلِكَ التَّذَكُّرَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ إِبْلِيسَ أَنَّهُ قَالَ: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إِبْرَاهِيمَ: 22] إِلَّا أَنَّهُ بَقِيَ لِقَائِلٍ أن يقول: فالإنسان إنما قدم عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِتَذْكِيرِ الشَّيْطَانِ، فَالشَّيْطَانُ إِنْ كَانَ إِقْدَامُهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِتَذْكِيرِ شَيْطَانٍ آخَرَ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الشَّيَاطِينِ، وَإِنْ كَانَ عَمَلُ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ ليس لأجل شيطان آخر ثبت أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْطَانَ الْأَوَّلَ إِنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ لِحُصُولِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ فِي قَلْبِهِ، وَلَا بُدَّ لِذَلِكَ الِاعْتِقَادِ الْحَادِثِ مِنْ سَبَبٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَهَذَا غَايَةُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَحْثِ الدَّقِيقِ الْعَمِيقِ، وَصَارَ حَاصِلُ الْكَلَامِ مَا قَالَهُ سَيِّدُ الرُّسُلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ قَوْلُهُ: «أعوذ بك منك» والله أعلم. الخواطر والاختلاف فيها: المسألة الحادية عشرة: [الخواطر والاختلاف فيها] اعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الْخَلْوَةِ وَتَوَاتَرَتِ الْخَوَاطِرُ فِي قَلْبِهِ فَرُبَّمَا صَارَ بِحَيْثُ كأنه يسمع في دخل قَلْبِهِ وَدِمَاغِهِ أَصْوَاتًا خَفِيَّةً وَحُرُوفًا خَفِيَّةً، فَكَأَنَّ مُتَكَلِّمًا يَتَكَلَّمُ مَعَهُ، وَمُخَاطِبًا يُخَاطِبُهُ، فَهَذَا أَمْرٌ وِجْدَانِيٌّ يَجِدُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تِلْكَ الْخَوَاطِرِ فَقَالَتِ الْفَلَاسِفَةُ إِنَّ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ حُرُوفًا وَلَا أَصْوَاتًا، وَإِنَّمَا هِيَ تَخَيُّلَاتُ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ، وَتَخَيُّلُ الشَّيْءِ عِبَارَةٌ عَنْ حُضُورِ رَسْمِهِ وَمِثَالِهِ فِي الْخَيَالِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّا إِذَا تَخَيَّلْنَا صُوَرَ الْجِبَالِ وَالْبِحَارِ وَالْأَشْخَاصِ، فَأَعْيَانُ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْعَقْلِ وَالْقَلْبِ، بَلِ الْمَوْجُودُ فِي الْعَقْلِ وَالْقَلْبِ صُوَرُهَا وَأَمْثِلَتُهَا وَرُسُومُهَا، وَهِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الصُّورَةِ الْمُرْتَسِمَةِ فِي الْمِرْآةِ، فَإِنَّا إِذَا أَحْسَسْنَا فِي الْمِرْآةِ صُورَةَ الْفَلَكِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّهُ حَضَرَتْ ذَوَاتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْمِرْآةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ، وَإِنَّمَا الْحَاصِلُ فِي الْمِرْآةِ رُسُومُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَأَمْثِلَتُهَا وَصُوَرُهَا، وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فِي تَخَيُّلِ الْمُبْصَرَاتِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْحَالَ فِي تَخَيُّلِ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ الْمَسْمُوعَةِ كَذَلِكَ، فَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفَلَاسِفَةِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الَّذِي سَمَّيْتَهُ بِتَخَيُّلِ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ هَلْ هُوَ مُسَاوٍ
لِلْحَرْفِ وَالْكَلِمَةِ فِي الْمَاهِيَّةِ أَوْ لَا؟ فَإِنْ حَصَلَتِ الْمُسَاوَاةُ فَقَدْ عَادَ الْكَلَامُ إِلَى أَنَّ الْحَاصِلَ فِي الْخَيَالِ حَقَائِقُ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ، وَإِلَى أَنَّ الْحَاصِلَ فِي الْخَيَالِ عِنْدَ تَخَيُّلِ الْبَحْرِ وَالسَّمَاءِ حَقِيقَةُ الْبَحْرِ وَالسَّمَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ هُوَ الثَّانِيَ- وَهُوَ أَنَّ الْحَاصِلَ فِي الْخَيَالِ شَيْءٌ آخَرُ مُخَالِفٌ لِلْمُبْصَرَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ-/ فَحِينَئِذٍ يَعُودُ السُّؤَالُ وَهُوَ: أَنَّا كَيْفَ نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا صُوَرَ هَذِهِ الْمَرْئِيَّاتِ، وَكَيْفَ نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَالْعِبَارَاتِ وِجْدَانًا لَا نَشُكُّ أَنَّهَا حروف متوالية على العقل وألفاظ متعاقبة عل الذِّهْنِ، فَهَذَا مُنْتَهَى الْكَلَامِ فِي كَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ، أَمَّا الْجُمْهُورُ الْأَعْظَمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوا أَنَّ هَذِهِ الْخَوَاطِرَ الْمُتَوَالِيَةَ الْمُتَعَاقِبَةَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ حَقِيقَةً. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ قَالُوا: فَاعِلُ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ إِمَّا ذَلِكَ الْإِنْسَانُ أَوْ إِنْسَانٌ آخَرُ، وَإِمَّا شَيْءٌ آخَرُ رُوحَانِيٌّ مُبَايِنٌ يُمْكِنُهُ إِلْقَاءُ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ إِلَى هَذَا الْإِنْسَانِ، سَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ الْمُتَكَلِّمَ هُوَ الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ أَوِ الْمَلَكُ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: خَالِقُ تِلْكَ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى: أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ- وَهُوَ أَنَّ فَاعِلَ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ هُوَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ- فَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الَّذِي يَحْصُلُ بِاخْتِيَارِ الْإِنْسَانِ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى تَرْكِهِ، فَلَوْ كَانَ حُصُولُ هَذِهِ الْخَوَاطِرِ بِفِعْلِ الْإِنْسَانِ لَكَانَ الْإِنْسَانُ إِذَا أَرَادَ دَفْعَهَا أَوْ تَرْكَهَا لَقَدَرَ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا، فَإِنَّهُ سَوَاءٌ حَاوَلَ فِعْلَهَا أَوْ حَاوَلَ تَرْكَهَا فَتِلْكَ الْخَوَاطِرُ تَتَوَارَدُ عَلَى طَبْعِهِ وَتَتَعَاقَبُ عَلَى ذِهْنِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي- وَهُوَ أَنَّهَا حَصَلَتْ بِفِعْلِ إِنْسَانٍ آخَرَ- فَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، وَلَمَّا بَطَلَ هَذَانِ الْقِسْمَانِ بَقِيَ الثَّالِثُ- وَهِيَ أَنَّهَا مِنْ فِعْلِ الْجِنِّ أَوِ الْمَلَكِ أَوْ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى. أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ الْقَبَائِحَ فَاللَّائِقُ بِمَذْهَبِهِمْ أَنْ يَقُولُوا إِنَّ هَذِهِ الْخَوَاطِرَ الْخَبِيثَةَ لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَبَقِيَ أَنَّهَا مِنْ أَحَادِيثِ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّهُ لَا يُقْبَحُ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ فَلَيْسَ فِي مَذْهَبِهِمْ مَانِعٌ يَمْنَعُهُمْ مِنْ إِسْنَادِ هَذِهِ الْخَوَاطِرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الثَّنَوِيَّةَ يَقُولُونَ: لِلْعَالَمِ إِلَهَانِ: أَحَدُهُمَا: خَيْرٌ وَعَسْكَرُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَالثَّانِي: شِرِّيرٌ وَعَسْكَرُهُ الشَّيَاطِينُ، وَهُمَا يَتَنَازَعَانِ أَبَدًا كُلَّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْعَالَمِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَعَلُّقٌ بِهِ، وَالْخَوَاطِرُ الدَّاعِيَةُ إِلَى أَعْمَالِ الْخَيْرِ إِنَّمَا حَصَلَتْ مِنْ عَسَاكِرِ اللَّهِ، وَالْخَوَاطِرُ الدَّاعِيَةُ إِلَى أَعْمَالِ الشَّرِّ إِنَّمَا حَصَلَتْ مِنْ عَسَاكِرِ الشَّيْطَانِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِإِثْبَاتِ الْإِلَهَيْنِ قَوْلٌ بَاطِلٌ فَاسِدٌ، عَلَى مَا ثَبَتَ فَسَادُهُ بِالدَّلَائِلِ، فَهَذَا مُنْتَهَى الْقَوْلِ فِي هَذَا الْبَابِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مِنَ النَّاسِ مَنْ أَثْبَتَ لِهَذِهِ الشَّيَاطِينِ قُدْرَةً عَلَى الْإِحْيَاءِ، وَعَلَى الْإِمَاتَةِ وَعَلَى خَلْقِ الْأَجْسَامِ، وَعَلَى تَغْيِيرِ الْأَشْخَاصِ عَنْ صُورَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ وَخِلْقَتِهَا الْأَوَّلِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ هَذِهِ الْأَحْوَالَ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ. أَمَّا أَصْحَابُنَا فَقَدْ أَقَامُوا الدَّلَالَةَ عَلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْإِيجَادِ وَالتَّكْوِينِ وَالْإِحْدَاثِ لَيْسَتْ إِلَّا لِلَّهِ، فَبَطَلَتْ هَذِهِ الْمَذَاهِبُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَدْ سَلَّمُوا أَنَّ الْإِنْسَانَ قَادِرٌ عَلَى إِيجَادِ بَعْضِ الْحَوَادِثِ، فَلَا جَرَمَ صَارُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى بَيَانِ أَنَّ هَذِهِ الشَّيَاطِينَ لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى خَلْقِ الْأَجْسَامِ وَالْحَيَاةِ، وَدَلِيلُهُمْ أَنْ قَالُوا الشَّيْطَانُ جِسْمٌ، وَكُلُّ جِسْمٍ فَإِنَّهُ قَادِرٌ بِالْقُدْرَةِ، والقدرة لا تصلح لإيجاد الأجسام، فهذه المقدمات ثَلَاثٌ: الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: أَنَّ الشَّيْطَانَ جِسْمٌ، وَقَدْ بَنَوْا هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ عَلَى أَنَّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى إِمَّا مُتَحَيِّزٌ وَإِمَّا حَالٌّ فِي الْمُتَحَيِّزِ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي إِثْبَاتِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ شبهة
فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ. وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: - وَهِيَ قَوْلُهُمُ الْجِسْمُ إِنَّمَا يَكُونُ قَادِرًا بِالْقُدْرَةِ- فَقَدْ بَنَوْا هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَجْسَامَ مِمَّا تَسْتَلْزِمُ مُمَاثَلَةً، فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْهَا قَادِرًا لِذَاتِهِ لَكَانَ الْكُلُّ قَادِرًا لِذَاتِهِ، وَبِنَاءُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ عَلَى تَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ، وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ: - وَهِيَ قَوْلُهُمْ هَذِهِ الْقُدْرَةُ الَّتِي لَنَا لَا تَصْلُحُ لِخَلْقِ الْأَجْسَامِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَصْلُحَ الْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ لِخَلْقِ الْأَجْسَامِ- وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ لِمَ لَا يَجُوزُ حُصُولُ قُدْرَةٍ مُخَالِفَةٍ لِهَذِهِ الْقُدْرَةِ الْحَاصِلَةِ لَنَا وَتَكُونُ تِلْكَ الْقُدْرَةُ صَالِحَةٌ لِخَلْقِ الْأَجْسَامِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ الشَّيْءِ فِي الْحَالِ امْتِنَاعُ وُجُودِهِ، فَهَذَا إِتْمَامُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. هل يعلم الجن الغيب: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْجِنَّ هَلْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ؟ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَنَّهُمْ بَقُوا فِي قَيْدِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفِي حَبْسِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُدَّةً وَهُمْ مَا كَانُوا يَعْلَمُونَ مَوْتَهُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ فِيهِمْ مَنْ يَصْعَدُ إِلَى السموات أَوْ يَقْرُبُ مِنْهَا وَيُخْبِرُ بِبَعْضِ الْغُيُوبِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَهُمْ طُرُقٌ أُخْرَى فِي مَعْرِفَةِ الْغُيُوبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ فَتْحَ الْبَابِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظُّنُونَ وَالْحُسْبَانَاتِ والعالم بحقائقها هو الله تعالى. أسباب الاستعاذة وأنواعها: الرُّكْنُ الْخَامِسُ: مِنْ أَرْكَانِ مَبَاحِثِ الِاسْتِعَاذَةِ. الْمَطَالِبُ الَّتِي لِأَجْلِهَا يُسْتَعَاذُ. اعْلَمْ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَاجَاتِ الْعَبْدِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، فَلَا خَيْرَ مِنَ الْخَيْرَاتِ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى تَحْصِيلِهِ، وَلَا شَرَّ مِنَ الشُّرُورِ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى دَفْعِهِ وَإِبْطَالِهِ، فَقَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) يَتَنَاوَلُ دَفْعَ جَمِيعِ الشُّرُورِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالْجُسْمَانِيَّةِ، وَكُلُّهَا أُمُورٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَنَحْنُ نُنَبِّهُ عَلَى مَعَاقِدِهَا فَنَقُولُ: الشُّرُورُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادَاتِ الْحَاصِلَةِ فِي الْقُلُوبِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ بَابِ الْأَعْمَالِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْأَبْدَانِ، أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَقْسَامَ الْمَعْلُومَاتِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْتَقَدَ اعْتِقَادًا صَوَابًا صَحِيحًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُعْتَقَدَ اعْتِقَادًا فَاسِدًا خَطَأً، وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَذَاهِبُ فِرَقِ الضَّلَالِ فِي الْعَالَمِ، وَهِيَ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً مِنْ هَذِهِ الأمة، وسبعمائة وأكثر خَارِجٌ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَقَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) يَتَنَاوَلُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مِنْهَا مَا يُفِيدُ الْمَضَارَّ الدِّينِيَّةَ، وَمِنْهَا مَا يُفِيدُ الْمَضَارَّ الدُّنْيَوِيَّةَ، فَأَمَّا الْمَضَارُّ الدِّينِيَّةُ فَكُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فِي جَمِيعِ أَقْسَامِ التَّكَالِيفِ، وَضَبْطُهَا كَالْمُعْتَذِرِ، وَقَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) يَتَنَاوَلُ كُلَّهَا، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَضَارِّ الدُّنْيَوِيَّةِ فَهُوَ جَمِيعُ الْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ وَالْحَرْقِ وَالْغَرَقِ وَالْفَقْرِ وَالزَّمَانَةِ وَالْعَمَى، وَأَنْوَاعُهَا تَقْرُبُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ، فَقَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) يَتَنَاوَلُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) يتناول ثلاثة أقسام، وكل واحد منهما يَجْرِي مَجْرَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ أَوَّلُهَا: الْجَهْلُ، وَلَمَّا كَانَتْ أَقْسَامُ الْمَعْلُومَاتِ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ كانت أنواع الجهالات غير متناهية، فالعبد يستعذ بِاللَّهِ مِنْهَا، وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَذَاهِبُ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَأَهْلِ الْبِدْعَةِ عَلَى كَثْرَتِهَا، وَثَانِيهَا: الْفِسْقُ، وَلَمَّا كَانَتْ أَنْوَاعُ
الباب الثالث في اللطائف المستنبطة من قولنا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
التَّكَالِيفِ كَثِيرَةً جِدًّا وَكُتُبُ الْأَحْلَامِ مُحْتَوِيَةً عَلَيْهَا كَانَ قَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) مُتَنَاوِلًا لِكُلِّهَا، وَثَالِثُهَا: الْمَكْرُوهَاتُ وَالْآفَاتُ وَالْمَخَافَاتُ، وَلَمَّا كَانَتْ أَقْسَامُهَا وَأَنْوَاعُهَا غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ كَانَ قَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) مُتَنَاوِلًا لِكُلِّهَا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحِيطَ بِهَا فَلْيُطَالِعْ «كُتُبَ الطِّبِّ» حَتَّى يَعْرِفَ فِي ذَلِكَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ أَنْوَاعًا مِنَ الْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ، وَيَجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) فَإِنَّهُ يَسْتَحْضِرُ فِي ذِهْنِهِ هَذِهِ الْأَجْنَاسَ الثَّلَاثَةَ وَتَقْسِيمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ إِلَى أَنْوَاعِهَا وَأَنْوَاعِ أَنْوَاعِهَا، وَيُبَالِغُ فِي ذَلِكَ التَّقْسِيمِ وَالتَّفْصِيلِ. ثُمَّ إِذَا اسْتَحْضَرَ تِلْكَ الْأَنْوَاعَ الَّتِي لَا حَدَّ لَهَا وَلَا عَدَّ لَهَا فِي خَيَالِهِ ثُمَّ عَرَفَ أَنَّ قُدْرَةَ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ لَا تَفِي بِدَفْعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ عَلَى كَثْرَتِهَا فَحِينَئِذٍ يَحْمِلُهُ طَبْعُهُ وَعَقْلُهُ عَلَى أَنْ يَلْتَجِئَ إِلَى الْقَادِرِ عَلَى دَفْعِ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ مِنَ الْمَقْدُورَاتِ فَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ الْمَقْدُورَاتِ مِنْ جَمِيعِ أَقْسَامِ الْآفَاتِ وَالْمَخَافَاتِ) وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْمَبَاحِثِ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ الْهَادِي. الْبَابُ الثَّالِثُ فِي اللَّطَائِفِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ قَوْلِنَا أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ النُّكْتَةُ الْأُولَى: فِي قَوْلِهِ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) عُرُوجٌ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْخَالِقِ، وَمِنَ الْمُمْكِنِ إِلَى الْوَاجِبِ: وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ الْمُتَعَيِّنُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، لِأَنَّ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ/ إِلَّا بِأَنْ يُسْتَدَلَّ بِاحْتِيَاجِ الْخَلْقِ عَلَى وُجُودِ الْحَقِّ الْغَنِيِّ الْقَادِرِ، فَقَوْلُهُ: (أَعُوذُ) إِشَارَةٌ إِلَى الْحَاجَةِ التَّامَّةِ، فَإِنَّهُ لَوْلَا الِاحْتِيَاجُ لَمَا كَانَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ فَائِدَةٌ، وَقَوْلُهُ: (بِاللَّهِ) إِشَارَةٌ إِلَى الْغِنَى التَّامِّ لِلْحَقِّ، فَقَوْلُ الْعَبْدِ (أَعُوذُ) إِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، وَقَوْلُهُ: (بِاللَّهِ) إِقْرَارٌ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِأَنَّ الْحَقَّ قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِ كُلِّ الْخَيْرَاتِ وَدَفْعِ كُلِّ الْآفَاتِ، وَالثَّانِي: أَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا دَافِعَ لِلْحَاجَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا مُعْطِيَ لِلْخَيْرَاتِ إِلَّا هُوَ، فَعِنْدَ مُشَاهَدَةِ هَذِهِ الْحَالَةِ يَفِرُّ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى الْحَقِّ فَيُشَاهِدُ فِي هَذَا الْفِرَارِ سِرَّ قَوْلِهِ: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذَّارِيَاتِ: 50] وَهَذِهِ الْحَالَةُ تَحْصُلُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (أَعُوذُ) ثُمَّ إِذَا وَصَلَ إِلَى غَيْبَةِ الْحَقِّ وَصَارَ غَرِيقًا فِي نُورِ جَلَالِ الْحَقِّ شَاهَدَ قَوْلَهُ: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [الأنعام: 91] فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) . النُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) اعْتِرَافٌ بِعَجْزِ النَّفْسِ وَبِقُدْرَةِ الرَّبِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا وَسِيلَةَ إِلَى الْقُرْبِ مِنْ حَضْرَةِ اللَّهِ إِلَّا بِالْعَجْزِ وَالِانْكِسَارِ، ثُمَّ مِنَ الْكَلِمَاتِ النَّبَوِيَّةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» وَالْمَعْنَى مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالضَّعْفِ وَالْقُصُورِ عَرَفَ رَبَّهُ بِأَنَّهُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ مَقْدُورٍ، وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالْجَهْلِ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْفَضْلِ وَالْعَدْلِ، وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِاخْتِلَالِ الْحَالِ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْكَمَالِ وَالْجَلَالِ. النُّكْتَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الطَّاعَاتِ لَا يَتَيَسَّرُ إِلَّا بَعْدَ الْفِرَارِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ هُوَ الِاسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَةِ، فَإِنْ كَانَ الْإِقْدَامُ عَلَى الطَّاعَةِ يُوجِبُ تَقْدِيمَ الِاسْتِعَاذَةِ عَلَيْهَا افْتَقَرَتِ الِاسْتِعَاذَةُ إِلَى تَقْدِيمِ اسْتِعَاذَةٍ أُخْرَى وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وَإِنْ كَانَ الْإِقْدَامُ عَلَى الطَّاعَةِ لَا يُحْوِجُ إِلَى تَقْدِيمِ الِاسْتِعَاذَةِ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ فِي الِاسْتِعَاذَةِ فَائِدَةٌ فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: الْإِقْدَامُ عَلَى الطَّاعَةِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَقْدِيمِ الِاسْتِعَاذَةِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ
يُوجِبُ الْإِتْيَانَ بِمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَذَلِكَ لَيْسَ فِي وُسْعِكَ، إِلَّا أَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْحَالَةَ فَقَدْ شَاهَدْتَ عَجْزَكَ وَاعْتَرَفْتَ بِقُصُورِكَ فَأَنَا أُعِينُكَ عَلَى الطَّاعَةِ وَأُعَلِّمُكَ كَيْفِيَّةَ الْخَوْضِ فِيهَا فَقُلْ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) . النُّكْتَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ سِرَّ الِاسْتِعَاذَةِ هُوَ الِالْتِجَاءُ إِلَى قَادِرٍ يَدْفَعُ الْآفَاتِ عَنْكَ، ثُمَّ إِنَّ أَجَلَّ الْأُمُورِ الَّتِي يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَسْوَسَتَهُ فِيهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَنَوَى بِهِ عِبَادَةَ الرَّحْمَنِ وَتَفَكَّرَ فِي وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَآيَاتِهِ وَبَيِّنَاتِهِ ازْدَادَتْ رَغْبَتُهُ فِي الطَّاعَاتِ وَرَهْبَتُهُ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ صَارَتْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ سَعْيُ الشَّيْطَانِ فِي الصَّدِّ عَنْهُ أَبْلَغَ، وَكَانَ احْتِيَاجُ الْعَبْدِ إِلَى مَنْ يَصُونُهُ عَنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ أَشَدَّ، فَلِهَذِهِ الْحِكْمَةِ اخْتُصَّتْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالِاسْتِعَاذَةِ. النُّكْتَةُ الْخَامِسَةُ: الشَّيْطَانُ عَدُوُّ الْإِنْسَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فَاطِرٍ: 6] وَالرَّحْمَنُ مَوْلَى الْإِنْسَانِ وَخَالِقُهُ وَمُصْلِحُ مُهِمَّاتِهِ ثُمَّ إِنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ خَافَ الْعَدُوَّ فَاجْتَهَدَ فِي أَنْ يَتَحَرَّى مَرْضَاةَ مَالِكِهِ لِيُخَلِّصَهُ مِنْ زَحْمَةِ ذَلِكَ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا وَصَلَ الْحَضْرَةَ وَشَاهَدَ أَنْوَاعَ الْبَهْجَةِ وَالْكَرَامَةِ نَسِيَ الْعَدُوَّ وَأَقْبَلَ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى خِدْمَةِ الْحَبِيبِ، فَالْمَقَامُ الْأَوَّلُ: هُوَ الْفِرَارُ وَهُوَ قَوْلُهُ: (أَعُوذُ بالله من الشيطان الرجيم) والمقام الثاني: وهو الِاسْتِقْرَارُ فِي حَضْرَةِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ فَهُوَ قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . النُّكْتَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ تَعَالَى: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الْوَاقِعَةِ: 79] فَالْقَلْبُ لَمَّا تَعَلَّقَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَاللِّسَانُ لَمَّا جَرَى بِذِكْرِ غَيْرِ اللَّهِ حَصَلَ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ اللَّوْثِ، فَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِعْمَالِ الطَّهُورِ، فَلَمَّا قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ حَصَلَ الطُّهُورُ، فَعِنْدَ ذلك يستعد للصلاة الحقيقة وَهِيَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ. النُّكْتَةُ السَّابِعَةُ: قَالَ أَرْبَابُ الْإِشَارَاتِ: لَكَ عَدُوَّانِ أَحَدُهُمَا ظَاهِرٌ وَالْآخَرُ بَاطِنٌ، وَأَنْتَ مَأْمُورٌ بِمُحَارَبَتِهِمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْعَدُوِّ الظَّاهِرِ: قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التَّوْبَةِ: 29] وَقَالَ فِي الْعَدُوِّ الْبَاطِنِ: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فَاطِرٍ: 6] فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِذَا حَارَبْتَ عَدُوَّكَ الظَّاهِرَ كَانَ مَدَدُكَ الْمَلَكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 125] وَإِذَا حَارَبْتَ عَدُوَّكَ الْبَاطِنَ كَانَ مَدَدُكَ الْمَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: 42] وَأَيْضًا فَمُحَارَبَةُ الْعَدُوِّ الْبَاطِنِ أَوْلَى مِنْ مُحَارَبَةِ الْعَدُوِّ الظَّاهِرِ، لِأَنَّ الْعَدُوَّ الظَّاهِرَ إِنْ وَجَدَ فُرْصَةً فَفِي مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَالْعَدُوَّ الْبَاطِنَ إِنْ وَجَدَ فُرْصَةً فَفِي الدِّينِ وَالْيَقِينِ، وَأَيْضًا فَالْعَدُوُّ الظَّاهِرُ إِنْ غَلَبَنَا كُنَّا مَأْجُورِينَ، وَالْعَدُوُّ الْبَاطِنُ إِنْ غَلَبَنَا كُنَّا مَفْتُونِينَ، وَأَيْضًا فَمَنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ الظَّاهِرُ كَانَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ الْبَاطِنُ كَانَ طَرِيدًا، فَكَانَ الِاحْتِرَازُ عَنْ شَرِّ الْعَدُوِّ الْبَاطِنِ أَوْلَى، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) . النُّكْتَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ أَشْرَفُ الْبِقَاعِ، فَلَا تَجِدُ دِيَارًا طَيِّبَةً وَلَا بَسَاتِينَ عَامِرَةً وَلَا رِيَاضًا نَاضِرَةً إِلَّا وَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ أَشْرَفُ مِنْهَا، بَلْ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ كَالْمِرْآةِ فِي الصَّفَاءِ، بَلْ فَوْقَ الْمِرْآةِ، لِأَنَّ الْمِرْآةَ إِنْ عَرَضَ عَلَيْهَا حِجَابٌ لَمْ يُرَ فيها شيء وقلب المؤمن لا يحجبه السموات السَّبْعُ وَالْكُرْسِيُّ وَالْعَرْشُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فَاطِرٍ: 10] بَلِ الْقَلْبُ مَعَ جَمِيعِ هَذِهِ الْحُجُبِ يُطَالِعُ جَلَالَ الرُّبُوبِيَّةِ وَيُحِيطُ عِلْمًا بِالصِّفَاتِ الصَّمَدِيَّةِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ أَشْرَفُ الْبِقَاعِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُ صَارَ مَكَانَ عَبْدٍ صَالِحٍ مَيِّتٍ، فَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ/ سَرِيرًا لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ
وَعَرْشًا لِإِلَهِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَلْبُ أَشْرَفَ الْبِقَاعِ، الثَّانِي: كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا عَبْدِي قَلْبُكَ بُسْتَانِي وَجَنَّتِي بُسْتَانُكَ فَلَمَّا لَمْ تَبْخَلْ عَلَيَّ بِبُسْتَانِكَ بَلْ أَنْزَلْتَ مَعْرِفَتِي فِيهِ فَكَيْفَ أَبْخَلُ بِبُسْتَانِي عَلَيْكَ وَكَيْفَ أَمْنَعُكَ مِنْهُ؟ الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى كَيْفِيَّةَ نُزُولِ الْعَبْدِ فِي بُسْتَانِ الْجَنَّةِ فَقَالَ: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [الْقَمَرِ: 55] وَلَمْ يَقُلْ عِنْدَ الْمَلِيكِ فَقَطْ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَكُونُ مَلِيكًا مُقْتَدِرًا وَعَبِيدِي يَكُونُونَ مُلُوكًا، إِلَّا أَنَّهُمْ يَكُونُونَ تَحْتَ قُدْرَتِي، إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: يَا عَبْدِي، إِنِّي جَعَلْتُ جَنَّتِي لَكَ، وَأَنْتَ جَعَلْتَ جَنَّتَكَ لِي، لَكِنَّكَ مَا أَنْصَفْتَنِي، فَهَلْ رَأَيْتَ جَنَّتِي الْآنَ وَهَلْ دَخَلْتَهَا؟ فَيَقُولُ الْعَبْدُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ تَعَالَى: وَهَلْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ؟ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّكَ بَعْدَ مَا دَخَلْتَ جَنَّتِي، وَلَكِنْ لَمَّا قَرُبَ دُخُولُكَ أَخْرَجْتُ الشَّيْطَانَ مِنْ جَنَّتِي لِأَجْلِ نُزُولِكَ، وَقُلْتُ لَهُ اخْرُجْ منها مذؤما مَدْحُورًا، فَأَخْرَجْتُ عَدُوَّكَ قَبْلَ نُزُولِكَ، وَأَمَّا أَنْتَ فَبَعْدَ نُزُولِي فِي بُسْتَانِكَ سَبْعِينَ سَنَةً كَيْفَ يَلِيقُ بِكَ أَنْ لَا تُخْرِجَ عَدُوِّي وَلَا تَطْرُدَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُجِيبُ الْعَبْدُ وَيَقُولُ: إِلَهِي أَنْتَ قَادِرٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ جَنَّتِكَ وَأَمَّا أَنَا فَعَاجِزٌ ضَعِيفٌ وَلَا أَقْدِرُ عَلَى إِخْرَاجِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْعَاجِزُ إِذَا دَخَلَ فِي حِمَايَةِ الْمَلِكِ الْقَاهِرِ صَارَ قَوِيًّا فَادْخُلْ فِي حِمَايَتِي حَتَّى تَقْدِرَ عَلَى إِخْرَاجِ الْعَدُوِّ مِنْ جَنَّةِ قَلْبِكَ، فَقُلْ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) . فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ بُسْتَانَ اللَّهِ فَلِمَاذَا لَا يَخْرُجُ الشَّيْطَانُ مِنْهُ؟ (قُلْنَا) قَالَ أَهْلُ الْإِشَارَةِ: كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ: أَنْتَ الَّذِي أَنْزَلْتَ سُلْطَانَ الْمَعْرِفَةِ فِي حُجْرَةِ قَلْبِكَ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْزِلَ سُلْطَانًا فِي حُجْرَةِ نَفْسِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْنُسَ تِلْكَ الْحُجْرَةَ وَأَنْ يُنَظِّفَهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ تِلْكَ الْأَعْمَالُ، فَنَظِّفْ أَنْتَ حُجْرَةَ قَلْبِكَ مِنْ لَوْثِ الْوَسْوَسَةِ فَقُلْ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) . النُّكْتَةُ التَّاسِعَةُ: كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ يَا عَبْدِي، مَا أَنْصَفْتَنِي أَتَدْرِي لِأَيِّ شَيْءٍ تَكَدَّرَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ، إِنَّهُ كَانَ يَعْبُدُنِي مِثْلَ عِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَكَانَ فِي الظَّاهِرِ مُقِرًّا بِإِلَهِيَّتِي وَإِنَّمَا تَكَدَّرَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ لِأَنِّي أَمَرْتُهُ بِالسُّجُودِ لِأَبِيكَ آدَمَ فَامْتَنَعَ، فَلَمَّا تَكَبَّرَ نَفَيْتُهُ عَنْ خِدْمَتِي، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَا عَادَى أَبَاكَ، إِنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ خِدْمَتِي، ثُمَّ إِنَّهُ يُعَادِيكَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً وَأَنْتَ تُحِبُّهُ، وَهُوَ يُخَالِفُكَ فِي كُلِّ الْخَيْرَاتِ وَأَنْتَ تُوَافِقُهُ فِي كُلِّ الْمُرَادَاتِ، فَاتْرُكْ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الْمَذْمُومَةَ وَأَظْهِرْ عَدَاوَتَهُ فَقُلْ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) . النُّكْتَةُ الْعَاشِرَةُ: أَمَّا إِنْ نَظَرْتَ إِلَى قِصَّةِ أَبِيكَ فَإِنَّهُ أَقْسَمَ بِأَنَّهُ لَهُ مِنَ النَّاصِحِينَ، ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ ذَلِكَ الْأَمْرِ أَنَّهُ سَعَى فِي إِخْرَاجِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَمَّا فِي حَقِّكَ فَإِنَّهُ أَقْسَمَ بِأَنَّهُ يُضِلُّكَ وَيُغْوِيكَ فَقَالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: 82، 83] فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ مُعَامَلَتَهُ مَعَ مَنْ أَقْسَمَ أَنَّهُ نَاصِحُهُ فَكَيْفَ تَكُونُ مُعَامَلَتُهُ مَعَ مَنْ أَقْسَمَ أَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيُغْوِيهِ. النُّكْتَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِنَّمَا قَالَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمًا آخَرَ، بَلْ ذَكَرَ قَوْلَهُ (اللَّهَ) لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ أَبْلَغُ فِي كَوْنِهِ زَاجِرًا عَنِ الْمَعَاصِي مِنْ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِأَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلِيمًا حَكِيمًا فَقَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) جَارٍ مَجْرَى أَنْ يَقُولَ أَعُوذُ بِالْقَادِرِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ هِيَ النِّهَايَةُ فِي الزَّجْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّارِقَ يَعْلَمُ قُدْرَةَ السُّلْطَانِ وَقَدْ يَسْرِقُ مَالَهُ، لِأَنَّ السَّارِقَ عَالِمٌ بِأَنَّ ذَلِكَ السُّلْطَانَ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ، فَالْقُدْرَةُ وَحْدَهَا غَيْرُ كَافِيَةٍ فِي الزَّجْرِ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنَ الْعِلْمِ، وَأَيْضًا فَالْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ لَا يَكْفِيَانِ فِي حُصُولِ الزَّجْرِ، لِأَنَّ الْمَلِكَ إِذَا رَأَى مُنْكَرًا إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ لَمْ يَكُنْ حضوره مانعا
مِنْهُ، أَمَّا إِذَا حَصَلَتِ الْقُدْرَةُ وَحَصَلَ الْعِلْمُ وَحَصَلَتِ الْحِكْمَةُ الْمَانِعَةُ مِنَ الْقَبَائِحِ فَهَهُنَا يَحْصُلُ الزَّجْرُ الْكَامِلُ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ (أَعُوذُ بِاللَّهِ) فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَعُوذُ بِالْقَادِرِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ الَّذِي لَا يَرْضَى بِشَيْءٍ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ فَلَا جَرَمَ يَحْصُلُ الزَّجْرُ التَّامُّ. النُّكْتَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: لَمَّا قَالَ الْعَبْدُ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِأَنْ يُجَاوِرَ الشَّيْطَانَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ عَاصٍ، وَعِصْيَانُهُ لَا يَضُرُّ هَذَا الْمُسْلِمَ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَرْضَى بِجِوَارِ الْعَاصِي فَبِأَنْ لَا يَرْضَى بِجِوَارِ عَيْنِ الْمَعْصِيَةِ أَوْلَى. النُّكْتَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الشَّيْطَانُ اسْمٌ، وَالرَّجِيمُ صِفَةٌ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الِاسْمِ بَلْ ذَكَرَ الصِّفَةَ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ إِنَّ هَذَا الشَّيْطَانَ بَقِيَ فِي الْخِدْمَةِ أُلُوفًا مِنَ السِّنِينَ فَهَلْ سَمِعْتَ أَنَّهُ ضَرَّنَا أَوْ فَعَلَ مَا يَسُوءُنَا؟ ثُمَّ إِنَّا مَعَ ذَلِكَ رَجَمْنَاهُ حَتَّى طَرَدْنَاهُ، وَأَمَّا أَنْتَ فَلَوْ جَلَسَ هَذَا الشَّيْطَانُ مَعَكَ لَحْظَةً وَاحِدَةً لَأَلْقَاكَ فِي النَّارِ الْخَالِدَةِ فَكَيْفَ لَا تَشْتَغِلُ بِطَرْدِهِ وَلَعْنِهِ فَقُلْ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) . النُّكْتَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: «أَعُوذُ بِالْمَلَائِكَةِ» مَعَ أَنَّ أَدْوَنَ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَكْفِي فِي دَفْعِ الشَّيْطَانِ؟ فَمَا السَّبَبُ فِي أَنَّ جَعْلَ ذِكْرِ هَذَا الْكَلْبِ فِي مُقَابَلَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَجَوَابُهُ كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: عَبْدِي إِنَّهُ يَرَاكَ وَأَنْتَ لَا تَرَاهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ [الْأَعْرَافِ: 27] وإنما نفذ كيده فيكم لِأَنَّهُ يَرَاكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَرَوْنَهُ، / فَتَمَسَّكُوا بِمَنْ يَرَى الشَّيْطَانَ وَلَا يَرَاهُ الشَّيْطَانُ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقُولُوا: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. النُّكْتَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أُدْخِلَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الشَّيْطَانِ لِيَكُونَ تَعْرِيفًا لِلْجِنْسِ، لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ كَثِيرَةٌ مَرْئِيَّةٌ وَغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، بَلِ الْمَرْئِيُّ رُبَّمَا كَانَ أَشَدَّ، حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُذَكِّرِينَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَجْلِسِهِ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ فَإِنَّهُ يَأْتِيهِ سَبْعُونَ شَيْطَانًا فَيَتَعَلَّقُونَ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَلْبِهِ وَيَمْنَعُونَهُ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ بَعْضُ الْقَوْمِ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي أُقَاتِلُ هَؤُلَاءِ السَّبْعِينَ، وَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَأَتَى الْمَنْزِلَ وَمَلَأَ ذَيْلَهُ مِنَ الْحِنْطَةِ وَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ وَيَتَصَدَّقَ بِهِ فَوَثَبَتْ زَوْجَتُهُ وَجَعَلَتْ تُنَازِعُهُ وَتُحَارِبُهُ حَتَّى أَخْرَجَتْ ذَلِكَ مِنْ ذَيْلِهِ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ خَائِبًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ الْمُذَكِّرُ: مَاذَا عَمِلْتَ؟ فَقَالَ: هَزَمْتُ السَّبْعِينَ فَجَاءَتْ أُمُّهُمْ فَهَزَمَتْنِي، وَأَمَّا إِنْ جَعَلْنَا الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْعَهْدِ فَهُوَ أَيْضًا جَائِزٌ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَعَاصِي بِرِضَى هَذَا الشَّيْطَانِ، وَالرَّاضِي يَجْرِي مَجْرَى الْفَاعِلِ لَهُ، وَإِذَا اسْتَبْعَدْتَ ذَلِكَ فَاعْرِفْهُ بِالْمَسْأَلَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لِلْمُقْتَدِي مِنْ حَيْثُ رَضِيَ بِهَا وَسَكَتَ خَلْفَهُ. النُّكْتَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الشَّيْطَانُ مَأْخُوذٌ مِنْ «شَطَنَ» إِذَا بَعُدَ فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ بَعِيدًا، وَأَمَّا الْمُطِيعُ فَقَرِيبٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [الْعَلَقِ: 19] وَاللَّهُ قَرِيبٌ مِنْكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [الْبَقَرَةِ: 186] وَأَمَّا الرَّجِيمُ فَهُوَ الْمَرْجُومُ بِمَعْنَى كَوْنِهِ مَرْمِيًّا بِسَهْمِ اللَّعْنِ وَالشَّقَاوَةِ وَأَمَّا أَنْتَ فَمَوْصُولٌ بِحَبْلِ السَّعَادَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [الْفَتْحِ: 26] فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ الشَّيْطَانَ بَعِيدًا مَرْجُومًا، وَجَعَلَكَ قَرِيبًا مَوْصُولًا، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ الشَّيْطَانَ الَّذِي هُوَ بَعِيدٌ قَرِيبًا لأنه تعالى قال: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فَاطِرٍ: 43] فَاعْرِفْ أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَكَ قَرِيبًا فَإِنَّهُ لَا يَطْرُدُكَ وَلَا يُبْعِدُكَ عَنْ فضله ورحمته.
الباب السابع في المسائل الملتحقة بقوله: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)
النُّكْتَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: إِنَّهُ لَا بُدَّ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ مِنَ التَّعَوُّذِ، وَأَمَّا سَائِرُ الطَّاعَاتِ فَإِنَّهُ لَا يُتَعَوَّذُ فِيهَا، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ يُنَجَّسُ لِسَانُهُ بِالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَبْدَ بِالتَّعَوُّذِ لِيَصِيرَ لِسَانُهُ طَاهِرًا فَيَقْرَأُ بِلِسَانٍ طَاهِرٍ كَلَامًا أُنْزِلَ مِنْ رَبٍّ طَيِّبٍ طَاهِرٍ. النُّكْتَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّهُ شَيْطَانٌ رَجِيمٌ، وَأَنَا رَحْمَنٌ رَحِيمٌ، فَابْعُدْ عَنِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ لِتَصِلَ إِلَى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. النُّكْتَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: الشَّيْطَانُ عَدُوُّكَ، وَأَنْتَ عَنْهُ غَافِلٌ غَائِبٌ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ يَراكُمْ/ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ [الْأَعْرَافِ: 27] . فَعَلَى هَذَا لَكَ عَدُوٌّ غَائِبٌ وَلَكَ حَبِيبٌ غَالِبٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ [يُوسُفَ: 21] فَإِذَا قَصَدَكَ الْعَدُوُّ الْغَائِبُ فَافْزَعْ إِلَى الْحَبِيبِ الْغَالِبِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وتعالى أعلم بمراده. الباب السابع فِي الْمَسَائِلِ الْمُلْتَحِقَةِ بِقَوْلِهِ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ» وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ: (بِاللَّهِ أَعُوذُ) فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَا يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَالثَّانِي: يُفِيدُهُ، فَلِمَ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي مَعَ أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الثَّانِيَ أَكْمَلُ وَأَيْضًا جَاءَ قَوْلُهُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» وَجَاءَ قَوْلُهُ: «لِلَّهِ الْحَمْدُ» وَأَمَّا هُنَا فَقَدْ جَاءَ «أَعُوذُ بِاللَّهِ» وَمَا جَاءَ قَوْلُهُ «بِاللَّهِ أَعُوذُ» فَمَا الْفَرْقُ؟. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) لَفْظُهُ الْخَبَرُ وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ، وَالتَّقْدِيرُ: اللَّهُمَّ أَعِذْنِي. أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [آلِ عِمْرَانَ: 36] كَقَوْلِهِ: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» أَيِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ إِخْبَارٌ عَنْ فِعْلِهِ، وَهَذَا الْقَدْرُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إِنَّمَا الْفَائِدَةُ فِي أَنْ يُعِيذَهُ اللَّهُ، فَمَا السَّبَبُ فِي أَنَّهُ قَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ» وَلَمْ يَقُلْ أَعِذْنِي؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ بَيْنَ الرَّبِّ وَبَيْنَ الْعَبْدِ عَهْدًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [النَّحْلِ: 91] وَقَالَ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [الْبَقَرَةِ: 40] فَكَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ أَنَا مَعَ لُؤْمِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَنَقْصِ الْبَشَرِيَّةِ وَفَّيْتُ بِعَهْدِ عُبُودِيَّتِي حَيْثُ قُلْتُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ» فَأَنْتَ مَعَ نِهَايَةِ الْكَرَمِ وَغَايَةِ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ أَوْلَى بِأَنْ تَفِيَ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ فَتَقُولُ: إِنِّي أُعِيذُكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. الْمَسْأَلَةُ ج: أَعُوذُ فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وَهُوَ يَصْلُحُ لِلْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، فَهَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا؟ وَالْحَقُّ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ مَجَازٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِهِ بِحَرْفِ السِّينِ وَسَوْفَ. (د) لِمَ وَقَعَ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْمَاضِي؟. (هـ) كَيْفَ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ الْمُضَارِعِ وَبَيْنَ الِاسْمِ. (و) كَيْفَ الْعَامِلُ فِيهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَعْمُولٌ فَمَا هُوَ. (ز) قَوْلُهُ: (أَعُوذُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ مُسْتَعِيذٌ فِي الْحَالِ وَفِي كُلِّ الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ الْكَمَالُ، فَهَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةَ بَاقِيَةٌ في الجنة.
(ح) قَوْلُهُ: (أَعُوذُ) حِكَايَةٌ عَنِ النَّفْسِ، وَلَا بد من الأربعة المذكورة في قوله: (أتين) . / أَمَّا الْمَبَاحِثُ الْعَقْلِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ فَهِيَ كَثِيرَةٌ (أ) الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: «بِاللَّهِ» بَاءُ الْإِلْصَاقِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: - الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْبَصْرِيُّونَ يُسَمُّونَهُ بَاءَ الْإِلْصَاقِ، وَالْكُوفِيُّونَ يُسَمُّونَهُ بَاءَ الْآلَةِ، وَيُسَمِّيهِ قَوْمٌ بَاءَ التَّضْمِينِ، وَاعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ الْكَلَامِ أَنَّ هَذِهِ الْبَاءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ لَا مَحَالَةَ، وَالْفَائِدَةُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِلْصَاقُ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِنَفْسِهِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ الشَّيْءِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ، هَذَا الْبَاءُ فَهُوَ باء الإلصاق لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْإِلْصَاقِ، وَبَاءُ الْآلَةِ لِكَوْنِهِ دَاخِلًا عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ آلَةٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إِضْمَارِ فِعْلٍ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ: «بِالْقَلَمِ» لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَلَامًا مُفِيدًا، بَلْ لَا بُدَّ وَأَنْ تَقُولَ: «كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ» وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: «بِاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ» وَمَعْنَاهُ أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ، فَحَذَفَ أحلف لدلالة الكلام عليه، فكذا هاهنا، وَيَقُولُ الرَّجُلُ لِمَنْ يَسْتَأْذِنُهُ فِي سَفَرِهِ: عَلَى اسْمِ اللَّهِ أَيْ سِرْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِضْمَارِ فَنَقُولُ: الْحَذْفُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَفْصَحُ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ الْمُضْمَرِ لَاخْتَصَّ قَوْلُهُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ» بِذَلِكَ الْحُكْمِ الْمُعَيَّنِ أَمَّا عِنْدَ الْحَذْفِ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ الْوَهْمُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وَيَقَعُ فِي الْخَاطِرِ أَنَّ جَمِيعَ الْمُهِمَّاتِ، لَا تَتِمُّ إِلَّا بِوَاسِطَةِ الِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ، وَإِلَّا عِنْدَ الِابْتِدَاءِ بِاسْمِ اللَّهِ، وَنَظِيرُهُ أنه قال: «الله أكبر» ولم يقل أنه أَكْبَرُ مِنَ الشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ لِأَجْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِفَادَةِ الْعُمُومِ فَكَذَا هُنَا. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ سِيبَوَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْبَاءِ عَمَلٌ إِلَّا الْكَسْرُ فَكُسِرَتْ لِهَذَا السَّبَبِ، فَإِنْ قِيلَ: كَافُ التَّشْبِيهِ لَيْسَ لَهَا عَمَلٌ إِلَّا الْكَسْرُ ثُمَّ إِنَّهَا لَيْسَتْ مَكْسُورَةً بَلْ مَفْتُوحَةً، قُلْنَا: كَافُ التَّشْبِيهِ قَائِمٌ مَقَامَ الِاسْمِ، وَهُوَ فِي الْعَمَلِ ضَعِيفٌ، أَمَّا الْحَرْفُ فَلَا وُجُودَ لَهُ إِلَّا بِحَسَبِ هَذَا الْأَثَرِ، فَكَانَ فِيهِ كَلَامًا قَوِيًّا. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْبَاءُ قَدْ تَكُونُ أَصْلِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [الْأَحْقَافِ: 9] وَقَدْ تَكُونُ زَائِدَةً وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لِلْإِلْصَاقِ وَهِيَ كَقَوْلِهِ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) وَقَوْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَثَانِيهَا: لِلتَّبْعِيضِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَثَالِثُهَا: لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فُصِّلَتْ: 46] وَرَابِعُهَا: لِلتَّعْدِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [الْبَقَرَةِ: 17] أَيْ أَذْهَبَ نُورَهُمْ، وَخَامِسُهَا: الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي قَالَ: حَلَّ بِأَعْدَائِكَ مَا حَلَّ بِي أَيْ: حَلَّ فِي أَعْدَائِكَ، وَأَمَّا بَاءُ الْقَسَمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «بِاللَّهِ» فَهُوَ مِنْ جِنْسِ بَاءِ الْإِلْصَاقِ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَاءُ فِي قوله: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [آل عمران: 6] زائدة والتقدير: وامسحوا رؤسكم، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّهَا تُفِيدُ التبعيض، حجة الشافي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ أَنَّ هَذِهِ الْبَاءَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ لَغْوًا أَوْ مُفِيدًا، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِأَنَّ كَلَامَ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ لَغْوٌ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْكَلَامِ إِظْهَارُ الْفَائِدَةِ فَحَمْلُهُ عَلَى اللَّغْوِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ يُفِيدُ فَائِدَةً زَائِدَةً، وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ قَالَ: إِنَّ تِلْكَ الْفَائِدَةَ هِيَ التَّبْعِيضُ، الثَّانِي: أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: «مَسَحْتُ بِيَدَيَّ
الْمِنْدِيلَ» وَبَيْنَ قَوْلِهِ: «مَسَحْتُ يَدَيَّ بِالْمِنْدِيلِ» يَكْفِي فِي صِحَّةِ صِدْقِهِ مَا إِذَا مَسَحَ يَدَهُ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمِنْدِيلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ اللُّغَةِ قَالَ: الْبَاءُ قَدْ تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ، لَكِنَّ رِوَايَةَ الْإِثْبَاتِ رَاجِحَةٌ فَثَبَتَ أَنَّ الْبَاءَ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، وَمِقْدَارُ ذَلِكَ الْبَعْضِ غَيْرُ مَذْكُورٍ فَوَجَبَ أَنْ تُفِيدَ أَيَّ مِقْدَارٍ يُسَمَّى بَعْضًا، فَوَجَبَ الِاكْتِفَاءُ بِمَسْحِ أَقَلِّ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَالْإِشْكَالُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [النِّسَاءِ: 43] فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَسْحُ أَقَلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَجْهِ وَالْيَدِ كَافِيًا فِي التَّيَمُّمِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْإِتْمَامِ، وَلَهُ أَنْ يُجِيبَ فَيَقُولَ: مُقْتَضَى هَذَا النَّصِّ الِاكْتِفَاءُ فِي التَّيَمُّمِ بِأَقَلِّ جُزْءٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ إِلَّا أَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ لَيْسَتْ نَسْخًا فَأَوْجَبْنَا الْإِتْمَامَ لِسَائِرِ الدَّلَائِلِ، وَفِي مَسْحِ الرَّأْسِ لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِتْمَامِ فَاكْتَفَيْنَا بِالْقَدْرِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا النَّصِّ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فَرَّعَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى بَاءِ الْإِلْصَاقِ مَسَائِلَ: إِحْدَاهَا: قَالَ مُحَمَّدٌ فِي «الزِّيَادَاتِ» : إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَوْ قَالَ: لِمَشِيئَةِ اللَّهِ يَقَعُ، لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ التَّعْلِيلِ، وَكَذَلِكَ أَنْتِ طَالِقٌ بِإِرَادَةِ اللَّهِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلَوْ قَالَ لِإِرَادَةِ اللَّهِ يَقَعُ، أَمَّا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِعِلْمِ اللَّهِ أَوْ لِعِلْمِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْفَرْقِ، وَثَانِيهَا: قَالَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ خَرَجْتِ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إِلَّا بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إِلَى إِذْنِهِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا أَنْ آذَنَ لَكِ فَأَذِنَ لَهَا مَرَّةً كَفَى، وَلَا بُدَّ مِنَ الْفَرْقِ، وَثَالِثُهَا: لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً وَقَعَتْ بِثُلُثِ الْأَلْفِ وَذَلِكَ أَنَّ الْبَاءَ هاهنا تَدُلُّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ فَيُوَزَّعُ الْبَدَلُ عَلَى الْمُبْدَلِ، فصار بإزاء من طَلْقَةٍ ثُلُثُ الْأَلْفِ، وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ لَفْظَةَ «عَلَى» كَلِمَةُ شَرْطٍ وَلَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ وَعِنْدَ صاحبيه تقع واحدة بثلث الألف. قلت: وهاهنا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَاءِ. (أ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الثَّمَنُ إِنَّمَا يَتَمَيَّزُ عَنِ الْمُثَمَّنِ بِدُخُولِ حَرْفِ الْبَاءِ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَالَ: بِعْتُ كَذَا بِكَذَا، فَالَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ الْبَاءُ هُوَ الثَّمَنُ فَقَطْ، وَعَلَى هَذَا الْفَرْقِ بَنَى مَسْأَلَةَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا قَالَ: بِعْتُ هَذَا الْكِرْبَاسَ بِمَنٍّ مِنَ الْخَمْرِ صَحَّ الْبَيْعُ وَانْعَقَدَ فَاسِدًا، وَإِذَا قَالَ بِعْتُ هَذَا الْخَمْرَ بِهَذَا الْكِرْبَاسِ لَمْ يَصِحَّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى: الْخَمْرَ ثَمَنٌ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ: الْخَمْرَ مثمن، وجعل الخمر ثمنا جائز أَمَّا جَعْلُهُ مُثَمَّنًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ. (ب) قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا قَالَ بِعْتُ مِنْكَ هَذَا الثَّوْبَ بِهَذَا الدِّرْهَمِ تَعَيَّنَ ذَلِكَ الدِّرْهَمُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَتَعَيَّنُ. (ج) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التَّوْبَةِ: 111] فَجَعَلَ الْجَنَّةَ ثَمَنًا لِلنَّفْسِ وَالْمَالِ. وَمِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ مَسَائِلُ: (أ) الْبَاءُ تَدُلُّ عَلَى السَّبَبِيَّةِ قَالَ اللَّهُ تعالى: لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ [الأنفال: 13] هاهنا الْبَاءُ دَلَّتْ عَلَى السَّبَبِيَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِدْخَالُ لَفْظِ الْبَاءِ عَلَى السَّبَبِ فَيُقَالُ ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ بِهَذَا السبب.
(ب) إِذَا قُلْنَا الْبَاءُ تُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ بَاءِ السَّبَبِيَّةِ وَبَيْنَ لَامِ السَّبَبِيَّةِ، لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ. (ج) الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» لَا بُدَّ مِنَ الْبَحْثِ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّ هَذِهِ الْبَاءَ بِمَاذَا تَتَعَلَّقُ، وَكَذَلِكَ الْبَحْثُ عَنْ قَوْلِهِ: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ [الْبَقَرَةِ: 30] فَإِنَّهُ يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ هَذِهِ الْبَاءِ. (د) قِيلَ: كُلُّ الْعُلُومِ مُنْدَرِجٌ فِي الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ، وَعُلُومُهَا فِي الْقُرْآنِ، وَعُلُومُ الْقُرْآنِ فِي الْفَاتِحَةِ، وَعُلُومُ الْفَاتِحَةِ فِي (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَعُلُومُهَا فِي الْبَاءِ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ (قُلْتُ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ كُلِّ الْعُلُومِ وُصُولُ الْعَبْدِ إِلَى الرَّبِّ، وَهَذَا الْبَاءُ بَاءُ الْإِلْصَاقِ فَهُوَ يُلْصِقُ الْعَبْدَ بِالرَّبِّ، فَهُوَ كَمَالُ الْمَقْصُودِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْبَابِ، مَبَاحِثُ حُرُوفِ الْجَرِّ. فَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى نَوْعَيْنِ مِنْهَا: أَحَدُهُمَا: الْبَاءُ، وَثَانِيهُمَا: لَفْظُ «مِنْ» فَنَقُولُ: فِي لَفْظِ «مِنْ» مَبَاحِثُ: - (أ) أَنَّكَ تَقُولُ: «أَخَذْتُ الْمَالَ مِنِ ابْنِكَ» فَتَكْسِرُ النُّونَ ثُمَّ تَقُولُ: «أَخَذْتُ الْمَالَ مِنَ الرَّجُلِ» فَتَفْتَحُ النُّونَ، فَهَهُنَا اخْتَلَفَ آخِرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَحْوَالُ دَلَّتْ عَلَى اخْتِصَاصِ كُلِّ حَالَةٍ بِهَذِهِ الْحَرَكَةِ، فَهَهُنَا اخْتَلَفَ آخِرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ بِاخْتِلَافِ الْعَوَامِلِ، فَإِنَّهُ لَا/ مَعْنَى لِلْعَامِلِ إِلَّا الْأَمْرُ الدَّالُّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مُعْرَبَةً. (ب) كَلِمَةُ «مِنْ» وَرَدَتْ عَلَى وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ: ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَالتَّبْعِيضِ، وَالتَّبْيِينِ، وَالزِّيَادَةِ. (ج) قَالَ الْمُبَرِّدُ: الْأَصْلُ هُوَ ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ، وَالْبَوَاقِي مُفَرَّعَةٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: الْأَصْلُ هُوَ التَّبْعِيضُ، وَالْبَوَاقِي مُفَرَّعَةٌ عَلَيْهِ. (د) أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ كَوْنَهَا زَائِدَةً، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [نُوحٍ: 4] فَقَدْ بَيَّنُوا أَنَّهُ يُفِيدُ فَائِدَةً زَائِدَةً فَكَأَنَّهُ قَالَ يَغْفِرُ لَكُمْ بَعْضَ ذُنُوبِكُمْ، وَمَنْ غَفَرَ كُلَّ بَعْضٍ مِنْهُ فَقَدْ غَفَرَ كُلَّهُ. (هـ) الْفَرْقُ بَيْنَ مِنْ وَبَيْنَ عَنْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الْأَعْرَافِ: 17] وَفِيهِ سُؤَالَانِ: الْأَوَّلُ: لِمَ خَصَّ الْأَوَّلَيْنِ بِلَفْظِ مِنْ وَالثَّالِثَ وَالرَّابِعَ بِلَفْظِ عَنْ. الثَّانِي: لَمَّا ذَكَرَ الشَّيْطَانُ لَفْظَ مِنْ وَلَفْظَ عَنْ فَلِمَ جَاءَتِ الِاسْتِعَاذَةُ بِلَفْظِ مِنْ فَقَالَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ) وَلَمْ يَقُلْ عَنِ الشَّيْطَانِ. النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْبَابِ: - (أ) الشَّيْطَانُ مُبَالَغَةٌ فِي الشَّيْطَنَةِ، كَمَا أَنَّ الرَّحْمَنَ مُبَالَغَةٌ فِي الرَّحْمَةِ، وَالرَّجِيمُ فِي حَقِّ الشَّيْطَانِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَمَا أَنَّ الرَّحِيمَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تَقْتَضِي الْفِرَارَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِلَى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَهَذَا يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا يَنْشَأُ عَنْهُ قَوْلُ الثَّنَوِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ وَإِبْلِيسَ أَخَوَانِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْأَخُ الْكَرِيمُ الرَّحِيمُ الْفَاضِلُ، وَإِبْلِيسَ هُوَ الْأَخُ اللَّئِيمُ الْخَسِيسُ الْمُؤْذِي، فَالْعَاقِلُ يَفِرُّ مِنْ هَذَا الشِّرِّيرِ إِلَى ذَلِكَ الخير.
الكتاب الثاني في مباحث بسم الله الرحمن الرحيم وفيه أبواب
(ب) الْإِلَهُ هَلْ هُوَ رَحِيمٌ كَرِيمٌ؟ فَإِنْ كَانَ رَحِيمًا كَرِيمًا فَلِمَ خَلَقَ الشَّيْطَانَ الرَّجِيمَ وَسَلَّطَهُ عَلَى الْعِبَادِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَحِيمًا كَرِيمًا فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ. (ج) الْمَلَائِكَةُ فِي السموات هَلْ يَقُولُونَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فَإِنْ ذَكَرُوهُ فَإِنَّمَا يَسْتَعِيذُونَ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِهِمْ لَا مِنْ شُرُورِ الشَّيْطَانِ. (د) أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ هَلْ يَقُولُونَ أَعُوذُ بِاللَّهِ. (هـ) الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ لِمَ يَقُولُونَ (أَعُوذُ بِاللَّهِ) مَعَ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِمْ فِي قَوْلِهِ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: 82، 83] . (و) الشَّيْطَانُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِمْ إِلَّا فِي مُجَرَّدِ الدَّعْوَةِ حَيْثُ قَالَ: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إِبْرَاهِيمَ: 22] وَأَمَّا الْإِنْسَانُ فَهُوَ الَّذِي/ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَلَاءِ فَكَانَتِ اسْتِعَاذَةُ الْإِنْسَانِ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ أَهَمَّ وَأَلْزَمَ مِنِ اسْتِعَاذَتِهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ فَلِمَ بَدَأَ بِالْجَانِبِ الْأَضْعَفِ وَتَرَكَ الْجَانِبَ الْأَهَمَّ؟. الْكِتَابُ الثَّانِي فِي مَبَاحِثِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِيهِ أَبْوَابٌ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَسَائِلَ جَارِيَةٍ مجرى المقدمات وفيه مسائل متعلق باء البسملة: المسألة الأولى [متعلق باء البسملة] : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبَاءَ مِنْ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ، فَنَقُولُ: هَذَا الْمُضْمَرُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا، وَأَنْ يَكُونَ فِعْلًا، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا، وَأَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا، فَهَذِهِ أَقْسَامٌ أَرْبَعَةٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا وَكَانَ فِعْلًا فَكَقَوْلِكَ: أَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا وَكَانَ اسْمًا فَكَقَوْلِكَ: ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ بِاسْمِ اللَّهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُتَأَخِّرًا وَكَانَ فِعْلًا فَكَقَوْلِكَ: بِاسْمِ اللَّهِ أَبْدَأُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُتَأَخِّرًا وَكَانَ اسْمًا فكقولك: باسم الله ابتدائي ويجب البحث هاهنا عَنْ شَيْئَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ التَّقْدِيمَ أَوْلَى أَمِ التَّأْخِيرَ؟ فَنَقُولُ كِلَاهُمَا وَارِدٌ فِي الْقُرْآنِ، أَمَّا التقديم فكقوله: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] وَأَمَّا التَّأْخِيرُ فَكَقَوْلِهِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [الْعَلَقِ: 1] وَأَقُولُ: التَّقْدِيمُ عِنْدِي أَوْلَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الأول: أنه تعالى قديم واجب الوجود لذاته، فيكون وجوده سابقا على وجود غَيْرِهِ، وَالسَّابِقُ بِالذَّاتِ يَسْتَحِقُّ السَّبْقَ، فِي الذِّكْرِ، الثَّانِي: قَالَ تَعَالَى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ [الْحَدِيدِ: 3] وَقَالَ: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، [الرُّومِ: 4] الثَّالِثُ: أَنَّ التَّقْدِيمَ فِي الذِّكْرِ أُدْخِلَ فِي التَّعْظِيمِ، الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ فَهَهُنَا الْفِعْلُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الِاسْمِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: (بِسْمِ اللَّهِ) كَذَلِكَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ بِاسْمِ اللَّهِ أَبْتَدِئُ، الْخَامِسُ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ الْوَالِدَ ضِيَاءَ الدِّينِ عُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: حَضَرَ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي الْخَيْرِ الْمِيهَنِيُّ مَعَ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ فَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْقُشَيْرِيُّ: الْمُحَقِّقُونَ قَالُوا مَا رَأَيْنَا شَيْئًا إِلَّا وَرَأَيْنَا اللَّهَ بَعْدَهُ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي الْخَيْرِ: ذَاكَ مَقَامُ الْمُرِيدِينَ أَمَّا الْمُحَقِّقُونَ فَإِنَّهُمْ مَا رَأَوْا شَيْئًا إِلَّا وَكَانُوا قَدْ رَأَوُا اللَّهَ قَبْلَهُ، قُلْتُ: وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ أَنَّ الِانْتِقَالَ مِنَ الْمَخْلُوقِ إِلَى الْخَالِقِ إِشَارَةٌ إِلَى بُرْهَانِ الْآنِ، وَالنُّزُولُ مِنَ الْخَالِقِ إِلَى الْمَخْلُوقِ بُرْهَانُ اللِّمَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ بُرْهَانَ اللِّمَ أَشْرَفُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَنْ أَضْمَرَ الْفِعْلَ أَوَّلًا فَكَأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ رُؤْيَةِ فِعْلِهِ إِلَى رُؤْيَةِ وُجُوبِ الِاسْتِعَانَةِ بِاسْمِ اللَّهِ/ وَمَنْ قَالَ: (بِاسْمِ اللَّهِ) ثُمَّ أَضْمَرَ الْفِعْلَ ثَانِيًا فَكَأَنَّهُ رَأَى وُجُوبَ الِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ ثُمَّ نَزَلَ مِنْهُ إِلَى أَحْوَالِ نَفْسِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِضْمَارُ الْفِعْلِ أَوْلَى أَمْ إِضْمَارُ الِاسْمِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: نَسَقُ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُضْمَرَ هُوَ الْفِعْلُ، وَهُوَ الْأَمْرُ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 4] وَالتَّقْدِيرُ قُولُوا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ التَّقْدِيرُ قُولُوا بِسْمِ اللَّهِ، وَأَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: بَلْ إِضْمَارُ الِاسْمِ أَوْلَى، لِأَنَّا إِذَا قُلْنَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ بِسْمِ اللَّهِ ابْتِدَاءُ كُلِّ شَيْءٍ كَانَ هَذَا إِخْبَارًا عَنْ كَوْنِهِ مَبْدَأً فِي ذَاتِهِ لجميع الحوادث وخالفا لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، سَوَاءٌ قَالَهُ قَائِلٌ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ، وَسَوَاءٌ ذَكَرَهُ ذَاكِرٌ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ أَوْلَى، وَتَمَامُ الكلام فيه يجيء في بيان أن الأولى أَنْ يُقَالَ قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ كَوْنِهِ فِي نَفْسِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ سَوَاءٌ قَالَهُ قَائِلٌ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْجَرُّ يَحْصُلُ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِالْحَرْفِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: «بِاسْمِ» وَالثَّانِي: بِالْإِضَافَةِ كَمَا فِي «اللَّهِ» مِنْ قَوْلِهِ: «بِاسْمِ اللَّهِ» وَأَمَّا الْجَرُّ الْحَاصِلُ فِي لَفْظِ «الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» فَإِنَّمَا حَصَلَ لِكَوْنِ الْوَصْفِ تَابِعًا لِلْمَوْصُوفِ فِي الْإِعْرَابِ، فَهَهُنَا أَبْحَاثٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ لِمَ اقْتَضَتِ الْجَرَّ؟ وَثَانِيهَا: أَنَّ الْإِضَافَةَ لِمَ اقْتَضَتِ الْجَرَّ؟ وَثَالِثُهَا: أَنَّ اقْتِضَاءَ الْحَرْفِ أَقْوَى أَوِ اقْتِضَاءَ الْإِضَافَةِ، وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْإِضَافَةَ عَلَى كَمْ قِسْمٍ تَقَعُ، قَالُوا إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ مُحَالٌ، فَبَقِيَ أَنْ تَقَعَ الْإِضَافَةُ بَيْنَ الْجُزْءِ وَالْكُلِّ، أَوْ بَيْنَ الشَّيْءِ وَالْخَارِجِ عَنْ ذَاتِ الشَّيْءِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ، أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَنَحْوُ «بَابُ حَدِيدٍ، وَخَاتَمُ ذَهَبٍ» لِأَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ بَعْضُ الْحَدِيدِ وَذَلِكَ الْخَاتَمَ بَعْضُ الذَّهَبِ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَكَقَوْلِكَ: «غُلَامُ زَيْدٍ» فَإِنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مُغَايِرٌ لِلْمُضَافِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَمَّا أَقْسَامُ النَّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ فَكَأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الضَّبْطِ وَالتَّعْدِيدِ، فَإِنَّ أَنْوَاعَ النَّسَبِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: كَوْنُ الِاسْمِ اسْمًا لِلشَّيْءِ نِسْبَةً بَيْنَ اللَّفْظَةِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي هِيَ الِاسْمُ وَبَيْنَ الذَّاتِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي هِيَ الْمُسَمَّى، وَتِلْكَ النِّسْبَةُ مَعْنَاهَا أَنَّ النَّاسَ اصْطَلَحُوا عَلَى جَعْلِ تِلْكَ اللَّفْظَةِ الْمَخْصُوصَةِ مُعَرِّفَةً لِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَخْصُوصِ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا مَتَى سَمِعْتُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنَّا فَافْهَمُوا أَنَّا أَرَدْنَا بِهَا ذَلِكَ الْمَعْنَى الْفُلَانِيَّ، فَلَمَّا حَصَلَتْ هَذِهِ النِّسْبَةُ بَيْنَ الِاسْمِ وَبَيْنَ الْمُسَمَّى لَا جَرَمَ صَحَّتْ إِضَافَةُ الِاسْمِ إِلَى الْمُسَمَّى، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ إِضَافَةِ الِاسْمِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ذِكْرُ الِاسْمِ فِي قَوْلِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ» صِلَةٌ زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ بِاللَّهِ قَالَ، وَإِنَّمَا ذِكْرُ لَفْظَةِ الِاسْمِ: إِمَّا لِلتَّبَرُّكِ، وَإِمَّا لِيَكُونَ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِسْمِ، وَأَقُولُ/ وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: «بسم الله» قوله: ابدءوا بسم اللَّهِ، وَكَلَامُ أَبِي عُبَيْدٍ ضَعِيفٌ، لِأَنَّا لَمَّا أُمِرْنَا بِالِابْتِدَاءِ فَهَذَا الْأَمْرُ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِنَا، وَذَلِكَ الْفِعْلُ هُوَ لَفْظُنَا وَقَوْلُنَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ ابْدَأْ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ ابْدَأْ بِبِسْمِ اللَّهِ، وَأَيْضًا فَالْفَائِدَةُ فِيهِ أنه كما
الباب الثاني فيما يتعلق بهذه الكلمة من القراءة والكتابة
أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى أَشْرَفُ الذَّوَاتِ فَكَذَلِكَ ذِكْرُهُ أَشْرَفُ الْأَذْكَارِ، وَاسْمُهُ أَشْرَفُ الْأَسْمَاءِ، فَكَمَا أَنَّهُ فِي الْوُجُودِ سَابِقٌ عَلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ سَابِقًا عَلَى كُلِّ الْأَذْكَارِ، وَأَنْ يَكُونَ اسْمُهُ سَابِقًا عَلَى كُلِّ الْأَسْمَاءِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَقَدْ حَصَلَ فِي لَفْظِ الِاسْمِ هَذِهِ الْفَوَائِدُ الْجَلِيلَةُ. الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنَ الْقِرَاءَةِ والكتابة أما المباحث المتعلقة بالقراءة فكثيرة: - الوقف على كلمات البسملة: المسألة الأولى [الوقف على كلمات البسملة] : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: «بِسْمِ» نَاقِصٌ قَبِيحٌ، وَعَلَى قَوْلِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ» أَوْ عَلَى قَوْلِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ» كَافٍ صَحِيحٌ، وَعَلَى قَوْلِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» تَامٌّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَقْفَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَقَعَ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ نَاقِصًا، أَوْ كَافِيًا أَوْ كَامِلًا، فَالْوَقْفُ عَلَى كُلِّ كَلَامٍ لَا يُفْهَمُ بِنَفْسِهِ نَاقِصٌ، وَالْوَقْفُ عَلَى كُلِّ كَلَامٍ مَفْهُومِ الْمَعَانِي إِلَّا أَنَّ مَا بَعْدَهُ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ يَكُونُ كَافِيًا، وَالْوَقْفُ عَلَى كُلِّ كَلَامٍ تَامٍّ وَيَكُونُ مَا بَعْدَهُ مُنْقَطِعًا عَنْهُ يَكُونُ وَقْفًا تَامًّا. ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» كَلَامٌ تَامٌّ، إِلَّا أَنَّ قوله: «الرحمن الرحيم ملك» مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ، لِأَنَّهَا صِفَاتٌ، وَالصِّفَاتُ تَابِعَةٌ لِلْمَوْصُوفَاتِ، فَإِنْ جَازَ قَطْعُ الصِّفَةِ عَنِ الْمَوْصُوفِ وَجَعْلُهَا وَحْدَهَا آيَةً فَلِمَ لَمْ يَقُولُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ آيَةٌ؟ ثُمَّ يَقُولُوا الرَّحِيمِ آيَةٌ ثَانِيَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فَكَيْفَ جَعَلُوا الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةً مُسْتَقِلَّةً، فَهَذَا الْإِشْكَالُ لَا بد من جوابه. حكم لام الجلالة: المسألة الثانية [حكم لام الجلالة] : أَطْبَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى تَرْكِ تَغْلِيظِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ» وَفِي قَوْلِهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الِانْتِقَالَ مِنَ الْكَسْرَةِ إِلَى اللَّامِ الْمُفَخَّمَةِ ثَقِيلٌ، لِأَنَّ الْكَسْرَةَ تُوجِبُ التَّسَفُّلَ، وَاللَّامَ الْمُفَخَّمَةَ حَرْفٌ مُسْتَعْلٍ، وَالِانْتِقَالَ مِنَ التَّسَفُّلِ إِلَى التَّصَعُّدِ ثَقِيلٌ، وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنُوا تَفْخِيمَ اللَّامِ وَتَغْلِيظَهَا مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي حَالِ كَوْنِهَا مَرْفُوعَةً أَوْ مَنْصُوبَةً كَقَوْلِهِ: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ [الشورى: 19] قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الْإِخْلَاصِ: 1] وَقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ [التَّوْبَةِ: 111] . الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالُوا الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّفْخِيمِ أَمْرَانِ: الأول: الفرق بينه وبين لفظ اللام/ فِي الذِّكْرِ، الثَّانِي: أَنَّ التَّفْخِيمَ مُشْعِرٌ بِالتَّعْظِيمِ، وَهَذَا اللَّفْظُ يَسْتَحِقُّ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّعْظِيمِ، الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّامَ الرَّقِيقَةَ إِنَّمَا تُذْكَرُ بِطَرْفِ اللِّسَانِ، وَأَمَّا هَذِهِ اللَّامُ الْمُغَلَّظَةُ فَإِنَّمَا تُذْكَرُ بِكُلِّ اللِّسَانِ فَكَانَ الْعَمَلُ فِيهِ أَكْثَرَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَدْخَلَ فِي الثَّوَابِ، وَأَيْضًا جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ يَا مُوسَى أَجِبْ رَبَّكَ بِكُلِّ قَلْبِكَ، فَهَهُنَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَذْكُرُ رَبَّهُ بِكُلِّ لِسَانِهِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَذْكُرُهُ بِكُلِّ قَلْبِهِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ هَذَا أَدْخَلَ فِي التَّعْظِيمِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: نِسْبَةُ اللَّامِ الرَّقِيقَةِ إِلَى اللَّامِ الْغَلِيظَةِ كَنِسْبَةِ الدَّالِ إِلَى الطاء، وكنسبة
السِّينِ إِلَى الصَّادِ، فَإِنَّ الدَّالَ تُذْكَرُ بِطَرْفِ اللِّسَانِ وَالطَّاءَ تُذْكَرُ بِكُلِّ اللِّسَانِ وَكَذَلِكَ السِّينُ تُذْكَرُ بِطَرْفِ اللِّسَانِ وَالصَّادُ تُذْكَرُ بِكُلِّ اللِّسَانِ، فَثَبَتَ أَنَّ نِسْبَةَ اللَّامِ الرَّقِيقَةِ إِلَى اللَّامِ الْغَلِيظَةِ كَنِسْبَةِ الدَّالِ إِلَى الطَّاءِ وَكَنِسْبَةِ السِّينِ إِلَى الصَّادِ، ثُمَّ أَنَّا رَأَيْنَا أَنَّ الْقَوْمَ قَالُوا الدَّالُ حَرْفٌ وَالطَّاءُ حَرْفٌ آخَرُ، وَكَذَلِكَ السِّينُ حَرْفٌ وَالصَّادُ حَرْفٌ آخَرُ فَكَانَ الْوَاجِبُ أَيْضًا أَنْ يَقُولُوا: اللَّامُ الرَّقِيقَةُ حَرْفٌ وَاللَّامُ الْغَلِيظَةُ حَرْفٌ آخَرُ، وَأَنَّهُمْ مَا فَعَلُوا ذَلِكَ ولا بد من الفرق. حكم الإدغام: المسألة الخامسة [حكم الإدغام] : تَشْدِيدُ اللَّامِ مِنْ قَوْلِكَ: «اللَّهِ» لِلْإِدْغَامِ فَإِنَّهُ حَصَلَ هُنَاكَ لَامَانِ الْأُولَى: لَامُ التَّعْرِيفِ وَهِيَ سَاكِنَةٌ وَالثَّانِيَةُ: لَامُ الْأَصْلِ وَهِيَ مُتَحَرِّكَةٌ، وَإِذَا الْتَقَى حَرْفَانِ مِثْلَانِ مِنَ الْحُرُوفِ كُلِّهَا وَكَانَ أَوَّلُ الْحَرْفَيْنِ سَاكِنًا وَالثَّانِي مُتَحَرِّكًا أُدْغِمَ السَّاكِنُ فِي الْمُتَحَرِّكِ ضَرُورَةً سَوَاءٌ كَانَا فِي كَلِمَتَيْنِ أو كلمة واحدة، وأما فِي الْكَلِمَتَيْنِ فَكَمَا فِي قَوْلِهِ: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ، [البقرة: 16] وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ، [النحل: 53] ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ [الرعد: 34] وَأَمَّا فِي الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ فَكَمَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَالْوَاوَ وَالْيَاءَ إِنْ كَانَتْ سَاكِنَةً امْتَنَعَ اجْتِمَاعُ مِثْلَيْنِ، فَامْتَنَعَ الْإِدْغَامُ لِهَذَا السَّبَبِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَحَرِّكَةً وَاجْتَمَعَ فِيهَا مِثْلَانِ كَانَ الْإِدْغَامُ جَائِزًا. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: لأرباب الإشارات والمجاهدات هاهنا دَقِيقَةٌ، وَهِيَ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ وَلَامَ الْأَصْلِ مِنْ لَفْظَةِ «اللَّهِ» اجْتَمَعَا فَأُدْغِمَ أَحَدُهُمَا فِي الثَّانِي، فَسَقَطَ لَامُ الْمَعْرِفَةِ وَبَقِيَ لَامُ لَفْظَةِ اللَّهِ، وَهَذَا كَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِذَا حصلت إلى حضرة المعروفة سَقَطَتِ الْمَعْرِفَةُ وَفَنِيَتْ وَبَطَلَتْ، وَبَقِيَ الْمَعْرُوفُ الْأَزَلِيُّ كَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ. مد لام الجلالة: المسألة السابعة [مد لام الجلالة] : لَا يَجُوزُ حَذْفُ الْأَلِفِ مِنْ قَوْلِنَا: اللَّهِ فِي اللَّفْظِ، وَجَازَ ذَلِكَ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ عِنْدَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: - أَقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... يَجُودُ جُودَ الْجَنَّةِ الْمُغِلَّةِ انْتَهَى، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْبَحْثِ مَسَائِلُ فِي الشَّرِيعَةِ: إِحْدَاهَا: أَنَّهُ عِنْدَ الْحَلِفِ لَوْ قَالَ بِلَّهِ فَهَلْ يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ أَمْ لَا قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ بِلَّهِ اسْمٌ لِلرُّطُوبَةِ فَلَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ، وَقَالَ آخَرُونَ يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ لِأَنَّهُ بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ جَائِزٌ، وَقَدْ نَوَى بِهِ الْحَلِفَ فَوَجَبَ أَنْ تَنْعَقِدَ وثانيها: لَوْ ذَكَرَهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ عِنْدَ الذَّبِيحَةِ هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ أَمْ لَا، وَثَالِثُهَا: لَوْ ذَكَرَ قَوْلَهُ: «اللَّهُ» فِي قَوْلِهِ: «اللَّهُ أَكْبَرُ» هَلْ تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ بِهِ أَمْ لَا؟. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: لَمْ يَقْرَأْ أَحَدٌ اللَّهِ بِالْإِمَالَةِ إِلَّا قتيبة في بعض الروايات انتهى. حكم لام أل: المسألة التاسعة [حكم لام أل] : تَشْدِيدُ الرَّاءِ مِنْ قَوْلِهِ: «الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» لِأَجْلِ إِدْغَامِ لَامِ التَّعْرِيفِ فِي الرَّاءِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْقُرَّاءِ فِي لُزُومِ إِدْغَامِ لَامِ التَّعْرِيفِ فِي اللَّامِ، وَفِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ حَرْفًا سِوَاهُ وَهِيَ: الصَّادُ، وَالضَّادُ، وَالسِّينُ، وَالشِّينُ، وَالدَّالُ، وَالذَّالُ، وَالرَّاءُ، وَالزَّايُ، وَالطَّاءُ، وَالظَّاءُ، وَالتَّاءُ، وَالثَّاءُ، وَالنُّونُ، انْتَهَى. كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِجَوَازِ هَذَا الْإِدْغَامِ قُرْبُ الْمَخْرَجِ، فَإِنَّ اللَّامَ وَكُلَّ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمَذْكُورَةِ مَخْرَجُهَا مِنْ طَرْفِ اللِّسَانِ وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُ، فَحَسُنَ الْإِدْغَامُ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْقُرَّاءِ فِي امْتِنَاعِ إِدْغَامِ لَامِ التَّعْرِيفِ فِيمَا عَدَا هَذِهِ الثَّلَاثَةَ عشر كقوله: الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ ... الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [التوبة: 112] كُلُّهَا بِالْإِظْهَارِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزِ الْإِدْغَامُ فِيهَا لِبُعْدِ الْمَخْرَجِ، فَإِنَّهُ إِذَا بَعُدَ مَخْرَجُ الْحَرْفِ الْأَوَّلِ عَنْ مَخْرَجِ الْحَرْفِ الثَّانِي ثَقُلَ النُّطْقُ بِهِمَا دَفْعَةً فَوَجَبَ تَمْيِيزُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الْحَرْفَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقْرُبُ مَخْرَجَاهُمَا، لِأَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمَا مُشْكِلٌ صَعْبٌ. الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُمَالُ لَفْظُ «الرَّحْمَنِ» وَفِي جَوَازِ إِمَالَتِهِ قَوْلَانِ لِلنَّحْوِيِّينَ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَعَلَّهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وَعِلَّةُ جَوَازِهِ انْكِسَارُ النُّونِ بَعْدَ الْأَلِفِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ إِعْرَابَ «الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» هُوَ الْجَرُّ لِكَوْنِهِمَا صِفَتَيْنِ لِلْمَجْرُورِ الْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّ الرَّفْعَ وَالنَّصْبَ جَائِزَانِ فِيهِمَا بِحَسَبِ النَّحْوِ، أَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى تَقْدِيرِ بِسْمِ اللَّهِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَأَمَّا النَّصْبُ فَعَلَى تَقْدِيرِ بِسْمِ الله أعين الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ. النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الباب ما يتعلق بالخط، وفيه مسائل: - ما يتعلق بالبسملة قراءة وكتابة: المسألة الأولى [ما يتعلق بالبسملة قراءة وكتابة] : طَوَّلُوا الْبَاءَ مِنْ «بِسْمِ اللَّهِ» وَمَا طَوَّلُوهَا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ، وَذَكَرُوا فِي الْفَرْقِ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَمَّا حُذِفَتْ أَلِفُ الْوَصْلِ بَعْدَ الْبَاءِ طَوَّلُوا هَذِهِ الْبَاءَ لِيَدُلَّ طُولُهَا/ عَلَى الْأَلِفِ الْمَحْذُوفَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا كَتَبُوا اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [الْعَلَقِ: 1] بِالْأَلِفِ رَدُّوا الْبَاءَ إِلَى صِفَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ، الثَّانِي: قَالَ الْقُتَيْبِيُّ، إِنَّمَا طَوَّلُوا الْبَاءَ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ لَا يَسْتَفْتِحُوا كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا بِحَرْفٍ مُعَظَّمٍ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ لِكُتَّابِهِ طَوِّلُوا الْبَاءَ، وَأَظْهِرُوا السِّينَ. وَدَوِّرُوا الْمِيمَ تَعْظِيمًا لِكِتَابِ اللَّهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ أَهْلُ الْإِشَارَةِ وَالْبَاءُ حَرْفٌ مُنْخَفِضٌ فِي الصُّورَةِ فَلَمَّا اتَّصَلَ بِكُتُبِهِ لَفْظُ اللَّهِ ارْتَفَعَتْ وَاسْتَعْلَتْ، فَنَرْجُو أَنَّ الْقَلْبَ لَمَّا اتَّصَلَ بِخِدْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرْتَفِعَ حَالُهُ وَيَعْلُوَ شَأْنُهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: حَذَفُوا أَلِفَ «اسْمِ» مِنْ قَوْلِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ» وَأَثْبَتُوهُ فِي قَوْلِهِ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) وَالْفَرْقُ من وجهين: الأول: أن كلمة «باسم اللَّهِ» مَذْكُورَةٌ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَفْعَالِ، فَلِأَجْلِ التَّخْفِيفِ حَذَفُوا الْأَلِفَ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَوَاضِعِ فَإِنَّ ذِكْرَهَا قَلِيلٌ. الثَّانِي: قَالَ الْخَلِيلُ: إِنَّمَا حُذِفَتِ الْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ» لِأَنَّهَا إِنَّمَا دَخَلَتْ بِسَبَبِ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالسِّينِ السَّاكِنَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْبَاءُ عَلَى الِاسْمِ نَابَتْ عَنِ الْأَلِفِ فَسَقَطَتْ فِي الْخَطِّ، وَإِنَّمَا لَمْ تَسْقُطْ فِي قَوْلِهِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ لِأَنَّ الْبَاءَ لَا تَنُوبُ عَنِ الْأَلِفِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَمَا فِي (بِسْمِ اللَّهِ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَذْفُ الْبَاءِ مِنِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ مَعَ بَقَاءِ الْمَعْنَى صَحِيحًا، فَإِنَّكَ لَوْ قُلْتَ اقْرَأِ اسْمَ رَبِّكَ صَحَّ الْمَعْنَى، أَمَّا لَوْ حَذَفْتَ الْبَاءَ مِنْ «بِسْمِ اللَّهِ» لَمْ يَصِحَّ الْمَعْنَى فَظَهَرَ الْفَرْقُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: كَتَبُوا لَفْظَةَ اللَّهِ بِلَامَيْنِ، وَكَتَبُوا لَفْظَةَ الَّذِي بِلَامٍ وَاحِدَةٍ، مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي اللَّفْظِ وَفِي كَثْرَةِ الدَّوَرَانِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَفِي لُزُومِ التَّعْرِيفِ، وَالْفَرْقُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَنَا: «اللَّهُ» اسْمٌ معرب متصرف
الباب الثالث من هذا الكتاب في مباحث الاسم،
تَصَرُّفَ الْأَسْمَاءِ، فَأَبْقَوْا كِتَابَتَهُ عَلَى الْأَصْلِ، أَمَّا قَوْلُنَا «الَّذِي» فَهُوَ مَبْنِيٌّ لِأَجْلِ أَنَّهُ نَاقِصٌ، لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا مَعَ صِلَتِهِ فَهُوَ كَبَعْضِ الْكَلِمَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَعْضَ الْكَلِمَةِ يَكُونُ مَبْنِيًّا، فَأَدْخَلُوا فِيهِ النُّقْصَانَ لِهَذَا السَّبَبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ كَتَبُوا قَوْلَهُمْ: «اللَّذَانِ» بِلَامَيْنِ، لِأَنَّ التَّثْنِيَةَ أَخْرَجَتْهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْحُرُوفِ، فَإِنَّ الْحَرْفَ لَا يُثَنَّى. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَنَا: «اللَّهُ» لَوْ كُتِبَ بِلَامٍ وَاحِدَةٍ لَالْتَبَسَ بِقَوْلِهِ إِلَهٌ، وَهَذَا الِالْتِبَاسُ غَيْرُ حَاصِلٍ فِي قَوْلِنَا الَّذِي. الثَّالِثُ: أَنَّ تَفْخِيمَ ذِكْرِ اللَّهِ فِي اللَّفْظِ وَاجِبٌ، فَكَذَا فِي الْخَطِّ، وَالْحَذْفُ يُنَافِي التَّفْخِيمَ وَأَمَّا قَوْلُنَا: «الَّذِي» فَلَا تَفْخِيمَ لَهُ فِي الْمَعْنَى فَتَرَكُوا أَيْضًا تَفْخِيمَهُ فِي الْخَطِّ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إِنَّمَا حَذَفُوا الْأَلِفَ قَبْلَ الْهَاءِ مِنْ قَوْلِنَا: «اللَّهُ» فِي الْخَطِّ لِكَرَاهَتِهِمُ اجْتِمَاعَ الْحُرُوفِ الْمُتَشَابِهَةِ بِالصُّورَةِ عِنْدَ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ مِثْلُ كَرَاهَتِهِمُ اجْتِمَاعَ الْحُرُوفِ الْمُتَمَاثِلَةِ فِي اللَّفْظِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالُوا: الْأَصْلُ فِي قَوْلِنَا: «اللَّهُ» الْإِلَهُ، وَهِيَ سِتَّةُ حُرُوفٍ، فَلَمَّا أَبْدَلُوهُ بِقَوْلِهِمُ: «اللَّهُ» بَقِيَتْ أَرْبَعَةُ أَحْرُفٍ فِي الْخَطِّ: هَمْزَةٌ، وَلَامَانِ، وَهَاءٌ، فَالْهَمْزَةُ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ وَاللَّامُ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ، وَالْهَاءُ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى حَالَةٍ عَجِيبَةٍ، فَإِنَّ أَقْصَى الْحَلْقِ مَبْدَأُ التَّلَفُّظِ بِالْحُرُوفِ، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَتَرَقَّى قليلا قَلِيلًا إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى طَرَفِ اللِّسَانِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْهَاءِ الَّذِي هُوَ فِي دَاخِلِ الْحَلْقِ، وَمَحَلُّ الرُّوحِ، فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يَبْتَدِئُ مِنْ أَوَّلِ حَالَتِهِ الَّتِي هِيَ حَالَةُ النَّكِرَةِ والجهالة، ويترقى قليلا قَلِيلًا فِي مَقَامَاتِ الْعُبُودِيَّةِ، حَتَّى إِذَا وَصَلَ إِلَى آخِرِ مَرَاتِبِ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ وَدَخَلَ فِي عَالَمِ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْأَنْوَارِ أَخَذَ يَرْجِعُ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْفَنَاءِ فِي بَحْرِ التَّوْحِيدِ، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قِيلَ: النِّهَايَةُ رُجُوعٌ إِلَى الْبِدَايَةِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: إِنَّمَا جَازَ حَذْفُ الْأَلِفِ قَبْلَ النُّونِ مِنْ «الرَّحْمَنِ» فِي الْخَطِّ عَلَى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ، وَلَوْ كُتِبَ بِالْأَلِفِ حَسُنَ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ الْيَاءِ مِنَ الرَّحِيمِ، لِأَنَّ حَذْفَ الْأَلِفِ مِنَ الرَّحْمَنِ لَا يُخِلُّ بِالْكَلِمَةِ وَلَا يَحْصُلُ فِيهَا الْتِبَاسٌ، بِخِلَافِ حَذْفِ الْيَاءِ مِنَ الرَّحِيمِ. الْبَابُ الثَّالِثُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فِي مَبَاحِثِ الِاسْمِ، وَهِيَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا: مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الْمَبَاحِثِ النَّقْلِيَّةِ بِالِاسْمِ، وَالثَّانِي: مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الْمَبَاحِثِ الْعَقْلِيَّةِ بِالِاسْمِ. النَّوْعُ الْأَوَّلُ: وفيه مسائل: - لغات الاسم: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي هَذَا اللَّفْظِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: هَذَا اسْمُهُ وَسِمُهُ، قَالَ: بِاسْمِ الَّذِي فِي كُلِّ سُورَةٍ سِمُهُ. وَقِيلَ: فِيهِ لُغَتَانِ غَيْرُهُمَا سِمٌ وَسُمٌ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ تَارَةً إِسْمٌ بِكَسْرِ الْأَلِفِ وَأُخْرَى بِضَمِّهِ، فَإِذَا طَرَحُوا الْأَلِفَ قَالَ الَّذِينَ لُغَتُهُمْ كَسْرُ الْأَلِفِ سِمٌ، وَقَالَ الَّذِينَ لُغَتُهُمْ ضَمُّ الْأَلِفِ سُمٌ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: مَنْ جَعَلَ أَصْلَهُ مِنْ سَمَا يَسْمَى قَالَ إِسْمٌ وَسِمٌ، وَمَنْ جَعَلَ أَصْلَهُ مِنْ سَمَا يَسْمُو قَالَ أُسْمٌ وَسُمٌ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: سَمِعْتُ
الْعَرَبَ تَقُولُ إِسْمُهُ وَأُسْمُهُ وَسِمُهُ وَسُمُهُ وَسَمَاهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ تَصْغِيرَ الِاسْمِ سمي وجمعه أسماء وأسامي. اشتقاق الاسم: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي اشْتِقَاقِهِ قَوْلَانِ: قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ سَمَا يَسْمُو إِذَا عَلَا وَظَهَرَ، فَاسْمُ الشَّيْءِ مَا عَلَاهُ حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِهِ، وَأَقُولُ: اللَّفْظُ مُعَرِّفٌ لِلْمَعْنَى، وَمُعَرِّفُ الشَّيْءِ مُتَقَدِّمٌ فِي الْمَعْلُومِيَّةِ عَلَى الْمُعَرَّفِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ الِاسْمُ عَالِيًا عَلَى الْمَعْنَى وَمُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ وَسَمَ يَسِمُ سِمَةً، وَالسِّمَةُ الْعَلَامَةُ، فَالِاسْمُ كَالْعَلَامَةِ الْمُعَرِّفَةِ لِلْمُسَمَّى، حُجَّةُ الْبَصْرِيِّينَ لَوْ كَانَ اشْتِقَاقُ الِاسْمِ مِنَ السِّمَةِ لَكَانَ تَصْغِيرُهُ وُسَيْمًا وَجَمْعُهُ أَوْسَامًا. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الَّذِينَ قَالُوا اشْتِقَاقُهُ مِنَ السِّمَةِ قَالُوا أَصْلُهُ مِنْ وَسَمَ يَسِمُ، ثُمَّ حُذِفَ مِنْهُ الْوَاوُ، ثُمَّ زِيدَ فِيهِ أَلِفُ الْوَصْلِ عِوَضًا عَنِ الْمَحْذُوفِ كَالْعِدَةِ وَالصِّفَةِ وَالزِّنَةِ، أَصْلُهُ الْوَعْدُ وَالْوَصْفُ وَالْوَزْنُ، أُسْقِطَ مِنْهَا الْوَاوُ، وَزِيدَ فِيهَا الْهَاءُ، وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا اشْتِقَاقُهُ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ، فَلَهُمْ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ أَصْلَ الِاسْمِ مِنْ سَمَا يَسْمُو وَسَمَا يَسْمَى، وَالْأَمْرُ فِيهِ اسْمُ: كَقَوْلِنَا ادْعُ مِنْ دَعَوْتَ، أَوِ اسْمِ مِثْلَ ارْمِ مِنْ رَمَيْتَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ جَعَلُوا هَذِهِ الصِّيغَةَ اسْمًا وَأَدْخَلُوا عَلَيْهَا وُجُوهَ الْإِعْرَابِ، وَأَخْرَجُوهَا عَنْ حَدِّ الْأَفْعَالِ، قَالُوا: وَهَذَا كَمَا سَمُّوا الْبَعِيرَ يَعْمَلًا، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هَذَا مِثْلُ الْآنَ فَإِنَّ أَصْلَهُ آنَ يَئِينُ إِذَا حَضَرَ، ثُمَّ أَدْخَلُوا الْأَلِفَ وَاللَّامَ عَلَى الْمَاضِي مِنْ فِعْلِهِ، وَتَرَكُوهُ مَفْتُوحًا، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَصْلُهُ سَمَوَ مِثْلَ حَمَوَ، وَإِنَّمَا حُذِفَتِ الْوَاوُ مِنْ آخِرِهِ اسْتِثْقَالًا لِتَعَاقُبِ الْحَرَكَاتِ عَلَيْهَا مَعَ كَثْرَةِ الدَّوَرَانِ، وَإِنَّمَا أَعْرَبُوا الْمِيمَ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِسَبَبِ حَذْفِ الْوَاوِ آخِرَ الْكَلِمَةِ فَنُقِلَ حَرَكَةُ الْوَاوِ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا سَكَّنُوا السِّينَ لِأَنَّهُ لَمَّا حُذِفَتِ الْوَاوُ بَقِيَ حَرْفَانِ أَحَدُهُمَا سَاكِنٌ وَالْآخَرُ مُتَحَرِّكٌ، فَلَمَّا حُرِّكَ السَّاكِنُ وَجَبَ تَسْكِينُ الْمُتَحَرِّكِ لِيَحْصُلَ الِاعْتِدَالُ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ الْهَمْزَةُ فِي أَوَّلِهِ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالسَّاكِنِ مُحَالٌ، فَاحْتَاجُوا إِلَى ذِكْرِ مَا يُبْتَدَأُ بِهِ، وَإِنَّمَا خُصَّتِ الْهَمْزَةُ بذلك لأنها من حروف الزيادة. مسائل الاسم العقلية: النوع الثاني: من مباحث هذه الْبَابِ، الْمَسَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ: - فَنَقُولُ: أَمَّا حَدُّ الِاسْمِ وَذِكْرُ أَقْسَامِهِ وَأَنْوَاعِهِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أول هذه الكتاب وبقي هاهنا مَسَائِلُ: - الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَتِ الْحَشَوِيَّةُ وَالْكَرَامِيَّةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ: الِاسْمُ نَفْسُ الْمُسَمَّى وَغَيْرُ التَّسْمِيَةِ وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى وَنَفْسُ التَّسْمِيَةِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى وَغَيْرُ التَّسْمِيَةِ. وَقَبْلَ الْخَوْضِ فِي ذِكْرِ الدَّلَائِلِ لَا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى مُقَدِّمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: «الِاسْمِ/ هَلْ هُوَ نَفْسُ الْمُسَمَّى أَمْ لَا» يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِبَيَانِ أَنَّ الِاسْمَ مَا هُوَ، وَأَنَّ الْمُسَمَّى مَا هُوَ، حَتَّى يُنْظَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَنَّ الِاسْمَ هَلْ هُوَ نَفْسُ الْمُسَمَّى أَمْ لَا، فَنَقُولُ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِاسْمِ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي هُوَ أَصْوَاتٌ مُقَطَّعَةٌ وَحُرُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وَبِالْمُسَمَّى تِلْكَ الذَّوَاتِ فِي أَنْفُسِهَا، وَتِلْكَ الْحَقَائِقَ بِأَعْيَانِهَا، فَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلٌ بِأَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَالْخَوْضُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَبَثًا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِاسْمِ ذَاتَ الْمُسَمَّى، وَبِالْمُسَمَّى أَيْضًا تِلْكَ الذَّاتَ كَانَ قَوْلُنَا الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى مَعْنَاهُ أَنَّ ذَاتَ الشَّيْءِ عَيْنُ الشَّيْءِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ حَقًّا
إِلَّا أَنَّهُ مِنْ بَابِ إِيضَاحِ الْوَاضِحَاتِ وَهُوَ عَبَثٌ، فَثَبَتَ أَنَّ الْخَوْضَ فِي هَذَا الْبَحْثِ عَلَى جَمِيعِ التَّقْدِيرَاتِ يَجْرِي مَجْرَى الْعَبَثِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّا اسْتَخْرَجْنَا لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ الِاسْمُ نَفْسُ الْمُسَمَّى تَأْوِيلًا لَطِيفًا دَقِيقًا، وَبَيَانُهُ أَنَّ الِاسْمَ اسْمٌ لِكُلِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى مَعْنًى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى زَمَانٍ مُعَيَّنٍ، وَلَفْظُ الِاسْمِ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الِاسْمِ اسْمًا لِنَفْسِهِ، فَيَكُونُ لَفْظُ الِاسْمِ مُسَمًّى بِلَفْظِ الِاسْمِ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الِاسْمُ نَفْسُ الْمُسَمَّى، إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِشْكَالًا، وَهُوَ أَنَّ كَوْنَ الِاسْمِ اسْمًا لِلْمُسَمَّى مِنْ بَابِ الِاسْمِ الْمُضَافِ، وَأَحَدُ الْمُضَافَيْنِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُغَايِرًا لِلْآخَرِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي ذِكْرِ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسَمَّى، وَفِيهِ وُجُوهٌ: - الْأَوَّلُ: أَنَّ الِاسْمَ قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا مَعَ كَوْنِ الْمُسَمَّى مَعْدُومًا، فَإِنَّ قَوْلَنَا: «الْمَعْدُومُ مَنْفِيٌّ» مَعْنَاهُ سَلْبٌ لَا ثُبُوتَ لَهُ، وَالْأَلْفَاظُ مَوْجُودَةٌ مَعَ أَنَّ الْمُسَمَّى بِهَا عَدَمُ مَحْضٍ وَنَفْيُ صَرْفٍ، وَأَيْضًا قَدْ يَكُونُ الْمُسَمَّى مَوْجُودًا وَالِاسْمُ مَعْدُومًا مِثْلَ الْحَقَائِقِ الَّتِي مَا وَضَعُوا لَهَا أَسْمَاءً مُعَيَّنَةً، وَبِالْجُمْلَةِ فَثُبُوتُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَالَ عَدَمِ الْآخَرِ مَعْلُومٌ مُقَرَّرٌ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْمُغَايَرَةَ. الثَّانِي: أَنَّ الْأَسْمَاءَ تَكُونُ كَثِيرَةً مَعَ كَوْنِ المسمى واحد كَالْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ، وَقَدْ يَكُونُ الِاسْمُ وَاحِدًا وَالْمُسَمَّيَاتُ كَثِيرَةً كَالْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَذَلِكَ أَيْضًا يُوجِبُ الْمُغَايَرَةَ. الثَّالِثُ: أَنَّ كَوْنَ الِاسْمِ اسْمًا لِلْمُسَمَّى وَكَوْنَ المسمى مسمى بِالِاسْمِ مِنْ بَابِ الْإِضَافَةِ كَالْمَالِكِيَّةِ وَالْمَمْلُوكِيَّةِ، وَأَحَدُ الْمُضَافَيْنِ مُغَايِرٌ لِلْآخَرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يُشْكِلُ هَذَا بِكَوْنِ الشَّيْءِ عَالِمًا بِنَفْسِهِ. الرَّابِعُ: الِاسْمُ أَصْوَاتٌ مُقَطَّعَةٌ وُضِعَتْ لِتَعْرِيفِ الْمُسَمَّيَاتِ، وَتِلْكَ الْأَصْوَاتُ أَعْرَاضٌ غَيْرُ بَاقِيَةٍ، وَالْمُسَمَّى قَدْ يَكُونُ بَاقِيًا، بَلْ يَكُونُ وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ. الْخَامِسُ: أَنَّا إِذَا تَلَفَّظْنَا بِالنَّارِ وَالثَّلْجِ فَهَذَانِ اللَّفْظَانِ مَوْجُودَانِ فِي أَلْسِنَتِنَا، فَلَوْ كَانَ الِاسْمُ نَفْسَ الْمُسَمَّى لَزِمَ أَنْ يَحْصُلَ فِي أَلْسِنَتِنَا النَّارُ وَالثَّلْجُ، وَذَلِكَ لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ. السَّادِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا» فَهَهُنَا الْأَسْمَاءُ كَثِيرَةٌ وَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ، وَهُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. السَّابِعُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: بِسْمِ اللَّهِ وَقَوْلَهُ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرَّحْمَنِ: 78] فَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ يَقْتَضِي إِضَافَةُ الِاسْمِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ مُحَالٌ. الثَّامِنُ: أَنَّا نُدْرِكُ تَفْرِقَةً ضَرُورِيَّةً بَيْنَ قَوْلِنَا اسْمُ اللَّهِ، وَبَيْنَ قَوْلِنَا اسْمُ الِاسْمِ، وَبَيْنَ قَوْلِنَا اللَّهُ اللَّهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى. التَّاسِعُ: أَنَّا نَصِفُ الْأَسْمَاءَ بِكَوْنِهَا عَرَبِيَّةً وَفَارِسِيَّةً فَنَقُولُ: اللَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ، وَخَدَايُ اسْمٌ فَارِسِيٌّ، وَأَمَّا ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى فَمُنَزَّهٌ عَنْ كَوْنِهِ كَذَلِكَ. الْعَاشِرُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [الْأَعْرَافِ: 180] أَمَرَنَا بِأَنْ نَدْعُوَ اللَّهَ بأسمائه
فَالِاسْمُ آلَةُ الدُّعَاءِ، وَالْمَدْعُوُّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمُغَايَرَةُ بَيْنَ ذَاتِ الْمَدْعُوِّ وَبَيْنَ اللَّفْظِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الدُّعَاءُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى بِالنَّصِّ، وَالْحُكْمِ، أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرَّحْمَنِ: 78] وَالْمُتَبَارِكُ الْمُتَعَالِي هُوَ اللَّهُ تَعَالَى لَا الصَّوْتُ وَلَا الْحَرْفُ، وَأَمَّا الْحُكْمُ فَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ: زَيْنَبُ طَالِقٌ، وَكَانَ زَيْنَبُ اسْمًا لِامْرَأَتِهِ وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ، وَلَوْ كَانَ الِاسْمُ غَيْرَ الْمُسَمَّى لَكَانَ قَدْ أُوقِعَ الطَّلَاقُ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنْ يُقَالَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَقِدَ كَوْنَهُ تَعَالَى مُنَزَّهًا عَنْ النَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْنَا تَنْزِيهُ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لِتَعْرِيفِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ عَنِ الْعَبَثِ وَالرَّفَثِ وَسُوءِ الْأَدَبِ. وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَنَا زَيْنَبُ طَالِقٌ مَعْنَاهُ أَنَّ الذَّاتَ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْهَا بِهَذَا اللَّفْظِ طَالِقٌ، فَلِهَذَا السَّبَبِ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: التَّسْمِيَةُ عِنْدَنَا غَيْرُ الِاسْمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّسْمِيَةَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْيِينِ اللَّفْظِ الْمُعَيَّنِ لِتَعْرِيفِ الذَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ، وَذَلِكَ التَّعْيِينُ مَعْنَاهُ قَصْدُ الْوَاضِعِ وَإِرَادَتُهُ، وَأَمَّا الِاسْمُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تِلْكَ اللفظة المعينة. والفرق بينهما معلوم بالضرورة. الاسم أسبق من الفعل وضعا: المسألة الخامسة [الاسم أسبق من الفعل وضعا] : قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي تَسْتَتْبِعُ ذِكْرَ الْأَلْفَاظِ/ الدَّالَّةِ عَلَى ارْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِالْبَعْضِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ الظَّاهِرِ وَضْعُ الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ سَابِقٌ عَلَى وَضْعِ الْحُرُوفِ، فَأَمَّا الْأَفْعَالُ وَالْأَسْمَاءُ فَأَيُّهُمَا أَسْبَقُ؟ الْأَظْهَرُ أَنَّ وَضْعَ الْأَسْمَاءِ سَابِقٌ عَلَى وَضْعِ الْأَفْعَالِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: - الْأَوَّلُ: أَنَّ الِاسْمَ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ، وَالْفِعْلَ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى حُصُولِ الْمَاهِيَّةِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِي زَمَانٍ مُعَيَّنٍ، فَكَانَ الِاسْمُ مُفْرَدًا وَالْفِعْلُ مُرَكَّبًا، وَالْمُفْرَدُ سَابِقٌ عَلَى الْمُرَكَّبِ بِالذَّاتِ وَالرُّتْبَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهِ فِي الذِّكْرِ وَاللَّفْظِ. الثَّانِي: أَنَّ الْفِعْلَ يَمْتَنِعُ التَّلَفُّظُ بِهِ إِلَّا عِنْدَ الْإِسْنَادِ إِلَى الْفَاعِلِ، أَمَّا اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى ذَلِكَ الْفَاعِلِ فَقَدْ يَجُوزُ التَّلَفُّظُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْنَدَ إِلَيْهِ الْفِعْلُ، فَعَلَى هَذَا الْفَاعِلُ غَنِيٌّ عَنِ الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ مُحْتَاجٌ إِلَى الْفَاعِلِ، وَالْغَنِيُّ سَابِقٌ بِالرُّتْبَةِ عَلَى الْمُحْتَاجِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهِ فِي الذِّكْرِ. الثَّالِثُ: أَنَّ تَرْكِيبَ الِاسْمِ مَعَ الِاسْمِ مُفِيدٌ، وَهُوَ الْجُمْلَةُ الْمُرَكَّبَةُ مِنَ المبتدأ والخير، أَمَّا تَرْكِيبُ الْفِعْلِ مَعَ الْفِعْلِ فَلَا يُفِيدُ الْبَتَّةَ، بَلْ مَا لَمْ يَحْصُلْ فِي الْجُمْلَةِ الِاسْمُ لَمْ يُفِدِ الْبَتَّةَ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الِاسْمَ مُتَقَدِّمٌ بِالرُّتْبَةِ عَلَى الْفِعْلِ، فَكَانَ الْأَظْهَرُ تَقَدُّمَهُ عليه بحسب الوضع. تقدم اسم الجنس على المشتق وضعا: المسألة السادسة [تقدم اسم الجنس على المشتق وضعا] : قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الِاسْمَ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِلْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، وَقَدْ يَكُونُ اسما مشتقا
وَهُوَ الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى كَوْنِ الشَّيْءِ مَوْصُوفًا بِالصِّفَةِ الْفُلَانِيَّةِ كَالْعَالِمِ وَالْقَادِرِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ أَسْمَاءَ الْمَاهِيَّاتِ سَابِقَةٌ بِالرُّتْبَةِ عَلَى الْمُشْتَقَّاتِ، لِأَنَّ الْمَاهِيَّاتِ مُفْرَدَاتٌ وَالْمُشْتَقَّاتِ مُرَكَّبَاتٌ وَالْمُفْرَدَ قَبْلَ الْمُرَكَّبِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ أَسْمَاءُ الصِّفَاتِ سَابِقَةً بِالرُّتْبَةِ عَلَى أَسْمَاءِ الذَّوَاتِ الْقَائِمَةِ بِأَنْفُسِهَا، لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ الذَّوَاتِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهَا، وَالْمُعَرَّفُ مَعْلُومٌ قَبْلَ الْمُعَرِّفِ وَالسَّبْقُ فِي المعرفة يناسب السبق في الذكر. أقسام أسماء المسميات: الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: فِي أَقْسَامِ الْأَسْمَاءِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الْمُسَمَّيَاتِ: اعْلَمْ أَنَّهَا تِسْعَةٌ، فَأَوَّلُهَا: الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الذَّاتِ، وَثَانِيهَا: الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ ذَاتِهِ كَمَا إِذَا قلنا لجدار إِنَّهُ جِسْمٌ وَجَوْهَرٌ، وَثَالِثُهَا: الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ كَقَوْلِنَا لِلشَّيْءِ إِنَّهُ أَسْوَدُ وَأَبْيَضُ وَحَارٌّ وَبَارِدٌ فَإِنَّ السواد والبياض والحرارة والبرودة صفات حقيقة قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْأَشْيَاءِ الْخَارِجِيَّةِ، وَرَابِعُهَا: الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ إِضَافِيَّةٍ فَقَطْ كَقَوْلِنَا لِلشَّيْءِ إِنَّهُ مَعْلُومٌ وَمَفْهُومٌ وَمَذْكُورٌ وَمَالِكٌ وَمَمْلُوكٌ، وَخَامِسُهَا: الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ حَالَةٍ سَلْبِيَّةٍ كَقَوْلِنَا إِنَّهُ أَعْمَى وَفَقِيرٌ وَقَوْلِنَا إِنَّهُ سَلِيمٌ عَنِ الْآفَاتِ خَالٍ/ عن المخافات، وَسَادِسُهَا: الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ صِفَةٍ إِضَافِيَّةٍ كَقَوْلِنَا لِلشَّيْءِ إِنَّهُ عَالِمٌ وَقَادِرٌ فَإِنَّ الْعِلْمَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَلَهَا إِضَافَةٌ إِلَى الْمَعْلُومَاتِ وَالْقُدْرَةُ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَلَهَا إِضَافَةٌ إِلَى الْمَقْدُورَاتِ، وَسَابِعُهَا: الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ كَالْمَفْهُومِ مِنْ مَجْمُوعِ قَوْلِنَا قَادِرٌ لَا يَعْجَزُ عَنْ شَيْءٍ وَعَالِمٌ لَا يَجْهَلُ شَيْئًا. وَثَامِنُهَا: الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ إِضَافِيَّةٍ مَعَ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ مِثْلُ لَفْظِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ صِفَةٌ إِضَافِيَّةٌ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَسْبِقَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ، وَمِثْلُ الْقَيُّومِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ كَوْنُهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ مُقَوِّمًا لِغَيْرِهِ فَقِيَامُهُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ وَتَقْوِيمُهُ لِغَيْرِهِ احْتِيَاجُ غَيْرِهِ إِلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ: سَلْبٌ، وَالثَّانِي: إِضَافَةٌ، وَتَاسِعُهَا: الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ مَجْمُوعِ صِفَةٍ حقيقة وَإِضَافِيَّةٍ وَسَلْبِيَّةٍ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي تَقْسِيمِ الْأَسْمَاءِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الِاسْمُ اسْمًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وتعالى أو لغيره من أقسام المحادثات فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ قِسْمٌ آخَرُ مِنْ أَقْسَامِ الْأَسْمَاءِ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهُ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: فِي بَيَانِ أَنَّهُ هَلْ لِلَّهِ تَعَالَى بِحَسَبِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ اسْمٌ أَمْ لَا؟ اعْلَمْ أَنَّ الْخَوْضَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْبُوقٌ بِمُقَدِّمَاتٍ عَالِيَةٍ مِنَ الْمَبَاحِثِ الْإِلَهِيَّةِ. الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: أَنَّهُ تَعَالَى مُخَالِفٌ لِخَلْقِهِ، لِذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ لَا لِصِفَةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ ذَاتَهُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ سَائِرِ الصِّفَاتِ إِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِخَلْقِهِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَتْ مُسَاوِيَةً لِسَائِرِ الذَّوَاتِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ مُخَالَفَةُ ذَاتِهِ لِسَائِرِ الذَّوَاتِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِصِفَةٍ زَائِدَةٍ، فَاخْتِصَاصُ ذَاتِهِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا وَقَعَتِ الْمُخَالَفَةُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَمْرٍ الْبَتَّةَ فَحِينَئِذٍ لَزِمَ رُجْحَانُ الْجَائِزِ لَا لِمُرَجِّحٍ، وَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ آخَرَ لَزِمَ إِمَّا التَّسَلْسُلُ وَإِمَّا الدَّوْرُ وَهُمَا مُحَالَانِ، فَإِنْ قِيلَ، هِيَ قَوْلُنَا فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ خُصُوصِيَّةُ تِلْكَ الصِّفَةِ لِصِفَةٍ أُخْرَى وَيَلْزَمُ مِنْهُ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُحَالٌ. الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّا نَقُولُ: إِنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ، لِأَنَّ سَلْبَ الْجِسْمِيَّةِ وَالْجَوْهَرِيَّةِ مَفْهُومٌ سلبي،
وَذَاتَهُ الْمَخْصُوصَةَ أَمْرٌ ثَابِتٌ، وَالْمُغَايَرَةَ بَيْنَ السَّلْبِ وَالثُّبُوتِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وَأَيْضًا فَذَاتُهُ الْمَخْصُوصَةُ لَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِ الْقَادِرِيَّةِ وَالْعَالِمِيَّةِ، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْقَادِرِيَّةِ وَالْعَالِمِيَّةِ مَفْهُومَاتٌ إِضَافِيَّةٌ، وَذَاتَهُ ذَاتٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْجُودِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ وَبَيْنَ الِاعْتِبَارَاتِ النِّسْبِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ. الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ: فِي بَيَانِ أَنَّا فِي هَذَا الْوَقْتِ لَا نَعْرِفُ ذَاتَهُ الْمَخْصُوصَةَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: - الْأَوَّلُ: أَنَّا إِذَا رَجَعْنَا إِلَى عُقُولِنَا وَأَفْهَامِنَا لَمْ نَجِدْ عِنْدَ عُقُولِنَا مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أَحَدَ أُمُورٍ: / أَرْبَعَةٍ: إِمَّا الْعِلْمَ بِكَوْنِهِ مَوْجُودًا، وَإِمَّا الْعِلْمَ بِدَوَامِ وَجُودِهِ، وَإِمَّا الْعِلْمَ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَهِيَ الِاعْتِبَارَاتُ السَّلْبِيَّةُ، وَإِمَّا الْعِلْمَ بِصِفَاتِ الْإِكْرَامِ وَهِيَ الِاعْتِبَارَاتُ الْإِضَافِيَّةُ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ ذَاتَهُ الْمَخْصُوصَةَ مُغَايِرَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ حَقِيقَتَهُ غَيْرُ وُجُودِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ حَقِيقَتُهُ أَيْضًا مُغَايِرَةً لِدَوَامِ وُجُودِهِ، وَثَبَتَ أَنَّ حَقِيقَتَهُ غَيْرُ سَلْبِيَّةٍ وَغَيْرُ إِضَافِيَّةٍ، وَإِذَا كَانَ لَا مَعْلُومَ عِنْدَ الْخَلْقِ إِلَّا أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ وَثَبَتَ أَنَّهَا مُغَايِرَةٌ لِحَقِيقَتِهِ الْمَخْصُوصَةِ، ثَبَتَ أَنَّ حَقِيقَتَهُ الْمَخْصُوصَةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لِلْبَشَرِ. الثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ التَّامَّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّا لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَصَوَّرَ أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا مِنْ طُرُقِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ: أَحَدُهَا: الْأَشْيَاءُ الَّتِي أَدْرَكْنَاهَا بِإِحْدَى هَذِهِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، وَثَانِيهَا: الْأَحْوَالُ الَّتِي نُدْرِكُهَا مِنْ أَحْوَالِ أَبْدَانِنَا كَالْأَلَمِ وَاللَّذَّةِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْفَرَحِ وَالْغَمِّ، وَثَالِثُهَا: الْأَحْوَالُ الَّتِي نُدْرِكُهَا بِحَسَبِ عُقُولِنَا مِثْلُ عِلْمِنَا بِحَقِيقَةِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَالْوَحْدَةِ وَالْكَثْرَةِ وَالْوُجُوبِ وَالْإِمْكَانِ، وَرَابِعُهَا: الْأَحْوَالُ الَّتِي يُدْرِكُهَا الْعَقْلُ وَالْخَيَالُ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ، فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ هِيَ الَّتِي يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَصَوَّرَهَا وَأَنْ نُدْرِكَهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَثَبَتَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُغَايِرَةٌ لِهَذِهِ الْأَقْسَامِ، ثَبَتَ أَنَّ حَقِيقَتَهُ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْخَلْقِ. الثَّالِثُ: أَنَّ حَقِيقَتَهُ الْمَخْصُوصَةَ عِلَّةٌ لِجَمِيعِ لَوَازِمِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ وَالْعِلْمُ بِالْعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالْمَعْلُولِ، وَلَوْ كَانَتْ حَقِيقَتُهُ الْمَخْصُوصَةُ مَعْلُومَةً لَكَانَتْ صِفَاتُهُ بِأَسْرِهَا مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فَذَاكَ مَعْدُومٌ، فَثَبَتَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْحَقِّ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ. الْمُقَدِّمَةُ الرَّابِعَةُ: فِي بَيَانِ أَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً لِلْبَشَرِ فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَصِيرَ مَعْقُولَةً لَهُمْ. الْمُقَدِّمَةُ الْخَامِسَةُ: فِي بَيَانِ أَنَّ الْبَشَرَ وَإِنِ امْتَنَعَ فِي عُقُولِهِمْ إِدْرَاكُ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَهَلْ يُمْكِنُ ذَلِكَ الْعِرْفَانُ فِي حَقِّ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ فِي حَقِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِمْ؟ الْإِنْصَافُ أَنَّ هَذِهِ الْمَبَاحِثَ صَعْبَةٌ، وَالْعَقْلَ كَالْعَاجِزِ الْقَاصِرِ فِي الْوَفَاءِ بِهَا كَمَا يَنْبَغِي، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُقُولُ الْمَخْلُوقَاتِ وَمَعَارِفُهُمْ مُتَنَاهِيَةٌ، وَالْحَقُّ تَعَالَى غَيْرُ مُتَنَاهٍ، وَالْمُتَنَاهِي يَمْتَنِعُ وُصُولُهُ إِلَى غَيْرِ الْمُتَنَاهِي وَلِأَنَّ أَعْظَمَ الْأَشْيَاءِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَعْظَمَ الْعُلُومِ عِلْمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَعْظَمَ الْأَشْيَاءِ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إِلَّا بِأَعْظَمِ الْعُلُومِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَعْرِفُ اللَّهَ إِلَّا اللَّهُ. الْمُقَدِّمَةُ السَّادِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَشْيَاءِ عَلَى نَوْعَيْنِ: مَعْرِفَةٍ عَرَضِيَّةٍ، وَمَعْرِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ: أَمَّا الْمَعْرِفَةُ الْعَرَضِيَّةُ فَكَمَا إِذَا رَأَيْنَا بناء عَلِمْنَا بِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَانٍ، فَأَمَّا أَنَّ ذَلِكَ الْبَانِيَ كَيْفَ كَانَ فِي مَاهِيَّتِهِ، وَأَنَّ حَقِيقَتَهُ مِنْ أَيِّ أَنْوَاعِ الْمَاهِيَّاتِ، فَوُجُودُ الْبِنَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا/ الْمَعْرِفَةُ الذَّاتِيَّةُ فَكَمَا إِذَا عَرَفْنَا اللَّوْنَ الْمُعَيَّنَ بِبَصَرِنَا، وَعَرَفْنَا الْحَرَارَةَ بِلَمْسِنَا، وَعَرَفْنَا الصَّوْتَ بِسَمْعِنَا، فَإِنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِلْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ إِلَّا هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الْمَلْمُوسَةُ، وَلَا حَقِيقَةَ لِلسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ إِلَّا هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الْمَرْئِيَّةُ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: أَنَّا إِذَا عَلِمْنَا احْتِيَاجَ الْمُحْدَثَاتِ إِلَى مُحْدِثٍ
وَخَالِقٍ فَقَدْ عَرَفْنَا اللَّهَ تَعَالَى مَعْرِفَةً عَرَضِيَّةً إِنَّمَا الَّذِي نَفَيْنَاهُ الْآنَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ الذَّاتِيَّةُ، فَلْتَكُنْ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ مَعْلُومَةً حَتَّى لَا تَقَعَ فِي الْغَلَطِ. الْمُقَدِّمَةُ السَّابِعَةُ: اعْلَمْ أَنَّ إِدْرَاكَ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ- أَعْنِي ذَلِكَ النَّوْعَ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ بِالْمَعْرِفَةِ الذَّاتِيَّةِ- يَقَعُ فِي الشَّاهِدِ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْعِلْمُ، وَالثَّانِي: الْإِبْصَارُ، فَإِنَّا إِذَا أَبْصَرْنَا السَّوَادَ ثُمَّ غَمَضْنَا الْعَيْنَ فَإِنَّا نَجِدُ تَفْرِقَةً بَدِيهِيَّةً بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْعِلْمَ غَيْرٌ، وَأَنَّ الْإِبْصَارَ غَيْرٌ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: بِتَقْدِيرِ أَنَّهُ يُقَالُ يُمْكِنُ حُصُولُ الْمَعْرِفَةِ الذَّاتِيَّةِ لِلْخَلْقِ فَهَلْ لِتِلْكَ الْمَعْرِفَةِ وَلِذَلِكَ الْإِدْرَاكِ طَرِيقٌ وَاحِدٌ فَقَطْ أَوْ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَلَى طَرِيقَيْنِ مِثْلِ مَا فِي الشَّاهِدِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِبْصَارِ؟ هَذَا أَيْضًا مِمَّا لَا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إِلَى الْقَضَاءِ بِهِ وَالْجَزْمِ فِيهِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَعْرِفَةُ، وَالثَّانِي: الْإِبْصَارُ فَهَلِ الْأَمْرُ هُنَاكَ مَقْصُورٌ عَلَى هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ أَوْ هُنَاكَ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ وَمَرَاتِبُ مُخْتَلِفَةٌ؟ كُلُّ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ مِمَّا لَا يَقْدِرُ الْعَقْلُ عَلَى الْجَزْمِ فِيهَا الْبَتَّةَ، فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ. الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: فِي أَنَّهُ هَلْ لِلَّهِ تَعَالَى بِحَسَبِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ اسْمٌ أَمْ لَا؟ نُقِلَ عَنْ قُدَمَاءِ الْفَلَاسِفَةِ إِنْكَارُهُ، قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ وَضْعِ الِاسْمِ الْإِشَارَةُ بِذِكْرِهِ إِلَى الْمُسَمَّى فَلَوْ كَانَ لِلَّهِ بِحَسَبِ ذَاتِهِ اسْمٌ لَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ وَضْعِ ذَلِكَ الِاسْمِ ذِكْرَهُ مَعَ غَيْرِهِ لِتَعْرِيفِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْخَلْقِ لَا يَعْرِفُ ذَاتَهُ الْمَخْصُوصَةَ الْبَتَّةَ لَمْ يَبْقَ فِي وَضْعِ الِاسْمِ لِتِلْكَ الْحَقِيقَةِ فَائِدَةٌ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الِاسْمِ مَفْقُودٌ، فَعِنْدَ هَذَا قَالُوا: إِنَّهُ لَيْسَ لِتِلْكَ الْحَقِيقَةِ اسْمٌ، بَلْ لَهُ لَوَازِمُ مَعْرِفَةٍ، وَتِلْكَ اللَّوَازِمُ هِيَ أَنَّهُ الْأَزَلِيُّ الَّذِي لَا يَزُولُ، وَأَنَّهُ الْوَاجِبُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْعَدَمَ، وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُشْرِفَ بَعْضُ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ عِبَادِهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ عَارِفًا بِتِلْكَ الْحَقِيقَةِ الْمَخْصُوصَةِ قَالُوا: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لَا يَمْتَنِعُ وَضْعُ الِاسْمِ لِتِلْكَ الْحَقِيقَةِ الْمَخْصُوصَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ السَّابِقَةِ. الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الِاسْمِ لِتِلْكَ الْحَقِيقَةِ الْمَخْصُوصَةِ مُمْكِنًا وَجَبَ الْقَطْعُ بِأَنَّ ذَلِكَ الِاسْمَ أَعْظَمُ الْأَسْمَاءِ، وَذَلِكَ الذِّكْرَ أَشْرَفُ الْأَذْكَارِ، لِأَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ بِشَرَفِ الْمَعْلُومِ، وَشَرَفَ الذِّكْرِ بِشَرَفِ الْمَذْكُورِ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى أَشْرَفَ الْمَعْلُومَاتِ وَالْمَذْكُورَاتِ/ كَانَ الْعِلْمُ بِهِ أَشْرَفَ الْعُلُومِ، وَكَانَ ذِكْرُ اللَّهِ أَشْرَفَ الْأَذْكَارِ، وَكَانَ ذَلِكَ الِاسْمُ أَشْرَفَ الْأَسْمَاءِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْكَلَامِ الْمَشْهُورِ الْوَاقِعِ فِي الْأَلْسِنَةِ، وَهُوَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَلَوِ اتَّفَقَ لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ أَوْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ الْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ الِاسْمِ حَالَ مَا يَكُونُ قَدْ تَجَلَّى لَهُ مَعْنَاهُ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يُطِيعَهُ جَمِيعُ عوالم الجسمانيات والروحانيات. اسم الله الأعظم: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ مَوْجُودٌ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى وُجُوهٍ: - الْأَوَّلُ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ ذَلِكَ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ هُوَ قَوْلُنَا: ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرَّحْمَنِ: 27] وَوَرَدَ فِيهِ قوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» وَهَذَا عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْجَلَالَ إِشَارَةٌ إِلَى الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ، وَالْإِكْرَامَ إِشَارَةٌ إِلَى الصِّفَاتِ الْإِضَافِيَّةِ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ حَقِيقَتَهُ الْمَخْصُوصَةَ مُغَايِرَةٌ لِلسُّلُوبِ وَالْإِضَافَاتِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ أنه هو الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255] لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأُبَيِّ بْنِ
الباب الرابع في البحث عن الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية
كعب: ما أعظم آية في كتاب الله تَعَالَى؟ فَقَالَ: اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [الْبَقَرَةِ: 255] فَقَالَ: «لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» وَعِنْدِي أَنَّهُ ضَعِيفٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَيَّ هُوَ الدَّرَّاكُ الْفَعَّالُ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ كَثْرَةُ عَظَمَةٍ لِأَنَّهُ صِفَةٌ، وَأَمَّا الْقَيُّومُ فَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الْقِيَامِ، وَمَعْنَاهُ كَوْنُهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ مُقَوِّمًا لِغَيْرِهِ، فَكَوْنُهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ مَفْهُومٌ سَلْبِيٌّ وَهُوَ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَكَوْنُهُ مُقَوِّمًا لِغَيْرِهِ صِفَةٌ إِضَافِيَّةٌ فَالْقَيُّومُ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى مَجْمُوعِ سَلْبٍ وَإِضَافَةٍ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عِبَارَةً عَنِ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: أَسْمَاءُ اللَّهِ كُلُّهَا عَظِيمَةٌ مُقَدَّسَةٌ، وَلَا يَجُوزُ وَصْفُ الْوَاحِدِ مِنْهَا بِأَنَّهُ أَعْظَمُ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي وَصْفَ مَا عَدَاهُ بِالنُّقْصَانِ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْأَسْمَاءَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى الْأَقْسَامِ التِّسْعَةِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الِاسْمَ الدَّالَّ عَلَى الذَّاتِ الْمَخْصُوصَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ الْأَسْمَاءِ وَأَعْظَمَهَا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا بِالدَّلَائِلِ فَلَا سَبِيلَ فِيهِ إِلَى الْإِنْكَارِ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ هُوَ قَوْلُنَا: «اللَّهُ» وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ عِنْدِي لِأَنَّا سَنُقِيمُ الدَّلَالَةَ عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَجْرِي مَجْرَى اسْمِ الْعَلَمِ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ دَالًّا عَلَى ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَمَّا الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى الْمُسَمَّى بِحَسَبِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ مَاهِيَّةِ الْمُسَمَّى فَهَذَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ، لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ مَنْ كَانَتْ مَاهِيَّتُهُ مُرَكَّبَةً مِنَ الْأَجْزَاءِ وَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ مُحَالٌ، لِأَنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى جُزْئِهِ، وَجُزْؤُهُ غَيْرُهُ فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى غَيْرِهِ، وَكُلُّ مُحْتَاجٍ إِلَى غَيْرِهِ فَهُوَ مُمْكِنٌ، يَنْتِجُ أَنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَهُوَ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، فَمَا لَا/ يَكُونُ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا، وَمَا لَا يَكُونُ مُرَكَّبًا امْتَنَعَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ اسْمٌ بِحَسَبِ جُزْءِ مَاهِيَّتِهِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الِاسْمَ الدَّالَّ عَلَى الذَّاتِ هَلْ هُوَ حَاصِلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا، قَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ النَّاسِ فِيهِ، وَأَمَّا الِاسْمُ الدَّالُّ بِحَسَبِ جُزْءِ الْمَاهِيَّةِ فَقَدْ أَقَمْنَا الْبُرْهَانَ الْقَاطِعَ عَلَى امْتِنَاعِ حُصُولِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَبَقِيَتِ الْأَقْسَامُ السَّبْعَةُ فَنَقُولُ: أَمَّا الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ فَتِلْكَ الصِّفَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ هِيَ الْوُجُودَ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ كَيْفِيَّةً مِنْ كَيْفِيَّاتِ الْوُجُودِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ صِفَةً أُخْرَى مُغَايِرَةً لِلْوُجُودِ وَلِكَيْفِيَّاتِ ذَلِكَ الْوُجُودِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْمَسَائِلَ الْمُفَرَّعَةَ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَاللَّهُ الْهَادِي. الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْبَحْثِ عَنِ الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الصِّفَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: الْأَسْمَاءُ الدَّالَّةُ عَلَى الْوُجُودِ وفيه مسائل: - تسمية الله بالشيء: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَطْبَقَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِاسْمِ الشَّيْءِ وَنُقِلَ عَنْ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، أَمَّا حُجَّةُ الْجُمْهُورِ فَوُجُوهٌ: - الْحُجَّةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ [الْأَنْعَامِ: 19] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ
تَسْمِيَةُ اللَّهِ بِاسْمِ الشَّيْءِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْكَلَامُ مَقْصُورًا عَلَى قَوْلِهِ: قُلِ اللَّهُ لَكَانَ دَلِيلُكُمْ حَسَنًا، لَكِنْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلِ الْمَذْكُورُ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الْأَنْعَامِ: 19] وَهَذَا كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ قُلْنَا: لَمَّا قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً ثُمَّ قَالَ: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ جَارِيَةً مَجْرَى الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْمَقْصُودُ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [الْقَصَصِ: 8] وَالْمُرَادُ بِوَجْهِهِ ذَاتُهُ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ذَاتُهُ شَيْئًا لَمَا جَازَ اسْتِثْنَاؤُهُ عَنْ قَوْلِهِ: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسَمًّى بِالشَّيْءِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي خَبَرِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرَهُ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الشَّيْءِ يَقَعُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: رَوَى عَبْدُ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي سَمَّاهُ «بِالْفَارُوقِ» عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّ الشَّيْءَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَصِحُّ أَنْ يُعْلَمَ وَيُخْبَرَ عَنْهُ، وَذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى كَذَلِكَ، فَيَكُونُ شَيْئًا. وَاحْتَجَّ جَهْمٌ بِوُجُوهٍ: الْحُجَّةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزُّمَرِ: 62] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الْمَائِدَةِ: 17] فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ مَخْلُوقًا وَمَقْدُورًا، وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا مَقْدُورٍ، يَنْتِجُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ بِشَيْءٍ. فَإِنْ قَالُوا إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَقَوْلَهُ: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك: 1] عَامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، قُلْنَا الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ التَّخْصِيصَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالدَّلَائِلُ اللَّفْظِيَّةُ يَكْفِي فِي تَقْرِيرِهَا هَذَا الْقَدْرُ، الثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ هُوَ أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يُقِيمُونَ الْأَكْثَرَ مَقَامَ الْكُلِّ، فَلِهَذَا السَّبَبِ جَوَّزُوا دُخُولَ التَّخْصِيصِ فِي الْعُمُومِيَّاتِ، إِلَّا أَنَّ إِجْرَاءَ الْأَكْثَرِ مَجْرَى الْكُلِّ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَكُونُ الْخَارِجُ عَنِ الْحُكْمِ حَقِيرًا قَلِيلَ الْقَدْرِ فَيُجْعَلُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَيُحْكَمُ عَلَى الْبَاقِي بِحُكْمِ الْكُلِّ، فَثَبَتَ أَنَّ التَّخْصِيصَ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي تَكُونُ حَقِيرَةً سَاقِطَةَ الدَّرَجَةِ إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى مُسَمًّى بِالشَّيْءِ كَانَ أَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ وَأَجَلُّهَا هُوَ اللَّهَ تَعَالَى، فَامْتَنَعَ أَنْ يَحْصُلَ فِيهِ جَوَازُ التَّخْصِيصِ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِأَنَّ ادِّعَاءَ هَذَا التَّخْصِيصِ مُحَالٌ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشُّورَى: 11] حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّ مِثْلَ مِثْلِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلٌ لِمِثْلِ نَفْسِهِ، وَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مِثْلَ مِثْلِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَنْتِجُ أَنَّهُ تَعَالَى غَيْرُ مُسَمًّى بِالشَّيْءِ، فَإِنْ قَالُوا إِنَّ الْكَافَ زَائِدَةٌ، قُلْنَا هَذَا الْكَلَامُ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْحَرْفَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَغْوٌ وَعَبَثٌ وَبَاطِلٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ هُوَ الْبَاطِلُ، وَمَتَى قُلْنَا إِنَّ هَذَا الْحَرْفَ لَيْسَ بِبَاطِلٍ صَارَتِ الْحُجَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالْكَمَالِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: لَفْظُ الشَّيْءِ لَا يُفِيدُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ وَالْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى يَجِبُ كَوْنُهَا كَذَلِكَ يَنْتِجُ أَنَّ لَفْظَ الشَّيْءِ لَيْسَ اسْمًا لِلَّهِ تَعَالَى: أَمَّا قَوْلُنَا إِنَّ اسْمَ الشَّيْءِ لَا يُفِيدُ الْمَدْحَ وَالْجَلَالَ فَظَاهِرٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْءِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الذَّرَّةِ الْحَقِيرَةِ وَبَيْنَ أَشْرَفِ الْأَشْيَاءِ، وَإِذَا كَانَ كذلك
كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْءِ حَاصِلًا فِي أَخَسِّ الْأَشْيَاءِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الشَّيْءِ لَا يُفِيدُ صِفَةَ الْمَدْحِ وَالْجَلَالِ، وَأَمَّا قَوْلُنَا: أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ دَالَّةً عَلَى صِفَةِ الْمَدْحِ وَالْجَلَالِ، فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [الْأَعْرَافِ: 180] وَالِاسْتِدْلَالُ بالآية أن كون الْأَسْمَاءُ حَسَنَةً لَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا كَوْنُهَا دَالَّةً عَلَى الصِّفَاتِ الْحَسَنَةِ الرَّفِيعَةِ الْجَلِيلَةِ، فَإِذَا لَمْ يَدُلَّ الِاسْمُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَكُنِ/ الِاسْمُ حَسَنًا ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَنَا بِأَنْ نَدْعُوَهُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ [الْأَعْرَافِ: 180] وَهَذَا كَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَنْ دَعَاهُ بِغَيْرِ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ الْحَسَنَةِ فَقَدْ أَلْحَدَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ، فَتَصِيرُ هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةً دَلَالَةً قَوِيَّةً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ إِلَّا بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الدَّالَّةِ عَلَى صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْمَدْحِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَاتَانِ الْمُقْدِّمَتَانِ فَقَدْ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ خَاطَبَ اللَّهَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ يَا شَيْءُ، وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَهَذَا اللَّفْظُ فِي غَايَةِ الْحَقَارَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ خِطَابُ اللَّهِ بِهَذَا الِاسْمِ، بَلْ نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: يَا مُنْشِئَ الْأَشْيَاءِ، يَا مُنْشِئَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ وَاقِعٌ فِي الْمَعْنَى، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ وَذَاتٌ وَحَقِيقَةٌ، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ إِطْلَاقُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَيْهِ، فَهَذَا نِزَاعٌ فِي مُجَرَّدِ اللَّفْظِ لَا فِي الْمَعْنَى، وَلَا يَجْرِي بِسَبَبِهِ تَكْفِيرٌ وَلَا تَفْسِيقٌ، فَلْيَكُنِ الْإِنْسَانُ عَالِمًا بِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الغلط. إطلاق لفظ الموجود على الله: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي بَيَانِ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْمَوْجُودِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِمُقْدِّمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ لَفْظَ الْوُجُودِ يُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ على مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَادَ بِالْوُجُودِ الْوِجْدَانُ وَالْإِدْرَاكُ وَالشُّعُورُ، وَمَتَى أُرِيدَ بِالْوُجُودِ الْوِجْدَانُ وَالْإِدْرَاكُ فَقَدْ أُرِيدَ بِالْمَوْجُودِ لَا مَحَالَةَ الْمُدْرَكُ وَالْمَشْعُورُ بِهِ، وَالثَّانِي: أَنْ يُرَادَ بِالْوُجُودِ الْحُصُولُ وَالتَّحَقُّقُ فِي نَفْسِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَرْقًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ كَوْنَهُ مَعْلُومَ الْحُصُولِ فِي الْأَعْيَانِ، يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ حَاصِلًا فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَنْعَكِسُ، لِأَنَّ كَوْنَهُ حَاصِلًا فِي نَفْسِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ مَعْلُومَ الْحُصُولِ فِي الْأَعْيَانِ: لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ كَوْنُهُ حَاصِلًا فِي نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَعْلُومًا لِأَحَدٍ، بَقِيَ هاهنا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْوُجُودِ هَلْ وُضِعَ أَوَّلًا لِلْإِدْرَاكِ وَالْوِجْدَانِ ثُمَّ نُقِلَ ثَانِيًا إِلَى حُصُولِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ، أَوِ الْأَمْرُ فِيهِ بِالْعَكْسِ، أَوْ وُضِعَا مَعًا؟ فَنَقُولُ: هَذَا الْبَحْثُ لَفْظِيٌّ، وَالْأَقْرَبُ هُوَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ لَوْلَا شُعُورُ الْإِنْسَانِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ لَمَا عَرَفَ حُصُولَهُ فِي نَفْسِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ اللَّفْظِ لِمَعْنَى الشُّعُورِ وَالْإِدْرَاكِ سَابِقًا عَلَى وَضْعِهِ لِحُصُولِ الشَّيْءِ نَفْسِهِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: إِطْلَاقُ لَفْظِ الْمَوْجُودِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَوْنُهُ مَعْلُومًا مَشْعُورًا بِهِ، وَالثَّانِي: كَوْنُهُ فِي نَفْسِهِ ثَابِتًا مُتَحَقِّقًا، أَمَّا بِحَسَبِ الْمَعْنَى/ الْأَوَّلِ فَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَوَجَدُوا اللَّهَ [النساء: 64] ولفظ الوجود هاهنا بِمَعْنَى الْوِجْدَانِ وَالْعِرْفَانِ، وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْقُرْآنِ.
فَإِنْ قَالُوا: لَمَّا حَصَلَ الْوُجُودُ بِمَعْنَى الْوِجْدَانِ لَزِمَ حُصُولُ الْوُجُودِ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ وَالتَّحَقُّقِ إِذْ لَوْ كَانَ عَدَمًا مَحْضًا لَمَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. فَنَقُولُ: هَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْوُجُودِ بِمَعْنَى الْوِجْدَانِ وَالْمَعْرِفَةِ حُصُولُ الْوُجُودِ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ، لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْمَعْدُومَ قَدْ يَكُونُ مَعْلُومًا، وَالثَّانِي: أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ لَيْسَ إِلَّا فِي اللَّفْظِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الِاسْمِ بِحَسَبِ مَعْنَى حُصُولِ الِاسْمِ بِحَسَبِ مَعْنًى آخَرَ، ثُمَّ نَقُولُ: ثَبَتَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ إِطْلَاقُ هَذَا الِاسْمِ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ. فَإِنْ قَالُوا: أَلَسْتُمْ قُلْتُمْ إِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى يَجِبُ كَوْنُهَا دَالَّةً عَلَى الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، وَلَفْظُ الْمَوْجُودِ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ؟. قُلْنَا عَدَلْنَا عَنْ هَذَا الدَّلِيلِ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ، وَأَيْضًا فَدَلَالَةُ لَفْظِ الْمَوْجُودِ عَلَى الْمَدْحِ أَكْثَرُ مِنْ دَلَالَةِ لَفْظِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عِنْدَ قَوْمٍ يَقَعُ لَفْظُ الشَّيْءِ عَلَى الْمَعْدُومِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْمَوْجُودِ، أَمَّا الْمَوْجُودُ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى الْمَعْدُومِ الْبَتَّةَ، فَكَانَ إِشْعَارُ هَذَا اللَّفْظِ بِالْمَدْحِ أَوْلَى. الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الْمَوْجُودِ بِمَعْنَى الْمَعْلُومِ يُفِيدُ صِفَةَ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الدَّلَائِلِ عَلَى وُجُودِهِ وَإِلَاهِيَّتِهِ صَارَ كَأَنَّهُ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ مَوْجُودٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ وَاجِبٌ الْإِقْرَارُ بِهِ عِنْدَ كُلِّ عَقْلٍ، فَهَذَا اللَّفْظُ أَفَادَ الْمَدْحَ وَالثَّنَاءَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَفْظِ الشيء. معنى قولنا ذات الله: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الذَّاتِ: رَوَى عَبْدُ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ الْهَرَوِيُّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي سَمَّاهُ «بِالْفَارُوقِ» أَخْبَارًا تَدُلُّ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ: أَحَدُهَا: عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ أَجْرًا الْوَزِيرُ الصَّالِحُ مِنْ أَمِيرٍ يُطِيعُهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ» ، وَثَانِيهَا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكْذِبْ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ» ، وَثَالِثُهَا: عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا عَلِيًّا فَإِنَّهُ كَانَ مَخْشُوشًا فِي ذَاتِ اللَّهِ» ، وَرَابِعُهَا: عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تُجَاهِدَ نَفْسَكَ وَهَوَاكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ» وَخَامِسُهَا: عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لِلشَّيْطَانَ مَصَايِدَ وَفُخُوخًا مِنْهَا الْبَطَرُ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَالْفَخْرُ بِعَطَاءِ اللَّهِ، وَالْكِبْرُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ» . وَأَقُولُ: إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَصَلَ بِهِ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُورِ فَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ مُذَكَّرًا قِيلَ إِنَّهُ ذُو ذَلِكَ الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَنَّثًا قِيلَ إِنَّهَا ذَاتُ ذَلِكَ الْأَمْرِ، فَهَذِهِ اللَّفْظَةُ وُضِعَتْ لِإِفَادَةِ هَذِهِ النِّسْبَةِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الْإِضَافَةِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ تُثْبَتَ هَذِهِ الصِّفَةُ لِصِفَةٍ الثانية، وَتِلْكَ الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ تُثْبَتُ لِصِفَةٍ ثَالِثَةٍ، وَهَكَذَا إِلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ، بَلْ لَا بُدَّ وَأَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ قَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا مُسْتَقِلَّةٍ بِمَاهِيَّتِهَا، وَحِينَئِذٍ يَصْدُقُ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ أَنَّهَا ذَاتُ تِلْكَ الصِّفَاتِ، فَقَوْلُنَا: «إِنَّهَا ذَاتُ كَذَا وَكَذَا إِنَّمَا يَصْدُقُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهَا، فَلِهَذَا السَّبَبِ جَعَلُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ كَاللَّفْظَةِ الْمُفْرَدَةِ الدَّالَّةِ عَلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْحَقُّ تَعَالَى قَيُّومًا فِي ذَاتِهِ كَانَ إِطْلَاقُ اسْمِ الذَّاتِ عَلَيْهِ حَقًّا وَصِدْقًا، وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنِ الْأَنْصَارِيِّ الْهَرَوِيِّ فَإِنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ لَفْظِ الذَّاتِ فِيهَا حَقِيقَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَاهِيَّتَهُ،
وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهُ طَلَبُ رِضْوَانِ اللَّهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ» أَيْ: فِي طَلَبِ مَرْضَاةِ اللَّهِ، وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِي سائر الأخبار. إطلاق لفظ النفس على الله: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي لَفْظِ النَّفْسِ، وَهَذَا اللَّفْظُ وَارِدٌ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ تَعَالَى: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي، وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [الْمَائِدَةِ: 116] وَقَالَ: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آلِ عِمْرَانَ: 28] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ فَقَدْتُهُ، فَطَلَبْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدَيَّ عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سُخْطِكَ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَئِهِ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ جَاءَنِي يَمْشِي جِئْتُهُ أُهَرْوِلُ» وَالْخَبَرُ الثَّالِثُ: عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» وَالْخَبَرُ الرَّابِعُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ» . الْخَبَرُ الْخَامِسُ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ/ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهَا هَذَا التَّسْبِيحَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ. الْخَبَرُ السَّادِسُ: رَوَى أَبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنِ اللَّهِ سبحانه وتعالى أنه قال: «حرمة الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» وَتَمَامُ الْخَبَرِ مَشْهُورٌ. الْخَبَرُ السَّابِعُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الْأَنْعَامِ: 91] ثُمَّ أَخَذَ يُمَجِّدُ اللَّهُ نَفْسَهُ: أَنَّا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْعَزِيزُ أَنَا الْكَرِيمُ، فَرَجَفَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرُ حَتَّى خِفْنَا سُقُوطَهُ. الْخَبَرُ الثَّامِنُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ فَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ آدَمُ: أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ، وَاصْطَنَعَكَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ، فَهَلْ وجدت كتبته عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» الْخَبَرُ التَّاسِعُ: عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا دِينٌ ارْتَضَيْتُهُ لِنَفْسِي، وَلَنْ يُصْلِحَهُ إِلَّا السَّخَاءُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ، فَأَكْرِمُوهُ بِهِمَا» . الْخَبَرُ الْعَاشِرُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، فَلَا أُبَالِي فِي أَيِّ وَادٍ مِنَ الدُّنْيَا أُهْلِكُهُ، وَأَقْذِفُهُ فِي جَهَنَّمَ، وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي نَفْسِي فِي قَضَاءِ شَيْءٍ قَضَيْتُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» . الْخَبَرُ الْحَادِيَ عَشَرَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مَنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ- أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا» . الْخَبَرُ الثَّانِيَ عَشَرَ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي
رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَأَنْ أَكْسِرَ الْمَعَازِفَ وَالْأَصْنَامَ، وَأَقْسَمَ رَبِّي عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَشْرَبَ عَبْدٌ خَمْرًا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ إِلَّا سَقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ» فَقَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طينة الخبال؟ قال: «صديد أهل جهنم» . نفس الشيء ذاته وحقيقته: وَاعْلَمْ أَنَّ النَّفْسَ عِبَارَةٌ عَنْ ذَاتِ الشَّيْءِ، وَحَقِيقَتِهِ، وَهُوِيَّتِهِ، وَلَيْسَ عِبَارَةً عَنِ الْجِسْمِ الْمُرَكَّبِ مِنَ الْأَجْزَاءِ، لِأَنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُرَكَّبٌ، وَكُلَّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، وَكُلَّ مُمْكِنٍ مُحْدَثٌ، وَذَلِكَ/ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ النَّفْسِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي لَفْظِ الشَّخْصِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَتِهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخْصَ أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذَلِكَ بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ» . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الشَّخْصِ الْجِسْمَ الَّذِي لَهُ تَشَخُّصٌ وَحَجْمِيَّةٌ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ الذَّاتُ الْمَخْصُوصَةُ وَالْحَقِيقَةُ الْمُعَيَّنَةُ فِي نَفْسِهَا تعينا باعتباره يمتاز عن غيره. هل يقال لله «النور» : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ إِطْلَاقُ لَفْظِ النُّورِ عَلَى اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النُّورِ: 35] وَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: نُقِلَ عَنْكَ أَنَّكَ تَقُولُ الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي ظُلْمَةٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ شَيْءٌ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَ فَقَدْ ضَلَّ» فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ هَذَا النُّورُ أَوْ مِنْ جِنْسِهِ قَوْلٌ بَاطِلٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ النُّورَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ جِسْمًا أَوْ كَيْفِيَّةً فِي جِسْمٍ، وَالْجِسْمُ مُحْدَثٌ فَكَيْفِيَّاتُهُ أَيْضًا مُحْدَثَةٌ، وَجَلَّ الْإِلَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُحْدَثًا. الثَّانِي: أَنَّ النُّورَ تُضَادُّهُ الظُّلْمَةُ، وَالْإِلَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ضِدٌّ. الثَّالِثُ: أَنَّ النُّورَ يَزُولُ وَيَحْصُلُ لَهُ أُفُولٌ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْأُفُولِ وَالزَّوَالِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَجَوَابُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ عَقِيبَ هَذِهِ الْآيَةِ مَثَلُ نُورِهِ [النُّورِ: 35] فَأَضَافَ النُّورَ إِلَى نَفْسِهِ إِضَافَةَ الْمِلْكِ إِلَى مَالِكِهِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي ذَاتِهِ لَيْسَ بِنُورٍ، بَلْ هُوَ خَالِقُ النُّورِ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: فَمَا الْمُقْتَضِي لِحُسْنِ إِطْلَاقِ لَفْظِ النُّورِ عَلَيْهِ؟ فَنَقُولُ فِيهِ وجوه: الأول: قرأ بعضهم «لله نور السموات وَالْأَرْضِ» وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَالشُّبْهَةُ زَائِلَةٌ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَوِّرُ الْأَنْوَارِ وَمُبْدِعُهَا وَخَالِقُهَا، فَلِهَذَا التَّأْوِيلِ حَسُنَ إِطْلَاقُ النُّورِ عَلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ بِحِكْمَتِهِ حَصَلَتْ مَصَالِحُ الْعَالَمِ. وَانْتَظَمَتْ مُهِمَّاتُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ كَانَ نَاظِمًا لِلْمَصَالِحِ وَسَاعِيًا فِي الْخَيْرَاتِ فَقَدْ يُسَمَّى بِالنُّورِ، يُقَالُ: فُلَانٌ نُورُ هَذِهِ الْبَلَدِ، إِذَا كَانَ مَوْصُوفًا بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَى عِبَادِهِ بِالْإِيمَانِ وَالْهِدَايَةِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مِنْ جِنْسِ الْأَنْوَارِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْأَخْبَارُ: أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ: نُورٌ عَلى / نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ
لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَكَثِيرَةٌ: الْخَبَرُ الْأَوَّلُ: مَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» . الْخَبَرُ الثَّانِي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ أَيُّ النَّاسِ أَكْيَسُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلَامَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، فَإِذَا دَخَلَ النُّورُ فِي الْقَلْبِ انْفَسَحَ وَاتَّسَعَ لِلِاسْتِعْدَادِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ» . الْخَبَرُ الثَّالِثُ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: تَلَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزُّمَرِ: 22] فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ؟ قَالَ: إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ، فَقُلْتُ: مَا عَلَامَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالتَّأَهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ. الْخَبَرُ الرَّابِعُ: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي طَرِيقٍ إِذْ لَقِيَهُ حَارِثَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ وَاللَّهِ مُؤْمِنًا حَقًّا، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: انْظُرْ مَا تَقُولُ، فَإِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟ فَقَالَ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، وَأَسْهَرْتُ لَيْلِي، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَإِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَعَاوَوْنَ فِيهَا، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: عَرَفْتَ فَالْزَمْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ نَوَّرَ اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» ثُمَّ قال: يا رسول الله، ادع الله لِي بِالشَّهَادَةِ، فَدَعَا لَهُ، فَنُودِيَ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، فَكَانَ أَوَّلَ فَارِسٍ رَكِبَ، فَاسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. الْخَبَرُ الْخَامِسُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ سَمِعَ صَوْتًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْبَابَ مِنَ السَّمَاءِ قَدْ فُتِحَ، وَمَا فُتِحَ قَطُّ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ لَمْ يُؤْتَهُمَا أَحَدٌ مِنْ قَبْلِكَ: فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. الْخَبَرُ السَّادِسُ: عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَمُرُّ الْمُؤْمِنُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُنَادِيهِ النَّارُ: «جُزْ عني يا مؤمن فقد أَطْفَأَ نُورُكَ لَهَبِي» . الْخَبَرُ السَّابِعُ: عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِكَ نُصْبِحُ، وَبِكَ نُمْسِي، وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَفْضَلِ عِبَادِكَ عِنْدَكَ حَظًّا وَنَصِيبًا، فِي كُلِّ خَيْرٍ تقسمه اليوم: من نور تهدي به، أن رَحْمَةٍ تَنْشُرُهَا، أَوْ رِزْقٍ تَبْسُطُهُ، أَوْ ضُرٍّ تَكْشِفُهُ، أَوْ بَلَاءٍ تَدْفَعُهُ، أَوْ سُوءٍ تَرْفَعُهُ، أَوْ فِتْنَةٍ تَصْرِفُهَا» . الْخَبَرُ الثَّامِنُ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سئل عن أهل الجنة فقال: «أهل الجنة شعث رؤسهم، وَسِخَةٌ ثِيَابُهُمْ، لَوْ قُسِّمَ نُورُ أَحَدِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَوَسِعَهُمْ» . الْخَبَرُ التَّاسِعُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ كُلُّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ إِذَا اسْتَأْذَنُوا عَلَى الْأُمَرَاءِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ، وَإِذَا خَطَبُوا النِّسَاءَ لَمْ يُنْكَحُوا، وَإِذَا قَالُوا لَمْ يُنْصَتْ لِقَوْلِهِمْ، حاجة أحدهم
تَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ، لَوْ قُسِّمَ نُورُهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَوَسِعَهُمْ. الْخَبَرُ الْعَاشِرُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «إن اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: نُورِي هُدَايَ، وَ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» كَلِمَتِي، فَمَنْ قَالَهَا أَدْخَلْتُهُ حِصْنِي وَمَنْ أَدْخَلْتُهُ حِصْنِي فَقَدْ أَمِنَ. الخبر الحادي عشر: من هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، وَبِنُورِهِ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الْأَرْضُ وَأَضَاءَتْ بِهِ الظُّلُمَاتُ، مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَمِنْ تَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَمِنْ فَجْأَةِ نِقْمَتِكَ، وَمِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ وَشَرٍّ قَدْ سَبَقَ» . الْخَبَرُ الثَّانِيَ عَشَرَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا» وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ. لفظ الصورة: الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فِي لَفْظِ الصُّورَةِ، وَفِيهِ أَخْبَارٌ: الْخَبَرُ الْأَوَّلُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» . الْخَبَرُ الثَّانِي: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غُدْوَةٍ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا رَأَيْتُكَ أَسْفَرَ وَجْهُكَ مِثْلَ الْغَدَاةِ، قَالَ: «وَمَا أُبَالِي، وَقَدْ بَدَا لِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى يَا مُحَمَّدُ؟ قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ أَيْ رَبِّي، فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفِي فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا فَعَلِمْتُ مَا في السموات وَالْأَرْضِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ ذَكَرُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وُجُوهًا: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْمَضْرُوبِ، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الْمَضْرُوبِ، فَوَجَبَ الِاحْتِرَازُ عَنْ تَقْبِيحِ وَجْهِ ذَلِكَ الْمَضْرُوبِ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ مَا تَوَلَّدَ عَنْ نُطْفَةٍ وَدَمٍ وَمَا كَانَ جَنِينًا وَرَضِيعًا، بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ رَجُلًا كَامِلًا دَفْعَةً وَاحِدَةً الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الصُّورَةِ الصِّفَةُ يُقَالُ صُورَةُ هَذَا الْأَمْرِ كَذَا، أَيْ: صِفَتُهُ، فَقَوْلُهُ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» أَيْ: خَلَقَهُ عَلَى صِفَتِهِ فِي كَوْنِهِ خَلِيفَةً لَهُ فِي أَرْضِهِ مُتَصَرِّفًا فِي جَمِيعِ الْأَجْسَامِ الْأَرْضِيَّةِ، كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى نَافِذُ الْقُدْرَةِ فِي جميع العالم. إطلاق «الجوهر» على الله لا يجوز: المسألة الثامنة [إطلاق «الجوهر» على الله لا يجوز] : الْفَلَاسِفَةُ قَدْ يُطْلِقُونَ لَفْظَ «الْجَوْهَرِ» عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى، وَالْمُتَكَلِّمُونَ يَمْتَنِعُونَ مِنْهُ، أَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَالُوا: الْمُرَادُ مِنَ الْجَوْهَرِ الذَّاتُ الْمُسْتَغْنِي عَنِ الْمَحَلِّ وَالْمَوْضُوعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا، فَالْجَوْهَرُ فَوْعَلٌ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْجَهْرِ، وَهُوَ الظُّهُورُ، فَسُمِّيَ الْجَوْهَرُ جَوْهَرًا لِكَوْنِهِ ظَاهِرًا بِسَبَبِ شَخْصِيَّتِهِ وَحَجْمِيَّتِهِ، فَكَوْنُهُ جَوْهَرًا عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ ظَاهِرَ الْوُجُودِ، وَأَمَّا حَجْمِيَّتُهُ فَلَيْسَتْ نَفْسَ الْجَوْهَرِ، بَلْ هِيَ سَبَبٌ لِكَوْنِهِ جَوْهَرًا وَهُوَ ظُهُورُ وُجُودِهِ، وَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَظْهَرُ مِنْ كُلِّ ظَاهِرٍ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الدَّلَائِلِ عَلَى وُجُودِهِ، فَكَانَ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِالْجَوْهَرِيَّةِ هُوَ هُوَ، وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُونَ فَقَالُوا: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ فَوَجَبَ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ.
إطلاق الجسم لا يجوز: المسألة التاسعة [إطلاق الجسم لا يجوز] : أَطْلَقَ أَكْثَرُ الْكَرَامِيَّةِ لَفْظَ «الْجِسْمِ» عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالُوا: لَا نُرِيدُ بِهِ كَوْنَهُ مُرَكَّبًا مُؤَلَّفًا مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَإِنَّمَا نُرِيدُ بِهِ كَوْنَهُ مَوْجُودًا قَائِمًا بِالنَّفْسِ غَنِيًّا عَنِ الْمَحَلِّ وَأَمَّا سَائِرُ الْفِرَقِ فَقَدْ أَطْبَقُوا عَلَى إِنْكَارِ هَذَا الِاسْمِ. وَلَنَا مَعَ الْكَرَامِيَّةِ مَقَامَانِ: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِكَوْنِهِ جِسْمًا مَعْنًى غَيْرَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالْعُمْقِ، وَكَيْفَ لَا نَقُولُ ذَلِكَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ تَعَالَى فَوْقَ الْعَرْشِ، وَلَا يَقُولُونَ إِنَّهُ فِي الصِّغَرِ مِثْلُ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَالْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، بَلْ يقولون: إنه/ أعظم من العرش، وكان مَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ ذَاتُهُ مُمْتَدَّةً مِنْ أَحَدِ جَانِبَيِ الْعَرْشِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَكَانَ طَوِيلًا عَرِيضًا عَمِيقًا، فَكَانَ جِسْمًا بِمَعْنَى كَوْنِهِ طَوِيلًا عَرِيضًا عَمِيقًا، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُمْ إِنَّا أَرَدْنَا بِكَوْنِهِ جِسْمًا مَعْنًى غَيْرَ هَذَا الْمَعْنَى كَذِبٌ مَحْضٌ وَتَزْوِيرٌ صِرْفٌ. الْمَقَامُ الثَّانِي: أَنْ نَقُولَ: لَفْظُ الْجِسْمِ لَفْظٌ يُوهِمُ مَعْنًى بَاطِلًا، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُرُودِهِ فَوَجَبَ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، لَا سِيَّمَا وَالْمُتَكَلِّمُونَ قَالُوا: لَفْظُ الْجِسْمِ يُفِيدُ كَثْرَةَ الْأَجْزَاءِ بِحَسَبِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالْعُمْقِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الجسم يفيد أصل هذا المعنى. إطلاق «الإنية» : الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ «الْإِنِّيَّةِ» عَلَى اللَّهِ تَعَالَى: اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَسْتَعْمِلُهَا الْفَلَاسِفَةُ كَثِيرًا، وَشَرْحُهُ بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ أَنَّ لَفْظَةَ «إِنَّ» فِي لُغَةِ الْعَرَبِ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ وَالْقُوَّةَ فِي الْوُجُودِ، وَلَمَّا كَانَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، وَكَانَ وَاجِبُ الْوُجُودِ أَكْمَلَ الْمَوْجُودَاتِ فِي تَأَكُّدِ الْوُجُودِ، وَفِي قُوَّةِ الْوُجُودِ، لَا جَرَمَ أَطْلَقَتِ الْفَلَاسِفَةُ بِهَذَا التَّأْوِيلِ لفظ الإنية عليه. إطلاق «الماهية» : الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ الْمَاهِيَّةِ عَلَيْهِ: اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ «الْمَاهِيَّةِ» لَيْسَ لَفْظًا مُفْرَدًا بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ، بَلِ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ حَقِيقَةٍ مِنَ الْحَقَائِقِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: مَا تِلْكَ الْحَقِيقَةُ وَمَا هِيَ؟ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَرِنَا الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ، فَلَمَّا كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقَائِقِ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ جَعَلُوا مَجْمُوعَ قَوْلِنَا مَا هِيَ كَاللَّفْظَةِ الْمُفْرَدَةِ، وَوَضَعُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ بِإِزَاءِ الْحَقِيقَةِ فَقَالُوا مَاهِيَّةُ الشَّيْءِ أَيْ حقيقته المخصوصة وذاته المخصوصة. إطلاق لفظ «الحق» : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ «الْحَقِّ» اعْلَمْ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إِنْ أُطْلِقَ عَلَى ذَاتِ الشَّيْءِ كَانَ الْمُرَادُ كَوْنَهُ مَوْجُودًا وُجُودًا حَقِيقِيًّا فِي نَفْسِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَقَّ مُقَابِلٌ لِلْبَاطِلِ وَالْبَاطِلَ هُوَ الْمَعْدُومُ قَالَ لَبِيدٌ: - أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ فَلَمَّا كَانَ مُقَابِلُ الْحَقِّ هُوَ الْمَعْدُومَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ هُوَ الْمَوْجُودَ، وَأَمَّا إِنْ أُطْلِقَ لَفْظُ الْحَقِّ عَلَى الِاعْتِقَادِ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقَادَ صَوَابٌ مُطَابِقٌ لِلشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الِاعْتِقَادُ بِالْحَقِّ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ صَوَابًا مُطَابِقًا كَانَ وَاجِبَ التَّقْرِيرِ وَالْإِبْقَاءِ، وَأَمَّا إِنْ أُطْلِقَ لَفْظُ الْحَقِّ عَلَى الْقَوْلِ وَالْخَبَرِ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ
الْإِخْبَارَ صِدْقٌ مُطَابِقٌ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ وَاجِبَ التَّقْرِيرِ وَالْإِبْقَاءِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِاسْمِ الْحَقِّ، أَمَّا بِحَسَبِ ذَاتِهِ فَلِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْجُودُ الَّذِي يَمْتَنِعُ عَدَمُهُ وَزَوَالُهُ. وَأَمَّا بِحَسَبِ/ الِاعْتِقَادِ فَلِأَنَّ اعْتِقَادَ وُجُودِهِ وَوُجُوبِهِ هُوَ الاعتقاد الصواب المطابق الذي لا يتغير عن هَذِهِ الصِّفَةِ، وَأَمَّا بِحَسَبِ الْأَخْبَارِ وَالذِّكْرِ فَلِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ أَحَقُّ الْأَخْبَارِ بِكَوْنِهِ صِدْقًا وَاجِبَ التَّقْرِيرِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْحَقُّ بِحَسَبِ جَمِيعِ الِاعْتِبَارَاتِ وَالْمَفْهُومَاتِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ الْهَادِي. الْقِسْمُ الثَّانِي: مِنْ هَذَا الْبَابِ الْأَسْمَاءُ الدَّالَّةُ عَلَى كَيْفِيَّةِ الْوُجُودِ: - اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْبَابِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِمُقَدِّمَاتٍ عَقْلِيَّةٍ. كونه تعالى «أزليا» : الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ كَوْنَهُ تَعَالَى أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا لَا يُوجِبُ الْقَوْلَ بِوُجُودِ زَمَانٍ لَا آخِرَ لَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّا نَقُولُ: كَوْنُ الشَّيْءِ دَائِمَ الْوُجُودِ فِي ذَاتِهِ إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى حُصُولِهِ فِي زَمَانٍ أَوْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَيْهِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ، لِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ تَعَالَى أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى الْقَوْلِ بِوُجُودِ زَمَانٍ آخَرَ، وَأَمَّا إِنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ فَنَقُولُ: ذَلِكَ الزَّمَانُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَزَلِيًّا أَوْ لا يكون فإن كان ذَلِكَ الزَّمَانُ أَزَلِيًّا فَالتَّقْدِيرُ هُوَ أَنَّ كَوْنَهُ أَزَلِيًّا لَا يَتَقَرَّرُ إِلَّا بِسَبَبِ زَمَانٍ آخَرَ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ افْتِقَارُ الزَّمَانِ إِلَى زَمَانٍ آخَرَ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَأَمَّا إِنْ قُلْنَا أَنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ لَيْسَ أَزَلِيًّا فَحِينَئِذٍ قَدْ كَانَ اللَّهُ أَزَلِيًّا مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى وُجُودِ زَمَانٍ آخَرَ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَهُ تَعَالَى أَزَلِيًّا لَا يُوجِبُ الِاعْتِرَافَ بِكَوْنِ الزَّمَانِ أزليا. كونه تعالى «باقيا» : الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الشَّيْءَ كُلَّمَا كَانَ أَزَلِيًّا كَانَ بَاقِيًا، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشيء باقيا كونه أزليا، ولفظ «الباقي» وورد فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [الرَّحْمَنِ: 27] وَأَيْضًا قَالَ تَعَالَى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [الْقَصَصِ: 88] وَالَّذِي لَا يَصِيرُ هَالِكًا يَكُونُ بَاقِيًا لَا مَحَالَةَ، وَأَيْضًا قَالَ تَعَالَى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ [الْحَدِيدِ: 3] فَجَعَلَهُ أَوَّلًا لِكُلِّ مَا سِوَاهُ، وَمَا كَانَ أَوَّلًا لِكُلِّ مَا سِوَاهُ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَوَّلٌ، إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ أَوَّلٌ لَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا لِأَوَّلِ نَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ آخر لامتنع كونه آخرا لآخر نَفْسِهِ، فَلَمَّا كَانَ أَوَّلًا لِكُلِّ مَا سِوَاهُ وَكَانَ آخِرًا لِكُلِّ مَا سِوَاهُ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَوَّلٌ وَآخِرٌ، فَهَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى أَزَلِيًّا لَا أَوَّلَ لَهُ، أبديا لا آخِرَ لَهُ. الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ صَانِعُ الْعَالَمِ مُحْدَثًا لَافْتَقَرَ إِلَى صَانِعٍ آخَرَ، وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وَهُوَ مُحَالٌ فَهُوَ قَدِيمٌ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَدِيمٌ وَجَبَ أَنْ يَمْتَنِعَ زَوَالُهُ، لِأَنَّ مَا ثَبَتَ قِدَمُهُ امْتَنَعَ عَدَمُهُ. إِذَا ثَبَتَتْ هذه المقدمات فلنشرع في تفسير الأسماء: - اسمه تعالى «القديم» : الِاسْمُ الْأَوَّلُ: الْقَدِيمُ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُفِيدُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ طُولَ الْمُدَّةِ، وَلَا يُفِيدُ نَفْيَ الْأَوَّلِيَّةِ يُقَالُ:
دَارٌ قَدِيمٌ إِذَا طَالَتْ مُدَّتُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: 39] وَقَالَ: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [يوسف: 95] . اسمه تعالى الأزلي: الِاسْمُ الثَّانِي: الْأَزَلِيُّ، وَهَذَا اللَّفْظُ يُفِيدُ الِانْتِسَابَ إِلَى الْأَزَلِ، فَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ الْأَزَلَ شَيْءٌ حَصَلَ ذَاتُ اللَّهِ فِيهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، إِذْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَكَانَتْ ذَاتُ اللَّهِ مُفْتَقِرَةً إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ وَمُحْتَاجَةً إِلَيْهِ، وَهُوَ مُحَالٌ، بَلِ الْمُرَادُ وُجُودٌ لَا أَوَّلَ لَهُ ألبتة. عدم أوليته تعالى: الِاسْمُ الثَّالِثُ: قَوْلُنَا لَا أَوَّلَ لَهُ، وَهَذَا اللَّفْظُ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ قَوْلَنَا لَا أَوَّلَ لَهُ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ أَوْ عَدَمِيَّةٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ قَوْلَنَا لَا أَوَّلَ لَهُ إِشَارَةٌ إِلَى نَفْيِ الْعَدَمِ السَّابِقِ وَنَفْيُ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، فَقَوْلُنَا لَا أَوَّلَ لَهُ وَإِنْ كَانَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ عَدَمًا إِلَّا أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ ثُبُوتٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ مَفْهُومٌ عَدَمِيٌّ، لِأَنَّهُ نُفِيَ لِكَوْنِ الشَّيْءِ مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْعَدَمِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ، فَكَوْنُهُ مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ كَيْفِيَّةٌ ثُبُوتِيَّةٌ، فَقَوْلُنَا لَا أَوَّلَ لَهُ سَلْبٌ لِتِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ الثُّبُوتِيَّةِ، فَكَانَ قَوْلُنَا لَا أَوَّلَ مَفْهُومًا عَدَمِيًّا، وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْهُ بِأَنَّ كَوْنَهُ مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ لَوْ كَانَ كَيْفِيَّةً وُجُودِيَّةً زَائِدَةً عَلَى ذَاتِهِ لَكَانَتْ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةُ الزَّائِدَةُ حَادِثَةً، فَكَانَتْ مَسْبُوقَةً بِالْعَدَمِ، فَكَانَ كَوْنُهَا كَذَلِكَ صِفَةً أُخْرَى، وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وَهُوَ مُحَالٌ. اسمه تعالى الأبدي والسرمدي: الِاسْمُ الرَّابِعُ: الْأَبَدِيُّ، وَهُوَ يُفِيدُ الدَّوَامَ بِحَسَبِ الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ. الِاسْمُ الْخَامِسُ: السَّرْمَدِيُّ، وَاشْتِقَاقُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ السَّرْدِ، وَهُوَ التَّوَالِي وَالتَّعَاقُبُ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ: «وَاحِدٌ فَرْدٌ وَثَلَاثَةٌ سَرْدٌ» أَيْ: مُتَعَاقِبَةٌ، وَلَمَّا كَانَ الزَّمَانُ إِنَّمَا يَبْقَى بِسَبَبِ تَعَاقُبِ أَجْزَائِهِ وَتَلَاحُقِ أَبْعَاضِهِ وَكَانَ ذَلِكَ التَّعَاقُبُ وَالتَّلَاحُقُ مُسَمًّى بِالسَّرْدِ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ الْمِيمَ الزَّائِدَةَ لِيُفِيدَ الْمُبَالَغَةَ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْأَصْلُ فِي لَفْظِ السَّرْمَدِ أَنْ لَا يَقَعَ إِلَّا عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي تَحْدُثُ أَجْزَاؤُهُ بَعْضُهَا عَقِيبَ الْبَعْضِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالًا كَانَ إِطْلَاقُ لَفْظِ السَّرْمَدِيِّ عَلَيْهِ مَجَازًا، فَإِنْ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أطلقناه وإلا فلا. المستمر: الِاسْمُ السَّادِسُ: الْمُسْتَمِرُّ، وَهَذَا بِنَاءُ الِاسْتِفْعَالِ، وَأَصْلُهُ الْمُرُورُ وَالذَّهَابُ، وَلَمَّا كَانَ بَقَاءُ الزَّمَانِ بِسَبَبِ مُرُورِ أَجْزَائِهِ بَعْضِهَا عَقِيبَ الْبَعْضِ لَا جَرَمَ أطلقوا المستمر، وإلا أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَصْدُقُ فِي حَقِّ الزَّمَانِ، أَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ فَهُوَ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ بَاقٍ بِحَسَبِ ذَاتِهِ الْمُعَيَّنَةِ لَا بِحَسَبِ تَلَاحُقِ أَبْعَاضِهِ وَأَجْزَائِهِ. الِاسْمُ السَّابِعُ: الْمُمْتَدُّ وَسُمِّيَتِ الْمُدَّةُ مُدَّةً لِأَنَّهَا تَمْتَدُّ بِحَسَبِ تَلَاحُقِ أَجْزَائِهَا وَتَعَاقُبِ أَبْعَاضِهَا فَيَكُونُ قَوْلُنَا فِي الشَّيْءِ، إِنَّهُ امْتَدَّ وُجُودُهُ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الزَّمَانِ وَالزَّمَانِيَّاتِ، أَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى الْمَجَازِ.
اسمه تعالى الباقي: الِاسْمُ الثَّامِنُ: لَفْظُ الْبَاقِي، قَالَ تَعَالَى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [الرَّحْمَنِ: 27] وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ أَزَلِيًّا كَانَ بَاقِيًا وَلَا يَنْعَكِسُ، فَقَدْ يَكُونُ بَاقِيًا وَلَا يَكُونُ أَزَلِيًّا وَلَا أَبَدِيًّا كَمَا فِي الْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ الْبَاقِيَةِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: لَفْظُ الْبَاقِي يُفِيدُ الدَّوَامَ، وَعَلَى هذا ألا يَصِحُّ وَصْفُ الْأَجْسَامِ بِالْبَاقِي، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، لِإِطْبَاقِ أَهْلِ الْعُرْفِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أبقاك الله. الدائم: الِاسْمُ التَّاسِعُ: الدَّائِمُ، قَالَ تَعَالَى: أُكُلُها دائِمٌ [الرَّعْدِ: 35] وَلَمَّا كَانَ أَحَقُّ الْأَشْيَاءِ بِالدَّوَامِ هُوَ الله كان الدائم هو الله. واجب الوجود: الِاسْمُ الْعَاشِرُ: قَوْلُنَا: «وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ» وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَاهِيَّتَهُ وَحَقِيقَتَهُ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِوُجُودِهِ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الْعَدَمِ وَالْفَنَاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا أَزَلِيًّا، وَلَا يَنْعَكِسُ، فَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ قَدِيمًا أَزَلِيًّا كَانَ وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ كَوْنُهُ أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا بِسَبَبِ كَوْنِ عِلَّتِهِ كَذَلِكَ، فَهَذَا الشَّيْءُ يَكُونُ أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، وَقَوْلُهُمْ بِالْفَارِسِيَّةِ «خَدَايُ» مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ لِأَنَّ قَوْلَنَا: «خَدَايُ» كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ لَفْظَتَيْنِ فِي الْفَارِسِيَّةِ: إِحْدَاهُمَا: خَوَدَ، وَمَعْنَاهُ ذَاتُ الشَّيْءِ وَنَفْسُهُ وَحَقِيقَتُهُ وَالثَّانِيَةُ قَوْلُنَا: «آيُ» وَمَعْنَاهُ جَاءَ، فَقَوْلُنَا: «خَدَايُ» مَعْنَاهُ أَنَّهُ بِنَفْسِهِ جَاءَ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ بِنَفْسِهِ وَذَاتِهِ جَاءَ إِلَى الْوُجُودِ لَا بِغَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَيَصِيرُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِمْ: «خَدَايُ» أَنَّهُ لِذَاتِهِ كان موجودا. الكائن: الِاسْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ: الْكَائِنُ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ كَثِيرُ الْوُرُودِ فِي الْقُرْآنِ بِحَسَبِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [الْكَهْفِ: 45] وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ: كانَ عَلِيماً حَكِيماً [النِّسَاءِ: 24] وَأَمَّا وُرُودُ هَذَا اللَّفْظِ بِحَسَبِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ غَيْرُ وَارِدٍ فِي الْقُرْآنِ، لَكِنَّهُ وَارِدٌ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ، رُوِيَ فِي الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا كَائِنًا قَبْلَ كُلِّ كَوْنٍ، وَيَا حَاضِرًا مَعَ كُلِّ كَوْنٍ، وَيَا بَاقِيًا بَعْدَ انْقِضَاءِ كُلِّ كَوْنٍ» أَوْ لَفْظٌ يَقْرُبُ مَعْنَاهُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَيُنَاسِبُهُ من بعض الوجوه واعلم أن هاهنا بَحْثًا لَطِيفًا نَحْوِيًّا: وَذَلِكَ أَنَّ النَّحْوِيِّينَ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ لَفْظَ «كَانَ» عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الَّذِي يَكُونُ تَامًّا، وَهُوَ بِمَعْنَى حَدَثَ وَوُجِدَ وَحَصَلَ، قَالَ تَعَالَى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آلِ عِمْرَانَ: 110] أَيْ حَدَثْتُمْ وَوُجِدْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. وَالثَّانِي: الَّذِي يَكُونُ نَاقِصًا كَقَوْلِكَ «كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» ، فَإِنَّ لَفْظَ كَانَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَرْفُوعٍ وَمَنْصُوبٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كَانَ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فِعْلٌ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِعْلٌ تَامٌّ، وَعَلَى الثَّانِي فِعْلٌ نَاقِصٌ، فَقُلْتُ لِلْقَوْمِ: لَوْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِعْلًا لَكَانَ دَالًّا عَلَى حُصُولِ حَدَثٍ فِي زَمَانٍ مُعَيَّنٍ/ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكُنَّا إِذَا أَسْنَدْنَاهُ إِلَى اسْمٍ وَاحِدٍ لَكَانَ حِينَئِذٍ قَدْ دَلَّ عَلَى حُصُولِ حَدَثٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَحِينَئِذٍ يَتِمُّ الْكَلَامُ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ
الْمَنْصُوبِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ فِعْلًا تَامًّا. فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ النَّاقِصَةِ فعل يُوجِبُ كَوْنَهَا تَامَّةً غَيْرَ نَاقِصَةٍ، وَمَا أَفْضَى ثوبته إِلَى نَفْيِهِ كَانَ بَاطِلًا، فَكَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ نَاقِصَةٌ كَلَامًا بَاطِلًا، وَلَمَّا أَوْرَدْتُ هَذَا السُّؤَالَ عَلَيْهِمْ بَقِيَ الْأَذْكِيَاءُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ وَالْفُضَلَاءُ مِنْهُمْ مُتَحَيِّرِينَ فِيهِ زَمَانًا طَوِيلًا، وَمَا أَفْلَحُوا فِي الْجَوَابِ، ثُمَّ لَمَّا تَأَمَّلْتُ فِيهِ وَجَدْتُ الْجَوَابَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي يُزِيلُ الشُّبْهَةَ، وَتَقْرِيرُهُ أَنْ نَقُولَ: لَفْظُ «كَانَ» لَا يُفِيدُ إِلَّا الْحُدُوثَ وَالْحُصُولَ وَالْوُجُودَ، إِلَّا أَنَّ هَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ: مِنْهُ مَا يُفِيدُ حُدُوثَ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ، وَمِنْهُ مَا يُفِيدُ مَوْصُوفِيَّةَ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ. أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فَإِنَّ لَفْظَ «كَانَ» يَتِمُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ قَدْ حَدَثَ وَحَصَلَ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا تَتِمُّ فَائِدَتُهُ إِلَّا بِذِكْرِ الِاسْمَيْنِ، فَإِنَّهُ إِذَا ذُكِرَ كَانَ مَعْنَاهُ حُصُولَ مَوْصُوفِيَّةِ زَيْدٍ بِالْعِلْمِ وَلَا يُمْكِنُ ذِكْرُ مَوْصُوفِيَّةِ هَذَا بِذَاكَ إِلَّا عِنْدَ ذِكْرِهِمَا جَمِيعًا، فَلَا جَرَمَ لَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ إِلَّا بِذِكْرِهِمَا، فَقَوْلُنَا: «كَانَ زَيْدٌ عَالِمًا» ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ حَدَثَ وَحَصَلَ مَوْصُوفِيَّةُ زَيْدٍ بِالْعِلْمِ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ لَفْظَ الْكَوْنِ يُفِيدُ الْحُصُولَ وَالْوُجُودَ فَقَطْ، إِلَّا أَنَّهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَكْفِيهِ إِسْنَادُهُ إِلَى اسْمٍ وَاحِدٍ، وَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الِاسْمَيْنِ، وَهَذَا مِنَ اللَّطَائِفِ النَّفِيسَةِ فِي عِلْمِ النَّحْوِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَائِنِ وَالْمَوْجُودِ فَوَجَبَ جَوَازُ إِطْلَاقِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مِنْ أَقْسَامِ الصِّفَاتِ الحقيقية: -[المسألة الأولى] الصفة المغايرة للوجود مذهب نفاة الصفات: الصِّفَةُ الَّتِي تَكُونُ مُغَايِرَةً لِلْوُجُودِ وَلِكَيْفِيَّاتِ الْوُجُودِ. اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هل يجوز قيام هذه الصفات ذات اللَّهِ تَعَالَى؟ فَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْفَلَاسِفَةُ يُنْكِرُونَهُ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ، وَيَحْتَجُّونَ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً لِذَاتِهَا أَوْ مُمْكِنَةً لِذَاتِهَا، وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ، فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِالصِّفَاتِ، وَإِنَّمَا قلنا أنه يَمْتَنِعَ كَوْنُهَا وَاجِبَةً لِذَاتِهَا لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الْحِكْمَةِ أَنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاحِدًا. الثَّانِي: أَنَّ الْوَاجِبَ لِذَاتِهِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ غَنِيًّا عَمَّا سِوَاهُ، وَالصِّفَةُ هِيَ الَّتِي تَكُونُ مُفْتَقِرَةً إِلَى الْمَوْصُوفِ، فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْوُجُوبِ الذَّاتِيِّ وَبَيْنَ كَوْنِهِ صِفَةً لِلْغَيْرِ مُحَالٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُمْكِنَ لِذَاتِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ، وَسَبَبُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَاتِ اللَّهِ، لِأَنَّ/ تِلْكَ الذَّاتَ لَمَّا امْتَنَعَ خُلُوُّهَا عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ، وَتِلْكَ الصِّفَةُ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى الْغَيْرِ لَزِمَ كَوْنُ تِلْكَ الذَّاتِ مُفْتَقِرَةً إِلَى الْغَيْرِ. وَمَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ لِذَاتِهِ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهَا قَابِلَةٌ لِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلَوْ كَانَتْ مُؤَثِّرَةً فِيهَا لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَاعِلًا وَقَابِلًا مَعًا، وَهُوَ مُحَالٌ، لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا أَثَرٌ وَاحِدٌ، وَالْفِعْلُ وَالْقَبُولُ أَثَرَانِ مُخْتَلِفَانِ: الثَّانِي: أَنَّ الْأَثَرَ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْمُؤَثِّرِ، فَافْتِقَارُهُ إِلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ حُدُوثِهِ، أَوْ حَالَ حُدُوثِهِ، أَوْ حَالَ عَدَمِهِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ. وَإِلَّا لَكَانَ تَأْثِيرُ ذَلِكَ الْمُؤَثِّرِ فِي إِيجَادِهِ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ، وَهُوَ مُحَالٌ، فَبَقِيَ الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلَّمَا كَانَ الشَّيْءُ أَثَرًا لِغَيْرِهِ كَانَ حَادِثًا، فَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَكُونُ حَادِثًا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ أَثَرًا لِلْغَيْرِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالصِّفَاتِ بَاطِلٌ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ: قَالُوا: إِنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَدِيمَةً أَوْ حَادِثَةً وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْقِدَمَ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَلَوْ كَانَتِ الصِّفَاتُ قَدِيمَةً لَكَانَتِ الذَّاتُ مُسَاوِيَةً لِلصِّفَاتِ فِي الْقِدَمِ، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَالِفًا لِلْآخَرِ بِخُصُوصِيَّةِ مَاهِيَّتِهِ الْمُعَيَّنَةِ وَمَا بِهِ الْمُشَارَكَةُ غَيْرُ مَا بِهِ الْمُخَالَفَةُ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الْقَدِيمَةِ مُرَكَّبًا مِنْ جُزْأَيْنِ ثُمَّ نَقُولُ: وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ ذَيْنِكَ الْجُزْأَيْنِ قَدِيمًا لِأَنَّ جُزْءَ مَاهِيَّةِ الْقَدِيمِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَانِكَ الْجُزْآنِ يَتَشَارَكَانِ فِي الْقِدَمِ وَيَخْتَلِفَانِ بِالْخُصُوصِيَّةِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُرَكَّبًا مِنْ جُزْأَيْنِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةُ الذَّاتِ وَحَقِيقَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ مُرَكَّبَةً مِنْ أَجْزَاءٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُ تِلْكَ الصِّفَاتِ حَادِثَةً لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قِيَامَ الْحَوَادِثِ بِذَاتِ اللَّهِ مُحَالٌ، لِأَنَّ تِلْكَ الذَّاتَ إِنْ كَانَتْ كَافِيَةً فِي وُجُودِ تِلْكَ الصِّفَةِ أَوْ دَوَامِ عَدَمِهَا لَزِمَ دَوَامُ وُجُودِ تِلْكَ الصِّفَةِ أَوْ دَوَامُ عَدَمِهَا بِدَوَامِ تِلْكَ الذَّاتِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً فِيهِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ تِلْكَ الذَّاتُ وَاجِبَةَ الِاتِّصَافِ بِوُجُودِ تِلْكَ الصِّفَةِ أَوْ عَدَمِهَا، وَذَلِكَ الْوُجُودُ وَالْعَدَمُ يَكُونَانِ مَوْقُوفَيْنِ عَلَى شَيْءٍ مُنْفَصِلٍ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَى الْغَيْرِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْغَيْرِ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْغَيْرِ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، يَنْتِجُ أَنَّ الْوَاجِبَ لِذَاتِهِ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ ذَاتَهُ لَوْ كَانَتْ قَابِلَةً لِلْحَوَادِثِ لَكَانَتْ قَابِلِيَّةُ تِلْكَ الْحَوَادِثِ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ كَوْنُ تِلْكَ الْقَابِلِيَّةِ أَزَلِيَّةً لِأَجْلِ كَوْنِ تِلْكَ الذَّاتِ أَزَلِيَّةً، لَكِنْ يَمْتَنِعُ كَوْنُ قَابِلِيَّةِ الْحَوَادِثِ أَزَلِيَّةً، لِأَنَّ قَابِلِيَّةَ الْحَوَادِثِ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ وُجُودِ الْحَوَادِثِ، وَإِمْكَانُ وُجُودِ الْحَوَادِثِ فِي الْأَزَلِ مُحَالٌ، فَكَانَ وُجُودُ/ قَابِلِيَّتِهَا فِي الْأَزَلِ مُحَالًا. الثَّالِثُ: أَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ لَمَّا كَانَتْ حَادِثَةً الإله الموصوف بصفات الإلهية مَوْجُودًا قَبْلَ حُدُوثِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ هَذِهِ الصِّفَاتُ مُسْتَغْنًى عَنْهَا فِي ثُبُوتِ الْإِلَهِيَّةِ، فَوَجَبَ نَفْيُهَا، فَثَبَتَ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَادِثَةً أَوْ قَدِيمَةً، وَثَبَتَ فَسَادُهُمَا فَثَبَتَ امْتِنَاعُ وُجُودِ الصِّفَةِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ تَتِمُّ الْإِلَهِيَّةُ بِدُونِهَا أَوْ لَا تَتِمُّ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَانَ وُجُودُهَا فَضْلًا زَائِدًا، فَوَجَبَ نَفْيُهَا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَانَ الْإِلَهُ مُفْتَقِرًا فِي تَحْصِيلِ صِفَةِ الْإِلَهِيَّةِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَالْمُحْتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: ذَاتُهُ تَعَالَى إِمَّا أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْمَدَائِحِ وَالْكَمَالَاتِ، وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَانَتْ تِلْكَ الذَّاتُ نَاقِصَةً فِي ذَاتِهَا مُسْتَكْمِلَةً بِغَيْرِهَا، وَهَذِهِ الذَّاتُ لَا يَلِيقُ بِهَا صِفَةُ الْإِلَهِيَّةِ. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: لَمَّا كَانَ الْإِلَهُ هُوَ مَجْمُوعُ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْإِلَهُ مُجَزَّأً مُبَعَّضًا مُنْقَسِمًا، وَذَلِكَ بَعِيدٌ عَنِ الْعَقْلِ، لِأَنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ لَا وَاجِبٌ. الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَفَّرَ النَّصَارَى فِي التَّثْلِيثِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا بِإِثْبَاتِ ذَوَاتٍ ثَلَاثَةٍ، أَوْ لِأَنَّهُمْ قَالُوا بِالذَّاتِ مَعَ الصِّفَاتِ، وَالْأَوَّلُ لَا يَقُولُهُ النَّصَارَى، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ كَفَّرَهُمْ بِسَبَبِ مَقَالَةٍ هُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَا، فَبَقِيَ الثَّانِي، وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بِالصِّفَاتِ كُفْرًا. فَهَذِهِ الْوُجُوهُ يَتَمَسَّكُ بِهَا نُفَاةُ الصِّفَاتِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فعلى هذا التقدير يمتنع أن يحصل الله تَعَالَى اسْمٌ بِسَبَبِ قِيَامِ الصِّفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِهِ.
دلائل مثبتي الصفات: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي دَلَائِلِ مُثْبِتِي الْقَوْلِ بِالصِّفَاتِ: اعْلَمْ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا قَادِرًا حَيًّا، فَنَقُولُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ نَفْسَ تِلْكَ الذَّاتِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّا نُدْرِكُ تَفْرِقَةً ضَرُورِيَّةً بَدِيهِيَّةً بَيْنَ قَوْلِنَا: ذَاتُ اللَّهِ ذَاتٌ، وَبَيْنَ قَوْلِنَا: ذَاتُ اللَّهِ عَالِمَةٌ قَادِرَةٌ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ عَالِمًا قَادِرًا لَيْسَ نَفْسَ تِلْكَ الذَّاتِ. الثَّانِي: أَنَّهُ يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ مَوْجُودًا مَعَ الذُّهُولِ عَنْ كَوْنِهِ قَادِرًا وَعَالِمًا، وَكَذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ قَادِرًا مَعَ الذُّهُولِ عَنْ كَوْنِهِ عَالِمًا، وَبِالْعَكْسِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ عَالِمًا قَادِرًا لَيْسَ نَفْسَ تِلْكَ الذَّاتِ، الثَّالِثُ: أَنَّ كَوْنَهُ عَالِمًا عَامُّ التَّعَلُّقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ وَالْمُمْكِنِ، وَكَوْنُهُ قَادِرًا لَيْسَ عَامَّ التَّعَلُّقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، بَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْجَائِزِ فَقَطْ، وَلَوْلَا/ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَبَيْنَ الْقُدْرَةِ وَإِلَّا لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، الرَّابِعُ: أَنَّ كَوْنَهُ تَعَالَى قَادِرًا يُؤَثِّرُ فِي وُجُودِ الْمَقْدُورِ، وَكَوْنُهُ عَالِمًا لَا يُؤَثِّرُ، وَلَوْلَا الْمُغَايَرَةُ وَإِلَّا لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، الْخَامِسُ: أَنَّ قَوْلَنَا: مَوْجُودٌ، يُنَاقِضُهُ قَوْلُنَا: لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَلَا يُنَاقِضُهُ قَوْلُنَا: لَيْسَ بِعَالِمٍ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنْفِيَّ بِقَوْلِنَا: لَيْسَ بِمَوْجُودٍ مُغَايِرٌ لِلْمَنْفِيِّ بِقَوْلِنَا: لَيْسَ بِعَالِمٍ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي كَوْنِهِ قَادِرًا. فَهَذِهِ دَلَائِلُ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِقْرَارِ بِوُجُودِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّهُ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصِّفَاتُ صِفَاتٍ نِسْبِيَّةً وَإِضَافِيَّةً فَالْمَعْنَى مِنْ «كَوْنِهِ قَادِرًا» كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَصِحُّ مِنْهُ الْإِيجَادُ، وَتِلْكَ الصِّحَّةُ مُعَلَّلَةٌ بِذَاتِهِ، وَ «كَوْنُهُ عَالِمًا» مَعْنَاهُ الشُّعُورُ وَالْإِدْرَاكُ، وَذَلِكَ حَالَةٌ نِسْبِيَّةٌ إِضَافِيَّةٌ، وَتِلْكَ النِّسْبِيَّةُ الْحَاصِلَةُ مُعَلَّلَةٌ بِذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ، وَهَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّا إِذَا قُلْنَا بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ فَنَقُولُ: الصِّفَةُ الْحَقِيقِيَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ صِفَةً يَلْزَمُهَا حُصُولُ النِّسْبَةِ وَالْإِضَافَةِ، وَهِيَ مِثْلُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، فَإِنَّ العلم صفة يلزمها كونها متعلقة بالمعلوم، وَالْقُدْرَةَ صِفَةٌ يَلْزَمُهَا صِحَّةُ تَعَلُّقِهَا بِإِيجَادِ الْمَقْدُورِ، فَهَذِهِ الصِّفَاتُ وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقِيَّةً إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُهَا لَوَازِمُ مِنْ بَابِ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ. أَمَّا الصِّفَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الْعَارِيَةُ عَنِ النِّسْبَةِ وَالْإِضَافَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَتْ إِلَّا صِفَةَ الْحَيَاةِ فَلْنَبْحَثْ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فَنَقُولُ: قَالَتِ الْفَلَاسِفَةُ: الحي هو الدارك الْفَعَّالُ، إِلَّا أَنَّ الدِّرَاكِيَّةَ صِفَةٌ نِسْبِيَّةٌ وَالْفَعَّالِيَّةَ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ لَا تَكُونُ الْحَيَاةُ صِفَةً مُغَايِرَةً لِلْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ إِنَّهَا صِفَةٌ بِاعْتِبَارِهَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا قَادِرًا، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّ الذَّوَاتِ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الذَّاتِيَّةِ وَمُخْتَلِفَةٌ فِي هَذِهِ الصِّحَّةِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ تِلْكَ الذَّوَاتُ مُخْتَلِفَةً فِي قَبُولِ صِفَةِ الْحَيَاةِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً لِأَجْلِ صِفَةٍ زَائِدَةٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: قَدْ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الذَّوَاتِ لِذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ، فَسَقَطَ هَذَا الدَّلِيلُ، وَأَيْضًا الذوات مختلفة في قبول صفة الحياة، فوجب أَنْ يَكُونَ صِحَّةُ قَبُولِ الْحَيَاةِ لِصِفَةٍ أُخْرَى، وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وَلَا جَوَابَ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ تِلْكَ الصِّحَّةَ مِنْ لَوَازِمِ الذَّاتِ الْمَخْصُوصَةِ فَاذْكُرُوا هَذَا الْكَلَامَ فِي صِحَّةِ الْعَالِمِيَّةِ، وَقَالَ قَوْمٌ ثَالِثٌ: مَعْنَى كَوْنِهِ حَيًّا أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقْدِرَ وَيَعْلَمَ، فَهَذَا عِبَارَةٌ عَنْ نَفْيِ الِامْتِنَاعِ، وَلَكِنَّ الِامْتِنَاعَ عَدَمٌ، فَنَفْيُهُ يَكُونُ عَدَمًا لِلْعَدَمِ، فَيَكُونُ ثُبُوتًا، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الثُّبُوتُ هُوَ تِلْكَ الذَّاتُ الْمَخْصُوصَةُ؟ فَإِنْ قَالُوا: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّا نَعْقِلُ تِلْكَ الذَّاتَ مَعَ الشَّكِّ فِي كَوْنِهَا حَيَّةً، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَوْنُهَا حَيَّةً
الباب الخامس في الأسماء الدالة على الصفات الإضافية
مُغَايِرًا/ لِتِلْكَ الذَّاتِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: قَدْ دَلَّلْنَا على أنا لَا نَعْقِلَ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى تَعَقُّلًا ذَاتِيًّا، وَإِنَّمَا نَتَعَقَّلُ تِلْكَ الذَّاتَ تَعَقُّلًا عَرَضِيًّا، وَعِنْدَ هَذَا يَسْقُطُ هَذَا الدَّلِيلُ، فَهَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ في هذا الباب. اسمه تعالى الحي: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لَفْظُ الْحَيِّ وَارِدٌ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [الْبَقَرَةِ: 255] وَقَالَ: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه: 111] وَقَالَ: هُوَ الْحَيُّ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [غافر: 65] فإن قيل: الحي معناه الدارك الْفَعَّالُ أَوِ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْلَمَ وَيَقْدِرَ، وَهَذَا الْقَدْرُ لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ عَظِيمٌ، فَمَا السَّبَبُ فِي أَنَّ ذِكْرَهُ اللَّهَ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ الْعَظِيمِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّمَدُّحَ لَمْ يَحْصُلْ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ حَيًّا، بَلْ بِمَجْمُوعِ كَوْنِهِ حَيًّا قَيُّومًا. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَيُّومَ هُوَ الْقَائِمُ بِإِصْلَاحِ حَالِ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْعِلْمِ التَّامِّ وَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ، وَالْحَيُّ هُوَ الدَّرَّاكُ الْفَعَّالُ، فَقَوْلُهُ: «الْحَيُّ» يَعْنِي كَوْنَهُ دَرَّاكًا فَعَّالًا، وَقَوْلُهُ: «الْقَيُّومُ» يَعْنِي كَوْنَهُ دَرَّاكًا لِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ فَعَّالًا لِجَمِيعِ الْمُحْدَثَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ، فَحَصَلَ الْمَدْحُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. الْبَابُ الْخَامِسُ في الأسماء الدالة على الصفات الإضافية الاسم الدال عَلَى الصِّفَاتِ الْإِضَافِيَّةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْبَابِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِمُقَدِّمَةٍ عَقْلِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ التَّكْوِينَ هَلْ هُوَ نَفْسُ الْمُكَوِّنِ أَمْ لَا؟ قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ: التَّكْوِينُ نَفْسُ الْمُكَوِّنِ، وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّهُ غَيْرُهُ، وَاحْتَجَّ النفاة بوجوده: - الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّ الصِّفَةَ الْمُسَمَّاةَ بِالتَّكْوِينِ إِمَّا أَنْ تُؤَثِّرَ عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَتِلْكَ الصِّفَةُ هِيَ الْقُدْرَةُ لَا غَيْرَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَزِمَ كَوْنُهُ تَعَالَى مُوجِبًا بِالذَّاتِ لَا فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ الْمُسَمَّاةَ بِالتَّكْوِينِ إِنْ كَانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ مِنْ قِدَمِهَا قدم الْآثَارُ وَإِنْ كَانَتْ مُحْدَثَةً افْتَقَرَ تَكْوِينُهَا، إِلَى تَكْوِينٍ آخَرَ وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الصِّفَةَ الْمُسَمَّاةَ بِالْقُدْرَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا صَلَاحِيَةُ التَّأْثِيرِ عِنْدَ حُصُولِ سَائِرِ الشَّرَائِطِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ أَوْ لَيْسَ لَهَا هَذِهِ الصَّلَاحِيَةُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْقُدْرَةُ كَافِيَةً فِي خُرُوجِ الْأَثَرِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فلا حجة إِلَى إِثْبَاتِ صِفَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَحِينَئِذٍ الْقُدْرَةُ لَا تَكُونُ لَهَا صَلَاحِيَةُ التَّأْثِيرِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ الْقُدْرَةُ قُدْرَةً، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّنَاقُضَ. / وَاحْتَجَّ مُثْبِتُو قِدَمِ الصِّفَةِ بِأَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْفِعْلِ قَدْ يُوجِدُهُ وَقَدْ لَا يُوجِدُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ أَلْفِ شَمْسٍ وَقَمَرٍ عَلَى هَذِهِ السَّمَاءِ إِلَّا أَنَّهُ مَا أَوْجَدَهُ، وَصِحَّةُ هَذَا النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعْقُولَ مِنْ كَوْنِهِ مُوجِدًا مُغَايِرٌ لِلْمَعْقُولِ مَنْ كَوْنِهِ قَادِرًا، ثُمَّ نَقُولُ: كَوْنُهُ مُوجِدًا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ دُخُولَ الْأَثَرِ فِي الْوُجُودِ أَوْ يَكُونَ أَمْرًا زَائِدًا، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّا نُعَلِّلُ دُخُولَ هَذَا الْأَثَرِ فِي الْوُجُودِ بِكَوْنِ الْفَاعِلِ مُوجِدًا لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا
قِيلَ: لِمَ وُجِدَ الْعَالَمُ؟ قُلْنَا: لِأَجْلِ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَدَهُ، فَلَوْ كَانَ كَوْنُ الْمُوجَدِ مُوجَدًا لَهُ مَعْنَاهُ نَفْسُ هَذَا الْأَثَرِ لَكَانَ تَعْلِيلُ وُجُودِ الْأَثَرِ بِالْمُوجِدِيَّةِ يَقْتَضِي تَعْلِيلَ وُجُودِهِ نَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَ مُعَلَّلًا بِنَفْسِهِ لَامْتَنَعَ إِسْنَادُهُ إِلَى الْغَيْرِ، فَثَبَتَ أَنَّ تَعْلِيلَ الْمُوجِدِيَّةِ بِوُجُودِ الْأَثَرِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُوجِدِيَّةِ، وَمَا أَفْضَى ثُبُوتُهُ إِلَى نَفْيِهِ كَانَ بَاطِلًا، فَثَبَتَ أَنَّ تَعْلِيلَ الْمُوجِدِيَّةِ بِوُجُودِ الْأَثَرِ كَلَامٌ بَاطِلٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَوْنُ الْمُوجَدِ مُوجَدًا أَمْرًا مُغَايِرًا لِكَوْنِ الْفَاعِلِ قَادِرًا لِوُجُودِ الْأَثَرِ، فَثَبَتَ أَنَّ التَّكْوِينَ غَيْرُ الْمُكَوِّنِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا الْأَصْلَ فَنَقُولُ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّ التَّكْوِينَ نَفْسُ الْمُكَوِّنِ قَالُوا: مَعْنَى كَوْنِهِ تَعَالَى خَالِقًا رَازِقًا مُحْيِيًا مُمِيتًا ضَارًّا نَافِعًا عِبَارَةٌ عَنْ نِسْبَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَإِضَافَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهِيَ تَأْثِيرُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حُصُولِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ التَّكْوِينَ غَيْرُ الْمُكَوِّنِ، فَقَالُوا مَعْنَى كَوْنِهِ خَالِقًا رَازِقًا لَيْسَ عِبَارَةً عَنِ الصِّفَةِ الْإِضَافِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَوْصُوفَةٍ بِصِفَةٍ إِضَافِيَّةٍ. اعْلَمْ أَنَّ الصِّفَاتِ الْإِضَافِيَّةَ عَلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: كَوْنُهُ مَعْلُومًا مَذْكُورًا مُسَبَّحًا مُمَجَّدًا، فَيُقَالُ: يَا أَيُّهَا الْمُسَبَّحُ بِكُلِّ لِسَانٍ، يَا أَيُّهَا الْمَمْدُوحُ عِنْدَ كُلِّ إِنْسَانٍ، يَا أَيُّهَا الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ حِينٍ وَأَوَانٍ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْإِضَافَاتِ غَيْرَ مُتَنَاهٍ كَانَتِ الْأَسْمَاءُ الْمُمْكِنَةُ لِلَّهِ بِحَسَبِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الصِّفَاتِ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ. وَثَانِيهَا: كَوْنُهُ تَعَالَى فَاعِلًا لِلْأَفْعَالِ صِفَةٌ إِضَافِيَّةٌ مَحْضَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَكْوِينَ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَالْمُخْبَرُ عَنْهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ مُوجِدًا، أَوِ الْمَخْبَرُ عَنْهُ كَوْنُهُ مُوجِدًا لِلنَّوْعِ الْفُلَانِيِّ لِأَجْلِ الْحِكْمَةِ الْفُلَانِيَّةِ، أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: - وَهُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى مُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُوجِدًا- فَهَهُنَا أَلْفَاظٌ تَقْرُبُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُتَرَادِفَةً مِثْلَ: الْمُوجِدِ، وَالْمُحْدِثِ، وَالْمُكَوِّنِ، وَالْمُنْشِئِ، وَالْمُبْدِعِ، وَالْمُخْتَرِعِ، وَالصَّانِعِ، وَالْخَالِقِ، وَالْفَاطِرِ، وَالْبَارِئِ، فَهَذِهِ أَلْفَاظٌ عَشَرَةٌ مُتَقَارِبَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْفَرْقُ حَاصِلٌ: أَمَّا الِاسْمُ الْأَوَّلُ: - وَهُوَ الْمُوجِدُ- فَمَعْنَاهُ الْمُؤَثِّرُ فِي الْوُجُودِ، وَأَمَّا الْمُحْدِثُ فَمَعْنَاهُ الَّذِي جَعَلَهُ مَوْجُودًا/ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَعْدُومًا، وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْإِيجَادِ، وَأَمَّا الْمُكَوِّنُ فَيَقْرُبُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادِفًا للموجود، وَأَمَّا الْمُنْشِئُ فَاشْتِقَاقُهُ مِنَ النُّشُوءِ وَالنَّمَاءِ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلَى التَّدْرِيجِ، وَأَمَّا الْمُبْدِعُ فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَهُمَا كَنَوْعَيْنِ تَحْتَ جِنْسِ الْمُوجِدِ. وَالْمُخْتَرِعُ قَرِيبٌ مِنَ الْمُبْدِعِ، وَأَمَّا الصَّانِعُ فَيَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِمَنْ يَأْتِي بِالْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّكَلُّفِ، وَأَمَّا الْخَالِقُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، وَهُوَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى يَرْجِعُ إِلَى الْعِلْمِ، وَأَمَّا الْفَاطِرُ فَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْفَطْرِ وَهُوَ الشَّقُّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ هُوَ الْإِحْدَاثَ دَفْعَةً، وَأَمَّا الْبَارِئُ فَهُوَ الَّذِي يُحْدِثُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُوَافِقِ لِلْمَصْلَحَةِ، يُقَالُ: بَرَى الْقَلَمَ إِذَا أَصْلَحَهُ وَجَعَلَهُ مُوَافِقًا لِغَرَضٍ مُعَيَّنٍ، فَهَذَا بَيَانُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِهِ مُوجِدًا عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ، أَمَّا الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى إِيجَادِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَتَكَادُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ، وَيَجِبُ أَنْ نَذْكُرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَمْثِلَةً فَالْمِثَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِذَا خَلَقَ النَّافِعَ سُمِّيَ نَافِعًا، وَإِذَا خَلَقَ الْمُؤْلِمَ سُمِّيَ ضَارًّا، وَالْمِثَالُ الثَّانِي: إِذَا خَلَقَ الْحَيَاةَ سُمِّيَ مُحْيِيًا، وَإِذَا خَلَقَ الْمَوْتَ سُمِّيَ مُمِيتًا، وَالْمِثَالُ الثَّالِثُ: إِذَا خَصَّهُمْ بِالْإِكْرَامِ سُمِّيَ بَرًّا لَطِيفًا، وَإِذَا خَصَّهُمْ بِالْقَهْرِ سُمِّيَ قَهَّارًا جَبَّارًا، وَالْمِثَالُ الرَّابِعُ: إِذَا قَلَّلَ الْعَطَاءَ سُمِّيَ قَابِضًا، وَإِذَا أَكْثَرَهُ سُمِّيَ بَاسِطًا، وَالْمِثَالُ الْخَامِسُ: إِنْ جَارَى ذَوِي الذُّنُوبِ بِالْعِقَابِ سُمِّيَ مُنْتَقِمًا وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ الْجَزَاءَ سُمِّيَ عَفُوًّا غَفُورًا رَحِيمًا رَحْمَانًا، الْمِثَالُ السَّادِسُ: إِنْ حَصَلَ الْمَنْعُ وَالْإِعْطَاءُ فِي الْأَمْوَالِ سُمِّيَ قَابِضًا بَاسِطًا، وَإِنْ حَصَلَا فِي الْجَاهِ وَالْحِشْمَةِ سُمِّيَ خَافِضًا رافعا.
الباب السادس في الأسماء الواقعة بحسب الصفات السلبية
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ أَقْسَامَ مَقْدُورَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بِحَسَبِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، فَلَا جَرَمَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ لِلَّهِ تَعَالَى أَسْمَاءٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ بِحَسَبِ هَذَا الِاعْتِبَارِ. وَإِذَا عرفت هذا فنقول: هاهنا دَقَائِقُ لَا بُدَّ مِنْهَا: فَالدَّقِيقَةُ الْأُولَى: أَنَّ مُقَابِلَ الشَّيْءِ تَارَةً يَكُونُ ضِدَّهُ وَتَارَةً يَكُونُ عَدَمَهُ، فَقَوْلُنَا: «الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ» وَقَوْلُنَا: «الْمُحْيِي الْمُمِيتُ» يَتَقَابَلَانِ تَقَابُلَ الضِّدَّيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُنَا: «الْقَابِضُ الْبَاسِطُ، الْخَافِضُ الرَّافِعُ» فَيَقْرُبُ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَقَابُلُهُمَا تَقَابُلَ الْعَدَمِ وَالْوُجُودِ، لِأَنَّ الْقَبْضَ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ الْمَالَ الْكَثِيرَ، وَالْخَفْضَ عِبَارَةٌ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ الْجَاهَ الْكَبِيرَ، أَمَّا الْإِعْزَازُ وَالْإِذْلَالُ فَهُمَا مُتَضَادَّانِ، لِأَنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ لَا يُعِزَّهُ وَبَيْنَ أَنْ يُذِلَّهُ وَالدَّقِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ قَدْ تَكُونُ الْأَلْفَاظُ تَقْرُبُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُتَرَادِفَةً وَلَكِنَّ التَّأَمُّلَ التَّامَّ يَدُلُّ عَلَى الفرق اللطيف، وله أمثلة: المثال الأول: الرءوف الرَّحِيمُ، يَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِلَّا أَنَّ الرءوف أَمْيَلُ إِلَى جَانِبِ إِيصَالِ النَّفْعِ، وَالرَّحِيمَ أَمْيَلُ إِلَى جَانِبِ دَفْعِ الضَّرَرِ، وَالْمِثَالُ الثَّانِي: الْفَاتِحُ، وَالْفَتَّاحُ، وَالنَّافِعُ وَالنَّفَّاعُ، وَالْوَاهِبُ وَالْوَهَّابُ، فَالْفَاتِحُ يُشْعِرُ بِإِحْدَاثِ سَبَبِ الْخَيْرِ، / وَالْوَاهِبُ يُشْعِرُ بِإِيصَالِ ذَلِكَ الْخَيْرِ إِلَيْهِ، وَالنَّافِعُ يُشْعِرُ بِإِيصَالِ ذَلِكَ النَّفْعِ إِلَيْهِ بِقَصْدِ أَنْ يَنْتَفِعَ ذَلِكَ الشَّخْصُ بِهِ، وَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى هَذَا الْقَانُونِ الْمُعْتَبَرِ فِي هَذَا الْبَابِ أَمْكَنَكَ الْوُقُوفُ عَلَى حَقَائِقِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْأَسْمَاءِ. الْبَابُ السَّادِسُ فِي الْأَسْمَاءِ الْوَاقِعَةِ بِحَسَبِ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِنْهُ، وَطَرِيقُ الضَّبْطِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ السَّلْبُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى الذَّاتِ، أَوْ إِلَى الصِّفَاتِ، أَوْ إِلَى الْأَفْعَالِ، أَمَّا السُّلُوبُ الْعَائِدَةُ إِلَى الذَّاتِ فَهِيَ قَوْلُنَا إِنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ كَذَا وَلَا كَذَا، كَقَوْلِنَا: إِنَّهُ لَيْسَ جَوْهَرًا وَلَا جِسْمًا وَلَا فِي الْمَكَانِ وَلَا فِي الْحَيِّزِ وَلَا حَالًّا وَلَا مُحِلًّا، وَاعْلَمْ أَنَّا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ ذَاتَهُ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ لِعَيْنِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ، لَكِنَّ أَنْوَاعَ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ الْمُغَايِرَةِ لِذَاتِهِ غير متناهية، فلا جرم يحصل هاهنا سُلُوبٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [مُحَمَّدٍ: 38] وَقَوْلُهُ: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ [الْأَنْعَامِ: 133] لِأَنَّ كَوْنَهُ غَنِيًّا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ السَّلْبِيَّةِ إِلَى شَيْءٍ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُهُ: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الصمد: 3] وَأَمَّا السُّلُوبُ الْعَائِدَةُ إِلَى الصِّفَاتِ فَكُلُّ صِفَةٍ تَكُونُ مِنْ صِفَاتِ النَّقَائِصِ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهَا، فَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ أَضْدَادِ الْعِلْمِ وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ أَضْدَادِ الْقُدْرَةِ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ أَضْدَادِ الِاسْتِغْنَاءِ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ أَضْدَادِ الْوَحْدَةِ: وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ أَضْدَادِ الْعِلْمِ فَأَقْسَامٌ، أَحَدُهَا: نَفْيُ النَّوْمِ، قَالَ تَعَالَى: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [الْبَقَرَةِ: 255] وَثَانِيهَا: نَفْيُ النِّسْيَانِ، قَالَ تَعَالَى: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مَرْيَمَ: 64] وَثَالِثُهَا: نَفْيُ الْجَهْلِ قَالَ تَعَالَى: لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [سَبَأٍ: 3] وَرَابِعُهَا: أَنَّ عِلْمَهُ بِبَعْضِ الْمَعْلُومَاتِ لَا يَمْنَعُهُ عَنِ الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وَأَمَّا السُّلُوبُ الْعَائِدَةُ إِلَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ فَأَقْسَامٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُنَزَّهٌ فِي أَفْعَالِهِ عَنِ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ قَالَ تَعَالَى: وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [ق: 38] وثانيها: أنه لَا يَحْتَاجَ فِي فِعْلِهِ إِلَى الْآلَاتِ وَالْأَدَوَاتِ وَتَقَدُّمِ الْمَادَّةِ وَالْمُدَّةِ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ
نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النَّحْلِ: 40] وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَا تَفَاوُتَ فِي قُدْرَتِهِ بَيْنَ فِعْلِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، قَالَ تَعَالَى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [النَّحْلِ: 77] وَرَابِعُهَا: نَفْيُ انْتِهَاءِ الْقُدْرَةِ وَحُصُولِ الْفَقْرِ، قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [آلِ عِمْرَانَ: 181] وَأَمَّا السُّلُوبُ الْعَائِدَةُ إِلَى صِفَةِ الِاسْتِغْنَاءِ فَكَقَوْلِهِ: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الْأَنْعَامِ: 24] / وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ [الْمُؤْمِنُونَ: 88] وَأَمَّا السُّلُوبُ الْعَائِدَةُ إِلَى صِفَةِ الْوَحْدَةِ- وَهُوَ مِثْلُ نَفْيِ الشُّرَكَاءِ وَالْأَضْدَادِ وَالْأَنْدَادِ- فَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْهُ، وَأَمَّا السُّلُوبُ الْعَائِدَةُ إِلَى الْأَفْعَالِ- وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا- فَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْهُ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ الْبَاطِلَ، قَالَ تَعَالَى: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ص: 27] وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْمُؤْمِنِينَ: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا باطِلًا [آلِ عِمْرَانَ: 191] وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ اللَّعِبَ، قَالَ تَعَالَى: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ، مَا خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [الدخان: 38- 39] وَثَالِثُهَا: لَا يَخْلُقُ الْعَبَثَ، قَالَ تَعَالَى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [الْمُؤْمِنُونَ: 115، 116] وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِالْكُفْرِ، قَالَ تَعَالَى: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [الزُّمَرِ: 7] وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الظُّلْمَ، قَالَ تَعَالَى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ [غَافِرٍ: 31] وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ [الْبَقَرَةِ: 205] وَسَابِعُهَا: أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ جُرْمٍ، قَالَ تَعَالَى: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ [النِّسَاءِ: 147] وَثَامِنُهَا: أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِطَاعَاتِ الْمُطِيعِينَ وَلَا يَتَضَرَّرُ بِمَعَاصِي الْمُذْنِبِينَ، قَالَ تَعَالَى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الْإِسْرَاءِ: 7] وَتَاسِعُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ اعْتِرَاضٌ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، قَالَ تَعَالَى: لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: 23] وقال تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [البروج: 16] وَعَاشِرُهَا: أَنَّهُ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ، قَالَ تَعَالَى: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: 29] . إِذَا عَرَفْتَ هَذَا الْأَصْلَ فَنَقُولُ: أَقْسَامُ السُّلُوبِ بِحَسَبِ الذَّاتِ وَبِحَسَبِ الصِّفَاتِ وَبِحَسَبِ الْأَفْعَالِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، فَيَحْصُلُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ أَيْضًا أَقْسَامٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ مِنَ الْأَسْمَاءِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا الْأَصْلَ فَلْنَذْكُرْ بَعْضَ الْأَسْمَاءِ الْمُنَاسِبَةِ لِهَذَا الْبَابِ: فَمِنْهَا الْقُدُّوسُ، وَالسَّلَامُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقُدُّوسُ عِبَارَةً عَنْ كَوْنِ حَقِيقَةِ ذَاتِهِ مُخَالِفَةً لِلْمَاهِيَّاتِ الَّتِي هِيَ نَقَائِصُ فِي أَنْفُسِهَا، وَالسَّلَامُ عِبَارَةً عَنْ كَوْنِ تِلْكَ الذَّاتِ غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ، فَالْقُدُّوسُ سَلْبٌ عَائِدٌ إِلَى الذَّاتِ، وَالسَّلَامُ سَلْبٌ عَائِدٌ إِلَى الصِّفَاتِ، وَثَانِيهَا: الْعَزِيزُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ، وَثَالِثُهَا: الْغَفَّارُ، وَهُوَ الَّذِي يُسْقِطُ الْعِقَابَ عَنِ الْمُذْنِبِينَ، وَرَابِعُهَا: الْحَلِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُعَاجِلُ بِالْعُقُوبَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ إِيصَالِ الرَّحْمَةِ، وَخَامِسُهَا: الْوَاحِدُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي حَقِيقَتِهِ المخصوصة، ولا يشاركه أحد في صفة الإلهية، ولا يشاركه أحد في خلق الأرواح والأجسام، وَلَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي نُظُمِ الْعَالَمِ وَتَدْبِيرِ أحوال العرش وسادسها: الْغَنِيُّ: وَمَعْنَاهُ كَوْنُهُ مُنَزَّهًا عَنِ الْحَاجَاتِ وَالضَّرُورَاتِ، وَسَابِعُهَا: الصَّبُورُ، وَالْفَرْقُ/ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَلِيمِ أَنَّ الصَّبُورَ هُوَ الَّذِي لَا يُعَاقِبُ الْمُسِيءَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَالْحَلِيمُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ إِيصَالِ نِعْمَتِهِ إِلَيْهِ، وَقِسْ عَلَيْهِ الْبَوَاقِيَ وَاللَّهُ الْهَادِي.
الباب السابع في الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية مع الإضافية، وفيه فصول:
الْبَابُ السَّابِعُ فِي الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الصِّفَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ مَعَ الْإِضَافِيَّةِ، وَفِيهِ فُصُولٌ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ في الأسماء الحاصلة بسبب القدرة: الأسماء الدالة على صفة الْقُدْرَةِ: وَالْأَسْمَاءُ الدَّالَّةُ عَلَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ كَثِيرَةٌ: الْأَوَّلُ: الْقَادِرُ، قَالَ تَعَالَى: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [الْأَنْعَامِ: 65] وَقَالَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْقِيَامَةِ: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ، بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [الْقِيَامَةِ: 3، 4] وَقَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [الْقِيَامَةِ: 40] الثَّانِي: الْقَدِيرُ، قَالَ تَعَالَى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الْمُلْكِ: 1] وَهَذَا اللَّفْظُ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِهِ بِكَوْنِهِ قَادِرًا، الثَّالِثُ: الْمُقْتَدِرُ، قَالَ تَعَالَى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [الْكَهْفِ: 45] وَقَالَ: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [الْقَمَرِ: 55] الرَّابِعُ: عَبَّرَ عَنْ ذَاتِهِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ قَالَ تَعَالَى: فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ، [الْمُرْسَلَاتِ: 23] وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ «الْمَلِكِ» يُفِيدُ الْقُدْرَةَ أَيْضًا بِشَرْطٍ خَاصٍّ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا اللَّفْظَ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ: فَالْأَوَّلُ: الْمَالِكُ، قَالَ الله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ الثَّانِي: الْمَلِكُ، قَالَ تَعَالَى: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [طه: 114] وَقَالَ: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [الْحَشْرِ: 23] وَقَالَ: مَلِكِ النَّاسِ وَاعْلَمْ أَنَّ وُرُودَ لَفْظِ الْمَلِكِ فِي الْقُرْآنِ أَكْثَرُ مِنْ وُرُودِ لَفْظِ الْمَالِكِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْمَلِكَ أَعْلَى شَأْنًا مِنَ الْمَالِكِ، الثَّالِثُ: مَالِكُ الْمُلْكِ، قَالَ تَعَالَى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ [آلِ عِمْرَانَ: 26] الرَّابِعُ: «الْمَلِيكُ» قَالَ تَعَالَى: عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [الْقَمَرِ: 55] الْخَامِسُ: لَفْظُ الْمُلْكِ، قَالَ تَعَالَى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ [الْفُرْقَانِ: 26] وقال تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: 107] وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْقُوَّةِ يَقْرُبُ مِنْ لَفْظِ الْقُدْرَةِ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ: الْأَوَّلُ: الْقَوِيُّ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الْحَجِّ: 40] الثَّانِي: ذُو الْقُوَّةِ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 58] . الفصل الثاني: الأسماء الحاصلة بسبب العلم: فِي الْأَسْمَاءِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِ الْعِلْمِ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ: الْأَوَّلُ: الْعِلْمُ وَمَا يُشْتَقُّ مِنْهُ، وَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: إِثْبَاتُ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [الْبَقَرَةِ: 255] وَقَالَ تعالى: وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فصلت: 47] وَقَالَ تَعَالَى: قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [الطَّلَاقِ: 12] وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لُقْمَانَ: 34] الِاسْمُ الثَّانِي: الْعَالِمُ، قَالَ تَعَالَى: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [الزمر: 46] الثَّالِثُ: الْعَلِيمُ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، الرَّابِعُ: الْعَلَّامُ، قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ
الفصل الثالث: الأسماء الحاصلة بصفة الكلام:
الْغُيُوبِ ، [الْمَائِدَةِ: 116] الْخَامِسُ: الْأَعْلَمُ، قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الْأَنْعَامِ: 124] السَّادِسُ: صِيغَةُ الْمَاضِي، قَالَ تَعَالَى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ [الْبَقَرَةِ: 187] السَّابِعُ: صِيغَةُ الْمُسْتَقْبَلِ، قَالَ تَعَالَى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [الْبَقَرَةِ: 197] وَقَالَ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ [النَّحْلِ: 19] الثَّامِنُ: لَفْظُ عَلَّمَ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ، قَالَ تَعَالَى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [الْبَقَرَةِ: 31] وَقَالَ فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ سُبْحانَكَ لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا [الْبَقَرَةِ: 32] وَقَالَ: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النِّسَاءِ: 113] وَقَالَ: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرَّحْمَنِ: 1، 2] . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ مُعَلِّمٌ مَعَ كَثْرَةِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِأَنَّ لَفْظَ الْمُعَلِّمِ مُشْعِرٌ بِنَوْعِ نَقِيصَةٍ، التَّاسِعُ: لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْعَلَّامَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهَا وَإِنْ أَفَادَتِ الْمُبَالَغَةَ لَكِنَّهَا تُفِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْمُبَالَغَةَ إِنَّمَا حَصَلَتْ بِالْكَدِّ وَالْعَنَاءِ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ. اللَّفْظُ الثَّانِي: مِنْ أَلْفَاظِ هَذَا الْبَابِ لَفْظُ الْخَبَرِ وَالْخِبْرَةِ، وَهُوَ كَالْمُرَادِفِ لِلْعِلْمِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ فِي حَدِّ الْعِلْمِ: إِنَّهُ الْخَبَرُ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: وَرَدَ لَفْظُ «الْخَبِيرِ» فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَدِّ العلم: إنه الخبر، إذا عرفت هذا فنقول: وَرَدَ لَفْظُ «الْخَبِيرِ» فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ أَيْضًا يَدُلُّ، عَلَى الْعِلْمِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: مِنَ الْأَلْفَاظِ: الشُّهُودُ وَالْمُشَاهَدَةُ، وَمِنْهُ «الشَّهِيدُ» فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، إِذَا فَسَّرْنَاهُ بِكَوْنِهِ مُشَاهِدًا لَهَا عَالِمًا بِهَا، أَمَّا إِذَا فَسَّرْنَاهُ بِالشَّهَادَةِ كَانَ مِنْ صِفَةِ الْكَلَامِ. النَّوْعُ الرَّابِعُ: الْحِكْمَةُ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْعِلْمُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا أَيْضًا تَرْكُ مَا لَا يَنْبَغِي وَفِعْلُ مَا يَنْبَغِي. النَّوْعُ الْخَامِسُ: اللَّطِيفُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ بِالدَّقَائِقِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ إِيصَالُ الْمَنَافِعِ إِلَى الْعِبَادِ بطريق خفية عجيبة. الفصل الثالث: الأسماء الحاصلة بصفة الكلام: فِي الْأَسْمَاءِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِ صِفَةِ الْكَلَامِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ: - اللَّفْظُ الْأَوَّلُ: الْكَلَامُ، وَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: لَفْظُ الْكَلَامِ، قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التَّوْبَةِ: 6] الثَّانِي: صِيغَةُ الْمَاضِي مِنْ هَذَا اللَّفْظِ، قَالَ تَعَالَى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النِّسَاءِ: 164] وَقَالَ: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الْأَعْرَافِ: 143] الثَّالِثُ: صِيغَةُ الْمُسْتَقْبَلِ، قَالَ تَعَالَى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [الشُّورَى: 51] . اللَّفْظُ الثَّانِي: الْقَوْلُ، وَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: صِيغَةُ الْمَاضِي، قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [الْبَقَرَةِ: 30] وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ، الثَّانِي: صِيغَةُ الْمُسْتَقْبَلِ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ [الْبَقَرَةِ: 68] الثَّالِثُ: الْقِيلُ وَالْقَوْلُ، قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النِّسَاءِ: 122] وَقَالَ تَعَالَى: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق: 29] .
الفصل الرابع: الإرادة وما بمعناها:
اللَّفْظُ الثَّالِثُ: الْأَمْرُ، قَالَ تَعَالَى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [الرُّومِ: 4] وَقَالَ: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الْأَعْرَافِ: 54] وَقَالَ حِكَايَةً عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [الْبَقَرَةِ: 67] . اللَّفْظُ الرَّابِعُ: الْوَعْدُ، قَالَ تَعَالَى: وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ [التَّوْبَةِ: 111] وَقَالَ تَعَالَى: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [يُونُسَ: 4] . اللَّفْظُ الْخَامِسُ: الْوَحْيُ، قَالَ تَعَالَى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [الشُّورَى: 51] وَقَالَ: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى [النَّجْمِ: 10] . اللَّفْظُ السَّادِسُ: كَوْنُهُ تَعَالَى شَاكِرًا لِعِبَادِهِ، قَالَ تَعَالَى: فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الْإِسْرَاءِ: 19] وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً [النساء: 147] . الفصل الرابع: الإرادة وما بمعناها: فِي الْإِرَادَةِ وَمَا يَقْرُبُ مِنْهَا: - فَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ: الْإِرَادَةُ، قَالَ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [الْبَقَرَةِ: 185] . اللَّفْظُ الثَّانِي: الرِّضَا، قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزُّمَرِ: 7] وَقَالَ: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [الزُّمَرِ: 7] وَقَالَ: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الْفَتْحِ: 18] وَقَالَ فِي صِفَةِ السَّابِقِينَ/ الْأَوَّلِينَ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: 119] وَقَالَ حِكَايَةً عَنْ مُوسَى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [طه: 84] . اللَّفْظُ الثَّالِثُ: الْمَحَبَّةُ، قَالَ: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [الْمَائِدَةِ: 54] وَقَالَ: وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [الْبَقَرَةِ: 222] . اللَّفْظُ الرَّابِعُ: الْكَرَاهَةُ، قَالَ تَعَالَى: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [الْإِسْرَاءِ: 38] وَقَالَ: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ [التَّوْبَةِ: 46] قَالَتِ الْأَشْعَرِيَّةُ: الكراهة عبارة عن أن يُرِيدُ أَنْ لَا يَفْعَلَ وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: بَلْ هِيَ صِفَةٌ أُخْرَى سِوَى الْإِرَادَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الفصل الخامس السمع والبصر ومشتقاتها: فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ: قَالَ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشُّورَى: 11] وَقَالَ تَعَالَى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الْإِسْرَاءِ: 1] وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [طه: 46] وَقَالَ: لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ [مَرْيَمَ: 42] وَقَالَ تَعَالَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الأنعام: 103] .
الفصل السادس في الصفات الإضافية مع السلبية
فهذا جملة الكلام في الصفات الحقيقية مع الإضافية. الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي الصِّفَاتِ الْإِضَافِيَّةِ مَعَ السَّلْبِيَّةِ اعْلَمْ أَنَّ «الْأَوَّلَ» هُوَ الَّذِي يَكُونُ سَابِقًا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَسْبِقُهُ غَيْرُهُ، فَكَوْنُهُ سَابِقًا عَلَى غَيْرِهِ إِضَافَةٌ، وَقَوْلُنَا إِنَّهُ لَا يَسْبِقُهُ غَيْرُهُ فَهُوَ سَلْبٌ، فَلَفْظُ «الْأَوَّلُ» يُفِيدُ حَالَةً مُتَرَكِّبَةً مِنْ إِضَافَةٍ وَسَلْبٍ، «وَالْآخِرُ» هُوَ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ غَيْرِهِ، وَلَا يَبْقَى بَعْدَهُ غَيْرُهُ، وَالْحَالُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَمَّا لَفْظُ «الظَّاهِرُ» فَهُوَ إِضَافَةٌ مَحْضَةٌ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَوْنُهُ ظَاهِرًا بِحَسَبِ الدَّلَائِلِ، وَأَمَّا لَفْظُ «الْبَاطِنُ» فَهُوَ سَلْبٌ مَحْضٌ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَوْنُهُ خَفِيًّا بِحَسَبِ الْمَاهِيَّةِ. وَمِنَ الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى مَجْمُوعِ إِضَافَةٍ وَسَلْبٍ «الْقَيُّومُ» لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ تَحْصُلُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ مُحْتَاجًا إِلَى شَيْءٍ سِوَاهُ الْبَتَّةَ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا كَانَ وَاجِبَ الْوُجُودِ فِي ذَاتِهِ وَفِي جُمْلَةِ صِفَاتِهِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ فِي ذَوَاتِهَا وَفِي جُمْلَةِ صِفَاتِهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِكُلِّ مَا سِوَاهُ، فَالْأَوَّلُ سَلْبٌ، وَالثَّانِي إِضَافَةٌ وَمَجْمُوعُهُمَا هُوَ الْقَيُّومُ. الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ: فَمِنْهَا قَوْلُنَا: «الْإِلَهُ» وَهَذَا الِاسْمُ يُفِيدُ الْكُلَّ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَوْجُودًا، وَعَلَى كَيْفِيَّاتِ ذَلِكَ الْوُجُودِ، أَعْنِي كَوْنَهُ أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، وَعَلَى الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَعَلَى الصِّفَاتِ الْإِضَافِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِيجَادِ وَالتَّكْوِينِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ هَلْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى؟ أَمَّا كُفَّارُ قُرَيْشٍ فَكَانُوا يُطْلِقُونَهُ فِي حَقِّ الْأَصْنَامِ، وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ؟ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَذْكَارِ: يَا إِلَهَ الْآلِهَةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَأَمَّا قَوْلُنَا: «اللَّهُ» فَسَيَأْتِي بَيَانُ أَنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لِلَّهِ تَعَالَى، فَهَلْ يَدُلُّ هَذَا الِاسْمُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ؟ فَنَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّ أَسْمَاءَ الْأَعْلَامِ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْإِشَارَاتِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ بِحَيْثُ يَصِحُّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ لَكَانَ هَذَا الِاسْمُ قَائِمًا مَقَامَ تِلْكَ الْإِشَارَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى الذَّاتِ الْمَخْصُوصَةِ هَلْ تَتَنَاوَلُ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةَ بِتِلْكَ الذَّاتِ؟ فَإِنْ قُلْنَا إِنَّهَا تَتَنَاوَلُ الصِّفَاتِ كان قولنا: «الله» دليلًا على جملة الصِّفَاتِ، فَإِنْ قَالُوا: الْإِشَارَةُ لَا تَتَنَاوَلُ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَيْهَا لَفْظُ اللَّهِ قُلْنَا: الْإِشَارَةُ فِي حَقِّ اللَّهِ إِشَارَةٌ عَقْلِيَّةٌ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الْعَلَائِقِ الْحِسِّيَّةِ، وَالْإِشَارَةُ الْعَقْلِيَّةُ قَدْ تَتَنَاوَلُ السُّلُوبَ.
الفصل الثامن في الأسماء التي اختلف العقلاء فيها أنها هل هي من أسماء الذات أو من أسماء الصفات
الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي اخْتَلَفَ الْعُقَلَاءُ فِيهَا أَنَّهَا هَلْ هِيَ مِنْ أَسْمَاءِ الذَّاتِ أو من أسماء الصفات الأسماء المختلف في مرجعها: هَذَا الْبَحْثُ إِنَّمَا ظَهَرَ مِنَ الْمُنَازَعَةِ الْقَائِمَةِ بَيْنَ أَهْلِ التَّشْبِيهِ وَأَهْلِ التَّنْزِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ التَّشْبِيهِ يَقُولُونَ: الْمَوْجُودُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَالًّا فِي الْمُتَحَيِّزِ أَمَّا الَّذِي لَا يَكُونُ مُتَحَيِّزًا وَلَا حَالًّا فِي الْمُتَحَيِّزِ- فَكَانَ خَارِجًا عَنِ الْقِسْمَيْنِ- فَذَاكَ مَحْضُ الْعَدَمِ، وَأَمَّا أَهْلُ التَّوْحِيدِ وَالتَّقْدِيسِ فَيَقُولُونَ: أَمَّا الْمُتَحَيِّزُ فَهُوَ مُنْقَسِمٌ، وَكُلُّ مُنْقَسِمٍ فَهُوَ مُحْتَاجٌ، فَكُلُّ مُتَحَيِّزٍ هُوَ مُحْتَاجٌ، فَمَا لَا يَكُونُ مُحْتَاجًا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، وَأَمَّا الْحَالُّ فِي الْمُتَحَيِّزِ فَهُوَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاجِ، فَوَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا أَوْ حَالًّا فِي الْمُتَحَيِّزِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا الْأَصْلَ فنقول: هاهنا أَلْفَاظٌ ظَوَاهِرُهَا مُشْعِرَةٌ بِالْجِسْمِيَّةِ وَالْحُصُولِ فِي/ الْحَيِّزِ وَالْمَكَانِ: فَمِنْهَا «الْعَظِيمُ» وَذَلِكَ لِأَنَّ أَهْلَ التَّشْبِيهِ قَالُوا: مَعْنَاهُ أَنَّ ذَاتَهُ أَعْظَمُ فِي الْحَجْمِيَّةِ وَالْمِقْدَارِ مِنَ الْعَرْشِ وَمِنْ كُلِّ مَا تَحْتَ الْعَرْشِ، وَمِنْهَا «الْكَبِيرُ» وَمَا يُشْتَقُّ مِنْهُ، وَهُوَ لَفْظُ «الْأَكْبَرِ» وَلَفْظُ «الْكِبْرِيَاءِ» وَلَفْظُ «الْمُتَكَبِّرِ» . وَاعْلَمْ أَنِّي مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ الْمُحَقِّقِينَ بَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، إِلَّا أَنَّ الْفَرْقَ حَاصِلٌ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ الْإِلَهِيَّةِ أَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظْمَةُ إِزَارِي، فَجَعَلَ الْكِبْرِيَاءَ قَائِمًا مَقَامَ الرِّدَاءِ، وَالْعَظْمَةَ قَائِمَةً مَقَامَ الْإِزَارِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرِّدَاءَ أَرْفَعُ دَرَجَةً مِنَ الْإِزَارِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ الْكِبْرِيَاءِ أَرْفَعُ حَالًا مِنْ صِفَةِ الْعَظَمَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرِيعَةَ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَالَيْنِ، فَإِنَّ الْمُعْتَادَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَنْ يُقَالَ فِي تَحْرِيمَةِ الصَّلَاةِ «اللَّهُ أَكْبَرُ» وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ «اللَّهُ أَعْظَمُ» وَلَوْلَا التَّفَاوُتُ لَمَا حَصَلَتْ هَذِهِ التَّفْرِقَةُ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُشْتَقَّةَ مِنَ الْكَبِيرِ مَذْكُورَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالْأَكْبَرِ وَالْمُتَكَبِّرِ بِخِلَافِ الْعَظِيمِ فَإِنَّ لَفْظَ الْمُتَعَظِّمِ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي حَقِّ اللَّهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقَامَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ مَقَامَ الْأُخْرَى، فقال: وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [الْبَقَرَةِ: 255] وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سَبَأٍ: 23] إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَالْمَبَاحِثُ السَّابِقَةُ مُشْعِرَةٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْعَظِيمِ وَبَيْنَ الْكَبِيرِ، وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ مُشْعِرَتَانِ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، فَهَذِهِ الْعُقْدَةُ يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْهَا فَنَقُولُ وَمِنَ اللَّهِ الْإِرْشَادُ وَالتَّعْلِيمُ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْكَبِيرُ فِي ذَاتِهِ كَبِيرًا سَوَاءٌ اسْتَكْبَرَهُ غَيْرُهُ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ عَرَفَ هَذِهِ الصِّفَةَ أَحَدٌ أَوْ لَا، وَأَمَّا الْعَظَمَةُ فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَسْتَعْظِمُهُ غَيْرُهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتِ الصِّفَةُ الْأُولَى ذَاتِيَّةً وَالثَّانِيَةُ عَرَضِيَّةً وَالذَّاتِيُّ أَعْلَى وَأَشْرَفُ مِنَ الْعَرَضِيِّ، فَهَذَا هُوَ الْمُمْكِنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ. وَمِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْعِرَةِ بِالْجِسْمِيَّةِ وَالْجِهَةِ الْأَلْفَاظُ الْمُشْتَقَّةُ مِنَ «الْعُلُوِّ» فمنها قوله تعالى: الْعَلِيُّ وَمِنْهَا قَوْلُهُ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الْأَعْلَى: 1] وَمِنْهَا الْمُتَعَالِي وَمِنْهَا اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ الْكُلِّ عَلَى سَبِيلِ الْإِطْبَاقِ وَهُوَ أَنَّهُمْ كُلَّمَا ذَكَرُوهُ أَرْدَفُوا ذَلِكَ الذِّكْرَ بِقَوْلِهِمْ: «تَعَالَى» لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [النَّحْلِ: 1] إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ فِي الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ قَالُوا: مَعْنَى عُلُوِّهِ وَتَعَالِيهِ
الفصل التاسع في الأسماء الحاصلة لله تعالى من باب الأسماء المضمرة
كَوْنُهُ مَوْجُودًا فِي جِهَةِ فَوْقُ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ جَالِسٌ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُبَايِنٌ لِلْعَرْشِ بِبُعْدٍ مُتَنَاهٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُبَايِنٌ لِلْعَرْشِ بِبُعْدٍ غَيْرِ مُتَنَاهٍ، وَكَيْفَ كَانَ فَإِنَّ الْمُشَبِّهَةَ حَمَلُوا لَفْظَ الْعَظِيمِ وَالْكَبِيرِ عَلَى الْجِسْمِيَّةِ وَالْمِقْدَارِ/ وَحَمَلُوا لَفْظَ الْعَلِيِّ عَلَى الْعُلُوِّ فِي الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ التَّنْزِيهِ وَالتَّقْدِيسِ فَإِنَّهُمْ حَمَلُوا الْعَظِيمَ وَالْكَبِيرَ عَلَى وُجُوهٍ لَا تُفِيدُ الْجِسْمِيَّةَ وَالْمِقْدَارَ: فَأَحَدُهَا: أَنَّهُ عَظِيمٌ بِحَسَبِ مُدَّةِ الْوُجُودِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، وَذَلِكَ هُوَ نِهَايَةُ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ فِي الْوُجُودِ وَالْبَقَاءِ وَالدَّوَامِ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي الرَّحْمَةِ وَالْحِكْمَةِ، وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي كَمَالِ الْقُدْرَةِ، وَأَمَّا الْعُلُوُّ فَأَهْلُ التَّنْزِيهِ يَحْمِلُونَ هَذَا اللَّفْظَ عَلَى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنْ صِفَاتِ النَّقَائِصِ وَالْحَاجَاتِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَلَفْظُ الْعَظِيمِ وَالْكَبِيرِ عِنْدَ الْمُشَبِّهَةِ مِنْ أَسْمَاءِ الذَّاتِ، وَعِنْدَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنْ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ، وَأَمَّا لَفْظُ الْعَلِيِّ فَعِنْدَ الْكُلِّ مِنْ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ، إِلَّا أَنَّهُ عِنْدَ الْمُشَبِّهَةِ يُفِيدُ الْحُصُولَ فِي الْحَيِّزِ الَّذِي هُوَ الْعُلُوُّ الْأَعْلَى، وَعِنْدَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ يُفِيدُ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِالْإِلَهِيَّةِ، فَهَذَا تَمَامُ الْبَحْثِ فِي هَذَا الْبَابِ. الْفَصْلُ التَّاسِعُ فِي الْأَسْمَاءِ الْحَاصِلَةِ لله تعالى من باب الأسماء المضمرة الْأَسْمَاءِ الْمُضْمَرَةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمُضْمَرَةَ ثَلَاثَةٌ: أَنَا، وَأَنْتَ، وَهُوَ، وَأَعْرَفُ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ قَوْلُنَا: «أَنَا» لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَفْظٌ يُشِيرُ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ إِلَى نَفْسِهِ، وَأَعْرَفُ الْمَعَارِفِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ نَفْسُهُ، وَأَوْسَطُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ قَوْلُنَا: «أَنْتَ» لِأَنَّ هَذَا خِطَابٌ لِلْغَيْرِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ حَاضِرًا، فَلِأَجْلِ كَوْنِهِ خِطَابًا لِلْغَيْرِ يَكُونُ دُونَ قَوْلِهِ أَنَا، وَلِأَجْلِ أَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ كَوْنُ ذَلِكَ الْمُخَاطَبِ حَاضِرًا يَكُونُ أَعْلَى مِنْ قَوْلِهِ: «هُوَ» فَثَبَتَ أَنَّ أَعْلَى الْأَقْسَامِ هُوَ قَوْلُهُ: «أَنَا» وَأَوْسَطُهَا «أَنْتَ» وَأَدْنَاهَا «هُوَ» وَكَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَرَدَتْ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، أَمَّا لَفْظُ «أَنَا» فَقَالَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا [النَّحْلِ: 2] وَفِي سُورَةِ طه إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا [طه: 14] وَأَمَّا لَفْظُ أَنْتَ فَقَدَ جَاءَ فِي قَوْلِهِ: فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ [الْأَنْبِيَاءِ: 87] وَأَمَّا لَفْظُ هُوَ فَقَدْ جَاءَ كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ أَوَّلُهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ [الْبَقَرَةِ: 163] وَآخِرُهَا فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [الْمُزَّمِّلِ: 9] وَأَمَّا وُرُودُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَقْرُونًا بِاسْمٍ آخَرَ سِوَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ قَالَ: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ [يُونُسَ: 90] ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَةَ مَا قُبِلَتْ مِنْهُ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَلْنَذْكُرْ أَحْكَامَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَنَقُولُ: أَمَّا قَوْلُهُ: لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَهَذَا الْكَلَامُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ أَوْ مَنْ يَذْكُرُهُ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ عَنِ اللَّهِ، لِأَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَةَ تَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْإِلَهِيَّةِ لِذَلِكَ الْقَائِلِ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَشْرُوطَةٌ بِمَعْرِفَةِ قَوْلِهِ: «أَنَا» وَتِلْكَ الْمَعْرِفَةُ عَلَى سَبِيلِ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا لِلْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لِأَنَّ عِلْمَ كُلِّ أَحَدٍ بِذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ أَكْمَلُ مِنْ عِلْمِ غَيْرِهِ بِهِ، لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ الْحَقِّ تَعَالَى، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا» لَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ
إِلَّا لِلْحَقِّ تَعَالَى، وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» فَهَذَا يَصِحُّ ذِكْرُهُ مِنَ الْعَبْدِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا لَا غَائِبًا، لَكِنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ إِنَّمَا اتَّفَقَ حُصُولُهَا لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ عَنْ جَمِيعِ حُظُوظِ النَّفْسِ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَصِرْ غَائِبًا عَنْ كُلِّ الْحُظُوظِ لَا يَصِلُ إِلَى مَقَامِ الْمُشَاهَدَةِ، وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» فَهَذَا يَصِحُّ مِنَ الْغَائِبِينَ. وَاعْلَمْ أَنَّ دَرَجَاتِ الْحُضُورِ مُخْتَلِفَةٌ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، وَكَمَالِ التَّجَلِّي وَنُقْصَانِهِ، وَكُلُّ دَرَجَةٍ نَاقِصَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الْحُضُورِ فَهِيَ غَيْبَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ الْكَامِلَةِ، وَلَمَّا كَانَتْ دَرَجَاتُ الْحُضُورِ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ كَانَتْ مَرَاتِبُ الْكَمَالَاتِ وَالنُّقْصَانَاتِ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ، فَكَانَتْ دَرَجَاتُ الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ، فَكُلُّ مَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَاضِرٌ فَبِاعْتِبَارٍ آخَرَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَائِبٌ، وَبِالْعَكْسِ وَعَنْ هَذَا قَالَ الشَّاعِرُ: - أبا غَائِبًا حَاضِرًا فِي الْفُؤَادِ ... سَلَامٌ عَلَى الْغَائِبِ الْحَاضِرِ وَيُحْكَى أَنَّ الشِّبْلِيَّ لَمَّا قَرُبَتْ وَفَاتُهُ قَالَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: - كُلُّ بَيْتٍ أَنْتَ حَاضِرُهُ ... غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى السَّرْجِ وَجْهُكَ الْمَأْمُولُ حُجَّتُنَا ... يَوْمَ تأتي الناس بالحجج أسرار من التصوف في لفظ «هو» : وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ «هُوَ» فِيهِ أَسْرَارٌ عَجِيبَةٌ وَأَحْوَالٌ عَالِيَةٌ، فَبَعْضُهَا يُمْكِنُ شَرْحُهُ وَتَقْرِيرُهُ وَبَيَانُهُ، وَبَعْضُهَا لَا يُمْكِنُ، قَالَ مُصَنِّفُ الْكِتَابِ: وَأَنَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ كَتَبْتُ أَسْرَارًا لَطِيفَةً، إِلَّا أَنِّي كُلَّمَا أُقَابِلُ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْمَكْتُوبَةَ بِمَا أَجِدُهُ فِي الْقَلْبِ مِنَ الْبَهْجَةِ وَالسَّعَادَةِ عِنْدَ ذِكْرِ كَلِمَةِ «هُوَ» أَجِدُ الْمَكْتُوبَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تِلْكَ الْأَحْوَالِ الْمُشَاهَدَةِ حَقِيرًا، فَعِنْدَ هَذَا عَرَفْتُ أَنَّ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَأْثِيرًا عَجِيبًا فِي الْقَلْبِ لَا يَصِلُ الْبَيَانُ إِلَيْهِ، وَلَا يَنْتَهِي الشَّرْحُ إِلَيْهِ، فَلْنَكْتُبْ مَا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ فَنَقُولُ: فِيهِ أَسْرَارٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ: «يَا هُوَ» فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ/ أَنَا حَتَّى أَعْرِفَكَ، وَمَنْ أَنَا حَتَّى أَكُونَ مُخَاطِبًا لَكَ، وَمَا لِلتُّرَابِ وَرَبِّ الْأَرْبَابِ، وَأَيُّ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الْمُتَوَلِّدِ عَنِ النُّطْفَةِ وَالدَّمِ وَبَيْنَ الْمَوْصُوفِ بِالْأَزَلِيَّةِ وَالْقِدَمِ؟ فَأَنْتَ أَعْلَى مِنْ جَمِيعِ الْمُنَاسَبَاتِ وَأَنْتَ مُقَدَّسٌ عَنْ عَلَائِقِ الْعُقُولِ وَالْخَيَالَاتِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ خَاطَبَهُ الْعَبْدُ بِخِطَابِ الْغَائِبِينَ فَقَالَ: يَا هُوَ. وَالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ كَمَا دَلَّ عَلَى إِقْرَارِ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ بِالدَّنَاءَةِ وَالْعَدَمِ فَفِيهِ أَيْضًا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَحْضُ الْعَدَمِ، لِأَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: «يَا هُوَ» فَلَوْ حَصَلَ فِي الْوُجُودِ شَيْئَانِ لَكَانَ قَوْلُنَا: «هُوَ» صَالِحًا لَهُمَا جَمِيعًا، فَلَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِسَبَبِ قَوْلِهِ: «هُوَ» فَلَمَّا قَالَ: (يَا هُوَ) فَقَدْ حَكَمَ عَلَى كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ عَدَمٌ مَحْضٌ وَنَفْيٌ صِرْفٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [الْقَصَصِ: 88] وَهَذَانِ الْمَقَامَانِ فِي الْفَنَاءِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ مَقَامَانِ فِي غَايَةِ الْجَلَالِ، وَلَا يَحْصُلَانِ إِلَّا عِنْدَ مُوَاظَبَةِ الْعَبْدِ عَلَى أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ بِقَوْلِهِ: يَا هُوَ. وَالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْعَبْدَ مَتَى ذَكَرَ اللَّهَ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: «يَا رَحْمَنُ» فَحِينَئِذٍ يَتَذَكَّرُ رَحْمَتَهُ فَيَمِيلُ طَبْعُهُ إِلَى طَلَبِهَا فَيَكُونُ طَالِبًا لِلْحِصَّةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: (يَا كَرِيمُ، يَا مُحْسِنُ، يَا غَفَّارُ، يَا وَهَّابُ، يَا فَتَّاحُ) وَإِذَا قَالَ: (يَا مَلِكُ) فَحِينَئِذٍ يَتَذَكَّرُ مُلْكَهُ وَمَلَكُوتَهُ وَمَا فِيهِ مِنْ أَقْسَامِ النِّعَمِ
فَيَمِيلُ طَبْعُهُ إِلَيْهِ فَيَطْلُبُ شَيْئًا مِنْهَا، وَقِسْ عَلَيْهِ سَائِرَ الْأَسْمَاءِ، أَمَّا إِذَا قَالَ: (يَا هُوَ) فَإِنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّهُ هُوَ، وَهَذَا الذِّكْرُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ غَيْرِهِ الْبَتَّةَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ فِي قَلْبِهِ نُورُ ذِكْرِهِ، وَلَا يَتَكَدَّرُ ذَلِكَ النُّورُ بِالظُّلْمَةِ الْمُتَوَلِّدَةِ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِ اللَّهِ، وَهُنَاكَ يَحْصُلُ فِي قَلْبِهِ النُّورُ التَّامُّ وَالْكَشْفُ الْكَامِلُ. وَالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الْمَعْلُومَةِ عِنْدَ الْخَلْقِ: إِمَّا صِفَاتُ الْجَلَالِ، وَإِمَّا صِفَاتُ الْإِكْرَامِ، أَمَّا صِفَاتُ الْجَلَالِ فَهِيَ قَوْلُنَا لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا بِجَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ وَلَا فِي الْمَكَانِ وَلَا فِي الْمَحَلِّ، وَهَذَا فِيهِ دَقِيقَةٌ، لِأَنَّ مَنْ خَاطَبَ السُّلْطَانَ فَقَالَ: أَنْتَ لَسْتَ أَعْمَى وَلَسْتَ أَصَمَّ وَلَسْتَ كَذَا وَلَا كَذَا وَيَعُدُّ أَنْوَاعَ الْمَعَايِبِ وَالنُّقْصَانَاتِ فَإِنَّهُ يَسْتَوْجِبُ الزَّجْرَ وَالْحَجْرَ وَالتَّأْدِيبَ، وَيُقَالُ: إِنَّ مُخَاطَبَتَهُ بِنَفْيِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَنْهُ إِسَاءَةٌ فِي الْأَدَبِ، وَأَمَّا صِفَاتُ الْإِكْرَامِ فَهِيَ كَوْنُهُ خَالِقًا لِلْمَخْلُوقَاتِ مُرَتِّبًا لَهَا عَلَى النَّظْمِ الْأَكْمَلِ، وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ دَقِيقَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: لَا شَكَّ أَنَّ كَمَالَ الْخَالِقِ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ كَمَالِ الْمَخْلُوقِ بِمَرَاتِبَ لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَإِذَا شَرَحْنَا نُعُوتَ كَمَالِ اللَّهِ وَصِفَاتِ جَلَالِهِ بِكَوْنِهِ خَالِقًا لِهَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ فَقَدْ جَعَلْنَا كَمَالَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ كَالشَّرْحِ وَالْبَيَانِ لِكَمَالِ جَلَالِ الْخَالِقِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَعْرِيفَ الْكَامِلِ الْمُتَعَالِي بِطَرِيقٍ فِي غَايَةِ الْخِسَّةِ وَالدَّنَاءَةِ، / وَذَلِكَ سُوءُ أَدَبٍ، وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَخَذَ يَمْدَحُ السُّلْطَانَ الْقَاهِرَ بِأَنَّهُ أَعْطَى الْفَقِيرَ الْفُلَانِيَّ كِسْرَةَ خُبْزٍ أَوْ قَطْرَةَ مَاءٍ فَإِنَّهُ يَسْتَوْجِبُ الزَّجْرَ وَالْحَجْرَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ نِسْبَةَ جَمِيعِ عَالَمِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى آخِرِ الْخَلَاءِ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لَهُ إِلَى مَا فِي خَزَائِنِ قُدْرَةِ اللَّهِ أَقَلُّ مِنْ نِسْبَةِ كِسْرَةِ الْخُبْزِ وَقَطْرَةِ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ خَزَائِنِ الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ سُوءَ أَدَبٍ فَهَذَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ سُوءَ أَدَبٍ فَثَبَتَ أَنَّ مَدْحَ اللَّهِ وَثَنَاءَهُ بِالطَّرِيقَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِيهِ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتُ، إلا أن هاهنا سَبَبًا يُرَخِّصُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْمَدَائِحِ، وَهُوَ أَنَّ النَّفْسَ صَارَتْ مُسْتَغْرِقَةً فِي عَالَمِ الْحِسِّ وَالْخَيَالِ فَالْإِنْسَانُ إِذَا أَرَادَ جَذْبَهَا إِلَى عَتَبَةِ عَالَمِ الْقُدْسِ احْتَاجَ إِلَى أَنْ يُنَبِّهَهَا عَلَى كَمَالِ الْحَضْرَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى مَعْرِفَةِ كَمَالِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ إِلَّا بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ، أَعْنِي ذِكْرَ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَصِفَاتِ الْإِكْرَامِ فَيُوَاظِبُ عَلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ حَتَّى تُعْرِضَ النَّفْسُ عَنْ عَالَمِ الْحِسِّ وَتَأْلَفَ الْوُقُوفَ عَلَى عَتَبَةِ الْقُدْسِ فَإِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَنَبَّهُ لِمَا فِي ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ مِنَ الذِّكْرِ مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتْرُكُ تِلْكَ الْأَذْكَارَ وَيَقُولُ: (يَا هُوَ) كَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: أَجَلُّ حَضْرَتِكَ أَنْ أَمْدَحَكَ وَأُثْنِيَ عَلَيْكَ بِسَلْبِ نَقَائِصِ الْمَخْلُوقَاتِ عَنْكَ أَوْ بِإِسْنَادِ كَمَالَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ إِلَيْكَ، فَإِنَّ كَمَالَكَ أَعْلَى وَجَلَالَكَ أَعْظَمُ، بَلْ لَا أَمْدَحُكَ وَلَا أُثْنِي عَلَيْكَ إِلَّا بِهُوِيَّتِكَ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَلَا أُخَاطِبُكَ أَيْضًا بِلَفْظَةِ (أَنْتَ) لِأَنَّ تِلْكَ اللَّفْظَةَ تُفِيدُ التِّيهَ وَالْكِبْرَ حَيْثُ تَقُولُ الرُّوحُ إِنِّي قَدْ بَلَغْتُ مَبْلَغًا صِرْتُ كَالْحَاضِرِ فِي حَضْرَةِ وَاجِبِ الْوُجُودِ، وَلَكِنِّي لَا أَزِيدُ عَلَى قَوْلِي (هُوَ) لِيَكُونَ إِقْرَارًا بِأَنَّهُ هُوَ الْمَمْدُوحُ لِذَاتِهِ بِذَاتِهِ، وَيَكُونَ إِقْرَارًا بِأَنَّ حَضْرَتَهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُنَاسِبَهُ حُضُورُ الْمَخْلُوقَاتِ، فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ تُنَبِّهُ عَلَى هَذِهِ الْأَسْرَارِ فِي مَقَامَاتِ التَّجَلِّي وَالْمُكَاشَفَاتِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ هَذَا الذِّكْرُ أَشْرَفَ الْأَذْكَارِ لَكِنْ بِشَرْطِ التَّنْبِيهِ لِهَذِهِ الْأَسْرَارِ. الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: فِي هَذَا الذِّكْرِ: أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى هَذَا الذِّكْرِ تُفِيدُ الشَّوْقَ إِلَى اللَّهِ، وَالشَّوْقُ إِلَى اللَّهِ أَلَذُّ الْمَقَامَاتِ وَأَكْثَرُهَا بَهْجَةً وَسَعَادَةً، إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى هَذَا الذِّكْرِ تُورِثُ الشَّوْقَ إِلَى اللَّهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ كَلِمَةَ (هُوَ) ضَمِيرُ الْغَائِبِ فالعبد إِذَا ذَكَرَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَلِمَ أَنَّهُ غَائِبٌ عَنِ الْحَقِّ ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْغَيْبَةَ لَيْسَتْ بِسَبَبِ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ بِسَبَبِ أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِنُقْصَانَاتِ الْحُدُوثِ وَالْإِمْكَانِ، وَمَعْيُوبٌ بِعَيْبِ الْكَوْنِ فِي إِحَاطَةِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، فَإِذَا تَنَبَّهَ الْعَقْلُ لِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ وَعَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ حَاصِلَةٌ فِي جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ وَالْمُحْدَثَاتِ فَعِنْدَ
هَذَا يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْمُحْدَثَاتِ وَالْإِبْدَاعِيَّاتِ غَائِبَةٌ عَنْ عَتَبَةِ عُلُوِّ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَعَرَفَ أَنَّ هَذِهِ الْغَيْبَةَ إِنَّمَا حَصَلَتْ بِسَبَبِ الْمُفَارَقَةِ فِي النُّقْصَانِ وَالْكَمَالِ وَالْحَاجَةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ، فَعِنْدَ هَذَا يَعْتَقِدُ أَنَّ الْحَقَّ مَوْصُوفٌ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْكَمَالِ متعالية عن مشابهة هذه/ هذه الكمالات ومقدسة عن مناسبة هذه المحادثات، وَاعْتَقَدَ أَنَّ تَصَوُّرَهُ غَائِبٌ عَنِ الْعَقْلِ وَالْفِكْرِ وَالذِّكْرِ، فَصَارَتْ تِلْكَ الْكَمَالَاتُ مَشْعُورًا بِهَا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَالشُّعُورُ بِهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ يُشَوِّقُ إِلَى الشُّعُورِ بِدَرَجَاتِهَا وَمَرَاتِبِهَا، وَإِذَا كَانَ لَا نِهَايَةَ لِتِلْكَ الْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجَاتِ فَكَذَلِكَ لَا نِهَايَةَ لِمَرَاتِبِ هَذَا الشَّوْقِ، وَكُلَّمَا كَانَ وَصُولُ الْعَبْدِ إِلَى مَرْتَبَةٍ أَعْلَى مِمَّا كَانَ، أَسْهَلَ كَانَ شَوْقُهُ إِلَى التَّرَقِّي عَنْ تِلْكَ الدَّرَجَةِ أَقْوَى وَأَكْمَلَ، فَثَبَتَ أَنَّ لَفْظَ «هُوَ» يُفِيدُ الشَّوْقَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الشَّوْقَ إِلَى اللَّهِ أَعْظَمُ الْمَقَامَاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّوْقَ يُفِيدُ حُصُولَ آلَامٍ وَلَذَّاتٍ مُتَوَالِيَةٍ مُتَعَاقِبَةٍ، لِأَنَّ بِقَدْرِ مَا يَصِلُ يَلْتَذُّ وَبِقَدْرِ مَا يَمْتَنِعُ وُصُولُهُ إِلَيْهِ يَتَأَلَّمُ، وَالشُّعُورُ بِاللَّذَّةِ حَالَ زَوَالِ الْأَلَمِ يُوجِبُ مَزِيدَ الِالْتِذَاذِ وَالِابْتِهَاجِ وَالسُّرُورِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَقَامَ الشَّوْقِ إِلَى اللَّهِ أَعْظَمُ الْمَقَامَاتِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى ذِكْرِ كَلِمَةِ «هُوَ» تُورِثُ الشَّوْقَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَثَبَتَ أَنَّ الشَّوْقَ إِلَى اللَّهِ أَعْظَمُ الْمَقَامَاتِ وَأَكْثَرُهَا بَهْجَةً وَسَعَادَةً فَيَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ: الْمُوَاظَبَةُ عَلَى ذِكْرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ تُفِيدُ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ وَأَسْنَى الدَّرَجَاتِ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فِي شَرْحِ جَلَالَةِ هَذَا الذِّكْرِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِذِكْرِ مُقَدِّمَتَيْنِ: الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: أَنَّ الْعِلْمَ عَلَى قِسْمَيْنِ: تَصَوُّرٍ، وَتَصْدِيقٍ، أَمَّا التَّصَوُّرُ فَهُوَ أَنْ تَحْصُلَ فِي النَّفْسِ صُورَةٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَحْكُمَ النَّفْسُ عَلَيْهَا بِحُكْمٍ الْبَتَّةَ لَا بِحُكْمٍ وُجُودِيٍّ وَلَا بِحُكْمٍ عَدَمِيٍّ، أَمَّا التَّصْدِيقُ فَهُوَ أَنْ يَحْصُلَ فِي النَّفْسِ صُورَةٌ مَخْصُوصَةٌ، ثُمَّ إِنَّ النَّفْسَ تَحْكُمُ عَلَيْهَا إِمَّا بِوُجُودِ شَيْءٍ أَوْ عَدَمِهِ إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: التَّصَوُّرُ مَقَامُ التَّوْحِيدِ، وَأَمَّا التَّصْدِيقُ فَإِنَّهُ مَقَامُ التَّكْثِيرِ. الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ التَّصَوُّرَ عَلَى قِسْمَيْنِ: تَصَوُّرٍ يَتَمَكَّنُ الْعَقْلُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَتَصَوُّرٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ: أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ تَصَوُّرُ الْمَاهِيَّاتِ الْمُرَكَّبَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَصَوُّرُ الْمَاهِيَّاتِ الْمُرَكَّبَةِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ اسْتِحْضَارِ مَاهِيَّاتِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْمُرَكَّبِ، وَهَذَا التَّصَرُّفُ عَمَلٌ وَفِكْرٌ، وَتَصَرُّفٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: فَهُوَ تَصَوُّرُ الْمَاهِيَّاتِ الْبَسِيطَةِ الْمُنَزَّهَةِ عَنْ جَمِيعِ جِهَاتِ التَّرْكِيبَاتِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا يَتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى اسْتِحْضَارِ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّصْدِيقَ يَجْرِي مَجْرَى التَّكْثِيرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّصَوُّرِ، وَأَنَّ التَّصَوُّرَ تَوْحِيدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّصْدِيقِ وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّ تَصَوُّرَ الْمَاهِيَّةِ الْبَسِيطَةِ هُوَ النِّهَايَةُ فِي التَّوْحِيدِ وَالْبُعْدِ عَنِ الْكَثْرَةِ، وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَوْلُنَا فِي الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: «يَا هُوَ» هَذَا تَصَوُّرٌ مَحْضٌ خَالٍ عَنِ التَّصْدِيقِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّصَوُّرَ تَصَوُّرٌ لِحَقِيقَةٍ مُنَزَّهَةٍ عَنْ جَمِيعِ جِهَاتِ التَّرْكِيبِ وَالْكَثْرَةِ، فَكَانَ قَوْلُنَا: «يَا هُوَ» نِهَايَةً فِي التَّوْحِيدِ وَالْبُعْدِ عَنِ الْكَثْرَةِ، وَهُوَ أَعْظَمُ الْمَقَامَاتِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ تَعْرِيفَ الشَّيْءِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِالْأَجْزَاءِ الدَّاخِلَةِ فِيهِ، أَوْ بِالْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عنه، أما القسم الأول- وهو تعريف بِنَفْسِهِ- فَهُوَ مُحَالٌ، لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ سَابِقٌ عَلَى الْمُعَرِّفِ، فَتَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الْعِلْمِ بِهِ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: - وَهُوَ تَعْرِيفُهُ بِالْأُمُورِ الدَّاخِلَةِ فِيهِ- فَهَذَا فِي حَقِّ الْحَقِّ مُحَالٌ، لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَجْرِي فِي الْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ الْحَقِّ مُحَالٌ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: - وَهُوَ تَعْرِيفُهُ بِالْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ- فَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ مُحَالٌ، لِأَنَّ أَحْوَالَ الْخَلْقِ لَا يُنَاسِبُ شَيْءٌ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ الْقَدِيمِ الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى مُخَالِفٌ بِذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ وَبِهُوِيَّتِهِ الْمُعَيَّنَةِ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ وَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ
أَنْ تَكُونَ أَحْوَالُ الْخَلْقِ كَاشِفَةً عَنْ مَاهِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِيقَتِهِ الْمَخْصُوصَةِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدِ انْسَدَّتْ أَبْوَابُ التَّعْرِيفَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هُوِيَّتِهِ الْمَخْصُوصَةِ وَمَاهِيَّتِهِ الْمُعَيَّنَةِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ أَنْ يُوَجِّهَ الْإِنْسَانُ حَدَقَةَ عَقْلِهِ وَرُوحِهِ إِلَى مَطْلَعِ نُورِ تِلْكَ الْهُوِيَّةِ عَلَى رَجَاءِ أَنَّهُ رُبَّمَا أَشْرَقَ ذَلِكَ النُّورُ حَالَ مَا كَانَتْ حَدَقَةُ عَقْلِهِ مُتَوَجِّهَةً إِلَيْهَا فَيَسْتَسْعِدُ بِمُطَالَعَةِ ذَلِكَ النُّورِ، فَقَوْلُ الذَّاكِرِ «يَا هُوَ» تَوْجِيهٌ لِحَدَقَةِ الْعَقْلِ وَالرُّوحِ إِلَى الْحَضْرَةِ الْقُدْسِيَّةِ عَلَى رَجَاءِ أَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَتْ لَهُ تِلْكَ السَّعَادَةُ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ الْمَهِيبِ وَالسُّلْطَانِ الْقَاهِرِ وَوَقَفَ بِعَقْلِهِ عَلَى كَمَالِ تِلْكَ الْمَهَابَةِ وَعَلَى جَلَالِ تِلْكَ السَّلْطَنَةِ فَقَدْ يَصِيرُ بِحَيْثُ تستولي عليه تلك المهابة وتلك السلطنة فَيَصِيرُ غَافِلًا عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، حَتَّى إِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ جَائِعًا فَيَنْسَى جُوعَهُ، وَرُبَّمَا كَانَ بِهِ أَلَمٌ شَدِيدٌ فَيَنْسَى ذَلِكَ الْأَلَمَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَرُبَّمَا رَأَى أَبَاهُ أَوِ ابْنَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَلَا يَعْرِفُهُمَا، وَكُلُّ ذَلِكَ لِأَنَّ اسْتِيلَاءَ تِلْكَ الْمَهَابَةِ عَلَيْهِ أَذْهَلَهُ عَنِ الشُّعُورِ بِغَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إِذَا قَالَ: «يَا هُوَ» وَتَجَلَّى لِعَقْلِهِ وَرُوحِهِ ذَرَّةٌ مِنْ نُورِ جَلَالِ تِلْكَ الْهُوِيَّةِ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى قَلْبِهِ الدَّهْشَةُ وَعَلَى رُوحِهِ الْحَيْرَةُ، وَعَلَى فِكْرِهِ الْغَفْلَةُ، فَيَصِيرُ غَائِبًا عَنْ كُلِّ مَا سِوَى تِلْكَ الْهُوِيَّةِ، مَعْزُولًا عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى شَيْءٍ سِوَاهَا، وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ بِعَقْلِهِ: «هُوَ» وَبِلِسَانِهِ «هُوَ» فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ «هُوَ» وَوَاظَبَ عَلَى هَذَا الذِّكْرِ فَهَذَا مِنْهُ تَشَبُّهٌ بِتِلْكَ الْحَالَةِ عَلَى رَجَاءِ أَنَّهُ رُبَّمَا وَصَلَ إِلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْكَرِيمَ أَنْ يُسْعِدَنَا بِهَا. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الذِّكْرِ الْعَالِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَعَلَ هُمُومَهُ هَمًّا وَاحِدًا كَفَاهُ اللَّهُ هُمُومَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» فَكَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: هُمُومِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَالْحَاجَاتُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا الْمَوْصُوفُ بِقُدْرَةٍ/ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ، وَرَحْمَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ، وَحِكْمَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ، فَعَلَى هَذَا أَنَا لَا أَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ حَاجَاتِي وَلَا عَلَى تَحْصِيلِ مُهِمَّاتِي، بَلْ لَيْسَ الْقَادِرُ عَلَى دَفْعِ تِلْكَ الْحَاجَاتِ وَعَلَى تَحْصِيلِ تِلْكَ الْمُهِمَّاتِ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَأَنَا أَجْعَلُ هَمِّيَ مَشْغُولًا بِذِكْرِهِ فَقَطْ، وَلِسَانِي مَشْغُولًا بِذِكْرِهِ فَقَطْ فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَهُوَ بِرَحْمَتِهِ يَكْفِينِي مُهِمَّاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُمْكِنُهُ الِاشْتِغَالُ بِشَيْءٍ حَالَةَ الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْعِلْمِ بِشَيْءٍ آخَرَ، فَإِذَا وَجَّهَ فِكْرَهُ إِلَى شَيْءٍ يَبْقَى مَعْزُولًا عَنْ غَيْرِهِ، فَكَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: كُلَّمَا اسْتَحْضَرْتُ فِي ذِهْنِي الْعِلْمَ بِشَيْءٍ فَاتَنِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْعِلْمُ بِغَيْرِهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا لَازِمًا فَالْأَوْلَى أَنْ أَجْعَلَ قَلْبِي وَفِكْرِي مَشْغُولًا بِمَعْرِفَةِ أَشْرَفِ الْمَعْلُومَاتِ، وَأَجْعَلَ لِسَانِي مَشْغُولًا بِذِكْرِ أَشْرَفِ الْمَذْكُورَاتِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ أُوَاظِبُ عَلَى قَوْلِهِ: «يَا هُوَ» . الْفَائِدَةُ الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ: أَنَّ الذِّكْرَ أَشْرَفُ الْمَقَامَاتِ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: «إِذَا ذَكَرَنِي عَبْدِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِذَا ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَئِهِ» وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ ذِكْرُ اللَّهِ بِالثَّنَاءِ الْخَالِي عَنِ السُّؤَالِ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: الْعَبْدُ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ، وَالْفَقِيرُ الْمُحْتَاجُ إِذَا نَادَى مَخْدُومَهُ بِخِطَابٍ يُنَاسِبُ الطَّلَبَ وَالسُّؤَالَ كَانَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى السُّؤَالِ، فَإِذَا قَالَ الْفَقِيرُ لِلْغَنِيِّ «يَا كَرِيمُ» كَانَ مَعْنَاهُ أَكْرِمْ وَإِذَا قَالَ لَهُ: «يَا نَفَّاعُ» كَانَ مَعْنَاهُ طَلَبَ النَّفْعِ، وَإِذَا قَالَ: «يَا رَحْمَنُ» كَانَ مَعْنَاهُ ارْحَمْ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَذْكَارُ جَارِيَةً مَجْرَى السُّؤَالِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الذِّكْرَ إِنَّمَا يَعْظُمُ شَرَفُهُ إِذَا كَانَ خَالِيًا عَنِ السُّؤَالِ وَالطَّلَبِ، أَمَّا إذا قال:
الباب الثامن في بقية المباحث عن أسماء الله تعالى، وفيه مسائل
«يَا هُوَ» كَانَ مَعْنَاهُ خَالِيًا عَنِ الْإِشْعَارِ بِالسُّؤَالِ وَالطَّلَبِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا: «هُوَ» أَعْظَمَ الْأَذْكَارِ. وَلْنَخْتِمْ هَذَا الْفَصْلَ بِذِكْرٍ شَرِيفٍ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: يَا هُوَ، يَا مَنْ لَا هُوَ إِلَّا هُوَ، يَا مَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، يَا أَزَلُ، يَا أَبَدُ، يَا دَهْرُ، يَا دَيْهَارُ، يَا دَيْهُورُ، يَا مَنْ هُوَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ. وَمِنْ لَطَائِفِ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الشَّيْخَ الْغَزَالِيَّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ كَانَ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» تَوْحِيدُ الْعَوَامِّ، «وَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» تَوْحِيدُ الْخَوَاصِّ، وَلَقَدِ اسْتَحْسَنْتُ هَذَا الْكَلَامَ وَقَرَّرْتُهُ بِالْقُرْآنِ وَالْبُرْهَانِ: أَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [الْقَصَصِ: 88] مَعْنَاهُ إِلَّا هُوَ، فَذَكَرَ قَوْلَهُ إِلَّا هُوَ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا إِلَهَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ غَايَةَ التَّوْحِيدِ هِيَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ، وَأَمَّا الْبُرْهَانُ فَهُوَ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّ تَأْثِيرَ/ الْفَاعِلِ لَيْسَ فِي تَحْقِيقِ الْمَاهِيَّةِ وَتَكْوِينِهَا، بَلْ لَا تَأْثِيرَ لَهُ إِلَّا فِي إِعْطَاءِ صِفَةِ الْوُجُودِ لَهَا، فَقُلْتُ: فَالْوُجُودُ أَيْضًا مَاهِيَّةٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الْوُجُودُ وَاقِعًا بِتَأْثِيرِهِ، فَإِنِ الْتَزَمُوا ذَلِكَ وَقَالُوا الْوَاقِعُ بِتَأْثِيرِ الْفَاعِلِ مَوْصُوفِيَّةُ الْمَاهِيَّةِ بِالْوُجُودِ فَنَقُولُ: تِلْكَ الْمَوْصُوفِيَّةُ إِنْ لَمْ تَكُنْ مَفْهُومًا مُغَايِرًا لِلْمَاهِيَّةِ وَالْوُجُودِ امْتَنَعَ إِسْنَادُهَا إِلَى الْفَاعِلِ، وَإِنْ كَانَتْ مَفْهُومًا مُغَايِرًا فَذَلِكَ الْمَفْهُومُ الْمُغَايِرُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مَاهِيَّةٌ، وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْكَلَامُ، فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْمَاهِيَّاتِ، يَنْفِي التَّأْثِيرَ وَالْمُؤَثِّرَ، وَيَنْفِي الصُّنْعَ وَالصَّانِعَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ يُؤَثِّرُ فِي الْمَاهِيَّاتِ، فَكُلُّ مَا بِالْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِ الْغَيْرِ، فَلَوْلَا الْمُؤَثِّرُ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَاهِيَّةُ مَاهِيَّةً وَلَا حَقِيقَةً، فَبِقُدْرَتِهِ صَارَتِ الْمَاهِيَّاتُ مَاهِيَّاتٍ، وَصَارَتِ الْحَقَائِقُ حَقَائِقَ وَقَبْلَ تَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ فَلَا مَاهِيَّةَ وَلَا وُجُودَ وَلَا حَقِيقَةَ وَلَا ثُبُوتَ، وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ صِدْقُ قَوْلِنَا: «لَا هُوَ إِلَّا هُوَ» أَيْ: لَا تَقَرُّرَ لِشَيْءٍ مِنَ الْمَاهِيَّاتِ وَلَا تَخَصُّصَ لِشَيْءٍ مِنَ الْحَقَائِقِ إِلَّا بِتَقْرِيرِهِ وَتَخْصِيصِهِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ «لَا هُوَ إِلَّا هُوَ» وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْبَابُ الثَّامِنُ فِي بَقِيَّةِ الْمَبَاحِثِ عَنْ أَسْمَاءِ الله تعالى، وفيه مسائل هل أسماؤه تعالى توقيفية: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ أَمِ اصْطِلَاحِيَّةٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ شَيْءٍ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا إِذَا كَانَ وَارِدًا فِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى مَعْنًى يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ الشَّيْخُ الْغَزَالِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: الِاسْمُ غَيْرٌ، وَالصِّفَةُ غَيْرٌ، فَاسْمِي مُحَمَّدٌ، وَاسْمُكَ أَبُو بَكْرٍ، فَهَذَا مِنْ بَابِ الْأَسْمَاءِ، وَأَمَّا الصِّفَاتُ فَمِثْلُ وَصْفِ هَذَا الْإِنْسَانِ بِكَوْنِهِ طَوِيلًا فَقِيهًا كَذَا وَكَذَا، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا الْفَرْقَ فَيُقَالُ: أَمَّا إِطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَى اللَّهِ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا عِنْدَ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ، وَأَمَّا الصِّفَاتُ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّوْقِيفِ. وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنْ قَالُوا: إِنَّ الْعَالِمَ لَهُ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ إِنَّا نَصِفُ اللَّهَ تَعَالَى بِكَوْنِهِ عَالِمًا وَلَا نَصِفُهُ بِكَوْنِهِ طَبِيبًا وَلَا فَقِيهًا، وَلَا نَصِفُهُ بِكَوْنِهِ مُتَيَقِّنًا وَلَا بِكَوْنِهِ مُتَبَيِّنًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّوْقِيفِ، وَأُجِيبَ عَنْهُ فَقِيلَ: أَمَّا الطَّبِيبُ فَقَدْ وَرَدَ، نُقِلَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا مَرِضَ قِيلَ لَهُ: نُحْضِرُ الطَّبِيبَ؟ قَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي، وَأَمَّا الْفَقِيهُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ فَهْمِ غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ كَلَامِهِ بَعْدَ دُخُولِ الشُّبْهَةِ فِيهِ. وَهَذَا الْقَيْدُ مُمْتَنِعُ الثُّبُوتِ فِي حَقِّ اللَّهِ
تَعَالَى، وَأَمَّا الْمُتَيَقِّنُ/ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ يَقِنَ الْمَاءُ فِي الْحَوْضِ إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ، فَالْيَقِينُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي حَصَلَ بِسَبَبِ تَعَاقُبِ الْأَمَارَاتِ الْكَثِيرَةِ وَتَرَادُفِهَا حَتَّى بَلَغَ الْمَجْمُوعُ إِلَى إِفَادَةِ الْجَزْمِ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ وَأَمَّا التَّبْيِينُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الظُّهُورِ بَعْدَ الْخَفَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّبْيِينَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَيْنُونَةِ وَالْإِبَانَةِ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ، فَإِذَا حَصَلَ فِي الْقَلْبِ اشْتِبَاهُ صُورَةٍ بِصُورَةٍ ثُمَّ انْفَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى فَقَدْ حَصَلَتِ الْبَيْنُونَةُ، فَلِهَذَا السَّبَبِ سُمِّيَ ذَلِكَ بَيَانًا وَتَبْيِينًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى التَّوْقِيفِ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مَذْكُورَةٌ بِالْفَارِسِيَّةِ وَبِالتُّرْكِيَّةِ وَبِالْهِنْدِيَّةِ، وَأَنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي الْأَخْبَارِ، مَعَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِهَا. الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [الْأَعْرَافِ: 180] وَالِاسْمُ لَا يَحْسُنُ إِلَّا لِدَلَالَتِهِ عَلَى صِفَاتِ الْمَدْحِ وَنُعُوتِ الْجَلَالِ، فَكُلُّ اسْمٍ دَلَّ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي كَانَ اسْمًا حَسَنًا، فَوَجَبَ جَوَازُ إِطْلَاقِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى تَمَسُّكًا بِهَذِهِ الْآيَةِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْأَلْفَاظِ إِلَّا رِعَايَةُ الْمَعَانِي، فَإِذَا كَانَتِ الْمَعَانِي صَحِيحَةً كَانَ الْمَنْعُ مِنْ إِطْلَاقِ اللَّفْظَةِ الْمُعَيَّنَةِ عَبَثًا، وَأَمَّا الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ الْغَزَالِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَحُجَّتُهُ أَنَّ وَضْعَ الِاسْمِ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ مِنَّا يُعَدُّ سُوءَ أَدَبٍ، فَفِي حَقِّ اللَّهِ أَوْلَى، أَمَّا ذِكْرُ الصِّفَاتِ بِالْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ فَهُوَ جَائِزٌ فِي حَقِّنَا مِنْ غَيْرِ مَنْعٍ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْبَارِئِ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ أَلْفَاظٌ دَالَّةٌ عَلَى صِفَاتٍ لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَنَحْنُ نَعُدُّ مِنْهَا صُوَرًا، فَأَحَدُهَا: الِاسْتِهْزَاءُ، قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [الْبَقَرَةِ: 15] ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِهْزَاءَ جَهْلٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا قَالُوا لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [الْبَقَرَةِ: 67] وَثَانِيهَا: الْمَكْرُ، قَالَ تَعَالَى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آلِ عِمْرَانَ: 54] وَثَالِثُهَا: الْغَضَبُ قَالَ تَعَالَى: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الْفَتْحِ: 6] وَرَابِعُهَا: التَّعَجُّبُ، قَالَ تَعَالَى: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصَّافَّاتِ: 12] فَمَنْ قَرَأَ عَجِبْتُ بِضَمِّ التَّاءِ كَانَ التَّعَجُّبُ مَنْسُوبًا إِلَى اللَّهِ، وَالتَّعَجُّبُ عِبَارَةٌ عَنْ حَالَةٍ تَعْرِضُ فِي الْقَلْبِ عِنْدَ الْجَهْلِ بِسَبَبِ الشَّيْءِ، وَخَامِسُهَا: التَّكَبُّرُ، قَالَ تَعَالَى: الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الْحَشْرِ: 23] وَهُوَ صِفَةُ ذَمٍّ، وَسَادِسُهَا: الْحَيَاءُ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا [الْبَقَرَةِ: 26] وَالْحَيَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ تَغَيُّرٍ يَحْصُلُ فِي الْوَجْهِ وَالْقَلْبِ عِنْدَ فِعْلِ شَيْءٍ قَبِيحٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَانُونَ الصَّحِيحَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَنْ نَقُولَ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ أمور توجد معها في البداية، وآثار تَصْدُرُ عَنْهَا فِي النِّهَايَةِ، مِثَالُهُ أَنَّ الْغَضَبَ حَالَةٌ تَحْصُلُ فِي/ الْقَلْبِ عِنْدَ غَلَيَانِ دَمِ الْقَلْبِ وَسُخُونَةِ الْمِزَاجِ، وَالْأَثَرُ الْحَاصِلُ مِنْهَا فِي النِّهَايَةِ إِيصَالُ الضَّرَرِ إِلَى الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَإِذَا سَمِعْتَ الْغَضَبَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَاحْمِلْهُ عَلَى نِهَايَاتِ الْأَعْرَاضِ لَا عَلَى بِدَايَاتِ الْأَعْرَاضِ، وقس الباقي عليه. بيان أن أسماء الله لا تحصى: المسألة الثالثة: [بيان أن أسماء الله لا تحصى] رَأَيْتُ فِي بَعْضِ «كُتُبِ التَّذْكِيرِ» أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَرْبَعَةَ آلَافِ اسْمٍ: أَلْفٌ مِنْهَا فِي الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وَأَلْفٌ مِنْهَا فِي التَّوْرَاةِ، وَأَلْفٌ فِي الْإِنْجِيلِ، وَأَلْفٌ فِي الزَّبُورِ وَيُقَالُ: أَلْفٌ آخَرُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَلَمْ يَصِلْ ذَلِكَ الْأَلْفُ إِلَى عَالَمِ الْبَشَرِ، وَأَقُولُ: هَذَا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ أَقْسَامَ صِفَاتِ اللَّهِ بِحَسَبِ السُّلُوبِ وَالْإِضَافَاتِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَنَبَّهْنَا عَلَى تَقْرِيرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَشَرَحْنَاهُ شَرْحًا بَلِيغًا، بَلْ نَقُولُ: كُلُّ
مَنْ كَانَ اطِّلَاعُهُ عَلَى آثَارِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَدْبِيرِ الْعَالَمِ الْأَعْلَى وَتَدْبِيرِ الْعَالَمِ الْأَسْفَلِ أَكْثَرَ، كَانَ اطِّلَاعُهُ عَلَى أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَكْثَرَ، وَوُقُوفُهُ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَدْحِ وَالتَّعْظِيمِ أَكْثَرَ، فَمَنْ طَالَعَ تَشْرِيحَ بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَوَقَفَ فِيهِ عَلَى مَا يَقْرُبُ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الرَّحْمَةِ وَالْحِكْمَةِ فِي تَخْلِيقِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ فَقَدْ حَصَلَ فِي عَقْلِهِ عَشَرَةُ آلَافِ نَوْعٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الدَّالَّةِ عَلَى الْمَدْحِ وَالتَّعْظِيمِ، ثُمَّ إِنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى الْعَدَدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَقْسَامِ الرَّحْمَةِ وَالْحِكْمَةِ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ صَارَ ذَلِكَ مُنَبِّهًا لِلْعَقْلِ عَلَى أَنَّ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ أَقْسَامِ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ فِي تَخْلِيقِ هَذَا البدن أكثر مما عرفه، وذلك لَمَّا عَرَفَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ الدِّمَاغِيَّةَ مِنَ الْعَصَبِ سَبْعَةٌ، عَرَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَائِدَةً وَحِكْمَةً، ثُمَّ لَمَّا عَرَفَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ عَرَفَ بِالْجِبِلَّةِ الشَّدِيدَةِ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْسَامِ. ثُمَّ إِنَّ الْعَقْلَ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْسَامِ يَنْقَسِمُ إِلَى شَظَايَا دَقِيقَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الشَّظَايَا تَنْقَسِمُ إِلَى أَقْسَامٍ أُخَرَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْسَامِ يَتَّصِلُ بِعُضْوٍ مُعَيَّنٍ اتِّصَالًا مُعَيَّنًا. وَيَكُونُ وُصُولُ ذَلِكَ الْقِسْمِ إِلَى ذَلِكَ الْعُضْوِ فِي مَمَرٍّ مُعَيَّنٍ، إِلَّا أَنَّهَا لَمَّا كَثُرَتْ وَدَقَّتْ خَرَجَتْ عَنْ ضَبْطِ الْعَقْلِ، فَثَبَتَ أَنَّ تِلْكَ الْعَشَرَةَ آلَافٍ تُنَبِّهُ الْعَقْلَ عَلَى أَنَّ أَقْسَامَ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَخْلِيقِ هَذَا الْبَدَنِ خَارِجٌ عَنِ التَّعْدِيدِ وَالتَّحْدِيدِ وَالْإِحْصَاءِ وَالِاسْتِقْصَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها [إِبْرَاهِيمَ: 34، النحل: 18] فَكُلُّ مَنْ وَقَفَ عَلَى نَوْعٍ آخَرَ مِنْ أَنْوَاعِ تِلْكَ الْحِكْمَةِ فَقَدْ وَصَلَ إِلَى مَعْرِفَةِ اسْمٍ آخَرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمَّا كَانَ لَا نِهَايَةَ لِمَرَاتِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ فَكَذَلِكَ لَا نِهَايَةَ لِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَلِصِفَاتِهِ الْعُلْيَا، وَذَكَرَ جَالِينُوسُ فِي «كِتَابِ مَنَافِعُ الْأَعْضَاءِ» أَنَّهُ لَمَّا صَنَّفَ ذَلِكَ الْكِتَابَ لَمْ يَكْتُبْ فِيهِ مَنَافِعَ مَجْمَعِ النُّورِ، قَالَ: وَإِنَّمَا تَرَكْتُ كِتَابَتَهَا ضِنَّةً بِهَا لِشَرَفِهَا، فَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ/ اللَّيَالِي كَأَنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: جَالِينُوسُ، إِنَّ إِلَهَكَ يَقُولُ: لِمَ أَخْفَيْتَ حِكْمَتِي عَنْ عِبَادِي قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيْتُ صَنَّفْتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كِتَابًا مُفْرَدًا، وَبَالَغْتُ فِي شَرْحِهِ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِأَسْمَاءِ الله الحسنى. حكم الأذكار التي في الرقى: المسألة الرابعة: [حكم الأذكار التي في الرقى] أَنَّا نَرَى فِي «كُتُبِ الطِّلَسْمَاتِ وَالْعَزَائِمِ» أَذْكَارًا غَيْرَ مَعْلُومَةٍ وَرُقًى غَيْرَ مَفْهُومَةٍ وَكَمَا أَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ فَقَدْ تَكُونُ الْكِتَابَةُ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ، وَأَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّ الْكِتَابَةَ دَالَّةٌ عَلَى الْأَلْفَاظِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَلْفَاظَ دَالَّةٌ عَلَى الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ فَتِلْكَ الرُّقَى إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَائِدَةٌ. وَإِنْ كَانَتْ دَالَّةً عَلَى شَيْءٍ فَدَلَالَتُهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى صِفَاتِ اللَّهِ وَنُعُوتِ كِبْرِيَائِهِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ دَالَّةً عَلَى شَيْءٍ آخَرَ: أَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ، لِأَنَّ ذِكْرَ غَيْرِ اللَّهِ لَا يُفِيدُ لَا التَّرْغِيبَ وَلَا التَّرْهِيبَ، فَبَقِيَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَصِفَاتِ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، فَنَقُولُ: وَلَمَّا كَانَتْ أَقْسَامُ ذِكْرِ اللَّهِ مَضْبُوطَةً وَلَا يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا كَانَ أَحْسَنُ أَحْوَالِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ الْحَاصِلُ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ اللُّغَاتِ فَقَلِيلُ الْأَثَرِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَذْكَارُ الْمَعْلُومَةُ أَدْخَلَ فِي التَّأْثِيرِ مِنْ قِرَاءَةِ تِلْكَ الْمَجْهُولَاتِ، لَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ نُفُوسَ أَكْثَرِ الْخَلْقِ نَاقِصَةٌ قَاصِرَةٌ، فَإِذَا قَرَءُوا هَذِهِ الْأَذْكَارَ الْمَعْلُومَةَ وَفَهِمُوا ظَوَاهِرَهَا وَلَيْسَتْ لَهُمْ نُفُوسٌ قَوِيَّةٌ مُشْرِقَةٌ إِلَهِيَّةٌ لَمْ يَقْوَ تَأَثُّرُهُمْ عَنِ الْإِلَهِيَّاتِ وَلَمْ تَتَجَرَّدْ نُفُوسُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْجُسْمَانِيَّاتِ، فَلَا تَحْصُلُ لِنُفُوسِهِمْ قُوَّةٌ وَقُدْرَةٌ عَلَى التَّأْثِيرِ، أَمَّا إِذَا قَرَءُوا تِلْكَ الْأَلْفَاظَ الْمَجْهُولَةَ وَلَمْ يَفْهَمُوا مِنْهَا شَيْئًا وَحَصَلَتْ عِنْدَهُمْ أَوْهَامٌ أَنَّهَا كَلِمَاتٌ عَالِيَةٌ اسْتَوْلَى الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ وَالرُّعْبُ عَلَى نُفُوسِهِمْ فَحَصَلَ لَهُمْ بِهَذَا السَّبَبِ نَوْعٌ مِنَ التَّجَرُّدِ عَنْ عَالَمِ الْجِسْمِ،
الباب التاسع في المباحث المتعلقة بقولنا: "الله"
وَتَوَجُّهٌ إِلَى عَالَمِ الْقُدْسِ، وَحَصَلَ بِهَذَا السَّبَبِ لِنُفُوسِهِمْ مَزِيدُ قُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى التَّأْثِيرِ، فَهَذَا مَا عِنْدِي فِي قِرَاءَةِ هَذِهِ الرُّقَى الْمَجْهُولَةِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّ بَيْنَ الْخَلْقِ وَبَيْنَ أَسْمَاءِ الله تعالى مناسبات عجيبة، والعامل لَا بُدَّ وَأَنْ يَعْتَبِرَ تِلْكَ الْمُنَاسَبَاتِ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِالذِّكْرِ، وَالْكَلَامُ فِي شَرْحِ هَذَا الْبَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَةٍ عَقْلِيَّةٍ وَهِيَ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَنَا أَنَّ النُّفُوسَ النَّاطِقَةَ الْبَشَرِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِالْجَوْهَرِ وَالْمَاهِيَّةِ، فَبَعْضُهَا إِلَهِيَّةٌ مُشْرِقَةٌ حُرَّةٌ كَرِيمَةٌ، وَبَعْضُهَا سُفْلِيَّةٌ ظُلْمَانِيَّةٌ نَذْلَةٌ خَسِيسَةٌ، وَبَعْضُهَا رَحِيمَةٌ عَظِيمَةُ الرَّحْمَةِ، وَبَعْضُهَا قَاسِيَةٌ قَاهِرَةٌ، وَبَعْضُهَا قَلِيلَةُ الْحُبِّ لِهَذِهِ الْجُسْمَانِيَّاتِ قَلِيلَةُ الْمَيْلِ إِلَيْهَا، وَبَعْضُهَا مُحِبَّةٌ لِلرِّيَاسَةِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، وَمَنِ اعْتَبَرَ أَحْوَالَ الْخَلْقِ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ إِنَّا نَرَى هَذِهِ الْأَحْوَالَ لَازِمَةٌ لِجَوَاهِرِ النُّفُوسِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ رَاعَى أَحْوَالَ نَفْسِهِ عَلِمَ أَنَّ لَهُ مَنْهَجًا مُعَيَّنًا وَطَرِيقًا مُبَيَّنًا فِي الْإِرَادَةِ وَالْكَرَاهَةِ/ وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَأَنَّ الرِّيَاضَةَ وَالْمُجَاهَدَةَ لَا تَقْلِبُ النُّفُوسَ عَنْ أَحْوَالِهَا الْأَصْلِيَّةِ وَمَنَاهِجِهَا الطَّبِيعِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَأْثِيرُ الرِّيَاضَةِ فِي أَنْ تَضْعُفَ تِلْكَ الْأَخْلَاقُ وَلَا تَسْتَوْلِيَ عَلَى الْإِنْسَانِ، فَأَمَّا أَنْ يَنْقَلِبَ مِنْ صِفَةٍ أُخْرَى فَذَلِكَ مُحَالٌ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْجِنْسِيَّةُ عِلَّةُ الضَّمِّ، فَكُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى دَالٌّ عَلَى مَعْنًى مُعَيَّنٍ، فَكُلُّ نَفْسٍ غَلَبَ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْمَعْنَى كَانَتْ تِلْكَ النَّفْسُ شَدِيدَةَ الْمُنَاسَبَةِ لِذَلِكَ الِاسْمِ، فَإِذَا وَاظَبَ عَلَى ذِكْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ انْتَفَعَ بِهِ سَرِيعًا، وَسَمِعْتُ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا النَّجِيبِ الْبَغْدَادِيَّ السُّهْرَوَرْدِيَّ كَانَ يَأْمُرُ الْمُرِيدَ بِالْأَرْبَعِينَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، ثُمَّ كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْأَسْمَاءَ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ وَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ فَإِنْ رَآهُ عَدِيمَ التَّأَثُّرِ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا عَلَيْهِ قَالَ لَهُ اخْرُجْ إِلَى السُّوقِ وَاشْتَغِلْ بِمُهِمَّاتِ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ مَا خُلِقْتَ لِهَذَا الطَّرِيقِ، وَإِنْ رَآهُ مُتَأَثِّرًا عِنْدَ سَمَاعِ اسْمٍ خَاصٍّ مَزِيدَ التَّأَثُّرِ أَمَرَهُ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ الذِّكْرِ، وَأَقُولُ: هَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَتِ النُّفُوسُ مُخْتَلِفَةً كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُنَاسِبًا لِحَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَإِذَا اشْتَغَلَتْ تِلْكَ النَّفْسُ بِتِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي تُنَاسِبُهَا كَانَ خُرُوجُهَا مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ سَهْلًا هَيِّنًا يَسِيرًا، وَلْيَكُنْ هَذَا آخِرُ كَلَامِنَا فِي الْبَحْثِ عَنْ مُطْلَقِ الْأَسْمَاءِ، وَاللَّهُ الْهَادِي. الْبَابُ التَّاسِعُ فِي الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بقولنا: «الله» وفيه مسائل لفظ الجلالة علم لا مشتق: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ اسْمُ عَلَمٍ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ الْبَتَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ، وَحُجَجٌ: الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَفْظًا مُشْتَقًّا لَكَانَ مَعْنَاهُ مَعْنًى كُلِّيًّا لَا يَمْنَعُ نَفْسَ مَفْهُومِهِ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَقَّ لَا يُفِيدُ إِلَّا أَنَّهُ شَيْءٌ مَا مُبْهَمٌ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ وَهَذَا الْمَفْهُومُ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ بَيْنَ كَثِيرِينَ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَوْ كَانَ مُشْتَقًّا لَمْ يَمْنَعْ وُقُوعَ الشَّرِكَةِ فِيهِ بَيْنَ كَثِيرِينَ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ قَوْلُنَا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» تَوْحِيدًا حَقًّا مَانِعًا مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ بَيْنَ كَثِيرِينَ، لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ لَفْظًا مُشْتَقًّا
كَانَ قَوْلُنَا: «اللَّهُ» غَيْرَ مَانِعٍ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ أَشْخَاصٌ كَثِيرَةٌ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ قَوْلُنَا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» مُوجِبًا لِلتَّوْحِيدِ الْمَحْضِ، وَحَيْثُ أَجْمَعَ الْعُقَلَاءُ عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» يُوجِبُ التَّوْحِيدَ الْمَحْضَ عَلِمْنَا أَنَّ قَوْلَنَا: «اللَّهُ» اسْمُ عَلَمٍ مَوْضُوعٍ لِتِلْكَ الذَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَقَّةِ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ ذَاتًا مُعَيَّنَةً ثُمَّ يَذْكُرَهُ بِالصِّفَاتِ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ اسْمَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَ الِاسْمِ الصِّفَاتِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: زَيْدٌ الْفَقِيهُ النَّحْوِيُّ الْأُصُولِيُّ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ كُلَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِالصِّفَاتِ الْمُقَدَّسَةِ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ أَوَّلًا لَفْظَةَ اللَّهُ ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُ صِفَاتِ الْمَدَائِحِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ الْعَالِمُ الْقَادِرُ الْحَكِيمُ، وَلَا يَعْكِسُونَ هَذَا فَلَا يَقُولُونَ: الْعَالِمُ الْقَادِرُ اللَّهُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا: «اللَّهُ» اسْمُ عَلَمٍ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؟ [إِبْرَاهِيمَ: 1، 2] قُلْنَا: هَاهُنَا قِرَاءَتَانِ مِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ اللَّهُ بِالرَّفْعِ، وَحِينَئِذٍ يَزُولُ السُّؤَالُ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَهُ مُبْتَدَأً فَقَدْ أَخْرَجَهُ عَنْ جَعْلِهِ صِفَةً لِمَا قَبْلَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ بِالْجَرِّ فَهُوَ نَظِيرٌ لِقَوْلِنَا: هَذِهِ الدَّارُ مِلْكٌ لِلْفَاضِلِ الْعَالِمِ زَيْدٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ زَيْدٍ صِفَةً لِلْعَالِمِ الْفَاضِلِ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا قَالَ هَذِهِ الدَّارُ مِلْكٌ لِلْعَالِمِ الْفَاضِلِ بَقِيَ الِاشْتِبَاهُ فِي أَنَّهُ مَنْ ذَلِكَ الْعَالِمُ الْفَاضِلُ؟ فَقِيلَ عَقِيبَهُ زَيْدٌ، لِيَصِيرَ هَذَا مُزِيلًا لِذَلِكَ الِاشْتِبَاهِ، وَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ اسْمُ الْعَلَمِ صَارَ صِفَةً فَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ تَعَالَى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مَرْيَمَ 65] وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الصِّفَةُ وَإِلَّا لَكَذَبَ قَوْلُهُ: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ اسْمَ الْعَلَمِ، فَكُلُّ مَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ اسْمَ عَلَمٍ قَالَ لَيْسَ ذَاكَ إِلَّا قَوْلُنَا اللَّهُ. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ اسْمَ عَلَمٍ بِوُجُوهٍ وَحُجَجٍ: - الْحُجَّةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ [الْأَنْعَامِ: 3] وَقَوْلُهُ: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ [البقرة: 255] فَإِنَّ قَوْلَهُ: «اللَّهُ» لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ عَلَمٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ زَيْدٌ فِي الْبَلَدِ، وَهُوَ بَكْرٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ الْعَالِمُ الزَّاهِدُ فِي الْبَلَدِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يُعْتَرَضُ عَلَى قَوْلِ النَّحْوِيِّينَ: إِنَّ الضَّمِيرَ لَا يَقَعُ مَوْصُوفًا وَلَا صِفَةً، وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ صِفَةً امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ اسْمَ عَلَمٍ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ اسْمَ الْعَلَمِ قَائِمٌ مَقَامَ الْإِشَارَةِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْإِشَارَةُ مُمْتَنِعَةً فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ اسْمُ الْعَلَمِ مُمْتَنِعًا فِي حَقِّهِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ اسْمَ الْعَلَمِ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ لِيَتَمَيَّزَ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ آخَرَ يُشْبِهُهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَاهِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ اللَّهِ مُمْتَنِعًا كَانَ الْقَوْلُ بِإِثْبَاتِ الِاسْمِ الْعَلَمِ مُحَالًا فِي حَقِّهِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَارِيًا مَجْرَى أَنْ يُقَالَ: هَذَا زَيْدٌ الَّذِي/ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ؟ وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ الِاسْمَ الْعَلَمَ هُوَ الَّذِي وُضِعَ لِتَعْيِينِ الذَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ، وَلَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى كَوْنِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى مُشَارًا إِلَيْهِ بِالْحِسِّ أَمْ لَا، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنِ الْحُجَّةِ الثَّالِثَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ ذَكَرُوا فِيهِ فُرُوعًا: - الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَعْبُودُ، سَوَاءٌ عُبِدَ بِحَقٍّ أَوْ بِبَاطِلٍ، ثُمَّ غَلَبَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ عَلَى المعبود
بِالْحَقِّ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَكُونُ إِلَهًا فِي الْأَزَلِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُنْعِمُ بِجَمِيعِ النِّعَمِ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ إِمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُمْكِنٌ، وَالْوَاجِبُ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا سِوَاهُ مُمْكِنٌ، وَالْمُمْكِنُ لَا يُوجَبُ إِلَّا بِالْمُرَجَّحِ، فَكُلُّ الْمُمْكِنَاتِ إِنَّمَا وُجِدَتْ بِإِيجَادِهِ وَتَكْوِينِهِ إِمَّا ابْتِدَاءً وَإِمَّا بِوَاسِطَةٍ، فَجَمِيعُ مَا حَصَلَ لِلْعَبْدِ مِنْ أَقْسَامِ النِّعَمِ لَمْ يَحْصُلْ إِلَّا مِنَ اللَّهِ، فَثَبَتَ أَنَّ غَايَةَ الْإِنْعَامِ صَادِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَالْعِبَادَةُ غَايَةُ التَّعْظِيمِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ غَايَةَ التَّعْظِيمِ لَا يَلِيقُ إِلَّا لِمَنْ صَدَرَتْ عَنْهُ غَايَةُ الْإِنْعَامِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْعُبُودِيَّةِ لَيْسَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. الْفَرْعُ الثَّانِي: أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يعبد الله لطلب الثواب وهو جهل وسحف، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لِيَتَوَصَّلَ بِعِبَادَتِهِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ كَانَ الْمَعْبُودُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ لِطَلَبِ الثَّوَابِ كَانَ مَعْبُودُهُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الثَّوَابُ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى وَسِيلَةً إِلَى الْوُصُولِ إِلَى ذَلِكَ الْمَعْبُودِ، وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أُصَلِّي لِطَلَبِ الثَّوَابِ أَوْ لِلْخَوْفِ مِنَ الْعِقَابِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. الثَّالِثُ: أَنَّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِغَرَضٍ آخَرَ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ وَجَدَ ذَلِكَ الْغَرَضَ بِطَرِيقٍ آخَرَ لَتَرَكَ الْوَاسِطَةَ، فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ لِلْأَجْرِ وَالثَّوَابِ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ وَجَدَ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ بِطَرِيقٍ آخَرَ لَمْ يَعْبُدِ اللَّهَ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُحِبًّا لِلَّهِ وَلَمْ يَكُنْ رَاغِبًا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَهْلٌ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لِغَرَضٍ أَعْلَى مِنَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنْ يَتَشَرَّفَ بِخِدْمَةِ الله، لأنه إذا شرع في فِي الصَّلَاةِ حَصَلَتِ النِّيَّةُ فِي الْقَلْبِ، وَتِلْكَ النِّيَّةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْعِلْمِ بِعِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَذِلَّةِ الْعُبُودِيَّةِ، وَحَصَلَ الذِّكْرُ فِي اللِّسَانِ، وَحَصَلَتِ الْخِدْمَةُ فِي الْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ فَيَتَشَرَّفُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْعَبْدِ بِخِدْمَةِ اللَّهِ، فَمَقْصُودُ الْعَبْدِ حُصُولُ هَذَا الشَّرَفِ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ طَعَنَ فِي قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْإِلَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَوْثَانَ عُبِدَتْ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ آلِهَةً. الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى إِلَهُ الْجَمَادَاتِ وَالْبَهَائِمِ، مَعَ أَنَّ صُدُورَ الْعِبَادَةِ مِنْهَا مُحَالٌ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى إِلَهُ الْمَجَانِينِ وَالْأَطْفَالِ، مَعَ أَنَّهُ لَا تَصْدُرُ/ الْعِبَادَةُ عَنْهَا. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَعْبُودَ لَيْسَ لَهُ بِكَوْنِهِ مَعْبُودًا صِفَةٌ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ مَعْبُودًا إِلَّا أَنَّهُ مَذْكُورٌ بِذِكْرِ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ، وَمَعْلُومٌ بِعِلْمِهِ، وَمُرَادٌ خِدْمَتُهُ بِإِرَادَتِهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا تَكُونُ الْإِلَهِيَّةُ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى. الْخَامِسُ: يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى مَا كَانَ إِلَهًا فِي الْأَزَلِ. الْفَرْعُ الرَّابِعُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْإِلَهُ لَيْسَ عِبَارَةً عَنِ الْمَعْبُودِ، بَلِ الْإِلَهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ مَعْبُودًا، وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ إِلَهًا لِلْجَمَادَاتِ وَالْبَهَائِمِ وَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ إِلَهًا فِي الْأَزَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى أَفْعَالٍ لَوْ فَعَلَهَا لَاسْتَحَقَّ الْعِبَادَةَ مِمَّنْ يَصِحُّ صُدُورُ الْعِبَادَةِ عَنْهُ، وَاعْلَمْ أَنَّا إِنْ فَسَّرْنَا الْإِلَهَ بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لَمْ يَكُنْ إِلَهًا فِي الْأَزَلِ، وَلَوْ فَسَّرْنَاهُ بِالتَّفْسِيرِ الثَّالِثِ كَانَ إِلَهًا فِي الْأَزَلِ. التَّفْسِيرُ الثَّانِي: الْإِلَهُ مُشْتَقٌّ مِنْ أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ، أَيْ: سَكَنْتُ إِلَيْهِ، فَالْعُقُولُ لَا تَسْكُنُ إِلَّا إِلَى ذِكْرِهِ وَالْأَرْوَاحُ لَا تَعْرُجُ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكَمَالَ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ، وَمَا سِوَى الْحَقِّ فَهُوَ نَاقِصٌ لِذَاتِهِ، لِأَنَّ الْمُمْكِنَ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ مَعْدُومٌ، وَالْعَدَمُ أَصْلُ النُّقْصَانِ وَالنَّاقِصُ بِذَاتِهِ لَا يَكْمُلُ إِلَّا بِتَكْمِيلِ الْكَامِلِ بِذَاتِهِ، فَإِذَا كَانَ الْكَامِلُ مَحْبُوبًا لِذَاتِهِ وَثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ كَامِلٌ لِذَاتِهِ وَجَبَ كَوْنُهُ مَحْبُوبًا لِذَاتِهِ. الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ فَهُوَ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، وَالْمُمْكِنُ لِذَاتِهِ لَا يَقِفُ عِنْدَ نَفْسِهِ، بَلْ يَبْقَى مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِوُجُودِ غَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا كُلُّ مُمْكِنٍ فَإِنَّهُ لَا يَقِفُ عِنْدَ نَفْسِهِ بَلْ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْوَاجِبِ لِذَاتِهِ لَمْ يُوجَدْ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ في الوجود
الْخَارِجِيِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي الْوُجُودِ الْعَقْلِيِّ، فَالْعُقُولُ مُتَرَقِّبَةٌ إِلَى عَتَبَةِ رَحْمَتِهِ وَالْخَوَاطِرُ مُتَمَسِّكَةٌ بِذَيْلِ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ عَلَيْهِمَا التَّعْوِيلُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرَّعْدِ: 28] . التَّفْسِيرُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَلَهِ، وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلْقَ قِسْمَانِ: وَاصِلُونَ إِلَى سَاحِلِ بَحْرِ مَعْرِفَتِهِ، وَمَحْرُومُونَ، فَالْمَحْرُومُونَ قَدْ بَقُوا فِي ظُلُمَاتِ الْحَيْرَةِ وَتِيهِ الْجَهَالَةِ فَكَأَنَّهُمْ فَقَدُوا عُقُولَهُمْ وَأَرْوَاحَهُمْ، وَأَمَّا الْوَاجِدُونَ فَقَدْ وَصَلُوا إِلَى عَرْصَةِ النُّورِ وَفُسْحَةِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْجَلَالِ، فَتَاهُوا فِي مَيَادِينِ الصَّمَدِيَّةِ، وَبَادُوا فِي عَرْصَةِ الْفَرْدَانِيَّةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ وَالِهُونَ فِي مَعْرِفَتِهِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ الْإِلَهُ الْحَقُّ لِلْخَلْقِ هُوَ هُوَ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ الْبَشَرِيَّةَ تَسَابَقَتْ فِي مَيَادِينِ التَّوْحِيدِ وَالتَّمْجِيدِ فَبَعْضُهَا تَخَلَّفَتْ وَبَعْضُهَا سَبَقَتْ فَالَّتِي تَخَلَّفَتْ بَقِيَتْ فِي ظُلُمَاتِ الْغُبَارِ وَالَّتِي سَبَقَتْ وَصَلَتْ إِلَى عَالَمِ الْأَنْوَارِ، فَالْأَوَّلُونَ بَادُوا فِي أَوْدِيَةِ الظُّلُمَاتِ، وَالْآخَرُونَ طَاشُوا فِي أَنْوَارِ عَالَمِ الْكَرَامَاتِ. التَّفْسِيرُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ لَاهَ إِذَا ارْتَفَعَ، وَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمُرْتَفِعُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمُمْكِنَاتِ وَمُنَاسِبَةِ الْمُحْدَثَاتِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِذَاتِهِ لَيْسَ إِلَّا هُوَ، وَالْكَامِلَ لِذَاتِهِ لَيْسَ إِلَّا هُوَ، وَالْأَحَدُ الْحَقُّ فِي هُوِيَّتِهِ لَيْسَ إِلَّا هُوَ، وَالْمُوجِدُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ لَيْسَ إِلَّا هُوَ، وَأَيْضًا فَهُوَ تَعَالَى مُرْتَفِعٌ عَنْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ارْتِفَاعَهُ بِحَسَبِ الْمَكَانِ، لِأَنَّ كُلَّ ارْتِفَاعٍ حَصَلَ بِسَبَبِ الْمَكَانِ فَهُوَ لِلْمَكَانِ بِالذَّاتِ وَلِلْمُتَمَكِّنِ بِالْعَرْضِ، لِأَجْلِ حُصُولِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَمَا بِالذَّاتِ أَشْرَفُ مِمَّا بِالْغَيْرِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الِارْتِفَاعُ بِسَبَبِ الْمَكَانِ لَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ أَعْلَى وَأَشْرَفَ مِنْ ذَاتِ الرَّحْمَنِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا عَلِمْنَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ عُلُوُّهُ بِسَبَبِ الْمَكَانِ، وَأَشْرَفُ مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا حَصَلَ فِي عَالَمِ الْإِمْكَانِ. التَّفْسِيرُ الْخَامِسُ: مِنْ أَلِهَ فِي الشَّيْءِ إِذَا تَحَيَّرَ فِيهِ وَلَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهِ، فَالْعَبْدُ إِذَا تَفَكَّرَ فِيهِ تَحَيَّرَ، لِأَنَّ كُلَّ مَا يَتَخَيَّلُهُ الْإِنْسَانُ وَيَتَصَوَّرُهُ فَهُوَ بِخِلَافِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْعَقْلُ وُجُودَهُ كَذَّبَتْهُ نَفْسُهُ، لِأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ فَهُوَ مُحْتَاجٌ، وَحُصُولُ الْمُحْتَاجِ بِدُونِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ مُحَالٌ، وَإِنْ أَشَارَ إِلَى شَيْءٍ يَضْبُطُهُ الْحِسُّ وَالْخَيَالُ وَقَالَ إِنَّهُ هُوَ كَذَّبَتْهُ نَفْسُهُ أَيْضًا، لِأَنَّ كُلَّ مَا يَضْبُطُهُ الْحِسُّ وَالْخَيَالُ فَأَمَارَاتُ الْحُدُوثِ ظَاهِرَةٌ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ فِي يَدِ الْعَقْلِ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِالْوُجُودِ وَالْكَمَالِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ عَنِ الإدراك، فههنا الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إِدْرَاكٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مَوْقِفٌ عَجِيبٌ تَتَحَيَّرُ الْعُقُولُ فِيهِ وَتَضْطَرِبُ الْأَلْبَابُ فِي حَوَاشِيهِ. التَّفْسِيرُ السَّادِسُ: مِنْ لَاهَ يَلُوهُ إِذَا احْتَجَبَ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُحْتَجِبًا مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ بِكُنْهِ صَمَدِيَّتِهِ مُحْتَجِبٌ عَنِ الْعُقُولِ. الثَّانِي: أَنْ لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ وَاقِفَةً فِي وَسَطِ الْفَلَكِ غَيْرَ مُتَحَرِّكَةٍ كَانَتِ الْأَنْوَارُ بَاقِيَةً عَلَى الْجُدْرَانِ غَيْرَ زَائِلَةٍ عَنْهَا، فَحِينَئِذٍ كَانَ يَخْطُرُ بِالْبَالِ أَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَارَ الْوَاقِعَةَ عَلَى هَذِهِ الْجُدْرَانِ ذَاتِيَّةٌ لَهَا، إِلَّا لَمَّا شَاهَدْنَا أَنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ وَعِنْدَ غَيْبَتِهَا تَزُولُ هَذِهِ الْأَنْوَارُ عَنْ هَذِهِ الْجُدْرَانِ فَبِهَذَا الطَّرِيقِ عَلِمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَارَ فَائِضَةٌ عَنْ قُرْصِ الشَّمْسِ، فَكَذَا هَاهُنَا الْوُجُودُ الْوَاصِلُ إِلَى جَمِيعِ عَالَمِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ جَنَابِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَالنُّورِ الْوَاصِلِ مِنْ قُرْصِ الشَّمْسِ، فَلَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُ كَانَ يَصِحُّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الطُّلُوعُ وَالْغُرُوبُ وَالْغَيْبَةُ وَالْحُضُورُ لَكَانَ عِنْدَ غُرُوبِهِ يَزُولُ ضَوْءُ الْوُجُودِ عَنِ الْمُمْكِنَاتِ، فَحِينَئِذٍ كَانَ يَظْهَرُ أَنَّ نُورَ الْوُجُودِ مِنْهُ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغُرُوبُ وَالطُّلُوعُ عَلَيْهِ مُحَالًا لَا جَرَمَ خَطَرَ بِبَالِ بَعْضِ النَّاقِصِينَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَوْجُودَةٌ بِذَوَاتِهَا وَلِذَوَاتِهَا،
فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا سَبَبَ لِاحْتِجَابِ نُورِهِ إِلَّا كَمَالُ نُورِهِ، فَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: سُبْحَانَ مَنِ احْتَجَبَ عَنِ الْعُقُولِ بِشِدَّةِ ظُهُورِهِ، وَاخْتَفَى عَنْهَا بِكَمَالِ نُورِهِ/ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ حَقِيقَةَ الصَّمَدِيَّةِ مُحْتَجِبَةٌ عَنِ الْعُقُولِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: مَحْجُوبَةٌ لِأَنَّ الْمَحْجُوبَ مَقْهُورٌ، وَالْمَقْهُورُ يَلِيقُ بِالْعَبْدِ، أَمَّا الْحَقُّ فَقَاهِرٌ، وَصِفَةُ الِاحْتِجَابِ صِفَةُ الْقَهْرِ فَالْحَقُّ مُحْتَجِبٌ، وَالْخَلْقُ مَحْجُوبُونَ. التَّفْسِيرُ السَّابِعُ: اشْتِقَاقُهُ مِنْ أَلِهَ الْفَصِيلُ إِذَا وَلِعَ بِأُمِّهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعِبَادَ مُولَهُونَ مُولَعُونَ بِالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا وَقَعَ فِي بَلَاءٍ عَظِيمٍ وَآفَةٍ قَوِيَّةٍ فَهُنَالِكَ يَنْسَى كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى، فَيَقُولُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، فَإِذَا تَخَلَّصَ عَنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ وَعَادَ إِلَى مَنَازِلِ الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ أَخَذَ يُضِيفُ ذَلِكَ الْخَلَاصَ إِلَى الْأَسْبَابِ الضَّعِيفَةِ وَالْأَحْوَالِ الْخَسِيسَةِ، وَهَذَا فِعْلٌ مُتَنَاقِضٌ، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُخَلِّصُ عَنِ الْآفَاتِ وَالْمُوَصِّلُ إِلَى الْخَيْرَاتِ غَيْرَ اللَّهِ وَجَبَ الرُّجُوعُ فِي وَقْتِ نُزُولِ الْبَلَاءِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ مُصْلِحُ الْمُهِمَّاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَقْتِ الْبَلَاءِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحَالُ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَأَمَّا الْفَزَعُ إِلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ عِنْدَ الرَّاحَاتِ فَلَا يَلِيقُ بِأَرْبَابِ الْهِدَايَاتِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَيْرَ وَالرَّاحَةَ مَطْلُوبٌ مِنَ اللَّهِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُحْسِنَ فِي الظَّاهِرِ إِمَّا اللَّهُ أَوْ غَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَذَلِكَ الْغَيْرُ لَا يُحْسِنُ إِلَّا إِذَا خَلَقَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ دَاعِيَةَ الْإِحْسَانِ، فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمُحْسِنُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمُحْسِنُ مَرْجُوعٌ إِلَيْهِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، وَالْخَلْقُ مَشْغُوفُونَ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ. شَكَا بَعْضُ الْمُرِيدِينَ مِنْ كَثْرَةِ الْوِسْوَاسِ، فَقَالَ الْأُسْتَاذُ: كُنْتُ حَدَّادًا عَشْرَ سِنِينَ، وَقَصَّارًا عَشَرَةً أُخْرَى، وَبَوَّابًا عَشَرَةً ثَالِثَةً، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَاكَ فَعَلْتَ ذَلِكَ، قَالَ: فَعَلْتُ وَلَكِنَّكُمْ مَا رَأَيْتُمْ، أَمَا عَرَفْتُمْ أَنَّ الْقَلْبَ كَالْحَدِيدِ؟ فَكُنْتُ كَالْحَدَّادِ أُلَيِّنُهُ بِنَارِ الْخَوْفِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ شَرَعْتُ فِي غَسْلِهِ عَنِ الْأَوْضَارِ وَالْأَقْذَارِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ جَلَسْتُ عَلَى بَابِ حُجْرَةِ الْقَلْبِ عَشَرَةً أُخْرَى سَالًّا سَيْفَ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ حُبُّ غَيْرِ اللَّهِ، وَلَمْ أَزَلْ حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ حُبُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا خَلَتْ عَرْصَةُ الْقَلْبِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوِيَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ اللَّهِ سَقَطَتْ مِنْ بِحَارِ عَالَمِ الْجَلَالِ قَطْرَةٌ مِنَ النُّورِ فَغَرِقَ الْقَلْبُ فِي تِلْكَ الْقَطْرَةِ، وَفَنِيَ عَنِ الْكُلِّ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ إِلَّا مَحْضُ سِرِّ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» . التَّفْسِيرُ الثَّامِنُ: أَنَّ اشْتِقَاقَ لَفْظِ «الْإِلَهُ» مِنْ أَلِهَ الرَّجُلُ يَأْلَهُ إِذَا فَزِعَ مِنْ أَمْرٍ نَزَلَ بِهِ فَأَلَهَهُ أَيْ أَجَارَهُ، وَالْمُجِيرُ لِكُلِّ الْخَلَائِقِ مِنْ كُلِّ الْمَضَارِّ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ [الْمُؤْمِنُونَ: 88] وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْعِمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النَّحْلِ: 53] وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُطْعِمُ/ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الْأَنْعَامِ: 14] وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُوجِدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النِّسَاءِ: 87] فَهُوَ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى قَهَّارٌ لِلْعَدَمِ بِالْوُجُودِ وَالتَّحْصِيلِ، جَبَّارٌ لَهَا بِالْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ وَالتَّكْمِيلِ، فَكَانَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ سِوَاهُ. وَهَاهُنَا لَطَائِفُ وَفَوَائِدُ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: عَادَةُ الْمَدْيُونِ أَنَّهُ إِذَا رَأَى صَاحِبَ الدَّيْنِ مِنَ الْبُعْدِ فَإِنَّهُ يَفِرُّ مِنْهُ، وَاللَّهُ الْكَرِيمُ يَقُولُ: عِبَادِي: أَنْتُمْ غُرَمَائِي بِكَثْرَةِ ذُنُوبِكُمْ، وَلَكِنْ لَا تَفِرُّوا مِنِّي، بَلْ أَقُولُ: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذَّارِيَاتِ: 50] فَإِنِّي أَنَا الَّذِي أَقْضِي دُيُونَكُمْ وَأَغْفِرُ ذُنُوبَكُمْ، وَأَيْضًا الْمُلُوكُ يُغْلِقُونَ أَبْوَابَهُمْ عَنِ الْفُقَرَاءِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، وَأَنَا أَفْعَلُ ضِدَّ ذَلِكَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَيَتَرَاحَمُونَ، وَأَخَّرَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَقُولُ: إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْهِيمِ، وَإِلَّا فَبِحَارُ الرَّحْمَةِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ فَكَيْفَ يُعْقَلُ تَحْدِيدُهَا بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُذْنِبِينَ: هَلْ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلِمَ؟ فَيَقُولُونَ: رَجَوْنَا عَفْوَكَ وَفَضْلَكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمْ مَغْفِرَتِي. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْشُرُ عَلَى بَعْضِ عِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ هَلْ ظَلَمَكَ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: فَهَلْ كَانَ لَكَ عُذْرٌ فِي عَمَلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَضَعُ ذَلِكَ الْعَبْدُ قَلْبَهُ عَلَى النَّارِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ لَكَ عِنْدِي حَسَنَةً وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِطَاقَةً فِيهَا: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» فَيَقُولُ الْعَبْدُ: يَا رَبِّ، كَيْفَ تَقَعُ هَذِهِ الْبِطَاقَةُ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَتُوضَعُ الْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ وَالسِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ أُخْرَى، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ وَلَا يَثْقُلُ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ شَيْءٌ. الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: وَقَفَ صَبِيٌّ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ يُنَادَى عَلَيْهِ فِي مَنْ يَزِيدُ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَبَصُرَتْ بِهِ امْرَأَةٌ فَعَدَتْ إِلَى الصَّبِيِّ وَأَخَذَتْهُ وَأَلْصَقَتْهُ إِلَى بَطْنِهَا، ثُمَّ أَلْقَتْ ظَهْرَهَا عَلَى الْبَطْحَاءِ وَأَجْلَسَتْهُ عَلَى بَطْنِهَا تَقِيهِ الْحَرَّ، وَقَالَتْ: ابْنِي، ابْنِي، فَبَكَى النَّاسُ وَتَرَكُوا مَا هُمْ فِيهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: أَعَجِبْتُمْ مِنْ رَحْمَةِ/ هَذِهِ بِابْنِهَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْحَمُ بِكُمْ جَمِيعًا مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِابْنِهَا، فَتَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْفَرَحِ وَالْبِشَارَةِ. أصل لفظ الجلالة: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي كَيْفِيَّةِ اشْتِقَاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً، بَلْ عِبْرَانِيَّةً أَوْ سُرْيَانِيَّةً، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِلَهًا رَحْمَانًا وَمُرْحِيَانًا، فَلَمَّا عُرِّبَ جُعِلَ «اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ» وَهَذَا بَعِيدٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْمُشَابَهَةِ الْحَاصِلَةِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ الطَّعْنُ فِي كَوْنِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَرَبِيَّةً أَصْلِيَّةً، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لُقْمَانَ: 25] وَقَالَ تَعَالَى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مَرْيَمَ: 65] وَأَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ لَفْظَةُ «اللَّهُ» وَأَمَّا الْأَكْثَرُونَ فَقَدْ سَلَّمُوا كَوْنَهَا لَفْظَةً عَرَبِيَّةً، أَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ اسْمُ عَلَمٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَدْ تَخَلَّصُوا عَنْ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ، وَأَمَّا الْمُنْكِرُونَ لِذَلِكَ فَلَهُمْ قَوْلَانِ: قَالَ الْكُوفِيُّونَ: أَصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ إِلَاهُ، فَأُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَيْهَا لِلتَّعْظِيمِ، فَصَارَ الْإِلَاهُ، فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ اسْتِثْقَالًا، لِكَثْرَةِ جَرَيَانِهَا عَلَى الْأَلْسِنَةِ، فَاجْتَمَعَ لَامَانِ، فَأُدْغِمَتِ الْأُولَى فَقَالُوا: «اللَّهُ» وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ أَصْلُهُ لَاهَ، فَأَلْحَقُوا بِهَا الْأَلِفَ وَاللَّامَ فَقِيلَ: «اللَّهُ» وَأَنْشَدُوا: - كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رَبَاحٍ ... يَسْمَعُهَا لَاهُهُ الْكِبَارُ فَأَخْرَجَهُ عَلَى الْأَصْلِ.
الباب العاشر في البحث المتعلق بقولنا الرحمن الرحيم
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ الْخَلِيلُ: أَطْبَقَ جَمِيعُ الْخَلْقِ عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا: «اللَّهُ» مَخْصُوصٌ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا الْإِلَهُ مَخْصُوصٌ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا يُطْلِقُونَ اسْمَ الْإِلَهِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّمَا كَانُوا يَذْكُرُونَهُ بِالْإِضَافَةِ كَمَا يُقَالُ إِلَهُ كَذَا، أَوْ يُنْكِرُونَهُ فَيَقُولُونَ: إِلَهٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرًا عَنْ قَوْمِ مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: 138] . خواص لفظ الجلالة: الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ مُخْتَصٌّ بِخَوَاصٍّ لَمْ تُوجَدْ فِي سَائِرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَيْهَا: فَالْخَاصَّةُ الْأُولَى: أَنَّكَ إِذَا حَذَفْتَ الْأَلِفَ مِنْ قَوْلِكَ: «اللَّهُ» بَقِيَ الباقي على صورة «الله» وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ سُبْحَانَهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْفَتْحِ: 4] وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْمُنَافِقُونَ: 7] وَإِنْ حَذَفْتَ عَنْ هَذِهِ الْبَقِيَّةِ اللَّامَ الْأُولَى بَقِيَتِ الْبَقِيَّةُ عَلَى صُورَةِ «لَهُ» كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الزُّمَرِ: 63] وَقَوْلِهِ: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ [التَّغَابُنِ: 1] فَإِنْ حَذَفْتَ اللَّامَ الْبَاقِيَةَ كَانَتِ الْبَقِيَّةُ هِيَ قَوْلُنَا: «هُوَ» وَهُوَ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الْإِخْلَاصِ: 1] وَقَوْلِهِ: هُوَ الْحَيُّ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ [غَافِرٍ: 65] وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ بِدَلِيلِ سُقُوطِهَا فِي التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، فَإِنَّكَ تَقُولُ، هُمَا، هُمْ فَلَا تُبْقِي الْوَاوَ فِيهِمَا، فَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي لَفْظِ «اللَّهُ» غَيْرُ/ مَوْجُودَةٍ فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ، وَكَمَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ فَقَدْ حَصَلَتْ أَيْضًا بِحَسَبِ الْمَعْنَى، فَإِنَّكَ إِذَا دَعَوْتَ اللَّهَ بِالرَّحْمَنِ فَقَدْ وَصَفْتَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَمَا وَصَفْتَهُ بِالْقَهْرِ، وَإِذَا دَعَوْتَهُ بِالْعَلِيمِ فَقَدْ وَصَفْتَهُ بِالْعِلْمِ، وَمَا وَصَفَتْهُ بِالْقُدْرَةِ، وَأَمَّا إِذَا قُلْتَ يَا اللَّهُ فَقَدْ وَصَفْتَهُ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ، لِأَنَّ الْإِلَهَ لَا يَكُونُ إِلَهًا إِلَّا إِذَا كَانَ مَوْصُوفًا بِجَمِيعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَنَا اللَّهُ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ الَّتِي لَمْ تَحْصُلْ لِسَائِرِ الْأَسْمَاءِ. الْخَاصِّيَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي بِسَبَبِهَا يَنْتَقِلُ الْكَافِرُ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهَا إِلَّا هَذَا الِاسْمُ، فَلَوْ أَنَّ الْكَافِرَ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الرَّحْمَنُ أَوْ إِلَّا الرَّحِيمُ، أَوْ إِلَّا الْمَلِكُ، أَوْ إِلَّا الْقُدُّوسُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْكُفْرِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ، أَمَّا إِذَا قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْكُفْرِ وَيَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ هَذَا الِاسْمِ بِهَذِهِ الْخَاصِّيَّةِ الشَّرِيفَةِ، وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ. الْبَابُ الْعَاشِرُ في البحث المتعلق بقولنا الرحمن الرحيم الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَشْيَاءَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الَّذِي يَكُونُ نَافِعًا وَضَرُورِيًّا مَعًا، وَالَّذِي يَكُونُ نَافِعًا وَلَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا، وَالَّذِي يَكُونُ ضَرُورِيًّا وَلَا يَكُونُ نَافِعًا، وَالَّذِي لَا يَكُونُ نَافِعًا وَلَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا. أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: - وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ نَافِعًا وَضَرُورِيًّا مَعًا- فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا فَقَطْ، وَهُوَ مِثْلُ النَّفَسِ- فَإِنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ مِنْكَ لَحْظَةً وَاحِدَةً حَصَلَ الْمَوْتُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى،
فَإِنَّهَا إِنْ زَالَتْ عَنِ الْقَلْبِ لَحْظَةً وَاحِدَةً مَاتَ الْقَلْبُ، وَاسْتَوْجَبَ عَذَابَ الْأَبَدِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: - وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ نَافِعًا وَلَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا- فَهُوَ كَالْمَالِ فِي الدُّنْيَا وَكَسَائِرِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ فِي الْآخِرَةِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ- وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ ضَرُورِيًّا وَلَا يَكُونُ نَافِعًا- فَكَالْمَضَارِّ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا: كَالْأَمْرَاضِ، وَالْمَوْتِ، وَالْفَقْرِ، وَالْهَرَمِ، وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا الْقِسْمِ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّ مَنَافِعَ الْآخِرَةِ لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَضَارِّ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ- وَهُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ نَافِعًا وَلَا ضَرُورِيًّا- فَهُوَ كَالْفَقْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النَّفَسَ فِي الدُّنْيَا نَافِعٌ وَضَرُورِيٌّ فَلَوِ انْقَطَعَ عَنِ الْإِنْسَانِ لَحْظَةً لَمَاتَ فِي الْحَالِ، وَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ فَلَوْ زَالَتْ عَنِ الْقَلْبِ لَحْظَةً لَمَاتَ الْقَلْبُ لَا مَحَالَةَ، لَكِنَّ الْمَوْتَ الْأَوَّلَ أَسْهَلُ مِنَ الثَّانِي، لِأَنَّهُ لَا يَتَأَلَّمُ فِي الْمَوْتِ الْأَوَّلِ إِلَّا سَاعَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا الْمَوْتُ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَبْقَى أَلَمُهُ أَبَدَ الْآبَادِ، وَكَمَا أَنَّ التَّنَفُّسَ لَهُ أَثَرَانِ: أَحَدُهُمَا: إِدْخَالُ النَّسِيمِ الطَّيِّبِ عَلَى الْقَلْبِ وَإِبْقَاءُ اعْتِدَالِهِ وَسَلَامَتِهِ، وَالثَّانِي: إِخْرَاجُ الْهَوَاءِ الْفَاسِدِ الْحَارِّ الْمُحْتَرِقِ عَنِ الْقَلْبِ، كَذَلِكَ الْفِكْرُ لَهُ أَثَرَانِ: أَحَدُهُمَا: إِيصَالُ نَسِيمِ الْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ إِلَى الْقَلْبِ وَإِبْقَاءُ اعْتِدَالِ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: إِخْرَاجُ الْهَوَاءِ الْفَاسِدِ الْمُتَوَلِّدِ مِنَ الشُّبُهَاتِ عَنِ الْقَلْبِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِأَنْ يُعْرَفَ أَنَّ هَذِهِ الْمَحْسُوسَاتِ مُتَنَاهِيَةٌ فِي مَقَادِيرِهَا مُنْتَهِيَةٌ بِالْآخِرَةِ إِلَى الْفَنَاءِ بَعْدَ وُجُودِهَا، فَمَنْ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ بَقِيَ آمِنًا مِنَ الْآفَاتِ وَاصِلًا إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالْمَسَرَّاتِ، وَكَمَالُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ يَنْكَشِفُ لِعَقْلِكَ بِأَنْ تَعْرِفَ أَنَّ كُلَّ مَا وَجَدْتَهُ وَوَصَلْتَ إِلَيْهِ فَهُوَ قَطْرَةٌ مِنْ بِحَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَذَرَّةٌ مِنْ أَنْوَارِ إِحْسَانِهِ، فَعِنْدَ هَذَا يَنْفَتِحُ عَلَى قَلْبِكَ مَعْرِفَةُ كَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى رَحْمَانًا رَحِيمًا. فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى التَّفْصِيلِ فَاعْلَمْ أَنَّكَ جَوْهَرٌ مُرَكَّبٌ مِنْ نَفْسٍ، وَبَدَنٍ وَرُوحٍ، وَجَسَدٍ. (أَمَّا نَفْسُكَ) فَلَا شَكَّ أَنَّهَا كَانَتْ جَاهِلَةً فِي مَبْدَأِ الْفِطْرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النمل: 78] ثُمَّ تَأَمَّلْ فِي مَرَاتِبِ الْقُوَى الْحَسَّاسَةِ وَالْمُحَرِّكَةِ وَالْمُدْرِكَةِ وَالْعَاقِلَةِ، وَتَأَمَّلْ فِي مَرَاتِبِ الْمَعْقُولَاتِ وَفِي جِهَاتِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهَا الْبَتَّةَ، وَلَوْ أَنَّ الْعَاقِلَ أَخَذَ فِي اكْتِسَابِ الْعِلْمِ بِالْمَعْقُولَاتِ وَسَرَى فِيهَا سَرَيَانَ الْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَالرِّيحِ الْعَاصِفِ وَبَقِيَ فِي ذَلِكَ السَّيْرِ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ لَكَانَ الْحَاصِلُ لَهُ مِنَ الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ قَدْرًا مُتَنَاهِيًا، وَلَكَانَتِ الْمَعْلُومَاتُ الَّتِي مَا عَرَفَهَا وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا أَيْضًا غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ، وَالْمُتَنَاهِي فِي جَنْبِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِي قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ، فَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ لَهُ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الْإِسْرَاءِ: 85] حُقٌّ وَصِدْقٌ. (وَأَمَّا بَدَنُكَ) فَاعْلَمْ أَنَّهُ جَوْهَرٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ، فَتَأَمَّلْ كَيْفِيَّةَ تَرْكِيبِهَا وَتَشْرِيحِهَا، وَتَعَرَّفْ مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْأَجْزَاءِ مِنَ الْمَنَافِعِ الْعَالِيَةِ وَالْآثَارِ الشَّرِيفَةِ/ وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لَكَ صِدْقُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها [إِبْرَاهِيمَ: 34] وَحِينَئِذٍ يَنْجَلِي لَكَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ كَمَالِ رَحْمَتِهِ فِي خَلْقِكَ وَهِدَايَتِكَ، فَتَفْهَمُ شَيْئًا قَلِيلًا مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ الرحمن الرحيم.
لا رحمن إلا الله. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ لِغَيْرِ اللَّهِ رَحْمَةٌ أَمْ لَا؟ قُلْنَا: الْحَقُّ أَنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ إِلَّا لِلَّهِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ رَحْمَةٌ إِلَّا أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ أَكْمَلُ مِنْ رَحْمَةِ غَيْرِهِ، وَهَاهُنَا مَقَامَانِ: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ أَنَّهُ لَا رَحْمَةَ إِلَّا لِلَّهِ، فَنَقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْجُودَ هُوَ إِفَادَةُ مَا يَنْبَغِي لَا لِعِوَضٍ، فَكُلُّ أَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ إِنَّمَا يُعْطِي لِيَأْخُذَ عِوَضًا، إِلَّا أَنَّ الْأَعْوَاضَ أَقْسَامٌ: مِنْهَا جُسْمَانِيَّةٌ مِثْلَ أَنْ يُعْطِيَ دِينَارًا لِيَأْخُذَ كِرْبَاسًا، وَمِنْهَا رُوحَانِيَّةٌ وَهِيَ أَقْسَامٌ: فَأَحَدُهَا: أَنَّهُ يُعْطِي الْمَالَ لِطَلَبِ الْخِدْمَةِ، وَثَانِيهَا: يُعْطِي الْمَالَ لِطَلَبِ الْإِعَانَةِ، وَثَالِثُهَا: يُعْطِي الْمَالَ لِطَلَبِ الثَّنَاءِ الْجَمِيلِ، وَرَابِعُهَا: يُعْطِي الْمَالَ لِطَلَبِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ، وَخَامِسُهَا: يُعْطِي الْمَالَ لِيُزِيلَ حُبَّ الْمَالِ عَنِ الْقَلْبِ، وَسَادِسُهَا: يُعْطِي الْمَالَ لِدَفْعِ الرِّقَّةِ الْجِنْسِيَّةِ عَنْ قَلْبِهِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ أَعْوَاضٌ رُوحَانِيَّةٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ مَنْ أَعْطَى فَإِنَّمَا يُعْطِي لِيَفُوزَ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ الْعَطَاءِ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَمَالِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ مُعَاوَضَةٌ، وَلَا يَكُونُ جُودًا، وَلَا هِبَةً، وَلَا عَطِيَّةً، أَمَّا الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَإِنَّهُ كَامِلٌ لِذَاتِهِ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُعْطِيَ لِيَسْتَفِيدَ بِهِ كَمَالًا، فَكَانَ الْجَوَادُ الْمُطْلَقُ وَالرَّاحِمُ الْمُطْلَقُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ سِوَى اللَّهِ فَهُوَ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، وَالْمُمْكِنُ لِذَاتِهِ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِإِيجَادِ وَاجِبِ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، فَكُلُّ رَحْمَةٍ تَصْدُرُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ فَهِيَ إِنَّمَا دَخَلَتْ فِي الْوُجُودِ بِإِيجَادِ اللَّهِ فَيَكُونُ الرَّحِيمُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ، فَيَمْتَنِعُ رُجْحَانُ الْفِعْلِ عَلَى التَّرْكِ إِلَّا عِنْدَ حُصُولِ دَاعِيَةٍ جَازِمَةٍ فِي الْقَلْبِ، فَعِنْدَ عَدَمِ حُصُولِ تِلْكَ الدَّاعِيَةِ يَمْتَنِعُ صُدُورُ تِلْكَ الرَّحْمَةِ مِنْهُ، وَعِنْدَ حُصُولِهَا يَجِبُ صُدُورُ الرَّحْمَةِ مِنْهُ، فَيَكُونُ الرَّاحِمُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الَّذِي خَلَقَ تلك الداعية في ذلك لقلب، وَمَا ذَاكَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَيَكُونُ الرَّاحِمُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: هَبْ أَنَّ فُلَانًا يُعْطِي الْحِنْطَةَ، وَلَكِنْ مَا لَمْ تَحْصُلِ الْمَعِدَةُ الْهَاضِمَةُ لِلطَّعَامِ لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفَاعُ بِتِلْكَ الْحِنْطَةِ، وَهَبْ أَنَّهُ وَهَبَ الْبُسْتَانَ فَمَا لَمْ تَحْصُلِ الْقُوَّةُ الْبَاصِرَةُ فِي الْعَيْنِ لَمْ يَحْصُلِ الِانْتِفَاعُ بِذَلِكَ الْبُسْتَانِ، بَلِ الْحَقُّ أَنَّ خَالِقَ تِلْكَ الْحِنْطَةِ وَذَلِكَ الْبُسْتَانِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُمَكِّنُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا هُوَ اللَّهُ، وَالْحَافِظُ لَهُ عَنْ أَنْوَاعِ الْآفَاتِ وَالْمَخَافَاتِ حَتَّى يَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ بِتِلْكَ الْأَشْيَاءِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: الْمُنْعِمُ وَالرَّاحِمُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. الْمَقَامُ الثَّانِي: فِي بيان أن تقدير أَنْ تَحْصُلَ الرَّحْمَةُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ إِلَّا أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ أَكْمَلُ وَأَعْظَمُ. وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِنْعَامَ يُوجِبُ عُلُوَّ حَالِ الْمُنْعِمِ وَدَنَاءَةَ حَالِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُنْعِمِ، فَإِذَا حَصَلَ التَّوَاضُعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَضْرَةِ اللَّهِ فَذَاكَ خَيْرٌ مِنْ حُصُولِ هَذِهِ الْحَالَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ الْخَلْقِ. الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِنِعْمَةٍ طَلَبَ عِنْدَهَا مِنْكَ عَمَلًا تَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى اسْتِحْقَاقِ نِعَمِ الْآخِرَةِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُكَ بِأَنْ تَكْتَسِبَ لِنَفْسِكَ سَعَادَةَ الْأَبَدِ، وَأَمَّا غَيْرُ اللَّهِ فَإِنَّهُ إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِنِعْمَةٍ أَمَرَكَ بِالِاشْتِغَالِ بِخِدْمَتِهِ وَالِانْصِرَافِ إِلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَالَةَ الْأُولَى أَفْضَلُ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ يَصِيرُ كَالْعَبْدِ لِلْمُنْعِمِ، وَعُبُودِيَّةَ اللَّهِ أَوْلَى مِنْ عُبُودِيَّةِ غير الله.
الباب الحادي عشر في بعض النكت المستخرجة من قولنا (بسم الله الرحمن الرحيم)
الرَّابِعُ: أَنَّ السُّلْطَانَ إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْكَ فَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِتَفَاصِيلِ أَحْوَالِكَ، فَقَدْ يُنْعِمُ عَلَيْكَ حَالَ مَا تَكُونُ غَنِيًّا عَنْ إِنْعَامِهِ، وَقَدْ يَقْطَعُ عَنْكَ إِنْعَامَهُ حَالَ مَا تَكُونُ مُحْتَاجًا إِلَى إِنْعَامِهِ، وَأَيْضًا فَهُوَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْإِنْعَامِ عَلَيْكَ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ وَبِجَمِيعِ الْمُرَادَاتِ، أَمَّا الْحَقُّ تَعَالَى فَإِنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ بِكَ حَاجَةٌ عَرَفَهَا، وَإِنْ طَلَبْتَ مِنْهُ شَيْئًا قَدَرَ عَلَى تَحْصِيلِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَفْضَلُ. الْخَامِسُ: الْإِنْعَامُ يُوجِبُ الْمِنَّةَ، وَقَبُولُ الْمِنَّةِ مِنَ الْحَقِّ أَفْضَلُ مِنْ قَبُولِهَا مِنَ الْخَلْقِ. فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَحْصُلَ رَحْمَنٌ آخَرُ فَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ وَأَعْلَى وَأَجَلُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْبَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي بَعْضِ النُّكَتِ الْمُسْتَخْرَجَةِ من قولنا (بسم الله الرحمن الرحيم) إشارات البسملة: النُّكْتَةُ الْأُولَى: مَرِضَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاشْتَدَّ وَجَعُ بَطْنِهِ، فَشَكَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَدَلَّهُ عَلَى عُشْبٍ فِي الْمَفَازَةِ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَعُوفِيَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ عَاوَدَهُ ذَلِكَ الْمَرَضُ فِي وَقْتٍ آخَرَ فَأَكَلَ ذَلِكَ الْعُشْبَ فَازْدَادَ مَرَضُهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَكَلْتُهُ أَوَّلًا فَانْتَفَعْتُ بِهِ، وَأَكَلْتُهُ ثَانِيًا فَازْدَادَ مَرَضِي، فَقَالَ: لِأَنَّكَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى ذَهَبْتَ مِنِّي إِلَى الْكَلَأِ فَحَصَلَ فِيهِ الشِّفَاءُ، وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ذَهَبْتَ مِنْكَ إِلَى الْكَلَأِ فَازْدَادَ الْمَرَضُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا سُمٌّ قَاتِلٌ وَتِرْيَاقُهَا اسْمِي؟. / الثَّانِيَةُ: بَاتَتْ رَابِعَةُ لَيْلَةً فِي التَّهَجُّدِ وَالصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْفَجَرَ الصُّبْحُ نَامَتْ، فَدَخَلَ السَّارِقُ دَارَهَا وَأَخَذَ ثِيَابَهَا، وَقَصَدَ الْبَابَ فَلَمْ يَهْتَدِ إِلَى الْبَابِ، فَوَضَعَهَا فَوَجَدَ الْبَابَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَنُودِيَ مِنْ زَاوِيَةِ الْبَيْتِ: ضَعِ الْقُمَاشَ وَاخْرُجْ فَإِنْ نَامَ الْحَبِيبُ فَالسُّلْطَانُ يَقْظَانُ. الثَّالِثَةُ: كَانَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ يَرْعَى غَنَمًا وَحَضَرَ فِي قَطِيعِ غَنَمِهِ الذِّئَابُ، وَهِيَ لَا تَضُرُّ أَغْنَامَهُ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَنَادَاهُ: مَتَى اصْطَلَحَ الذِّئْبُ وَالْغَنَمُ؟ فَقَالَ الرَّاعِي: مِنْ حِينِ اصْطَلَحَ الرَّاعِي مَعَ اللَّهِ تَعَالَى. الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ (بِسْمِ اللَّهِ) مَعْنَاهُ أَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ، فَأَسْقَطَ مِنْهُ قَوْلَهُ: «أَبْدَأُ» تَخْفِيفًا، فَإِذَا قُلْتَ بِسْمِ اللَّهِ فَكَأَنَّكَ قَلْتَ أَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ أَوَّلِ مَا شَرَعَ فِي الْعَمَلِ كَانَ مَدَارُ أَمْرِهِ عَلَى التَّسْهِيلِ وَالتَّخْفِيفِ وَالْمُسَامَحَةِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ كَلِمَةٍ ذَكَرَهَا لَكَ جَعَلَهَا دَلِيلًا عَلَى الصَّفْحِ وَالْإِحْسَانِ. الْخَامِسَةُ: رُوِيَ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَبْلَ أَنْ يَدَّعِيَ الْإِلَهِيَّةَ بَنَى قَصْرًا وَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ (بِسْمِ اللَّهِ) عَلَى بَابِهِ الْخَارِجِ، فَلَمَّا ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَدَعَاهُ فَلَمْ يَرَ بِهِ أَثَرَ الرُّشْدِ قَالَ: إِلَهِي كَمْ أَدْعُوهُ وَلَا أَرَى بِهِ خَيْرًا، فَقَالَ تَعَالَى: يَا مُوسَى، لَعَلَّكَ تُرِيدُ إِهْلَاكَهُ، أَنْتَ تَنْظُرُ إِلَى كُفْرِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى مَا كَتَبَهُ عَلَى بَابِهِ، وَالنُّكْتَةُ أَنَّ مَنْ كَتَبَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَلَى بَابِهِ الْخَارِجِ صَارَ آمِنًا مِنَ الْهَلَاكِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَالَّذِي كَتَبَهُ عَلَى سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ مِنْ أَوَّلِ عُمْرِهِ إِلَى آخِرِهِ كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ؟.
السَّادِسَةُ: سَمَّى نَفْسَهُ رَحْمَانًا رَحِيمًا فَكَيْفَ لَا يَرْحَمُ؟ رُوِيَ أَنَّ سَائِلًا وَقَفَ عَلَى بَابٍ رَفِيعٍ فَسَأَلَ شَيْئًا فَأُعْطِيَ قَلِيلًا، فَجَاءَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِفَأْسٍ وَأَخَذَ يُخَرِّبُ الْبَابَ فَقِيلَ لَهُ: وَلِمَ تَفْعَلُ؟ قَالَ: إِمَّا أَنْ يُجْعَلَ الْبَابُ لَائِقًا بِالْعَطِيَّةِ أَوِ الْعَطِيَّةُ لَائِقَةً بِالْبَابِ. إِلَهَنَا إِنَّ بِحَارَ الرَّحْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَحْمَتِكَ أَقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْشِ، فَكَمَا أَلْقَيْتَ فِي أَوَّلِ كِتَابِكَ عَلَى عِبَادِكَ صِفَةَ رَحْمَتِكَ فَلَا تَجْعَلْنَا مَحْرُومِينَ عَنْ رَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ. السَّابِعَةُ: «اللَّهُ» إِشَارَةٌ إِلَى الْقَهْرِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعُلُوِّ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ أَكْثَرُ وَأَكْمَلُ مِنْ قَهْرِهِ. الثَّامِنَةُ: كَثِيرًا مَا يَتَّفِقُ لِبَعْضِ عَبِيدِ الْمَلِكِ أَنَّهُمْ إِذَا اشْتَرَوْا شَيْئًا مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَضَعُوا عَلَيْهَا سِمَةَ الْمَلِكِ لِئَلَّا يَطْمَعَ فِيهَا الْأَعْدَاءُ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ لِطَاعَتِكَ عَدُوًّا وَهُوَ الشَّيْطَانُ فَإِذَا شَرَعْتَ فِي عَمَلٍ فَاجْعَلْ عَلَيْهِ سِمَتِي، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعَدُوُّ فِيهَا. التَّاسِعَةُ: اجْعَلْ نَفْسَكَ قَرِينَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا تَبْعُدَ عَنْهُ فِي الدَّارَيْنِ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَفَعَ خَاتَمَهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: اكْتُبْ فِيهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى النَّقَّاشِ وَقَالَ: اكْتُبْ فِيهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَكَتَبَ النَّقَّاشُ فِيهِ ذَلِكَ، فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخَاتَمِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى النَّبِيُّ فِيهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا هَذِهِ الزَّوَائِدُ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَضِيتُ أَنْ أُفَرِّقَ اسْمَكَ عَنِ اسْمِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْبَاقِي فَمَا قُلْتُهُ، وَخَجِلَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا اسْمُ أَبِي بَكْرٍ فَكَتَبْتُهُ أَنَا لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ أَنْ يُفَرِّقَ اسْمَكَ عَنِ اسْمِ اللَّهِ فَمَا رَضِيَ اللَّهُ أَنْ يُفَرِّقَ اسْمَهُ عَنِ اسْمِكَ، وَالنُّكْتَةُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا لَمْ يَرْضَ بِتَفْرِيقِ اسْمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَجَدَ هَذِهِ الْكَرَامَةَ فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يُفَارِقِ الْمَرْءُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى؟. الْعَاشِرَةُ: أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَكِبَ السَّفِينَةَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هُودٍ: 41] فَوَجَدَ النَّجَاةَ بِنِصْفِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، فَمَنْ وَاظَبَ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ طُولَ عُمْرِهِ كَيْفَ يَبْقَى مَحْرُومًا عَنِ النَّجَاةِ؟ وَأَيْضًا أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَالَ مَمْلَكَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النَّمْلِ: 30] فَالْمَرْجُوُّ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَالَهُ فَازَ بِمُلْكِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ لِمَ قَدَّمَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْمَ نَفْسِهِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ بِلْقِيسَ لَمَّا وَجَدَتْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مَوْضُوعًا عَلَى وِسَادَتِهَا وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ إِلَيْهَا طَرِيقٌ وَرَأَتِ الْهُدْهُدَ وَاقِفًا عَلَى طَرَفِ الْجِدَارِ عَلِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ سُلَيْمَانَ، فَأَخَذَتِ الْكِتَابَ وَقَالَتْ: إِنَّهُ مِنْ سلميان، فَلَمَّا فَتَحَتِ الْكِتَابَ وَرَأَتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَتْ: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَوْلُهُ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ مِنْ كَلَامِ بِلْقِيسَ لَا كَلَامِ سُلَيْمَانَ: الثَّانِي: لَعَلَّ سُلَيْمَانَ كَتَبَ عَلَى عُنْوَانِ الْكِتَابِ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَفِي دَاخِلِ الْكِتَابِ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ فِي جَمِيعِ الْكُتُبُ، فَلَمَّا أَخَذَتْ بِلْقِيسُ ذَلِكَ الْكِتَابَ قَرَأَتْ مَا فِي عُنْوَانِهِ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا فَتَحَتِ الْكِتَابَ قَرَأَتْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَتْ: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: الثَّالِثُ: أَنَّ بِلْقِيسَ كَانَتْ كَافِرَةً فَخَافَ سُلَيْمَانُ أَنْ تَشْتُمَ اللَّهَ إِذَا نَظَرَتْ فِي الْكِتَابِ فَقَدَّمَ اسْمَ نَفْسِهِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، لِيَكُونَ الشَّتْمُ لَهُ لَا لِلَّهِ تَعَالَى.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْبَاءُ مِنْ «بِسْمِ» مُشْتَقٌّ مِنَ الْبِرِّ فَهُوَ الْبَارُّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَجَلُّ بِرِّهِ وَكَرَامَتِهِ أَنْ يُكْرِمَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِرُؤْيَتِهِ. مَرِضَ لِبَعْضِهِمْ جَارٌ يَهُودِيٌّ قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ لِلْعِيَادَةِ وَقُلْتُ لَهُ: أَسْلِمْ، فَقَالَ: عَلَى مَاذَا؟ قُلْتُ: مِنْ خَوْفِ النَّارِ قَالَ: لَا أُبَالِي بِهَا، فَقُلْتُ: لِلْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ: لَا أُرِيدُهَا، قُلْتُ: فَمَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: عَلَى أَنْ يُرِيَنِي وَجْهَهُ الْكَرِيمَ، قُلْتُ: أَسْلِمْ عَلَى أَنْ تَجِدَ هَذَا الْمَطْلُوبَ، فَقَالَ لِي: اكْتُبْ بِهَذَا خَطًّا، فَكَتَبْتُ لَهُ بِذَلِكَ خَطًّا فَأَسْلَمَ وَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ وَدَفَنَّاهُ، فَرَأَيْتُهُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّهُ يَتَبَخْتَرُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا شَمْعُونُ، مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ قال: غفر لي، وقال لي: أسلمت شوقاً إِلَيَّ. وَأَمَّا السِّينُ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِهِ السَّمِيعِ، يَسْمَعُ دُعَاءَ الْخَلْقِ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى مَا تَحْتَ الثَّرَى. رُوِيَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ خَرَجَ مَعَ مُنَافِقٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الطَّائِفِ فَبَلَغَا خَرِبَةً فَقَالَ الْمُنَافِقُ نَدْخُلُ هَاهُنَا وَنَسْتَرِيحُ، فَدَخَلَا وَنَامَ زَيْدٌ فَأَوْثَقَ الْمُنَافِقُ زَيْدًا وَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَقَالَ زَيْدٌ: لِمَ تَقْتُلُنِي؟ قَالَ: لِأَنَّ مُحَمَّدًا يُحِبُّكَ وَأَنَا أُبْغِضُهُ، فَقَالَ زَيْدٌ: يَا رَحْمَنُ أَغِثْنِي، فَسَمِعَ الْمُنَافِقُ صَوْتًا يَقُولُ: وَيْحَكَ لَا تَقْتُلْهُ، فَخَرَجَ مِنَ الْخَرِبَةِ وَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، فَرَجَعَ وَأَرَادَ قَتْلَهُ فَسَمِعَ صَائِحًا أَقْرَبَ مِنَ الْأَوَّلِ يَقُولُ: لَا تَقْتُلْهُ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا، فَرَجَعَ الثَّالِثَةَ وَأَرَادَ قَتْلَهُ فَسَمِعَ صَوْتًا قَرِيبًا يَقُولُ: لَا تَقْتُلْهُ، فَخَرَجَ فَرَأَى فَارِسًا مَعَهُ رُمْحٌ فَضَرَبَهُ الْفَارِسُ ضَرْبَةً فَقَتَلَهُ، وَدَخَلَ الْخَرِبَةَ وَحَلَّ وِثَاقَ زَيْدٍ، وَقَالَ لَهُ: أَمَا تَعْرِفُنِي؟ أَنَا جِبْرِيلُ حِينَ دَعَوْتَ كُنْتُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (أَدْرِكْ عَبْدِيَ) ، وَفِي الثَّانِيَةِ كُنْتُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَفِي الثَّالِثَةِ بَلَغْتُ إِلَى الْمُنَافِقِ. وَأَمَّا الْمِيمُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى مَا تَحْتَ الثَّرَى مُلْكَهُ وَمِلْكَهُ. قَالَ السُّدِّيُّ: أَصَابَ النَّاسُ قَحْطٌ عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوْ خَرَجْتَ بِالنَّاسِ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ، فَخَرَجُوا وَإِذَا بِنَمْلَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى رِجْلَيْهَا بَاسِطَةٍ يَدَيْهَا وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، وَلَا غِنَى لِي عَنْ فَضْلِكَ، قَالَ: فَصَبَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ، فَقَالَ لَهُمْ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ بِدُعَاءِ غَيْرِكُمْ. أَمَّا قَوْلُهُ: «اللَّهُ» فَاعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنِّي أَقُولُ طُولَ حَيَاتِي اللَّهُ، فَإِذَا مِتُّ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا سُئِلْتُ فِي الْقَبْرِ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا جِئْتُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا أَخَذْتُ الْكِتَابَ أَقُولُ اللَّهُ وَإِذَا وُزِنَتْ أَعْمَالِي أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا جُزْتُ الصِّرَاطَ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا رَأَيْتُ اللَّهَ قَلْتُ اللَّهُ. النُّكْتَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [فَاطِرٍ: 32] فَقَالَ: أَنَا اللَّهُ لِلسَّابِقِينَ، الرَّحْمَنُ لِلْمُقْتَصِدِينَ، الرَّحِيمُ لِلظَّالِمِينَ، وَأَيْضًا اللَّهُ هُوَ مُعْطِي الْعَطَاءَ، وَالرَّحْمَنُ هُوَ الْمُتَجَاوِزُ عَنْ زَلَّاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَالرَّحِيمُ هُوَ الْمُتَجَاوِزُ عَنِ الْجَفَاءِ، وَمِنْ كَمَالِ رَحْمَتِهِ كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ أَعْلَمُ مِنْكَ مَا لَوْ عَلِمَهُ أَبَوَاكَ لَفَارَقَاكَ، وَلَوْ عَلِمَتْهُ الْمَرْأَةُ لَجَفَتْكَ، وَلَوْ عَلِمَتْهُ الْأَمَةُ لَأَقْدَمَتْ عَلَى الْفِرَارِ مِنْكَ، وَلَوْ عَلِمَهُ الْجَارُ لَسَعَى فِي تَخْرِيبِ الدَّارِ، وَأَنَا أَعْلَمُ كُلَّ ذلك وَأَسْتُرُهُ بِكَرَمِي لِتَعْلَمَ أَنِّي إِلَهٌ كَرِيمٌ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: اللَّهُ يُوجِبُ وِلَايَتَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [الْبَقَرَةِ: 256] وَالرَّحْمَنُ يُوجِبُ
مَحَبَّتَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا [مَرْيَمَ: 96] وَالرَّحِيمُ يُوجِبُ رَحْمَتَهُ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [الْأَحْزَابِ: 43] . الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ رَفَعَ قِرْطَاسًا مِنَ الْأَرْضِ فِيهِ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» إِجْلَالًا لَهُ تَعَالَى كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الصِّدِّيقِينَ، وَخُفِّفَ عَنْ وَالِدَيْهِ وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ، وَقِصَّةُ بِشْرٍ الْحَافِي فِي هَذَا الْبَابِ مَعْرُوفَةٌ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِذَا تَوَضَّأْتَ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنَّ حَفَظَتْكَ لَا تَبْرَحُ أَنْ تَكْتُبَ لَكَ الْحَسَنَاتِ حَتَّى تَفْرَغَ، وَإِذَا غَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنَّ حفظتك يكتبون لَكَ الْحَسَنَاتُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهَا» . وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجن والعورات بَنِي آدَمَ إِذَا نَزَعُوا ثِيَابَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالْإِشَارَةُ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا صَارَ هَذَا الِاسْمُ حِجَابًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَعْدَائِكَ مِنَ الْجِنِّ فِي الدُّنْيَا أَفَلَا يَصِيرُ حِجَابًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الزَّبَانِيَةِ فِي الْعُقْبَى؟» . السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: كَتَبَ قَيْصَرُ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ بِي صُدَاعًا لَا يَسْكُنُ فَابْعَثْ لِي دَوَاءً، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عُمَرُ قَلَنْسُوَةً فَكَانَ إِذَا وَضَعَهَا عَلَى رَأْسِهِ يَسْكُنُ صُدَاعُهُ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَنْ رَأْسِهِ عَاوَدَهُ الصُّدَاعُ، فَعَجِبَ مِنْهُ فَفَتَّشَ الْقَلَنْسُوَةَ فَإِذَا فِيهَا كَاغِدٌ مَكْتُوبٌ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ طُهُورًا لِتِلْكَ الْأَعْضَاءِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ طُهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، فَإِذَا كَانَ الذِّكْرُ عَلَى الْوُضُوءِ طُهُورًا لِكُلِّ الْبَدَنِ فَذِكْرُهُ عَنْ صَمِيمِ الْقَلْبِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ طُهُورًا لِلْقَلْبِ عَنِ الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ. الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: طَلَبَ بَعْضُهُمْ آيَةً مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَقَالَ: إِنَّكَ تَدَّعِي الْإِسْلَامَ فَأَرِنَا آيَةً لِنُسْلِمَ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسُّمِّ الْقَاتِلِ، فَأُتِيَ بِطَاسٍ مِنَ السُّمِّ، فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَكَلَ الْكُلَّ وَقَامَ سَالِمًا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ الْمَجُوسُ هَذَا دِينُ حَقٍّ. التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: مَرَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى قَبْرٍ فَرَأَى مَلَائِكَةَ الْعَذَابِ يُعَذِّبُونَ مَيِّتًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ حَاجَتِهِ مَرَّ عَلَى الْقَبْرِ فَرَأَى مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ مَعَهُمْ أَطْبَاقٌ مِنْ نُورٍ، فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ، فَصَلَّى وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: يَا عِيسَى، كَانَ هَذَا الْعَبْدُ عَاصِيًا وَمُذْ مَاتَ كَانَ مَحْبُوسًا فِي عَذَابِي، وَكَانَ قَدْ تَرَكَ امْرَأَةً حُبْلَى فَوَلَدَتْ وَلَدًا وَرَبَّتْهُ حَتَّى كَبِرَ، فَسَلَّمَتْهُ إِلَى الْكُتَّابِ فَلَقَّنَهُ المعلم بسم الله الرحمن الرحيم، فاستحيت مِنْ عَبْدِي أَنْ أُعَذِّبَهُ بِنَارِي فِي بَطْنِ الْأَرْضِ وَوَلَدُهُ يَذْكُرُ اسْمِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. الْعِشْرُونَ: سُئِلَتْ عَمْرَةُ الْفَرْغَانِيَّةُ- وَكَانَتْ مِنْ كِبَارِ الْعَارِفَاتِ- مَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ مَنْهِيَّانِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ دُونَ التَّسْمِيَةِ فَقَالَتْ: لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ ذِكْرُ اسْمِ الْحَبِيبِ وَالْحَبِيبُ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذِكْرِ الْحَبِيبِ. الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: قِيلَ فِي قَوْلِهِ: «الرَّحِيمِ» هُوَ تَعَالَى رَحِيمٌ بِهِمْ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ فِي الْقَبْرِ وَحَشَرَاتِهِ، وَالْقِيَامَةِ وَظُلُمَاتِهِ، وَالْمِيزَانِ وَدَرَجَاتِهِ، وَقِرَاءَةِ الْكِتَابِ وَفَزَعَاتِهِ، وَالصِّرَاطِ وَمَخَافَاتِهِ وَالنَّارِ وَدَرَكَاتِهِ.
الكتاب الثالث الكلام في سورة الفاتحة وفي ذكر أسماء هذه السورة،
الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: كَتَبَ عَارِفٌ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَأَوْصَى أَنْ تُجْعَلَ فِي كَفَنِهِ فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ فَائِدَةٍ لَكَ فِيهِ فَقَالَ: أَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِلَهِي بَعَثْتَ كِتَابًا وَجَعَلْتَ عُنْوَانَهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَعَامِلْنِي بِعُنْوَانِ كِتَابِكَ. الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: قِيلَ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا، وَفِيهِ فَائِدَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الزَّبَانِيَةَ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَاللَّهُ تَعَالَى يَدْفَعُ بَأْسَهُمْ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ التِّسْعَةَ عَشَرَ، الثَّانِيَةُ: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ سَاعَةً، ثُمَّ فَرَضَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي خَمْسِ سَاعَاتٍ فَهَذِهِ الْحُرُوفُ التِّسْعَةَ عَشَرَ تَقَعُ كَفَّارَاتٍ لِلذُّنُوبِ الَّتِي تَقَعُ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ التِّسْعَةَ عَشَرَ. الرَّابِعَةَ وَالْعِشْرُونَ: لَمَّا كَانَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ لَمْ يُكْتَبْ فِي أَوَّلِهَا/ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَأَيْضًا السُّنَّةُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ الذَّبْحِ «بِاسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» وَلَا يُقَالُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» لِأَنَّ وَقْتَ الْقِتَالِ وَالْقَتْلِ لَا يَلِيقُ بِهِ ذِكْرُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَلَمَّا وَفَّقَكَ لِذِكْرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً فِي الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَا خَلَقَكَ لِلْقَتْلِ وَالْعَذَابِ، وَإِنَّمَا خَلَقَكَ لِلرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ، والله تعالى الهادي إلى الصواب. [الكتاب الثالث] الْكَلَامُ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ وَفِي ذِكْرِ أَسْمَاءِ هذه السورة، وفيه أبواب الباب الأول [أسماء الفاتحة وسببها] اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لَهَا أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى: - أسماء الفاتحة وسببها: فَالْأَوَّلُ: «فَاتِحَةُ الْكِتَابِ» سُمِّيَتْ بِذَلِكَ الِاسْمِ لِأَنَّهُ يُفْتَتَحُ بِهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَالتَّعْلِيمِ، وَالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَقِيلَ سَمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ فَاتِحَةُ كُلِّ كَلَامٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ، وَقِيلَ لِأَنَّهَا أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ. وَالثَّانِي: «سُورَةُ الْحَمْدِ» وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ أَوَّلَهَا لَفْظُ الْحَمْدِ. وَالثَّالِثُ: «أُمُّ الْقُرْآنِ» وَالسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ: - الْأَوَّلُ: أَنَّ أُمَّ الشَّيْءِ أَصْلُهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ كُلِّ الْقُرْآنِ تَقْرِيرُ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ: الْإِلَهِيَّاتُ، وَالْمَعَادُ، وَالنُّبُوَّاتُ، وَإِثْبَاتُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَقَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلَى الْإِلَهِيَّاتِ، وَقَوْلُهُ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يَدُلُّ عَلَى الْمَعَادِ، وَقَوْلُهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ وَعَلَى إِثْبَاتِ أَنَّ الْكُلَّ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَقَوْلُهُ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى إِثْبَاتِ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ وَعَلَى النُّبُوَّاتِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذِهِ الْمَعَانِي بِالِاسْتِقْصَاءِ، فَلَمَّا كَانَ الْمَقْصِدُ الْأَعْظَمُ مِنَ الْقُرْآنِ هَذِهِ الْمَطَالِبَ الْأَرْبَعَةَ وَكَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةً عَلَيْهَا لُقِّبَتْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ.
السَّبَبُ الثَّانِي: لِهَذَا الِاسْمِ: أَنَّ حَاصِلَ جَمِيعِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ يَرْجِعُ إِلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: إِمَّا الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِاللِّسَانِ، وَإِمَّا الِاشْتِغَالُ بِالْخِدْمَةِ وَالطَّاعَةِ، وَإِمَّا طَلَبُ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ، فَقَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ كُلُّهُ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اشْتِغَالٌ بِالْخِدْمَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ الِابْتِدَاءَ وَقَعَ بِقَوْلِهِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعُبُودِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى اعْتِرَافِ الْعَبْدِ بِالْعَجْزِ وَالذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فَهُوَ طَلَبٌ لِلْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ وَأَنْوَاعِ الْهِدَايَاتِ. السَّبَبُ الثَّالِثُ: لِتَسْمِيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ بِأُمِّ الْكِتَابِ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ جَمِيعِ الْعُلُومِ: إِمَّا مَعْرِفَةُ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ، أَوْ مَعْرِفَةُ ذِلَّةِ الْعُبُودِيَّةِ فَقَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْمُسْتَوْلِي عَلَى كُلِّ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ثُمَّ مِنْ قَوْلِهِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلَى ذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَتِمُّ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَلَا مِنَ الْمُكَاشَفَاتِ الْبَاطِنَةِ إِلَّا بِإِعَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِدَايَتِهِ. السَّبَبُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْعُلُومَ الْبَشَرِيَّةَ إِمَّا عِلْمُ ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَهُوَ عِلْمُ الْأُصُولِ وَإِمَّا عِلْمُ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَكَالِيفِهِ، وَهُوَ عِلْمُ الْفُرُوعِ، وَإِمَّا عِلْمُ تَصْفِيَةِ الْبَاطِنِ وَظُهُورِ الْأَنْوَارِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالْمُكَاشَفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْقُرْآنِ بَيَانُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ، وَهَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَطَالِبِ الثَّلَاثَةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ: فَقَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِشَارَةٌ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ: لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى وُجُودِهِ وُجُودُ مَخْلُوقَاتِهِ، فَقَوْلُهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ يَجْرِي مَجْرَى الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ وَجُودِهِ إِلَّا بِكَوْنِهِ رَبًّا لِلْعَالَمِينَ، وَقَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إِشَارَةً إِلَى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ، وَلَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ إِلَّا إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ عَالِمًا بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ، ثُمَّ وَصَفَهُ بِنِهَايَةِ الرَّحْمَةِ- وَهُوَ كَوْنُهُ رَحْمَانًا رَحِيمًا- ثُمَّ وَصَفَهُ بِكَمَالِ الْقُدْرَةِ- وَهُوَ قَوْلُهُ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ- حَيْثُ لَا يُهْمِلُ أَمْرَ الْمَظْلُومِينَ، بَلْ يَسْتَوْفِي حُقُوقَهُمْ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَعِنْدَ هَذَا تَمَّ الْكَلَامُ فِي مَعْرِفَةِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَهُوَ عِلْمُ الْأُصُولِ، ثُمَّ شَرَعَ بَعْدَهُ فِي تَقْرِيرِ عِلْمِ الْفُرُوعِ، وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِالْخِدْمَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ ثُمَّ مَزَجَهُ أَيْضًا بِعِلْمِ الْأُصُولِ مَرَّةً أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ أَدَاءَ وَظَائِفِ الْعُبُودِيَّةِ لَا يَكْمُلُ إِلَّا بِإِعَانَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ شَرَعَ بَعْدَهُ فِي بَيَانِ دَرَجَاتِ الْمُكَاشَفَاتِ وَهِيَ عَلَى كَثْرَتِهَا مَحْصُورَةٌ فِي أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَوَّلُهَا: حُصُولُ هِدَايَةِ النُّورِ فِي الْقَلْبِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَثَانِيهَا: أَنْ يَتَجَلَّى لَهُ دَرَجَاتُ الْأَبْرَارِ الْمُطَهَّرِينَ مِنَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْجَلَايَا الْقُدْسِيَّةِ وَالْجَوَاذِبِ الْإِلَهِيَّةِ، حَتَّى تَصِيرَ تِلْكَ الْأَرْوَاحُ الْقُدْسِيَّةُ كَالْمَرَايَا الْمَجْلُوَّةِ فَيَنْعَكِسُ الشُّعَاعُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا إِلَى الْأُخْرَى، وَهُوَ قَوْلُهُ: صِراطَ الَّذِينَ/ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وَثَالِثُهَا: أَنْ تَبْقَى مَصُونَةً مَعْصُومَةً عَنْ أَوْضَارِ الشَّهَوَاتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَعَنْ أَوْزَارِ الشُّبَهَاتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا الضَّالِّينَ فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى هَذِهِ الْأَسْرَارِ الْعَالِيَةِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ الْمَطَالِبِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ سُمِّيَتْ بِأُمِّ الْكِتَابِ كَمَا أَنَّ الدِّمَاغَ يُسَمَّى أُمَّ الرَّأْسِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى جَمِيعِ الْحَوَاسِّ وَالْمَنَافِعِ. السَّبَبُ الْخَامِسُ: قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ حَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْقَفَّالَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ دُرَيْدٍ يَقُولُ: الْأُمُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الرَّايَةُ الَّتِي يَنْصِبُهَا الْعَسْكَرُ، قَالَ قَيْسُ بْنُ الحطيم: -
نَصَبْنَا أُمَّنَا حَتَّى ابْذَعَرُّوا ... وَصَارُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ سُلَالَا فَسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ لِأَنَّ مَفْزَعَ أَهْلِ الْإِيمَانِ إِلَى هَذِهِ السُّورَةِ كَمَا أَنَّ مَفْزَعَ الْعَسْكَرِ إِلَى الرَّايَةِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْأَرْضَ أُمًّا، لِأَنَّ مَعَادَ الْخَلْقِ إِلَيْهَا فِي حَيَاتِهِمْ وَمَمَاتِهِمْ، وَلِأَنَّهُ يُقَالُ: أَمَّ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا قَصَدَهُ. الِاسْمُ الرَّابِعُ: مِنْ أَسْمَاءِ هَذِهِ السورة «السبع الثاني» قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الْحِجْرِ: 87] وَفِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهَا بِالْمَثَانِي وُجُوهٌ: - الْأَوَّلُ: أَنَّهَا مَثْنَى: نِصْفُهَا ثَنَاءُ الْعَبْدِ لِلرَّبِّ، وَنِصْفُهَا عَطَاءُ الرَّبِّ لِلْعَبْدِ. الثَّانِي: سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ. الثَّالِثُ: سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُ هَذِهِ السُّورَةِ وَإِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ. الرَّابِعُ: سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ، كُلُّ آيَةٍ تَعْدِلُ قِرَاءَتُهَا قِرَاءَةَ سُبْعٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَمَنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَعْطَاهُ اللَّهُ ثَوَابَ مَنْ قَرَأَ كُلَّ الْقُرْآنِ. الْخَامِسُ: آيَاتُهَا سَبْعٌ، وَأَبْوَابُ النِّيرَانِ سَبْعَةٌ، فَمَنْ فَتَحَ لِسَانَهُ بِقِرَاءَتِهَا غُلِّقَتْ عَنْهُ الْأَبْوَابُ السَّبْعَةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُحَمَّدُ، كُنْتُ أَخْشَى الْعَذَابَ عَلَى أُمَّتِكَ. فَلَمَّا نَزَلَتِ الْفَاتِحَةُ أَمِنْتُ، قَالَ: لِمَ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ، لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ، لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الْحِجْرِ: 43، 44] وَآيَاتُهَا سَبْعٌ فَمَنْ قَرَأَهَا صَارَتْ كُلُّ آيَةٍ طَبَقًا عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، فَتَمُرُّ أُمَّتُكَ عَلَيْهَا مِنْهَا سَالِمِينَ. السَّادِسُ: سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ إِنَّهَا تُثَنَّى بِسُورَةٍ أُخْرَى. السَّابِعُ: سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا أُثْنِيَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَدَائِحُ لَهُ. الثَّامِنُ: سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا مَرَّتَيْنِ، وَاعْلَمْ أَنَّا قَدْ بَالَغْنَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي في سورة الحجر [الْحِجْرِ: 87] . الِاسْمُ الْخَامِسُ: الْوَافِيَةُ، كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يُسَمِّيهَا بِهَذَا الِاسْمِ، قَالَ الثَّعْلَبِيُّ، وَتَفْسِيرُهَا أَنَّهَا لَا تَقْبَلُ التَّنْصِيفَ، أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَوْ قُرِئَ نِصْفُهَا فِي رَكْعَةٍ وَالنِّصْفُ الثَّانِي فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى لَجَازَ، وَهَذَا التَّنْصِيفُ غَيْرُ جَائِزٍ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. الِاسْمُ السَّادِسُ: الْكَافِيَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَكْفِي عَنْ غَيْرِهَا، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَا يَكْفِي عنها، روى محمد بن الربيع عن عبادة بن الصامت قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا عَنْهَا» . الِاسْمُ السَّابِعُ: الْأَسَاسُ، وَفِيهِ وُجُوهٌ: - الْأَوَّلُ: أَنَّهَا أَوَّلُ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَهِيَ كالأساس.
الباب الثاني في فضائل هذه السورة، وفيه مسائل:
الثَّانِي: أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَشْرَفِ الْمَطَالِبِ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَذَلِكَ هُوَ الْأَسَاسُ. الثَّالِثُ: أَنَّ أَشْرَفَ العبادات بعد الإيمان هو الصلاة، وهذا السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى كُلِّ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهَا. الِاسْمُ الثَّامِنُ: الشِّفَاءُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُمٍّ، وَمَرَّ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِرَجُلٍ مَصْرُوعٍ فَقَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ فِي أُذُنِهِ فَبَرِئَ فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ. وَأَقُولُ: الْأَمْرَاضُ مِنْهَا رُوحَانِيَّةٌ، وَمِنْهَا جُسْمَانِيَّةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّى الْكُفْرَ مَرَضًا فَقَالَ تَعَالَى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الْبَقَرَةِ: 10] وَهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالْمُكَاشَفَاتِ، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الشِّفَاءِ فِي هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الثَّلَاثَةِ. الِاسْمُ التَّاسِعُ: الصَّلَاةُ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَالْمُرَادُ هَذِهِ السُّورَةُ» . الِاسْمُ الْعَاشِرُ: السُّؤَالُ، رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَى عَنْ رَبِّ الْعِزَّةِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ سُؤَالِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ» ، وَقَدْ فَعَلَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشُّعَرَاءِ: 78] إِلَى أَنْ قَالَ: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً/ وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [الشُّعَرَاءِ: 83] فَفِي هَذِهِ السُّورَةِ أَيْضًا وَقَعَتِ الْبَدَاءَةُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُوَ قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَى قَوْلِهِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ثُمَّ ذَكَرَ الْعُبُودِيَّةَ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ثُمَّ وَقَعَ الْخَتْمُ عَلَى طَلَبِ الْهِدَايَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْمَلَ الْمَطَالِبِ هُوَ الْهِدَايَةُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَنَّةَ الْمَعْرِفَةِ خَيْرٌ مِنْ جَنَّةِ النَّعِيمِ لِأَنَّهُ تَعَالَى خَتَمَ الْكَلَامَ هُنَا عَلَى قَوْلِهِ اهْدِنَا وَلَمْ يَقُلْ ارْزُقْنَا الْجَنَّةَ. الِاسْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ: سُورَةُ الشُّكْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ بِالْفَضْلِ وَالْكَرَمِ وَالْإِحْسَانِ. الِاسْمُ الثَّانِيَ عَشَرَ: سُورَةُ الدُّعَاءِ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى قَوْلِهِ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فَهَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْبَابُ الثَّانِي فِي فضائل هذه السورة، وفيه مسائل: كيفية نزولها: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: ذَكَرُوا فِي كَيْفِيَّةِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، رَوَى الثَّعْلَبِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ بِمَكَّةَ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، ثُمَّ قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسَرَّ إِلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ خَالَطَنِي شَيْءٌ» ، فَقَالَتْ: وما
ذَاكَ؟ قَالَ: «إِنِّي إِذَا خَلَوْتُ سَمِعْتُ النِّدَاءَ باقرأ» ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَسَأَلَهُ عَنْ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: إِذَا أَتَاكَ النِّدَاءُ فَاثْبَتْ لَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ لَهُ: قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: دَقَّ اللَّهُ فَاكَ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، رَوَى الثَّعْلَبِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ أُنْزِلَتْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: لِكُلِّ عَالِمٍ هَفْوَةٌ وَهَذِهِ هَفْوَةُ مُجَاهِدٍ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى خِلَافِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ سُورَةَ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي، [الحجر: 87] وَهِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى آتَاهُ هَذِهِ السُّورَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ، الثَّانِي: أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً بِلَا فَاتِحَةِ الْكِتَابِ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ مَرَّةً، وَبِالْمَدِينَةِ مَرَّةً أُخْرَى، فَهِيَ مَكِّيَّةٌ مَدَنِيَّةٌ، وَلِهَذَا السَّبَبِ سَمَّاهَا اللَّهُ بِالْمَثَانِي، لِأَنَّهُ ثَنَّى إِنْزَالَهَا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي تَشْرِيفِهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي بَيَانِ فَضْلِهَا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْقَوْمَ لَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ حَتْمًا مَقْضِيًّا فَيَقْرَأُ صَبِيٌّ مِنْ صِبْيَانِهِمْ فِي الْمَكْتَبِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فَيَسْمَعُهُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَرْفَعُ عَنْهُمْ بِسَبَبِهِ الْعَذَابَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَعَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِائَةً وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ مِنَ السَّمَاءِ فَأَوْدَعَ عُلُومَ الْمِائَةِ فِي الْأَرْبَعَةِ، وَهِيَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفَرْقَانُ، ثُمَّ أَوْدَعَ عُلُومَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْفُرْقَانِ، ثُمَّ أَوْدَعَ عُلُومَ الْفُرْقَانِ فِي الْمُفَصَّلِ، ثُمَّ أَوْدَعَ عُلُومَ الْمُفَصَّلِ فِي الْفَاتِحَةِ فَمَنْ عَلِمَ تَفْسِيرَ الْفَاتِحَةِ كَانَ كَمَنْ عَلِمَ تَفْسِيرَ جَمِيعِ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ، وَمَنْ قَرَأَهَا فَكَأَنَّمَا قَرَأَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ. قُلْتُ: وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ جَمِيعِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ عِلْمُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالْمُكَاشَفَاتِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَمَامِ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ الثَّلَاثَةِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَطَالِبُ الْعَالِيَةُ الشَّرِيفَةُ حَاصِلَةٌ فِيهَا لَا جَرَمَ كَانَتْ كَالْمُشْتَمِلَةِ عَلَى جَمِيعِ الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالُوا: هَذِهِ السُّورَةُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهَا سَبْعَةٌ مِنَ الْحُرُوفِ، وَهِيَ الثَّاءُ، وَالْجِيمُ وَالْخَاءُ، وَالزَّايُ، وَالشِّينُ، وَالظَّاءُ، وَالْفَاءُ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ السَّبْعَةَ مُشْعِرَةٌ بِالْعَذَابِ فَالثَّاءُ تَدُلُّ عَلَى الْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، قَالَ تَعَالَى: لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الْفُرْقَانِ: 14] وَالْجِيمُ أَوَّلُ حُرُوفِ اسْمِ جَهَنَّمَ، قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ [الْحِجْرِ: 43] وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الْأَعْرَافِ: 179] وَأَسْقَطَ الْخَاءَ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِالْخِزْيِ قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التَّحْرِيمِ: 8] وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ [النَّحْلِ: 27] وَأَسْقَطَ الزَّايَ وَالشِّينَ لِأَنَّهُمَا أَوَّلُ حُرُوفِ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ، قَالَ تَعَالَى: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هُودٍ: 106] وَأَيْضًا الزَّايُ تَدُلُّ عَلَى الزَّقُّومِ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ [الدُّخَانِ: 43] وَالشِّينُ تَدُلُّ عَلَى الشَّقَاوَةِ، قَالَ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ [هُودٍ: 106] وَأَسْقَطَ الظَّاءَ لِقَوْلِهِ: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لَا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ [الْمُرْسَلَاتِ: 30، 31] وَأَيْضًا يَدُلُّ عَلَى لَظَى، قَالَ تَعَالَى: كَلَّا إِنَّها لَظى
الباب الثالث في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة،
نَزَّاعَةً لِلشَّوى [الْمَعَارِجِ: 15، 16] وَأَسْقَطَ الْفَاءَ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفِرَاقِ، قَالَ تَعَالَى: يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [الرُّومِ: 14] وَأَيْضًا قَالَ: لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى [طه: 61] . فَإِنْ قَالُوا: لَا حَرْفَ مِنَ الْحُرُوفِ إِلَّا وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ الْعَذَابِ فَلَا يَبْقَى لِمَا ذَكَرْتُمْ فَائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الْفَائِدَةُ فِيهِ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي صِفَةِ جَهَنَّمَ لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الْحِجْرِ: 44] وَاللَّهُ تَعَالَى أَسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الْحُرُوفِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَهِيَ أَوَائِلُ أَلْفَاظٍ دَالَّةٍ عَلَى الْعَذَابِ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ وَآمَنَ بِهَا وَعَرَفَ حَقَائِقَهَا صَارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكَاتِ السَّبْعِ فِي جَهَنَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْأَسْرَارِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: أسرار الفاتحة: المسألة الأولى: [البحث عن السؤالين وهما ما الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أنه مستحق الحمد؟] اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فكأن سائلًا يقول: الحمد لله مبني عَنْ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وُجُودُ الْإِلَهِ، وَالثَّانِي: كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ وما الدليل على أنه مستحق الحمد؟ وَلَمَّا تَوَّجَّهَ هَذَانِ السُّؤَالَانِ لَا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَجْرِي مَجْرَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَيْنِ السُّؤَالَيْنِ، فَأَجَابَ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: رَبِّ الْعالَمِينَ وَأَجَابَ عَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أَمَّا تَقْرِيرُ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِنْ عَلِمْنَا بِوُجُودِ الشَّيْءِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا، لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الْإِلَهِ ضَرُورِيٌّ، لِأَنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّا لَا نَعْرِفُ وُجُودَ الْإِلَهِ بِالضَّرُورَةِ فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ نَظَرِيًّا، وَالْعِلْمُ النَّظَرِيُّ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ إِلَّا بِالدَّلِيلِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ إِلَّا أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ الْمَحْسُوسَ بِمَا فيه من السموات وَالْأَرَضِينَ وَالْجِبَالِ وَالْبِحَارِ وَالْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ مُحْتَاجٌ إِلَى مُدَبِّرٍ يُدَبِّرُهُ وَمَوْجُودٍ يُوجِدُهُ وَمُرَبٍّ يُرَبِّيهِ وَمُبْقٍ يُبْقِيهِ، فَكَانَ قَوْلُهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ إِشَارَةً إِلَى الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ الْقَادِرِ الْحَكِيمِ. ثُمَّ فِيهِ لَطَائِفُ: اللَّطِيفَةُ الْأُولَى: أَنَّ الْعَالَمِينَ إِشَارَةٌ إِلَى كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ فَقَوْلُهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ مُحْتَاجٌ فِي وُجُودِهِ إِلَى إِيجَادِهِ، وَفِي بَقَائِهِ إِلَى إِبْقَائِهِ، فَكَانَ هَذَا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ لَا يَتَجَزَّأُ وَكُلَّ جَوْهَرٍ فَرْدٌ وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْأَعْرَاضِ فَهُوَ بُرْهَانٌ بَاهِرٌ وَدَلِيلٌ قاطع على وجود الإله الحكيم القادر القديم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الْإِسْرَاءِ: 44] . اللَّطِيفَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْعَالَمِينَ، بَلْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الْحَوَادِثَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى الْمُوجِدِ وَالْمُحْدِثِ حَالَ حُدُوثِهَا، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا حَالَ بَقَائِهَا هَلْ تَبْقَى مُحْتَاجَةً إِلَى الْمُبْقِي أَمْ لَا؟ فَقَالَ قَوْمٌ: الشَّيْءُ حَالَ بَقَائِهِ يَسْتَغْنِي عَنِ السَّبَبِ، وَالْمُرَبِّي هُوَ الْقَائِمُ بِإِبْقَاءِ الشَّيْءِ وَإِصْلَاحِ حَالِهِ حَالَ بَقَائِهِ، فَقَوْلُهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْعَالَمِينَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ فِي حَالِ بَقَائِهَا، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ افْتِقَارَهَا إِلَى الْمُوجِدِ فِي حَالِ حُدُوثِهَا أَمْرٌ مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ، أَمَّا افْتِقَارُهَا إِلَى الْمُبْقِي
وَالْمُرَبِّي حَالَ بَقَائِهَا هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ فَخَصَّهُ سُبْحَانَهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ لَا فِي حَالِ حُدُوثِهِ وَلَا فِي حَالِ بَقَائِهِ. اللَّطِيفَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مُسَمَّاةٌ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَوَجَبَ كَوْنُهَا كَالْأَصْلِ وَالْمَعْدِنِ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرُهَا كَالْجَدَاوِلِ الْمُتَشَعِّبَةِ مِنْهُ، فَقَوْلُهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ سِوَاهُ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى إِلَهِيَّتِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى افْتَتَحَ سُوَرًا أَرْبَعَةً بَعْدَ هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَأَوَّلُهَا: سُورَةُ الْأَنْعَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الْأَنْعَامِ: 1] وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ هَاهُنَا قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ قَوْلِهِ: رَبِّ الْعالَمِينَ لِأَنَّ لَفْظَ الْعَالَمِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا سِوَى الله، والسموات وَالْأَرْضُ وَالنُّورُ وَالظُّلْمَةُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ مَا سِوَى اللَّهِ، فَالْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ كَأَنَّهُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ، وَأَيْضًا فَالْمَذْكُورُ فِي أول سورة الأنعام أنه خلق السموات وَالْأَرْضَ، وَالْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ كَوْنُهُ رَبًّا لِلْعَالَمِينَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ أَنَّ الْعَالَمَ مُحْتَاجٌ حَالَ بَقَائِهِ إِلَى إِبْقَاءِ اللَّهِ كَانَ الْقَوْلُ بِاحْتِيَاجِهِ حَالَ حُدُوثِهِ إِلَى الْمُحْدِثِ أَوْلَى، أَمَّا لَا يَلْزَمُ مِنَ احْتِيَاجِهِ إِلَى الْمُحْدِثِ حَالَ حُدُوثِهِ احْتِيَاجُهُ إِلَى الْمُبْقِي حَالَ بَقَائِهِ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ يَجْرِي مَجْرَى قِسْمٍ مِنْ أَقْسَامِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ. وَثَانِيهَا: سُورَةُ الْكَهْفِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [الكهف: 1] وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ تَرْبِيَةُ الْأَرْوَاحِ بِالْمَعَارِفِ، فَإِنَّ الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ، فَكَانَ هَذَا إِشَارَةً إِلَى التَّرْبِيَةِ الرُّوحَانِيَّةِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ: رَبِّ الْعالَمِينَ إِشَارَةٌ إِلَى التَّرْبِيَةِ الْعَامَّةِ فِي حَقِّ كُلِّ الْعَالَمِينَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّرْبِيَةُ الرُّوحَانِيَّةُ لِلْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالتَّرْبِيَةُ الْجُسْمَانِيَّةُ الْحَاصِلَةُ فِي السموات وَالْأَرَضِينَ، فَكَانَ/ الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ. وَثَالِثُهَا: سُورَةُ سَبَأٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [سَبَأٍ: 1] فَبَيَّنَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الأنعام أن السموات وَالْأَرْضَ لَهُ، وَبَيَّنَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ سَبَأٍ أن الأشياء الحاصلة في السموات وَالْأَرْضِ لَهُ، وَهَذَا أَيْضًا قِسْمٌ مِنَ الْأَقْسَامِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [فَاطِرٍ: 1] وَالْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ كَوْنُهُ خَالِقًا لَهَا، وَالْخَلْقُ هُوَ التَّقْدِيرُ، وَالْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ كَوْنُهُ فَاطِرًا لَهَا وَمُحْدِثًا لِذَوَاتِهَا، وَهَذَا غَيْرُ الْأَوَّلِ إِلَّا أَنَّهُ أَيْضًا قِسْمٌ مِنَ الْأَقْسَامِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ في سورة الأنعام كونه خالقاً للسموات وَالْأَرْضِ ذَكَرَ كَوْنَهُ جَاعِلًا لِلظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ، أَمَّا فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ فَلَمَّا ذَكَرَ كَوْنَهُ فَاطِرَ السموات وَالْأَرْضِ ذَكَرَ كَوْنَهُ جَاعِلًا الْمَلَائِكَةَ رُسُلًا، فَفِي سورة الأنعام ذكر بعد تخليق السموات وَالْأَرْضِ جَعْلَ الْأَنْوَارِ وَالظُّلُمَاتِ وَذَكَرَ فِي سُورَةِ الملائكة بعد كونه فاطر السموات وَالْأَرْضِ جَعْلَ الرُّوحَانِيَّاتِ، وَهَذِهِ أَسْرَارٌ عَجِيبَةٌ وَلَطَائِفُ عَالِيَةٌ إِلَّا أَنَّهَا بِأَسْرِهَا تَجْرِي مَجْرَى الْأَنْوَاعِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الْبَحْرِ الْأَعْظَمِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فَهَذَا هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ يَجْرِي مَجْرَى ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ الْقَدِيمِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَمَا دَلَّتْ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ فَهِيَ أَيْضًا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِهِ مُتَعَالِيًا
فِي ذَاتِهِ عَنِ الْمَكَانِ وَالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ، لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ لَفْظَ الْعَالَمِينَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا سِوَى اللَّهِ المكان والزمان، وفالمكان عِبَارَةٌ عَنِ الْفَضَاءِ وَالْحَيِّزِ وَالْفَرَاغِ الْمُمْتَدِّ، وَالزَّمَانُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِسَبَبِهَا الْقَبْلِيَّةُ وَالْبَعْدِيَّةُ، فَقَوْلُهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ رَبًّا لِلْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَخَالِقًا لَهُمَا وَمُوجِدًا لَهُمَا، ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْخَالِقَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ سَابِقًا وُجُودُهُ عَلَى وُجُودِ الْمَخْلُوقِ، وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَتْ ذَاتُهُ مَوْجُودَةً قَبْلَ حُصُولِ الْفَضَاءِ وَالْفَرَاغِ وَالْحَيِّزِ، مُتَعَالِيَةً عَنِ الْجِهَةِ وَالْحَيِّزِ، فَلَوْ حَصَلَتْ ذَاتُهُ بَعْدَ حُصُولِ الْفَضَاءِ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْفَضَاءِ لَانْقَلَبَتْ حَقِيقَةُ ذَاتِهِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ، فَقَوْلُهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ يَدُلُّ عَلَى تَنْزِيهِ ذَاتِهِ عَنِ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَاتَهُ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الْحُلُولِ فِي الْمَحَلِّ كَمَا تَقُولُ النَّصَارَى وَالْحُلُولِيَّةُ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ رَبًّا لِلْعَالَمِينَ كَانَ خَالِقًا لِكُلِّ مَا سِوَاهُ، وَالْخَالِقُ سَابِقٌ عَلَى الْمَخْلُوقِ، فَكَانَتْ ذَاتُهُ مَوْجُودَةً قَبْلَ كُلِّ مَحَلٍّ، فَكَانَتْ ذَاتُهُ غَنِيَّةً عَنْ كُلِّ مَحَلٍّ، فَبَعْدَ وُجُودِ الْمَحَلِّ امْتَنَعَ احْتِيَاجُهُ إِلَى الْمَحَلِّ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ لَيْسَ مُوجِبًا بِالذَّاتِ، بَلْ هُوَ فَاعِلٌ مُخْتَارٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُوجِبَ بِالذَّاتِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ وَالتَّعْظِيمَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا انْتَفَعَ بِسُخُونَةِ النَّارِ أَوْ بِبُرُودَةِ الْجَمْدِ فَإِنَّهُ لَا يَحْمَدُ النَّارَ وَلَا الْجَمْدَ لِمَا أَنَّ تَأْثِيرَ النَّارِ فِي التَّسْخِينِ وَتَأْثِيرَ الْجَمْدِ فِي التَّبْرِيدِ لَيْسَ بِالْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَارِ بَلْ بِالطَّبْعِ، فَلَمَّا حَكَمَ بِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ ثَبَتَ أَنَّهُ فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَا كَوْنَهُ فَاعِلًا مُخْتَارًا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوجِبًا لَدَامَتِ الْآثَارُ وَالْمَعْلُولَاتُ بِدَوَامِ الْمُؤَثِّرِ الْمُوجِبِ، وَلَامْتَنَعَ وقوع التغير فيها، وحيث شاهدنا حصول التغييرات عَلِمْنَا أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِيهَا قَادِرٌ بِالِاخْتِيَارِ لَا مُوجِبَ بِالذَّاتِ، وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَا جَرَمَ ثَبَتَ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَالَمَ مُطَابِقًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ مُوَافِقًا لِمَنَافِعِهِمْ كَانَ الْإِحْكَامُ وَالْإِتْقَانُ ظَاهِرَيْنِ فِي الْعَالَمِ الْأَعْلَى وَالْعَالَمِ الْأَسْفَلِ، وَفَاعِلُ الْفِعْلِ الْمُحْكَمِ الْمُتْقَنِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ وَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الْحَيِّزِ وَالْمَكَانِ، وَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الْحُلُولِ فِي الْمَحَلِّ، وَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ فِي نِهَايَةِ الْقُدْرَةِ وَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ فِي نِهَايَةِ الْعِلْمِ وَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ فِي نِهَايَةِ الْحِكْمَةِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ: هَبْ أَنَّهُ ثَبَتَ الْقَوْلُ بِوُجُودِ الْإِلَهِ الْقَادِرِ فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ؟ وَالْجَوَابُ هُوَ قَوْلُهُ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وَتَقْرِيرُ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَخْلُو حَالُهُ فِي الدُّنْيَا عَنْ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي السَّلَامَةِ وَالسَّعَادَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْأَلَمِ وَالْفَقْرِ وَالْمَكَارِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي السَّلَامَةِ وَالْكَرَامَةِ فَأَسْبَابُ تِلْكَ السَّلَامَةِ وَتِلْكَ الْكَرَامَةِ لَمْ تَحْصُلْ إِلَّا بِخَلْقِ اللَّهِ وَتَكْوِينِهِ وَإِيجَادِهِ، فَكَانَ رَحْمَانًا رَحِيمًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَكَارِهِ وَالْآفَاتِ، فَتِلْكَ الْمَكَارِهُ وَالْآفَاتُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعِبَادِ، أَوْ مِنَ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْعِبَادِ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَعَدَ بِأَنَّهُ يَنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ من الظالمين فِي يَوْمِ الدِّينِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ اللَّهِ فَاللَّهُ تَعَالَى وَعَدَ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ وَالْفَضْلِ الْكَثِيرِ عَلَى كُلِّ مَا أَنْزَلَهُ بِعِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُخَافَاتِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَالثَّنَاءِ الَّذِي لَا غَايَةَ لَهُ فَظَهَرَ بِالْبَيَانِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ مُرَتَّبٌ تَرْتِيبًا لَا يُمْكِنُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُ كَلَامٍ أَكْمَلَ وَأَفْضَلَ منه.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا تَمَّمَ الْكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ أَرْدَفَهُ بِالْكَلَامِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ مُرَكَّبٌ مِنْ جَسَدٍ، وَمِنْ رُوحٍ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْجَسَدِ أَنْ يَكُونَ/ آلَةً لِلرُّوحِ فِي اكْتِسَابِ الْأَشْيَاءِ النَّافِعَةِ لِلرُّوحِ فَلَا جَرَمَ كَانَ أَفْضَلُ أَحْوَالِ الْجَسَدِ أَنْ يَكُونَ آتِيًا بِأَعْمَالٍ تُعِينُ الرُّوحَ عَلَى اكْتِسَابِ السَّعَادَاتِ الرُّوحَانِيَّةِ الْبَاقِيَةِ، وَتِلْكَ الْأَعْمَالُ هِيَ أَنْ يَكُونَ الْجَسَدُ آتِيًا بِأَعْمَالٍ تَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ الْمَعْبُودِ وَخِدْمَتِهِ، وَتِلْكَ الْأَعْمَالُ هِيَ الْعِبَادَةُ، فَأَحْسَنُ أَحْوَالِ الْعَبْدِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَنْ يَكُونَ مُوَاظِبًا عَلَى الْعِبَادَاتِ، وَهَذِهِ أَوَّلُ دَرَجَاتِ سَعَادَةِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ فَإِذَا وَاظَبَ عَلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مُدَّةً فَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَنْوَارِ عَالَمِ الْغَيْبِ، وَهُوَ أَنَّهُ وَحْدَهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِالْإِتْيَانِ بهذه العبادات وَالطَّاعَاتِ بَلْ مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ تَوْفِيقُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعَانَتُهُ وَعِصْمَتُهُ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ، وَهَذَا الْمَقَامُ هُوَ الدَّرَجَةُ الْوُسْطَى فِي الْكَمَالَاتِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ثُمَّ إِذَا تَجَاوَزَ عَنْ هَذَا الْمَقَامِ لَاحَ لَهُ أَنَّ الْهِدَايَةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ، وَأَنْوَارُ الْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّجَلِّي لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِهِدَايَةِ اللَّهِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وَفِيهِ لِطَائِفُ: - اللَّطِيفَةُ الْأُولَى: أَنَّ الْمَنْهَجَ الْحَقَّ فِي الِاعْتِقَادَاتِ وَفِي الْأَعْمَالِ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، أَمَّا فِي الِاعْتِقَادَاتِ فَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَنْ تَوَغَّلَ فِي التَّنْزِيهِ وَقَعَ فِي التَّعْطِيلِ وَنَفْيِ الصِّفَاتِ، وَمَنْ تَوَغَّلَ فِي الْإِثْبَاتِ وَقَعَ فِي التَّشْبِيهِ وَإِثْبَاتِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْمَكَانِ، فَهُمَا طَرَفَانِ مُعْوَجَّانِ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الْإِقْرَارُ الْخَالِي عَنِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ، وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْ قَالَ فِعْلُ الْعَبْدِ كُلُّهُ مِنْهُ فَقَدْ وَقَعَ فِي الْقَدَرِ، وَمَنْ قَالَ لَا فِعْلَ لِلْعَبْدِ فَقَدْ وَقَعَ فِي الْجَبْرِ وَهُمَا طَرَفَانِ مُعْوَجَّانِ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ إِثْبَاتُ الْفِعْلِ لِلْعَبْدِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ الْكُلَّ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَأَمَّا فِي الْأَعْمَالِ فَنَقُولُ: مَنْ بَالَغَ فِي الْأَعْمَالِ الشَّهْوَانِيَّةِ وَقَعَ فِي الْفُجُورِ، وَمَنْ بَالَغَ فِي تَرْكِهَا وَقَعَ فِي الْجُمُودِ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْوَسَطُ، وَهُوَ الْعِفَّةُ، وَأَيْضًا مَنْ بَالَغَ فِي الْأَعْمَالِ الْغَضَبِيَّةِ وَقَعَ فِي التَّهَوُّرِ، وَمَنْ بَالَغَ فِي تَرْكِهَا وَقَعَ فِي الْجُبْنِ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْوَسَطُ، وَهُوَ الشَّجَاعَةُ. اللَّطِيفَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ ذَلِكَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وَصَفَهُ بِصِفَتَيْنِ أُولَاهُمَا إِيجَابِيَّةٌ، وَالْأُخْرَى سَلْبِيَّةٌ أَمَّا الْإِيجَابِيَّةُ فَكَوْنُ ذَلِكَ الصِّرَاطِ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَأَمَّا السَّلْبِيَّةُ فَهِيَ أَنْ تَكُونَ بِخِلَافِ صِرَاطِ الَّذِينَ فَسَدَتْ قُوَاهُمُ الْعَمَلِيَّةُ بِارْتِكَابِ الشَّهَوَاتِ حَتَّى اسْتَوْجَبُوا غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَبِخِلَافِ صِرَاطِ الَّذِينَ فَسَدَتْ قُوَاهُمُ النَّظَرِيَّةُ حَتَّى ضَلُّوا عَنِ الْعَقَائِدِ الْحَقِّيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْيَقِينِيَّةِ. اللَّطِيفَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ لَمَّا قَالَ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ، بَلْ قَالَ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرِيدَ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْوُصُولِ إِلَى مَقَامَاتِ/ الْهِدَايَةِ وَالْمُكَاشَفَةِ إِلَّا إِذَا اقْتَدَى بِشَيْخٍ يَهْدِيهِ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ وَيُجَنِّبُهُ عَنْ مَوَاقِعِ الْأَغَالِيطِ وَالْأَضَالِيلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّقْصَ غَالِبٌ عَلَى أَكْثَرِ الْخَلْقِ، وَعُقُولَهُمْ غَيْرُ وَافِيَةٍ بِإِدْرَاكِ الْحَقِّ وَتَمْيِيزِ الصَّوَابِ عَنِ الْغَلَطِ، فَلَا بُدَّ مِنْ كَامِلٍ يَقْتَدِي بِهِ النَّاقِصُ حَتَّى يَتَقَوَّى عَقْلُ ذَلِكَ النَّاقِصِ بِنُورِ عَقْلِ ذَلِكَ الْكَامِلِ، فَحِينَئِذٍ يَصِلُ إِلَى مَدَارِجِ السَّعَادَاتِ وَمَعَارِجِ الْكَمَالَاتِ. وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ وَافِيَةٌ بِبَيَانِ مَا يَجِبُ مَعْرِفَتُهُ مِنْ عَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَعَهْدِ الْعُبُودِيَّةِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [الْبَقَرَةِ: 40] . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي تَقْرِيرِ مُشَرِّعٍ آخَرَ مِنْ لَطَائِفِ هَذِهِ السُّورَةِ:
اعْلَمْ أَنَّ أَحْوَالَ هَذَا الْعَالَمِ مَمْزُوجَةٌ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْمَحْبُوبِ وَالْمَكْرُوهِ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي ظَاهِرَةٌ لَا شك فيها، إلا أنا نَقُولَ: الشَّرُّ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا إِلَّا أَنَّ الْخَيْرَ أَكْثَرُ، وَالْمَرَضُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا إِلَّا أَنَّ الصِّحَّةَ أَكْثَرُ مِنْهُ وَالْجُوعُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا إِلَّا أَنَّ الشِّبَعَ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَكُلُّ عَاقِلٍ اعْتَبَرَ أَحْوَالَ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَجِدُهَا دَائِمًا فِي التَّغَيُّرَاتِ وَالِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، ثُمَّ إِنَّهُ يَجِدُ الْغَالِبَ فِي تِلْكَ التَّغَيُّرَاتِ هُوَ السَّلَامَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالرَّاحَةُ وَالْبَهْجَةُ، أَمَّا الْأَحْوَالُ الْمَكْرُوهَةُ فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةٌ إِلَّا أَنَّهَا أَقَلُّ مِنْ أَحْوَالِ اللَّذَّةِ وَالْبَهْجَةِ وَالرَّاحَةِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ إِنَّ تِلْكَ التَّغَيُّرَاتِ لِأَجْلِ أَنَّهَا تَقْتَضِي حُدُوثَ أَمْرٍ بَعْدَ عَدَمِهِ تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ الْقَادِرِ، وَلِأَجْلِ أَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا الرَّاحَةُ وَالْخَيْرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْإِلَهَ رَحِيمٌ مُحْسِنٌ كَرِيمٌ، أَمَّا دَلَالَةُ التَّغَيُّرَاتِ عَلَى وُجُودِ الْإِلَهِ فَلِأَنَّ الْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ تَشْهَدُ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ وُجِدَ بَعْدَ الْعَدَمِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّا إِذَا سَمِعْنَا أَنَّ بَيْتًا حَدَثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنَّ صريح العقل شاهد بأنه لا بد له مِنْ فَاعِلٍ تَوَلَّى بِنَاءَ ذَلِكَ الْبَيْتِ، وَلَوْ أَنَّ إِنْسَانًا شَكَّكَنَا فِيهِ لَمْ نَتَشَكَّكْ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فَاعِلُ تِلْكَ الْأَحْوَالِ المتغيرة قادراً، إذا لَوْ كَانَ مُوجِبًا بِالذَّاتِ لَدَامَ الْأَثَرُ بِدَوَامِهِ، فَحُدُوثُ الْأَثَرِ بَعْدَ عَدَمِهِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ مُؤَثِّرٍ قَادِرٍ، وَأَمَّا دَلَالَةُ تِلْكَ التَّغَيُّرَاتِ عَلَى كَوْنِ الْمُؤَثِّرِ رَحِيمًا مُحْسِنًا، فَلِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْغَالِبَ فِي تِلْكَ التَّغَيُّرَاتِ هُوَ الرَّاحَةُ وَالْخَيْرُ وَالْبَهْجَةُ وَالسَّلَامَةُ، وَمَنْ كَانَ غَالِبُ أَفْعَالِهِ رَاحَةً وَخَيْرًا وَكَرَامَةً وَسَلَامَةً كَانَ رَحِيمًا مُحْسِنًا، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ مَعْلُومَةً لِكُلِّ أَحَدٍ وَحَاضِرَةً فِي عَقْلِ كُلِّ أَحَدٍ عَاقِلٍ كَانَ مُوجِبُ حَمْدِ اللَّهِ وَثَنَائِهِ حَاضِرًا فِي عَقْلِ كُلِّ أَحَدٍ، فَلِهَذَا السَّبَبِ عَلَّمَهُمْ كَيْفِيَّةَ الْحَمْدِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَمَّا نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ نَبَّهَ عَلَى مَقَامٍ آخَرَ أَعْلَى وَأَعْظَمَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ تَعْتَقِدَ أَنَّ الْإِلَهَ الَّذِي اشْتَغَلْتَ بِحَمْدِهِ هُوَ إِلَهُكَ فَقَطْ، بَلْ هُوَ إِلَهُ كُلِّ الْعَالَمِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّكَ إِنَّمَا حَكَمْتَ بِافْتِقَارِ نَفْسِكَ إِلَى الْإِلَهِ لَمَّا حَصَلَ فِيكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ وَالْحُدُوثِ وَالْإِمْكَانِ/ وَهَذِهِ الْمَعَانِي قَائِمَةٌ فِي كُلِّ الْعَالَمِينَ، فَإِنَّهَا مَحَلُّ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَأَنْوَاعِ التَّغَيُّرَاتِ، فَتَكُونُ عِلَّةُ احْتِيَاجِكَ إِلَى الْإِلَهِ الْمُدَبِّرِ قَائِمَةً فِيهَا، وَإِذَا حَصَلَ الِاشْتِرَاكُ فِي الْعِلَّةِ وَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمَعْلُولِ، فَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ رَبًّا للعالمين، وإلهاً للسموات وَالْأَرَضِينَ، وَمُدَبِّرًا لِكُلِّ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، وَلَمَّا تَقَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى ظَهَرَ أَنَّ الْمَوْجُودَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ هَذِهِ الْعَوَالِمِ عَلَى عَظَمَتِهَا وَيَقْدِرُ على خلق العرش والكرسي والسموات وَالْكَوَاكِبِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى إِهْلَاكِهَا، وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَنْهَا، فَهَذَا الْقَادِرُ الْقَاهِرُ الْغَنِيُّ يَكُونُ فِي غَايَةِ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ، وَحِينَئِذٍ يَقَعُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ أَنِّي مَعَ نِهَايَةِ ذِلَّتِي وَحَقَارَتِي كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ، وَبِأَيِّ طَرِيقٍ أَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ، فَعِنْدَ هَذَا ذَكَرَ اللَّهُ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْعِلَاجِ الْمُوَافِقِ لِهَذَا الْمَرَضِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ، أَنَا وَإِنْ كُنْتُ عَظِيمَ الْقُدْرَةِ وَالْهَيْبَةِ وَالْإِلَهِيَّةِ إِلَّا أَنِّي مَعَ ذَلِكَ عَظِيمُ الرَّحْمَةِ، فَأَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَأَنَا مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ، فَمَا دُمْتَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لَا أُخَلِّيكَ عَنْ أَقْسَامِ رَحْمَتِي وَأَنْوَاعِ نِعْمَتِي وَإِذَا مِتَّ فَأَنَا مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ، لَا أُضِيعُ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِكَ، فَإِنْ أَتَيْتَنِي بِالْخَيْرِ قَابَلْتُ الْخَيْرَ الْوَاحِدَ بِمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَإِنْ أَتَيْتَنِي بِالْمَعْصِيَةِ قَابَلْتُهَا بِالصَّفْحِ وَالْإِحْسَانِ وَالْمَغْفِرَةِ. ثُمَّ لَمَّا قَرَّرَ أَمْرَ الرُّبُوبِيَّةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ أَمَرَهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: مَقَامُ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَثَانِيهَا: مَقَامُ الطَّرِيقَةِ، وَهُوَ أَنْ يُحَاوِلَ السَّفَرَ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ، فَيَرَى عَالَمَ الشَّهَادَةِ كَالْمُسَخَّرِ لِعَالَمِ الْغَيْبِ، فَيَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ إِلَّا بِمَدَدٍ
يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يُشَاهِدُ عَالَمَ الشَّهَادَةِ مَعْزُولًا بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَحِينَئِذٍ يَقُولُ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ إِنَّ هَاهُنَا دَقِيقَةً، وَهِيَ أَنَّ الرُّوحَ الْوَاحِدَ يَكُونُ أَضْعَفَ قُوَّةً مِنَ الْأَرْوَاحِ الْكَثِيرَةِ الْمُجْتَمِعَةِ عَلَى تَحْصِيلِ مَطْلُوبٍ وَاحِدٍ، فَحِينَئِذٍ عَلِمَ الْعَبْدُ أَنَّ رُوحَهُ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي فِي طَلَبِ هَذَا الْمَقْصُودِ، فَعِنْدَ هَذَا أَدْخَلَ رُوحَهُ فِي زُمْرَةِ الْأَرْوَاحِ الْمُقَدَّسَةِ الْمُطَهَّرَةِ الْمُتَوَجِّهَةِ إِلَى طَلَبِ الْمُكَاشَفَاتِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالْأَنْوَارِ الرَّبَّانِيَّةِ، حَتَّى إِذَا اتَّصَلَ بِهَا وَانْخَرَطَ فِي سِلْكِهَا صَارَ الطَّلَبُ أَقْوَى وَالِاسْتِعْدَادُ أَتَمَّ، فَحِينَئِذٍ يَفُوزُ فِي تِلْكَ الْجَمْعِيَّةِ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْفَوْزِ بِهِ حَالَ الْوَحْدَةِ، فَلِهَذَا قَالَ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الِاتِّصَالَ بِالْأَرْوَاحِ الْمُطَهَّرَةِ يُوجِبُ مَزِيدَ الْقُوَّةِ وَالِاسْتِعْدَادِ، بَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ/ الِاتِّصَالَ بِالْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ يُوجِبُ الْخَيْبَةَ وَالْخُسْرَانَ وَالْخِذْلَانَ وَالْحِرْمَانَ، فَلِهَذَا قَالَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَهُمُ الْفُسَّاقُ وَلَا الضَّالِّينَ وَهُمُ الْكُفَّارُ. وَلَمَّا تَمَّتْ هَذِهِ الدَّرَجَاتُ الثَّلَاثُ وَكَمُلَتْ هَذِهِ الْمَقَامَاتُ الثَّلَاثَةُ- أَعْنِي الشَّرِيعَةَ الْمَدْلُولَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَالطَّرِيقَةَ الْمَدْلُولَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وَالْحَقِيقَةَ الْمَدْلُولَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ- ثُمَّ لَمَّا حَصَلَ الِاسْتِسْعَادُ بِالِاتِّصَالِ بِأَرْبَابِ الصَّفَاءِ وَالِاسْتِكْمَالِ بِسَبَبِ الْمُبَاعَدَةِ عَنْ أَرْبَابِ الْجَفَاءِ وَالشَّقَاءِ، فَعِنْدَ هَذَا كَمُلَتِ الْمَعَارِجُ الْبَشَرِيَّةُ وَالْكَمَالَاتُ الْإِنْسَانِيَّةُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي تَقْرِيرِ مُشَرِّعٍ آخَرَ مِنْ لَطَائِفِ هَذِهِ السُّورَةِ، اعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ مُحْتَاجًا إِلَى جَرِّ الْخَيْرَاتِ وَاللَّذَّاتِ، وَدَفْعِ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُخَافَاتِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْعَالَمَ عَالَمُ الْأَسْبَابِ فَلَا يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ الْخَيْرَاتِ وَاللَّذَّاتِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ أَسْبَابٍ مُعِينَةٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ الْآفَاتِ وَالْمُخَافَاتِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ أَسْبَابٍ مُعِينَةٍ، وَلَمَّا كَانَ جَلْبُ النَّفْعِ وَدَفْعُ الضَّرَرِ محبوباً بالذات، وكان استقراء أحوال هذا العالم يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الْخَيْرِ وَلَا دَفْعُ الشَّرِّ إِلَّا بِتِلْكَ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ، ثُمَّ تَقَرَّرَ فِي الْعُقُولِ أَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى الْمَحْبُوبِ إِلَّا بِوَاسِطَتِهِ فَهُوَ مَحْبُوبٌ- صَارَ هَذَا الْمَعْنَى سَبَبًا لِوُقُوعِ الْحُبِّ الشَّدِيدِ لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ، وَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَاللَّذَّاتِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ خِدْمَةِ الْأَمِيرِ وَالْوَزِيرِ وَالْأَعْوَانِ وَالْأَنْصَارِ بَقِيَ الْإِنْسَانُ مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، شَدِيدَ الْحُبِّ لَهَا، عَظِيمَ الْمَيْلِ وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَدْ ثَبَتَ فِي الْعُلُومِ الْحِكْمِيَّةِ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَفْعَالِ سَبَبٌ لِحُدُوثِ الْمَلَكَاتِ الرَّاسِخَةِ وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّ حُبَّ التَّشَبُّهِ غَالِبٌ عَلَى طِبَاعِ الْخَلْقِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَكُلُّ مَنْ وَاظَبَ عَلَى صِنَاعَةٍ مِنَ الصَّنَائِعِ وَحِرْفَةٍ مِنَ الْحِرَفِ مُدَّةً مَدِيدَةً صَارَتْ تِلْكَ الْحِرْفَةُ وَالصِّنَاعَةُ مَلَكَةً رَاسِخَةً قَوِيَّةً وَكُلَّمَا كَانَتِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ كَانَتِ الْمَلَكَةُ أَقْوَى وَأَرْسَخَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا جَالَسَ الْفُسَّاقَ مَالَ طَبْعُهُ إِلَى الْفِسْقِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ الْمُحَاكَاةِ وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ اسْتِقْرَاءَ حَالِ الدُّنْيَا يُوجِبُ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي بِهَا يُمْكِنُ التَّوَسُّلُ إِلَى جَرِّ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَتْ مُوَاظَبَةُ الْإِنْسَانِ عَلَيْهَا أَكْثَرَ كَانَ اسْتِحْكَامُ هَذَا الْمَيْلِ وَالطَّلَبِ فِي قَلْبِهِ أَقْوَى وَأَثْبَتَ، وَأَيْضًا فَأَكْثَرُ أَهْلِ الدُّنْيَا مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُوَاظِبُونَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ. وَبَيَّنَّا أَنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ الْمُحَاكَاةِ وَذَلِكَ أَيْضًا يُوجِبُ اسْتِحْكَامَ هَذِهِ الْحَالَةِ. فَقَدْ ظَهَرَ بِالْبَيِّنَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَنَّ الْأَسْبَابَ/ الْمُوجِبَةَ لِحُبِّ الدُّنْيَا وَالْمُرَغِّبَةَ فِي التَّعَلُّقِ بِأَسْبَابِهَا كَثِيرَةٌ قَوِيَّةٌ شَدِيدَةٌ جِدًّا ثُمَّ نَقُولُ: إِنَّهُ إِذَا اتَّفَقَ لِلْإِنْسَانِ هِدَايَةٌ إِلَهِيَّةٌ تَهْدِيهِ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ وَقَعَ في
قَلْبِهِ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِي هَذِهِ الْأَسْبَابِ تَأَمُّلًا شَافِيًا وَافِيًا فَيَقُولُ: هَذَا الْأَمِيرُ الْمُسْتَوْلِي عَلَى هَذَا الْعَالَمِ اسْتَوْلَى عَلَى الدُّنْيَا بِفَرْطِ قُوَّتِهِ وَكَمَالِ حِكْمَتِهِ أَمْ لَا؟ الْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْأَمِيرَ رُبَّمَا كَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ عَجْزًا، وَأَقَلَّهُمْ عَقْلًا، فَعِنْدَ هَذَا، يَظْهَرُ لَهُ أَنَّ تِلْكَ الْإِمَارَةَ وَالرِّيَاسَةَ مَا حَصَلَتْ لَهُ بِقُوَّتِهِ، وَمَا هُيِّئَتْ لَهُ بِسَبَبِ حِكْمَتِهِ، وَإِنَّمَا حَصَلَتْ تِلْكَ الْإِمَارَةُ وَالرِّيَاسَةُ لِأَجْلِ قِسْمَةِ قَسَّامٍ وَقَضَاءِ حَكِيمٍ عَلَّامٍ لَا دَافِعَ لِحُكْمِهِ وَلَا مَرَدَّ لِقَضَائِهِ، ثُمَّ يَنْضَمُّ إِلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الِاعْتِبَارِ أَنْوَاعٌ أُخْرَى مِنَ الِاعْتِبَارَاتِ تُعَاضِدُهَا وَتُقَوِّيهَا، فَعِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الْمُكَاشَفَةِ يَنْقَطِعُ قَلْبُهُ عَنِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْهَا إِلَى الرُّجُوعِ فِي كُلِّ الْمُهِمَّاتِ وَالْمَطْلُوبَاتِ إِلَى مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ وَمُفَتِّحِ الْأَبْوَابِ، ثُمَّ إِذَا تَوَالَتْ هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتُ وَتَوَاتَرَتْ هَذِهِ الْمُكَاشَفَاتُ صَارَ الْإِنْسَانُ بِحَيْثُ كَلَّمَا وَصَلَ إِلَيْهِ نَفْعٌ وَخَيْرٌ قَالَ هُوَ النَّافِعُ وَكُلَّمَا وَصَلَ إِلَيْهِ شَرٌّ وَمَكْرُوهٌ قَالَ: هُوَ الضَّارُّ، وَعِنْدَ هَذَا لَا يَحْمَدُ أَحَدًا عَلَى فِعْلٍ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يَتَوَجَّهُ قَلْبُهُ فِي طَلَبِ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، فَيَصِيرُ الْحَمْدُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَالثَّنَاءُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَعِنْدَ هَذَا يَقُولُ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ الْمَذْكُورَ يَدُلُّ الْعَبْدَ عَلَى أَنَّ أَحْوَالَ هَذَا الْعَالَمِ لَا تَنْتَظِمُ إِلَّا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، ثُمَّ يَتَرَقَّى مِنَ الْعَالَمِ الصَّغِيرِ إِلَى الْعَالَمِ الْكَبِيرِ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَنْتَظِمُ حَالَةٌ مِنْ أَحْوَالِ الْعَالَمِ الْأَكْبَرِ إِلَّا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَذَلِكَ هُوَ قَوْلُهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ ثُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ يَتَأَمَّلُ فِي أَحْوَالِ الْعَالَمِ الْأَعْلَى فَيُشَاهِدُ أَنَّ أَحْوَالَ الْعَالَمِينَ مَنْظُومَةٌ عَلَى الْوَصْفِ الْأَتْقَنِ وَالتَّرْتِيبِ الْأَقْوَمِ وَالْكَمَالِ الْأَعْلَى وَالْمَنْهَجِ الْأَسْنَى فَيَرَى الذَّرَّاتِ نَاطِقَةً بِالْإِقْرَارِ بِكَمَالِ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ لِلْعَبْدِ أَنَّ جَمِيعَ مَصَالِحِهِ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا تَهَيَّأَتْ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، ثُمَّ يَبْقَى الْعَبْدُ مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِسَبَبِ أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَكَأَنَّهُ يُقَالُ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ليس إلا الذي عرفته بأنه هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، فَحِينَئِذٍ يَنْشَرِحُ صَدْرُ الْعَبْدِ وَيَنْفَسِحُ قَلْبُهُ وَيَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَكَفِّلَ بِإِصْلَاحِ مُهِمَّاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَيْسَ إِلَّا اللَّهُ، وَحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ الْتِفَاتُهُ عَمَّا سِوَى اللَّهِ وَلَا يَبْقَى مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِغَيْرِ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ حِينَ كَانَ مُتَعَلِّقَ الْقَلْبِ بِالْأَمِيرِ وَالْوَزِيرِ كَانَ مَشْغُولًا بِخِدْمَتِهِمَا، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ تِلْكَ الْخِدْمَةِ كَانَ يَسْتَعِينُ فِي تَحْصِيلِ الْمُهِمَّاتِ بِهِمَا وَكَانَ يُطْلَبُ الْخَيْرُ مِنْهُمَا، فَعِنْدَ زَوَالِ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُشْتَغِلًا بِخِدْمَةِ الْأَمِيرِ وَالْوَزِيرِ فَلِأَنْ يَشْتَغِلَ بِخِدْمَةِ الْمَعْبُودِ كَانَ أَوْلَى، فَعِنْدَ هَذَا يَقُولُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَالْمَعْنَى إِنِّي كُنْتُ قبل هذا/ أعبد غيرك، وأما الآن فلا أعبد أحداً سواك، ولما كان يستعين في تحصيل المهمات بالأمير والوزير فلأن يستعين بالمعبود الحق في تحصيل المرادات كان أولى، فيقول: وإياك نستعين وَالْمَعْنَى: إِنِّي كُنْتُ قَبْلَ هَذَا أَسْتَعِينُ بِغَيْرِكَ وَأَمَّا الْآنَ فَلَا أَسْتَعِينُ بِأَحَدٍ سِوَاكَ، وَلَمَّا كَانَ يَطْلُبُ الْمَالَ وَالْجَاهَ اللَّذَيْنِ هُمَا عَلَى شَفَا حُفْرَةِ الِانْقِرَاضِ وَالِانْقِضَاءِ مِنَ الْأَمِيرِ وَالْوَزِيرِ فَلِأَنْ يَطْلُبَ الْهِدَايَةَ وَالْمَعْرِفَةَ مِنْ رَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَوْلَى، فَيَقُولُ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا فَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَلَا يَسْتَعِينُونَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا يَطْلُبُونَ الْأَغْرَاضَ وَالْمَقَاصِدَ إِلَّا مِنَ الله، والفرقة الثانية، الذين يخدمون الخلق ويستعينوا بِهِمْ وَيَطْلُبُونَ الْخَيْرَ مِنْهُمْ، فَلَا جَرَمَ الْعَبْدُ يَقُولُ: إِلَهِي اجْعَلْنِي فِي زُمْرَةِ الْفِرْقَةِ الْأُولَى، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْأَنْوَارِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْجَلَايَا النُّورَانِيَّةِ، وَلَا تَجْعَلْنِي فِي زُمْرَةِ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ وَهُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ وَالضَّالُّونَ، فَإِنَّ مُتَابَعَةَ هَذِهِ الْفِرْقَةِ لَا تُفِيدُ إِلَّا الْخَسَارَ وَالْهَلَاكَ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الباب الرابع في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه السورة
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ هذه السورة فقه الفاتحة: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَجْمَعَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْأَصَمِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهَا لَا تَجِبُ. لَنَا أَنَّ كُلَّ دَلِيلٍ نَذْكُرُهُ فِي بَيَانِ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْقِرَاءَةِ واجب وتزيد هَاهُنَا وُجُوهًا: - الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الْإِسْرَاءِ: 78] وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ الْقِرَاءَةُ، وَالتَّقْدِيرُ: أَقِمْ قِرَاءَةَ الْفَجْرِ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ. الثَّانِي: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَفِي الصَّلَاةِ قِرَاءَةٌ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ السَّائِلُ: وَجَبَتْ، فَأَقَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ الرَّجُلَ عَلَى قَوْلِهِ وَجَبَتْ. الثَّالِثُ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَتَكُونُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، وَهَذَانَ الْخَبَرَانِ نَقَلْتُهُمَا مِنْ «تَعْلِيقِ الشيخ أبي حامد الإسفرايني» . حُجَّةُ الْأَصَمِّ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، جَعَلَ الصَّلَاةَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَرْئِيَّةِ، وَالْقِرَاءَةُ لَيْسَتْ بِمَرْئِيَّةٍ، فَوَجَبَ كَوْنُهَا خَارِجَةً عَنِ الصَّلَاةِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ إِذَا كَانَتْ مُتَعَدِّيَةً إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَانَتْ بِمَعْنَى الْعِلْمِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا حَرْفًا وَاحِدًا وَهُوَ يُحْسِنُهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ. لَنَا وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاظَبَ طُولَ عُمْرِهِ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا ذلك، لقوله تعالى: وَاتَّبِعُوهُ وَلِقَوْلِهِ: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النُّورِ: 63] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آلِ عِمْرَانَ: 31] وَيَا لَلْعَجَبِ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تَمَسَّكَ فِي وُجُوبِ مَسْحِ النَّاصِيَةِ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ، فِي أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَسَحَ عَلَى النَّاصِيَةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنَ الْمَسْحِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَهَاهُنَا نَقَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاظَبَ طُولَ عُمْرِهِ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ غَيْرُ مَوْقُوفَةٍ عَلَيْهَا، وَهَذَا مِنَ الْعَجَائِبِ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ: وَالصَّلَاةُ لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ مُحَلَّاةٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهَا الْمَعْهُودَ السَّابِقَ، وَلَيْسَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مَعْهُودٌ سَابِقٌ مِنْ لَفْظِ الصَّلَاةِ إِلَّا الْأَعْمَالُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي بِهَا: وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ قَوْلُهُ: «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ» جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِهِ: «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ يَأْتِي بِهَا
الرَّسُولُ، وَالَّتِي أَتَى بِهَا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هِيَ الصَّلَاةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْفَاتِحَةِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَقِيمُوا الصَّلاةَ أَمْرًا بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَكَرَّرَتْ فِي الْقُرْآنِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا قَاطِعًا عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَاظَبُوا عَلَى قِرَاءَتِهَا طُولَ عُمْرِهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا رُوِيَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الراشدين من بَعْدِي» ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» ، وَالْعَجَبُ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَمَسَّكَ فِي مَسْأَلَةِ/ طَلَاقِ الْفَارِّ بِأَثَرِ عُثْمَانَ مَعَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَا يُخَالِفَانِهِ وَنَصُّ الْقُرْآنِ أَيْضًا يُوجِبُ عَدَمَ الْإِرْثِ، فَلِمَ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِعَمَلِ كُلِّ الصَّحَابَةِ عَلَى سَبِيلِ الْإِطْبَاقِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مَعَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ عَلَى وَفْقِ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ وَالْمَعْقُولِ؟. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْأُمَّةَ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي أَنَّهُ هَلْ تَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ أَمْ لَا لَكِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فِي الْعَمَلِ، فَإِنَّكَ لَا تَرَى أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَّا وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ مَنْ صَلَّى وَلَمْ يَقْرَأِ الْفَاتِحَةَ كَانَ تَارِكًا سَبِيلَ المؤمنين فيدخل تحت قوله: وَمَنْ ... يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [النِّسَاءِ: 115] فَإِنْ قَالُوا إِنَّ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ لَا يَجِبُ قِرَاءَتُهَا قَرَءُوهَا لَا عَلَى اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ، بَلْ عَلَى اعْتِقَادِ النَّدْبِيَّةِ فَلَمْ يَحْصُلِ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَتِهَا، فَنَقُولُ: أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ غَيْرُ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا إِطْبَاقَ الْكُلِّ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالْقِرَاءَةِ، فَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالْقِرَاءَةِ كَانَ تَارِكًا طَرِيقَةَ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذَا الْعَمَلِ، فَدَخَلَ تَحْتَ الْوَعِيدِ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِينَا فِي الدَّلِيلِ، وَلَا حَاجَةَ بِنَا فِي تَقْرِيرِ هَذَا الدَّلِيلِ إِلَى ادِّعَاءِ الْإِجْمَاعِ فِي اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ بِكَوْنِهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ نِصْفَيْنِ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ هَذَا التَّنْصِيفَ لَمْ يَحْصُلْ إِلَّا بِسَبَبِ آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَنَقُولُ: الصَّلَاةُ لَا تَنْفَكُّ عَنْ هَذَا التَّنْصِيفِ، وَهَذَا التَّنْصِيفُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِسَبَبِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَلَازِمُ اللَّازِمِ لَازِمٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ لَوَازِمِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا اللُّزُومُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا قُلْنَا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ. الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، قَالُوا: حَرْفُ النَّفْيِ دَخَلَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ صَرْفِهِ إِلَى حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ صَرْفُهُ إِلَى الصِّحَّةِ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إِلَى الْكَمَالِ، وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَالنَّفْيُ مَا دَخَلَ عَلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا دَخَلَ عَلَى حُصُولِهَا لِلرَّجُلِ، وَحُصُولُهَا لِلرَّجُلِ عِبَارَةٌ عَنِ انْتِفَاعِهِ بها، وخروجه عن عهدة للتكليف بِسَبَبِهَا، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ إِجْرَاءُ النَّفْيِ عَلَى ظَاهِرِهِ، الثَّانِي: مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ فَعِنْدَ عَدَمِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لَا تُوجَدُ مَاهِيَّةُ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ يَمْتَنِعُ حُصُولُهَا حَالَ عَدَمِ بَعْضِ أَجْزَائِهَا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا/ فَقَوْلُهُمْ إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِدْخَالُ حَرْفِ
النَّفْيِ عَلَى مُسَمَّى الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْفَاتِحَةَ لَيْسَتْ جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ، وَهَذَا هُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ عَلَى قَوْلِنَا يُمْكِنُ إِجْرَاءُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ. الثَّالِثُ: هَبْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِجْرَاءُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ وَحَصَلَ لِلْحَقِيقَةِ مَجَازَانِ: أَحَدُهُمَا: أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ. وَالثَّانِي: أَبْعَدُ فَإِنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَجَازِ الْأَقْرَبِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ الْمَعْدُومِ وَبَيْنَ الْمَوْجُودِ الَّذِي لَا يَكُونُ صَحِيحًا أَتَمُّ مِنَ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ الْمَعْدُومِ وَبَيْنَ الْمَوْجُودِ الَّذِي يَكُونُ صَحِيحًا لَكِنَّهُ لَا يَكُونُ كَامِلًا، فَكَانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ أَوْلَى. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ أَوْلَى لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَصْلَ إِبْقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَالثَّانِي: أَنَّ جَانِبَ الْحُرْمَةِ رَاجِحٌ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا أَحْوَطُ. الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ صَلَاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَامٍ، قَالُوا: الْخِدَاجُ هُوَ النُّقْصَانُ، وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، قُلْنَا: بَلْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِالصَّلَاةِ قَائِمٌ، وَالْأَصْلُ فِي الثَّابِتِ الْبَقَاءُ، خَالَفْنَا هَذَا الْأَصْلَ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِالصَّلَاةِ عَلَى صِفَةِ الْكَمَالِ، فَعِنْدَ الْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى سَبِيلِ النُّقْصَانِ وَجَبَ أَنْ لَا نَخْرُجَ عَنِ الْعُهْدَةِ، وَالَّذِي يُقَوِّي هَذَا أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِحُّ الصَّوْمُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ إِلَّا أَنَّهُ لَوْ صَامَ يَوْمَ الْعِيدِ قَضَاءً عَنْ رَمَضَانَ لَمْ يَصِحَّ، قَالَ: لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ هُوَ الصَّوْمُ الْكَامِلُ، وَالصَّوْمُ فِي هَذَا الْيَوْمِ نَاقِصٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُفِيدَ هَذَا الْقَضَاءُ الْخُرُوجَ عَنِ الْعُهْدَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. الْحُجَّةُ الثَّامِنَةُ: نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي «تَعْلِيقِهِ» عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» . وَالْحُجَّةُ التَّاسِعَةُ: رَوَى رِفَاعَةُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَذَكَرَ الْخَبَرَ إِلَى أَنْ قَالَ الرَّجُلُ: عَلِّمْنِي الصلاة يا رسول الله، فقال عيله الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِذَا تَوَجَّهْتَ إِلَى الْقِبْلَةِ فَكَبِّرْ، وَاقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ، وَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَأَيْضًا الرَّجُلُ قَالَ: عَلِّمْنِي الصَّلَاةَ، فَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ. الْحُجَّةُ الْعَاشِرَةُ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِسُورَةٍ لَيْسَ فِي/ التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ مِثْلُهَا» ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَا تَقْرَءُونَ فِي صَلَاتِكُمْ؟» قَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ: «هِيَ هِيَ» ، وَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا قَالَ: مَا تَقْرَءُونَ فِي صَلَاتِكُمْ فَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ إِلَّا بِهَذِهِ السُّورَةِ، فَكَانَ هَذَا إِجْمَاعًا مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ. الْحُجَّةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [الْمُزَّمِّلِ: 20] وَجْهُ الدَّلِيلِ أن قوله «فاقرؤا» أَمْرٌ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قِرَاءَةَ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وَاجِبَةٌ، فَنَقُولُ: الْمُرَادُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْفَاتِحَةَ أَوْ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ، أَوِ الْمُرَادُ التخيير بين الفاتحة وبين غيرها والأول: يقتضي أَنْ تَكُونَ الْفَاتِحَةُ بِعَيْنِهَا وَاجِبَةً، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَالثَّانِي: يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ قِرَاءَةُ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةً عَلَيْنَا، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالثَّالِثُ: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ مُخَيَّرًا بَيْنَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَبَيْنَ قِرَاءَةِ غَيْرِهَا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ أَوْلَى مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِهَا، وَسَلَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الصَّلَاةَ بِدُونِ قِرَاءَةِ
الْفَاتِحَةِ خِدَاجٌ نَاقِصٌ، وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ النَّاقِصِ وَالْكَامِلِ لَا يَجُوزُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا سَمَّى قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ قِرَاءَةً لِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَحْفُوظَةٌ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهِيَ مُتَيَسِّرَةٌ لِلْكُلِّ، وَأَمَّا سَائِرُ السُّوَرِ فَقَدْ تَكُونُ مَحْفُوظَةً وَقَدْ لَا تَكُونُ، وَحِينَئِذٍ لَا تَكُونُ مُتَيَسِّرَةً لِلْكُلِّ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ كَانَ ثَابِتًا، وَالْأَصْلُ فِي الثَّابِتِ الْبَقَاءُ، خَالَفْنَا هَذَا الْأَصْلَ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِهَا لِلصَّلَاةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ قِرَاءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ أَكْمَلُ مِنَ الصَّلَاةِ الْخَالِيَةِ عَنْ قِرَاءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَعِنْدَ عَدَمِ قِرَاءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ تُوجِبُ الْخُرُوجَ عَنِ الْعُهْدَةِ بِالْيَقِينِ، فَكَانَتْ أَحْوَطُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا لِلنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» ، وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّهُ يُفِيدُ دَفْعَ ضَرَرِ الْخَوْفِ عَنِ النَّفْسِ، وَدَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ وَاجِبٌ، فَإِنْ قَالُوا: فَلَوِ اعْتَقَدْنَا الْوُجُوبَ لَاحْتُمِلَ كَوْنُنَا مُخْطِئِينَ فِيهِ، فَيَبْقَى الْخَوْفُ، قُلْتُ: اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ يُورِثُ الْخَوْفَ الْمُحْتَمَلَ، وَاعْتِقَادُ عَدَمِ الْوُجُوبِ يُورِثُهُ أَيْضًا فَيَتَقَابَلُ هَذَانِ الضَّرَرَانِ، وَأَمَّا فِي الْعَمَلِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ لَا تُوجِبُ الْخَوْفَ، أَمَّا تَرْكُهُ فَيُفِيدُ/ الْخَوْفَ، فَثَبَتَ أَنَّ الْأَحْوَطَ هُوَ الْعَمَلُ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ الْفَاتِحَةِ جَائِزَةً وَكَانَتِ الصَّلَاةُ بِالْفَاتِحَةِ جَائِزَةً لَمَا كَانَتِ الصَّلَاةُ بِالْفَاتِحَةِ أَوْلَى، لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ تُوجِبُ هُجْرَانَ سَائِرِ السُّوَرِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، لَكِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ بِهَذِهِ السُّورَةِ أَوْلَى، فَثَبَتَ أَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرُ جَائِزَةٍ. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِغَيْرِهِمَا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ إِبْدَالُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بِغَيْرِهَا، وَالْجَامِعُ رِعَايَةُ الِاحْتِيَاطِ. الْحُجَّةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الْأَصْلُ بَقَاءُ التَّكْلِيفِ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ بِدُونِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ تَقْتَضِي الْخُرُوجَ عَنِ الْعُهْدَةِ، إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ بِالنَّصِّ أَوِ الْقِيَاسِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَبَاطِلٌ، لِأَنَّ النَّصَّ الَّذِي يَتَمَسَّكُونَ بِهِ هُوَ قَوْلُهُ تعالى: فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [الْمُزَّمِّلِ: 20] وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ دَلِيلُنَا، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَبَاطِلٌ، لِأَنَّ التَّعَبُّدَاتِ غَالِبَةٌ عَلَى الصَّلَاةِ، وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ يَجِبُ تَرْكُ الْقِيَاسِ. الْحُجَّةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاظَبَ عَلَى الْقِرَاءَةِ طُولَ عُمْرِهِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ قِرَاءَةُ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ ابْتِدَاعًا وَتَرْكًا لِلِاتِّبَاعِ وَذَلِكَ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا» ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا» . الْحُجَّةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: الصَّلَاةُ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَبِدُونِ الْفَاتِحَةِ إِمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْفَضِيلَةِ أَوِ الصَّلَاةُ مَعَ الْفَاتِحَةِ أَفْضَلُ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاظَبَ عَلَى الصَّلَاةِ بِالْفَاتِحَةِ، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، فَنَقُولُ: الصَّلَاةُ بِدُونِ الْفَاتِحَةِ تُوجِبُ فَوَاتَ الْفَضِيلَةِ الزَّائِدَةِ مِنْ غَيْرِ جَابِرٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَبِيحٌ فِي الْعُرْفِ فَيَكُونُ قَبِيحًا فِي الشَّرْعِ.
وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ أَمَّا الْقُرْآنُ فقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: 20] وَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَا رَوَى أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَخْرُجَ، وَأُنَادِيَ: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ، وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ أَقْوَى الدَّلَائِلِ عَلَى قَوْلِنَا، وذلك لأن قوله: فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ أَمْرٌ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قِرَاءَةَ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وَاجِبَةٌ فَنَقُولُ: الْمُرَادُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْفَاتِحَةَ، أَوْ غير الفاتحة أو المراد التخيير بين الفاتحة وَبَيْنَ غَيْرِهَا، وَالْأَوَّلُ: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْفَاتِحَةُ بِعَيْنِهَا وَاجِبَةً، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَالثَّانِي: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قِرَاءَةُ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةً بِعَيْنِهَا، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ/ وَالثَّالِثُ: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ مُخَيَّرًا بَيْنَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَبَيْنَ قِرَاءَةِ غَيْرِهَا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ أَوْلَى مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِهَا، وَسَلَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الصَّلَاةَ بِدُونِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ خِدَاجٌ نَاقِصٌ وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ النَّاقِصِ وَالْكَامِلِ لَا يَجُوزُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا سَمَّى قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ قِرَاءَةً لِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَحْفُوظَةٌ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَهِيَ مُتَيَسِّرَةٌ لِلْكُلِّ، وَأَمَّا سَائِرُ السُّوَرِ فَقَدْ تَكُونُ مَحْفُوظَةً وَقَدْ لَا تَكُونُ، وَحِينَئِذٍ لَا تَكُونُ مُتَيَسِّرَةً لِلْكُلِّ. وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَخْرُجَ وَأُنَادِيَ: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَأَيْضًا لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ هُوَ أَنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ لَكَفَى؟ وَإِذَا ثَبَتَ التَّعَارُضُ فَالتَّرْجِيحُ مَعَنَا، لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَلِأَنَّهُ أَفْضَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَمَّا كَانَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لَا جَرَمَ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا قَرَأَ آيَةً وَاحِدَةً كَفَتْ، مثل قوله: ألم، وحم والطور، ومدهامتان، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٍ وَاحِدَةٍ طَوِيلَةٍ مِثْلَ آيَةِ الدَّيْنِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ، وَتَجِبُ قِرَاءَتُهَا مَعَ الْفَاتِحَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ، وَلَا يَقْرَأُ لَا سِرًّا، وَلَا جَهْرًا إِلَّا فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَقْرَؤُهَا وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَيُسِرُّ بِهَا، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهَا آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ أَمْ لَا، قَالَ يَعْلَى: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ: مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ قُرْآنٌ، قَالَ: قُلْتُ: فَلِمَ تُسِرُّهُ؟ قَالَ: فَلَمْ يُجِبْنِي، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ لَا أَعْرِفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِعَيْنِهَا لِمُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا، إِلَّا أَنَّ أَمْرَهُمْ بِإِخْفَائِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ السُّورَةِ، وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: تَوَرَّعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَنِ الْوُقُوعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الْخَوْضَ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ لَيْسَتْ مِنْهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَالْأَوْلَى السُّكُوتُ عَنْهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ: إِحْدَاهَا: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هَلْ هِيَ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ حَتَّى يَجُوزَ الِاسْتِدْلَالُ فِيهَا بِالظَّوَاهِرِ وَأَخْبَارِ الْآحَادِ، أَوْ لَيْسَتْ مِنَ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ بَلْ هِيَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ. وَثَانِيَتُهَا: أَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنَّهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ فَمَا الْحَقُّ فيها؟.
وَثَالِثَتُهَا: الْكَلَامُ فِي أَنَّهَا تُقْرَأُ بِالْإِعْلَانِ أَوْ بِالْإِسْرَارِ، فَلْنَتَكَلَّمْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي تَقْرِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ، وَزَعَمَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَنَّهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ، قَالَ: وَالْخَطَأُ فِيهَا إِنْ لَمْ يَبْلُغْ إِلَى حَدِّ التَّكْفِيرِ فَلَا أَقَلَّ مِنَ التَّفْسِيقِ، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَوْ كَانَتْ مِنَ الْقُرْآنِ لَكَانَ طَرِيقُ إِثْبَاتِهِ إِمَّا التَّوَاتُرُ أَوِ الْآحَادُ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ كَوْنُ التَّسْمِيَةِ مِنَ الْقُرْآنِ لَحَصَلَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَامْتَنَعَ وُقُوعُ الْخِلَافِ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ. وَالثَّانِي: أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، فَلَوْ جَعَلْنَاهُ طَرِيقًا إِلَى إِثْبَاتِ الْقُرْآنِ لَخَرَجَ الْقُرْآنُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً يَقِينِيَّةً وَلَصَارَ ذَلِكَ ظَنِّيًّا، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ ادِّعَاءُ الرَّوَافِضِ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ دَخَلَهُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ وَالتَّغْيِيرُ وَالتَّحْرِيفُ، وَذَلِكَ يُبْطِلُ الْإِسْلَامَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ الْغَزَالِيَّ عَارَضَ الْقَاضِيَ فَقَالَ: نَفْيُ كَوْنِ التَّسْمِيَةِ مِنَ الْقُرْآنِ إِنْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ لَزِمَ أَنْ لَا يَبْقَى الْخِلَافُ، وَإِنْ ثَبَتَ بِالْآحَادِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الْقُرْآنُ ظَنِّيًّا، ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ سُؤَالًا وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: «لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ عُدِمَ» فَلَا حَاجَةَ فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْعَدَمِ إِلَى النَّقْلِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْعَدَمُ، وَأَمَّا قَوْلُنَا: (إِنَّهُ قُرْآنٌ) فَهُوَ ثُبُوتٌ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النَّقْلِ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: هَذَا وَإِنْ كَانَ عَدَمًا إِلَّا أَنَّ كَوْنَ التَّسْمِيَةِ مَكْتُوبَةً بِخَطِّ الْقُرْآنِ يُوهِمُ كَوْنَهَا مِنَ القرآن، فههنا لَا يُمْكِنُنَا الْحُكْمُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَحِينَئِذٍ يَعُودُ التَّقْسِيمُ الْمَذْكُورُ مِنْ أَنَّ الطَّرِيقَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا، فَثَبَتَ أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْقَاضِي لَازِمٌ عَلَيْهِ، فَهَذَا آخِرُ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ. وَالَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَنَّ النَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ ثَابِتٌ بِأَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَلَامٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِأَنَّهُ مُثْبَتٌ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ وَعِنْدَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِنَا إِنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ فَائِدَةٌ إِلَّا أَنَّهُ حَصَلَ فِيهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ هِيَ مِنْ خَوَاصِّ الْقُرْآنِ مِثْلَ أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا، وَهَلْ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَتُهَا أَمْ لَا وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّهَا أَمْ لَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ اجْتِهَادِيَّةٌ، فَلَمَّا رَجَعَ حَاصِلُ قَوْلِنَا إِنَّ التَّسْمِيَةَ هَلْ هِيَ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَعَدَمِهَا، وَثَبَتَ أَنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَعَدَمَهَا أُمُورٌ اجْتِهَادِيَّةٌ ظَهَرَ أَنَّ الْبَحْثَ اجْتِهَادِيٌّ لَا قَطْعِيٌّ، وَسَقَطَ تَهْوِيلُ الْقَاضِي. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي بَيَانِ أَنَّ التَّسْمِيَةَ هَلْ هِيَ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ، قَالَ قُرَّاءُ/ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَقَالَ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ إِنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَالثَّوْرِيِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْحُجَّةُ الْأُولَى: رَوَى الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَعَدَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةً، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ آيَةً، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةً، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ آيَةً، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ آيَةً، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ آيَةً، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غير المغضوب عليهم ولا الظالمين آيَةً، وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: رَوَى سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ سَبْعُ آيَاتٍ أُولَاهُنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: رَوَى الثَّعْلَبِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِآيَةٍ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ غَيْرِي، فَقُلْتُ بَلَى، فَقَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَفْتَتِحُ الْقُرْآنَ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ؟ قُلْتُ: بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ: هِيَ هِيَ، فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: رَوَى الثَّعْلَبِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ السُّورَةَ فِي الصَّلَاةِ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ تَرَكَ قِرَاءَتَهَا فَقَدْ نَقَصَ. وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الْحِجْرِ: 87] قَالَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: فَأَيْنَ السَّابِعَةُ؟ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا قَرَأْتُمْ أُمَّ الْقُرْآنِ فَلَا تَدَعُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهَا إِحْدَى آيَاتِهَا. وَبِإِسْنَادِهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَجَّدَنِي/ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ اللَّهُ فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» . وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَتَعَوَّذَ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَجُلُ، قَطَعْتَ عَلَى نَفْسِكَ الصَّلَاةَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنَ الْحَمْدِ، مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ تَرَكَ آيَةً مِنْهَا، وَمَنْ تَرَكَ آيَةً مِنْهَا فَقَدْ قَطَعَ صَلَاتَهُ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَمَنْ تَرَكَ آيَةً مِنْهَا فَقَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «من تَرَكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَدْ تَرَكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ» . وَاعْلَمْ أَنِّي نَقَلْتُ جُمْلَةَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: قِرَاءَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَاجِبَةٌ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ آيَةً مِنْهَا، بَيَانُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [الْعَلَقِ: 1] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْبَاءُ صِلَةٌ زَائِدَةٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ حَرْفٍ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فَائِدَةٌ، وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحَرْفُ مُفِيدًا كَانَ التَّقْدِيرُ اقْرَأْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبِّكَ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْوُجُوبُ فِي غَيْرِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَوَجَبَ إِثْبَاتُهُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ صَوْنًا لِلنَّصِّ عَنِ التَّعْطِيلِ.
الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: التَّسْمِيَةُ مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَكْتُوبٍ بخط القرآن، ألا ترى أنهم يمنعوا مِنْ كِتَابَةِ أَسَامِي السُّوَرِ فِي الْمُصْحَفِ، وَمَنَعُوا مِنَ الْعَلَامَاتِ عَلَى الْأَعْشَارِ وَالْأَخْمَاسِ، وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَمْنَعُوا مِنْ أَنْ يَخْتَلِطَ بِالْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَلَوْ لَمْ تَكُنِ التَّسْمِيَةُ مِنَ الْقُرْآنِ لَمَا كَتَبُوهَا بِخَطِّ الْقُرْآنِ، ولما أجمعوا على كتبها بخط القرآن، ولما أجمعوا على كتبها بِخَطِّ الْقُرْآنِ عَلِمْنَا أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ. الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلَامُ اللَّهِ وَالتَّسْمِيَةُ مَوْجُودَةٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، فَوَجَبَ جَعْلُهَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا السَّبَبِ حَكَيْنَا أَنَّ يَعْلَى لَمَّا أَوْرَدَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بَقِيَ سَاكِتًا. وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيُّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ آيَةً مِنْ سُورَةِ/ الْفَاتِحَةِ، بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْ تَنْزِيلِهَا إِظْهَارُ الْفَصْلِ بَيْنَ السُّورِ، وَهَذَانَ الدَّلِيلَانِ لَا يُبْطِلَانِ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ. الْحُجَّةُ الثَّامِنَةُ: أَطْبَقَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ سَبْعُ آيَاتٍ إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَوْلُهُ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ آيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ لَيْسَ بِآيَةٍ مِنْهَا، لَكِنَّ قَوْلَهُ صراط الذين أنعمت عليهم آية، وقوله غير الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ آيَةٌ أُخْرَى وَسَنُبَيِّنُ فِي مَسْأَلَةٍ مُفْرَدَةٍ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مَرْجُوحٌ ضَعِيفٌ، فَحِينَئِذٍ يَبْقَى أَنَّ الْآيَاتِ لَا تَكُونُ سَبْعًا إِلَّا إِذَا اعْتَقَدْنَا أَنَّ قَوْلَهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مِنْهَا تَامَّةٌ. الْحُجَّةُ التَّاسِعَةُ: أَنْ نَقُولَ: قِرَاءَةُ التَّسْمِيَةِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ آيَةً مِنْهَا بَيَانُ الْأَوَّلِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُسَلِّمُ أَنَّ قِرَاءَتَهَا أَفْضَلُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَهَا فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا قِرَاءَتُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّبِعُوهُ وإذا ثبت وجوب قرأتها ثَبَتَ أَنَّهَا مِنَ السُّورَةِ لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. الْحُجَّةُ الْعَاشِرَةُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ أَجْذَمُ وَأَعْظَمُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ الصَّلَاةُ، فَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِيهَا بِدُونِ قِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّهِ يُوجِبُ كَوْنَ هَذِهِ الصَّلَاةِ بَتْرَاءَ، وَلَفْظُ الْأَبْتَرِ يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ النُّقْصَانِ وَالْخَلَلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لِلْكَافِرِ الَّذِي كَانَ عَدُوًّا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، [الْكَوْثَرِ: 3] فَلَزِمَ أَنْ يُقَالَ: الصَّلَاةُ الْخَالِيَةُ عَنْ قِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَكُونُ فِي غَايَةِ النُّقْصَانِ وَالْخَلَلِ وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الخلل النقصان قَالَ بِفَسَادِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَأَنَّهُ يَجِبُ قِرَاءَتُهَا. الْحُجَّةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «ما أعظم آية في كتاب الله تعالى؟» فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ. وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ آيَةٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ آيَةً تَامَّةً فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30] بَلْ هَذَا بَعْضُ آيَةٍ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ آيَةً تَامَّةً فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ قَالَ إِنَّهُ آيَةٌ تَامَّةٌ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدِمَ الْمَدِينَةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةً يَجْهَرُ فِيهَا فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ/ وَلَمْ يَقْرَأْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ نَادَاهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ أَنَسِيتَ؟ أَيْنَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ حِينَ اسْتَفْتَحْتَ الْقُرْآنَ؟ فَأَعَادَ مُعَاوِيَةُ الصَّلَاةَ وَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَمِنَ الْفَاتِحَةِ، وَعَلَى أَنَّ الْأَوْلَى الْجَهْرُ بِقِرَاءَتِهَا. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانُوا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي أَعْمَالِ الْخَيْرِ يَبْتَدِئُونَ بِذِكْرِ بِسْمِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَى رَسُولِنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْوُجُوبُ فِي حَقِّ الرَّسُولِ ثَبَتَ أَيْضًا فِي حَقِّنَا، وَإِذَا ثَبَتَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّنَا ثَبَتَ أَنَّهُ آيَةٌ مِنْ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: فَالدَّلِيلُ عَلَيْهَا أَنْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أَرَادَ رُكُوبَ السَّفِينَةِ قَالَ: ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هُودٍ: 41] وَأَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا كَتَبَ إِلَى بِلْقِيسَ كَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِنْ قَالُوا: أَلَيْسَ أَنَّ قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النَّمْلِ: 30] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدَّمَ اسْمَ نَفْسِهِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قُلْنَا: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّيْرَ أَتَى بِكِتَابِ سُلَيْمَانَ وَوَضَعَهُ عَلَى صَدْرِ بِلْقِيسَ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتٍ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ لِكَثْرَةِ مَنْ أَحَاطَ بِذَلِكَ الْبَيْتِ مِنَ الْعَسَاكِرِ وَالْحَفَظَةِ، فَعَلِمَتْ بِلْقِيسُ أَنَّ ذَلِكَ الطَّيْرَ هُوَ الَّذِي أَتَى بِذَلِكَ الْكِتَابِ، وَكَانَتْ قَدْ سَمِعَتْ بَاسِمِ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا أَخَذَتِ الْكِتَابَ قَالَتْ هِيَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهَا: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا فَتَحَتِ الْكِتَابَ رَأَتِ التَّسْمِيَةَ مَكْتُوبَةً فَقَالَتْ: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. فَثَبَتَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كُلَّمَا شَرَعُوا فِي عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ ابْتَدَءُوا بِذِكْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ هَذَا فِي حَقِّ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَى رَسُولِنَا ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الْأَنْعَامِ: 90] وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الرَّسُولِ وَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّبِعُوهُ وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ قِرَاءَتِهِ عَلَيْنَا ثَبَتَ أَنَّهُ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ، لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ تَعَالَى مُتَقَدِّمٌ بِالْوُجُودِ عَلَى وُجُودِ سَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدِيمٌ وَخَالِقٌ وَغَيْرُهُ مُحْدَثٌ وَمَخْلُوقٌ، وَالْقَدِيمُ الْخَالِقُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَى الْمُحْدَثِ الْمَخْلُوقِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى سَابِقٌ عَلَى غَيْرِهِ وَجَبَ بِحُكْمِ الْمُنَاسَبَةِ الْعَقْلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ سَابِقًا عَلَى ذِكْرِ غَيْرِهِ، وَهَذَا السَّبْقُ فِي الذِّكْرِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا كَانَ قِرَاءَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَابِقَةً عَلَى سَائِرِ الْأَذْكَارِ وَالْقِرَاءَاتِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ هَذَا التَّقَدُّمِ حَسَنٌ فِي/ الْعُقُولِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْقِرَاءَةِ ثَبَتَ أَيْضًا أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ، لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ النَّمْلِ ثُمَّ إِنَّا نَرَاهُ مُكَرَّرًا بِخَطِّ الْقُرْآنِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقُرْآنِ كَمَا أَنَّا لَمَّا رَأَيْنَا قَوْلَهُ تَعَالَى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرَّحْمَنِ: 13] وقوله تعالى: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الْمُرْسَلَاتِ: 15] مُكَرَّرًا فِي الْقُرْآنِ بِخَطٍّ وَاحِدٍ وَصُورَةٍ وَاحِدَةٍ، قُلْنَا: إِنَّ الْكُلَّ مِنَ الْقُرْآنِ. الْحُجَّةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: رُوِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْتُبُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى رَسْمِ قُرَيْشٍ «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ» حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هُودٍ: 41] فَكَتَبَ «بِسْمِ اللَّهِ» فَنَزَلَ قَوْلُهُ: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الْإِسْرَاءِ: 110] فَكَتَبَ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ» فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النَّمْلِ: 30] كَتَبَ مِثْلَهَا، وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ أَجْزَاءَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ كُلِّهَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَمَجْمُوعُهَا
مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ إِنَّهُ ثَبَتَ فِي الْقُرْآنِ فَوَجَبَ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ، إِذْ لَوْ جَازَ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْقُرْآنِ مَعَ هَذِهِ الْمُوجِبَاتِ الْكَثِيرَةِ وَمَعَ الشُّهْرَةِ لَجَازَ إِخْرَاجُ سَائِرِ الْآيَاتِ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي الْقُرْآنِ. الْحُجَّةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يُنْزِلُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَكَانَ يَأْمُرُ بِكَتْبِهِ بِخَطِّ الْمُصْحَفِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ حَاصِلَ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ مِنَ الْقُرْآنِ فَرَجَعَ إِلَى أَحْكَامٍ مَخْصُوصَةٍ مِثْلَ أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ قِرَاءَتُهُ، وَهَلْ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ قِرَاءَتُهُ، وَلِلْمُحْدِثِ مَسُّهُ؟ فَنَقُولُ: ثُبُوتُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ أَحْوَطُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلا مَا لَا يَرِيبُكَ. وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِأَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ: تَعَلَّقُوا بِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْخَبَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَذْكُرِ التَّسْمِيَةَ، وَلَوْ كَانَتْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ لَذَكَرَهَا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: جَعَلْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الصَّلَاةِ الْفَاتِحَةُ، وَهَذَا التَّنْصِيفُ إِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا قُلْنَا إِنَّ التَّسْمِيَةَ/ لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ، لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا لِلَّهِ ثَلَاثُ آيَاتٍ وَنِصْفٌ وَهِيَ مِنْ قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَى قَوْلِهِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ- وَلِلْعَبْدِ ثَلَاثُ آيَاتٍ وَنِصْفٌ- وَهِيَ مِنْ قَوْلِهِ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ- أَمَّا إِذَا جَعَلْنَا بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة حَصَلَ لِلَّهِ أَرْبَعُ آيَاتٍ وَنِصْفٌ، وَلِلْعَبْدِ آيَتَانِ وَنِصْفٌ، وَذَلِكَ يُبْطِلُ التَّنْصِيفَ الْمَذْكُورَ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْتَتِحُ الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ قَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةً مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ: لَزِمَ التَّكْرَارُ فِي قَوْلِهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَذَلِكَ بِخِلَافِ الدَّلِيلِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْحُجَّةِ الْأُولَى مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّا نَقَلْنَا أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عَدَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةً تَامَّةً مِنْ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ، وَلَمَّا تَعَارَضَتِ الرِّوَايَتَانِ فَالتَّرْجِيحُ مَعَنَا، لِأَنَّ رِوَايَةَ الْإِثْبَاتِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ النَّفْيِ. الثَّانِي: رَوَى أَبُو دَاوُدَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنِ النَّخْعِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَجَّدَنِي عَبْدِي وَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ فِي مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، يَعْنِي فِي الْقِسْمَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِذَا حَصَلَتْ ثَلَاثَةٌ قَبْلَهَا وَثَلَاثَةٌ بَعْدَهَا، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ثَلَاثَةٌ قَبْلَهَا لَوْ كَانَتِ التَّسْمِيَةُ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ فَصَارَ هَذَا الْخَبَرُ حُجَّةً لَنَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ لَفْظَ النِّصْفِ كَمَا يَحْتَمِلُ النِّصْفَ فِي عَدَدِ الْآيَاتِ فَهُوَ أَيْضًا يَحْتَمِلُ النِّصْفَ فِي الْمَعْنَى، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: الْفَرَائِضُ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَسَمَّاهُ بِالنِّصْفِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَحْثٌ عَنْ أَحْوَالِ الْأَمْوَاتِ، وَالْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ قِسْمَانِ، وَقَالَ شُرَيْحٌ: أَصْبَحْتُ وَنِصْفُ النَّاسِ عَلِيَّ غَضْبَانُ، سَمَّاهُ نِصْفًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ بَعْضَهُمْ رَاضُونَ وَبَعْضَهُمْ سَاخِطُونَ، الرَّابِعُ: إِنَّ دَلَائِلَنَا فِي أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ صَرِيحَةٌ، وَهَذَا الخبر الذي تمكسوا بِهِ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ بَيَانَ أَنَّ بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَلْ هِيَ مِنَ الْفَاتِحَةِ أَمْ لَا، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ بَيَانُ شَيْءٍ آخَرَ، فَكَانَتْ دَلَائِلُنَا أَقْوَى وَأَظْهَرُ. الْخَامِسُ: أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَنَا أَقْرَبُ إِلَى الِاحْتِيَاطِ. وَالْجَوَابُ عَنْ حُجَّتِهِمُ الثَّانِيَةِ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: لَعَلَّ عَائِشَةَ جَعَلَتِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اسْمًا لِهَذِهِ السُّورَةِ، كَمَا يُقَالُ: قَرَأَ فُلَانٌ «الحمد لله الذي خلق السموات» وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ/ السُّورَةَ، فَكَذَا هَاهُنَا، وَتَمَامُ الْجَوَابِ عَنْ خَبَرِ أَنَسٍ سَيَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْحُجَّةِ الثَّالِثَةِ أَنَّ التَّكْرَارَ لِأَجْلِ التَّأْكِيدِ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَتَأْكِيدُ كَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى رَحْمَانًا رَحِيمًا مِنْ أَعْظَمِ الْمُهِمَّاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فِي بَيَانِ عَدَدِ آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ، رَأَيْتُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الشَّاذَّةِ أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ كَانَ يَقُولُ: هَذِهِ السُّورَةُ ثَمَانُ آيَاتٍ، فَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي أَطْبَقَ الْأَكْثَرُونَ عَلَيْهَا أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبْعُ آيَاتٍ، وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الْحِجْرِ: 87] إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالُوا إِنَّ قَوْلَهُ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ آيَةٌ تَامَّةٌ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ لَمَّا أَسْقَطَ التَّسْمِيَةَ مِنَ السُّورَةِ لَا جَرَمَ قَالَ قَوْلُهُ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية، وقوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ آيَةٌ أُخْرَى، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَوْلَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَقْطَعَ قَوْلِهِ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لَا يُشَابِهُ مَقْطَعَ الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَرِعَايَةُ التَّشَابُهِ في المقاطع لازم، لأنا وجدنا مقطاع الْقُرْآنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُتَقَارِبَةً وَمُتَشَاكِلَةً فَالْمُتَقَارِبَةُ كَمَا فِي سُورَةِ «ق» وَالْمُتَشَاكِلَةُ كَمَا فِي سُورَةِ الْقَمَرِ، وَقَوْلُهُ: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لَيْسَ مِنَ الْقِسْمَيْنِ، فَامْتَنَعَ جَعْلُهُ مِنَ الْمَقَاطِعِ. الثَّانِي: أَنَّا إِذَا جَعَلْنَا قَوْلَهُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ابْتِدَاءَ آيَةٍ فَقَدْ جَعَلْنَا أَوَّلَ الْآيَةِ لَفْظَ غَيْرِ، وَهَذَا اللَّفْظُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَا قَبْلَهُ أَوِ اسْتِثْنَاءً عَمَّا قَبْلَهُ، وَالصِّفَةُ مَعَ الْمَوْصُوفِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَإِيقَاعُ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، أَمَّا إِذَا جَعَلْنَا قَوْلَهُ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ آيَةً وَاحِدَةً، كُنَّا قَدْ جَعَلْنَا الْمَوْصُوفَ مَعَ الصِّفَةِ وَالْمُسْتَثْنَى مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَلَامًا وَاحِدًا وَآيَةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الدَّلِيلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُبْدَلَ مِنْهُ فِي حُكْمِ الْمَحْذُوفِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ اهْدِنَا صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لَكِنَّ طَلَبَ الِاهْتِدَاءِ بِصِرَاطِ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَغْضُوبٍ عَلَيْهِ، وَلَا ضَالًّا، فَإِنَّا لو أسقطنا هذا الشرط لم يجز إلا الِاهْتِدَاءُ بِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً [إِبْرَاهِيمَ: 28] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا صَارُوا مِنْ زُمْرَةِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَمِنْ زُمْرَةِ الضَّالِّينَ لَا جَرَمَ لَمْ يَجُزِ الِاهْتِدَاءُ بِهِمْ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَصْلُ قَوْلِهِ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ عَنْ قَوْلِهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بَلْ هَذَا الْمَجْمُوعُ كَلَامٌ وَاحِدٌ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ آيَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ قَالُوا: أَلَيْسَ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ آيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَوْلَهُ/ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ ثَانِيَةٌ، وَمَعَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ بِنَفْسِهَا، بَلْ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا قَبْلَهَا؟ قُلْنَا: الْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَلَامٌ تَامٌّ بِدُونِ قَوْلِهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَلَا جَرَمَ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ آيَةً تَامَّةً، وَلَا كَذَلِكَ هَذَا، لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لَيْسَ كَلَامًا تَامًّا، بَلْ مَا لَمْ يُضَمَّ
إِلَيْهِ قَوْلُهُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْ أَوَائِلِ سَائِرِ السُّوَرِ أَمْ لَا: أَمَّا الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْأَصْحَابِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ قُرْآنٌ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ، وَجَعَلُوا الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّهَا هَلْ هِيَ آيَةٌ تَامَّةٌ وَحْدَهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ أَوْ هِيَ وَمَا بَعْدَهَا آيَةٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّ الشَّافِعِيَّ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ قَبْلَهُ لَمْ يَقُلْ إِنَّ بِسْمِ اللَّهِ آيَةٌ مِنْ أَوَائِلِ سَائِرِ السُّوَرِ، وَدَلِيلُنَا أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ مَكْتُوبٌ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ قُرْآنًا، وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي سُورَةِ الْمُلْكِ: إِنَّهَا ثَلَاثُونَ آيَةً، وَفِي سُورَةِ الْكَوْثَرِ: إِنَّهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ حَاصِلٌ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ التَّسْمِيَةُ آيَةً مِنْ هَذِهِ السُّوَرِ، وَالْجَوَابُ أَنَّا إِذَا قُلْنَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَعَ مَا بَعْدَهُ آيَةٌ وَاحِدَةٌ فَهَذَا الْإِشْكَالُ زَائِلٌ، فَإِنْ قَالُوا: لَمَّا اعْتَرَفْتُمْ بِأَنَّهَا آيَةٌ تَامَّةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ فَكَيْفَ يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَقُولُوا إِنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ؟ قُلْنَا: هَذَا غَيْرُ بَعِيدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ قوله الحمد لله رب العالمين آية تامة، ثُمَّ صَارَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يُونُسَ: 10] آيَةً وَاحِدَةً: فَكَذَا هَاهُنَا وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ سُورَةُ الْكَوْثَرِ ثَلَاثُ آيَاتٍ يَعْنِي مَا هُوَ خَاصِّيَّةُ هَذِهِ السُّورَةِ ثَلَاثُ آيَاتٍ، وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَهِيَ كَالشَّيْءِ الْمُشْتَرَكِ فِيهِ بَيْنَ جَمِيعِ السُّورِ، فَسَقَطَ هَذَا السُّؤَالُ. الجهر بالبسملة في الصلاة: المسألة التاسعة [الجهر بالبسملة في الصلاة] : يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: التَّسْمِيَةُ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ إِلَّا أَنَّهُ يُسَرُّ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا آيَةٌ مِنْهَا وَيَجْهَرُ بِهَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ إِلَّا أَنَّهَا يُسَرُّ بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَلَا يُجْهَرُ بِهَا أَيْضًا، فَنَقُولُ: الْجَهْرُ بِهَا سُنَّةٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ وَحُجَجٌ. الْحُجَّةُ الْأُولَى: قَدْ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الِاسْتِقْرَاءُ دَلَّ عَلَى أَنَّ السُّورَةَ الْوَاحِدَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِتَمَامِهَا سِرِّيَّةً أَوْ جَهْرِيَّةً، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا سِرِّيًّا/ وَبَعْضُهَا جَهْرِيًّا فَهَذَا مَفْقُودٌ فِي جَمِيعِ السُّوَرِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيَةِ مَشْرُوعًا فِي الْقِرَاءَةِ الْجَهْرِيَّةِ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ قَوْلَهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَا شَكَّ أَنَّهُ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَذِكْرٌ لَهُ بِالتَّعْظِيمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِعْلَانُ بِهِ مَشْرُوعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [الْبَقَرَةِ: 200] وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ مُفْتَخِرًا بِأَبِيهِ غَيْرَ مُسْتَنْكِفٍ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُعْلِنُ بِذِكْرِهِ وَيُبَالِغُ فِي إِظْهَارِهِ أَمَّا إِذَا أَخْفَى ذِكْرَهُ أَوْ أَسَرَّهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِهِ مُسْتَنْكِفًا مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ الْمُفْتَخِرُ بِأَبِيهِ يُبَالِغُ فِي الْإِعْلَانِ وَالْإِظْهَارِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِعْلَانُ ذِكْرِ اللَّهِ أَوْلَى عَمَلًا بِقَوْلِهِ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: هِيَ أَنَّ الْجَهْرَ بِذِكْرِ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُفْتَخِرًا بِذَلِكَ الذِّكْرِ غَيْرَ مبالٍ بِإِنْكَارِ مَنْ يُنْكِرُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مُسْتَحْسَنٌ فِي الْعَقْلِ، فَيَكُونُ فِي الشَّرْعِ كَذَلِكَ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا الْكَلَامَ أَيْضًا أَنَّ الْإِخْفَاءَ وَالسِّرَّ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِمَا يَكُونُ فِيهِ عَيْبٌ وَنُقْصَانٌ فَيُخْفِيهِ الرَّجُلُ وَيُسِرُّهُ، لِئَلَّا يَنْكَشِفَ ذَلِكَ الْعَيْبُ. أَمَّا الَّذِي يُفِيدُ أَعْظَمَ أَنْوَاعِ الْفَخْرِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْمَنْقَبَةِ فَكَيْفَ يليق بالعقل إخفائه؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا مَنْقَبَةَ لِلْعَبْدِ أَعْلَى وَأَكْمَلُ من كونه ذاكراً الله بِالتَّعْظِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «طُوبَى لِمَنْ
مَاتَ وَلِسَانُهُ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: يَا مَنْ ذِكْرُهُ شَرَفٌ لِلذَّاكِرِينَ. وَمِثْلُ هَذَا كَيْفَ يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ أَنْ يَسْعَى فِي إِخْفَائِهِ؟ وَلِهَذَا السَّبَبِ نُقِلَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مَذْهَبُهُ الْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَأَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ قَوِيَّةٌ فِي نَفْسِي رَاسِخَةٌ فِي عَقْلِي لَا تَزُولُ الْبَتَّةَ بِسَبَبِ كَلِمَاتِ الْمُخَالِفِينَ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَلَّى بِهِمْ، وَلَمْ يَقْرَأْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَلَمْ يُكَبِّرْ عِنْدَ الْخَفْضِ إِلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ. يَا مُعَاوِيَةُ، سَرَقْتَ مِنَّا الصَّلَاةَ، أَيْنَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ وَأَيْنَ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؟ ثُمَّ إِنَّهُ أَعَادَ الصَّلَاةَ مَعَ التَّسْمِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ سُلْطَانًا عَظِيمَ الْقُوَّةِ شَدِيدَ الشَّوْكَةِ فَلَوْلَا أَنَّ الْجَهْرَ بِالتَّسْمِيَةِ كَانَ كَالْأَمْرِ الْمُتَقَرِّرِ عِنْدَ كُلِّ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَإِلَّا لَمَا قَدَرُوا عَلَى إِظْهَارِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي «السُّنَنِ الْكَبِيرِ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ فِي الصَّلَاةِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ إِنَّ الشَّيْخَ الْبَيْهَقِيَّ رَوَى الْجَهْرَ عَنْ/ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَمَّا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَجْهَرُ بِالتَّسْمِيَةِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ، وَمَنِ اقْتَدَى فِي دِينِهِ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَدِ اهْتَدَى، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَ عَلِيٍّ حَيْثُ دَارَ. الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ قَوْلَهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ لَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِهِ، وَالتَّقْدِيرُ بِإِعَانَةِ اسْمِ اللَّهِ اشْرَعُوا فِي الطَّاعَاتِ، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَى هَذَا الْمُضْمَرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْتِمَاعَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ يُنَبِّهُ الْعَقْلَ عَلَى أَنَّهُ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَيُنَبِّهُ الْعَقْلَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ إِلَّا إِذَا وَقَعَ الِابْتِدَاءُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ حُصُولُ هَذِهِ الْمَعَانِي فِي الْعُقُولِ، فَإِذَا كَانَ اسْتِمَاعُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ يُفِيدُ هَذِهِ الْخَيْرَاتِ الرَّفِيعَةَ وَالْبَرَكَاتِ الْعَالِيَةَ دَخَلَ هَذَا الْقَائِلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، [آل عمران: 110] لِأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ بِسَبَبِ إِظْهَارِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَمَرَ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ أَنْوَاعِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ فِي كُلِّ الْخَيْرَاتِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ بِدْعَةٌ. واحتج المخالف بوجوه وحجج: الحجة الأولى: رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَرَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْخَبَرَ فِي «صَحِيحِهِ» ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَفِي رِوَايَةٍ رَابِعَةٍ «فَلَمْ يَجْهَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالْحَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَدْ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، وَخَلْفَ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَابْتَدَءُوا القراءة بالحمد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَإِذَا صَلَّيْتَ فَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَقُولُ: إِنَّ أَنَسًا وَابْنَ الْمُغَفَّلِ خَصَّصَا عَدَمَ ذِكْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِالْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ يَذْكُرَا عَلِيًّا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إِطْبَاقِ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً، [الْأَعْرَافِ: 55] وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً [الْأَعْرَافِ: 205] وبسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ذِكْرُ اللَّهِ، فَوَجَبَ إِخْفَاؤُهُ، وَهَذِهِ الْحُجَّةُ اسْتَنْبَطَهَا الْفُقَهَاءُ/ وَاعْتِمَادُهُمْ عَلَى الْكَلَامَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ. وَالْجَوَابُ عَنْ خَبَرِ أَنَسٍ مِنْ وُجُوهٍ: الأول: قال الشيخ أبو حامد الإسفرايني: رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ سِتُّ رِوَايَاتٍ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ رَوَوْا عَنْهُ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ: إِحْدَاهَا: قَوْلُهُ صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَثَانِيَتُهَا: قَوْلُهُ: إِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَثَالِثَتُهَا: قَوْلُهُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ تُقَوِّي قَوْلَ الْحَنَفِيَّةِ، وَثَلَاثٌ أُخْرَى تُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ: إِحْدَاهَا: مَا ذَكَرْنَا أَنَّ أَنَسًا رَوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا تَرَكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلَاةِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَهْرَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ كَالْأَمْرِ الْمُتَوَاتِرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَثَانِيَتُهَا: رَوَى أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَثَالِثَتُهَا: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجَهْرِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْإِسْرَارِ بِهِ فَقَالَ: لَا أَدْرِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَثَبَتَ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ أَنَسٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَدْ عَظُمَ فِيهَا الْخَبْطُ وَالِاضْطِرَابُ، فَبَقِيَتْ مُتَعَارِضَةً فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى سَائِرِ الدَّلَائِلِ، وَأَيْضًا فَفِيهَا تُهْمَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنْ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُبَالِغُ فِي الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ، فَلَمَّا وَصَلَتِ الدَّوْلَةُ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ بَالَغُوا فِي الْمَنْعِ مِنَ الْجَهْرِ، سَعْيًا فِي إِبْطَالِ آثَارِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَعَلَّ أَنَسًا خَافَ مِنْهُمْ فَلِهَذَا السَّبَبِ اضْطَرَبَتْ أَقْوَالُهُ فِيهِ، وَنَحْنُ وَإِنْ شَكَكْنَا فِي شَيْءٍ فَإِنَّا لَا نَشُكُّ أَنَّهُ مَهْمَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ قَوْلِ أَنَسٍ وَابْنِ الْمُغَفَّلِ وَبَيْنَ قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ طُولَ عُمْرِهِ فَإِنَّ الْأَخْذَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ أَوْلَى، فَهَذَا جَوَابٌ قَاطِعٌ فِي الْمَسْأَلَةِ. ثُمَّ نَقُولُ: هَبْ أَنَّهُ حَصَلَ التَّعَارُضُ بَيْنَ دَلَائِلِكُمْ وَدَلَائِلِنَا، إِلَّا أَنَّ التَّرْجِيحَ مَعَنَا، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ رَاوِيَ أَخْبَارِكُمْ أَنَسٌ وَابْنُ الْمُغَفَّلِ، وَرَاوِي قَوْلِنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَكْثَرَ عِلْمًا وَقُرْبًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَسٍ وَابْنِ الْمُغَفَّلِ. وَالثَّانِي: أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِذَا وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لَمْ يُقْبَلْ، وَلِهَذَا السَّبَبِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ خَبَرَ الْمُصَرَّاةِ مَعَ أَنَّهُ لَفْظُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُخَالِفُهُ إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ صَرِيحَ الْعَقْلِ نَاطِقٌ بِأَنَّ إِظْهَارَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَوْلَى مِنْ إِخْفَائِهَا، فَلِأَيِّ سَبَبٍ رَجُحَ قَوْلُ أَنَسٍ وَقَوْلُ ابْنِ الْمُغَفَّلِ عَلَى هَذَا الْبَيَانِ الْجَلِيِّ الْبَدِيهِيِّ؟ وَالثَّالِثُ: أَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ النَّبِيَّ/ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُقَدِّمُ الْأَكَابِرَ عَلَى الْأَصَاغِرِ، وَالْعُلَمَاءَ عَلَى غَيْرِ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَشْرَافَ عَلَى الْأَعْرَابِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ كَانُوا أَعْلَى حَالًا فِي الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ مِنْ أَنَسٍ وَابْنِ الْمُغَفَّلِ، وَالْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ عَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ كَانُوا يَقِفُونَ بِالْقُرْبِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ أنس وابن المغفل يقفان بالعبد مِنْهُ، وَأَيْضًا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا كَانَ يُبَالِغُ فِي الْجَهْرِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [الْإِسْرَاءِ: 110] وَأَيْضًا فَالْإِنْسَانُ أَوَّلُ مَا يَشْرَعُ فِي الْقِرَاءَةِ إِنَّمَا يَشْرَعُ فِيهَا بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ ثُمَّ لَا يَزَالُ يَقْوَى صَوْتُهُ سَاعَةً فَسَاعَةً، فَهَذِهِ أَسْبَابٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعُوا الْجَهْرَ بِالتَّسْمِيَةِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِ أَنَسًا وَابْنَ الْمُغَفَّلِ مَا سَمِعَاهُ. الرَّابِعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِ أَنَسٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنَّهُ كَانَ يقدم
هَذِهِ السُّورَةَ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ السُّورِ فَقَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْمُرَادُ مِنْهُ تَمَامُ هَذِهِ فَجَعَلَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ اسْمًا لِهَذِهِ السُّورَةِ. الْخَامِسُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ، مِنْ عَدَمِ الْجَهْرِ فِي حَدِيثِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ عَدَمُ الْمُبَالَغَةِ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها [الْإِسْرَاءِ: 110] . السَّادِسُ: الْجَهْرُ كَيْفِيَّةٌ ثُبُوتِيَّةٌ، وَالْإِخْفَاءُ كَيْفِيَّةٌ عَدَمِيَّةٌ، وَالرِّوَايَةُ الْمُثْبِتَةُ أَوْلَى مِنَ النَّافِيَةِ. السَّابِعُ: أَنَّ الدَّلَائِلَ الْعَقْلِيَّةَ مُوَافِقَةٌ لَنَا، وَعَمَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَنَا، وَمَنِ اتَّخَذَ عَلِيًّا إِمَامًا لِدِينِهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى فِي دِينِهِ وَنَفْسِهِ. وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً [الْأَعْرَافِ: 205] فَالْجَوَابُ أَنَّا نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى مُجَرَّدِ الذِّكْرِ، أَمَّا قَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ قِرَاءَةُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْعِبَادَةِ وَالْخُضُوعِ، فَكَانَ الْجَهْرُ بِهِ أَوْلَى. الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: في تفاريع التسمية وفيه فروع: - فروع أحكام التسمية: الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: قَالَتِ الشِّيعَةُ: السُّنَّةُ هِيَ الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ أَوِ السِّرِّيَّةِ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يُخَالِفُونَهُمْ فِيهِ. الْفَرْعُ الثَّانِي: الَّذِينَ قَالُوا التَّسْمِيَةُ لَيْسَتْ آيَةً مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ إِثْبَاتِهَا فِي الْمُصْحَفِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ وَفِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، وَهَؤُلَاءِ فَرِيقَانِ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهَا كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ، وَهَذَا الْفَصْلُ قَدْ صَارَ الْآنَ مَعْلُومًا فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِثْبَاتِ التَّسْمِيَةِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ تُكْتَبْ لَجَازَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَجِبُ إِثْبَاتُهَا/ فِي الْمَصَاحِفِ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا أَبَدًا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَدْ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَلَكِنَّهَا آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا، وَلَيْسَتْ آيَةً مِنَ السُّورَةِ، وَهَؤُلَاءِ أَيْضًا فَرِيقَانِ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يُنْزِلُهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ عَلَى حِدَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا، بَلْ أَنْزَلَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَمَرَ بِإِثْبَاتِهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهَا، وَعَلَى أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ مَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعِدُّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةً فَاصِلَةً، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: إِنَّ الْفَضْلَ الرَّقَاشِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهُ مَا أَجْرَأَ هَذَا الرَّجُلَ! سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلِمَ أَنَّ تِلْكَ السُّورَةَ قَدْ خُتِمَتْ وَفُتِحَ غَيْرُهَا، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَرَكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَدْ تَرَكَ مِائَةً وَثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةٍ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّ التَّسْمِيَةَ آيَةٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَأَنَّ الْفَاتِحَةَ يَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ يُوجِبُونَ قِرَاءَةَ التَّسْمِيَةِ أَمَّا الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ بِهِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَتْبَاعُهُ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ جِنِّي وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَقْرَأُ التَّسْمِيَةَ سِرًّا، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَهَا فِي الْمَكْتُوبَةِ لَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا، وَأَمَّا فِي النَّافِلَةِ فَإِنْ شَاءَ قَرَأَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ. الْفَرْعُ الرَّابِعُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي وُجُوبَ قِرَاءَتِهَا فِي كُلِّ الرَّكَعَاتِ، أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ رَوَى يَعْلَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَقْرَأُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ، وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالْحَسَنُ بْنُ
زِيَادٍ ثَلَاثَتُهُمْ جَمِيعًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا قَرَأَهَا فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاءَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَهَا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْهَا، قَالَ: وَإِنْ قَرَأَهَا مَعَ كُلِّ سُورَةٍ فَحَسَنٌ. الْفَرْعُ الْخَامِسُ: ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُهَا فِي أَوَائِلِ سَائِرِ السُّوَرِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَفْضَلَ إِعَادَتُهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر. الْفَرْعُ السَّادِسُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ قِرَاءَةُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. الْفَرْعُ السَّابِعُ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ عَلَى الْوُضُوءِ مَنْدُوبَةٌ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى/ أَنَّهَا غَيْرُ واجبة لقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ» ، وَالتَّسْمِيَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِنَّهَا وَاجِبَةٌ فَلَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ إِنْ تَرَكَهَا عَامِدًا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا جَازَ الْفَرْعُ الثَّامِنُ: مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ التَّذْكِيَةِ هَلْ يَحِلُّ أَكْلُهُ أَمْ لَا؟ الْمَسْأَلَةُ فِي غَايَةِ الشُّهْرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ [الْحَجِّ: 36] وَقَالَ تَعَالَى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الْأَنْعَامِ: 121] . الْفَرْعُ التَّاسِعُ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَشْرَعَ فِي عَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ وَإِلَّا وَيَقُولُ «بِسْمِ اللَّهِ» فَإِذَا نَامَ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ» وَإِذَا قَامَ مِنْ مَقَامِهِ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ» وَإِذَا قَصَدَ الْعِبَادَةَ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ» وَإِذَا دَخَلَ الدَّارَ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ» أَوْ خَرَجَ مِنْهَا قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ» وَإِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ أَخَذَ أَوْ أَعْطَى قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ» وَيُسْتَحَبُّ لِلْقَابِلَةِ إِذَا أَخَذَتِ الْوَلَدَ مِنَ الْأُمِّ أَنْ تَقُولَ: «بِسْمِ اللَّهِ» وَهَذَا أَوَّلُ أَحْوَالِهِ مِنَ الدُّنْيَا وَإِذَا مَاتَ وَأُدْخِلَ الْقَبْرَ قِيلَ: «بِسْمِ اللَّهِ» وَهَذَا آخِرُ أَحْوَالِهِ مِنَ الدُّنْيَا وَإِذَا قَامَ مِنَ الْقَبْرِ قَالَ أَيْضًا: «بِسْمِ اللَّهِ» وَإِذَا حَضَرَ الْمَوْقِفَ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ» فَتَتَبَاعَدُ عَنْهُ النَّارُ بِبَرَكَةِ قَوْلِهِ: «بِسْمِ اللَّهِ» . ترجمة القرآن: المسألة الحادية عشرة: قال الشافعي: تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ لَا تَكْفِي فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ لَا فِي حَقِّ مَنْ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ وَلَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّهَا كَافِيَةٌ فِي حَقِّ الْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِنَّهَا كَافِيَةٌ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ وَغَيْرُ كَافِيَةٍ فِي حَقِّ الْقَادِرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعِيدٌ جِدًّا وَلِهَذَا السَّبَبِ فَإِنَّ الْفَقِيهَ أَبَا اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيَّ وَالْقَاضِيَ أَبَا زَيْدٍ الدَّبُوسِيَّ صَرَّحَا بِتَرْكِهِ. لَنَا حُجَجٌ وَوُجُوهٌ: الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا صَلَّى بِالْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ، وَوَاظَبَ عَلَيْهِ طُولَ عُمْرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يجب علينا مثله، لقوله تعالى: فَاتَّبِعُوهُ وَالْعَجَبُ أَنَّهُ احْتُجَّ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ مَرَّةً عَلَى كَوْنِهِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى مُوَاظَبَتِهِ طُولَ عُمْرِهِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ صَلُّوا بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السلام: «اقتدوا بالذين مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ
الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» . الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الرَّسُولَ وَجَمِيعَ الصَّحَابَةِ مَا قَرَءُوا فِي الصَّلَاةِ إِلَّا هَذَا الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ، / فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً» ، قِيلَ: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» . وَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ بِهَذَا الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ بِالْفَارِسِيَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ أَهْلَ دِيَارِ الْإِسْلَامِ مُطْبِقُونَ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى، فَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذَا الطَّرِيقِ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النِّسَاءِ: 115] . الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّ الرَّجُلَ أُمِرَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ لَمْ يَقْرَأِ الْقُرْآنَ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنِ الْعُهْدَةِ، إِنَّمَا قَوْلُنَا إِنَّهُ أُمِرَ بِقِرَاءَةِ القرآن لقوله تعالى: فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [الْمُزَّمِّلِ: 20] وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْأَعْرَابِيِّ: «ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْكَلَامَ الْمُرَتَّبَ بِالْفَارِسِيَّةِ لَيْسَ بِقُرْآنٍ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الشُّعَرَاءِ: 192] إِلَى قَوْلِهِ: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. [الشُّعَرَاءِ: 195] الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ، [إِبْرَاهِيمَ: 4] الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا [فُصِّلَتْ: 44] وَكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مَا جَعَلَهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا، فَيَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كُلَّ مَا كَانَ أَعْجَمِيًّا فَهُوَ لَيْسَ بِقُرْآنٍ. الرَّابِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الْإِسْرَاءِ: 88] فَهَذَا الْكَلَامُ الْمَنْظُومُ بِالْفَارِسِيَّةِ: إِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ عَيْنُ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ أَوْ مِثْلُهُ، أَوْ لَا عَيْنُهُ وَلَا مِثْلُهُ، وَالْأَوَّلُ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ بِالضَّرُورَةِ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ، إِذْ لَوْ كَانَ هَذَا النَّظْمُ الْفَارِسِيُّ مِثْلًا لِذَلِكَ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ لَكَانَ الْآتِي بِهِ آتِيًا بِمِثْلِ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ تَكْذِيبَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي قوله: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ الْمَنْظُومَ بِالْفَارِسِيَّةِ لَيْسَ عَيْنَ الْقُرْآنِ وَلَا مِثْلَهُ ثَبَتَ أَنَّ قَارِئَهُ لَمْ يَكُنْ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ أَمَرَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْقَى فِي الْعُهْدَةِ. الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَا تُجْزِي صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَنَقُولُ: هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْمَنْظُومَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ إِمَّا أَنْ يَقُولَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّهَا قُرْآنٌ أَوْ يَقُولَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ، وَالْأَوَّلُ جَهْلٌ عَظِيمٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الْإِجْمَاعِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْعُقَلَاءِ لَا يَجُوزُ فِي عَقْلِهِ وَدِينِهِ أَنْ يَقُولَ إِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ دوستان در بهشت قُرْآنٌ. الثَّانِي: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَادِرُ عَلَى تَرْجَمَةِ الْقُرْآنِ/ آتِيًا بِقُرْآنٍ مِثْلَ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ. الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْفَظَ الْقُرْآنَ كَمَا يَحْسُنُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَى آخِرِ هَذَا الذِّكْرِ» ، وَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا سَأَلَهُ عَمَّا يُجْزِئُهُ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ أَمَرَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالتَّسْبِيحِ، وَذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ يقول إنه يكفيه أن يقول دوستان در بهشت. الْحُجَّةُ الثَّامِنَةُ: يُقَالُ إِنَّ أَوَّلَ الْإِنْجِيلِ هُوَ قَوْلُهُ بسم الاها رحمانا ومرحيانا وَهَذَا هُوَ عَيْنُ تَرْجَمَةِ بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَلَوْ كَانَتْ تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ نَفْسَ الْقُرْآنِ لَقَالَتِ النَّصَارَى إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ إِنَّمَا أَخَذْتَهُ مِنْ عَيْنِ الْإِنْجِيلِ، وَلَمَّا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ هَذَا عَلِمْنَا أَنَّ تَرْجَمَةَ الْقُرْآنِ لَا تَكُونُ قُرْآنًا. الْحُجَّةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّا إِذَا تَرْجَمْنَا قَوْلَهُ تَعَالَى: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ [الكهف: 19] كان ترجمته بفرستيد يكى أز شما با نقره بشهر پس بنگرد كه كدام طعام بهترست پاره أز آن بياورد، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ النَّاسِ لَفْظًا وَمَعْنَى فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجُوزَ الصَّلَاةُ بِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» ، وَإِذَا لَمْ تَنْعَقِدِ الصَّلَاةُ بِتَرْجَمَةِ هَذِهِ الْآيَةِ فَكَذَا بِتَرْجَمَةِ سَائِرِ الْآيَاتِ، لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ، وَأَيْضًا فَهَذِهِ الْحُجَّةُ جَارِيَةٌ فِي تَرْجَمَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [الْقَلَمِ: 11] إِلَى قَوْلِهِ: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [القلم: 13] فإن ترجمتها لا تَكُونُ شَتْمًا مِنْ جِنْسِ كَلَامِ النَّاسِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها [الْبَقَرَةِ: 61] فَإِنَّ تَرْجَمَةَ هَذِهِ الْآيَةِ تَكُونُ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ النَّاسِ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَرَأْنَا عَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِأَنَّهَا بِحَسَبِ تَرْكِيبِهَا الْمُعْجِزِ وَنَظْمِهَا الْبَدِيعِ تَمْتَازُ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ وَالْعَجَبُ مِنَ الْخُصُومِ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ لَوْ ذَكَرَ فِي آخِرِ التَّشَهُّدِ دُعَاءً يَكُونُ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ النَّاسِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ثُمَّ قَالُوا: تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِتَرْجَمَةِ هَذِهِ الْآيَاتِ مَعَ أَنَّ تَرْجَمَتَهَا عَيْنُ كَلَامِ النَّاسِ لَفْظًا وَمَعْنًى. الْحُجَّةُ الْعَاشِرَةُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ كُلُّهَا شافٍ كافٍ، وَلَوْ كَانَتْ تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ بِحَسَبِ كُلِّ لُغَةٍ قُرْآنًا لَكَانَ قَدْ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لِأَنَّ عَلَى مَذْهَبِهِمْ قَدْ حَصَلَ بِحَسَبِ كُلِّ لُغَةٍ قُرْآنٌ عَلَى حِدَةٍ، وَحِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ حَصْرُ حُرُوفِ الْقُرْآنِ فِي السَّبْعَةِ» . الْحُجَّةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِجَمِيعِ الْآيَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِي التَّوْرَاةِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مُطَابِقَةٌ لِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَمِنْ تَعْظِيمِ أَمْرِ/ الْآخِرَةِ وَتَقْبِيحِ الدُّنْيَا. فَعَلَى قَوْلِ الْخَصْمِ تَكُونُ الصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ بِقِرَاءَةِ الْإِنْجِيلِ وَالتَّوْرَاةِ، وَبِقِرَاءَةِ زَيْدٍ وَإِنْسَانٍ، وَلَوْ أَنَّهُ دَخَلَ الدُّنْيَا وَعَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ وَلَمْ يَقْرَأْ حَرْفًا مِنَ الْقُرْآنِ بَلْ كَانَ مُوَاظِبًا عَلَى قِرَاءَةِ زَيْدٍ وَإِنْسَانٍ فَإِنَّهُ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى مُطِيعًا وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَلِيقُ بِدِينِ الْمُسْلِمِينَ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ لَا تَرْجَمَةَ لِلْفَاتِحَةِ إِلَّا نَقُولَ الثَّنَاءُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَرَحْمَانِ الْمُحْتَاجِينَ وَالْقَادِرِ عَلَى يَوْمِ الدِّينِ أَنْتَ الْمَعْبُودُ وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ اهْدِنَا إِلَى طَرِيقِ أَهْلِ الْعِرْفَانِ لَا إِلَى طَرِيقِ أَهْلِ الْخِذْلَانِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ تَرْجَمَةَ الْفَاتِحَةِ لَيْسَتْ إِلَّا هَذَا الْقَدْرَ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا خُطْبَةَ إِلَّا وَقَدْ حَصَلَ فِيهَا هَذَا الْقَدْرُ فَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ الصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ بِقِرَاءَةِ جَمِيعِ الْخُطَبِ، وَلَمَّا كَانَ بَاطِلًا عَلِمْنَا فَسَادَ هَذَا الْقَوْلِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: لَوْ كَانَ هَذَا جَائِزًا لَكَانَ قَدْ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ فِي أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَيُصَلِّيَ بِهَا، وَلَكَانَ قَدْ أَذِنَ لِصُهَيْبٍ فِي أَنْ يَقْرَأَ بِالرُّومِيَّةِ، وَلِبِلَالٍ فِي أَنْ يَقْرَأَ بِالْحَبَشِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ مَشْرُوعًا لَاشْتَهَرَ جَوَازُهُ فِي الْخَلْقِ فَإِنَّهُ يُعَظَّمُ فِي أَسْمَاعِ أَرْبَابِ اللُّغَاتِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُزِيلُ عَنْهُمْ إِتْعَابَ النَّفْسِ فِي تَعَلُّمِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَيَحْصُلُ لِكُلِّ قَوْمٍ فَخْرٌ عَظِيمٌ فِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُمْ قُرْآنٌ بلغتهم الخاصة، ومعلوم أن تجويز يُفْضِي إِلَى انْدِرَاسِ الْقُرْآنِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ لَا يقوله مسلم.
الْحُجَّةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَوْ جَازَتِ الصَّلَاةُ بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ لَمَا جَازَتْ بِالْقِرَاءَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَهَذَا جَائِزٌ وذاك غير جائز، وبيان الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْفَارِسِيَّ الَّذِي لَا يَفْهَمُ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ شَيْئًا لَمْ يَفْهَمْ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا الْبَتَّةَ، أَمَّا إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ بِالْفَارِسِيَّةِ فَهِمَ الْمَعْنَى وَأَحَاطَ بِالْمَقْصُودِ وَعَرَفَ مَا فِيهِ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَمِنَ التَّرْغِيبِ فِي الْآخِرَةِ وَالتَّنْفِيرِ عَنِ الدُّنْيَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْصِدَ الْأَقْصَى مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ حُصُولُ هَذِهِ الْمَعَانِي، قَالَ تَعَالَى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه: 14] وَقَالَ تَعَالَى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [مُحَمَّدٍ: 24] فَثَبَتَ أَنَّ قِرَاءَةَ التَّرْجَمَةِ تُفِيدُ هَذِهِ الْفَوَائِدَ الْعَظِيمَةَ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ تَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ هَذِهِ الْفَوَائِدِ، فَلَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْقِرَاءَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ فِي الصِّحَّةِ ثُمَّ إِنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ تُفِيدُ هَذِهِ الْفَوَائِدَ الْعَظِيمَةَ وَالْقِرَاءَةُ بِالْعَرَبِيَّةِ مَانِعَةٌ مِنْهَا لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ بِالْعَرَبِيَّةِ مُحَرَّمَةً، وَحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ غَيْرُ جَائِزَةٍ. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: الْمُقْتَضَى لِبَقَاءِ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ قَائِمٌ، وَالْفَارِقُ ظَاهِرٌ، أَمَّا الْمُقْتَضَى/ فَلِأَنَّ التَّكْلِيفَ كَانَ ثَابِتًا، وَالْأَصْلُ فِي الثَّابِتِ الْبَقَاءُ، وَأَمَّا الْفَارِقُ فَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَمَا أَنَّهُ يَطْلُبُ قِرَاءَةً لِمَعْنَاهُ كَذَلِكَ تُطْلَبُ قِرَاءَتُهُ لِأَجْلِ لَفْظِهِ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِعْجَازَ فِي فَصَاحَتِهِ، وَفَصَاحَتَهُ فِي لَفْظِهِ وَالثَّانِي: أَنَّ تَوْقِيفَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى قِرَاءَةِ لَفْظِهِ يُوجِبُ حِفْظَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، وَكَثْرَةُ الْحِفْظِ مِنَ الْخَلْقِ الْعَظِيمِ يُوجِبُ بَقَاءَهُ عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ مَصُونًا عَنِ التَّحْرِيفِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ تَحْقِيقُ مَا وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الْحِجْرِ: 9] أَمَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى قِرَاءَةِ هَذَا النَّظْمِ الْعَرَبِيِّ فَإِنَّهُ يَخْتَلُّ هَذَا الْمَقْصُودُ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُقْتَضَى قَائِمٌ وَالْفَارِقُ ظَاهِرٌ. وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِهِ بِأَنَّهُ أَمَرَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَقِرَاءَةُ التَّرْجَمَةِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُعَلِّمُ رَجُلًا الْقُرْآنَ فَقَالَ: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ [الدُّخَانِ: 43، 44] وَكَانَ الرَّجُلُ عَجَمِيًّا فَكَانَ يَقُولُ: طَعَامُ الْيَتِيمِ: فَقَالَ: قُلْ طَعَامُ الْفَاجِرِ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ الْخَطَأُ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يُقْرَأَ مَكَانَ الْعَلِيمِ الْحَكِيمُ بَلْ أَنْ يَضَعَ آيَةَ الرَّحْمَةِ مَكَانَ آيَةِ الْعَذَابِ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشُّعَرَاءِ: 196] فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى [الْأَعْلَى: 18، 19] ثُمَّ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ الْقُرْآنُ فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ بِهَذَا اللَّفْظِ لَكِنْ كَانَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ [الْأَنْعَامِ: 19] ثُمَّ إِنَّ الْعَجَمَ لَا يَفْهَمُونَ اللَّفْظَ الْعَرَبِيَّ إِلَّا إِذَا ذَكَرَ تِلْكَ الْمَعَانِي لَهُمْ بِلِسَانِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهُ قُرْآنًا، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْمَنْظُومَ بِالْفَارِسِيَّةِ قُرْآنٌ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ أَحْوَالَ هَؤُلَاءِ عَجِيبَةٌ جِدًّا، فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمُبَالَغَةُ فِي نُصْرَةِ هَذَا الْمَذْهَبِ كَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ إِنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَا تَلْتَفِتُ إِلَى هذا، بل نقول: إِنَّ الْقَائِلَ بِهِ شَاكٌّ فِي دِينِهِ، وَالشَّاكُّ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا، فَإِنْ كَانَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ حُجَّةً فَلِمَ لَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فَلِمَ عُوِّلَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟ وَلَعَمْرِي هَذِهِ الْمُنَاقَضَاتُ عَجِيبَةٌ، وَأَيْضًا فَقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ حَذْفُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَحَذْفُ الْفَاتِحَةِ عَنِ الْقُرْآنِ وَيَجِبُ عَلَيْنَا إِحْسَانُ الظَّنِّ بِهِ، وَأَنْ نَقُولَ: إِنَّهُ رَجَعَ عَنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ
[الشُّعَرَاءِ: 196] فَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْقِصَصَ مَوْجُودَةٌ فِي زبر الأولين، وقوله تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ فَالْمَعْنَى لِأُنْذِرَكُمْ مَعْنَاهُ، وَهَذَا الْقَدْرُ الْقَلِيلُ مِنَ الْمَجَازِ يَجُوزُ تَحَمُّلُهُ لِأَجْلِ الدَّلَائِلِ الْقَاهِرَةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْجَدِيدِ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمُقْتَدِي، سَوَاءٌ أَسَرَّ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ جَهَرَ بِهَا، وَقَالَ فِي «الْقَدِيمِ» : تَجِبُ الْقِرَاءَةُ إِذَا أَسَرَّ الْإِمَامُ، وَلَا تَجِبُ إِذَا جَهَرَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ خَلْفَ الْإِمَامِ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَنَا وُجُوهٌ: - الحجة الأولى: قوله تعالى: فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [الْمُزَّمِّلِ: 20] وَهَذَا الْأَمْرُ يَتَنَاوَلُ الْمُنْفَرِدَ وَالْمَأْمُومَ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ فيجب علينا ذلك لقوله تعالى: فَاتَّبِعُوهُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كَوْنَهُ مَأْمُومًا يَمْنَعُ مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّا بينا أن قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أَمْرٌ بِمَجْمُوعِ الْأَفْعَالِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهَا، وَمِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، فَكَانَ قَوْلُهُ: أَقِيمُوا الصَّلاةَ يَدْخُلُ فِيهِ الْأَمْرُ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَقَدْ ثَبَتَ تَقْرِيرُ وَجْهِ الدَّلِيلِ. فَإِنْ قَالُوا: هَذَا الْخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِحَالِ الِانْفِرَادِ لِأَنَّهُ رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَمْ يُصَلِّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ، قُلْنَا: هَذَا الْحَدِيثُ طَعَنُوا فِيهِ. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ أَعْمَالَ الصَّلَاةِ: «ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْمُنْفَرِدَ وَالْمَأْمُومَ. الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ» بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَحْمُودِ بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قَرَأَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الصُّبْحِ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «مَا لي أراكم تقرءون خَلْفَ إِمَامِكُمْ» ، قُلْنَا: إِي وَاللَّهِ، قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» ، قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: رَوَى مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَامٍّ، قَالَ: فَقُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا خَلْفَ الْإِمَامِ، قَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْخَبَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: / أَنَّ صَلَاةَ المقتدى بدون القراءة مبرأة عَنِ الْخِدَاجِ عِنْدَ الْخَصْمِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ الثَّانِي: أَنَّ السَّائِلَ أَوْرَدَ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْإِمَامِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِوُجُوبِ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَذَلِكَ يُؤَيِّدُ الْمَطْلُوبَ. الْحُجَّةُ الثَّامِنَةُ: رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» ، بَيَّنَ أَنَّ التَّنْصِيفَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِسَبَبِ الْقِرَاءَةِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ مِنْ لَوَازِمِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا التَّنْصِيفُ قَائِمٌ فِي صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ وَفِي صَلَاةِ الْمُقْتَدِي» .
الْحُجَّةُ التَّاسِعَةُ: رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بوجهه الكريم فقال: هل تقرءون إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ؟ فَقَالَ بَعْضُنَا إِنَّا لَنَصْنَعُ ذلك، فقال: وأنا أقول ما لي أنازع القرآن، لا تقرءوا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ بِقِرَاءَتِي إِلَّا أُمَّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا. الْحُجَّةُ الْعَاشِرَةُ: أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْكَثِيرَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ تُوجِبُ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ وَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْمُقْتَدِي، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْإِمَامِ مُوجِبَةً لِلثَّوَابِ الْعَظِيمِ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ قَالَ بِوُجُوبِ قِرَاءَتِهَا. الْحُجَّةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: وَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَأَمَّا عَدَمُ قِرَاءَتِهَا فَهُوَ عِنْدَنَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، فَثَبَتَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ أَحْوَطُ، فَكَانَتْ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» . الْحُجَّةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِذَا بَقِيَ الْمُقْتَدِي سَاكِتًا عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ بَقِيَ مُعَطَّلًا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَالُ الْقَارِئِ أَفْضَلَ مِنْهُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ أَفْضَلُ مِنَ السُّكُوتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ثَبَتَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ، لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: لَوْ كَانَ الِاقْتِدَاءُ مَانِعًا مِنَ الْقِرَاءَةِ لَكَانَ الِاقْتِدَاءُ حَرَامًا، لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ، وَالْمَانِعُ مِنَ الْعِبَادَةِ الشَّرِيفَةِ مُحَرَّمٌ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ الِاقْتِدَاءُ حَرَامًا، وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الِاقْتِدَاءَ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْقِرَاءَةِ. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ/ وَأَنْصِتُوا [الْأَعْرَافِ: 204] وَاعْلَمْ أَنَّا بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَبَالَغْنَا، فَلْيُطَالَعْ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ، وَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَقَدْ ذَكَرُوا أَخْبَارًا كَثِيرَةً وَالشَّيْخُ أَحْمَدُ الْبَيْهَقِيُّ بَيَّنَ ضَعْفَهَا، ثُمَّ نَقُولُ: هَبْ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ، وَلَكِنَّ الْأَخْبَارَ لَمَّا تَعَارَضَتْ وَكَثُرَتْ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ، وَهُوَ مَعَنَا مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَنَا يُوجِبُ الِاشْتِغَالَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ، وَقَوْلَهُمْ يُوجِبُ الْعُطْلَةَ وَالسُّكُوتَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَنَا أَوْلَى: الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَنَا أَحْوَطُ الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَنَا يُوجِبُ شَغْلَ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ بِالطَّاعَاتِ وَالْأَذْكَارِ الْجَمِيلَةِ، وَقَوْلَهُمْ يُوجِبُ تَعْطِيلَ الْوَقْتِ عَنِ الطَّاعَةِ وَالذِّكْرِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَإِنْ تَرَكَهَا فِي رَكْعَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، قال الشيخ أبو حامد الإسفرايني: وَهَذَا الْقَوْلُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، قَالَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذَاهِبَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سِتَّةٌ: أَحَدُهَا: قَوْلُ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ، وَهُوَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ أَصْلًا وَالثَّانِي: قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ جِنِّي أَنَّ الْقِرَاءَةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، فَإِذَا حَصَلَتْ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ بِحُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالثَّالِثُ: قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي
الركعتين الأولتين وَاجِبَةٌ، وَهُوَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ قَرَأَ، وَإِنْ شَاءَ سَبَّحَ، وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ، وَذُكِرَ فِي كِتَابِ «الِاسْتِحْبَابِ» أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَاجِبَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَالرَّابِعُ: نَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِ «الشَّامِلِ» عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ قَالَ: تَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَتُكْرَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَالْخَامِسُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَاجِبَةٌ فِي أَكْثَرِ الرَّكَعَاتِ، وَلَا تَجِبُ فِي جَمِيعِهَا، فَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ كَفَتِ الْقِرَاءَةُ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَإِنْ كَانَتْ مَغْرِبًا كَفَتْ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ صُبْحًا وَجَبَتِ الْقِرَاءَةُ فِيهِمَا مَعًا وَالسَّادِسُ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ الرَّكَعَاتِ. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ وُجُوهٌ: الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ الرَّكَعَاتِ فَيَجِبُ عَلَيْنَا مِثْلُهُ، لقوله تعالى: وَاتَّبِعُوهُ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَّمَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الصَّلَاةَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ فَافْعَلْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَإِنْ قَالُوا قَوْلَهُ: «فَافْعَلْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» رَاجِعٌ إِلَى الْأَفْعَالِ لَا إِلَى الْأَقْوَالِ، قُلْنَا/ الْقَوْلُ فِعْلُ اللِّسَانِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْأَفْعَالِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِ «الشَّامِلِ» عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقْرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَرِيضَةً كَانَتْ أَوْ نَافِلَةً. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكَعَاتِ أَحْوَطُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَمَرَ بِالصَّلَاةِ وَالْأَصْلُ فِي الثَّابِتِ الْبَقَاءُ، حَكَمْنَا بِالْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ الرَّكَعَاتِ لِأَجْلِ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ أَكْمَلُ، فَعِنْدَ عَدَمِ الْقِرَاءَةِ فِي الْكُلِّ وَجَبَ أَنْ يَبْقَى فِي الْعُهْدَةِ. وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْأَصْلِ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ فِي السَّفَرِ وَزِيدَتْ فِي الْحَضَرِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الرَّكْعَتَانِ الْأُولَيَانِ أَصْلٌ وَالْأُخْرَيَانِ تَبَعٌ، وَمَدَارُ الْأَمْرِ فِي التَّبَعِ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَا يُقْرَأُ السُّورَةَ الزَّائِدَةَ فِيهِمَا، وَلَا يُجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ دَلَائِلَنَا أَكْثَرُ وَأَقْوَى، وَمَذْهَبُنَا أَحْوَطُ، فَكَانَ أرجح. فروع على اشتراط الفاتحة في الصلاة: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ فَلَهُ فُرُوعٌ: الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ أَوْ تَرَكَ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا سَهْوًا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: صَلَّى بِنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَغْرِبَ فَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ فَلَمَّا انْقَضَتِ الصَّلَاةُ قِيلَ لَهُ: تَرَكْتَ الْقِرَاءَةَ، قَالَ: كَيْفَ كَانَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ؟ قَالُوا: حَسَنًا، قَالَ: فَلَا بَأْسَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَلَمَّا وَقَعَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا، وَرَجَعَ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ فِي الْجَدِيدِ، وَقَالَ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، لِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْمَذْكُورَةَ عَامَّةٌ فِي الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ قِصَّةِ عُمَرَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الشَّعْبِيَّ رَوَى أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعَادَ الصَّلَاةَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَعَلَّهُ تَرَكَ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ لَا نَفْسَ الْقِرَاءَةِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا هُوَ الظَّنُّ بِعُمَرَ. الْفَرْعُ الثَّانِي: تَجِبُ الرِّعَايَةُ فِي تَرْتِيبِ الْقِرَاءَةِ، فَلَوْ قَرَأَ النِّصْفَ الْأَخِيرَ ثُمَّ النِّصْفَ الْأَوَّلَ يُحْسَبُ له لأول دون الأخير.
الباب الخامس في تفسير سورة الفاتحة، وفيه فصول
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: الرَّجُلُ الَّذِي لَا يُحْسِنُ تَمَامَ الْفَاتِحَةِ إِمَّا أَنْ يَحْفَظَ بَعْضَهَا، وَإِمَّا أَنْ لَا يَحْفَظَ شَيْئًا مِنْهَا، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّهُ يَقْرَأُ تِلْكَ الْآيَةَ وَيَقْرَأُ مَعَهَا سِتَّ آيَاتٍ عَلَى الْوَجْهِ الْأَقْرَبِ وَأَمَّا الثَّانِي- وَهُوَ أَنْ لا يحفظ شيئاً من الفاتحة- فههنا إِنْ حَفِظَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ لَزِمَهُ قِرَاءَةُ ذلك المحفوظ، لقوله تعالى: فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [الْمُزَّمِّلِ: 20] وَإِنْ لَمْ يحفظ شيئاً من/ القرآن فههنا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالذِّكْرِ، وَهُوَ التَّكْبِيرُ وَالتَّحْمِيدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ مَا رَوَى رِفَاعَةُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلْيَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، ثُمَّ يُكَبِّرْ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَلْيَقْرَأْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَلْيُكَبِّرْ، بَقِيَ هَاهُنَا قِسْمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ لَا يَحْفَظَ الْفَاتِحَةَ وَلَا يَحْفَظَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا يَحْفَظَ أَيْضًا شَيْئًا مِنَ الْأَذْكَارِ الْعَرَبِيَّةِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَيِّ لِسَانٍ قَدَرَ عَلَيْهِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: نُقِلَ فِي الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُنْكِرُ كَوْنَ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَكَانَ يُنْكِرُ كَوْنَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ، لِأَنَّا إِنْ قُلْنَا إِنَّ النَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ كَانَ حَاصِلًا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ بِكَوْنِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ مِنَ الْقُرْآنِ فَحِينَئِذٍ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَالِمًا بِذَلِكَ فَإِنْكَارُهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ أَوْ نُقْصَانَ الْعَقْلِ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ النَّقْلَ الْمُتَوَاتِرَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا كَانَ حَاصِلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ إِنَّ نَقْلَ الْقُرْآنِ لَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ فِي الْأَصْلِ وَذَلِكَ يُخْرِجُ الْقُرْآنَ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً يَقِينِيَّةً، وَالْأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ نَقْلَ هَذَا الْمَذْهَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَقْلٌ كَاذِبٌ بَاطِلٌ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْخَلَاصُ عَنْ هَذِهِ الْعُقْدَةِ، وَهَاهُنَا آخِرُ الْكَلَامِ فِي الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُفَرَّعَةِ عَلَى سُورَةِ الْفَاتِحَةِ وَاللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ. الْبَابُ الْخَامِسُ فِي تَفْسِيرِ سورة الفاتحة، وفيه فصول الفصل الأول: تفسير «الحمد لله» : فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: هَاهُنَا أَلْفَاظٌ ثَلَاثَةٌ: الْحَمْدُ، وَالْمَدْحُ وَالشُّكْرُ، فَنَقُولُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالْمَدْحِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَدْحَ قَدْ يَحْصُلُ لِلْحَيِّ وَلِغَيْرِ الْحَيِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ رَأَى لُؤْلُؤَةً فِي غَايَةِ الْحُسْنِ أَوْ يَاقُوتَةً فِي غَايَةِ الْحُسْنِ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْدَحُهَا، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَحْمَدَهَا، فَثَبَتَ أَنَّ الْمَدْحَ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْفَرْقِ: أَنَّ الْمَدْحَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الْإِحْسَانِ وَقَدْ يَكُونُ بَعْدَهُ، أَمَّا الْحَمْدُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْإِحْسَانِ الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي الْفَرْقِ: أَنَّ الْمَدْحَ قَدْ يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «احْثُوا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ» أَمَّا الْحَمْدُ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ/ يَحْمَدِ النَّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ» الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَدْحَ عِبَارَةٌ عَنِ الْقَوْلِ الدَّالِّ عَلَى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَضَائِلِ، وَأَمَّا الْحَمْدُ فَهُوَ الْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِفَضِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَهِيَ فَضِيلَةُ الْإِنْعَامِ وَالْإِحْسَانِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَدْحَ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَمْدِ وَبَيْنَ الشُّكْرِ فَهُوَ أَنَّ الْحَمْدَ يَعُمُّ مَا إِذَا وَصَلَ ذَلِكَ الْإِنْعَامُ إِلَيْكَ أَوْ إِلَى غَيْرِكَ، وَأَمَّا الشُّكْرُ فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْإِنْعَامِ الْوَاصِلِ إِلَيْكَ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَدْحَ حَاصِلٌ لِلْحَيِّ وَلِغَيْرِ الْحَيِّ، وَلِلْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ وَلِغَيْرِهِ فَلَوْ قَالَ الْمَدْحُ لِلَّهِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى فَاعِلًا مُخْتَارًا، أَمَّا لَمَّا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُخْتَارًا، فَقَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ هَذَا الْقَائِلِ مُقِرًّا بِأَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ لَيْسَ مُوجِبًا بِالذَّاتِ كَمَا تَقُولُ الْفَلَاسِفَةُ بَلْ هُوَ فَاعِلٌ مُخْتَارٌ وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ الشُّكْرُ لِلَّهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ بِسَبَبِ كُلِّ إِنْعَامٍ صَدَرَ مِنْهُ وَوَصَلَ إِلَى غَيْرِهِ وَأَمَّا الشُّكْرُ لِلَّهِ فَهُوَ ثَنَاءٌ بِسَبَبِ إِنْعَامٍ وَصَلَ إِلَى ذَلِكَ الْقَائِلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ كَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: سَوَاءٌ أَعْطَيْتَنِي أَوْ لَمْ تُعْطِنِي فَإِنْعَامُكَ وَاصِلٌ إِلَى كُلِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْتَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ الْعَظِيمِ، وَقِيلَ الْحَمْدُ عَلَى مَا دَفَعَ اللَّهُ مِنَ الْبَلَاءِ، وَالشُّكْرُ عَلَى مَا أَعْطَى مِنَ النَّعْمَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: النِّعْمَةُ فِي الْإِعْطَاءِ أَكْثَرُ مِنَ النِّعْمَةِ فِي دَفْعِ الْبَلَاءِ فَلِمَاذَا تَرَكَ الْأَكْثَرَ وَذَكَرَ الْأَقَلَّ قُلْنَا في وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: كَأَنَّهُ يَقُولُ أَنَا شَاكِرٌ لِأَدْنَى النِّعْمَتَيْنِ فَكَيْفَ لِأَعْلَاهُمَا الثَّانِي: الْمَنْعُ غَيْرُ مُتَنَاهٍ، وَالْإِعْطَاءُ مُتَنَاهٍ، فَكَانَ الِابْتِدَاءُ بِشُكْرِ دَفْعِ الْبَلَاءِ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لَهُ أَوْلَى الثَّالِثُ: أَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ أَهَمُّ مِنْ جَلْبِ النَّفْعِ، فَلِهَذَا قدمه. الحمد لله أبلغ من أحمد الله: الفائدة الثانية: [الحمد لله أبلغ من أحمد الله] أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ أَحْمَدُ اللَّهَ وَلَكِنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ أَوْلَى لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَحْمَدُ اللَّهَ أَفَادَ ذَلِكَ كَوْنَ ذَلِكَ الْقَائِلِ قَادِرًا عَلَى حَمْدِهِ أَمَّا لَمَّا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَدْ أَفَادَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَحْمُودًا قَبْلَ حَمْدِ الْحَامِدِينَ وَقَبْلَ شُكْرِ الشَّاكِرِينَ، فَهَؤُلَاءِ سَوَاءٌ حَمِدُوا أَوْ لَمْ يَحْمَدُوا وَسَوَاءٌ شَكَرُوا أَوْ لَمْ يَشْكُرُوا فَهُوَ تَعَالَى مَحْمُودٌ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ بِحَمْدِهِ الْقَدِيمِ وَكَلَامِهِ الْقَدِيمِ وَثَانِيهَا: أَنَّ قَوْلَنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ حُقٌّ لِلَّهِ وَمِلْكُهُ، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أَيَادِيهِ وَأَنْوَاعِ آلَائِهِ عَلَى الْعِبَادِ، فَقَوْلُنَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ حَقٌّ يَسْتَحِقُّهُ لِذَاتِهِ وَلَوْ قَالَ أَحْمَدُ اللَّهَ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ لِذَاتِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ أَوْلَى مِنَ اللَّفْظِ الدَّالِّ على أن شخصاً واحد حَمِدَهُ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَحْمَدُ اللَّهَ لَكَانَ قَدْ حَمِدَ لَكِنْ لَا حَمْدًا يَلِيقُ بِهِ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ الْحَمْدُ/ لِلَّهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَنَا حَتَّى أَحْمَدَهُ؟ لَكِنَّهُ مَحْمُودٌ بِجَمِيعِ حَمْدِ الْحَامِدِينَ، مِثَالُهُ مَا لَوْ سُئِلْتَ: هَلْ لِفُلَانٍ عَلَيْكَ نِعْمَةٌ؟ فَإِنْ قَلْتَ: نَعَمْ فَقَدْ حَمِدْتَهُ وَلَكِنْ حَمْدًا ضَعِيفًا، وَلَوْ قُلْتَ فِي الْجَوَابِ: بَلْ نِعَمُهُ عَلَى كُلِّ الْخَلَائِقِ، فَقَدْ حَمِدْتَهُ بِأَكْمَلِ الْمَحَامِدِ وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْحَمْدَ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَةِ الْقَلْبِ وَهِيَ اعْتِقَادُ كَوْنِ ذَلِكَ الْمَحْمُودِ مُتَفَضِّلًا مُنْعِمًا مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، فَإِذَا تَلَفَّظَ الْإِنْسَانُ بِقَوْلِهِ أَحْمَدُ اللَّهَ مَعَ أَنَّهُ كَانَ قَلْبُهُ غَافِلًا عَنْ مَعْنَى التَّعْظِيمِ اللَّائِقِ بِجَلَالِ اللَّهِ كَانَ كَاذِبًا، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ حَامِدًا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، أَمَّا إِذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَوَاءٌ كَانَ غَافِلًا أَوْ مُسْتَحْضِرًا لِمَعْنَى التَّعْظِيمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ صَادِقًا لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَمْدَ حَقٌّ لِلَّهِ وَمِلْكُهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى حَاصِلٌ سَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَغِلًا بِمَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْلَى من قوله أحمد الله، ونظيره فولنا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ التَّكْذِيبُ، بِخِلَافِ قَوْلِنَا أَشَهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا فِي قَوْلِهِ أَشَهْدُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي تَكْذِيبِ الْمُنَافِقِينَ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [الْمُنَافِقُونَ: 1] وَلِهَذَا السِّرِّ أُمِرَ فِي الْأَذَانِ بِقَوْلِهِ أَشْهَدُ ثُمَّ وَقَعَ الْخَتْمُ عَلَى قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إلا الله.
معنى اللام في (الحمد لله) : الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: اللَّامُ فِي قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً: أَحَدُهَا: الِاخْتِصَاصُ اللَّائِقُ كَقَوْلِكَ الْجُلُّ لِلْفَرَسِ وَثَانِيهَا: الْمِلْكُ كَقَوْلِكَ الدَّارُ لِزَيْدٍ وَثَالِثُهَا: الْقُدْرَةُ وَالِاسْتِيلَاءُ كَقَوْلِكَ الْبَلَدُ لِلسُّلْطَانِ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِكَ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْوُجُوهَ الثَّلَاثَةَ فَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ اللَّائِقِ فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ الْحَمْدُ إِلَّا بِهِ لِغَايَةِ جَلَالِهِ وَكَثْرَةِ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الْمِلْكِ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ تَعَالَى مَالِكٌ لِلْكُلِّ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ مِنْهُمْ كَوْنَهُمْ مُشْتَغِلِينَ بِحَمْدِهِ، وَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الِاسْتِيلَاءِ وَالْقُدْرَةِ فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ وَمَا سِوَاهُ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ وَالْوَاجِبُ لِذَاتِهِ مُسْتَوْلٍ عَلَى الْمُمْكِنِ لِذَاتِهِ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ بِمَعْنَى أَنَّ الْحَمْدَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِهِ وَبِمَعْنَى أَنَّ الْحَمْدَ مِلْكُهُ وَمَلَكَهُ، وَبِمَعْنَى أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْكُلِّ وَالْمُسْتَعْلِي عَلَى الْكُلِّ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَمَانِيَةُ أَحْرُفٍ، وَأَبْوَابُ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةٌ، فَمَنْ قَالَ هَذِهِ الثَّمَانِيَةَ عَنْ صَفَاءِ قَلْبِهِ اسْتَحَقَّ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ. الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: الْحَمْدُ لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْفُ التَّعْرِيفِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِمَعْهُودٍ سَابِقٍ انْصَرَفَ إِلَيْهِ، وَإِلَّا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ صَوْنًا لِلْكَلَامِ عَنِ الْإِجْمَالِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ إِلَّا أَنَّهُ يُفِيدُ الْمَاهِيَّةَ وَالْحَقِيقَةَ فَقَطْ، إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَفَادَ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ حَمَدًا وَثَنَاءً فَهُوَ لِلَّهِ وَحَقُّهُ وَمِلْكُهُ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَا سِوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ الْبَتَّةَ، وَإِنْ قُلْنَا/ بِالْقَوْلِ الثَّانِي: كَانَ معناه أن ماهية الحمد حق الله تَعَالَى وَمِلْكٌ لَهُ، وَذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ هَذِهِ الْمَاهِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَنْفِي حُصُولَ الْحَمْدِ لِغَيْرِ اللَّهِ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ الْمُنْعِمَ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، وَالْأُسْتَاذُ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ مِنَ التِّلْمِيذِ وَالسُّلْطَانُ الْعَادِلُ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ مِنَ الرَّعِيَّةِ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَنْ لَمْ يَحْمَدِ النَّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ. قُلْنَا: إِنَّ كُلَّ مَنْ أَنْعَمَ عَلَى غَيْرِهِ بِإِنْعَامٍ فَالْمُنْعِمُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ تِلْكَ الدَّاعِيَةَ فِي قَلْبِ ذَلِكَ الْمُنْعِمِ وَإِلَّا لَمْ يُقْدِمْ عَلَى ذَلِكَ الْإِنْعَامِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ تِلْكَ النِّعْمَةَ وَسَلَّطَ ذَلِكَ الْمُنْعِمَ عَلَيْهَا وَمَكَّنَ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ مِنَ الِانْتِفَاعِ لَمَا حَصَلَ الِانْتِفَاعُ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُنْعِمَ فِي الْحَقِيقَةِ هو الله تعالى. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ قَوْلَهَ الْحَمْدُ لِلَّهِ كَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا مَحْمُودَ إِلَّا اللَّهُ، فَكَذَلِكَ الْعَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ دَاعِيَةَ الْإِنْعَامِ فِي قَلْبِ الْمُنْعِمِ لَمْ يُنْعِمْ فَيَكُونُ الْمُنْعِمُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الدَّاعِيَةَ وَثَانِيهَا: أَنَّ كُلَّ مَنْ أَنْعَمَ عَلَى الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَطْلُبُ بِذَلِكَ الْإِنْعَامِ عِوَضًا إما ثواباً أو ثناء أو تحصيل حَقٍّ أَوْ تَخْلِيصًا لِلنَّفْسِ مِنْ خُلُقِ الْبُخْلِ، وَطَالِبُ الْعِوَضِ لَا يَكُونُ مُنْعِمًا، فَلَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ فِي الْحَقِيقَةِ، أَمَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَإِنَّهُ كَامِلٌ لِذَاتِهِ، وَالْكَامِلُ لِذَاتِهِ لَا يَطْلُبُ الْكَمَالَ، لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ، فَكَانَتْ عَطَايَاهُ جُودًا مَحْضًا وَإِحْسَانًا مَحْضًا، فَلَا جَرَمَ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَثَالِثُهَا: أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهِيَ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ الْمُمْكِنَةِ الْوُجُودِ، وَكُلُّ مُمْكِنِ الْوُجُودِ فَإِنَّهُ وُجِدَ بِإِيجَادِ الْحَقِّ إِمَّا ابْتِدَاءً وَإِمَّا بِوَاسِطَةٍ، يَنْتُجُ أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهِيَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[النَّحْلِ: 53] وَالْحَمْدُ لَا مَعْنًى لَهُ إِلَّا الثَّنَاءُ عَلَى الْإِنْعَامِ فَلَمَّا كَانَ لَا إِنْعَامَ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَبَ الْقَطْعُ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَرَابِعُهَا: النِّعْمَةُ لَا تَكُونُ كَامِلَةً إِلَّا عِنْدَ اجْتِمَاعِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مَنْفَعَةً، وَالِانْتِفَاعُ بِالشَّيْءِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ حَيًّا مُدْرِكًا، وَكَوْنُهُ حَيًّا مُدْرِكًا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِإِيجَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَكُونُ نِعْمَةً كَامِلَةً إِلَّا إِذَا كَانَتْ خَالِيَةً عَنْ شَوَائِبِ الضَّرَرِ وَالْغَمِّ، وَإِخْلَاءُ الْمَنَافِعِ عَنْ شَوَائِبِ الضَّرَرِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَكُونُ نِعْمَةً كَامِلَةً إِلَّا إِذَا كَانَتْ آمِنَةً مِنْ خَوْفِ الِانْقِطَاعِ، وَهَذَا الْأَمْرُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالنِّعْمَةُ الْكَامِلَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ الْحَمْدَ الْكَامِلَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْبَرَاهِينِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعَالَى الْحَمْدُ لِلَّهِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الْحَمْدَ عِبَارَةٌ عَنْ مَدْحِ الْغَيْرِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا مُتَفَضِّلًا، وَمَا لَمْ يَحْصُلْ شُعُورُ الْإِنْسَانِ بِوُصُولِ النِّعْمَةِ إِلَيْهِ امْتَنَعَ تَكْلِيفُهُ بِالْحَمْدِ وَالشُّكْرِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: وَجَبَ كَوْنُ الْإِنْسَانِ عَاجِزًا عَنْ حَمْدِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: - الْأَوَّلُ: أَنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَى الْإِنْسَانِ كَثِيرَةٌ لَا يَقْوَى عَقْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ تعالى: إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم: 34 النحل: 18] إذا امْتَنَعَ وُقُوفُ الْإِنْسَانِ عَلَيْهَا امْتَنَعَ اقْتِدَارُهُ عَلَى الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ اللَّائِقِ بِهَا. الثَّانِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ إِذَا أَقْدَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ وَإِذَا خَلَقَ فِي قَلْبِهِ دَاعِيَةً إِلَى فِعْلِ ذَلِكَ الْحَمْدِ، وَالشُّكْرِ، وَإِذَا زَالَ عَنْهُ الْعَوَائِقُ وَالْحَوَائِلُ، فَكُلُّ ذَلِكَ إِنْعَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَعَلَى هَذَا لَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بِوَاسِطَةِ نِعَمٍ عَظِيمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَتِلْكَ النِّعَمُ أَيْضًا تُوجِبُ الشُّكْرَ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: فَالْعَبْدُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِالشُّكْرِ وَالْحَمْدِ إِلَّا عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِهِ مِرَارًا لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الْمُحَالِ مُحَالٌ، فَكَانَ الْإِنْسَانُ يَمْتَنِعُ مِنْهُ الْإِتْيَانُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَبِشُكْرِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، الثَّالِثُ: أَنَّ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ لَيْسَ مَعْنَاهُ مُجَرَّدَ قَوْلِ الْقَائِلِ بِلِسَانِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، بَلْ مَعْنَاهُ عِلْمُ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِكَوْنِ الْمُنْعِمِ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ وَكُلُّ مَا خَطَرَ بِبَالِ الْإِنْسَانِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ فَكَمَالُ اللَّهِ وَجَلَالُهُ أَعْلَى وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ الْمُتَخَيَّلِ وَالْمُتَصَوَّرِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ الْإِنْسَانِ آتِيًا بِحَمْدِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ وَبِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْحَمْدِ وَالشُّكْرِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ يُقَابِلُ الْإِنْعَامَ الصَّادِرَ مِنَ الْمُنْعِمِ بِشُكْرِ نَفْسِهِ وَبِحَمْدِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ بِعِيدٌ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لَا حَدَّ لَهَا فَمُقَابَلَتُهَا بِهَذَا الِاعْتِقَادِ الْوَاحِدِ وَبِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ حَمْدَهُ وَشُكْرَهُ يُسَاوِي نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ أَشْرَكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْوَاسِطِيِّ الشُّكْرُ شِرْكٌ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ مُحْتَاجٌ إِلَى إِنْعَامِ اللَّهِ فِي ذَاتِهِ وَفِي صِفَاتِهِ وَفِي أَحْوَالِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِ الشَّاكِرِينَ وَحَمْدِ الْحَامِدِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مُقَابَلَةُ نِعَمِ اللَّهِ بِهَذَا الشُّكْرِ وَبِهَذَا الْحَمْدِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ الْعَبْدَ عَاجِزٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَبِشُكْرِهِ فَلِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ لَمْ يَقُلِ احْمَدُوا اللَّهَ، بَلْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ احْمَدُوا اللَّهَ فَقَدْ كَلَّفَهُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ، أَمَّا لَمَّا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ كَمَالَ الْحَمْدِ حَقُّهُ وَمِلْكُهُ، سَوَاءٌ قَدَرَ الْخَلْقُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ أَوْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَنُقِلَ أَنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَشْكُرُكَ وَشُكْرِي لَكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِنْعَامِكَ عَلَيَّ وَهُوَ أَنْ تُوَفِّقَنِي لِذَلِكَ الشُّكْرِ؟ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ لَمَّا عَلِمْتَ عَجْزَكَ عَنْ شُكْرِي/ فَقَدْ شَكَرْتَنِي بِحَسَبِ قُدْرَتِكَ وطاقتك.
الفائدة الثامنة: [قول النبي ص في فضيلة التحميد] عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي أَعْطَيْتُهُ مَا لَا قَدْرَ لَهُ فَأَعْطَانِي مَا لَا قِيمَةَ لَهُ» ، وَتَفْسِيرُهُ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى الْعَبْدِ كَانَ ذَلِكَ الْإِنْعَامُ أَحَدَ الْأَشْيَاءِ الْمُعْتَادَةِ مِثْلَ أَنَّهُ كَانَ جَائِعًا فَأَطْعَمَهُ، أَوْ كَانَ عَطْشَانًا فَأَرْوَاهُ، أَوْ كَانَ عُرْيَانًا فَكَسَاهُ، أَمَّا إِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ حَمْدٍ أَتَى بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْحَامِدِينَ فَهُوَ لِلَّهِ، وَكُلَّ حَمْدٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْحَامِدِينَ وَأَمْكَنَ فِي حُكْمِ الْعَقْلِ دُخُولُهُ فِي الْوُجُودِ فَهُوَ لِلَّهِ، وَذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْمَحَامِدِ الَّتِي ذَكَرَهَا مَلَائِكَةُ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَسَاكِنُو أطباق السموات وَجَمِيعُ الْمَحَامِدِ الَّتِي ذَكَرَهَا جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَجَمِيعُ الْمَحَامِدِ الَّتِي ذَكَرَهَا جَمِيعُ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَجَمِيعُ الْخَلْقِ وَجَمِيعُ الْمَحَامِدِ الَّتِي سَيَذْكُرُونَهَا إِلَى وَقْتِ قَوْلِهِمْ: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يُونُسَ: 10] ثُمَّ جَمِيعُ هَذِهِ الْمَحَامِدِ مُتَنَاهِيَةٌ، وَأَمَّا الْمَحَامِدُ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا هِيَ الَّتِي سَيَأْتُونَ بِهَا أَبَدَ الْآبَادِ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ، فَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِ الْعَبْدِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ تَعَالَى: «انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي قَدْ أَعْطَيْتُهُ نِعْمَةً وَاحِدَةً لَا قَدْرَ لَهَا فَأَعْطَانِي مِنَ الشُّكْرِ مَا لَا حَدَّ لَهُ وَلَا نِهَايَةَ لَهُ» . أَقُولُ: هَاهُنَا دَقِيقَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا مُتَنَاهِيَةٌ، وَقَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدٌ غَيْرُ مُتَنَاهٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَنَاهِي إِذَا سَقَطَ مِنْهُ الْمُتَنَاهِي بَقِيَ الْبَاقِي غَيْرَ مُتَنَاهٍ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: عَبْدِي، إِذَا قُلْتَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فِي مُقَابَلَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ فَالَّذِي بَقِيَ لَكَ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ طَاعَاتٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُقَابَلَتِهَا بِنِعْمَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ، فَلِهَذَا السَّبَبِ يَسْتَحِقُّ الْعَبْدُ الثَّوَابَ الْأَبَدِيَّ والخير السرمدي، فثبت أن قول العبد الحمد لِلَّهِ يُوجِبُ سَعَادَاتٍ لَا آخِرَ لَهَا وَخَيْرَاتٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: لَا شَكَّ أَنَّ الْوُجُودَ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ حَيٌّ فَإِنَّهُ يَكْرَهُ عَدَمَ نَفْسِهِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْوُجُودَ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ وَإِلَّا لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ حَصَلَ بِإِيجَادِ اللَّهِ وَجُودِهِ وَفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْوُجُودَ نِعْمَةٌ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا مَوْجُودَ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ وَالْعُلْوِيَّاتِ وَالسُّفْلِيَّاتِ إِلَّا وَلِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَإِحْسَانٌ، وَالنِّعْمَةُ وَالرَّحْمَةُ وَالْإِحْسَانُ مُوجِبَةٌ لِلْحَمْدِ وَالشُّكْرِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَلَيْسَ مُرَادُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى النِّعَمِ الْوَاصِلَةِ إِلَيَّ بَلِ الْمُرَادُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى النِّعَمِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ وقد بينا أن إنعامه/ واصل إلى ما كل سِوَاهُ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ كَانَ مَعْنَاهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِنْعَامِهِ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ وَعَلَى كُلِّ مُحْدَثٍ أَحْدَثَهُ مِنْ نُورٍ وَظُلْمَةٍ وَسُكُونٍ وَحَرَكَةٍ وَعَرْشٍ وَكُرْسِيٍّ وَجِنِّيٍّ وَإِنْسِيٍّ وَذَاتٍ وَصِفَةٍ وَجِسْمٍ وَعَرَضٍ إِلَى أَبَدِ الْآبَادِ وَدَهْرِ الدَّاهِرِينَ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهَا بِأَسْرِهَا حَقُّكَ وَمِلْكُكَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَكَ فِيهَا شَرِكَةٌ وَمُنَازَعَةٌ. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: التَّسْبِيحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّحْمِيدِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَمَا السَّبَبُ هَاهُنَا فِي وُقُوعِ الْبِدَايَةِ بِالتَّحْمِيدِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّحْمِيدَ يَدُلُّ عَلَى التَّسْبِيحِ دَلَالَةَ التَّضَمُّنِ، فَإِنَّ التَّسْبِيحَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُبَرَّأٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَنِ النَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ، وَالتَّحْمِيدُ يَدُلُّ مَعَ حُصُولِ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلَى كَوْنِهِ مُحْسِنًا إِلَى الْخَلْقِ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ رَحِيمًا بِهِمْ، فَالتَّسْبِيحُ إِشَارَةٌ إِلَى كَوْنِهِ تَعَالَى تَامًّا وَالتَّحْمِيدُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى فَوْقَ التَّمَامِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالتَّحْمِيدِ أَوْلَى، وَهَذَا الْوَجْهُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْقَوَانِينِ الْحِكَمِيَّةِ، وَأَمَّا الوجه اللائق
بِالْقَوَانِينِ الْأُصُولِيَّةِ فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَكُونُ مُحْسِنًا بِالْعِبَادِ إِلَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ لِيَعْلَمَ أَصْنَافَ حَاجَاتِ الْعِبَادِ، وَإِلَّا إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى كُلِّ الْمَقْدُورَاتِ لِيَقْدِرَ عَلَى تَحْصِيلِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَإِلَّا إِذَا كان غنياً عن كل الحاجات، إذا لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَ اشْتِغَالُهُ بِدَفْعِ الْحَاجَةِ عَنْ نَفْسِهِ يَمْنَعُهُ عَنْ دَفْعِ حَاجَةِ الْعَبْدِ فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَهُ مُحْسِنًا لَا يَتِمُّ إلا بعد كونه منزهاً عن النقائض وَالْآفَاتِ، فَثَبَتَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْلَى مِنَ الِابْتِدَاءِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ. الْفَائِدَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَاضِي وَتَعَلُّقٌ بِالْمُسْتَقْبَلِ، أَمَّا تَعَلُّقُهُ بِالْمَاضِي فَهُوَ أَنَّهُ يَقَعُ شُكْرًا عَلَى النِّعَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَمَّا تَعَلُّقُهُ بِالْمُسْتَقْبَلِ فَهُوَ أَنَّهُ يُوجِبُ تَجَدُّدَ النِّعَمِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إِبْرَاهِيمَ: 7] وَالْعَقْلُ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ النِّعَمَ السَّابِقَةَ تُوجِبُ الْإِقْدَامَ عَلَى الْخِدْمَةِ، وَالْقِيَامِ بِالطَّاعَةِ، ثُمَّ إِذَا اشْتَغَلَ بِالشُّكْرِ انْفَتَحَتْ عَلَى الْعَقْلِ وَالْقَلْبِ أَبْوَابُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَبْوَابُ مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى كَانَ الْحَمْدُ بِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَاضِي يُغْلِقُ عَنْكَ أَبْوَابَ النِّيرَانِ، وَبِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالْمُسْتَقْبَلِ يَفْتَحُ لَكَ أَبْوَابَ الْجِنَانِ، فَتَأْثِيرُهُ فِي الْمَاضِي سَدَّ أَبْوَابَ الْحِجَابِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَأْثِيرُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَتَحَ أَبْوَابَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمَّا كان لا نهاية لدرجات جلال اللَّهِ فَكَذَلِكَ لَا نِهَايَةَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَارِجِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَلَا مِفْتَاحَ لَهَا إِلَّا قَوْلُنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ سُمِّيَتْ سُورَةُ الْحَمْدِ بِسُورَةِ الْفَاتِحَةِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةٌ شَرِيفَةٌ جَلِيلَةٌ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا فِي مَوْضِعِهَا وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، قِيلَ لِلسَّرِيِّ السَّقَطِيِّ: كَيْفَ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِالطَّاعَةِ؟ قَالَ: أَنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَنْ قَوْلِي مَرَّةً وَاحِدَةً الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقِيلَ كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَقَعَ الْحَرِيقُ فِي بَغْدَادَ وَاحْتَرَقَتِ الدَّكَاكِينُ وَالدُّورُ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ دُكَّانِي لَمْ يَحْتَرِقْ فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَانَ مَعْنَاهُ أَنِّي فَرِحْتُ/ بِبَقَاءِ دُكَّانِي حَالَ احْتِرَاقِ دَكَاكِينِ النَّاسِ وَكَانَ حَقُّ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ أَنْ لَا أَفْرَحَ بِذَلِكَ فَأَنَا فِي الِاسْتِغْفَارِ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً عَنْ قَوْلِي الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ جَلِيلَةَ الْقَدْرِ إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ رِعَايَةُ مَوْضِعِهَا، ثُمَّ إِنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ كَثِيرَةٌ، إِلَّا أَنَّهَا بِحَسَبِ الْقِسْمَةِ الْأُولَى مَحْصُورَةٌ فِي نَوْعَيْنِ: نِعَمُ الدُّنْيَا، وَنِعَمُ الدِّينِ، وَنِعَمُ الدِّينِ أَفْضَلُ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَقَوْلُنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةٌ جَلِيلَةٌ شَرِيفَةٌ فَيَجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ إِجْلَالُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ أَنْ يَذْكُرَهَا فِي مُقَابَلَةِ نِعَمِ الدُّنْيَا، بَلْ يَجِبُ أَنْ لَا يَذْكُرَهَا إِلَّا عِنْدَ الْفَوْزِ بِنِعَمِ الدِّينِ، ثُمَّ نِعَمُ الدِّينِ قِسْمَانِ: أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ، وَأَعْمَالُ الْقُلُوبِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَشْرَفُ، ثُمَّ نِعَمُ الدُّنْيَا قِسْمَانِ: تَارَةً تُعْتَبَرُ تِلْكَ النِّعَمُ مِنْ حَيْثُ هِيَ نِعَمٌ، وَتَارَةً تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا عَطِيَّةُ الْمُنْعِمِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَشْرَفُ، فَهَذِهِ مَقَامَاتٌ يَجِبُ اعْتِبَارُهَا حَتَّى يَكُونَ ذِكْرُ قَوْلِنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ مُوَافِقًا لِمَوْضِعِهِ لَائِقًا بِسَبَبِهِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَوَّلُ كَلِمَةٍ ذَكَرَهَا أَبُونَا آدَمُ هُوَ قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَآخِرُ كَلِمَةٍ يَذْكُرُهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ هُوَ قَوْلُنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَ الرُّوحَ إِلَى سُرَّتِهِ عَطَسَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يُونُسَ: 10] فَفَاتِحَةُ الْعَالَمِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْحَمْدِ وَخَاتِمَتُهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْحَمْدِ، فَاجْتَهِدْ حَتَّى يَكُونَ أَوَّلُ أَعْمَالِكَ وَآخِرُهَا مَقْرُونًا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ عَالَمٌ صَغِيرٌ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَحْوَالُهُ مُوَافِقَةً لِأَحْوَالِ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَهَذَا عِنْدِي ضَعِيفٌ، لِأَنَّ
الْإِضْمَارَ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ لِيَصِحَّ الْكَلَامُ، وَهَذَا الْإِضْمَارُ يُوجِبُ فَسَادَ الْكَلَامِ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِخْبَارٌ عَنْ كَوْنِ الْحَمْدِ حَقًّا لَهُ وَمِلْكًا لَهُ، وَهَذَا كَلَامٌ تَامٌّ فِي نَفْسِهِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِضْمَارِ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ بِحَسَبِ ذَاتِهِ وَبِحَسَبِ أَفْعَالِهِ سَوَاءٌ حَمِدُوهُ أَوْ لَمْ يَحْمَدُوهُ، لِأَنَّ مَا بِالذَّاتِ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِمَّا بِالْغَيْرِ. الثَّالِثُ: ذَكَرُوا مَسْأَلَةً فِي الْوَاقِعَاتِ وَهِيَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْوَالِدِ أَنْ يَقُولَ لِوَلَدِهِ اعْمَلْ كَذَا وَكَذَا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَمْتَثِلَ أَمْرَهُ فَيَأْثَمَ، بَلْ يَقُولُ إِنَّ كَذَا وَكَذَا يَجِبُ أَنْ يُفْعَلَ، ثُمَّ إِذَا كَانَ الولد كريماً فإنه يجيبه وَيُطِيعُهُ، وَإِنْ كَانَ عَاقًّا لَمْ يُشَافِهْهُ بِالرَّدِّ، فَيَكُونُ إِثْمُهُ أَقَلَّ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَمْدُ لِلَّهِ فَمَنْ كَانَ مُطِيعًا حَمِدَهُ، ومن كان عاصياً كان إثمه أقل. الفائدة الخامسة عشرة: تمسك الْجَبْرِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ: أَمَّا الْجَبْرِيَّةُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ فِعْلُهُ أَشْرَفَ وَأَكْمَلَ وَكَانَتِ النِّعْمَةُ الصَّادِرَةُ عَنْهُ أَعْلَى/ وَأَفْضَلَ كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ لِلْحَمْدِ أَكْثَرَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَشْرَفَ الْمَخْلُوقَاتِ هُوَ الْإِيمَانُ، فَلَوْ كَانَ الْإِيمَانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لَكَانَ اسْتِحْقَاقُ الْعَبْدِ لِلْحَمْدِ أَوْلَى وَأَجَلَّ مِنِ اسْتِحْقَاقِ اللَّهِ لَهُ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الْإِيمَانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ لَا بِخَلْقِ الْعَبْدِ، الثَّانِي: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى قَوْلِهِمْ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ وَمَا كَانَ فِعْلًا لِلَّهِ لَكَانَ قَوْلُهُمُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الْإِيمَانِ بَاطِلًا فَإِنَّ حَمْدَ الْفَاعِلِ عَلَى مَا لَا يكون فعلًا له باطن قَبِيحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا [آلِ عِمْرَانَ: 188] الثَّالِثُ: أَنَّا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى أَنَّ كُلَّ الْحَمْدِ لِلَّهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ حَمْدٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا يَكُونُ كُلُّ الْحَمْدِ لِلَّهِ لَوْ كَانَ كُلُّ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ وَالْإِيمَانُ أَفْضَلُ النِّعَمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِيمَانُ مِنَ اللَّهِ، الرَّابِعُ: أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ مَدْحٌ مِنْهُ لِنَفْسِهِ وَمَدْحُ النَّفْسِ مُسْتَقْبَحٌ فِيمَا بَيْنَ الْخَلْقِ، فَلَمَّا بَدَأَ كِتَابَهُ بِمَدْحِ النَّفْسِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حَالَهُ بِخِلَافِ حَالِ الْخَلْقِ وَأَنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ مَا يَقْبُحُ مِنَ الْخَلْقِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مُقَدَّسٌ عَنْ أَنْ تُقَاسَ أَفْعَالُهُ عَلَى أَفْعَالِ الْخَلْقِ، فَقَدْ تَقْبُحُ أَشْيَاءُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَا تَقْبُحُ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا يَهْدِمُ أُصُولَ الِاعْتِزَالِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَفْعَالَهُ تَعَالَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ حَسَنَةً وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ لَهَا صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْحُسْنِ، وَإِلَّا كَانَتْ عَبَثًا، وَذَلِكَ فِي حَقِّهِ مُحَالٌ، وَالزَّائِدَةُ عَلَى الْحُسْنِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ بَابِ التَّفَضُّلِ: أَمَّا الْوَاجِبُ فَهُوَ مِثْلُ إِيصَالِ الثَّوَابِ وَالْعِوَضِ إِلَى الْمُكَلَّفِينَ، وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّفَضُّلِ فَهُوَ مِثْلُ أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَى سَبِيلِ الْإِحْسَانِ، فَنَقُولُ: هَذَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ تَعَالَى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ، وَيُبْطِلُ صِحَّةَ قَوْلِنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنْ نَقُولَ: أَمَّا أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ اسْتِحْقَاقَ الْحَمْدِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ دَيْنُ دِينَارٍ فَأَدَّاهُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ، فَلَوْ وَجَبَ عَلَى اللَّهِ فِعْلٌ لَكَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مُخَلِّصًا لَهُ عَنِ الذَّمِّ وَلَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَهُ لِلْحَمْدِ، وَأَمَّا فِعْلُ التَّفَضُّلِ فَعِنْدَ الْخَصْمِ أَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ مَزِيدَ حَمْدٍ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ لَمَا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا كان كذلك كانا نَاقِصًا لِذَاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ تَعَالَى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ وَالْمَدْحِ. السَّادِسُ: قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مَحْمُودٌ، فَنَقُولُ: اسْتِحْقَاقُهُ الْحَمْدَ وَالْمَدْحَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا ثَابِتًا لَهُ لِذَاتِهِ أَوْ لَيْسَ ثَابِتًا له لِذَاتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْأَفْعَالِ مُوجِبًا لَهُ اسْتِحْقَاقَ الْمَدْحِ، لِأَنَّ مَا ثَبَتَ لِذَاتِهِ امْتَنَعَ ثُبُوتُهُ لِغَيْرِهِ، وَامْتَنَعَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْأَفْعَالِ مُوجِبًا لَهُ اسْتِحْقَاقَ الذَّمِّ، لِأَنَّ مَا ثَبَتَ لِذَاتِهِ امْتَنَعَ ارْتِفَاعُهُ بِسَبَبِ غَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَقَرَّرْ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وُجُوبُ شَيْءٍ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجِبَ لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَعْوَاضِ
/ وَالثَّوَابِ، وَذَلِكَ يَهْدِمُ أُصُولَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقُ الْحَمْدِ لِلَّهِ لَيْسَ ثَابِتًا لَهُ لِذَاتِهِ- فَنَقُولُ: فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَاقِصًا لِذَاتِهِ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالُوا: إِنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا يَتِمُّ إِلَّا عَلَى قَوْلِنَا لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ الَّذِي لَا قَبِيحَ فِي فِعْلِهِ، وَلَا جَوْرَ فِي أَقْضِيَتِهِ، وَلَا ظُلْمَ فِي أَحْكَامِهِ، وَعِنْدَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَذَلِكَ، فَكَانَ مُسْتَحِقًّا لِأَعْظَمِ الْمَحَامِدِ وَالْمَدَائِحِ، أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْجَبْرِيَّةِ لَا قَبِيحَ إِلَّا وَهُوَ فِعْلُهُ، وَلَا جَوْرَ إِلَّا وَهُوَ حُكْمُهُ، وَلَا عَبَثَ إِلَّا وَهُوَ صُنْعُهُ، لِأَنَّهُ يَخْلُقُ الْكُفْرَ فِي الْكَافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ، وَيُؤْلِمُ الْحَيَوَانَاتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَوِّضَهَا، فَكَيْفَ يُعْقَلُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ؟ وَأَيْضًا فَذَلِكَ الْحَمْدُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِسَبَبِ الْإِلَهِيَّةِ إِمَّا أَنْ يَسْتَحِقَّهُ عَلَى الْعَبْدِ، أَوْ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَجَبَ كَوْنُ الْعَبْدِ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ، وَذَلِكَ يُبْطِلُ الْقَوْلَ بِالْجَبْرِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمَدَ نَفْسَهُ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، قَالُوا: فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْحَمْدِ لله لا يصح إلا على قولنا. شكر المنعم: الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ وُجُوبَ الشُّكْرِ ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالسَّمْعِ: مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ بِالسَّمْعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الْإِسْرَاءِ: 15] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النِّسَاءِ: 165] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ ثَابِتٌ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ وَبَعْدَ مَجِيئِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ أَنَّ هَذَا الْحَمْدَ حَقُّهُ وَمِلْكُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الِاسْتِحْقَاقِ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ. الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة: 2] وَقَدْ ثَبَتَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوصف، فههنا أَثْبَتَ الْحَمْدَ لِنَفْسِهِ وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ تَعَالَى رَبًّا لِلْعَالَمِينَ رَحْمَانًا رَحِيمًا بِهِمْ، مَالِكًا لِعَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ فِي الْقِيَامَةِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَمْدِ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِكَوْنِهِ تَعَالَى مُرَبِّيًا لَهُمْ رَحْمَانًا رَحِيمًا بِهِمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَمْدِ ثَابِتٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ مَجِيءِ النبي أو بعده. معنى الحمد: الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثَ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَمْدِ وَمَاهِيَّتِهِ فَنَقُولُ: تَحْمِيدُ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ قَوْلِنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ، لِأَنَّ قَوْلَنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ إِخْبَارٌ عَنْ حُصُولِ الْحَمْدِ، وَالْإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ مُغَايِرٌ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَحْمِيدُ اللَّهِ مُغَايِرًا لِقَوْلِنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَنَقُولُ: حَمْدُ الْمُنْعِمِ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا. وَذَلِكَ الْفِعْلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ/ فِعْلُ الْقَلْبِ، أَوْ فِعْلُ اللِّسَانِ، أَوْ فِعْلُ الْجَوَارِحِ، أَمَّا فِعْلُ الْقَلْبِ فَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْإِجْلَالِ، وَأَمَّا فِعْلُ اللِّسَانِ فَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ أَلْفَاظًا دَالَّةً عَلَى كَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ. وَأَمَّا فِعْلُ الْجَوَارِحِ فَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِأَفْعَالٍ دَالَّةٍ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ الْمُنْعِمِ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْإِجْلَالِ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْحَمْدِ، وَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ افْتَرَقُوا فِي هَذَا الْمَقَامِ فَرِيقَيْنِ: الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ عَبِيدَهُ بِأَنْ يَحْمَدُوهُ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ التَّحْمِيدَ إِمَّا أَنْ يكون بناءً على إنعام وصل إليهم أولًا وَبِنَاءً عَلَيْهِ، فَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ تَعَالَى طَلَبَ مِنْهُمْ عَلَى إِنْعَامِهِ جَزَاءً وَمُكَافَأَةً، وَذَلِكَ يَقْدَحُ فِي كَمَالِ الْكَرَمِ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا أَنْعَمَ لَمْ يَطْلُبِ الْمُكَافَأَةَ، وَأَمَّا الثاني فهو
الفصل الثاني في تفسير قوله رب العالمين،
إِتْعَابٌ لِلْغَيْرِ ابْتِدَاءً، وَذَلِكَ يُوجِبُ الظُّلْمَ. الثَّانِي: قَالُوا الِاشْتِغَالُ بِهَذَا الْحَمْدِ مُتْعِبٌ لِلْحَامِدِ وَغَيْرُ نَافِعٍ لِلْمَحْمُودِ، لِأَنَّهُ كَامِلٌ لِذَاتِهِ، وَالْكَامِلُ لِذَاتِهِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْتَكْمِلَ بِغَيْرِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهَذَا التَّحْمِيدِ عَبَثٌ وَضَرَرٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مَشْرُوعًا. الثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى الْإِيجَابِ هُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ، فَإِيجَابُ حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ لَوْ لَمْ تَشْتَغِلْ بِهَذَا الْحَمْدِ لَعَاقَبْتُكَ، وَهَذَا الْحَمْدُ لَا نَفْعَ لَهُ فِي حَقِّ اللَّهِ، فَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ، وَلَوْ تَرَكْتَهُ لَعَاقَبْتُكَ أَبَدَ الْآبَادِ، وَهَذَا لَا يَلِيقُ بِالْحَكَمِ الْكَرِيمِ. الْفَرِيقُ الثَّانِي: قَالُوا الِاشْتِغَالُ بِحَمْدِ اللَّهِ سُوءُ أَدَبٍ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى مُقَابَلَةِ إِحْسَانِ اللَّهِ بِذَلِكَ الشُّكْرِ الْقَلِيلِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالشُّكْرِ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا مَعَ اسْتِحْضَارِ تِلْكَ النِّعَمِ فِي الْقَلْبِ، وَاشْتِغَالَ الْقَلْبِ بِالنِّعَمِ يَمْنَعُهُ مِنَ الِاسْتِغْرَاقِ فِي مَعْرِفَةِ الْمُنْعِمِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ وِجْدَانِ النِّعْمَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَثْنَى عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْفَوْزِ بِتِلْكَ النِّعَمِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَقْصُودَهُ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ الْفَوْزُ بِتِلْكَ النِّعَمِ، وَهَذَا الرَّجُلُ فِي الْحَقِيقَةِ مَعْبُودُهُ وَمَطْلُوبُهُ إِنَّمَا هُوَ تِلْكَ النِّعْمَةُ وَحَظُّ النَّفْسِ، وَذَلِكَ مَقَامٌ نَازِلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَصْلُ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ رب العالمين، وفيه فوائد أقسام العالم وأنواع كل قسم: الفائدة الأولى: [أقسام العالم وأنواع كل قسم] اعْلَمْ أَنَّ الْمَوْجُودَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِذَاتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ، أَمَّا الْوَاجِبُ لِذَاتِهِ فَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَطْ، وَأَمَّا الْمُمْكِنُ لِذَاتِهِ فَهُوَ كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْعَالَمُ، / لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ قَالُوا: الْعَالَمُ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ، وَسَبَبُ تَسْمِيَةِ هَذَا الْقِسْمِ بِالْعَالَمِ أَنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلِهَذَا السَّبَبِ سُمِّيَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ بِأَنَّهُ عَالَمٌ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُتَحَيِّزًا وَلَا صِفَةَ لِلْمُتَحَيِّزِ، فَهَذِهِ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْمُتَحَيِّزُ: وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ، أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ فَهُوَ الْجِسْمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ، أَمَّا الْجِسْمُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَجْسَامِ الْعُلْوِيَّةِ أَوْ مِنَ الْأَجْسَامِ السُّفْلِيَّةِ، أَمَّا الْأَجْسَامُ الْعُلْوِيَّةُ فَهِيَ الْأَفْلَاكُ وَالْكَوَاكِبُ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالشَّرْعِ أَشْيَاءُ أُخَرُ سِوَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، مِثْلُ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ وَالْجَنَّةِ، وَأَمَّا الْأَجْسَامُ السُّفْلِيَّةُ فَهِيَ إِمَّا بَسِيطَةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ: أَمَّا الْبَسِيطَةُ فَهِيَ الْعَنَاصِرُ الْأَرْبَعَةُ: وَأَحَدُهَا: كُرَةُ الْأَرْضِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْمَفَاوِزِ وَالْجِبَالِ وَالْبِلَادِ الْمَعْمُورَةِ، وَثَانِيهَا: كُرَةُ الْمَاءِ وَهِيَ الْبَحْرُ الْمُحِيطُ وَهَذِهِ الْأَبْحُرُ الْكَبِيرَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي هَذَا الرُّبْعِ الْمَعْمُورِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَوْدِيَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَثَالِثُهَا: كُرَةُ الْهَوَاءِ، وَرَابِعُهَا: كُرَةُ النَّارِ. وَأَمَّا الْأَجْسَامُ الْمُرَكَّبَةُ فَهِيَ النَّبَاتُ، وَالْمَعَادِنُ، وَالْحَيَوَانُ، عَلَى كَثْرَةِ أَقْسَامِهَا وَتَبَايُنِ أَنْوَاعِهَا، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: - وَهُوَ الْمُمْكِنُ الَّذِي يَكُونُ صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزَاتِ- فَهِيَ الْأَعْرَاضُ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ ذَكَرُوا مَا يَقْرُبُ مِنْ أَرْبَعِينَ جِنْسًا مِنْ أَجْنَاسِ الْأَعْرَاضِ. أَمَّا الثَّالِثُ- وَهُوَ الْمُمْكِنُ الَّذِي لَا يَكُونُ مُتَحَيِّزًا وَلَا صِفَةً لِلْمُتَحَيِّزِ- فَهُوَ الْأَرْوَاحُ، وَهِيَ إِمَّا سُفْلِيَّةٌ، وَإِمَّا عُلْوِيَّةٌ: أَمَّا السُّفْلِيَّةُ فَهِيَ إِمَّا خَيِّرَةٌ، وَهُمْ صَالِحُو الْجِنِّ، وَإِمَّا شِرِّيرَةٌ خَبِيثَةٌ وَهِيَ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ. وَالْأَرْوَاحُ الْعُلْوِيَّةُ إِمَّا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَجْسَامِ وَهِيَ الْأَرْوَاحُ
الْفَلَكِيَّةُ، وَإِمَّا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْأَجْسَامِ وَهِيَ الْأَرْوَاحُ الْمُطَهَّرَةُ الْمُقَدَّسَةُ، فَهَذَا هُوَ الْإِشَارَةُ إِلَى تَقْسِيمِ مَوْجُودَاتِ الْعَالَمِ، وَلَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ كَتَبَ أَلْفَ أَلْفِ مُجَلَّدٍ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ لَمَا وَصَلَ إِلَى أَقَلِّ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ وَاحِدٌ، ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، فَيَكُونُ مُحْتَاجًا فِي وُجُودِهِ إِلَى إِيجَادِ الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ، وَأَيْضًا ثَبَتَ أَنَّ الْمُمْكِنَ حَالَ بَقَائِهِ لَا يَسْتَغْنِي عَنِ الْمُبْقِي، وَاللَّهُ تَعَالَى إِلَهُ الْعَالَمِينَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَهَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَهُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُبْقِيهَا حَالَ دَوَامِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا. وَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ ظَهَرَ عِنْدَكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ مِنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ إِحَاطَةٍ بِأَحْوَالِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ كَانَ أَكْثَرَ وُقُوفًا عَلَى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُرَبِّي عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَبِّيَ شَيْئًا لِيَرْبَحَ عَلَيْهِ الْمُرَبِّي، وَالثَّانِي: أَنْ يُرَبِّيَهُ لِيَرْبَحَ الْمُرَبِّي، وَتَرْبِيَةُ كُلِّ الْخَلْقِ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُرَبُّونَ غَيْرَهُمْ لِيَرْبَحُوا عَلَيْهِ إِمَّا ثَوَابًا أَوْ ثَنَاءً، وَالْقِسْمُ الثَّانِي: هُوَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ، كَمَا قَالَ: خَلَقْتُكُمْ لِتَرْبَحُوا عَلَيَّ لَا لِأَرْبَحَ عَلَيْكُمْ فَهُوَ تَعَالَى يُرَبِّي وَيُحْسِنُ، وَهُوَ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُرَبِّينَ وَبِخِلَافِ سَائِرِ الْمُحْسِنِينَ. وَاعْلَمْ أَنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعَالَى مُخَالِفَةٌ لِتَرْبِيَةِ غَيْرِهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى يُرَبِّي عَبِيدَهُ لَا لِغَرَضِ نَفْسِهِ بَلْ لِغَرَضِهِمْ وَغَيْرُهُ يُرَبُّونَ لِغَرَضِ أَنْفُسِهِمْ لَا لِغَرَضِ غَيْرِهِمْ، الثَّانِي: أَنَّ غَيْرَهُ إِذَا رَبَّى فَبِقَدْرِ تِلْكَ التَّرْبِيَةِ يَظْهَرُ النُّقْصَانُ فِي خَزَائِنِهِ وَفِي مَالِهِ وَهُوَ تَعَالَى مُتَعَالٍ عَنِ النُّقْصَانِ وَالضَّرَرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ. [الْحِجْرِ: 21] الثَّالِثُ: أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إِذَا أَلَحَّ الْفَقِيرُ عَلَيْهِ أَبْغَضَهُ وَحَرَمَهُ وَمَنَعَهُ، وَالْحَقُّ تَعَالَى بِخِلَافِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ. الرَّابِعُ: أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْمُحْسِنِينَ مَا لَمْ يُطْلَبْ مِنْهُ الْإِحْسَانُ لَمْ يُعْطِ، أَمَّا الْحَقُّ تَعَالَى فَأَنَّهُ يُعْطِي قَبْلَ السؤال، ألا تَرَى أَنَّهُ رَبَّاكَ حَالَ مَا كُنْتَ جَنِينًا فِي رَحِمِ الْأُمِّ، وَحَالَ مَا كُنْتَ جَاهِلًا غَيْرَ عَاقِلٍ، لَا تُحْسِنُ أَنْ تَسْأَلَ مِنْهُ وَوَقَاكَ وَأَحْسَنَ إِلَيْكَ مَعَ أَنَّكَ مَا سَأَلْتَهُ وَمَا كَانَ لَكَ عَقْلٌ وَلَا هِدَايَةٌ. الْخَامِسُ: أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يَنْقَطِعُ إِحْسَانُهُ إِمَّا بِسَبَبِ الْفَقْرِ أَوِ الْغَيْبَةِ أَوِ الْمَوْتِ، وَالْحَقُّ تَعَالَى لَا يَنْقَطِعُ إِحْسَانُهُ الْبَتَّةَ. السَّادِسُ: أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يَخْتَصُّ إِحْسَانُهُ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّعْمِيمُ أَمَّا الْحَقُّ تَعَالَى فَقَدْ وَصَلَ تَرْبِيَتُهُ وَإِحْسَانُهُ إِلَى الْكُلِّ كَمَا قَالَ: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الْأَعْرَافِ: 156] فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى رَبُّ الْعَالَمِينَ وَمُحْسِنٌ إِلَى الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ نَفْسِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الَّذِي يُحْمَدُ وَيُمْدَحُ وَيُعَظَّمُ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لِأَحَدِ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ، إِمَّا لِكَوْنِهِ كَامِلًا فِي ذَاتِهِ وَفِي صِفَاتِهِ مُنَزَّهًا عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِحْسَانٌ إِلَيْكَ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُحْسِنًا إِلَيْكَ وَمُنْعِمًا عَلَيْكَ، وَإِمَّا لِأَنَّكَ تَرْجُو وَصُولَ إِحْسَانِهِ إِلَيْكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمَانِ، وَإِمَّا لِأَجْلِ أَنَّكَ تَكُونُ خَائِفًا مِنْ قَهْرِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَمَالِ سَطْوَتِهِ، فَهَذِهِ الْحَالَاتُ هِيَ الْجِهَاتُ الْمُوجِبَةُ لِلتَّعْظِيمِ، فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يُعَظِّمُونَ الْكَمَالَ الذَّاتِيَّ فَاحْمَدُونِي فَإِنِّي إِلَهُ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ تُعَظِّمُونَ الْإِحْسَانَ فَأَنَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلطَّمَعِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَأَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَإِنْ كُنْتُمْ تُعَظِّمُونَ لِلْخَوْفِ فَأَنَا مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وُجُوهُ تَرْبِيَةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْهَا أَمْثِلَةً: الْمِثَالُ الْأَوَّلُ: لَمَّا
وَقَعَتْ قَطْرَةُ النُّطْفَةِ مِنْ صُلْبِ الْأَبِ إِلَى رَحِمِ الْأُمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ أَنَّهَا صَارَتْ عَلَقَةً أَوَّلًا، ثُمَّ مُضْغَةً ثَانِيًا، ثُمَّ تَوَلَّدَتْ مِنْهَا أَعْضَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ مِثْلَ الْعِظَامِ وَالْغَضَارِيفِ وَالرِّبَاطَاتِ وَالْأَوْتَارِ وَالْأَوْرِدَةِ وَالشَّرَايِينِ، ثُمَّ اتَّصَلَ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ، ثُمَّ حَصَلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْ أَنْوَاعِ الْقُوَى، فَحَصَلَتِ الْقُوَّةُ الْبَاصِرَةُ فِي الْعَيْنِ، وَالسَّامِعَةُ فِي الْأُذُنِ، وَالنَّاطِقَةُ فِي اللِّسَانِ، فَسُبْحَانَ مَنْ أَسْمَعَ بِعَظْمٍ، وَبَصَّرَ بِشَحْمٍ، وَأَنْطَقَ بِلَحْمٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ كِتَابَ التَّشْرِيحِ لِبَدَنِ الْإِنْسَانِ مَشْهُورٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَرْبِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ الْمَثَّالُ الثَّانِي: أَنَّ الْحَبَّةَ الْوَاحِدَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا وَصَلَتْ نَدَاوَةُ الْأَرْضِ إِلَيْهَا انْتَفَخَتْ وَلَا تَنْشَقُّ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْجَوَانِبِ إِلَّا مِنْ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلِهَا، مَعَ أَنَّ الِانْتِفَاخَ حَاصِلٌ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ: أَمَّا الشِّقُّ الْأَعْلَى فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْجُزْءُ الصَّاعِدُ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَأَمَّا الشِّقُّ الْأَسْفَلُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْجُزْءُ الْغَائِصُ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ عُرُوقُ الشَّجَرَةِ، فَأَمَّا الْجُزْءُ الصَّاعِدُ فَبَعْدَ صُعُودِهِ يَحْصُلُ لَهُ سَاقٌ، ثُمَّ يَنْفَصِلُ مِنْ ذَلِكَ السَّاقِ أَغْصَانٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ يَظْهَرُ عَلَى تِلْكَ الْأَغْصَانِ الْأَنْوَارُ أَوَّلًا، ثُمَّ الثِّمَارُ ثَانِيًا، وَيَحْصُلُ لِتِلْكَ الثِّمَارِ أَجْزَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ بِالْكَثَافَةِ وَاللَّطَافَةِ وَهِيَ الْقُشُورُ ثُمَّ اللُّبُوبُ ثُمَّ الْأَدْهَانُ، وَأَمَّا الْجُزْءُ الْغَائِصُ مِنَ الشَّجَرَةِ فَإِنَّ تِلْكَ الْعُرُوقَ تَنْتَهِي إِلَى أَطْرَافِهَا، وَتِلْكَ الْأَطْرَافُ تَكُونُ فِي اللَّطَافَةِ كَأَنَّهَا مِيَاهٌ مُنْعَقِدَةٌ، وَمَعَ غَايَةِ لَطَافَتِهَا فَإِنَّهَا تَغُوصُ فِي الْأَرْضِ الصُّلْبَةِ الْخَشِنَةِ، وَأَوْدَعَ اللَّهُ فِيهَا قُوًى جَاذِبَةً تَجْذِبُ الْأَجْزَاءَ اللَّطِيفَةَ مِنَ الطِّينِ إِلَى نَفْسِهَا، وَالْحِكْمَةُ فِي كُلِّ هَذِهِ التَّدْبِيرَاتِ تَحْصِيلُ مَا يَحْتَاجُ الْعَبْدُ إِلَيْهِ مِنَ الْغِذَاءِ وَالْأُدَامِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْوِيَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا [عَبَسَ: 25، 26] الْآيَاتِ. الْمِثَالُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ وَضَعَ الْأَفْلَاكَ وَالْكَوَاكِبَ بِحَيْثُ صَارَتْ أَسْبَابًا لِحُصُولِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَخَلَقَ اللَّيْلَ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلرَّاحَةِ وَالسُّكُونِ وَخَلَقَ النَّهَارَ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلْمَعَاشِ وَالْحَرَكَةِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ، [يونس: 5] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الْأَنْعَامِ: 97] وَاقْرَأْ قَوْلَهُ: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً، وَالْجِبالَ أَوْتاداً [النبأ: 5، 6]- إلى آخر الآية وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ فِي عَجَائِبِ أَحْوَالِ الْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَآثَارِ حِكْمَةِ الرَّحْمَنِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ قَضَى صَرِيحُ عَقْلِكَ بِأَنَّ أَسْبَابَ تَرْبِيَةِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ، وَدَلَائِلَ رَحْمَتِهِ لَائِحَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ قَطْرَةٌ مِنْ بِحَارِ أَسْرَارِ قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: أَضَافَ الْحَمْدَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ تَعَالَى الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ أَضَافَ نَفْسَهُ إِلَى الْعَالَمِينَ/ وَالتَّقْدِيرُ: إِنِّي أُحِبُّ الْحَمْدَ فَنِسْبَتُهُ إِلَى نَفْسِي بكونه ملكاً لي ثُمَّ لَمَّا ذَكَرْتُ نَفْسِي عَرَفْتُ نَفْسِي بِكَوْنِي رَبًّا لِلْعَالَمِينَ، وَمَنْ عَرَفَ ذَاتًا بِصِفَةٍ فَإِنَّهُ يُحَاوِلُ ذِكْرَ أَحْسَنِ الصِّفَاتِ وَأَكْمَلِهَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ رَبًّا لِلْعَالَمِينَ أَكْمَلُ الصِّفَاتِ، وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ أَكْمَلَ الْمَرَاتِبِ أَنْ يَكُونَ تَامًّا، وَفَوْقَ التَّمَامِ، فَقَوْلُنَا اللَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ فِي ذَاتِهِ وَبِذَاتِهِ وَهُوَ التَّمَامُ، وَقَوْلُهُ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَعْنَاهُ أَنَّ وُجُودَ كُلِّ مَا سِوَاهُ فَائِضٌ عَنْ تَرْبِيَتِهِ وَإِحْسَانِهِ وَجُودِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا أَنَّهُ فَوْقَ التَّمَامِ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يَمْلِكُ عِبَادًا غَيْرَكَ كَمَا قَالَ: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [الْمُدَّثِّرِ: 31] وَأَنْتَ لَيْسَ لَكَ رَبٌّ سِوَاهُ، ثُمَّ إِنَّهُ يُرَبِّيكَ كَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَبْدٌ سِوَاكَ وَأَنْتَ تَخْدُمُهُ كَأَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرَهُ، فَمَا أَحْسَنَ هَذِهِ التَّرْبِيَةَ أَلَيْسَ أَنَّهُ يَحْفَظُكَ فِي النَّهَارِ عَنِ الْآفَاتِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَبِاللَّيْلِ عَنِ الْمُخَافَاتِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ؟ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُرَّاسَ يَحْرُسُونَ الْمَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَهَلْ يَحْرُسُونَهُ عَنْ لَدْغِ الْحَشَرَاتِ وَهَلْ يَحْرُسُونَهُ عَنْ أَنْ تَنْزِلَ بِهِ الْبَلِيَّاتُ؟ أَمَّا
الفصل الثالث في تفسير قوله الرحمن الرحيم، وفيه فوائد:
الْحَقُّ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَحْرُسُهُ مِنَ الْآفَاتِ، وَيَصُونُهُ مِنَ الْمُخَافَاتِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ زَجَّ أَوَّلَ اللَّيْلِ فِي أَنْوَاعِ الْمَحْظُورَاتِ وَأَقْسَامِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ، فَمَا أَكْبَرَ هَذِهِ التَّرْبِيَةَ وَمَا أَحْسَنَهَا، أَلَيْسَ مِنَ التَّرْبِيَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْآدَمِيُّ بُنْيَانُ الرَّبِّ، مَلْعُونٌ مَنْ هَدَمَ بُنْيَانَ الرَّبِّ» ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ تَعَالَى: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ [الْأَنْبِيَاءِ: 42] مَا ذَاكَ إِلَّا الْمَلِكُ الْجَبَّارُ، وَالْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، وَمُقَلِّبُ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ، وَالْمُطَّلِعُ عَلَى الضَّمَائِرِ وَالْأَسْرَارِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ: إِنَّمَا يَكُونُ تَعَالَى رَبًّا لِلْعَالَمِينَ وَمُرَبِّيًا لَهُمْ لَوْ كَانَ مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ دَافِعًا لِلْمَضَارِّ عَنْهُمْ، أَمَّا إِذَا خَلَقَ الْكُفْرَ فِي الْكَافِرِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ يَمْنَعُهُ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ رَبًّا وَلَا مُرَبِّيًا، بَلْ كَانَ ضَارًّا وَمُؤْذِيًا، وَقَالَتِ الْجَبْرِيَّةُ: إِنَّمَا سَيَكُونُ رَبًّا وَمُرَبِّيًا لَوْ كَانَتِ النِّعْمَةُ صَادِرَةٌ مِنْهُ وَالْأَلْطَافُ فَائِضَةٌ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ أَعْظَمَ النِّعَمِ وَأَجَلَّهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُصُولُهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِيَكُونَ رَبًّا لِلْعَالَمِينَ إِلَيْهِمْ مُحْسِنًا بِخَلْقِ الْإِيمَانِ فِيهِمْ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْلُنَا: «اللَّهُ» أَشْرَفُ مِنْ قَوْلِنَا: «رَبِّ» عَلَى مَا بَيَّنَّا ذَلِكَ بِالْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ فِي تَفْسِيرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ إِنَّ الدَّاعِيَ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ يَقُولُ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَالسَّبَبُ فِيهِ النُّكَتُ وَالْوُجُوهُ الْمَذْكُورَةُ فِي تَفْسِيرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا نُعِيدُهَا. الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ الرَّحْمَنِ الرحيم، وفيه فوائد: تفسير (الرحمن الرحيم) : الْفَائِدَةُ الْأُولَى: الرَّحْمَنُ: هُوَ الْمُنْعِمُ بِمَا لَا يُتَصَوَّرُ صُدُورُ جِنْسِهِ مِنَ الْعِبَادِ، وَالرَّحِيمُ: هُوَ الْمُنْعِمُ بِمَا يُتَصَوَّرُ جِنْسُهُ مِنَ الْعِبَادِ، حُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ ضَيْفًا لِبَعْضِ الْقَوْمِ فَقَدَّمَ الْمَائِدَةَ، فَنَزَلَ غُرَابٌ وَسَلَبَ رَغِيفًا، فَاتَّبَعْتُهُ تَعَجُّبًا، فَنَزَلَ فِي بَعْضِ التِّلَالِ، وَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُقَيَّدٍ مَشْدُودِ الْيَدَيْنِ فَأَلْقَى الْغُرَابُ ذَلِكَ الرَّغِيفَ عَلَى وَجْهِهِ. وَرُوِيَ عَنْ ذِي النُّونِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ فِي الْبَيْتِ إِذْ وَقَعَتْ وَلْوَلَةٌ فِي قَلْبِي، وَصِرْتُ بِحَيْثُ مَا مَلَكْتُ نَفْسِيَ، فَخَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ وَانْتَهَيْتُ إِلَى شَطِّ النِّيلِ، فَرَأَيْتُ عَقْرَبًا قَوِيًّا يَعْدُو فَتَبِعْتُهُ فَوَصَلَ إِلَى طَرَفِ النِّيلِ فَرَأَيْتُ ضُفْدَعًا وَاقِفًا عَلَى طَرَفٍ الْوَادِي، فَوَثَبَ الْعَقْرَبُ عَلَى ظَهْرِ الضُّفْدَعِ وَأَخَذَ الضُّفْدَعُ يَسْبَحُ وَيَذْهَبُ، فَرَكِبْتُ السَّفِينَةَ وَتَبِعْتُهُ فَوَصَلَ الضُّفْدَعُ إِلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ النِّيلِ، وَنَزَلَ الْعَقْرَبُ مِنْ ظَهْرِهِ، وَأَخَذَ يَعْدُو فَتَبِعْتُهُ، فَرَأَيْتُ شَابًّا نَائِمًا تَحْتَ شَجَرَةٍ، وَرَأَيْتُ أَفْعَى يَقْصِدُهُ فَلَمَّا قَرُبَتِ الْأَفْعَى مِنْ ذَلِكَ الشَّابِّ وَصَلَ الْعَقْرَبُ إِلَى الْأَفْعَى فَوَثَبَ الْعَقْرَبُ عَلَى الْأَفْعَى فَلَدَغَهُ، وَالْأَفْعَى أَيْضًا لدغ العقرب، فماتا معاً، وسلم ذلك الْإِنْسَانُ مِنْهُمَا. وَيُحْكَى أَنَّ وَلَدَ الْغُرَابِ كَمَا يَخْرُجُ مِنْ قِشْرِ الْبَيْضَةِ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ رِيشٍ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ قِطْعَةُ لَحْمٍ أَحْمَرَ، وَالْغُرَابُ يَفِرُّ مِنْهُ وَلَا يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ الْبَعُوضَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ قِطْعَةَ لَحْمٍ مَيِّتٍ، فَإِذَا وَصَلَتِ الْبَعُوضُ إِلَيْهِ الْتَقَمَ تِلْكَ الْبَعُوضَ وَاغْتَذَى بِهَا، وَلَا يَزَالُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ إِلَى أَنْ يَقْوَى وَيَنْبُتُ رِيشُهُ وَيَخْفَى لَحْمُهُ تَحْتَ رِيشِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَعُودُ أُمُّهُ
إِلَيْهِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ جَاءَ فِي أَدْعِيَةِ الْعَرَبِ: يا رازق النَّعَّابِ فِي عُشِّهِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الْأَمْثِلَةِ أَنَّ فَضْلَ اللَّهِ عَامٌّ، وَإِحْسَانَهُ شَامِلٌ، وَرَحْمَتَهُ وَاسِعَةٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَوَادِثَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مِنْهُ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ رَحْمَةٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ عَذَابًا وَنِقْمَةً، وَمِنْهُ مَا يُظَنُّ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ عَذَابٌ وَنِقْمَةٌ، مَعَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ فَضْلًا وَإِحْسَانًا وَرَحْمَةً: أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فَالْوَالِدُ إِذَا أَهْمَلَ وَلَدَهُ حَتَّى يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ وَلَا يُؤَدِّبُهُ وَلَا يَحْمِلُهُ عَلَى التَّعَلُّمِ، فَهَذَا فِي الظَّاهِرِ رَحْمَةٌ وَفِي الْبَاطِنِ نِقْمَةٌ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: كَالْوَالِدِ إِذَا حَبَسَ وَلَدَهُ فِي الْمَكْتَبِ وَحَمَلَهُ عَلَى التَّعَلُّمِ فَهَذَا فِي الظَّاهِرِ نِقْمَةٌ، وَفِي الْحَقِيقَةِ رَحْمَةٌ، وَكَذَلِكَ/ الْإِنْسَانُ إِذَا وَقَعَ فِي يَدِهِ الْآكِلَةُ فَإِذَا قُطِعَتْ تِلْكَ الْيَدُ فَهَذَا فِي الظَّاهِرِ عَذَابٌ، وَفِي الْبَاطِنِ رَاحَةٌ وَرَحْمَةٌ، فَالْأَبْلَهُ يَغْتَرُّ بِالظَّوَاهِرِ، وَالْعَاقِلُ يَنْظُرُ فِي السَّرَائِرِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَكُلُّ مَا فِي الْعَالَمِ مِنْ مِحْنَةٍ وَبَلِيَّةٍ وَأَلَمٍ وَمَشَقَّةٍ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ عَذَابًا وَأَلَمًا فِي الظَّاهِرِ إِلَّا أَنَّهُ حِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَتَحْقِيقُهُ مَا قِيلَ فِي الْحِكْمَةِ: إِنَّ تَرْكَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ لِأَجْلِ الشَّرِّ الْقَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ، فَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّكَالِيفِ تَطْهِيرُ الْأَرْوَاحِ عَنِ الْعَلَائِقِ الْجَسَدَانِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ [الْإِسْرَاءِ: 7] وَالْمَقْصُودُ مِنْ خَلْقِ النَّارِ صَرْفُ الْأَشْرَارِ إِلَى أَعْمَالِ الْأَبْرَارِ، وَجَذْبُهَا مِنْ دَارِ الْفِرَارِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذَّارِيَاتِ: 50] وَأَقْرَبُ مِثَالٍ لِهَذَا الْبَابِ قِصَّةُ مُوسَى وَالْخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَإِنَّ مُوسَى كَانَ يبني الحكم على ظَوَاهِرِ الْأُمُورِ فَاسْتَنْكَرَ تَخْرِيقَ السَّفِينَةِ وَقَتْلَ الْغُلَامِ وَعِمَارَةَ الْجِدَارِ الْمَائِلِ، وَأَمَّا الْخَضِرُ فَإِنَّهُ كَانَ يَبْنِي أَحْكَامَهُ عَلَى الْحَقَائِقِ وَالْأَسْرَارِ فَقَالَ: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً، فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً، وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الْكَهْفِ: 79- 82] فَظَهَرَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْحَكِيمَ الْمُحَقِّقَ هُوَ الَّذِي يَبْنِي أَمْرَهُ عَلَى الْحَقَائِقِ لَا عَلَى الظَّاهِرِ، فَإِذَا رَأَيْتَ مَا يَكْرَهُهُ طَبْعُكَ وَيَنْفِرُ عَنْهُ عَقْلُكَ فَاعْلَمْ أَنَّ تَحْتَهُ أَسْرَارًا خَفِيَّةً وَحِكَمًا بَالِغَةً، وَأَنَّ حِكْمَتَهُ وَرَحْمَتَهُ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ أَثَرٌ مِنْ بِحَارِ أَسْرَارِ قَوْلِهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الرَّحْمَنُ: اسْمٌ خَاصٌّ بِاللَّهِ، وَالرَّحِيمُ: يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا: الرَّحْمَنُ أَعْظَمُ: فَلِمَ ذَكَرَ الْأَدْنَى بَعْدَ ذِكْرِ الْأَعْلَى؟. وَالْجَوَابُ: لِأَنَّ الْكَبِيرَ الْعَظِيمَ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الشَّيْءُ الْحَقِيرُ الْيَسِيرُ، حُكِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ الْأَكَابِرِ فَقَالَ: جِئْتُكَ لِمُهِمٍّ يَسِيرٍ فَقَالَ: اطْلُبْ لِلْمُهِمِّ الْيَسِيرِ رَجُلًا يَسِيرًا، كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لَوِ اقْتَصَرْتَ عَلَى ذِكْرِ الرَّحْمَنِ لَاحْتَشَمْتَ عَنِّي وَلَتَعَذَّرَ عَلَيْكَ سُؤَالُ الْأُمُورِ الْيَسِيرَةِ، وَلَكِنْ كَمَا عَلِمْتَنِي رَحْمَانًا تَطْلُبُ مِنِّي الْأُمُورَ الْعَظِيمَةَ، فَأَنَا أَيْضًا رَحِيمٌ، فَاطْلُبْ مِنِّي شِرَاكَ نَعْلِكَ وَمِلْحَ قِدْرِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِمُوسَى: «يَا مُوسَى سَلْنِي عَنْ مِلْحِ قِدْرِكَ وَعَلَفِ شَاتِكَ» . الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحْمَانًا رَحِيمًا، ثُمَّ إِنَّهُ أَعْطَى مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ رَحْمَةً وَاحِدَةً حَيْثُ قَالَ: وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا [مَرْيَمَ: 21] فَتِلْكَ الرَّحْمَةُ صَارَتْ سَبَبًا لِنَجَاتِهَا مِنْ تَوْبِيخِ/ الْكُفَّارِ
الْفُجَّارِ، ثُمَّ إِنَّا نَصِفُهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ مَرَّةً أَنَّهُ رَحْمَنٌ وَأَنَّهُ رَحِيمٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَيُقْرَأُ لَفْظُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَمَرَّةً فِي قَوْلَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: 1، 2] فَلَمَّا صَارَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً سَبَبًا لِخَلَاصِ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ عَنِ الْمَكْرُوهَاتِ أَفَلَا يَصِيرُ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ هَذِهِ الْمَرَّاتِ الْكَثِيرَةِ طُولَ الْعُمْرِ سَبَبًا لِنَجَاةِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ النَّارِ وَالْعَارِ وَالدَّمَارِ؟. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى رَحْمَنٌ لِأَنَّهُ يَخْلُقُ مَا لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ، رَحِيمٌ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَى جِنْسِهِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا رَحْمَنٌ لِأَنَّكَ تُسَلِّمُ إِلَيَّ نُطْفَةً مَذِرَةً فَأُسَلِّمُهَا إِلَيْكَ صُورَةً حَسَنَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غَافِرٍ: 64] وَأَنَا رَحِيمٌ لِأَنَّكَ تُسَلِّمُ إِلَيَّ طَاعَةً نَاقِصَةً فَأُسَلِّمُ إِلَيْكَ جَنَّةً خَالِصَةً. الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: [في حديث النبي] رُوِيَ أَنَّ فَتًى قَرُبَتْ وَفَاتُهُ وَاعْتُقِلَ لِسَانُهُ عَنْ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرُوهُ بِهِ، فَقَامَ وَدَخَلَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ وَهُوَ يَتَحَرَّكُ وَيَضْطَرِبُ وَلَا يَعْمَلُ لِسَانُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا كَانَ يُصَلِّي؟ أَمَا كَانَ يَصُومُ؟ أَمَا كَانَ يُزَكِّي؟» فَقَالُوا: بَلَى، فَقَالَ: «هَلْ عَقَّ وَالِدَيْهِ؟» فَقَالُوا: بَلَى، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «هَاتُوا بِأُمِّهِ» ، فَجَاءَتْ وَهِيَ عَجُوزٌ عَوْرَاءُ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «هَلَّا عَفَوْتِ عَنْهُ» ، فَقَالَتْ: لَا أَعْفُو لِأَنَّهُ لَطَمَنِي فَفَقَأَ عَيْنِيَ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «هَاتُوا بِالْحَطَبِ وَالنَّارِ» ، فَقَالَتْ: وَمَا تَصْنَعُ بِالنَّارِ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أُحْرِقُهُ بِالنَّارِ بَيْنَ يَدَيْكِ جَزَاءً لِمَا عَمِلَ بِكِ» ، فَقَالَتْ: عَفَوْتُ عَفَوْتُ، أَلِلنَّارِ حَمَلْتُهُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ؟ أَلِلنَّارِ أَرْضَعْتُهُ سَنَتَيْنِ؟ فَأَيْنَ رَحْمَةُ الْأُمِّ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ انْطَلَقَ لِسَانُهُ، وَذَكَرَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالنُّكْتَةُ أَنَّهَا كَانَتْ رَحِيمَةً وَمَا كَانَتْ رَحْمَانَةً فَلِأَجْلِ ذَلِكَ الْقَدْرِ الْقَلِيلِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا جَوَّزَتِ الْإِحْرَاقَ بِالنَّارِ، فَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي لَمْ يَتَضَرَّرْ بِجِنَايَاتِ عَبِيدِهِ مَعَ عِنَايَتِهِ بِعِبَادِهِ كَيْفَ يَسْتَجِيزُ أَنْ يَحْرِقَ الْمُؤْمِنَ الَّذِي وَاظَبَ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ سَبْعِينَ سَنَةً بِالنَّارِ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: لَقَدِ اشْتُهِرَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» ، فَظَهَرَ أَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: «أُمَّتِي، أُمَّتِي» ، فَهَذَا كَرَمٌ عَظِيمٌ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ فِيهِ هَذَا الْكَرَمُ وَهَذَا الْإِحْسَانُ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فإذا كان أثر الرحمة الواحدة بلغ هَذَا الْمَبْلَغُ فَكَيْفَ كَرَمُ مَنْ هُوَ رَحْمَنٌ رَحِيمٌ؟ وَأَيْضًا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ حِسَابَ أُمَّتِي عَلَى يَدَيَّ» ، ثُمَّ إِنَّهُ امْتَنَعَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ لِأَجْلِ أَنَّهُ كَانَ مَدْيُونًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَأَخْرَجَ عَائِشَةَ/ عَنِ الْبَيْتِ بِسَبَبِ الْإِفْكِ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ إِنَّ لَكَ رَحْمَةً وَاحِدَةً وَهِيَ قَوْلُهُ: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: 107] وَالرَّحْمَةُ الْوَاحِدَةُ لا تكفي في إصلاح عالم الْمَخْلُوقَاتِ، فَذَرْنِي وَعَبِيدِي وَاتْرُكْنِي وَأُمَّتَكَ فَإِنِّي أَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، فَرَحْمَتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَمَعْصِيَتُهُمْ مُتَنَاهِيَةٌ، وَالْمُتَنَاهِي فِي جَنْبِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِي يَصِيرُ فَانِيًا، فَلَا جَرَمَ مَعَاصِي جَمِيعِ الْخَلْقِ تَفْنَى فِي بِحَارِ رَحْمَتِي، لِأَنِّي أَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ: كَيْفَ يَكُونُ رَحْمَانًا رَحِيمًا مَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ لِلنَّارِ وَلِعَذَابِ الْأَبَدِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ رَحْمَانًا رَحِيمًا مَنْ يَخْلُقُ الْكُفْرَ فِي الْكَافِرِ وَيُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ رَحْمَانًا رَحِيمًا مَنْ أَمَرَ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ صَدَّ وَمَنَعَ عَنْهُ؟ وَقَالَتِ الْجَبْرِيَّةُ: أَعْظَمُ أَنْوَاعِ النِّعْمَةِ وَالرَّحْمَةِ هُوَ الْإِيمَانُ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِيمَانُ مِنَ اللَّهِ بَلْ كَانَ مِنَ الْعَبْدِ لَكَانَ اسْمُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِالْعَبْدِ أَوْلَى مِنْهُ بِاللَّهِ، وَاللَّهُ أعلم.
الفصل الرابع في تفسير قوله مالك يوم الدين، وفيه فوائد:
الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ مَالِكِ يَوْمِ الدين، وفيه فوائد: تفسير (مالك يوم الدين) : الْفَائِدَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، أَيْ: مَالِكِ يَوْمِ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُحْسِنِ وَالْمُسِيءِ، وَالْمُطِيعِ وَالْعَاصِي، وَالْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ، وَذَلِكَ لَا يَظْهَرُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجَزَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النَّجْمِ: 31] وَقَالَ تَعَالَى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: 28] وَقَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [طه: 15] وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ سَلَّطَ الظَّالِمَ عَلَى الْمَظْلُومِ ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَنْتَقِمُ مِنْهُ فَذَاكَ إِمَّا لِلْعَجْزِ أَوْ لِلْجَهْلِ أَوْ لِكَوْنِهِ رَاضِيًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ الثَّلَاثُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ، فَوَجَبَ أَنَّ يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَلَمَّا لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الِانْتِقَامُ فِي دَارِ الدُّنْيَا وَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ فِي دَارِ الْأُخْرَى بَعْدَ دَارِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4] وَبِقَوْلِهِ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزَّلْزَلَةِ: 7] الآية رُوِيَ أَنَّهُ يُجَاءُ بِرَجُلٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْظُرُ فِي أَحْوَالِ نَفْسِهِ فَلَا يَرَى لِنَفْسِهِ حَسَنَةً الْبَتَّةَ، فَيَأْتِيهِ النِّدَاءُ، يَا فُلَانُ ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِعَمَلِكَ، فَيَقُولُ: إِلَهِي، مَاذَا عَمِلْتُ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَسْتَ لَمَّا كُنْتَ نَائِمًا تَقَلَّبْتَ مِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ لَيْلَةَ كَذَا فَقُلْتَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ «اللَّهُ» ثُمَّ غَلَبَكَ النَّوْمُ فِي الْحَالِ فَنَسِيتَ/ ذَلِكَ أَمَّا أَنَا فَلَا تَأْخُذُنِي سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ فَمَا نَسِيتُ ذَلِكَ، وَأَيْضًا يُؤْتَى بِرَجُلٍ وَتُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَتَخِفُّ حَسَنَاتُهُ فَتَأْتِيهِ بِطَاقَةٌ فَتُثَقِّلُ مِيزَانَهُ فَإِذَا فِيهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَلَا يَثْقُلُ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ غَيْرُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَاتِ عَلَى قِسْمَيْنِ: حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ: أَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَمَبْنَاهَا عَلَى الْمُسَامَحَةِ لِأَنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَهِيَ الَّتِي يَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا. رُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ لَهُ عَلَى بَعْضِ الْمَجُوسِ مَالٌ فَذَهَبَ إِلَى دَارِهِ لِيُطَالِبَهُ بِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَابِ دَارِهِ وَقَعَ عَلَى نَعْلِهِ نَجَاسَةٌ، فَنَفَضَ نَعْلَهُ فَارْتَفَعَتِ النَّجَاسَةُ عَنْ نَعْلِهِ وَوَقَعَتْ عَلَى حَائِطِ دَارِ الْمَجُوسِيِّ فَتَحَيَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ: إِنْ تَرَكْتُهَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِقُبْحِ جِدَارِ هَذَا الْمَجُوسِيِّ، وَإِنْ حَكَكْتُهَا انْحَدَرَ التُّرَابُ مِنَ الْحَائِطِ، فَدَقَّ الْبَابَ فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَقَالَ لَهَا: قُولِي لِمَوْلَاكِ إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ بِالْبَابِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَظَنَّ أَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِالْمَالِ، فَأَخَذَ يَعْتَذِرُ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، هَاهُنَا مَا هُوَ أَوْلَى، وَذَكَرَ قِصَّةَ الْجِدَارِ، وَأَنَّهُ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى تَطْهِيرِهِ فَقَالَ الْمَجُوسِيُّ: فَأَنَا أَبْدَأُ بِتَطْهِيرِ نَفْسِي فَأَسْلَمَ فِي الْحَالِ، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمَّا احْتَرَزَ عَنْ ظُلْمِ الْمَجُوسِيِّ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ الْقَلِيلِ مِنَ الظُّلْمِ فَلِأَجْلِ تَرْكِهِ ذَلِكَ انْتَقَلَ الْمَجُوسِيُّ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، فَمَنِ احْتَرَزَ عَنِ الظُّلْمِ كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ. حُجَّةُ مَنْ قَرَأَ مَالِكِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فِيهِ حَرْفًا زَائِدًا فَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ أَكْثَرَ ثَوَابًا. الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْصُلُ فِي الْقِيَامَةِ مُلُوكٌ كَثِيرُونَ، أَمَّا الْمَالِكُ الْحَقُّ لِيَوْمِ الدِّينِ فَلَيْسَ إِلَّا اللَّهُ. الثَّالِثُ: الْمَالِكُ قَدْ يَكُونُ مَلِكًا وَقَدْ لَا يَكُونُ كَمَا أَنَّ الْمَلِكَ قَدْ يَكُونُ مَالِكًا وَقَدْ لَا يَكُونُ فَالْمِلْكِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ قَدْ تَنْفَكُّ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَنِ الْأُخْرَى إِلَّا أَنَّ
الْمَالِكِيَّةَ سَبَبٌ لِإِطْلَاقِ التَّصَرُّفِ، وَالْمِلْكِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَكَانَ الْمَالِكُ أَوْلَى. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَلِكَ مَلِكٌ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَالِكُ مَالِكٌ لِلْعَبِيدِ، وَالْعَبْدُ أَدْوَنُ حَالًا مِنَ الرَّعِيَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَهْرُ فِي الْمَالِكِيَّةِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْمَلِكِيَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ أَعْلَى حَالًا مِنَ الْمَلِكِ، الْخَامِسُ: أَنَّ الرَّعِيَّةَ يُمْكِنُهُمْ إِخْرَاجُ أَنْفُسِهِمْ عَنْ كَوْنِهِمْ رَعِيَّةً لِذَلِكَ الْمَلِكِ بِاخْتِيَارِ أَنْفُسِهِمْ، أَمَّا الْمَمْلُوكُ فَلَا يُمْكِنُهُ إِخْرَاجُ نَفْسِهِ عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لِذَلِكَ الْمَالِكِ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْقَهْرَ فِي الْمَالِكِيَّةِ أَكْمَلُ مِنْهُ فِي الْمِلْكِيَّةِ. السَّادِسُ: أَنَّ الْمَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ رِعَايَةُ حَالِ الرَّعِيَّةِ، قال عليه الصلاة والسلام/ وكلكم رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الرَّعِيَّةِ خِدْمَةُ الْمَلِكِ. أَمَّا الْمَمْلُوكُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ الْمَالِكِ وَأَنْ لَا يَسْتَقِلَّ بِأَمْرٍ إِلَّا بِإِذْنِ مَوْلَاهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَضَاءُ وَالْإِمَامَةُ وَالشَّهَادَةُ وَإِذَا نَوَى مَوْلَاهُ السَّفَرَ يَصِيرُ هُوَ مُسَافِرًا، وَإِنْ نَوَى مَوْلَاهُ الْإِقَامَةَ صَارَ هُوَ مُقِيمًا، فَعَلِمْنَا أَنَّ الِانْقِيَادَ وَالْخُضُوعَ فِي الْمَمْلُوكِيَّةِ أَتَمُّ مِنْهُ فِي كَوْنِهِ رَعِيَّةً، فَهَذِهِ هِيَ الْوُجُوهُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَالِكَ أَكْمَلُ مِنَ الْمَلِكِ. وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمَلِكَ أَوْلَى مِنَ الْمَالِكِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ يَكُونُ مَالِكًا أَمَّا الْمَلِكُ لَا يَكُونُ إِلَّا أَعْظَمَ النَّاسِ وَأَعْلَاهُمْ فَكَانَ الْمَلِكُ أَشْرَفَ مِنَ الْمَالِكِ. الثَّانِي: أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ [النَّاسِ: 1، 2] لَفْظُ الْمَلِكِ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمَلِكَ أَعْلَى حَالًا مِنَ الْمَالِكِ وَإِلَّا لَمْ يَتَعَيَّنْ. الثَّالِثُ: الْمَلِكُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْصَرُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُدْرِكُ مِنَ الزَّمَانِ مَا تُذْكَرُ فِيهِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِتَمَامِهَا، بِخِلَافِ الْمَالِكِ فَإِنَّهَا أَطْوَلُ، فَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجِدَ مِنَ الزَّمَانِ مَا يُتِمُّ فِيهِ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَأَجَابَ الْكِسَائِيُّ بِأَنْ قَالَ: إِنِّي أَشْرَعُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فَإِنْ لَمْ أَبْلُغْهَا فَقَدْ بَلَغْتُهَا حَيْثُ عَزَمْتُ عَلَيْهَا، نَظِيرُهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ مَنْ نَوَى صَوْمَ الْغَدِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ الْيَوْمِ فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ لَا يُجْزِيهِ، لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ مُشْتَغِلٌ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ، فَإِذَا نَوَى صَوْمَ الْغَدِ كَانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا لِلْأَمَلِ، أَمَّا إِذَا نَوَى بعد غروب الشمس فإنه يُجْزِيهِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَطْوِيلًا لِلْأَمَلِ إِلَّا أَنَّهُ خَرَجَ عَنِ الصَّوْمِ بِسَبَبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَمُوتَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَيَقُولُ: إِنْ لَمْ أَبْلُغْ إِلَى الْيَوْمِ فَلَا أقل من أكون على عزم الصوم، كذا هاهنا يَشْرَعُ فِي ذِكْرِ قَوْلِهِ مَالِكِ فَإِنْ تَمَّمَهَا فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِتْمَامِهَا كَانَ عَازِمًا عَلَى الْإِتْمَامِ وَهُوَ الْمُرَادُ. ثُمَّ نَقُولُ: إِنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِهِ مَلِكًا أَحْكَامٌ، وَعَلَى كَوْنِهِ مَالِكًا أَحْكَامٌ أُخَرُ. أَمَّا الْأَحْكَامُ الْمُتَفَرِّعَةُ عَلَى كَوْنِهِ مَلِكًا فَوُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ السِّيَاسَاتِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: سِيَاسَةُ الْمُلَّاكِ، وَسِيَاسَةُ الْمُلُوكِ، وَسِيَاسَةُ الْمَلَائِكَةِ، وَسِيَاسَةُ مَلِكِ الْمُلُوكِ: فَسِيَاسَةُ الْمُلُوكِ أَقْوَى مِنْ سِيَاسَةِ الْمُلَّاكِ، لِأَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ عَالَمٌ مِنَ الْمَالِكِينَ فَإِنَّهُمْ لَا يُقَاوِمُونَ مَلِكًا وَاحِدًا، أَلَا تَرَى أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى مَمْلُوكِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَلِكَ يَمْلِكُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَى النَّاسِ، وَأَمَّا سِيَاسَةُ الْمَلَائِكَةِ فَهِيَ فَوْقَ سِيَاسَاتِ الْمُلُوكِ، لِأَنَّ عَالَمًا مِنْ أَكَابِرِ الْمُلُوكِ لَا يُمْكِنُهُمْ دَفْعُ سِيَاسَةِ مَلِكٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا سِيَاسَةُ مَلِكِ الْمُلُوكِ فَإِنَّهَا فَوْقَ سِيَاسَاتِ الْمَلَائِكَةِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [النَّبَأِ: 38] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الْبَقَرَةِ: 255] وَقَالَ فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الْأَنْبِيَاءِ: 28] فَيَا أَيُّهَا الملوك لا تغتروا بما لكم مِنَ الْمَالِ وَالْمُلْكِ فَإِنَّكُمْ أُسَرَاءُ فِي قَبْضَةِ قُدْرَةِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وَيَا أَيُّهَا الرَّعِيَّةُ إِذَا كُنْتُمْ تَخَافُونَ سِيَاسَةَ الْمَلِكِ أَفَمَا تَخَافُونَ سِيَاسَةَ مَلِكِ الْمُلُوكِ الَّذِي هُوَ مَالِكُ يَوْمِ الدين.
الْحُكْمُ الثَّانِي: مِنْ أَحْكَامِ كَوْنِهِ تَعَالَى مَلِكًا أَنَّهُ مَلِكٌ لَا يُشْبِهُ سَائِرَ الْمُلُوكِ لِأَنَّهُمْ إِنْ تَصَدَّقُوا بِشَيْءٍ انْتَقَصَ مُلْكُهُمْ، وَقَلَّتْ خَزَائِنُهُمْ، أَمَّا الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَمُلْكُهُ لَا يَنْتَقِصُ بِالْعَطَاءِ وَالْإِحْسَانِ، بَلْ يَزْدَادُ، بَيَانُهُ أَنَّهُ تَعَالَى إِذَا أَعْطَاكَ وَلَدًا وَاحِدًا لَمْ يَتَوَجَّهْ حُكْمُهُ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ الْوَلَدِ الْوَاحِدِ، أَمَّا لَوْ أَعْطَاكَ عَشَرَةً مِنَ الْأَوْلَادِ كَانَ حُكْمُهُ وَتَكْلِيفُهُ لَازِمًا عَلَى الْكُلِّ، فَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى كُلَّمَا كَانَ أَكْثَرَ عَطَاءً كَانَ أَوْسَعَ مُلْكًا. الْحُكْمُ الثَّالِثُ: مِنْ أَحْكَامِ كَوْنِهِ مَلِكًا كَمَالُ الرَّحْمَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ آيَاتٌ: إِحْدَاهَا: مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ كَوْنِهِ رَبًّا رَحْمَانًا رَحِيمًا وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ [الْحَشْرِ: 22، 23] ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ قُدُّوسًا عَنِ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ سَلَامًا، وَهُوَ الَّذِي سَلَّمَ عِبَادَهُ مِنْ ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَوْنَهُ مُؤْمِنًا، وَهُوَ الَّذِي يُؤَمِّنُ عَبِيدَهُ عَنْ جَوْرِهِ وَظُلْمِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَهُ مَلِكًا لَا يَتِمُّ إِلَّا مَعَ كَمَالِ الرَّحْمَةِ. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ [الْفُرْقَانِ: 26] لَمَّا أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ الْمُلْكَ أَرْدَفَهُ بِأَنْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحْمَانًا، يَعْنِي إِنْ كَانَ ثُبُوتُ الْمُلْكِ لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْقَهْرِ، فَكَوْنُهُ رَحْمَانًا يَدُلُّ عَلَى زَوَالِ الْخَوْفِ وَحُصُولِ الرَّحْمَةِ. وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ [النَّاسِ: 1، 2] فَذَكَرَ أَوَّلًا كَوْنَهُ رَبًّا لِلنَّاسِ ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِكَوْنِهِ مَلِكًا لِلنَّاسِ، وَهَذِهِ الْآيَاتُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُلْكَ لَا يَحْسُنُ وَلَا يَكْمُلُ إِلَّا مَعَ الْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ، فَيَا أَيُّهَا الْمُلُوكُ اسْمَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ وَارْحَمُوا هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينَ وَلَا تَطْلُبُوا مَرْتَبَةً زَائِدَةً فِي الْمُلْكِ عَلَى مُلْكِ اللَّهِ تَعَالَى. الْحُكْمُ الرَّابِعُ: لِلْمَلِكِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّعِيَّةِ طَاعَتُهُ فَإِنْ خَالَفُوهُ وَلَمْ يُطِيعُوهُ وَقَعَ الْهَرْجُ وَالْمَرَجُ فِي الْعَالَمِ وَحَصَلَ الِاضْطِرَابُ وَالتَّشْوِيشُ وَدَعَا ذَلِكَ إِلَى تَخْرِيبِ الْعَالَمِ وَفَنَاءِ الْخَلْقِ، فَلَمَّا شَاهَدْتُمْ أَنَّ مُخَالَفَةَ الْمَلِكِ الْمُجَازِي تُفْضِي آخِرَ الْأَمْرِ إِلَى تَخْرِيبِ الْعَالَمِ وَفَنَاءِ الْخَلْقِ فَانْظُرُوا إِلَى مُخَالَفَةِ مَلِكِ الْمُلُوكِ كَيْفَ يَكُونُ تَأْثِيرُهَا فِي زَوَالِ الْمَصَالِحِ وَحُصُولِ الْمَفَاسِدِ؟ وَتَمَامُ تَقْرِيرِهِ أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ الْكُفْرَ سَبَبٌ لِخَرَابِ الْعَالَمِ، قَالَ تَعَالَى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً [مَرْيَمَ: 90، 91] وَبَيَّنَ أَنَّ طَاعَتَهُ سَبَبٌ لِلْمَصَالِحِ قَالَ تَعَالَى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [طَهَ: 132] فَيَا أَيُّهَا الرَّعِيَّةُ كُونُوا مُطِيعِينَ لِمُلُوكِكُمْ، وَيَا أَيُّهَا الْمُلُوكُ كُونُوا مُطِيعِينَ لِمَلِكِ الْمُلُوكِ حَتَّى تَنْتَظِمَ مَصَالِحُ الْعَالَمِ. الْحُكْمُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَمَّا وَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ مَلِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ أَظْهَرَ لِلْعَالَمِينَ كَمَالَ عَدْلِهِ فَقَالَ: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فُصِّلَتْ: 46] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ الْعَدْلِ فَقَالَ: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً [الْأَنْبِيَاءِ: 47] فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ كَوْنَهُ مَلِكًا حَقًّا لِيَوْمِ الدِّينِ إِنَّمَا يَظْهَرُ بِسَبَبِ الْعَدْلِ، فَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ الْمُجَازِي عَادِلًا كَانَ مَلِكًا حَقًّا وَإِلَّا كَانَ مَلِكًا بَاطِلًا فَإِنْ كَانَ مَلِكًا عَادِلًا حَقًّا حَصَلَ مِنْ بَرَكَةِ عَدْلِهِ الْخَيْرُ وَالرَّاحَةُ فِي الْعَالَمِ وَإِنْ كَانَ مَلِكًا ظَالِمًا ارْتَفَعَ الْخَيْرُ مِنَ الْعَالَمِ. يُرْوَى أَنَّ أَنُوشَرْوَانَ خَرَجَ إِلَى الصَّيْدِ يَوْمًا، وَأَوْغَلَ فِي الرَّكْضِ، وَانْقَطَعَ عَنْ عَسْكَرِهِ وَاسْتَوْلَى الْعَطَشُ عَلَيْهِ، وَوَصَلَ إِلَى بُسْتَانٍ، فَلَمَّا دَخَلَ ذَلِكَ الْبُسْتَانَ رَأَى أَشْجَارَ الرُّمَّانِ فَقَالَ لِصَبِيٍّ حَضَرَ فِي ذَلِكَ الْبُسْتَانِ: أَعْطِنِي رُمَّانَةً وَاحِدَةً، فَأَعْطَاهُ رُمَّانَةً فَشَقَّهَا وَأَخْرَجَ حَبَّهَا وَعَصَرَهَا فَخَرَجَ مِنْهُ مَاءٌ كَثِيرٌ فَشَرِبَهُ، وَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ الرُّمَّانُ فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الْبُسْتَانَ مِنْ مَالِكِهِ ثُمَّ قَالَ لِذَلِكَ الصَّبِيِّ: أَعْطِنِي رُمَّانَةً أُخْرَى، فَأَعْطَاهُ فَعَصَرَهَا فَخَرَجَ مِنْهَا مَاءٌ قَلِيلٌ فَشَرِبَهُ فَوَجَدَهُ عَفْصًا مُؤْذِيًا، فَقَالَ: أَيُّهَا الصَّبِيُّ لِمَ صَارَ الرُّمَّانُ هَكَذَا؟ فَقَالَ الصَّبِيُّ: لَعَلَّ مَلِكَ الْبَلَدِ عزم
عَلَى الظُّلْمِ، فَلِأَجْلِ شُؤْمِ ظُلْمِهِ صَارَ الرُّمَّانُ هَكَذَا، فَتَابَ أَنُوشَرْوَانَ فِي قَلْبِهِ عَنْ ذَلِكَ الظُّلْمِ، وَقَالَ لِذَلِكَ الصَّبِيِّ: أَعْطِنِي رُمَّانَةً أُخْرَى، فَأَعْطَاهُ فَعَصَرَهَا فَوَجَدَهَا أَطْيَبَ مِنَ الرُّمَّانَةِ الْأُولَى، فَقَالَ لِلصَّبِيِّ: لِمَ بُدِّلَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ؟ فَقَالَ الصَّبِيُّ: لَعَلَّ مَلِكَ الْبَلَدِ تَابَ عَنْ ظُلْمِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَنُوشَرْوَانَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ ذَلِكَ الصَّبِيِّ وَكَانَتْ مُطَابِقَةً لِأَحْوَالِ قَلْبِهِ تَابَ بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ الظُّلْمِ، فَلَا جَرَمَ بَقِيَ اسْمُهُ مُخَلَّدًا فِي الدُّنْيَا بِالْعَدْلِ، حَتَّى إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «وُلِدْتُ فِي زَمَنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ» . أَمَّا الْأَحْكَامُ الْمُفَرَّعَةُ عَلَى كَوْنِهِ مَالِكًا فَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: قِرَاءَةُ الْمَالِكِ أَرْجَى مِنْ قِرَاءَةِ الْمَلِكِ، لِأَنَّ أَقْصَى مَا يُرْجَى مِنَ الْمَلِكِ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ وَأَنْ يَنْجُوَ الْإِنْسَانُ مِنْهُ رَأْسًا بِرَأْسٍ، أَمَّا الْمَالِكُ فَالْعَبْدُ يَطْلُبُ مِنْهُ الْكُسْوَةَ وَالطَّعَامَ وَالرَّحْمَةَ وَالتَّرْبِيَةَ فَكَأَنَّهُ تعالى يقول: أنا مالككم فعلي طعامكم وثيابكم وَثَوَابُكُمْ وَجَنَّتُكُمْ. الْحُكْمُ الثَّانِي: الْمَلِكُ وَإِنْ كَانَ أَغْنَى مِنَ الْمَالِكِ غَيْرَ أَنَّ الْمَلِكَ يَطْمَعُ فِيكَ وَالْمَالِكُ أَنْتَ تَطْمَعُ فِيهِ، وَلَيْسَتْ لَنَا طَاعَاتٌ وَلَا خَيْرَاتٌ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يَطْلُبَ مِنَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْوَاعَ الْخَيْرَاتِ وَالطَّاعَاتِ، بَلْ يريد أن يطلب مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّفْحَ وَالْمَغْفِرَةَ وَإِعْطَاءَ الْجَنَّةِ بِمُجَرَّدِ الْفَضْلِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ الْكِسَائِيُّ: اقْرَأْ مَالِكِ/ يَوْمِ الدِّينِ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ هِيَ الدَّالَّةُ عَلَى الْفَضْلِ الْكَثِيرِ وَالرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ. الْحُكْمُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَلِكَ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ الْعَسْكَرُ لَمْ يَقْبَلْ إِلَّا مَنْ كَانَ قَوِيَّ الْبَدَنِ صَحِيحَ الْمِزَاجِ، أَمَّا مَنْ كَانَ مَرِيضًا فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَلَا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِنَ الْوَاجِبِ، أَمَّا الْمَالِكُ إِذَا كَانَ لَهُ عَبْدٌ فَإِنْ مَرِضَ عَالَجَهُ وَإِنْ ضَعُفَ أَعَانَهُ وَإِنْ وَقَعَ فِي بَلَاءٍ خَلَّصَهُ، فَالْقِرَاءَةُ بِلَفْظِ الْمَالِكِ أَوْفَقُ لِلْمُذْنِبِينَ وَالْمَسَاكِينِ. الْحُكْمُ الرَّابِعُ: الْمَلِكُ لَهُ هَيْبَةٌ وَسِيَاسَةٌ، وَالْمَالِكُ لَهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ، وَاحْتِيَاجُنَا إِلَى الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ أَشَدُّ مِنِ احْتِيَاجِنَا إِلَى الْهَيْبَةِ وَالسِّيَاسَةِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الْمُلْكُ عِبَارَةٌ عَنِ الْقُدْرَةِ، فَكَوْنِهِ مالكاً وملكاً عبارة عن القدرة، هاهنا بَحْثٌ: وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَلِكًا لِلْمَوْجُودَاتِ أَوْ لِلْمَعْدُومَاتِ، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ، لِأَنَّ إِيجَادَ الْمَوْجُودَاتِ مُحَالٌ فَلَا قُدْرَةَ لِلَّهِ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ إِلَّا بِالْإِعْدَامِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ فَلَا مَالِكَ إِلَّا لِلْعَدَمِ، وَالثَّانِي: بَاطِلٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ قُدْرَتُهُ وَمُلْكُهُ عَلَى الْعَدَمِ وَيَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ فِي الْمَوْجُودَاتِ مَالِكِيَّةٌ وَلَا مُلْكٌ وَهَذَا بَعِيدٌ. وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَالِكُ الْمَوْجُودَاتِ، وَمَلِكُهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى نَقْلِهَا مِنَ الْوُجُودِ إِلَى الْعَدَمِ، أَوْ بِمَعْنَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى نَقْلِهَا مِنْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ، وَهَذِهِ الْقُدْرَةُ لَيْسَتْ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، فَالْمَلِكُ الْحَقُّ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إِذَا عَرَفْتَ أَنَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ فَنَقُولُ: إِنَّهُ الْمَلِكُ لِيَوْمِ الدِّينِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى إِحْيَاءِ الْخَلْقِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لَيْسَتْ إِلَّا لِلَّهِ، وَالْعِلْمُ بِتِلْكَ الْأَجْزَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ مِنْ أَبْدَانِ النَّاسِ لَيْسَ إِلَّا لِلَّهِ، فَإِذَا كَانَ الْحَشْرُ وَالنَّشْرُ وَالْبَعْثُ وَالْقِيَامَةُ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بِعِلْمٍ مُتَعَلِّقٍ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَقُدْرَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ، ثَبَتَ أَنَّهُ لَا مَالِكَ لِيَوْمِ الدِّينِ إِلَّا اللَّهُ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْفَصْلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَسْأَلَةِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْمَالِكَ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِلشَّيْءِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَمْلُوكُ مَوْجُودًا، وَالْقِيَامَةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْحَالِ، فَلَا يَكُونُ اللَّهُ مَالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنَا قَاتِلُ زَيْدٍ، فَهَذَا إِقْرَارٌ، وَلَوْ قَالَ أَنَا قَاتِلٌ زَيْدًا بِالتَّنْوِينِ كَانَ تَهْدِيدًا وَوَعِيدًا. قُلْنَا: الْحَقُّ مَا ذَكَرْتُمْ، إِلَّا أَنَّ قِيَامَ الْقِيَامَةِ لَمَّا كَانَ أَمْرًا حَقًّا لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ فِي الْحِكْمَةِ جَعَلَ وُجُودَ
الفصل الخامس في تفسير قوله إياك نعبد وإياك نستعين
الْقِيَامَةِ كَالْأَمْرِ الْقَائِمِ فِي الْحَالِ الْحَاصِلِ فِي الْحَالِ، وَأَيْضًا مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ فَكَانَتِ الْقِيَامَةُ حَاصِلَةً فِي الْحَالِ فَزَالَ السُّؤَالُ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ أَسْمَاءِ نَفْسِهِ خَمْسَةً: اللَّهُ، وَالرَّبُّ، وَالرَّحْمَنُ/ وَالرَّحِيمُ، وَالْمَالِكُ. وَالسَّبَبُ فِيهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: خَلَقْتُكَ أَوَّلًا فَأَنَا إِلَهٌ. ثُمَّ رَبَّيْتُكَ بِوُجُوهِ النِّعَمِ فَأَنَا رَبٌّ، ثُمَّ عَصَيْتَ فَسَتَرْتُ عَلَيْكَ فَأَنَا رَحْمَنٌ، ثُمَّ تُبْتَ فَغَفَرْتُ لَكَ فَأَنَا رَحِيمٌ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ إِيصَالِ الْجَزَاءِ إِلَيْكَ فَأَنَا مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ فِي التَّسْمِيَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَفِي السُّورَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً فَالتَّكْرِيرُ فِيهِمَا حَاصِلٌ وَغَيْرُ حَاصِلٍ فِي الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ فَمَا الْحِكْمَةُ؟. قُلْنَا: التَّقْدِيرُ كَأَنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ أَنِّي إِلَهٌ وَرَبٌّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَاذْكُرْ أَنِّي رَحْمَنٌ رَحِيمٌ مَرَّتَيْنِ لِتَعْلَمَ أَنَّ الْعِنَايَةَ بِالرَّحْمَةِ أَكْثَرُ مِنْهَا بِسَائِرِ الْأُمُورِ، ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ الرَّحْمَةَ الْمُضَاعَفَةَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَغْتَرُّوا بِذَلِكَ فَإِنِّي مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ [غَافِرٍ: 3] . الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ: إِنْ كَانَ خَالِقُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ هُوَ اللَّهَ امْتَنَعَ الْقَوْلُ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْجَزَاءِ، لِأَنَّ ثَوَابَ الرَّجُلِ عَلَى مَا لَمْ يَعْمَلْهُ عَبَثٌ، وَعِقَابَهُ عَلَى مَا لَمْ يَعْمَلْهُ ظُلْمٌ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَبْطُلُ كَوْنُهُ مَالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ، وَقَالَتِ الْجَبْرِيَّةُ: لَوْ لَمْ تَكُنْ أَعْمَالُ الْعِبَادِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وَتَرْجِيحِهِ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهَا، وَلَمَّا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى كَوْنِهِ مَالِكًا لِلْعِبَادِ وَلِأَعْمَالِهِمْ، عَلِمْنَا أَنَّهُ خَالِقٌ لَهَا مُقَدِّرٌ لَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإياك نستعين وفيه فوائد معنى قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: الفائدة الأولى: [معنى قوله: إياك نعبد وإياك نستعين] الْعِبَادَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْفِعْلِ الَّذِي يُؤْتَى بِهِ لِغَرَضِ تَعْظِيمِ الْغَيْرِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ، أَيْ مُذَلَّلٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَكَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ مَعْنَاهُ لَا أَعْبُدُ أَحَدًا سِوَاكَ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعِبَادَةَ عِبَارَةٌ عَنْ نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ، وَهِيَ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِمَنْ صَدَرَ عَنْهُ غَايَةُ الْإِنْعَامِ، وَأَعْظَمُ وُجُوهِ الْإِنْعَامِ الْحَيَاةُ الَّتِي تُفِيدُ الْمُكْنَةَ مِنَ الِانْتِفَاعِ وَخَلْقُ الْمُنْتَفِعِ بِهِ، فَالْمَرْتَبَةُ الْأُولَى- وَهِيَ الْحَيَاةُ الَّتِي تُفِيدُ الْمُكْنَةَ مِنَ الِانْتِفَاعِ- وَإِلَيْهَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [مَرْيَمَ: 9] وَقَوْلِهِ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [الْبَقَرَةِ: 28]- الآية وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ- وَهِيَ خَلْقُ الْمُنْتَفِعِ بِهِ- وَإِلَيْهَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلَمَّا كَانَتِ الْمَصَالِحُ الْحَاصِلَةُ فِي هَذَا الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ إِنَّمَا/ تَنْتَظِمُ بِالْحَرَكَاتِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى سَبِيلِ إِجْرَاءِ الْعَادَةِ لَا جَرَمَ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الْبَقَرَةِ: 29] فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ النِّعَمِ حَاصِلٌ بِإِيجَادِ اللَّهِ تَعَالَى، فَوَجَبَ أَنْ لَا تُحْسِنَ الْعِبَادَةَ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ يُفِيدُ الْحَصْرَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي دَلَائِلِ هَذَا الْحَصْرِ وَالتَّعْيِينِ: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تعالى سمى نفسه هاهنا بِخَمْسَةِ أَسْمَاءٍ: اللَّهُ، وَالرَّبُّ، وَالرَّحْمَنُ،
وَالرَّحِيمُ، وَمَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ، وَلِلْعَبْدِ أَحْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: الْمَاضِي وَالْحَاضِرُ وَالْمُسْتَقْبَلُ: أَمَّا الْمَاضِي فَقَدْ كَانَ مَعْدُومًا مَحْضًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [مريم: 9] وَكَانَ مَيِّتًا فَأَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [الْبَقَرَةِ: 28] وَكَانَ جَاهِلًا فَعَلَّمَهُ اللَّهُ كَمَا قَالَ: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ [النَّحْلِ: 78] وَالْعَبْدُ إِنَّمَا انْتَقَلَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَمِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ وَمِنَ الْعَجْزِ إِلَى الْقُدْرَةِ وَمِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ لِأَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدِيمًا أَزَلِيًّا، فَبِقُدْرَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ وَعِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ أَحْدَثَهُ وَنَقَلَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فَهُوَ إِلَهٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَأَمَّا الْحَالُ الْحَاضِرَةُ لِلْعَبْدِ فَحَاجَتُهُ شَدِيدَةٌ لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ مَعْدُومًا كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الرَّبِّ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا لما دخل في الوجود انفتحت عليه أبواب الحاجات وحصلت عند أَسْبَابُ الضَّرُورَاتِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا إِلَهٌ لِأَجْلِ أَنِّي أَخْرَجْتُكَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ. أما بعد أن أصرت مَوْجُودًا فَقَدْ كَثُرَتْ حَاجَاتُكَ إِلَيَّ فَأَنَا رَبٌّ رَحْمَنٌ رَحِيمٌ، وَأَمَّا الْحَالُ الْمُسْتَقْبِلَةُ لِلْعَبْدِ فَهِيَ حَالُ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالصِّفَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِتِلْكَ الْحَالَةِ هِيَ قَوْلُهُ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، فَصَارَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ الْخَمْسُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَعَلِّقَةً بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِلْعَبْدِ فَظَهَرَ أَنَّ جَمِيعَ مَصَالِحِ الْعَبْدِ فِي الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ لا يتم ولا يكمل إِلَّا بِاللَّهِ وَفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ الْعَبْدُ بِعِبَادَةِ شَيْءٍ إِلَّا بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا جَرَمَ قَالَ الْعَبْدُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي دَلِيلِ هَذَا الْحَصْرِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى وُجُوبِ كَوْنِهِ تَعَالَى قَادِرًا عَالِمًا مُحْسِنًا جَوَادًا كَرِيمًا حَلِيمًا، وَأَمَّا كَوْنُ غَيْرِهِ كَذَلِكَ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ يُضَافُ إِلَى الطَّبْعِ وَالْفَلَكِ وَالْكَوَاكِبِ وَالْعَقْلِ وَالنَّفْسِ إِلَّا وَيُحْتَمَلُ إِضَافَتُهُ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ صَارَ ذَلِكَ الِانْتِسَابُ مَشْكُوكًا فِيهِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الْإِلَهِ تَعَالَى مَعْبُودًا لِلْخَلْقِ أَمْرٌ يَقِينِيٌّ، وَأَمَّا كَوْنُ غَيْرِهِ مَعْبُودًا لِلْخَلْقِ فَهُوَ أَمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَالْأَخْذُ بِالْيَقِينِ أَوْلَى مِنَ الْأَخْذِ بِالشَّكِّ، فَوَجَبَ طَرْحُ الْمَشْكُوكِ وَالْأَخْذُ بِالْمَعْلُومِ وَعَلَى هَذَا لَا مَعْبُودَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ ذِلَّةٌ وَمَهَانَةٌ إِلَّا/ أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ الْمَوْلَى أَشْرَفَ وَأَعْلَى كَانَتِ الْعُبُودِيَّةُ بِهِ أَهْنَأَ وَأَمْرَأَ، وَلَمَّا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَشْرَفَ الْمَوْجُودَاتِ وَأَعْلَاهَا فَكَانَتْ عُبُودِيَّتُهُ أَوْلَى مِنْ عُبُودِيَّةِ غَيْرِهِ، وَأَيْضًا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَعْلَى مِنْ قُدْرَةِ غَيْرِهِ وَعِلْمُهُ أَكْمَلُ مِنْ عِلْمِ غَيْرِهِ وَجُودُهُ أَفْضَلُ مِنْ جُودِ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِأَنَّ عُبُودِيَّتَهُ أَوْلَى مِنْ عُبُودِيَّةِ غَيْرِهِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ يَكُونُ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ وَكُلَّ مَا كَانَ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ كَانَ مُحْتَاجًا فَقِيرًا وَالْمُحْتَاجُ مَشْغُولٌ بِحَاجَةِ نَفْسِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ بِدَفْعِ الْحَاجَةِ عَنِ الْغَيْرِ، وَالشَّيْءُ مَا لَمْ يكن غنياً فِي ذَاتِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِ الْحَاجَةِ عَنْ غَيْرِهِ وَالْغَنِيُّ لِذَاتِهِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَدَافِعُ الْحَاجَاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَمُسْتَحِقُّ الْعِبَادَاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: اسْتِحْقَاقُ الْعِبَادَةِ يَسْتَدْعِي قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ يُمْسِكَ سَمَاءً بِلَا عَلَاقَةٍ، وَأَرْضًا بِلَا دِعَامَةٍ، وَيُسَيِّرُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَيُسَكِّنُ الْقُطْبَيْنِ، وَيُخْرِجُ مِنَ السَّحَابِ تَارَةً النَّارَ وَهُوَ الْبَرْقُ، وَتَارَةً الْهَوَاءَ وَهِيَ الرِّيحُ، وَتَارَةً الْمَاءَ وَهُوَ الْمَطَرُ، وَأَمَّا فِي الْأَرْضِ فَتَارَةً يُخْرِجُ الْمَاءَ مِنَ الْحَجَرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَتَارَةً يُخْرِجُ الْحَجَرَ مِنَ الْمَاءِ وَهُوَ الْجَمْدُ، ثُمَّ جَعَلَ فِي الْأَرْضِ أَجْسَامًا مُقِيمَةً لَا تُسَافِرُ وَهِيَ الْجِبَالُ، وَأَجْسَامًا مُسَافِرَةً لَا تُقِيمُ وَهِيَ الْأَنْهَارُ، وَخَسَفَ بِقَارُونَ فَجَعَلَ الْأَرْضَ فَوْقَهُ، وَرَفَعَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَجُعِلَ قَابَ قَوْسَيْنِ تَحْتَهُ، وَجَعَلَ الْمَاءَ نَارًا عَلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا، وَجَعَلَ النَّارَ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَرَفَعَ مُوسَى فَوْقَ الطُّورِ، وقال له: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه: 12] ورفع الطور على موسى
وقومه وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ [البقرة: 63] وَغَرَّقَ الدُّنْيَا مِنَ التَّنُّورِ الْيَابِسَةِ لِقَوْلِهِ: وَفارَ التَّنُّورُ [هُودٍ: 40] وَجَعَلَ الْبَحْرَ يَبَسًا لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَمَنْ كَانَتْ قُدْرَتُهُ هَكَذَا كَيْفَ يُسَوَّى فِي الْعِبَادَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْجَمَادَاتِ أَوِ النَّبَاتِ أَوِ الْحَيَوَانِ أَوِ الْإِنْسَانِ أَوِ الْفَلَكِ أَوِ الْمَلِكِ، فَإِنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ النَّاقِصِ وَالْكَامِلِ وَالْخَسِيسِ وَالنَّفِيسِ تَدُلُّ عَلَى الْجَهْلِ وَالسَّفَهِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْبُودَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَوْلُهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يَدُلُّ عَلَى التَّوْحِيدِ الْمَحْضِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ طَوَائِفُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَنِ اتَّخَذَ شَرِيكًا لِلَّهِ فَذَلِكَ الشَّرِيكُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ، أَمَّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا شَرِيكًا جُسْمَانِيًّا فَذَلِكَ الشَّرِيكُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَجْسَامِ السُّفْلِيَّةِ أَوْ مِنَ الْأَجْسَامِ الْعُلْوِيَّةِ، أَمَّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكَاءَ مِنَ الْأَجْسَامِ السُّفْلِيَّةِ فَذَلِكَ الْجِسْمُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا أَوْ بَسِيطًا، أَمَّا الْمُرَكَّبُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَعَادِنِ أَوْ مِنَ النَّبَاتِ أَوْ مِنَ الْحَيَوَانِ أَوْ مِنَ الْإِنْسَانِ، أَمَّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكَاءَ مِنَ الْأَجْسَامِ الْمَعْدِنِيَّةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْأَصْنَامَ إِمَّا مِنَ الْأَحْجَارِ أَوْ مِنَ الذَّهَبِ أَوْ مِنَ الْفِضَّةِ وَيَعْبُدُونَهَا، وَأَمَّا الَّذِينَ/ اتَّخَذُوا الشُّرَكَاءَ مِنَ الْأَجْسَامِ النَّبَاتِيَّةِ فَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا شَجَرَةً مُعَيَّنَةً مَعْبُودًا لِأَنْفُسِهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكَاءَ مِنَ الْحَيَوَانِ فَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مَعْبُودًا لِأَنْفُسِهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكَاءَ مِنَ النَّاسِ فَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَالْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكَاءَ مِنَ الْأَجْسَامِ الْبَسِيطَةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النَّارَ وَهُمُ الْمَجُوسُ، وَأَمَّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكَاءَ مِنَ الْأَجْسَامِ الْعُلْوِيَّةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَسَائِرَ الْكَوَاكِبِ وَيُضِيفُونَ السَّعَادَةَ وَالنُّحُوسَةَ إِلَيْهَا وَهُمُ الصَّابِئَةُ وَأَكْثَرُ الْمُنَجِّمِينَ، وَأَمَّا الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشُّرَكَاءَ لِلَّهِ مِنْ غَيْرِ الْأَجْسَامِ فَهُمْ أَيْضًا طَوَائِفُ: الطَّائِفَةُ الْأُولَى: الَّذِينَ قَالُوا مُدَبِّرُ الْعَالَمِ هُوَ النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمَانَوِيَّةُ وَالثَّنَوِيَّةُ. وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: هُمُ الَّذِينَ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْأَرْوَاحِ الْفَلَكِيَّةِ وَلِكُلِّ إِقْلِيمٍ رُوحٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ الْفَلَكِيَّةِ يُدَبِّرُهُ وَلِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ هَذَا الْعَالَمِ رُوحٌ فَلَكِيٌّ يُدَبِّرُهُ وَيَتَّخِذُونَ لِتِلْكَ الْأَرْوَاحِ صُوَرًا وتماثيل ويعبدونها وهؤلاء هم عَبَدَةُ الْمَلَائِكَةِ، وَالطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ: الَّذِينَ قَالُوا لِلْعَالَمِ إلهان: أحدهما: خير، والآخر شرير، وَقَالُوا: مُدَبِّرُ هَذَا الْعَالَمِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِبْلِيسُ، وَهُمَا أَخَوَانِ، فَكُلُّ مَا فِي الْعَالَمِ مِنَ الْخَيْرَاتِ فَهُوَ مِنَ اللَّهِ وَكُلُّ مَا فِيهِ مِنَ الشَّرِّ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ. إِذَا عرفت هذه التفاصيل فنقول: كل ما اتَّخَذَ لِلَّهِ شَرِيكًا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى عِبَادَةِ ذَلِكَ الشَّرِيكِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، إِمَّا طَلَبًا لِنَفْعِهِ أَوْ هَرَبًا مِنْ ضَرَرِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ أَصَرُّوا عَلَى التَّوْحِيدِ وَأَبْطَلُوا الْقَوْلَ بِالشُّرَكَاءِ وَالْأَضْدَادِ وَلَمْ يَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى غَيْرِ اللَّهِ فَكَانَ رَجَاؤُهُمْ مِنَ اللَّهِ وَخَوْفُهُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَغْبَتُهُمْ فِي اللَّهِ وَرَهْبَتُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَلَا جَرَمَ لَمْ يَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وَلَمْ يَسْتَعِينُوا إِلَّا بِاللَّهِ، فَلِهَذَا قَالُوا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فَكَانَ قَوْلُهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَائِمًا مُقَامَ قَوْلِهِ: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الذِّكْرَ الْمَشْهُورَ هُوَ أَنْ تَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ يَدْخُلُ فِيهِ مَعْنَى قَوْلِنَا سبحان الله لأن قوله سبحانه اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ كَامِلًا تَامًّا فِي ذَاتِهِ، وَقَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُكَمِّلًا مُتَمِّمًا لِغَيْرِهِ، وَالشَّيْءُ لَا يَكُونُ مُكَمِّلًا مُتَمِّمًا لِغَيْرِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ تَامًّا كَامِلًا فِي ذَاتِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ دَخَلَ فِيهِ مَعْنَى قَوْلِنَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَلَمَّا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَأَثْبَتَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْحَمْدِ ذَكَرَ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْعِلَّةِ لِإِثْبَاتِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحَمْدِ لِلَّهِ، فَوَصَفَهُ بِالصِّفَاتِ
الْخَمْسِ وَهِيَ الَّتِي لِأَجْلِهَا تَتِمُّ مَصَالِحُ الْعَبْدِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ، وَلَمَّا بَيَّنَ ذَلِكَ ثَبَتَ صِحَّةُ قَوْلِنَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قَوْلَهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّهُ قَائِمٌ مُقَامَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ/ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَى وَأَجَلُّ وَأَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَتِمَّ مَقْصُودٌ مِنَ الْمَقَاصِدِ وَغَرَضٌ مِنَ الْأَغْرَاضِ إِلَّا بِإِعَانَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، فَثَبَتَ أَنَّ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا مُنْطَبِقَةٌ عَلَى ذَلِكَ الذِّكْرِ، وَآيَاتُ هَذِهِ السُّورَةِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الشَّرْحِ وَالتَّفْصِيلِ لِلْمَرَاتِبِ الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ فِي ذَلِكَ الذِّكْرِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ إِيَّاكَ عَلَى قَوْلِهِ نَعْبُدُ وَلَمْ يَقُلْ نَعْبُدُكَ، وَفِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَدَّمَ ذِكْرَ نَفْسِهِ لِيَتَنَبَّهُ الْعَابِدُ عَلَى أَنَّ الْمَعْبُودَ هُوَ اللَّهُ الْحَقُّ، فَلَا يَتَكَاسَلُ فِي التَّعْظِيمِ وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، يُحْكَى أَنَّ وَاحِدًا مِنَ الْمُصَارِعِينَ الْأُسْتَاذِينَ صَارَعَ رُسْتَاقِيًّا جِلْفًا فَصَرَعَ الرُّسْتَاقِيُّ ذَلِكَ الْأُسْتَاذَ مِرَارًا فَقِيلَ لِلرُّسْتَاقِيِّ: إِنَّهُ فُلَانٌ الْأُسْتَاذُ، فَانْصَرَعَ فِي الْحَالِ مِنْهُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِاحْتِشَامِهِ مِنْهُ، فكذا هاهنا: عَرَّفَهُ ذَاتَهُ أَوَّلًا حَتَّى تَحْصُلَ الْعِبَادَةُ مَعَ الْحِشْمَةِ فَلَا تَمْتَزِجَ بِالْغَفْلَةِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ إِنْ ثَقُلَتْ عَلَيْكَ الطَّاعَاتُ وَصَعُبَتْ عَلَيْكَ الْعِبَادَاتُ مِنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَاذْكُرْ أَوَّلًا قَوْلَهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ لِتَذْكُرَنِي وَتَحْضُرَ فِي قَلْبِكَ مَعْرِفَتِي، فَإِذَا ذَكَرْتَ جَلَالِي وَعَظَمَتِي وَعِزَّتِي وَعَلِمْتَ أَنِّي مَوْلَاكَ وَأَنَّكَ عَبْدِي سَهَّلْتُ عَلَيْكَ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ، وَمِثَالُهُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ حَمْلَ الْجِسْمِ الثَّقِيلِ تَنَاوَلَ قَبْلَ ذَلِكَ مَا يَزِيدُهُ قُوَّةً وَشِدَّةً، فَالْعَبْدُ لَمَّا أَرَادَ حَمْلَ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ الشَّدِيدَةِ تَنَاوَلَ أَوَّلًا مَعْجُونَ مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنْ بُسْتُوقَةِ قَوْلِهِ إِيَّاكَ حَتَّى يَقْوَى عَلَى حَمْلِ ثِقَلِ الْعُبُودِيَّةِ، وَمِثَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْعَاشِقَ الَّذِي يُضْرَبُ لِأَجْلِ مَعْشُوقِهِ فِي حَضْرَةِ مَعْشُوقِهِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ ذلك الضرب، فكذا هاهنا: إِذَا شَاهَدَ جَمَالَ إِيَّاكَ سَهُلَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ ثِقَلِ الْعُبُودِيَّةِ. وَثَالِثُهَا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [الْأَعْرَافِ: 201] فَالنَّفْسُ إِذَا مَسَّهَا طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ مِنَ الْكَسَلِ وَالْغَفْلَةِ وَالْبِطَالَةِ تَذَكَّرُوا حَضْرَةَ جَلَالِ اللَّهِ مِنْ مَشْرِقِ قَوْلِهِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ فَيَصِيرُونَ مُبْصِرِينَ مُسْتَعِدِّينَ لِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ نَعْبُدُكَ فَبَدَأْتَ أَوَّلًا بِذِكْرِ عِبَادَةِ نَفْسِكَ وَلَمْ تَذْكُرْ أَنَّ تِلْكَ الْعِبَادَةَ لِمَنْ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ إِبْلِيسَ يَقُولُ هَذِهِ الْعِبَادَةُ لِلْأَصْنَامِ أَوْ لِلْأَجْسَامِ أَوْ لِلشَّمْسِ أَوِ الْقَمَرِ، أَمَّا إِذَا غَيَّرْتَ هَذَا التَّرْتِيبَ وَقُلْتَ أَوَّلًا إِيَّاكَ ثُمَّ قُلْتَ ثَانِيًا نَعْبُدُ كَانَ قَوْلُكَ أَوَّلًا إِيَّاكَ صَرِيحًا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَالْمَعْبُودَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَكَانَ هَذَا أَبْلَغَ فِي التَّوْحِيدِ وَأَبْعَدَ عَنِ احْتِمَالِ الشِّرْكِ. وَخَامِسُهَا: وَهُوَ أَنَّ الْقَدِيمَ الْوَاجِبَ لِذَاتِهِ مُتَقَدِّمٌ فِي الْوُجُودِ عَلَى الْمُحْدَثِ الْمُمْكِنِ لِذَاتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَى جَمِيعِ الْأَذْكَارِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَدَّمَ قَوْلَهُ إِيَّاكَ عَلَى قَوْلِهِ نَعْبُدُ لِيَكُونَ ذِكْرُ الْحَقِّ مُتَقَدِّمًا عَلَى ذِكْرِ الْخَلْقِ. وَسَادِسُهَا: قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: مَنْ كَانَ نَظَرُهُ فِي وَقْتِ النِّعْمَةِ إِلَى الْمُنْعِمِ لَا إِلَى/ النِّعْمَةِ كَانَ نَظَرُهُ فِي وَقْتِ الْبَلَاءِ إِلَى الْمُبْتَلِي لَا إِلَى الْبَلَاءِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ غَرِقًا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ أَبَدًا فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ السِّعَادَاتِ، أَمَّا مَنْ كَانَ نَظَرُهُ فِي وَقْتِ النِّعْمَةِ إِلَى النِّعْمَةِ لَا إِلَى الْمُنْعِمِ كَانَ نَظَرُهُ فِي وَقْتِ الْبَلَاءِ إِلَى الْبَلَاءِ لَا إِلَى الْمُبْتَلِي فَكَانَ غَرِقًا فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ فِي الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَكَانَ أَبَدًا فِي الشَّقَاوَةِ، لِأَنَّ فِي وَقْتِ وِجْدَانِ النِّعْمَةَ يَكُونُ خَائِفًا مِنْ زَوَالِهَا فَكَانَ فِي الْعَذَابِ وَفِي وَقْتِ فَوَاتِ النِّعْمَةِ كَانَ مُبْتَلًى بِالْخِزْيِ وَالنَّكَالِ فَكَانَ فِي مَحْضِ السَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ، وَلِهَذَا التَّحْقِيقِ قَالَ لِأُمَّةِ مُوسَى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ [البقرة: 40] ، وقال لأمة محمد عليه السلام: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: 152] ، إذا عرفت
هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّمَا قَدَّمَ قَوْلَهُ إِيَّاكَ عَلَى قَوْلِهِ نَعْبُدُ لِيَكُونَ مُسْتَغْرِقًا فِي مُشَاهَدَةِ نُورِ جَلَالِ إِيَّاكَ، وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ فِي وَقْتِ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ مُسْتَقِرًّا فِي عَيْنِ الْفِرْدَوْسِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا. وَسَابِعُهَا: لَوْ قِيلَ نَعْبُدُكَ لَمْ يُفِدْ نَفْيَ عِبَادَتِهِمْ لِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَيَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْمُشْرِكِينَ أَمَّا لما قال إياك نعبد أفاد أنهم يعبدونهم وَلَا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ. وَثَامِنُهَا: أَنَّ هَذِهِ النُّونَ نُونُ الْعَظَمَةِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ مَتَّى كَنْتَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَلَا تَقُلْ نَحْنُ وَلَوْ كُنْتَ فِي أَلْفِ أَلْفٍ مِنَ الْعَبِيدِ، أَمَّا لَمَّا اشْتَغَلْتَ بِالصَّلَاةِ وَأَظْهَرْتَ الْعُبُودِيَّةَ لَنَا فَقُلْ نَعْبُدُ لِيَظْهَرَ لِلْكُلِّ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ عَبْدًا لَنَا كَانَ مَلِكَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَتَاسِعُهَا: لَوْ قَالَ إِيَّاكَ أَعْبُدُ لَكَانَ ذَلِكَ تَكَبُّرًا وَمَعْنَاهُ أَنِّي أَنَا الْعَابِدُ أَمَّا لَمَّا قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ كَانَ مَعْنَاهُ أَنِّي وَاحِدٌ مِنْ عَبِيدِكَ، فَالْأَوَّلُ تَكَبُّرٌ، وَالثَّانِي تَوَاضُعٌ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُمْ قَائِمٌ فِي قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ فِيهِ ذِكْرَ الْحَمْدِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَلِغَيْرِ اللَّهِ فَإِذَا قُلْتَ لِلَّهِ فَقَدْ تَقَيَّدَ الْحَمْدُ بِأَنْ يَكُونَ لِلَّهِ أَمَّا لَوْ قَدَّمَ قَوْلَهُ «نَعْبُدُ» احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَذَلِكَ كُفْرٌ، وَالنُّكْتَةُ أَنَّ الْحَمْدَ لَمَّا جَازَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ كَمَا جَازَ لِلَّهِ، لَا جَرَمَ حسن تقدم الحمد أما هاهنا فَالْعِبَادَةُ لَمَّا لَمْ تَجُزْ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا جَرَمَ قَدَّمَ قَوْلَهُ إِيَّاكَ عَلَى نَعْبُدُ، فَتَعَيَّنَ الصَّرْفُ لِلْعِبَادَةِ فَلَا يَبْقَى فِي الْكَلَامِ احْتِمَالُ أَنْ تَقَعَ الْعِبَادَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: النُّونُ فِي قَوْلِهِ نَعْبُدُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ نُونَ الْجَمْعِ أَوْ نُونَ التَّعْظِيمِ، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ، لِأَنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ جَمْعًا، وَالثَّانِي: بَاطِلٌ لِأَنَّ عِنْدَ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ، فَاللَّائِقُ بِالْإِنْسَانِ أَنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ بِالْعَجْزِ وَالذِّلَّةِ لَا بِالْعَظَمَةِ وَالرِّفْعَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ يَدُلُّ عَلَى حِكْمَةٍ بَالِغَةٍ: فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ النُّونِ نُونُ الْجَمْعِ وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى بِالْإِنْسَانِ أَنْ يُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ بِالْجَمَاعَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فَائِدَةَ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ مَعْلُومَةٌ فِي مَوْضِعِهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، ثُمَّ نَقُولُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ الْبَصَلَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْضُرَ الْجَمَاعَةَ لِئَلَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ إِنْسَانٌ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: هَذِهِ الطَّاعَةُ الَّتِي لَهَا هَذَا الثَّوَابُ الْعَظِيمُ لَا يَفِي ثَوَابُهَا بِأَنْ يَتَأَذَّى وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِرَائِحَةِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الثَّوَابُ لَا يَفِي بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَفِي بِإِيذَاءِ الْمُسْلِمِ وَكَيْفَ يَفِي بِالنَّمِيمَةِ وَالْغِيبَةِ وَالسِّعَايَةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ يُصَلِّي بِالْجَمَاعَةِ فَيَقُولُ نَعْبُدُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَمْعُ، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي وَحْدَهُ كَانَ الْمُرَادُ أَنِّي أَعْبُدُكَ وَالْمَلَائِكَةُ مَعِي فِي الْعِبَادَةِ. فَكَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ نَعْبُدُ هُوَ وَجَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةٌ فَلَوْ قَالَ إِيَّاكَ أَعْبُدُ لَكَانَ قَدْ ذَكَرَ عِبَادَةَ نَفْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ عِبَادَةَ غَيْرِهِ، أَمَّا لَمَّا قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ كَانَ قَدْ ذَكَرَ عِبَادَةَ نَفْسِهِ وَعِبَادَةَ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا فَكَأَنَّهُ سَعَى فِي إِصْلَاحِ مُهِمَّاتِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ قَضَى اللَّهُ مُهِمَّاتِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ قَضَى لِمُسْلِمٍ حَاجَةً قَضَى اللَّهُ لَهُ جَمِيعَ حاجاته» .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِلْعَبْدِ لَمَّا أَثْنَيْتَ عَلَيْنَا بِقَوْلِكَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وَفَوَّضْتَ إِلَيْنَا جَمِيعَ مَحَامِدِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَدْ عَظُمَ قَدْرُكَ عِنْدَنَا وَتَمَكَّنَتْ مَنْزِلَتُكَ فِي حَضْرَتِنَا، فَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى إِصْلَاحِ مُهِمَّاتِكَ وَحْدَكَ، وَلَكِنْ أَصْلِحْ حَوَائِجَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَقُلْ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: كَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: إِلَهِي مَا بَلَغَتْ عِبَادَتِي إِلَى حَيْثُ أَسْتَحِقُّ أَنْ أَذْكُرَهَا وَحْدَهَا، لِأَنَّهَا مَمْزُوجَةٌ بِجِهَاتِ التَّقْصِيرِ، وَلَكِنِّي أَخْلِطُهَا بِعِبَادَاتِ جَمِيعِ الْعَابِدِينَ، وَأَذْكُرُ الْكُلَّ بِعِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ وأقول إياك نعبد. وهاهنا مَسْأَلَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا بَاعَ مِنْ غَيْرِهِ عَشَرَةً مِنَ الْعَبِيدِ فَالْمُشْتَرِي إِمَّا أَنْ يَقْبَلَ الْكُلَّ، أَوْ لَا يَقْبَلَ وَاحِدًا مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ فِي تِلْكَ الصَّفْقَةِ فَكَذَا هُنَا إِذَا قالت الْعَبْدُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ فَقَدْ عَرَضَ عَلَى حَضْرَةِ اللَّهِ جَمِيعَ عِبَادَاتِ الْعَابِدِينَ، فَلَا يَلِيقُ بِكَرَمِهِ أَنْ يُمَيِّزَ الْبَعْضَ عَنِ الْبَعْضِ وَيَقْبَلَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ، فَإِمَّا أَنْ يَرُدَّ الْكُلَّ وَهُوَ غَيْرُ/ جَائِزٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ دَخَلَ فِيهِ عِبَادَاتُ الْمَلَائِكَةِ وَعِبَادَاتُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَإِمَّا أَنْ يَقْبَلَ الْكُلَّ، وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ عِبَادَةُ هَذَا الْقَائِلِ مَقْبُولَةً بِبَرَكَةِ قَبُولِ عِبَادَةِ غَيْرِهِ، وَالتَّقْدِيرُ كَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: إِلَهِي إِنْ لَمْ تَكُنْ عِبَادَتِي مَقْبُولَةً فَلَا تَرُدَّنِي لِأَنِّي لَسْتُ بِوَحِيدٍ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ بَلْ نَحْنُ كَثِيرُونَ فَإِنْ لَمْ أَسْتَحِقَّ الْإِجَابَةَ وَالْقَبُولَ فَأَتَشَفَّعُ إِلَيْكَ بِعِبَادَاتِ سَائِرِ الْمُتَعَبِّدِينَ فَأَجِبْنِي. الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ مَنْ عَرَفَ فَوَائِدَ الْعِبَادَةِ طَابَ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِهَا، وَثَقُلَ عَلَيْهِ الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِهَا، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكَمَالَ مَحْبُوبٌ بِالذَّاتِ، وَأَكْمَلُ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ وَأَقْوَاهَا فِي كَوْنِهَا سَعَادَةً اشْتِغَالُهُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَنِيرُ قَلْبُهُ بِنُورِ الْإِلَهِيَّةِ، وَيَتَشَرَّفُ لِسَانُهُ بِشَرَفِ الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ، وَتَتَجَمَّلُ أَعْضَاؤُهُ بِجَمَالِ خِدْمَةِ اللَّهِ، وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ أَشْرَفُ الْمَرَاتِبِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالدَّرَجَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ حُصُولُ هَذِهِ الْأَحْوَالِ أَعْظَمَ السَّعَادَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي الْحَالِ، وَهِيَ مُوجِبَةٌ أَيْضًا لِأَكْمَلِ السَّعَادَاتِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ زَالَ عَنْهُ ثِقَلُ الطَّاعَاتِ وَعَظُمَتْ حَلَاوَتُهَا فِي قَلْبِهِ. الثَّانِي: أَنَّ الْعِبَادَةَ أَمَانَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ [الْأَحْزَابِ: 72]- الآية وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَاجِبٌ عَقْلًا وَشَرْعًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النِّسَاءِ: 58] وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَحْبُوبَةٌ بِالذَّاتِ، وَلِأَنَّ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ سَبَبٌ لِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ مِنَ الْجَانِبِ الثَّانِي، قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: رَأَيْتُ أَعْرَابِيًّا أَتَى بَابَ الْمَسْجِدِ فَنَزَلَ عَنْ نَاقَتِهِ وَتَرَكَهَا وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَدَعَا بِمَا شَاءَ، فَتَعَجَّبْنَا، فَلَمَّا خَرَجَ لَمْ يَجِدْ نَاقَتَهُ فَقَالَ: إِلَهِي أَدَّيْتُ أَمَانَتَكَ فَأَيْنَ أَمَانَتِي؟ قَالَ الرَّاوِي فَزِدْنَا تَعَجُّبًا، فَلَمْ يَمْكُثْ حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَتِهِ وَقَدْ قُطِعَ يَدُهُ وَسَلَّمَ النَّاقَةَ إِلَيْهِ، وَالنُّكْتَةُ أَنَّهُ لَمَّا حَفِظَ أَمَانَةَ اللَّهِ حَفِظَ اللَّهُ أَمَانَتَهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «يَا غُلَامُ احْفَظِ اللَّهَ فِي الْخَلَوَاتِ يَحْفَظْكَ فِي الْفَلَوَاتِ» . الثَّالِثُ: أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِبَادَةِ انْتِقَالٌ مِنْ عَالَمِ الْغُرُورِ إِلَى عَالَمِ السُّرُورِ، وَمِنَ الِاشْتِغَالِ بِالْخَلْقِ إِلَى حَضْرَةِ الْحَقِّ، وَذَلِكَ يُوجِبُ كَمَالَ اللَّذَّةِ وَالْبَهْجَةِ: يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حَيَّةً سَقَطَتْ مِنَ السَّقْفِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهَا، وَوَقَعَتِ الْآكِلَةُ فِي بَعْضِ أَعْضَاءِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَاحْتَاجُوا إِلَى قَطْعِ ذَلِكَ الْعُضْوِ، فَلَمَّا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ قَطَعُوا مِنْهُ ذَلِكَ الْعُضْوَ فَلَمْ يَشْعُرْ عُرْوَةَ بِذَلِكَ الْقَطْعِ، وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ حِينَ يَشْرَعُ فِي الصَّلَاةِ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ صَدْرِهِ، أَزِيزًا كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ، وَمَنِ اسْتَبْعَدَ هَذَا فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يُوسُفَ: 31] فَإِنَّ النِّسْوَةَ لَمَّا غَلَبَ عَلَى قُلُوبِهِنَّ جَمَالُ يوسف
عليه السلام وصلت تلك الغلبة إلى حَيْثُ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَمَا شَعَرْنَ بِذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ هَذَا فِي حَقِّ الْبَشَرِ فَلَأَنْ يَجُوزَ عِنْدَ اسْتِيلَاءِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَلَى الْقَلْبِ أَوْلَى، وَلَأَنَّ مَنْ دَخَلَ عَلَى مَلِكٍ مَهِيبٍ فَرُبَّمَا مَرَّ بِهِ أَبَوَاهُ وَبَنُوهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَعْرِفُهُمْ لِأَجْلِ أَنَّ اسْتِيلَاءَ هَيْبَةِ ذَلِكَ الملك تَمْنَعُ الْقَلْبَ عَنِ الشُّعُورِ بِهِمْ، فَإِذَا جَازَ هَذَا فِي حَقِّ مَلِكٍ مَخْلُوقٍ مُجَازَى فَلَأَنْ يَجُوزَ فِي حَقِّ خَالِقِ الْعَالَمِ أَوْلَى. ثُمَّ قَالَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ: الْعِبَادَةُ لَهَا ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ: الدَّرَجَةُ الْأُولَى: أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ طَمَعًا فِي الثَّوَابِ أَوْ هَرَبًا مِنَ الْعِقَابِ، وَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى بِالْعِبَادَةِ، وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ نَازِلَةٌ سَاقِطَةٌ جِدًّا، لِأَنَّ مَعْبُودَهُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ ذَلِكَ الثَّوَابُ، وَقَدْ جَعَلَ الْحَقَّ وَسِيلَةً إِلَى نَيْلِ الْمَطْلُوبِ، وَمَنْ جَعَلَ الْمَطْلُوبَ بِالذَّاتِ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِ الْخَلْقِ وَجَعَلَ الْحَقَّ وَسِيلَةً إِلَيْهِ فَهُوَ خَسِيسٌ جِدًّا. وَالدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِأَجْلِ أَنْ يَتَشَرَّفَ بِعِبَادَتِهِ، أَوْ يَتَشَرَّفَ بِقَبُولِ تَكَالِيفِهِ، أَوْ يَتَشَرَّفَ بِالِانْتِسَابِ إِلَيْهِ، وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ أَعْلَى مِنَ الْأُولَى، إِلَّا أَنَّهَا أَيْضًا لَيْسَتْ كَامِلَةً، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ غَيْرُ اللَّهِ. وَالدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ لِكَوْنِهِ إِلَهًا وَخَالِقًا، وَلِكَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ، وَالْإِلَهِيَّةُ تُوجِبُ الْهَيْبَةَ وَالْعِزَّةَ، وَالْعُبُودِيَّةُ تُوجِبُ الْخُضُوعَ وَالذِّلَّةَ، وَهَذَا أَعْلَى الْمَقَامَاتِ وَأَشْرَفُ الدرجات، وهذا هُوَ الْمُسَمَّى بِالْعُبُودِيَّةِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ الْمُصَلِّي فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ أُصَلِّي لِلَّهِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ أَصُلِّي لِثَوَابِ اللَّهِ، أَوْ لِلْهَرَبِ مِنْ عِقَابِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَةَ وَالْعُبُودِيَّةَ مَقَامٌ عَالٍ شَرِيفٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتٌ: الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْحِجْرِ: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الْحِجْرِ: 97- 99] وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ فَأَمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِالْعِبَادَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ جَلَالَةِ أَمْرِ الْعِبَادَةِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ قَالَ: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: التَّسْبِيحُ: وَهُوَ قَوْلُه فَسَبِّحْ وَالتَّحْمِيدُ: وَهُوَ قَوْلُهُ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وَالسُّجُودُ: وَهُوَ قَوْلُهُ: وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَالْعِبَادَةُ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ تُزِيلُ ضِيقَ الْقَلْبِ، وَتُفِيدُ انْشِرَاحَ الصَّدْرِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تُوجِبُ الرُّجُوعَ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ، وَذَلِكَ يُوجِبُ زَوَالَ ضِيقِ الْقَلْبِ. الْآيَةُ الثَّانِيَةُ: فِي شَرَفِ الْعُبُودِيَّةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الْإِسْرَاءِ: 1] وَلَوْلَا أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ أَشْرَفُ الْمَقَامَاتِ، وَإِلَّا لَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فِي أَعْلَى مَقَامَاتِ الْمِعْرَاجِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْعُبُودِيَّةُ أَشْرَفُ مِنَ الرِّسَالَةِ، لِأَنَّ بِالْعُبُودِيَّةِ يَنْصَرِفُ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ، وَبِالرِّسَالَةِ يَنْصَرِفُ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْخَلْقِ، وَأَيْضًا بِسَبَبِ الْعُبُودِيَّةِ يَنْعَزِلُ عَنِ التَّصَرُّفَاتِ، وَبِسَبَبِ الرِّسَالَةِ يُقْبِلُ على التصرفات، واللائق بالعبد والانعزال عَنِ التَّصَرُّفَاتِ، وَأَيْضًا الْعَبْدُ يَتَكَفَّلُ الْمَوْلَى بِإِصْلَاحِ مُهِمَّاتِهِ، وَالرَّسُولُ هُوَ الْمُتَكَفِّلُ بِإِصْلَاحِ مُهِمَّاتِ الْأُمَّةِ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا. الْآيَةُ الثَّالِثَةُ: فِي شَرَفِ الْعُبُودِيَّةِ: أَنَّ عِيسَى أَوَّلَ مَا نَطَقَ قَالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مَرْيَمَ: 30] وَصَارَ ذِكْرُهُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ سَبَبًا لِطَهَارَةِ أُمِّهِ، وَلِبَرَاءَةِ وُجُودِهِ عَنِ الطَّعْنِ، وَصَارَ مِفْتَاحًا لِكُلِّ الْخَيْرَاتِ، وَدَافِعًا لِكُلِّ الآفات،
وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ أَوَّلُ كَلَامِ عِيسَى ذِكْرَ الْعُبُودِيَّةِ كَانَتْ عَاقِبَتُهُ الرِّفْعَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَرافِعُكَ إِلَيَّ، [آلِ عِمْرَانَ: 55] وَالنُّكْتَةُ أَنَّ الَّذِي ادَّعَى الْعُبُودِيَّةَ بِالْقَوْلِ رُفِعَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَالَّذِي يَدَّعِيهَا بِالْعَمَلِ سَبْعِينَ سَنَةً كَيْفَ يَبْقَى مَحْرُومًا عَنِ الْجَنَّةِ. الْآيَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طَهَ: 14] أَمَرَهُ بِعْدَ التَّوْحِيدِ بِالْعُبُودِيَّةِ، لِأَنَ التَّوْحِيدَ أَصْلٌ، وَالْعُبُودِيَّةَ فَرْعٌ، وَالتَّوْحِيدُ شَجَرَةٌ، وَالْعُبُودِيَّةُ ثَمَرَةٌ، وَلَا قِوَامَ لِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِالْآخَرِ، فَهَذِهِ الْآيَاتُ دَالَّةٌ عَلَى شَرَفِ الْعُبُودِيَّةِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَظَاهِرٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ مُحْدَثٌ مُمْكِنُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، فَلَوْلَا تَأْثِيرُ قُدْرَةِ الْحَقِّ فِيهِ لَبَقِيَ فِي ظُلْمَةِ الْعَدَمِ وَفِي فَنَاءِ الْفَنَاءِ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْوُجُودُ فَضْلًا عَنْ كَمَالَاتِ الْوُجُودِ، فَلَمَّا تَعَلَّقَتْ قُدْرَةُ الْحَقِّ بِهِ وَفَاضَتْ عَلَيْهِ آثَارُ جُودِهِ وَإِيجَادِهِ حَصَلَ لَهُ الْوُجُودُ وَكَمَالَاتُ الْوُجُودِ وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ مَقْدُورَ قُدْرَةِ الْحَقِّ وَلِكَوْنِهِ مُتَعَلَّقَ إِيجَادِ الْحَقِّ إِلَّا الْعُبُودِيَّةُ، فَكُلُّ شَرَفٍ وَكَمَالٍ وَبَهْجَةٍ وَفَضِيلَةٍ وَمَسَرَّةٍ وَمَنْقَبَةٍ حَصَلَتْ لِلْعَبْدِ فَإِنَّمَا حَصَلَتْ بِسَبَبِ الْعُبُودِيَّةِ، فَثَبَتَ أَنَ الْعُبُودِيَّةَ مِفْتَاحُ الْخَيْرَاتِ، وَعُنْوَانُ السَّعَادَاتِ، وَمَطْلَعُ الدَّرَجَاتِ، وَيَنْبُوعُ الْكَرَامَاتِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ الْعَبْدُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وَكَانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَقُولُ: (كَفَى بِي فَخْرًا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْدًا، وَكَفَى بِي شَرَفًا أَنْ تَكُونَ لِي رَبًّا، اللَّهُمَّ إِنِّي وَجَدْتُكَ إِلَهًا كَمَا أَرَدْتَ فَاجْعَلْنِي عَبْدًا كَمَا أَرَدْتَ) . الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَقَامَاتِ مَحْصُورَةٌ فِي مَقَامَيْنِ: مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَمَعْرِفَةُ الْعُبُودِيَّةِ وَعِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا يَحْصُلُ الْعَهْدُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [الْبَقَرَةِ: 40] أَمَّا مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ فَكَمَالُهَا مَذْكُورٌ فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فَكَوْنُ الْعَبْدِ/ مُنْتَقِلًا مِنَ الْعَدَمِ السَّابِقِ إِلَى الْوُجُودِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ إِلَهًا، وَحُصُولُ الْخَيْرَاتِ وَالسَّعَادَاتِ لِلْعَبْدِ حَالَ وُجُودِهِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ رَبًّا رَحْمَانًا رَحِيمًا، وَأَحْوَالُ مَعَادِ الْعَبْدِ تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، وَعِنْدَ الْإِحَاطَةِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ حَصَلَتْ مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَى أَقْصَى الْغَايَاتِ، وَبَعْدَهَا جَاءَتْ مَعْرِفَةُ الْعُبُودِيَّةِ، وَلَهَا مَبْدَأٌ وَكَمَالٌ، وَأَوَّلُ وَآخِرُ، أَمَّا مَبْدَؤُهَا وَأَوَّلُهَا فَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَهُوَ الْمُرَادُ، بِقَوْلِهِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَأَمَّا كَمَالُهَا فهو أن يعرف العبد أَنَّهُ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَعِينُ بِاللَّهِ فِي تَحْصِيلِ كُلِّ الْمَطَالِبِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَلَمَّا تَمَّ الْوَفَاءُ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَبِعَهْدِ الْعُبُودِيَّةِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ طَلَبُ الْفَائِدَةِ وَالثَّمَرَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وَهَذَا تَرْتِيبٌ شَرِيفٌ رَفِيعٌ عَالٍ يَمْتَنِعُ فِي الْعُقُولِ حُصُولُ تَرْتِيبٍ آخَرَ أَشْرَفَ مِنْهُ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ كُلُّهُ مَذْكُورٌ عَلَى لَفْظِ الْغَيْبَةِ، وَقَوْلُهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ انْتِقَالٌ مِنْ لَفْظِ الْغَيْبَةِ إِلَى لَفْظِ الْخِطَابِ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِيهِ؟ قُلْنَا فِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُصَلِّيَ كَانَ أَجْنَبِيًّا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا جَرَمَ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِأَلْفَاظِ الْمُغَايَبَةِ إِلَى قَوْلِهِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ حَمِدْتَنِي وَأَقْرَرْتَ بِكَوْنِي إِلَهًا رَبًّا رَحْمَانًا رَحِيمًا مَالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ، فَنِعْمَ الْعَبْدُ أَنْتَ قَدْ رَفَعْنَا الْحِجَابَ وَأَبْدَلْنَا الْبُعْدَ بِالْقُرْبِ فَتَكَلَّمْ بِالْمُخَاطَبَةِ وَقُلْ إِيَّاكَ نَعْبُدُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ أَحْسَنَ السُّؤَالِ مَا وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَافَهَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لَمَّا سَأَلُوا رَبَّهُمْ شَافَهُوهُ بِالسُّؤَالِ فَقَالُوا: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: 23] ، ورَبَّنَا اغْفِرْ لَنا [آل عمران: 147] ، ورَبِّ هَبْ لِي
الفصل السادس في قوله وإياك نستعين
[آل عمران: 38] ، ورَبِّ أَرِنِي [الْأَعْرَافِ: 143] وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الرَّدَّ مِنَ الْكَرِيمِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَافَهَةِ وَالْمُخَاطَبَةِ بَعِيدٌ وَأَيْضًا الْعِبَادَةُ خِدْمَةٌ، وَالْخِدْمَةُ فِي الْحُضُورِ أَوْلَى. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى قَوْلِهِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ثَنَاءً، وَالثَّنَاءُ فِي الْغَيْبَةِ أَوْلَى، وَمِنْ قَوْلِهِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ دُعَاءٌ، وَالدُّعَاءُ فِي الْحُضُورِ أَوْلَى. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: الْعَبْدُ لَمَّا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ نَوَيْتُ أَنْ أُصَلِّيَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ فَيَنْوِي حُصُولَ الْقُرْبَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ النِّيَّةِ أَنْوَاعًا مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، فَاقْتَضَى كَرَمُ اللَّهِ إِجَابَتَهُ فِي تَحْصِيلِ تِلْكَ الْقُرْبَةِ، فَنَقَلَهُ مِنْ مَقَامِ الْغَيْبَةِ إِلَى مَقَامِ الْحُضُورِ، فَقَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. الْفَصْلُ السادس في قوله وإياك نستعين معنى قَوْلِهِ: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: اعْلَمْ أَنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ أَنَّهُ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ مِنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، أَمَّا الْعَقْلُ فَمِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقَادِرَ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ عَلَى السَّوِيَّةِ، فَمَا لَمْ يَحْصُلِ الْمُرَجَّحُ لَمْ يَحْصُلِ الرُّجْحَانُ، وَذَلِكَ الْمُرَجَّحُ لَيْسَ مِنَ الْعَبْدِ، وَإِلَّا لَعَادَ فِي الطَّلَبِ، فَهُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَثَبَتَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُمْكِنُهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْفِعْلِ إِلَّا بِإِعَانَةِ اللَّهِ. الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ يَطْلُبُونَ الدِّينَ الْحَقَّ وَالِاعْتِقَادَ الصِّدْقَ مَعَ اسْتِوَائِهِمْ فِي الْقُدْرَةِ وَالْعَقْلِ وَالْجِدِّ وَالطَّلَبِ، فَفَوْزُ الْبَعْضِ بِدَرْكِ الْحَقِّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِعَانَةِ مُعِينٍ، وَمَا ذَاكَ الْمُعِينُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُعِينَ لَوْ كَانَ بَشَرًا أَوْ مَلَكًا لَعَادَ الطَّلَبُ فِيهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُطَالَبُ بِشَيْءٍ مُدَّةً مَدِيدَةً وَلَا يَأْتِي بِهِ، ثُمَّ فِي أَثْنَاءِ حَالٍ أَوْ وَقْتٍ يَأْتِي بِهِ وَيُقْدِمُ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَّفِقُ لَهُ تِلْكَ الْحَالَةُ إِلَّا إِذَا وَقَعَتْ دَاعِيَةٌ جَازِمَةٌ فِي قَلْبِهِ تَدْعُوهُ إِلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَإِلْقَاءُ تِلْكَ الدَّاعِيَةِ فِي الْقَلْبِ وَإِزَالَةُ الدَّوَاعِي الْمُعَارِضَةِ لَهَا لَيْسَتْ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مَعْنَى لِلْإِعَانَةِ إِلَّا ذَلِكَ. وَأَمَّا النَّقْلُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتٌ: أُولَاهَا: قَوْلُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وَثَانِيتُهَا: قَوْلُهُ: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ [الْأَعْرَافِ: 128] وَقَدِ اضْطَرَبَتِ الْجَبْرِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَمَّا الْجَبْرِيَّةُ فَقَالُوا: لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُسْتَقِلًّا بِالْفِعْلِ لَمَا كَانَ لِلِاسْتِعَانَةِ عَلَى الْفِعْلِ فَائِدَةٌ، وَأَمَّا الْقَدَرِيَّةُ فَقَالُوا الِاسْتِعَانَةُ إِنَّمَا تَحْسُنُ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَصْلِ الْفِعْلِ، فَتَبْطُلُ الْإِعَانَةُ مِنَ الْغَيْرِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْفِعْلِ لَمْ تَكُنْ لِلِاسْتِعَانَةِ فَائِدَةٌ. وَعِنْدِي أَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْفِعْلِ إِلَّا مَعَ الدَّاعِيَةِ الْجَازِمَةِ، فَالْإِعَانَةُ الْمَطْلُوبَةُ عِبَارَةٌ عَنْ خَلْقِ الدَّاعِيَةِ الْجَازِمَةِ، وَإِزَالَةِ الدَّاعِيَةِ الصَّارِفَةِ وَلْنَذْكُرْ مَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنَ اللَّطَائِفِ وَالْفَوَائِدِ: - الْفَائِدَةُ الْأُولَى: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الِاسْتِعَانَةُ عَلَى الْعَمَلِ إِنَّمَا تحسن قبل الشروع في العمل وهاهنا ذَكَرَ قَوْلَهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟ الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: كَأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقُولُ: شَرَعْتُ فِي الْعِبَادَةِ فَأَسْتَعِينُ بِكَ فِي إِتْمَامِهَا، فَلَا تَمْنَعْنِي مِنْ إِتْمَامِهَا بِالْمَوْتِ وَلَا بِالْمَرَضِ وَلَا بِقَلْبِ الدَّوَاعِي وَتَغَيُّرِهَا. الثَّانِي: كَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَقُولُ: يَا إِلَهِي إِنِّي أَتَيْتُ بِنَفْسِي إِلَّا أَنَّ لِي قَلْبًا يَفِرُّ مِنِّي، فَأَسْتَعِينُ بِكَ فِي
الفصل السابع في قوله اهدنا الصراط المستقيم، وفيه فوائد
إِحْضَارِهِ، وَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ إِحْضَارُ الْقَلْبِ إِلَّا بِإِعَانَةِ اللَّهِ. الثَّالِثُ: لَا أُرِيدُ فِي الْإِعَانَةِ غَيْرَكَ لَا جِبْرِيلَ وَلَا مِيكَائِيلَ، بَلْ أُرِيدُكَ وَحْدَكَ وَأَقْتَدِي فِي هَذَا الْمَذْهَبِ بِالْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ لَمَّا قَيَّدَ نُمْرُوذُ رِجْلَيْهِ وَيَدَيْهِ وَرَمَاهُ فِي النَّارِ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا، فَقَالَ: سَلْهُ، فَقَالَ: حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي، بَلْ رُبَّمَا أَزِيدُ عَلَى الْخَلِيلِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قُيِّدَ رِجْلَاهُ وَيَدَاهُ لَا غَيْرَ، وَأَمَّا أَنَا فَقُيِّدَتْ رِجْلَيَّ فَلَا أَسِيرُ، وَيَدَيَّ فَلَا أُحَرِّكُهُمَا، وَعَيْنَيَّ فَلَا أَنْظُرُ بِهِمَا، وَأُذُنَيَّ فَلَا أَسْمَعُ بِهِمَا، وَلِسَانِي فَلَا أَتَكَلَّمُ بِهِ، وَكَانَ الْخَلِيلُ مُشْرِفًا عَلَى نَارِ نُمْرُوذَ وَأَنَا مُشْرِفٌ عَلَى نَارِ جَهَنَّمَ، فَكَمَا لَمْ يَرْضَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِغَيْرِكَ مُعِينًا فَكَذَلِكَ لَا أُرِيدُ مُعِينًا غَيْرَكَ، فَإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نستعين، فكأنه تَعَالَى يَقُولُ: أَتَيْتَ بِفِعْلِ الْخَلِيلِ وَزِدْتَ عَلَيْهِ، فَنَحْنُ نَزِيدُ أَيْضًا فِي الْجَزَاءِ لِأَنَّا ثَمَّتَ قُلْنَا: يَا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [الْأَنْبِيَاءِ: 69] وَأَمَّا أَنْتَ فَقَدْ نَجَّيْنَاكَ مِنَ النَّارِ، وَأَوْصَلْنَاكَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَزِدْنَاكَ سَمَاعَ الْكَلَامِ الْقَدِيمِ، وَرُؤْيَةَ الْمَوْجُودِ القديم، وكما أنا قلنا لنار نمروذ يَا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ فَكَذَلِكَ تَقُولُ لَكَ نَارُ جَهَنَّمَ: جُزْ يَا مُؤْمِنُ قَدْ أَطْفَأَ نُورُكَ لَهَبِي. الرَّابِعُ: إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: أَيْ: لَا أَسْتَعِينُ بِغَيْرِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ لَا يُمْكِنُهُ إِعَانَتِي إِلَّا إِذَا أَعَنْتَهُ عَلَى تِلْكَ الْإِعَانَةِ، فَإِذَا كَانَتْ إِعَانَةُ الْغَيْرِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِإِعَانَتِكَ فَلْنَقْطَعْ هَذِهِ الْوَاسِطَةَ وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى إِعَانَتِكَ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ يَقْتَضِي حُصُولَ رُتْبَةٍ عَظِيمَةٍ لِلنَّفْسِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ يُورِثُ الْعُجْبَ فَأَرْدَفَ بِقَوْلِهِ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الرُّتْبَةَ الْحَاصِلَةَ بِسَبَبِ الْعِبَادَةِ مَا حَصَلَتْ مِنْ قُوَّةِ الْعَبْدِ، بَلْ إِنَّمَا حَصَلَتْ بِإِعَانَةِ اللَّهِ فَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ قَوْلِهِ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إِزَالَةُ الْعُجْبِ وَإِفْنَاءُ تِلْكَ النَّخْوَةِ وَالْكِبْرِ. الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي قوله اهدنا الصراط المستقيم، وفيه فوائد معنى قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْمُصَلِّي لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُهْتَدٍ، فَالْمُصَلِّي مُهْتَدٍ، فَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا كَانَ جَارِيًا مَجْرَى أَنَّ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ الْهِدَايَةُ فَإِنَّهُ يَطْلُبُ الْهِدَايَةَ فَكَانَ هَذَا طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَإِنَّهُ مُحَالٌ، وَالْعُلَمَاءُ أَجَابُوا عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: - الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ مِنْهُ صِرَاطُ الْأَوَّلِينَ فِي تَحَمُّلِ الْمَشَاقِ الْعَظِيمَةِ لِأَجْلِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى. يُحْكَى أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُضْرَبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَذَا مَرَّاتٍ بِحَيْثُ يُغْشَى عَلَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ رَسُولَنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا قَالَ ذَلِكَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهُوَ كَانَ يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّاتٍ فَلَزِمَ أَنْ يُقَالَ إِنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَالْجَوَابُ لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ طَلَبَ تِلْكَ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَذَا مَرَّةٍ كَانَ تَكَلُّمُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَكَلُّمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ بَيَّنُوا أَنَّ فِي كُلِّ خُلُقٍ مِنَ الْأَخْلَاقِ طَرَفَيْ تَفْرِيطٍ وإفراط، وهما
مَذْمُومَانِ، وَالْحَقُّ هُوَ الْوَسَطُ، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [الْبَقَرَةِ: 143] وَذَلِكَ الْوَسَطُ هُوَ الْعَدْلُ وَالصَّوَابُ، فَالْمُؤْمِنُ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِالدَّلِيلِ صَارَ مُؤْمِنًا مُهْتَدِيًا، أَمَّا بَعْدَ حُصُولِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ الْخَطُّ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ فِي الْأَعْمَالِ الشَّهْوَانِيَّةِ وَفِي الْأَعْمَالِ الْغَضَبِيَّةِ وَفِي كَيْفِيَّةِ إِنْفَاقِ الْمَالِ، فَالْمُؤْمِنُ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَهُ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي هُوَ الْوَسَطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ فِي كُلِّ الْأَخْلَاقِ وَفِي كُلِّ الْأَعْمَالِ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ فَالسُّؤَالُ زَائِلٌ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ فَلَا مَوْجُودَ مِنْ أَقْسَامِ الْمُمْكِنَاتِ إِلَّا وَفِيهِ دَلَائِلُ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَجُودِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَرُبَّمَا صَحَّ دِينُ الْإِنْسَانِ بِالدَّلِيلِ الْوَاحِدِ وَبَقِيَ غَافِلًا عَنْ سَائِرِ الدَّلَائِلِ، فَقَوْلُهُ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ مَعْنَاهُ عَرِّفْنَا يَا إِلَهَنَا مَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ كَيْفِيَّةِ دَلَالَتِهِ عَلَى ذَاتِكَ وَصِفَاتِكَ وَقُدْرَتِكَ وَعِلْمِكَ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَالسُّؤَالُ زَائِلٌ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [الشُّورَى: 52، 53] وَقَالَ أَيْضًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَأَنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الْأَنْعَامِ: 153] وَذَلِكَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُعْرِضًا عَمَّا سِوَى اللَّهِ مُقْبِلًا بِكُلِّيَّةِ قَلْبِهِ وَفِكْرِهِ وَذِكْرِهِ عَلَى اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ الْمُرَادُ أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، مِثَالُهُ أَنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ لَوْ أُمِرَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ لَأَطَاعَ كَمَا فَعَلَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَوْ أُمِرَ بِأَنْ يَنْقَادَ لِيَذْبَحَهُ غَيْرُهُ لَأَطَاعَ كَمَا فَعَلَهُ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَوْ أُمِرَ بِأَنْ يَرْمِيَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ لَأَطَاعَ كَمَا فَعَلَهُ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَوْ أُمِرَ بِأَنْ يَتَّلْمَذَ لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ/ بَعْدَ بُلُوغِهِ فِي الْمَنْصِبِ إِلَى أَعْلَى الْغَايَاتِ لَأَطَاعَ كَمَا فَعَلَهُ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَلَوْ أُمِرَ بِأَنْ يَصْبِرَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى الْقَتْلِ وَالتَّفْرِيقِ نِصْفَيْنِ لَأَطَاعَ كَمَا فَعَلَهُ يَحْيَى وَزَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ هُوَ الِاقْتِدَاءُ بِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ فِي الصَّبْرِ عَلَى الشَّدَائِدِ وَالثَّبَاتِ عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مَقَامٌ شَدِيدٌ هَائِلٌ، لِأَنَّ أَكْثَرَ الْخَلْقِ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ، إِلَّا أَنَّا نَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا، فَإِنَّهُ لَا يَضِيقُ أَمْرٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِلَّا اتَّسَعَ، لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ صِرَاطَ الَّذِينَ ضَرَبُوا وَقَتَلُوا بَلْ قَالَ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فَلْتَكُنْ نِيَّتُكَ عِنْدَ قِرَاءَةِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ تَقُولَ: يَا إِلَهِي، إِنَّ وَالِدِي رَأَيْتُهُ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ، كَمَا ارْتَكَبْتُهَا وَأَقْدَمَ عَلَى الْمَعَاصِي كَمَا أَقْدَمْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ لَمَّا قَرُبَ مَوْتُهُ تَابَ وَأَنَابَ فَحَكَمْتَ لَهُ بِالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَالْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ فَهُوَ مِمَّنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِأَنْ وَفَّقْتَهُ لِلتَّوْبَةِ، ثُمَّ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِأَنْ قَبِلْتَ تَوْبَتَهُ. فَأَنَا أَقُولُ: اهْدِنَا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ طَلَبًا لِمَرْتَبَةِ التَّائِبِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَهَا فَاطْلُبِ الِاقْتِدَاءَ بِدَرَجَاتِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: كَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَقُولُ فِي الطَّرِيقِ: كَثْرَةُ الْأَحْبَابِ يَجُرُّونَنِي إِلَى طَرِيقٍ، وَالْأَعْدَاءُ إِلَى طَرِيقٍ ثَانٍ، وَالشَّيْطَانُ إِلَى طَرِيقٍ ثَالِثٍ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي التَّعْطِيلِ وَالتَّشْبِيهِ وَالْجَبْرِ وَالْقَدَرِ وَالْإِرْجَاءِ وَالْوَعِيدِ وَالرَّفْضِ وَالْخُرُوجِ، وَالْعَقْلُ ضَعِيفٌ، وَالْعُمْرُ قَصِيرٌ، وَالصِّنَاعَةُ طَوِيلَةٌ، وَالتَّجْرِبَةُ خَطِرَةٌ، وَالْقَضَاءُ عَسِيرٌ، وَقَدْ تَحَيَّرْتُ فِي الْكُلِّ فَاهْدِنِي إِلَى طَرِيقٍ أَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى الْجَنَّةِ. وَالْمُسْتَقِيمُ: السَّوِيُّ الَّذِي لَا غِلَظَ فِيهِ.
يُحْكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَقَالَ: يَا شَيْخُ إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، قَالَ كَأَنَّكَ مَجْنُونٌ لَا أَرَى لَكَ مَرْكَبًا، وَلَا زَادًا، وَالسَّفَرُ طَوِيلٌ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ لِي مَرَاكِبَ كَثِيرَةً وَلَكِنَّكَ لَا تَرَاهَا، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إِذَا نَزَلَتْ عَلَيَّ بَلِيَّةٌ رَكِبْتُ مَرْكَبَ الصَّبْرِ، وَإِذَا نَزَلَ عَلَيَّ نِعْمَةٌ رَكِبْتُ مَرْكَبَ الشُّكْرِ وَإِذَا نَزَلَ بِيَ الْقَضَاءُ رَكِبْتُ مَرْكَبَ الرِّضَا، وَإِذَا دَعَتْنِي النَّفْسُ إِلَى شَيْءٍ عَلِمْتُ أَنَّ مَا بَقِيَ مِنَ الْعُمُرِ أَقَلُّ مِمَّا مَضَى فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: سِرْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَأَنْتَ الرَّاكِبُ وَأَنَا الرَّاجِلُ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ: الْإِسْلَامُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْقُرْآنُ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بَدَلٌ مِنَ الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ التَّقْدِيرُ اهْدِنَا صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَمَنْ تَقَدَّمَنَا مِنَ الْأُمَمِ/ مَا كَانَ لَهُمُ الْقُرْآنُ وَالْإِسْلَامُ، وَإِذَا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ اهْدِنَا صِرَاطَ الْمُحِقِّينَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا قَالَ الصِّرَاطَ وَلَمْ يَقُلِ السَّبِيلَ وَلَا الطَّرِيقَ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ وَاحِدًا لِيَكُونَ لَفْظُ الصِّرَاطِ مُذَكِّرًا لِصِرَاطِ جَهَنَّمَ فَيَكُونُ الْإِنْسَانُ عَلَى مَزِيدِ خَوْفٍ وَخَشْيَةٍ. الْقَوْلُ الثَّانِي: فِي تَفْسِيرِ اهْدِنَا: أَيْ ثَبِّتْنَا عَلَى الْهِدَايَةِ الَّتِي وَهَبْتَهَا مِنَّا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا [آلِ عِمْرَانَ: 8] أَيْ ثَبِّتْنَا عَلَى الْهِدَايَةِ فَكَمْ مِنْ عَالِمٍ وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ ضَعِيفَةٌ فِي خَاطِرِهِ فَزَاغَ وَذَلَّ وَانْحَرَفَ عَنِ الدِّينِ الْقَوِيمِ وَالْمَنْهَجِ الْمُسْتَقِيمِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ قَالَ اهْدِنَا وَلَمْ يَقُلْ اهْدِنِي؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الدُّعَاءَ كُلَّمَا كَانَ أَعَمَّ كَانَ إِلَى الْإِجَابَةِ أَقْرَبُ. كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يقول لتلامذته: إذ قَرَأْتُمْ فِي خُطْبَةِ السَّابِقِ «وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَعَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ» إِنْ نَوَيْتَنِي فِي قَوْلِكَ «رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ» فَحَسَنٌ، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ، وَلَكِنْ إِيَّاكَ وَأَنْ تَنْسَانِي فِي قَوْلِكَ «وَعَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ» لِأَنَّ قَوْلَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ تَخْصِيصٌ بِالدُّعَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ لَا يُقْبَلَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَعَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِجَابَةَ، وَإِذَا أَجَابَ اللَّهُ الدُّعَاءَ فِي الْبَعْضِ فَهُوَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَرُدَّهُ فِي الْبَاقِي، وَلِهَذَا السَّبَبِ فَإِنَّ السُّنَّةَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ دُعَاءً أَنْ يُصَلِّيَ أَوَّلًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَدْعُو ثُمَّ يَخْتِمُ الْكَلَامَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَانِيًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجِيبُ الدَّاعِيَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إِذَا أُجِيبَ فِي طَرَفَيْ دُعَائِهِ امْتَنَعَ أَنْ يُرَدَّ فِي وَسَطِهِ. الثَّانِي: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ادْعُوا اللَّهَ بِأَلْسِنَةٍ مَا عَصَيْتُمُوهُ بِهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ لَنَا بِتِلْكَ الْأَلْسِنَةِ، قَالَ يَدْعُو بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ، لِأَنَّكَ مَا عَصَيْتَ بِلَسَانِهِ وَهُوَ مَا عَصَى بِلِسَانِكَ. وَالثَّالِثُ: كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ، أَلَسْتَ قُلْتَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَمَا قُلْتَ أَحْمَدُ اللَّهَ فَذَكَرْتَ أَوَّلًا حَمْدَ جَمِيعِ الْحَامِدِينَ فَكَذَلِكَ فِي وَقْتِ الدُّعَاءِ أَشْرِكْهُمْ فَقُلِ اهْدِنَا. الرَّابِعُ: كَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَكَ يَقُولُ: الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ، فَلَمَّا أَرَدْتُ تَحْمِيدَكَ ذَكَرْتُ حَمْدَ الْجَمِيعِ فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَمَّا ذَكَرْتُ الْعِبَادَةَ ذَكَرْتُ عِبَادَةَ الْجَمِيعِ فَقُلْتُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَمَّا ذَكَرْتُ الِاسْتِعَانَةَ ذَكَرْتُ اسْتِعَانَةَ الْجَمِيعِ فَقُلْتُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فَلَا جَرَمَ لَمَّا طَلَبْتُ الْهِدَايَةَ طَلَبْتُهَا لِلْجَمِيعِ فَقُلْتُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَلَمَّا طَلَبْتُ الِاقْتِدَاءَ بِالصَّالِحِينَ طَلَبْتُ الِاقْتِدَاءَ بِالْجَمِيعِ فَقُلْتُ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وَلَمَّا طَلَبْتُ الْفِرَارَ مِنَ الْمَرْدُودِينَ فَرَرْتُ مِنَ الْكُلِّ فَقُلْتُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فَلَمَّا لَمْ أفارق
الفصل الثامن في تفسير قوله صراط الذين أنعمت عليهم، وفيه فوائد:
الْأَنْبِيَاءَ/ وَالصَّالِحِينَ فِي الدُّنْيَا فَأَرْجُو أَنْ لَا أُفَارِقَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ، قَالَ تَعَالَى: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ [النِّسَاءِ: 69] الآية. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْهَنْدَسَةِ قَالُوا الْخَطُّ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ أَقْصَرُ خَطٍّ يَصِلُ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَطَّ الْمُسْتَقِيمَ أَقْصَرُ مِنْ جَمِيعِ الْخُطُوطِ الْمُعْوَجَّةِ، فَكَأَنَّ الْعَبْدَ يَقُولُ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ أَقْرَبُ الْخُطُوطِ وَأَقْصَرُهَا، وَأَنَا عَاجِزٌ فَلَا يَلِيقُ بِضَعْفِي إِلَّا الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُسْتَقِيمَ وَاحِدٌ وَمَا عَدَاهُ مُعْوَجَّةٌ وَبَعْضُهَا يُشْبِهُ بَعْضًا فِي الِاعْوِجَاجِ فَيَشْتَبِهُ الطَّرِيقُ عَلَيَّ، أَمَّا الْمُسْتَقِيمُ فَلَا يُشَابِهُهُ غَيْرُهُ فَكَانَ أَبْعَدَ عَنِ الْخَوْفِ وَالْآفَاتِ وَأَقْرَبَ إِلَى الْأَمَانِ. الثَّالِثُ: الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ يُوصِلُ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَالْمُعْوَجُّ لَا يُوصِلُ إِلَيْهِ. وَالرَّابِعُ: الْمُسْتَقِيمُ لَا يَتَغَيَّرُ، وَالْمُعْوَجُّ يَتَغَيَّرُ، فَلِهَذِهِ الْأَسْبَابِ سَأَلَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وَفِيهِ فوائد: معنى قوله (صراط الذين أنعمت عليهم) : الْفَائِدَةُ الْأُولَى: فِي حَدِّ النِّعْمَةِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، ومنهم من يقول: المنفعة الحسنة المفعولة على جِهَةِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْغَيْرِ، قَالُوا وَإِنَّمَا زِدْنَا هَذَا الْقَيْدَ لِأَنَّ النِّعْمَةَ يُسْتَحَقُّ بِهَا الشُّكْرُ، وَإِذَا كَانَتْ قَبِيحَةً لَا يُسْتَحَقُّ بِهَا الشُّكْرُ، وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لِأَنَّهُ يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فِعْلُهُ مَحْظُورًا، لِأَنَّ جِهَةَ اسْتِحْقَاقِ الشُّكْرِ غَيْرُ جهة استحقاق الذَّنْبِ وَالْعِقَابِ، فَأَيُّ امْتِنَاعٍ فِي اجْتِمَاعِهِمَا؟ أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَاسِقَ يَسْتَحِقُّ بِإِنْعَامِهِ الشُّكْرَ، وَالذَّمَّ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الأمر هاهنا كذلك. ولنرجع إلى تفسير الخد الْمَذْكُورِ فَنَقُولُ: أَمَّا قَوْلُنَا «الْمَنْفَعَةُ» فَلِأَنَّ الْمَضَرَّةَ الْمَحْضَةَ لَا تَكُونُ نِعْمَةً، وَقَوْلُنَا «الْمَفْعُولَةُ عَلَى جِهَةِ الْإِحْسَانِ» لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَفْعًا حَقًّا وَقَصَدَ الْفَاعِلُ بِهِ نَفْعَ نَفْسِهِ لَا نَفْعَ الْمَفْعُولِ بِهِ لَا يَكُونُ نِعْمَةً، وَذَلِكَ كَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى جَارِيَتِهِ لِيَرْبَحَ عَلَيْهَا. إِذَا عَرَفْتَ حَدَّ النِّعْمَةِ فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ فُرُوعٌ: الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا يَصِلُ إِلَى الْخَلْقِ مِنَ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ فَهُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النَّحْلِ: 53] ثُمَّ إِنَّ النِّعْمَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: نِعْمَةٌ تَفَرَّدَ لله بِإِيجَادِهَا، نَحْوَ أَنْ خَلَقَ وَرَزَقَ. وَثَانِيهَا: نِعْمَةٌ وَصَلَتْ مِنْ جِهَةِ غَيْرِ اللَّهِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ فَهِيَ أَيْضًا إِنَّمَا وَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ/ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، وَالْخَالِقُ لِذَلِكَ الْمُنْعِمِ، وَالْخَالِقُ لِدَاعِيَةِ الْإِنْعَامِ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ فِي قَلْبِ ذَلِكَ الْمُنْعِمِ، إِلَّا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَجْرَى تِلْكَ النِّعْمَةَ عَلَى يَدِ ذَلِكَ الْعَبْدِ كَانَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَشْكُورًا، وَلَكِنَّ الْمَشْكُورَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَلِهَذَا قَالَ: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لُقْمَانَ: 14] فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ إِنْعَامَ الْخَلْقِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِنْعَامِ اللَّهِ، وَثَالِثُهَا: نِعَمٌ وَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ إِلَيْنَا بِسَبَبِ طَاعَتِنَا، وَهِيَ أَيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وفقنا للطاعات
وَأَعَانَنَا عَلَيْهَا وَهَدَانَا إِلَيْهَا وَأَزَاحَ الْأَعْذَارَ عَنَّا وَإِلَّا لَمَا وَصَلْنَا إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا، فَظَهَرَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. الْفَرْعُ الثَّانِي: أَنَّ أَوَّلَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْعَبِيدِ هُوَ أَنْ خَلَقَهُمْ أَحْيَاءً، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ أَمَّا الْعَقْلُ فَهُوَ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ نِعْمَةً إِلَّا إِذَا كَانَ بِحَيْثُ يُمْكُنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَلَا يُمْكُنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إِلَّا عِنْدَ حُصُولِ الْحَيَاةِ، فَإِنَّ الْجَمَادَ وَالْمَيِّتَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ، فَثَبَتَ أَنَّ أَصْلَ جَمِيعِ النِّعَمِ هُوَ الْحَيَاةُ، وَأَمَّا النَّقْلُ فَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [الْبَقَرَةِ: 28] ثُمَّ قَالَ عَقِيبَهُ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [الْبَقَرَةِ: 29] فَبَدَأَ بِذِكْرِ الْحَيَاةِ، وَثَنَّى بِذِكْرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ جَمِيعِ النِّعَمِ هُوَ الْحَيَاةُ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ لِلَّهِ تَعَالَى نِعْمَةٌ عَلَى الْكَافِرِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْكَافِرِ نِعْمَةٌ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لِلَّهِ عَلَى الْكَافِرِ نِعْمَةٌ دِينِيَّةٌ، وَنِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِالْقُرْآنِ وَالْمَعْقُولِ: أَمَّا الْقُرْآنُ فَآيَاتٌ. إِحْدَاهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلَّهِ عَلَى الْكَافِرِ نِعْمَةٌ لَكَانُوا دَاخِلِينَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ولو كان كذلك لَكَانَ قَوْلُهُ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ طَلَبًا لِصِرَاطِ الْكُفَّارِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ نِعْمَةٌ عَلَى الْكُفَّارِ، فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ قَوْلَهُ الصِّرَاطَ يَدْفَعُ ذَلِكَ، قُلْنَا: إِنَّ قَوْلَهُ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فَكَانَ التَّقْدِيرُ اهْدِنَا صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ. وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [آلِ عِمْرَانَ: 178] وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ نِعَمَ الدُّنْيَا فِي مُقَابَلَةِ عَذَابِ الْآخِرَةِ عَلَى الدَّوَامِ قَلِيلَةٌ كَالْقَطْرَةِ فِي الْبَحْرِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ نِعْمَةً، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ جَعَلَ السُّمَّ فِي الْحَلْوَاءِ لَمْ يَعُدِ النَّفْعُ الْحَاصِلُ مِنْهُ نِعْمَةٌ لِأَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ حَقِيرٌ في مقابلة ذلك الضرر الكثير، فكذا هاهنا. وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ لِلَّهِ عَلَى الْكَافِرِ نِعَمًا كَثِيرَةً فَقَدِ احْتَجُّوا بِآيَاتٍ: إِحْدَاهَا: قَوْلُهُ تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً [الْبَقَرَةِ: 21، 22] فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْكُلِّ طَاعَةُ اللَّهِ لِمَكَانِ هَذِهِ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ. وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [الْبَقَرَةِ: 28] ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ وَشَرْحِ النِّعَمِ. وَثَالِثُهَا: قوله تعالى: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ. [الْبَقَرَةِ: 40] وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سَبَأٍ: 13] وَقَوْلُ إِبْلِيسَ: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ [الْأَعْرَافِ: 17] وَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ النِّعَمُ لَمْ يَلْزَمِ الشُّكْرُ. وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ إِقْدَامِهِمْ عَلَى الشُّكْرِ مَحْذُورٌ، لِأَنَّ الشُّكْرَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا عِنْدَ حُصُولِ النِّعْمَةِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يَدُلُّ عَلَى إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِأَنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ: اهْدِنَا صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنَّ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ هُمْ فَقَالَ: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النساء: 69] ، الآية وَلَا شَكَّ أَنَّ رَأْسَ الصِّدِّيقِينَ وَرَئِيسَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكَانَ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا أَنْ نَطْلُبَ الْهِدَايَةَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَسَائِرُ الصِّدِّيقِينَ، وَلَوْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ ظَالِمًا لَمَا جَازَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ دَلَالَةُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه.
الفصل التاسع في قوله تعالى غير المغضوب عليهم ولا الضالين،
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ كَانَ لِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ، وَهَذِهِ النِّعْمَةُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهَا نِعْمَةَ الدُّنْيَا أَوْ نِعْمَةَ الدِّينِ، وَلَمَّا بَطَلَ الْأَوَّلُ ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ نِعْمَةُ الدِّينِ، فَنَقُولُ: كُلُّ نِعْمَةٍ دِينِيَّةٍ سِوَى الْإِيمَانِ فَهِيَ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا النِّعْمَةُ الَّتِي هِيَ الْإِيمَانُ فَيُمْكِنُ حُصُولُهَا خَالِيًا عَنْ سَائِرِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ هُوَ نِعْمَةُ الْإِيمَانِ، فَرَجَعَ حَاصِلُ الْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ طَلَبٌ لِنِعْمَةِ الْإِيمَانِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْأَصْلُ فَنَقُولُ: يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ: - الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ نِعْمَةُ الْإِيمَانِ، وَلَفْظُ الْآيَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُنْعِمُ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، ثَبَتَ أَنَّ خَالِقَ الْإِيمَانِ وَالْمُعْطِيَ لِلْإِيمَانِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَلِأَنَّ الْإِيمَانَ أَعْظَمُ النِّعَمِ، فَلَوْ كَانَ فَاعِلُهُ هُوَ الْعَبْدَ لَكَانَ إِنْعَامُ الْعَبْدِ أَشْرَفَ وَأَعْلَى مِنْ إِنْعَامِ اللَّهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا حَسُنَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَذْكُرَ إِنْعَامَهُ فِي مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ. الْحُكْمُ الثَّانِي: يَجِبُ أَنْ لَا يَبْقَى الْمُؤْمِنُ مُخَلَّدًا فِي النَّارِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مَذْكُورٌ فِي مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ لِهَذَا الْإِنْعَامِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ فِي دَفْعِ الْعِقَابِ الْمُؤَبَّدِ لَكَانَ قَلِيلَ الْفَائِدَةِ فَمَا كَانَ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي مَعْرِضِ التَّعْظِيمِ. الْحُكْمُ الثَّالِثُ: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ رِعَايَةُ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ فِي الدِّينِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِرْشَادُ وَاجِبًا عَلَى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِنْعَامًا، لِأَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ لَا يَكُونُ إِنْعَامًا، وَحَيْثُ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى إِنْعَامًا عَلِمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. الْحُكْمُ الرَّابِعُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِنْعَامِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْدَرَ الْمُكَلَّفَ عَلَيْهِ وَأَرْشَدَهُ إِلَيْهِ وَأَزَاحَ أَعْذَارَهُ وَعِلَلَهُ عَنْهُ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَاصِلٌ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ، فَلَمَّا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ بِهَذَا الْإِنْعَامِ مَعَ أَنَّ هَذَا الْإِقْدَارَ وَإِزَاحَةَ الْعِلَلِ عَامٌّ فِي حَقِّ الْكُلِّ عَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْإِنْعَامِ لَيْسَ هُوَ الْإِقْدَارَ عَلَيْهِ وَإِزَاحَةَ الْمَوَانِعِ عَنْهُ. الْفَصْلُ التَّاسِعُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضالين، وفيه فوائد معنى قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ- إلخ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ [الْمَائِدَةِ: 60] وَالضَّالِّينَ: هُمُ النَّصَارَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [الْمَائِدَةِ: 77] وَقِيلَ: هَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ مُنْكِرِي الصَّانِعِ وَالْمُشْرِكِينَ أَخْبَثُ دِينًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَكَانَ الِاحْتِرَازُ عَنْ دِينِهِمْ أَوْلَى، بَلِ الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ عَلَى كُلِّ مَنْ أَخْطَأَ فِي الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ
وَهُمُ الْفُسَّاقُ، وَيُحْمَلُ الضَّالُّونَ عَلَى كُلِّ مَنْ أَخْطَأَ فِي الِاعْتِقَادِ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ وَالتَّقْيِيدُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْكُفَّارُ، وَالضَّالُّونَ هُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى بَدَأَ بِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ فِي خَمْسِ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ الْكُفَّارِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [الْبَقَرَةِ: 6] ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا [الْبَقَرَةِ: 8] فَكَذَا هاهنا بَدَأَ بِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ الْكُفَّارِ وَهُوَ قَوْلُهُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا الضَّالِّينَ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: لَمَّا حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ ضَالِّينَ امْتَنَعَ كَوْنُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِلَّا لَزِمَ انْقِلَابُ خَبَرِ اللَّهِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَالْمُفْضِي إِلَى الْمُحَالِ مُحَالٌ. الْفَائِدَةُ الثالثة: [عصمة الأنبياء والأولياء] قَوْلُهُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مَا أَقْدَمَ عَلَى عَمَلٍ يُخَالِفُ قَوْلَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى اعْتِقَادِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ لَوْ صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ لَكَانَ قَدْ ضَلَّ عَنِ الْحَقِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يُونُسَ: 32] وَلَوْ كَانُوا ضَالِّينَ لَمَا جَازَ الِاقْتِدَاءُ بهم، ولا الاهتداء بِطَرِيقِهِمْ، وَلَكَانُوا خَارِجِينَ عَنْ قَوْلِهِ: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا عَلِمْنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عِصْمَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الْغَضَبُ: تَغَيُّرٌ يَحْصُلُ عِنْدَ غَلَيَانِ دَمِ الْقَلْبِ لِشَهْوَةِ الِانْتِقَامِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا عَلَى اللَّهِ تعالى محال، لكن هاهنا قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ، وَهِيَ أَنَّ جَمِيعَ الْأَعْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ- أَعْنِي الرَّحْمَةَ، وَالْفَرَحَ، وَالسُّرُورَ، وَالْغَضَبَ، وَالْحَيَاءَ، وَالْغَيْرَةَ، وَالْمَكْرَ وَالْخِدَاعَ، وَالتَّكَبُّرَ، وَالِاسْتِهْزَاءَ- لَهَا أَوَائِلُ، وَلَهَا غَايَاتٌ، وَمِثَالُهُ الْغَضَبُ فَإِنَّ أَوَّلَهُ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ، وَغَايَتَهُ إِرَادَةُ إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَلَفْظُ الْغَضَبِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُحْمَلُ عَلَى أَوَّلِهِ الَّذِي هُوَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ، بَلْ عَلَى غَايَتِهِ الَّذِي هُوَ إرادة الاضرار، وأيضاً، والحياء لَهُ أَوَّلٌ وَهُوَ انْكِسَارٌ يَحْصُلُ فِي النَّفْسِ، وَلَهُ غَرَضٌ وَهُوَ تَرْكُ الْفِعْلِ، فَلَفْظُ الْحَيَاءِ فِي حَقِّ اللَّهِ يُحْمَلُ عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ لَا عَلَى انْكِسَارِ النَّفْسِ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ. الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِمْ فَاعِلِينَ لِلْقَبَائِحِ بِاخْتِيَارِهِمْ وَإِلَّا لَكَانَ الْغَضَبُ عَلَيْهِمْ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَمَّا ذُكِرَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَأَتْبَعَهُ بِذِكْرِ كَوْنِهِمْ ضَالِّينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عِلَّةٌ لِكَوْنِهِمْ ضَالِّينَ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ صِفَةُ اللَّهِ مُؤَثِّرَةً فِي صِفَةِ الْعَبْدِ، أَمَّا لَوْ قُلْنَا إِنَّ كَوْنَهُمْ ضَالِّينَ يُوجِبُ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ صِفَةُ الْعَبْدِ مُؤَثِّرَةً فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ مُحَالٌ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَوَّلُ السُّورَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالْمَدْحِ لَهُ، وَآخِرُهَا مُشْتَمِلٌ عَلَى الذَّمِّ لِلْمُعْرِضِينَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ وَالْإِقْرَارِ بِطَاعَتِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَطْلَعَ الْخَيْرَاتِ وَعُنْوَانَ السَّعَادَاتِ هُوَ الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَطْلَعَ الْآفَاتِ وَرَأْسَ الْمَخَافَاتِ هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبَعْدُ عَنْ طَاعَتِهِ وَالِاجْتِنَابُ عَنْ خِدْمَتِهِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ ثَلَاثُ فِرَقٍ: أَهْلُ الطَّاعَةِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وَأَهْلُ الْمَعْصِيَةِ وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَأَهْلُ الْجَهْلِ فِي دِينِ اللَّهِ وَالْكُفْرِ وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ وَلَا الضَّالِّينَ.
الكلام في تفسير مجموع هذه السورة، وفيه فصول
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْعُصَاةِ عَلَى ذِكْرِ الْكَفَرَةِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَحْتَرِزُ عَنِ الْكُفْرِ أَمَّا قَدْ لَا يَحْتَرِزُ عَنِ الْفِسْقِ فَكَانَ أَهَمَّ فَلِهَذَا السَّبَبِ قُدِّمَ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: فِي الْآيَةِ سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ إِنَّمَا تَوَلَّدَ عَنْ عِلْمِهِ بِصُدُورِ الْقَبِيحِ وَالْجِنَايَةِ عَنْهُ، فَهَذَا الْعِلْمُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ قَدِيمٌ، أَوْ مُحْدَثٌ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْعِلْمُ قَدِيمًا فَلِمَ خَلَقَهُ وَلِمَ أَخْرَجَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ مِنْ دُخُولِهِ فِي الْوُجُودِ إِلَّا الْعَذَابَ الدَّائِمَ، وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ غَضْبَانَ عَلَى الشَّيْءِ كَيْفَ يُعْقَلُ إِقَدَامُهُ عَلَى إِيجَادِهِ وَعَلَى تَكْوِينِهِ؟ وَأَمَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ حَادِثًا كَانَ الْبَارِي تَعَالَى مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَفْتَقِرَ إِحْدَاثُ ذَلِكَ الْعِلْمِ إِلَى سَبْقِ عِلْمٍ آخَرَ، وَيَتَسَلْسَلَ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَجَوَابُهُ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: فِي الْآيَةِ سُؤَالٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا ذَكَرَ قَوْلَهُ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي أَنْ ذَكَرَ عَقِيبَهُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ؟ وَالْجَوَابُ: الْإِيمَانُ إِنَّمَا يَكْمُلُ بِالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ وَرَجَاؤُهُ لَاعْتَدَلَا، فَقَوْلُهُ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يُوجِبُ الرَّجَاءَ الْكَامِلَ، وَقَوْلُهُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ يُوجِبُ الْخَوْفَ الْكَامِلَ، وَحِينَئِذٍ يَقْوَى الْإِيمَانُ بِرُكْنَيْهِ وَطَرَفَيْهِ، وَيَنْتَهِي إِلَى حَدِّ الْكَمَالِ. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: فِي الْآيَةِ سُؤَالٌ آخَرُ، مَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْمَقْبُولِينَ طَائِفَةً وَاحِدَةً وَهُمُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَالْمَرْدُودِينَ فَرِيقَيْنِ: الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَالضَّالِّينَ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِينَ كَمُلَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ لِذَاتِهِ وَالْخَيْرِ لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِهِ، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُرَادُونَ بِقَوْلِهِ: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، فَإِنِ اخْتَلَّ قَيْدُ الْعَمَلِ فَهُمُ الْفَسَقَةُ وَهُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النِّسَاءِ: 93] وَإِنِ اخْتَلَّ قَيْدُ الْعِلْمِ فَهُمُ الضَّالُّونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يُونُسَ: 32] وَهَذَا آخِرُ كَلَامِنَا فِي تَفْسِيرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْقِسْمُ الثَّانِي الْكَلَامُ فِي تَفْسِيرِ مَجْمُوعِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَفِيهِ فُصُولٌ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْأَسْرَارِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ اعْلَمْ أَنَّ عَالَمَ الدُّنْيَا عالم الكدورة، وعالم الآخرة عالم الصفاء، فَالْآخِرَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّنْيَا كَالْأَصْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَرْعِ، وَكَالْجِسْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الظِّلِّ، فَكُلُّ مَا فِي الدُّنْيَا فَلَا بُدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ أَصْلٍ، وَإِلَّا كَانَ كَالسَّرَابِ الْبَاطِلِ وَالْخَيَالِ الْعَاطِلِ، وَكُلُّ مَا فِي الْآخِرَةِ فَلَا بُدَّ لَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ مِثَالٍ، وَإِلَّا لَكَانَ كَالشَّجَرَةِ بِلَا ثَمَرَةٍ وَمَدْلُولٍ بِلَا دَلِيلٍ، فَعَالَمُ الرُّوحَانِيَّاتِ عَالَمُ الْأَضْوَاءِ وَالْأَنْوَارِ وَالْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ وَاللَّذَّةِ وَالْحُبُورِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الرُّوحَانِيَّاتِ
مُخْتَلِفَةٌ بِالْكَمَالِ وَالنُّقْصَانِ وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مِنْهَا وَاحِدٌ هُوَ أَشْرَفُهَا وَأَعْلَاهَا وَأَكْمَلُهَا وَأَبْهَاهَا، وَيَكُونَ مَا سِوَاهُ فِي طَاعَتِهِ وَتَحْتَ أَمْرِهِ وَنْهِيهِ، كَمَا قَالَ: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التَّكْوِيرِ: 20، 21] وَأَيْضًا فَلَا بُدَّ فِي الدُّنْيَا مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ هُوَ أَشْرَفُ أَشْخَاصِ هَذَا الْعَالَمِ وَأَكْمَلُهَا وَأَعْلَاهَا وَأَبْهَاهَا، وَيَكُونُ كُلُّ مَا سِوَاهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ تَحْتَ طَاعَتِهِ وَأَمْرِهِ، فَالْمُطَاعُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُطَاعُ فِي عَالَمِ الرُّوحَانِيَّاتِ وَالْمُطَاعُ الثَّانِي هُوَ الْمُطَاعُ فِي عَالَمِ الْجُسْمَانِيَّاتِ، فَذَاكَ مُطَاعُ الْعَالَمِ الْأَعْلَى، وَهَذَا مُطَاعُ الْعَالَمِ الْأَسْفَلِ وَلَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ عَالَمَ الْجُسْمَانِيَّاتِ كَالظِّلِّ لِعَالَمِ الرُّوحَانِيَّاتِ وَكَالْأَثَرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمُطَاعَيْنِ مُلَاقَاةٌ وَمُقَارَنَةٌ وَمُجَانَسَةٌ، فَالْمُطَاعُ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ هُوَ الْمَصْدَرُ، وَالْمُطَاعُ فِي عَالَمِ الْأَجْسَامِ هُوَ الْمَظْهَرُ وَالْمَصْدَرُ هُوَ الرَّسُولُ الْمَلَكِيُّ، وَالْمَظْهَرُ هُوَ الرَّسُولُ الْبَشَرِيُّ، وَبِهِمَا يَتِمُّ أَمْرُ السَّعَادَاتِ فِي الْآخِرَةِ وَفِي الدُّنْيَا. وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: كَمَالُ حَالِ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ إِنَّمَا يَظْهَرُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ إِنَّمَا تَتِمُّ بِأُمُورٍ سَبْعَةٍ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي خَاتِمَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ- الآية وَيَنْدَرِجُ فِي أَحْكَامِ الرُّسُلِ قَوْلُهُ: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [الْبَقَرَةِ: 285] فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَعْرِفَةِ الْمَبْدَأِ، وَهِيَ مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ الْعُبُودِيَّةِ/ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَبْدَأُ، وَالثَّانِي: الْكَمَالُ. فَالْمَبْدَأُ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا [الْبَقَرَةِ: 285] لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا بُدَّ مِنْهُ لِمَنْ يُرِيدُ الذَّهَابَ إِلَى اللَّهِ، وَأَمَّا الْكَمَالُ فَهُوَ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَالِالْتِجَاءُ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَيْهِ وهو قوله: غُفْرانَكَ رَبَّنا وَهُوَ قَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الْأَعْمَالِ الْبَشَرِيَّةِ وَالطَّاعَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالِالْتِجَاءُ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَطَلَبُ الرَّحْمَةِ مِنْهُ وَطَلَبُ الْمَغْفِرَةِ، ثُمَّ إِذَا تَمَّتْ مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ بِسَبَبِ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَتَمَّتْ مَعْرِفَةُ الْعُبُودِيَّةِ بِسَبَبِ مَعْرِفَةِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا الذَّهَابُ إِلَى حَضْرَةِ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلذَّهَابِ إِلَى الْمَعَادِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَرَاتِبَ ثَلَاثَةٌ: الْمَبْدَأُ وَالْوَسَطُ، وَالْمَعَادُ، أَمَّا الْمَبْدَأُ فَإِنَّمَا يَكْمُلُ مَعْرِفَتُهُ بِمَعْرِفَةِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ: وَهِيَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْكُتُبِ، وَالرُّسُلِ، وَأَمَّا الْوَسَطُ فَإِنَّمَا يَكْمُلُ مَعْرِفَتُهُ بِمَعْرِفَةِ أَمْرَيْنِ: «سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» نَصِيبُ عَالَمِ الْأَجْسَادِ، و «غفرانك رَبَّنَا» نَصِيبُ عَالَمِ الْأَرْوَاحِ، وَأَمَّا النِّهَايَةُ فَهِيَ إِنَّمَا تَتِمُّ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: 285] فَابْتِدَاءُ الْأَمْرِ أَرْبَعَةٌ، وَفِي الْوَسَطِ صَارَ اثْنَيْنِ، وَفِي النِّهَايَةِ صَارَ وَاحِدًا. وَلَمَّا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ السَّبْعُ فِي الْمَعْرِفَةِ تَفَرَّعَ عَنْهَا سَبْعُ مَرَاتِبَ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ: - فَأَوَّلُهَا: قَوْلُهُ: رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [الْبَقَرَةِ: 286] وَضِدُّ النِّسْيَانِ هُوَ الذِّكْرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الْأَحْزَابِ: 41] وَقَوْلُهُ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [الْكَهْفِ: 24] وَقَوْلُهُ: تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [الْأَعْرَافِ: 201] وَقَوْلُهُ: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ [الإنسان: 25] وَهَذَا الذِّكْرُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [الْبَقَرَةِ: 286] وَدَفْعُ الْإِصْرِ- وَالْإِصْرُ هُوَ الثِّقْلُ- يُوجِبُ الْحَمْدَ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لَا طاقَةَ لَنا بِهِ وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ رَحْمَتِهِ، وَذَلِكَ هُوَ قَوْلُهُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
الفصل الثاني في مداخل الشيطان:
ورابعها: قوله: وَاعْفُ عَنَّا لِأَنَّكَ أَنْتَ الْمَالِكُ لِلْقَضَاءِ وَالْحُكُومَةِ فِي يَوْمِ الدِّينِ، وَهُوَ قَوْلُهُ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. وَخَامِسُهَا: قوله تعالى: وَاغْفِرْ لَنا لِأَنَّا فِي الدُّنْيَا عَبَدْنَاكَ وَاسْتَعَنَّا بِكَ فِي كُلِّ الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نستعين. وسادسها: قوله: وَارْحَمْنا لِأَنَّا طَلَبْنَا الْهِدَايَةَ مِنْكَ فِي قَوْلِنَا: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. وَسَابِعُهَا: قَوْلُهُ: أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [الْبَقَرَةِ: 286] وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. فَهَذِهِ الْمَرَاتِبُ السَّبْعُ الْمَذْكُورَةُ فِي آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي عَالَمِ الرُّوحَانِيَّاتِ عِنْدَ صُعُودِهِ إِلَى الْمِعْرَاجِ، فَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْمِعْرَاجِ فَاضَ أَثَرُ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَظْهَرِ فَوَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِسُورَةِ الْفَاتِحَةِ، فَمَنْ قَرَأَهَا فِي صَلَاتِهِ صَعِدَتْ هَذِهِ الْأَنْوَارُ مِنَ الْمَظْهَرِ إِلَى الْمَصْدَرِ كَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْأَنْوَارُ فِي عَهْدِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَظْهَرِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الصَّلَاةُ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ» . الْفَصْلُ الثَّانِي فِي مَدَاخِلِ الشيطان: مَدَاخِلِ الشَّيْطَانِ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَدَاخِلَ الَّتِي يَأْتِي الشَّيْطَانُ مِنْ قِبَلِهَا فِي الْأَصْلِ ثَلَاثَةٌ: الشَّهْوَةُ، وَالْغَضَبُ، وَالْهَوَى، فَالشَّهْوَةُ بَهِيمِيَّةٌ، وَالْغَضَبُ سَبُعِيَّةٌ، وَالْهَوَى شَيْطَانِيَّةٌ: فَالشَّهْوَةُ آفَةٌ لَكِنَّ الْغَضَبَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَالْغَضَبُ آفَةٌ لَكِنَّ الْهَوَى أَعْظَمُ مِنْهُ، فَقَوْلُهُ تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ الْمُرَادُ آثَارُ الشَّهْوَةِ، وَقَوْلُهُ: وَالْمُنْكَرِ الْمُرَادُ مِنْهُ آثار الغضب، وقوله: والبغي [العنكبوت: 45] الْمُرَادُ مِنْهُ آثَارُ الْهَوْى فَبِالشَّهْوَةِ يَصِيرُ الْإِنْسَانُ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ، وَبِالْغَضَبِ يَصِيرُ ظَالِمًا لِغَيْرِهِ، وَبِالْهَوَى يَتَعَدَّى ظُلْمُهُ إِلَى حَضْرَةِ جَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: الظُّلْمُ ثَلَاثَةٌ: فَظُلْمٌ لَا يُغْفَرُ، وَظُلْمٌ لَا يُتْرَكُ وَظُلْمٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ. فَالظُّلْمُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالظُّلْمُ الَّذِي لَا يُتْرَكُ هُوَ ظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَالظُّلْمُ الَّذِي عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ هُوَ ظُلْمُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ، فَمَنْشَأُ الظُّلْمِ الَّذِي لَا يُغْفَرُ هُوَ الْهَوَى. وَمَنْشَأُ الظُّلْمِ الَّذِي لَا يُتْرَكُ هُوَ الْغَضَبُ، وَمَنْشَأُ الظُّلْمِ الَّذِي عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ هُوَ الشَّهْوَةُ، ثُمَّ لَهَا نَتَائِجُ، فَالْحِرْصُ وَالْبُخْلُ نَتِيجَةُ الشَّهْوَةِ، وَالْعُجْبُ وَالْكِبْرُ نَتِيجَةُ الْغَضَبِ، وَالْكُفْرُ وَالْبِدْعَةُ نَتِيجَةُ الْهَوَى، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ السِّتَّةُ فِي بَنِي آدَمَ تَوَلَّدَ مِنْهَا سَابِعٌ- وَهُوَ الْحَسَدُ- وَهُوَ نِهَايَةُ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ. كَمَا أَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ النِّهَايَةُ فِي الْأَشْخَاصِ الْمَذْمُومَةِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ خَتَمَ اللَّهُ مَجَامِعَ الشُّرُورِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِالْحَسَدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ [الْفَلَقِ: 5] كَمَا خَتَمَ مَجَامِعَ الْخَبَائِثِ الشَّيْطَانِيَّةِ بِالْوَسْوَسَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [النَّاسِ: 5، 6] فَلَيْسَ فِي بَنِي آدَمَ أَشَرُّ مِنَ الْحَسَدِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّيَاطِينِ أَشَرُّ مِنَ الْوِسْوَاسِ، بَلْ قِيلَ: الْحَاسِدُ أَشَرُّ مِنْ إِبْلِيسَ، لِأَنَّ إِبْلِيسَ رُوِيَ أَنَّهُ أَتَى بَابَ فِرْعَوْنَ وَقَرَعَ الْبَابَ
فَقَالَ فِرْعَوْنُ/ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ إِبْلِيسُ: لَوْ كُنْتُ إِلَهًا لَمَا جَهِلْتَنِي، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ فِرْعَوْنُ: أَتَعْرِفُ فِي الْأَرْضِ شَرًّا مِنِّي وَمِنْكَ، قَالَ: نَعَمْ، الْحَاسِدُ، وَبِالْحَسَدِ وَقَعْتُ فِي هَذِهِ الْمِحْنَةِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: أُصُولُ الْأَخْلَاقِ الْقَبِيحَةِ هِيَ تِلْكَ الثَّلَاثَةُ، وَالْأَوْلَادُ وَالنَّتَائِجُ هِيَ هَذِهِ السَّبْعَةُ الْمَذْكُورَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ الْفَاتِحَةِ وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ لِحَسْمِ هَذِهِ الْآفَاتِ السَّبْعِ وَأَيْضًا أَصْلُ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ هُوَ التَّسْمِيَةُ، وَفِيهَا الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ، وَهِيَ فِي مُقَابَلَةِ تِلْكَ الْأَخْلَاقِ الْأَصْلِيَّةِ الْفَاسِدَةِ، فَالْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ الْأَصْلِيَّةُ فِي مُقَابَلَةِ الْأَخْلَاقِ الثَّلَاثَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْآيَاتُ السَّبْعُ (الَّتِي هِيَ الْفَاتِحَةُ) فِي مُقَابَلَةِ الْأَخْلَاقِ السَّبْعَةِ، ثُمَّ إِنَّ جُمْلَةَ الْقُرْآنِ كَالنَّتَائِجِ وَالشُّعَبِ مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَكَذَا جَمِيعُ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ كَالنَّتَائِجِ وَالشُّعَبِ مِنْ تِلْكَ السَّبْعَةِ، فَلَا جَرَمَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ كَالْعِلَاجِ لِجَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ. أَمَّا بَيَانُ أَنَّ الْأُمَّهَاتِ الثَّلَاثَةَ فِي مُقَابَلَةِ الْأُمَّهَاتِ الثَّلَاثَةِ فَنَقُولُ: إِنَّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ وَعَرَفَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الشَّيْطَانُ وَالْهَوَى، لِأَنَّ الْهَوَى إِلَهٌ سِوَى اللَّهِ يُعْبَدُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [الْجَاثِيَةِ: 23] وَقَالَ تَعَالَى لِمُوسَى: يَا مُوسَى، خَالِفْ هَوَاكَ فَإِنِّي مَا خَلَقْتُ خَلْقًا نَازَعَنِي فِي مُلْكِي إِلَّا الْهَوَى، وَمَنْ عَرَفَ أَنَّهُ رَحْمَنٌ لَا يَغْضَبُ، لِأَنَّ مَنْشَأَ الْغَضَبِ طَلَبُ الْوِلَايَةِ، وَالْوِلَايَةُ لِلرَّحْمَنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ [الفرقان: 26] ومن عرف أنه رحيم وجب أنه يَتَشَبَّهَ بِهِ فِي كَوْنِهِ رَحِيمًا وَإِذَا صَارَ رَحِيمًا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، وَلَمْ يُلَطِّخْهَا بِالْأَفْعَالِ الْبَهِيمِيَّةِ. وَأَمَّا الْأَوْلَادُ السَّبْعَةُ فَهِيَ مُقَابِلَةُ الْآيَاتِ السَّبْعِ، وَقَبْلَ أَنْ نَخُوضَ فِي بَيَانِ تِلْكَ الْمُعَارَضَةِ نَذْكُرُ دَقِيقَةً أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَنَّ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي التَّسْمِيَةِ فِي نَفْسِ السُّورَةِ، وَذَكَرَ مَعَهَا اسْمَيْنِ آخَرَيْنِ: وَهُمَا الرَّبُّ، وَالْمَالِكُ، فَالرُّبُّ قَرِيبٌ مِنَ الرَّحِيمِ، لِقَوْلِهِ: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58] وَالْمَالِكُ قَرِيبٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ فَحَصَلَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ: الرَّبُّ وَالْمَلِكُ، وَالْإِلَهُ، فَلِهَذَا السَّبَبِ خَتَمَ اللَّهُ آخِرَ سُورَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا، وَالتَّقْدِيرُ كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنْ أَتَاكَ الشَّيْطَانُ مِنْ قِبَلِ الشَّهْوَةِ فَقُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وَإِنْ أَتَاكَ مِنْ قِبَلِ الْغَضَبِ فَقُلْ: مَلِكِ النَّاسِ وَإِنْ أَتَاكَ مِنْ قِبَلِ الْهَوَى فَقُلْ: إِلهِ النَّاسِ [النَّاسِ: 1- 3] . وَلْنَرْجِعْ إِلَى بَيَانِ مُعَارَضَةِ تِلْكَ السَّبْعَةِ فَنَقُولُ: مَنْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ، وَاكْتَفَى بِالْحَاصِلِ، فَزَالَتْ شَهْوَتُهُ، وَمَنَ عَرَفَ أَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ زَالَ حِرْصُهُ فِيمَا لَمْ يَجِدْ، وَبُخْلُهُ فِيمَا وَجَدَ فَانْدَفَعَتْ عَنْهُ آفَةُ الشَّهْوَةِ وَلَذَّاتُهَا، وَمَنْ عَرَفَ أَنَّهُ مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ أَنَّهُ الرحمن الرحيم زَالَ غَضَبُهُ، وَمَنْ قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ زَالَ كِبْرُهُ بِالْأَوَّلِ وَعُجْبُهُ بِالثَّانِي، فَانْدَفَعَتْ/ عَنْهُ آفَةُ الْغَضَبِ بِوَلَدَيْهَا، فَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ انْدَفَعَ عَنْهُ شَيْطَانُ الْهَوَى، وَإِذَا قَالَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ زَالَ عَنْهُ كُفْرُهُ وَشُبْهَتُهُ، وَإِذَا قَالَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ انْدَفَعَتْ عَنْهُ بِدْعَتُهُ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ السَّبْعَ دَافِعَةٌ لِتِلْكَ الْأَخْلَاقِ الْقَبِيحَةِ السبعة.
الفصل الثالث في تقرير أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يحتاج الإنسان إليه في معرفة المبدأ والوسط والمعاد
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي تَقْرِيرِ أَنَّ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَيْهِ فِي معرفة المبدأ والوسط والمعاد جمع الفاتحة لكل ما يحتاج إليه: اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِشَارَةٌ إِلَى إِثْبَاتِ الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْمُعْتَمِدَ فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِخِلْقَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: 258] ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: 78] ، وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: 50] ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: 26] ، وقال تعالى في أول سورة البقرة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الْبَقَرَةِ: 21] وَقَالَ فِي أَوَّلِ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ [الْعَلَقِ: 1، 2] فَهَذِهِ الْآيَاتُ السِّتُّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى اسْتَدَلَّ بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ تَعَالَى، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ فِي الْقُرْآنِ وَجَدْتَ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ فِيهِ كَثِيرًا جِدًّا. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ كَمَا أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ هُوَ دَلِيلٌ فَكَذَلِكَ هُوَ نَفْسُهُ إِنْعَامٌ عَظِيمٌ، فَهَذِهِ الْحَالَةُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تُعَرِّفُ الْعَبْدَ وُجُودَ الْإِلَهِ دَلِيلٌ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهَا نَفْعٌ عَظِيمٌ وَصَلَ مِنَ اللَّهِ إِلَى الْعَبْدِ إِنْعَامٌ، فَلَا جَرَمَ هُوَ دَلِيلٌ مِنْ وَجْهٍ، وَإِنْعَامٌ مِنْ وَجْهٍ، وَالْإِنْعَامُ مَتَى وَقَعَ بِقَصْدِ الْفَاعِلِ إِلَى إِيقَاعِهِ إِنْعَامًا كَانَ يَسْتَحِقُّ هُوَ الْحَمْدَ، وَحُدُوثُ بَدَنِ الْإِنْسَانِ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَوَلُّدَ الْأَعْضَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الطَّبَائِعِ وَالصُّوَرِ وَالْأَشْكَالِ مِنَ النُّطْفَةِ الْمُتَشَابِهَةِ الْأَجْزَاءِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا إِذَا قَصَدَ الْخَالِقُ إِيجَادَ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ عَلَى تِلْكَ الصُّوَرِ وَالطَّبَائِعِ، فَحُدُوثُ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ صَانِعٍ عَالِمٍ بالمعلومات قادر على كل المقدورات قَصَدَ بِحُكْمِ رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ خَلْقَ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُطَابِقِ لِمَصَالِحِنَا الْمُوَافِقِ لِمَنَافِعِنَا، وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، فَقَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ، وَعَلَى عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَرَحْمَتِهِ، وَكَمَالِ حِكْمَتِهِ وَعَلَى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ، فَكَانَ قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ دَالًّا عَلَى جُمْلَةِ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَأَمَّا قَوْلُهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْإِلَهَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ كُلَّ الْعَالَمِينَ مُلْكُهُ وَمِلْكُهُ، / وَلَيْسَ فِي الْعَالَمِ إِلَهٌ سِوَاهُ، وَلَا مَعْبُودٌ غَيْرَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ الْوَاحِدَ الَّذِي لَا إِلَهَ سِوَاهُ مَوْصُوفٌ بِكَمَالِ الرَّحْمَةِ وَالْكَرَمِ وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ لَوَازِمِ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَنْ يَحْصُلَ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ يَوْمٌ آخَرُ يَظْهَرُ فِيهِ تَمْيِيزُ الْمُحْسِنِ عَنِ الْمُسِيءِ، وَيَظْهَرُ فِيهِ الِانْتِصَافُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْبَعْثُ وَالْحَشْرُ لَقَدَحَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ رَحْمَانًا رَحِيمًا، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ، وَقَوْلَهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ يَدُلُّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَقَوْلَهُ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلَى رَحْمَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَوْلَهُ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِسَبَبِ خَلْقِ الدَّارِ الْآخِرَةِ، وإلى هاهنا تَمَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. أَمَّا قَوْلُهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ- إِلَى آخِرِ السُّورَةِ فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا فِي تَقْرِيرِ الْعُبُودِيَّةِ، وَهِيَ مَحْصُورَةٌ
الفصل الرابع قسمة الله للصلاة بينه وبين عباده:
فِي نَوْعَيْنِ: الْأَعْمَالُ الَّتِي يَأْتِي بِهَا الْعَبْدُ، والآثار المتفرعة على تلك الأعمال: أما الْأَعْمَالِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا الْعَبْدُ فَلَهَا رُكْنَانِ: أَحَدُهُمَا: إِتْيَانُهُ بِالْعِبَادَةِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ. وَالثَّانِي: عِلْمُهُ بِأَنْ لَا يُمْكِنَهُ الْإِتْيَانُ بِهَا إِلَّا بِإِعَانَةِ اللَّهِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهاهنا يَنْفَتِحُ الْبَحْرُ الْوَاسِعُ فِي الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَأَمَّا الْآثَارُ الْمُتَفَرِّعَةُ عَلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ فَهِيَ حُصُولُ الْهِدَايَةِ وَالِانْكِشَافِ وَالتَّجَلِّي، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْعَالَمِ ثَلَاثُ طَوَائِفَ: الطَّائِفَةُ الْأُولَى: الْكَامِلُونَ الْمُحِقُّونَ الْمُخْلِصُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ لِذَاتِهِ، وَمَعْرِفَةِ الْخَيْرِ لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ: الَّذِينَ أَخَلُّوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَهُمُ الْفَسَقَةُ وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ. وَالطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ: الَّذِينَ أَخَلُّوا بِالِاعْتِقَادَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَهُمْ أَهْلُ البِّدَعِ وَالْكُفْرِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَلَا الضَّالِّينَ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: اسْتِكْمَالُ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِالْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُحَاوِلَ تَحْصِيلَهَا بِالْفِكْرِ وَالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَالثَّانِي: أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ مَحْصُولَاتُ الْمُتَقَدِّمِينَ فَتَسْتَكْمِلَ نَفْسُهُ، وَقَوْلُهُ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إِشَارَةٌ إِلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ إِشَارَةٌ إِلَى الْقِسْمِ الثَّانِي، ثُمَّ فِي هَذَا الْقِسْمِ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ اقْتِدَاؤُهُ بِأَنْوَارِ عُقُولِ الطَّائِفَةِ الْمُحِقَّةِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّائِبَةِ، وَتَبَرَّأَ مِنْ أَنْ يَكُونَ اقْتِدَاؤُهُ بِطَائِفَةِ الَّذِينَ أَخَلُّوا بِالْأَعْمَالِ الصَّحِيحَةِ، وَهُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ، أَوْ بِطَائِفَةِ الَّذِينَ أَخَلُّوا بِالْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ، وَهُمُ الضَّالُّونَ، وَهَذَا آخِرُ السُّورَةِ، وَعِنْدَ الْوُقُوفِ عَلَى مَا لَخَّصْنَاهُ يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ جَامِعَةٌ لِجَمِيعِ الْمَقَامَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ومعرفة العبودية. الفصل الرابع قسمة الله للصلاة بينه وبين عباده: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ اللَّهُ عَظَّمَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يَقُولُ اللَّهُ مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ يَقُولُ اللَّهُ عَبَدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى تَوَكَّلَ عَلَيَّ عَبْدِي، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَإِذَا قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ يَقُولُ اللَّهُ هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَوَائِدُ هَذَا الْحَدِيثِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَدَارَ الشَّرَائِعِ عَلَى رِعَايَةِ مَصَالِحِ الْخَلْقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الْإِسْرَاءِ: 7] وَذَلِكَ لِأَنَّ أَهَمَّ الْمُهِمَّاتِ لِلْعَبْدِ أَنْ يَسْتَنِيرَ قَلْبُهُ بِمَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ بِمَعْرِفَةِ الْعُبُودِيَّةِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا خُلِقَ لِرِعَايَةِ هَذَا الْعَهْدِ، كَمَا قَالَ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذَّارِيَاتِ: 56] وَقَالَ: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الْإِنْسَانِ: 2] وقال: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي
أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [الْبَقَرَةِ: 40] وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَا جَرَمَ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَعَلَ النِّصْفَ الْأَوَّلَ مِنْهَا فِي مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَالنِّصْفَ الثَّانِيَ مِنْهَا فِي مَعْرِفَةِ الْعُبُودِيَّةِ، حَتَّى تَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ جَامِعَةً لِكُلِّ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْوَفَاءِ بِذَلِكَ الْعَهْدِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: اللَّهُ تَعَالَى سَمَّى الْفَاتِحَةَ بِاسْمِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَحْكَامٍ: الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: أَنَّ عِنْدَ عَدَمِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَجَبَ أَنْ لَا تَحْصُلَ الصَّلَاةُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، كَمَا يَقُولُهُ أَصْحَابُنَا وَيَتَأَكَّدُ هَذَا الدَّلِيلُ بِدَلَائِلَ أُخْرَى: أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاظَبَ عَلَى قِرَاءَتِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا ذَلِكَ لقوله تعالى: فَاتَّبِعُوهُ وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَثَانِيهَا: أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَاظَبُوا عَلَى قِرَاءَتِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» وَثَالِثُهَا: أَنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا لَا يُصَلُّونَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُتَابَعَتُهُمْ وَاجِبَةً فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى/ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ [النِّسَاءِ: 115] وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكتاب» خامسها: قوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: 20] وقوله: فَاقْرَؤُا أَمْرٌ، وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ، فَكَانَتْ قِرَاءَةُ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وَاجِبَةً، وَقِرَاءَةُ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةً عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَسَادِسُهَا: أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ أَحْوَطُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» وَسَابِعُهَا: أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاظَبَ عَلَى قِرَاءَتِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعُدُولُ عَنْهُ مُحَرَّمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النُّورِ: 63] وَثَامِنُهَا: أَنَّهُ لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِهَا، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: التَّكْلِيفُ كَانَ مُتَوَجِّهًا عَلَى الْعَبْدِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، والأصل في الثابت البقاء حكمنا بالخروج عن هَذِهِ الْعُهْدَةِ عِنْدَ الْإِيتَاءِ بِالصَّلَاةِ مُؤَدَّاةً بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ الْمُؤَدَّاةِ بِقِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ بِالْعَمَلِ الْكَامِلِ الْخُرُوجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِالْعَمَلِ النَّاقِصِ، فَعِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى قِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ وَجَبَ الْبَقَاءُ فِي الْعُهْدَةِ، وَتَاسِعُهَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الصَّلَاةِ حُصُولُ ذِكْرِ الْقَلْبِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طَه: 14] وَهَذِهِ السُّورَةُ مَعَ كَوْنِهَا مُخْتَصَرَةً، جَامِعَةٌ لِمَقَامَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ حُصُولُ هَذِهِ الْمَعَارِفِ وَلِهَذَا السَّبَبِ جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ مُعَادِلَةً لِكُلِّ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الْحِجْرِ: 87] فَوَجَبَ أَنْ لَا يَقُومَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا الْبَتَّةَ. وَعَاشِرُهَا: أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِنْدَ فُقْدَانِ الْفَاتِحَةِ لَا تَحْصُلُ الصَّلَاةُ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «ذَكَرَنِي عَبْدِي» وَفِيهِ أَحْكَامٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [الْبَقَرَةِ: 152] فَهَهُنَا لَمَّا أَقْدَمَ الْعَبْدُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ لَا جَرَمَ ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي ملأ خير من ملائه. وَثَانِيهَا: أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَقَامَ الذِّكْرِ مَقَامٌ عَالٍ شَرِيفٌ فِي الْعُبُودِيَّةِ، لِأَنَّهُ وَقَعَ الِابْتِدَاءُ بِهِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِهِ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالذِّكْرِ فَقَالَ: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ثم قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الْأَحْزَابِ: 41] ثُمَّ قَالَ: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آلِ عِمْرَانَ: 191] ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
[الْأَعْرَافِ: 201] فَلَمْ يُبَالِغْ فِي تَقْرِيرِ شَيْءٍ مِنْ مَقَامَاتِ الْعُبُودِيَّةِ مِثْلَ مَا بَالَغَ فِي تَقْرِيرِ مَقَامِ الذِّكْرِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: «ذَكَرَنِي عَبْدِي» يدل على أن قولنا: «الله» اسم علم لَذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ، إِذْ لَوْ كَانَ اسْمًا مُشْتَقًّا لَكَانَ مَفْهُومُهُ مَفْهُومًا كُلِّيًّا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا صَارَتْ ذَاتُهُ الْمَخْصُوصَةُ الْمُعَيَّنَةُ مَذْكُورَةً بِهَذَا اللَّفْظِ، فَظَاهِرٌ أَنَّ لَفْظَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَفْظَانِ كُلِّيَّانِ، / فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: «ذَكَرَنِي عَبْدِي» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا اللَّهِ اسْمُ عَلَمٍ، أَمَّا قَوْلُهُ: «وَإِذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى حَمِدَنِي عَبْدِي» فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَقَامَ الْحَمْدِ أَعْلَى مِنْ مَقَامِ الذِّكْرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَوَّلَ كَلَامٍ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ خَلْقِ الْعَالَمِ هُوَ الْحَمْدُ، بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [الْبَقَرَةِ: 30] وَآخِرُ كَلَامٍ يُذْكَرُ بَعْدَ فَنَاءِ الْعَالَمِ هُوَ الْحَمْدُ أَيْضًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يُونُسَ: 10] وَالْعَقْلُ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْفِكْرَ فِي ذَاتِ اللَّهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ» وَلِأَنَّ الْفِكْرَ فِي الشَّيْءِ مَسْبُوقٌ بِسَبْقِ تَصَوُّرِهِ، وَتَصَوُّرُ كُنْهِ حَقِيقَةِ الْحَقِّ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَالْفِكْرُ فِيهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَعَلَى هَذَا الْفِكْرُ لَا يُمْكِنُ إِلَّا فِي أَفْعَالِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ الْخَيْرَ مَطْلُوبٌ بِالذَّاتِ، وَالشَّرَّ بِالْعَرَضِ فَكُلُّ مَنْ تَفَكَّرَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ وَمَصْنُوعَاتِهِ كَانَ وُقُوفُهُ عَلَى رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ أَكْثَرَ، فَلَا جَرَمَ كَانَ اشْتِغَالُهُ بِالْحَمْدِ وَالشُّكْرِ أَكْثَرَ، فَلِهَذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَعِنْدَ هَذَا يَقُولُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، فَشَهِدَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ بِوُقُوفِ الْعَبْدِ بِعَقْلِهِ وَفِكْرِهِ عَلَى وُجُودِ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ فِي تَرْتِيبِ الْعَالَمِ الْأَعْلَى وَالْعَالَمِ الْأَسْفَلِ، وَعَلَى أَنَّ لِسَانَهُ صَارَ مُوَافِقًا لِعَقْلِهِ وَمُطَابِقًا لَهُ، وَإِنْ غَرَقَ فِي بَحْرِ الْإِيمَانِ بِهِ وَالْإِقْرَارِ بِكَرَمِهِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَعَقْلِهِ وَبَيَانِهِ، فَمَا أَجَّلَ هَذِهِ الْحَالَةَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَقُولُ اللَّهُ عَظَّمَنِي عَبْدِي» فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ لَمَّا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَدْ ذَكَرَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ وَهُنَاكَ لَمْ يَقُلِ الله عظمني عبدي، وهاهنا لَمَّا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ عَظَّمَنِي عَبْدِي فَمَا الْفَرْقُ؟ وَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ دَلَّ عَلَى إِقْرَارِ الْعَبْدِ بِكَمَالِهِ فِي ذَاتِهِ، وَبِكَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ الْكَامِلَ فِي ذَاتِهِ الْمُكَمِّلَ لِغَيْرِهِ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ، فَلَمَّا قَالَ بَعْدَهُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ الْكَامِلَ فِي ذَاتِهِ الْمُكَمِّلَ لِغَيْرِهِ الْمُنَزَّهَ عَنِ الشَّرِيكِ وَالنَّظِيرِ وَالْمِثْلِ وَالضِّدِّ وَالنِّدِّ فِي غَايَةِ الرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ وَالْكَرَمِ مَعَ عِبَادِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ غَايَةَ مَا يَصِلُ الْعَقْلُ وَالْفَهْمُ وَالْوَهْمُ إِلَيْهِ مِنْ تَصَوُّرِ مَعْنَى الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ لَيْسَ إِلَّا هَذَا الْمَقَامَ، فلهذا السبب قال الله تعالى هاهنا: «عَظَّمَنِي عَبْدِي» . وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَإِذَا قَالَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يَقُولُ اللَّهُ مَجَّدَنِي عَبْدِي» أَيْ: نَزَّهَنِي وَقَدَّسَنِي عَمَّا لَا يَنْبَغِي- فَتَقْرِيرُهُ أَنَّا نَرَى فِي دَارِ الدُّنْيَا كَوْنَ الظَّالِمِينَ مُتَسَلِّطِينَ عَلَى الْمَظْلُومِينَ، وَكَوْنَ الْأَقْوِيَاءِ مُسْتَوْلِينَ عَلَى الضُّعَفَاءِ، وَنَرَى الْعَالِمَ الزَّاهِدَ الْكَامِلَ فِي أَضْيَقِ الْعَيْشِ، وَنَرَى الْكَافِرَ الْفَاسِقَ فِي أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الرَّاحَةِ وَالْغِبْطَةِ، وَهَذَا الْعَمَلُ لَا يَلِيقُ بِرَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ وَأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلِ الْمَعَادُ وَالْبَعْثُ وَالْحَشْرُ حَتَّى يَنْتَصِفَ اللَّهُ فِيهِ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَيُوصِلَ إِلَى أَهْلِ الطَّاعَةِ الثَّوَابَ، وَإِلَى أَهْلِ الْكُفْرِ الْعِقَابَ، لَكَانَ هَذَا الْإِهْمَالُ وَالْإِمْهَالُ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ عَلَى/ الْعِبَادِ، أَمَّا لَمَّا حَصَلَ يَوْمَ الْجَزَاءِ وَيَوْمَ الدِّينِ انْدَفَعَ وَهْمُ الظُّلْمِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النَّجْمِ: 31] وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَجَّدَنِي عَبْدِي، الَّذِي نَزَّهَنِي عَنِ الظُّلْمِ وَعَنْ شِيَمِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَالَ اللَّهُ هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي» فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى سِرِّ مَسْأَلَةِ
الْجَبْرِ وَالْقَدْرِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ مَعْنَاهُ إِخْبَارُ الْعَبْدِ عَنْ إِقْدَامِهِ عَلَى عَمَلِ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ. ثُمَّ جَاءَ بَحْثُ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ: وَهُوَ أَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِالْإِتْيَانِ بِذَلِكَ الْعَمَلِ أَوْ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً لِلْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ كَذَلِكَ: فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ هُوَ الْأَوَّلَ امْتَنَعَ أَنْ تَصِيرَ تِلْكَ الْقُدْرَةُ مَصْدَرًا لِلْفِعْلِ دُونَ التَّرْكِ إِلَّا لِمُرَجِّحٍ، وَذَلِكَ الْمُرَجِّحُ إِنْ كَانَ مِنَ الْعَبْدِ عَادَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَبْدِ فَهُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَخَلْقُ تِلْكَ الدَّاعِيَةِ الْخَالِصَةِ عَنِ الْمُعَارَضِ هُوَ الإعانة، وهو المراد من قوله إياك نَسْتَعِينُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا: رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا، أَيْ: لَا تَخْلُقْ فِي قُلُوبِنَا دَاعِيَةً تَدْعُونَا إِلَى الْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ وَالْأَعْمَالِ الْفَاسِدَةِ، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ خَلْقُ الدَّاعِيَةِ الَّتِي تَدْعُونَا إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْعَقَائِدِ الْحَقَّةِ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْإِعَانَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَذَا الْقَوْلِ لَمْ يَفْهَمِ الْبَتَّةَ مَعْنَى قَوْلَهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعَالَى: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، أَمَّا الَّذِي مِنْهُ فَهُوَ خَلْقُ الدَّاعِيَةِ الْجَازِمَةِ، وَأَمَّا الَّذِي مِنَ الْعَبْدِ فَهُوَ أَنَّ عِنْدَ حُصُولِ مَجْمُوعِ الْقُدْرَةِ وَالدَّاعِيَةِ يَصْدُرُ الْأَثَرُ عَنْهُ، وَهَذَا كَلَامٌ دَقِيقٌ لَا بُدَّ مِنَ التَّأَمُّلِ فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَإِذَا قَالَ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» وَتَقْرِيرُهُ أَنَّا نَرَى أهل العالم مُخْتَلِفِينَ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ الْإِلَهِيَّةِ، وَفِي جَمِيعِ مَسَائِلِ النُّبُوَّاتِ، وَفِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْمَعَادِ، وَالشُّبُهَاتُ غَالِبَةٌ، وَالظُّلُمَاتُ مُسْتَوْلِيَةٌ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَى كُنْهِ الْحَقِّ إِلَّا الْقَلِيلُ الْقَلِيلُ مِنَ الْكَثِيرِ الْكَثِيرِ، وَقَدْ حَصَلَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ مَعَ اسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْعُقُولِ وَالْأَفْكَارِ وَالْبَحْثِ الْكَثِيرِ وَالتَّأَمُّلِ الشَّدِيدِ، فَلَوْلَا هِدَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعَانَتُهُ وَأَنَّهُ يُزَيِّنُ الْحَقَّ فِي عَيْنِ عَقْلِ الطَّالِبِ وَيُقَبِّحُ الْبَاطِلَ فِي عَيْنِهِ كَمَا قَالَ: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ [الْحُجُرَاتِ: 7] وَإِلَّا لَامْتَنَعَ وُصُولُ أَحَدٍ إِلَى الْحَقِّ، فَقَوْلُهُ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إِشَارَةٌ إِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ الْمُبْطِلَ لَا يَرْضَى بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا طَلَبَ الِاعْتِقَادَ الْحَقَّ وَالدِّينَ الْمَتِينَ وَالْقَوْلَ الصَّحِيحَ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِاخْتِيَارِهِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَقَعَ أَحَدٌ فِي الْخَطَأِ، وَلَمَّا رَأَيْنَا الْأَكْثَرِينَ غَرِقُوا فِي بَحْرِ الضَّلَالَاتِ/ عَلِمْنَا أَنَّ الْوُصُولَ إِلَى الْحَقِّ لَيْسَ إِلَّا بِهِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِمَّا يُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ أَطْبَقُوا عَلَى ذَلِكَ، أَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَقَالُوا: سُبْحانَكَ لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [الْبَقَرَةِ: 32] وَقَالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الْأَعْرَافِ: 23] وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الْأَنْعَامِ: 77] وَقَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يُوسُفَ: 101] وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه: 25]- الآية وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آلِ عِمْرَانَ: 8] فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي لَطَائِفِ هَذَا الْخَبَرِ وَالَّذِي تَرَكْنَاهُ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ آيَاتِ الْفَاتِحَةِ سَبْعٌ، وَالْأَعْمَالَ الْمَحْسُوسَةَ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ سَبْعَةٌ، وَهِيَ: الْقِيَامُ، وَالرُّكُوعُ، وَالِانْتِصَابُ، وَالسُّجُودُ الْأَوَّلُ، وَالِانْتِصَابُ فِيهِ، وَالسُّجُودُ الثَّانِي وَالْقَعْدَةُ، فَصَارَ عَدَدُ آيَاتِ الْفَاتِحَةِ مُسَاوِيًا لِعَدَدِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ، فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَعْمَالُ كَالشَّخْصِ، وَالْفَاتِحَةُ لَهَا كَالرُّوحِ، وَالْكَمَالُ إِنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ اتِّصَالِ الرُّوحِ بِالْجَسَدِ، فَقَوْلُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بِإِزَاءِ الْقِيَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَاءَ فِي بِسْمِ
الفصل الخامس في أن الصلاة معراج العارفين
اللَّهِ لَمَّا اتَّصَلَ بِاسْمِ اللَّهِ بَقِيَ قَائِمًا مُرْتَفِعًا، وَأَيْضًا فَالتَّسْمِيَةُ لِبِدَايَةِ الْأُمُورِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» وَقَالَ تَعَالَى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الْأَعْلَى: 14، 15] وَأَيْضًا الْقِيَامُ لِبِدَايَةِ الْأَعْمَالِ، فَحَصَلَتِ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ وَبَيْنَ الْقِيَامِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ بِإِزَاءِ الرُّكُوعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي مَقَامِ التَّحْمِيدِ نَاظِرٌ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى الْخَلْقِ، لأن التحميد عبارة عن الثناء عليه بِسَبَبِ الْإِنْعَامِ الصَّادِرِ مِنْهُ، وَالْعَبْدُ فِي هَذَا الْمَقَامِ نَاظِرٌ إِلَى الْمُنْعِمِ وَإِلَى النِّعْمَةِ، فَهُوَ حَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْإِعْرَاضِ وَبَيْنَ الِاسْتِغْرَاقِ، وَالرُّكُوعُ حَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْقِيَامِ وَبَيْنَ السُّجُودِ وَأَيْضًا، الْحَمْدُ يَدُلُّ عَلَى النِّعَمِ الْكَثِيرَةِ، وَالنِّعَمُ الْكَثِيرَةُ مِمَّا تُثْقِلُ ظَهْرَهُ، فَيَنْحَنِي ظَهْرُهُ لِلرُّكُوعِ وَقَوْلُهُ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مُنَاسِبٌ لِلِانْتِصَابِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا تَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ فِي الرُّكُوعِ فَيَلِيقُ بِرَحْمَتِهِ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى الِانْتِصَابِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ» وَقَوْلُهُ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ مُنَاسِبٌ لِلسَّجْدَةِ الْأُولَى: لِأَنَّ قَوْلَكَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْقَهْرِ وَالْجَلَالِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْخَوْفَ الشَّدِيدَ، فَيَلِيقُ بِهِ الْإِتْيَانُ بِغَايَةِ الْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ، وَهُوَ السَّجْدَةُ، وَقَوْلُهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ مُنَاسِبٌ لِلْقَعْدَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ إِخْبَارٌ عَنِ السَّجْدَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وَقَوْلُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اسْتِعَانَةٌ بِاللَّهِ فِي أَنْ يُوَفِّقَهُ لِلسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فَهُوَ سُؤَالٌ لِأَهَمِّ الْأَشْيَاءِ فَيَلِيقُ بِهِ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ الدَّالَّةُ عَلَى نِهَايَةِ الْخُضُوعِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ/ إِلَى آخِرِهِ فَهُوَ مُنَاسِبٌ لِلْقَعْدَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا أَتَى بِغَايَةِ التَّوَاضُعِ قَابَلَ اللَّهُ تَوَاضُعَهُ بِالْإِكْرَامِ، وَهُوَ أَنْ أَمَرَهُ بِالْقُعُودِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَذَلِكَ إِنْعَامٌ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ، فَهُوَ شَدِيدُ الْمُنَاسَبَةِ لِقَوْلِهِ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وَأَيْضًا إِنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأَنْ رَفَعَهُ إِلَى قَابَ قَوْسَيْنِ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْمُؤْمِنُ فِي مِعْرَاجِهِ إِلَى غَايَةِ الْإِكْرَامِ- وَهِيَ أَنْ جَلَسَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ- وَجَبَ أَنْ يَقْرَأَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَهُوَ أَيْضًا يَقْرَأُ التَّحِيَّاتِ، وَيَصِيرُ هَذَا كَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمِعْرَاجَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ شُعْلَةٌ مِنْ شَمْسِ مِعْرَاجِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَطْرَةٌ مِنْ بَحْرِهِ وَهُوَ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ [النساء: 69]- الآية. وَاعْلَمْ أَنَّ آيَاتِ الْفَاتِحَةِ وَهِيَ سَبْعٌ صَارَتْ كَالرُّوحِ لِهَذِهِ الْأَعْمَالِ السَّبْعَةِ، وَهَذِهِ الْأَعْمَالُ السَّبْعَةُ صَارَتْ كَالرُّوحِ لِلْمَرَاتِبِ السَّبْعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي خِلْقَةِ الْإِنْسَانِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [الْمُؤْمِنُونَ: 12] إِلَى قَوْلِهِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [الْمُؤْمِنُونَ: 14] وَعِنْدَ هَذَا يَنْكَشِفُ أَنَّ مَرَاتِبَ الْأَجْسَادِ كَثِيرَةٌ، وَمَرَاتِبَ الْأَرْوَاحِ كَثِيرَةٌ، وَرُوحُ الْأَرْوَاحِ وَنُورُ الْأَنْوَارِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النَّجْمِ: 42] . الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ معراج العارفين الصَّلَاةَ مِعْرَاجُ الْعَارِفِينَ: اعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِعْرَاجَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَالْآخَرُ من
الْأَقْصَى إِلَى أَعَالِي مَلَكُوتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالظَّاهِرِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِعَالَمِ الْأَرْوَاحِ فَلَهُ مِعْرَاجَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ. وَالثَّانِي: مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ إِلَى عَالِمِ غَيْبِ الْغَيْبِ، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ قَابَ قَوْسَيْنِ مُتَلَاصِقَيْنِ، فَتَخَطَّاهُمَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [النَّجْمِ: 9] وَقَوْلُهُ: أَوْ أَدْنى إِشَارَةٌ إِلَى فَنَائِهِ فِي نَفْسِهِ، أَمَّا الِانْتِقَالُ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِسْمِ وَالْجُسْمَانِيَّاتِ فَهُوَ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّكَ تُشَاهِدُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِبَصَرِكَ، فَانْتِقَالُ الرُّوحِ مِنْ عَالَمِ الْأَجْسَادِ إِلَى عَالَمِ الْأَرْوَاحِ هُوَ السَّفَرُ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ، وَأَمَّا عَالَمُ الْأَرْوَاحِ فَعَالَمٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ آخِرَ مَرَاتِبِ الْأَرْوَاحِ هُوَ الْأَرْوَاحُ الْبَشَرِيَّةُ، ثُمَّ تَتَرَقَّى فِي مَعَارِجِ الْكَمَالَاتِ/ وَمَصَاعِدِ السَّعَادَاتِ حَتَّى تَصِلَ إِلَى الْأَرْوَاحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِسَمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ تَصِيرُ أَعْلَى وَهِيَ أَرْوَاحُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَهَكَذَا حَتَّى تَصِلَ إِلَى الْأَرْوَاحِ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ دَرَجَاتِ الْكُرْسِيِّ، وَهِيَ أَيْضًا مُتَفَاوِتَةٌ فِي الِاسْتِعْلَاءِ، ثُمَّ تَصِيرُ أَعْلَى وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الزُّمَرِ: 75] ثُمَّ تَصِيرُ أَعْلَى وَأَعْظَمَ وَهُمُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [الْحَاقَّةِ: 17] وَفِي عَدَدِ الثَّمَانِيَةِ أَسْرَارٌ لَا يَجُوزُ ذكرها هاهنا ثُمَّ تَتَرَقَّى فَتَنْتَهِي إِلَى الْأَرْوَاحِ الْمُقَدَّسَةِ عَنِ التَّعَلُّقَاتِ بِالْأَجْسَامِ، وَهُمُ الَّذِينَ طَعَامُهُمْ ذِكْرُ اللَّهِ، وَشَرَابُهُمْ مَحَبَّةُ اللَّهِ، وَأُنْسُهُمْ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، وَلَذَّتُهُمْ فِي خِدْمَةِ اللَّهِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [الْأَنْبِيَاءِ: 19] وَبِقَوْلِهِ: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لَا يَفْتُرُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 20] ثُمَّ لَهُمْ أَيْضًا دَرَجَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ، وَمَرَاتِبُ مُتَبَاعِدَةٌ، وَالْعُقُولُ الْبَشَرِيَّةُ قَاصِرَةٌ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِأَحْوَالِهَا، وَالْوُقُوفِ عَلَى شَرْحِ صِفَاتِهَا، وَلَا يَزَالُ هَذَا التَّرَقِّي وَالتَّصَاعُدُ حَاصِلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يُوسُفَ: 76] إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى نُورِ الْأَنْوَارِ، وَمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، وَمَبْدَأِ الْكُلِّ، وَيَنْبُوعِ الرَّحْمَةِ، وَمَبْدَأِ الْخَيْرِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَثَبَتَ أَنَّ عَالَمَ الْأَرْوَاحِ هُوَ عَالَمُ الْغَيْبِ، وَحَضْرَةُ جَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ هِيَ غَيْبُ الْغَيْبِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ لِلَّهِ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنَ النُّورِ لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ مَا أَدْرَكَ الْبَصَرُ» وَتَقْدِيرُ عَدَدِ تِلْكَ الْحُجُبِ بِالسَّبْعِينَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِنُورِ النُّبُوَّةِ. فَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمِعْرَاجَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: الْمِعْرَاجُ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ، وَالثَّانِي: الْمِعْرَاجُ من عالم الغيب إلى عالم غيب الغيب، وَهَذِهِ كَلِمَاتٌ بُرْهَانِيَّةٌ يَقِينِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْمَقْصُودِ فَنَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمِعْرَاجِ وَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ قَالَ: يَا رَبَّ الْعِزَّةِ إِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ إِلَى وَطَنِهِ احْتَاجَ إِلَى مَحْمُولَاتٍ يُتْحِفُ بِهَا أَصْحَابَهُ وَأَحْبَابَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ تُحْفَةَ أُمَّتِكَ الصَّلَاةُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا جَامِعَةٌ بَيْنَ الْمِعْرَاجِ الْجُسْمَانِيِّ، وَبَيْنَ الْمِعْرَاجِ الرُّوحَانِيِّ: أَمَّا الْجُسْمَانِيُّ فَبِالْأَفْعَالِ، وَأَمَّا الرُّوحَانِيُّ فَبِالْأَذْكَارِ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الشُّرُوعَ فِي هَذَا الْمِعْرَاجِ فَتَطَهَّرْ أَوَّلًا، لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الْقُدُسِ، فَلْيَكُنْ ثَوْبُكَ طَاهِرًا، وَبَدَنُكَ طَاهِرًا لِأَنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَيْضًا فَعِنْدَكَ مَلِكٌ وَشَيْطَانٌ، فَانْظُرْ أَيُّهُمَا تُصَاحِبُ: وَدِينٌ وَدُنْيَا، فَانْظُرْ أَيُّهُمَا تُصَاحِبُ: وَعَقْلٌ وَهَوًى، فَانْظُرْ أَيُّهُمَا تُصَاحِبُ: وَخَيْرٌ وَشَرٌّ، وَصِدْقٌ وَكَذِبٌ، وَحَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَحِلْمٌ وَطَيْشٌ، وَقَنَاعَةٌ وَحِرْصٌ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ الْأَخْلَاقِ الْمُتَضَادَّةِ وَالصِّفَاتِ الْمُتَنَافِيَةِ، فَانْظُرْ أَنَّكَ تُصَاحِبُ أَيَّ الطَّرَفَيْنِ وَتُوَافِقُ أَيَّ الْجَانِبَيْنِ/ فَإِنَّهُ إِذَا اسْتَحْكَمَتِ الْمُرَافَقَةُ تعذرت المفارقة،
أَلَا تَرَى أَنَّ الصِّدِّيقَ اخْتَارَ صُحْبَةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَزِمَهُ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الْقَبْرِ، وَفِي الْقِيَامَةِ، وَفِي الْجَنَّةِ وَأَنَّ كَلْبًا صَحِبَ أَصْحَابَ الْكَهْفِ فَلَزِمَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الْآخِرَةِ، ولهذا السر قال تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التَّوْبَةِ: 119] ثُمَّ إِذَا تَطَهَّرْتَ فَارْفَعْ يَدَيْكَ، وَذَلِكَ الرَّفْعُ إِشَارَةٌ إِلَى تَوْدِيعِ عَالَمِ الدُّنْيَا وَعَالَمِ الْآخِرَةِ فَاقْطَعْ نَظَرَكَ عَنْهُمَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَوَجِّهْ قَلْبَكَ وَرُوحَكَ وَسِرَّكَ وَعَقْلَكَ وَفَهْمَكَ وَذِكْرَكَ وَفِكْرَكَ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ الْمَوْجُودَاتِ، وَأَعْلَى وَأَعْظَمُ وَأَعَزُّ مِنْ كُلِّ الْمَعْلُومَاتِ، بَلْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُقَاسَ إِلَيْهِ شَيْءٌ أَوْ يُقَالَ إِنَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قُلْ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَفِي هَذَا الْمَقَامِ تَجَلَّى لَكَ نُورُ سُبُحَاتِ الْجَلَالِ، ثُمَّ تَرَقَّيْتَ مِنَ التَّسْبِيحِ إِلَى التَّحْمِيدِ ثُمَّ قُلْ: تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَفِي هَذَا الْمَقَامِ انْكَشَفَ لَكَ نُورُ الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَبَارَكَ إِشَارَةٌ إِلَى الدَّوَامِ الْمُنَزَّهِ عَنِ الْإِفْنَاءِ وَالْإِعْدَامِ، وَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِمُطَالَعَةِ حَقِيقَةِ الْأَزَلِ فِي الْعَدَمِ، وَمُطَالَعَةِ حَقِيقَةِ الْأَبَدِ فِي الْبَقَاءِ، ثُمَّ قُلْ: وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ أَعْلَمُ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ صِفَاتُ جَلَالِهِ وَنُعُوتُ كَمَالِهِ مَحْصُورَةً فِي الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ قُلْ: وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَسِمَاتِ الْكَمَالِ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ، فَهُوَ الْكَامِلُ الَّذِي لَا كَامِلَ إِلَّا هُوَ، وَالْمُقَدَّسُ الَّذِي لَا مُقَدَّسَ إِلَّا هُوَ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا هُوَ إِلَّا هُوَ وَلَا إله إلا هو، والعقل هاهنا يَنْقَطِعُ، وَاللِّسَانُ يَعْتَقِلُ، وَالْفَهْمُ يَتَبَلَّدُ، وَالْخَيَالُ يَتَحَيَّرُ، وَالْعَقْلُ يَصِيرُ كَالزَّمَنِ، ثُمَّ عُدْ إِلَى نَفْسِكَ وحالك وقل: وجهت وجهي للذي فطر السموات وَالْأَرْضَ، فَقَوْلُكَ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» مِعْرَاجُ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [الْبَقَرَةِ: 30] وَهُوَ أَيْضًا مِعْرَاجُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِأَنَّ مِعْرَاجَهُ مُفْتَتَحٌ بِقَوْلِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» وَأَمَّا قَوْلُكَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ» فَهُوَ مِعْرَاجُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَوْلُكَ: «إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ» فَهُوَ مِعْرَاجُ مُحَمَّدٍ الْحَبِيبِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِذَا قَرَأْتَ هَذَيْنِ الذِّكْرَيْنِ فَقَدْ جَمَعْتَ بَيْنَ مِعْرَاجِ أَكَابِرِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَبَيْنَ مِعْرَاجِ عُظَمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، ثُمَّ إِذَا فَرَغْتَ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ فَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، لِتَدْفَعَ ضَرَرَ الْعُجْبِ مِنْ نَفْسِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، فَفِي هَذَا الْمَقَامِ انْفَتَحَ لَكَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ بَابُ الْمَعْرِفَةِ، وَالْبَابُ الثَّانِي: هُوَ بَابُ الذِّكْرِ وَهُوَ قَوْلُكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالْبَابُ الثَّالِثُ: بَابُ الشُّكْرِ، وَهُوَ قَوْلُكَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْبَابُ الرابع: باب الرَّجَاءُ، وَهُوَ قَوْلُكَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالْبَابُ الْخَامِسُ: بَابُ الْخَوْفِ، وَهُوَ قَوْلُكَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَالْبَابُ السَّادِسُ: بَابُ/ الْإِخْلَاصِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْعُبُودِيَّةِ وَمَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُكَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَالْبَابُ السَّابِعُ: بَابُ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ كَمَا قَالَ: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [النَّمْلِ: 62] وَقَالَ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غَافِرٍ: 60] وَهُوَ هاهنا قَوْلُكَ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَالْبَابُ الثَّامِنُ: بَابُ الِاقْتِدَاءِ بِالْأَرْوَاحِ الطَّيِّبَةِ الطَّاهِرَةِ وَالِاهْتِدَاءِ بِأَنْوَارِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُكَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ إِذَا قَرَأْتَ هَذِهِ السُّورَةَ. وَوَقَفْتَ عَلَى أَسْرَارِهَا انْفَتَحَتْ لَكَ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ [ص: 50] فَجَنَّاتُ الْمَعَارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ انْفَتَحَتْ أَبْوَابُهَا بِهَذِهِ الْمَقَالِيدِ الرُّوحَانِيَّةِ، فَهَذَا هُوَ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا حَصَلَ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الْمِعْرَاجِ الرُّوحَانِيِّ. وَأَمَّا الْمِعْرَاجُ الْجُسْمَانِيُّ فَالْمَرْتَبَةُ الْأُولَى أَنْ تَقُومَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مِثْلَ قِيَامِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَهُوَ قَوْلُهُ
تَعَالَى: إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْكَهْفِ: 14] بَلْ قُمْ قِيَامَ أَهْلِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [الْمُطَفِّفِينَ: 6] ثُمَّ اقْرَأْ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبَعْدَهُ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ، وَبَعْدَهُ الْفَاتِحَةَ، وَبَعْدَهَا مَا تَيَسَّرَ لَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَاجْتَهِدْ فِي أَنْ تَنْظُرَ مِنَ اللَّهِ إِلَى عِبَادَتِكَ حَتَّى تَسْتَحْقِرَهَا وَإِيَّاكَ أَنْ تَنْظُرَ مِنْ عِبَادَتِكَ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ صِرْتَ مِنَ الْهَالِكِينَ، وَهَذَا سِرُّ قَوْلِهِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّفْسَ الْآنَ جَارِيَةٌ مَجْرَى خَشَبَةٍ عَرَضْتَهَا عَلَى نَارٍ خَوْفَ الْجَلَالِ فَلَانَتْ، فَاجْعَلْهَا مَحْنِيَّةً بِالرُّكُوعِ فَقُلْ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ اتْرُكْهَا لِتَسْتَقِيمَ مَرَّةً أُخْرَى، فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبْغِضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى فَإِذَا عَادَتْ إِلَى اسْتِقَامَتِهَا فَانْحَدِرْ إِلَى الْأَرْضِ بِنِهَايَةِ التَّوَاضُعِ وَاذْكُرْ رَبَّكَ بِغَايَةِ الْعُلُوِّ، وَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، فَإِذَا أَتَيْتَ بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فَقَدْ حَصَلَ لَكَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ الطَّاعَةِ: الرُّكُوعُ الْوَاحِدُ، وَالسُّجُودَانِ، وَبِهَا تَنْجُو مِنَ الْعَقَبَاتِ الثَّلَاثِ الْمُهْلِكَةِ، فَبِالرُّكُوعِ تَنْجُو عَنْ عَقَبَةِ الشَّهَوَاتِ، وَبِالسُّجُودِ الْأَوَّلِ تَنْجُو عَنْ عَقَبَةِ الْغَضَبِ الَّذِي هُوَ رَئِيسُ الْمُؤْذِيَاتِ، وَبِالسُّجُودِ الثَّانِي تَنْجُو عَنْ عَقَبَةِ الْهَوَى الَّذِي هُوَ الدَّاعِي إِلَى كُلِّ الْمُهْلِكَاتِ وَالْمُضِلَّاتِ، فَإِذَا تَجَاوَزْتَ هَذِهِ الْعَقَبَاتِ وَتَخَلَّصْتَ عَنْ هَذِهِ الدَّرَكَاتِ فَقَدْ وَصَلْتَ إِلَى الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ، وَمَلَكْتَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَانْتَهَيْتَ إِلَى عَتَبَةِ جَلَالِ مُدَبِّرِ الْأَرْضِ والسموات، فَقُلْ عِنْدَ ذَلِكَ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، فَالتَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ بِاللِّسَانِ، وَالصَّلَوَاتُ بِالْأَرْكَانِ، وَالطِّيِّبَاتُ بِالْجَنَانِ وَقُوَّةِ الْإِيمَانِ، ثُمَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَصْعَدُ نُورُ رُوحِكَ وَيَنْزِلُ نُورُ رُوحِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ/ فَيَتَلَاقَى الرُّوحَانِ، وَيَحْصُلُ هُنَاكَ الرُّوحُ وَالرَّاحَةُ وَالرَّيْحَانُ، فَلَا بُدَّ لِرُوحِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ مَحْمَدَةٍ وَتَحِيَّةٍ، فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ» ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ لَكَ فَهَذِهِ الْخَيْرَاتُ وَالْبَرَكَاتُ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ وَجَدْتَهَا؟ وَبِأَيِّ طَرِيقٍ وَصَلْتَ إِلَيْهَا؟ فَقُلْ بِقَوْلِي: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقِيلَ لَكَ إِنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الَّذِي هَدَاكَ إِلَيْهِ، فَأَيُّ شَيْءٍ هَدِيَّتُكَ لَهُ؟ فَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، فَقِيلَ لَكَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الَّذِي طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْكَ مِثْلَ هَذَا الرَّسُولِ فَقَالَ: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [الْبَقَرَةِ: 129] فَمَا جَزَاؤُكَ لَهُ؟ فَقُلْ: كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فَيُقَالُ لَكَ: فَكُلُّ هَذِهِ الْخَيْرَاتِ مِنْ مُحَمَّدٍ أَوْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَوْ مِنَ اللَّهِ؟ فَقُلْ: بَلْ مِنَ الْحَمِيدِ الْمَجِيدِ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. ثُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ بِهَذِهِ الْأَثْنِيَةِ وَالْمَدَائِحِ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَحَافِلِ الْمَلَائِكَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «إِذَا ذَكَرَنِي عَبْدِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَئِهِ» فَإِذَا سَمِعَ الْمَلَائِكَةُ ذَلِكَ اشْتَاقُوا إِلَى هَذَا الْعَبْدِ فَقَالَ اللَّهُ: «إِنَّ ملائكة السموات اشْتَاقُوا إِلَى زِيَارَتِكَ وَأَحَبُّوا الْقُرْبَ مِنْكَ، وَقَدْ جاؤك فَابْدَأْ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ لِتَحْصُلَ لِكَ فِيهِ مَرْتَبَةُ السَّابِقِينَ، فَيَقُولُ الْعَبْدُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَلَا جَرَمَ أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ الْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ بَابٍ فَيَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: 24] .
الفصل السادس في الكبرياء والعظمة
الفصل السادس في الكبرياء والعظمة الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ: أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ جَلَالَةً وَمَهَابَةً الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ: أَمَّا الْمَكَانُ فَهُوَ الْفَضَاءُ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَالْخَلَاءُ الَّذِي لَا غَايَةَ لَهُ، وَأَمَّا الزَّمَانُ فَهُوَ الِامْتِدَادُ الْمُتَوَهَّمُ الْخَارِجُ مِنْ قَعْرِ ظُلُمَاتِ عَالَمِ الْأَزَلِ إِلَى ظُلُمَاتِ عَالَمِ الْأَبَدِ، كَأَنَّهُ نَهْرٌ خَرَجَ مِنْ قَعْرِ جَبَلِ الْأَزَلِ وَامْتَدَّ حَتَّى دَخَلَ فِي قَعْرِ جَبَلِ الْأَبَدِ فَلَا يُعْرَفُ لِانْفِجَارِهِ مَبْدَأٌ، وَلَا لِاسْتِقْرَارِهِ مَنْزِلٌ، فَالْأَوَّلُ وَالْآخِرُ صِفَةُ الزَّمَانِ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ صِفَةُ الْمَكَانِ، وَكَمَالُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَسِعَ الْمَكَانَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَوَسِعَ الزَّمَانَ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَإِذَا كَانَ مُدَبِّرُ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ هُوَ الْحَقَّ تَعَالَى كَانَ مُنَزَّهًا عَنِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُ عَرْشٌ، وَكُرْسِيٌّ، فَعَقَدَ الْمَكَانَ بِالْكُرْسِيِّ فَقَالَ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الْبَقَرَةِ: 255] وَعَقَدَ الزَّمَانَ بِالْعَرْشِ فَقَالَ: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [هُودٍ: 7] لِأَنَّ جَرْيَ الزَّمَانِ يُشْبِهُ جَرْيَ الْمَاءِ، فَلَا مَكَانَ وَرَاءَ الْكُرْسِيِّ، وَلَا زَمَانَ وَرَاءَ الْعَرْشِ، فَالْعُلُوُّ صِفَةُ الْكُرْسِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَالْعَظَمَةُ صِفَةُ الْعَرْشِ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التَّوْبَةِ: 129] وَكَمَالُ الْعُلُوِّ والعظمة لله كما قال: وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [الْبَقَرَةِ: 255] . وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلُوَّ وَالْعَظَمَةَ دَرَجَتَانِ مِنْ دَرَجَاتِ الْكَمَالِ، إِلَّا أَنَّ دَرَجَةَ الْعَظَمَةِ أَكْمَلُ وَأَقْوَى مِنْ دَرَجَةِ الْعُلُوِّ، وَفَوْقَهُمَا دَرَجَةُ الْكِبْرِيَاءُ قَالَ تَعَالَى: «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الرِّدَاءَ أَعْظَمُ مِنَ الْإِزَارِ، وَفَوْقَ جَمِيعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِالرُّتْبَةِ وَالشَّرَفِ صِفَةُ الْجَلَالِ، وَهِيَ تَقَدُّسُهُ فِي حَقِيقَتِهِ الْمَخْصُوصَةِ وَهَوِيَّتِهِ الْمُعَيَّنَةِ عَنْ مُنَاسَبَةِ شَيْءٍ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ، وَهُوَ لِتِلْكَ الْهَوِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ اسْتَحَقَّ صِفَةَ الْإِلَهِيَّةِ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» ، وَقَالَ: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرَّحْمَنِ: 27] وَقَالَ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرَّحْمَنِ: 78] إِذَا عَرَفْتَ هَذَا الْأَصْلَ فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا قَصَدَ الصَّلَاةَ صَارَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قَالَ اللَّهُ فِي صِفَتِهِمْ: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: 52، الْكَهْفِ: 28] وَمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ عَلَى السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُطَهِّرَ نَفْسَهُ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَالْأَنْجَاسِ، وَلِهَذَا التَّطْهِيرِ مَرَاتِبُ: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: التَّطْهِيرُ مِنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [التَّحْرِيمِ: 8] وَمَنْ كَانَ فِي مَقَامِ الزُّهْدِ كَانَتْ طَهَارَتُهُ مِنَ الدُّنْيَا حَلَالِهَا وَحَرَامِهَا، وَمَنْ كَانَ فِي مَقَامِ الْإِخْلَاصِ كَانَتْ طَهَارَتُهُ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى أَعْمَالِهِ، وَمَنْ كَانَ فِي مَقَامِ الْمُحْسِنِينَ كَانَتْ طَهَارَتُهُ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى حَسَنَاتِهِ، وَمَنْ كَانَ فِي مَقَامِ الصِّدِّيقِينَ كَانَتْ طَهَارَتُهُ مِنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَقَامَاتُ كَثِيرَةٌ وَالدَّرَجَاتُ مُتَفَاوِتَةٌ كَأَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، كَمَا قَالَ تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الرُّومِ: 30] فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فَقُمْ قَائِمًا وَاسْتَحْضِرْ فِي نَفْسِكَ جَمِيعَ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عَالَمِ الْأَجْسَامِ وَالْأَرْوَاحِ وَذَلِكَ بِأَنْ تَبْتَدِئَ مِنْ نَفْسِكَ وَتَسْتَحْضِرَ فِي عَقْلِكَ
جُمْلَةَ أَعْضَائِكَ الْبَسِيطَةِ وَالْمُرَكَّبَةِ وَجَمِيعَ قُوَاكَ الطَّبِيعِيَّةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ، ثُمَّ اسْتَحْضِرْ فِي عَقْلِكَ جُمْلَةَ مَا فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ مِنَ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ ضُمَّ إِلَيْهِ الْبِحَارَ وَالْجِبَالَ وَالتِّلَالَ وَالْمَفَاوِزَ وَجُمْلَةَ مَا فِيهَا مِنْ عَجَائِبِ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَذَرَّاتِ الْهَبَاءِ، ثُمَّ تَرَقَّ مِنْهَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا عَلَى عِظَمِهَا وَاتِّسَاعِهَا، ثُمَّ لَا تَزَالُ تَرَقَّى مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى تَصِلَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَالرَّفْرَفِ وَاللَّوْحِ/ وَالْقَلَمِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْعَرْشِ الْعَظِيمِ، ثُمَّ انْتَقِلْ مِنْ عَالَمِ الْأَجْسَامِ إِلَى عَالَمِ الْأَرْوَاحِ وَاسْتَحْضِرْ فِي عَقْلِكَ جَمِيعَ الْأَرْوَاحِ الْأَرْضِيَّةِ السُّفْلِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ وَغَيْرِ الْبَشَرِيَّةِ، وَاسْتَحْضِرْ جَمِيعَ الْأَرْوَاحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْجِبَالِ وَالْبِحَارِ مِثْلَ مَا قَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ مَلِكِ الْجِبَالِ وَمَلِكِ الْبِحَارِ ثُمَّ اسْتَحْضِرْ مَلَائِكَةَ سَمَاءِ الدنيا وملائكة جميع السموات السَّبْعِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا في السموات مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ قَاعِدٌ» وَاسْتَحْضِرْ جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ الْحَافِّينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَجَمِيعَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ ثُمَّ انْتَقِلْ مِنْهَا إِلَى مَا هُوَ خَارِجُ هَذَا الْعَالَمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [الْمُدَّثِّرِ: 31] فَإِذَا اسْتَحْضَرْتَ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مِنَ الرُّوحَانِيَّاتِ وَالْجُسْمَانِيَّاتِ فَقُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَتُرِيدُ بِقَوْلِكَ: «اللَّهُ» الذَّاتَ الَّتِي حَصَلَ بِإِيجَادِهَا وُجُودُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَحَصَلَتْ لَهَا كَمَالَاتُهَا فِي صِفَاتِهَا وَأَفْعَالِهَا، وَتُرِيدُ بِقَوْلِكَ أَكْبَرُ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَتِهَا وَمُشَاكَلَتِهَا، بَلْ هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَحْكُمَ الْعَقْلُ بِجَوَازِ مُقَايَسَتِهِ بِهَا وَمُنَاسَبَتِهِ إِلَيْهَا فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ اللَّهُ أَكْبَرُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي تَفْسِيرِ هَذَا التَّكْبِيرِ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، فَتَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ لَا يَرَانِي وَمِنْ أَنْ لَا يَسْمَعَ كَلَامِي. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ عُقُولُ الْخَلْقِ وَأَوْهَامُهُمْ وَأَفْهَامُهُمْ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: التَّوْحِيدُ أَنْ لَا تَتَوَهَّمَهُ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَقْدِرَ الْخَلْقُ عَلَى قَضَاءِ حَقِّ عُبُودِّيَتِهِ، فَطَاعَاتُهُمْ قَاصِرَةٌ عَنْ خِدْمَتِهِ، وثنائهم قَاصِرٌ عَنْ كِبْرِيَائِهِ، وَعُلُومُهُمْ قَاصِرَةٌ عَنْ كُنْهِ صَمَدِيَّتِهِ. وَاعْلَمْ أَيُّهَا الْعَبْدُ أَنَّكَ لَوْ بَلَغْتَ إِلَى أَنْ يُحِيطَ عَقْلُكَ بِجَمِيعِ عَجَائِبِ عَالَمِ الْأَجْسَامِ وَالْأَرْوَاحِ فَإِيَّاكَ أَنْ تُحَدِّثَكَ نَفْسُكَ بِأَنَّكَ بَلَغْتَ مَبَادِئَ مَيَادِينِ جَلَالِ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَبْلُغَ الْغَوْرَ وَالْمُنْتَهَى وَنِعْمَ مَا قَالَ الشَّاعِرُ: - أَسَامِيًا لَمْ تَزِدْهُ مَعْرِفَةً ... وَإِنَّمَا لَذَّةٌ ذَكَرْنَاهَا وَمِنْ دَعَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَثَنَائِهِ عَلَى اللَّهِ: «لَا يَنَالُكَ غَوْصُ الْفِكْرِ، وَلَا يَنْتَهِي إِلَيْكَ نَظَرُ نَاظِرٍ، ارْتَفَعَتْ عَنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ صِفَاتُ قُدْرَتِكَ، وَعَلَا عَنْ ذَلِكَ كِبْرِيَاءُ عَظَمَتِكَ وَإِذَا قُلْتَ اللَّهُ أَكْبَرُ فَاجْعَلْ عَيْنَ عَقْلِكَ فِي آفَاقِ جَلَالِ اللَّهِ وَقُلْ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، ثُمَّ قُلْ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ، ثُمَّ انْتَقِلْ مِنْهَا إِلَى عَالَمِ الْأَمْرِ وَالتَّكْلِيفِ وَاجْعَلْ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ مِرْآةً لَكَ تُبْصِرُ فِيهَا عَجَائِبَ عَالَمِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتُطَالِعُ فِيهَا أَنْوَارَ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَالْأَدْيَانَ/ السَّالِفَةَ وَالْمَذَاهِبَ الْمَاضِيَةَ، وَأَسْرَارَ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَالشَّرَائِعِ النَّبَوِيَّةِ، وَتَصِلُ إِلَى الشَّرِيعَةِ، وَمِنْهَا إِلَى الطَّرِيقَةِ، وَمِنْهَا إِلَى الْحَقِيقَةِ، وَتُطَالِعُ دَرَجَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَدَرَكَاتِ الْمَلْعُونِينَ وَالْمَرْدُودِينَ وَالضَّالِّينَ، فَإِذَا قُلْتَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَأَبْصِرْ بِهِ الدُّنْيَا إِذْ بِاسْمِهِ قامت السموات وَالْأَرَضُونَ وَإِذَا قُلْتَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَبْصَرْتَ بِهِ الْآخِرَةَ إِذْ بِكَلِمَةِ الْحَمْدِ قَامَتِ الْآخِرَةُ كَمَا قَالَ: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يُونُسَ: 10] وَإِذَا قُلْتَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَأَبْصِرْ بِهِ عَالَمَ الْجَمَالِ، وَهُوَ الرَّحْمَةُ وَالْفَضْلُ وَالْإِحْسَانُ، وَإِذَا قُلْتَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فَأَبْصِرْ بِهِ عَالَمَ الْجَلَالِ وَمَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْأَهْوَالِ، وَإِذَا قُلْتَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ فَأَبْصِرْ بِهِ عَالَمَ الشَّرِيعَةِ، وَإِذَا قُلْتَ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فَأَبْصِرْ بِهِ الطَّرِيقَةَ، وَإِذَا قُلْتَ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ فَأَبْصِرْ بِهِ الْحَقِيقَةَ، وَإِذَا قُلْتَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فَأَبْصِرْ بِهِ دَرَجَاتِ أَرْبَابِ السَّعَادَاتِ وَأَصْحَابِ الْكَرَامَاتِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَإِذَا قُلْتَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فَأَبْصِرْ بِهِ مَرَاتِبَ فُسَّاقِ أَهْلِ الْآفَاقِ، وَإِذَا قُلْتَ وَلَا الضَّالِّينَ فَأَبْصِرْ بِهِ دَرَكَاتِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالشِّقَاقِ وَالْخِزْيِ وَالنِّفَاقِ عَلَى كَثْرَةِ دَرَجَاتِهَا وَتَبَايُنِ أَطْرَافِهَا وَأَكْنَافِهَا. ثُمَّ إِذَا انْكَشَفَتْ لَكَ هَذِهِ الْأَحْوَالُ الْعَالِيَةُ وَالْمَرَاتِبُ السَّامِيَّةُ فَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّكَ بَلَغْتَ الْغَوْرَ وَالْغَايَةَ، بَلْ عُدْ إِلَى الْإِقْرَارِ لِلْحَقِّ بِالْكِبْرِيَاءِ، وَلِنَفْسِكَ بِالذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَقُلِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ انْزِلْ مِنْ صِفَةِ الْكِبْرِيَاءِ إِلَى صِفَةِ الْعَظَمَةِ، فَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ ذَرَّةً مِنْ صِفَةِ الْعَظَمَةِ فَاعْرِفْ أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْعَظَمَةَ صِفَةُ الْعَرْشِ، وَلَا يَبْلُغُ مَخْلُوقٌ بِعَقْلِهِ كُنْهَ عَظَمَةِ الْعَرْشِ وَإِنْ بَقِيَ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ الْعَالَمِ، ثُمَّ اعْرِفْ أَنَّ عَظَمَةَ الْعَرْشِ فِي مُقَابَلَةِ عَظَمَةِ اللَّهِ كَالْقَطْرَةِ فِي الْبَحْرِ فَكَيْفَ يُمْكِنُكَ أَنْ تَصِلَ إِلَى كُنْهِ عَظَمَةِ اللَّهِ؟ ثم هاهنا سِرٌّ عَجِيبٌ وَهُوَ أَنَّهُ مَا جَاءَ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْظَمِ وَإِنَّمَا جَاءَ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَمَا جَاءَ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَالِي وَإِنَّمَا جَاءَ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، وَلِهَذَا التَّفَاوُتِ أَسْرَارٌ عَجِيبَةٌ لَا يَجُوزُ ذِكْرُهَا، فَإِذَا رَكَعْتَ وَقُلْتَ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ فَعُدْ إِلَى الْقِيَامِ ثَانِيًا، وَادْعُ لِمَنْ وَقَفَ مَوْقِفَكَ وَحَمِدَ حَمْدَكَ وَقُلْ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَإِنَّكَ إِذَا سَأَلْتَهَا لِغَيْرِكَ وَجَدْتَهَا لِنَفْسِكَ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا يَزَالُ اللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ» . قال قِيلَ: مَا السَّبَبُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي هَذَا الْمَقَامِ التَّكْبِيرُ؟. قُلْنَا: لِأَنَّ التَّكْبِيرَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْكِبْرِيَاءِ وَهُوَ مَقَامُ الْهَيْبَةِ وَالْخَوْفِ، وَهَذَا الْمَقَامُ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ، وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ. ثُمَّ إِذَا فَرَغْتَ مِنْ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ فَعُدْ إِلَى التَّكْبِيرِ وَانْحَدِرْ بِهِ إِلَى صِفَةِ الْعُلُوِّ وَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّيَ/ الْأَعْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّجُودَ أَكْثَرُ تَوَاضُعًا مِنَ الرُّكُوعِ، لَا جَرَمَ الذِّكْرُ الْمَذْكُورُ فِي السُّجُودِ هُوَ بِنَاءُ الْمُبَالَغَةِ- وَهُوَ الْأَعْلَى- وَالذِّكْرُ الْمَذْكُورُ فِي الرُّكُوعِ هُوَ لَفْظُ الْعَظِيمِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءِ الْمُبَالَغَةِ، رُوِيَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَكًا تَحْتَ الْعَرْشِ اسْمُهُ حِزْقِيلُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَيُّهَا الْمَلَكُ، طِرْ فَطَارَ مِقْدَارَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ ثَلَاثِينَ ثُمَّ ثَلَاثِينَ فَلَمْ يَبْلُغْ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيِ الْعَرْشِ إِلَى الثَّانِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ لَوْ طِرْتَ إِلَى نَفْخِ الصُّورِ لَمْ تَبْلُغِ الطَّرَفَ الثَّانِيَ مِنَ الْعَرْشِ، فَقَالَ الْمَلَكُ عِنْدَ ذَلِكَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْحِكْمَةُ فِي السَّجْدَتَيْنِ؟ قُلْنَا: فِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ السَّجْدَةَ الْأُولَى لِلْأَزَلِ، وَالثَّانِيَةَ لِلْأَبَدِ، وَالِارْتِفَاعَ فِيمَا بَيْنَهُمَا إِشَارَةٌ إِلَى وُجُودِ الدُّنْيَا فِيمَا بَيْنَ الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّكَ تَعْرِفُ بِأَزَلِيَّتِهِ أَنَّهُ هُوَ الْأَوَّلُ لَا أَوَّلَ قَبْلَهُ فَتَسْجُدَ لَهُ، وَتَعْرِفَ بِأَبَدِيَّتِهِ أَنَّهُ الْآخِرُ لَا آخِرَ بَعْدَهُ فَتَسْجُدَ لَهُ ثَانِيًا. الثَّانِي: قِيلَ: اعْلَمْ بِالسَّجْدَةِ الْأُولَى فَنَاءَ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ، وَبِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فَنَاءَ عَالَمِ الْآخِرَةِ عِنْدَ ظُهُورِ نُورِ جَلَالِ اللَّهِ. الثَّالِثُ: السَّجْدَةُ الْأُولَى فَنَاءُ الْكُلِّ فِي نَفْسِهَا وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ بَقَاءُ الْكُلِّ بِإِبْقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ. [الْقَصَصِ: 88] الرَّابِعُ: السَّجْدَةُ الْأُولَى تَدُلُّ عَلَى انْقِيَادِ عَالَمِ الشَّهَادَةِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ، وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ تَدُلُّ عَلَى انْقِيَادِ
الفصل السابع في لطائف قوله الحمد لله، وفوائد الأسماء الخمسة المذكورة في هذه السورة
عَالَمِ الْأَرْوَاحِ لِلَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ. [الْأَعْرَافِ: 54] وَالْخَامِسُ: السَّجْدَةُ الْأُولَى سَجْدَةُ الشُّكْرِ بِمِقْدَارِ مَا أَعْطَانَا مِنْ مَعْرِفَةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ سَجْدَةُ الْعَجْزِ وَالْخَوْفِ مِمَّا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ مِنْ أَدَاءِ حُقُوقِ جَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ يَفْهَمُونَ مِنَ الْعَظَمَةِ كِبَرَ الْجُثَّةِ، وَيَفْهَمُونَ مِنَ الْعُلُوِّ عُلُوَّ الْجِهَةِ، وَيَفْهَمُونَ مِنَ الْكِبَرِ طُولَ الْمُدَّةِ، وَجَلَّ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ عَنْ هَذِهِ الْأَوْهَامِ، فَهُوَ عَظِيمٌ لَا بِالْجُثَّةِ، عَالٍ لَا بِالْجِهَةِ، كَبِيرٌ لَا بِالْمُدَّةِ، وَكَيْفَ يُقَالُ ذَلِكَ وَهُوَ فَرْدٌ أَحَدٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَظِيمًا بِالْجُثَّةِ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَجْمِيَّةِ، وَكَيْفَ يَكُونُ عَالِيًا بِالْجِهَةِ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِهَةِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ كَبِيرًا بِالْمُدَّةِ وَالْمُدَّةُ مُتَغَيِّرَةٌ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى سَاعَةٍ فَهِيَ مُحْدَثَةٌ فَمُحْدَثُهَا مَوْجُودٌ قَبْلَهَا فَكَيْفَ يَكُونُ كَبِيرًا بِالْمُدَّةِ؟ فَهُوَ تَعَالَى عالٍ عَلَى الْمَكَانِ لَا بِالْمَكَانِ، وَسَابِقٌ عَلَى الزَّمَانِ لَا بِالزَّمَانِ، فَكِبْرِيَاؤُهُ كِبْرِيَاءُ عَظَمَةٍ، وَعَظَمَتُهُ عَظَمَةُ عُلُوٍّ، وَعُلُوُّهُ عُلُوُّ جَلَالٍ، فَهُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُشَابِهَ الْمَحْسُوسَاتِ، وَيُنَاسِبَ الْمُخَيَّلَاتِ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِمَّا يَتَوَهَّمُهُ الْمُتَوَهِّمُونَ، وَأَعْظَمُ مِمَّا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ، وَأَعْلَى مِمَّا يُمِجِّدُهُ الْمُمَجِّدُونَ، فَإِذَا صَوَّرَ لَكَ حِسُّكَ مِثَالًا: فَقُلْ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَإِذَا عَيَّنَ خَيَالُكَ صُورَةً فَقُلْ: سُبْحَانَكَ اللَّهُ وَبِحَمْدِكَ، وَإِذَا زَلَقَ رِجْلُ طَلَبِكَ فِي مَهْوَاةِ التَّعْطِيلِ فَقُلْ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السموات وَالْأَرْضَ، وَإِذَا جَالَ رُوحُكَ فِي مَيَادِينِ الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ ثُمَّ تَرَقَّى إِلَى الصِّفَاتِ/ الْعُلَى وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَطَالَعَ مِنْ مَرْقُومَاتِ الْقَلَمِ عَلَى سَطْحِ اللَّوْحِ نَقْشًا وَسَكَنَ عِنْدَ سَمَاعِ تَسْبِيحَاتِ الْمُقَرَّبِينَ وَتَنْزِيهَاتِ الْمَلَائِكَةِ الرُّوحَانِيِّينَ إِلَى صُورَةٍ فَاقْرَأْ عِنْدَ كُلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الصَّافَّاتِ: 180- 182] . الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي لَطَائِفِ قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَفَوَائِدُ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ في هذه السورة لطائف الحمد لله: أَمَّا لَطَائِفُ قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَأَرْبَعُ نُكَتٍ: النُّكْتَةُ الْأُولَى: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَ رَبَّهُ وَقَالَ: يَا رَبِّ، مَا جَزَاءُ مَنْ حَمِدَكَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ؟ فَقَالَ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاتِحَةُ الشُّكْرِ وَخَاتِمَتُهُ، قَالَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ: لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فَاتِحَةَ الشُّكْرِ جَعَلَهَا اللَّهُ فَاتِحَةَ كَلَامِهِ، وَلَمَّا كَانَتْ خَاتِمَتَهُ جَعَلَهَا اللَّهُ خَاتِمَةَ كَلَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقَالَ: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يونس: 10] . رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ مِنْ نُورٍ مَكْنُونٍ مَخْزُونٍ مِنْ سَابِقِ عِلْمِهِ، فَجَعَلَ الْعِلْمَ نَفْسَهُ، وَالْفَهْمَ رُوحَهُ، وَالزُّهْدَ رَأْسَهُ، وَالْحَيَاءَ عَيْنَهُ، وَالْحِكْمَةَ لِسَانَهُ، وَالْخَيْرَ سَمْعَهُ، وَالرَّأْفَةَ قَلْبَهُ، وَالرَّحْمَةَ هَمَّهُ، وَالصَّبْرَ بَطْنَهُ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ تَكَلَّمْ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ نِدٌّ وَلَا ضِدٌّ وَلَا مِثْلٌ وَلَا عَدْلٌ، الَّذِي ذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لِعِزَّتِهِ فَقَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقًا أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ وَأَيْضًا نُقِلَ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا عَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَكَانَ أَوَّلُ كَلَامِهِ ذَلِكَ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: أَوَّلُ مَرَاتِبِ الْمَخْلُوقَاتِ هُوَ الْعَقْلُ، وَآخِرُ مَرَاتِبِهَا آدَمُ، وَقَدْ نَقَلْنَا أَوَّلَ كَلَامِ الْعَقْلِ هُوَ قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَوَّلُ كَلَامِ آدَمَ هُوَ قَوْلُهُ: الْحَمْدُ، فَثَبَتَ أَنَّ أَوَّلَ كَلَامٍ لِفَاتِحَةِ الْمُحْدَثَاتِ هُوَ هَذِهِ
الْكَلِمَةُ، وَأَوَّلَ كَلَامٍ لِخَاتِمَةِ الْمُحْدَثَاتِ هُوَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ، فَلَا جَرَمَ جَعَلَهَا اللَّهُ فَاتِحَةَ كِتَابِهِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَأَيْضًا ثَبَتَ أَنَّ أَوَّلَ كَلِمَاتِ اللَّهِ قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَآخِرَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَبَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ مُنَاسَبَةٌ، فَلَا جَرَمَ جَعَلَ قَوْلَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلَ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ، وَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَضَعَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ كَلِمَةِ الْحَمْدِ اسْمَانِ: أَحْمَدُ وَمُحَمَّدٌ، وَعِنْدَ هَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَنَا فِي السَّمَاءِ أَحْمَدُ، وَفِي الْأَرْضِ مُحَمَّدٌ» فَأَهْلُ السَّمَاءِ فِي تَحْمِيدِ اللَّهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ أَحْمَدُهُمْ وَاللَّهُ تَعَالَى فِي تَحْمِيدِ أَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الْإِسْرَاءِ: 19] وَرَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدُهُمْ. وَالنُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْحَمْدَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا عِنْدَ الْفَوْزِ بِالنِّعْمَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْحَمْدُ أَوَّلَ الْكَلِمَاتِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ النِّعْمَةُ وَالرَّحْمَةُ أَوَّلَ الْأَفْعَالِ وَالْأَحْكَامِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي. النُّكْتَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الرَّسُولَ اسْمُهُ أْحَمْدُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَحْمَدُ الْحَامِدِينَ أَيْ: أَكْثَرُهُمْ حَمْدًا، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ كَثْرَةَ الْحَمْدِ بِحَسَبِ كَثْرَةِ النِّعْمَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ رَحْمَةُ اللَّهِ فِي حَقِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي حَقِّ جَمِيعِ الْعَالَمِينَ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: 107] . النُّكْتَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْمُرْسِلَ لَهُ اسْمَانِ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَهُمَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَهُمَا يُفِيدَانِ الْمُبَالَغَةَ، وَالرَّسُولُ لَهُ أَيْضًا اسْمَانِ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَهُمَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ، لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ حُصُولَ الْحَمْدِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ الرَّحْمَةِ، فَقَوْلُنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ جَارٍ مَجْرَى قَوْلِنَا مَرْحُومٌ وَأَرْحَمُ. وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ مِنْ أَسْمَاءِ الرَّسُولِ: الْحَمْدَ، وَالْحَامِدَ، والمحمود، فهذه خمسة أسماء لِلرُّسُولِ دَالَّةٌ عَلَى الرَّحْمَةِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الْحِجْرِ: 49] فقوله: نبىء إِشَارَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللُّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مَذْكُورٌ قَبْلَ الْعِبَادِ، وَالْيَاءُ فِي قَوْلِهِ: عِبَادِي ضَمِيرٌ عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْيَاءُ فِي قَوْلِهِ: أَنِّي عَائِدٌ إِلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: أَنَا عائد إليه، وقول: الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، صِفَتَانِ لِلَّهِ فَهِيَ خَمْسَةُ أَلْفَاظٍ دَالَّةٌ عَلَى اللَّهِ الْكَرِيمِ الرَّحِيمِ، فَالْعَبْدُ يَمْشِي يوم القيامة وقدامه الرسول عليه الصلاة والسلام مَعَ خَمْسَةِ أَسْمَاءٍ تَدُلُّ عَلَى الرَّحْمَةِ، وَخَلْفَهُ خَمْسَةُ أَلْفَاظٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَدُلُّ عَلَى الرَّحْمَةِ، وَرَحْمَةُ الرَّسُولِ كَثِيرَةٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الْأَعْرَافِ: 156] فَكَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَضِيعَ الْمُذْنِبُ مَعَ هَذِهِ الْبِحَارِ الزَّاخِرَةِ الْعَشَرَةِ الْمَمْلُوءَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ؟. وَأَمَّا فَوَائِدُ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَأَشْيَاءُ: النُّكْتَةُ الْأُولَى: أَنَّ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ فِيهَا عَشَرَةُ أَشْيَاءَ، منها خمسة من صفات الرُّبُوبِيَّةِ، وَهِيَ: اللَّهُ، وَالرَّبُّ، وَالرَّحْمَنُ، وَالرَّحِيمُ، وَالْمَالِكُ، وَخَمْسَةُ أَشْيَاءَ مِنْ صِفَاتِ الْعَبْدِ وَهِيَ: الْعُبُودِيَّةُ، وَالِاسْتِعَانَةُ، وَطَلَبُ الْهِدَايَةِ، وَطَلَبُ الِاسْتِقَامَةِ، وَطَلَبُ النِّعْمَةِ كَمَا قَالَ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فَانْطَبَقَتْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ الْخَمْسَةُ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْخَمْسَةِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ لِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لِأَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ لِأَنَّكَ أَنْتَ الرَّحْمَنُ، وَارْزُقْنَا الِاسْتِقَامَةَ لِأَنَّكَ أَنْتَ الرَّحِيمُ، وَأَفِضْ عَلَيْنَا سِجَالَ نِعَمِكَ وَكَرَمِكَ لِأَنَّكَ مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ. النُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِنْسَانُ مُرَكَّبٌ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: بَدَنِهِ، وَنَفْسِهِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَنَفْسِهِ الشَّهْوَانِيَّةِ، وَنَفْسِهِ الْغَضَبِيَّةِ، وَجَوْهَرِهِ الْمَلَكِيِّ الْعَقْلِيِّ، فَتَجَلَّى الْحَقُّ سُبْحَانَهُ بِأَسْمَائِهِ الْخَمْسَةِ لِهَذِهِ الْمَرَاتِبِ الْخَمْسَةِ فَتَجَلَّى اسْمُ اللَّهِ
لِلرُّوحِ الْمَلَكِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْفَلَكِيَّةِ الْقُدْسِيَّةِ فَخَضَعَ وَأَطَاعَ كَمَا قَالَ: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرَّعْدِ: 28] وتجلى النفس الشَّيْطَانِيَّةِ بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ- وَهُوَ اسْمُ الرَّبِّ- فَتَرَكَ الْعِصْيَانَ وَانْقَادَ لِطَاعَةِ الدَّيَّانِ، وَتَجَلَّى لِلنَّفْسِ الْغَضَبِيَّةِ السَّبُعِيَّةِ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ وَهَذَا الِاسْمُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْقَهْرِ وَاللُّطْفِ كَمَا قَالَ: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ [الْفُرْقَانِ: 26] فَتَرَكَ الْخُصُومَةَ وَتَجَلَّى لِلنَّفْسِ الشَّهْوَانِيَّةِ الْبَهِيمِيَّةِ بِاسْمِ الرَّحِيمِ وَهُوَ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْمُبَاحَاتِ وَالطِّيبَاتِ كَمَا قَالَ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ [الْمَائِدَةِ: 5] فَلَانَ وَتَرَكَ الْعِصْيَانَ، وَتَجَلَّى لِلْأَجْسَادِ وَالْأَبْدَانِ بِقَهْرِ قَوْلِهِ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فَإِنَّ الْبَدَنَ غَلِيظٌ كَثِيفٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَهْرٍ شَدِيدٍ، وَهُوَ الْقَهْرُ الْحَاصِلُ مِنْ خَوْفِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَمَّا تَجَلَّى الْحَقُّ سُبْحَانَهُ بِأَسْمَائِهِ الْخَمْسَةِ لِهَذِهِ الْمَرَاتِبِ انْغَلَقَتْ أَبْوَابُ النِّيرَانِ، وَانْفَتَحَتْ أَبْوَابُ الْجِنَانِ. ثُمَّ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ ابْتَدَأَتْ بِالرُّجُوعِ كَمَا جَاءَتْ فَأَطَاعَتِ الْأَبْدَانُ وَقَالَتْ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَأَطَاعَتِ النُّفُوسُ الشَّهْوَانِيَّةُ فَقَالَتْ: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ عَلَى تَرْكِ اللَّذَّاتِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَأَطَاعَتِ النُّفُوسُ الْغَضَبِيَّةِ فَقَالَتْ: اهْدِنَا وَأَرْشِدْنَا وَعَلَى دِينِكَ فَثَبِّتْنَا، وَأَطَاعَتِ النَّفْسُ الشَّيْطَانِيَّةُ وَطَلَبَتْ مِنَ اللَّهِ الِاسْتِقَامَةَ وَالصَّوْنَ عَنِ الِانْحِرَافِ فَقَالَتْ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وَتَوَاضَعَتِ الْأَرْوَاحُ الْقُدْسِيَّةُ الْمَلَكِيَّةُ فَطَلَبَتْ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُوصِلَهَا بِالْأَرْوَاحِ الْقُدْسِيَّةِ الْعَالِيَةِ الْمُطَهَّرَةِ الْمُعَظَّمَةِ فَقَالَتْ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. النُّكْتَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَاصِلَةٌ مِنْ تَجَلِّي نُورِ اسْمِ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةُ مِنْ تجلي اسم الرَّبِّ، لِأَنَّ الرَّبَّ مُشْتَقٌ مِنَ التَّرْبِيَةِ وَالْعَبْدُ يُرَبِّي إِيمَانَهُ بِمَدَدِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ مِنْ تَجَلِّي اسْمِ الرَّحْمَنِ، لِأَنَّ الرَّحْمَنَ مُبَالَغَةٌ فِي الرَّحْمَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ لِأَجْلِ الرَّحْمَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَوُجُوبُ صَوْمِ رَمَضَانَ مِنْ تَجَلِّي اسْمِ الرَّحِيمِ، لِأَنَّ الصَّائِمَ إِذَا جَاعَ تَذَكَّرَ جَوْعَ الْفُقَرَاءِ فَيُعْطِيهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا إِذَا جَاعَ حَصَلَ لَهُ فِطَامٌ عَنِ الِالْتِذَاذِ بِالْمَحْسُوسَاتِ فَعِنْدَ الْمَوْتِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهَا، وَوُجُوبُ الْحَجِّ مِنْ تَجَلِّي اسْمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لِأَنَّ عِنْدَ الْحَجِّ يَجِبُ هِجْرَةُ الْوَطَنِ وَمُفَارَقَةُ الْأَهْلِ وَالْوَلَدُ، وَذَلِكَ يُشْبِهُ سَفَرَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَيْضًا الْحَاجُّ يَصِيرُ حَافِيًا حَاسِرًا عَارِيًا وَهُوَ يُشْبِهُ حَالَ أَهْلِ الْقِيَامَةِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالنِّسْبَةُ بَيْنَ الْحَجِّ وَبَيْنَ أَحْوَالِ الْقِيَامَةِ، كَثِيرَةٌ جِدًّا. النُّكْتَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْوَاعُ الْقِبْلَةِ خَمْسَةٌ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَالْكَعْبَةُ، وَالْبَيْتُ الْمَعْمُورِ، وَالْعَرْشُ وَحَضْرَةُ جَلَالِ اللَّهِ: فَوَزِّعْ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ الْخَمْسَةَ عَلَى الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ مِنَ الْقِبْلَةِ. النُّكْتَةُ الْخَامِسَةُ: الْحَوَاسُّ خَمْسٌ: أَدَّبَ الْبَصَرَ بِقَوْلِهِ: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الْحَشْرِ: 2] وَالسَّمْعَ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: 18] والذوق بقوله: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً [الْمُؤْمِنُونَ: 51] وَالشَّمَّ بِقَوْلِهِ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ [يُوسُفَ: 94] وَاللَّمْسَ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ [المعارج: 29، الْمُؤْمِنُونَ: 5] فَاسْتَعِنْ بِأَنْوَارِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ عَلَى دَفْعِ مَضَارِّ هَذِهِ الْأَعْدَاءِ الْخَمْسَةِ. النُّكْتَةُ السَّادِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الشَّطْرَ الْأَوَّلَ: مِنَ الْفَاتِحَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ فَتَفِيضُ الْأَنْوَارُ عَلَى الْأَسْرَارِ، وَالشَّطْرَ الثَّانِي: مِنْهَا مُشْتَمِلٌ عَلَى الصِّفَاتِ الْخَمْسَةِ لعبد فَتَصْعَدُ مِنْهَا أَسْرَارٌ إِلَى مَصَاعِدِ تِلْكَ الْأَنْوَارِ، وَبِسَبَبِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ يِحْصُلُ لِلْعَبْدِ مِعْرَاجٌ فِي صَلَاتِهِ: فَالْأَوَّلُ: هُوَ النُّزُولُ، وَالثَّانِي: هُوَ الصُّعُودُ، والحد
الفصل الثامن في السبب المقتضي لاشتمال بسم الله الرحمن الرحيم على الأسماء الثلاثة
الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ هُوَ الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ قَوْلِهِ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَتَقْرِيرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ حَاجَةَ الْعَبْدِ إِمَّا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَهُوَ قِسْمَانِ: إِمَّا دَفْعُ الضَّرَرِ، أَوْ جَلْبُ النَّفْعِ، وَإِمَّا فِي طَلَبِ الْآخِرَةِ، وَهُو أَيْضًا قِسْمَانِ: دَفْعُ الضَّرَرِ وَهُوَ الْهَرَبُ مِنَ النَّارِ، وَطَلَبُ الْخَيْرِ وَهُوَ طَلَبُ الْجَنَّةِ، فَالْمَجْمُوعُ أَرْبَعَةٌ، وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ- وَهُوَ الْأَشْرَفُ- طَلَبُ خِدْمَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ لِمَا هُوَ هُوَ لَا لِأَجْلِ رَغْبَةٍ وَلَا لِأَجْلِ رَهْبَةٍ، فَإِنْ شَاهَدْتَ نُورَ اسْمِ اللَّهِ لَمْ تَطْلُبْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا سِوَى اللَّهِ، وَإِنْ طَالَعْتَ نُورَ الرَّبِّ طَلَبْتَ مِنْهُ خَيْرَاتِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ طَالَعْتَ مِنْهُ نُورَ الرَّحْمَنِ طَلَبْتَ مِنْهُ خَيْرَاتِ هَذِهِ الدُّنْيَا، وَإِنْ طَالَعْتَ نُورَ الرَّحِيمِ طَلَبْتَ مِنْهُ أَنْ يَعْصِمَكَ عَنْ مَضَارِّ الْآخِرَةِ، وَإِنْ طَالَعْتَ نُورَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ طَلَبْتَ مِنْهُ أَنْ يَصُونَكَ عَنْ آفَاتِ هَذِهِ الدُّنْيَا وَقَبَائِحِ الْأَعْمَالِ فِيهَا لِئَلَّا تَقَعَ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ. النُّكْتَةُ السَّابِعَةُ: يُمْكِنُ أَيْضًا تَنْزِيلُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ عَلَى الْمَرَاتِبِ الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ فِي الذِّكْرِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ- أَمَّا قَوْلُنَا سُبْحَانَ اللَّهِ فَهُوَ فَاتِحَةُ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الْإِسْرَاءِ: 1] وَأَمَّا قَوْلُنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ فَاتِحَةُ خَمْسِ سُوَرٍ، وَأَمَّا قَوْلُنَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ فَاتِحَةُ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: الم، اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ [آلِ عِمْرَانَ: 1، 2] وَأَمَّا قَوْلُنَا اللَّهُ أَكْبَرُ فَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ لَا بِالتَّصْرِيحِ فِي مَوْضِعَيْنِ مُضَافًا إِلَى الذِّكْرِ تَارَةً وَإِلَى الرِّضْوَانِ/ أُخْرَى فقال: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72] وقال: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: 45] وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْقُرْآنِ صَرِيحًا، لِأَنَّهُ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، وَالْكَنْزُ يَكُونُ مَخْفِيًّا وَلَا يَكُونُ ظَاهِرًا، فَالْأَسْمَاءُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ مَبَادٍ لِهَذِهِ الْأَذْكَارِ الْخَمْسَةِ، فَقَوْلُنَا: اللَّهِ مَبْدَأٌ لِقَوْلِنَا سُبْحَانَ اللَّهِ، وَقَوْلُنَا: رَبِّ مَبْدَأٌ لِقَوْلِنَا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَقَوْلُنَا الرَّحْمَنِ مَبْدَأٌ لِقَوْلِنَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ قَوْلَنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّمَا يَلِيقُ بِمَنْ يَحْصُلُ لَهُ كَمَالُ الْقُدْرَةِ وَكَمَالُ الرحمة، وذلك هو الرحمن، وقولنا: الرحمن مَبْدَأٌ لِقَوْلِنَا اللَّهُ أَكْبَرُ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ لَا يَرْحَمَ عِبَادَهُ الضُّعَفَاءَ، وَقَوْلُنَا: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ مَبْدَأٌ لِقَوْلِنَا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، لِأَنَّ الْمَلِكَ وَالْمَالِكَ هُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَبِيدُهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا شَيْئًا عَلَى خِلَافِ إِرَادَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِاشْتِمَالِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلَى الْأَسْمَاءِ الثلاثة السبب في اشتمال البسملة عَلَى الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ: وَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: لَا شَكَّ أَنَّهُ تَعَالَى يَتَجَلَّى لِعُقُولِ الْخَلْقِ، إِلَّا أَنَّ لِذَلِكَ التَّجَلِّي ثَلَاثَ مَرَاتِبَ: فَإِنَّهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يَتَجَلَّى بِأَفْعَالِهِ وَآيَاتِهِ، وَفِي وَسَطِ الْأَمْرِ يَتَجَلَّى بِصِفَاتِهِ، وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ يَتَجَلَّى بِذَاتِهِ، قِيلَ إِنَّهُ تَعَالَى يَتَجَلَّى لِعَامَّةِ عِبَادِهِ بأفعاله وآياته، قال: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ [الشُّورَى: 32] وَقَالَ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ [آلِ عِمْرَانَ: 190] ثُمَّ يَتَجَلَّى لِأَوْلِيَائِهِ بِصِفَاتِهِ، قَالَ:
الفصل التاسع في سبب اشتمال الفاتحة على الأسماء الخمسة
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا باطِلًا [آلِ عِمْرَانَ: 191] وَيَتَجَلَّى لِأَكَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَرُؤَسَاءِ الْمَلَائِكَةِ بِذَاتِهِ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الْأَنْعَامِ: 91] إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: اسْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَقْوَى الْأَسْمَاءِ فِي تَجَلِّي ذَاتِهِ، لِأَنَّهُ أَظْهَرُ الْأَسْمَاءِ فِي اللَّفْظِ، وَأَبْعَدُهَا مَعْنًى عَنِ الْعُقُولِ، فَهُوَ ظَاهِرٌ بَاطِنٌ، يَعْسُرُ إِنْكَارُهُ. وَلَا تُدْرَكُ أَسْرَارُهُ، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَلَّاجُ: - اسْمٌ مَعَ الْخَلْقِ قَدْ تَاهُوا بِهِ وَلَهًا ... لِيَعْلَمُوا مِنْهُ مَعْنًى مِنْ مَعَانِيهِ وَاللَّهِ مَا وَصَلُوا مِنْهُ إِلَى سَبَبٍ ... حَتَّى يَكُونَ الَّذِي أَبْدَاهُ مُبْدِيهِ وَقَالَ أَيْضًا: - يَا سِرَّ سِرٍّ يَدِقُّ حَتَّى ... يَخْفَى عَلَى وَهْمِ كُلِّ حَيِّ فَظَاهِرًا بَاطِنًا تجلى ... لكل شيء بكل شيء وَأَمَّا اسْمُهُ الرَّحْمَنُ فَهُوَ يُفِيدُ تَجَلِّي الْحَقِّ بِصِفَاتِهِ الْعَالِيَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الْإِسْرَاءِ: 110] وَأَمَّا اسْمُهُ الرَّحِيمُ فَهُوَ يُفِيدُ تَجَلِّي الْحَقِّ بِأَفْعَالِهِ وَآيَاتِهِ وَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً [غَافِرٍ: 7] . الْفَصْلُ التَّاسِعُ فِي سَبَبِ اشْتِمَالِ الْفَاتِحَةِ على الأسماء الخمسة سَبَبِ اشْتِمَالِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ: السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ مَرَاتِبَ أَحْوَالِ الْخَلْقِ خَمْسَةٌ: أَوَّلُهَا: الْخَلْقُ، وَثَانِيهَا: التَّرْبِيَةُ فِي مَصَالِحَ الدُّنْيَا، وَثَالِثُهَا: التَّرْبِيَةُ فِي تَعْرِيفِ الْمَبْدَأِ، وَرَابِعُهَا: التَّرْبِيَةُ فِي تَعْرِيفِ الْمَعَادِ، وَخَامِسُهَا: نَقْلُ الْأَرْوَاحِ مِنْ عَالَمِ الْأَجْسَادِ إِلَى دَارِ الْمَعَادِ، فَاسْمُ اللَّهِ مَنْبَعُ الْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ وَالتَّكْوِينِ وَالْإِبْدَاعِ وَاسْمُ الرَّبِّ يَدُلُّ عَلَى التَّرْبِيَةِ بِوُجُوهِ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَاسْمُ الرَّحْمَنِ يَدُلُّ عَلَى التَّرْبِيَةِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَبْدَأِ، وَاسْمُ الرَّحِيمِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَعَادِ حَتَّى يَحْتَرِزَ عَمَّا لَا يَنْبَغِي وَيُقْدِمَ عَلَى مَا يَنْبَغِي، وَاسْمُ الْمَلِكِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَنْقُلُهُمْ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ، ثُمَّ عِنْدَ وُصُولِ الْعَبْدِ إِلَى هَذِهِ الْمَقَامَاتِ انْتَقَلَ الْكَلَامُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ فَقَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّكَ إِذَا انْتَفَعْتَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ فِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ الْخَمْسِ وَانْتَقَلْتَ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ صِرْتَ بِحَيْثُ تَرَى اللَّهَ، فَحِينَئِذٍ تَكَلَّمْ مَعَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاهَدَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ المغايبة، ثم قل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، كَأَنَّهُ قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ لِأَنَّكَ اللَّهُ الْخَالِقُ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لِأَنَّكَ الرَّبُّ الرَّازِقُ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ لِأَنَّكَ الرَّحْمَنُ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لِأَنَّكَ الرَّحِيمُ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ لِأَنَّكَ الْمَلِكُ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لِأَنَّكَ الْمَالِكُ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ مُنْتَقِلٌ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا إِلَى دَارِ الْآخِرَةِ، وَمِنْ دَارِ الشُّرُورِ إِلَى دَارِ السُّرُورِ، فَقَالَ: لَا بُدَّ لِذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ زَادٍ وَاسْتِعْدَادٍ، وَذَلِكَ هُوَ الْعِبَادَةُ، فَلَا جَرَمَ قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، ثُمَّ قَالَ الْعَبْدُ: الَّذِي اكْتَسَبْتُهُ بِقُوَّتِي وَقُدْرَتِي قَلِيلٌ لَا يَكْفِينِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الطويل فاستعان بربه فقال، ما معنى قَلِيلٌ، فَأَعْطِنِي مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِكَ مَا يَكْفِينِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الطَّوِيلِ فَقَالَ: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، ثُمَّ لَمَّا حَصَلَ الزَّادُ لِيَوْمِ
الفصل العاشر في هذه السورة كلمتان مضافتان إلى اسم الله، واسمان مضافان إلى غير الله:
الْمَعَادِ قَالَ: هَذَا سَفَرٌ طَوِيلٌ شَاقٌّ وَالطُّرُقُ كَثِيرَةٌ وَالْخَلْقُ قَدْ تَاهُوا فِي هَذِهِ الْبَادِيَةِ فَلَا طَرِيقَ إِلَّا أَنْ أَطْلُبَ الطَّرِيقَ مِمَّنْ هُوَ بِإِرْشَادِ السَّالِكِينَ حَقِيقٌ فَقَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ لِسَالِكِ الطَّرِيقِ مِنْ رَفِيقٍ وَمِنْ بَدْرَقَةٍ وَدَلِيلٍ فَقَالَ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وَالَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ/ عَلَيْهِمْ هُمُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، فَالْأَنْبِيَاءُ هُمُ الْأَدِلَّاءُ، وَالصِّدِّيقُونَ هُمُ الْبَدْرَقَةُ، وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ هُمُ الرُّفَقَاءُ، ثُمَّ قَالَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُجُبَ عَنِ اللَّهِ قِسْمَانِ: الْحُجُبُ النَّارِيَّةُ- وَهِيَ عَالَمُ الدُّنْيَا- ثُمَّ الْحُجُبُ النُّورِيَّةُ- وَهِيَ عَالَمُ الْأَرْوَاحِ- فَاعْتَصَمَ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَبْقَى مَشْغُولَ السِّرِّ لَا بِالْحُجُبِ النَّارِيَّةِ وَلَا بِالْحُجُبِ النُّورِيَّةِ. الْفَصْلُ الْعَاشِرُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ كَلِمَتَانِ مُضَافَتَانِ إِلَى اسْمِ اللَّهِ، وَاسْمَانِ مُضَافَانِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ: أَمَّا الْكَلِمَتَانِ الْمُضَافَتَانِ إِلَى اسْمِ اللَّهِ فَهُمَا قَوْلُهُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ لِبِدَايَةِ الْأُمُورِ، وَقَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِخَوَاتِيمِ الْأُمُورِ، فَبِسْمِ اللَّهِ ذِكْرٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرٌ، فَلَمَّا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اسْتَحَقَّ الرَّحْمَةَ، وَلَمَّا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ اسْتَحَقَّ رَحْمَةً أُخْرَى، فَبِقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ اسْتَحَقَّ الرَّحْمَةَ مِنِ اسْمِ الرَّحْمَنِ، وَبِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ اسْتَحَقَّ الرَّحْمَةَ مِنِ اسْمِ الرَّحِيمِ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى قِيلَ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فَالرُّبُوبِيَّةُ لِبِدَايَةِ حَالِهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الْأَعْرَافِ: 172] وَصِفَةُ الرَّحْمَنِ لِوَسَطِ حَالِهِمْ، وَصِفَةُ الْمَلِكِ لِنِهَايَةِ حَالِهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [غَافِرٍ: 16] . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَهُوَ الْهَادِي إِلَى الرَّشَادِ. تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ
الجزء الثاني
الجزء الثاني بسم الله الرحمن الرحيم سُورَةُ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ إِلَّا آيَةَ 281 فَنَزَلَتْ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَآيَاتُهَا مِائَتَانِ وَسِتٌّ وَثَمَانُونَ [سورة البقرة (2) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) تفسير الم حروف الهجاء: الم فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: - اعْلَمْ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي يُتَهَجَّى بِهَا أَسْمَاءٌ مُسَمَّيَاتُهَا الْحُرُوفُ الْمَبْسُوطَةُ، لِأَنَّ الضَّادَ مَثَلًا لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ دَالَّةٌ بِالتَّوَاطُؤِ عَلَى مَعْنًى مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مِنْ «ضَرَبَ» فَثَبَتَ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ وَلِأَنَّهَا يُتَصَرَّفُ فِيهَا بِالْإِمَالَةِ وَالتَّفْخِيمِ وَالتَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ وَالْجَمْعِ وَالتَّصْغِيرِ وَالْوَصْفِ وَالْإِسْنَادِ وَالْإِضَافَةِ، فَكَانَتْ لَا مَحَالَةَ أَسْمَاءٌ. فَإِنْ قِيلَ قَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَهُ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، لَكِنْ أَلْفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ» الْحَدِيثَ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ يُنَاقِضُ مَا ذَكَرْتُمْ قُلْنَا: سَمَّاهُ حَرْفًا مَجَازًا لِكَوْنِهِ اسْمًا لِلْحَرْفِ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ أَحَدِ المتلازمين على الآخر مجاز مشهور. معاني تسمية حروفها: فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ رَاعَوْا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لِمَعَانٍ لَطِيفَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْمُسَمَّيَاتِ لَمَّا كَانَتْ أَلْفَاظًا كَأَسَامِيهَا وَهِيَ حُرُوفٌ مُفْرَدَةٌ وَالْأَسَامِي تَرْتَقِي عَدَدَ حُرُوفِهَا إِلَى الثَّلَاثَةِ اتَّجَهَ لَهُمْ طَرِيقٌ إِلَى أَنْ يَدُلُّوا فِي الِاسْمِ عَلَى الْمُسَمَّى، فَجَعَلُوا الْمُسَمَّى صَدْرَ كُلِّ اسْمٍ مِنْهَا إِلَّا الْأَلِفَ فَإِنَّهُمُ اسْتَعَارُوا الْهَمْزَةَ مَكَانَ مُسَمَّاهَا لِأَنَّهُ لَا يكون إلا ساكناً. حكمها ما لم تلها العوامل: الثَّانِي: حُكْمُهَا مَا لَمْ تَلِهَا الْعَوَامِلُ أَنْ تَكُونَ سَاكِنَةَ الْأَعْجَازِ كَأَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ فَيُقَالُ أَلِفٌ لَامٌ مِيمٌ، كَمَا تَقُولُ وَاحِدٌ اثْنَانِ ثَلَاثَةٌ فَإِذَا وَلِيَتْهَا الْعَوَامِلُ أَدْرَكَهَا الْإِعْرَابُ كَقَوْلِكَ هَذِهِ أَلِفٌ وَكَتَبْتُ أَلِفًا وَنَظَرْتُ إِلَى أَلِفٍ، وَهَكَذَا كُلُّ اسْمٍ عَمَدْتَ إِلَى تَأْدِيَةِ مُسَمَّاهُ فَحَسْبُ، لِأَنَّ جَوْهَرَ اللَّفْظِ مَوْضُوعٌ لِجَوْهَرِ الْمَعْنَى، وَحَرَكَاتُ اللَّفْظِ دَالَّةٌ عَلَى أَحْوَالِ الْمَعْنَى، فَإِذَا أُرِيدَ إِفَادَةُ جَوْهَرِ الْمَعْنَى وَجَبَ إِخْلَاءُ اللَّفْظِ عَنِ الحركات.
/ كونها معربة: الثَّالِثُ: هَذِهِ الْأَسْمَاءُ مُعْرَبَةٌ وَإِنَّمَا سَكَنَتْ سُكُونَ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ حَيْثُ لَا يَمَسُّهَا إِعْرَابٌ لِفَقْدِ مُوجِبِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ سُكُونَهَا وَقْفٌ لَا بِنَاءٌ أَنَّهَا لَوْ بُنِيَتْ لَحُذِيَ بِهَا حَذْوَ كَيْفَ وَأَيْنَ وَهَؤُلَاءِ وَلَمْ يُقَلْ صَادْ قَافْ نون مجموع فيها بين الساكنين. معاني ألم: المسألة الثانية: معاني ألم لِلنَّاسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الم وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِنَ الْفَوَاتِحِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا عِلْمٌ مَسْتُورٌ وَسِرٌّ مَحْجُوبٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِلَّهِ فِي كُلِّ كِتَابٍ سِرٌّ وَسِرُّهُ فِي الْقُرْآنِ أَوَائِلُ السُّوَرِ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ لِكُلِّ كِتَابٍ صَفْوَةٌ وَصَفْوَةُ هَذَا الْكِتَابِ حُرُوفُ التَّهَجِّي. وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الْعِلْمُ بِمَنْزِلَةِ الْبَحْرِ فَأُجْرِيَ مِنْهُ وادٍ ثُمَّ أُجْرِيَ مِنَ الْوَادِي نَهْرٌ ثُمَّ أُجْرِيَ مِنَ النَّهْرِ جَدْوَلٌ، ثُمَّ أُجْرِيَ مِنَ الْجَدْوَلِ سَاقِيَةٌ، فَلَوْ أُجْرِيَ إِلَى الْجَدْوَلِ ذَلِكَ الْوَادِي لَغَرَّقَهُ وَأَفْسَدَهُ، وَلَوْ سَالَ الْبَحْرُ إِلَى الْوَادِي لَأَفْسَدَهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [الرَّعْدِ: 17] فَبُحُورُ الْعِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَعْطَى الرُّسُلَ مِنْهَا أَوْدِيَةً، ثُمَّ أَعْطَتِ الرُّسُلُ مِنْ أَوْدِيَتِهِمْ أَنْهَارًا إِلَى الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ أَعْطَتِ الْعُلَمَاءُ إِلَى الْعَامَّةِ جَدَاوِلَ صِغَارًا عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ، ثُمَّ أَجْرَتِ الْعَامَّةُ سَوَاقِيَ إِلَى أَهَالِيهِمْ بِقَدْرِ طَاقَتِهِمْ. وَعَلَى هَذَا مَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ «لِلْعُلَمَاءِ سِرٌّ، وَلِلْخُلَفَاءِ سِرٌّ وَلِلْأَنْبِيَاءِ سِرٌّ، وَلِلْمَلَائِكَةِ سِرٌّ، وَلِلَّهِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ كُلِّهِ سِرٌّ، فَلَوِ اطَّلَعَ الْجُهَّالُ عَلَى سِرِّ الْعُلَمَاءِ لَأَبَادُوهُمْ، وَلَوِ اطَّلَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى سِرِّ الْخُلَفَاءِ لَنَابَذُوهُمْ، وَلَوِ اطَّلَعَ الْخُلَفَاءُ عَلَى سِرِّ الْأَنْبِيَاءِ لَخَالَفُوهُمْ، وَلَوِ اطَّلَعَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى سِرِّ الْمَلَائِكَةِ لَاتَّهَمُوهُمْ، وَلَوِ اطَّلَعَ الْمَلَائِكَةُ عَلَى سِرِّ اللَّهِ تَعَالَى لَطَاحُوا حَائِرِينَ، وَبَادُوا بَائِرِينَ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعُقُولَ الضَّعِيفَةَ لَا تَحْتَمِلُ الْأَسْرَارَ الْقَوِيَّةَ، كَمَا لَا يَحْتَمِلُ نُورَ الشَّمْسِ أَبْصَارُ الْخَفَافِيشِ، فَلَمَّا زِيدَتِ الْأَنْبِيَاءُ فِي عُقُولِهِمْ قَدَرُوا عَلَى احْتِمَالِ أَسْرَارِ النُّبُوَّةِ، وَلَمَّا زِيدَتِ الْعُلَمَاءُ فِي عُقُولِهِمْ قَدَرُوا عَلَى احْتِمَالِ أَسْرَارِ مَا عَجَزَتِ الْعَامَّةُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ عُلَمَاءُ الْبَاطِنِ، وَهُمُ الْحُكَمَاءُ زِيدَ فِي عُقُولِهِمْ فَقَدَرُوا عَلَى احْتِمَالِ مَا عَجَزَتْ عَنْهُ عُلَمَاءُ الظَّاهِرِ. وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ فَقَالَ: سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَطْلُبُوهُ، وَرَوَى أَبُو ظَبْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عَجَزَتِ الْعُلَمَاءُ عَنْ إِدْرَاكِهَا، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: هُوَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنْكَرُوا هَذَا الْقَوْلَ، وَقَالُوا لَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَكُونُ مَفْهُومًا لِلْخَلْقِ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ وَالْمَعْقُولِ. حجج المتكلمين بالآيات: أَمَّا الْآيَاتُ فَأَرْبَعَةَ عَشَرَ. أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [مُحَمَّدٍ: 24] أَمَرَهُمْ بِالتَّدَبُّرِ فِي الْقُرْآنِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَفْهُومٍ فَكَيْفَ يَأْمُرُهُمْ بِالتَّدَبُّرِ فِيهِ وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النِّسَاءِ: 82] فَكَيْفَ يَأْمُرُهُمْ بِالتَّدَبُّرِ فِيهِ لِمَعْرِفَةِ نَفْيِ التَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ لِلْخَلْقِ وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشُّعَرَاءِ: 192- 195] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَفْهُومًا بَطَلَ كَوْنُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم
مُنْذِرًا بِهِ، وَأَيْضًا قَوْلُهُ: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَازِلٌ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَإِذَا/ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَفْهُومًا. ورابعها: قوله: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83] وَالِاسْتِنْبَاطُ مِنْهُ لَا يُمْكِنُ إِلَّا مَعَ الْإِحَاطَةِ بِمَعْنَاهُ وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُ: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النَّحْلِ: 89] وَقَوْلُهُ: مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الْأَنْعَامِ: 38] وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ: هُدىً لِلنَّاسِ [الْبَقَرَةِ: 185] ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [الْبَقَرَةِ: 2] وَغَيْرُ الْمَعْلُومِ لَا يَكُونُ هُدًى وَسَابِعُهَا: قَوْلُهُ: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [الْقَمَرِ: 5] وَقَوْلُهُ: وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يُونُسَ: 57] وَكُلُّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تَحْصُلُ فِي غَيْرِ الْمَعْلُومِ وَثَامِنُهَا: قَوْلُهُ: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [الْمَائِدَةِ: 15] وَتَاسِعُهَا: قَوْلُهُ: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الْعَنْكَبُوتِ: 51] وَكَيْفَ يَكُونُ الْكِتَابُ كَافِيًا وَكَيْفَ يَكُونُ ذِكْرَى مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ؟ وَعَاشِرُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ بَلَاغًا، وَكَيْفَ يَقَعُ الْإِنْذَارُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ؟ وَقَالَ فِي آخِرِ الآية وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [إِبْرَاهِيمَ: 52] وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْلُومًا الْحَادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النِّسَاءِ: 174] فَكَيْفَ يَكُونُ بُرْهَانًا وَنُورًا مُبِينًا مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ؟ الثَّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه: 123، 124] فَكَيْفَ يُمْكِنُ اتِّبَاعُهُ وَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ؟ الثَّالِثَ عَشَرَ: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الْإِسْرَاءِ: 9] فَكَيْفَ يَكُونُ هَادِيًا مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ؟ الرَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: آمَنَ الرَّسُولُ- إِلَى قَوْلِهِ سَمِعْنا وَأَطَعْنا [الْبَقَرَةِ: 285] وَالطَّاعَةُ لَا تُمْكِنُ إِلَّا بَعْدَ الْفَهْمِ فَوَجَبَ كون القرآن مفهوماً. الاحتجاج بالأخبار: وَأَمَّا الْأَخْبَارُ: فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ؟ وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بالهزل، من تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ خَاصَمَ بِهِ فَلَجَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مستقيم. الاحتجاج بالمعقول: أَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ شَيْءٌ لَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ لَكَانَتِ الْمُخَاطَبَةُ بِهِ تَجْرِي مَجْرَى مُخَاطَبَةِ الْعَرَبِيِّ بِاللُّغَةِ الزَّنْجِيَّةِ، وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ ذَاكَ فَكَذَا هَذَا وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْكَلَامِ الْإِفْهَامُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَفْهُومًا لَكَانَتِ الْمُخَاطَبَةُ بِهِ عَبَثًا وَسَفَهًا، وَأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالْحَكِيمِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ التَّحَدِّيَ وَقَعَ بِالْقُرْآنِ وَمَا لَا يَكُونُ مَعْلُومًا لَا يَجُوزُ وُقُوعُ التَّحَدِّي بِهِ، فَهَذَا مَجْمُوعُ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَاحْتَجَّ مُخَالِفُوهُمْ بِالْآيَةِ، وَالْخَبَرِ، والمعقول. احتجاج مخالفي المتكلمين بالآيات: أَمَّا الْآيَةُ فَهُوَ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
والوقف هاهنا وَاجِبٌ لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آلِ عِمْرَانَ: 7] لَوْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: إِلَّا اللَّهُ لَبَقِيَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ مُنْقَطِعًا عَنْهُ وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ وَحْدَهُ لَا يُفِيدُ، لَا يُقَالُ إِنَّهُ حَالٌ، / لِأَنَّا نَقُولُ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ إِلَى كُلِّ مَا تَقَدَّمَ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَائِلًا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَهَذَا كُفْرٌ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ لَوْ كَانُوا عَالِمِينَ بِتَأْوِيلِهِ لَمَا كَانَ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَجْهٌ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوهُ بِالدَّلَالَةِ لَمْ يَكُنِ الْإِيمَانُ بِهِ إِلَّا كَالْإِيمَانِ بِالْمُحْكَمِ، فَلَا يَكُونُ فِي الْإِيمَانِ بِهِ مَزِيدُ مَدْحٍ وَثَالِثُهَا: أَنَّ تَأْوِيلَهَا لَوْ كَانَ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ لَمَا كَانَ طَلَبُ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ ذَمًّا، لَكِنْ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَمًّا حَيْثُ قَالَ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: 7] . احتجاجهم بالخبر: وَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَدْ رَوَيْنَا فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَبَرًا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِنَا، وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ كَهَيْئَةِ الْمَكْنُونِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا الْعُلَمَاءُ بِاللَّهِ، فَإِذَا نَطَقُوا بِهِ أَنْكَرَهُ أَهْلُ الْغِرَّةِ بِاللَّهِ» وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ هَذِهِ الْفَوَاتِحَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ مَرْوِيٌّ عَنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَقًّا، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» . احتجاجهم بالمعقول: وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي كُلِّفْنَا بِهَا قِسْمَانِ. مِنْهَا مَا نَعْرِفُ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِيهَا عَلَى الْجُمْلَةِ بِعُقُولِنَا: كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَوَاضُعٌ مَحْضٌ وَتَضَرُّعٌ لِلْخَالِقِ، وَالزَّكَاةَ سَعْيٌ فِي دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، وَالصَّوْمَ سَعْيٌ فِي كَسْرِ الشَّهْوَةِ. وَمِنْهَا مَا لَا نَعْرِفُ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِيهِ: كَأَفْعَالِ الْحَجِّ فَإِنَّنَا لَا نَعْرِفُ بِعُقُولِنَا وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِي رَمْيِ الْجَمَرَاتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالرَّمَلِ، وَالِاضْطِبَاعِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ كَمَا يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَهُ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ فَكَذَا يَحْسُنُ الْأَمْرُ مِنْهُ بِالنَّوْعِ الثَّانِي، لِأَنَّ الطَّاعَةَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ لَا تَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الِانْقِيَادِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَأْمُورَ إِنَّمَا أَتَى بِهِ لَمَّا عَرَفَ بِعَقْلِهِ مِنْ وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ، أَمَّا الطَّاعَةُ فِي النَّوْعِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الِانْقِيَادِ وَنِهَايَةِ التَّسْلِيمِ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَعْرِفْ فِيهِ وَجْهَ مَصْلَحَةٍ الْبَتَّةَ لَمْ يَكُنْ إِتْيَانُهُ بِهِ إِلَّا لِمَحْضِ الِانْقِيَادِ وَالتَّسْلِيمِ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي الْأَقْوَالِ؟ وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَنَا اللَّهُ تَعَالَى تَارَةً أَنْ نَتَكَلَّمَ بِمَا نَقِفُ عَلَى مَعْنَاهُ، وَتَارَةً بِمَا لَا نَقِفُ عَلَى مَعْنَاهُ، وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ ظُهُورَ الِانْقِيَادِ وَالتَّسْلِيمِ مِنَ الْمَأْمُورِ لِلْآمِرِ، بَلْ فِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى الْمَعْنَى وَأَحَاطَ بِهِ سَقَطَ وَقْعُهُ عَنِ الْقَلْبِ، وَإِذَا لَمْ يَقِفْ عَلَى الْمَقْصُودِ مَعَ قَطْعِهِ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ فَإِنَّهُ يَبْقَى قَلْبُهُ ملتفتاً إِلَيْهِ أَبَدًا، وَمُتَفَكِّرًا فِيهِ أَبَدًا، وَلُبَابُ التَّكْلِيفِ إِشْغَالُ السِّرِّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّفَكُّرِ فِي كَلَامِهِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ فِي بَقَاءِ الْعَبْدِ مُلْتَفِتَ الذِّهْنِ مُشْتَغِلَ الْخَاطِرِ بِذَلِكَ أَبَدًا مَصْلَحَةً عَظِيمَةً لَهُ، فَيَتَعَبَّدُهُ بِذَلِكَ تَحْصِيلًا لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، فَهَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الفريقين في هذا الباب. هل المراد من الفواتح معلوم: الْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ الْفَوَاتِحِ مَعْلُومٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَذَكَرُوا وُجُوهًا. الْأَوَّلُ: أَنَّهَا أَسْمَاءُ السُّوَرِ، وَهُوَ قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه وقال الْقَفَّالُ: وَقَدْ سَمَّتِ الْعَرَبُ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ
أَشْيَاءَ، فَسَمَّوْا بِلَامٍ وَالِدَ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ الطَّائِيِّ، وَكَقَوْلِهِمْ لِلنُّحَاسِ: صَادٌ، وَلِلنَّقْدِ عَيْنٌ، وَلِلسَّحَابِ غَيْنٌ، وَقَالُوا: جَبَلُ قَافٍ، وَسَمَّوُا الْحُوتَ نُونًا، الثاني: أنها أسماء لله تَعَالَى، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «يَا كهيعص، يَا حم عسق» الثَّالِثُ: أَنَّهَا أَبْعَاضُ/ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَوْلُهُ (الر، حم، ن) مَجْمُوعُهَا هُوَ اسْمُ الرَّحْمَنِ، وَلَكِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى كَيْفِيَّةِ تَرْكِيبِهَا فِي الْبَوَاقِي، الرَّابِعُ: أَنَّهَا أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَالسُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ الْخَامِسُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا دَالٌّ عَلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَةٍ مِنْ صفاته، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي (الم) : الْأَلِفُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَحَدٌ، أَوَّلٌ، آخِرٌ، أَزَلِيٌّ، أَبَدِيٌّ، وَاللَّامُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَطِيفٌ، وَالْمِيمُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مَلِكٌ مَجِيدٌ مَنَّانٌ، وَقَالَ فِي: كهيعص إِنَّهُ ثَنَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ، وَالْكَافُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ كَافِيًا، وَالْهَاءُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ هَادِيًا، وَالْعَيْنُ يَدُلُّ عَلَى الْعَالِمِ، وَالصَّادُ يَدُلُّ عَلَى الصَّادِقِ وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَمَلَ الْكَافَ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْكَرِيمِ، وَالْيَاءَ عَلَى أَنَّهُ يُجِيرُ، وَالْعَيْنَ عَلَى الْعَزِيزِ وَالْعَدْلِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ خَصَّصَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ بَاسِمٍ مُعَيَّنٍ، وَفِي الثَّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ، السَّادِسُ: بَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى أَسْمَاءِ الذَّاتِ، وَبَعْضُهَا عَلَى أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الم أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِي المص أَنَا اللَّهُ أَفْصِلُ، وَفِي الر أَنَا اللَّهُ أَرَى، وَهَذَا رِوَايَةُ أَبِي صَالِحٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ. السَّابِعُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، فَالْأَلِفُ آلَاؤُهُ، وَاللَّامُ لُطْفُهُ، وَالْمِيمُ مَجْدُهُ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: مَا مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا فِي ذِكْرِ آلَائِهِ وَنَعْمَائِهِ. الثَّامِنُ: بَعْضُهَا يَدُلُّ على أسماء لله تَعَالَى وَبَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى أَسْمَاءِ غَيْرِ اللَّهِ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْأَلِفُ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّامُ مِنْ جِبْرِيلَ، وَالْمِيمُ مِنْ مُحَمَّدٍ، أَيْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْكِتَابَ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، التَّاسِعُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ يَدُلُّ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ، فَالْأَلِفُ مَعْنَاهُ أَلِفَ اللَّهُ مُحَمَّدًا فَبَعَثَهُ نَبِيًّا، وَاللَّامُ أَيْ لَامَهُ الْجَاحِدُونَ، وَالْمِيمُ أَيْ مِيمَ الْكَافِرُونَ غِيظُوا وَكُبِتُوا بِظُهُورِ الْحَقِّ. وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: الْأَلِفُ مَعْنَاهُ أَنَا، وَاللَّامُ مَعْنَاهُ لِي، وَالْمِيمُ مَعْنَاهُ مِنِّي، الْعَاشِرُ: مَا قَالَهُ الْمُبَرِّدُ وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَهَا احْتِجَاجًا عَلَى الْكُفَّارِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَحَدَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ الْقُرْآنِ، أَوْ بِعَشْرِ سُوَرٍ، أَوْ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَجَزُوا عَنْهُ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ، وَأَنْتُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا، وَعَارِفُونَ بِقَوَانِينِ الْفَصَاحَةِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ، فَلَمَّا عَجَزْتُمْ عَنْهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا مِنَ الْبَشَرِ، الْحَادِيَ عَشَرَ: قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَهَا لِأَنَّ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: اسْمَعُوهَا مُقَطَّعَةً حَتَّى إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْكُمْ مُؤَلَّفَةً كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُوهَا قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الصِّبْيَانَ يَتَعَلَّمُونَ هَذِهِ الْحُرُوفَ أَوَّلًا مُفْرَدَةً ثُمَّ يَتَعَلَّمُونَ الْمُرَكَّبَاتِ، الثَّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُ ابْنِ رَوْقٍ وَقُطْرُبٍ: إِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا قَالُوا: لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26] وتواصلوا بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَحَبَّ مِنْ صَلَاحِهِمْ وَنَفْعِهِمْ أَنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ مَا لَا يَعْرِفُونَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِسْكَاتِهِمْ وَاسْتِمَاعِهِمْ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْحُرُوفَ فَكَانُوا إِذَا سَمِعُوهَا قَالُوا كَالْمُتَعَجِّبِينَ: اسْمَعُوا إِلَى مَا يَجِيءُ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِذَا أَصْغَوْا هَجَمَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاسْتِمَاعِهِمْ وَطَرِيقًا إِلَى انْتِفَاعِهِمْ، الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ إِنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهَا فِي مُدَّةِ أَقْوَامٍ، وَآجَالِ/ آخَرِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَرَّ أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَتْلُو سُورَةَ البقرة الم ذلِكَ الْكِتابُ، [البقرة: 1، 2] ثُمَّ أَتَى أَخُوهُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ فَسَأَلُوهُ عَنْ الم وَقَالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَحَقٌّ أَنَّهَا أَتَتْكَ مِنَ السَّمَاءِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ كَذَلِكَ نَزَلَتْ» ، فَقَالَ حيي إن
كُنْتَ صَادِقًا إِنِّي لَأَعْلَمُ أَجَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ السِّنِينَ، ثُمَّ قَالَ كَيْفَ نَدْخُلُ فِي دِينِ رَجُلٍ دَلَّتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ بِحِسَابِ الْجُمَلِ عَلَى أَنَّ مُنْتَهَى أَجَلِ أُمَّتِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ حُيَيٌّ فَهَلْ غَيْرُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ المص، فَقَالَ حُيَيٌّ: هَذَا أَكْثَرُ مِنَ الْأَوَّلِ هَذَا مِائَةٌ وَإِحْدَى وَسِتُّونَ سَنَةً، فَهَلْ غَيْرُ هَذَا، قَالَ: نَعَمْ الر، فَقَالَ حُيَيٌّ هَذَا أَكْثَرُ مِنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، فَنَحْنُ نَشْهَدُ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا مَا مَلَكَتْ أُمَّتُكَ إِلَّا مِائَتَيْنِ وَإِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَهَلْ غَيْرُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ المر، قَالَ حُيَيٌّ: فَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنَّا مِنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَا نَدْرِي بِأَيِّ أَقْوَالِكَ نَأْخُذُ. فَقَالَ أَبُو يَاسِرٍ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ عَلَى أَنَّ أَنْبِيَاءَنَا قَدْ أَخْبَرُونَا عَنْ مُلْكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا أَنَّهَا كَمْ تَكُونُ، فَإِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا فِيمَا يَقُولُ إِنِّي لَأُرَاهُ يُسْتَجْمَعُ لَهُ هَذَا كُلُّهُ فَقَامَ الْيَهُودُ، وَقَالُوا اشْتَبَهَ عَلَيْنَا أَمْرُكَ كُلُّهُ، فَلَا نَدْرِي أَبِالْقَلِيلِ نَأْخُذُ أَمْ بِالْكَثِيرِ؟ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ. [آلِ عِمْرَانَ: 7] الرَّابِعَ عَشَرَ: هَذِهِ الْحُرُوفُ تَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ كَلَامٍ وَاسْتِئْنَافِ كَلَامٍ آخَرَ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ ثَعْلَبٍ: إِنَّ الْعَرَبَ إِذَا اسْتَأْنَفَتْ كَلَامًا فَمِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ غَيْرِ الْكَلَامِ الَّذِي يُرِيدُونَ اسْتِئْنَافَهُ، فَيَجْعَلُونَهُ تَنْبِيهًا لِلْمُخَاطَبِينَ عَلَى قَطْعِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَاسْتِئْنَافِ الْكَلَامِ الْجَدِيدِ. الْخَامِسَ عَشَرَ: رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ ثَنَاءٌ أَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، السَّادِسَ عَشَرَ: قَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِالْحُرُوفِ الْمُعْجَمَةِ لِشَرَفِهَا وَفَضْلِهَا وَلِأَنَّهَا مَبَانِي كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ بِالْأَلْسِنَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَمَبَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا، وَأُصُولُ كَلَامِ الْأُمَمِ، بِهَا يَتَعَارَفُونَ وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ وَيُوَحِّدُونَهُ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْبَعْضِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ، هُوَ الْكُلَّ، كَمَا تَقُولُ قَرَأْتُ الْحَمْدَ، وَتُرِيدُ السُّورَةَ بِالْكُلِّيَّةِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: أُقْسِمُ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ إِنَّ هَذَا الْكِتَابَ هُوَ ذَلِكَ الْكِتَابُ الْمُثْبَتُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ التَّكَلُّمَ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَادًا لِكُلِّ أَحَدٍ، إِلَّا أَنَّ كَوْنَهَا مُسَمَّاةً بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنِ اشْتَغَلَ بِالتَّعَلُّمِ وَالِاسْتِفَادَةِ، فَلَمَّا أَخْبَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ سَبْقِ تَعَلُّمٍ وَاسْتِفَادَةٍ كَانَ ذَلِكَ إِخْبَارًا عَنِ الْغَيْبِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرَهَا لِيَكُونَ أَوَّلُ مَا يُسْمَعُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ مُعْجِزَةً دَالَّةً عَلَى صِدْقِهِ. الثَّامِنَ عَشَرَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ التِّبْرِيزِيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ تَقُولُ بِقِدَمِ الْقُرْآنِ فَذَكَرَ هَذِهِ الْحُرُوفَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ مُؤَلَّفٌ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ قَدِيمًا. التَّاسِعَ عَشَرَ: قَالَ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ: الْمُرَادُ مِنْ «الم» أَنَّهُ أَلَمَّ بِكُمْ ذَلِكَ الْكِتَابُ. أَيْ نَزَلَ عَلَيْكُمْ، وَالْإِلْمَامُ الزِّيَارَةُ، وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى ذَلِكَ لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَزَلَ بِهِ نُزُولَ الزَّائِرِ الْعِشْرُونَ: الْأَلِفُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنَ الِاسْتِقَامَةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَهُوَ رِعَايَةُ الشَّرِيعَةِ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ/ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [فُصِّلَتْ: 30] وَاللَّامُ إِشَارَةٌ إِلَى الِانْحِنَاءِ الْحَاصِلِ عِنْدَ الْمُجَاهَدَاتِ، وَهُوَ رِعَايَةُ الطَّرِيقَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [الْعَنْكَبُوتِ: 69] وَالْمِيمُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنْ يَصِيرَ الْعَبْدُ فِي مَقَامِ الْمَحَبَّةِ، كَالدَّائِرَةِ الَّتِي يَكُونُ نِهَايَتُهَا عَيْنَ بِدَايَتِهَا وَبِدَايَتُهَا عَيْنَ نِهَايَتِهَا، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْفَنَاءِ فِي اللَّهِ تَعَالَى بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ مَقَامُ الْحَقِيقَةِ، قَالَ تَعَالَى: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الْأَنْعَامِ: 91] الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: الْأَلِفُ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ، وَاللَّامُ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ، وَهُوَ وَسَطُ الْمَخَارِجِ، وَالْمِيمُ مِنَ الشَّفَةِ، وَهُوَ آخِرُ الْمَخَارِجِ، فَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ أَوَّلَ ذِكْرِ الْعَبْدِ وَوَسَطَهُ وَآخِرَهُ لَيْسَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، عَلَى مَا قَالَ: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات: 50]
كون فواتح السور أسماءها: وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا أَسْمَاءُ السُّوَرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ مَفْهُومَةً، أَوْ تَكُونَ مَفْهُومَةً، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ التَّكَلُّمُ مَعَ الْعَرَبِيِّ بِلُغَةِ الزَّنْجِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْقُرْآنَ أَجْمَعَ بِأَنَّهُ هُدًى وَذَلِكَ يُنَافِي كَوْنَهُ غَيْرَ مَعْلُومٍ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: فَنَقُولُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا جَعْلَهَا أَسْمَاءَ الْأَلْقَابِ، أَوْ أَسْمَاءَ الْمَعَانِي، وَالثَّانِي بَاطِلٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لِهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُفَسِّرُونَ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُهَا عَلَيْهَا، لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى مَا لَا يَكُونُ حَاصِلًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَلِأَنَّ الْمُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً، وَلَيْسَتْ دَلَالَةُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى بَعْضِ مَا ذَكَرُوهُ أَوْلَى مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى الباقي فأما أن يعمل على الكل، وهو معتذر بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّمَا حَمَلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْكُلِّ، أَوْ لَا يُحْمَلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، وَهُوَ الْبَاقِي، وَلَمَّا بَطَلَ هَذَا الْقِسْمُ وجب الحكم بأنها من أسماء الألقاب. جعلها أسماء ألقاب أو معاني: فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، قَوْلُهُ: «لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ التَّكَلُّمُ مَعَ الْعَرَبِيِّ بِلُغَةِ الزَّنْجِ» قُلْنَا: وَلِمَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؟ وَبَيَانُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَكَلَّمَ بِالْمِشْكَاةِ وَهُوَ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ، وَالسِّجِّيلُ وَالْإِسْتَبْرَقُ فَارِسِيَّانِ، قَوْلُهُ: «وَصْفُ الْقُرْآنِ أَجْمَعَ بِأَنَّهُ هُدًى وَبَيَانٌ» قُلْنَا: لَا نِزَاعَ فِي اشْتِمَالِ الْقُرْآنِ عَلَى الْمُجْمَلَاتِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ، فَإِذَا لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ هُدًى وَبَيَانًا فَكَذَا هاهنا، سَلَّمْنَا أَنَّهَا مَفْهُومَةٌ، لَكِنَّ قَوْلَكَ: «إِنِّهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَلْقَابِ أَوْ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَعَانِي» إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُهَا مَوْضُوعَةً لِإِفَادَةِ أَمْرٍ مَا وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى تَكَلَّمَ بِهَا لِحِكْمَةٍ أُخْرَى، مِثْلَ مَا قَالَ قُطْرُبٌ مِنْ أَنَّهُمْ لَمَّا تَوَاضَعُوا فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى أَنْ لَا يَلْتَفِتُوا إِلَى الْقُرْآنِ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِأَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْأَحْرُفِ فِي الِابْتِدَاءِ حَتَّى يَتَعَجَّبُوا عِنْدَ سماعها فيسكتوا، فحينئذ يهجم القرآن على أسمائهم، سَلَّمْنَا أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِأَمْرٍ مَا، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْمَعَانِي؟ قَوْلُهُ: «إِنَّهَا فِي اللُّغَةِ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِشَيْءٍ الْبَتَّةَ» قُلْنَا لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهَا وَحْدَهَا غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِشَيْءٍ، وَلَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا مَعَ الْقَرِينَةِ الْمَخْصُوصَةِ تُفِيدُ مَعْنًى مُعَيَّنًا؟ وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَتَحَدَّاهُمْ بِالْقُرْآنِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَلَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْحُرُوفَ دَلَّتْ قَرِينَةُ الْحَالِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ تَعَالَى مِنْ ذِكْرِهَا أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ إِنَّمَا تَرَكَّبَ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ الَّتِي أَنْتُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا، فَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْبَشَرِ لَوَجَبَ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ حَمْلَ هَذِهِ الْحُرُوفِ عَلَى حِسَابِ الْجُمَلِ عَادَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ النَّاسِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ لَمَّا كَانَتْ أُصُولَ الْكَلَامِ كَانَتْ شَرِيفَةً عَزِيزَةً، فَاللَّهُ تَعَالَى أَقْسَمَ بِهَا كَمَا أَقْسَمَ بِسَائِرِ الْأَشْيَاءِ، وَرَابِعُهَا: أَنَّ الِاكْتِفَاءَ مِنَ الِاسْمِ الْوَاحِدِ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ حُرُوفِهِ عَادَةٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْحُرُوفَ تَنْبِيهًا عَلَى أَسْمَائِهِ تَعَالَى. سَلَّمْنَا دَلِيلَكُمْ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّا وَجَدْنَا السُّوَرَ الْكَثِيرَةَ اتفقت في الم وحم فَالِاشْتِبَاهُ حَاصِلٌ فِيهَا، وَالْمَقْصُودُ مِنِ اسْمِ الْعَلَمِ إزالة الاشتباه.
فَإِنْ قِيلَ: يَشْكُلُ هَذَا بِجَمَاعَةٍ كَثِيرِينَ يُسَمَّوْنَ بِمُحَمَّدٍ، فَإِنَّ الِاشْتِرَاكَ فِيهِ لَا يُنَافِي الْعَلَمِيَّةَ. قُلْنَا: قَوْلُنَا الم لَا يُفِيدُ مَعْنًى الْبَتَّةَ، فَلَوْ جَعَلْنَاهُ عَلَمًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ سِوَى التَّعْيِينِ وَإِزَالَةِ الِاشْتِبَاهِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْغَرَضُ امْتَنَعَ جَعْلُهُ عَلَمًا، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ بِمُحَمَّدٍ، فَإِنَّ فِي التَّسْمِيَةِ بِهِ مَقَاصِدَ أُخْرَى سِوَى التَّعْيِينِ، وَهُوَ التَّبَرُّكُ بِهِ لِكَوْنِهِ اسْمًا لِلرَّسُولِ، وَلِكَوْنِهِ دَالًّا عَلَى صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الشَّرَفِ، فَجَازَ أَنْ يَقْصِدَ التَّسْمِيَةَ بِهِ لِغَرِضٍ آخَرَ مِنْ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ سِوَى التَّعْيِينِ، بِخِلَافِ قَوْلِنَا: الم فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ سِوَى التَّعْيِينِ، فَإِذَا لَمْ يُفِدْ هَذِهِ الْفَائِدَةَ كَانَتِ التَّسْمِيَةُ بِهِ عَبَثًا مَحْضًا. وَثَانِيهَا: لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ أَسْمَاءً لِلسُّوَرِ لَوَجَبَ أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِالتَّوَاتُرِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَيْسَتْ عَلَى قَوَانِينِ أَسْمَاءِ الْعَرَبِ، وَالْأُمُورُ الْعَجِيبَةُ تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا لَا سِيَّمَا فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِإِخْفَائِهِ رَغْبَةٌ أَوْ رَهْبَةٌ، وَلَوْ تَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا لَصَارَ ذَلِكَ مَعْلُومًا بِالتَّوَاتُرِ وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ فِيهِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَسْمَاءِ السُّوَرِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَهُمْ مَا تَجَاوَزُوا مَا سَمَّوْا بِهِ مَجْمُوعَ اسْمَيْنِ نَحْوَ مَعْدِ يَكْرِبَ وَبَعْلَبَكَّ، وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَجْمُوعِ ثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ وَأَرْبَعَةٍ وَخَمْسَةٍ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا أَسْمَاءُ السُّوَرِ خُرُوجٌ عَنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَرَابِعُهَا: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَسْمَاءَ هَذِهِ السُّوَرِ لَوَجَبَ اشْتِهَارُ هَذِهِ السُّوَرِ بِهَا لَا بِسَائِرِ الْأَسْمَاءِ، لَكِنَّهَا إِنَّمَا اشْتَهَرَتْ بِسَائِرِ الْأَسْمَاءِ، كَقَوْلِهِمْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، وَخَامِسُهَا: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ دَاخِلَةٌ فِي السُّورَةِ وَجُزْءٍ مِنْهَا، وَجُزْءُ الشَّيْءِ مُقَدَّمٌ عَلَى الشَّيْءِ بِالرُّتْبَةِ، وَاسْمُ الشَّيْءِ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الشَّيْءِ بِالرُّتْبَةِ، فَلَوْ جَعَلْنَاهَا اسْمًا لِلسُّورَةِ لَزِمَ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ مَعًا، وَهُوَ مُحَالٌ، فَإِنْ قِيلَ: مَجْمُوعُ قَوْلِنَا: «صَادٌ» اسْمٌ لِلْحَرْفِ الْأَوَّلِ مِنْهُ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَكَّبُ اسْمًا لِبَعْضِ مُفْرَدَاتِهِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَعْضُ مُفْرَدَاتِ ذَلِكَ الْمُرَكَّبِ اسْمًا لِذَلِكَ الْمُرَكَّبِ؟ قُلْنَا: الْفَرْقُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْمُرَكَّبَ يَتَأَخَّرُ عَنِ الْمُفْرَدِ، وَالِاسْمُ يَتَأَخَّرُ عَنِ الْمُسَمَّى، فَلَوْ جَعَلْنَا الْمُرَكَّبَ اسْمًا لِلْمُفْرَدِ لَمْ يلزم إلا تأخر ذلك المركب عن ذَلِكَ الْمُفْرَدِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٌ، أَمَّا لَوْ جَعَلْنَا الْمُفْرَدَ اسْمًا لِلْمُرَكَّبِ لَزِمَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُفْرَدٌ كَوْنُهُ مُتَقَدِّمًا وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ اسْمٌ كَوْنُهُ مُتَأَخِّرًا، / وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَسَادِسُهَا: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ لَا تَخْلُوَ سُورَةٌ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ مِنِ اسْمٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ غَيْرُ حَاصِلٍ. الْجَوَابُ: «قَوْلُهُ الْمِشْكَاةُ وَالسِّجِّيلُ لَيْسَتَا مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ» قُلْنَا: عَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَرَبِيٌّ، لَكِنَّهُ مُوَافِقٌ لِسَائِرِ اللُّغَاتِ، وَقَدْ يَتَّفِقُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي اللُّغَتَيْنِ: الثَّانِي: أَنَّ الْمُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَمْ يُوجَدْ أَوَّلًا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، فَلَمَّا عَرَفُوهُ عَرَفُوا مِنْهَا أَسْمَاءَهَا، فَتَكَلَّمُوا بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ، فَصَارَتْ تِلْكَ الْأَلْفَاظُ عَرَبِيَّةً أَيْضًا. قَوْلُهُ: «وُجِدَ أَنَّ الْمُجْمَلَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ بَيَانًا» قُلْنَا: كُلُّ مُجْمَلٍ وُجِدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ وُجِدَ فِي الْعَقْلِ، أَوْ فِي الْكِتَابِ، أَوْ فِي السُّنَّةِ بَيَانُهُ، وَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ، إِنَّمَا الْبَيَانُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ مُرَادِ اللَّهِ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: «لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إِسْكَاتَهُمْ عَنِ الشَّغَبِ؟» قُلْنَا: لَوْ جَازَ ذِكْرُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِهَذَا الْغَرَضِ فَلْيَجُزْ ذِكْرُ سَائِرِ الْهَذَيَانَاتِ لِمِثْلِ هَذَا الْغَرَضِ، وَهُوَ بِالْإِجْمَاعِ بَاطِلٌ. وَأَمَّا سَائِرُ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوهَا فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَنَا: «الم» غَيْرُ مَوْضُوعٍ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لِإِفَادَةِ تِلْكَ الْمَعَانِي، فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِيهِ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَلِأَنَّهَا مُتَعَارِضَةٌ، فَلَيْسَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى بَعْضِهَا أَوْلَى
مِنَ الْبَعْضِ، وَلِأَنَّا لَوْ فَتَحْنَا هَذَا الْبَابَ لَانْفَتَحَتْ أَبْوَابُ تَأْوِيلَاتِ الْبَاطِنِيَّةِ وَسَائِرِ الْهَذَيَانَاتِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ. أَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى: فَهُوَ أَنْ لَا يَبْعُدَ أَنْ يَكُونَ فِي تَسْمِيَةِ السُّوَرِ الْكَثِيرَةِ بِاسْمٍ وَاحِدٍ- ثُمَّ يُمَيَّزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَنِ الْآخَرِ بِعَلَامَةٍ أُخْرَى- حِكْمَةٌ خَفِيَّةٌ. وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ تَسْمِيَةَ السُّورَةِ بِلَفْظَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَيْسَتْ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ، فَجَازَ أَنْ لَا يَبْلُغَ فِي الشُّهْرَةِ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ. وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ التَّسْمِيَةَ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ خُرُوجٌ عَنْ كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا جُعِلَتِ اسْمًا وَاحِدًا عَلَى طَرِيقَةِ «حَضْرَمَوْتَ» فَأَمَّا غَيْرُ مَرَكَّبَةٍ بَلْ صُورَةُ نَثْرِ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ فَذَاكَ جَائِزٌ، فَإِنَّ سِيبَوَيْهِ نَصَّ عَلَى جَوَازِ التَّسْمِيَةِ بِالْجُمْلَةِ، وَالْبَيْتِ مِنَ الشِّعْرِ، وَالتَّسْمِيَةِ بِطَائِفَةٍ مِنْ أَسْمَاءِ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ. وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ لَا يَبْعُدَ أَنْ يَصِيرَ اللَّقَبُ أَكْثَرَ شُهْرَةً من الاسم الأصلي فكذا هاهنا. وَعَنِ الْخَامِسِ: أَنَّ الِاسْمَ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى زَمَانِهِ الْمُعَيَّنِ، وَلَفْظُ الِاسْمِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ الِاسْمُ اسْمًا لِنَفْسِهِ، فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جُزْءُ الشَّيْءِ اسْمًا لَهُ. وَعَنِ السَّادِسِ: أَنَّ وَضْعَ الِاسْمِ إِنَّمَا يَكُونُ بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ، وَلَا يَبْعُدَ أَنْ تَقْتَضِيَ الْحِكْمَةُ/ وَضْعَ الِاسْمِ لِبَعْضِ السُّوَرِ دُونَ الْبَعْضِ. عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْحَقَّ: أَنَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، فَهَذَا مُنْتَهَى الْكَلَامِ فِي نُصْرَةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْدَ هَذَا الْمَذْهَبِ الَّذِي نَصَرْنَاهُ بِالْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا قَوْلُ قُطْرُبٍ: مِنْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فُصِّلَتْ: 26] فَكَانَ إِذَا تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَا فَهِمُوا مِنْهَا شَيْئًا، وَالْإِنْسَانُ حَرِيصٌ عَلَى مَا مُنِعَ، فَكَانُوا يُصْغُونَ إِلَى الْقُرْآنِ وَيَتَفَكَّرُونَ وَيَتَدَبَّرُونَ فِي مَقَاطِعِهِ وَمَطَالِعِهِ، رَجَاءَ أَنَّهُ رُبَّمَا جَاءَ كَلَامٌ يُفَسِّرُ ذَلِكَ الْمُبْهَمَ، وَيُوضِحُّ ذَلِكَ الْمُشْكِلَ. فَصَارَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إِلَى أَنْ يَصِيرُوا مُسْتَمِعِينَ لِلْقُرْآنِ وَمُتَدَبِّرِينَ فِي مَطَالِعِهِ وَمَقَاطِعِهِ. وَالَّذِي يُؤَكِّدُ هَذَا الْمَذْهَبَ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ مَا جَاءَتْ إِلَّا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَذَلِكَ يُوهِمُ أَنَّ الْغَرَضَ مَا ذَكَرْنَا وَالثَّانِي: أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا: إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي إِنْزَالِ الْمُتَشَابِهَاتِ هِيَ أَنَّ الْمُعَلِّلَ لَمَّا عَلِمَ اشْتِمَالَ الْقُرْآنِ عَلَى الْمُتَشَابِهَاتِ فَإِنَّهُ يَتَأَمَّلُ الْقُرْآنَ وَيَجْتِهِدُ فِي التَّفَكُّرِ فِيهِ عَلَى رَجَاءِ أَنَّهُ رَبَّمَا وَجَدَ شَيْئًا يُقَوِّي قَوْلَهُ وَيَنْصُرُ مَذْهَبَهُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوفِهِ عَلَى الْمُحْكَمَاتِ الْمُخَلِّصَةِ لَهُ عَنِ الضَّلَالَاتِ، فَإِذَا جَازَ إِنْزَالُ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي تُوهِمُ الضَّلَالَاتِ لِمِثْلِ هَذَا الْغَرَضِ فَلَأَنْ يَجُوزَ إِنْزَالُ هَذِهِ الْحُرُوفِ الَّتِي لَا تُوهِمُ شَيْئًا مِنَ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ لِمِثْلِ هَذَا الْغَرَضِ كَانَ أَوْلَى. أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ جَازَ ذَلِكَ فَلْيَجُزْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالزَّنْجِيَّةِ مَعَ الْعَرَبِيِّ وَأَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْهَذَيَانِ لِهَذَا الْغَرَضِ، وَأَيْضًا فَهَذَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْقُرْآنِ هُدًى وَبَيَانًا، لَكِنَّا نَقُولُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا تَكَلَّمَ بِالزَّنْجِيَّةِ مَعَ الْعَرَبِيِّ- وَكَانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِمِثْلِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ- فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ جَائِزًا؟ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِعْلٌ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَالدَّاعِي إِلَيْهِ قَدْ يَكُونُ هُوَ الْإِفَادَةَ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَهَا، قَوْلُهُ: «إِنَّهُ يَكُونُ هَذَيَانًا» قُلْنَا: إِنْ عَنَيْتَ بِالْهَذَيَانِ الْفِعْلَ الْخَالِيَ عَنِ الْمَصْلَحَةِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنْ عَنَيْتَ بِهِ الْأَلْفَاظَ الْخَالِيَةَ عَنِ الْإِفَادَةِ فَلِمَ قُلْتَ إِنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ فِي الْحِكْمَةِ إِذَا كَانَ فِيهَا وُجُوهٌ
[سورة البقرة (2) : آية 2]
أُخَرُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ سِوَى هَذَا الْوَجْهِ؟ وَأَمَّا وَصْفُ الْقُرْآنِ بِكَوْنِهِ هُدًى وَبَيَانًا فَذَلِكَ لَا يُنَافِي مَا قُلْنَاهُ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْغَرَضُ مَا ذَكَرْنَاهُ كَانَ اسْتِمَاعُهَا مِنْ أَعْظَمِ وُجُوهِ البيان والهدى والله أعلم. القول بأنها أسماء السور: فُرُوعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا أَسْمَاءُ السُّوَرِ: الْأَوَّلُ: هَذِهِ الْأَسْمَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَتَأَتَّى فِيهِ الْإِعْرَابُ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا مُفْرَدًا «كَصَادْ، وَقَافْ، وَنُونْ» أَوْ أَسْمَاءً عِدَّةً مَجْمُوعُهَا عَلَى زِنَةِ مُفْرَدٍ كحم، وطس ويس، فَإِنِّهَا مُوَازِنَةٌ لِقَابِيلَ وَهَابِيلَ، وَأَمَّا طسم فَهُوَ وَإِنْ كان مركباً من ثلاثة أسماء فهو (كدر أبجرد) ، وَهُوَ مِنْ بَابِ مَا لَا يَنْصَرِفُ، لِاجْتِمَاعِ سَبَبَيْنِ فِيهَا وَهُمَا الْعَلَمِيَّةُ وَالتَّأْنِيثُ. وَالثَّانِي: مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْإِعْرَابُ، نَحْوَ كهيعص، والمر، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: أَمَّا الْمُفْرَدَةُ فَفِيهَا قِرَاءَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ صَادْ وَقَافْ وَنُونْ بِالْفَتْحِ، وَهَذِهِ الْحَرَكَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ نَحْوَ: اذْكُرْ، وَإِنَّمَا لَمْ يَصْحَبْهُ التَّنْوِينُ لِامْتِنَاعِ الصَّرْفِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَأَجَازَ/ سِيبَوَيْهِ مِثْلَهُ فِي حم وطس ويس لَوْ قُرِئَ بِهِ، وَحَكَى السِّيرَافِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَرَأَ «يس» بِفَتْحِ النُّونِ، وَأَنْ يَكُونَ الْفَتْحُ جَرًّا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَدِّرَهَا مَجْرُورَةً بِإِضْمَارِ الْبَاءِ الْقَسَمِيَّةِ، فَقَدْ جَاءَ عَنْهُمْ: «اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ» غَيْرَ أَنَّهَا فُتِحَتْ فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ، وَيَتَأَكَّدُ هَذَا بِمَا رُوِّينَا عَنْ بَعْضِهِمْ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ» ، وثانيتها: قِرَاءَةُ بَعْضِهِمْ صَادْ بِالْكَسْرِ. وَسَبَبُهُ التَّحْرِيكُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي- وَهُوَ مَا لَا يَتَأَتَّى الْإِعْرَابُ فِيهِ- فَهُوَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْكِيًّا، وَمَعْنَاهُ أَنْ يُجَاءَ بِالْقَوْلِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَلَى اسْتِبْقَاءِ صُورَتِهِ الْأُولَى كَقَوْلِكَ: «دَعْنِي مِنْ تَمْرَتَانِ» . الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْرَدَ فِي هَذِهِ الْفَوَاتِحِ نِصْفَ أَسَامِي حُرُوفِ الْمُعْجَمِ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَوَاءً، وَهِيَ: الْأَلِفُ، وَاللَّامُ، وَالْمِيمُ، وَالصَّادُ، وَالرَّاءُ، وَالْكَافُ، وَالْهَاءُ، وَالْيَاءُ، وَالْعَيْنُ وَالطَّاءُ، وَالسِّينُ، وَالْحَاءُ، وَالْقَافُ، وَالنُّونُ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ سُورَةً. الثَّالِثُ: هَذِهِ الْفَوَاتِحُ جَاءَتْ مُخْتَلِفَةَ الْأَعْدَادِ، فَوَرَدَتْ «ص ق ن» عَلَى حَرْفٍ، وَ «طه وطس ويس وحم» عَلَى حَرْفَيْنِ، وَ «الم والر وطسم» عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ، وَالمص وَالمر على أربعة أحرف، و «كهيعص وحم عسق» عَلَى خَمْسَةِ أَحْرُفٍ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ أَبْنِيَةَ كَلِمَاتِهِمْ عَلَى حَرْفٍ وَحَرْفَيْنِ إِلَى خَمْسَةِ أحرف فقط فكذا هاهنا. الرَّابِعُ: هَلْ لِهَذِهِ الْفَوَاتِحِ مَحَلٌّ مِنَ الْإِعْرَابِ أَمْ لَا؟ فَنَقُولُ: إِنْ جَعَلْنَاهَا أَسْمَاءً لِلسُّوَرِ فَنَعَمْ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ، أَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى الِابْتِدَاءِ، وَأَمَّا النَّصْبُ وَالْجَرُّ فَلِمَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ الْقَسَمِ بِهَا، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا أَسْمَاءً لِلسُّورِ لَمْ يَتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَحَلٌّ عَلَى قَوْلِهِ، كَمَا لَا مَحَلَّ لِلْجُمَلِ المبتدأة وللمفردات المعدودة. الإشارة في «ذلك الكتاب» : [سورة البقرة (2) : آية 2] ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ الْكِتابُ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: المشار إليه هاهنا حَاضِرٌ، وَ «ذَلِكَ» اسْمٌ مُبْهَمٌ يُشَارُ بِهِ إِلَى الْبَعِيدِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ حَاضِرٌ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: مَا قَالَهُ الْأَصَمُّ:
وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْكِتَابَ بَعْضَهُ بَعْدَ بَعْضٍ، فَنَزَلَ قَبْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ سُوَرٌ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ كُلُّ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ مِمَّا فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَفَسَادِ الشِّرْكِ وَإِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ وَإِثْبَاتِ الْمَعَادِ، فَقَوْلُهُ: ذلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى تِلْكَ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، وَقَدْ يُسَمَّى بَعْضُ الْقُرْآنِ قُرْآنًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الْأَعْرَافِ: 204] وَقَالَ حَاكِيًا عَنِ الْجِنِّ إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً [الْجِنِّ: 1] وَقَوْلُهُ: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى [الْأَحْقَافِ: 30] وَهُمْ مَا سَمِعُوا إِلَّا الْبَعْضَ، وَهُو الَّذِي كَانَ قَدْ نَزَلَ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى وَعَدَ رَسُولَهُ عِنْدَ مَبْعَثِهِ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِ كِتَابًا لَا يَمْحُوهُ الْمَاحِي، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَ أُمَّتَهُ بِذَلِكَ وَرَوَتِ الْأُمَّةُ ذَلِكَ عَنْهُ، / وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [الْمُزَّمِّلِ: 5] وَهَذَا فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ، وَهِيَ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي ابْتِدَاءِ الْمَبْعَثِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى خَاطَبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ، وَأَكْثَرُهَا احْتِجَاجٌ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَخْبَرَهُمْ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُنْزِلُ عَلَيْهِ كِتَابًا فَقَالَ تَعَالَى: ذلِكَ الْكِتابُ أَيِ الْكِتَابُ الَّذِي أَخْبَرَ الْأَنْبِيَاءُ الْمُتَقَدِّمُونَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُنْزِلُهُ عَلَى النَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ عَنِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا [الزُّخْرُفِ: 4] وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَ أُمَّتَهُ بِذَلِكَ، فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يَقُولَ تَعَالَى: ذلِكَ الْكِتابُ لِيُعْلِمَ أَنَّ هَذَا الْمُنَزَّلَ هُوَ ذَلِكَ الْكِتَابُ الْمُثْبَتُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى «الم» بَعْدَ مَا سَبَقَ التَّكَلُّمُ بِهِ وَانْقَضَى، وَالْمُنْقَضِي فِي حُكْمِ الْمُتَبَاعَدِ، وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ مِنَ الْمُرْسِلِ إِلَى الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ وَقَعَ فِي حَدِّ الْبُعْدِ، كَمَا تَقُولُ لِصَاحِبِكَ- وَقَدْ أَعْطَيْتَهُ شَيْئًا- احْتَفِظْ بِذَلِكَ. وَسَابِعُهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ لَمَّا اشْتَمَلَ عَلَى حِكَمٍ عَظِيمَةٍ وَعُلُومٍ كَثِيرَةٍ يَتَعَسَّرُ اطِّلَاعُ الْقُوَّةِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَيْهَا بِأَسْرِهَا- وَالْقُرْآنُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا نَظَرًا إِلَى صُورَتِهِ لَكِنَّهُ غَائِبٌ نَظَرًا إِلَى أَسْرَارِهِ وَحَقَائِقِهِ- فَجَازَ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ كَمَا يُشَارُ إِلَى البعيد الغائب. «ذلك» يشار بها للقريب والبعيد: الْمَقَامُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ حَاضِرٌ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ لَفْظَةَ «ذَلِكَ» لَا يُشَارُ بِهَا إِلَّا إِلَى الْبَعِيدِ، بَيَانُهُ أَنَّ ذَلِكَ، وَهَذَا حَرْفَا إِشَارَةٍ، وَأَصْلُهُمَا «ذَا» ، لِأَنَّهُ حَرْفٌ لِلْإِشَارَةِ، قَالَ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [الْبَقَرَةِ: 245] وَمَعْنَى «هَا» تَنْبِيهٌ، فَإِذَا قَرُبَ الشَّيْءُ أُشِيرَ إِلَيْهِ فَقِيلَ: هَذَا، أَيْ تَنَبَّهْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ لِمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ حَاضِرٌ لَكَ بِحَيْثُ تَرَاهُ، وَقَدْ تَدْخُلُ الْكَافُ عَلَى «ذَا» لِلْمُخَاطَبَةِ وَاللَّامُ لِتَأْكِيدِ مَعْنَى الْإِشَارَةِ فَقِيلَ: «ذَلِكَ» فَكَأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بَالِغٌ فِي التَّنْبِيهِ لِتَأَخُّرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ عَنْهُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ ذَلِكَ لَا تُفِيدُ الْبُعْدَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، بَلِ اخْتُصَّ فِي الْعُرْفِ بِالْإِشَارَةِ إِلَى الْبَعِيدِ لِلْقَرِينَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، فَصَارَتْ كَالدَّابَّةِ، فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ فِي الْعُرْفِ بِالْفَرَسِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ مُتَنَاوِلَةً لِكُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فنقول: إنا نحمله هاهنا عَلَى مُقْتَضَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، لَا عَلَى مُقْتَضَى الْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ، وَحِينَئِذٍ لَا يُفِيدُ الْبُعْدَ، وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمُقَارَبَةِ يُقَامُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ قَالَ تَعَالَى: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ- إِلَى قَوْلِهِ- وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ [ص: 45- 48] ثم قال: هذا ذِكْرُ [الأنبياء: 24] وَقَالَ: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ [ص: 52، 53] وَقَالَ: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: 19] وَقَالَ: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى [النَّازِعَاتِ: 25، 26] وَقَالَ: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 105] ثُمَّ قَالَ: إِنَّ
فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: 106] وَقَالَ: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى [الْبَقَرَةِ: 73] أَيْ هَكَذَا يُحْيِي اللَّهُ الموتى، وقال: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [طه: 17] أَيْ مَا هَذِهِ الَّتِي بِيَمِينِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ ذَكَّرَ اسْمَ الْإِشَارَةِ وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ مُؤَنَّثٌ، وَهُوَ السُّورَةُ، / الْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ مُؤَنَّثٌ، لِأَنَّ الْمُؤَنَّثَ إِمَّا الْمُسَمَّى أَوِ الِاسْمُ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْمُسَمَّى هُوَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُؤَنَّثٍ، وَأَمَّا الِاسْمُ فَهُوَ (الم) وَهُوَ لَيْسَ بِمُؤَنَّثٍ، نَعَمْ ذَلِكَ الْمُسَمَّى لَهُ اسْمٌ آخَرُ- وَهُوَ السُّورَةُ- وَهُوَ مُؤَنَّثٌ، لَكِنَّ الْمَذْكُورَ السَّابِقَ هُوَ الِاسْمُ الَّذِي لَيْسَ بِمُؤَنَّثٍ وَهُوَ (الم) ، لَا الَّذِي هُوَ مؤنث وهو السورة. مدلول لفظ «كتاب» : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أَنَّ أَسْمَاءَ الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ: أَحَدُهَا: الْكِتَابُ وَهُوَ مَصْدَرٌ كَالْقِيَامِ وَالصِّيَامِ وَقِيلَ: فِعَالٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ كَاللِّبَاسِ بِمَعْنَى الْمَلْبُوسِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْكِتَابِ الْقُرْآنُ قَالَ: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ [ص: 29] وَالْكِتَابُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْفَرْضُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [الْبَقَرَةِ: 178] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [الْبَقَرَةِ: 183] إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [النِّسَاءِ: 103] وَثَانِيهَا: الْحُجَّةُ وَالْبُرْهَانُ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الصَّافَّاتِ: 157] أَيْ بُرْهَانِكُمْ. وَثَالِثُهَا: الْأَجَلُ وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ [الْحِجْرِ: 4] أَيْ أَجَلٌ. وَرَابِعُهَا: بِمَعْنَى مُكَاتَبَةِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النُّورِ: 33] وَهَذَا الْمَصْدَرُ فِعَالٌ بِمَعْنَى الْمُفَاعَلَةِ كَالْجِدَالِ وَالْخِصَامِ وَالْقِتَالِ بِمَعْنَى الْمُجَادَلَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ، وَاشْتِقَاقُ الكتاب مِنْ كَتَبْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَمَعْتَهُ، وَسُمِّيَتِ الْكَتِيبَةُ لِاجْتِمَاعِهَا، فَسُمِّيَ الْكِتَابُ كِتَابًا لِأَنَّهُ كَالْكَتِيبَةِ عَلَى عَسَاكِرِ الشُّبُهَاتِ، أَوْ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ الْعُلُومِ، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْزَمَ فِيهِ التكاليف على الخلق. اشتقاق لفظ «قرآن» : وَثَانِيهَا: الْقُرْآنُ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ [الْإِسْرَاءِ: 88] إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [الزُّخْرُفِ: 3] شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [الْبَقَرَةِ: 185] . إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الْإِسْرَاءِ: 9] وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْقُرْآنَ وَالْقِرَاءَةَ وَاحِدٌ، كَالْخُسْرَانِ وَالْخَسَارَةِ وَاحِدٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [الْقِيَامَةِ: 18] أَيْ تِلَاوَتَهُ، أَيْ إِذَا تَلَوْنَاهُ عَلَيْكَ فَاتَّبِعْ تِلَاوَتَهُ: الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَرَأْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ إِذَا جَمَعْتَهُ، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: سُمِّيَ الْقُرْآنُ قُرْآنًا لِأَنَّ الْحُرُوفَ جُمِعَتْ فَصَارَتْ كَلِمَاتٍ، وَالْكَلِمَاتُ جُمِعَتْ فَصَارَتْ آيَاتٍ، وَالْآيَاتُ جُمِعَتْ فَصَارَتْ سُوَرًا، وَالسُّوَرُ جُمِعَتْ فَصَارَتْ قُرْآنًا، ثُمَّ جُمِعَ فِيهِ عُلُومُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ اشْتِقَاقَ لَفْظِ الْقُرْآنِ إِمَّا مِنَ التِّلَاوَةِ أَوْ مِنَ الجمعية. معنى الفرقان: وَثَالِثُهَا: الْفُرْقَانُ: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [الْفُرْقَانِ: 1] . وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
[الْبَقَرَةِ: 185] وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ، فَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ نُزُولَهُ كَانَ مُتَفَرِّقًا أَنْزَلَهُ فِي نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الْإِسْرَاءِ: 106] وَنَزَلَتْ سَائِرُ الْكُتُبِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَوَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيهِ ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [الْفُرْقَانِ: 32] وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ، وَالْمُحْكَمِ وَالْمُؤَوَّلِ، وَقِيلَ: الْفُرْقَانُ هُوَ النَّجَاةُ، وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخَلْقَ فِي ظُلُمَاتِ الضَّلَالَاتِ فَبِالْقُرْآنِ وَجَدُوا النَّجَاةَ، / وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْمُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة: 53] . معنى تسميته بالذكر: ورابعها: الذكر، والتذكرة، والذكرى، أما الذكر فقوله: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ [الْأَنْبِيَاءِ: 50] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الْحِجْرِ: 9] . وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزُّخْرُفِ: 44] وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذَكَّرَ بِهِ عِبَادَهُ فَعَرَّفَهُمْ تَكَالِيفَهُ وَأَوَامِرَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ ذِكْرٌ وَشَرَفٌ وَفَخْرٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ، وَأَنَّهُ شَرَفٌ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأُمَّتِهِ، وَأَمَّا التَّذْكِرَةُ فَقَوْلُهُ: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [الْحَاقَّةِ: 48] وَأَمَّا الذِّكْرَى فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55] . تسميته تنزيلًا وحديثاً: وَخَامِسُهَا: التَّنْزِيلُ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشُّعَرَاءِ: 192- 193] . وَسَادِسُهَا: الْحَدِيثُ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً [الزُّمَرِ: 23] سَمَّاهُ حَدِيثًا، لِأَنَّ وُصُولَهُ إِلَيْكَ حَدِيثٌ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى شَبَّهَهُ بِمَا يُتَحَدَّثُ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ خَاطَبَ بِهِ المكلفين. وسابعها: الموعظة يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [يُونُسَ: 57] وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَوْعِظَةٌ لِأَنَّ الْقَائِلَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْآخِذُ جِبْرِيلُ، وَالْمُسْتَمْلِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَيْفَ لَا تَقَعُ بِهِ الموعظة. تسميته بالحكم والحكمة: وَثَامِنُهَا: الْحُكْمُ، وَالْحِكْمَةُ، وَالْحَكِيمُ، وَالْمُحْكَمُ، أَمَّا الْحُكْمُ فَقَوْلُهُ: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا [الرَّعْدِ: 37] وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فَقَوْلُهُ: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ [الْقَمَرِ: 5] وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الْأَحْزَابِ: 34] وَأَمَّا الْحَكِيمُ فَقَوْلُهُ: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس: 1، 2] وَأَمَّا الْمُحْكَمُ فَقَوْلُهُ: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [هود: 1] . معنى الحكمة: وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْحِكْمَةِ، فَقَالَ الْخَلِيلُ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِحْكَامِ وَالْإِلْزَامِ، وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ حِكْمَةِ اللِّجَامِ، لِأَنَّهَا تَضْبِطُ الدَّابَّةِ، وَالْحِكْمَةُ تَمْنَعُ مِنَ السَّفَهِ. وَتَاسِعُهَا: الشِّفَاءُ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: 82] وقوله: وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شِفَاءٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ مَرَضِ الْكُفْرِ، لِأَنَّهُ تعالى
وَصَفَ الْكُفْرَ وَالشَّكَّ بِالْمَرَضِ، فَقَالَ: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الْبَقَرَةِ: 10] وَبِالْقُرْآنِ يَزُولُ كُلُّ شَكٍّ عَنِ القلب، فصح وصفه بأنه شفاء. كونه هدى وهادياً: وَعَاشِرُهَا: الْهُدَى، وَالْهَادِي: أَمَّا الْهُدَى فَلِقَوْلِهِ: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] . هُدىً لِلنَّاسِ [آل عمران: 4، الأنعام: 91] . وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يُونُسَ: 57] وَأَمَّا الْهَادِي إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الْإِسْرَاءِ: 9] وَقَالَتِ الْجِنُّ: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [الْجِنِّ: 1، 2] . الْحَادِيَ عَشَرَ: الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهِ: إِنَّهُ الْقُرْآنُ، وَقَالَ: وَأَنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ. وَالثَّانِيَ عَشَرَ: الْحَبْلُ: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً [آلِ عِمْرَانَ: 103] فِي التَّفْسِيرِ: إِنَّهُ الْقُرْآنُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْمُعْتَصِمَ بِهِ فِي أُمُورِ دِينِهِ يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ عُقُوبَةِ الْآخِرَةِ وَنَكَالِ الدُّنْيَا، كَمَا أَنَّ الْمُتَمَسِّكَ بِالْحَبْلِ يَنْجُو مِنَ الْغَرَقِ وَالْمَهَالِكِ، وَمِنْ ذَلِكَ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِصْمَةً فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ/ عِصْمَةٌ لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ» لِأَنَّهُ يَعْصِمُ النَّاسَ مِنَ الْمَعَاصِي. الثَّالِثَ عَشَرَ: الرَّحْمَةُ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الْإِسْرَاءِ: 88] وَأَيُّ رَحْمَةٍ فَوْقَ التَّخْلِيصِ مِنَ الْجَهَالَاتِ والضلالات. تسميته بالروح: الرَّابِعَ عَشَرَ: الرُّوحُ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشُّورَى: 52] . يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [النَّحْلِ: 2] وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِحَيَاةِ الْأَرْوَاحِ، وَسُمِّيَ جِبْرِيلُ بِالرُّوحِ فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا [مَرْيَمَ: 17] وَعِيسَى بِالرُّوحِ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النِّسَاءِ: 171] . الْخَامِسَ عَشَرَ: الْقَصَصُ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يُوسُفَ: 3] سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [الْقَصَصِ: 11] أَيِ اتَّبِعِي أَثَرَهُ، أَوْ لِأَنَّ الْقُرْآنَ يَتَتَبَّعُ قصص المتقدمين، ومنه قوله تعلى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آلِ عِمْرَانَ: 62] . السَّادِسَ عَشَرَ: الْبَيَانُ، وَالتِّبْيَانُ، وَالْمُبِينُ: أَمَّا الْبَيَانُ فَقَوْلُهُ: هَذَا بَيانٌ لِلنَّاسِ [آلِ عِمْرَانَ: 138] وَالتِّبْيَانُ فَهُوَ قَوْلُهُ: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النَّحْلِ: 89] وَأَمَّا الْمُبِينُ فَقَوْلُهُ: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ [يُوسُفَ: 1] . السَّابِعَ عَشَرَ: الْبَصَائِرُ هَذَا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ [الْأَعْرَافِ: 203] أَيْ هِيَ أَدِلَّةٌ يُبْصَرُ بِهَا الْحَقُّ تَشْبِيهًا بِالْبَصَرِ الَّذِي يَرَى طَرِيقَ الْخَلَاصِ. الثَّامِنَ عَشَرَ: الْفَصْلُ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ [الطَّارِقِ: 13، 14] وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ مَعْنَاهُ الْقَضَاءُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْضِي بِهِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ قِيلَ لِأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْدِي قَوْمًا إِلَى الْجَنَّةِ وَيَسُوقُ آخَرِينَ إِلَى النَّارِ، فَمَنْ جَعَلَهُ إِمَامَهُ فِي الدُّنْيَا قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ جعله وراءه ساقه إلى النار.
تسميته بالنجوم: التَّاسِعَ عَشَرَ: النُّجُومُ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [الْوَاقِعَةِ: 75] وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [النَّجْمِ: 1] لِأَنَّهُ نَزَلَ نَجْمًا نَجْمًا. الْعِشْرُونَ: الْمَثَانِي: مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزُّمَرِ: 23] قِيلَ لِأَنَّهُ ثني فيه القصص والأخبار. تسميه القرآن نعمة وبرهانا: الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: النِّعْمَةُ: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضُّحَى: 11] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَعْنِي بِهِ الْقُرْآنَ. الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: الْبُرْهَانُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ [النِّسَاءِ: 174] وَكَيْفَ لَا يَكُونُ بُرْهَانًا وَقَدْ عَجَزَتِ الْفُصَحَاءُ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ. الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: الْبَشِيرُ وَالنَّذِيرُ، وَبِهَذَا الِاسْمِ وَقَعَتِ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ الرسل: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [النساء: 165، الأنعام: 48] وَقَالَ فِي صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً [الْفَتْحِ: 8] وَقَالَ فِي صِفَةِ الْقُرْآنِ فِي حم السَّجْدَةِ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ [فُصِّلَتْ: 4] يَعْنِي مُبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَ وَبِالنَّارِ مُنْذِرًا لِمَنْ عَصَى، ومن هاهنا نَذْكُرُ الْأَسْمَاءَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ القرآن. تسميته قيماً: الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْقَيِّمُ قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً [الْكَهْفِ: 2] وَالدِّينُ أَيْضًا قَيِّمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التَّوْبَةِ: 36] وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْقَيُّومُ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255، آل عمران: 2] وَإِنَّمَا سُمِّيَ قَيِّمًا لِأَنَّهُ قَائِمٌ بِذَاتِهِ فِي الْبَيَانِ وَالْإِفَادَةِ. الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: الْمُهَيْمِنُ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [الْمَائِدَةِ: 48] وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَمِينِ، وَإِنَّمَا وُصِفَ بِهِ لِأَنَّهُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْقُرْآنِ أَمِنَ الضَّرَرَ فِي/ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالرَّبُّ الْمُهَيْمِنُ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الْمُهَيْمِنَ عَلَى النَّبِيِّ الْأَمِينِ لِأَجْلِ قَوْمٍ هُمْ أُمَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ كَمَا قَالَ: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [الْبَقَرَةِ: 143] . السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: الْهَادِي إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الْإِسْرَاءِ: 9] وَقَالَ: يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [الْجِنِّ: 2] وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْهَادِي لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الخبر «النور الهادي» . تسميته نوراً: السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: النُّورُ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النُّورِ: 35] وَفِي الْقُرْآنِ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ [الْأَعْرَافِ: 157] يَعْنِي الْقُرْآنَ وَسُمِّيَ الرَّسُولُ نُورًا قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [المائدة: 15] يعني محمد وسمي دينه نوراً يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [الصَّفِّ: 8] وَسُمِّيَ بَيَانُهُ نُورًا
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزُّمَرِ: 22] وَسُمِّيَ التَّوْرَاةُ نُورًا إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [الْمَائِدَةِ: 44] وَسُمِّيَ الْإِنْجِيلُ نُورًا وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ [الْمَائِدَةِ: 46] وَسَمَّى الْإِيمَانَ نُورًا يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [الْحَدِيدِ: 12] . الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: الْحَقُّ: وَرَدَ فِي الْأَسْمَاءِ «الْبَاعِثُ الشَّهِيدُ الْحَقُّ» وَالْقُرْآنُ حَقٌّ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ [الْحَاقَّةِ: 51] فَسَمَّاهُ اللَّهُ حَقًّا، لِأَنَّهُ ضِدُّ الْبَاطِلِ فَيُزِيلُ الْبَاطِلَ كَمَا قَالَ: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [الْأَنْبِيَاءِ: 18] أَيْ ذَاهِبٌ زَائِلٌ. التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْعَزِيزُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشُّعَرَاءِ: 9] وَفِي صِفَةِ الْقُرْآنِ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ [فُصِّلَتْ: 41] وَالنَّبِيُّ عَزِيزٌ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ [التوبة: 128] وَالْأُمَّةُ عَزِيزَةٌ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [الْمُنَافِقُونَ: 8] فَرُبَّ عَزِيزٍ أَنْزَلَ كِتَابًا عَزِيزًا عَلَى نَبِيٍّ عَزِيزٍ لِأُمَّةٍ عَزِيزَةٍ، وَلِلْعَزِيزِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: الْقَاهِرُ، وَالْقُرْآنُ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَهَرَ الْأَعْدَاءَ وَامْتَنَعَ عَلَى مَنْ أَرَادَ مُعَارَضَتَهُ. وَالثَّانِي: أَنْ لا يوجد مثله. تسمية القرآن بالكريم: الثَّلَاثُونَ: الْكَرِيمُ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [الْوَاقِعَةِ: 77] وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّى سَبْعَةَ أَشْيَاءَ بِالْكَرِيمِ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الِانْفِطَارِ: 6] إِذْ لَا جَوَادَ أَجْوَدُ مِنْهُ، وَالْقُرْآنُ بِالْكَرِيمِ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ كِتَابٍ مِنَ الْحِكَمِ وَالْعُلُومِ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ، وَسَمَّى مُوسَى كَرِيمًا وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ [الدُّخَانِ: 17] وَسَمَّى ثَوَابَ الْأَعْمَالِ كَرِيمًا فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [يس: 11] وَسَمَّى عرشه كريماً اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [النَّمْلِ: 26] لِأَنَّهُ مَنْزِلُ الرَّحْمَةِ، وَسَمَّى جِبْرِيلَ كَرِيمًا إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [التكوير: 19] وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ عَزِيزٌ، وَسَمَّى كِتَابَ سُلَيْمَانَ كَرِيمًا إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ [النَّمْلِ: 29] فَهُوَ كِتَابٌ كَرِيمٌ مِنْ رَبٍّ كَرِيمٍ نَزَلَ بِهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ عَلَى نَبِيٍّ كَرِيمٍ لِأَجْلِ أُمَّةٍ كَرِيمَةٍ، فَإِذَا تَمَسَّكُوا بِهِ نَالُوا ثَوَابًا كَرِيمًا. ومن أسمائه «العظيم» : الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: الْعَظِيمُ: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر: 87] اعلم أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّى نَفْسَهُ عَظِيمًا فَقَالَ: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [الْبَقَرَةِ: 255] وَعَرْشَهُ عَظِيمًا وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التَّوْبَةِ: 129] وَكِتَابَهُ عَظِيمًا وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الْحِجْرِ: 87] وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ عَظِيمًا لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [الْمُطَفِّفِينَ: 5، 6] وَالزَّلْزَلَةَ عَظِيمَةً إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الْحَجِّ: 1] وَخُلُقَ الرَّسُولِ عَظِيمًا وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [الْقَلَمِ: 4] وَالْعِلْمَ عَظِيمًا وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النِّسَاءِ: 113] وَكَيْدَ النِّسَاءِ عَظِيمًا إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف: 28] وسحر سحرة/ فرعون عظيماً وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الْأَعْرَافِ: 116] وَسَمَّى نَفْسَ الثَّوَابِ عَظِيمًا وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الْفَتْحِ: 29] وَسَمَّى عِقَابَ الْمُنَافِقِينَ عظيماً وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [البقرة: 7] . ومنها المبارك:
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: الْمُبَارَكُ: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ [الْأَنْبِيَاءِ: 50] وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَشْيَاءَ، فَسَمَّى الْمَوْضِعَ الَّذِي كَلَّمَ فِيهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مُبَارَكًا فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [الْقَصَصِ: 30] وَسَمَّى شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ مُبَارَكَةً يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ [التَّوْبَةِ: 35] لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهَا، وَسَمَّى عِيسَى مُبَارَكًا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً [مَرْيَمَ: 31] وَسَمَّى الْمَطَرَ مُبَارَكًا وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً مُبارَكاً [ق: 9] لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَسَمَّى لَيْلَةَ الْقَدْرِ مُبَارَكَةً إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [الدُّخَانِ: 3] فَالْقُرْآنُ ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلَهُ مَلَكٌ مُبَارَكٌ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ على نبي مبارك لأمة مباركة. اتصال «ألم» بقوله «ذلك الكتاب» : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي بَيَانِ اتِّصَالِ قَوْلِهِ: الم بِقَوْلِهِ: ذلِكَ الْكِتابُ قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: إِنْ جَعَلْتَ الم اسْمًا لِلسُّورَةِ فَفِي التَّأْلِيفِ وُجُوهٌ: الأول: أن يكون الم مبتدأ وذلِكَ مبتدأ ثانياً والْكِتابُ خَبَرَهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْكِتَابُ الْكَامِلُ، كَأَنَّ مَا عَدَاهُ مِنَ الْكُتُبِ فِي مِقَابَلَتِهِ نَاقِصٌ، وَإِنَّهُ الَّذِي يَسْتَأْهِلُ أَنْ يَكُونَ كِتَابًا كَمَا تَقُولُ: هُوَ الرَّجُلُ، أَيِ الْكَامِلُ فِي الرُّجُولِيَّةِ الْجَامِعُ لِمَا يَكُونُ فِي الرِّجَالِ مِنْ مُرْضِيَاتِ الْخِصَالِ، وَأَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ صِفَةً، وَمَعْنَاهُ هُوَ ذَلِكَ الْكِتَابُ الْمَوْعُودُ، وَأَنْ يَكُونَ الم خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذِهِ الم وَيَكُونَ ذلِكَ الْكِتابُ خَبَرًا ثَانِيًا أَوْ بَدَلًا عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ صِفَةٌ، وَمَعْنَاهُ هُوَ ذَلِكَ، وَأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الم جملة وذلِكَ الْكِتابُ جُمْلَةً أُخْرَى وَإِنْ جُعِلَتْ الم بِمَنْزِلَةِ الصَّوْتِ كَانَ ذلِكَ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ الْكِتابُ أَيْ ذَلِكَ الْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ هُوَ الْكِتَابُ الْكَامِلُ، أَوِ الْكِتَابُ صِفَةٌ وَالْخَبَرُ مَا بَعْدَهُ أَوْ قُدِّرَ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ، أَيْ هُوَ يَعْنِي الْمُؤَلَّفَ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ ذَلِكَ الْكِتَابُ وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لَا رَيْبَ فِيهِ [السَّجْدَةِ: 2] وتأليف هذا ظاهر. تفسير قوله تعالى: لَا رَيْبَ فِيهِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا رَيْبَ فِيهِ فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الرَّيْبُ قَرِيبٌ مِنَ الشَّكِّ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ، كَأَنَّهُ ظَنُّ سُوءٍ تَقُولُ رَابَنِي أَمْرُ فُلَانٍ إِذَا ظَنَنْتَ بِهِ سوء، وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يُسْتَعْمَلُ الرَّيْبُ فِي قَوْلِهِمْ: «رَيْبُ الدَّهْرِ» وَ «رَيْبُ الزَّمَانِ» أَيْ حَوَادِثُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطُّورِ: 30] وَيُسْتَعْمَلُ أَيْضًا فِي مَعْنَى مَا يَخْتَلِجُ فِي الْقَلْبِ مِنْ أَسْبَابِ الْغَيْظِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ ... وَخَيْبَرَ ثُمَّ أَجْمَعْنَا السُّيُوفَا قُلْنَا: هَذَانِ قَدْ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى الشَّكِّ، لِأَنَّ مَا يُخَافُ مِنْ رَيْبِ الْمَنُونِ مُحْتَمَلٌ، فَهُوَ كَالْمَشْكُوكِ/ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مَا اخْتَلَجَ بِالْقَلْبِ فَهُوَ غَيْرُ مَتَيَقَّنٍ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَا رَيْبَ فِيهِ الْمُرَادُ مِنْهُ نَفْيُ كَوْنِهِ مَظِنَّةً لِلرَّيْبِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِي صِحَّتِهِ، وَلَا فِي كَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَا فِي كَوْنِهِ مُعْجِزًا. وَلَوْ قُلْتَ: الْمُرَادُ لَا رَيْبَ فِي كَوْنِهِ مُعْجِزًا عَلَى الْخُصُوصِ كَانَ أَقْرَبَ لِتَأْكِيدِ هَذَا التَّأْوِيلِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا
نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [البقرة: 23] وهاهنا سُؤَالَاتٌ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: طَعَنَ بَعْضُ الْمُلْحِدَةِ فِيهِ فَقَالَ: إِنْ عَنَى أَنَّهُ لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدَنَا فَنَحْنُ قَدْ نَشُكُّ فِيهِ، وَإِنْ عَنَى أَنَّهُ لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدَهُ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ. الْجَوَابُ: الْمُرَادُ أَنَّهُ بَلَغَ فِي الْوُضُوحِ إِلَى حَيْثُ لَا يَنْبَغِي لِمُرْتَابٍ أَنْ يَرْتَابَ فِيهِ، وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ مَعَ بُلُوغِهِمْ فِي الْفَصَاحَةِ إِلَى النِّهَايَةِ عَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَةِ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ يَشْهَدُ بِأَنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ فِي الظُّهُورِ إِلَى حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَرْتَابَ فِيهِ. السُّؤَالُ الثاني: لم قال هاهنا: لَا رَيْبَ فِيهِ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا فِيها غَوْلٌ [الصَّافَّاتِ: 47] ؟ الْجَوَابُ: لِأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الْأَهَمَّ فالأهم، وهاهنا الْأَهَمُّ نَفْيُ الرَّيْبِ بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ الْكِتَابِ، وَلَوْ قُلْتَ: لَا فِيهِ رَيْبٌ لَأَوْهَمَ أَنَّ هُنَاكَ كتاباً آخر حصل الريب فيه لا ها هنا، كَمَا قَصَدَ فِي قَوْلِهِ: لَا فِيها غَوْلٌ تَفْضِيلَ خَمْرِ الْجَنَّةِ عَلَى خُمُورِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا لَا تَغْتَالُ الْعُقُولَ كَمَا تَغْتَالُهَا خَمْرَةُ الدُّنْيَا السُّؤَالُ الثَّالِثُ: مِنْ أَيْنَ يَدُلُّ قَوْلُهُ: لَا رَيْبَ فِيهِ عَلَى نَفْيِ الرَّيْبِ بِالْكُلِّيَّةِ؟ الْجَوَابُ: قَرَأَ أَبُو الشَّعْثَاءِ لَا رَيْبَ فِيهِ بِالرَّفْعِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْمَشْهُورَةَ تُوجِبُ ارْتِفَاعَ الرَّيْبِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا رَيْبَ نَفْيٌ لِمَاهِيَّةِ الرَّيْبِ وَنَفْيُ الْمَاهِيَّةِ يَقْتَضِي نَفْيَ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَاهِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَاهِيَّةِ لَثَبَتَتِ الْمَاهِيَّةُ، وَذَلِكَ يُنَاقِضُ نَفْيَ الْمَاهِيَّةِ، وَلِهَذَا السِّرِّ كَانَ قَوْلُنَا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» نَفْيًا لِجَمِيعِ الْآلِهَةِ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا قَوْلُنَا: «لَا رَيْبُ فِيهِ» بِالرَّفْعِ فَهُوَ نَقِيضٌ لِقَوْلِنَا: «رَيْبَ فِيهِ» وَهُوَ يُفِيدُ ثُبُوتَ فَرْدٍ وَاحِدٍ، فَذَلِكَ النَّفْيُ يُوجِبُ انْتِفَاءَ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ لِيَتَحَقَّقَ التَّنَاقُضُ. الْوَقْفُ عَلَى «فِيهِ» : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْوَقْفُ عَلَى فِيهِ هُوَ الْمَشُهُورُ، وَعَنْ نَافِعٍ وَعَاصِمٍ أَنَّهُمَا وَقَفَا عَلَى لَا رَيْبَ وَلَا بُدَّ لِلْوَاقِفِ مِنْ أَنْ يَنْوِيَ خَبَرًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: قالُوا لَا ضَيْرَ [الشُّعَرَاءِ: 50] وَقَوْلُ الْعَرَبِ: لَا بَأْسَ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ فِي لِسَانِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالتَّقْدِيرُ: «لَا رَيْبَ فِيهِ فِيهِ هُدًى» . وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى أَوْلَى، لِأَنَّ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى يَكُونُ الْكِتَابُ نَفْسُهُ هُدًى، وَفِي الثَّانِيَةِ لَا يَكُونُ الْكِتَابُ نَفْسُهُ هُدًى بَلْ يَكُونُ فِيهِ هُدًى، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِمَا تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ نُورٌ وَهُدًى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. حقيقة الهدى: قَوْلُهُ تَعَالَى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي حَقِيقَةِ الْهُدَى: الْهُدَى عِبَارَةٌ عَنِ الدَّلَالَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الْهُدَى هُوَ الدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْبُغْيَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: الْهُدَى هُوَ الِاهْتِدَاءُ وَالْعِلْمُ. وَالَّذِي يَدُلُّ/ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَفَسَادِ الْقَوْلِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَوْنُ الدَّلَالَةِ مُوَصِّلَةً إِلَى الْبُغْيَةِ مُعْتَبَرًا فِي مُسَمَّى الْهُدَى لَامْتَنَعَ حُصُولُ الْهُدَى عِنْدَ عَدَمِ الِاهْتِدَاءِ، لِأَنَّ كَوْنَ الدَّلَالَةِ مُوَصِّلَةً إِلَى الِاهْتِدَاءِ حَالَ عَدَمِ الِاهْتِدَاءِ مُحَالٌ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فُصِّلَتْ: 17] أَثْبَتَ الْهُدَى مَعَ عَدَمِ الِاهْتِدَاءِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ: هَدَيْتُهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِنَا، وَاحْتَجَّ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَوَّلُهَا: وُقُوعُ الضَّلَالَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْهُدَى، قَالَ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [الْبَقَرَةِ: 16] وَقَالَ: لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سَبَأٍ: 24] وَثَانِيهَا: يَقُولُ مَهْدِيٌّ فِي مَوْضِعِ المدح كمهتدي، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ
شَرْطِ الْهُدَى كَوْنُ الدَّلَالَةِ مُوَصِّلَةً إِلَى الْبُغْيَةِ لَمْ يَكُنِ الْوَصْفُ بِكَوْنِهِ مَهْدِيًّا مَدْحًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ هُدِيَ فَلَمْ يَهْتَدِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ اهْتَدَى مُطَاوِعُ هَدَى يُقَالُ: هَدَيْتُهُ فَاهْتَدَى، كَمَا يُقَالُ: كَسَرْتُهُ فَانْكَسَرَ، وَقَطَعْتُهُ فَانْقَطَعَ فَكَمَا أَنَّ الِانْكِسَارَ والانقطاع لا زمان لِلْكَسْرِ وَالْقَطْعِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاهْتِدَاءُ مِنْ لَوَازِمِ الْهُدَى. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْهُدَى وَبَيْنَ الِاهْتِدَاءِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَمُقَابِلُ الهدى هو الإضلال ومقابل الاهتداء هو الضلال، فَجَعْلُ الْهُدَى فِي مُقَابَلَةِ الضَّلَالِ مُمْتَنِعٌ، وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ الْمُنْتَفِعَ بِالْهُدَى سُمِّيَ مَهْدِيًّا، وَغَيْرُ منتفع بِهِ لَا يُسَمَّى مَهْدِيًّا، وَلِأَنَّ الْوَسِيلَةَ إِذَا لَمْ تُفْضِ إِلَى الْمَقْصُودِ كَانَتْ نَازِلَةً مَنْزِلَةَ الْمَعْدُومِ. وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ الِائْتِمَارَ مُطَاوِعُ الْأَمْرِ يُقَالُ: أَمَرْتُهُ فَائْتَمَرَ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِ كَوْنِهِ آمِرًا حُصُولُ الِائْتِمَارِ، فَكَذَا هَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ هُدًى أَنْ يَكُونَ مُفْضِيًا إِلَى الِاهْتِدَاءِ، عَلَى أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ: هَدَيْتُهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ الْهُدَى هُوَ الْعِلْمُ خَاصَّةً أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ هُدًى وَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِعِلْمٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْهُدَى هُوَ الدلالة لا الاهتداء والعلم. معنى المتقي: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُتَّقِي فِي اللُّغَةِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ قَوْلِهِمْ وَقَاهُ فَاتَّقَى، وَالْوِقَايَةُ فَرْطُ الصِّيَانَةِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذكر المتقي هاهنا فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، وَمَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، بَلْ بِأَنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا فِيمَا يَتَّصِلُ بِالدِّينِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ آتِيًا بِالْعِبَادَاتِ مُحْتَرِزًا عَنِ الْمَحْظُورَاتِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَدْخُلُ اجْتِنَابُ الصَّغَائِرِ فِي التَّقْوَى؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَدْخُلُ كَمَا يَدْخُلُ الصَّغَائِرُ فِي الْوَعِيدِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَدْخُلُ، وَلَا نِزَاعَ فِي وُجُوبِ التَّوْبَةِ عَنِ الْكُلِّ، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَوَقَّ الصَّغَائِرَ هَلْ يَسْتَحِقُّ هَذَا الِاسْمَ؟ فَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ دَرَجَةَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ الْبَأْسُ» وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُمُ الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ الْعُقُوبَةَ فِي تَرْكِ مَا يَمِيلُ الْهَوَى إِلَيْهِ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ بِالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ مِنْهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّقْوَى هِيَ الْخَشْيَةُ، قَالَ في أول النساء: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النِّسَاءِ: 1] وَمِثْلُهُ فِي أَوَّلِ الْحَجِّ، وَفِي الشُّعَرَاءِ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ [هُودٍ: 106] يَعْنِي أَلَا تَخْشَوْنَ اللَّهَ، وَكَذَلِكَ قَالَ هُودٌ وَصَالِحٌ، وَلُوطٌ، وَشُعَيْبٌ لِقَوْمِهِمْ، وَفِي الْعَنْكَبُوتِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ [نُوحٍ: 3] يَعْنِي اخْشَوْهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آلِ عِمْرَانَ: 102] وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [الْبَقَرَةِ: 197] وَاتَّقُوا يَوْماً/ لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً [الْبَقَرَةِ: 48] وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّقْوَى وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إِلَّا أَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ، وَالْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ مِنْهَا الْإِيمَانُ تَارَةً، وَالتَّوْبَةُ أُخْرَى، وَالطَّاعَةُ ثَالِثَةً، وَتَرْكُ الْمَعْصِيَةِ رَابِعًا: وَالْإِخْلَاصُ خَامِسًا: أَمَّا الْإِيمَانُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [الْفَتْحِ: 26] أَيِ التَّوْحِيدَ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى [الْحُجُرَاتِ: 3] وَفِي الشُّعَرَاءِ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ [الشُّعَرَاءِ: 11] أَيْ أَلَا يُؤْمِنُونَ وَأَمَّا التَّوْبَةُ فَقَوْلُهُ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا [الْأَعْرَافِ: 96] أَيْ تَابُوا، وَأَمَّا الطَّاعَةُ فَقَوْلُهُ فِي النَّحْلِ: أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ [النَّحْلِ: 2] وَفِيهِ أَيْضًا: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ [النَّحْلِ: 52] وَفِي الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [الْمُؤْمِنُونَ: 52] وَأَمَّا تَرْكُ الْمَعْصِيَةِ فَقَوْلُهُ: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ [الْبَقَرَةِ: 189] أَيْ فَلَا تَعْصُوهُ، وَأَمَّا الْإِخْلَاصُ فَقَوْلُهُ فِي الْحَجِّ: فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الْحَجِّ: 32] أَيْ مِنْ إِخْلَاصِ الْقُلُوبِ، فَكَذَا قَوْلُهُ: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ
[الْبَقَرَةِ: 41] وَاعْلَمْ أَنَّ مَقَامَ التَّقْوَى مَقَامٌ شَرِيفٌ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النَّحْلِ: 128] وَقَالَ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الْحُجُرَاتِ: 13] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِمَّا فِي يَدِهِ» وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: التَّقْوَى تَرْكُ الْإِصْرَارِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَتَرْكُ الِاغْتِرَارِ بِالطَّاعَةِ. قَالَ الحسن: التقوى أن لا تختار عل اللَّهِ سِوَى اللَّهِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: التَّقْوَى أَنْ لَا يَجِدَ الْخَلْقُ فِي لِسَانِكَ عَيْبًا. وَلَا الْمَلَائِكَةُ فِي أَفْعَالِكَ عَيْبًا وَلَا مَلِكُ العرش في سرك عيباً وقال الوافدي: التَّقْوَى أَنْ تُزَيِّنَ سِرَّكَ لِلْحَقِّ كَمَا زَيَّنْتَ ظَاهِرَكَ لِلْخَلْقِ، وَيُقَالُ: التَّقْوَى أَنْ لَا يَرَاكَ مَوْلَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ، وَيُقَالُ: الْمُتَّقِي مَنْ سَلَكَ سَبِيلَ الْمُصْطَفَى، وَنَبَذَ الدُّنْيَا وَرَاءَ الْقَفَا، وَكَلَّفَ نَفْسَهُ الْإِخْلَاصَ وَالْوَفَا، وَاجْتَنَبَ الْحَرَامَ وَالْجَفَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَّقِي فَضِيلَةٌ إِلَّا مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ كَفَاهُ، لِأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ الْقُرْآنَ هُدًى لِلنَّاسِ فِي قَوْلِهِ: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ [البقرة: 185] ثم قال هاهنا فِي الْقُرْآنِ: إِنَّهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَّقِينَ هُمْ كُلُّ النَّاسِ، فَمَنْ لَا يَكُونُ مُتَّقِيًا كَأَنَّهُ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي السُّؤَالَاتِ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: كَوْنُ الشَّيْءِ هُدًى وَدَلِيلًا لَا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، فَلِمَاذَا جَعَلَ الْقُرْآنَ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ فَقَطْ؟ وأيضاً فالمتقي مهتدي، وَالْمُهْتَدِي لَا يَهْتَدِي ثَانِيًا وَالْقُرْآنُ لَا يَكُونُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ. الْجَوَابُ: الْقُرْآنُ كَمَا أَنَّهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ وَدَلَالَةٌ لَهُمْ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ، وَعَلَى دِينِهِ وَصِدْقِ رَسُولِهِ، فَهُوَ أَيْضًا دَلَالَةٌ لِلْكَافِرِينَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْمُتَّقِينَ مَدْحًا لِيُبَيِّنَ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا وَانْتَفَعُوا بِهِ كَمَا قَالَ: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النَّازِعَاتِ: 45] وَقَالَ: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [يس: 11] وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُنْذِرًا لِكُلِّ النَّاسِ، فَذَكَرَ هَؤُلَاءِ النَّاسَ لِأَجْلِ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِإِنْذَارِهِ. وَأَمَّا مَنْ فَسَّرَ الْهُدَى بِالدَّلَالَةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْمَقْصُودِ فَهَذَا السُّؤَالُ زَائِلٌ عَنْهُ، لِأَنَّ كَوْنَ الْقُرْآنِ مُوَصِّلًا إِلَى الْمَقْصُودِ لَيْسَ إِلَّا فِي حَقِّ الْمُتَّقِينَ. السُّؤَالُ الثَّانِي: كَيْفَ وَصَفَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ بِأَنَّهُ هُدًى وَفِيهِ مُجْمَلٌ وَمُتَشَابِهٌ كَثِيرٌ، وَلَوْلَا دَلَالَةُ الْعَقْلِ لَمَا تَمَيَّزَ الْمُحْكَمُ عَنِ الْمُتَشَابِهِ، فَيَكُونُ الْهُدَى/ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الدَّلَالَةُ الْعَقْلِيَّةُ لَا الْقُرْآنُ، وَمِنْ هَذَا نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولًا إِلَى الْخَوَارِجِ لَا تَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ خَصْمٌ ذُو وَجْهَيْنِ، وَلَوْ كَانَ هُدًى لَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذَلِكَ فِيهِ، وَلِأَنَّا نَرَى جَمِيعَ فِرَقِ الْإِسْلَامِ يَحْتَجُّونَ بِهِ، وَنَرَى الْقُرْآنَ مَمْلُوءًا مِنْ آيَاتٍ بَعْضُهَا صَرِيحٌ فِي الْجَبْرِ وَبَعْضُهَا صَرِيحٌ فِي الْقَدَرِ، فَلَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا إلا بالتعسف الشديد، فيكف يَكُونُ هُدًى؟. الْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ الْمُتَشَابِهَ وَالْمُجْمَلَ لَمَّا لَمْ يَنْفَكَّ عَمَّا هُوَ الْمُرَادُ عَلَى التَّعْيِينِ- وَهُوَ إِمَّا دَلَالَةُ الْعَقْلِ أَوْ دَلَالَةُ السَّمْعِ- صَارَ كُلُّهُ هُدًى. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: كُلُّ مَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ كَوْنِ الْقُرْآنِ حُجَّةً عَلَى صِحَّتِهِ لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ هُدًى فِيهِ، فَإِذَنِ اسْتَحَالَ كَوْنُ الْقُرْآنِ هُدًى فِي مَعْرِفَةِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، وَفِي مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْمَطَالِبَ أَشْرَفُ الْمَطَالِبِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ هُدًى فِيهَا فَكَيْفَ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُدًى عَلَى الْإِطْلَاقِ؟. الْجَوَابُ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ كَوْنِهِ هُدًى أَنْ يَكُونَ هُدًى فِي كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ أَنْ يَكُونَ هُدًى فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ هُدًى فِي تَعْرِيفِ الشَّرَائِعِ، أَوْ يَكُونَ هُدًى فِي تَأْكِيدِ مَا فِي الْعُقُولِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَقْوَى الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ هُدًى مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ فِي اللَّفْظِ، مع
[سورة البقرة (2) : آية 3]
أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هُدًى فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَصِفَاتِهِ وَإِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُطْلَقَ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ. السُّؤَالُ الرَّابِعُ: الْهُدَى هُوَ الَّذِي بَلَغَ فِي الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ إِلَى حَيْثُ بَيَّنَ غَيْرَهُ، وَالْقُرْآنُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُفَسِّرِينَ مَا يَذْكُرُونَ آيَةً إِلَّا وَذَكَرُوا فِيهَا أَقْوَالًا كَثِيرَةً مُتَعَارِضَةً، وَمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ مُبَيِّنًا فِي نَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُبَيِّنًا لِغَيْرِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هُدًى؟ قُلْنَا: مَنْ تَكَلَّمَ فِي التَّفْسِيرِ بِحَيْثُ يُورِدُ الْأَقْوَالَ الْمُتَعَارِضَةَ، وَلَا يُرَجِّحُ وَاحِدًا مِنْهَا عَلَى الْبَاقِي يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ هُوَ هَذَا السُّؤَالُ، وَأَمَّا نَحْنُ فَقَدَ رَجَّحْنَا وَاحِدًا عَلَى الْبَوَاقِي بِالدَّلِيلِ فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْنَا هَذَا السُّؤَالُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : مَحَلُّ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الرَّفْعُ، لِأَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ خَبَرٌ مَعَ لَا رَيْبَ فِيهِ لِ ذلِكَ، أَوْ مُبْتَدَأٌ إِذَا جُعِلَ الظَّرْفُ الْمُتَقَدِّمُ خَبَرًا عَنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنْصَبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الْإِشَارَةُ، أَوِ الظَّرْفُ، وَالَّذِي هُوَ أَرْسَخُ عِرْقًا فِي الْبَلَاغَةِ أَنْ يَضْرِبَ عَنْ هَذَا الْمَجَالِ صَفْحًا، وَأَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ: الم جُمْلَةٌ بِرَأْسِهَا، أَوْ طَائِفَةٌ من حروف المعجم مستقلة بنفسها، وذلِكَ الْكِتابُ جملة ثانية، ولا رَيْبَ فِيهِ ثالثة وهُدىً لِلْمُتَّقِينَ رَابِعَةٌ وَقَدْ أُصِيبَ بِتَرْتِيبِهَا مَفْصِلُ الْبَلَاغَةِ وَمُوجِبُ حُسْنِ النَّظْمِ، حَيْثُ جِيءَ بِهَا مُتَنَاسِقَةً هَكَذَا مِنْ غَيْرِ حَرْفِ نَسَقٍ، وَذَلِكَ لِمَجِيئِهَا مُتَآخِيَةً آخِذًا بَعْضُهَا بِعُنُقِ بَعْضٍ، وَالثَّانِيَةُ مُتَّحِدَةٌ بِالْأُولَى وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى الثَّالِثَةِ، وَالرَّابِعَةِ. بَيَانُهُ: أَنَّهُ نُبِّهَ أَوَّلًا عَلَى أَنَّهُ الْكَلَامُ الْمُتَحَدَّى بِهِ، ثُمَّ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ الْكِتَابُ الْمَنْعُوتُ بِغَايَةِ الْكَمَالِ/ فَكَانَ تَقْرِيرُ الْجِهَةِ التَّحَدِّي، ثُمَّ نَفَى عَنْهُ أَنْ يَتَشَبَّثَ بِهِ طَرَفٌ مِنَ الرَّيْبِ، فَكَانَ شَهَادَةً بِكَمَالِهِ ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، فَقَرَّرَ بِذَلِكَ كَوْنَهُ يَقِينًا لَا يَحُومُ الشَّكُّ حَوْلَهُ، ثُمَّ لَمْ يَخْلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعِ بَعْدَ أَنْ رُتِّبَتْ هَذَا التَّرْتِيبَ الْأَنِيقَ مِنْ نُكْتَةٍ، فَفِي الْأُولَى الْحَذْفُ وَالرَّمْزُ إِلَى الْغَرَضِ بِأَلْطَفِ وَجْهٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ مَا فِي التَّعْرِيفِ مِنَ الْفَخَامَةِ، وَفِي الثَّالِثَةِ مَا فِي تَقْدِيمِ الرَّيْبِ عَلَى الظَّرْفِ، وَفِي الرَّابِعَةِ الْحَذْفُ وَوَضْعُ الْمَصْدَرِ- الَّذِي هُوَ هُدًى- مَوْضِعَ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ هادٍ، وإيراده منكراً. [سورة البقرة (2) : آية 3] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) اعْلَمْ أَنَّ فِيهِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ إِمَّا مَوْصُولٌ بِالْمُتَّقِينَ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ مَجْرُورَةٌ، أَوْ مَنْصُوبٌ أَوْ مَدْحٌ مَرْفُوعٌ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ، أَوْ هُمُ الَّذِينَ، وَإِمَّا مُنْقَطِعٌ عَنِ الْمُتَّقِينَ مرفوع على الابتداء مخبر عنه ب أُولئِكَ عَلى هُدىً فَإِذَا كَانَ مَوْصُولًا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْمُتَّقِينَ حَسَنًا غَيْرَ تَامٍّ، وَإِذَا كَانَ مُنْقَطِعًا كَانَ وَقْفًا تَامًّا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَالتَّفْسِيرِ لِكَوْنِهِمْ مُتَّقِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَّقِيَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فَاعِلًا لِلْحَسَنَاتِ وَتَارِكًا لِلسَّيِّئَاتِ، أَمَّا الْفِعْلُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلَ الْقَلْبِ- وَهُوَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ- وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلَ الْجَوَارِحِ، وَأَسَاسُهُ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بَدَنِيَّةً وَأَجَلُّهَا الصَّلَاةُ، أَوْ مَالِيَّةً، وَأَجَلُّهَا الزَّكَاةُ، وَلِهَذَا سَمَّى الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ، وَالزَّكَاةُ قَنْطَرَةُ الْإِسْلَامِ» وَأَمَّا التَّرْكُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ
الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [الْعَنْكَبُوتِ: 45] وَالْأَقْرَبُ أَنْ لَا تَكُونَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ تَفْسِيرًا لِكَوْنِهِمْ مُتَّقِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كَمَالَ السَّعَادَةِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَرْكِ مَا لَا يَنْبَغِي وَفِعْلِ مَا يَنْبَغِي، فَالتَّرْكُ هُوَ التَّقْوَى، وَالْفِعْلُ إِمَّا فِعْلُ الْقَلْبِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ، أَوْ فِعْلُ الْجَوَارِحِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ التَّقْوَى الَّذِي هُوَ التَّرْكُ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ، لِأَنَّ الْقَلْبَ كَاللَّوْحِ الْقَابِلِ لِنُقُوشِ الْعَقَائِدِ الْحَقَّةِ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَاللَّوْحُ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ أَوَّلًا عَنِ النُّقُوشِ الْفَاسِدَةِ، حَتَّى يُمْكِنَ إِثْبَاتُ النُّقُوشِ الْجَيِّدَةِ فِيهِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْأَخْلَاقِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَدَّمَ التَّقْوَى وَهُوَ تَرْكُ مَا لَا يَنْبَغِي، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ فِعْلَ مَا يَنْبَغِي. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الْإِيمَانُ إِفْعَالٌ مِنَ الْأَمْنِ، ثُمَّ يُقَالُ آمَنَهُ إِذَا صَدَقَهُ، وَحَقِيقَتُهُ آمَنَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَأَمَّا تَعْدِيَتُهُ بِالْبَاءِ فَلِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى «أُقِرُّ وَأَعْتَرِفُ» وَأَمَّا مَا حَكَى أَبُو زَيْدٍ: مَا آمَنْتُ أَنْ أَجِدَ صَحَابَةً أَيْ مَا وَثِقْتُ، فَحَقِيقَتُهُ صِرْتُ ذَا أَمْنٍ، أَيْ ذَا سُكُونٍ وَطُمَأْنِينَةٍ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ حَسَنٌ فِي يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أَيْ يَعْتَرِفُونَ بِهِ أَوْ يَثِقُونَ بِأَنَّهُ حَقٌّ. وَأَقُولُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْقِبْلَةِ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَيَجْمَعُهُمْ فِرَقٌ أَرْبَعُ. الْفِرْقَةُ الْأُولَى: الَّذِينَ قَالُوا: الْإِيمَانُ اسْمٌ لِأَفْعَالِ الْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ وَالْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ وَالزَّيْدِيَّةُ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ، أَمَّا الْخَوَارِجُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ يَتَنَاوَلُ الْمَعْرِفَةَ بِاللَّهِ وَبِكُلِّ مَا وَضَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ دَلِيلًا عَقْلِيًّا أَوْ نَقْلِيًّا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَتَنَاوَلُ طَاعَةَ اللَّهِ فِي جَمِيعِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. فَقَالُوا مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ هُوَ الْإِيمَانُ وَتَرْكُ كُلِّ خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ كُفْرٌ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا عُدِّيَ بِالْبَاءِ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّصْدِيقُ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ فُلَانٌ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ التَّصْدِيقَ، إِذِ الْإِيمَانُ بِمَعْنَى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ لَا يُمْكِنُ فِيهِ هَذِهِ التَّعْدِيَةُ، فَلَا يُقَالُ فُلَانٌ آمَنَ بِكَذَا إِذَا صَلَّى وَصَامَ، بَلْ يُقَالُ فُلَانٌ آمَنَ بِاللَّهِ كَمَا يُقَالُ صَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ، فَالْإِيمَانُ الْمُعَدَّى بِالْبَاءِ يَجْرِي عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ اللُّغَةِ، أَمَّا إِذَا ذُكِرَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُعَدًّى فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مَنْقُولٌ مِنَ الْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ- الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ- إِلَى مَعْنًى آخَرَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْإِيمَانَ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ كُلِّ الطَّاعَاتِ سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ مَنْدُوبَةً، أَوْ مِنْ بَابِ الْأَقْوَالِ أَوِ الْأَفْعَالِ أَوِ الِاعْتِقَادَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ وَأَبِي الْهُذَيْلِ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَدَ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ فَقَطْ دُونَ النَّوَافِلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْإِيمَانَ عِبَارَةٌ عَنِ اجْتِنَابِ كُلِّ مَا جَاءَ فِيهِ الْوَعِيدُ، فَالْمُؤْمِنُ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّ مَنِ اجْتَنَبَ كُلَّ الْكَبَائِرِ، وَالْمُؤْمِنُ عِنْدَنَا كُلُّ مَنِ اجْتَنَبَ كُلَّ مَا وَرَدَ فِيهِ الْوَعِيدُ، وَهُوَ قَوْلُ النَّظَّامِ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ: شَرْطُ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ اللَّهِ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ كُلِّهَا. وَأَمَّا أَهْلُ الْحَدِيثِ فَذَكَرُوا وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِيمَانٌ كَامِلٌ وَهُوَ الْأَصْلُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلُّ طَاعَةٍ إِيمَانٌ عَلَى حِدَةٍ، وَهَذِهِ الطَّاعَاتُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا إِيمَانًا إِلَّا إِذَا كَانَتْ مُرَتَّبَةً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْمَعْرِفَةُ. وَزَعَمُوا أَنَّ الْجُحُودَ وَإِنْكَارَ الْقَلْبِ كُفْرٌ، ثُمَّ كَلُّ مَعْصِيَةٍ بَعْدَهُ كُفْرٌ عَلَى حِدَةٍ، وَلَمْ يَجْعَلُوا شَيْئًا مِنَ الطَّاعَاتِ إِيمَانًا مَا لَمْ تُوجَدِ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِقْرَارُ، وَلَا شَيْئًا مِنَ الْمَعَاصِي كُفْرًا مَا لَمْ يُوجَدِ الْجُحُودُ وَالْإِنْكَارُ، لِأَنَّ الْفَرْعَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ مَا هُوَ أَصْلُهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كِلَابٍ. الثَّانِي: زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ اسْمٌ لِلطَّاعَاتِ كُلِّهَا وَهُوَ إِيمَانٌ وَاحِدٌ وَجَعَلُوا الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ كُلَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْإِيمَانِ، وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ فَقَدِ انْتَقَصَ إِيمَانُهُ، وَمَنْ تَرَكَ النَّوَافِلَ لَا يَنْتَقِصُ إِيمَانُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ اسْمٌ لِلْفَرَائِضِ دُونَ النَّوَافِلِ.
الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: الَّذِينَ قَالُوا: الْإِيمَانُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ مَعًا، وَقَدِ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ عَلَى مَذَاهِبَ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِيمَانَ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَمَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ. أَحَدُهُمَا: اخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَةِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهَا بِالِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ- سَوَاءٌ كَانَ اعْتِقَادًا تَقْلِيدِيًّا أَوْ كَانَ عِلْمًا صَادِرًا عَنِ الدَّلِيلِ- وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِأَنَّ الْمُقَلِّدَ مُسْلِمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهَا بِالْعِلْمِ الصَّادِرِ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ. وَثَانِيهِمَا: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْعِلْمَ الْمُعْتَبَرَ فِي تَحَقُّقِ الْإِيمَانِ عِلْمٌ بِمَاذَا؟ قَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: هُوَ الْعِلْمُ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ ثُمَّ/ إِنَّهُ لَمَّا كَثُرَ اخْتِلَافُ الْخَلْقِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا جَرَمَ أَقْدَمَ كُلُّ طَائِفَةٍ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ عَدَاهَا مِنَ الطَّوَائِفِ. وَقَالَ أَهْلُ الْإِنْصَافِ: الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْعِلْمُ بِكُلِّ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهُ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ تَعَالَى عَالِمًا بِالْعِلْمِ أَوْ عَالِمًا لِذَاتِهِ وَبِكَوْنِهِ مَرْئِيًّا أَوْ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ مَعًا، وَهُوَ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ عَتَّابٍ الْمَرِيسِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَالْمُرَادُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ الْكَلَامُ الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: الْإِيمَانُ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وَإِخْلَاصٌ بِالْقَلْبِ. الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: الَّذِينَ قَالُوا: الْإِيمَانُ عِبَارَةٌ عَنْ عَمَلِ الْقَلْبِ فَقَطْ، وَهَؤُلَاءِ قَدِ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِيمَانَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِالْقَلْبِ، حَتَّى أَنَّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ ثُمَّ جَحَدَ بِلِسَانِهِ وَمَاتَ قبل أن يقربه فَهُوَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ وَهُوَ قَوْلُ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ. أَمَّا مَعْرِفَةُ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي حَدِّ الْإِيمَانِ. وَحَكَى الْكَعْبِيُّ عَنْهُ: أَنَّ الْإِيمَانَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ مَعَ مَعْرِفَةِ كُلِّ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهُ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ وَهُوَ قَوْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْبَجَلِيِّ. الْفِرْقَةُ الرَّابِعَةُ: الَّذِينَ قَالُوا: الْإِيمَانُ هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ وَهُمْ فَرِيقَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ هُوَ الْإِيمَانُ فَقَطْ، لَكِنَّ شَرْطَ كَوْنِهِ إِيمَانًا حُصُولُ الْمَعْرِفَةِ فِي الْقَلْبِ، فَالْمَعْرِفَةُ شَرْطٌ لِكَوْنِ الْإِقْرَارِ اللِّسَانِيِّ إِيمَانًا، لَا أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْلَانَ بْنِ مُسْلِمٍ الدِّمَشْقِيِّ وَالْفَضْلِ الرَّقَاشِيِّ وَإِنْ كَانَ الْكَعْبِيُّ قَدْ أَنْكَرَ كَوْنَهُ قَوْلًا لِغَيْلَانَ. الثَّانِي: أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَرَّامِيَّةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْمُنَافِقَ مُؤْمِنُ الظَّاهِرِ كَافِرُ السَّرِيرَةِ فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَحُكْمُ الْكَافِرِينَ فِي الْآخِرَةِ فَهَذَا مَجْمُوعُ أَقْوَالِ النَّاسِ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، وَالَّذِي نَذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّ الْإِيمَانَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بالقلب ونفتقر هاهنا إِلَى شَرْحِ مَاهِيَّةِ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ فَنَقُولُ: إِنَّ مَنْ قَالَ الْعَالَمُ مُحْدَثٌ فَلَيْسَ مَدْلُولُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ كَوْنَ الْعَالَمِ مَوْصُوفًا بِالْحُدُوثِ، بَلْ مَدْلُولُهَا حُكْمُ ذَلِكَ الْقَائِلِ بِكَوْنِ الْعَالَمِ حَادِثًا، وَالْحُكْمُ بِثُبُوتِ الْحُدُوثِ لِلْعَالَمِ مُغَايِرٌ لِثُبُوتِ الْحُدُوثِ لِلْعَالَمِ فَهَذَا الْحُكْمُ الذِّهْنِيُّ بِالثُّبُوتِ أَوْ بِالِانْتِفَاءِ أَمْرٌ يُعَبَّرُ عَنْهُ فِي كُلِّ لُغَةٍ بِلَفْظٍ خَاصٍّ، وَاخْتِلَافُ الصِّيَغِ وَالْعِبَارَاتِ مَعَ كَوْنِ الْحُكْمِ الذِّهْنِيِّ أَمْرًا وَاحِدًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الذِّهْنِيَّ أَمْرٌ مُغَايِرٌ لِهَذِهِ الصِّيَغِ وَالْعِبَارَاتِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ وَالدَّالُّ غَيْرُ الْمَدْلُولِ، ثُمَّ نَقُولُ هَذَا الْحُكْمُ الذِّهْنِيُّ غَيْرُ الْعِلْمِ، لِأَنَّ الْجَاهِلَ بِالشَّيْءِ قَدْ يَحْكُمُ بِهِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ الذِّهْنِيَّ مُغَايِرٌ لِلْعِلْمِ، فَالْمُرَادُ مِنَ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ هُوَ هَذَا الْحُكْمُ الذهني، بقي هاهنا بَحْثٌ لَفْظِيٌّ وَهُوَ أَنَّ الْمُسَمَّى بِالتَّصْدِيقِ فِي اللُّغَةِ هُوَ ذَلِكَ الْحُكْمُ الذِّهْنِيُّ أَمِ الصِّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ الذِّهْنِيِّ وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: الْإِيمَانُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِكُلِّ مَا عُرِفَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهُ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ
الِاعْتِقَادِ فَنَفْتَقِرُ فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْمَذْهَبِ إِلَى إِثْبَاتِ قُيُودٍ أَرْبَعَةٍ. الْقَيْدُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِيمَانَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ كَانَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِلتَّصْدِيقِ، فَلَوْ صَارَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ لِغَيْرِ التَّصْدِيقِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ مُتَكَلِّمًا بِغَيْرِ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ يُنَافِي وَصْفَ الْقُرْآنِ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا. الثَّانِي: أَنَّ الْإِيمَانَ أَكْثَرُ الْأَلْفَاظِ دَوَرَانًا عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ صَارَ مَنْقُولًا إِلَى غَيْرِ مُسَمَّاهُ الْأَصْلِيِّ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَلَاشْتَهَرَ وَبَلَغَ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْوَضْعِ. الثَّالِثُ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الْمُعَدَّى بِحَرْفِ الْبَاءِ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمُعَدَّى كَذَلِكَ. الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كُلَّمَا ذَكَرَ الْإِيمَانَ فِي الْقُرْآنِ أَضَافَهُ إِلَى الْقَلْبِ قَالَ: مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [الْبَقَرَةِ: 41] وَقَوْلُهُ: وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النَّحْلِ: 106] كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [الْمُجَادَلَةِ: 22] وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الْحُجُرَاتِ: 14] الْخَامِسُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَيْنَمَا ذَكَرَ الْإِيمَانَ قَرَنَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ بِهِ وَلَوْ كَانَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ دَاخِلًا فِي الْإِيمَانِ لَكَانَ ذَلِكَ تَكْرَارًا. السَّادِسُ: أَنَّهُ تَعَالَى كَثِيرًا ذَكَرَ الْإِيمَانَ وَقَرَنَهُ بِالْمَعَاصِي، قَالَ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الْأَنْعَامِ: 82] وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [الْحُجُرَاتِ: 9] وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [الْبَقَرَةِ: 178] مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقِصَاصَ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ الْمُتَعَمِّدِ ثم إنه خاطبه بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ. وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [الْبَقَرَةِ: 178] وَهَذِهِ الْأُخُوَّةُ لَيْسَتْ إِلَّا أُخُوَّةَ الْإِيمَانِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الْحُجُرَاتِ: 10] وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ [الْبَقَرَةِ: 178] وَهَذَا لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْمُؤْمِنِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا [الْأَنْفَالِ: 72] هَذَا أَبْقَى اسْمَ الْإِيمَانِ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ مَعَ عِظَمِ الْوَعِيدِ فِي تَرْكِ الْهِجْرَةِ فِي قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النَّحْلِ: 28] وَقَوْلِهِ: مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الْأَنْفَالِ: 72] وَمَعَ هَذَا جَعَلَهُمْ مؤمنين ويدل أيضاً عليه قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: 1] وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [الأنفال: 27] وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [التَّحْرِيمِ: 8] وَالْأَمْرُ بِالتَّوْبَةِ لِمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ مُحَالٌ وَقَوْلُهُ: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [النُّورِ: 31] لَا يُقَالُ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُؤْمِنٍ مُذْنِبًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُنَا: هَبْ أَنَّهُ خَصَّ فِيمَا عَدَا الْمُذْنِبَ فَبَقِيَ فِيهِمْ حُجَّةٌ. الْقَيْدُ الثَّانِي: أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنِ التَّصْدِيقِ اللِّسَانِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [الْبَقَرَةِ: 8] نَفَى كَوْنَهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَلَوْ كَانَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ عِبَارَةً عَنِ التَّصْدِيقِ اللِّسَانِيِّ لَمَا صَحَّ هَذَا النَّفْيُ. الْقَيْدُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ مُطْلَقِ التَّصْدِيقِ لِأَنَّ مَنْ صَدَّقَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا. الْقَيْدُ الرَّابِعُ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِأَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ
يَحْكُمُ بِإِيمَانِ مَنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ كَوْنُهُ تَعَالَى عَالِمًا لِذَاتِهِ أَوْ بِالْعِلْمِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْقَيْدُ وَأَمْثَالُهُ شَرْطًا مُعْتَبَرًا فِي تَحْقِيقِ الْإِيمَانِ لَمَا جَازَ أَنْ يَحْكُمَ الرَّسُولُ بِإِيمَانِهِ قَبْلَ أَنْ يُجَرِّبَهُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَعْرِفُ ذَلِكَ أَمْ لَا. فَهَذَا هُوَ بَيَانُ الْقَوْلِ في تحقيق الإيمان، فإن قال قائل: ها هنا صُورَتَانِ: الصُّورَةُ الْأُولَى: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِالدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ وَلَمَّا تَمَّ الْعِرْفَانُ مَاتَ وَلَمْ يَجِدْ مِنَ الزَّمَانِ وَالْوَقْتِ مَا يَتَلَفَّظُ فِيهِ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ. فَهَهُنَا إِنْ حَكَمْتُمْ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَقَدْ حَكَمْتُمْ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ اللِّسَانِيَّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي تَحْقِيقِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنْ حَكَمْتُمْ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ فَهُوَ بَاطِلٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ» وَهَذَا قَلْبٌ طَافِحٌ بِالْإِيمَانِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا؟ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِالدَّلِيلِ وَوَجَدَ مِنَ الْوَقْتِ مَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهَا فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّهُ مُؤْمِنٌ فَهُوَ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنْ قلتم ليس يؤمن فَهُوَ بَاطِلٌ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ» وَلَا يَنْتَفِي الْإِيمَانُ مِنَ الْقَلْبِ بِالسُّكُوتِ عَنِ النُّطْقِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْغَزَالِيَّ مَنَعَ مِنْ هَذَا الْإِجْمَاعِ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَحَكَمَ بِكَوْنِهِمَا مُؤْمِنَيْنِ، وَأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنِ النُّطْقِ يَجْرِي مَجْرَى الْمَعَاصِي الَّتِي يُؤْتَى بِهَا مَعَ الْإِيمَانِ. الْمَسْأَلَةُ الرابعة: قيل: بِالْغَيْبِ مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقَامِ اسْمِ الْفَاعِلِ، كَالصَّوْمِ بِمَعْنَى الصَّائِمِ، وَالزَّوْرِ بِمَعْنَى الزَّائِرِ، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ- أَنَّ قَوْلَهُ: بِالْغَيْبِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ حَالَ الْغَيْبِ كَمَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَالَ الْحُضُورِ، لَا كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [يُوسُفَ: 52] وَيَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: نِعْمَ الصَّدِيقُ لَكَ فُلَانٌ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَدْحٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِكَوْنِ ظَاهِرِهِمْ مُوَافِقًا لِبَاطِنِهِمْ وَمُبَايَنَتِهِمْ لِحَالِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْغَيْبَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ غَائِبًا عَنِ الْحَاسَّةِ ثُمَّ هَذَا الْغَيْبُ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَإِلَى مَا لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. فَالْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مَدْحُ الْمُتَّقِينَ بِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ بِأَنْ يَتَفَكَّرُوا وَيَسْتَدِلُّوا فَيُؤْمِنُوا بِهِ، وَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْعِلْمُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِصِفَاتِهِ وَالْعِلْمُ بِالْآخِرَةِ وَالْعِلْمُ بِالنُّبُوَّةِ وَالْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ وَبِالشَّرَائِعِ فَإِنَّ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ الْعُلُومِ بِالِاسْتِدْلَالِ مَشَقَّةً فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الثَّنَاءِ الْعَظِيمِ. وَاحْتَجَّ أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى قَوْلِهِ بِأُمُورٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [الْبَقَرَةِ: 4] إِيمَانٌ بِالْأَشْيَاءِ الْغَائِبَةِ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ هُوَ الْإِيمَانُ بِالْأَشْيَاءِ الْغَائِبَةِ لَكَانَ الْمَعْطُوفُ نَفْسَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ: الثَّانِي: لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ يَلْزَمُ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ/ الْإِنْسَانَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [الْأَنْعَامِ: 59] أَمَّا لَوْ فَسَّرْنَا الْآيَةَ بِمَا قُلْنَا لَا يَلْزَمُ هَذَا الْمَحْذُورُ الثَّالِثُ: لَفْظُ الْغَيْبِ إِنَّمَا يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ عَلَى مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْحُضُورُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْغَيْبِ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، فَقَوْلُهُ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْإِيمَانَ بِالْغَيْبِ لَمَا دَخَلَ فِيهِ الْإِيمَانُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، وَلَا يَبْقَى فِيهِ إِلَّا الْإِيمَانُ بِالْآخِرَةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّ الرُّكْنَ الْعَظِيمَ فِي الْإِيمَانِ هُوَ الْإِيمَانُ بِذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنًى يَقْتَضِي خُرُوجَ الْأَصْلِ أَمَّا لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ لَمْ يَلْزَمْنَا هَذَا الْمَحْذُورُ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ قَوْلَهُ: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يَتَنَاوَلُ الْإِيمَانَ بِالْغَائِبَاتِ عَلَى الْإِجْمَالِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يَتَنَاوَلُ الْإِيمَانَ بِبَعْضِ الْغَائِبَاتِ فَكَانَ هَذَا مِنْ بَابِ عَطْفِ التَّفْصِيلِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [الْبَقَرَةِ: 98] وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّا نُؤْمِنُ بِالْأَشْيَاءِ الْغَائِبَةِ عَنَّا، فَكَانَ ذَلِكَ التَّخْصِيصُ لَازِمًا عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. فَإِنْ قِيلَ أَفَتَقُولُونَ: الْعَبْدُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ أَمْ لَا؟ قُلْنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْغَيْبَ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَإِلَى مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَمَّا الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعَالِمُ بِهِ لَا غَيْرُهُ، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ دَلِيلٌ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَقُولَ: نَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ مَا لَنَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَيُفِيدُ الْكَلَامُ فَلَا يَلْتَبِسُ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: الِاسْتِدْلَالُ بِالشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِبِ أَحَدُ أَقْسَامِ الْأَدِلَّةِ. وَعَنِ الثَّالِثِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ لَفْظَ الْغَيْبَةِ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِيمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْحُضُورُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ بَابِ إِلْحَاقِ الْغَائِبِ بِالشَّاهِدِ. وَيُرِيدُونَ بِالْغَائِبِ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ بَعْضُ الشِّيعَةِ: الْمُرَادُ بِالْغَيْبِ الْمَهْدِيُّ الْمُنْتَظَرُ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النُّورِ: 55] وَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا» وَاعْلَمْ أَنَّ تَخْصِيصَ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ الدَّلِيلِ بَاطِلٌ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنَّ إِقَامَتَهَا عِبَارَةٌ عَنْ تَعْدِيلِ أَرْكَانِهَا وَحِفْظِهَا مِنْ أَنْ يَقَعَ خَلَلٌ فِي فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَآدَابِهَا، مِنْ أَقَامَ الْعُودَ إِذَا قَوَّمَهُ. وَثَانِيهَا: أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ [الْمَعَارِجِ: 34] وَقَالَ: الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ [الْمَعَارِجِ: 23] مِنْ قَامَتِ السُّوقُ إِذَا نَفَقَتْ، وَإِقَامَتُهَا نَفَاقُهَا، لِأَنَّهَا إِذَا حُوفِظَ عَلَيْهَا كَانَتْ كَالشَّيْءِ النَّافِقِ الَّذِي تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الرَّغَبَاتُ، وَإِذَا أُضِيعَتْ كَانَتْ كَالشَّيْءِ الْكَاسِدِ الَّذِي لَا يُرْغَبُ فِيهِ وَثَالِثُهَا: أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ التَّجَرُّدِ لِأَدَائِهَا وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي مُؤَدِّيهَا فُتُورٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَامَ/ بِالْأَمْرِ، وَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقِهَا، وَفِي ضِدِّهِ: قَعَدَ عَنِ الْأَمْرِ، وَتَقَاعَدَ عَنْهُ إِذَا تَقَاعَسَ وَتَثَبَّطَ. وَرَابِعُهَا: إِقَامَتُهَا عِبَارَةٌ عَنْ أَدَائِهَا، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنِ الْأَدَاءِ بِالْإِقَامَةِ لِأَنَّ الْقِيَامَ بَعْضُ أَرْكَانِهَا كَمَا عَبَّرَ عَنْهَا بِالْقُنُوتِ وَبِالرُّكُوعِ وَبِالسُّجُودِ، وَقَالُوا: سَبَّحَ إِذَا صَلَّى، لِوُجُودِ التَّسْبِيحِ فِيهَا، قَالَ تَعَالَى: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ [الصَّافَّاتِ: 143] وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَوْلَى حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَحْصُلُ مَعَهُ مِنَ الثَّنَاءِ الْعَظِيمِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا حَمَلْنَا الْإِقَامَةَ عَلَى إِدَامَةِ فِعْلِهَا مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ فِي أَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْقَيِّمَ بِأَرْزَاقِ الْجُنْدِ إِنَّمَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ قَيِّمًا إِذَا أَعْطَى الْحُقُوقَ مِنْ دُونِ بَخْسٍ وَنَقْصٍ، وَلِهَذَا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ قَائِمٌ وَقَيُّومٌ، لِأَنَّهُ يَجِبُ دَوَامُ وُجُودِهِ، وَلِأَنَّهُ يُدِيمُ إِدْرَارَ الرِّزْقِ عَلَى عِبَادِهِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: ذَكَرُوا فِي لَفْظِ الصَّلَاةِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ وُجُوهًا. أَحَدُهَا: أَنَّهَا الدُّعَاءُ قَالَ الشَّاعِرُ: وَقَابَلَهَا الرِّيحُ في دنها ... وصلى على دنها وارتشم وَثَانِيهَا: قَالَ الْخَارْزَنْجِيُّ. اشْتِقَاقُهَا مِنَ الصَّلَى، وَهِيَ النَّارُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: صَلَيْتُ الْعَصَا إِذَا قَوَّمْتُهَا بالصلى،
فَالْمُصَلِّي كَأَنَّهُ يَسْعَى فِي تَعْدِيلِ بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ مِثْلَ مَنْ يُحَاوِلُ تَقْوِيمَ الْخَشَبَةِ بِعَرْضِهَا عَلَى النَّارِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الصَّلَاةَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُلَازَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: تَصْلى نَارًا حامِيَةً [الْغَاشِيَةِ: 4] سَيَصْلى نَارًا ذاتَ لَهَبٍ [الْمَسَدِ: 3] وَسُمِّيَ الْفَرَسُ الثَّانِي مِنْ أَفْرَاسِ الْمُسَابَقَةِ مُصَلِّيًا. وَرَابِعُهَا: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الصَّلَاةُ فَعْلَةٌ مِنْ «صَلَّى» كَالزَّكَاةِ مِنْ «زَكَّى» وَكَتَبْتُهَا بِالْوَاوِ عَلَى لَفْظِ الْمُفَخَّمِ، وَحَقِيقَةُ صَلَّى حَرَّكَ الصَّلَوَيْنِ، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَفْعَلُ ذلك في ركوعه وسجوده، وقيل الداعي مصلي تَشْبِيهًا لَهُ فِي تَخَشُّعِهِ بِالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ، وَأَقُولُ هاهنا بَحْثَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا الِاشْتِقَاقَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» يُفْضِي إِلَى طَعْنٍ عَظِيمٍ فِي كَوْنِ الْقُرْآنِ حُجَّةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ مِنْ أَشَدِّ الْأَلْفَاظِ شُهْرَةً وَأَكْثَرِهَا دَوَرَانًا عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ تَحْرِيكِ الصَّلَوَيْنِ مِنْ أَبْعَدِ الْأَشْيَاءِ اشْتِهَارًا فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ، وَلَوْ جَوَّزْنَا أَنْ يُقَالَ: مُسَمَّى الصَّلَاةِ فِي الْأَصْلِ مَا ذَكَرَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ خَفِيَ وَانْدَرَسَ حَتَّى صَارَ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْآحَادُ لَكَانَ مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ جَائِزًا، وَلَوْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ لَمَا قَطَعْنَا بِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَا تَتَبَادَرُ أَفْهَامُنَا إِلَيْهِ مِنَ الْمَعَانِي فِي زَمَانِنَا هَذَا، لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَانِ الرَّسُولِ مَوْضُوعَةً لِمَعَانٍ أُخَرَ، وَكَانَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا تِلْكَ الْمَعَانِيَ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْمَعَانِيَ خَفِيَتْ فِي زَمَانِنَا وَانْدَرَسَتْ كَمَا وَقَعَ مِثْلُهُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلِمْنَا أَنَّ الِاشْتِقَاقَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَرْدُودٌ بَاطِلٌ. الثَّانِي: الصَّلَاةُ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ أَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّحْرِيمِ، مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّحْلِيلِ، وَهَذَا الِاسْمُ يَقَعُ عَلَى الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ. لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْفَرْضُ خَاصَّةً، لِأَنَّهُ الَّذِي يَقِفُ الْفَلَاحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بَيَّنَ لِلْأَعْرَابِيِّ صِفَةَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ قَالَ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» . الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الرِّزْقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الْحَظُّ قَالَ تَعَالَى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الْوَاقِعَةِ: 82] أَيْ حَظَّكُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَالْحَظُّ هُوَ نَصِيبُ الرَّجُلِ وَمَا هُوَ خَاصٌّ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: الرِّزْقُ كُلُّ شَيْءٍ يُؤْكَلُ أَوْ يُسْتَعْمَلُ، وَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِأَنْ نُنْفِقَ مِمَّا رَزَقَنَا فَقَالَ: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْناكُمْ [الرعد: 22] فَلَوْ كَانَ الرِّزْقُ هُوَ الَّذِي يُؤْكَلُ لَمَا أَمْكَنَ إِنْفَاقُهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الرِّزْقُ هُوَ مَا يُمْلَكُ وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي وَلَدًا صَالِحًا أَوْ زَوْجَةً صَالِحَةً وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْوَلَدَ وَلَا الزَّوْجَةَ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي عَقْلًا أَعِيشُ بِهِ وَلَيْسَ الْعَقْلُ بِمَمْلُوكٍ، وَأَيْضًا الْبَهِيمَةُ يَكُونُ لَهَا رِزْقٌ وَلَا يَكُونُ لَهَا مِلْكٌ. وَأَمَّا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: الرِّزْقُ هُوَ تَمْكِينُ الْحَيَوَانِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالشَّيْءِ وَالْحَظْرُ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ، فَإِذَا قُلْنَا: قَدْ رَزَقَنَا اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْوَالَ، فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مَكَّنَنَا مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَإِذَا سَأَلْنَاهُ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا مَالًا فَإِنَّا نَقْصِدُ بِذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَنَا بِالْمَالِ أَخَصَّ، وَإِذَا سَأَلْنَاهُ أَنْ يَرْزُقَ الْبَهِيمَةَ فَإِنَّا نَقْصِدُ بِذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَهَا بِهِ أَخَصَّ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بِهِ أَخَصَّ إِذَا مَكَّنَهَا مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَمَّا فَسَّرُوا الرِّزْقَ بِذَلِكَ لَا جَرَمَ قَالُوا: الْحَرَامُ لَا يَكُونُ رِزْقًا. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْحَرَامُ قَدْ يَكُونُ رِزْقًا، فَحُجَّةُ الْأَصْحَابِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الرِّزْقَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ هُوَ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَمَنِ انْتَفَعَ بِالْحَرَامِ فَذَلِكَ الْحَرَامُ صَارَ حَظًّا وَنَصِيبًا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ رزقاً له
الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هُودٍ: 6] وَقَدْ يَعِيشُ الرَّجُلُ طُولَ عُمُرِهِ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنَ السَّرِقَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ طُولَ عُمُرِهِ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ رِزْقِهِ شَيْئًا. أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْنَى: أَمَّا الْكِتَابُ فَوُجُوهٌ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ مَدَحَهُمْ عَلَى الْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَوْ كَانَ الْحَرَامُ رِزْقًا لَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقُّوا الْمَدْحَ إِذَا أَنْفَقُوا مِنَ الْحَرَامِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَثَانِيهَا: لَوْ كَانَ الْحَرَامُ رِزْقًا لَجَازَ أَنْ يُنْفِقَ الْغَاصِبُ مِنْهُ، لِقَوْلِهِ تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: 254] وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْغَاصِبِ أنه يُنْفِقَ مِمَّا أَخَذَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَرَامَ لَا يَكُونُ رِزْقًا. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يُونُسَ: 59] فَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ رِزْقَ اللَّهِ فَهُوَ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْحَرَامَ لَا يَكُونُ رِزْقًا، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي كِتَابِ «الْغَرَرِ» بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ. كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ عَمْرُو بْنُ قُرَّةَ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيَّ الشِّقْوَةَ فَلَا أَرَانِي أُرْزَقُ إِلَّا مِنْ دُفِّي بِكَفِّي فَائْذَنْ لِي فِي الْغِنَاءِ مِنْ غَيْرِ فَاحِشَةٍ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا إِذْنَ لَكَ وَلَا كَرَامَةَ وَلَا نِعْمَةَ كَذَبْتَ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ لَقَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ رِزْقًا طَيِّبًا فَاخْتَرْتَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ رِزْقِهِ مَكَانَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِنْ حَلَالِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ بَعْدَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ شَيْئًا ضَرَبْتُكَ ضَرْبًا وَجِيعًا» وَأَمَّا الْمَعْنَى فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ الْمُكَلَّفَ مِنَ الانتفاع بالحرام وأمر غيره بمنعه منه والانتفاع به، من مَنَعَ مِنْ أَخْذِ الشَّيْءِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ لَا يُقَالُ إِنَّهُ رَزَقَهُ إِيَّاهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ إِنَّ/ السُّلْطَانَ قَدْ رَزَقَ جُنْدَهُ مَالًا قَدْ مَنَعَهُمْ مِنْ أَخْذِهِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: إِنَّهُ رَزَقَهُمْ مَا مَكَّنَهُمْ مِنْ أَخْذِهِ وَلَا يَمْنَعُهُمْ مِنْهُ وَلَا أَمَرَ بِمَنْعِهِمْ مِنْهُ، أَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالْآيَاتِ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ مِنَ اللَّهِ، لَكِنَّهُ كَمَا يُقَالُ: يَا خَالِقَ الْمُحْدَثَاتِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ، وَلَا يُقَالُ: يَا خَالِقَ الْكِلَابِ وَالْخَنَازِيرِ، وَقَالَ: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [الْإِنْسَانِ: 6] فَخَصَّ اسْمَ الْعِبَادِ بِالْمُتَّقِينَ، وَإِنْ كَانَ الْكُفَّارُ أَيْضًا مِنَ الْعِبَادِ، وَكَذَلِكَ هاهنا خَصَّ اسْمَ الرِّزْقِ بِالْحَلَالِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ وَإِنْ كَانَ الْحَرَامُ رِزْقًا أَيْضًا، وَأَجَابُوا عَنِ التَّمَسُّكِ بِالْخَبَرِ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «فَاخْتَرْتَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ رِزْقِهِ» صَرِيحٌ فِي أَنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ حَرَامًا وَأَجَابُوا عَنِ الْمَعْنَى بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَحْضُ اللُّغَةِ وَهُوَ أَنَّ الْحَرَامَ هَلْ يُسَمَّى رِزْقًا أَمْ لَا؟ وَلَا مَجَالَ لِلدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ فِي الْأَلْفَاظِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَصْلُ الْإِنْفَاقِ إِخْرَاجُ الْمَالِ مِنَ الْيَدِ، وَمِنْهُ نَفَقَ الْمَبِيعُ نَفَاقًا إِذَا كَثُرَ الْمُشْتَرُونَ لَهُ، وَنَفَقَتِ الدَّابَّةُ إِذَا مَاتَتْ أَيْ خَرَجَ رُوحُهَا، وَنَافِقَاءُ الْفَأْرَةِ لِأَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْهُ النَّفَقُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ [الْأَنْعَامِ: 35] . الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: فِي قَوْلِهِ: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فَوَائِدُ: أَحَدُهَا: أَدْخَلَ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةَ صيانة لهم، وكفى عَنِ: الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَثَانِيهَا: قَدَّمَ مَفْعُولَ الْفِعْلِ دَلَالَةً عَلَى كَوْنِهِ أَهَمَّ، كَأَنَّهُ قَالَ وَيَخُصُّونَ بَعْضَ الْمَالِ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ. وَثَالِثُهَا: يَدْخُلُ فِي الْإِنْفَاقِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، الْإِنْفَاقُ الْوَاجِبُ، وَالْإِنْفَاقُ الْمَنْدُوبُ، وَالْإِنْفَاقُ الْوَاجِبُ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا: الزَّكَاةُ وَهِيَ قَوْلُهُ فِي آيَةِ الْكَنْزِ: وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التَّوْبَةِ: 34] . وَثَانِيهَا: الْإِنْفَاقُ عَلَى النَّفْسِ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ. وَثَالِثُهَا: الْإِنْفَاقُ فِي الْجِهَادِ. وَأَمَّا الْإِنْفَاقُ الْمَنْدُوبُ فَهُوَ أَيْضًا إِنْفَاقٌ لِقَوْلِهِ: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ وَأَرَادَ بِهِ الصَّدَقَةَ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ:
[سورة البقرة (2) : آية 4]
فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [الْمُنَافِقُونَ: 10] فَكُلُّ هَذِهِ الْإِنْفَاقَاتِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْآيَةِ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ سبب لاستحقاق المدح. [سورة البقرة (2) : آية 4] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) اعْلَمْ أَنَّ قوله: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3] عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُؤْمِنًا بِمُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، أَوْ مَا كَانَ مُؤْمِنًا بِهِمَا، وَدَلَالَةُ اللَّفْظِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا دَخَلَ فِيهِ التَّخْصِيصُ أَضْعَفُ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ الْخَاصِّ عَلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ، لِأَنَّ الْعَامَّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ وَالْخَاصَّ لَا يَحْتَمِلُهُ فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً، وَقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 2، 3] فَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَمْثَالِهِ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ لِأَنَّ فِي هَذَا التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ مَزِيدَ تَشْرِيفٍ لَهُمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [الْبَقَرَةِ: 98] ثُمَّ تَخْصِيصُ/ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَمْثَالِهِ بِهَذَا التَّشْرِيفِ تَرْغِيبٌ لِأَمْثَالِهِ فِي الدِّينِ، فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي ذِكْرِ هَذَا الْخَاصِّ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامِّ، ثُمَّ نَقُولُ. أَمَّا قَوْلُهُ: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: لَا نِزَاعَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا عُدِّيَ بِالْبَاءِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّصْدِيقُ، فَإِذَا قُلْنَا فُلَانٌ آمَنَ بِكَذَا، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ صَدَّقَ بِهِ وَلَا يَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُ صَامَ وَصَلَّى، فَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ ها هنا التَّصْدِيقُ بِالِاتِّفَاقِ لَكِنْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنَ المعرفة لأن الإيمان ها هنا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ وَالْمُصَدِّقُ مَعَ الشَّكِّ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا فَهُوَ إِلَى الذَّمِّ أَقْرَبُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُرَادُ مِنْ إِنْزَالِ الْوَحْيِ وَكَوْنِ الْقُرْآنِ مُنْزَلًا، وَمُنَزَّلًا، وَمَنْزُولًا بِهِ، أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَمِعَ فِي السَّمَاءِ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى فَنَزَلَ عَلَى الرَّسُولِ بِهِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: نَزَلَتْ رِسَالَةُ الْأَمِيرِ مِنَ الْقَصْرِ، وَالرِّسَالَةُ لَا تَنْزِلُ لَكِنَّ الْمُسْتَمِعَ يَسْمَعُ الرِّسَالَةَ من علو فينزل ويؤدي في سفل. وقوله الْأَمِيرِ لَا يُفَارِقُ ذَاتَهُ، وَلَكِنَّ السَّامِعَ يَسْمَعُ فَيَنْزِلُ وَيُؤَدِّي بِلَفْظِ نَفْسِهِ، وَيُقَالُ فُلَانٌ يَنْقُلُ الْكَلَامَ إِذَا سَمِعَ فِي مَوْضِعٍ وَأَدَّاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ سَمِعَ جِبْرِيلُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامُهُ لَيْسَ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ عِنْدَكُمْ؟ قُلْنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ سَمْعًا لِكَلَامِهِ ثُمَّ أَقْدَرَهُ عَلَى عِبَارَةٍ يُعَبِّرُ بِهَا عَنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ الْقَدِيمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ خَلَقَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كِتَابَةً بِهَذَا النَّظْمِ الْمَخْصُوصِ فَقَرَأَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَحَفِظَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ أَصْوَاتًا مُقَطَّعَةً بِهَذَا النَّظْمِ الْمَخْصُوصِ فِي جِسْمٍ مَخْصُوصٍ فَيَتَلَقَّفَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيَخْلُقَ لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأَنَّهُ هُوَ الْعِبَارَةُ الْمُؤَدِّيَةُ لِمَعْنَى ذَلِكَ الْكَلَامِ الْقَدِيمِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ هَذَا الْإِيمَانُ وَاجِبٌ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الْبَقَرَةِ: 5] فَثَبَتَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا الْإِيمَانُ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مُفْلِحًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَجَبَ تَحْصِيلُ الْعِلْمِ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُومَ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عِلْمًا وَعَمَلًا إِلَّا إِذَا عَلِمَهُ عَلَى سَبِيلِ التفصيل، ولأنه إِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ، إِلَّا أَنَّ تَحْصِيلَ هَذَا الْعِلْمِ وَاجِبٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ، فَإِنَّ تَحْصِيلَ الْعِلْمِ بِالشَّرَائِعِ النَّازِلَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْعَامَّةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا أُنْزِلَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا
[سورة البقرة (2) : آية 5]
قَبْلَ مُحَمَّدٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا تَعَبَّدَنَا الْآنَ بِهِ حَتَّى يُلْزِمَنَا مَعْرِفَتَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ، بَلْ إِنْ عَرَفْنَا شَيْئًا مِنْ تَفَاصِيلِهِ فَهُنَاكَ يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِتِلْكَ التَّفَاصِيلِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْآخِرَةُ صِفَةُ الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنِ الدُّنْيَا وَقِيلَ لِلدُّنْيَا دُنْيَا لِأَنَّهَا أَدْنَى مِنَ الْآخِرَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْيَقِينُ هُوَ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ كَانَ صَاحِبُهُ شَاكًّا فِيهِ، فَلِذَلِكَ لَا يَقُولُ الْقَائِلُ: تَيَقَّنْتُ وُجُودَ نَفْسِي، وَتَيَقَّنْتُ أَنَّ السَّمَاءَ فَوْقِي لِمَا أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ غَيْرُ مُسْتَدْرَكٍ، وَيُقَالُ ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ/ الْحَادِثِ بِالْأُمُورِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ ضَرُورِيًّا أَوِ اسْتِدْلَالِيًّا، فَيَقُولُ الْقَائِلُ: تَيَقَّنْتُ مَا أَرَدْتُهُ بِهَذَا الْكَلَامِ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ مُرَادَهُ بِالِاضْطِرَارِ، وَيَقُولُ تَيَقَّنْتُ أَنَّ الْإِلَهَ وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَهُ بِالِاكْتِسَابِ، وَلِذَلِكَ لَا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ الْأَشْيَاءَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَهُمْ عَلَى كَوْنِهِمْ مُتَيَقِّنِينَ بِالْآخِرَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُمْدَحُ الْمَرْءُ بِأَنْ يَتَيَقَّنَ وُجُودَ الْآخِرَةِ فَقَطْ، بَلْ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ إِلَّا إِذَا تَيَقَّنَ وُجُودَ الْآخِرَةِ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْحِسَابِ وَالسُّؤَالِ وَإِدْخَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ، وَالْكَافِرِينَ النَّارَ. رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «يَا عَجَبًا كُلَّ الْعَجَبِ مِنَ الشَّاكِّ فِي اللَّهِ وَهُوَ يَرَى خَلْقَهُ، وَعَجَبًا مِمَّنْ يَعْرِفُ النَّشْأَةَ الْأُولَى ثُمَّ يُنْكِرُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ، وَعَجَبًا مِمَّنْ يُنْكِرُ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ وَهُوَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ يَمُوتُ وَيَحْيَا - يَعْنِي النَّوْمَ وَالْيَقَظَةَ- وَعَجَبًا مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِالْجَنَّةِ وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ ثُمَّ يَسْعَى لِدَارِ الْغُرُورِ، وَعَجَبًا مِنَ الْمُتَكَبِّرِ الْفَخُورِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ أَوَّلَهُ نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة» . [سورة البقرة (2) : آية 5] أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) اعْلَمْ أَنَّ فِي الْآيَةِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا وُجُوهٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنْوِيَ الِابْتِدَاءَ ب الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3] وذلك لأنه لما قيل: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] فَخَصَّ الْمُتَّقِينَ بِأَنَّ الْكِتَابَ هُدًى لَهُمْ كَانَ لِسَائِلٍ أَنْ يَسْأَلَ فَيَقُولَ: مَا السَّبَبُ فِي اخْتِصَاصِ الْمُتَّقِينَ بِذَلِكَ؟ فَوَقَعَ قَوْلُهُ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إِلَى قَوْلِهِ: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ جَوَابًا عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: الَّذِي يَكُونُ مشتغلًا بِالْإِيمَانِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْفَوْزِ بِالْفَلَاحِ وَالنَّجَاةِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِ. وَثَانِيهَا: أَنْ لَا يَنْوِيَ الِابْتِدَاءَ بِهِ بَلْ يَجْعَلَهُ تَابِعًا لِلْمُتَّقِينَ ثُمَّ يَقَعُ الِابْتِدَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ كَأَنَّهُ قِيلَ أَيُّ سَبَبٍ فِي أَنْ صَارَ الْمَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ مُخْتَصِّينَ بِالْهُدَى؟ فَأُجِيبَ بأن أولئك الموصوفون غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ أَنْ يَفُوزُوا دُونَ النَّاسِ بِالْهُدَى عَاجِلًا وَبِالْفَلَاحِ آجِلًا. وَثَالِثُهَا: أَنْ يُجْعَلَ الْمَوْصُولُ الْأَوَّلُ صِفَةَ الْمُتَّقِينَ وَيُرْفَعَ الثَّانِي عَلَى الِابْتِدَاءِ وأُولئِكَ خَبَرُهُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ جَعْلَ اخْتِصَاصِهِمْ بِالْفَلَاحِ وَالْهُدَى تَعْرِيضًا بِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ ظَانُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى الْهُدَى وَطَامِعُونَ أَنَّهُمْ يَنَالُونَ الْفَلَاحَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَعْنَى الِاسْتِعْلَاءِ فِي قَوْلِهِ: عَلى هُدىً بَيَانٌ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الْهُدَى وَاسْتِقْرَارِهِمْ عَلَيْهِ حَيْثُ
شُبِّهَتْ حَالُهُمْ بِحَالِ مَنِ اعْتَلَى الشَّيْءَ وَرَكِبَهُ وَنَظِيرُهُ «فُلَانٌ عَلَى الْحَقِّ، أَوْ عَلَى الْبَاطِلِ» وَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ فِي قَوْلِهِمْ: «جَعَلَ الْغِوَايَةَ مَرْكَبًا، وَامْتَطَى الْجَهْلَ» وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي كَوْنِهِمْ عَلَى الْهُدَى تَمَسُّكُهُمْ بِمُوجِبِ الدَّلِيلِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُتَمَسِّكِ بِالدَّلِيلِ أَنْ يَدُومَ عَلَى ذَلِكَ ويحرسه/ عن المطاعن والشبه فكأنه تعالى مدحهم بِالْإِيمَانِ بِمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَمَدَحَهُمْ بِالْإِقَامَةِ عَلَى ذَلِكَ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى حِرَاسَتِهِ عَنِ الشُّبَهِ ثَانِيًا، وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُتَشَدِّدًا فِي الدِّينِ خَائِفًا وَجِلًا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ، وَيَتَأَمَّلَ حَالَهُ فِيهِمَا فَإِذَا حَرَسَ نَفْسَهُ عَنِ الْإِخْلَالِ كَانَ مَمْدُوحًا بِأَنَّهُ عَلَى هُدًى وَبَصِيرَةٍ، وَإِنَّمَا نَكَّرَ هُدىً لِيُفِيدَ ضَرْبًا مُبْهَمًا لَا يُبْلَغُ كُنْهُهُ وَلَا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ كَمَا يُقَالُ لَوْ أَبْصَرْتَ فَلَانًا لَأَبْصَرْتَ رَجُلًا. قَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْهُدَى مِنَ اللَّهِ كَثِيرٌ، وَلَا يُبْصِرُهُ إِلَّا بَصِيرٌ، وَلَا يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا يَسِيرٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ نُجُومَ السَّمَاءِ يُبْصِرُهَا الْبُصَرَاءُ، وَلَا يَهْتَدِي بِهَا إِلَّا الْعُلَمَاءُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي تَكْرِيرِ أُولئِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَمَا ثَبَتَ لَهُمُ الِاخْتِصَاصُ بِالْهُدَى ثَبَتَ لَهُمُ الِاخْتِصَاصُ بِالْفَلَاحِ أَيْضًا، فَقَدْ تَمَيَّزُوا عَنْ غَيْرِهِمْ بِهَذَيْنِ الِاخْتِصَاصَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ جَاءَ مَعَ الْعَاطِفِ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [الْأَعْرَافِ: 179] قُلْنَا: قَدِ اخْتَلَفَ الْخَبَرَانِ هُنَا فَلِذَلِكَ دَخَلَ الْعَاطِفُ بِخِلَافِ الْخَبَرَيْنِ ثَمَّتَ فَإِنَّهُمَا مُتَّفِقَانِ لِأَنَّ التَّسْجِيلَ عَلَيْهِمْ بِالْغَفْلَةِ وَتَشْبِيهَهُمْ بِالْبَهَائِمِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَكَانَتِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ مُقَرِّرَةً لِمَا فِي الْأُولَى فَهِيَ مِنَ الْعَطْفِ بِمَعْزِلٍ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هُمُ فَصْلٌ وَلَهُ فَائِدَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْوَارِدَ بَعْدَهُ خَبَرٌ لَا صِفَةٌ وَثَانِيَتُهُمَا: حَصْرُ الْخَبَرِ فِي الْمُبْتَدَأِ، فَإِنَّكَ لَوْ قُلْتَ الْإِنْسَانُ ضَاحِكٌ فَهَذَا لَا يُفِيدُ أَنَّ الضَّاحِكِيَّةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا فِي الْإِنْسَانِ، أَمَّا لَوْ قُلْتَ: الْإِنْسَانُ هُوَ الضَّاحِكُ فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الضَّاحِكِيَّةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا فِي الْإِنْسَانِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: مَعْنَى التَّعْرِيفِ فِي الْمُفْلِحُونَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْمُتَّقِينَ هُمُ النَّاسُ الَّذِينَ بَلَغَكَ أَنَّهُمْ يُفْلِحُونَ فِي الْآخِرَةِ كَمَا إِذَا بَلَغَكَ أَنَّ إِنْسَانًا قَدْ تَابَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِكَ فَاسْتَخْبَرْتَ مَنْ هُوَ؟ فَقِيلَ زَيْدٌ التَّائِبُ، أَيْ هُوَ الَّذِي أُخْبِرْتَ بِتَوْبَتِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمُ الَّذِينَ إِنْ حَصَلَتْ صِفَةُ الْمُفْلِحُونَ فَهُمْ هُمْ، كَمَا تَقُولُ لِصَاحِبِكَ: هَلْ عَرَفْتَ الْأَسَدَ وَمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ فَرْطِ الْإِقْدَامِ؟ إِنَّ زَيْدًا هُوَ هُوَ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الْمُفْلِحُ الظَّافِرُ بِالْمَطْلُوبِ كَأَنَّهُ الَّذِي انْفَتَحَتْ لَهُ وُجُوهُ الظَّفَرِ وَلَمْ تَسْتَغْلِقْ عَلَيْهِ، وَالْمُفْلِجُ بِالْجِيمِ مِثْلُهُ، وَالتَّرْكِيبُ دَالٌّ عَلَى مَعْنَى الشَّقِّ وَالْفَتْحِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الزَّرَّاعُ فَلَّاحًا، وَمَشْقُوقُ الشَّفَةِ السُّفْلَى أَفْلَحَ، وَفِي الْمَثَلِ «الْحَدِيدُ بِالْحَدِيدِ يُفْلَحُ» وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَهُمْ بِالْقِيَامِ بِمَا يَلْزَمُهُمْ عِلْمًا وَعَمَلًا بَيَّنَ نَتِيجَةَ ذَلِكَ وَهُوَ الظَّفَرُ بِالْمَطْلُوبِ الَّذِي هُوَ النَّعِيمُ الدَّائِمُ مِنْ غَيْرِ شَوْبٍ عَلَى وَجْهِ الْإِجْلَالِ وَالْإِعْظَامِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الثَّوَابُ الْمَطْلُوبُ لِلْعِبَادَاتِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: هَذِهِ الْآيَاتُ يَتَمَسَّكُ الْوَعِيدِيَّةُ بِهَا مِنْ وَجْهٍ، وَالْمُرْجِئَةُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. أَمَّا الْوَعِيدِيَّةُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يَقْتَضِي الْحَصْرَ، فَوَجَبَ فِيمَنْ أَخَلَّ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ أَنْ لَا يَكُونَ مُفْلِحًا، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقَطْعَ عَلَى وَعِيدِ تَارِكِ الصَّلَاةِ/ وَالزَّكَاةِ. الثَّانِي: أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الْوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْفَلَاحِ هِيَ فِعْلَ الْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَمَنْ أَخَلَّ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلَّةُ الْفَلَاحِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْصُلَ الْفَلَاحُ. أَمَّا الْمُرْجِئَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ حَكَمَ
[سورة البقرة (2) : آية 6]
بِالْفَلَاحِ عَلَى الْمَوْصُوفِينَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُفْلِحًا وَإِنْ زَنَى وَسَرَقَ وَشَرِبَ الْخَمْرَ، وَإِذَا ثَبَتَ فِي هَذِهِ الطَّائِفَةِ تَحَقُّقُ الْعَفْوِ ثَبَتَ فِي غَيْرِهِمْ ضَرُورَةً، إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الِاحْتِجَاجَيْنِ مَعَارَضٌ بِالْآخَرِ فَيَتَسَاقَطَانِ، ثُمَّ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الْوَعِيدِيَّةِ: أَنَّ قَوْلَهُ: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمُ الْكَامِلُونَ فِي الْفَلَاحِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ غَيْرَ كَامِلٍ فِي الْفَلَاحِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ، فَإِنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ كَامِلًا فِي الْفَلَاحِ وَهُوَ غَيْرُ جَازِمٍ بِالْخَلَاصِ مِنَ الْعَذَابِ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَكُونَ خَائِفًا مِنْهُ، وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ نَفْيَ السَّبَبِ الْوَاحِدِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُسَبَّبِ، فَعِنْدَنَا مِنْ أَسْبَابِ الْفَلَاحِ عَفْوُ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ: أَنَّ وَصْفَهُمْ بِالتَّقْوَى يَكْفِي فِي نَيْلِ الثَّوَابِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ اتِّقَاءَ الْمَعَاصِي، وَاتِّقَاءَ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ والله أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 6] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) اعْلَمْ أَنَّ فِي الْآيَةِ مَسَائِلَ نَحْوِيَّةً، وَمَسَائِلَ أُصُولِيَّةً، وَنَحْنُ نَأْتِي عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ إِنَّ حَرْفٌ وَالْحَرْفُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْعَمَلِ، لَكِنَّ هَذَا الْحَرْفَ أَشْبَهَ الْفِعْلَ صُورَةً وَمَعْنًى، وَتِلْكَ الْمُشَابَهَةُ تَقْتَضِي كَوْنَهَا عَامِلَةً، وَفِيهِ مُقَدِّمَاتٌ: الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: فِي بَيَانِ الْمُشَابَهَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمُشَابَهَةَ حَاصِلَةٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، أَمَّا فِي اللَّفْظِ فَلِأَنَّهَا تَرَكَّبَتْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ وَانْفَتَحَ آخِرُهَا وَلَزِمَتِ الْأَسْمَاءَ كَالْأَفْعَالِ، وَيَدْخُلُهَا نُونُ الْوِقَايَةِ نَحْوَ إِنَّنِي وَكَأَنَّنِي، كَمَا يَدْخُلُ عَلَى الْفِعْلِ نَحْوَ: أَعْطَانِي وَأَكْرَمَنِي، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّهَا تُفِيدُ حُصُولَ مَعْنًى فِي الِاسْمِ وَهُوَ تَأَكُّدُ مَوْصُوفِيَّتِهِ بِالْخَبَرِ، كَمَا أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: قَامَ زَيْدٌ، فَقَوْلُكَ قَامَ أَفَادَ حُصُولَ مَعْنًى فِي الِاسْمِ الْمُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتِ الْأَفْعَالَ وَجَبَ أَنْ تُشْبِهَهَا فِي الْعَمَلِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى الدَّوَرَانِ الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ: فِي أَنَّهَا لِمَ نَصَبَتِ الِاسْمَ وَرَفَعَتِ الْخَبَرَ؟ وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا لَمَّا صَارَتْ عَامِلَةً فَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ مَعًا، أَوْ تَنْصِبَهُمَا مَعًا، أَوْ تَرْفَعَ الْمُبْتَدَأَ وَتَنْصِبَ الْخَبَرَ وَبِالْعَكْسِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ كَانَا قَبْلَ دُخُولِ إِنَّ عَلَيْهِمَا مَرْفُوعَيْنِ، فَلَوْ بَقِيَا كَذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِهَا عَلَيْهِمَا لَمَا ظَهَرَ لَهُ أَثَرٌ الْبَتَّةَ، وَلِأَنَّهَا أُعْطِيَتْ عَمَلَ الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ لَا يرفع الاسمين فلا معنى للاشتراك والفزع لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنَ الْأَصْلِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّ هَذَا أَيْضًا مُخَالِفٌ لِعَمَلِ الْفِعْلِ، / لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَنْصِبُ شَيْئًا مَعَ خُلُوِّهِ عَمَّا يَرْفَعُهُ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ عَمَلُهُ فِي الْفَاعِلِ أَوَّلًا بِالرَّفْعِ ثُمَّ فِي الْمَفْعُولِ بِالنَّصْبِ، فَلَوْ جُعِلَ الحرف هاهنا كَذَلِكَ لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ. وَلَمَّا بَطَلَتِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ تَعَيَّنَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنَّهَا تَنْصِبُ الِاسْمَ وَتَرْفَعُ الْخَبَرَ، وَهَذَا مِمَّا يُنَبِّهُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ دَخِيلَةٌ فِي الْعَمَلِ لَا أَصْلِيَّةٌ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْمَنْصُوبِ عَلَى الْمَرْفُوعِ فِي بَابِ الْفِعْلِ عُدُولٌ عَنِ الْأَصْلِ فذلك يدل هاهنا عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ لِهَذِهِ الْحُرُوفِ لَيْسَ بِثَابِتٍ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ بَلْ بِطَرِيقٍ عَارِضٍ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هَذَا الْحَرْفُ يَنْصِبُ الِاسْمَ وَيَرْفَعُ الْخَبَرَ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي رَفْعِ الْخَبَرِ بَلْ هُوَ مُرْتَفِعٌ بِمَا كَانَ مُرْتَفِعًا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. حُجَّةُ الْبَصْرِيِّينَ: أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ تُشْبِهُ الْفِعْلَ مُشَابَهَةً تَامَّةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَالْفِعْلُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، فَهَذِهِ الْحُرُوفُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ. وَحَجَّةُ الْكُوفِيِّينَ مِنْ
وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَعْنَى الْخَبَرِيَّةِ باقٍ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ أَوْلَى بِاقْتِضَاءِ الرَّفْعِ فَتَكُونُ الْخَبَرِيَّةُ رَافِعَةً، وَإِذَا كَانَتِ الْخَبَرِيَّةُ رَافِعَةً اسْتَحَالَ ارتفاعه بهذه الحروف، فهذه مقدمات ثلاثة: أحدها: قَوْلُنَا: الْخَبَرِيَّةُ بَاقِيَةٌ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَبَرِيَّةِ كَوْنُ الْخَبَرِ مُسْنَدًا إِلَى الْمُبْتَدَأِ، وَبَعْدَ دُخُولِ حَرْفِ «إِنَّ» عَلَيْهِ فَذَاكَ الْإِسْنَادُ باقٍ. وثانيها: قولنا: الخبرية هاهنا مُقْتَضِيَةٌ لِلرَّفْعِ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخَبَرِيَّةَ كَانَتْ قَبْلَ دُخُولِ «إِنَّ» مُقْتَضِيَةً لِلرَّفْعِ وَلَمْ يَكُنْ عَدَمُ الْحَرْفِ هُنَاكَ جُزْءًا مِنَ الْمُقْتَضَى لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جُزْءَ الْعِلَّةِ، فَبَعْدَ دُخُولِ هَذِهِ الْحُرُوفِ كَانَتِ الْخَبَرِيَّةُ مُقْتَضِيَةً لِلرَّفْعِ، لِأَنَّ الْمُقْتَضَى بِتَمَامِهِ لَوْ حَصَلَ وَلَمْ يُؤَثِّرْ لَكَانَ ذَلِكَ لِمَانِعٍ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. وَثَالِثُهَا: قَوْلُنَا: الْخَبَرِيَّةُ أَوْلَى بِالِاقْتِضَاءِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ كَوْنَهُ خَبَرًا وَصْفٌ حَقِيقِيٌّ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَذَلِكَ الْحَرْفُ أَجْنَبِيٌّ مُبَايِنٌ عَنْهُ وَكَمَا أَنَّهُ مُبَايِنٌ عَنْهُ فَغَيْرُ مُجَاوِرٍ لَهُ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَخَلَّلُهُمَا. الثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ يُشَابِهُ الْفِعْلَ مُشَابَهَةً حَقِيقِيَّةً مَعْنَوِيَّةً وَهُوَ كَوْنُ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْنَدًا إِلَى الْغَيْرِ، أَمَّا الْحَرْفُ فَإِنَّهُ لَا يُشَابِهُ الْفِعْلَ فِي وَصْفٍ حَقِيقِيٍّ مَعْنَوِيٍّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِسْنَادٌ، فَكَانَتْ مُشَابَهَةُ الْخَبَرِ لِلْفِعْلِ أَقْوَى مِنْ مُشَابَهَةِ هَذَا الْحَرْفِ لِلْفِعْلِ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَتِ الْخَبَرِيَّةُ بِاقْتِضَاءِ الرَّفْعِ لِأَجْلِ مُشَابَهَةِ الْفِعْلِ أَوْلَى مِنَ الْحَرْفِ بِسَبَبِ مُشَابَهَتِهِ لِلْفِعْلِ وَرَابِعُهَا: لَمَّا كَانَتِ الْخَبَرِيَّةُ أَقْوَى فِي اقْتِضَاءِ الرَّفْعِ اسْتَحَالَ كَوْنُ هَذَا الْحَرْفِ رَافِعًا، لِأَنَّ الْخَبَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الْحَرْفِ أَوْلَى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ الْحُكْمُ بالخبرية قبل حصول هذا الحرف، فيعد وُجُودِ هَذَا الْحَرْفِ لَوْ أُسْنِدَ هَذَا الْحُكْمُ إِلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ، وَهُوَ مُحَالٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ سِيبَوَيْهِ وَافَقَ عَلَى أَنَّ الْحَرْفَ غَيْرُ أَصْلٍ فِي الْعَمَلِ فَيَكُونُ إِعْمَالُهُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، وَمَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِإِعْمَالِهَا فِي الِاسْمِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُعْمِلَهَا فِي الخبر. المسألة الثالثة: [في إشكال الكندي المتفلسف في وجود الحشو في كلام العرب] رَوَى الْأَنْبَارِيُّ أَنَّ الْكِنْدِيَّ الْمُتَفَلْسِفَ رَكِبَ إِلَى الْمُبَرِّدِ وَقَالَ: إِنِّي أَجِدُ/ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ حَشْوًا، أَجِدُ الْعَرَبَ تَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ قَائِمٌ، ثُمَّ تَقُولُ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَائِمٌ، ثُمَّ تَقُولُ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَقَائِمٌ، فَقَالَ الْمُبَرِّدُ: بَلِ الْمَعَانِي مُخْتَلِفَةٌ لِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ، فَقَوْلُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ قَائِمٌ إِخْبَارٌ عَنْ قِيَامِهِ، وَقَوْلُهُمْ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَائِمٌ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ، وَقَوْلُهُمْ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَقَائِمٌ جَوَابٌ عَنْ إِنْكَارِ مُنْكِرٍ لِقِيَامِهِ، وَاحْتَجَّ عَبْدُ الْقَاهِرِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِأَنَّهَا إِنَّمَا تُذْكَرُ جَوَابًا لِسُؤَالِ السَّائِلِ بِأَنْ قَالَ إِنَّا رَأَيْنَاهُمْ قَدْ أَلْزَمُوهَا الْجُمْلَةَ مِنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ إِذَا كَانَ جَوَابًا لِلْقَسَمِ نَحْوَ وَاللَّهِ إِنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ وَيَدُلُّ عليه من التنزيل قوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ [الْكَهْفِ: 83] وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ [الْكَهْفِ: 13] وَقَوْلُهُ: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشُّعَرَاءِ: 216] وَقَوْلُهُ: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الْأَنْعَامِ: 56] وَقَوْلُهُ: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [الحجر: 89] وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُجِيبَ بِهِ الْكُفَّارَ فِي بَعْضِ مَا جَادَلُوا ونظروا فيه، وعليه قوله: أْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الشُّعَرَاءِ: 16] وقوله: وَقالَ مُوسى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [الْأَعْرَافِ: 104] وَفِي قِصَّةِ السَّحَرَةِ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ [الْأَعْرَافِ: 125] إِذْ مِنَ الظَّاهِرِ أَنَّهُ جَوَابُ فِرْعَوْنَ عَنْ قَوْلُهُ: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [طه: 71 الشعراء: 49] وَقَالَ عَبْدُ الْقَاهِرِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ وَإِذَا كَانَ الْخَبَرُ بِأَمْرٍ لَيْسَ لِلْمُخَاطَبِ ظَنٌّ فِي خِلَافِهِ لَمْ يُحْتَجْ هُنَاكَ إِلَى «إِنَّ» وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ السَّامِعُ ظَنَّ الْخِلَافَ، وَلِذَلِكَ تَرَاهَا تَزْدَادُ حُسْنًا
إِذَا كَانَ الْخَبَرُ بِأَمْرٍ يَبْعُدُ مِثْلُهُ كَقَوْلِ أبي نواس: عليك بِالْيَأْسِ مِنَ النَّاسِ ... إِنَّ غِنَى نَفْسِكَ فِي الْيَاسِ وَإِنَّمَا حَسُنَ مَوْقِعُهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَحْمِلُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْيَأْسِ. وَأَمَّا جَعْلُهَا مَعَ اللَّامِ جَوَابًا لِلْمُنْكِرِ فِي قَوْلِكَ: «إِنَّ زَيْدًا لَقَائِمٌ» فَجَيِّدٌ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ مَعَ الْمُنْكَرِ كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى التَّأْكِيدِ أَشَدَّ، وَكَمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْكَارُ مِنَ السَّامِعِ احْتَمَلَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحَاضِرِينَ. وَاعْلَمْ أَنَّهَا قَدْ تَجِيءُ إِذَا ظَنَّ الْمُتَكَلِّمُ فِي الَّذِي وَجَدَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ مِثْلُ قَوْلِكَ: إِنَّهُ كَانَ مِنِّي إِلَيْهِ إِحْسَانٌ فَعَامَلَنِي بِالسُّوءِ، فَكَأَنَّكَ تَرُدُّ عَلَى نَفْسِكَ ظَنَّكَ الَّذِي ظَنَنْتَ وَتُبَيِّنُ الْخَطَأَ فِي الَّذِي تَوَهَّمْتَ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أُمِّ مَرْيَمَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ [آلِ عِمْرَانَ: 36] وَكَذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ [الشُّعَرَاءِ: 117] . أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ كَفَرُوا فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّهُ صَعْبٌ عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ ذِكْرُ حَدِّ الْكُفْرِ، وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا يُنْقَلُ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَيْهِ وَقَالَ بِهِ فَإِمَّا أَنْ يُعْرَفَ صِحَّةُ ذَلِكَ النَّقْلِ بِالضَّرُورَةِ أَوْ بِالِاسْتِدْلَالِ أَوْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الَّذِي عُرِفَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِ فَمَنْ صَدَّقَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي ذَلِكَ، فَإِمَّا بِأَنْ لَا يُصَدِّقَهُ فِي جَمِيعِهَا أَوْ بِأَنْ لَا يُصَدِّقَهُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، فَذَلِكَ هُوَ الْكَافِرُ، فَإِذَنِ الْكُفْرُ عَدَمُ تَصْدِيقِ/ الرَّسُولِ فِي شَيْءٍ مِمَّا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيئُهُ بِهِ، وَمِثَالُهُ مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ الصَّانِعِ، أَوْ كَوْنَهُ عَالِمًا قَادِرًا مُخْتَارًا أَوْ كَوْنَهُ وَاحِدًا أَوْ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ النَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ، أو أنكر محمد صلى الله عليه وسلم أن صِحَّةَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ أَوْ أَنْكَرَ الشَّرَائِعَ الَّتِي عَلِمْنَا بِالضَّرُورَةِ كَوْنَهَا مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَحُرْمَةِ الرِّبَا وَالْخَمْرِ، فَذَلِكَ يَكُونُ كَافِرًا، لِأَنَّهُ تَرَكَ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ فِيمَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنه من دينه. فأما الذي يعرف بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ مِنْ دِينِهِ مِثْلُ كَوْنِهِ عَالِمًا بِالْعِلْمِ أَوْ لِذَاتِهِ وَأَنَّهُ مَرْئِيٌّ أَوْ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، وَأَنَّهُ خَالِقٌ أَعْمَالَ الْعِبَادِ أَمْ لَا فَلَمْ يُنْقَلْ بِالتَّوَاتُرِ الْقَاطِعِ لِعُذْرِ مَجِيئِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ دُونَ الثَّانِي، بَلْ إِنَّمَا يُعْلَمُ صِحَّةُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَبُطْلَانُ الثَّانِي بِالِاسْتِدْلَالِ، فَلَا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ إِنْكَارُهُ، وَلَا الْإِقْرَارُ بِهِ دَاخِلًا فِي مَاهِيَّةِ الْإِيمَانِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْكُفْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ جُزْءَ مَاهِيَّةِ الْإِيمَانِ لَكَانَ يَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِإِيمَانِ أَحَدٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ هَلْ يَعْرِفُ الْحَقَّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَاشْتُهِرَ قَوْلُهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَلَنُقِلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاتُرِ، فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا وَقَّفَ الْإِيمَانَ عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ مَعْرِفَتُهَا مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا إِنْكَارُهَا مُوجِبًا لِلْكُفْرِ، وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا نُكَفِّرُ أَرْبَابَ التَّأْوِيلِ. وَأَمَّا الَّذِي لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِرِوَايَةِ الْآحَادِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَوَقُّفُ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ عَلَيْهِ. فَهَذَا قَوْلُنَا فِي حَقِيقَةِ الْكُفْرِ. فَإِنْ قِيلَ يَبْطُلُ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ جِهَةِ الْعَكْسِ بِلُبْسِ الْغِيَارِ وَشَدِّ الزُّنَّارِ وَأَمْثَالِهِمَا فَإِنَّهُ كَفَرَ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ سِوَى تَرْكِ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيئُهُ بِهِ، قُلْنَا هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ كُفْرًا لِأَنَّ التَّصْدِيقَ وَعَدَمَهُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا اطِّلَاعَ لِلْخَلْقِ عَلَيْهِ، وَمِنْ عَادَةِ الشَّرْعِ أَنَّهُ لَا يَبْنِي الْحُكْمَ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى نَفْسِ الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الِاطِّلَاعِ، بَلْ يَجْعَلُ لَهَا مُعَرِّفَاتٍ وَعَلَامَاتٍ ظَاهِرَةً وَيَجْعَلُ تِلْكَ الْمَظَانَّ الظَّاهِرَةَ مَدَارًا لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَيْسَ الْغِيَارُ وَشَدُّ الزُّنَّارِ مِنْ هَذَا الْبَابِ،
فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ يُصَدِّقُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ، فَحَيْثُ أَتَى بِهَا دَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّصْدِيقِ فَلَا جَرَمَ الشَّرْعُ يُفَرِّعُ الْأَحْكَامَ عَلَيْهَا، لَا أَنَّهَا فِي أَنْفُسِهَا كُفْرٌ، فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ الْمُلَخَّصُ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِخْبَارٌ عَنْ كُفْرِهِمْ بِصِيغَةِ الْمَاضِي وَالْإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي يَقْتَضِي كَوْنَ الْمُخْبَرِ عَنْهُ مُتَقَدِّمًا عَلَى ذَلِكَ الْإِخْبَارِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: احْتَجَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ شَيْءٍ مَاضٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الْحِجْرِ: 9] ، إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [الْقَدْرِ: 1] ، إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً [نُوحٍ: 1] عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُحْدَثٌ سَوَاءٌ كَانَ الْكَلَامُ هَذِهِ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتِ أَوْ كَانَ شَيْئًا آخَرَ. قَالُوا لِأَنَّ الْخَبَرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَكُونُ صِدْقًا إِلَّا إِذَا كَانَ مَسْبُوقًا بِالْخَبَرِ عَنْهُ، وَالْقَدِيمُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالْغَيْرِ فَهَذَا الْخَبَرُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، أَجَابَ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْكَلَامِ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ/ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ فِي الْأَزَلِ عَالِمًا بِأَنَّ الْعَالَمَ سَيُوجَدُ، فَلَمَّا أَوْجَدَهُ انْقَلَبَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ سَيُوجَدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عِلْمًا بِأَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِي الْمَاضِي وَلَمْ يَلْزَمْ حُدُوثُ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ كَانَ خَبَرًا بِأَنَّهُمْ سَيَكْفُرُونَ فَلَمَّا وُجِدَ كُفْرُهُمْ صَارَ ذَلِكَ الْخَبَرُ خَبَرًا عَنْ أَنَّهُمْ قَدْ كَفَرُوا وَلَمْ يَلْزَمْ حُدُوثُ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى. الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ [الْفَتْحِ: 27] فَلَمَّا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَنْقَلِبَ ذَلِكَ الْخَبَرُ إِلَى أَنَّهُمْ قَدْ دَخَلُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ، فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ؟ أَجَابَ الْمُسْتَدِلُّ أَوَّلًا عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: عِنْدَ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَأَصْحَابِهِ الْعِلْمُ يَتَغَيَّرُ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْمَعْلُومَاتِ، وَكَيْفَ لَا وَالْعِلْمُ بِأَنَّ الْعَالَمَ غَيْرُ مَوْجُودٍ وَأَنَّهُ سَيُوجَدُ لَوْ بَقِيَ حَالَ وُجُودِ الْعَالَمِ لَكَانَ ذَلِكَ جَهْلًا لَا عِلْمًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ تَغَيُّرُ ذَلِكَ الْعِلْمِ، وَعَلَى هَذَا سَقَطَتْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةُ. وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامَهُ أَصْوَاتٌ مَخْصُوصَةٌ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ فِي الْوَقْتِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى دُخُولِ الْمَسْجِدِ لَا أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، فَنَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنْ يُقَالَ إِنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا تَكَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بَعْدَ صُدُورِ الْكُفْرِ عَنْهُمْ لَا قَبْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ مَتَى قِيلَ ذَلِكَ كَانَ اعْتِرَافًا بِأَنَّ تَكَلُّمَهُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فِي الْأَزَلِ وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ، أَجَابَ الْقَائِلُونَ بِالْقِدَمِ بِأَنَّا لَوْ قُلْنَا إِنَّ الْعِلْمَ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْمَعْلُومِ لَكُنَّا إِمَّا أَنْ نَقُولَ بِأَنَّ الْعَالَمَ سَيُوجَدُ كَانَ حَاصِلًا فِي الْأَزَلِ أَوْ مَا كَانَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فِي الْأَزَلِ كَانَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِالْجَهْلِ. وَذَلِكَ كُفْرٌ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَانَ حَاصِلًا فَزَوَالُهُ يَقْتَضِي زَوَالَ الْقَدِيمِ، وَذَلِكَ سَدُّ بَابِ إِثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا صِيغَةٌ لِلْجَمْعِ مَعَ لَامِ التَّعْرِيفِ وَهِيَ لِلِاسْتِغْرَاقِ بِظَاهِرِهِ ثُمَّ إِنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهَا هَذَا الظَّاهِرَ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْكُفَّارِ أَسْلَمُوا فَعَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يَتَكَلَّمُ بِالْعَامِّ وَيَكُونُ مُرَادُهُ الْخَاصَّ، إِمَّا لِأَجْلِ أَنَّ الْقَرِينَةَ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ ذَلِكَ الْخُصُوصُ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي زَمَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَسُنَ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّلْبِيسِ وَظُهُورِ الْمَقْصُودِ، وَمِثَالُهُ مَا إِذَا كَانَ لِلْإِنْسَانِ فِي الْبَلَدِ جَمْعٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الْأَعْدَاءِ، فَإِذَا قَالَ «إِنَّ النَّاسَ يُؤْذُونَنِي» فَهِمَ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ مُرَادَهُ مِنَ النَّاسِ ذَلِكَ الْجَمْعُ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِمَّا لِأَجْلِ أَنَّ التَّكَلُّمَ بِالْعَامِّ لِإِرَادَةِ الْخَاصِّ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْبَيَانُ مَقْرُونًا بِهِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ بَيَانِ
التَّخْصِيصِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ عَلَى الْقَطْعِ بِالِاسْتِغْرَاقِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا هُوَ الْخَاصُّ وَكَانَتِ الْقَرِينَةُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرَةً فِي زَمَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا جَرَمَ حَسُنَ ذَلِكَ، وَأَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ وُجِدَتْ هَذِهِ الْقَرِينَةُ لَعَرَفْنَاهَا وَحَيْثُ لَمْ نَعْرِفْهَا عَلِمْنَا أَنَّهَا مَا وُجِدَتْ إِلَّا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِعَدَمِ الْوِجْدَانِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُودِ مِنْ أَضْعَفِ الْأَمَارَاتِ الْمُفِيدَةِ لِلظَّنِّ فَضْلًا عَنِ الْقَطْعِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ اسْتِدْلَالَ الْمُعْتَزِلَةِ بِعُمُومَاتِ الْوَعِيدِ عَلَى الْقَطْعِ بِالْوَعِيدِ فِي نِهَايَةِ الضَّعْفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمِنَ الْمُعْتَزِلَةِ مَنِ/ احْتَالَ فِي دَفْعِ ذَلِكَ فَقَالَ إن قوله: إن الذين كفروا لا يؤمنون كَالنَّقِيضِ لِقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُؤْمِنُونَ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُؤْمِنُونَ لَا يَصْدُقُ إِلَّا إِذَا آمَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ فِي جَانِبِ الثُّبُوتِ يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ فِي جَانِبِ النَّفْيِ عَلَى الْعُمُومِ بَلْ يَكْفِي فِي صِدْقِهِ أَنْ لَا يَصْدُرَ الْإِيمَانُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يُؤْمِنْ وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعِ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ الْجَمْعَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمُ الْإِيمَانُ، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا يُؤْمِنُونَ يَكْفِي فِي إِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنْ لَا يُؤْمِنَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يُؤْمِنِ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ وَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا صِيغَةُ الْجَمْعِ وَقَوْلَهُ: لَا يُؤْمِنُونَ أَيْضًا صِيغَةُ جَمْعٍ وَالْجَمْعُ إِذَا قُوبِلَ بِالْجَمْعِ تَوَزَّعَ الْفَرْدُ عَلَى الْفَرْدِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يُؤْمِنُ وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْكَلَامُ الْمَذْكُورُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي المراد هاهنا بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ كَفَرُوا فَقَالَ قَائِلُونَ: إِنَّهُمْ رُؤَسَاءُ الْيَهُودِ الْمُعَانِدُونَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمُرَادُ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، كَأَبِي لَهَبٍ وَأَبِي جَهْلٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَضْرَابِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا بَعْدَ الْبَيِّنَةِ، وَأَنْكَرُوا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ وَنَظِيرُهُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [فُصِّلَتْ: 4، 5] وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَرِيصًا عَلَى أَنْ يُؤْمِنَ قَوْمُهُ جَمِيعًا حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الْكَهْفِ: 6] وَقَالَ: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يُونُسَ: 99] ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيَّنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ لِيَقْطَعَ طَمَعَهُ عَنْهُمْ وَلَا يَتَأَذَّى بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْيَأْسَ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : سَواءٌ اسْمٌ بِمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ وُصِفَ بِهِ كَمَا يوصف بالمصادر ومنه قَوْلُهُ تَعَالَى: تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ [آلِ عِمْرَانَ: 64] فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ [فُصِّلَتْ: 10] بِمَعْنَى مُسْتَوِيَةٍ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إِنْذَارُكَ وَعَدَمُهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي ارْتِفَاعِ سَوَاءٌ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ارتفاعه على أنه خبر لأن وأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِهِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إِنْذَارُكَ وَعَدَمُهُ كَمَا تَقُولُ: إِنَّ زَيْدًا مُخْتَصِمٌ أَخُوهُ وَابْنُ عَمِّهِ. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ فِي مَوْضِعِ الِابْتِدَاءِ وَسَوَاءٌ خَبَرُهُ مُقَدَّمًا بِمَعْنَى سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ إِنْذَارُكَ وَعَدَمُهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ لِإِنَّ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ أَوْلَى، لِأَنَّ «سَوَاءٌ» اسْمٌ، وَتَنْزِيلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ يَكُونُ تَرْكًا لِلظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُرَادَ وَصْفُ الْإِنْذَارِ وَعَدَمُ الْإِنْذَارِ بِالِاسْتِوَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَوَاءٌ خَبَرًا فَيَكُونُ الْخَبَرُ مُقَدَّمًا. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أن
تَقْدِيمَ الْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ جَائِزٌ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ [الْجَاثِيَةِ: 21] وَرَوَى سِيبَوَيْهِ قَوْلَهُمْ: «تَمِيمِيٌّ أَنَا» / «وَمَشْنُوءٌ مَنْ يَشْنَؤُكَ» أَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَهُ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: الْمُبْتَدَأُ ذَاتٌ، وَالْخَبَرُ صِفَةٌ، وَالذَّاتُ قَبْلَ الصِّفَةِ بِالِاسْتِحْقَاقِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهَا فِي اللَّفْظِ قِيَاسًا عَلَى تَوَابِعِ الْإِعْرَابِ وَالْجَامِعُ التَّبَعِيَّةُ الْمَعْنَوِيَّةُ. الثَّانِي: أَنَّ الْخَبَرَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَتَضَمَّنَ الضَّمِيرَ، فَلَوْ قُدِّمَ الْخَبَرُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لَوُجِدَ الضَّمِيرُ قَبْلَ الذِّكْرِ، وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي أُشِيرَ بِهِ إِلَى أَمْرٍ مَعْلُومٍ، فَقَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ امْتَنَعَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، فَكَانَ الْإِضْمَارُ قَبْلَ الذِّكْرِ مُحَالًا، أَجَابَ الْبَصْرِيُّونَ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ تَقَدُّمُ الْمُبْتَدَأِ أَوْلَى، لَا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ الْإِضْمَارَ قَبْلَ الذِّكْرِ وَاقِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، كَقَوْلِهِمْ: «فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ» قَالَ تَعَالَى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى [طه: 67] وَقَالَ زُهَيْرٌ: مَنْ يَلْقَ يَوْمًا عَلَى عِلَّاتِهِ هَرِمًا ... يَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ وَالنَّدَى خُلُقًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ، لِأَنَّ مَنْ قَالَ: خَرَجَ ضَرَبَ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِكَلَامٍ مُنْتَظِمٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَحَ فِيهِ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ فِعْلٌ وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: سَواءٌ عَلَيْهِمْ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [يُوسُفَ: 35] فَاعِلُ «بَدَا» هُوَ «لَيَسْجُنُنَّهُ» وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِعْلًا، فَالْفِعْلُ قَدْ أُخْبِرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ فِعْلٌ فَإِنْ قِيلَ: الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ فِعْلٌ هُوَ تِلْكَ الْكَلِمَةُ، وَتِلْكَ الْكَلِمَةُ اسْمٌ قُلْنَا فَعَلَى هَذَا: الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ فِعْلٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا بَلِ اسْمًا كَانَ هَذَا الْخَبَرُ كَذِبًا، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ فِعْلٌ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمًا أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ كَذِبًا، لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَكُونُ فِعْلًا، وَإِنْ كَانَ فِعْلًا فَقَدْ صَارَ الْفِعْلُ مُخْبَرًا عَنْهُ وَثَالِثُهَا: أَنَّا إِذَا قُلْنَا: الْفِعْلُ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ فَقَدْ أَخْبَرْنَا عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ، وَالْمُخْبَرُ عَنْهُ بِهَذَا الْخَبَرِ لَوْ كَانَ اسْمًا لَزِمَ أَنَّا قَدْ أَخْبَرْنَا عَنِ الِاسْمِ بِأَنَّهُ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ، وَهَذَا خَطَأٌ وَإِنْ كَانَ فِعْلًا صَارَ الْفِعْلُ مُخْبَرًا عَنْهُ ثُمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْفِعْلِ لَمْ يَكُنْ بِنَا حَاجَةٌ إِلَى تَرْكِ الظَّاهِرِ. أَمَّا جُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ فَقَدْ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِخْبَارُ عَنِ الْفِعْلِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ التَّقْدِيرُ: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ إِنْذَارُكَ وَعَدَمُ إِنْذَارِكَ، فَإِنْ قِيلَ الْعُدُولُ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ زَائِدَةٍ إِمَّا فِي الْمَعْنَى أَوْ فِي اللَّفْظِ فَمَا تِلْكَ الْفَائِدَةُ هاهنا؟ قُلْنَا قَوْلُهُ: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ مَعْنَاهُ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ إِنْذَارُكَ وَعَدَمُ إِنْذَارِكَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا قَدْ بَلَغُوا فِي الْإِصْرَارِ وَاللَّجَاجِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ إِلَى حَالَةٍ مَا بَقِيَ فِيهِمُ الْبَتَّةَ رَجَاءُ الْقَبُولِ بِوَجْهٍ. وَقَبْلَ ذَلِكَ مَا كَانُوا كَذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ إِنْذَارُكَ وَعَدَمُ إِنْذَارِكَ لَمَا أَفَادَ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى إِنَّمَا حَصَلَ فِي هَذَا الْوَقْتِ دُونَ مَا قَبْلَهُ، وَلَمَّا قَالَ: أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ أَفَادَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ إِنَّمَا حَصَلَتْ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَكَانَ ذَلِكَ يُفِيدُ حُصُولَ الْيَأْسِ وَقَطْعَ الرَّجَاءِ مِنْهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ذَلِكَ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : «الْهَمْزَةُ» وَ «أَمْ» مُجَرَّدَتَانِ لِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ وَقَدِ انْسَلَخَ عَنْهُمَا مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ رَأْسًا، قَالَ سِيبَوَيْهِ: جَرَى هَذَا عَلَى حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ كَمَا جَرَى عَلَى حَرْفِ النِّدَاءِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ
اغْفِرْ لَنَا أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ، يَعْنِي أَنَّ هَذَا جَرَى عَلَى صُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَلَا اسْتِفْهَامَ، كَمَا أَنَّ ذَلِكَ جَرَى عَلَى صُورَةِ النِّدَاءِ وَلَا نِدَاءَ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي قَوْلِهِ: أَأَنْذَرْتَهُمْ سِتُّ قِرَاءَاتٍ: إِمَّا بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، أَوْ لَا أَلِفَ بَيْنَهُمَا، أَوْ بِأَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ الْأُولَى قَوِيَّةً وَالثَّانِيَةُ بَيْنَ بَيْنَ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، أَوْ لَا أَلِفَ بَيْنَهُمَا وَبِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ، وَبِحَذْفِهِ وَإِلْقَاءِ حَرَكَتِهِ عَلَى السَّاكِنِ قَبْلَهُ كَمَا قُرِئَ «قَدْ أَفْلَحَ» فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ يَقْلِبُ الثَّانِيَةَ أَلِفًا؟ قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : هُوَ لَاحِنٌ خَارِجٌ عَنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الْإِنْذَارُ هُوَ التَّخْوِيفُ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ بِالزَّجْرِ عَنِ الْمَعَاصِي، وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْإِنْذَارُ دُونَ الْبِشَارَةِ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الْإِنْذَارِ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ أَقْوَى مِنْ تَأْثِيرِ الْبِشَارَةِ، لِأَنَّ اشْتِغَالَ الْإِنْسَانِ بِدَفْعِ الضَّرَرِ أَشَدُّ مِنَ اشْتِغَالِهِ بِجَلْبِ الْمَنْفَعَةِ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الْمُبَالَغَةِ وَكَانَ ذِكْرُ الْإِنْذَارِ أَوْلَى. أَمَّا قَوْلُهُ: لَا يُؤْمِنُونَ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : هَذِهِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُؤَكِّدَةً لِلْجُمْلَةِ قَبْلَهَا أَوْ خَبَرًا «لِإِنَّ» وَالْجُمْلَةُ قَبْلَهَا اعْتِرَاضٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ أَهْلُ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَكُلِّ مَا أشبهها [على تكليف ما لا يطاق] مِنْ قَوْلِهِ: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [يس: 7] وَقَوْلِهِ: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً إِلَى قَوْلِهِ: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً [الْمُدَّثِّرِ: 11- 17] وَقَوْلِهِ: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [الْمَسَدِ: 1] عَلَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ قَطُّ، فَلَوْ صَدَرَ مِنْهُ الْإِيمَانُ لَزِمَ انْقِلَابُ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى الصِّدْقِ كَذِبًا، وَالْكَذِبُ عِنْدَ الْخَصْمِ قَبِيحٌ وَفِعْلُ الْقَبِيحِ يَسْتَلْزِمُ إِمَّا الْجَهْلَ وَإِمَّا الْحَاجَةَ، وَهُمَا مُحَالَانِ عَلَى اللَّهِ، وَالْمُفْضِي إِلَى الْمُحَالِ مُحَالٌ، فَصُدُورُ الْإِيمَانِ مِنْهُ مُحَالٌ فَالتَّكْلِيفُ بِهِ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ، وَقَدْ يُذْكَرُ هَذَا فِي صُورَةِ الْعِلْمِ، هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ فَكَانَ صُدُورُ الْإِيمَانِ مِنْهُ يَسْتَلْزِمُ انْقِلَابَ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى جَهْلًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ وَمُسْتَلْزِمُ الْمُحَالِ مُحَالٌ. فَالْأَمْرُ وَاقِعٌ بِالْمُحَالِ. وَنَذْكُرُ هَذَا عَلَى وَجْهٍ ثَالِثٍ: وَهُوَ أَنَّ وُجُودَ الْإِيمَانِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوجَدَ مَعَ الْعِلْمِ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ عِلْمًا لَوْ كَانَ مُطَابِقًا لِلْمَعْلُومِ، وَالْعِلْمُ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ إِنَّمَا يَكُونُ مُطَابِقًا لَوْ حَصَلَ عَدَمُ الْإِيمَانِ، فَلَوْ وُجِدَ الْإِيمَانُ مَعَ الْعِلْمِ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ لَزِمَ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي الْإِيمَانِ كَوْنُهُ مَوْجُودًا وَمَعْدُومًا مَعًا وَهُوَ مُحَالٌ، فَالْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ مَعَ وُجُودِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِعَدَمِ الْإِيمَانِ أَمْرٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، بَلْ أَمْرٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْعَدَمِ وَالْوُجُودِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ وَنَذْكُرُ هَذَا عَلَى وَجْهٍ رَابِعٍ: وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى كَلَّفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْإِيمَانِ أَلْبَتَّةَ، وَالْإِيمَانُ يُعْتَبَرُ فِيهِ تَصْدِيقُ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ، وَمِمَّا أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ قَطُّ، فَقَدْ صَارُوا مُكَلَّفِينَ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ قَطُّ، وَهَذَا تَكْلِيفٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّفْيِ/ وَالْإِثْبَاتِ، وَنَذْكُرُ هَذَا عَلَى وَجْهٍ خَامِسٍ: وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى عَابَ الْكُفَّارَ عَلَى أَنَّهُمْ حَاوَلُوا فِعْلَ شَيْءٍ عَلَى خِلَافِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ [الْفَتْحِ: 15] فَثَبَتَ أَنَّ الْقَصْدَ إِلَى تَكْوِينِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عَدَمِ تَكْوِينِهِ قَصْدٌ لِتَبْدِيلِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ منهي عنه. ثم هاهنا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أَلْبَتَّةَ فَمُحَاوَلَةُ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ تَكُونُ قَصْدًا إِلَى تَبْدِيلِ كَلَامِ اللَّهِ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَتَرْكُ مُحَاوَلَةِ الْإِيمَانِ يَكُونُ أَيْضًا مُخَالَفَةً لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ الذَّمُّ حَاصِلًا عَلَى التَّرْكِ وَالْفِعْلِ، فَهَذِهِ هِيَ الْوُجُوهُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ،
وَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ الْهَادِمُ لِأُصُولِ الِاعْتِزَالِ. وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مُعَوِّلِينَ عَلَيْهِ فِي دَفْعِ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ وَهَدْمِ قَوَاعِدِهِمْ، وَلَقَدْ قَامُوا وَقَعَدُوا وَاحْتَالُوا عَلَى دَفْعِهِ فَمَا أَتَوْا بِشَيْءٍ مُقْنِعٍ، وَأَنَا أَذْكُرُ أَقْصَى مَا ذَكَرُوهُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ. قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَقَامَانِ: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ عَدَمِ الْإِيمَانِ مَانِعًا مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْمَقَامُ الثَّانِي: بَيَانُ الْجَوَابِ الْعَقْلِيِّ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فَقَالُوا: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ لِأَحَدٍ مِنَ الْإِيمَانِ قَالَ: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى [الْإِسْرَاءِ: 94] وَهُوَ إِنْكَارٌ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ رَجُلًا لَوْ حَبَسَ آخَرَ فِي بَيْتٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ ثُمَّ يَقُولُ مَا مَنَعَكَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي حَوَائِجِي كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ مُسْتَقْبَحًا وَكَذَا قَوْلُهُ: وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا [الْأَعْرَافِ: 12] وَقَوْلُهُ لِإِبْلِيسَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [النِّسَاءِ: 39] وَقَوْلُ مُوسَى لِأَخِيهِ: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا [طه: 92] وَقَوْلُهُ: فَما لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الِانْشِقَاقِ: 20] فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [الْمُدَّثِّرِ: 49] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التَّوْبَةِ: 43] لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التَّحْرِيمِ: 1] قَالَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ فِي فَصْلٍ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ: كَيْفَ يَأْمُرُهُ بِالْإِيمَانِ وَقَدْ مَنَعَهُ عَنْهُ؟ وَيَنْهَاهُ عَنِ الْكُفْرِ وَقَدْ حَمَلَهُ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ يَصْرِفُهُ عَنِ الْإِيمَانِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَّى تُصْرَفُونَ؟ وَيَخْلُقُ فِيهِمُ الْإِفْكَ ثُمَّ يَقُولُ أَنَّى تُؤْفَكُونَ؟ وَأَنْشَأَ فِيهِمُ الْكُفْرَ ثم يقوم لِمَ تَكْفُرُونَ؟ وَخَلَقَ فِيهِمْ لَبْسَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ ثُمَّ يَقُولُ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ [آلِ عِمْرَانَ: 71] وَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ثُمَّ يَقُولُ: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [آلِ عِمْرَانَ: 99] وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ ثُمَّ قَالَ: وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا وَذَهَبَ بِهِمْ عَنِ الرُّشْدِ ثُمَّ قَالَ: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [التَّكْوِيرِ: 26] وَأَضَلَّهُمْ عَنِ الدِّينِ حَتَّى أَعْرَضُوا ثُمَّ قَالَ : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ. [الْمُدَّثِّرِ: 49] وَثَانِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النِّسَاءِ: 165] وَقَالَ: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى [طه: 134] فَلَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ مَا أَبْقَى لَهُمْ عُذْرًا إِلَّا وَقَدْ أَزَالَهُ عَنْهُمْ، فَلَوْ كَانَ عِلْمُهُ بِكُفْرِهِمْ وَخَبَرُهُ عَنْ كُفْرِهِمْ مَانِعًا لَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَعْذَارِ وَأَقْوَى الْوُجُوهِ الدَّافِعَةِ لِلْعِقَابِ عَنْهُمْ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنِ الْكُفَّارِ فِي سُورَةِ «حم السَّجْدَةِ» أَنَّهُمْ قَالُوا: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ ذَمًّا لَهُمْ فِي هَذَا الْقَوْلِ، فَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ مَانِعًا لَكَانُوا صَادِقِينَ/ فِي ذَلِكَ فَلِمَ ذَمَّهُمْ عَلَيْهِ؟ وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ قَوْلَهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى آخِرِهِ ذَمًّا لَهُمْ وَزَجْرًا عَنِ الْكُفْرِ وَتَقْبِيحًا لِفِعْلِهِمْ، فَلَوْ كَانُوا مَمْنُوعِينَ عَنِ الْإِيمَانِ غَيْرَ قَادِرِينَ عَلَيْهِ لَمَا اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ الْبَتَّةَ، بَلْ كَانُوا مَعْذُورِينَ كَمَا يَكُونُ الْأَعْمَى مَعْذُورًا فِي أَنْ لَا يَمْشِيَ. وَخَامِسُهَا: الْقُرْآنُ إِنَّمَا أُنْزِلَ لِيَكُونَ حُجَّةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ عَلَيْهِمْ، لَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ حُجَّةً عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، فَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ وَالْخَبَرُ مَانِعًا لَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِذَا عَلِمْتَ الْكُفْرَ وَأُخْبِرْتَ عَنْهُ كَانَ تَرْكُ الْكُفْرِ مُحَالًا مِنَّا، فَلِمَ تَطْلُبُ الْمُحَالَ مِنَّا وَلَمْ تَأْمُرْنَا بِالْمُحَالِ؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا جَوَابَ لِلَّهِ وَلَا لِرَسُولِهِ عَنْهُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ وَالْخَبَرَ يَمْنَعُ وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الْأَنْفَالِ: 40] وَلَوْ كَانَ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ عَنِ الْإِيمَانِ كُلِّفَ بِهِ لَمَا كَانَ نِعْمَ الْمَوْلَى، بَلْ كَانَ بِئْسَ الْمَوْلَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ، قَالُوا: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ مَانِعٌ أَلْبَتَّةَ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِعَدَمِ الْإِيمَانِ وَخَبَرَهُ عَنْ عَدَمِهِ لَا يَكُونُ مَانِعًا عَنِ الْإِيمَانِ. الْمَقَامُ الثَّانِي: قَالُوا إِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُودِ الْإِيمَانِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ
كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ، لِأَنَّ الَّذِي عَلِمَ وُقُوعَهُ يَكُونُ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، وَالَّذِي عَلِمَ عَدَمَ وُقُوعِهِ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، وَالْوَاجِبُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، لَا بِالْقُدْرَةِ فَسَوَاءٌ حَصَلَتِ الْقُدْرَةُ أَوْ لَمْ تَحْصُلْ كَانَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، وَالَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْقُدْرَةِ فِيهِ أَثَرٌ، وَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ فَلَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، وَذَلِكَ كُفْرٌ بِالِاتِّفَاقِ فَثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الشَّيْءِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِمْكَانِ وُجُودِهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا عِلْمُهُ مُمْكِنًا وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عِلْمُهُ وَاجِبًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْكُفْرَ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِ مُمْكِنُ الْوُجُودِ، فَلَوْ صَارَ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِسَبَبِ الْعِلْمِ كَانَ الْعِلْمُ مُؤَثِّرًا فِي الْمَعْلُومِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مُحَالٌ. وَثَالِثُهَا: لَوْ كَانَ الْخَبَرُ وَالْعِلْمُ مَانِعًا لَمَا كَانَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، لِأَنَّ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى وُقُوعَهُ كَانَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ، وَالْوَاجِبُ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَالَّذِي عَلِمَ عَدَمَهُ كَانَ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، وَالْمُمْتَنِعُ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، فَكَانَتْ حَرَكَاتُهُ وَسَكَنَاتُهُ جَارِيَةً مَجْرَى حَرَكَاتِ الْجَمَادَاتِ، وَالْحَرَكَاتِ الِاضْطِرَارِيَّةِ لِلْحَيَوَانَاتِ، لَكِنَّا بِالْبَدِيهَةِ نَعْلَمُ فَسَادَ ذَلِكَ، فَإِنْ رَمَى إِنْسَانٌ إِنْسَانًا بِالْآجُرَّةِ حَتَّى شَجَّهُ فَإِنَّا نَذُمُّ الرَّامِيَ وَلَا نَذُمُّ الْآجُرَّةَ، وَنُدْرِكُ بِالْبَدِيهَةِ تَفْرِقَةً بَيْنَ مَا إِذَا سَقَطَتِ الْآجُرَّةُ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا لَكَمَهُ إِنْسَانٌ بِالِاخْتِيَارِ: وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْعُقَلَاءَ بِبَدَاءَةِ عُقُولِهِمْ يُدْرِكُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَدْحِ الْمُحْسِنِ وَذَمِّ الْمُسِيءِ، وَيَلْتَمِسُونَ وَيَأْمُرُونَ وَيُعَاتِبُونَ وَيَقُولُونَ لِمَ فَعَلْتَ وَلِمَ تَرَكْتَ؟ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ وَالْخَبَرَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ. وَرَابِعُهَا: لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالْعَدَمِ مَانِعًا لِلْوُجُودِ لَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْكَافِرِ بِالْإِيمَانِ أَمْرًا بِإِعْدَامِ عِلْمِهِ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَهُ بِأَنْ يُعْدِمُوهُ فَكَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ، بِأَنْ يُعْدِمُوا عِلْمَهُ، لِأَنَّ إِعْدَامَ ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْأَمْرُ بِهِ سَفَهٌ وَعَبَثٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَدَمِ لَا يَكُونُ مَانِعًا مِنَ الْوُجُودِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْإِيمَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْ قَبِيلِ الْمُمْكِنَاتِ الْجَائِزَاتِ/ نَظَرًا إِلَى ذَاتِهِ وَعَيْنِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُمْكِنَاتِ الْجَائِزَاتِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ كَذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ جَهْلًا، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِذَا عَلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُمْكِنَاتِ الْجَائِزَاتِ الَّتِي لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا الْبَتَّةَ، فَلَوْ صَارَ بِسَبَبِ الْعِلْمِ وَاجِبًا لَزِمَ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ كَوْنُهُ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ، وَكَوْنُهُ لَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ وَذَلِكَ مُحَالٌ. وَسَادِسُهَا: أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُحَالِ سَفَهٌ وَعَبَثٌ، فَلَوْ جَازَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ لَجَازَ وُرُودُهُ أَيْضًا بِكُلِّ أَنْوَاعِ السَّفَهِ، فَمَا كَانَ يَمْتَنِعُ وُرُودُهُ بِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِينَ وَلَا إِنْزَالِ الْأَكَاذِيبِ وَالْأَبَاطِيلِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَبْقَى وُثُوقٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا بِصِحَّةِ الْقُرْآنِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ كَذِبًا وَسَفَهًا، وَلَمَّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ وَالْخَبَرَ عَنْ عَدَمِ الْإِيمَانِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِيمَانِ. وَسَابِعُهَا: أَنَّهُ لَوْ جَازَ وُرُودُ الْأَمْرِ بِالْمُحَالِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَجَازَ وُرُودُ أَمْرِ الْأَعْمَى بِنَقْطِ الْمَصَاحِفِ. وَالْمُزْمِنِ بِالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ، وَأَنْ يُقَالَ لِمَنْ قُيِّدَ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَأُلْقِيَ مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ: لِمَ لَا تَطِيرُ إِلَى فَوْقٍ؟ وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْعُقُولِ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَمْرُ بِالْمُحَالِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَدَمِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْوُجُودِ، وَثَامِنُهَا: لَوْ جَازَ وُرُودُ الْأَمْرِ بِذَلِكَ لَجَازَ بِعْثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى الْجَمَادَاتِ وَإِنْزَالُ الْكُتُبِ عَلَيْهَا، وَإِنْزَالُ الْمَلَائِكَةِ لِتَبْلِيغِ التَّكَالِيفِ إِلَيْهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ سُخْرِيَةٌ وَتَلَاعُبٌ بِالدِّينِ. وَتَاسِعُهَا: أَنَّ الْعِلْمَ بِوُجُودِ الشَّيْءِ لَوِ اقْتَضَى وُجُوبَهُ لَأَغْنَى الْعِلْمُ عَنِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَادِرًا مُرِيدًا مُخْتَارًا، وَذَلِكَ قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ الْقَائِلِينَ بِالْمُوجِبِ. وَعَاشِرُهَا: الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ لَمْ يُوجَدْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [الْبَقَرَةِ: 286] وَقَالَ: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الْحَجِّ: 78] وَقَالَ: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ
[الْأَعْرَافِ: 157] وَأَيُّ حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ فَوْقَ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ الْمَقَامُ الثَّالِثُ: الْجَوَابُ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، لِلْمُعْتَزِلَةِ فِيهِ طَرِيقَانِ: الْأَوَّلُ: طَرِيقَةُ أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، فَإِنَّا لَمَّا قُلْنَا: لَوْ وَقَعَ خِلَافُ مَعْلُومِ اللَّهِ تَعَالَى لَانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا قَالُوا خَطَأٌ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ يَنْقَلِبُ عِلْمُهُ جَهْلًا، وَخَطَأٌ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ، وَلَكِنْ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْقَوْلَيْنِ: وَالثَّانِي: طَرِيقَةُ الْكَعْبِيِّ وَاخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ الْعِلْمَ تَبَعُ الْمَعْلُومِ، فَإِذَا فَرَضْتَ الْوَاقِعَ مِنَ الْعَبْدِ مِنَ الْإِيمَانِ عَرَفْتَ أَنَّ الْحَاصِلَ فِي الْأَزَلِ لِلَّهِ تَعَالَى هُوَ الْعِلْمُ بِالْإِيمَانِ، وَمَتَى فَرَضْتَ الْوَاقِعَ مِنْهُ هو الكفر بدلًا على الْإِيمَانِ عَرَفْتَ أَنَّ الْحَاصِلَ فِي الْأَزَلِ هُوَ الْعِلْمُ بِالْكُفْرِ بَدَلًا عَنِ الْإِيمَانِ، فَهَذَا فَرْضُ عِلْمٍ بَدَلًا عَنْ عِلْمٍ آخَرَ، لَا أَنَّهُ تَغَيَّرَ الْعِلْمُ. فَهَذَانِ الْجَوَابَانِ هُمَا اللَّذَانِ عَلَيْهِمَا اعْتِمَادُ جُمْهُورِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ صَارَ مَنْشَأً لِضَلَالَاتٍ عَظِيمَةٍ: فَمِنْهَا أَنَّ مُنْكِرِي التَّكَالِيفِ وَالنُّبُوَّاتِ قَالُوا: قَدْ سَمِعْنَا كَلَامَ أَهْلِ الْجَبْرِ فَوَجَدْنَاهُ قَوِيًّا قَاطِعًا، وَهَذَانِ الْجَوَابَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُعْتَزِلَةُ يَجْرِيَانِ مَجْرَى الْخُرَافَةِ وَلَا يَلْتَفِتُ الْعَاقِلُ إِلَيْهِمَا، وَسَمِعْنَا كَلَامَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ مَعَ الْقَوْلِ بِالْجَبْرِ لَا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ وَيُقَبَّحُ، وَالْجَوَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ الْجَبْرِ ضَعِيفٌ جِدًّا فَصَارَ مَجْمُوعُ الْكَلَامَيْنِ كَلَامًا قَوِيًّا فِي نَفْيِ التَّكَالِيفِ، وَمَتَّى بَطَلَ ذَلِكَ بَطَلَ الْقَوْلُ بِالنُّبُوَّاتِ. وَمِنْهَا أَنَّ الطَّاعِنِينَ/ فِي الْقُرْآنِ قَالُوا: الَّذِي قَالَهُ الْمُعْتَزِلَةُ مِنَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أنه لا مانع مِنَ الْإِيمَانِ وَمِنَ الطَّاعَةِ فَقَدْ صَدَقُوا فِيهِ، وَالَّذِي قَالَهُ الْجَبْرِيَّةُ: مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الإيمان مانع منه فَقَدْ صَدَقُوا فِيهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ وَرَدَ عَلَى ضِدِّ الْعَقْلِ وَعَلَى خِلَافِهِ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَطَاعِنِ وَأَقْوَى الْقَوَادِحِ فِيهِ، ثُمَّ مَنْ سَلَّمَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَسَّلَ بِهِ إِلَى الطَّعْنِ فِيهِ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الرَّافِضَةِ: إِنَّ هَذَا الَّذِي عِنْدَنَا لَيْسَ هُوَ الْقُرْآنَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ بَلْ غُيِّرَ وَبُدِّلَ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ اشْتِمَالُهُ عَلَى هَذِهِ الْمُنَاقَضَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِسَبَبِ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ الدَّائِرَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْجَبْرِ وَأَهْلِ الْقَدَرِ. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُقَلِّدَةَ الطَّاعِنِينَ فِي النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ وَقَالُوا: لَوْ جَوَّزْنَا التَّمَسُّكَ بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ لَزِمَ الْقَدْحُ فِي التَّكْلِيفِ وَالنُّبُوَّةِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ، فَإِنَّ كَلَامَ أَهْلِ الْجَبْرِ فِي نِهَايَةِ الْقُوَّةِ فِي إِثْبَاتِ الْجَبْرِ، وَكَلَامَ أَهْلِ الْقَدَرِ فِي بَيَانِ أَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ الْجَبْرُ بَطَلَ التَّكْلِيفُ بِالْكُلِّيَّةِ فِي نِهَايَةِ الْقُوَّةِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنْ مَجْمُوعِ الْكَلَامَيْنِ أَعْظَمُ شُبْهَةٍ فِي الْقَدْحِ وَالتَّكْلِيفِ وَالنُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الْعَقْلِيَّاتِ يُورِثُ الْكُفْرَ وَالضَّلَالَ، وَعِنْدَ هَذَا قِيلَ مَنْ تَعَمَّقَ فِي الْكَلَامِ تَزَنْدَقَ. وَمِنْهَا أَنَّ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ زَعَمَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ وُقُوعِهَا وَجَوَّزَ الْبَدَاءَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَمَارَةِ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُظْهِرَ خِلَافَ مَا ذَكَرَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ فِرَارًا مِنْ تِلْكَ الْإِشْكَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْلَةَ الْوُجُوهِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ كَلِمَاتٌ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْكَشْفِ عَنْ وَجْهِ الْجَوَابِ بَلْ هِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى التَّشْنِيعَاتِ. فَأَمَّا الْجَوَابَانِ اللَّذَانِ عَلَيْهِمَا اعْتِمَادُ الْقَوْمِ فَفِي نِهَايَةِ الضَّعْفِ. أَمَّا قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هِشَامٍ وَالْقَاضِي: خَطَأٌ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ يَدُلُّ، وَخَطَأٌ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَدُلُّ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحُكْمَ بِفَسَادِ الْقِسْمَيْنِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا بِفَسَادِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَذَلِكَ لَا يَرْتَضِيهِ الْعَقْلُ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا حَقٌّ لَكِنْ لَا أَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ أَنَّهُ يَدُلُّ أَوْ لَا يَدُلُّ كَفَى فِي دَفْعِهِ تَقْرِيرُ وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ، فَإِنَّا لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَدَمِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مَعَ الْعَدَمِ، فَلَوْ حَصَلَ الْوُجُودُ مَعَهُ لَكَانَ قَدِ اجْتَمَعَ الْعَدَمُ وَالْوُجُودُ مَعًا وَلَا يَتَمَكَّنُ الْعَقْلُ مِنْ تَقْرِيرِ كَلَامٍ أَوْضَحَ مِنْ هَذَا وَأَقَلِّ مُقَدِّمَاتٍ فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْكَعْبِيِّ فَفِي نِهَايَةِ الضَّعْفِ، لِأَنَّا وَإِنْ كُنَّا لَا نَدْرِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ فِي الْأَزَلِ عَالِمًا بِوُجُودِ الْإِيمَانِ أَوْ بِعَدَمِهِ لَكُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْعِلْمَ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ كَانَ حَاصِلًا، وَهُوَ الْآنَ
أَيْضًا حَاضِرٌ، فَلَوْ حَصَلَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَحَدِ النَّقِيضَيْنِ ذَلِكَ النَّقِيضُ الْآخَرُ لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ لَا يَبْقَى كَانَ ذَلِكَ اعْتِرَافًا بِانْقِلَابِ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَحْثِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَعْنَوِيَّ هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَبَقِيَ فِي هَذَا الْبَابِ أُمُورٌ أُخْرَى إِقْنَاعِيَّةٌ وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا وَهِيَ خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا: رَوَى الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ تَارِيخِ بَغْدَادَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ سَمِعْتُ وَاللَّهِ الْيَوْمَ بِالْكُفْرِ، فَقَالَ: لَا تُعَجِّلُ بِالْكُفْرِ، وَمَا سَمِعْتَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ هَاشِمًا الْأَوْقَصَ يَقُولُ: إِنَّ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [الْمَسَدِ: 1] وَقَوْلَهُ: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [الْمُدَّثِّرِ: 11] إِلَى قَوْلِهِ: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [الْمُدَّثِّرِ: 26] إِنَّ هَذَا/ لَيْسَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ [الزخرف: 1، 2] إِلَى قَوْلِهِ: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزُّخْرُفِ: 4] فَمَا الْكُفْرُ إِلَّا هَذَا يَا أَبَا عُثْمَانَ، فَسَكَتَ عَمْرٌو هُنَيْهَةً ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ الْقَوْلُ كَمَا يَقُولُ مَا كَانَ عَلَى أَبِي لَهَبٍ مِنْ لَوْمٍ، وَلَا عَلَى الْوَلِيدِ مِنْ لَوْمٍ، فَلَمَّا سَمِعَ الرَّجُلُ ذَلِكَ قَالَ أَتَقُولُ يَا أَبَا عُثْمَانَ ذَلِكَ، هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي قَالَ مُعَاذٌ فَدَخَلَ بِالْإِسْلَامِ وَخَرَجَ بِالْكُفْرِ. وَحُكِيَ أَيْضًا أَنَّهُ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَقَرَأَ عِنْدَهُ: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [الْبُرُوجِ: 22] فَقَالَ لَهُ أَخْبِرْنِي عَنْ تَبَّتْ أَكَانَتْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ؟ فَقَالَ عَمْرٌو: لَيْسَ هَكَذَا كَانَتْ، بَلْ كَانَتْ: تَبَّتْ يَدَا مَنْ عَمِلَ بِمِثْلِ مَا عَمِلَ أَبُو لَهَبٍ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ، هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْرَأَ إِذَا قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ: فَغَضِبَ عَمْرٌو وَقَالَ: إِنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَيْسَ بِشَيْطَانٍ، إِنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ تَدُلُّ عَلَى شَكِّ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فِي صِحَّةِ الْقُرْآنِ. وَثَانِيهَا: رَوَى الْقَاضِي فِي كِتَابِ طَبَقَاتِ الْمُعْتَزِلَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ أَقْوَامًا يَزْنُونَ وَيَسْرِقُونَ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَيَقُولُونَ كَانَ ذَلِكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ فَلَمْ نَجِدْ مِنْهُ بُدًّا، فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، قَدْ كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهَا فلم يحملهم على اللَّهِ عَلَى فِعْلِهَا. حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الخطاب أنه سمع رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَثَلُ عِلْمِ اللَّهِ فِيكُمْ كَمَثَلِ السَّمَاءِ الَّتِي أَظَلَّتْكُمْ، وَالْأَرْضِ الَّتِي أَقَلَّتْكُمْ، فَكَمَا لَا تَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَكَذَلِكَ لَا تَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَمَا لَا تَحْمِلُكُمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ عَلَى الذُّنُوبِ فَكَذَلِكَ لَا يَحْمِلُكُمْ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي يَرْوِيهَا الْجَبْرِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ كَثْرَةٌ، وَالْغَرَضُ مِنْ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ وَفَاسِدٌ، أَمَّا الْمُتَنَاقِضُ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: «وَكَذَلِكَ لَا تَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ» صَرِيحٌ فِي الْجَبْرِ وَمَا قَبْلَهُ صَرِيحٌ فِي الْقَدَرِ فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ، وَأَمَّا أَنَّهُ فَاسِدٌ، فَلِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ وَوُجُودَ الْإِيمَانِ مُتَنَافِيَانِ، فَالتَّكْلِيفُ بِالْإِيمَانِ مَعَ وُجُودِ الْعِلْمِ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ تَكْلِيفٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، أَمَّا السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ فَإِنَّهُمَا لَا يُنَافِيَانِ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ، فَظَهَرَ أَنَّ تَشْبِيهَ إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ بِالْأُخْرَى لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ جَاهِلٍ أَوْ مُتَجَاهِلٍ، وَجُلُّ مَنْصِبِ الرِّسَالَةِ عَنْهُ. وَثَالِثُهَا: الْحَدِيثَانِ الْمَشْهُورَانِ فِي هَذَا الْبَابِ: أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وهو الصادق المصدق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وشقي أم سعيد، فو الله الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» وَحَكَى
[سورة البقرة (2) : آية 7]
الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ/ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَقُولُ هَذَا لَكَذَّبْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ هَذَا مَا أَحْبَبْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ هَذَا مَا قَبِلْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ هَذَا لَرَدَدْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ هَذَا لَقُلْتُ لَيْسَ عَلَى هَذَا أَخَذْتَ مِيثَاقَنَا. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي: فَهُوَ مُنَاظَرَةُ آدَمَ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِآدَمَ: أَنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ لِرِسَالَاتِهِ وَلِكَلَامِهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ فَهَلْ تَجِدُ اللَّهَ قَدَّرَهُ عَلَيَّ؟ قَالَ نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، وَالْمُعْتَزِلَةُ طَعَنُوا فِيهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُوسَى قَدْ ذَمَّ آدَمَ عَلَى الصَّغِيرَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْجَهْلَ فِي حَقِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْوَلَدَ كَيْفَ يُشَافِهُ وَالِدَهُ بِالْقَوْلِ الْغَلِيظِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ قَالَ: أَنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَقَدْ عَلِمَ مُوسَى أَنَّ شَقَاءَ الْخَلْقِ وَإِخْرَاجَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِهَةِ آدَمَ، بَلِ اللَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْهَا، وَرَابِعُهَا: أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ احْتَجَّ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ إِذْ لَوْ كَانَ حُجَّةً لَكَانَ لِفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ أَنْ يَحْتَجُّوا بِهَا، وَلَمَّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنَا فَسَادَ هَذِهِ الْحُجَّةِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَوَّبَ آدَمَ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَوَابٍ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَكَى ذَلِكَ عَنِ الْيَهُودِ لَا أَنَّهُ حَكَاهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ عَنْ نَفْسِهِ، وَالرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْحِكَايَةَ إِلَّا أَنَّ الرَّاوِيَ حِينَ دَخَلَ مَا سَمِعَ إِلَّا هَذَا الْكَلَامَ، فَظَنَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَكَرَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنِ الْيَهُودِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ قَالَ: فَحَجَّ آدَمَ مَنْصُوبًا أَيْ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السلام غلبه وجعله محجوباً وَأَنَّ الَّذِي أَتَى بِهِ آدَمُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَلَا بِعُذْرٍ. وَثَالِثُهَا: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْمُنَاظَرَةِ الذَّمَّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَلَا الِاعْتِذَارَ مِنْهُ بِعِلْمِ اللَّهِ بَلْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَهُ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى تِلْكَ الزَّلَّةِ حَتَّى خَرَجَ بِسَبَبِهَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ آدَمُ: إِنَّ خُرُوجِي مِنَ الْجَنَّةِ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ تِلْكَ الزَّلَّةِ، بَلْ بِسَبَبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ كَتَبَ عَلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ وَأَكُونَ خَلِيفَةً فِيهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى كَانَ مَكْتُوبًا فِي التَّوْرَاةِ، فَلَا جَرَمَ كَانَتْ حُجَّةُ آدَمَ قَوِيَّةً وَصَارَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ كَالْمَغْلُوبِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَوِيلٌ جِدًّا وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْهُ وَسَنَسْتَقْصِي الْقَوْلَ فِيهَا فِي هَذَا التَّفْسِيرِ إِنْ قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ، وفيما ذكرنا هاهنا كفاية. [سورة البقرة (2) : آية 7] خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7) اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالسَّبَبِ الَّذِي لِأَجْلِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا، وَهُوَ الْخَتْمُ، وَالْكَلَامُ هاهنا يَقَعُ فِي مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْخَتْمُ وَالْكَتْمُ أَخَوَانِ، لِأَنَّ فِي الِاسْتِيثَاقِ مِنَ الشَّيْءِ بِضَرْبِ الْخَاتَمِ عَلَيْهِ كَتْمًا لَهُ وَتَغْطِيَةً، لِئَلَّا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ أَوْ يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، وَالْغِشَاوَةُ الْغِطَاءُ فِعَالَةٌ مَنْ غَشَّاهُ إِذَا غَطَّاهُ، وَهَذَا الْبِنَاءُ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَى الشَّيْءِ كَالْعِصَابَةِ وَالْعِمَامَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْخَتْمِ، أَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَهَذَا الْكَلَامُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ ظَاهِرٌ، ثُمَّ لَهُمْ قَوْلَانِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْخَتْمُ هُوَ خَلْقُ الْكُفْرِ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ خَلْقُ الدَّاعِيَةِ الَّتِي إِذَا انْضَمَّتْ إِلَى الْقُدْرَةِ صَارَ مَجْمُوعُ الْقُدْرَةِ مَعَهَا سَبَبًا مُوجِبًا لِوُقُوعِ الْكُفْرِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْقَادِرَ
عَلَى الْكُفْرِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَرْكِهِ أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَرْكِهِ كَانَتِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْكُفْرِ مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ، فَخَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكُفْرِ يَقْتَضِي خَلْقَ الْكُفْرِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّرْكِ كَانَتْ نِسْبَةُ تِلْكَ الْقُدْرَةِ إِلَى فِعْلِ الْكُفْرِ وَإِلَى تَرْكِهِ عَلَى سَوَاءٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَيْرُورَتُهَا مَصْدَرًا لِلْفِعْلِ بَدَلًا عَنِ التَّرْكِ يَتَوَقَّفُ عَلَى انْضِمَامٍ مُرَجَّحٍ إِلَيْهَا أَوْ لَا يَتَوَقَّفُ، فَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ فَقَدْ وَقَعَ الْمُمْكِنُ لَا عَنْ مُرَجَّحٍ، وَتَجْوِيزُهُ يَقْتَضِي الْقَدْحَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْمُمْكِنِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ الصَّانِعِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَأَمَّا إِنْ تَوَقَّفَ عَلَى الْمُرَجَّحِ فَذَلِكَ الْمُرَجَّحُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ أَوْ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ أَوْ لَا مِنْ فِعْلِ اللَّهِ وَلَا مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ، لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ لَا بِفِعْلِ اللَّهِ وَلَا بِفِعْلِ الْعَبْدِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ حُدُوثُ شَيْءٍ لَا لِمُؤَثِّرٍ، وَذَلِكَ يُبْطِلُ الْقَوْلَ بِالصَّانِعِ. فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَ قُدْرَةِ الْعَبْدِ مَصْدَرًا لِلْمَقْدُورِ الْمُعَيَّنِ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهَا مُرَجَّحٌ هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى. فَنَقُولُ: إِذَا انْضَمَّ ذَلِكَ الْمُرَجَّحُ إِلَى تِلْكَ الْقُدْرَةِ فَإِمَّا أَنْ يَصِيرَ تَأْثِيرُ الْقُدْرَةِ فِي ذَلِكَ الْأَثَرِ وَاجِبًا أَوْ جَائِزًا أَوْ مُمْتَنِعًا، وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ، بَاطِلٌ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا لَكَانَ يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَحْصُلَ مَجْمُوعُ الْقُدْرَةِ مَعَ ذَلِكَ الْمُرَجَّحِ تَارَةً مَعَ ذَلِكَ الْأَثَرِ، وَأُخْرَى مُنْفَكًّا عَنْهُ، فَلْنَفْرِضْ وُقُوعَ ذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ جَائِزًا لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ، فَذَاكَ الْمَجْمُوعُ تَارَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَثَرُ، وَأُخْرَى لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَثَرُ، فَاخْتِصَاصُ أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ، يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ الْأَثَرُ عَلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى انْضِمَامِ قَرِينَةٍ إِلَيْهِ، أَوْ لَا يَتَوَقَّفَ، فَإِنْ تَوَقَّفَ كَانَ الْمُؤَثِّرُ هُوَ ذَلِكَ الْمَجْمُوعُ مَعَ هَذِهِ الْقَرِينَةِ الزَّائِدَةِ، لَا ذَلِكَ الْمَجْمُوعُ، وَكُنَّا قَدْ فَرَضْنَا أَنَّ ذَلِكَ الْمَجْمُوعَ هُوَ الْمُسْتَقِلُّ خَلْفَ هَذَا، وَأَيْضًا فَيَعُودُ التَّقْسِيمُ فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ الثَّانِي، فَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى قَيْدٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ فَحِينَئِذٍ حَصَلَ ذَلِكَ الْمَجْمُوعُ تَارَةً بِحَيْثُ يَكُونُ مَصْدَرًا لِلْأَثَرِ، وَأُخْرَى بِحَيْثُ لَا يَكُونُ مَصْدَرًا لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَمَيَّزْ أَحَدُ الْوَقْتَيْنِ عَنِ الْآخَرِ بِأَمْرٍ مَا أَلْبَتَّةَ، فَيَكُونُ هَذَا قَوْلًا بِتَرَجُّحِ الْمُمْكِنِ لَا عَنْ مُرَجَّحٍ وَهُوَ مُحَالٌ. فَثَبَتَ أَنَّ عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ صُدُورُ ذَلِكَ الْأَثَرِ جَائِزًا، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا فَظَاهِرٌ، وَإِلَّا لَكَانَ مُرَجِّحُ الْوُجُودِ مُرَجِّحًا لِلْعَدَمِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِذَا بَطَلَ الْقِسْمَانِ ثَبَتَ أَنَّ عِنْدَ حُصُولِ مُرَجِّحِ الْوُجُودِ يَكُونُ الْأَثَرُ وَاجِبَ الْوُجُودِ عَنِ/ الْمَجْمُوعِ الْحَاصِلِ مِنَ الْقُدْرَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ الْقَوْلُ بِالْجَبْرِ لَازِمًا: لِأَنَّ قَبْلَ حُصُولِ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ كَانَ صُدُورُ الْفِعْلِ مُمْتَنِعًا وَبَعْدَ حُصُولِهِ يَكُونُ وَاجِبًا، وَإِذْ عَرَفْتَ هَذَا كَانَ خَلْقُ الدَّاعِيَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ فِي الْقَلْبِ خَتْمًا عَلَى الْقَلْبِ وَمَنْعًا لَهُ عَنْ قَبُولِ الْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ مَا يَجْرِي مَجْرَى السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهُ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْعِلَّةِ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْمَعْلُولِ، وَالْعِلْمُ بِالْمَعْلُولِ لَا يَكْمُلُ إِلَّا إِذَا اسْتُفِيدَ مِنَ الْعِلْمِ بِالْعِلَّةِ، فَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَضَافَ جَمِيعَ الْمُحْدَثَاتِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَدْ قَالُوا: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِجْرَاءُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الْإِيمَانِ وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِالْوُجُوهِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَنْهُمْ في الآية الأولى وزادوا هاهنا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَذَّبَ الْكُفَّارَ الَّذِينَ قالوا إن على قلوبهم كنان وَغِطَاءً يَمْنَعُهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ... بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النِّسَاءِ: 155] وَقَالَ: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [فُصِّلَتْ: 4، 5] وَهَذَا كُلُّهُ عَيْبٌ وَذَمٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا ادَّعَوْا أَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ عَنِ الْإِيمَانِ ثُمَّ قَالُوا: بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الْخَتْمِ وَالْغِشَاوَةِ عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا أَعْرَضُوا وَتَرَكُوا الِاهْتِدَاءَ بِدَلَائِلِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى صَارَ ذَلِكَ كَالْإِلْفِ وَالطَّبِيعَةِ لَهُمْ أَشْبَهَ حَالُهُمْ حَالَ مَنْ مَنَعَ عَنِ الشَّيْءِ وَصَدَّ عَنْهُ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي عُيُونِهِمْ حَتَّى كَأَنَّهَا مَسْدُودَةٌ لَا تُبْصِرُ شَيْئًا وَكَأَنَّ بِآذَانِهِمْ وَقْرًا حَتَّى لَا يَخْلُصَ إِلَيْهَا الذِّكْرُ،
وَإِنَّمَا أُضِيفَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ فِي تَمَكُّنِهَا وَقُوَّةِ ثَبَاتِهَا كَالشَّيْءِ الْخِلْقِيِّ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ [النِّسَاءِ: 155] كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ [الْمُطَفِّفِينَ: 14] فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ. [التَّوْبَةِ: 77] وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يَكْفِي فِي حُسْنِ الْإِضَافَةِ أَدْنَى سَبَبٍ، فَالشَّيْطَانُ هُوَ الْخَاتِمُ فِي الْحَقِيقَةِ أَوِ الْكَافِرُ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا كَانَ هُوَ الَّذِي أَقْدَرَهُ أَسْنَدَ إِلَيْهِ الْخَتْمَ كَمَا يُسْنَدُ الْفِعْلُ إِلَى السَّبَبِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ لَمَّا أَعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ وَلَمْ يُصْغُوا إِلَى الذِّكْرِ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ إِيرَادِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الدَّلَائِلَ أُضِيفُ مَا فَعَلُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ حُدُوثَهُ إِنَّمَا اتَّفَقَ عِنْدَ إِيرَادِهِ تَعَالَى دَلَائِلَهُ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التَّوْبَةِ: 125] أَيِ ازْدَادُوا بِهَا كُفْرًا إِلَى كُفْرِهِمْ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُمْ بَلَغُوا فِي الْكُفْرِ إِلَى حَيْثُ لَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَى تَحْصِيلِ الْإِيمَانِ لَهُمْ إِلَّا بِالْقَسْرِ وَالْإِلْجَاءِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَبْطُلَ التَّكْلِيفُ فَعَبَّرَ عَنْ تَرْكِ الْقَسْرِ وَالْإِلْجَاءِ بِالْخَتْمِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَهَوْا فِي الْكُفْرِ إِلَى حَيْثُ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ إِلَّا بِالْقَسْرِ وَهِيَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى فِي وَصْفِ لَجَاجِهِمْ فِي الْغَيِّ. وَخَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حِكَايَةً لِمَا كَانَ الْكَفَرَةُ يَقُولُونَهُ تَهَكُّمًا بِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فُصِّلَتْ: 5] وَنَظِيرُهُ فِي الْحِكَايَةِ وَالتَّهَكُّمِ قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [الْبَيِّنَةِ: 1] وَسَادِسُهَا: الْخَتْمُ عَلَى قُلُوبِ الْكُفَّارِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الشَّهَادَةُ مِنْهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وعلى قلوبهم بأنهم لَا تَعِي الذِّكْرَ وَلَا تَقْبَلُ الْحَقَّ، وَعَلَى أَسْمَاعِهِمْ بِأَنَّهَا لَا تُصْغِي إِلَى الْحَقِّ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ أُرِيدُ أَنْ تَخْتِمَ عَلَى/ مَا يَقُولُهُ فُلَانٌ، أَيْ تُصَدِّقُهُ وَتَشْهَدُ بِأَنَّهُ حَقٌّ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُولَى بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَأَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَنَّهُ قَدْ شَهِدَ بِذَلِكَ وَحَفِظَهُ عَلَيْهِمْ. وَسَابِعُهَا: قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ إِنَّمَا جَاءَتْ فِي قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مِنَ الْكُفَّارِ فَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ هَذَا الْخَتْمَ وَالطَّبْعَ فِي الدُّنْيَا عِقَابًا لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ، كَمَا عَجَّلَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْكُفَّارِ عُقُوبَاتٍ فِي الدُّنْيَا فَقَالَ: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [الْبَقَرَةِ: 65] وَقَالَ: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [الْمَائِدَةِ: 26] وَنَحْوُ هَذَا مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْمُعَجَّلَةِ لِمَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مِنَ الْعِبْرَةِ لِعِبَادِهِ وَالصَّلَاحِ لَهُمْ، فَيَكُونُ هَذَا مِثْلَ مَا فُعِلَ بِهَؤُلَاءِ مِنَ الْخَتْمِ وَالطَّبْعِ، إِلَّا أَنَّهُمْ إِذَا صَارُوا بِذَلِكَ إِلَى أَنْ لَا يَفْهَمُوا سَقَطَ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ كَسُقُوطِهِ عَمَّنْ مُسِخَ، وَقَدْ أَسْقَطَ اللَّهُ التَّكْلِيفَ عَمَّنْ يَعْقِلُ بَعْضَ الْعَقْلِ كَمَنْ قَارَبَ الْبُلُوغَ، وَلَسْنَا نُنْكِرُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِي قُلُوبِ الْكَافِرِينَ مَانِعًا يَمْنَعُهُمْ عَنِ الْفَهْمِ وَالِاعْتِبَارِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ لَهُمْ كَمَا قَدْ يَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ وَيُعْمِي أَبْصَارَهُمْ وَلَكِنْ لَا يَكُونُونَ فِي هَذَا الْحَالِ مُكَلَّفِينَ. وَثَامِنُهَا: يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمُ الْخَتْمَ وَعَلَى أَبْصَارِهِمُ الْغِشَاوَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَائِلًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ كَالْبَلَادَةِ الَّتِي يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ فِي قَلْبِهِ وَالْقَذَى فِي عَيْنَيْهِ وَالطَّنِينِ فِي أُذُنِهِ، فَيَفْعَلُ اللَّهُ كُلَّ ذَلِكَ بِهِمْ لِيُضَيِّقَ صُدُورَهُمْ وَيُورِثَهُمُ الْكَرْبَ وَالْغَمَّ فَيَكُونُ ذَلِكَ عُقُوبَةً مَانِعَةً مِنَ الْإِيمَانِ كَمَا قَدْ فَعَلَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَتَاهُوا ثُمَّ يَكُونُ هَذَا الْفِعْلُ فِي بَعْضِ الْكُفَّارِ وَيَكُونُ ذَلِكَ آيَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَلَالَةً لَهُ كَالرِّجْزِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ حَتَّى اسْتَغَاثُوا مِنْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَصْلَحُ لِلْعِبَادِ. وَتَاسِعُهَا: يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا الْخَتْمَ بِهِمْ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُعْمِيهِمْ قَالَ: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا [الْإِسْرَاءِ: 97] وَقَالَ: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً [طه: 102] وَقَالَ: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ [يس: 65] وَقَالَ: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لَا يَسْمَعُونَ
[الْأَنْبِيَاءِ: 100] . وَعَاشِرُهَا: مَا حَكَوْهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ- وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ وَالْقَاضِي- أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ عَلَامَةٌ وَسِمَةٌ يَجْعَلُهَا فِي قَلْبِ الْكُفَّارِ وَسَمْعِهِمْ فَتَسْتَدِلُّ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ كُفَّارٌ، وَعَلَى أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أَبَدًا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَامَةٌ تَعْرِفُ الْمَلَائِكَةُ بِهَا كَوْنَهُمْ مُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا قَالَ: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [الْمُجَادَلَةِ: 22] وَحِينَئِذٍ الْمَلَائِكَةُ يُحِبُّونَهُ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وَيَكُونُ لِقُلُوبِ الْكُفَّارِ عَلَامَةٌ تَعْرِفُ الْمَلَائِكَةُ بِهَا كَوْنَهُمْ مَلْعُونِينَ عِنْدَ اللَّهِ فَيُبْغِضُونَهُ وَيَلْعَنُونَهُ، وَالْفَائِدَةُ فِي تِلْكَ الْعَلَامَةِ إِمَّا مَصْلَحَةٌ عَائِدَةٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ، لأنهم متى علموا بتلك العلامة كونه كفاراً مَلْعُونًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى صَارَ ذَلِكَ مُنَفِّرًا لَهُمْ عَنِ الْكُفْرِ أَوْ إِلَى الْمُكَلَّفِ، فَإِنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى آمَنَ فَقَدْ أَحَبَّهُ أهل السموات صَارَ ذَلِكَ مُرَغِّبًا لَهُ فِي الْإِيمَانِ وَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى أَقْدَمَ عَلَى الْكُفْرِ عَرَفَ الْمَلَائِكَةُ مِنْهُ ذَلِكَ فَيُبْغِضُونَهُ وَيَلْعَنُونَهُ صَارَ ذَلِكَ زَاجِرًا لَهُ عَنِ الْكُفْرِ. قَالُوا: وَالْخَتْمُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُمْنَعُ، لِأَنَّا نَتَمَكَّنُ بَعْدَ خَتْمِ الْكِتَابِ أَنْ نَفُكَّهُ وَنَقْرَأَهُ، وَلِأَنَّ الْخَتْمَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ/ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى جَبِينِ الْكَافِرِ أَنَّهُ كَافِرٌ، فَإِذَا لَمْ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ فَكَذَا هَذَا الْكَافِرُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُزِيلَ تِلْكَ السِّمَةَ عَنْ قَلْبِهِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِالْإِيمَانِ وَيَتْرُكَ الْكُفْرَ. قَالُوا: وَإِنَّمَا خَصَّ الْقَلْبَ وَالسَّمْعَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ لَا تُسْتَفَادُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ، وَالْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ لَا تُسْتَفَادُ إِلَّا مِنْ جَانِبِ الْقَلْبِ، وَلِهَذَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَتَحَمَّلُونَ الْغِشَاوَةَ فِي الْبَصَرِ أَيْضًا عَلَى مَعْنَى الْعَلَامَةِ؟ قُلْنَا لَا، لِأَنَّا إِنَّمَا حَمَلْنَا مَا تَقَدَّمَ عَلَى السِّمَةِ وَالْعَلَامَةِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ اللُّغَةِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ فَوَجَبَ إِثْبَاتُهُ. أَمَّا الْغِشَاوَةُ فَحَقِيقَتُهَا الْغِطَاءُ الْمَانِعُ مِنَ الإبصار ومعلوم من حال الكفار خلف ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ، وَهُوَ تَشْبِيهُ حَالِهِمْ بِحَالِ مَنْ لَا يَنْتَفِعُ بِبَصَرِهِ فِي بَابِ الْهِدَايَةِ. فَهَذَا مَجْمُوعُ أَقْوَالِ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْأَلْفَاظُ الْوَارِدَةُ فِي الْقُرْآنِ الْقَرِيبَةُ مِنْ مَعْنَى الْخَتْمِ هِيَ: الطَّبْعُ، وَالْكِنَانُ، وَالرَّيْنُ عَلَى الْقَلْبِ، وَالْوَقْرُ فِي الْآذَانِ، وَالْغِشَاوَةُ فِي الْبَصَرِ ثُمَّ الْآيَاتُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَرَدَتْ دَلَالَةٌ عَلَى حُصُولِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَالَ: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ [الْمُطَفِّفِينَ: 14] وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [الْأَنْعَامِ: 25] وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ [التَّوْبَةِ: 87] بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [النِّسَاءِ: 155] فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [فُصِّلَتْ: 4] لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا [يس: 70] إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ [النمل: 80] أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ [النَّحْلِ: 21] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الْبَقَرَةِ: 10] وَالْقِسْمُ الثَّانِي: وَرَدَتْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ الْبَتَّةَ وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا [الْإِسْرَاءِ: 94] فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الْكَهْفِ: 29] لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [الْبَقَرَةِ: 286] وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الْحَجِّ: 78] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [الْبَقَرَةِ: 28] لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ [آلِ عِمْرَانَ: 71] وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَصَارَ كُلُّ قِسْمٍ مِنْهُمَا مُتَمَسَّكًا لِطَائِفَةٍ، فَصَارَتِ الدَّلَائِلُ السَّمْعِيَّةُ لِكَوْنِهَا مِنَ الطَّرَفَيْنِ وَاقِعَةً فِي حَيِّزِ التَّعَارُضِ. أَمَّا الدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ فَهِيَ الَّتِي سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَسَائِلِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَأَكْثَرِهَا شَعَبًا وَأَشَدِّهَا شَغَبًا، وَيُحْكَى أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيَّ سُئِلَ عَنْ تَكْفِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لَا، لِأَنَّهُمْ نَزَّهُوهُ، فَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَقَالَ لَا، لِأَنَّهُمْ عَظَّمُوهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ مَا طَلَبَ إِلَّا إِثْبَاتَ جَلَالِ اللَّهِ وَعُلُوِّ كِبْرِيَائِهِ، إِلَّا أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَقَعَ نَظَرُهُمْ عَلَى الْعَظَمَةِ فَقَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُوجِدَ وَلَا مُوجِدَ سِوَاهُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ وَقَعَ نَظَرُهُمْ عَلَى الْحِكْمَةِ فَقَالُوا لَا يَلِيقُ
بجلال حضرته هذه القبائح، وأقول: هاهنا سِرٌّ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ إِثْبَاتَ الْإِلَهِ يُلْجِئُ إِلَى الْقَوْلِ بِالْجَبْرِ، لِأَنَّ الْفَاعِلِيَّةَ لَوْ لَمْ تَتَوَقَّفْ عَلَى الدَّاعِيَةِ لَزِمَ وُقُوعُ الْمُمْكِنِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَهُوَ نَفْيُ الصَّانِعِ، وَلَوْ تَوَقَّفَتْ لَزِمَ الْجَبْرُ. وَإِثْبَاتُ الرَّسُولِ يُلْجِئُ إِلَى الْقَوْلِ بالقدرة. بل هاهنا سِرٌّ آخَرُ هُوَ فَوْقَ الْكُلِّ، وَهُوَ أَنَّا لَمَّا رَجَعْنَا إِلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ وَالْعَقْلِ الْأَوَّلِ وَجَدْنَا أَنَّ مَا اسْتَوَى الْوُجُودُ وَالْعَدَمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إِلَّا لِمُرَجِّحٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي الْجَبْرَ، وَنَجِدُ أَيْضًا تَفْرِقَةً بَدِيهِيَّةً بَيْنَ الْحَرَكَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَالْحَرَكَاتِ الِاضْطِرَارِيَّةِ وَجَزْمًا بَدِيهِيًّا بِحُسْنِ الْمَدْحِ وَقُبْحِ الذَّمِّ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَكَأَنَّ/ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَعَتْ فِي حَيِّزِ التَّعَارُضِ بِحَسَبِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَبِحَسَبِ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، وَبِحَسَبِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى نَظَرًا إِلَى قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَبِحَسَبِ التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ وَبِحَسَبِ الدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ، فَلِهَذِهِ الْمَآخِذِ الَّتِي شَرَحْنَاهَا وَالْأَسْرَارِ الَّتِي كَشَفْنَا عَنْ حَقَائِقِهَا صَعُبَتِ الْمَسْأَلَةُ وَغَمُضَتْ وَعَظُمَتْ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلْحَقِّ وَأَنْ يَخْتِمَ عَاقِبَتَنَا بِالْخَيْرِ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: اللَّفْظُ يحتمل أن تكون الأسماء دَاخِلَةً فِي حُكْمِ الْخَتْمِ، وَفِي حُكْمِ التَّغْشِيَةِ، إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى دُخُولُهَا فِي حُكْمِ الْخَتْمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [الْجَاثِيَةِ: 23] وَلِوَقْفِهِمْ عَلَى سَمْعِهِمْ دُونَ قُلُوبِهِمْ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْفَائِدَةُ فِي تَكْرِيرِ الْجَارِّ فِي قَوْلِهِ: وَعَلى سَمْعِهِمْ أَنَّهَا لَمَّا أُعِيدَتْ لِلْأَسْمَاعِ كَانَ أَدَلَّ عَلَى شِدَّةِ الْخَتْمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إِنَّمَا جَمَعَ الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَارَ وَوَحَّدَ السَّمْعَ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَحَّدَ السَّمْعَ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَمْعًا وَاحِدًا، كَمَا يُقَالُ: أَتَانِي بِرَأْسِ الْكَبْشَيْنِ، يَعْنِي رَأْسَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَا وَحَّدَ الْبَطْنَ فِي قَوْلِهِ: «كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُو تَعِيشُوا» يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِذَا أَمِنُوا اللَّبْسَ، فَإِذَا لَمْ يُؤْمَنْ كقولك. فرشهم وَثَوْبُهُمْ وَأَنْتَ تُرِيدُ الْجَمْعَ رَفَضُوهُ. الثَّانِي: أَنَّ السَّمْعَ مَصْدَرٌ فِي أَصْلِهِ، وَالْمَصَادِرُ لَا تُجْمَعُ يُقَالُ: رَجُلَانِ صَوْمٌ، وَرِجَالُ صَوْمٌ، فَرُوعِيَ الْأَصْلُ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ جَمْعُ الْأُذُنِ فِي قَوْلِهِ: وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [فُصِّلَتْ: 5] الثَّالِثُ: أَنْ نُقَدِّرَ مُضَافًا مَحْذُوفًا أَيْ وَعَلَى حَوَاسِّ سَمْعِهِمْ. الرَّابِعُ: قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِنَّهُ وَحَّدَ لَفْظَ السَّمْعِ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْجَمْعُ أَيْضًا، قَالَ تَعَالَى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: 257] عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ [الْمَعَارِجِ: 37] قَالَ الرَّاعِي: بها جيف الحيدى فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ وَإِنَّمَا أَرَادَ جُلُودَهَا، وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ (وَعَلَى أَسْمَاعِهِمْ) . الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: السَّمْعُ أَفْضَلُ مِنَ الْبَصَرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُمَا قَدَّمَ السَّمْعَ عَلَى الْبَصَرِ، وَالتَّقْدِيمُ دَلِيلٌ عَلَى التَّفْضِيلِ، وَلِأَنَّ السَّمْعَ شَرْطُ النُّبُوَّةِ بخلاف البصر، ولذلك ما بعث الله رَسُولًا أَصَمَّ، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ كَانَ مُبْتَلًى بِالْعَمَى، وَلِأَنَّ بِالسَّمْعِ تَصِلُ نَتَائِجُ عُقُولِ الْبَعْضِ إِلَى الْبَعْضِ، فَالسَّمْعُ كَأَنَّهُ سَبَبٌ لِاسْتِكْمَالِ الْعَقْلِ بِالْمَعَارِفِ، وَالْبَصَرُ لَا يُوقِفُكَ إِلَّا عَلَى الْمَحْسُوسَاتِ، وَلِأَنَّ السَّمْعَ مُتَصَرِّفٌ فِي الْجِهَاتِ السِّتِّ بِخِلَافِ الْبَصَرِ، وَلِأَنَّ السَّمْعَ مَتَّى بَطَلَ بَطَلَ النُّطْقُ، وَالْبَصَرُ إِذَا بَطَلَ لَمْ يَبْطُلِ
النُّطْقُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ الْبَصَرَ، لِأَنَّ آلَةَ الْقُوَّةِ الْبَاصِرَةِ أَشْرَفُ، وَلِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْقُوَّةِ الْبَاصِرَةِ هُوَ النُّورُ، وَمُتَعَلِّقَ الْقُوَّةِ السَّامِعَةِ الرِّيحُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْلُهُ: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْعِلْمِ هُوَ الْقَلْبُ. وَاسْتَقْصَيْنَا بَيَانَهُ فِي قَوْلِهِ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [الشُّعَرَاءِ: 193] فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: الْبَصَرُ نُورُ الْعَيْنِ وَهُوَ مَا يُبْصِرُ بِهِ الرَّائِي وَيُدْرِكُ الْمَرْئِيَّاتِ، كَمَا أَنَّ الْبَصِيرَةَ نُورُ الْقَلْبِ، وَهُوَ مَا يستبصر به ويتأمل، فكأنما جَوْهَرَانِ لَطِيفَانِ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا آلَتَيْنِ لِلْأَبْصَارِ وَالِاسْتِبْصَارِ، أَقُولُ: إِنَّ أَصْحَابَهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَرْضَوْنَ مِنْهُ بِهَذَا الْكَلَامِ: وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي الْإِبْصَارِ يَسْتَدْعِي أَبْحَاثًا غَامِضَةً لَا تَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ. الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قُرِئَ غِشاوَةٌ بِالْكَسْرِ وَالنَّصْبِ، وَغُشَاوَةٌ بِالضَّمِّ وَالرَّفْعِ، وَغَشَاوَةً بِالْفَتْحِ وَالنَّصْبِ، وَغِشْوَةٌ بِالْكَسْرِ وَالرَّفْعِ، وَغَشْوَةٌ بِالْفَتْحِ وَالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، وغشاوة بالعين غير المعجمة والرفع من الغشا، وَالْغِشَاوَةُ هِيَ الْغِطَاءُ، وَمِنْهُ الْغَاشِيَةُ، وَمِنْهُ غُشِيَ عَلَيْهِ إِذَا زَالَ عَقْلُهُ وَالْغَشَيَانُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ. الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الْعَذَابُ مِثْلُ النَّكَالِ بِنَاءً وَمَعْنًى، لِأَنَّكَ تَقُولُ أَعْذَبَ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا أَمْسَكَ عَنْهُ، كَمَا تَقُولُ نَكَلَ عَنْهُ، ومنه العذاب، لِأَنَّهُ يَقْمَعُ الْعَطَشَ وَيَرْدَعُهُ بِخِلَافِ الْمِلْحُ فَإِنَّهُ يَزِيدُهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَسْمِيَتُهُمْ إِيَّاهُ نُقَاخًا، لِأَنَّهُ يَنْقَخُ الْعَطَشَ أَيْ يَكْسِرُهُ، وَفُرَاتًا لِأَنَّهُ يَرْفُتُهُ عَنِ الْقَلْبِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فَسُمِّيَ كُلُّ أَلَمٍ فَادِحٍ عَذَابًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَكَالًا أَيْ عِقَابًا يَرْتَدِعُ بِهِ الْجَانِي عَنِ الْمُعَاوَدَةِ، والفرق بين العظيم والكبير: أَنَّ الْعَظِيمَ نَقِيضُ الْحَقِيرِ، وَالْكَبِيرَ نَقِيضُ الصَّغِيرِ، فَكَأَنَّ الْعَظِيمَ فَوْقَ الْكَبِيرِ، كَمَا أَنَّ الْحَقِيرَ دُونَ الصَّغِيرِ، وَيُسْتَعْمَلَانِ فِي الْجُثَثِ وَالْأَحْدَاثِ جَمِيعًا، تَقُولُ: رَجُلٌ عَظِيمٌ وَكَبِيرٌ تُرِيدُ جُثَّتَهُ أَوْ خَطَرَهُ، وَمَعْنَى التَّنْكِيرِ أَنَّ عَلَى أَبْصَارِهِمْ نَوْعًا مِنَ الْأَغْطِيَةِ غَيْرَ مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ، وَهُوَ غِطَاءُ التَّعَامِي عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَلَهُمْ مِنْ بَيْنِ الْآلَامِ الْعِظَامِ نَوْعٌ عَظِيمٌ لَا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَعْذِيبُ الْكُفَّارِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَحْسُنُ وفسروا قوله: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ بِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ لَكِنَّ كَرَمَهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ العفو، ولنذكر هاهنا دَلَائِلَ الْفَرِيقَيْنِ، أَمَّا الَّذِينَ لَا يُجَوِّزُونَ التَّعْذِيبَ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِأُمُورٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ التَّعْذِيبَ ضَرَرٌ خَالٍ عَنْ جِهَاتِ الْمَنْفَعَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَبِيحًا، أَمَّا أَنَّهُ ضَرَرٌ فَلَا شَكَّ، وَأَمَّا أَنَّهُ خَالٍ عَنْ جِهَاتِ الْمَنْفَعَةِ، فَلِأَنَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَائِدَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُتَعَالٍ عَنِ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ مِنَّا فِي الشَّاهِدِ، فَإِنَّ عَبْدَهُ إِذَا أَسَاءَ إِلَيْهِ أَدَّبَهُ، لِأَنَّهُ يَسْتَلِذُّ بِذَلِكَ التَّأْدِيبِ لِمَا كَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ حُبِّ الِانْتِقَامِ وَلِأَنَّهُ إِذَا أَدَّبَهُ فَإِنَّهُ يَنْزَجِرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَمَّا يَضُرُّهُ. وَالثَّانِي: أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَائِدَةً إِلَى الْمُعَذَّبِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ أَمَّا إِلَى الْمُعَذَّبِ فَهُوَ مُحَالٌ، لِأَنَّ الْإِضْرَارَ لَا يَكُونُ عَيْنَ الِانْتِفَاعِ وَأَمَّا إِلَى غَيْرِهِ فَمُحَالٌ، لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ أَوْلَى بِالرِّعَايَةِ مِنْ إِيصَالِ النَّفْعِ، فَإِيصَالُ الضَّرَرِ إِلَى شَخْصٍ لِغَرَضِ إِيصَالِ النَّفْعِ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ تَرْجِيحٌ لِلْمَرْجُوحِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَهُوَ بَاطِلٌ وَأَيْضًا فَلَا مَنْفَعَةَ يُرِيدُ اللَّهُ تَعَالَى إِيصَالَهَا إِلَى أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ الِاتِّصَالِ مِنْ غَيْرِ تَوْسِيطِ الْإِضْرَارِ بِالْغَيْرِ، / فَيَكُونُ تَوْسِيطُ ذَلِكَ الْإِضْرَارِ عَدِيمَ الْفَائِدَةِ. فَثَبَتَ أَنَّ التَّعْذِيبَ ضَرَرٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ جِهَاتِ الْمَنْفَعَةِ وَأَنَّهُ مَعْلُومُ الْقُبْحِ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ، بَلْ قُبْحُهُ أَجْلَى فِي الْعُقُولِ مِنْ قُبْحِ الْكَذِبِ الَّذِي
لَا يَكُونُ ضَارًّا، وَالْجَهْلُ الَّذِي لَا يَكُونُ ضَارًّا، بَلْ مِنْ قُبْحِ الْكَذِبِ الضَّارِّ وَالْجَهْلِ الضَّارِّ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْكَذِبَ الضَّارَّ وَسِيلَةٌ إِلَى الضَّرَرِ وَقُبْحُ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إِلَى الضَّرَرِ، دون قبح نَفْسِ الضَّرَرِ، وَإِذَا ثَبَتَ قُبْحُهُ امْتَنَعَ صُدُورُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ حَكِيمٌ وَالْحَكِيمُ لَا يَفْعَلُ الْقَبِيحَ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُؤْمَنُ عَلَى مَا قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [البقرة: 6] إِذَا ثَبَتَ هَذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَتَى كُلِّفَ الْكَافِرُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ إِلَّا الْعِصْيَانُ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْعِصْيَانُ سَبَبًا لِلْعِقَابِ لَكَانَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ مُسْتَعْقِبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ، إِمَّا لِأَنَّهُ تَمَامُ الْعِلَّةِ، أَوْ لِأَنَّهُ شَطْرُ الْعِلَّةِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَذَلِكَ التَّكْلِيفُ أَمْرٌ مَتَى حَصَلَ حَصَلَ عَقِيبَهُ لَا مَحَالَةَ الْعِقَابُ، وَمَا كَانَ مُسْتَعْقِبًا لِلضَّرَرِ الْخَالِي عَنِ النَّفْعِ كَانَ قَبِيحًا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ قَبِيحًا، وَالْقَبِيحُ لَا يَفْعَلُهُ الحكيم، فلم يبق هاهنا إِلَّا أَحَدُ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُقَالَ لَمْ يُوجَدْ هَذَا التَّكْلِيفُ أَوْ إِنْ وُجِدَ لَكِنَّهُ لَا يَسْتَعْقِبُ الْعِقَابَ، وَكَيْفَ كَانَ فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى إِمَّا أَنْ يُقَالَ خَلَقَ الْخَلْقَ لِلْإِنْفَاعِ، أَوْ لِلْإِضْرَارِ، أَوْ لَا لِلْإِنْفَاعِ وَلَا لِلْإِضْرَارِ، فَإِنْ خَلَقَهُمْ لِلْإِنْفَاعِ وَجَبَ أَنْ لَا يُكَلِّفَهُمْ مَا يُؤَدِّي بِهِ إِلَى ضِدِّ مَقْصُودِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ، وَلَمَّا عَلِمَ إِقْدَامَهُمْ عَلَى الْعِصْيَانِ لَوْ كَلَّفَهُمْ كَانَ التَّكْلِيفُ فِعْلًا يُؤَدِّي بِهِمْ إِلَى الْعِقَابِ، فَإِذَا كَانَ قَاصِدًا لِإِنْفَاعِهِمْ وَجَبَ أَنْ لَا يُكَلِّفَهُمْ، وَحَيْثُ كَلَّفَهُمْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِصْيَانَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْعَذَابِ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ. خَلَقَهُمْ لَا لِلْإِنْفَاعِ وَلَا لِلْإِضْرَارِ، لِأَنَّ التَّرْكَ عَلَى الْعَدَمِ يَكْفِي فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عَبَثًا، وَلَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ: خَلَقَهُمْ لِلْإِضْرَارِ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ رَحِيمًا كَرِيمًا، وَقَدْ تَطَابَقَتِ الْعُقُولُ وَالشَّرَائِعُ عَلَى كَوْنِهِ رَحِيمًا كَرِيمًا، وَعَلَى أَنَّهُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْعِقَابِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ لِلدَّوَاعِي الَّتِي تُوجِبُ الْمَعَاصِيَ، فَيَكُونُ هُوَ الْمُلْجِئَ إليها فيقبح منه أن يعاقب عليها، إنما قلنا إنه هو الْخَالِقُ لِتِلْكَ الدَّوَاعِي، لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ صُدُورَ الْفِعْلِ عَنْ مَقْدِرَةٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى انْضِمَامِ الدَّاعِيَةِ الَّتِي يَخْلُقُهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا، وَبَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْجَبْرَ، وَتَعْذِيبُ الْمَجْبُورِ قَبِيحٌ فِي الْعُقُولِ، وَرُبَّمَا قَرَّرُوا هَذَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالُوا: إِذَا كَانَتِ الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي الشَّرْعِيَّةُ قَدْ جَاءَتْ إِلَى شَخْصَيْنِ مِنَ النَّاسِ فَقَبِلَهَا أَحَدُهُمَا وَخَالَفَهَا الْآخَرُ فَأُثِيبَ أَحَدُهُمَا وَعُوقِبَ الْآخَرُ، فَإِذَا قيل لم قيل هَذَا وَخَالَفَ الْآخَرُ؟ فَيُقَالُ لِأَنَّ الْقَابِلَ أَحَبَّ الثَّوَابَ وَحَذِرَ الْعِقَابَ فَأَطَاعَ، وَالْآخَرُ لَمْ يُحِبَّ وَلَمْ يَحْذَرْ فَعَصَى، أَوْ أَنَّ هَذَا أَصْغَى إِلَى مَنْ وَعَظَهُ وَفَهِمَ عَنْهُ مَقَالَتَهُ فَأَطَاعَ، وَهَذَا لَمْ يُصْغِ وَلَمْ يَفْهَمْ فَعَصَى، فَيُقَالُ: وَلِمَ أَصْغَى هَذَا وَفَهِمَ وَلَمْ يُصْغِ ذَلِكَ وَلَمْ يَفْهَمْ؟ فَنَقُولُ: لِأَنَّ هَذَا لَبِيبٌ حَازِمٌ فَطِنٌ، وَذَلِكَ أَخْرَقُ جَاهِلٌ غَبِيٌّ فَيُقَالُ وَلِمَ اخْتُصَّ هَذَا بِالْحَزْمِ وَالْفِطْنَةِ دُونَ ذَاكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفِطْنَةَ وَالْبَلَادَةَ مِنَ الْأَحْوَالِ الْغَرِيزِيَّةِ. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْتَارُ الْغَبَاوَةَ وَالْخَرَقَ وَلَا يفعلهما في نفسه بنفسه؟ فَإِذَا تَنَاهَتِ/ التَّعْلِيلَاتُ إِلَى أُمُورٍ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى اضْطِرَارًا عَلِمْنَا أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ يُمْكِنُكَ أَنْ تُسَوِّيَ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ اللَّذَيْنِ أَطَاعَ أَحَدُهُمَا وَعَصَى الْآخَرُ فِي كُلِّ حَالٍ أَعْنِي فِي الْعَقْلِ وَالْجَهْلِ، وَالْفَطَانَةِ وَالْغَبَاوَةِ، وَالْحَزْمِ وَالْخَرَقِ، وَالْمُعَلِّمِينَ وَالْبَاعِثِينَ وَالزَّاجِرِينَ، وَلَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَقُولَ إِنَّهُمَا لَوِ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَمَا اسْتَوَيَا فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَنْ سَبَبُ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ مِنَ الْأَشْخَاصِ أُمُورٌ وَقَعَتْ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَضَائِهِ، وَعِنْدَ هَذَا يُقَالُ: أَيْنَ مِنَ الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالْكَرَمِ أَنْ يُخْلَقَ الْعَاصِي عَلَى مَا خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَظَاظَةِ وَالْجَسَارَةِ، وَالْغَبَاوَةِ وَالْقَسَاوَةِ، وَالطَّيْشِ وَالْخَرَقِ، ثُمَّ يُعَاقِبُهُ عَلَيْهِ، وَهَلَّا خَلَقَهُ مِثْلَ مَا خَلَقَ الطَّائِعَ لَبِيبًا حَازِمًا عَارِفًا عَالِمًا، وَأَيْنَ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يُسَخِّنَ قَلْبَهُ وَيُقَوِّيَ غَضَبَهُ وَيُلْهِبَ دِمَاغَهُ وَيُكْثِرَ طَيْشَهُ وَلَا يَرْزُقَهُ مَا رَزَقَ غَيْرَهُ مِنْ مُؤَدِّبٍ أَدِيبٍ وَمُعَلِّمٍ عَالِمٍ وَوَاعِظٍ مُبَلِّغٍ، بَلْ يُقَيِّضُ لَهُ أَضْدَادَ هَؤُلَاءِ فِي أَفْعَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ فَيَتَعَلَّمُ مِنْهُمْ ثُمَّ يؤاخذه
بِمَا يُؤَاخِذُ بِهِ اللَّبِيبَ الْحَازِمَ، وَالْعَاقِلَ الْعَالِمَ، الْبَارِدَ الرَّأْسِ، الْمُعْتَدِلَ مِزَاجِ الْقَلْبِ، اللَّطِيفَ الرُّوحِ الَّذِي رَزَقَهُ مُرَبِّيًا شَفِيقًا، وَمُعَلِّمًا كَامِلًا؟ مَا هَذَا مِنَ الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالْكَرَمِ وَالرَّأْفَةِ فِي شَيْءٍ! فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْعِقَابِ عَلَى خِلَافِ قَضَايَا الْعُقُولِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا كَلَّفَنَا النَّفْعَ لِعَوْدِهِ إِلَيْنَا، لِأَنَّهُ قَالَ: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الْإِسْرَاءِ: 7] فَإِذَا عَصَيْنَا فَقَدْ فَوَّتْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا تِلْكَ الْمَنَافِعَ، فَهَلْ يَحْسُنُ فِي الْعُقُولِ أَنْ يَأْخُذَ الْحَكِيمُ إِنْسَانًا وَيَقُولَ لَهُ إِنِّي أُعَذِّبُكَ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ، لِأَنَّكَ فَوَّتَّ عَلَى نَفْسِكَ بَعْضَ الْمَنَافِعِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ إِنْ تَحْصِيلَ النَّفْعِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دَفْعِ الضَّرَرِ فَهَبْ أَنِّي فَوَّتُّ عَلَى نَفْسِي أَدْوَنَ الْمَطْلُوبَيْنِ أَفَتَفُوتُ عَلَيَّ لِأَجْلِ ذَلِكَ أَعْظَمُهَا وَهَلْ يَحْسُنُ مِنَ السَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ عَبْدَهُ وَيَقُولَ إِنَّكَ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ تَكْتَسِبَ دِينَارًا لِنَفْسِكَ وَلِتَنْتَفِعَ بِهِ خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِي فِيهِ غَرَضٌ الْبَتَّةَ، فَلَمَّا لَمْ تَكْتَسِبْ ذَلِكَ الدِّينَارَ وَلَمْ تَنْتَفِعْ بِهِ آخُذُكَ وَأَقْطَعُ أَعْضَاءَكَ إِرْبًا إِرْبًا، لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا نِهَايَةُ السَّفَاهَةِ، فَكَيْفَ يليق بأحكم الحاكمين! ثم قالوا هب أن سَلَّمْنَا هَذَا الْعِقَابَ فَمِنْ أَيْنَ الْقَوْلُ بِالدَّوَامِ؟ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَقْسَى النَّاسِ قَلْبًا وَأَشَدَّهُمْ غِلْظَةً وَفَظَاظَةً وَبُعْدًا عَنِ الْخَيْرِ إِذَا أَخَذَ مَنْ بَالَغَ فِي الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِ وَعَذَّبَهُ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً فَإِنَّهُ يَشْبَعُ مِنْهُ وَيَمَلُّ، فَلَوْ بَقِيَ مُوَاظِبًا عَلَيْهِ لَامَهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَيُقَالُ هَبْ أَنَّهُ بَالَغَ هَذَا فِي إِضْرَارِكَ، وَلَكِنْ إِلَى مَتَى هَذَا التَّعْذِيبُ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتُلَهُ وَتُرِيحَهُ، وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّصَهُ، فَإِذَا قَبُحَ هَذَا مِنَ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَلْتَذُّ بِالِانْتِقَامِ فَالْغَنِيُّ عَنِ الْكُلِّ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذَا الدَّوَامُ الَّذِي يُقَالُ! وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ نَهَى عِبَادَهُ عَنِ اسْتِيفَاءِ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً [الْإِسْرَاءِ: 33] وَقَالَ: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشُّورَى: 40] ثُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ هَبْ أَنَّهُ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى طُولَ عُمْرِهِ فَأَيْنَ عُمْرُهُ مِنَ الْأَبَدِ؟ فَيَكُونُ الْعِقَابُ الْمُؤَبَّدُ ظُلْمًا. وَسَابِعُهَا: أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ وَاظَبَ عَلَى الْكُفْرِ طُولَ عُمْرِهِ، فَإِذَا تَابَ ثُمَّ مَاتَ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَأَجَابَ دُعَاءَهُ وَقَبِلَ تَوْبَتَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا الْكَرِيمَ الْعَظِيمَ مَا بَقِيَ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ عُقُولُ أُولَئِكَ الْمُعَذَّبِينَ مَا بَقِيَتْ فَلِمَ لَا يَتُوبُونَ عَنْ مَعَاصِيهِمْ؟ وَإِذَا تَابُوا فَلِمَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ تَوْبَتَهُمْ، وَلِمَ لَا يَسْمَعُ نِدَاءَهُمْ، / وَلِمَ يُخَيِّبُ رَجَاءَهُمْ؟ وَلِمَ كَانَ فِي الدُّنْيَا فِي الرَّحْمَةِ وَالْكَرَمِ إِلَى حَيْثُ قَالَ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غَافِرٍ: 60] أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [النَّمْلِ: 62] وَفِي الْآخِرَةِ صَارَ بِحَيْثُ كُلَّمَا كَانَ تَضَرُّعُهُمْ إِلَيْهِ أَشَدَّ فَإِنَّهُ لَا يُخَاطِبُهُمْ إِلَّا بقوله: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [الْمُؤْمِنُونَ: 108] قَالُوا: فَهَذِهِ الْوُجُوهُ مِمَّا تُوجِبُ الْقَطْعَ بِعَدَمِ الْعِقَابِ. ثُمَّ قَالَ مَنْ آمَنَ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالْقُرْآنِ: الْعُذْرُ عَمَّا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالدَّلَائِلِ اللَّفْظِيَّةِ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ، وَالدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ تُفِيدُ الْيَقِينَ، وَالْمَظْنُونُ لَا يُعَارِضُ الْمَقْطُوعَ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الدَّلَائِلَ اللَّفْظِيَّةَ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ، لِأَنَّ الدَّلَائِلَ اللَّفْظِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أُصُولٍ كُلُّهَا ظَنِّيَّةٌ وَالْمَبْنِيُّ عَلَى الظَّنِّيِّ ظَنِّيٌّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أُصُولٍ ظَنِّيَّةٍ، لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى نَقْلِ اللُّغَاتِ وَنَقْلِ النَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ، وَرُوَاةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يُعْلَمُ بُلُوغُهُمْ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، فَكَانَتْ رِوَايَتُهُمْ مَظْنُونَةً، وَأَيْضًا فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاكِ وَعَدَمِ الْمَجَازِ وَعَدَمِ التَّخْصِيصِ وَعَدَمِ الْإِضْمَارِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَعَدَمِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ، وَأَيْضًا فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ الْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ، فَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ وُجُودِهِ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِصِدْقِهِمَا وَلَا بِكَذِبِهِمَا مَعًا، وَلَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ النَّقْلِ عَلَى الْعَقْلِ لِأَنَّ الْعَقْلَ أَصْلُ النَّقْلِ، وَالطَّعْنُ فِي الْعَقْلِ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ مَعًا، لَكِنَّ عَدَمَ الْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ مَظْنُونٌ، هَذَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ فَكَيْفَ وَقَدْ وَجَدْنَا هاهنا دَلَائِلَ عَقْلِيَّةً عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ، فَثَبَتَ أَنَّ دَلَالَةَ هَذِهِ الدَّلَائِلِ النَّقْلِيَّةِ ظَنِّيَّةٌ، وَأَمَّا أَنَّ الظَّنِّيَّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينِيَّ فَلَا شَكَّ فِيهِ. وَثَانِيهَا: وَهُوَ أَنَّ
[سورة البقرة (2) : آية 8]
التَّجَاوُزَ عَنِ الْوَعِيدِ مُسْتَحْسَنٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَإِنِّي إِذَا أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي بَلِ الْإِصْرَارُ عَلَى تَحْقِيقِ الْوَعِيدِ كَأَنَّهُ يُعَدُّ لُؤْمًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَصْلُحَ مِنَ اللَّهِ تعالى، وهذا بناءً على حرف وهو أَهْلَ السُّنَّةِ جَوَّزُوا نَسْخَ الْفِعْلِ قَبْلَ مُدَّةِ الِامْتِثَالِ وَحَاصِلُ حُرُوفِهِمْ فِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ يُسَنُّ تَارَةً لِحِكْمَةٍ تَنْشَأُ مِنْ نَفْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَتَارَةً لِحِكْمَةٍ تَنْشَأُ مِنْ نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ السَّيِّدَ قَدْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ افْعَلِ الْفِعْلَ الْفُلَانِيَّ غَدًا وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ فِي الْحَالِ أَنَّهُ سَيَنْهَاهُ عَنْهُ غَدًا، وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ أَنْ يُظْهِرَ الْعَبْدُ الِانْقِيَادَ لِسَيِّدِهِ فِي ذَلِكَ وَيُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلَى طَاعَتِهِ، فَكَذَلِكَ إِذَا عَلِمَ اللَّهُ مِنَ الْعَبْدِ أَنَّهُ سَيَمُوتُ غَدًا فَإِنَّهُ يَحْسُنُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ يَقُولَ: صَلِّ غَدًا إِنْ عِشْتَ، وَلَا يَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ تَحْصِيلَ الْمَأْمُورِ بِهِ، لِأَنَّهُ هاهنا مُحَالٌ بَلِ الْمَقْصُودُ حِكْمَةٌ تَنْشَأُ مِنْ نَفْسِ الْأَمْرِ فَقَطْ، وَهُوَ حُصُولُ الِانْقِيَادِ وَالطَّاعَةِ وَتَرْكُ التَّمَرُّدِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْخَبَرُ أَيْضًا كَذَلِكَ؟ فَتَارَةً يَكُونُ مَنْشَأُ الْحِكْمَةِ مِنَ الْأَخْبَارِ هُوَ الشَّيْءَ الْمُخْبَرَ عَنْهُ وَذَلِكَ فِي الْوَعْدِ، وَتَارَةً يَكُونُ مَنْشَأُ الْحِكْمَةِ هُوَ نَفْسَ الْخَبَرِ لَا الْمُخْبَرَ عَنْهُ كَمَا فِي الْوَعِيدِ، فَإِنَّ الْأَخْبَارَ عَلَى سَبِيلِ الْوَعِيدِ مِمَّا يُفِيدُ الزَّجْرَ عَنِ الْمَعَاصِي وَالْإِقْدَامَ عَلَى الطَّاعَاتِ، فَإِذَا حَصَلَ هَذَا الْمَقْصُودُ جَازَ أَنْ لَا يُوجَدَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ كَمَا فِي الْوَعِيدِ، وَعِنْدَ هَذَا قَالُوا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بِالثَّوَابِ حَقٌّ لَازِمٌ، وَأَمَّا تَوَعُّدُهُ بِالْعِقَابِ فَغَيْرُ لَازِمٍ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ صَلَاحُ الْمُكَلَّفِينَ مَعَ رَحْمَتِهِ الشَّامِلَةِ لَهُمْ، كَالْوَالِدِ يُهَدِّدُ وَلَدَهُ/ بِالْقَتْلِ وَالسَّمْلِ وَالْقَطْعِ وَالضَّرْبِ، فَإِنْ قَبِلَ الْوَلَدُ أَمْرَهُ فَقَدِ انْتَفَعَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَمَا فِي قَلْبِ الْوَالِدِ مِنَ الشَّفَقَةِ يَرُدُّهُ عَنْ قَتْلِهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ كَذِبًا وَالْكَذِبُ قَبِيحٌ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ كَذِبٍ قَبِيحٌ بَلِ الْقَبِيحُ هُوَ الْكَذِبُ الضَّارُّ، فَأَمَّا الْكَذِبُ النَّافِعُ فَلَا، ثُمَّ إِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَذِبٌ، أَلَيْسَ أَنَّ جَمِيعَ عُمُومَاتِ الْقُرْآنِ مَخْصُوصَةٌ وَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ كَذِبًا، أَلَيْسَ أَنَّ كُلَّ الْمُتَشَابِهَاتِ مَصْرُوفَةٌ عَنْ ظَوَاهِرِهَا، وَلَا يُسَمَّى ذلك كذباً فكذا هاهنا. وَثَالِثُهَا: أَلَيْسَ أَنَّ آيَاتِ الْوَعِيدِ فِي حَقِّ الْعُصَاةِ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّرْطُ مَذْكُورًا فِي صَرِيحِ النَّصِّ، فَهِيَ أَيْضًا عِنْدَنَا مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ الْعَفْوِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّرْطُ مَذْكُورًا بِصَرِيحِ النَّصِّ صَرِيحًا، أَوْ نَقُولُ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَاصِيَ يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ مِنَ الْعِقَابِ فَيُحْمَلُ الْإِخْبَارُ عَنِ الْوُقُوعِ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنِ اسْتِحْقَاقِ الْوُقُوعِ فَهَذَا جُمْلَةُ مَا يُقَالُ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَذْهَبِ. وَأَمَّا الَّذِينَ أَثْبَتُوا وُقُوعَ الْعَذَابِ، فَقَالُوا إِنَّهُ نُقِلَ إِلَيْنَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَاتُرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُقُوعُ الْعَذَابِ فَإِنْكَارُهُ يَكُونُ تَكْذِيبًا لِلرَّسُولِ وَأَمَّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكْتُمْ بِهَا فِي نَفْيِ الْعِقَابِ فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا نَقُولُ بِهِ والله أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 8] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) اعْلَمْ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي وَصْفِ الْمُنَافِقِينَ قَالُوا: وَصَفَ اللَّهُ الْأَصْنَافَ الثَّلَاثَةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فَبَدَأَ بِالْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ الَّذِينَ صَحَّتْ سَرَائِرُهُمْ وَسَلِمَتْ ضَمَائِرُهُمْ، ثُمَّ أَتْبَعَهُمْ بِالْكَافِرِينَ الَّذِينَ مِنْ صِفَتِهِمُ الْإِقَامَةُ عَلَى الْجُحُودِ وَالْعِنَادِ، ثُمَّ وَصَفَ حَالَ مَنْ يَقُولُ بِلِسَانِهِ إِنَّهُ مُؤْمِنٌ وَضَمِيرُهُ يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي حَقِيقَةِ النِّفَاقِ لَا يَتَخَلَّصُ إِلَّا بِتَقْسِيمٍ نَذْكُرُهُ فَنَقُولُ: أَحْوَالُ الْقَلْبِ أَرْبَعَةٌ، وَهِيَ الِاعْتِقَادُ الْمُطَابِقُ الْمُسْتَفَادُ عَنِ الدَّلِيلِ وَهُوَ الْعِلْمُ، وَالِاعْتِقَادُ الْمُطَابِقُ الْمُسْتَفَادُ لَا عَنِ الدَّلِيلِ وَهُوَ اعْتِقَادُ الْمُقَلِّدِ، وَالِاعْتِقَادُ الغير الْمُطَابِقِ وَهُوَ الْجَهْلُ، وَخُلُوُّ الْقَلْبِ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أَقْسَامٌ أَرْبَعَةٌ، وَأَمَّا أَحْوَالُ اللِّسَانِ فَثَلَاثَةٌ: الْإِقْرَارُ، وَالْإِنْكَارُ، وَالسُّكُوتُ. فَيَحْصُلُ مِنْ تَرْكِيبَاتِهَا اثْنَا عَشَرَ قِسْمًا. النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَا إِذَا حَصَلَ الْعِرْفَانُ الْقَلْبِيُّ فَهَهُنَا إِمَّا أَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ أَوِ الْإِنْكَارُ بِاللِّسَانِ أَوِ السُّكُوتُ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَا إِذَا حَصَلَ الْعِرْفَانُ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ فَهَذَا الْإِقْرَارُ إِنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا فَصَاحِبُهُ مُؤْمِنٌ حَقًّا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ اضْطِرَارِيًّا وَهُوَ مَا إِذَا عَرَفَ بِقَلْبِهِ وَلَكِنَّهُ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْلَا الْخَوْفُ لَمَا أَقَرَّ، بَلْ أَنْكَرَ، فَهَذَا يَجِبُ أَنْ يُعَدَّ مُنَافِقًا، لِأَنَّهُ بِقَلْبِهِ مُنْكِرٌ مُكَذِّبٌ، فَإِذَا كَانَ بِاللِّسَانِ مُقِرًّا مُصَدِّقًا وَجَبَ أَنْ يُعَدَّ مُنَافِقًا لِأَنَّهُ بِقَلْبِهِ مُنْكِرٌ مُكَذِّبٌ بِوُجُوبِ الْإِقْرَارِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَحْصُلَ الْعِرْفَانُ الْقَلْبِيُّ وَالْإِنْكَارُ اللِّسَانِيُّ/ فَهَذَا الْإِنْكَارُ إِنْ كَانَ اضْطِرَارِيًّا كَانَ صَاحِبُهُ مُسْلِمًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النَّحْلِ: 106] وَإِنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا كَانَ كَافِرًا مُعَانِدًا. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْصُلَ الْعِرْفَانُ الْقَلْبِيُّ وَيَكُونُ اللِّسَانُ خَالِيًا عَنِ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، فَهَذَا السُّكُوتُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اضْطِرَارِيًّا أَوِ اخْتِيَارِيًّا، فَإِنْ كَانَ اضْطِرَارِيًّا فَذَلِكَ إِذَا خَافَ ذَكَرَهُ بِاللِّسَانِ فَهَذَا مُسْلِمٌ حَقًّا أَوْ كَمَا إِذَا عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلِهِ ثُمَّ لَمَّا تَمَّمَ النَّظَرَ مَاتَ فَجْأَةً، فَهَذَا مُؤْمِنٌ قَطْعًا، لِأَنَّهُ أَتَى بِكُلِّ مَا كُلِّفَ بِهِ وَلَمْ يَجِدْ زَمَانَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ فَكَانَ مَعْذُورًا فِيهِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا فَهُوَ كَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلِهِ ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْإِقْرَارِ، فَهَذَا مَحَلُّ الْبَحْثِ، وَمَيْلُ الْغَزَالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ» وَهَذَا الرَّجُلُ قَلْبُهُ مَمْلُوءٌ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ فَكَيْفَ لَا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ. النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَحْصُلَ فِي الْقَلْبِ الِاعْتِقَادُ التَّقْلِيدِيُّ، فَإِمَّا أَنْ يُوجَدَ مَعَهُ الْإِقْرَارُ، أَوِ الْإِنْكَارُ أَوِ السُّكُوتُ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أَنْ يُوجَدَ مَعَهُ الْإِقْرَارُ، ثُمَّ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ إِنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا فَهَذَا هُوَ الْمَسْأَلَةُ الْمَشْهُورَةُ مِنْ أَنَّ الْمُقَلِّدَ هَلْ هُوَ مُؤْمِنٌ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ اضْطِرَارِيًّا فَهَذَا يُفَرَّعُ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى، فَإِنْ حَكَمْنَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بِالْكُفْرِ، فهاهنا لَا كَلَامَ، وَإِنْ حَكَمْنَا هُنَاكَ بِالْإِيمَانِ وَجَبَ أن يحكم هاهنا بِالنِّفَاقِ، لِأَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَوْ كَانَ القلب عرفاً لَكَانَ هَذَا الشَّخْصُ مُنَافِقًا، فَبِأَنْ يَكُونَ مُنَافِقًا عِنْدَ التَّقْلِيدِ كَانَ أَوْلَى. الْقِسْمُ الثَّانِي: الِاعْتِقَادُ التَّقْلِيدِيُّ مَعَ الْإِنْكَارِ اللِّسَانِيِّ، ثُمَّ هَذَا الْإِنْكَارُ إِنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا فَلَا شَكَّ فِي الْكُفْرِ، وَإِنْ كَانَ اضْطِرَارِيًّا وَحَكَمْنَا بِإِيمَانِ الْمُقَلِّدِ وَجَبَ أَنْ نَحْكُمَ بِالْإِيمَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الِاعْتِقَادُ التَّقْلِيدِيُّ مَعَ السُّكُوتِ اضْطِرَارِيًّا كَانَ أَوِ اخْتِيَارِيًّا، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ إِذَا حَكَمْنَا بِإِيمَانِ الْمُقَلِّدِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْإِنْكَارُ الْقَلْبِيُّ فَإِمَّا أَنْ يُوجَدَ مَعَهُ الْإِقْرَارُ اللِّسَانِيُّ، أَوِ الْإِنْكَارُ اللِّسَانِيُّ، أَوِ السُّكُوتُ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أَنْ يُوجَدَ مَعَهُ الْإِقْرَارُ اللِّسَانِيُّ، فَذَلِكَ الْإِقْرَارُ إِنْ كَانَ اضْطِرَارِيًّا فَهُوَ الْمُنَافِقُ وَإِنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا فَهُوَ مِثْلُ أَنْ يَعْتَقِدَ بِنَاءً عَلَى شُبْهَةٍ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ ثُمَّ بِالِاخْتِيَارِ أَقَرَّ بِاللِّسَانِ أَنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ، وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يَعْرِفَ بِالْقَلْبِ ثُمَّ يُنْكِرَ بِاللِّسَانِ وَهُوَ كُفْرُ الْجُحُودِ وَالْعِنَادِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْهَلَ بِالْقَلْبِ ثُمَّ يُقِرَّ بِاللِّسَانِ؟ فَهَذَا الْقِسْمُ أَيْضًا مِنَ النِّفَاقِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُوجَدَ الْإِنْكَارُ الْقَلْبِيُّ وَيُوجَدَ الْإِنْكَارُ اللِّسَانِيُّ فَهَذَا كَافِرٌ وَلَيْسَ بِمُنَافِقٍ، لِأَنَّهُ مَا أَظْهَرَ شَيْئًا بِخِلَافِ بَاطِنِهِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُوجَدَ الْإِنْكَارُ الْقَلْبِيُّ مَعَ السُّكُوتِ اللساني فهذا كافر وليس بمنافق لأنه ما أَظْهَرَ شَيْئًا. النَّوْعُ الرَّابِعُ: الْقَلْبُ الْخَالِي عَنْ جَمِيعِ الِاعْتِقَادَاتِ فَهَذَا إِمَّا أَنْ يُوجَدَ مَعَهُ الْإِقْرَارُ أَوِ الْإِنْكَارُ أَوِ السُّكُوتُ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: إِذَا وُجِدَ الْإِقْرَارُ فَهَذَا
الْإِقْرَارُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا أَوِ اضْطِرَارِيًّا، فَإِنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْكُفْرُ، لَكِنَّهُ فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ حَيْثُ أَخْبَرَ عَمَّا لَا يَدْرِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ صَادِقٌ فِيهِ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ لَا فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ فَفِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ اضْطِرَارِيًّا لَمْ يَكْفُرْ صَاحِبُهُ، لِأَنَّ تَوَقُّفَهُ إِذَا كَانَ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ وَكَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ تَرْكِ الْإِقْرَارِ لَمْ يَكُنْ/ عَمَلُهُ قَبِيحًا. الْقِسْمُ الثَّانِي: الْقَلْبُ الْخَالِي مَعَ الْإِنْكَارِ بِاللِّسَانِ وَحُكْمُهُ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ حُكْمِ الْقِسْمِ الْعَاشِرِ الْقِسْمُ الثالث: القلب الخالي مع اللساني الْخَالِي، فَهَذَا إِنْ كَانَ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ فَذَاكَ هُوَ الْوَاجِبُ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ مُهْلَةِ النَّظَرِ وَجَبَ تَكْفِيرُهُ وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنِّفَاقِ أَلْبَتَّةَ، فَهَذِهِ هِيَ الْأَقْسَامُ الْمُمْكِنَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّ النِّفَاقَ مَا هُوَ، وَأَنَّهُ الَّذِي لَا يُطَابِقُ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي بَاطِنِهِ مَا يُضَادُّ مَا فِي ظَاهِرِهِ أَوْ كَانَ بَاطِنُهُ خَالِيًا عما يشعر به ظاهره، وإذا عَرَفْتَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمُنَافِقُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ كُفْرَ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ أَقْبَحُ أَمْ كُفْرَ الْمُنَافِقِ؟ قَالَ قَوْمٌ كُفْرُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ أَقْبَحُ، لِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِالْقَلْبِ كَاذِبٌ بِاللِّسَانِ، وَالْمُنَافِقُ جَاهِلٌ بِالْقَلْبِ صَادِقٌ بِاللِّسَانِ. وَقَالَ آخَرُونَ بَلِ الْمُنَافِقُ أَيْضًا كَاذِبٌ بِاللِّسَانِ، فَإِنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ كَوْنِهِ عَلَى ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الْحُجُرَاتِ: 14] وَقَالَ: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [الْمُنَافِقُونَ: 1] ثُمَّ إِنَّ الْمُنَافِقَ اخْتُصَّ بِمَزِيدِ أُمُورٍ مُنْكَرَةٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَصَدَ التَّلْبِيسَ وَالْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ مَا قَصَدَ ذَلِكَ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْكَافِرَ عَلَى طَبْعِ الرِّجَالِ، وَالْمُنَافِقَ عَلَى طَبْعِ الْخُنُوثَةِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْكَافِرَ مَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالْكَذِبِ بَلِ اسْتَنْكَفَ مِنْهُ وَلَمْ يَرْضَ إِلَّا بِالصِّدْقِ، وَالْمُنَافِقُ رَضِيَ بِذَلِكَ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْمُنَافِقَ ضَمَّ إِلَى كُفْرِهِ الِاسْتِهْزَاءَ بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، وَلِأَجْلِ غِلَظِ كُفْرِهِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النِّسَاءِ: 145] . وَخَامِسُهَا: قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّهُ تَعَالَى ابْتَدَأَ بِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَرْبَعِ آيَاتٍ، ثُمَّ ثَنَّى بِذِكْرِ الْكُفَّارِ فِي آيَتَيْنِ ثُمَّ ثَلَّثَ بِذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ فِي ثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةً، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقَ أَعْظَمُ جُرْمًا. وَهَذَا بَعِيدٌ، لِأَنَّ كَثْرَةَ الِاقْتِصَاصِ بِخَبَرِهِمْ لَا تُوجِبُ كَوْنَ جُرْمِهِمْ أَعْظَمَ، فَإِنْ عُظِّمَ فَلِغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ ضَمُّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ وُجُوهًا مِنَ الْمَعَاصِي كَالْمُخَادَعَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَطَلَبِ الْغَوَائِلِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ كَثْرَةَ الِاقْتِصَاصِ بِخَبَرِهِمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاهْتِمَامَ بِدَفْعِ شَرِّهِمْ أَشَدُّ مِنَ الِاهْتِمَامِ بِدَفْعِ شَرِّ الْكُفَّارِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَعْظَمُ جُرْمًا مِنَ الْكُفَّارِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى وَأَقَرَّ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا، لِقَوْلِهِ: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ وَقَالَتِ الْكَرَّامِيَّةُ: إِنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا الثَّانِي: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ كُلَّ الْمُكَلَّفِينَ عَارِفُونَ بِاللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ عَارِفًا لَا يَكُونُ مُكَلَّفًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ لَوْ كَانُوا عَارِفِينَ بِاللَّهِ وَقَدْ أَقَرُّوا بِهِ لَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إِقْرَارُهُمْ بِذَلِكَ إِيمَانًا، لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَقَرَّ بِهِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ غَيْرَ الْعَارِفِ لَوْ كَانَ مَعْذُورًا لَمَا ذَمَّ اللَّهُ هَؤُلَاءِ عَلَى عَدَمِ الْعِرْفَانِ، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ: إِنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ يَكُونُ مَعْذُورًا. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: ذَكَرُوا فِي اشْتِقَاقِ لَفْظِ الْإِنْسَانِ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ/ أَنَّهُ قَالَ: سُمِّيَ إِنْسَانًا لِأَنَّهُ عُهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ، وَقَالَ الشَّاعِرُ. سُمِّيتَ إِنْسَانًا لِأَنَّكَ نَاسِي.
وقال أبو الفتح البستي: يا أَكْثَرَ النَّاسِ إِحْسَانًا إِلَى النَّاسِ ... وَأَكْثَرَ النَّاسِ إِفْضَالًا عَلَى النَّاسِ نَسِيتُ عَهْدَكَ وَالنِّسْيَانُ مُغْتَفَرٌ ... فَاغْفِرْ فَأَوَّلُ نَاسٍ أَوَّلُ النَّاسِ وَثَانِيهَا: سُمِّيَ إِنْسَانًا لِاسْتِئْنَاسِهِ بِمِثْلِهِ. وَثَالِثُهَا: قَالُوا: الْإِنْسَانُ إِنَّمَا سُمِّيَ إِنْسَانًا لِظُهُورِهِمْ وَأَنَّهُمْ يُؤْنِسُونَ أَيْ يُبْصِرُونَ مِنْ قَوْلِهِ: آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نَارًا [الْقَصَصِ: 29] كَمَّا سُمِّيَ الْجِنُّ لِاجْتِنَانِهِمْ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي كُلِّ لَفْظٍ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ شَيْءٍ آخَرَ وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إِلَى جَعْلِ لَفْظِ الْإِنْسَانِ مُشْتَقًّا مِنْ شَيْءٍ آخَرَ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي مُنَافِقِي أَهْلِ الْكِتَابِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَمُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وجد ابن قَيْسٍ، كَانُوا إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ وَالتَّصْدِيقَ وَيَقُولُونَ إِنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ وَلَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: لَفْظَةُ «مَنْ» لَفْظَةٌ صَالِحَةٌ لِلتَّثْنِيَةِ، وَالْجَمْعِ، وَالْوَاحِدِ. أَمَّا فِي الْوَاحِدِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [الْأَنْعَامِ: 25] وَفِي الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ [يُونُسَ: 42] وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ مُوَحَّدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ الْمَعْنَى، فَعِنْدَ التَّوْحِيدِ يُرْجَعُ إِلَى اللَّفْظِ. وَعِنْدَ الْجَمْعِ يُرْجَعُ إِلَى الْمَعْنَى، وَحَصَلَ الْأَمْرَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: يَقُولُ لَفْظُ الواحد وآمَنَّا لَفْظُ الْجَمْعِ وَبَقِيَ مِنْ مَبَاحِثِ الْآيَةِ أَسْئِلَةٌ. السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: الْمُنَافِقُونَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا مُنْكِرِينَ لِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلِمَ كَذَّبَهُمْ فِي ادِّعَائِهِمُ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؟ وَالْجَوَابُ: إِنْ حَمَلْنَا هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى مُنَافِقِي الْمُشْرِكِينَ فَلَا إِشْكَالَ، لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا جَاهِلِينَ بِاللَّهِ وَمُنْكِرِينَ الْبَعْثَ وَالنُّشُورَ وَإِنْ حَمَلْنَاهَا عَلَى مُنَافِقِي أَهْلِ الْكِتَابِ- وَهُمُ الْيَهُودُ- فَإِنَّمَا كَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ إِيمَانَ الْيَهُودِ بِاللَّهِ لَيْسَ بِإِيمَانٍ، لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَهُ جِسْمًا، وَقَالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ لَيْسَ بِإِيمَانٍ، فَلَمَّا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ كَانَ خُبْثُهُمْ فِيهِ مُضَاعَفًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِقُلُوبِهِمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الْبَاطِلِ، وَبِاللِّسَانِ يُوهِمُونَ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْكَلَامِ إِنَّا آمَنَّا لِلَّهِ مِثْلَ إِيمَانِكُمْ، فَلِهَذَا كَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ. السُّؤَالُ الثَّانِي: كَيْفَ طَابَقَ قَوْلُهُ: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ قَوْلَهُمْ: آمَنَّا بِاللَّهِ وَالْأَوَّلُ فِي ذِكْرِ شَأْنِ الْفِعْلِ لَا الْفَاعِلِ، وَالثَّانِي فِي ذِكْرِ شَأْنِ الْفَاعِلِ لَا الْفِعْلِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَنْ قَالَ فُلَانٌ نَاظَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْفُلَانِيَّةِ، فَلَوْ قُلْتَ إِنَّهُ لَمْ يُنَاظِرْ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ كُنْتَ قَدْ كَذَّبْتَهُ، أَمَّا لَوْ قُلْتَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاظِرِينَ كُنْتَ قَدْ بَالَغْتَ فِي تَكْذِيبِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، فَكَيْفَ يُظَنُّ به ذلك؟ فكذا هاهنا لما قالوا آنا بِاللَّهِ فَلَوْ قَالَ اللَّهُ مَا آمَنُوا كَانَ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهُمْ أَمَّا لَمَّا قَالَ: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ كَانَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي تَكْذِيبِهِمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها هُوَ أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَمَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: مَا الْمُرَادُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ؟ الْجَوَابُ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ/ الْوَقْتُ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ وَهُوَ الْأَبَدُ الدَّائِمُ، الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ لَهُ أَمَدٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، لِأَنَّهُ آخِرُ الْأَوْقَاتِ الْمَحْدُودَةِ، وَمَا بَعْدَهُ فَلَا حَدَّ له.
[سورة البقرة (2) : الآيات 9 إلى 10]
[سورة البقرة (2) : الآيات 9 الى 10] يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (10) اعلم أن الله تعالى مِنْ قَبَائِحِ الْمُنَافِقِينَ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَوَّلًا: مَا الْمُخَادَعَةُ، ثُمَّ ثَانِيًا: مَا الْمُرَادُ، بِمُخَادَعَةِ اللَّهِ؟ وَثَالِثًا: أَنَّهُمْ لِمَاذَا كَانُوا يُخَادِعُونَ اللَّهَ؟ وَرَابِعًا: أَنَّهُ مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أنفسهم؟. [في بيان قوله تعالى يخادعون الله والذين آمنوا] [فيه مسائل] الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ الْخَدِيعَةَ مَذْمُومَةٌ، وَالْمَذْمُومُ يَجِبُ أَنْ يُمَيَّزَ مِنْ غَيْرِهِ لِكَيْ لَا يُفْعَلَ، وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الْإِخْفَاءُ، وَسُمِّيَتِ الْخِزَانَةُ الْمِخْدَعَ، وَالْأَخْدَعَانِ عِرْقَانِ فِي الْعُنُقِ لِأَنَّهُمَا خَفِيَّانِ. وَقَالُوا: خَدَعَ الضَّبُّ خَدْعًا إِذَا تَوَارَى فِي جُحْرِهِ فَلَمْ يَظْهَرْ إِلَّا قَلِيلًا، وَطَرِيقٌ خَيْدَعٌ وَخَدَّاعٌ، إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْمَقْصِدِ بِحَيْثُ لَا يُفْطَنُ لَهُ، وَمِنْهُ الْمَخْدَعُ. وَأَمَّا حَدُّهَا فَهُوَ إِظْهَارُ مَا يُوهِمُ السَّلَامَةَ وَالسَّدَادَ، وَإِبْطَانُ مَا يَقْتَضِي الْإِضْرَارَ بِالْغَيْرِ وَالتَّخَلُّصَ مِنْهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النِّفَاقِ فِي الْكُفْرِ وَالرِّيَاءِ فِي الْأَفْعَالِ الْحَسَنَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ الدِّينُ، لِأَنَّ الدِّينَ يُوجِبُ الِاسْتِقَامَةَ وَالْعُدُولَ عَنِ الْغُرُورِ وَالْإِسَاءَةِ، كَمَا يُوجِبُ الْمُخَالَصَةَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْعِبَادَةِ، وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَصْفُهُمُ الْمُرَائِيَ بِأَنَّهُ مُدَلِّسٌ إِذَا أَظْهَرَ خِلَافَ مُرَادِهِ، وَمِنْهُ أُخِذَ التَّدْلِيسُ فِي الْحَدِيثِ، لِأَنَّ الرَّاوِيَ يُوهِمُ السَّمَاعَ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ، وَإِذَا أَعْلَنَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إِنَّهُ مُدَلِّسٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ أَنَّهُمْ كَيْفَ خَادَعُوا اللَّهَ تَعَالَى؟ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ مُخَادَعَةَ اللَّهِ تَعَالَى مُمْتَنِعَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الضَّمَائِرَ وَالسَّرَائِرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَادَعَ، لِأَنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ لَوْ أَظْهَرُوا أَنَّ الْبَاطِنَ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خِدَاعًا، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْبَوَاطِنُ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُخَادَعَ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَمْ يَعْتَقِدُوا أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ الرَّسُولَ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمْ فِي نِفَاقِهِمْ مُخَادَعَةَ اللَّهِ تَعَالَى، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِجْرَاءُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ نَفْسَهُ وَأَرَادَ بِهِ رَسُولَهُ عَلَى عَادَتِهِ فِي تَفْخِيمِ وَتَعْظِيمِ شَأْنِهِ. قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الْفَتْحِ: 10] وَقَالَ فِي عَكْسِهِ وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [الْأَنْفَالِ: 41] أَضَافَ السَّهْمَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الرَّسُولُ إِلَى نَفْسِهِ فَالْمُنَافِقُونَ لَمَّا خَادَعُوا/ الرَّسُولَ قِيلَ إِنَّهُمْ خَادَعُوا اللَّهَ تَعَالَى. الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ صُورَةُ حَالِهِمْ مَعَ اللَّهِ حَيْثُ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ وَهُمْ كَافِرُونَ صُورَةُ مَنْ يُخَادِعُ، وَصُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ مَعَهُمْ حَيْثُ أَمَرَ بِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ عِنْدَهُ فِي عِدَادِ الْكَفَرَةِ صُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ مَعَهُمْ حَيْثُ امْتَثَلُوا أَمْرَ اللَّهِ فِيهِمْ فَأَجْرَوْا أَحْكَامَهُ عَلَيْهِمْ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَهِيَ فِي بَيَانِ الْغَرَضِ مِنْ ذَلِكَ الْخِدَاعِ وَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ يُجْرُونَهُمْ فِي التَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ مَجْرَى سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا أَظْهَرُوا لَهُمُ الْإِيمَانَ وَإِنْ أَسَرُّوا خِلَافَهُ فَمَقْصُودُهُمْ مِنَ الْخِدَاعِ هَذَا. الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ إِفْشَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ أَسْرَارَهُ، وَإِفْشَاءَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْرَارَهُمْ فَيَنْقُلُونَهَا إِلَى أَعْدَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ دَفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَحْكَامَ الْكُفَّارِ مِثْلَ الْقَتْلِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» . الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَطْمَعُونَ فِي أَمْوَالِ الْغَنَائِمِ، فَإِنْ قِيلَ: فَاللَّهُ تَعَالَى كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُوحِيَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ وَخِدَاعِهِمْ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ هَتْكًا لِسِتْرِهِمْ؟ قُلْنَا: إِنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى اسْتِئْصَالِ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ وَلَكِنَّهُ تَعَالَى أَبْقَاهُمْ وَقَوَّاهُمْ، إِمَّا لِأَنَّهُ يَفْعَلُ
ما يشاء ويحكم ما يريد أو الحكمة لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا هُوَ. فَإِنْ قِيلَ هَلْ لِلِاقْتِصَارِ بِخَادَعْتُ عَلَى وَاحِدٍ وَجْهٌ صَحِيحٌ؟ قُلْنَا قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وَجْهُهُ أَنْ يُقَالَ: عَنَى بِهِ فَعَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ أُخْرِجَ فِي زِنَةِ فَاعَلْتُ، لِأَنَّ الزِّنَةَ فِي أَصْلِهَا لِلْمُبَالَغَةِ وَالْفِعْلُ مَتَى غُولِبَ فِيهِ فَاعِلُهُ جَاءَ أَبْلَغَ وَأَحْكَمَ مِنْهُ إِذَا زَاوَلَهُ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ مُغَالِبٍ، لِزِيَادَةِ قُوَّةِ الدَّاعِي إِلَيْهِ، وَيُعَضِّدُهُ قِرَاءَةُ أَبِي حَيْوَةَ «يَخْدَعُونَ اللَّهَ» ثُمَّ قَالَ: يُخادِعُونَ بَيَانًا لِيَقُولُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا كَأَنَّهُ قِيلَ وَلِمَ يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ كَاذِبِينَ. وَمَا نَفْعُهُمْ فِيهِ؟ فَقِيلَ يُخادِعُونَ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عمر «وَمَا يُخَادِعُونَ» وَالْبَاقُونَ «يَخْدَعُونَ» وَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ: مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ حَتَّى يَكُونَ مُطَابِقًا لِلَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَحُجَّةُ الْبَاقِينَ أَنَّ الْمُخَادَعَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَلَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ الْوَاحِدُ مُخَادِعًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِي قَوْلِهِ: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى يُجَازِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَيُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُونَ فِي الْحَقِيقَةِ خَادِعِينَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ عَنِ الْحَسَنِ. وَالثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ أَنَّ وَبَالَ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يَدْفَعُ ضَرَرَ خِدَاعِهِمْ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَصْرِفُهُ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [النساء: 142] وقوله: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [الْبَقَرَةِ: 14، 15] أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ [الْبَقَرَةِ: 13] وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً [النمل: 50] إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً [الطَّارِقِ: 15، 16] إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الْمَائِدَةِ: 33] إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الْأَحْزَابِ: 57] وَبَقِيَ فِي الْآيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَبْحَاثٌ. أَحَدُهَا: قُرِئَ «وَمَا يخادعون» مِنْ أَخْدَعَ وَ «يَخَدِّعُونَ» بِفَتْحِ الْيَاءِ بِمَعْنَى يَخْتَدِعُونَ «وَيُخْدَعُونَ» وَ «يُخَادَعُونَ» عَلَى لَفْظِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَثَانِيهَا: النَّفْسُ ذَاتُ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتُهُ، وَلَا تَخْتَصُّ بِالْأَجْسَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [الْمَائِدَةِ: 116] وَالْمُرَادُ بِمُخَادَعَتِهِمْ ذَوَاتِهِمْ أَنَّ الْخِدَاعَ/ لَا يَعْدُوهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الشُّعُورَ عِلْمُ الشَّيْءِ إِذَا حَصَلَ بِالْحِسِّ، وَمَشَاعِرُ الْإِنْسَانِ حَوَاسُّهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ لُحُوقَ ضَرَرِ ذَلِكَ بِهِمْ كَالْمَحْسُوسِ، لَكِنَّهُمْ لِتَمَادِيهِمْ فِي الْغَفْلَةِ كَالَّذِي لَا يَحُسُّ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَرَضَ صِفَةٌ تُوجِبُ وُقُوعَ الضَّرَرِ فِي الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ عَنْ مَوْضِعِ تِلْكَ الصِّفَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْأَثَرُ الْخَاصُّ بِالْقَلْبِ إِنَّمَا هُوَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَتَهُ وَعُبُودِيَّتَهُ، فَإِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ مِنَ الصِّفَاتِ مَا صَارَ مَانِعًا مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ كَانَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ أَمْرَاضًا لِلْقَلْبِ. فَإِنْ قِيلَ: الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ عليه، فلو كان المراد من المرض هاهنا الْكُفْرَ وَالْجَهْلَ لَكَانَ قَوْلُهُ: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً مَحْمُولًا عَلَى الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى فَاعِلًا لِلْكُفْرِ وَالْجَهْلِ. قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ فِعْلَ الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا فِي غَايَةِ الْحِرْصِ عَلَى الطَّعْنِ فِي الْقُرْآنِ، فَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى ذَلِكَ لَقَالُوا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا فَعَلَ اللَّهُ الْكُفْرَ فِينَا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا بِالْإِيمَانِ؟ وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ فَاعِلًا لِلْكُفْرِ لَجَازَ مِنْهُ إِظْهَارُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِ الْكَذَّابِ، فَكَانَ لَا يَبْقَى كَوْنُ الْقُرْآنِ حُجَّةً فَكَيْفَ نَتَشَاغَلُ بِمَعَانِيهِ وَتَفْسِيرِهِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ فَكَيْفَ يَذُمُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ خَلَقَهُ فِيهِمْ. وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ كَمَا خَلَقَ لَوْنَهُمْ وَطُولَهُمْ، فَأَيُّ ذَنْبٍ لَهُمْ حَتَّى يُعَذِّبَهُمْ؟ وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَهُ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: بِما كانُوا
يَكْذِبُونَ وَعَلَى هَذَا وَصَفَهُمْ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، وَأَنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ، وَأَنَّهُمْ إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: يُحْمَلُ الْمَرَضُ عَلَى الْغَمِّ، لِأَنَّهُ يُقَالُ مَرِضَ قَلْبِي مِنْ أَمْرِ كَذَا، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ مَرِضَتْ قُلُوبُهُمْ لَمَّا رأوا ثبت أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتِعْلَاءَ شَأْنِهِ يَوْمًا فَيَوْمًا. وَذَلِكَ كَانَ يُؤَثِّرُ فِي زوال رئاستهم، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرَّ بِعَبْدِ الله بن أبي بن سَلُولَ عَلَى حِمَارٍ، فَقَالَ لَهُ نَحِّ حِمَارَكَ يَا مُحَمَّدُ فَقَدْ آذَتْنِي رِيحُهُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْأَنْصَارِ اعْذِرْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْ كُنَّا عَزَمْنَا عَلَى أَنْ نُتَوِّجَهُ الرِّيَاسَةَ قَبْلَ أَنْ تَقْدَمَ عَلَيْنَا: فَهَؤُلَاءِ لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْغَمُّ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فَقَالَ: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً أَيْ زَادَهُمُ اللَّهُ غَمًّا عَلَى غَمِّهِمْ بِمَا يَزِيدُ فِي إِعْلَاءِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْظِيمِ شَأْنِهِ. الثَّانِي: أَنَّ مَرَضَهُمْ وَكُفْرَهُمْ كَانَ يَزْدَادُ بِسَبَبِ ازْدِيَادِ التَّكَالِيفِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ: فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التَّوْبَةِ: 125] وَالسُّورَةُ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا ازْدَادُوا رِجْسًا عِنْدَ نُزُولِهَا لَمَّا كَفَرُوا بِهَا قِيلَ ذَلِكَ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً [نُوحٍ: 5، 6] وَالدُّعَاءُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَلَكِنَّهُمُ ازْدَادُوا فِرَارًا عِنْدَهُ، وَقَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [التَّوْبَةِ: 49] وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَمْ يَفْتِنْهُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَفْتَتِنُ عِنْدَ خُرُوجِهِ فَنُسِبَتِ الْفِتْنَةُ إِلَيْهِ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً [الْمَائِدَةِ: 64] وَقَالَ: فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً [فَاطِرٍ: 42] وَقَوْلُكَ لِمَنْ وَعَظْتَهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ وَتَمَادَى فِي فَسَادِهِ: مَا زَادَتْكَ مَوْعِظَتِي إِلَّا/ شَرًّا، وَمَا زَادَتْكَ إِلَّا فَسَادًا فَكَذَا هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ لَمَّا كَانُوا كَافِرِينَ ثُمَّ دَعَاهُمُ اللَّهُ إِلَى شَرَائِعِ دِينِهِ فَكَفَرُوا بِتِلْكَ الشَّرَائِعِ وَازْدَادُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ كُفْرًا لَا جَرَمَ أُضِيفَتْ زِيَادَةُ كُفْرِهِمْ إِلَى اللَّهِ. الثَّالِثُ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً الْمَنْعُ مِنْ زِيَادَةِ الْأَلْطَافِ، فَيَكُونُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْمَنْعِ خَاذِلًا لَهُمْ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [الْمُنَافِقُونَ: 4] الرَّابِعُ: أَنَّ الْعَرَبَ تَصِفُ فُتُورَ الطَّرْفِ بِالْمَرَضِ، فَيَقُولُونَ: جَارِيَةٌ مريضة الطرف. قال جرير: إن الْعُيُونَ الَّتِي فِي طَرْفِهَا مَرَضٌ ... قَتَلْنَنَا ثُمَّ لم يحيين قتلانا فكذا المرض هاهنا إِنَّمَا هُوَ الْفُتُورُ فِي النِّيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ قَوِيَّةً عَلَى الْمُحَارَبَةِ وَالْمُنَازَعَةِ وَإِظْهَارِ الْخُصُومَةِ، ثُمَّ انْكَسَرَتْ شَوْكَتُهُمْ فَأَخَذُوا فِي النِّفَاقِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْخَوْفِ وَالِانْكِسَارِ، فَقَالَ تَعَالَى: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً أَيْ زَادَهُمْ ذَلِكَ الِانْكِسَارَ وَالْجُبْنَ وَالضَّعْفَ، وَلَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [الْحَشْرِ: 2] الْخَامِسُ: أَنْ يُحْمَلَ الْمَرَضُ عَلَى أَلَمِ الْقَلْبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا صَارَ مُبْتَلًى بِالْحَسَدِ وَالنِّفَاقِ وَمُشَاهَدَةِ الْمَكْرُوهِ، فَإِذَا دَامَ بِهِ ذَلِكَ فَرُبَّمَا صَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَيْرِ مِزَاجِ الْقَلْبِ وَتَأَلُّمِهِ، وَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَمْلٌ لَهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ. أَمَّا قَوْلُهُ: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : أَلِمَ فَهُوَ أَلِيمٌ، كَوَجِعَ فَهُوَ وَجِيعٌ، وَوُصِفَ الْعَذَابُ بِهِ فَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ. وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: جَدَّ جِدُّهُ، وَالْأَلَمُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْمُؤْلِمِ كَمَا أَنَّ الْجِدَّ لِلْجَادِّ، أَمَّا قَوْلُهُ: بِما كانُوا يَكْذِبُونَ فَفِيهِ أَبْحَاثٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْكَذِبَ هُوَ الْخَبَرُ عَنْ شَيْءٍ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ وَالْجَاحِظُ لَا يُسَمِّيهِ كَذِبًا إِلَّا إِذَا عَلِمَ الْمُخْبِرُ كَوْنَ الْمُخْبِرِ عَنْهُ مُخَالِفًا لِلْخَبَرِ، وهذا الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ صَرِيحٌ
[سورة البقرة (2) : الآيات 11 إلى 12]
فِي أَنَّ كَذِبَهُمْ عِلَّةٌ لِلْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ كَذِبٍ حَرَامًا فَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَذَبَ ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ، فَالْمُرَادُ التَّعْرِيضُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ الْكَذِبِ سُمِّيَ بِهِ. وَثَالِثُهَا: فِي هَذِهِ الْآيَةِ قِرَاءَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: يَكْذِبُونَ وَالْمُرَادُ بِكَذِبِهِمْ قوله: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَالثَّانِيَةُ: «يُكَذِّبُونَ» مِنْ كَذَّبَهُ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ صَدَّقَهُ، وَمِنْ كَذَّبَ الَّذِي هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي كَذَبَ، كَمَا بُولِغَ فِي صَدَقَ فَقِيلَ صَدَّقَ. [سورة البقرة (2) : الآيات 11 الى 12] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ قَبَائِحِ أَفْعَالِ الْمُنَافِقِينَ، وَالْكَلَامُ فِيهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: مَنِ الْقَائِلُ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ؟ وَثَانِيهَا: مَا الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ؟ وَثَالِثُهَا: مَنِ الْقَائِلُ: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ؟ وَرَابِعُهَا: مَا الصَّلَاحُ؟. أَمَّا المسألة الأولى: [أي من القائل لا تفسدوا في الأرض] فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ الْقَائِلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ بِذَلِكَ مَنْ لَا يَخْتَصُّ بِالدِّينِ وَالنَّصِيحَةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ هُوَ أَنَّ الْقَائِلَ لَهُمْ ذَلِكَ مَنْ شَافَهَهُمْ بِذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَلَغَهُ عَنْهُمُ النِّفَاقُ وَلَمْ يَقْطَعْ بِذَلِكَ فَنَصَحَهُمْ فَأَجَابُوا بِمَا يُحَقِّقُ إِيمَانَهُمْ وَأَنَّهُمْ فِي الصَّلَاحِ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ بَعْضَ مَنْ كَانُوا يُلْقُونَ إِلَيْهِ الْفَسَادَ كَانَ لَا يَقْبَلُهُ مِنْهُمْ وَكَانَ يَنْقَلِبُ وَاعِظًا لَهُمْ قَائِلًا لَهُمْ: لَا تُفْسِدُوا فَإِنْ قِيلَ: أَفَمَا كَانُوا يُخْبِرُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، إِلَّا أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا إِذَا عُوتِبُوا عَادُوا إِلَى إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَالنَّدَمِ وَكَذَّبُوا النَّاقِلِينَ عَنْهُمْ وَحَلَفُوا بِاللَّهِ عَلَيْهِ كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ [التَّوْبَةِ: 74] وَقَالَ: يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ [التَّوْبَةِ: 96] . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْفَسَادُ خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، وَنَقِيضُهُ الصَّلَاحُ فَأَمَّا كَوْنُهُ فَسَادًا فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَمْرًا زَائِدًا، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِظْهَارُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَقْرِيرُهُ مَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ أَنَّ إِظْهَارَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا كَانَ إِفْسَادًا فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّ الشَّرَائِعَ سُنَنٌ مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ الْعِبَادِ، فَإِذَا تَمَسَّكَ الْخَلْقُ بِهَا زَالَ الْعُدْوَانُ وَلَزِمَ كُلُّ أَحَدٍ شَأْنَهُ، فَحُقِنَتِ الدِّمَاءُ وَسَكَنَتِ الْفِتَنُ، وَكَانَ فِيهِ صَلَاحُ الْأَرْضِ وَصَلَاحُ أَهْلِهَا، أَمَّا إِذَا تَرَكُوا التَّمَسُّكَ بِالشَّرَائِعِ وَأَقْدَمَ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى مَا يَهْوَاهُ لَزِمَ الْهَرَجُ وَالْمَرَجُ وَالِاضْطِرَابُ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ [مُحَمَّدٍ: 22] نَبَّهَهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ إِذَا أَعْرَضُوا عَنِ الطَّاعَةِ لَمْ يَحْصُلُوا إِلَّا عَلَى الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ بِهِ، وَثَانِيهَا: أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ الْفَسَادُ هُوَ مُدَارَاةُ الْمُنَافِقِينَ لِلْكَافِرِينَ وَمُخَالَطَتُهُمْ مَعَهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا مَالُوا إِلَى الْكُفْرِ مَعَ أَنَّهُمْ فِي الظَّاهِرِ مُؤْمِنُونَ أَوْهَمَ ذَلِكَ ضَعْفَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعْفَ أَنْصَارِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ يُجَرِّئُ الْكَفَرَةَ عَلَى إِظْهَارِ عَدَاوَةِ الرَّسُولِ وَنَصْبِ الْحَرْبِ لَهُ وَطَمَعِهِمْ فِي الْغَلَبَةِ، وَفِيهِ فَسَادٌ عَظِيمٌ فِي الْأَرْضِ. وَثَالِثُهَا: قَالَ الأصم:
[سورة البقرة (2) : آية 13]
كَانُوا يَدْعُونَ فِي السِّرِّ إِلَى تَكْذِيبِهِ، وَجَحْدِ الْإِسْلَامِ، وَإِلْقَاءِ الشُّبَهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ هُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَالْأَقْرَبُ فِي مُرَادِهِمْ أَنْ يَكُونَ نَقِيضًا لِمَا نُهُوا عَنْهُ، فَلَمَّا كَانَ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ هُوَ الْإِفْسَادَ فِي الْأَرْضِ كَانَ قَوْلُهُمْ: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ كَالْمُقَابِلِ لَهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ احْتِمَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِي دِينِهِمْ أَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ، وَكَانَ سَعْيُهُمْ لِأَجْلِ تَقْوِيَةِ ذَلِكَ الدِّينِ، لَا جَرَمَ قَالُوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، لِأَنَّهُمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ مَا سَعَوْا إِلَّا لِتَطْهِيرِ وَجْهِ الْأَرْضِ عَنِ الْفَسَادِ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّا إِذَا فَسَّرْنَا لَا تُفْسِدُوا بِمُدَارَاةِ الْمُنَافِقِينَ لِلْكُفَّارِ/ فَقَوْلُهُمْ: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ يَعْنِي بِهِ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَارَاةَ سَعْيٌ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَلِذَلِكَ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً [النِّسَاءِ: 62] فَقَوْلُهُمْ: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَيْ نَحْنُ نُصْلِحُ أُمُورَ أَنْفُسِنَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ وَجَبَ إِجْرَاءُ حُكْمِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ، وَتَجْوِيزُ خِلَافِهِ لَا يَطْعَنُ فِيهِ، وَتَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ مَقْبُولَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ فَخَارِجٌ عَلَى وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ مُفْسِدُونَ لِأَنَّ الْكُفْرَ فَسَادٌ فِي الْأَرْضِ، إِذْ فِيهِ كُفْرَانُ نِعْمَةِ اللَّهِ، وَإِقْدَامُ كُلِّ أَحَدٍ عَلَى مَا يَهْوَاهُ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَا يَعْتَقِدُ وُجُودَ الْإِلَهِ وَلَا يَرْجُو ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا تَهَارَجَ النَّاسُ، وَمِنْ هَذَا ثَبَتَ أَنَّ النِّفَاقَ فَسَادٌ، وَلِهَذَا قَالَ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ على ما تقدم تقريره. [سورة البقرة (2) : آية 13] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ قَبَائِحِ أَفْعَالِ الْمُنَافِقِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا نَهَاهُمْ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ أَمَرَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالْإِيمَانِ، لِأَنَّ كَمَالَ حَالِ الْإِنْسَانِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: تَرْكُ مَا لَا يَنْبَغِي وَهُوَ قَوْلُهُ: آمِنُوا وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ أَيْ إِيمَانًا مَقْرُونًا بِالْإِخْلَاصِ بَعِيدًا عَنِ النِّفَاقِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِقْرَارِ إِيمَانٌ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إِيمَانًا لَمَا تَحَقَّقَ مُسَمَّى الْإِيمَانِ إِلَّا إِذَا حَصَلَ فِيهِ الْإِخْلَاصُ، فَكَانَ قَوْلُهُ: آمِنُوا كَافِيًا فِي تَحْصِيلِ الْمَطْلُوبِ، وَكَانَ ذِكْرُ قَوْلِهِ: كَما آمَنَ النَّاسُ لَغْوًا، وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْإِيمَانَ الْحَقِيقِيَّ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ الْإِخْلَاصُ، أَمَّا فِي الظَّاهِرِ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِإِقْرَارِ الظَّاهِرِ فَلَا جَرَمَ افْتَقَرَ فِيهِ إِلَى تَأْكِيدِهِ بِقَوْلِهِ: كَما آمَنَ النَّاسُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اللَّامُ فِي النَّاسُ فِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لِلْعَهْدِ أَيْ كَمَا آمَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ، وَهُمْ نَاسٌ مَعْهُودُونَ، أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَشْيَاعُهُ. لِأَنَّهُمْ مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِمْ والثاني: أنها للجنس ثم ها هنا أَيْضًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ أَكْثَرُهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ كَانُوا، مِنْهُمْ وَكَانُوا قَلِيلِينَ، وَلَفْظُ الْعُمُومِ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْأَكْثَرِ وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمُ/ النَّاسُ فِي الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ أَعْطَوُا الْإِنْسَانِيَّةَ حَقَّهَا لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْإِنْسَانِ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ بِالْعَقْلِ الْمُرْشِدِ والفكر الهادي. المسألة الثالثة: القائل: آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ إِمَّا الرَّسُولُ، أَوِ الْمُؤْمِنُونَ، ثُمَّ كَانَ بَعْضُهُمْ يقول لبعض:
[سورة البقرة (2) : الآيات 14 إلى 15]
أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ سَفِيهُ بَنِي فُلَانٍ وَسَفِيهُ بَنِي فُلَانٍ، وَالرَّسُولُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: السَّفَهُ الْخِفَّةُ يُقَالُ: سَفَّهَتِ الرِّيحُ الشَّيْءَ إِذَا حركته، قال ذو الرمة: جرين كَمَا اهْتَزَّتْ رِيَاحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعَالِيَهَا مَرُّ الرِّيَاحِ الرواسم وقال أبو تمام الطائي: سفيه الرُّمْحِ جَاهِلُهُ إِذَا مَا ... بَدَا فَضْلُ السَّفِيهِ عَلَى الْحَلِيمِ أَرَادَ بِهِ سَرِيعَ الطَّعْنِ بِالرُّمْحِ خَفِيفَهُ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِبَذِيءِ اللِّسَانِ سَفِيهٌ، لِأَنَّهُ خَفِيفٌ لَا رَزَانَةَ لَهُ وَقَالَ تَعَالَى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً [النِّسَاءِ: 5] وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «شَارِبُ الْخَمْرِ سَفِيهٌ» لِقِلَّةِ عَقْلِهِ وَإِنَّمَا سَمَّى الْمُنَافِقُونَ الْمُسْلِمِينَ بِالسُّفَهَاءِ، لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْخَطَرِ وَالرِّيَاسَةِ، وَأَكْثَرُ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا فَقُرَاءَ، وَكَانَ عِنْدَ الْمُنَافِقِينَ أَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاطِلٌ، وَالْبَاطِلُ لَا يَقْبَلُهُ إِلَّا السَّفِيهُ، فَلِهَذِهِ الْأَسْبَابِ نَسَبُوهُمْ إِلَى السَّفَاهَةِ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَلَبَ عَلَيْهِمْ هَذَا اللَّقَبَ- وَقَوْلُهُ الْحَقُّ- لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الدَّلِيلِ ثُمَّ نَسَبَ الْمُتَمَسِّكَ بِهِ إِلَى السَّفَاهَةِ فَهُوَ السَّفِيهُ. وَثَانِيهَا: أَنَّ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ فَهُوَ السَّفِيهُ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ مَنْ عَادَى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَدْ عَادَى اللَّهَ، وَذَلِكَ هُوَ السَّفِيهُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إِنَّمَا قَالَ فِي آخِرِ هَذِهِ الْآيَةِ: لَا يَعْلَمُونَ وَفِيمَا قَبْلَهَا: لَا يَشْعُرُونَ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ نَظَرِيٌّ، وَأَمَّا أَنَّ النِّفَاقَ وَمَا فِيهِ مِنَ الْبَغْيِ يُفْضِي إِلَى الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ فَضَرُورِيٌّ جَارٍ مَجْرَى الْمَحْسُوسِ. الثَّانِي: أَنَّهُ ذَكَرَ السَّفَهَ وَهُوَ جَهْلٌ، فَكَانَ ذِكْرُ العلم أحسن طباقاً له والله أعلم. [سورة البقرة (2) : الآيات 14 الى 15] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) هَذَا هُوَ النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ أَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ، يُقَالُ: لَقِيتُهُ وَلَاقَيْتُهُ إِذَا اسْتَقْبَلْتَهُ قَرِيبًا مِنْهُ، وَقَرَأَ أَبُو حَنِيفَةَ: «وَإِذَا لَاقَوْا» أَمَّا قَوْلُهُ: قالُوا آمَنَّا فَالْمُرَادُ أَخْلَصْنَا بِالْقَلْبِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ كَانَ مَعْلُومًا مِنْهُمْ فَمَا كَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَى بَيَانِهِ، إِنَّمَا الْمَشْكُوكُ فِيهِ هُوَ الْإِخْلَاصُ بِالْقَلْبِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ ذَلِكَ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ «آمَنَّا» يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَقِيضِ مَا كَانُوا يُظْهِرُونَهُ لِشَيَاطِينِهِمْ، وَإِذَا كَانُوا يُظْهِرُونَ لَهُمُ التَّكْذِيبَ بِالْقَلْبِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ فِيمَا ذَكَرُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ التَّصْدِيقَ بِالْقَلْبِ، أَمَّا قَوْلُهُ: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ فَقَالَ صاحب «الكشاف» : يقال خلوت بفلان وإليه، وإذا انْفَرَدْتَ مَعَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ «خَلَا» بِمَعْنَى مَضَى، وَمِنْهُ الْقُرُونُ الْخَالِيَةُ، وَمِنْ «خَلَوْتُ بِهِ» إِذَا سَخِرْتَ مِنْهُ، مِنْ قَوْلِكَ: «خَلَا فُلَانٌ بِعِرْضِ فُلَانٍ» أَيْ: يَعْبَثُ بِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أَنْهَوُا السُّخْرِيَةَ بِالْمُؤْمِنِينَ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ وَحَدَّثُوهُمْ بِهَا كَمَا تَقُولُ: أَحْمَدُ إِلَيْكَ فُلَانًا وَأَذُمُّهُ إِلَيْكَ. وَأَمَّا شَيَاطِينُهُمْ فَهُمُ الَّذِينَ مَاثَلُوا الشَّيَاطِينَ فِي تَمَرُّدِهِمْ، أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّا مَعَكُمْ
فَفِيهِ سُؤَالَانِ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: هَذَا الْقَائِلُ أَهَمَّ كُلَّ الْمُنَافِقِينَ أَوْ بَعْضَهُمْ. الْجَوَابُ: فِي هَذَا خِلَافٌ، لِأَنَّ مَنْ يَحْمِلُ الشَّيَاطِينَ عَلَى كِبَارِ الْمُنَافِقِينَ يَحْمِلُ هَذَا الْقَوْلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ صِغَارِهِمْ وَكَانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنَّا وَإِذَا عَادُوا إِلَى أَكَابِرِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ، لِئَلَّا يَتَوَهَّمُوا فِيهِمُ الْمُبَايَنَةَ، وَمَنْ يَقُولُ فِي الشَّيَاطِينِ: الْمُرَادُ بِهِمُ الْكُفَّارُ لَمْ يَمْنَعْ إِضَافَةَ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى كُلِّ الْمُنَافِقِينَ، وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِشَيَاطِينِهِمْ أَكَابِرُهُمْ، وَهُمْ إِمَّا الْكُفَّارُ وَإِمَّا أَكَابِرُ الْمُنَافِقِينَ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلَى الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَأَمَّا أَصَاغِرُهُمْ فَلَا. السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ كَانَتْ مُخَاطَبَتُهُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ، وشياطينهم بالجملة الاسمية محققة «بأن» الْجَوَابُ: لَيْسَ مَا خَاطَبُوا بِهِ الْمُؤْمِنِينَ جَدِيرًا بِأَقْوَى الْكَلَامَيْنِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي ادِّعَاءِ حُدُوثِ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ لَا فِي ادِّعَاءِ أَنَّهُمْ فِي الدَّرَجَةِ الْكَامِلَةِ مِنْهُ، إِمَّا لِأَنَّ أَنْفُسَهُمْ لَا تُسَاعِدُهُمْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ الْقَوْلَ الصَّادِرَ عَنِ النِّفَاقِ وَالْكَرَاهَةِ قَلَّمَا يَحْصُلُ مَعَهُ الْمُبَالَغَةُ، وَإِمَّا لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ ادِّعَاءَ الْكَمَالِ فِي الْإِيمَانِ لَا يَرُوجُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا كَلَامُهُمْ مَعَ إِخْوَانِهِمْ فَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَهُ عَنِ الِاعْتِقَادِ وَعَلِمُوا أَنَّ الْمُسْتَمِعِينَ يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَا جَرَمَ كَانَ التَّأْكِيدُ لَائِقًا بِهِ. أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ فَفِيهِ سُؤَالَانِ. السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا الِاسْتِهْزَاءُ؟ الْجَوَابُ: أَصْلُ الْبَابِ الْخِفَّةُ مِنَ الْهَزْءِ وَهُوَ الْعَدْوُ السَّرِيعِ، وَهَزَأَ يَهْزَأُ مَاتَ عَلَى مَكَانِهِ، وَنَاقَتُهُ تَهْزَأُ بِهِ أَيْ تُسْرِعُ، وَحَدُّهُ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ إِظْهَارِ مُوَافَقَةٍ مَعَ إِبْطَانِ مَا يَجْرِي مَجْرَى السُّوءِ عَلَى طَرِيقِ السُّخْرِيَةِ، فَعَلَى هَذَا قولهم: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ يَعْنِي نُظْهِرُ لَهُمُ الْمُوَافَقَةَ عَلَى دِينِهِمْ لِنَأْمَنَ شَرَّهُمْ وَنَقِفَ عَلَى أَسْرَارِهِمْ، وَنَأْخُذَ مِنْ صَدَقَاتِهِمْ وَغَنَائِمِهِمْ. السُّؤَالُ الثَّانِي: كَيْفَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بِقَوْلِهِ: إِنَّا مَعَكُمْ الْجَوَابُ: هُوَ تَوْكِيدٌ لَهُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّا مَعَكُمْ مَعْنَاهُ الثَّبَاتُ عَلَى الكفر وقوله: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ رَدٌّ لِلْإِسْلَامِ، وَرَدُّ نَقِيضِ الشَّيْءِ تَأْكِيدٌ لِثَبَاتِهِ، أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، لِأَنَّ مَنْ حَقَّرَ الْإِسْلَامَ فَقَدْ عَظَّمَ الْكُفْرَ، أَوِ اسْتِئْنَافٌ، كَأَنَّهُمُ اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ حِينَ قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ، فَقَالُوا إِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَكَيْفَ تُوَافِقُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ؟ فَقَالُوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنْهُمْ ذَلِكَ أَجَابَهُمْ بِأَشْيَاءَ. أَحَدُهَا: قوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وفيه أسئلة. الْأَوَّلُ: كَيْفَ يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَسْتَهْزِئُ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ لَا يَنْفَكُّ عَنِ التَّلْبِيسِ، وَهُوَ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ، وَلِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْجَهْلِ، لِقَوْلِهِ: قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [الْبَقَرَةِ: 67] وَالْجَهْلُ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ وَالْجَوَابُ: ذَكَرُوا فِي التَّأْوِيلِ خَمْسَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ بِهِمْ جَزَاءٌ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ سَمَّاهُ بِالِاسْتِهْزَاءِ، لِأَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ يُسَمَّى بِاسْمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ قَالَ تَعَالَى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشُّورَى: 40] فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [الْبَقَرَةِ: 194] يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [النِّسَاءِ: 142] وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آلِ عِمْرَانَ: 54] وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «اللَّهُمَّ إِنَّ فُلَانًا هَجَانِي وَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ بِشَاعِرٍ فَاهْجُهُ، اللَّهُمَّ وَالْعَنْهُ عَدَدَ مَا هَجَانِي» أَيِ اجْزِهِ جَزَاءَ هِجَائِهِ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «تَكَلَّفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» وَثَانِيهَا: أَنَّ ضَرَرَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَاجِعٌ عَلَيْهِمْ وَغَيْرُ ضَارٍّ بِالْمُؤْمِنِينَ، فَيَصِيرُ كَأَنَّ اللَّهَ اسْتَهْزَأَ بِهِمْ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ مِنْ آثَارِ الِاسْتِهْزَاءِ حُصُولُ الْهَوَانِ وَالْحَقَارَةِ فَذَكَرَ الِاسْتِهْزَاءَ، وَالْمُرَادُ حُصُولُ الْهَوَانِ لَهُمْ تَعْبِيرًا بِالسَّبَبِ عَنِ الْمُسَبَّبِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ اسْتِهْزَاءَ اللَّهِ بِهِمْ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ مِنْ أَحْكَامِهِ فِي الدُّنْيَا مَا لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ خِلَافُهَا فِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ أَمْرًا مَعَ أَنَّ الْحَاصِلَ مِنْهُمْ فِي السِّرِّ خِلَافُهُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَظْهَرَ
لَهُمْ أَحْكَامَ الدُّنْيَا فَقَدْ أَظْهَرَ الْأَدِلَّةَ الْوَاضِحَةَ بِمَا يُعَامَلُونَ بِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ مِنْ سُوءِ الْمُنْقَلَبِ وَالْعِقَابِ الْعَظِيمِ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِمَا أَظْهَرُهُ فِي الدُّنْيَا. وَخَامِسُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الْمُسْتَهْزِئِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَطْلَعَ الرَّسُولَ عَلَى أَسْرَارِهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُبَالِغُونَ فِي إِخْفَائِهَا عَنْهُ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا دَخَلَ الْمُؤْمِنُونَ الْجَنَّةَ، وَالْكَافِرُونَ النَّارَ فَتَحَ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ بَابًا عَلَى الْجَحِيمِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ مَسْكَنُ الْمُنَافِقِينَ، فَإِذَا رَأَى الْمُنَافِقُونَ الْبَابَ مَفْتُوحًا أَخَذُوا يَخْرُجُونَ مِنَ الْجَحِيمِ وَيَتَوَجَّهُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا وَصَلُوا إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَهُنَاكَ يُغْلَقُ دُونَهُمُ الْبَابُ، فَذَاكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ إِلَى قَوْلِهِ: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [الْمُطَفِّفِينَ: 29- 34] فَهَذَا هُوَ الِاسْتِهْزَاءُ بِهِمْ. السُّؤَالُ الثَّانِي: كَيْفَ ابْتَدَأَ قَوْلَهُ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَلَمْ يَعْطِفْ عَلَى الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ؟ الْجَوَابُ: هُوَ اسْتِئْنَافٌ فِي غَايَةِ الْجَزَالَةِ والخفامة. وَفِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَسْتَهْزِئُ بهم استهزاء العظيم الذي يصير استهزائهم فِي مُقَابَلَتِهِ كَالْعَدَمِ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الِاسْتِهْزَاءَ بِهِمُ انْتِقَامًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يُحْوِجُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَنْ يُعَارِضُوهُمْ بِاسْتِهْزَاءٍ مِثْلِهِ. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: هَلْ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ مستهزىء بهم ليكون مطابقاً لقوله: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ الْجَوَابُ. لِأَنَّ «يَسْتَهْزِئُ» يُفِيدُ حُدُوثَ الِاسْتِهْزَاءِ وَتَجَدُّدَهُ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ، وَهَذَا كَانَتْ نِكَايَاتُ اللَّهِ فِيهِمْ: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ [التَّوْبَةِ: 126] وَأَيْضًا فَمَا كَانُوا يَخْلُونَ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِمْ مِنْ تَهَتُّكِ أَسْتَارٍ وَتَكَشُّفِ أَسْرَارٍ وَاسْتِشْعَارِ حَذَرٍ مِنْ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ آيَةٌ يَحْذَرُ/ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ [التوبة: 64] الْجَوَابُ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الْبَقَرَةِ: 15] قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» إِنَّهُ مِنْ مَدَّ الْجَيْشَ وَأَمَدَّهُ إِذَا زَادَهُ وَأَلْحَقَ بِهِ مَا يُقَوِّيهِ وَيُكَثِّرُهُ، وَكَذَلِكَ مَدَّ الدَّوَاةَ وَأَمَدَّهَا زَادَهَا مَا يُصْلِحُهَا، وَمَدَدْتُ السِّرَاجَ وَالْأَرْضَ إِذَا أَصْلَحْتَهُمَا بِالزَّيْتِ وَالسَّمَادِ، وَمَدَّهُ الشَّيْطَانُ فِي الْغَيِّ، وَأَمَدَّهُ إِذَا وَاصَلَهُ بِالْوَسْوَاسِ، وَمَدَّ وَأَمَدَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَدَّ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ، وَأَمَدَّ فِي الْخَيْرِ قَالَ تَعَالَى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ [المؤمنين: 55] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنَ الْمَدِّ فِي الْعُمْرِ وَالْإِمْلَاءِ وَالْإِمْهَالِ وَهَذَا خَطَأٌ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قِرَاءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ، وَابْنِ مُحَيْصِنٍ (وَنَمُدُّهُمْ) وَقِرَاءَةُ نَافِعٍ (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْمَدَدِ دُونَ الْمَدِّ. الثَّانِي: أَنَّ الَّذِي بِمَعْنَى أَمْهَلَهُ إِنَّمَا هُوَ مَدَّ لَهُ، كَأَمْلَى لَهُ. قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ لَا يُمْكِنُ إِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ أَضَافَ ذَلِكَ الْغَيَّ إِلَى إِخْوَانِهِمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُضَافًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَثَانِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّهُمْ عَلَى هَذَا الطُّغْيَانِ فَلَوْ كَانَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعَالَى فَكَيْفَ يَذُمُّهُمْ عَلَيْهِ. وَثَالِثُهَا: لَوْ كَانَ فِعْلًا لِلَّهِ تَعَالَى لَبَطَلَتِ النُّبُوَّةُ وَبَطَلَ الْقُرْآنُ فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِتَفْسِيرِهِ عَبَثًا. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ الطُّغْيَانَ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: «فِي طُغْيَانِهِمْ» وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ لَمَا أَضَافَهُ إِلَيْهِمْ، فَظَهَرَ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَيْهِمْ لِيُعْرَفَ أَنَّهُ تَعَالَى غَيْرُ خَالِقٍ لِذَلِكَ، وَمِصْدَاقُهُ أَنَّهُ حِينَ أَسْنَدَ الْمَدَّ إِلَى الشَّيَاطِينِ أَطْلَقَ الْغَيَّ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ [الْأَعْرَافِ: 202] إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: التَّأْوِيلُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ تَأْوِيلُ الْكَعْبِيِّ وَأَبِي مُسْلِمِ بْنِ يَحْيَى الْأَصْفَهَانِيِّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا مَنَحَهُمْ أَلْطَافَهُ الَّتِي يَمْنَحُهَا الْمُؤْمِنِينَ وَخَذَلَهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَيْهِ بَقِيَتْ قُلُوبُهُمْ مُظْلِمَةً بِتَزَايُدِ الظُّلْمَةِ فِيهَا وَتَزَايُدِ النور
[سورة البقرة (2) : آية 16]
فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ فَسَمَّى ذَلِكَ التَّزَايُدَ مَدَدًا وَأَسْنَدَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ فِعْلِهِ بِهِمْ. وَثَانِيهَا: أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَنْعِ الْقَسْرِ وَالْإِلْجَاءِ كَمَا قِيلَ: إِنَّ السَّفِيهَ إِذَا لَمْ يُنْهَ فَهُوَ مَأْمُورٌ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يُسْنَدَ فِعْلُ الشَّيْطَانِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ بِتَمْكِينِهِ وَإِقْدَارِهِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِغْوَاءِ عِبَادِهِ. وَرَابِعًا: مَا قَالَهُ الْجُبَّائِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ وَيَمُدُّهُمْ أَيْ يَمُدُّ عُمْرَهُمْ ثُمَّ إِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: لِمَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ تَفْسِيرُ وَيَمُدُّهُمْ بِالْمَدِّ فِي الْعُمْرِ: الثَّانِي: هَبْ أَنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ تَعَالَى يَمُدُّ عُمْرَهُمْ لِغَرَضِ أَنْ يَكُونُوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَذَلِكَ يُفِيدُ الْإِشْكَالَ أَجَابَ الْقَاضِي عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى يَمُدُّ عُمْرَهُمْ لِغَرَضِ أَنْ يَكُونُوا فِي الطُّغْيَانِ، بَلِ الْمُرَادُ، أَنَّهُ تَعَالَى يُبْقِيهِمْ وَيَلْطُفُ بِهِمْ فِي الطَّاعَةِ فَيَأْبَوْنَ إِلَّا أَنْ يَعْمَهُوا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْبَابِ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِعَادَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الطُّغْيَانَ هُوَ الْغُلُوُّ فِي الْكُفْرِ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي الْعُتُوِّ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ [الْحَاقَّةِ: 11] أَيْ جَاوَزَ قَدْرَهُ، وَقَالَ: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى [طه: 24] أَيْ أَسْرَفَ وَتَجَاوَزَ الْحَدَّ. وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ فِي طِغْيَانِهِمْ بِالْكَسْرِ وَهُمَا لُغَتَانِ كَلُقْيَانٍ وَلِقْيَانٍ، وَالْعَمَهُ مِثْلُ الْعَمَى إِلَّا أَنَّ الْعَمَى عَامٌّ فِي الْبَصَرِ وَالرَّأْيِ وَالْعَمَهَ فِي الرَّأْيِ خَاصَّةً، وَهُوَ التَّرَدُّدُ وَالتَّحَيُّرُ لَا يَدْرِي أين يتوجه. [سورة البقرة (2) : آية 16] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (16) وَاعْلَمْ أَنَّ اشْتِرَاءَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى اخْتِيَارُهَا عَلَيْهِ وَاسْتِبْدَالُهَا بِهِ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَمَا كَانُوا عَلَى هُدًى قُلْنَا جُعِلُوا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْهُ كَأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ فَإِذَا تَرَكُوهُ وَمَالُوا إِلَى الضَّلَالَةِ فَقَدِ اسْتَبْدَلُوهَا بِهِ، وَالضَّلَالَةُ الْجَوْرُ وَالْخُرُوجُ عَنِ الْقَصْدِ وَفَقْدُ الِاهْتِدَاءِ، فَاسْتُعِيرَ لِلذَّهَابِ عَنِ الصَّوَابِ فِي الدِّينِ، أَمَّا قَوْلُهُ: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ مَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ، وَفِيهِ سُؤَالَانِ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: كَيْفَ أُسْنِدَ الْخُسْرَانُ إِلَى التِّجَارَةِ وَهُوَ لِأَصْحَابِهَا؟ الْجَوَابُ: هُوَ مِنَ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ وَهُوَ أَنْ يُسْنَدَ الْفِعْلُ إِلَى شَيْءٍ يَتَلَبَّسُ بِالَّذِي هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَهُ كَمَا تَلَبَّسَتِ التِّجَارَةُ بِالْمُشْتَرِي. السُّؤَالُ الثَّانِي: هَبْ أَنَّ شِرَاءَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى وَقَعَ مَجَازًا فِي مَعْنَى الِاسْتِبْدَالِ فَمَا مَعْنَى ذِكْرِ الرِّبْحِ وَالتِّجَارَةِ وَمَا كَانَ ثَمَّ مُبَايَعَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْجَوَابُ: هَذَا مِمَّا يُقَوِّي أَمْرَ الْمَجَازِ وَيُحَسِّنُهُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَلَمَّا رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأْيَةٍ ... وَعَشَّشَ فِي وَكْرَيْهِ جَاشَ لَهُ صَدْرِي لَمَّا شَبَّهَ الشَّيْبَ بِالنَّسْرِ، وَالشَّعْرَ الْفَاحِمَ بِالْغُرَابِ أَتْبَعَهُ بذكر التعشيش والوكر فكذا هاهنا لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ الشِّرَاءَ أَتْبَعَهُ مَا يُشَاكِلُهُ وَيُوَاخِيهِ، تَمْثِيلًا لِخَسَارَتِهِمْ وَتَصْوِيرًا لِحَقِيقَتِهِ. أَمَّا قَوْلُهُ: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ فَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي تَطْلُبُهُ التُّجَّارُ فِي مُتَصَرَّفَاتِهِمْ أَمْرَانِ: سَلَامَةُ رَأْسِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ أَضَاعُوا الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّ رَأْسَ مَالِهِمْ هُوَ الْعَقْلُ الْخَالِي عَنِ الْمَانِعِ، فَلَمَّا اعْتَقَدُوا هَذِهِ الضَّلَالَاتِ صَارَتْ تِلْكَ الْعَقَائِدُ الْفَاسِدَةُ الْكَسْبِيَّةُ مَانِعَةً مِنَ الِاشْتِغَالِ بِطَلَبِ الْعَقَائِدِ الْحَقَّةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: انْتَقَلُوا مِنَ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالَةِ، وَمِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، وَمِنَ الْجَمَاعَةِ إِلَى التَّفْرِقَةِ وَمِنَ الْأَمْنِ إِلَى الْخَوْفِ، وَمِنَ السُّنَّةِ إلى البدعة، والله أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 17] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)
اعْلَمْ أَنَّا قَبْلَ الْخَوْضِ فِي تَفْسِيرِ أَلْفَاظِ هَذِهِ الْآيَةِ نَتَكَلَّمُ فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي الْقُلُوبِ مَا لَا يُؤَثِّرُهُ وَصْفُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْمَثَلِ تَشْبِيهُ الْخَفِيِّ بِالْجَلِيِّ، وَالْغَائِبِ بِالشَّاهِدِ، فَيَتَأَكَّدُ الْوُقُوفُ عَلَى مَاهِيَّتِهِ، وَيَصِيرُ الْحِسُّ مُطَابِقًا لِلْعَقْلِ وَذَلِكَ فِي نِهَايَةِ الْإِيضَاحِ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّرْغِيبَ إِذَا وَقَعَ فِي الْإِيمَانِ مُجَرَّدًا عَنْ ضَرْبِ مَثَلٍ لَهُ/ لَمْ يَتَأَكَّدْ وُقُوعُهُ فِي الْقَلْبِ كَمَا يَتَأَكَّدُ وُقُوعُهُ إِذَا مُثِّلَ بِالنُّورِ، وَإِذَا زَهِدَ فِي الْكُفْرِ بِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ لَمْ يَتَأَكَّدْ قُبْحُهُ فِي الْعُقُولِ كَمَا يَتَأَكَّدُ إِذَا مُثِّلَ بِالظُّلْمَةِ، وَإِذَا أَخْبَرَ بِضَعْفِ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَضَرَبَ مَثَلَهُ بِنَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي تَقْرِيرِ صُورَتِهِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِضَعْفِهِ مُجَرَّدًا، وَلِهَذَا أَكْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ وَفِي سَائِرِ كُتُبِهِ أَمْثَالَهُ، قَالَ تَعَالَى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ [العنكبوت: 43، الحشر: 21] وَمِنْ سُوَرِ الْإِنْجِيلِ سُورَةُ الْأَمْثَالِ، وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ: - الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْمَثَلُ فِي أَصْلِ كَلَامِهِمْ بِمَعْنَى الْمِثْلِ وَهُوَ النَّظِيرُ، وَيُقَالُ مَثَلٌ وَمِثْلٌ وَمَثِيلٌ كَشَبَهٍ وَشِبْهٍ وَشَبِيهٍ، ثُمَّ قِيلَ لِلْقَوْلِ الثائر الممثل مضر به بِمَوْرِدِهِ: مَثَلٌ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا فِيهِ غَرَابَةٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ حَقِيقَةَ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ عَقَّبَهَا بِضَرْبِ مَثَلَيْنِ زِيَادَةً فِي الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ. أَحَدُهُمَا: هَذَا الْمَثَلُ وَفِيهِ إِشْكَالَاتٌ. أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: مَا وَجْهُ التَّمْثِيلِ بِمَنْ أُعْطِيَ نُورًا ثُمَّ سُلِبَ ذَلِكَ النُّورُ مِنْهُ مَعَ أَنَّ الْمُنَافِقَ لَيْسَ لَهُ نُورٌ. وَثَانِيهَا: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَنِ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَأَضَاءَتْ قَلِيلًا فَقَدِ انْتَفَعَ بِهَا وَبِنُورِهَا ثُمَّ حُرِمَ، فَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَلَا انْتِفَاعَ لَهُمْ أَلْبَتَّةَ بِالْإِيمَانِ فَمَا وَجْهُ التَّمْثِيلِ؟ وَثَالِثُهَا: أَنَّ مُسْتَوْقِدَ النَّارِ قَدِ اكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ النُّورَ، وَاللَّهُ تَعَالَى ذَهَبَ بِنُورِهِ وَتَرَكَهُ فِي الظُّلُمَاتِ، وَالْمُنَافِقُ لَمْ يَكْتَسِبْ خَيْرًا وَمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْخَيْبَةِ وَالْحَيْرَةِ فَقَدْ أَتَى فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، فَمَا وَجْهُ التَّشْبِيهِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ ذَكَرُوا فِي كَيْفِيَّةِ التَّشْبِيهِ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ نَاسًا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ عِنْدَ وُصُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْمَدِينَةِ ثم إنهم نافقوا، والتشبيه هاهنا فِي نِهَايَةِ الصِّحَّةِ لِأَنَّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ أَوَّلًا اكْتَسَبُوا نُورًا ثُمَّ بِنِفَاقِهِمْ ثَانِيًا أَبْطَلُوا ذَلِكَ النُّورَ وَوَقَعُوا فِي حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ فَإِنَّهُ لَا حَيْرَةَ أَعْظَمُ مِنْ حَيْرَةِ الدِّينِ لِأَنَّ الْمُتَحَيِّرَ فِي طَرِيقِهِ لِأَجْلِ الظُّلْمَةِ لَا يَخْسَرُ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُتَحَيِّرُ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ يَخْسَرُ نَفْسَهُ فِي الْآخِرَةِ أَبَدَ الْآبِدِينَ. وَثَانِيهَا: إِنْ لَمْ يَصِحَّ مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ بَلْ كَانُوا مُنَافِقِينَ أَبَدًا مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِمْ فَهَهُنَا تَأْوِيلٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ فَقَدْ ظَفِرُوا بِحَقْنِ دِمَائِهِمْ وَسَلَامَةِ أَمْوَالِهِمْ عَنِ الْغَنِيمَةِ وَأَوْلَادِهِمْ عَنِ السَّبْيِ وَظَفِرُوا بِغَنَائِمِ الْجِهَادِ وَسَائِرِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَعُدَّ ذَلِكَ نُورًا مِنْ أَنْوَارِ الْإِيمَانِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْعَذَابِ الدَّائِمِ قَلِيلًا قدرت شبههم بمستوقد النار الذي انتقع بِضَوْئِهَا قَلِيلًا ثُمَّ سُلِبَ ذَلِكَ فَدَامَتْ حَيْرَتُهُ وَحَسْرَتُهُ لِلظُّلْمَةِ الَّتِي جَاءَتْهُ فِي أَعْقَابِ النُّورِ، فَكَانَ يَسِيرُ انْتِفَاعُهُمْ فِي الدُّنْيَا يُشْبِهُ النُّورَ وَعَظِيمُ ضَرَرِهِمْ فِي الْآخِرَةِ يُشْبِهُ الظُّلْمَةَ. وَثَالِثُهَا: أَنْ نَقُولَ لَيْسَ وَجْهُ التَّشْبِيهِ أَنَّ لِلْمُنَافِقِ نُورًا، بَلْ وَجْهُ التَّشْبِيهِ بِهَذَا الْمُسْتَوْقِدِ أَنَّهُ لَمَّا زَالَ النُّورُ عَنْهُ تَحَيَّرَ، وَالتَّحَيُّرُ فِيمَنْ كَانَ فِي نُورٍ ثُمَّ زَالَ عَنْهُ أَشَدُّ مِنْ تَحَيُّرِ سَالِكِ الطَّرِيقِ فِي ظُلْمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، لَكِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ النُّورَ فِي مُسْتَوْقِدِ النَّارِ لِكَيْ يَصِحَّ أَنْ يُوصَفَ بِهَذِهِ الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ، لَا أَنَّ وَجْهَ التَّشْبِيهِ مَجْمَعُ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ الَّذِي أَظْهَرُوهُ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ النُّورِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ، وَذَهَابُ النُّورِ هُوَ مَا يُظْهِرُهُ لِأَصْحَابِهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا قَالَ إِنَّ الْمَثَلَ إِنَّمَا عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ فَالنَّارُ مَثَلٌ لِقَوْلِهِمْ: «آمَنَّا» وَذَهَابُهُ مَثَلٌ لِقَوْلِهِمْ لِلْكُفَّارِ: «إِنَّا مَعَكُمْ» فَإِنْ قِيلَ وَكَيْفَ صَارَ مَا يُظْهِرُهُ الْمُنَافِقُ مِنْ كَلِمَةِ الْإِيمَانِ مَثَلًا بِالنُّورِ وَهُوَ حِينَ تَكَلَّمَ
بِهَا أَضْمَرَ خِلَافَهَا؟ قُلْنَا إِنَّهُ لَوْ ضَمَّ إِلَى الْقَوْلِ اعْتِقَادًا لَهُ وَعَمَلًا بِهِ لَأَتَمَّ النُّورَ لِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَتِمَّ نُورُهُ، وَإِنَّمَا سَمَّى مُجَرَّدَ ذَلِكَ الْقَوْلِ نُورًا لِأَنَّهُ قَوْلٌ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ. وَخَامِسُهَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِيقَادُ النَّارِ عِبَارَةً عَنْ إِظْهَارِ الْمُنَافِقِ كَلِمَةَ الْإِيمَانِ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ نُورًا لِأَنَّهُ يَتَزَيَّنُ بِهِ ظَاهِرُهُ فِيهِمْ وَيَصِيرُ مَمْدُوحًا بِسَبَبِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُذْهِبُ ذَلِكَ النُّورَ بِهَتْكِ سِتْرِ الْمُنَافِقِ بِتَعْرِيفِ نَبِيِّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ فَيَظْهَرُ لَهُ اسْمُ النافق بَدَلَ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ مِنَ اسْمِ الْإِيمَانِ فَبَقِيَ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُ، إِذِ النُّورُ الَّذِي كَانَ لَهُ قَبْلُ قَدْ كَشَفَ اللَّهُ أَمْرَهُ فَزَالَ. وَسَادِسُهَا: أَنَّهُمْ لَمَّا وُصِفُوا بِأَنَّهُمُ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذَا التَّمْثِيلِ لِيُمَثِّلَ هُدَاهُمُ الَّذِي بَاعُوهُ بِالنَّارِ الْمُضِيئَةِ مَا حَوْلَ الْمُسْتَوْقِدِ، وَالضَّلَالَةَ الَّتِي اشْتَرَوْهَا وَطُبِعَ بِهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ بِذَهَابِ اللَّهِ بِنُورِهِمْ وَتَرْكِهِ إِيَّاهُمْ فِي الظُّلُمَاتِ. وَسَابِعُهَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَوْقِدُ هاهنا مُسْتَوْقِدَ نَارٍ لَا يَرْضَاهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَالْغَرَضُ تَشْبِيهُ الْفِتْنَةِ الَّتِي حَاوَلَ الْمُنَافِقُونَ إِثَارَتَهَا بِهَذِهِ النَّارِ، فَإِنَّ الْفِتْنَةَ الَّتِي كَانُوا يُثِيرُونَهَا كَانَتْ قَلِيلَةَ الْبَقَاءِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: كُلَّما أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [الْمَائِدَةِ: 64] وَثَامِنُهَا: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَانْتِظَارِهِمْ لِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتِفْتَاحِهِمْ بِهِ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، فَلَمَّا خَرَجَ كَفَرُوا بِهِ فَكَانَ انْتِظَارُهُمْ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَإِيقَادِ النَّارِ، وَكُفْرُهُمْ بِهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ كَزَوَالِ ذَلِكَ النُّورِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَأَمَّا تَشْبِيهُ الْإِيمَانِ بِالنُّورِ وَالْكُفْرِ بِالظُّلْمَةِ فَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَثِيرٌ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّ النُّورَ قَدْ بَلَغَ النِّهَايَةَ فِي كَوْنِهِ هَادِيًا إِلَى الْمَحَجَّةِ وَإِلَى طَرِيقِ الْمَنْفَعَةِ وَإِزَالَةِ الْحَيْرَةِ وَهَذَا حَالُ الْإِيمَانِ فِي بَابِ الدِّينِ، فَشَبَّهَ مَا هُوَ النِّهَايَةُ فِي إِزَالَةِ الْحَيْرَةِ وَوِجْدَانِ الْمَنْفَعَةِ فِي بَابِ الدِّينِ بِمَا هُوَ الْغَايَةُ فِي بَابِ الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تَشْبِيهِ الْكُفْرِ بِالظُّلْمَةِ، لِأَنَّ الضَّالَّ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُحْتَاجِ إِلَى سُلُوكِهِ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِ الْحِرْمَانِ وَالتَّحَيُّرِ أَعْظَمُ مِنَ الظُّلْمَةِ، وَلَا شَيْءَ كَذَلِكَ فِي بَابِ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنَ الْكُفْرِ، فَشَبَّهَ تَعَالَى أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ، فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْكُلِّيُّ مِنْ هذه الآية، بقيت هاهنا أَسْئِلَةٌ وَأَجْوِبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالتَّعَلُّقِ بِالتَّفَاصِيلِ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا يَقْتَضِي تَشْبِيهَ مَثَلِهِمْ بِمَثَلِ الْمُسْتَوْقِدِ، فَمَا مَثَلُ الْمُنَافِقِينَ وَمَثَلُ الْمُسْتَوْقِدِ حَتَّى شَبَّهَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ؟ وَالْجَوَابُ: اسْتُعِيرَ الْمَثَلُ لِلْقِصَّةِ أَوْ لِلصِّفَةِ إِذَا كَانَ لَهَا شَأْنٌ وَفِيهَا غَرَابَةٌ، كَأَنَّهُ قِيلَ قِصَّتُهُمُ الْعَجِيبَةُ كَقِصَّةِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا، وَكَذَا قَوْلُهُ: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرَّعْدِ: 35] أَيْ فِيمَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنَ الْعَجَائِبِ قِصَّةُ الْجَنَّةِ الْعَجِيبَةِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [النَّحْلِ: 60] أَيِ الْوَصْفُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالَةِ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ [الْفَتْحِ: 29] أَيْ وَصْفُهُمْ وَشَأْنُهُمُ الْمُتَعَجَّبُ مِنْهُ وَلِمَا فِي الْمَثَلِ مِنْ مَعْنَى الْغَرَابَةِ قَالُوا: فُلَانٌ مَثَلُهُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَاشْتَقُّوا/ مِنْهُ صِفَةً لِلْعَجِيبِ الشَّأْنِ. السُّؤَالُ الثَّانِي: كَيْفَ مُثِّلَتِ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ وَضْعُ «الَّذِي» مَوْضِعَ «الَّذِينَ» كَقَوْلِهِ: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا [التَّوْبَةِ: 69] وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ «الَّذِي» لِكَوْنِهِ وَصْلَةً إِلَى وَصْفِ كُلِّ مَعْرِفَةٍ مُجْمَلَةٍ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهِ فِي كَلَامِهِمْ، وَلِكَوْنِهِ مُسْتَطَالًا بِصِلَتِهِ فَهُوَ حَقِيقٌ بِالتَّخْفِيفِ، وَلِذَلِكَ أَعَلُّوهُ بِالْحَذْفِ فَحَذَفُوا يَاءَهُ ثُمَّ كَسَرْتَهُ ثُمَّ اقْتَصَرُوا فِيهِ عَلَى اللَّامِ وَحْدَهَا فِي أَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ وَالْمَفْعُولِينَ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جِنْسَ الْمُسْتَوْقِدِينَ أَوْ أُرِيدَ الْجَمْعُ أَوِ الْفَوْجُ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا. وَثَالِثُهَا: وَهُوَ الْأَقْوَى: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَذَوَاتِهِمْ لَمْ يُشَبَّهُوا بِذَاتِ الْمُسْتَوْقِدِ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْهُ تَشْبِيهُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ وَإِنَّمَا شُبِّهَتْ قِصَّتُهُمْ بِقِصَّةِ الْمُسْتَوْقِدِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ [الْجُمُعَةِ: 5] وَقَوْلُهُ: يَنْظُرُونَ
[سورة البقرة (2) : آية 18]
إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [مُحَمَّدٍ: 20] وَرَابِعُهَا: الْمَعْنَى وَمَثَلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَقَوْلِهِ: يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [غَافِرٍ: 67] أَيْ يُخْرِجُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: مَا الْوُقُودُ؟ وَمَا النَّارُ؟ وَمَا الْإِضَاءَةُ؟ وَمَا النُّورُ؟ مَا الظُّلْمَةُ؟ الْجَوَابُ: أَمَّا وُقُودُ النَّارِ فَهُوَ سُطُوعُهَا وَارْتِفَاعُ لَهَبِهَا، وَأَمَّا النَّارُ فَهُوَ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ مُضِيءٌ، حَارٌّ مُحْرِقٌ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ نَارَ يَنُورُ إِذَا نَفَرَ، لِأَنَّ فِيهَا حَرَكَةً وَاضْطِرَابًا، وَالنُّورُ مُشْتَقٌّ مِنْهَا وَهُوَ ضَوْؤُهَا، وَالْمَنَارُ الْعَلَامَةُ، وَالْمَنَارَةُ هِيَ الشَّيْءُ الَّذِي يُؤَذَّنُ عَلَيْهِ. وَيُقَالُ أَيْضًا لِلشَّيْءِ الَّذِي يُوضَعُ السِّرَاجُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ النُّورَةُ لِأَنَّهَا تُطَهِّرُ الْبَدَنَ وَالْإِضَاءَةُ فَرْطُ الْإِنَارَةِ، وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [يُونُسَ: 5] وَ «أَضَاءَ» يَرِدُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا. تَقُولُ: أَضَاءَ الْقَمَرُ الظُّلْمَةَ، وَأَضَاءَ الْقَمَرُ بِمَعْنَى اسْتَضَاءَ قَالَ الشَّاعِرُ: - أَضَاءَتْ لَهُمْ أَحْسَابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ ... دُجَى اللَّيْلِ حَتَّى نَظَمَ الْجِزْعَ ثَاقِبُهُ وَأَمَّا مَا حَوْلَ الشَّيْءِ فَهُوَ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ، تَقُولُ دَارَ حَوْلَهُ وَحَوَالَيْهِ، وَالْحَوْلُ السَّنَةُ لِأَنَّهَا تَحُولُ، وَحَالَ عَنِ الْعَهْدِ أَيْ تَغَيَّرَ، وَحَالَ لَوْنُهُ أَيْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَالْحَوَالَةُ انْقِلَابُ الْحَقِّ مِنْ شَخْصٍ إِلَى شَخْصٍ، وَالْمُحَاوَلَةُ طَلَبُ الْفِعْلِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ طَالِبًا لَهُ، وَالْحَوَلُ انْقِلَابُ الْعَيْنِ، وَالْحِوَلُ الِانْقِلَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا [الْكَهْفِ: 108] وَالظُّلْمَةُ عَدَمُ النُّورِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسْتَنِيرَ، وَالظُّلْمَةُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ النُّقْصَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [الْكَهْفِ: 33] أَيْ لَمْ تَنْقُصْ وَفِي الْمَثَلِ: مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ، أَيْ فَمَا نَقَصَ حَقَّ الشَّبَهِ، وَالظُّلْمُ الثَّلْجُ لِأَنَّهُ يَنْتَقِصُ سَرِيعًا وَالظُّلْمُ مَاءُ السِّنِّ وَطَرَاوَتُهُ وَبَيَاضُهُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالثَّلْجِ. السُّؤَالُ الرَّابِعُ: أَضَاءَتْ مُتَعَدِّيَةٌ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: كِلَاهُمَا جَائِزٌ، يُقَالُ: أَضَاءَتِ النَّارُ بِنَفْسِهَا وَأَضَاءَتْ غَيْرَهَا وَكَذَلِكَ أَظْلَمَ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ وأظلم غيره أي صيره مظلماً، وهاهنا الْأَقْرَبُ أَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ مُسْتَنِدَةً إِلَى مَا حَوْلَهُ وَالتَّأْنِيثُ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى لِأَنَّ مَا حَوْلَ الْمُسْتَوْقِدِ أَمَاكِنُ وَأَشْيَاءُ، وَيُعَضِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ «ضَاءَ» السُّؤَالُ الْخَامِسُ: هَلَّا قِيلَ ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ لِقَوْلِهِ: فَلَمَّا أَضاءَتْ؟ الْجَوَابُ: ذِكْرُ النُّورِ أَبْلَغُ لِأَنَّ الضَّوْءَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الزِّيَادَةِ، فَلَوْ قِيلَ ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ لَأَوْهَمَ/ ذَهَابَ الْكَمَالِ وَبَقَاءَ مَا يُسَمَّى نُورًا وَالْغَرَضُ إِزَالَةُ النُّورِ عَنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ. أَلَا تَرَى كَيْفَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ وَالظُّلْمَةُ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ النُّورِ، وَكَيْفَ جَمَعَهَا، وَكَيْفَ نَكَّرَهَا وَكَيْفَ أَتْبَعَهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا ظُلْمَةٌ خَالِصَةٌ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا يُبْصِرُونَ السُّؤَالُ السَّادِسُ: لِمَ قَالَ: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَلَمْ يَقُلْ أَذْهَبَ اللَّهُ نُورَهُمْ وَالْجَوَابُ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَذْهَبَ وَذَهَبَ بِهِ أَنَّ مَعْنَى أَذْهَبَهُ أَزَالَهُ وَجَعَلَهُ ذَاهِبًا، وَيُقَالُ ذَهَبَ بِهِ إِذَا اسْتَصْحَبَهُ، وَمَعْنَى بِهِ مَعَهُ، وَذَهَبَ السُّلْطَانُ بِمَالِهِ أَخَذَهُ قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ [يُوسُفَ: 15] إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [الْمُؤْمِنُونَ: 91] وَالْمَعْنَى أَخَذَ اللَّهُ نُورَهُمْ وَأَمْسَكَهُ وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ [فَاطِرٍ: 2] فَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْإِذْهَابِ وَقَرَأَ الْيَمَانِيُّ «أَذْهَبَ اللَّهُ نُورَهُمْ» . السُّؤَالُ السَّابِعُ: مَا مَعْنَى (وَتَرَكَهُمْ) ؟ وَالْجَوَابُ: تَرَكَ إِذَا عُلِّقَ بِوَاحِدٍ فَهُوَ بِمَعْنَى طَرَحَ وَإِذَا عُلِّقَ بِشَيْئَيْنِ كَانَ بِمَعْنَى صَيَّرَ، فَيَجْرِي مَجْرَى أَفْعَالِ الْقُلُوبِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ أَصْلُهُ هُمْ فِي ظلمات ثم دخل ترك فنصبت الجزئين. السُّؤَالُ الثَّامِنُ: لِمَ حُذِفَ أَحَدُ الْمَفْعُولَيْنِ مِنْ لَا يُبْصِرُونَ؟ الْجَوَابُ: أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَتْرُوكِ الَّذِي لَا يُلْتَفَتُ إِلَى إِخْطَارِهِ بِالْبَالِ، لَا مِنْ قَبِيلِ الْمُقَدَّرِ الْمَنْوِيِّ، كَأَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ متعد أصلًا. [سورة البقرة (2) : آية 18] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)
[سورة البقرة (2) : الآيات 19 إلى 20]
اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَعْلُومُ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ وَيَنْطِقُونَ وَيُبْصِرُونَ امْتَنَعَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا تَشْبِيهُ حَالِهِمْ لِشِدَّةِ تَمَسُّكِهِمْ بِالْعِنَادِ وَإِعْرَاضِهِمْ عَمَّا يَطْرُقُ سَمْعَهُمْ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَا يُظْهِرُهُ الرَّسُولُ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالْآيَاتِ بِمَنْ هُوَ أَصَمُّ فِي الْحَقِيقَةِ فَلَا يَسْمَعُ، وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْجَوَابِ، فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبْكَمِ، وَإِذَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِالْأَدِلَّةِ وَلَمْ يُبْصِرْ طَرِيقَ الرُّشْدِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْمَى، أَمَّا قَوْلُهُ: فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِالنِّفَاقِ الَّذِي لأجل تمسكهم به وصفهم الله تعالى بهذا الصِّفَاتِ فَصَارَ ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُمْ يَسْتَمِرُّونَ عَلَى نِفَاقِهِمْ أَبَدًا. وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ لَا يَعُودُونَ إِلَى الْهُدَى بَعْدَ أَنْ بَاعُوهُ، وَعَنِ الضَّلَالَةِ بَعْدَ أَنِ اشْتَرَوْهَا. وَثَالِثُهَا: أَرَادَ أَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَحَيِّرِينَ الَّذِينَ بَقُوا خَامِدِينَ فِي مَكَانِهِمْ لَا يَبْرَحُونَ، وَلَا يَدْرُونَ أَيَتَقَدَّمُونَ أَمْ يَتَأَخَّرُونَ وَكَيْفَ يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه. [سورة البقرة (2) : الآيات 19 الى 20] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) / اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَثَلُ الثَّانِي لِلْمُنَافِقِينَ وَكَيْفِيَّةُ الْمُشَابَهَةِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ السَّحَابُ الَّذِي فِيهِ الظُّلُمَاتُ وَالرَّعْدُ وَالْبَرْقُ وَاجْتَمَعَ مَعَ ظُلْمَةِ السَّحَابِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وَظُلْمَةُ الْمَطَرِ عِنْدَ وُرُودِ الصَّوَاعِقِ عَلَيْهِمْ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَأَنَّ الْبَرْقَ يَكَادُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ، فَإِذَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، وَإِذَا ذَهَبَ بَقُوا فِي ظُلْمَةٍ عَظِيمَةٍ فَوَقَفُوا مُتَحَيِّرِينَ لِأَنَّ مَنْ أصحابه الْبَرْقُ فِي هَذِهِ الظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ تَشْتَدُّ حَيْرَتُهُ. وَتَعْظُمُ الظُّلْمَةُ فِي عَيْنِهِ، وَتَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَزَلْ فِي الظُّلْمَةِ، فَشَبَّهَ الْمُنَافِقِينَ فِي حَيْرَتِهِمْ وَجَهْلِهِمْ بِالدِّينِ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ، إِذْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ طَرِيقًا وَلَا يَهْتَدُونَ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمَطَرَ وَإِنْ كَانَ نَافِعًا إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الضَّارَّةِ صَارَ النَّفْعُ بِهِ زَائِلًا، فَكَذَا إِظْهَارُ الْإِيمَانِ نَافِعٌ لِلْمُنَافِقِ لَوْ وَافَقَهُ الْبَاطِنُ: فَإِذَا فُقِدَ مِنْهُ الْإِخْلَاصُ وَحَصَلَ مَعَهُ النِّفَاقُ صَارَ ضَرَرًا فِي الدِّينِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ مَنْ نَزَلَ بِهِ هَذِهِ الْأُمُورُ مَعَ الصَّوَاعِقِ ظَنَّ الْمَخْلَصَ مِنْهَا أَنْ يَجْعَلَ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ وَذَلِكَ لَا يُنَجِّيهِ مِمَّا يُرِيدُهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ هَلَاكٍ وَمَوْتٍ، فَلَمَّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي الْعَادَاتِ شَبَّهَ تَعَالَى حَالَ الْمُنَافِقِينَ فِي ظَنِّهِمْ أَنَّ إِظْهَارَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا أَظْهَرُوهُ يَنْفَعُهُمْ، مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ وَرَابِعُهَا: أَنَّ عَادَةَ الْمُنَافِقِينَ كَانَتْ هِيَ التَّأَخُّرَ عَنِ الْجِهَادِ فِرَارًا مِنَ الْمَوْتِ وَالْقَتْلِ، فَشَبَّهَ اللَّهُ حَالَهُمْ فِي ذَلِكَ بِحَالِ مَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ بِهِ وَأَرَادَ دَفْعَهَا يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَخَامِسُهَا: أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَإِنْ تَخَلَّصُوا عَنِ الْمَوْتِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَإِنَّ الْمَوْتَ وَالْهَلَاكَ مِنْ وَرَائِهِمْ لَا مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْهُ فَكَذَلِكَ حَالُ الْمُنَافِقِينَ فِي أَنَّ الَّذِي يَخُوضُونَ فِيهِ لَا يُخَلِّصُهُمْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. وَسَادِسُهَا: أَنَّ مَنْ هَذَا حَالُهُ فَقَدْ بَلَغَ النِّهَايَةَ فِي الْحَيْرَةِ لِاجْتِمَاعِ أَنْوَاعِ الظُّلُمَاتِ وَحُصُولِ أَنْوَاعِ الْمَخَافَةِ، وَحَصَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ نِهَايَةُ الْحَيْرَةِ فِي بَابِ الدِّينِ وَنِهَايَةُ الْخَوْفِ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ الْمُنَافِقَ يَتَصَوَّرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الْوُقُوفُ عَلَى بَاطِنِهِ لَقُتِلَ، فَلَا يَكَادُ الْوَجَلُ وَالْخَوْفُ يَزُولُ عَنْ قَلْبِهِ مَعَ النِّفَاقِ. وَسَابِعُهَا: الْمُرَادُ مِنَ الصَّيِّبِ هُوَ الْإِيمَانُ وَالْقُرْآنُ، وَالظُّلُمَاتُ وَالرَّعْدُ وَالْبَرْقُ هُوَ الْأَشْيَاءُ الشَّاقَّةُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَهِيَ التَّكَالِيفُ الشَّاقَّةُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَتَرْكِ الرِّيَاسَاتِ/ وَالْجِهَادِ مَعَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَتَرْكِ الْأَدْيَانِ الْقَدِيمَةِ،
وَالِانْقِيَادِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ شِدَّةِ اسْتِنْكَافِهِمْ عَنِ الِانْقِيَادِ لَهُ فَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يُبَالِغُ فِي الِاحْتِرَازِ عَنِ الْمَطَرِ الصَّيِّبِ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ نَفْعًا بِسَبَبِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُقَارِنَةِ، فَكَذَا الْمُنَافِقُونَ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُقَارِنَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَهِيَ عِصْمَةُ أَمْوَالِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَحُصُولُ الْغَنَائِمِ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ يَرْغَبُونَ فِي الدِّينِ: وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أَيْ مَتَى لَمْ يَجِدُوا شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ فَحِينَئِذٍ يَكْرَهُونَ الْإِيمَانَ وَلَا يَرْغَبُونَ فِيهِ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ ظَاهِرَةٌ فِي التَّشْبِيهِ. وَبَقِيَ عَلَى الْآيَةِ أَسْئِلَةٌ وَأَجْوِبَةٌ. السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَيُّ التَّمْثِيلَيْنِ أَبْلَغُ؟ وَالْجَوَابُ: التَّمْثِيلُ الثَّانِي، لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى فَرْطِ الْحَيْرَةِ وَشِدَّةِ الْأَغَالِيظِ، وَلِذَلِكَ تَرَاهُمْ يَتَدَرَّجُونَ فِي نَحْوِ هَذَا مِنَ الْأَهْوَنِ إِلَى الْأَغْلَظِ. السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ عُطِفَ أَحَدُ التَّمْثِيلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِحَرْفِ الشَّكِّ؟ الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: لِأَنَّ «أَوْ» فِي أَصْلِهَا تُسَاوِي شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا فِي الشَّكِّ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهَا فَاسْتُعِيرَتْ لِلتَّسَاوِي فِي غَيْرِ الشَّكِّ. كَقَوْلِكَ: جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِينَ تُرِيدُ أَنَّهُمَا سِيَّانِ فِي اسْتِصْوَابِ أَنْ تُجَالِسَ أَيَّهُمَا شِئْتَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [الْإِنْسَانِ: 24] أَيْ أَنَّ الْآثِمَ وَالْكَفُورَ مُتَسَاوِيَانِ فِي وُجُوبِ عِصْيَانِهِمَا، فَكَذَا قَوْلُهُ: أَوْ كَصَيِّبٍ مَعْنَاهُ أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْمُنَافِقِينَ شَبِيهَةٌ بِكَيْفِيَّتَيْ هَاتَيْنِ الْقِصَّتَيْنِ، فَبِأَيَّتِهِمَا مَثَّلْتَهَا فَأَنْتَ مُصِيبٌ، وَإِنْ مَثَّلْتَهَا بِهِمَا جَمِيعًا فَكَذَلِكَ. وَثَانِيهَا: إِنَّمَا ذَكَرَ تَعَالَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ قِسْمَانِ بَعْضُهُمْ يُشْبِهُونَ أَصْحَابَ النَّارِ، وَبَعْضُهُمْ يُشْبِهُونَ أَصْحَابَ الْمَطَرِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى [الْبَقَرَةِ: 135] وَقَوْلُهُ: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ [الْأَعْرَافِ: 4] وَثَالِثُهَا: أَوْ بِمَعْنَى بَلْ قَالَ تَعَالَى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصَّافَّاتِ: 147] وَرَابِعُهَا: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَأَنَّهُ قَالَ وَكَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ [النُّورِ: 61] وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِرٌ ... لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا وَهَذِهِ الْوُجُوهُ مُطَّرِدَةٌ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [الْبَقَرَةِ: 74] السُّؤَالُ الثَّالِثُ: الْمُشَبَّهُ بِالصَّيِّبِ وَالظُّلُمَاتِ وَالرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَالصَّوَاعِقِ مَا هو؟ الجواب: لعلماء البيان هاهنا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا تَشْبِيهٌ مُفَرَّقٌ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْمَثَلُ مُرَكَّبًا مِنْ أُمُورٍ وَالْمُمَثَّلُ يَكُونُ أَيْضًا مُرَكَّبًا مِنْ أُمُورٍ وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَثَلِ شَبِيهًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُمَثَّلِ، فَهَهُنَا شَبَّهَ دِينَ الْإِسْلَامِ بِالصَّيِّبِ، لِأَنَّ الْقُلُوبَ تَحْيَا بِهِ حَيَاةَ الْأَرْضِ بِالْمَطَرِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ شُبُهَاتِ الْكُفَّارِ بِالظُّلُمَاتِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ بِالْبَرْقِ وَالرَّعْدِ، وَمَا يُصِيبُ الْكَفَرَةَ مِنَ الْفِتَنِ مِنْ جِهَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِالصَّوَاعِقِ، وَالْمَعْنَى أَوْ كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ، وَالْمُرَادُ كَمَثَلِ قَوْمٍ أَخَذَتْهُمُ السَّمَاءُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ، وَهُوَ الَّذِي يُشَبَّهُ فِيهِ إِحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ بِالْأُخْرَى فِي أَمْرٍ/ مِنَ الْأُمُورِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ آحَادُ إحدى الجملتين شبيهة بآحاد الجملة الأخرى وهاهنا الْمَقْصُودُ تَشْبِيهُ حَيْرَةِ الْمُنَافِقِينَ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ بِحَيْرَةِ مَنِ انْطَفَتْ نَارُهُ بَعْدَ إِيقَادِهَا، وَبِحَيْرَةِ مَنْ أَخَذَتْهُ السَّمَاءُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ مَعَ رَعْدٍ وَبَرْقٍ، فَإِنْ قِيلَ الَّذِي كُنْتَ تُقَدِّرُهُ فِي التَّشْبِيهِ الْمُفَرَّقِ مِنْ حَذْفِ الْمُضَافِ وَهُوَ قَوْلُكَ: أَوْ كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ هَلْ يُقَدَّرُ مِثْلُهُ فِي الْمُرَكَّبِ، قُلْنَا لَوْلَا طَلَبُ الرَّاجِعِ فِي قَوْلِهِ: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ لَمَا كَانَ بِنَا حَاجَةٌ إِلَى تَقْدِيرِهِ: السُّؤَالُ الرَّابِعُ: مَا الصَّيِّبُ؟ الْجَوَابُ: أَنَّهُ الْمَطَرُ الَّذِي يُصَوَّبُ، أَيْ يَنْزِلُ مِنْ صَابَ يَصُوبُ إِذَا نَزَلَ وَمِنْهُ صَوَّبَ رَأْسَهُ إِذَا خَفَضَهُ وَقِيلَ إِنَّهُ مِنْ صَابَ يَصُوبُ إِذَا قَصَدَ، وَلَا يُقَالُ صَيِّبٌ
إِلَّا لِلْمَطَرِ الْجُودِ. كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيِّبًا هَنِيئًا» أَيْ مَطَرًا جُودًا وَأَيْضًا يُقَالُ لِلسَّحَابِ صَيِّبٌ قَالَ الشَّمَّاخُ: وَأَسْحَمَ دَانٍ صَادِقِ الْوَعْدِ صَيِّبِ وَتَنْكِيرُ صَيِّبٍ لِأَنَّهُ أُرِيدَ نَوْعٌ مِنَ الْمَطَرِ شَدِيدٌ هَائِلٌ، كَمَا تَنَكَّرَتِ النَّارُ فِي التَّمْثِيلِ الْأَوَّلِ، وَقُرِئَ «أَوْ كَصَائِبٍ» وَصَيِّبٌ أَبْلَغُ: وَالسَّمَاءُ هَذِهِ الْمِظَلَّةُ. السُّؤَالُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ مِنَ السَّمَاءِ. مَا الْفَائِدَةُ فِيهِ وَالصَّيِّبُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ السَّمَاءِ؟ الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: لَوْ قَالَ. أَوْ كَصَيِّبٍ فِيهِ ظُلُمَاتٌ. احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الصَّيِّبُ نَازِلًا مِنْ بَعْضِ جَوَانِبِ السَّمَاءِ دُونَ بَعْضٍ، أَمَّا لَمَّا قَالَ مِنَ السَّمَاءِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَامٌّ مُطْبِقٌ آخِذٌ بِآفَاقِ السَّمَاءِ فَكَمَا حَصَلَ فِي لَفْظِ الصَّيِّبِ مُبَالَغَاتٌ مِنْ جِهَةِ التَّرْكِيبِ وَالتَّنْكِيرِ أَيَّدَ ذَلِكَ بِأَنَّ جَعَلَهُ مُطْبِقًا، الثَّانِي: مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْمَطَرُ إِنَّمَا يَحْصُلُ مِنَ ارْتِفَاعِ أَبْخِرَةٍ رَطْبَةٍ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى الْهَوَاءِ فَتَنْعَقِدُ هُنَاكَ مِنْ شِدَّةِ بَرْدِ الْهَوَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ مَرَّةً أُخْرَى، فَذَاكَ هُوَ الْمَطَرُ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أبطل ذلك المذهب هاهنا بِأَنْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الصَّيِّبَ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، كَذَا قَوْلُهُ: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً طَهُوراً [الْفُرْقَانِ: 48] وَقَوْلُهُ: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [النُّورِ: 43] السُّؤَالُ السَّادِسُ: مَا الرَّعْدُ وَالْبَرْقُ؟ الْجَوَابُ: الرَّعْدُ الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنَ السَّحَابِ كَأَنَّ أَجْرَامَ السَّحَابِ تَضْطَرِبُ وَتَنْتَقِضُ وَتَرْتَعِدُ إِذَا أَخَذَتْهَا الرِّيحُ فَصَوَّتَ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الِارْتِعَادِ وَالْبَرْقُ الَّذِي يَلْمَعُ مِنَ السَّحَابِ مِنْ بَرَقَ الشَّيْءُ بَرِيقًا إِذَا لَمَعَ. السُّؤَالُ السَّابِعُ: الصَّيِّبُ هُوَ الْمَطَرُ وَالسَّحَابُ فَأَيُّهُمَا أُرِيدَ فَمَا ظُلُمَاتُهُ؟ الْجَوَابُ: أَمَّا ظُلُمَاتُ السَّحَابِ فَإِذَا كَانَ أَسْحَمَ مُطْبِقًا فَظُلْمَتُهُ سُحْمَتُهُ وَتَطْبِيقُهُ مَضْمُومَةٌ إِلَيْهِمَا ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وَأَمَّا ظُلْمَةُ الْمَطَرِ فَظُلْمَتُهُ تَكَاثُفُهُ وَانْسِجَامُهُ بِتَتَابُعِ الْقَطْرِ وَظُلْمَتُهُ إِظْلَالُ الْغَمَامَةِ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. السُّؤَالُ الثَّامِنُ: كَيْفَ يَكُونُ الْمَطَرُ مَكَانًا لِلرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَإِنَّمَا مَكَانُهُمَا السَّحَابُ. الْجَوَابُ: لَمَّا كَانَ التَّعْلِيقُ بَيْنَ السَّحَابِ وَالْمَطَرِ شَدِيدًا جَازَ إِجْرَاءُ أَحَدِهِمَا مَجْرَى الْآخَرِ فِي الْأَحْكَامِ. السُّؤَالُ التَّاسِعُ: هَلَّا قِيلَ رُعُودٌ وَبُرُوقٌ كَمَا قِيلَ ظُلُمَاتٌ؟ الْجَوَابُ: الْفَرْقُ أَنَّهُ حَصَلَتْ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنَ الظُّلُمَاتِ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فَاحْتِيجَ إِلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ، أَمَّا الرَّعْدُ فَإِنَّهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ، وَكَذَا الْبَرْقُ وَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ أَنْوَاعِ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ فِي السَّحَابِ الْوَاحِدِ فَلَا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ لَفْظَ الْجَمْعِ. السُّؤَالُ الْعَاشِرُ: لِمَ جَاءَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُنَكَّرَاتٍ. الْجَوَابُ: لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْوَاعٌ مِنْهَا، كَأَنَّهُ قِيلَ فِيهِ ظُلُمَاتٌ دَاجِيَةٌ وَرَعْدٌ قَاصِفٌ/ وَبَرْقٌ خَاطِفٌ. السُّؤَالُ الْحَادِي عَشَرَ: إِلَى مَاذَا يَرْجِعُ الضَّمِيرُ فِي «يَجْعَلُونَ» . الْجَوَابُ: إِلَى أَصْحَابِ الصَّيِّبِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَحْذُوفًا فِي اللَّفْظِ لَكِنَّهُ باقٍ فِي الْمَعْنَى وَلَا مَحَلَّ لِقَوْلِهِ يَجْعَلُونَ لِكَوْنِهِ مُسْتَأْنَفًا لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الرَّعْدَ وَالْبَرْقَ عَلَى مَا يُؤْذِنُ بِالشِّدَّةِ وَالْهَوْلِ فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ فَكَيْفَ حَالُهُمْ مَعَ مِثْلِ ذَلِكَ الرَّعْدِ فَقِيلَ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ ثُمَّ قَالَ فَكَيْفَ حَالُهُمْ مَعَ مِثْلِ ذَلِكَ الْبَرْقِ فَقَالَ: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ [البقرة: 20] السُّؤَالُ الثَّانِي عَشَرَ: رُءُوسُ الْأَصَابِعِ هِيَ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الْآذَانِ فَهَلَّا قِيلَ أَنَامِلُهُمْ؟ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأُصْبُعَ لَكِنَّ الْمُرَادَ بَعْضُهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [الْمَائِدَةِ: 38] الْمُرَادُ بَعْضُهُمَا. السُّؤَالُ الثَّالِثَ عَشَرَ: مَا الصَّاعِقَةُ؟ الْجَوَابُ: إِنَّهَا قَصْفُ رَعْدٍ يَنْقَضُّ مِنْهَا شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ وَهِيَ نَارٌ لَطِيفَةٌ قَوِيَّةٌ لَا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إِلَّا أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهَا مَعَ قُوَّتِهَا سَرِيعَةُ الْخُمُودِ. السُّؤَالُ الرَّابِعَ عَشَرَ: مَا إِحَاطَةُ اللَّهِ بِالْكَافِرِينَ. الْجَوَابُ: أَنَّهُ مَجَازٌ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَفُوتُونَهُ كَمَا لَا يَفُوتُ الْمُحَاطُ بِهِ الْمُحِيطَ بِهِ حَقِيقَةً ثُمَّ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَالِمٌ بِهِمْ قَالَ تَعَالَى: وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [الطَّلَاقِ: 12] وَثَانِيهَا: قُدْرَتُهُ مُسْتَوْلِيَةٌ
عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ [الْبُرُوجِ: 20] وَثَالِثُهَا: يُهْلِكُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يُوسُفَ: 66] السُّؤَالُ الْخَامِسَ عَشَرَ: مَا الْخَطْفُ. الْجَوَابُ: إِنَّهُ الْأَخْذُ بِسُرْعَةٍ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ «يَخْطِفُ» بِكَسْرِ الطَّاءِ، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «يَخْتَطِفُ» وَعَنِ الْحَسَنِ «يَخْطَفُ» بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْخَاءِ وَأَصْلُهُ يَخْتَطِفُ، وَعَنْهُ يَخْطِفُ بِكَسْرِهِمَا عَلَى إِتْبَاعِ الْيَاءِ الْخَاءَ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: يَخْطِفُ مِنْ خَطَفَ وَعَنْ أُبَيٍّ يَتَخَطَّفُ مِنْ قَوْلِهِ: وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [الْعَنْكَبُوتِ: 67] أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ [الْبَقَرَةِ: 20] فَهُوَ اسْتِئْنَافٌ ثَالِثٌ كَأَنَّهُ جَوَابٌ لِمَنْ يَقُولُ كَيْفَ يَصْنَعُونَ فِي حَالَتَيْ ظُهُورِ الْبَرْقِ وَخَفَائِهِ، وَالْمَقْصُودُ تَمْثِيلُ شِدَّةِ الْأَمْرِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ بِشِدَّتِهِ عَلَى أَصْحَابِ الصَّيِّبِ وَمَا هُمْ فِيهِ مِنْ غَايَةِ التَّحَيُّرِ وَالْجَهْلِ بِمَا يَأْتُونَ وَمَا يَذَرُوَنَ إِذَا صَادَفُوا مِنَ الْبَرْقِ خَفْقَةً مَعَ خَوْفِ أَنْ يَخْطَفَ أَبْصَارَهُمُ انْتَهَزُوا تِلْكَ الْخَفْقَةَ فُرْصَةً فَخَطَوْا خُطُوَاتٍ يَسِيرَةً، فَإِذَا خَفِيَ وَفَتَرَ لَمَعَانُهُ بَقُوا وَاقِفِينَ مُتَقَيِّدِينَ عَنِ الْحَرَكَةِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَزَادَ فِي قَصْفِ الرَّعْدِ فَأَصَمَّهُمْ، وَفِي ضَوْءِ الْبَرْقِ فَأَعْمَاهُمْ. وَأَضَاءَ إِمَّا مُتَعَدٍّ بِمَعْنَى كُلَّمَا نَوَّرَ لَهُمْ مَسْلَكًا أَخَذُوهُ، فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وَإِمَّا غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِمَعْنَى كُلَّمَا لَمَعَ لَهُمْ مَشَوْا فِي مَطْرَحِ نُورِهِ، وَيُعَضِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ «كُلَّمَا ضَاءَ» فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَالَ مَعَ الْإِضَاءَةِ كُلَّمَا، وَمَعَ الْإِظْلَامِ إِذَا: قلنا لأنهم حراص على إمكان المشيء، فَكُلَّمَا صَادَفُوا مِنْهُ فُرْصَةً انْتَهَزُوهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ التَّوَقُّفُ، وَالْأَقْرَبُ فِي أَظْلَمَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَمَعْنَى قَامُوا وَقَفُوا وَثَبَتُوا فِي مَكَانِهِمْ، وَمِنْهُ قَامَتِ السُّوقُ، وَقَامَ الْمَاءُ جَمَدَ، وَمَفْعُولُ شَاءَ مَحْذُوفٌ لِأَنَّ الْجَوَابَ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَالْمَعْنَى وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَذْهَبَ بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما وهاهنا مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ «لَوْ» تُفِيدُ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّهَا لَا تُفِيدُ إِلَّا الرَّبْطَ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ وَالْخَبَرِ، أَمَّا الْآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الْأَنْفَالِ: 23] فَلَوْ أَفَادَتْ كَلِمَةُ لَوِ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ لَا انْتِفَاءَ غَيْرِهِ لَلَزِمَ التَّنَاقُضُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ/ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَا عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا وَمَا أَسْمَعَهُمْ وَقَوْلُهُ: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ يُفِيدُ أَنَّهُ تَعَالَى مَا أَسْمَعَهُمْ وَأَنَّهُمْ مَا تَوَلَّوْا وَلَكِنْ عَدَمُ التَّوَلِّي خَيْرٌ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا، وَمَا عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا وَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «نِعْمَ الرَّجُلُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ» فَعَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ يَلْزَمُ أَنَّهُ خَافَ اللَّهَ وَعَصَاهُ وَذَلِكَ مُتَنَاقِضٌ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ كَلِمَةَ «لَوْ» لَا تُفِيدُ إِلَّا الرَّبْطَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: مِنْهُمْ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَعْدُومَ شَيْءٌ، قَالَ: لِأَنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ الْقُدْرَةَ عَلَى الشَّيْءِ، وَالْمَوْجُودُ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ لِاسْتِحَالَةِ إِيجَادِ الْمَوْجُودِ، فَالَّذِي عَلَيْهِ الْقُدْرَةُ مَعْدُومٌ وَهُوَ شَيْءٌ فَالْمَعْدُومُ شَيْءٌ. وَالْجَوَابُ: لَوْ صَحَّ هَذَا الْكَلَامُ لَزِمَ أَنَّ مَا لَا يَقْدِرُ اللَّهُ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ شَيْئًا، فَالْمَوْجُودُ لَمَّا لَمْ يَقْدِرِ اللَّهُ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْئًا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ جَهْمٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِشَيْءٍ، قَالَ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لِلَّهِ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِمَقْدُورٍ لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْئًا، وَاحْتَجَّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشُّورَى: 11] قَالَ لَوْ كَانَ هُوَ تَعَالَى شَيْئًا لَكَانَ تَعَالَى مِثْلَ نَفْسِهِ فَكَانَ يُكَذِّبُ قَوْلَهُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْئًا حَتَّى لَا تَتَنَاقَضَ هَذِهِ الْآيَةُ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي الِاسْمِ، لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ
[سورة البقرة (2) : الآيات 21 إلى 22]
الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ. [الْأَنْعَامِ: 19] وَالثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [الْقَصَصُ: 88] وَالْمُسْتَثْنَى دَاخِلٌ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ مَقْدُورَ الْعَبْدِ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعَالَى خِلَافًا لِأَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ، وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ مَقْدُورَ الْعَبْدِ شَيْءٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورُ الْعَبْدِ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُحْدَثَ حَالَ حُدُوثِهِ مَقْدُورٌ لِلَّهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: الِاسْتِطَاعَةُ قَبْلَ الْفِعْلِ مُحَالٌ، فَالشَّيْءُ إِنَّمَا يَكُونُ مَقْدُورًا قَبْلَ حُدُوثِهِ، وَبَيَانُ اسْتِدْلَالِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْمُحْدَثَ حَالَ وُجُودِهِ شَيْءٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ، وَهَذَا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي كَوْنَ الْبَاقِي مَقْدُورًا تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فَبَقِيَ مَعْمُولًا بِهِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، لِأَنَّهُ حَالَ الْبَقَاءِ مَقْدُورُهُ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إِعْدَامِهِ، أَمَّا حَالَ الْحُدُوثِ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَقْدِرَ اللَّهُ عَلَى إِعْدَامِهِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَصِيرَ مَعْدُومًا فِي أَوَّلِ زَمَانِ وُجُودِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى إِيجَادِهِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: تَخْصِيصُ الْعَامِّ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَيْضًا تَخْصِيصُ الْعَامِّ جَائِزٌ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 284] يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ خُصَّ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، فَإِنْ قِيلَ إِذَا كَانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْكُلِّ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ صَادِقٍ فِي الْكُلِّ كَانَ هَذَا كَذِبًا، وَذَلِكَ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي الْقُرْآنِ، قُلْنَا: لَفْظُ الْكُلِّ كَمَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَجْمُوعِ. فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي الْأَكْثَرِ، / وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَجَازًا مَشْهُورًا فِي اللُّغَةِ لَمْ يَكُنِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فيه كذباً والله أعلم. [سورة البقرة (2) : الآيات 21 الى 22] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) [القول في إقامة الدلالة على التوحيد] الْقَوْلُ فِي إِقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ والمعاد أما التوحيد فقوله: اعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَدَّمَ أَحْكَامَ الْفِرَقِ الثَّلَاثَةِ، أَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالْخِطَابِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَفِيهِ فَوَائِدُ: أَحَدُهَا: أَنَّ فِيهِ مَزِيدَ هَزٍّ وَتَحْرِيكٍ مِنَ السَّامِعِ كَمَا أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ حَاكِيًا عَنْ ثَالِثٍ: إِنَّ فُلَانًا مِنْ قِصَّتِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ، ثُمَّ تُخَاطِبُ ذَلِكَ الثَّالِثَ فَقُلْتَ: يَا فُلَانُ مِنْ حَقِّكَ أَنْ تَسْلُكَ الطَّرِيقَةَ الْحَمِيدَةَ فِي مَجَارِي أُمُورِكَ، فَهَذَا الِانْتِقَالُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ يُوجِبُ مَزِيدَ تَحْرِيكٍ لِذَلِكَ الثَّالِثِ. وَثَانِيهَا: كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: جَعَلْتُ الرَّسُولَ وَاسِطَةً بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَوَّلًا ثُمَّ الْآنَ أَزِيدُ فِي إِكْرَامِكَ وَتَقْرِيبِكَ، فَأُخَاطِبُكَ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، لِيَحْصُلَ لَكَ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى الْأَدِلَّةِ، شَرَفُ الْمُخَاطَبَةِ وَالْمُكَالَمَةِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ مُشْتَغِلًا بِالْعُبُودِيَّةِ فَإِنَّهُ
يَكُونُ أَبَدًا فِي التَّرَقِّي، بِدَلِيلِ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، انْتَقَلَ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ كَانَتْ فِي حِكَايَةِ أَحْوَالِهِمْ، وَأَمَّا هَذِهِ الْآيَاتُ فَإِنَّهَا أَمْرٌ وَتَكْلِيفٌ، فَفِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ رَاحَةٍ تُقَابِلُ هَذِهِ الْكُلْفَةَ، وَتِلْكَ الرَّاحَةُ هِيَ أَنْ يَرْفَعَ مَلِكُ الْمُلُوكِ الْوَاسِطَةَ مِنَ الْبَيْنِ وَيُخَاطِبَهُمْ بِذَاتِهِ، كَمَا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أُلْزِمَ تَكْلِيفًا شَاقًّا فَلَوْ شَافَهَهُ الْمَوْلَى وَقَالَ: أُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا فَإِنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ الشَّاقُّ لَذِيذًا لِأَجْلِ ذَلِكَ الْخِطَابِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حُكِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القرآن: يا أَيُّهَا النَّاسُ فإنه مكي، وما كان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَبِالْمَدِينَةِ، قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ إِنْ كَانَ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى النَّقْلِ فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ فِيهِ حُصُولَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى الْكَثْرَةِ دُونَ مَكَّةَ/ فَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِبَ الْمُؤْمِنِينَ مَرَّةً بِصِفَتِهِمْ، وَمَرَّةً بِاسْمِ جِنْسِهِمْ، وَقَدْ يُؤْمَرُ مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِالْعِبَادَةِ، كَمَا يُؤْمَرُ الْمُؤْمِنُ بِالِاسْتِمْرَارِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالِازْدِيَادِ مِنْهَا، فَالْخِطَابُ فِي الْجَمِيعِ مُمْكِنٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَلْفَاظَ فِي الْأَغْلَبِ عِبَارَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى أُمُورٍ هِيَ: إِمَّا الْأَلْفَاظُ أَوْ غَيْرُهَا، أَمَّا الْأَلْفَاظُ فَهِيَ: كَالِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الثَّلَاثَةَ يَدُلُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ، هُوَ فِي نَفْسِهِ لَفْظٌ مَخْصُوصٌ، وَغَيْرُ الْأَلْفَاظِ: فَكَالْحَجَرِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلَفْظُ النِّدَاءِ لَمْ يُجْعَلْ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ آخَرَ، بَلْ هُوَ لَفْظٌ يَجْرِي مَجْرَى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ عَامِلٌ لِأَجْلِ التَّنْبِيهِ. فَأَمَّا الَّذِينَ فَسَّرُوا قَوْلَنَا: «يَا زَيْدُ» بِأُنَادِي زَيْدًا، أَوْ أُخَاطِبُ زَيْدًا فَهُوَ خَطَأٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَنَا. أُنَادِي زَيْدًا، خَبَرٌ يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ، وَقَوْلُنَا يَا زَيْدُ، لَا يَحْتَمِلُهَا. وَثَانِيهَا: أَنَّ قَوْلَنَا يَا زَيْدُ، يَقْتَضِي صَيْرُورَةَ زَيْدٍ مُنَادًى فِي الْحَالِ، وَقَوْلُنَا أُنَادِي زَيْدًا، لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلَنَا يَا زَيْدُ يَقْتَضِي صَيْرُورَةَ زَيْدٍ مُخَاطَبًا بِهَذَا الْخِطَابِ وَقَوْلُنَا أُنَادِي زَيْدًا لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنَّهُ يُخْبِرُ إِنْسَانًا آخَرَ بِأَنِّي أُنَادِي زَيْدًا. وَرَابِعُهَا: أَنَّ قَوْلَنَا أُنَادِي زَيْدًا، إِخْبَارٌ عَنِ النِّدَاءِ، وَالْإِخْبَارُ عَنِ النِّدَاءِ غَيْرُ النِّدَاءِ، وَالنِّدَاءُ هُوَ قَوْلُنَا: يَا زَيْدُ، فَإِذَنْ قَوْلُنَا: أُنَادِي زَيْدًا، غَيْرُ قَوْلِنَا يَا زَيْدُ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوجوه فساد هذا القول. ثم هاهنا نُكْتَةٌ نَذْكُرُهَا وَهِيَ: أَنَّ أَقْوَى الْمَرَاتِبِ الِاسْمُ، وَأَضْعَفَهَا الْحَرْفُ، فَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّهُ لَا يَأْتَلِفُ الِاسْمُ بِالْحَرْفِ، وَكَذَا أَعْظَمُ الْمَوْجُودَاتِ هُوَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَضْعَفُهَا الْبَشَرُ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [النِّسَاءِ: 28] فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: أَيُّ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [الْبَقَرَةِ: 30] فَقِيلَ قَدْ يَأْتَلِفُ الِاسْمُ مَعَ الْحَرْفِ فِي حَالِ النِّدَاءِ، فَكَذَا الْبَشَرُ يَصْلُحُ لِخِدْمَةِ الرَّبِّ حَالَ النِّدَاءِ وَالتَّضَرُّعِ رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الْأَعْرَافِ: 23] وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] . المسألة الرابعة: «ياء» حَرْفٌ وُضِعَ فِي أَصْلِهِ لِنِدَاءِ الْبَعِيدِ وَإِنْ كَانَ لِنِدَاءِ الْقَرِيبِ لَكِنْ لِسَبَبِ أَمْرٍ مُهِمٍّ جِدًّا، وَأَمَّا نِدَاءُ الْقَرِيبِ فَلَهُ: أَيْ وَالْهَمْزَةُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي نِدَاءِ مَنْ سَهَا وَغَفَلَ وَإِنَ قَرُبَ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْبَعِيدِ. فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ يَقُولُ الدَّاعِي يَا رَبِّ يَا أَللَّهُ وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ قُلْنَا هُوَ اسْتِبْعَادٌ لِنَفْسِهِ مِنْ مَظَانِّ الزُّلْفَى وَمَا يُقَرِّبُهُ إِلَى مَنَازِلِ الْمُقَرَّبِينَ هَضْمًا لِنَفْسِهِ وَإِقْرَارًا عَلَيْهَا بِالتَّنْقِيصِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْإِجَابَةَ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ: «أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَجْلِي» أَوْ لِأَجْلِ أَنَّ إِجَابَةَ الدُّعَاءِ مِنْ أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ لِلدَّاعِي. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: «أَيْ» وَصْلَةٌ إِلَى نِدَاءِ مَا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ كَمَا أَنَّ «ذُو» وَ «الَّذِي» وَصْلَتَانِ إِلَى الْوَصْفِ بِأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وَوَصْفِ الْمَعَارِفِ بِالْجُمَلِ، وَهُوَ اسْمٌ مُبْهَمٌ يَفْتَقِرُ إِلَى مَا يُزِيلُ إِبْهَامَهُ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يُرْدِفَهُ اسْمَ جِنْسٍ، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ يَتَّصِفُ بِهِ حَتَّى يَحْصُلَ الْمَقْصُودُ بِالنِّدَاءِ فَالَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ حَرْفُ النِّدَاءِ هُوَ أَيْ والاسم
التَّابِعُ لَهُ صِفَةٌ كَقَوْلِكَ يَا زَيْدُ الظَّرِيفَ إِلَّا أَنَّ أَيَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ اسْتِقْلَالَ زَيْدٍ فَلَمْ يَنْفَكَّ عَنِ الصِّفَةِ وَمَوْصُوفِهَا وَأَمَّا كَلِمَةُ التَّنْبِيهِ الْمُقْحَمَةُ بَيْنَ الصِّفَةِ وَمَوْصُوفِهَا فَفِيهَا فَائِدَتَانِ: الْأُولَى: مُعَاضَدَةُ حَرْفِ النِّدَاءِ بِتَأْكِيدِ مَعْنَاهُ. وَالثَّانِيَةُ: وُقُوعُهَا عِوَضًا/ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ أَيْ مِنَ الْإِضَافَةِ وَإِنَّمَا كَثُرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى النِّدَاءُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِاسْتِقْلَالِهِ بِهَذِهِ التَّأْكِيدَاتِ وَالْمُبَالَغَاتِ فَإِنَّ كُلَّ مَا نَادَى اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عِبَادَهُ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَاقْتِصَاصِ أَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِأُمُورٍ عِظَامٍ، وَأَشْيَاءَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَمِعِينَ أَنْ يَتَيَقَّظُوا لَهَا مَعَ أَنَّهُمْ غَافِلُونَ عَنْهَا، فَلِهَذَا وَجَبَ أَنْ يُنَادَوْا بِالْأَبْلَغِ الآكد. المسألة السادسة: اعلم أن قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ كُلَّ النَّاسِ بِالْعِبَادَةِ فَلَوْ خَرَجَ الْبَعْضُ عَنْ هَذَا الْخِطَابِ لَكَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لِلْعُمُومِ. وهاهنا أَبْحَاثٌ. الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِلَامِ التَّعْرِيفِ يُفِيدُ الْعُمُومَ، وَالْخِلَافُ فِيهِ مَعَ الْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي هَاشِمٍ، لَنَا أَنَّهُ يَصِحُّ تَأْكِيدُهُ بِمَا يُفِيدُ الْعُمُومَ كَقَوْلِهِ: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الْحِجْرِ: 15] وَلَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ فِي أَصْلِهِ لِلْعُمُومِ لَمَا كَانَ قَوْلُهُ: كُلُّهُمْ تَأْكِيدًا بَلْ بَيَانًا وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ عَنْهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ فَوَجَبَ أَنْ يُفِيدَ الْعُمُومَ وَتَمَامُ تَقْرِيرِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. الْبَحْثُ الثاني: لما ثبت أن قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ النَّاسِ الَّذِينَ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ فَهَلْ يَتَنَاوَلُ الَّذِينَ سَيُوجَدُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يتناولهم، لأن قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ: خِطَابُ مُشَافَهَةٍ وَخِطَابُ الْمُشَافَهَةِ مَعَ الْمَعْدُومِ لَا يَجُوزُ، وَأَيْضًا فَالَّذِينَ سَيُوجَدُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَمَا لَا يَكُونُ مَوْجُودًا لَا يَكُونُ إِنْسَانًا وَمَا لَا يَكُونُ إِنْسَانًا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: يا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنْ قِيلَ: فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْخِطَابَاتِ الَّذِينَ وُجِدُوا بَعْدَ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ قَطْعًا. قُلْنَا: لَوْ لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ لَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّا عَرَفْنَا بِالتَّوَاتُرِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ تِلْكَ الْخِطَابَاتِ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّ مَنْ سَيُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ فَلِهَذِهِ الدَّلَالَةِ الْمُنْفَصِلَةِ حَكَمْنَا بالعموم. البحث الثالث: قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ أَمْرٌ لِلْكُلِّ بِالْعِبَادَةِ فَهَلْ يُفِيدُ أَمْرُ الْكُلِّ بِكُلِّ عِبَادَةٍ؟ الْحَقُّ لَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ اعْبُدُوا مَعْنَاهُ ادْخُلُوا هَذِهِ الْمَاهِيَّةَ فِي الْوُجُودِ، فَإِذَا أَتَوْا بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَاهِيَّةِ فِي الْوُجُودِ فَقَدْ أَدْخَلُوا الْمَاهِيَّةَ فِي الْوُجُودِ لِأَنَّ الْفَرْدَ مِنْ أَفْرَادِ الْمَاهِيَّةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْمَاهِيَّةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعِبَادَةِ مَعَ قَيْدِ كَوْنِهَا هَذِهِ وَمَتَى وُجِدَ الْمُرَكَّبَ فَقَدْ وُجِدَ قَيْدَاهُ، فَالْآتِي بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعِبَادَةِ آتٍ بِالْعِبَادَةِ، وَالْآتِي بِالْعِبَادَةِ آتٍ بِتَمَامِ مَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ: اعْبُدُوا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ خُرُوجُهُ عَنِ الْعُهْدَةِ فَإِنْ أَرَدْنَا أَنْ نَجْعَلَهُ دَالًّا عَلَى الْعُمُومِ نَقُولُ: الْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ كَوْنِهَا عِبَادَةً لِأَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِعَلِيَّةِ الْوَصْفِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْوَصْفُ مناسباً للحكم، وهاهنا كَوْنُ الْعِبَادَةِ عِبَادَةً يُنَاسِبُ الْأَمْرَ بِهَا، لِمَا أَنَّ الْعِبَادَةَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِظْهَارِ الْخُضُوعِ لَهُ وَكُلُّ ذَلِكَ مُنَاسِبٌ فِي الْعُقُولِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كَوْنَهُ عِبَادَةً عِلَّةٌ لِلْأَمْرِ بِهَا وَجَبَ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهَا، لِأَنَّهُ أَيْنَمَا حَصَلَتِ الْعِلَّةُ وَجَبَ حُصُولُ الْحُكْمِ لَا مَحَالَةَ. الْبَحْثُ الرَّابِعُ: لقائل أن يقول: قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا لَا يَتَنَاوَلُ الْكُفَّارَ أَلْبَتَّةَ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُمْكِنُ أَنْ/ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِالْإِيمَانِ، وَإِذَا امْتَنَعَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِالْعِبَادَةِ، أَمَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِالْإِيمَانِ فَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَهُ حَالَ كَوْنِهِ غَيْرَ عَارِفٍ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَالَ كَوْنِهِ عَارِفًا بِاللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا إِنْ تَنَاوَلَهُ حَالَ كَوْنِهِ غَيْرَ عَارِفٍ بِاللَّهِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْعِلْمَ
بِالصِّفَةِ مَعَ الْجَهْلِ بِالذَّاتِ مُحَالٌ فَلَوْ تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَكَانَ قَدْ تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ فِي حَالٍ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ أَنْ يَعْرِفَ كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَإِنْ تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرِفَةِ حَالَ كونه عارفاً بالله فذالك مُحَالٌ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ. فَثَبَتَ أَنَّ الْكَافِرَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِتَحْصِيلِ الْمَعْرِفَةِ، وَإِذَا اسْتَحَالَ ذَلِكَ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ مُحَالٌ لِأَنَّ عِبَادَةَ مَنْ لَا يَعْرِفُ مُمْتَنِعَةٌ أَوْ يُؤْمَرُ بِالْعِبَادَةِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ إِلَّا أَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ مَوْقُوفًا عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرِفَةِ فَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرِفَةِ مُمْتَنِعًا كَانَ الْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ أَيْضًا مُمْتَنِعًا، وَأَيْضًا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخِطَابُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَأَمْرُهُمْ بِالْعِبَادَةِ يَكُونُ أَمْرًا بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَالْجَوَابُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ الْمَعْرِفَةِ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالزَّكَاةِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ مِلْكِ النِّصَابِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمَعَارِفَ ضَرُورِيَّةٌ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمَعَارِفَ لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً فَقَالَ: الْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ حَاصِلٌ، وَالْعِبَادَةُ لَا تُمْكِنُ إِلَّا بِالْمَعْرِفَةِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِمَا هُوَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ، كَمَا أَنَّ الطَّهَارَةَ إِذَا لَمْ تَصِحَّ إِلَّا بِإِحْضَارِ الْمَاءِ كَانَ إِحْضَارُ الْمَاءِ وَاجِبًا، وَالدَّهْرِيُّ لَا يَصِحُّ مِنْهُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ إِلَّا بِتَقْدِيمِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَوَجَبَتْ، وَالْمُحْدِثُ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِتَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ فَوَجَبَتْ، وَالْمُودِعُ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّ الْوَدِيعَةِ إِلَّا بِالسَّعْيِ إِلَيْهَا، فَكَانَ السعي واجباً، فكذا هاهنا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ مُخَاطَبًا بِالْعِبَادَةِ وَشَرْطُ الْإِتْيَانِ بِهَا الْإِتْيَانُ بِالْإِيمَانِ أَوَّلًا ثُمَّ الْإِتْيَانُ بِالْعِبَادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. بَقِيَ لَهُمْ: الْأَمْرُ بِتَحْصِيلِ الْمَعْرِفَةِ مُحَالٌ، قُلْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَقْصَاةٌ فِي الأصول والذي نقول هاهنا إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَإِنْ تَمَّ فِي كُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ يَكُونُ اللَّهُ آمِرًا عَلَى الْعِلْمِ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجْرِي فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ. فَلِمَ لَا يَجُوزُ وُرُودُ الْأَمْرِ بِذَلِكَ؟ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أن يقال هذا الأمر يتناول الْمُؤْمِنِينَ؟ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ أَمْرًا بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ، قُلْنَا لَمَّا تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَنَحْمِلُهُ إِمَّا عَلَى الْأَمْرِ بِالِاسْتِمْرَارِ عَلَى الْعِبَادَةِ أَوْ عَلَى الْأَمْرِ بِالِازْدِيَادِ مِنْهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْعِبَادَةِ عِبَادَةٌ، فَصَحَّ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: «اعْبُدُوا» بِالزِّيَادَةِ فِي الْعِبَادَةِ. الْبَحْثُ الْخَامِسُ: قَالَ مُنْكِرُو التَّكْلِيفِ: لَا يَجُوزُ وُرُودُ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّكْلِيفِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّكْلِيفَ إِمَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ عَلَى الْعَبْدِ حَالَ اسْتِوَاءِ دَوَاعِيهِ إِلَى الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ أَوْ حَالَ رُجْحَانِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ مُحَالٌ، لِأَنَّ فِي حَالِ الِاسْتِوَاءِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ التَّرْجِيحِ لِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ يُنَاقِضُ التَّرْجِيحَ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَالٌ وَالتَّكْلِيفُ بِالْفِعْلِ حَالَ اسْتِوَاءِ الدَّاعِيِينَ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَالرَّاجِحُ وَاجِبُ الْوُقُوعِ، لِأَنَّ الْمَرْجُوحَ حَالَ مَا كَانَ مُسَاوِيًا لِلرَّاجِحِ كَانَ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، وَإِلَّا فَقَدْ/ وَقَعَ الْمُمْكِنُ لَا عَنْ مُرَجِّحٍ، وَإِذَا كَانَ حَالُ الِاسْتِوَاءِ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ فَبِأَنْ يَصِيرَ حَالَ الْمَرْجُوحِيَّةِ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ أَوْلَى وَإِذَا كَانَ الْمَرْجُوحُ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ كَانَ الرَّاجِحُ وَاجِبَ الْوُقُوعِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا خُرُوجَ عَنِ النَّقِيضَيْنِ إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالتَّكْلِيفُ إِنْ وَقَعَ بِالرَّاجِحِ كَانَ التَّكْلِيفُ تَكْلِيفًا بِإِيجَادِ مَا يَجِبُ وُقُوعُهُ، وَإِنْ وَقَعَ بِالْمَرْجُوحِ كَانَ التَّكْلِيفُ تَكْلِيفًا بِمَا يَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ، وَكِلَاهُمَا تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الَّذِي وَرَدَ بِهِ التَّكْلِيفُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ فِي الْأَزَلِ وُقُوعَهُ، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَا هَذَا وَلَا ذَاكَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ كَانَ وَاجِبُ الْوُقُوعِ مُمْتَنِعَ الْعَدَمِ فَلَا فَائِدَةَ فِي وُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ، وَإِنْ عُلِمَ لَا وُقُوعُهُ كَانَ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ وَاجِبَ الْعَدَمِ، فَكَانَ الْأَمْرُ بِإِيقَاعِهِ أَمْرًا بِإِيقَاعِ الْمُمْتَنِعِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ لَا هَذَا وَلَا ذَاكَ كَانَ ذَلِكَ قَوْلًا بِالْجَهْلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُحَالٌ، وَلِأَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ الْمُطِيعُ عَنِ الْعَاصِي، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ فِي الطَّاعَةِ فَائِدَةٌ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ وُرُودَ الْأَمْرِ بِالتَّكَالِيفِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ أَوْ لَا لِفَائِدَةٍ، فَإِنْ كَانَ لِفَائِدَةٍ فَهِيَ إِمَّا عَائِدَةٌ إِلَى
الْمَعْبُودِ أَوْ إِلَى الْعَابِدِ أَمَّا إِلَى الْمَعْبُودِ فَمُحَالٌ لِأَنَّهُ كَامِلٌ لِذَاتِهِ، وَالْكَامِلُ لِذَاتِهِ لَا يَكُونُ كَامِلًا بِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْإِلَهَ الْعَالِيَ عَلَى الدَّهْرِ وَالزَّمَانِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِرُكُوعِ الْعَبْدِ وَسُجُودِهِ، وَأَمَّا إِلَى الْعَابِدِ فَمُحَالٌ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْفَوَائِدِ مَحْصُورَةٌ فِي حُصُولِ اللَّذَّةِ وَدَفْعِ الْأَلَمِ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِ كُلِّ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ هَذِهِ الْمَشَاقِّ فَيَكُونُ تَوَسُّطُهَا عَبَثًا، وَالْعَبَثُ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى الْحَكِيمِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ لِأَفْعَالِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِتَفَاصِيلِهَا وَمَنْ لَا يَعْلَمُ تَفَاصِيلَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ مُوجِدًا لَهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَبْدُ مُوجِدًا لِأَفْعَالِ نَفْسِهِ فَإِنَّ أَمْرَهُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ حَالَ مَا خَلَقَهُ فِيهِ فَقَدْ أَمَرَهُ بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ حَالَ مَا لَمْ يَخْلُقْهُ فِيهِ فَقَدْ أَمَرَهُ بِالْمُحَالِ وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّكْلِيفِ إِنَّمَا هُوَ تَطْهِيرُ الْقَلْبِ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ ظَوَاهِرُ الْقُرْآنِ فَلَوْ قَدَّرْنَا إِنْسَانًا مُشْتَغِلَ الْقَلْبِ دَائِمًا بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِحَيْثُ لَوِ اشْتَغَلَ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ لَصَارَ ذَلِكَ عَائِقًا لَهُ عَنِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ هَذِهِ التَّكَالِيفُ الظَّاهِرَةُ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ وَالْقِيَاسِيِّينَ قَالُوا إِذَا لَاحَ الْمَقْصُودُ وَالْحِكْمَةُ فِي التَّكَالِيفِ وَجَبَ اتِّبَاعُ الْأَحْكَامِ الْمَعْقُولَةِ لَا اتِّبَاعُ الظواهر. والجواب: عن الشبه الثلاثة الأول مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الشُّبَهِ أَوْجَبُوا بِمَا ذَكَرُوهُ اعْتِقَادَ عَدَمِ التَّكَالِيفِ فَهَذَا تَكْلِيفٌ يَنْفِي التَّكْلِيفَ وَأَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ. الثَّانِي: أَنَّ عِنْدَنَا يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كُلُّ شَيْءٍ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ أَوْ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى خَالِقٌ مَالِكٌ، وَالْمَالِكُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهِ. الْبَحْثُ السَّادِسُ: قَالُوا: الْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ وَإِنْ كَانَ عَامًّا لِكُلِّ النَّاسِ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَفْهَمُ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْغَافِلِ وَالنَّاسِي، وَفِي حَقِّ مَنْ لَا يَقْدِرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [الْبَقَرَةِ: 233] . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي حَقِّ الْعَبِيدِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ طَاعَةَ مَوَالِيهِمْ، وَاشْتِغَالُهُمْ بِطَاعَةِ الْمَوَالِي يَمْنَعُهُمْ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَةِ، وَالْأَمْرُ الدَّالُّ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ الْمَوْلَى/ أَخَصُّ مِنَ الْأَمْرِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ الْعِبَادَةِ وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَالَ الْقَاضِي: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ وُجُودِ الْعِبَادَةِ مَا بَيَّنَهُ مِنْ خَلْقِهِ لَنَا وَالْإِنْعَامِ عَلَيْنَا. وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَحِقُّ بِفِعْلِهِ الثَّوَابَ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ خَلْقُهُ إِيَّانَا وَإِنْعَامُهُ عَلَيْنَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْعِبَادَةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ اشْتِغَالُنَا بِالْعِبَادَةِ أَدَاءً لِلْوَاجِبِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَسْتَحِقُّ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ شَيْئًا فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ الْعَبْدُ عَلَى الْعِبَادَةِ ثَوَابًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَمَّا قَوْلُهُ: رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَمَرَ بِعِبَادَةِ الرَّبِّ أَرْدَفَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَهُوَ خَلْقُ الْمُكَلَّفِينَ وَخَلْقُ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَطَعَنَ قَوْمٌ مِنَ الْحَشْوِيَّةِ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَقَالُوا الِاشْتِغَالُ بِهَذَا الْعِلْمِ بِدْعَةٌ وَلَنَا في إثبات مذهبنا وجوه نقلية وعقلية وهاهنا ثَلَاثُ مَقَامَاتٍ: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ فَضْلِ هَذَا الْعِلْمِ وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ بِشَرَفِ الْمَعْلُومِ فَمَهْمَا كَانَ الْمَعْلُومُ أَشْرَفَ كَانَ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِهِ أَشْرَفَ فَلَمَّا كَانَ أَشْرَفَ الْمَعْلُومَاتِ ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ أَشْرَفَ الْعُلُومِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْعِلْمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ دِينِيًّا أَوْ غَيْرَ دِينِيٍّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِلْمَ الدِّينِيَّ أَشْرَفُ مِنْ غَيْرِ الدِّينِيِّ، وَأَمَّا الْعِلْمُ الدِّينِيُّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ عِلْمَ الْأُصُولِ، أَوْ مَا عَدَاهُ، أَمَّا مَا عَدَاهُ فَإِنَّهُ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى عِلْمِ الْأُصُولِ، لِأَنَّ الْمُفَسِّرَ إِنَّمَا يَبْحَثُ عَنْ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ فَرْعٌ عَلَى وُجُودِ
الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَمَّا الْمُحَدِّثُ فَإِنَّمَا يَبْحَثُ عَنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ فَرْعٌ عَلَى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْفَقِيهُ إِنَّمَا يَبْحَثُ عَنْ أَحْكَامِ اللَّهِ، وَذَلِكَ فَرْعٌ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْعُلُومَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عِلْمَ الْأُصُولِ غَنِيٌّ عَنْهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ الْأُصُولِ أَشْرَفَ الْعُلُومِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ شَرَفَ الشَّيْءِ قَدْ يَظْهَرُ بِوَاسِطَةِ خَسَاسَةِ ضِدِّهِ، فَكُلَّمَا كَانَ ضِدُّهُ أَخَسَّ كَانَ هُوَ أَشْرَفَ وَضِدُّ عِلْمِ الْأُصُولِ هُوَ الْكُفْرُ وَالْبِدْعَةُ، وَهُمَا مِنْ أَخَسِّ الْأَشْيَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ الْأُصُولِ أَشْرَفَ الْأَشْيَاءِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ شَرَفَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِشَرَفِ مَوْضُوعِهِ وَقَدْ يَكُونُ لِأَجْلِ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ لِقُوَّةِ بَرَاهِينِهِ، وَعِلْمُ الْأُصُولِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْكُلِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ عِلْمَ الْهَيْئَةِ أَشْرَفُ مِنْ عِلْمِ الطِّبِّ نَظَرًا إِلَى أَنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْهَيْئَةِ أَشْرَفُ مِنْ مَوْضُوعِ عِلْمِ الطِّبِّ، وَإِنْ كَانَ الطِّبُّ أَشْرَفَ مِنْهُ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الطِّبِّ أَكْثَرُ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى الْهَيْئَةِ، وَعِلْمُ الْحِسَابِ أَشْرَفُ مِنْهُمَا نَظَرًا إِلَى أَنَّ بَرَاهِينَ عِلْمِ الْحِسَابِ أَقْوَى. أَمَّا عِلْمُ الْأُصُولِ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ مَعْرِفَةُ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَمَعْرِفَةُ أَقْسَامِ الْمَعْلُومَاتِ مِنَ الْمَعْدُومَاتِ وَالْمَوْجُودَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ أَشْرَفَ الْأُمُورِ، وَأَمَّا الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فَشَدِيدَةٌ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِمَّا فِي الدِّينِ أَوْ فِي الدُّنْيَا، أَمَّا فِي الدِّينِ فَشَدِيدَةٌ لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ اسْتَوْجَبَ الثَّوَابَ الْعَظِيمَ وَالْتَحَقَ بِالْمَلَائِكَةِ، وَمَنْ جَهِلَهَا/ اسْتَوْجَبَ الْعِقَابَ الْعَظِيمَ وَالْتَحَقَ بِالشَّيَاطِينِ. وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلِأَنَّ مَصَالِحَ الْعَالَمِ إِنَّمَا تَنْتَظِمُ عِنْدَ الْإِيمَانِ بِالصَّانِعِ وَالْبَعْثِ وَالْحَشْرِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْإِيمَانُ لَوَقَعَ الْهَرَجُ وَالْمَرَجُ فِي الْعَالَمِ، وَأَمَّا قُوَّةُ الْبَرَاهِينِ فَبَرَاهِينُ هَذَا الْعِلْمِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً مِنْ مُقَدِّمَاتٍ يَقِينِيَّةٍ تَرْكِيبًا يَقِينِيًّا وَهَذَا هُوَ النِّهَايَةُ فِي الْقُوَّةِ فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ مُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ جِهَاتِ الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ الْعُلُومِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ النَّسْخُ وَلَا التَّغْيِيرُ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ وَالنَّوَاحِي بِخِلَافِ سَائِرِ الْعُلُومِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ الْعُلُومِ. وَسَادِسُهَا: أَنَّ الْآيَاتِ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى مَطَالِبِ هَذَا الْعِلْمِ وَبَرَاهِينِهَا أَشْرَفُ مِنَ الْآيَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَطَالِبِ الْفِقْهِيَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَاءَ فِي فَضِيلَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الْإِخْلَاصِ: 1] وآمَنَ الرَّسُولُ [البقرة: 285] وآية الكرسي ما لم يجيء مثله في فضيلة قوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة: 222] وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ [الْبَقَرَةِ: 282] وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ أَفْضَلُ. وَسَابِعُهَا: أَنَّ الْآيَاتِ الْوَارِدَةَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَقَلُّ مِنْ سِتِّمِائَةِ آيَةٍ، وَأَمَّا الْبَوَاقِي فَفِي بَيَانِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَأَصْنَافِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الْآيَاتُ الْوَارِدَةُ فِي الْقَصَصِ فَالْمَقْصُودُ مِنْهَا مَعْرِفَةُ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ عَلَى مَا قَالَ: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يُوسُفَ: 111] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ أَفْضَلُ، وَنُشِيرُ إِلَى مَعَاقِدِ الدَّلَائِلِ: أَمَّا الَّذِي يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ فَالْقُرْآنُ مملوء منه. أولها: ما ذكر هاهنا مِنَ الدَّلَائِلِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ خَلْقُ الْمُكَلَّفِينَ وَخَلْقُ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَخَلْقُ السَّمَاءِ وَخَلْقُ الْأَرْضِ، وَخَلْقُ الثَّمَرَاتِ مِنَ الْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ عَجَائِبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الصِّفَاتِ. أَمَّا الْعِلْمُ فَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ [آلِ عِمْرَانَ: 5، 6] وَهَذَا هُوَ عَيْنُ دَلِيلِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَإِنَّهُمْ يَسْتَدِلُّونَ بِأَحْكَامِ الْأَفْعَالِ وَإِتْقَانِهَا عَلَى عِلْمِ الصانع، وهاهنا اسْتَدَلَّ الصَّانِعُ سُبْحَانَهُ بِتَصْوِيرِ الصُّوَرِ فِي الْأَرْحَامِ عَلَى كَوْنِهِ عَالِمًا بِالْأَشْيَاءِ، وَقَالَ: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الْمُلْكِ: 14] وَهُوَ عَيْنُ تِلْكَ الدَّلَالَةِ وَقَالَ: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [الْأَنْعَامِ: 59] وَذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى عَالِمًا بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى مُخْبِرٌ عَنِ الْمُغَيَّبَاتِ فَتَقَعُ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ الْخَبَرِ، فَلَوْلَا كَوْنُهُ
عَالِمًا بِالْمُغَيَّبَاتِ وَإِلَّا لَمَا وَقَعَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا صِفَةُ الْقُدْرَةِ فَكُلُّ مَا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُدُوثِ الثِّمَارِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْحَيَوَانَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مَعَ اسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ فَذَاكَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ قَادِرًا مُخْتَارًا لَا مُوجَبًا بِالذَّاتِ، وَأَمَّا التَّنْزِيهُ فَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَلَا فِي مَكَانٍ قَوْلُهُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَإِنَّ الْمُرَكَّبَ مُفْتَقِرٌ إِلَى أَجْزَائِهِ وَالْمُحْتَاجَ مُحْدَثٌ، وَإِذَا كَانَ أَحَدًا وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونُ جِسْمًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ جِسْمًا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَكَانِ، وَأَمَّا التَّوْحِيدُ فَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا وَ [الْأَنْبِيَاءِ: 22] قَوْلُهُ: إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الْإِسْرَاءِ: 42] وَقَوْلُهُ: وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ [الْمُؤْمِنُونَ: 91] وَأَمَّا النُّبُوَّةُ فالذي يدل عليها قوله هاهنا: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [الْبَقَرَةِ: 23] وَأَمَّا الْمَعَادُ فَقَوْلُهُ: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: 79] وَأَنْتَ لَوْ فَتَّشْتَ عِلْمَ/ الْكَلَامِ لَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا تَقْرِيرَ هَذِهِ الدَّلَائِلِ وَالذَّبَّ عَنْهَا وَدَفْعَ الْمَطَاعِنِ وَالشُّبُهَاتِ الْقَادِحَةِ فِيهَا، أَفَتَرَى أَنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ يُذَمُّ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى هَذِهِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ أَوْ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى دَفْعِ الْمَطَاعِنِ وَالْقَوَادِحِ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ مَا أَرَى أَنَّ عَاقِلًا مُسْلِمًا يَقُولُ ذَلِكَ ويرضى به. وثامنها: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَى الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ عَنِ الْمَلَائِكَةِ وَأَكْثَرِ الْأَنْبِيَاءِ أَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَلِأَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [الْبَقَرَةِ: 30] كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ خَلْقَ مِثْلِ هَذَا الشَّيْءِ قَبِيحٌ، وَالْحَكِيمُ لَا يَفْعَلُ الْقَبِيحَ، فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَالْمُرَادُ إِنِّي لَمَّا كُنْتُ عَالِمًا بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ كُنْتُ قَدْ عَلِمْتُ فِي خَلْقِهِمْ وَتَكْوِينِهِمْ حِكْمَةً لَا تَعْلَمُونَهَا أَنْتُمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُنَاظَرَةُ، وَأَمَّا مُنَاظَرَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ إِبْلِيسَ فَهِيَ أَيْضًا ظَاهِرَةٌ وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فَأَوَّلُهُمْ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى حُجَّتَهُ عَلَى فَضْلِهِ بِأَنْ أَظْهَرَ عِلْمَهُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَذَلِكَ مَحْضُ الِاسْتِدْلَالِ، وَأَمَّا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَدْ حَكَى اللَّهُ تعالى عن الكفار قولهم: يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [هُودٍ: 32] وَمَعْلُومٌ أَنَّ تِلْكَ الْمُجَادَلَةَ مَا كَانَتْ فِي تَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بَلْ كَانَتْ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، فَالْمُجَادَلَةُ فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ فِي هَذَا الْعِلْمِ هِيَ حِرْفَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَالِاسْتِقْصَاءُ فِي شَرْحِ أَحْوَالِهِ فِي هَذَا الْبَابِ يَطُولُ وَلَهُ مَقَامَاتٌ: أَحَدُهَا: مَعَ نَفْسِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الْأَنْعَامِ: 76] وَهَذَا هُوَ طَرِيقَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِتَغَيُّرِهَا عَلَى حُدُوثِهَا، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ [الْأَنْعَامِ: 83] وَثَانِيهَا: حَالُهُ مع أبيه وهو قوله: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [مَرْيَمَ: 42] وَثَالِثُهَا: حَالُهُ مَعَ قَوْمِهِ تَارَةً بِالْقَوْلِ وَأُخْرَى بِالْفِعْلِ، أَمَّا بِالْقَوْلِ فَقَوْلُهُ: مَا هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 52] وَأَمَّا بِالْفِعْلِ فَقَوْلُهُ: فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 58] . وَرَابِعُهَا: حَالُهُ مَعَ مَلِكِ زَمَانِهِ فِي قَوْلِهِ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [الْبَقَرَةِ: 258] إِلَى آخِرِهِ وَكُلُّ مَنْ سَلِمَتْ فِطْرَتُهُ عَلِمَ أَنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ لَيْسَ إِلَّا تَقْرِيرَ هَذِهِ الدَّلَائِلِ وَدَفْعَ الْأَسْئِلَةِ وَالْمُعَارَضَاتِ عَنْهَا، فَهَذَا كُلُّهُ بَحْثُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَبْدَأِ، وَأَمَّا بَحْثُهُ فِي الْمَعَادِ فَقَالَ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [الْبَقَرَةِ: 26] إِلَى آخِرِهِ وَأَمَّا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَانْظُرْ إِلَى مُنَاظَرَتِهِ مَعَ فِرْعَوْنَ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، أَمَّا التَّوْحِيدُ فَاعْلَمْ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا يُعَوِّلُ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ عَلَى دَلَائِلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَى في سوطه طه: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يَا مُوسى قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طَه: 49، 50] وَهَذَا هُوَ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشُّعَرَاءِ: 78] وَقَالَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ
الْأَوَّلِينَ [الشُّعَرَاءِ: 26] وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَلَمَّا لَمْ يَكْتَفِ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ وَطَالَبَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ قَالَ مُوسَى: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [الشُّعَرَاءِ: 28] وهذا هو الذي قال إبراهيم عليه السلام فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: 258] فَهَذَا يُنَبِّهُكَ عَلَى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الدَّلَائِلِ حِرْفَةُ هَؤُلَاءِ الْمَعْصُومِينَ وَأَنَّهُمْ كَمَا اسْتَفَادُوهَا مِنْ عُقُولِهِمْ فَقَدْ تَوَارَثُوهَا مِنْ أَسْلَافِهِمُ الطَّاهِرِينَ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ مُوسَى عَلَى النُّبُوَّةِ/ بِالْمُعْجِزَةِ فَفِي قَوْلِهِ: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ [الشعراء: 30] وَهَذَا هُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْمُعْجِزَةِ عَلَى الصِّدْقِ، وَأَمَّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَاشْتِغَالُهُ بِالدَّلَائِلِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إِلَى التَّطْوِيلِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِنْهُ وَلَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُبْتَلًى بِجَمِيعِ فِرَقِ الْكُفَّارِ فَالْأَوَّلُ: الدَّهْرِيَّةُ الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الْجَاثِيَةِ: 24] وَاللَّهُ تَعَالَى أَبْطَلَ قَوْلَهُمْ بِأَنْوَاعِ الدَّلَائِلِ. وَالثَّانِي: الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَبْطَلَ قَوْلَهُمْ بِحُدُوثِ أَنْوَاعِ النَّبَاتِ وَأَصْنَافِ الْحَيَوَانَاتِ مَعَ اشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي الطَّبَائِعِ وَتَأْثِيرَاتِ الْأَفْلَاكِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْقَادِرِ. وَالثَّالِثُ: الَّذِينَ أَثْبَتُوا شَرِيكًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ الشَّرِيكُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عُلْوِيًّا أَوْ سُفْلِيًّا، أَمَّا الشَّرِيكُ الْعُلْوِيُّ فَمِثْلُ مَنْ جَعَلَ الْكَوَاكِبَ مُؤَثِّرَةً فِي هَذَا الْعَالَمِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَبْطَلَهُ بِدَلِيلِ الْخَلِيلِ فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَأَمَّا الشَّرِيكُ السُّفْلِيُّ فَالنَّصَارَى قَالُوا بِإِلَاهِيَّةِ الْمَسِيحِ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ قَالُوا: بِإِلَاهِيَّةِ الْأَوْثَانِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَكْثَرَ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ. الرَّابِعُ: الَّذِينَ طَعَنُوا فِي النُّبُوَّةِ وَهُمْ فَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: الَّذِينَ طَعَنُوا فِي أَصْلِ النُّبُوَّةِ وَهُمُ الَّذِينَ حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [الْإِسْرَاءِ: 94] . وَالثَّانِي: الَّذِينَ سَلَّمُوا أَصْلَ النُّبُوَّةِ وَطَعَنُوا فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّ طَعْنَهُمْ مِنْ وُجُوهٍ تَارَةً بِالطَّعْنِ فِي الْقُرْآنِ فَأَجَابَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً [الْبَقَرَةِ: 26] وَتَارَةً بِالْتِمَاسِ سَائِرِ الْمُعْجِزَاتِ كَقَوْلِهِ: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الْإِسْرَاءِ: 90] وَتَارَةً بِأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ نَجْمًا نَجْمًا وَذَلِكَ يُوجِبُ تَطَرُّقَ التُّهْمَةِ إِلَيْهِ فَأَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [الْفُرْقَانِ: 32] . الْخَامِسُ: الَّذِينَ نَازَعُوا فِي الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَوْرَدَ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ وَعَلَى إِبْطَالِ قَوْلِ الْمُنْكِرِينَ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ الدَّلَائِلِ. السَّادِسُ: الَّذِينَ طَعَنُوا فِي التَّكْلِيفِ تَارَةً بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَأَجَابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الْإِسْرَاءِ: 7] وَتَارَةً بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْجَبْرُ، وَأَنَّهُ يُنَافِي صِحَّةَ التَّكْلِيفِ، وَأَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِأَنَّهُ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 23] وَإِنَّمَا اكْتَفَيْنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ بِهَذِهِ الْإِشَارَاتِ الْمُخْتَصَرَةِ لِأَنَّ الِاسْتِقْصَاءَ فِيهَا مَذْكُورٌ فِي جُمْلَةِ هَذَا الْكِتَابِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْحِرْفَةَ هِيَ حِرْفَةُ كُلِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلِمْنَا أَنَّ الطَّاعِنَ فِيهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ جَاهِلًا. الْمَقَامُ الثَّانِي: فِي بَيَانِ أَنَّ تَحْصِيلَ هَذَا الْعِلْمِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْقُولُ وَالْمَنْقُولُ. أَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ تَقْلِيدُ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ الْبَاقِي، فَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ تَقْلِيدُ الْكُلِّ فَيَلْزَمُنَا تَقْلِيدُ الْكُفَّارِ، وَإِمَّا أَنْ يُوجَبَ تَقْلِيدُ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَصِيرَ الرَّجُلُ مُكَلَّفًا بِتَقْلِيدِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى أَنَّهُ لِمَ قَلَّدَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَجُوزَ التَّقْلِيدُ أَصْلًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَإِذَا بَطَلَ التَّقْلِيدُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا هَذِهِ الطَّرِيقَةُ النَّظَرِيَّةُ. وَأَمَّا الْمَنْقُولُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ أَمَّا الْآيَاتُ. فَأَحَدُهَا: قَوْلُهُ: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النَّحْلِ: 125] وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ بِالْحِكْمَةِ أَيْ بِالْبُرْهَانِ وَالْحُجَّةِ، فَكَانَتِ الدَّعْوَةُ/ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَأْمُورًا بِهَا، وَقَوْلُهُ: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمُجَادَلَةَ فِي فُرُوعِ
الشَّرْعِ لِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ نُبُوَّتَهُ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْخَوْضِ مَعَهُ فِي تَفَارِيعِ الشَّرْعِ، وَمَنْ أَثْبَتَ نُبُوَّتَهُ فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُهُ، فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذَا الْجِدَالَ كَانَ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، فَكَانَ الْجِدَالُ فِيهِ مَأْمُورًا بِهِ ثُمَّ إِنَّا مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْلِهِ: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آلِ عِمْرَانَ: 31] وَلِقَوْلِهِ: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الْأَحْزَابِ: 21] فَوَجَبَ كَوْنُنَا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ الْجِدَالِ. وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الْحَجِّ: 3، 8 لُقْمَانَ: 20] ذَمُّ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُجَادِلَ بِالْعِلْمِ لَا يَكُونُ مَذْمُومًا بَلْ يَكُونُ مَمْدُوحًا وَأَيْضًا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نُوحٍ فِي قوله: يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [هُودٍ: 32] وَثَالِثُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالنَّظَرِ فَقَالَ: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النِّسَاءِ: 82] ، أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الْغَاشِيَةِ: 17] ، سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [فُصِّلَتْ: 53] ، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها [الرَّعْدِ: 41] ، قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [يُونُسَ: 101] ، أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَرَابِعُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ التَّفَكُّرَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ فَقَالَ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ [الزُّمَرِ: 21] ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ [آلِ عِمْرَانَ: 13] ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى [طه: 54، 128] وأٌضاً ذَمَّ الْمُعْرِضِينَ فَقَالَ: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ [يُوسُفَ: 105] ، لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِها [الْأَعْرَافِ: 179] وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ التَّقْلِيدَ، فَقَالَ حِكَايَةً عن الكفار إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزُّخْرُفِ: 23] وَقَالَ: بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا [لُقْمَانَ: 21] وَقَالَ: بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ [الشُّعَرَاءِ: 74] وَقَالَ: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [الْفُرْقَانِ: 42] وَقَالَ عَنْ وَالِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مريم: 46] وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالتَّفَكُّرِ وَذَمِّ التَّقْلِيدِ فَمَنْ دَعَا إِلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، كَانَ عَلَى وَفْقِ الْقُرْآنِ وَدِينِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنْ دَعَا إِلَى التَّقْلِيدِ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْقُرْآنِ وَعَلَى وِفَاقِ دِينِ الْكُفَّارِ. وَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَفِيهَا كَثْرَةٌ، وَلْنَذْكُرْ مِنْهَا وُجُوهًا: أَحَدُهَا: مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ إِنَّ امْرَأَتِي وَضَعَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ فَقَالَ لَهُ هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ، فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا قَالَ حُمْرٌ قَالَ: فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنَّى ذَلِكَ، قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ نَزَعَهُ عِرْقٌ قَالَ: وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ» وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ التَّمَسُّكُ بِالْإِلْزَامِ وَالْقِيَاسِ. وَثَانِيهَا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي. أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ خَلْقِهِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ» فَانْظُرْ كَيْفَ احْتَجَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِعَادَةِ، وَفِي الْمَقَامِ الثَّانِي احْتَجَّ بِالْأَحَدِيَّةِ عَلَى نَفْيِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْوَالِدِيَّةِ وَالْمَوْلُودِيَّةِ. وَثَالِثُهَا: رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ/ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَكْرَهُ الْمَوْتَ فَذَاكَ كَرَاهَتُنَا لِقَاءَ اللَّهِ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:» لَا وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهَ لِقَاءَهُ، وَالْكَافِرَ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ فَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ وَالْفِكْرَ فِي الدَّلَائِلِ مَأْمُورٌ بِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْخَصْمِ مَقَامَاتٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ النَّظَرَ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. وَثَانِيهَا: أَنَّ النَّظَرَ الْمُفِيدَ لِلْعِلْمِ غَيْرُ مَقْدُورٍ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ الرَّسُولَ مَا أَمَرَ بِهِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ بِدْعَةٌ.
أما المقام الأول [أن النظر لا يفيد العلم] : فَاحْتَجَّ الْخَصْمُ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّا إِذَا تَفَكَّرْنَا وَحَصَلَ لَنَا عَقِيبَ فِكْرِنَا اعْتِقَادٌ فَعَلِمْنَا بِكَوْنِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ عِلْمًا، إِمَّا أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَأَمَّلَ فِي اعْتِقَادِهِ فِي كَوْنِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ عِلْمًا، وَفِي اعْتِقَادِهِ فِي أَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَأَنَّ الشَّمْسَ مُضِيئَةٌ وَالنَّارَ مُحْرِقَةٌ وَجَدَ الْأَوَّلَ أَضْعَفَ مِنَ الثَّانِي، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَطَرُّقَ الضَّعْفِ إِلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ الْفِكْرِ الثَّانِي كَالْكَلَامِ فِي الْأَوَّلِ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُحَالٌ. وَثَانِيهَا: أَنَّا رَأَيْنَا عَالَمًا مِنَ النَّاسِ قَدْ تَفَكَّرُوا وَاجْتَهَدُوا وَحَصَلَ لَهُمْ عَقِيبَ فِكْرِهِمُ اعْتِقَادٌ، وَكَانُوا جَازِمِينَ بِأَنَّهُ عِلْمٌ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَهْلًا فَرَجَعُوا عَنْهُ وَتَرَكُوهُ وَإِذَا شَاهَدْنَا ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِقَادُ الْحَاصِلُ ثَانِيًا كَذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ لَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِصِحَّةِ شَيْءٍ مِنَ الْعَقَائِدِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنَ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمَطْلُوبَ إِنْ كَانَ مَشْعُورًا بِهِ اسْتَحَالَ طَلَبُهُ، لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَشْعُورٍ بِهِ كَانَ الذِّهْنُ غَافِلًا عَنْهُ، وَالْمَغْفُولُ عَنْهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَوَجَّهَ الطلب إليه. ورابعها: أن العلم يكون النَّظَرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا فَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا وَجَبَ اشْتِرَاكُ الْعُقَلَاءِ فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ نَظَرِيًّا لَزِمَ إِثْبَاتُ جِنْسِ الشَّيْءِ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ وَذَلِكَ مُحَالٌ لِأَنَّ النِّزَاعَ لَمَّا وَقَعَ فِي الْمَاهِيَّةِ كَانَ وَاقِعًا فِي ذَلِكَ الْفَرْدِ أَيْضًا فَيَلْزَمُ إِثْبَاتُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ مُحَالٌ لِأَنَّهُ من حيث إنه وسيلة إلى الْإِثْبَاتِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلُ. وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَطْلُوبٌ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْلُومًا قَبْلُ، فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْمُقَدَّمَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تُنْتِجُ بَلِ الْمُنْتِجُ مَجْمُوعُ الْمُقَدَّمَتَيْنِ، لَكِنَّ حُضُورَ الْمُقَدَّمَتَيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً فِي الذِّهْنِ مُحَالٌ لِأَنَّا جَرَّبْنَا أَنْفُسَنَا فَوَجَدْنَا أَنَّا مَتَى وَجَّهْنَا الْخَاطِرَ نَحْوَ مَعْلُومٍ اسْتَحَالَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَوْجِيهُهُ نَحْوَ مَعْلُومٍ آخَرَ، وَرُبَّمَا سَلَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ النَّظَرَ فِي الْجُمْلَةِ يُفِيدُ الْعِلْمَ لَكِنَّهُ يَقُولُ النَّظَرُ في الإلاهيات لَا يُفِيدُ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِلَهِ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْحَقِيقَةُ مُتَصَوَّرَةً اسْتَحَالَ التَّصْدِيقُ لَا بِثُبُوتِهِ وَلَا بثبوته صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ. بَيَانُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَعْلُومَ عِنْدَ الْبَشَرِ كَوْنُ وَاجِبِ الْوُجُودِ مُنَزَّهًا عَنِ الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ، وَكَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ. أَمَّا الْوُجُوبُ وَالتَّنْزِيهُ فَهُوَ قَيْدٌ سَلْبِيٌّ وَلَيْسَتْ حَقِيقَتُهُ نَفْسَ هَذَا السَّلْبِ. فَلَمْ يَكُنِ الْعِلْمُ بِهَذَا السَّلْبِ عِلْمًا بِحَقِيقَتِهِ، وَأَمَّا الْمَوْصُوفِيَّةُ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ انْتِسَابِ ذَاتِهِ إِلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ وَلَيْسَتْ ذَاتُهُ نَفْسَ هَذَا الِانْتِسَابِ فَالْعِلْمُ بِهَذَا الِانْتِسَابِ لَيْسَ/ عِلْمًا بِذَاتِهِ. بَيَانُ الثَّانِي: أَنَّ التَّصْدِيقَ مَوْقُوفٌ عَلَى التَّصَوُّرِ، فَإِذَا فُقِدَ التَّصَوُّرُ امْتَنَعَ التَّصْدِيقُ، وَلَا يُقَالُ ذَاتُهُ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَصَوَّرَةً بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي لَهُ لَكِنَّهَا مُتَصَوَّرَةٌ بِحَسَبِ لَوَازِمِهَا، أَعْنِي أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ شَيْءٌ مَا، يَلْزَمُهُ الْوُجُوبُ وَالتَّنْزِيهُ وَالدَّوَامُ فَيُحْكَمُ عَلَى هَذَا الْمُتَصَوَّرِ، قُلْنَا هَذِهِ الْأُمُورُ الْمَعْلُومَةُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهَا نَفْسُ الذَّاتِ وَهُوَ مُحَالٌ أَوْ أُمُورٌ خَارِجَةٌ عَنِ الذَّاتِ فَلَمَّا لَمْ نَعْلَمِ الذَّاتَ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْلَمَ كَوْنَهَا مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَإِنْ كَانَ التَّصَوُّرُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ إِسْنَادِ هَذِهِ الصِّفَاتِ إِلَى ذَاتِهِ هُوَ أَيْضًا تَصَوُّرٌ بِحَسَبِ صِفَاتٍ أُخَرَ، فحينئذٍ يَكُونُ الْكَلَامُ فِيهِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُحَالٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ أَظْهَرَ الْأَشْيَاءِ عِنْدَنَا ذَاتُنَا وَحَقِيقَتُنَا الَّتِي إِلَيْهَا نُشِيرُ بِقَوْلِنَا أَنَا ثُمَّ الناس تحيروا في ماهية المشار إليه يقول أَنَا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ هَذَا الْبِنْيَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ الْمِزَاجُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَعْضُ الْأَجْزَاءِ الدَّاخِلَةِ فِي هَذِهِ الْبِنْيَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ شَيْءٌ لَا دَاخِلَ هَذَا الْبَدَنِ وَلَا خَارِجَهُ، فَإِذَا كَانَ الْحَالُ فِي أَظْهَرِ الْأَشْيَاءِ كَذَلِكَ فَمَا ظَنُّكَ بِأَبْعَدِ الْأَشْيَاءِ مُنَاسَبَةً عَنَّا وَعَنْ أَحْوَالِنَا. أَمَّا الْمَقَامُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ النَّظَرَ الْمُفِيدَ لِلْعِلْمِ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَنَا فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ تحصيل
التَّصَوُّرَاتِ غَيْرُ مَقْدُورٍ فَالتَّصْدِيقَاتُ الْبَدِيهِيَّةُ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ فَجَمِيعُ التَّصْدِيقَاتِ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ التَّصَوُّرَاتِ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ لِأَنَّ طَالِبَ تَحْصِيلِهَا إِنْ كَانَ عَارِفًا بِهَا اسْتَحَالَ مِنْهُ طَلَبُهَا لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ، فَإِنْ كَانَ غَافِلًا عَنْهَا اسْتَحَالَ كَوْنُهُ طَالِبًا لَهَا لِأَنَّ الْغَافِلَ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ طَالِبًا لَهُ. فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مِنْ وَجْهٍ وَمَجْهُولًا مِنْ وَجْهٍ. قُلْنَا لِأَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ غَيْرُ الْوَجْهِ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَإِلَّا فَقَدْ صَدَقَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَهُوَ مُحَالٌ وَحِينَئِذٍ نَقُولُ الْوَجْهُ الْمَعْلُومُ اسْتَحَالَ طَلَبُهُ لِاسْتِحَالَةِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَالْوَجْهُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ اسْتَحَالَ طَلَبُهُ لِأَنَّ الْمَغْفُولَ عَنْهُ لَا يَكُونُ مَطْلُوبًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ التَّصَوُّرَاتِ لَمَّا كَانَتْ غَيْرَ كَسْبِيَّةٍ اسْتَحَالَ كَوْنُ التَّصْدِيقَاتِ الْبَدِيهِيَّةِ كَسْبِيَّةً وَذَلِكَ لِأَنَّ عِنْدَ حُضُورِ طَرَفَيِ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ فِي الذِّهْنِ مِنَ الْقَضِيَّةِ الْبَدِيهِيَّةِ إِمَّا أَنْ يَلْزَمَ مِنْ مُجَرَّدِ حُضُورِهِمَا جَزْمُ الذِّهْنِ بِإِسْنَادِ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ بِالنَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ، أَوْ لَا يَلْزَمُ، فَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ لَمْ تَكُنِ الْقَضِيَّةُ بَدِيهِيَّةً بَلْ كَانَتْ مَشْكُوكَةً. وَإِنْ لَزِمَ كَانَ التَّصْدِيقُ وَاجِبَ الْحُصُولِ عِنْدَ حُضُورِ ذَيْنَكَ التَّصَوُّرَيْنِ وَمُمْتَنِعَ الْحُصُولِ عِنْدَ عَدَمِ حُضُورِهِمَا، وَمَا يَكُونُ وَاجِبَ الدَّوَرَانِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا مَعَ مَا لَا يَكُونُ مَقْدُورًا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا كَذَلِكَ فَثَبَتَ أَنَّ التَّصْدِيقَاتِ الْبَدِيهِيَّةَ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ هَذِهِ التَّصْدِيقَاتِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ كَسْبِيَّةً لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ التَّصْدِيقَاتِ كَسْبِيًّا لِأَنَّ التَّصْدِيقَ الَّذِي لَا يَكُونُ بَدِيهِيًّا، لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ نَظَرِيًّا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ اللُّزُومِ عِنْدَ حُضُورِ تِلْكَ التَّصْدِيقَاتِ الْبَدِيهِيَّةِ أَوْ لَا يَكُونَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبَ اللُّزُومِ مِنْهَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ صِدْقِ تِلْكَ الْمُقَدَّمَاتِ صِدْقُ ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اسْتِدْلَالًا يَقِينِيًّا بَلْ إِمَّا ظَنًّا أَوِ اعْتِقَادًا/ تَقْلِيدِيًّا، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَكَانَتْ تِلْكَ النَّظَرِيَّاتُ وَاجِبَةَ الدَّوَرَانِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا مَعَ تِلْكَ الْقَضَايَا الضَّرُورِيَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ النَّظَرِيَّاتِ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ أَصْلًا. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يَكُونُ قَادِرًا عَلَى إِدْخَالِ الشَّيْءِ فِي الْوُجُودِ لَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُمَيَّزَ ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ عَنْ غَيْرِهِ وَالْعِلْمُ إِنَّمَا يَتَمَيَّزُ عَنِ الْجَهْلِ بِكَوْنِهِ مُطَابِقًا لِلْمَعْلُومِ دُونَ الْجَهْلِ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ لَوْ عُلِمَ الْمَعْلُومُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَنْ لَا يُمْكِنُهُ إِيجَادُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ إِلَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ لَكِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ لِاسْتِحَالَةِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِنْ إِيجَادِ الْعَلَمِ وَلَا مِنْ طَلَبِهِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُوجِبَ لِلنَّظَرِ، إِمَّا ضَرُورَةُ الْعَقْلِ، أَوِ النَّظَرِ أَوِ السَّمْعِ. وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ لَمْ يُشْتَرَطِ الْعَقْلُ فِيهِ، وَوُجُوبُ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ يَسْتَقْبِحُونَهُ، وَيَقُولُونَ إِنَّهُ فِي الْأَكْثَرِ يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الْجَهْلِ، فَوَجَبَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَالثَّانِي: أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِوُجُوبِهِ يَكُونُ نَظَرِيًّا، فَحِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُهُ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ النَّظَرِ قَبْلَ النَّظَرِ، فَتَكْلِيفُهُ بِذَلِكَ يَكُونُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، وَأَمَّا بَعْدَ النَّظَرِ فَلَا يُمْكِنُهُ النَّظَرُ، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَالثَّالِثُ: بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ قَبْلَ النَّظَرِ لَا يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنْ مَعْرِفَةِ وُجُوبِ النَّظَرِ، وَبَعْدَ النَّظَرِ لَا يُمْكِنُهُ إِيجَابُهُ أَيْضًا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَإِذَا بَطَلَتِ الْأَقْسَامُ ثَبَتَ نَفْيُ الْوُجُوبِ. الْمَقَامُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ النَّظَرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ وَمَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ، لَكِنَّهُ يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَأْمُرَ الْمُكَلَّفَ بِهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ النَّظَرَ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الْجَهْلِ فَالْمُقْدِمُ عَلَيْهِ مُقْدِمٌ عَلَى أَمْرٍ يُفْضِي بِهِ غَالِبًا إِلَى الْجَهْلِ. وَمَا يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ قَبِيحًا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفِكْرُ قَبِيحًا، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَأْمُرُ بِالْقَبِيحِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ وَضَعْفِ الْخَاطِرِ وَمَا يَعْتَرِيهِ مِنَ الشُّبَهَاتِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَعَارِضَةِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى عَقْلِهِ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. فَلَمَّا رَأَيْنَا أَرْبَابَ الْمَذَاهِبِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ، وَأَنَّ الْبَاطِلَ مَعَ خَصْمِهِ ثُمَّ إِذَا تَرَكُوا التَّعَصُّبَ وَاللَّجَاجَ وَأَنْصَفُوا، وَجَدُوا الْكَلِمَاتِ مُتَعَارِضَةً، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَجْزِ الْعَقْلِ عَنْ إِدْرَاكِ هَذِهِ الْحَقَائِقِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ مَدَارَ الدِّينِ لَوْ كان
عَلَى النَّظَرِ فِي حَقَائِقِ الدَّلَائِلِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ الْإِنْسَانُ عَلَى الْإِيمَانِ سَاعَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّ صَاحِبَ النَّظَرِ إِذَا خَطَرَ بِبَالِهِ سُؤَالٌ عَلَى مُقَدَّمَةٍ مِنْ مُقَدَّمَاتِ دَلِيلِ الدِّينِ، فَقَدْ صَارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ السُّؤَالِ شَاكًّا فِي تِلْكَ الْمُقَدَّمَةِ، وَإِذَا صَارَ بَعْضُ مُقَدَّمَاتِ الدَّلِيلِ مَشْكُوكًا فِيهِ. صَارَتِ النَّتِيجَةُ ظَنِّيَّةً. لِأَنَّ الْمَظْنُونَ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَخْرُجَ الْإِنْسَانُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ عَنِ الدِّينِ، بِسَبَبِ كُلِّ مَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ مِنَ الْأَسْئِلَةِ وَالْمَبَاحِثِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ اشْتُهِرَ فِي الْأَلْسِنَةِ أَنَّ مَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيمْيَاءِ أَفْلَسَ، وَمَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَتْحُ الْبَابِ فِيهِ: الْمَقَامُ الرَّابِعُ: أَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ قَبِيحٍ، وَلَكِنَّا نُقِيمُ الدَّلَالَةَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مَا أَمَرَا بِذَلِكَ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ الْمَطَالِبَ لَا تَخْلُو، إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِدَلَائِلِهَا عِلْمًا ضَرُورِيًّا غَنِيًّا عَنِ التَّعَلُّمِ وَالِاسْتِفَادَةِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ، بَلْ يُحْتَاجُ فِي تَحْصِيلِهَا إِلَى/ التَّأَمُّلِ وَالتَّدَبُّرِ وَالِاسْتِفَادَةِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، وَإِلَّا لَوَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ لِكُلِّ النَّاسِ وَهُوَ مُكَابَرَةٌ وَلِأَنَّا نُجَرِّبُ أَذْكَى النَّاسِ فِي هَذَا الْعِلْمِ فَلَا يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُهُ فِي السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ بَعْدَ الِاسْتِعَانَةِ بِالْأُسْتَاذِ وَالتَّصَانِيفِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَجَبَ أَنْ لَا يَحْصُلَ ذَلِكَ الْعِلْمُ لِلْإِنْسَانِ، إِلَّا بَعْدَ الْمُمَارَسَةِ الشَّدِيدَةِ وَالْمُبَاحَثَةِ الْكَثِيرَةِ، فَلَوْ كَانَ الدِّينُ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ، لَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْكُمَ الرَّسُولُ بِصِحَّةِ إِسْلَامِ الرَّجُلِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَيُجَرِّبَهُ فِي مَعْرِفَةِ هَذِهِ الدَّلَائِلِ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ. وَلَوْ فَعَلَ الرَّسُولُ ذَلِكَ لَاشْتُهِرَ وَلَمَّا لَمْ يُشْتَهَرْ بَلِ الْمَشْهُورُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ بِإِسْلَامِ مَنْ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي صِحَّةِ الدِّينِ، فَإِنْ قِيلَ: مَعْرِفَةُ أُصُولِ الدَّلَائِلِ حَاصِلَةٌ لِأَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ، إِنَّمَا الْمُحْتَاجُ إِلَى التَّدْقِيقِ دَفْعُ الْأَسْئِلَةِ وَالْجَوَابُ عَنِ الشُّبُهَاتِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي صِحَّةِ أَصْلِ الدِّينِ، قُلْنَا هَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ الْبَتَّةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّلِيلَ إِذَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى مُقَدَّمَاتٍ عَشْرَةٍ فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ جَازِمًا بِصِحَّةِ تِلْكَ الْمُقَدَّمَاتِ كَانَ عَارِفًا بِالدَّلِيلِ مَعْرِفَةً لَا يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، لأن الزيادة عل تِلْكَ الْعَشْرَةِ إِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي تَحَقُّقِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ بَطَلَ قَوْلُنَا إِنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ مركب من العشرة فقط، وإلا لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا لَمْ يَكُنِ الْعِلْمُ بِهِ عِلْمًا بِزِيَادَةِ شَيْءٍ فِي الدَّلِيلِ، بَلْ يَكُونُ عِلْمًا مُنْفَصِلًا. فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَلَا يَقْبَلُ النُّقْصَانَ أَيْضًا، لِأَنَّ تِسْعَةً مِنْهَا لَوْ كَانَتْ يَقِينِيَّةً وَكَانَتِ الْمُقَدَّمَةُ الْعَاشِرَةُ ظَنِّيَّةً اسْتَحَالَ كَوْنُ الْمَطْلُوبِ يَقِينِيًّا لَأَنَّ الْمَبْنِيَّ عَلَى الظَّنِّيِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ظَنِّيًّا فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ وَبَطَلَ بِبُطْلَانِهِ ذَلِكَ السُّؤَالُ مِثَالُهُ إِذَا رَأَى الْإِنْسَانُ حُدُوثَ مَطَرٍ وَرَعْدٍ وَبَرْقٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْهَوَاءُ صَافِيًا قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلِهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ عَارِفًا بِاللَّهِ إِذَا عَرَفَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ ذَلِكَ الْحَادِثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُؤَثِّرٍ ثُمَّ يَعْرِفُ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ فِيهِ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذِهِ الْمُقَدَّمَةُ الثَّانِيَةُ إِنَّمَا تَسْتَقِيمُ لَوْ عَرَفَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ إِسْنَادُ هَذَا الْحُدُوثِ إِلَى الْفَلَكِ وَالنُّجُومِ، وَالطَّبِيعَةِ وَالْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ. فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْرِفْ بُطْلَانَ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ لَكَانَ مُعْتَقِدًا لِهَذِهِ الْمُقَدَّمَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَتَكُونُ الْمُقَدَّمَةُ تَقْلِيدِيَّةً وَيَكُونُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهَا تَقْلِيدًا لَا يَقِينًا فَثَبَتَ بِهَذَا فَسَادُ مَا قُلْتُمُوهُ. الْمَقَامُ الْخَامِسُ: أَنْ نَقُولَ الِاشْتِغَالُ بِعِلْمِ الْكَلَامِ بِدْعَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْخَبَرُ وَالْإِجْمَاعُ وَقَوْلُ السَّلَفِ وَالْحُكْمُ. أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزُّخْرُفِ: 58] ذَمَّ الْجَدَلَ وَقَالَ أَيْضًا: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الْأَنْعَامِ: 68] قَالُوا: فَأَمَرَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ عِنْدَ خَوْضِهِمْ فِي آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ» وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «عَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَجَائِزِ» وَقَوْلُهُ: «إِذَا ذُكِرَ الْقَدْرُ فَأَمْسِكُوا» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ أَنَّ هَذَا عِلْمٌ لَمْ
تَتَكَلَّمْ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَيَكُونُ بِدْعَةً فَيَكُونُ حَرَامًا، أَمَّا أَنَّ الصَّحَابَةَ مَا تَكَلَّمُوا فِيهِ فَظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلِاسْتِدْلَالِ فِي/ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، بَلْ كَانُوا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ إِنْكَارًا عَلَى مَنْ خَاضَ فِيهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ثَبَتَ أَنَّهُ بدعة وكل بدعة حرام بالاتفاق، أما الْأَثَرُ، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: إِيَّاكُمْ وَالْبِدَعَ قِيلَ وَمَا الْبِدَعُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ أَهْلُ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ وَلَا يَسْكُتُونَ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ. وَسُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الْكَلَامِ فَقَالَ اتَّبِعِ السُّنَّةَ وَدَعِ الْبِدْعَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَأَنْ يَبْتَلِيَ اللَّهُ الْعَبْدَ بِكُلِّ ذَنْبٍ سِوَى الشِّرْكِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ وَقَالَ: لَوْ أَوْصَى رَجُلٌ بِكُتُبِهِ الْعِلْمِيَّةِ لِآخَرَ وَكَانَ فِيهَا كُتُبُ الْكَلَامِ لَمْ تَدْخُلْ تِلْكَ الْكُتُبُ فِي الْوَصِيَّةِ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَهُوَ أَنَّهُ لو أوصى للعلماء لا يدخل المتكلم فيه وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَهَذَا مَجْمُوعُ كَلَامِ الطَّاعِنِينَ فِي النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ. وَالْجَوَابُ: أَمَّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا فِي أَنَّ النَّظَرَ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ فَهِيَ فَاسِدَةٌ، لِأَنَّ الشُّبَهَ الَّتِي ذَكَرُوهَا لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً بَلْ نَظَرِيَّةٌ، فَهُمْ أَبْطَلُوا كُلَّ النَّظَرِ بِبَعْضِ أَنْوَاعِهِ وَهُوَ مُتَنَاقِضٌ، وَأَمَّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا فِي أَنَّ النَّظَرَ غَيْرُ مَقْدُورٍ فَهِيَ فَاسِدَةٌ، لِأَنَّهُمْ مُخْتَارُونَ فِي اسْتِخْرَاجِ تِلْكَ الشُّبَهِ فَيَبْطُلُ قَوْلُهُمْ إِنَّهَا لَيْسَتِ اخْتِيَارِيَّةً، وَأَمَّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا فِي أَنَّ التَّعَاوِيلَ عَلَى النَّظَرِ قَبِيحٌ فَهِيَ مُتَنَاقِضَةٌ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ إِيرَادُهُمْ لِهَذِهِ الشُّبَهِ الَّتِي أَوْرَدُوهَا قَبِيحًا، وَأَمَّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا فِي أَنَّ الرَّسُولَ مَا أَمَرَ بِذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بِأَسْرِهِمْ مَا جَاءُوا إِلَّا بِالْأَمْرِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا [الزُّخْرُفِ: 58] فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَدَلِ بِالْبَاطِلِ، تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النَّحْلِ: 125] وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [الْأَنْعَامِ: 68] فَجَوَابُهُ أَنَّ الْخَوْضَ لَيْسَ هُوَ النَّظَرُ، بَلِ الْخَوْضُ فِي الشَّيْءِ هُوَ اللَّجَاجُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «تَفَكَّرُوا في الخالق» فَذَاكَ إِنَّمَا أَمَرَ بِهِ لِيُسْتَفَادَ مِنْهُ مَعْرِفَةُ الْخَالِقِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «عَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَجَائِزِ» فَلَيْسَ الْمُرَادُ، إِلَّا تَفْوِيضَ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِاعْتِمَادَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ عَلَى اللَّهِ عَلَى مَا قُلْنَا وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِذَا ذُكِرَ الْقَدْرُ فَأَمْسِكُوا» فَضَعِيفٌ، لِأَنَّ النَّهْيَ الْجُزْئِيَّ لَا يُفِيدُ النَّهْيَ الْكُلِّيَّ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَنَقُولُ: إِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا أَلْفَاظَ الْمُتَكَلِّمِينَ فَمُسَلَّمٌ، لَكِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْقَدْحُ في الكلام، كما أنهم لم يستعلموا أَلْفَاظَ الْفُقَهَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْقَدْحُ فِي الْفِقْهِ الْبَتَّةَ، وَإِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّهُمْ مَا عَرَفُوا اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ بِالدَّلِيلِ، فَبِئْسَ مَا قُلْتُمْ، وَأَمَّا تَشْدِيدُ السَّلَفِ عَلَى الْكَلَامِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَهْلِ الْبِدْعَةِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ مُعَارَضَةٌ بِمَا أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِمَنْ كَانَ عَارِفًا بِذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْفَقِيهُ. وَلِأَنَّ مَبْنَى الْوَصَايَا عَلَى الْعُرْفِ فَهَذَا إِتْمَامُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَمَّا حَقِيقَةُ الْعِبَادَةِ فَذَكَرْنَاهَا في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَأَمَّا الْخَلْقُ فَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّهُ التَّقْدِيرُ وَالتَّسْوِيَةُ، وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِالْآيَةِ وَالشِّعْرِ وَالِاسْتِشْهَادِ، أَمَّا الْآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [الْمُؤْمِنُونَ: 14] أَيِ الْمُقَدِّرِينَ وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً [الْعَنْكَبُوتِ: 17] أَيْ/ تُقَدِّرُونَ كَذِبًا وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ [الْمَائِدَةِ: 110] أَيْ تُقَدِّرُ. وَأَمَّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ زهير: ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي وَقَالَ آخَرُ: وَلَا يَئِطُّ بِأَيْدِي الْخَالِقِينَ وَلَا ... أَيْدِي الْخَوَالِقِ إِلَّا جَيِّدُ الْأَدَمِ
وَأَمَّا الِاسْتِشْهَادُ يُقَالُ خَلَقَ النَّعْلَ إِذَا قَدَّرَهَا وَسَوَّاهَا بِالْقِيَاسِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا يُصَدَّقُ بِهَا، أَحَادِيثُ الْخُلُقِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ [الشُّعَرَاءِ: 137] وَالْخَلَاقُ الْمِقْدَارُ مِنَ الْخَيْرِ، وَهُوَ خَلِيقٌ أَيْ جَدِيرٌ كَأَنَّهُ الَّذِي مِنْهُ الْخَلَاقُ، وَالصَّخْرَةُ الْخَلْقَاءُ الْمَلْسَاءُ لِأَنَّ فِي الْمَلَاسَةِ اسْتِوَاءً، وَفِي الْخُشُونَةِ اختلاف وَمِنْهُ «أَخْلَقَ الثَّوْبُ» لِأَنَّهُ إِذَا بَلِيَ صَارَ أَمْلَسَ وَاسْتَوَى نُتُوُّهُ وَاعْوِجَاجُهُ، فَثَبَتَ أَنَّ الْخَلْقَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ وَالِاسْتِوَاءِ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: الْخَلْقُ فِعْلٌ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ وَاللُّغَةُ لَا تَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بَلِ الْكِتَابُ نَطَقَ بِخِلَافِهِ فِي قَوْلِهِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [الْمُؤْمِنُونَ: 14] ، وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [الْمَائِدَةِ: 110] لَكِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يَفْعَلُ الْأَفْعَالَ لِعِلْمِهِ بِالْعَوَاقِبِ وَكَيْفِيَّةِ الْمَصْلَحَةِ وَلَا فِعْلَ لَهُ إِلَّا كَذَلِكَ لَا جَرَمَ اخْتُصَّ بِهَذَا الِاسْمِ وَقَالَ أُسْتَاذُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ إِطْلَاقُ اسْمِ خَالِقٍ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ وَالتَّسْوِيَةَ عِبَارَةٌ عَنِ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ وَالْحُسْبَانِ وَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ مُحَالٌ، وَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: الْخَلْقُ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِيجَادِ وَالْإِنْشَاءِ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْمُسْلِمِينَ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَوْ كَانَ الْخَلْقُ عِبَارَةً عَنِ التَّقْدِيرِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِعِبَادَتِهِ وَالْأَمْرُ بِعِبَادَتِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ وَجُودِهِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ ضَرُورِيًّا بَلِ استدلالياً لا جرم أورد هاهنا مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّنَا بَيَّنَّا فِي «الْكُتُبِ الْعَقْلِيَّةِ» أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى إِثْبَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِمَّا الْإِمْكَانُ، وَإِمَّا الْحُدُوثُ. وَإِمَّا مَجْمُوعُهُمَا، وَكُلُّ ذَلِكَ إِمَّا فِي الْجَوَاهِرِ أَوْ فِي الْأَعْرَاضِ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سِتَّةً لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا. أَحَدُهَا: الِاسْتِدْلَالُ بِإِمْكَانِ الذَّوَاتِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [مُحَمَّدٍ: 38] وَبِقَوْلِهِ حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [الشُّعَرَاءِ: 77] وَبِقَوْلِهِ: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النَّجْمِ: 42] وَقَوْلِهِ: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [الْأَنْعَامِ: 91] ، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذَّارِيَاتِ: 50] ، أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرَّعْدِ: 28] وَثَانِيهَا: الِاسْتِدْلَالُ بِإِمْكَانِ الصِّفَاتِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النحل: 3] وَبِقَوْلِهِ: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً عَلَى مَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ. وَثَالِثُهَا: الِاسْتِدْلَالُ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ. وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الْأَنْعَامِ: 76] وَرَابِعُهَا: الِاسْتِدْلَالُ بِحُدُوثِ الْأَعْرَاضِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَقْرَبُ الطُّرُقِ إِلَى أَفْهَامِ الْخَلْقِ، وَذَلِكَ مَحْصُورٌ فِي أَمْرَيْنِ: دَلَائِلُ الْأَنْفُسِ، وَدَلَائِلُ الْآفَاقِ، «وَالْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ» فِي الْأَكْثَرِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى جَمَعَ هاهنا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. أَمَّا دَلَائِلُ الْأَنْفُسِ، فَهِيَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ/ أَنَّهُ مَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ صَارَ الْآنَ مَوْجُودًا وَأَنَّ كُلَّ مَا وُجِدَ بَعْدَ الْعَدَمِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوجِدٍ وَذَلِكَ الْمُوجِدُ لَيْسَ هُوَ نَفْسُهُ وَلَا الْأَبَوَانِ وَلَا سَائِرُ النَّاسِ، لِأَنَّ عَجْزَ الْخَلْقِ عَنْ مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُوجِدٍ يُخَالِفُ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ حَتَّى يَصِحَّ مِنْهُ إِيجَادُ هَذِهِ الْأَشْخَاصِ إِلَّا أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هاهنا: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ طَبَائِعَ الْفُصُولِ وَالْأَفْلَاكِ وَالنُّجُومِ؟ وَلَمَّا كَانَ هَذَا السُّؤَالُ مُحْتَمَلًا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَقِيبَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى افْتِقَارِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِلَى الْمُحْدِثِ وَالْمُوجِدِ وَهُوَ قَوْلُهُ: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ دَلَائِلَ الْآفَاقِ وَيَنْدَرِجُ فِيهَا كُلُّ مَا يُوجَدُ مِنْ تَغْيِيرَاتِ أَحْوَالِ الْعَالَمِ مِنَ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَالرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ وَاخْتِلَافِ الْفُصُولِ، وَحَاصِلُهَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْأَجْسَامَ الْفَلَكِيَّةَ وَالْأَجْسَامَ الْعُنْصُرِيَّةَ مُشْتَرِكَةٌ فِي الْجِسْمِيَّةِ، فَاخْتِصَاصُ بَعْضِهَا بِبَعْضِ الصِّفَاتِ مِنَ الْمَقَادِيرِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَحْيَازِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلْجِسْمِيَّةِ وَلَا لِشَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِهَا. وَإِلَّا وَجَبَ
اشْتِرَاكُ الْكُلِّ فِي تِلْكَ الصِّفَاتِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِأَمْرٍ مُنْفَصِلٍ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ إِنْ كَانَ جِسْمًا عَادَ الْبَحْثُ فِي أَنَّهُ لِمَ اخْتُصَّ بِتِلْكَ الْمُؤَثِّرِيَّةِ مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْأَجْسَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوجَبًا أَوْ مُخْتَارًا. وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنِ اخْتِصَاصُ بَعْضِ الْأَجْسَامِ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ افْتِقَارُ جَمِيعِ الْأَجْسَامِ إِلَى مُؤَثِّرٍ قَادِرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَلَا بِجُسْمَانِيٍّ، وَعِنْدَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِحُدُوثِ الْأَعْرَاضِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ لَا يَكْفِي إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِعَانَةِ بِإِمْكَانِ الْأَعْرَاضِ وَالصِّفَاتِ، وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا خَصَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْأَدِلَّةِ بِالْإِيرَادِ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ لَمَّا كَانَ أَقْرَبَ الطُّرُقِ إِلَى أَفْهَامِ الْخَلْقِ وَأَشَدَّهَا الْتِصَاقًا بِالْعُقُولِ، وَكَانَتِ الْأَدِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَبْعَدَهَا عَنِ الدِّقَّةِ وَأَقْرَبَهَا إِلَى الْأَفْهَامِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ مِنَ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ لَا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ ذَلِكَ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَضُ مِنَ الدَّلَائِلِ الْقُرْآنِيَّةِ الْمُجَادَلَةَ، بَلِ الْغَرَضُ مِنْهَا تَحْصِيلُ الْعَقَائِدِ الْحَقَّةِ فِي الْقُلُوبِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الدَّلَائِلِ أَقْوَى مِنْ سَائِرِ الطُّرُقِ فِي هَذَا الْبَابِ، لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الدَّلَائِلِ كَمَا يفيد العلم بوجود الخالق فهو يذكر نعم الْخَالِقِ عَلَيْنَا، فَإِنَّ الْوُجُودَ وَالْحَيَاةَ مِنَ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ عَلَيْنَا، وَتَذْكِيرُ النِّعَمِ مِمَّا يُوجِبُ الْمَحَبَّةَ وَتَرْكَ الْمُنَازَعَةِ وَحُصُولَ الِانْقِيَادِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَ ذِكْرُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْأَدِلَّةِ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلسَّلَفِ طُرُقًا لَطِيفَةً فِي هَذَا الْبَابِ، أَحَدُهَا: يُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الزَّنَادِقَةِ أَنْكَرَ الصَّانِعَ عِنْدَ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَقَالَ جَعْفَرٌ: هَلْ رَكِبْتَ الْبَحْرَ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ هَلْ رَأَيْتَ أَهْوَالَهُ؟ قَالَ بَلَى، هَاجَتْ يَوْمًا رِيَاحٌ هَائِلَةٌ فَكَسَّرَتِ السُّفُنَ وَغَرَّقَتِ الْمَلَّاحِينَ، فَتَعَلَّقْتُ أَنَا بِبَعْضِ أَلْوَاحِهَا ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي ذَلِكَ اللَّوْحُ فَإِذَا أَنَا مَدْفُوعٌ فِي تَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ حَتَّى دُفِعْتُ إِلَى السَّاحِلِ، فَقَالَ جَعْفَرٌ قَدْ كَانَ اعْتِمَادُكَ مِنْ قَبْلُ عَلَى السَّفِينَةِ وَالْمَلَّاحِ ثُمَّ عَلَى اللَّوْحِ حَتَّى تُنْجِيَكَ، فَلَمَّا ذَهَبَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَنْكَ هَلْ أَسْلَمْتَ/ نَفْسَكَ لِلْهَلَاكِ أَمْ كُنْتَ تَرْجُو السَّلَامَةَ بَعْدُ؟ قَالَ بَلْ رَجَوْتُ السَّلَامَةَ، قَالَ مِمَّنْ كُنْتَ تَرْجُوهَا فَسَكَتَ الرَّجُلُ فَقَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّ الصَّانِعَ هُوَ الَّذِي كُنْتَ تَرْجُوهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهُوَ الَّذِي أَنْجَاكَ مِنَ الْغَرَقِ فَأَسْلَمَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ. وَثَانِيهَا: جَاءَ فِي «كِتَابِ دِيَانَاتِ الْعَرَبِ» أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «كَمْ لَكَ مِنْ إِلَهٍ» قَالَ عَشْرَةٌ، قَالَ فَمَنْ لِغَمِّكَ وَكَرْبِكَ وَدَفْعِ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ إِذَا نَزَلَ بِكَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ؟ قَالَ اللَّهُ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مالك مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ» ، وَثَالِثُهَا: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ سَيْفًا عَلَى الدَّهْرِيَّةِ، وَكَانُوا يَنْتَهِزُونَ الْفُرْصَةَ لِيَقْتُلُوهُ فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا فِي مَسْجِدِهِ قَاعِدٌ إِذْ هَجَمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ بِسُيُوفٍ مَسْلُولَةٍ وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ فَقَالَ لَهُمْ: أَجِيبُونِي عَنْ مَسْأَلَةٍ ثُمَّ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَالُوا لَهُ هَاتِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ يَقُولُ لكم إني رأيت سفينة تَجْرِي مُسْتَوِيَةً لَيْسَ لَهَا مَلَّاحٌ يُجْرِيهَا وَلَا مُتَعَهِّدٌ يَدْفَعُهَا هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْعَقْلِ؟ قَالُوا: لَا، هَذَا شَيْءٌ لَا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ إِذَا لَمْ يَجُزْ فِي الْعَقْلِ سَفِينَةٌ تَجْرِي فِي البحر مستوية من غير متعهد ولا مجري فَكَيْفَ يَجُوزُ قِيَامُ هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا وَتَغَيُّرِ أَعْمَالِهَا وَسِعَةِ أَطْرَافِهَا وَتَبَايُنِ أَكْنَافِهَا مِنْ غَيْرِ صَانِعٍ وَحَافِظٍ؟ فَبَكَوْا جَمِيعًا وَقَالُوا: صَدَقْتَ وَأَغْمَدُوا سُيُوفَهُمْ وَتَابُوا. وَرَابِعُهَا: سَأَلُوا الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ؟ فَقَالَ: وَرَقَةُ الْفِرْصَادِ طَعْمُهَا وَلَوْنُهَا وَرِيحُهَا وَطَبْعُهَا وَاحِدٌ عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَتَأْكُلُهَا دُودَةُ الْقَزِّ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْإِبْرَيسَمُ، وَالنَّحْلُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْعَسَلُ. وَالشَّاةُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْبَعْرُ، وَيَأْكُلُهَا الظِّبَاءُ فَيَنْعَقِدُ فِي نَوَافِجِهَا الْمِسْكُ فَمَنِ الَّذِي جَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ الطَّبْعَ وَاحِدٌ؟ فَاسْتَحْسَنُوا مِنْهُ ذَلِكَ وَأَسْلَمُوا عَلَى يَدِهِ وَكَانَ عَدَدُهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ. وَخَامِسُهَا: سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى فَتَمَسَّكَ بِأَنَّ الْوَالِدَ يُرِيدُ
الذَّكَرَ فَيَكُونُ أُنْثَى، وَبِالْعَكْسِ فَدَلَّ عَلَى الصَّانِعِ، وَسَادِسُهَا: تَمَسَّكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَلْعَةٍ حَصِينَةٍ مَلْسَاءَ لَا فُرْجَةَ فِيهَا ظَاهِرُهَا كَالْفِضَّةِ الْمُذَابَةِ وَبَاطِنُهَا كَالذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ، ثُمَّ انْشَقَّتِ الْجُدْرَانُ وَخَرَجَ مِنَ الْقَلْعَةِ حَيَوَانٌ سُمَيْعٌ بَصِيرٌ فَلَا بُدَّ مِنَ الْفَاعِلِ، عَنَى بِالْقَلْعَةِ الْبَيْضَةَ وَبِالْحَيَوَانِ الْفَرْخَ، وَسَابِعُهَا: سَأَلَ هَارُونُ الرَّشِيدُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَاسْتَدَلَّ بِاخْتِلَافِ الْأَصْوَاتِ وَتَرَدُّدِ النَّغَمَاتِ وَتَفَاوُتِ اللُّغَاتِ. وَثَامِنُهَا: سُئِلَ أَبُو نُوَاسِ عَنْهُ، فَقَالَ: تَأَمَّلْ فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ وَانْظُرْ ... إِلَى آثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيكُ عُيُونٌ مِنْ لُجَيْنٍ شَاخِصَاتٍ ... وَأَزْهَارٌ كَمَا الذَّهَبُ السَّبِيكُ عَلَى قُضُبُ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٍ ... بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ وَتَاسِعُهَا: سُئِلَ أَعْرَابِيٌّ عَنِ الدَّلِيلِ فَقَالَ: الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ. وَالرَّوْثُ عَلَى الْحَمِيرِ، وَآثَارُ الْأَقْدَامِ عَلَى الْمَسِيرِ، فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ. وَبِحَارٌ ذَاتُ أَمْوَاجٍ، أَمَا تَدُلُّ/ عَلَى الصَّانِعِ الْحَلِيمِ الْعَلِيمِ الْقَدِيرِ؟ وَعَاشِرُهَا: قِيلَ لِطَبِيبٍ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ بِإِهْلِيلِجٍ مُجَفَّفٍ أُطْلِقُ، وَلُعَابٍ مُلَيِّنٍ أُمْسِكُ! وَقَالَ آخَرُ: عَرَفْتُهُ بِنَحْلَةٍ بِأَحَدِ طَرَفَيْهَا تَعْسِلُ، وَالْآخَرِ تَلْسَعُ! والعسل مقلوب اللسع. وحادي عشرها: حكم البديهية فِي قَوْلِهِ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزُّخْرُفِ: 87] ، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ [غَافِرٍ: 87] . الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ الْقَاضِي: الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَكُمْ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تُسْتَحَقُّ إِلَّا بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَلْزَمَ عِبَادَهُ بِالْعِبَادَةِ بَيَّنَ ماله وَلِأَجْلِهِ تَلْزَمُ الْعِبَادَةُ. فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَخَلْقُ اللَّهِ مَنْ قَبْلَهُمْ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِمْ، قُلْنَا الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: إِنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْتَ وَلَكِنَّ عِلْمَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُمْ كَعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ مَنْ قَبْلَهُمْ لِأَنَّ طَرِيقَةَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ وَاحِدَةٌ. الثَّانِي: أَنَّ مَنْ قَبْلَهُمْ كَالْأُصُولِ لَهُمْ، وَخَلْقُ الْأُصُولِ يَجْرِي مَجْرَى الْإِنْعَامِ عَلَى الْفُرُوعِ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يُذَكِّرُهُمْ عَظِيمَ إِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ، كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لَا تَظُنَّ أَنِّي إِنَّمَا أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ حِينَ وُجِدْتَ بَلْ كُنْتُ مُنْعِمًا عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ وُجِدْتَ بِأُلُوفِ سِنِينَ بِسَبَبِ أَنِّي كُنْتُ خَالِقًا لِأُصُولِكَ وَآبَائِكَ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ بَحْثَانِ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: أَنَّ كَلِمَةَ لَعَلَّ لِلتَّرَجِّي وَالْإِشْفَاقِ، تَقُولُ لَعَلَّ زَيْدًا يُكْرِمُنِي وَقَالَ تَعَالَى: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [طَهَ: 44] ، لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشُّورَى: 17] أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها [الشُّورَى: 18] وَالتَّرَجِّي وَالْإِشْفَاقُ لَا يَحْصُلَانِ إِلَّا عِنْدَ الْجَهْلِ بِالْعَاقِبَةِ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَى «لَعَلَّ» رَاجِعٌ إِلَى الْعِبَادِ لَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَوْلُهُ: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أَيِ اذْهَبَا أَنْتُمَا عَلَى رَجَائِكُمَا وَطَمَعِكُمَا فِي إِيمَانِهِ، ثُمَّ اللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ. وَثَانِيهَا: أَنَّ مِنْ عَادَةِ الْمُلُوكِ وَالْعُظَمَاءِ أَنْ يَقْتَصِرُوا فِي مَوَاعِيدِهِمُ الَّتِي يُوَطِّنُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى إِنْجَازِهَا عَلَى أَنْ يَقُولُوا لَعَلَّ وَعَسَى وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْكَلِمَاتِ، أَوْ لِلظَّفَرِ مِنْهُمْ بِالرَّمْزَةِ، أَوِ الِابْتِسَامَةِ أَوِ النَّظْرَةِ الْحُلْوَةِ فَإِذَا عُثِرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِلطَّالِبِ شَكٌّ فِي الْفَوْزِ بِالْمَطْلُوبِ فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ وَرَدَ لَفْظُ لَعَلَّ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى. وَثَالِثُهَا: مَا قِيلَ أَنَّ لَعَلَّ بِمَعْنَى كي، قال صاحب «الكشاف» : ولعل لَا يَكُونُ بِمَعْنَى كَيْ، وَلَكِنَّ كَلِمَةَ لَعَلَّ لِلْإِطْمَاعِ، وَالْكَرِيمُ الرَّحِيمُ إِذَا أَطْمَعَ فَعَلَى مَا يُطْمَعُ فِيهِ لَا مَحَالَةَ تَجْرِي أَطْمَاعُهُ مَجْرَى وَعْدِهِ الْمَحْتُومِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قِيلَ لَعَلَّ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى كَيْ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى فَعَلَ بِالْمُكَلَّفِينَ مَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَاقْتَضَى رَجَاءَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، لِأَنَّهُ
تَعَالَى لَمَّا أَعْطَاهُمُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَخَلَقَ لَهُمُ الْعُقُولَ الْهَادِيَةَ وَأَزَاحَ أَعْذَارَهُمْ، فَكُلُّ مَنْ فَعَلَ بِغَيْرِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَرْجُو مِنْهُ حُصُولَ الْمَقْصُودِ، فَالْمُرَادُ مِنْ لَفْظَةِ لَعَلَّ فِعْلُ مَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكَانَ مُوجِبًا لِلرَّجَاءِ. خَامِسُهَا: قَالَ الْقَفَّالُ: لَعَلَّ مَأْخُوذٌ مِنْ تَكَرُّرِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِمْ عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ، وَاللَّامُ فِيهَا هِيَ لَامُ التَّأْكِيدِ كَاللَّامِ الَّتِي تَدْخُلُ فِي لَقَدْ، فَأَصْلُ لَعَلَّ عَلَّ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ عَلَّكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، أَيْ/ لَعَلَّكَ، فَإِذَا كَانَتْ حَقِيقَتُهُ التَّكْرِيرَ وَالتَّأْكِيدَ كَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: افْعَلْ كذا لعلك تظفر بحاجتك معنا. افْعَلْهُ فَإِنَّ فِعْلَكَ لَهُ يُؤَكِّدُ طَلَبَكَ لَهُ وَيُقَوِّيكَ عَلَيْهِ. الْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِذَا كَانَتِ الْعِبَادَةُ تَقْوًى فَقَوْلُهُ: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ جَارٍ مَجْرَى قَوْلِهِ: اعْبُدُوا رَبَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَعْبُدُونَ. أَوِ اتَّقَوْا رَبَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِبَادَةَ نَفْسُ التَّقْوَى، بَلِ الْعِبَادَةُ فِعْلٌ يَحْصُلُ بِهِ التَّقْوَى، لِأَنَّ الِاتِّقَاءَ هُوَ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْمَضَارِّ، وَالْعِبَادَةُ فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَنَفْسُ هَذَا الْفِعْلِ لَيْسَ هُوَ نَفْسُ الِاحْتِرَازِ عَنِ الْمَضَارِّ بَلْ يُوجِبُ الِاحْتِرَازَ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: اعْبُدُوا رَبَّكُمْ لِتَحْتَرِزُوا بِهِ عَنْ عِقَابِهِ، وَإِذَا قِيلَ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ إِنَّهُ اتِّقَاءٌ فَذَلِكَ مَجَازٌ لِأَنَّ الِاتِّقَاءَ غَيْرُ مَا يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّقَاءُ، لَكِنْ لِاتِّصَالِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِالْآخَرِ أُجْرِيَ اسْمُهُ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ الْمُكَلَّفِينَ لِكَيْ يَتَّقُوا وَيُطِيعُوا عَلَى مَا قَالَ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذَّارِيَاتِ: 56] فَكَأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِعِبَادَةِ الرَّبِّ الَّذِي خَلَقَهُمْ لِهَذَا الْغَرَضِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ لَائِقٌ بِأُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: خَلَقكُّمْ بِالْإِدْغَامِ وَقَرَأَ أَبُو السَّمَيْفَعِ: وَخَلَقَ مَنْ قَبْلَكُمْ وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: وَالَّذِينَ مَنْ قَبْلَكُمْ. قَالَ صاحب «الكشاف» : الوجه فيه أنه أفحم الْمَوْصُولَ الثَّانِيَ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَصِلَتِهِ تَأْكِيدًا كَمَا أَقْحَمَ جَرِيرٌ فِي قَوْلِهِ: يَا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ لَا أَبًا لَكُمُوا ... تَيْمًا الثَّانِيَ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: لَفْظُ «الَّذِي» وَهُوَ مَوْصُولٌ مَعَ صِلَتِهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ وَصْفًا لِلَّذِي خَلَقَكُمْ أَوْ عَلَى الْمَدْحِ وَالتَّعْظِيمِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَفِيهِ مَا فِي النَّصْبِ مِنَ الْمَدْحِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: «الَّذِي» كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِشَارَةِ إِلَى مُفْرَدٍ عِنْدَ مُحَاوَلَةِ تَعْرِيفِهِ بِقَضِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ، كَقَوْلِكَ ذَهَبَ الرَّجُلُ الَّذِي أَبُوهُ مُنْطَلِقٌ، فَأَبُوهُ مُنْطَلِقٌ قَضِيَّةٌ مَعْلُومَةٌ، فَإِذَا حَاوَلْتَ تَعْرِيفَ الرَّجُلِ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْمَعْلُومَةِ أَدْخَلْتَ عَلَيْهِ الَّذِي، وَهُوَ تَحْقِيقُ قَوْلِهِمْ. إِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لِوَصْفِ الْمَعَارِفِ بالجملة، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَوْلُهُ: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً يَقْتَضِي أَنَّهُمْ كَانُوا عَالِمِينَ بِوُجُودِ شَيْءٍ جَعَلَ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَذَلِكَ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لُقْمَانَ: 25، الزمر: 38] . المسألة الثالثة: أن الله تعالى ذكر هاهنا خَمْسَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الدَّلَائِلِ اثْنَيْنِ مِنَ الْأَنْفُسِ وَثَلَاثَةً مِنَ الْآفَاقِ، فَبَدَأَ أَوَّلًا: بِقَوْلِهِ: خَلَقَكُمْ وَثَانِيًا: بِالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وثالثاً: بكون الأرض فراشاً، ورابعاً: يكون السَّمَاءِ بِنَاءً، وَخَامِسًا: بِالْأُمُورِ الْحَاصِلَةِ مِنْ مَجْمُوعِ السَّمَاءِ/ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَلِهَذَا التَّرْتِيبِ أَسْبَابٌ. الْأَوَّلُ: أَنَّ أَقْرَبَ الْأَشْيَاءِ إِلَى الْإِنْسَانِ نَفْسُهُ، وَعِلْمُ الْإِنْسَانِ بِأَحْوَالِ نَفْسِهِ أَظْهَرُ مِنْ عِلْمِهِ بِأَحْوَالِ غَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ الغرض من الاستدلال إفادة
العلم، فكل ما كَانَ أَظْهَرَ دَلَالَةً كَانَ أَقْوَى إِفَادَةً، وَكَانَ أَوْلَى بِالذِّكْرِ. فَلِهَذَا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ نَفْسِ الْإِنْسَانِ، ثُمَّ ثَنَّاهُ بِآبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ ثُمَّ ثَلَّثَ بِالْأَرْضِ، لِأَنَّ الْأَرْضَ أَقْرَبُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنَ السَّمَاءِ وَالْإِنْسَانَ أَعْرَفُ بِحَالِ الْأَرْضِ مِنْهُ بِأَحْوَالِ السَّمَاءِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ ذِكْرَ السَّمَاءِ عَلَى نُزُولِ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ وَخُرُوجِ الثَّمَرَاتِ بِسَبَبِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْأَمْرِ الْمُتَوَلَّدِ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْأَثَرُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْمُؤَثِّرِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ أَخَّرَ اللَّهُ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. الثَّانِي: هُوَ أَنَّ خَلْقَ الْمُكَلَّفِينَ أَحْيَاءَ قَادِرِينَ أَصْلٌ لِجَمِيعِ النِّعَمِ، وَأَمَّا خَلْقُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَالْمَاءِ فَذَاكَ إِنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِشَرْطِ حُصُولِ الْخَلْقِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالشَّهْوَةِ، فَلَا جَرَمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْأُصُولِ عَلَى الْفُرُوعِ. الثَّالِثُ: أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ مِنْ دَلَائِلِ الصَّانِعِ فَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْإِنْسَانِ، وَقَدْ حَصَلَ فِي الْإِنْسَانِ مِنَ الدَّلَائِلِ مَا لَمْ يَحْصُلْ فِيهِمَا؟ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حَصَلَ فِيهِ الْحَيَاةُ وَالْقُدْرَةُ وَالشَّهْوَةُ وَالْعَقْلُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى. فَلَمَّا كَانَتْ وُجُوهُ الدَّلَائِلِ لَهُ هاهنا أَتَمَّ كَانَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ، وَاعْلَمْ أَنَّا كَمَا ذكرنا السبب في الترتيب فلنذكر فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْمَنَافِعِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذكر هاهنا أَنَّهُ جَعَلَ الْأَرْضَ فِرَاشًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً [النَّمْلِ: 61] وقوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً [الزُّخْرُفِ: 10] وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ الْأَرْضِ فِرَاشًا مَشْرُوطٌ بِأُمُورٍ: الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: كَوْنُهَا سَاكِنَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُتَحَرِّكَةً لَكَانَتْ حَرَكَتُهَا إِمَّا بِالِاسْتِقَامَةِ أَوْ بِالِاسْتِدَارَةِ، فَإِنْ كَانَتْ بِالِاسْتِقَامَةِ لَمَا كَانَتْ فِرَاشًا لَنَا عَلَى الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ مَنْ طَفَرَ مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ كَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يَصِلَ إِلَى الْأَرْضِ لِأَنَّ الْأَرْضَ هَاوِيَةٌ، وَذَلِكَ الْإِنْسَانُ هَاوٍ، وَالْأَرْضُ أَثْقَلُ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَالثَّقِيلَانِ إِذَا نَزَلَا كَانَ أَثْقَلُهُمَا أَسْرَعَهَمَا وَالْأَبْطَأُ لَا يَلْحَقُ الْأَسْرَعَ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يَصِلَ الْإِنْسَانُ إِلَى الْأَرْضِ فَثَبَتَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ هَاوِيَةً لَمَا كَانَتْ فِرَاشًا، أَمَّا لَوْ كَانَتْ حَرَكَتُهَا بِالِاسْتِدَارَةِ لَمْ يَكْمُلِ انْتِفَاعُنَا بِهَا، لَأَنَّ حَرَكَةَ الْأَرْضِ مَثَلًا إِذَا كَانَتْ إِلَى الْمَشْرِقِ وَالْإِنْسَانُ يُرِيدُ أَنْ يَتَحَرَّكَ إِلَى جَانِبِ الْمَغْرِبِ وَلَا شَكَّ أَنَّ حَرَكَةَ الْأَرْضِ أَسْرَعُ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى الْإِنْسَانُ عَلَى مَكَانِهِ وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إِلَى حَيْثُ يُرِيدُ، فَلَمَّا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَرْضَ غَيْرُ مُتَحَرِّكَةٍ لَا بِالِاسْتِدَارَةِ وَلَا بِالِاسْتِقَامَةِ فَهِيَ سَاكِنَةٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ ذَلِكَ السُّكُونِ عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَرْضَ لَا نِهَايَةَ لَهَا مِنْ جَانِبِ السُّفْلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَهْبِطٌ فَلَا تَنْزِلُ وَهَذَا فَاسِدٌ لِمَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ تَنَاهِي الْأَجْسَامِ. وَثَانِيهَا: الَّذِينَ سَلَّمُوا تناهي الأجسام قالوا الأرض ليست بكرة بَلْ هِيَ كَنِصْفِ كُرَةٍ وَحَدَبَتُهَا فَوْقُ وَسَطْحُهَا أَسْفَلُ وَذَلِكَ السَّطْحُ مَوْضُوعٌ عَلَى الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ، وَمِنْ شَأْنِ الثَّقِيلِ إِذَا انْبَسَطَ أَنْ يَنْدَغِمَ عَلَى الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ مِثْلَ/ الرَّصَاصَةِ فَإِنَّهَا إِذَا انْبَسَطَتْ طَفَتْ عَلَى الْمَاءِ، وَإِنْ جُمِعَتْ رَسَبَتْ وهذا باطل الوجهين: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ سَبَبِ وُقُوفِ الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ كَالْبَحْثِ عَنْ سَبَبِ وُقُوفِ الْأَرْضِ. وَالثَّانِي: لِمَ صَارَ ذَلِكَ الْجَانِبُ مِنَ الْأَرْضِ مُنْبَسِطًا حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْمَاءِ وَصَارَ هَذَا الْجَانِبُ مُتَحَدِّبًا؟. وَثَالِثُهَا: الَّذِينَ قَالُوا سَبَبُ سُكُونِ الْأَرْضِ جَذْبُ الْفَلَكِ لَهَا مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ فَلَمْ يَكُنِ انْجِذَابُهَا إِلَى بَعْضِ الْجَوَانِبِ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ فَبَقِيَتْ فِي الْوَسَطِ وَهَذَا بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَصْغَرَ أَسْرَعُ انْجِذَابًا مِنَ الْأَكْبَرِ، فَمَا بَالُ الذَّرَّةِ لَا تَنْجَذِبُ إِلَى الْفَلَكِ. الثَّانِي: الْأَقْرَبُ أَوْلَى بِالِانْجِذَابِ فَالذَّرَّةُ الْمَقْذُوفَةُ إِلَى فَوْقٍ أَوْلَى بِالِانْجِذَابِ وَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا تَعُودَ. وَرَابِعُهَا: قَوْلُ مَنْ جَعَلَ سَبَبَ سُكُونِهَا دَفْعَ الْفَلَكِ لَهَا مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ، كَمَا إِذَا جُعِلَ شَيْءٌ مِنَ التُّرَابِ فِي قِنِّينَةٍ ثُمَّ أُدِيرَتِ الْقِنِّينَةُ عَلَى قُطْبِهَا إِدَارَةً سَرِيعَةً، فَإِنَّهُ يَقِفُ التُّرَابُ فِي وَسَطِ الْقِنِّينَةِ لِتَسَاوِي الدَّفْعِ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ. وَهَذَا أَيْضًا
بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ خَمْسَةٍ. الْأَوَّلُ: الدَّفْعُ إِذَا بَلَغَ فِي الْقُوَّةِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ فَلِمَ لَا يُحِسُّ بِهِ الْوَاحِدُ مِنَّا؟ الثَّانِي: مَا بَالُ هَذَا الدَّفْعِ لَا يَجْعَلُ حَرَكَةَ السُّحُبِ وَالرِّيَاحِ إِلَى جِهَةٍ بِعَيْنِهَا. الثَّالِثُ: مَا بَالُهُ لَمْ يَجْعَلِ انْتِقَالَهَا إِلَى الْمَغْرِبِ أَسْهَلَ مِنَ انْتِقَالِهَا إِلَى الْمَشْرِقِ. الرَّابِعُ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الثَّقِيلُ كُلَّمَا كَانَ أَعْظَمَ أَنْ تَكُونَ حَرَكَتُهُ أَبْطَأَ، لِأَنَّ انْدِفَاعَ الْأَعْظَمِ مِنَ الدَّافِعِ الْقَاسِرِ، أَبْطَأُ مِنَ انْدِفَاعِ الْأَصْغَرِ. الْخَامِسُ: يَجِبُ أَنْ تَكُونَ حَرَكَةُ الثَّقِيلِ النَّازِلِ مِنَ الِابْتِدَاءِ أَسْرَعَ مِنْ حَرَكَتِهِ عِنْدَ الِانْتِهَاءِ، لِأَنَّهُ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ، أَبْعَدُ مِنَ الْفَلَكِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْأَرْضَ بِالطَّبْعِ تَطْلُبُ وَسَطَ الْفَلَكِ، وَهُوَ قَوْلُ أَرِسْطَاطَالِيسَ وَجُمْهُورِ أَتْبَاعِهِ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْجِسْمِيَّةِ، فَاخْتِصَاصُ الْبَعْضِ بِالصِّفَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا تَطْلُبُ تِلْكَ الْحَالَةَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ جَائِزًا، فَيَفْتَقِرُ فِيهِ إِلَى الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ. وَسَادِسُهَا: قَالَ أَبُو هَاشِمٍ: النِّصْفُ الْأَسْفَلُ مِنَ الْأَرْضِ فِيهِ اعْتِمَادَاتٌ صَاعِدَةٌ، وَالنِّصْفُ الْأَعْلَى فِيهِ اعْتِمَادَاتٌ هَابِطَةٌ فَتَدَافَعَ الِاعْتِمَادَانِ فَلَزِمَ الْوُقُوفُ. وَالسُّؤَالُ عَلَيْهِ: أَنَّ اخْتِصَاصَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النِّصْفَيْنِ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ. فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ سُكُونَ الْأَرْضِ لَيْسَ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَعِنْدَ هَذَا نَقُولُ: انْظُرْ إِلَى الْأَرْضِ لِتَعْرِفَ أَنَّهَا مُسْتَقِرَّةٌ بِلَا عَلَّاقَةٍ فَوْقَهَا وَلَا دِعَامَةٍ تَحْتَهَا أَمَّا أَنَّهَا لَا عَلَّاقَةَ فَوْقَهَا فَمُشَاهَدٌ، عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِعَلَّاقَةٍ لَاحْتَاجَتِ الْعَلَّاقَةُ إِلَى عَلَّاقَةٍ أُخْرَى لَا إِلَى نِهَايَةٍ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا دِعَامَةَ تَحْتَهَا فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُمْسِكٍ يُمْسِكُهَا بِقُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ [فَاطِرٍ: 41] . الشَّرْطُ الثَّانِي: فِي كَوْنِ الْأَرْضِ فِرَاشًا لَنَا أَنْ لَا تَكُونَ فِي غَايَةِ الصَّلَابَةِ كَالْحَجَرِ، فَإِنَّ النَّوْمَ وَالْمَشْيَ عَلَيْهِ مِمَّا يُؤْلِمُ الْبَدَنَ، وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ مِنَ الذَّهَبِ مَثَلًا لَتَعَذَّرَتِ الزِّرَاعَةُ عَلَيْهَا، وَلَا يُمْكِنُ اتِّخَاذُ الْأَبْنِيَةِ مِنْهُ لِتَعَذُّرِ حَفْرِهَا وَتَرْكِيبِهَا كَمَا يُرَادُ، وَأَنْ لَا تَكُونَ فِي غَايَةِ اللِّينِ، كَالْمَاءِ الَّذِي تَغُوصُ فِيهِ الرِّجْلُ: الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَكُونَ فِي غَايَةِ اللَّطَافَةِ وَالشَّفَافِيَّةِ فَإِنَّ الشَّفَّافَ لَا يَسْتَقِرُّ النُّورُ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَتَسَخَّنُ مِنَ الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ، فَكَانَ يَبْرُدُ جِدًّا/ فَجَعَلَ اللَّهُ كَوْنَهُ أَغْبَرَ، لِيَسْتَقِرَّ النُّورُ عَلَيْهِ فَيَتَسَخَّنَ فَيَصْلُحَ أَنْ يَكُونَ فِرَاشًا لِلْحَيَوَانَاتِ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ بَارِزَةً مِنَ الْمَاءِ، لِأَنَّ طَبْعَ الْأَرْضِ أَنْ يَكُونَ غَائِصًا فِي الْمَاءِ فَكَانِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْبِحَارُ مُحِيطَةً بِالْأَرْضِ، وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمَا كَانَتْ فِرَاشًا لَنَا، فَقَلَبَ اللَّهُ طَبِيعَةَ الْأَرْضِ وَأَخْرَجَ بَعْضَ جَوَانِبِهَا مِنَ الْمَاءِ كَالْجَزِيرَةِ الْبَارِزَةِ حَتَّى صَلُحَتْ لِأَنْ تَكُونُ فِرَاشًا لَنَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الشَّرْطَ فِي كَوْنِ الْأَرْضِ فِرَاشًا أَنْ لَا تَكُونَ كُرَةً، وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ كُرَةً، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، لِأَنَّ الْكُرَةَ إِذَا عَظُمَتْ جِدًّا كَانَتِ الْقِطْعَةُ مِنْهَا كَالسَّطْحِ فِي إِمْكَانِ الِاسْتِقْرَارِ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَزِيدُهُ تَقْرِيرًا أَنَّ الْجِبَالَ أَوْتَادُ الْأَرْضِ ثُمَّ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرَارُ عَلَيْهَا، فَهَذَا أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي سَائِرِ مَنَافِعَ الْأَرْضِ وَصِفَاتِهَا. فَالْمَنْفَعَةُ الْأُولَى: الْأَشْيَاءُ الْمُتَوَلِّدَةُ فِيهَا مِنَ الْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَالْآثَارِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ لَا يَعْلَمُ تَفَاصِيلَهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَخَمَّرَ الرَّطْبُ بِهَا فَيَحْصُلُ التَّمَاسُكُ فِي أَبْدَانِ الْمُرَكَّبَاتِ. الثَّالِثَةُ: اخْتِلَافُ بِقَاعِ الْأَرْضِ، فَمِنْهَا أَرْضٌ رَخْوَةٌ، وَصُلْبَةٌ، وَرَمَلَةٌ، وَسَبِخَةٌ، وَحَرَّةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ [الرَّعْدِ: 4] وَقَالَ: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً [الْأَعْرَافِ: 58] الرَّابِعَةُ: اخْتِلَافُ أَلْوَانِهَا فَأَحْمَرُ، وَأَبْيَضُ، وَأَسْوَدُ، وَرَمَادِيُّ اللَّوْنِ، وَأَغْبَرُ، عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ [فَاطِرٍ: 27] .
الْخَامِسَةُ: انْصِدَاعُهَا بِالنَّبَاتِ، قَالَ تَعَالَى: وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ [الطَّارِقِ: 12] . السَّادِسَةُ: كَوْنُهَا خَازِنَةً لِلْمَاءِ الْمُنَزَّلِ مِنَ السَّمَاءِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: 18] وَقَوْلِهِ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ [الْمُلْكِ: 30] السَّابِعَةُ: الْعُيُونُ وَالْأَنْهَارُ الْعِظَامُ الَّتِي فِيهَا وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً [الرَّعْدِ: 3] . الثَّامِنَةُ: مَا فِيهَا مِنَ الْمَعَادِنِ وَالْفِلِزَّاتِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ [الْحِجْرِ: 19] ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ تَمَامَ الْبَيَانِ، فَقَالَ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر: 21] . التَّاسِعَةُ: الْخَبْءُ الَّذِي تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى [الْأَنْعَامِ: 95] وَقَالَ: يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النَّمْلِ: 25] ثُمَّ إِنَّ الْأَرْضَ لَهَا طَبْعُ الْكَرَمِ لِأَنَّكَ تَدْفَعُ إِلَيْهَا حَبَّةً وَاحِدَةً، وَهِيَ تَرُدُّهَا عَلَيْكَ سَبْعَمِائَةٍ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [الْبَقَرَةِ: 261] . الْعَاشِرَةُ: حَيَاتُهَا بَعْدَ مَوْتِهَا، قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً [السَّجْدَةِ: 27] وَقَالَ: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [يس: 33] الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَا عَلَيْهَا مِنَ الدَّوَابِّ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ وَالصُّوَرِ وَالْخَلْقِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ [لقمان: 10] . والثانية عشر: مَا فِيهَا مِنَ النَّبَاتِ الْمُخْتَلِفِ أَلْوَانُهُ وَأَنْوَاعُهُ وَمَنَافِعُهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: 7] فَاخْتِلَافُ أَلْوَانِهَا دَلَالَةٌ، وَاخْتِلَافُ طَعُومِهَا دَلَالَةٌ، وَاخْتِلَافُ رَوَائِحِهَا دَلَالَةٌ، فَمِنْهَا قُوتُ الْبَشَرِ، وَمِنْهَا قُوتُ الْبَهَائِمِ، كَمَا قَالَ: كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ [طَهَ: 54] أَمَّا مَطْعُومُ الْبَشَرِ، فَمِنْهَا الطَّعَامُ، وَمِنْهَا الْإِدَامُ، وَمِنْهَا الدَّوَاءُ، وَمِنْهَا الْفَاكِهَةُ، وَمِنْهَا الْأَنْوَاعُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي الْحَلَاوَةِ وَالْحُمُوضَةِ. قَالَ تَعَالَى: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ [فُصِّلَتْ: 10] وَأَيْضًا فَمِنْهَا كُسْوَةُ الْبَشَرِ، لِأَنَّ الْكُسْوَةَ إِمَّا نَبَاتِيَّةٌ، وَهِيَ الْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ، وَإِمَّا حَيَوَانِيَّةٌ وَهِيَ الشَّعْرُ وَالصُّوفُ وَالْإِبْرَيْسَمُ وَالْجُلُودُ، وَهِيَ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي بَثَّهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ، فَالْمَطْعُومُ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْمَلْبُوسُ مِنَ الْأَرْضِ. ثُمَّ قَالَ: وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَنَافِعَ كَثِيرَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الْأَرْضَ سَاتِرَةً لِقَبَائِحِكَ بَعْدَ مَمَاتِكَ، فَقَالَ: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً [الْمُرْسَلَاتِ: 25، 26] . مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ [طه: 55] ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَمَعَ هَذِهِ الْمَنَافِعَ الْعَظِيمَةَ لِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَقَالَ: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [الْجَاثِيَةِ: 13] . الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَا فِيهَا مِنَ الْأَحْجَارِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَفِي صِغَارِهَا مَا يَصْلُحُ لِلزِّينَةِ فَتُجْعَلُ فُصُوصُهَا لِلْخَوَاتِمِ وَفِي كِبَارِهَا مَا يُتَّخَذُ لِلْأَبْنِيَةِ، فَانْظُرْ إِلَى الحجر الذي تستخرج النَّارُ مِنْهُ مَعَ كَثْرَتِهِ، وَانْظُرْ إِلَى الْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ مَعَ عِزَّتِهِ. ثُمَّ انْظُرْ إِلَى كَثْرَةِ النَّفْعِ بِذَلِكَ الْحَقِيرِ، وَقِلَّةِ النَّفْعِ بِهَذَا الشَّرِيفِ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَا أَوْدَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مِنَ الْمَعَادِنِ الشَّرِيفَةِ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، ثُمَّ تَأَمَّلْ فَإِنَّ الْبَشَرَ اسْتَخْرَجُوا الْحِرَفَ الدَّقِيقَةَ وَالصَّنَائِعَ الْجَلِيلَةَ وَاسْتَخْرَجُوا السَّمَكَةَ مِنْ قَعْرِ الْبَحْرِ، وَاسْتَنْزَلُوا الطَّيْرَ مِنْ أَوْجِ الْهَوَاءِ ثُمَّ عَجَزُوا عَنْ إِيجَادِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ في وجودهما إلا الثمينة، وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا عِنْدَ الْعِزَّةِ فَالْقَادِرُ عَلَى إِيجَادِهِمَا يُبْطِلُ هَذِهِ الْحِكْمَةَ، فَلِذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ دُونَهُمَا بَابًا مَسْدُودًا، إِظْهَارًا لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ وَإِبْقَاءً لِهَذِهِ النِّعْمَةِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مَا لَا مَضَرَّةَ عَلَى الْخَلْقِ فِيهِ مَكَّنَهُمْ مِنْهُ فَصَارُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ اتِّخَاذِ الشَّبَهِ مِنَ النُّحَاسِ، وَالزُّجَاجِ مِنَ الرَّمْلِ، وَإِذَا تَأَمَّلَ الْعَاقِلُ فِي هَذِهِ اللَّطَائِفِ وَالْعَجَائِبِ
اضْطُرَّ فِي افْتِقَارِ هَذِهِ التَّدَابِيرِ إِلَى صَانِعٍ حَكِيمٍ مُقْتَدِرٍ عَلِيمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: كَثْرَةُ مَا يُوجَدُ عَلَى الْجِبَالِ وَالْأَرَاضِي مِنَ الْأَشْجَارِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْبِنَاءِ، وَالسُّقُفِ، ثُمَّ الْحَطَبِ. وَمَا أَشَدَّ الْحَاجَةَ إِلَيْهِ فِي الْخَبْزِ وَالطَّبْخِ قَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى دَلَائِلِ الْأَرْضِ وَمَنَافِعِهَا بِأَلْفَاظٍ لَا يَبْلُغُهَا الْبُلَغَاءُ وَيَعْجَزُ عَنْهَا الْفُصَحَاءُ فَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [الرَّعْدِ: 3] وَأَمَّا الْأَنْهَارُ فَمِنْهَا الْعَظِيمَةُ كَالنِّيلِ، وَسَيْحُونَ، وَجَيْحُونَ، وَالْفُرَاتِ، وَمِنْهَا الصِّغَارُ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ وَكُلُّهَا تَحْمِلُ مِيَاهًا عَذْبَةً لِلسَّقْيِ وَالزِّرَاعَةِ وَسَائِرِ الْفَوَائِدِ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي أَنَّ السَّمَاءَ أَفْضَلُ أَمِ الْأَرْضَ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: السَّمَاءُ أَفْضَلُ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ السَّمَاءَ مُتَعَبَّدُ الْمَلَائِكَةِ، وَمَا فِيهَا بُقْعَةٌ عَصَى اللَّهَ فِيهَا أَحَدٌ. وَثَانِيهَا: لَمَّا أَتَى آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْجَنَّةِ بِتِلْكَ الْمَعْصِيَةِ قِيلَ لَهُ اهْبِطْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَسْكُنُ فِي جِوَارِي مَنْ عَصَانِي. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [المؤمنون: 32] وَقَوْلُهُ: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً [الْفُرْقَانِ: 61] وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْأَرْضِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ وَرَدَ ذِكْرُ السَّمَاءِ مُقَدَّمًا/ عَلَى الْأَرْضِ فِي الذِّكْرِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْأَرْضُ أَفْضَلُ لِوُجُوهٍ «أ» أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ بِقَاعًا مِنَ الْأَرْضِ بِالْبَرَكَةِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً [آلِ عِمْرَانَ: 96] «ب» فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [الْقَصَصِ: 30] «ج» إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ [الْإِسْرَاءِ: 1] «د» وَصَفَ أَرْضَ الشَّامِ بِالْبَرَكَةِ فَقَالَ: مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها [الْأَعْرَافِ: 137] وَخَامِسُهَا: وَصَفَ جُمْلَةَ الْأَرْضِ بالبركة فقال: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ [فُصِّلَتْ: 9] إِلَى قَوْلِهِ: وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها [فُصِّلَتْ: 10] فَإِنْ قِيلَ: وَأَيُّ بَرَكَةٍ فِي الْفَلَوَاتِ الْخَالِيَةِ وَالْمَفَاوِزِ الْمُهْلِكَةِ؟ قُلْنَا إِنَّهَا مَسَاكِنُ لِلْوُحُوشِ وَمَرْعَاهَا، ثُمَّ إِنَّهَا مَسَاكِنُ لِلنَّاسِ إِذَا احْتَاجُوا إِلَيْهَا، فَلِهَذِهِ الْبَرَكَاتِ قَالَ تَعَالَى: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ [الذَّارِيَاتِ: 20] وَهَذِهِ الْآيَاتُ وَإِنْ كَانَتْ حَاصِلَةً لِغَيْرِ الْمُوقِنِينَ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا إِلَّا الْمُوقِنُونَ جَعَلَهَا آيَاتٍ لِلْمُوقِنِينَ تَشْرِيفًا لَهُمْ كَمَا قَالَ: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْأَنْبِيَاءَ الْمُكَرَّمِينَ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى مَا قَالَ: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ [طه: 55] ولم يخلق من السموات شَيْئًا لِأَنَّهُ قَالَ: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الْأَنْبِيَاءِ: 32] . وَسَابِعُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَ نَبِيَّهُ بِهَا فَجَعَلَ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسَاجِدَ لَهُ وَجَعَلَ ترابها طهوراً. أما قوله: السَّماءَ بِناءً فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَمْرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي كِتَابِهِ فِي مَوَاضِعَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إِكْثَارَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذِكْرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ شَأْنِهِمَا، وَعَلَى أَنَّ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِمَا أَسْرَارًا عَظِيمَةً، وَحِكَمًا بَالِغَةً لَا يَصِلُ إِلَيْهَا أَفْهَامُ الْخَلْقِ وَلَا عُقُولُهُمْ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي فَضَائِلِ السَّمَاءِ وَهِيَ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَيَّنَهَا بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ بِالْمَصَابِيحِ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [الْمُلْكِ: 5] وَبِالْقَمَرِ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نُوحٍ: 16] وَبِالشَّمْسِ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [نُوحٍ: 16] وَبِالْعَرْشِ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التَّوْبَةِ: 129] وَبِالْكُرْسِيِّ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الْبَقَرَةِ: 255] وَبِاللَّوْحِ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [الْبُرُوجِ: 22] وَبِالْقَلَمِ ن وَالْقَلَمِ [الْقَلَمِ: 1] فَهَذِهِ سَبْعَةٌ: ثَلَاثَةٌ مِنْهَا ظَاهِرَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ خَفِيَّةٌ: ثَبَتَتْ بِالدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ مِنَ الآيات والأخبار. الثاني: أنه تعالى سمى السموات بِأَسْمَاءَ تَدُلُّ عَلَى عِظَمِ شَأْنِهَا: سَمَاءً، وَسَقْفًا مَحْفُوظًا، وَسَبْعًا طِبَاقًا، وَسَبْعًا شِدَادًا. ثُمَّ ذَكَرَ عاقبة
أَمْرِهَا فَقَالَ: وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ [الْمُرْسَلَاتِ: 9] ، وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ [التَّكْوِيرِ: 11] ، يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ [الْأَنْبِيَاءِ: 104] ، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ [الْمَعَارِجِ: 8] ، يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً [الطُّورِ: 9] ، فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ [الرَّحْمَنِ: 37] وَذَكَرَ مَبْدَأَهَا فِي آيَتَيْنِ فَقَالَ: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [فُصِّلَتْ: 11] وَقَالَ: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [الْأَنْبِيَاءِ: 30] فَهَذَا الِاسْتِقْصَاءُ الشَّدِيدُ فِي كَيْفِيَّةِ حُدُوثِهِمَا وَفَنَائِهِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَهُمَا لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ عَلَى مَا قَالَ: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ص: 27] ، وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ السَّمَاءَ قِبْلَةَ الدُّعَاءِ: فَالْأَيْدِي تُرْفَعُ إِلَيْهَا، وَالْوُجُوهُ تَتَوَجَّهُ نَحْوَهَا، وَهِيَ مَنْزِلُ الْأَنْوَارِ وَمَحَلُّ الصَّفَاءِ وَالْأَضْوَاءِ وَالطَّهَارَةِ وَالْعِصْمَةِ عَنِ الْخَلَلِ وَالْفَسَادِ. الرَّابِعُ: قَالَ بَعْضُهُمُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُونَ عَلَى صِفَتَيْنِ، فَالسَّمَاوَاتُ مُؤَثِّرَةٌ غَيْرُ مُتَأَثِّرَةٍ. وَالْأَرْضُونَ مُتَأَثِّرَةٌ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ/ وَالْمُؤَثِّرُ أَشْرَفُ مِنَ الْقَابِلِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قُدِّمَ ذِكْرُ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ فِي الْأَكْثَرِ، وأيضاً ففي أكثر الأمر ذكر السموات بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَالْأَرْضِ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّهُ لَا بد من السموات الْكَثِيرَةِ لِيَحْصُلَ بِسَبَبِهَا الِاتِّصَالَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ لِلْكَوَاكِبِ وَتَغَيُّرُ مَطَارِحِ الشُّعَاعَاتِ، وَأَمَّا الْأَرْضُ فَقَابِلَةٌ فَكَانَتِ الْأَرْضُ الْوَاحِدَةُ كَافِيَةً. الْخَامِسُ: تَفَكَّرْ فِي لَوْنِ السَّمَاءِ وَمَا فِيهِ مِنْ صَوَابِ التَّدْبِيرِ، فَإِنَّ هَذَا اللَّوْنَ أَشَدُّ الْأَلْوَانِ مُوَافَقَةً لِلْبَصَرِ وَتَقْوِيَةً لَهُ، حَتَّى أَنَّ الْأَطِبَّاءَ يَأْمُرُونَ مَنْ أَصَابَهُ وَجَعُ الْعَيْنِ بِالنَّظَرِ إِلَى الزُّرْقَةِ، فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَدِيمَ السَّمَاءِ مُلَوَّنًا بِهَذَا اللَّوْنِ الْأَزْرَقِ، لِتَنْتَفِعَ بِهِ الْأَبْصَارُ النَّاظِرَةُ إِلَيْهَا، فَهُوَ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى جَعَلَ لَوْنَهَا أَنْفَعَ الْأَلْوَانِ، وَهُوَ الْمُسْتَنِيرُ وَشَكْلَهَا أَفْضَلَ الْأَشْكَالِ، وَهُوَ الْمُسْتَدِيرُ، وَلِهَذَا قَالَ: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ [ق: 6] يَعْنِي مَا فِيهَا مِنْ فُصُولٍ، وَلَوْ كَانَتْ سَقْفًا غَيْرَ مُحِيطٍ بِالْأَرْضِ لَكَانَتِ الْفُرُوجُ حَاصِلَةً. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي بَيَانِ فَضَائِلِ السَّمَاءِ وَبَيَانِ فَضَائِلِ مَا فِيهَا، وَهِيَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ أَمَّا الشَّمْسُ فَتَفَكَّرْ فِي طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا، فَلَوْلَا ذَلِكَ لَبَطَلَ أَمْرُ الْعَالَمِ كُلِّهِ، فَكَيْفَ كَانَ النَّاسُ يَسْعَوْنَ فِي مَعَايِشِهِمْ، ثُمَّ الْمَنْفَعَةُ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ ظَاهِرَةٌ، وَلَكِنْ تَأَمَّلِ النَّفْعَ فِي غُرُوبِهَا فَلَوْلَا غُرُوبُهَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ هُدُوٌّ وَلَا قَرَارٌ مَعَ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى الْهُدُوِّ وَالْقَرَارِ لِتَحْصِيلِ الرَّاحَةِ وَانْبِعَاثِ الْقُوَّةِ الْهَاضِمَةِ وَتَنْفِيذِ الْغِذَاءِ إِلَى الْأَعْضَاءِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً [يُونُسَ: 67] وَأَيْضًا فَلَوْلَا الْغُرُوبُ لَكَانَ الْحِرْصُ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ عَلَى مَا قَالَ: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً [النَّبَأِ: 10، 11] وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْلَا الْغُرُوبُ لَكَانَتِ الْأَرْضُ تَحْمَى بِشُرُوقِ الشَّمْسِ عَلَيْهَا حَتَّى يَحْتَرِقَ كُلُّ مَا عَلَيْهَا مِنْ حَيَوَانٍ، وَيَهْلَكَ مَا عَلَيْهَا مِنْ نَبَاتٍ عَلَى مَا قَالَ: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً [الْفُرْقَانِ: 45] فَصَارَتِ الشَّمْسُ بِحِكْمَةِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَطْلُعُ فِي وَقْتٍ وَتَغِيبُ فِي وَقْتٍ، بِمَنْزِلَةِ سِرَاجٍ يُدْفَعُ لِأَهْلِ بَيْتٍ بِمِقْدَارِ حَاجَتِهِمْ ثُمَّ يُرْفَعُ عَنْهُمْ لِيَسْتَقِرُّوا وَيَسْتَرِيحُوا فَصَارَ النُّورُ وَالظُّلْمَةُ عَلَى تَضَادِّهِمَا مُتَعَاوِنَيْنِ مُتَظَاهِرَيْنِ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْعَالَمِ هَذَا كُلُّهُ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا. أَمَّا ارْتِفَاعُ الشَّمْسِ وَانْحِطَاطُهَا فَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَبَبًا لِإِقَامَةِ الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ فَفِي الشِّتَاءِ تَغُورُ الْحَرَارَةُ فِي الشَّجَرِ وَالنَّبَاتِ فَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ مَوَادُّ الثِّمَارِ وَيَلْطُفُ الْهَوَاءُ وَيَكْثُرُ السَّحَابُ وَالْمَطَرُ، وَيَقْوَى أَبْدَانُ الْحَيَوَانَاتِ بِسَبَبِ احْتِقَانِ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ فِي الْبَوَاطِنِ، وَفِي الرَّبِيعِ تَتَحَرَّكُ الطَّبَائِعُ وَتَظْهَرُ الْمَوَادُّ الْمُتَوَلِّدَةُ فِي الشِّتَاءِ فَيَطْلُعُ النَّبَاتُ وَيُنَوِّرُ الشَّجَرُ وَيَهِيجُ الْحَيَوَانُ لِلسِّفَادِ، وَفِي الصَّيْفِ يَحْتَدِمُ الْهَوَاءُ فَتَنْضُجُ
الثِّمَارُ، وَتَنْحَلُّ فُضُولُ الْأَبْدَانِ، وَيَجِفُّ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَيَتَهَيَّأُ لِلْبِنَاءِ وَالْعِمَارَاتِ، وَفِي الْخَرِيفِ يَظْهَرُ الْيُبْسُ وَالْبَرْدُ فَتَنْتَقِلُ الْأَبْدَانُ قَلِيلًا قَلِيلًا إِلَى الشِّتَاءِ، فَإِنَّهُ إِنْ وَقَعَ الِانْتِقَالُ دُفْعَةً وَاحِدَةً هَلَكَتِ الْأَبْدَانُ وَفَسَدَتْ، وَأَمَّا حَرَكَةُ الشَّمْسِ فَتَأَمَّلْ فِي مَنَافِعِهَا، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاقِفَةً فِي مَوْضِعٍ/ وَاحِدٍ لَاشْتَدَّتِ السُّخُونَةُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَاشْتَدَّ الْبَرْدُ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ، لَكِنَّهَا تَطْلُعُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَتَقَعُ عَلَى مَا يُحَاذِيهَا مِنْ وَجْهِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ لَا تَزَالُ تَدُورُ وَتَغْشَى جِهَةً بَعْدِ جِهَةٍ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْغُرُوبِ فَتُشْرِقَ عَلَى الْجَوَانِبِ الشَّرْقِيَّةِ فَلَا يَبْقَى مَوْضِعٌ مَكْشُوفٌ إِلَّا وَيَأْخُذُ حَظًّا مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ، وَأَيْضًا كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لَوْ وَقَفَتْ فِي جَانِبِ الشَّرْقِ وَالْغَنِيُّ قَدْ رَفَعَ بِنَاءَهُ عَلَى كُوَّةِ الْفَقِيرِ، فَكَانَ لَا يَصِلُ النُّورُ إِلَى الْفَقِيرِ، لَكِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ إِنْ كَانَ الْغَنِيُّ مَنَعَهُ نُورَ الشَّمْسِ فَأَنَا أُدِيرُ الْفَلَكَ وَأُدِيرُهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَأْخُذَ الْفَقِيرُ نَصِيبَهُ. وَأَمَّا مَنَافِعُ مَيْلِهَا فِي حَرَكَتِهَا عَنْ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ، فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْكَوَاكِبِ حَرَكَةٌ فِي الْمَيْلِ لَكَانَ التَّأْثِيرُ مَخْصُوصًا بِبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَانَ سَائِرُ الْجَوَانِبِ يَخْلُو عَنِ الْمَنَافِعِ الْحَاصِلَةِ مِنْهُ وَكَانَ الَّذِي يَقْرُبُ مِنْهُ مُتَشَابِهَ الْأَحْوَالِ، وَكَانَتِ الْقُوَّةُ هُنَاكَ لِكَيْفِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ حَارَّةً أَفْنَتِ الرُّطُوبَاتِ وَأَحَالَتْهَا كُلَّهَا إِلَى النَّارِيَّةِ وَلَمْ تَتَكَوَّنِ الْمُتَوَلِّدَاتُ فَيَكُونُ الْمَوْضِعُ الْمُحَاذِي لِمَمَرِّ الْكَوَاكِبِ عَلَى كَيْفِيَّةٍ، وَخَطُّ مَا لَا يُحَاذِيهِ عَلَى كَيْفِيَّةٍ أُخْرَى وَخَطٌّ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُمَا عَلَى كَيْفِيَّةٍ مُتَوَسِّطَةٍ فَيَكُونُ فِي مَوْضِعٍ شِتَاءٌ دَائِمٌ يَكُونُ فِيهِ الْهَوَاءُ وَالْعَجَاجَةُ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ صَيْفٌ دَائِمٌ يُوجِبُ الِاحْتِرَاقَ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ رَبِيعٌ أَوْ خَرِيفٌ لَا يَتِمُّ فِيهِ النُّضْجُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَوْدَاتٌ مُتَتَالِيَةٌ، وَكَانَتِ الْكَوَاكِبُ تَتَحَرَّكُ بَطِيئًا لَكَانَ الْمَيْلُ قَلِيلَ الْمَنْفَعَةِ وَكَانَ التَّأْثِيرُ شَدِيدَ الْإِفْرَاطِ، وَكَانَ يَعْرِضُ قَرِيبًا مِمَّا لَمْ يَكُنْ مَيْلٌ، وَلَوْ كَانَتِ الْكَوَاكِبُ أَسْرَعَ حَرَكَةً مِنْ هَذِهِ لَمَا كَمُلَتِ الْمَنَافِعُ وَمَا تَمَّتْ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَيْلٌ يَحْفَظُ الْحَرَكَةَ فِي جِهَةٍ مُدَّةً، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى بِمِقْدَارِ الْحَاجَةِ وَتَبْقَى فِي كُلِّ جِهَةٍ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ تَمَّ بِذَلِكَ تَأْثِيرُهُ وَكَثُرَتْ مَنْفَعَتُهُ، فَسُبْحَانَ الْخَالِقِ الْمُدَبِّرِ بِالْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ وَالْقُدْرَةِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ. هَذَا أَمَّا الْقَمَرُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِآيَةِ اللَّيْلِ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ طُلُوعَهُ وَغَيْبَتَهُ مَصْلَحَةً، وَجَعَلَ طُلُوعَهُ فِي وَقْتٍ مَصْلَحَةً، وَغُرُوبَهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ مَصْلَحَةً، أَمَّا غُرُوبُهُ فَفِيهِ نَفْعٌ لِمَنْ هَرَبَ مِنْ عَدُوِّهِ فَيَسْتُرُهُ اللَّيْلُ يُخْفِيهِ فَلَا يَلْحَقُهُ طَالِبٌ فَيَنْجُوَ، وَلَوْلَا الظَّلَامُ لَأَدْرَكَهُ الْعَدُوُّ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُتَنَبِّي: وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدِي مِنْ يَدٍ ... تُخْبِرُ أَنَّ الْمَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ وَأَمَّا طُلُوعُهُ فَفِيهِ نَفْعٌ لِمَنْ ضَلَّ عَنْهُ شَيْءٌ أَخْفَاهُ الظَّلَامُ وَأَظْهَرَهُ الْقَمَرُ. وَمِنَ الْحِكَايَاتِ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا نَامَ عَنْ جَمَلِهِ لَيْلًا فَفَقَدَهُ، فَلَمَّا طَلَعَ الْقَمَرُ وَجَدَهُ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ صَوَّرَكَ وَنَوَّرَكَ، وَعَلَى الْبُرُوجِ دَوَّرَكَ، فَإِذَا شَاءَ نَوَّرَكَ، وَإِذَا شَاءَ كَوَّرَكَ، فَلَا أَعْلَمُ مَزِيدًا أَسْأَلُهُ لَكَ، وَلَئِنْ أَهْدَيْتَ إِلَيَّ سُرُورًا لَقَدْ أَهْدَى اللَّهُ إِلَيْكَ نُورًا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: مَاذَا أَقُولُ وَقَوْلِي فِيكَ ذُو قِصَرٍ ... وَقَدْ كَفَيْتَنِي التَّفْصِيلَ وَالْجُمَلَا إِنْ قُلْتُ لَا زِلْتَ مَرْفُوعًا فَأَنْتَ كَذَا ... أَوْ قَلْتُ زَانَكَ رَبِّي فَهُوَ قَدْ فَعَلَا وَلَقَدْ كَانَ فِي الْعَرَبِ مَنْ يَذُمُّ الْقَمَرَ وَيَقُولُ: الْقَمَرُ يُقَرِّبُ الْأَجَلَ، وَيَفْضَحُ السَّارِقَ، / وَيُدْرِكُ الْهَارِبَ. وَيَهْتِكُ الْعَاشِقَ، وَيُبْلِي الْكَتَّانَ، وَيُهْرِمُ الشُّبَّانَ، وَيُنْسِي ذِكْرَ الْأَحْبَابِ، وَيُقَرِّبُ الدَّيْنَ، وَيُدْنِي الْحَيْنَ. وَكَانَ فِيهِمْ أَيْضًا مَنْ يُفَضِّلُ الْقَمَرَ عَلَى الشَّمْسِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَمَرَ مُذَكَّرٌ. وَالشَّمْسَ مُؤَنَّثٌ لَكِنَّ الْمُتَنَبِّيَ طَعَنَ فِيهِ بِقَوْلِهِ:
فَمَا التَّأْنِيثُ لِاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبٌ ... وَلَا التَّذْكِيرُ فَخْرٌ لِلْهِلَالِ وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: الْقَمَرَانِ، فَجَعَلُوا الشَّمْسَ تَابِعَةً لِلْقَمَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَضَّلَ الشَّمْسَ عَلَى الْقَمَرِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَهَا عَلَى الْقَمَرِ فِي قَوْلِهِ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ [الرَّحْمَنِ: 5] ، وَالشَّمْسِ وَضُحاها وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها [الشَّمْسِ: 1، 2] إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ مَنْقُوضَةٌ بِقَوْلِهِ: فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التَّغَابُنِ: 2] وَقَالَ: لَا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ [الْحَشْرِ: 20] وَقَالَ: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الملك: 2] وقال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشَّرْحِ: 6] وَقَالَ: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ [فَاطِرٍ: 32] الْآيَةَ. أَمَّا النُّجُومُ: فَفِيهَا مَنَافِعُ. الْمَنْفَعَةُ الْأُولَى: كَوْنُهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَالثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ بِهَا، وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَهْتَدِيَ بِهَا الْمُسَافِرُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، قَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الْأَنْعَامِ: 97] ثُمَّ النُّجُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: غَارِبَةٌ لَا تَطْلُعُ كَالْكَوَاكِبِ الْجَنُوبِيَّةِ، وَطَالِعَةٌ لَا تَغْرُبُ كَالشَّمَالِيَّةِ، وَمِنْهَا مَا يَغْرُبُ تَارَةً وَيَطْلُعُ أُخْرَى، وَأَيْضًا مِنْهَا ثَوَابِتُ، وَمِنْهَا سَيَّارَاتٌ، وَمِنْهَا شَرْقِيَّةٌ، وَمِنْهَا غَرْبِيَّةٌ وَالْكَلَامُ فِيهَا طَوِيلٌ. أَمَّا الَّذِي تَدَّعِيهِ الْفَلَاسِفَةُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَجْرَامِ وَالْأَبْعَادِ. فَدَعْ عَنْكَ بَحْرًا ضَلَّ فِيهِ السَّوَابِحُ قَالَ تَعَالَى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الْجِنِّ: 26، 27] وَقَالَ: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الْإِسْرَاءِ: 85] وَقَالَ: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [هُودٍ: 31] وَقَالَ: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [الْكَهْفِ: 51] فَقَدْ عَجَزَ الْخَلْقُ عَنْ مَعْرِفَةِ ذَوَاتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ فَكَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلَى مَعْرِفَةِ أَبْعَدِ الْأَشْيَاءِ عَنْهُمْ، وَالْعَرَبُ مَعَ بُعْدِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقَائِقِ عَرَفُوا ذَلِكَ، قَالَ قَائِلُهُمْ: وَأَعْرِفُ مَا فِي الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ ... وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا في غد عمي وقال لبيد: فو الله مَا تَدْرِي الضَّوَارِبُ بِالْحَصَى ... وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللَّهُ صَانِعُ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي شَرْحِ كَوْنِ السَّمَاءِ بِنَاءً، قَالَ الْجَاحِظُ: إِذَا تَأَمَّلْتَ فِي هَذَا الْعَالَمِ وَجَدْتَهُ كَالْبَيْتِ الْمُعَدِّ فِيهِ كُلُّ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَالسَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ كَالسَّقْفِ، وَالْأَرْضُ مَمْدُودَةٌ كَالْبِسَاطِ، وَالنُّجُومُ مُنَوِّرَةٌ كَالْمَصَابِيحِ وَالْإِنْسَانُ كَمَالِكِ الْبَيْتِ الْمُتَصَرِّفِ فِيهِ، وَضُرُوبُ النَّبَاتِ مُهَيَّأَةٌ لِمَنَافِعِهِ وَضُرُوبُ الْحَيَوَانَاتِ مُصَرَّفَةٌ فِي مَصَالِحِهِ، فَهَذِهِ جُمْلَةٌ وَاضِحَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ مَخْلُوقٌ بِتَدْبِيرٍ كَامِلٍ وَتَقْدِيرٍ شَامِلٍ وَحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ وَقُدْرَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ وَكَانَتْ كَالصَّدَفِ وَالدُّرَّةِ الْمُودَعَةِ فِيهِ آدَمُ وَأَوْلَادُهُ، ثُمَّ عَلِمَ اللَّهُ أَصْنَافَ حَاجَاتِهِمْ فَكَأَنَّهُ قَالَ يَا آدَمُ لَا أُحْوِجُكَ إِلَى شَيْءٍ غَيْرِ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ لَكَ كَالْأُمِّ فَقَالَ: أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ/ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا [عَبَسَ: 25، 26] فَانْظُرْ يَا عَبْدِي أَنَّ أَعَزَّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَكَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَلَوْ أَنِّي خَلَقْتُ الْأَرْضَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ هَلْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْهَا هَذِهِ الْمَنَافِعُ، ثُمَّ إِنِّي جَعَلْتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَعَ أَنَّهَا سِجْنٌ، فَكَيْفَ
الْحَالُ فِي الْجَنَّةِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَرْضَ أُمُّكَ بَلْ أَشْفَقُ مِنَ الْأُمِّ، لِأَنَّ الْأُمَّ تَسْقِيكَ لَوْنًا وَاحِدًا مِنَ اللَّبَنِ، وَالْأَرْضَ تُطْعِمُكَ كَذَا وَكَذَا لَوْنًا مِنَ الْأَطْعِمَةِ، ثُمَّ قَالَ: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ [طَهَ: 55] مَعْنَاهُ نَرُدُّكُمْ إِلَى هَذِهِ الْأُمِّ، وَهَذَا لَيْسَ بِوَعِيدٍ، لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يُوعَدُ بِأُمِّهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَكَانَكَ مِنَ الْأُمِّ الَّتِي وَلَدَتْكَ أَضْيَقُ مِنْ مَكَانِكَ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ إِنَّكَ كُنْتَ فِي بَطْنِ الْأُمِّ تسعة أشهر فما مَسَّكَ جُوعٌ وَلَا عَطَشٌ، فَكَيْفَ إِذَا دَخَلْتَ بَطْنَ الْأُمِّ الْكُبْرَى، وَلَكِنَّ الشَّرْطَ أَنْ تَدْخُلَ بَطْنَ هَذِهِ الْأُمِّ الْكُبْرَى، كَمَا كُنْتَ فِي بَطْنِ الْأُمِّ الصُّغْرَى، لِأَنَّكَ حِينَ كُنْتَ فِي بَطْنِ الْأُمِّ الصُّغْرَى مَا كَانَتْ لَكَ زَلَّةٌ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ كَبِيرَةٌ، بَلْ كُنْتَ مُطِيعًا لِلَّهِ بِحَيْثُ دَعَاكَ مَرَّةً إِلَى الْخُرُوجِ إِلَى الدُّنْيَا فَخَرَجْتَ إِلَيْهَا بِالرَّأْسِ طَاعَةً مِنْكَ لِرَبِّكَ، وَالْيَوْمَ يَدْعُوكَ سَبْعِينَ مَرَّةً إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا تُجِيبُهُ بِرِجْلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاءَ بَيَّنَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ شِبْهِ عَقْدِ النِّكَاحِ بِإِنْزَالِ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ وَالْإِخْرَاجِ بِهِ مِنْ بَطْنِهَا أَشْبَاهَ النَّسْلِ الْحَاصِلِ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَمِنْ أنواع الثمار رزقاً لبني آدم لِيَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي أَحْوَالِ مَا فَوْقَهُمْ وَمَا تَحْتَهُمْ، وَيَعْرِفُوا أَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَكْوِينِهَا وَتَخْلِيقِهَا إِلَّا مَنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهَا فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، وذلك هو الصانع الحكيم سبحانه وتعالى. وهاهنا سُؤَالَاتٌ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: هَلْ تَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لِهَذِهِ الثَّمَرَاتِ عَقِيبَ وُصُولِ الْمَاءِ إِلَيْهَا بِمَجْرَى الْعَادَةِ، أَوْ تَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِي الْمَاءِ طَبِيعَةً مُؤَثِّرَةً، وَفِي الْأَرْضِ طَبِيعَةً قَابِلَةً، فَإِذَا اجْتَمَعَا حَصَلَ الْأَثَرُ مِنْ تِلْكَ الْقُوَّةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى؟ وَالْجَوَابُ: لَا شَكَّ أَنَّ عَلَى كِلَّا الْقَوْلَيْنِ لَا بُدَّ مِنَ الصَّانِعِ الْحَكِيمِ وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَنَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ هَذِهِ الثِّمَارِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْوَسَائِطِ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ لَا مَعْنَى لَهَا إِلَّا جِسْمٌ قَامَ بِهِ طَعْمٌ وَلَوْنٌ وَرَائِحَةٌ وَرُطُوبَةٌ، وَالْجِسْمُ قَابِلٌ لِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مَقْدُورَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ لِلْمَقْدُورِيَّةِ إِمَّا الْحُدُوثُ، أَوِ الْإِمْكَانُ، وَإِمَّا هُمَا وَعَلَى التَّقْدِيرَاتِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَادِرًا عَلَى خَلْقِ هَذِهِ الْأَعْرَاضِ فِي الْجِسْمِ ابْتِدَاءً بِدُونِ هَذِهِ الْوَسَائِطِ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ مِنَ الدَّلَائِلِ النَّقْلِيَّةِ مَا وَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنَّهُ تَعَالَى يَخْتَرِعُ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِلْمُثَابِينَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْوَسَائِطِ، إِلَّا أَنَّا نَقُولُ قُدْرَتُهُ عَلَى خَلْقِهَا ابْتِدَاءً لَا تُنَافِي قُدْرَتَهُ عَلَيْهَا بِوَاسِطَةِ خَلْقِ هَذِهِ الْقُوَى الْمُؤَثِّرَةِ وَالْقَابِلَةِ فِي الْأَجْسَامِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ إِنْكَارُ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ دَلِيلٍ. السُّؤَالُ الثَّانِي: لَمَّا كَانَ قَادِرًا عَلَى خَلْقِ هَذِهِ الثِّمَارِ بِدُونِ هَذِهِ الْوَسَائِطِ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي خَلْقِهَا بِهَذِهِ الْوَسَائِطِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ؟ وَالْجَوَابُ: يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. ثُمَّ ذَكَرُوا مِنَ الْحَكَمِ الْمُفَصَّلَةِ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَجْرَى الْعَادَةَ بِأَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى ترتيب وتدريج، لأن المكلفين إذا تحلوا الْمَشَقَّةَ فِي الْحَرْثِ وَالْغَرْسِ طَلَبًا/ لِلثَّمَرَاتِ وَكَدُّوا أَنْفُسَهُمْ فِي ذَلِكَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَمَّا احْتَاجُوا إِلَى تَحَمُّلِ هَذِهِ الْمَشَاقِّ لِطَلَبِ هَذِهِ الْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَأَنْ يَتَحَمَّلُوا مَشَاقَّ أَقَلَّ مِنَ الْمَشَاقِّ الدُّنْيَوِيَّةِ لِطَلَبِ الْمَنَافِعِ الْأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنَ الْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَانَ أَوْلَى، وَصَارَ هَذَا كَمَا قُلْنَا أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الشِّفَاءِ مِنْ غَيْرِ تَنَاوُلِ الدَّوَاءِ لَكِنَّهُ أَجْرَى عَادَتَهُ بِتَوْقِيفِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذَا تَحَمَّلَ مَرَارَةَ الْأَدْوِيَةِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْمَرَضِ، فَلَأَنْ يَتَحَمَّلَ مَشَاقَّ التَّكْلِيفِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْعِقَابِ كَانَ أَوْلَى وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ خَلَقَهَا دُفْعَةً مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْوَسَائِطِ لَحَصَلَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِإِسْنَادِهَا إِلَى الْقَادِرِ الْحَكِيمِ، وَذَلِكَ كَالْمُنَافِي لِلتَّكْلِيفِ وَالِابْتِلَاءِ أَمَّا لَوْ خَلَقَهَا بِهَذِهِ الْوَسَائِطِ فَحِينَئِذٍ يَفْتَقِرُ الْمُكَلَّفُ فِي إِسْنَادِهَا إِلَى الْقَادِرِ إِلَى نَظَرٍ دَقِيقٍ، وَفِكْرٍ غَامِضٍ فَيَسْتَوْجِبُ الثَّوَابَ، وَلِهَذَا قِيلَ: لَوْلَا الْأَسْبَابُ لَمَا ارْتَابَ مُرْتَابٌ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لِلْمَلَائِكَةِ وَلِأَهْلِ الِاسْتِبْصَارِ عِبَرٌ فِي ذَلِكَ وَأَفْكَارٌ صَائِبَةٌ. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً يَقْتَضِي نُزُولَ الْمَطَرِ مِنَ السَّمَاءِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ
فَإِنَّ الْأَمْطَارَ إِنَّمَا تَتَوَلَّدُ مِنْ أَبْخِرَةٍ تَرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ وَتَتَصَاعَدُ إِلَى الطَّبَقَةِ الْبَارِدَةِ مِنَ الْهَوَاءِ فَتَجْتَمِعُ هُنَاكَ بِسَبَبِ الْبَرْدِ وَتَنْزِلُ بَعْدَ اجْتِمَاعِهَا وَذَلِكَ هُوَ الْمَطَرُ. وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ السَّمَاءَ إِنَّمَا سُمِّيَتْ سَمَاءً لِسُمُوِّهَا فَكُلُّ مَا سَمَاكَ فَهُوَ سَمَاءٌ فَإِذَا نَزَلَ مِنَ السَّحَابِ فَقَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُحَرِّكَ لِإِثَارَةِ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الرَّطْبَةِ مِنْ عمق الأرض الأجزاء الرطبة أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ هُوَ الصِّدْقُ وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ تَعَالَى يُنَزِّلُ الْمَطَرَ مِنَ السَّمَاءِ، فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَنْزِلُ مِنَ السَّحَابِ فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّحَابِ، وَمِنَ السَّحَابِ إِلَى الْأَرْضِ. السُّؤَالُ الرَّابِعُ: مَا مَعْنَى مِنْ فِي قَوْلِهِ: مِنَ الثَّمَراتِ الْجَوَابُ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: التَّبْعِيضُ لِأَنَّ الْمُنَكَّرَيْنِ أَعْنِي مَاءً وَرِزْقًا يَكْتَنِفَانِهِ وَقَدْ قُصِدَ بِتَنْكِيرِهِمَا مَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ بَعْضَ الْمَاءِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ بَعْضَ الثَّمَرَاتِ لِيَكُونَ بَعْضَ رِزْقِكُمْ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِلْبَيَانِ كَقَوْلِكَ أَنْفَقْتُ مِنَ الدَّرَاهِمِ إِنْفَاقًا، فَإِنْ قِيلَ فَبِمَ انْتَصَبَ رِزْقًا؟ قُلْنَا إِنْ كَانَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ كَانَ انْتِصَابُهُ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. وَإِنْ كَانَتْ مُبَيِّنَةً كَانَ مَفْعُولًا لأخرج. السُّؤَالُ الْخَامِسُ: الثَّمَرُ الْمُخْرَجُ بِمَاءِ السَّمَاءِ كَثِيرٌ، فَلِمَ قِيلَ الثَّمَرَاتِ دُونَ الثَّمَرِ أَوِ الثِّمَارِ؟ الْجَوَابُ: تَنْبِيهًا عَلَى قِلَّةِ ثِمَارِ الدُّنْيَا وَإِشْعَارًا بِتَعْظِيمِ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَاللَّهِ أَعْلَمُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَفِيهِ سُؤَالَاتٌ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: فَلا تَجْعَلُوا الْجَوَابُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْأَمْرِ، أَيِ اعْبُدُوا فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا فَإِنَّ أَصْلَ الْعِبَادَةِ وَأَسَاسَهَا التَّوْحِيدُ. وثانيها: بلعل، والمعنى خلقكم لكي تنقوا وَتَخَافُوا عِقَابَهُ فَلَا تُثْبِتُوا لَهُ نِدًّا فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ مُوجِبَاتِ الْعِقَابِ. وَثَالِثُهَا: بِقَوْلِهِ: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً أَيْ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ هَذِهِ الدَّلَائِلَ الْبَاهِرَةَ فَلَا تَتَّخِذُوا لَهُ شُرَكَاءَ السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا النِّدُّ؟ الْجَوَابُ: أَنَّهُ الْمِثْلُ الْمُنَازِعُ وَنَادَدْتُ الرَّجُلَ نَافَرْتُهُ مِنْ نَدَّ نُدُودًا إِذَا نَفَرَ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ النِّدَّيْنِ يُنَادُّ صَاحِبَهُ أَيْ يُنَافِرُهُ وَيُعَانِدُهُ، فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا إِنَّ الْأَصْنَامَ/ تُنَازِعُ اللَّهَ. قُلْنَا لَمَّا عَبَدُوهَا وَسَمَّوْهَا آلِهَةً أَشْبَهَتْ حَالُهُمْ حَالَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا آلِهَةٌ قَادِرَةٌ عَلَى مُنَازَعَتِهِ فَقِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَكَمَا تَهَكَّمَ بِلَفْظِ النِّدِّ شَنَّعَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ جَعَلُوا أَنْدَادًا كَثِيرَةً لِمَنْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ قَطُّ، وَقَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: مَا مَعْنَى وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْجَوَابُ: مَعْنَاهُ إِنَّكُمْ لِكَمَالِ عُقُولِكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يَصِحُّ جَعْلُهَا أَنْدَادًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا تَقُولُوا ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَوْلَ الْقَبِيحَ مِمَّنْ علم قبحه يكون أقبح وهاهنا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ أَحَدٌ يُثْبِتُ لِلَّهِ شَرِيكًا يُسَاوِيهِ فِي الْوُجُودِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يُوجَدْ إِلَى الْآنِ لَكِنَّ الثَّنَوِيَّةَ يُثْبِتُونَ إِلَهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَلِيمٌ يَفْعَلُ الْخَيْرَ وَالثَّانِي: سَفِيهٌ يَفْعَلُ الشَّرَّ، وَأَمَّا اتِّخَاذُ مَعْبُودٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى فَفِي الذَّاهِبِينَ إِلَى ذَلِكَ كَثْرَةٌ، الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ: عَبْدَةُ الْكَوَاكِبِ وَهُمُ الصَّابِئَةُ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ هَذِهِ الْكَوَاكِبَ، وَهَذِهِ الْكَوَاكِبُ هِيَ الْمُدَبِّرَاتُ لِهَذَا الْعَالَمِ، قَالُوا فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْبُدَ الْكَوَاكِبَ، وَالْكَوَاكِبُ تَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى. وَالْفَرِيقُ الثَّانِي: النَّصَارَى الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَالْفَرِيقُ الثَّالِثُ: عَبْدَةُ الْأَوْثَانِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا دِينَ أَقْدَمَ مِنْ دِينِ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَقْدَمَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ نُقِلَ إِلَيْنَا تَارِيخُهُمْ هُوَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ إِنَّمَا جَاءَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِهِ فِي قَوْلِهِ: وَقالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً [نُوحٍ: 23] فَعَلِمْنَا أَنَّ
هَذِهِ الْمَقَالَةَ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى الْآنِ بَلْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعَالَمِ مُسْتَمِرُّونَ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ. وَالدِّينُ وَالْمَذْهَبُ الَّذِي هَذَا شَأْنُهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُعْرَفُ فَسَادُهُ بِالضَّرُورَةِ لَكِنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ هَذَا الْحَجَرَ الْمَنْحُوتَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ لَيْسَ هُوَ الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ فَيَسْتَحِيلُ إِطْبَاقُ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ غَرَضٌ آخَرُ سِوَى ذَلِكَ وَالْعُلَمَاءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: مَا ذَكَرَهُ أَبُو مَعْشَرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُنَجِّمُ الْبَلْخِيُّ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الصِّينِ وَالْهِنْدِ كَانُوا يَقُولُونَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جِسْمٌ وَذُو صُورَةٍ كَأَحْسَنِ مَا يَكُونُ مِنَ الصُّوَرِ، وَهَكَذَا حَالُ الْمَلَائِكَةِ أَيْضًا فِي صُوَرِهِمُ الْحَسَنَةِ: وَأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ قَدِ احْتَجَبُوا عَنَّا بِالسَّمَاءِ وَأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَصُوغُوا تَمَاثِيلَ أَنِيقَةَ الْمَنْظَرِ حَسَنَةَ الرُّوَاءِ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْتَقِدُونَهَا مِنْ صُوَرِ الْإِلَهِ وَالْمَلَائِكَةِ، فَيَعْكُفُونَ عَلَى عِبَادَتِهَا قَاصِدِينَ طَلَبَ الزُّلْفَى إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتِهِ فَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ أَبُو مَعْشَرٍ فَالسَّبَبُ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ اعْتِقَادُ الشَّبَهِ. وَثَانِيهَا: مَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَنَّ النَّاسَ رَأَوْا تَغَيُّرَاتِ أَحْوَالِ هَذَا الْعَالَمِ مَرْبُوطَةً بِتَغَيُّرَاتِ أَحْوَالِ الْكَوَاكِبِ فَإِنَّ بِحَسَبِ قُرْبِ الشَّمْسِ وَبُعْدِهَا عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ تَحْدُثُ الْفُصُولُ الْمُخْتَلِفَةُ وَالْأَحْوَالُ الْمُتَبَايِنَةُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ رَصَدُوا أَحْوَالَ سَائِرِ الْكَوَاكِبِ فَاعْتَقَدُوا ارْتِبَاطَ السَّعَادَةِ وَالنُّحُوسَةِ فِي الدُّنْيَا بِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهَا فِي طَوَالِعِ النَّاسِ فَلَمَّا اعْتَقَدُوا ذَلِكَ بَالَغُوا فِي تَعْظِيمِهَا، فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا أَشْيَاءٌ وَاجِبَةُ الْوُجُودِ لِذَوَاتِهَا وَهِيَ الَّتِي خَلَقَتْ هَذِهِ الْعَوَالِمَ، وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلْإِلَهِ الْأَكْبَرِ لَكِنَّهَا خَالِقَةٌ لِهَذَا الْعَالَمِ، فَالْأَوَّلُونَ/ اعْتَقَدُوا أَنَّهَا هِيَ الْإِلَهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْفَرِيقُ الثَّانِي: أَنَّهَا هِيَ الْوَسَائِطُ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ الْبَشَرِ، فَلَا جَرَمَ اشْتَغَلُوا بِعِبَادَتِهَا وَالْخُضُوعِ لَهَا، ثُمَّ لَمَّا رَأَوُا الْكَوَاكِبَ مُسْتَتِرَةً فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ عَنِ الْأَبْصَارِ اتَّخَذُوا لَهَا أَصْنَامًا وَأَقْبَلُوا عَلَى عِبَادَتِهَا قَاصِدِينَ بِتِلْكَ الْعِبَادَاتِ تِلْكَ الْأَجْرَامَ الْعَالِيَةَ، وَمُتَقَرِّبِينَ إِلَى أَشْبَاحِهَا الْغَائِبَةِ، ثُمَّ لَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ أَلْغَوْا ذِكْرَ الْكَوَاكِبِ وَتَجَرَّدُوا لِعِبَادَةِ تِلْكَ التَّمَاثِيلِ، فَهَؤُلَاءِ فِي الْحَقِيقَةِ عَبَدَةُ الْكَوَاكِبِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ أَصْحَابَ الْأَحْكَامِ كَانُوا يُعَيِّنُونَ أَوْقَاتًا فِي السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ نَحْوَ الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنِ اتَّخَذَ طَلْسَمًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي أَحْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ نَحْوَ السَّعَادَةِ وَالْخِصْبِ وَدَفْعِ الْآفَاتِ وَكَانُوا إِذَا اتَّخَذُوا ذَلِكَ الطَّلْسَمَ عَظَّمُوهُ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ يَنْتَفِعُونَ بِهِ فَلَمَّا بَالَغُوا فِي ذَلِكَ التَّعْظِيمِ صَارَ ذَلِكَ كَالْعِبَادَةِ وَلَمَّا طَالَتْ مُدَّةُ ذَلِكَ الْفِعْلِ نَسَوْا مَبْدَأَ الْأَمْرِ وَاشْتَغَلُوا بِعِبَادَتِهَا عَلَى الْجَهَالَةِ بِأَصْلِ الْأَمْرِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ مَتَى مَاتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ كَبِيرٌ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أَنَّهُ مُجَابُ الدَّعْوَةِ وَمَقْبُولُ الشَّفَاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى اتَّخَذُوا صَنَمًا عَلَى صُورَتِهِ يَعْبُدُونَهُ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ ذَلِكَ الْإِنْسَانَ يَكُونُ شَفِيعًا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَخْبَرُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ فِي قَوْلِهِ: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يُونُسَ: 18] وَخَامِسُهَا: لَعَلَّهُمُ اتَّخَذُوهَا مَحَارِيبَ لِصَلَوَاتِهِمْ وَطَاعَاتِهِمْ وَيَسْجُدُونَ إِلَيْهَا لَا لَهَا كَمَا أَنَّا نَسْجُدُ إِلَى الْقِبْلَةِ لَا لِلْقِبْلَةِ وَلَمَّا اسْتَمَرَّتْ هَذِهِ الْحَالَةُ ظَنَّ الْجُهَّالُ مِنَ الْقَوْمِ أَنَّهُ يَجِبُ عِبَادَتُهَا. وَسَادِسُهَا: لَعَلَّهُمْ كَانُوا مِنَ الْمُجَسِّمَةِ فَاعْتَقَدُوا جَوَازَ حُلُولِ الرَّبِّ فِيهَا فَعَبَدُوهَا عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، فَهَذِهِ هِيَ الْوُجُوهُ الَّتِي يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَلَيْهَا حَتَّى لَيَصِيرَ بِحَيْثُ يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَمَّا رَجَعَ حَاصِلُ مَذْهَبِ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ خَالِقِ الْعَالَمِ أَنْ لَا يَجُوزَ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ؟ الْجَوَابُ قُلْنَا: إِنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا نَبَّهَ عَلَى كون الأرض
وَالسَّمَاءِ مَخْلُوقَتَيْنِ بِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْأَرْضَ وَالسَّمَاءَ يُشَارِكُونَ سَائِرَ الْأَجْسَامِ فِي الْجِسْمِيَّةِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ اخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْأَشْكَالِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَخْبَارِ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وَبَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ الْمُخَصِّصَ لَوْ كَانَ جِسْمًا لَافْتَقَرَ هُوَ أَيْضًا إِلَى مُخَصِّصٍ آخَرَ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ جِسْمًا، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: أَمَّا قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِ الشَّبَهِ فَلَمَّا دَلَلْنَا بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْيِ الْجِسْمِيَّةِ فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُهُ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْكَوَاكِبَ هِيَ الْمُدَبِّرَةُ لِهَذَا الْعَالَمِ فَلَمَّا أَقَمْنَا الدَّلَالَةَ عَلَى أَنَّ كُلَّ جِسْمٍ يَفْتَقِرُ فِي اتِّصَافِهِ بِكُلِّ مَا اتَّصَفَ بِهِ إِلَى الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ بَطَلَ كَوْنُهَا آلِهَةً، وَثَبَتَ أَنَّهَا عَبِيدٌ لَا أَرْبَابٌ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الطَّلْسَمَاتِ فَقَدْ بَطَلَ أَيْضًا لِأَنَّ تَأْثِيرَ الطَّلْسَمَاتِ إِنَّمَا يَكُونُ بِوَاسِطَةِ قُوَى الْكَوَاكِبِ، فَلَمَّا دَلَّلْنَا عَلَى حُدُوثِ الْكَوَاكِبِ ثَبَتَ قَوْلُنَا وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ. وَأَمَّا الْقَوْلُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ: فَلَيْسَ في العقل ما يوجه أَوْ يُحِيلُهُ، لَكِنَّ الشَّرْعَ لَمَّا مَنَعَ مِنْهُ وَجَبَ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ. وَأَمَّا الْقَوْلُ السَّادِسُ: فَهُوَ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى التَّشْبِيهِ فَثَبَتَ بِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ إِقَامَةَ الدَّلَالَةِ عَلَى افْتِقَارِ/ الْعَالَمِ إِلَى الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ الْمُنَزَّهِ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ يُبْطِلُ الْقَوْلَ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ عَلَى كُلِّ التَّأْوِيلَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الْيُونَانِيِّينَ كَانُوا قَبْلَ خُرُوجِ الْإِسْكَنْدَرِ عَمَدُوا إِلَى بِنَاءِ هَيَاكِلَ لَهُمْ مَعْرُوفَةٍ بِأَسْمَاءِ الْقُوَى الرُّوحَانِيَّةِ وَالْأَجْرَامِ النَّيِّرَةِ وَاتَّخَذُوهَا مَعْبُودًا لَهُمْ عَلَى حِدَةٍ، وَقَدْ كَانَ هَيْكَلُ الْعِلَّةِ الْأُولَى- وَهِيَ عِنْدُهُمُ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ- وَهَيْكَلُ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ، وَهَيْكَلُ السِّيَاسَةِ الْمُطْلَقَةِ. وَهَيْكَلُ النَّفْسِ وَالصُّورَةِ مُدَوَّرَاتٍ كُلَّهَا، وَكَانَ هَيْكَلُ زُحَلَ مُسَدَّسًا. وَهَيْكَلُ الْمُشْتَرِي مُثَلَّثًا. وَهَيْكَلُ الْمِرِّيخِ مُسْتَطِيلًا، وَهَيْكَلُ الشَّمْسِ مُرَبَّعًا، وَكَانَ هَيْكَلُ الزُّهْرَةِ مُثَلَّثًا فِي جَوْفِهِ مُرَبَّعٌ وَهَيْكَلُ عُطَارِدَ مُثَلَّثًا فِي جَوْفِهِ مُسْتَطِيلٌ، وَهَيْكَلُ الْقَمَرِ مُثَمَّنًا فَزَعَمَ أَصْحَابُ التَّارِيخِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ لَمَّا سَادَ قَوْمَهُ وَتَرَأَّسَ عَلَى طَبَقَاتِهِمْ وَوَلِيَ أَمْرَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ اتَّفَقَتْ لَهُ سَفْرَةٌ إِلَى الْبَلْقَاءِ فَرَأَى قَوْمًا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَسَأَلَهُمْ عَنْهَا فَقَالُوا هَذِهِ أَرْبَابٌ نَسْتَنْصِرُ بِهَا فَنُنْصَرُ، وَنَسْتَسْقِي بِهَا فَنُسْقَى. فَالْتَمَسَ إِلَيْهِمْ أَنْ يُكْرِمُوهُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا فَأَعْطَوْهُ الصَّنَمَ الْمَعْرُوفَ بِهُبَلَ فَسَارَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ وَوَضَعَهُ فِي الْكَعْبَةِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى تَعْظِيمِهِ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ مُلْكِ سَابُورَ ذِي الْأَكْتَافِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ بُيُوتِ الْأَصْنَامِ الْمَشْهُورَةِ «غَمْدَانَ» الَّذِي بناء الضَّحَّاكُ عَلَى اسْمِ الزُّهْرَةِ بِمَدِينَةِ صَنْعَاءَ وَخَرَّبَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَمِنْهَا «نُوبَهَارُ بَلْخَ» الَّذِي بَنَاهُ مُنُوشَهَرْ الْمَلِكُ عَلَى اسْمِ الْقَمَرِ ثُمَّ كَانَ لِقَبَائِلِ الْعَرَبِ أَوْثَانٌ مَعْرُوفَةٌ مِثْلَ «وُدٍّ» بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ لِكَلْبٍ وَ «سُوَاعٍ» لِبَنِي هُذَيْلٍ وَ «يَغُوثَ» لِبَنِي مَذْحِجٍ وَ «يَعُوقَ» لِهَمْدَانَ وَ «نَسْرٍ» بِأَرْضِ حِمْيَرٍ لِذِي الْكُلَاعِ وَ «اللَّاتِ» بِالطَّائِفِ لِثَقِيفٍ وَ «مَنَاةَ» بِيَثْرِبَ لِلْخَزْرَجِ وَ «الْعُزَّى» لِكِنَانَةَ بنواحي مكة و «أساف» و «نائلة» عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكَانَ قُصَيٌّ جَدُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَتِهَا وَيَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: أَرَبًّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفَ رَبٍّ ... أَدِينُ إِذَا تَقَسَّمَتِ الْأُمُورُ تَرَكْتُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى جَمِيعًا ... كذلك يفعل الرجل البصير
[سورة البقرة (2) : الآيات 23 إلى 24]
[سورة البقرة (2) : الآيات 23 الى 24] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (24) الْكَلَامُ فِي النبوة / في الآية [23] مسائل: المسألة الأولى: [في فساد قول التعليمية والحشوية] اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا أَقَامَ الدَّلَائِلَ الْقَاهِرَةَ عَلَى إِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَأَبْطَلَ الْقَوْلَ بِالشَّرِيكِ عَقَّبَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى النُّبُوَّةِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ التَّعْلِيمِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ مُسْتَفَادَةً مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ، وَقَوْلِ الْحَشَوِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تَحْصُلُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ إِلَّا مِنَ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ، وَلَمَّا كَانَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْنِيَّةً عَلَى كَوْنِ الْقُرْآنِ مُعْجِزًا أَقَامَ الدَّلَالَةَ عَلَى كَوْنِهِ مُعْجِزًا. وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَهُ مُعْجِزًا يُمْكِنُ بَيَانُهُ مِنْ طريقين: الْأَوَّلُ: أَنْ يُقَالَ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِسَائِرِ كَلَامِ الْفُصَحَاءِ، أَوْ زَائِدًا عَلَى سَائِرِ كَلَامِ الْفُصَحَاءِ بِقَدْرٍ لَا يَنْقُضُ الْعَادَةَ أَوْ زَائِدًا عَلَيْهِ بِقَدْرٍ يَنْقُضُ، وَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ بَاطِلَانِ فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُمَا بَاطِلَانِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنْهُ إِمَّا مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُنْفَرِدِينَ، فَإِنْ وَقَعَ التَّنَازُعُ وَحَصَلَ الْخَوْفُ مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ فَالشُّهُودُ وَالْحُكَّامِ يُزِيلُونَ الشُّبْهَةَ، وَذَلِكَ نِهَايَةٌ فِي الِاحْتِجَاجِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى قَوَانِينِ الْفَصَاحَةِ فِي الْغَايَةِ. وَكَانُوا فِي مَحَبَّةِ إِبْطَالِ أَمْرِهِ فِي الْغَايَةِ حَتَّى بَذَلُوا النُّفُوسَ وَالْأَمْوَالَ وَارْتَكَبُوا ضُرُوبَ الْمَهَالِكِ وَالْمِحَنِ، وَكَانُوا فِي الْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ عَلَى حَدٍّ لَا يَقْبَلُونَ الْحَقَّ فَكَيْفَ الْبَاطِلُ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْإِتْيَانَ بِمَا يَقْدَحُ فِي قَوْلِهِ وَالْمُعَارَضَةُ أَقْوَى الْقَوَادِحِ، فَلَمَّا لَمْ يَأْتُوا بِهَا عَلِمْنَا عَجْزَهُمْ عَنْهَا فَثَبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُمَاثِلُ قَوْلَهُمْ، وَأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِهِمْ لَيْسَ تَفَاوُتًا مُعْتَادًا فَهُوَ إِذَنْ تَفَاوُتٌ نَاقِضٌ لِلْعَادَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُعْجِزًا، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ تَقْرِيرِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ فَظَهَرَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ كَمَا لَمْ يَكْتَفِ فِي مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ بِالتَّقْلِيدِ فَكَذَا فِي مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ لَمْ يَكْتَفِ بِالتَّقْلِيدِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي الْقُرْآنِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ تَقْتَضِي نُقْصَانَ فَصَاحَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ فِي الْفَصَاحَةِ بَلَغَ النِّهَايَةَ الَّتِي لَا غَايَةَ لَهَا وَرَاءَهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِهِ مُعْجِزًا، أَحَدُهَا: أَنَّ فَصَاحَةَ الْعَرَبِ أَكْثَرُهَا فِي وَصْفِ مُشَاهَدَاتٍ مِثْلَ وَصْفِ بِعِيرٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ جَارِيَةٍ أَوْ مَلِكٍ أَوْ ضَرْبَةٍ أَوْ طَعْنَةٍ أَوْ وَصْفِ حَرْبٍ أَوْ وَصْفِ غَارَةٍ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ شَيْءٌ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا تَحْصُلَ فِيهِ الْأَلْفَاظُ الْفَصِيحَةُ الَّتِي اتَّفَقَتِ الْعَرَبُ عَلَيْهَا فِي كَلَامِهِمْ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى رَاعَى فِيهِ طَرِيقَةَ الصِّدْقِ وَتَنَزَّهَ عَنِ الْكَذِبِ فِي جَمِيعِهِ وَكُلُّ شَاعِرٍ تَرَكَ الْكَذِبَ وَالْتَزَمَ الصِّدْقَ نَزَلَ شِعْرُهُ وَلَمْ يَكُنْ جَيِّدًا أَلَا تَرَى أَنَّ لَبِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ وَحَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ لَمَّا أَسْلَمَا نَزَلَ شِعْرُهُمَا. وَلَمْ يَكُنْ شِعْرُهُمَا الْإِسْلَامِيُّ فِي الْجَوْدَةِ كَشِعْرِهِمَا الْجَاهِلِيِّ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَعَ مَا تَنَزَّهَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمُجَازَفَةِ جَاءَ بِالْقُرْآنِ فَصِيحًا كَمَا تَرَى. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْكَلَامَ الْفَصِيحَ وَالشِّعْرَ الْفَصِيحَ إِنَّمَا يَتَّفِقُ فِي الْقَصِيدَةِ فِي الْبَيْتِ وَالْبَيْتَيْنِ وَالْبَاقِي لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ كُلَّهُ فَصِيحٌ بِحَيْثُ يَعْجَزُ الْخَلْقُ عَنْهُ كَمَا عَجَزُوا عَنْ جُمْلَتِهِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ كُلَّ مَنْ قَالَ شِعْرًا فَصِيحًا فِي وَصْفِ شَيْءٍ فَإِنَّهُ إِذَا كَرَّرَهُ لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ الثَّانِي فِي وَصْفِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِمَنْزِلَةِ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ. وَفِي الْقُرْآنِ التَّكْرَارُ الْكَثِيرُ/ وَمَعَ ذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي نِهَايَةِ الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلًا. وخامساً: أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى إِيجَابِ الْعِبَادَاتِ وَتَحْرِيمِ
الْقَبَائِحِ وَالْحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَتَرْكِ الدُّنْيَا وَاخْتِيَارِ الْآخِرَةِ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ تُوجِبُ تَقْلِيلَ الْفَصَاحَةِ. وَسَادِسُهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ شِعْرَ امْرِئِ الْقَيْسِ يَحْسُنُ عِنْدَ الطَّرَبِ وَذِكْرِ النِّسَاءِ وَصِفَةِ الْخَيْلِ. وَشِعْرَ النَّابِغَةِ عِنْدَ الْخَوْفِ، وَشِعْرَ الْأَعْشَى عِنْدَ الطَّلَبِ وَوَصْفِ الْخَمْرِ، وَشِعْرَ زُهَيْرٍ عِنْدَ الرَّغْبَةِ وَالرَّجَاءِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ شَاعِرٍ يَحْسُنُ كَلَامُهُ فِي فَنٍّ فَإِنَّهُ يَضْعُفُ كَلَامُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْفَنِّ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ جَاءَ فَصِيحًا فِي كُلِّ الْفُنُونِ عَلَى غَايَةِ الْفَصَاحَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السَّجْدَةِ: 17] وَقَالَ تَعَالَى: وَفِيها مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزُّخْرُفِ: 71] وَقَالَ فِي التَّرْهِيبِ: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ الْآيَاتِ [الْإِسْرَاءِ: 68] وَقَالَ: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ. أَمْ أَمِنْتُمْ [الملك: 16، 17] الآية وَقَالَ: وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إِبْرَاهِيمَ: 15] إِلَى قَوْلِهِ: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ [إِبْرَاهِيمَ: 17] وَقَالَ فِي الزَّجْرِ مَا لَا يَبْلُغُهُ وَهْمُ البشر وهو قوله: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ إِلَى قَوْلِهِ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا [الْعَنْكَبُوتِ: 40] وَقَالَ فِي الْوَعْظِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ [الشُّعَرَاءِ: 205] وَقَالَ فِي الْإِلَهِيَّاتِ: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ [الرعد: 8] إلى آخره. وَسَابِعُهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ أَصْلُ الْعُلُومِ كُلِّهَا فَعِلْمُ الْكَلَامِ كُلُّهُ فِي الْقُرْآنِ، وَعِلْمُ الْفِقْهِ كُلُّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَكَذَا عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَعِلْمُ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، وَعِلْمُ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَأَخْبَارُ الْآخِرَةِ، وَاسْتِعْمَالُ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ «كِتَابِنَا فِي دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» عَلِمَ أَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ بَلَغَ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ الْفَصَاحَةِ إِلَى النِّهَايَةِ الْقُصْوَى، الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنْ نَقُولَ: الْقُرْآنُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ كَانَ بَالِغًا فِي الْفَصَاحَةِ إِلَى حَدِّ الْإِعْجَازِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ثَبَتَ أَنَّهُ مُعْجِزٌ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَانَتِ الْمُعَارَضَةُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مُمْكِنَةً فَعَدَمُ إِتْيَانِهِمْ بِالْمُعَارَضَةِ مَعَ كَوْنِ الْمُعَارَضَةِ مُمْكِنَةً وَمَعَ تَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ على الإتيان بها أمر خارق العادة فَكَانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا فَثَبَتَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ عَلَى جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَهَذَا الطَّرِيقُ عِنْدَنَا أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّمَا قَالَ: نَزَّلْنا عَلَى لَفْظِ التَّنْزِيلِ دُونَ الْإِنْزَالِ لِأَنَّ الْمُرَادَ النُّزُولُ عَلَى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ، وَذِكْرُ هَذَا اللَّفْظِ هُوَ اللَّائِقُ بِهَذَا الْمَكَانِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمُخَالِفًا لِمَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِ النَّاسِ لَمْ يَنْزِلْ هَكَذَا نُجُومًا سُورَةً بَعْدَ سُورَةٍ عَلَى حَسَبِ النَّوَازِلِ وَوُقُوعِ الْحَوَادِثِ وَعَلَى سَنَنِ مَا نَرَى عَلَيْهِ أَهْلَ الْخَطَابَةِ وَالشِّعْرِ مِنْ وُجُودِ مَا يُوجَدُ مِنْهُمْ مُفَرَّقًا حِينًا فَحِينًا بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُتَجَدِّدَةِ وَالْحَاجَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ فَإِنَّ الشَّاعِرَ لَا يُظْهِرُ دِيوَانَ شِعْرِهِ دُفْعَةً وَالْمُتَرَسِّلَ لَا يُظْهِرُ دِيوَانَ رَسَائِلِهِ وَخُطَبِهِ دُفْعَةً فَلَوْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَأَنْزَلَهُ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْعَادَةِ جُمْلَةً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الْفُرْقَانِ: 32] وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وتعالى ذكر هاهنا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ مَعَ مَا يُزِيلُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ النَّازِلَ عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَقْدُورِ الْبَشَرِ أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ/ الْأَوَّلُ وَجَبَ إِتْيَانُهُمْ بِمِثْلِهِ أَوْ بِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ عَلَى التَّدْرِيجِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي ثَبَتَ أَنَّهُ مَعَ نُزُولِهِ عَلَى التَّدْرِيجِ مُعْجِزٌ وَقُرِئَ «عَلَى عِبَادِنَا» يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: السُّورَةُ هِيَ طَائِفَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَوَاوُهَا إِنْ كَانَتْ أَصْلًا فَإِمَّا أَنْ تُسَمَّى بِسُورِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ حَائِطُهَا لِأَنَّهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مَحْدُودَةٌ كَالْبَلَدِ الْمُسَوَّرِ أَوْ لِأَنَّهَا مُحْتَوِيَةٌ عَلَى فُنُونٍ مِنَ الْعِلْمِ كَاحْتِوَاءِ سُورِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا فِيهَا، وَإِمَّا أَنْ تُسَمَّى بِالسُّورَةِ الَّتِي هِيَ الرُّتْبَةُ لِأَنَّ السُّورَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمَنَازِلِ وَالْمَرَاتِبِ يَتَرَقَّى فِيهَا الْقَارِئُ وَهِيَ أَيْضًا فِي أَنْفُسِهَا طُوَالٌ وَأَوْسَاطٌ وَقِصَارٌ. أَوْ لِرِفْعَةِ شَأْنِهَا وَجَلَالَةِ مَحَلِّهَا فِي الدِّينِ، وَإِنْ جَعَلْتَ وَاوَهَا مُنْقَلِبَةً
عَنْ هَمْزَةٍ فَلِأَنَّهَا قِطْعَةٌ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَالسُّورَةِ الَّتِي هِيَ الْبَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ وَالْفَضْلَةُ مِنْهُ. فَإِنْ قِيلَ فَمَا فَائِدَةُ تَقْطِيعِ الْقُرْآنِ سُوَرًا قُلْنَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: مَا لِأَجْلِهِ بَوَّبَ الْمُصَنِّفُونَ كُتُبَهُمْ أَبْوَابًا وَفُصُولًا. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْجِنْسَ إِذَا حَصَلَ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ كَانَ إِفْرَادُ كُلِّ نَوْعٍ عَنْ صَاحِبِهِ أَحْسَنَ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْقَارِئَ إِذَا خَتَمَ سُورَةً أَوْ بَابًا مِنَ الْكِتَابِ ثُمَّ أَخَذَ فِي آخَرَ كَانَ أَنْشَطَ لَهُ وَأَثْبَتَ عَلَى التَّحْصِيلِ مِنْهُ لَوِ اسْتَمَرَّ عَلَى الْكِتَابِ بِطُولِهِ، وَمِثْلُهُ الْمُسَافِرُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَطَعَ مِيلًا أَوْ طَوَى فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ عَنْهُ وَنَشَّطَهُ لِلسَّيْرِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْحَافِظَ إِذَا حَفِظَ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ طَائِفَةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا فَيُجِلُّ فِي نَفْسِهِ ذَلِكَ وَيَغْتَبِطُ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ بِسُورَةٍ تَامَّةٍ أَفْضَلَ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ سُوَرًا هُوَ عَلَى حَدِّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِخِلَافِ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: إِنَّهُ نُظِمَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ فَلِذَلِكَ صَحَّ التَّحَدِّي مَرَّةً بِسُورَةٍ وَمَرَّةً بِكُلِّ الْقُرْآنِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ التَّحَدِّيَ بِالْقُرْآنِ جَاءَ عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى [الْقَصَصِ: 49] . وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الْإِسْرَاءِ: 88] . وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [هُودٍ: 13] وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَنَظِيرُ هَذَا كَمَنَ يَتَحَدَّى صَاحِبَهُ بِتَصْنِيفِهِ فَيَقُولُ ائْتِنِي بِمِثْلِهِ، ائْتِنِي بِنِصْفِهِ، ائْتِنِي بِرُبْعِهِ، ائْتِنِي بِمَسْأَلَةٍ مِنْهُ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ النِّهَايَةُ فِي التَّحَدِّي وَإِزَالَةِ الْعُذْرِ فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ يَتَنَاوَلُ سُورَةَ الْكَوْثَرِ، وَسُورَةَ الْعَصْرِ وَسُورَةَ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ مُمْكِنٌ فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّ الْإِتْيَانَ بِأَمْثَالِ هَذِهِ السُّوَرِ خَارِجٌ عَنْ مَقْدُورِ الْبَشَرِ كَانَ ذَلِكَ مُكَابَرَةً وَالْإِقْدَامُ عَلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْمُكَابِرَاتِ مِمَّا يَطْرُقُ التُّهْمَةَ إِلَى الدِّينِ، قُلْنَا فَلِهَذَا السَّبَبِ اخْتَرْنَا الطَّرِيقَ الثَّانِيَ، وَقُلْنَا إِنْ بَلَغَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي الْفَصَاحَةِ إِلَى حَدِّ الْإِعْجَازِ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ امْتِنَاعُهُمْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ مَعَ شِدَّةِ دَوَاعِيهِمْ إِلَى تَوْهِينِ أَمْرِهِ مُعْجِزًا. فَعَلَى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ يَحْصُلُ الْمُعْجِزُ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: مِنْ مِثْلِهِ إِلَى مَاذَا يَعُودُ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى «مَا» فِي قَوْلِهِ: مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا أَيْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِمَّا هُوَ عَلَى صِفَتِهِ فِي الْفَصَاحَةِ وَحُسْنِ النَّظْمِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى «عَبْدِنَا» أَيْ فَأْتُوا مِمَّنْ هُوَ عَلَى حَالِهِ مِنْ كَوْنِهِ بَشَرًا أُمِّيًّا لَمْ يَقْرَأِ الْكُتُبَ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَأَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ، وَيَدُلُّ عَلَى التَّرْجِيحِ لَهُ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ مُطَابِقٌ لِسَائِرِ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي بَابِ التَّحَدِّي لَا سِيَّمَا مَا ذَكَرَهُ فِي يُونُسَ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يُونُسَ: 38] . وَثَانِيهَا: أَنَّ الْبَحْثَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْمُنَزَّلِ لِأَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا فَوَجَبَ صَرْفُ الضَّمِيرِ إِلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَعْنَى وَإِنِ ارْتَبْتُمْ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهَاتُوا شَيْئًا مِمَّا يُمَاثِلُهُ وَقَضِيَّةُ التَّرْتِيبِ لَوْ كَانَ الضَّمِيرُ مَرْدُودًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمد مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ فَهَاتُوا قُرْآنًا مِنْ مِثْلِهِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الضَّمِيرَ لَوْ كَانَ عَائِدًا إِلَى الْقُرْآنِ لَاقْتَضَى كَوْنَهُمْ عَاجِزِينَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ سَوَاءً اجْتَمَعُوا أَوِ انْفَرَدُوا وَسَوَاءً كَانُوا أُمِّيِّينَ أَوْ كَانُوا عَالِمِينَ مُحَصِّلِينَ، أَمَّا لَوْ كَانَ عَائِدًا إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي إِلَّا كَوْنَ أَحَدِهِمْ مِنَ الْأُمِّيِّينَ عَاجِزِينَ عَنْهُ لِأَنَّهُ
لَا يَكُونُ مِثْلُ مُحَمَّدٍ إِلَّا الشَّخْصَ الْوَاحِدَ الْأُمِّيَّ فَأَمَّا لَوِ اجْتَمَعُوا وَكَانُوا قَارِئِينَ لَمْ يَكُونُوا مِثْلَ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تُمَاثِلُ الْوَاحِدَ، وَالْقَارِئُ لَا يَكُونُ مِثْلَ الْأُمِّيِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِعْجَازَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَقْوَى. وَرَابِعُهَا: أَنَّا لَوْ صَرَفْنَا الضَّمِيرَ إِلَى الْقُرْآنِ فَكَوْنُهُ مُعْجِزًا إِنَّمَا يَحْصُلُ لِكَمَالِ حَالِهِ فِي الْفَصَاحَةِ أَمَّا لَوْ صَرَفْنَاهُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَوْنُهُ مُعْجِزًا إِنَّمَا يَكْمُلُ بِتَقْرِيرِ كَمَالِ حَالِهِ فِي كَوْنِهِ أُمِّيًّا بَعِيدًا عَنِ الْعِلْمِ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُعْجِزًا أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَقْرِيرِ نَوْعٍ مِنَ النُّقْصَانِ فِي حَقِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى. وَخَامِسُهَا: أَنَّا لَوْ صَرَفْنَا الضَّمِيرَ إِلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لكان ذلك يوهم أن صدور مثله الْقُرْآنِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ مُحَمَّدٍ فِي كَوْنِهِ أُمِّيًّا مُمْكِنٌ. وَلَوْ صَرَفْنَاهُ إِلَى الْقُرْآنِ لدل ذلك على أن صدور مثل مِنَ الْأُمِّيِّ وَغَيْرِ الْأُمِّيِّ مُمْتَنِعٌ فَكَانَ هَذَا أَوْلَى. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فِي الْمُرَادِ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ مَنِ ادَّعَوْا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ وَهِيَ الْأَوْثَانُ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ مِنْ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ لِمَا أَنَّهَا تَنْفَعُ وَتَضُرُّ فَقَدْ دُفِعْتُمْ فِي مُنَازَعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى فَاقَةٍ شَدِيدَةٍ وَحَاجَةٍ عَظِيمَةٍ فِي التَّخَلُّصِ عَنْهَا فَتَعَجَّلُوا الِاسْتِعَانَةَ بِهَا وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُبْطِلُونَ فِي ادِّعَاءِ كَوْنِهَا آلِهَةً وَأَنَّهَا تَنْفَعُ وَتَضُرُّ، فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ مُحَاجَّةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي إِبْطَالِ كَوْنِهَا آلِهَةً. وَالثَّانِي: فِي إِبْطَالِ مَا أَنْكَرُوهُ مِنْ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَأَنَّهُ مِنْ قِبَلِهِ. الثَّانِي: الْمُرَادُ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَكَابِرُهُمْ أَوْ مَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي إِنْكَارِ أَمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْمَعْنَى وَادْعُوا أَكَابِرَكُمْ وَرُؤَسَاءَكُمْ لِيُعِينُوكُمْ عَلَى الْمُعَارَضَةِ وَلِيَحْكُمُوا لَكُمْ وَعَلَيْكُمْ فِيمَا يُمْكِنُ وَيَتَعَذَّرُ. فَإِنْ قِيلَ هَلْ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِمَا مَعًا وَبِتَقْدِيرِ التَّعَذُّرِ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى؟ قُلْنَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُمْكِنٌ لِأَنَّ الشُّهَدَاءَ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنَى الْحَاضِرِ أَوِ الْقَائِمِ بِالشَّهَادَةِ فَيُمْكِنُ جَعْلُهُ مَجَازًا عَنِ/ الْمُعِينِ وَالنَّاصِرِ، وَأَوْثَانُهُمْ وَأَكَابِرُهُمْ مُشْتَرِكَةٌ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِمْ كَوْنَهُمْ أَنْصَارًا لَهُمْ وَأَعْوَانًا، وَإِذَا حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى هَذَا الْمَفْهُومِ الْمُشْتَرَكِ دَخَلَ الْكُلُّ فِيهِ وَأَمَّا الثَّانِي فَنَقُولُ: الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى الْأَكَابِرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ الشُّهَدَاءِ لَا يُطْلَقُ ظَاهِرًا إِلَّا عَلَى مَنْ يَصِحُّ أَنْ يُشَاهِدَ وَيَشْهَدَ فَيَتَحَمَّلُ بِالْمُشَاهَدَةِ وَيُؤَدِّي الشَّهَادَةَ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا فِي حَقِّ رُؤَسَائِهِمْ، أَمَّا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْأَوْثَانِ لَزِمَ الْمَجَازُ، فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ الشُّهَدَاءِ عَلَى الْأَوْثَانِ أَوْ يُقَالُ: الْمُرَادُ وَادْعُوا مَنْ تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ شهداؤكم، والإضمار خلاف الأصل، أما إذا حملناه عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ صَحَّ الْكَلَامُ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: وَادْعُوا مَنْ يَشْهَدُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ لِاتِّفَاقِكُمْ عَلَى هَذَا الْإِنْكَارِ. فَإِنَّ الْمُتَّفِقِينَ عَلَى الْمَذْهَبِ يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لِمَكَانِ الْمُوَافَقَةِ فَصَحَّتِ الْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ شُهَدَاءَكُمْ، وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي الْعَرَبِ أَكَابِرُ يَشْهَدُونَ عَلَى الْمُتَنَازِعِينَ فِي الْفَصَاحَةِ بِأَنَّ أَيَّهُمَا أَعْلَى دَرَجَةً مِنَ الْآخَرِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ حَمْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: أَمَّا (دُونَ) فَهُوَ أَدْنَى مَكَانٍ مِنَ الشَّيْءِ وَمِنْهُ الشَّيْءُ الدُّونُ، وَهُوَ الْحَقِيرُ الدَّنِيُّ، وَدَوَّنَ الْكُتُبَ إِذَا جَمَعَهَا لِأَنَّ جَمْعَ الشَّيْءِ أَدْنَاهُ بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ وَيُقَالُ: هَذَا دُونَ ذَاكَ إِذَا كَانَ أَحَطَّ مِنْهُ قَلِيلًا، وَدُونَكَ هَذَا، أَصْلُهُ خُذْهُ مِنْ دُونِكَ أَيْ مِنْ أَدْنَى مَكَانٍ مِنْكَ فَاخْتُصِرَ ثُمَّ اسْتُعِيرَ هَذَا اللَّفْظُ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْأَحْوَالِ، فَقِيلَ زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو فِي الشَّرَفِ وَالْعِلْمِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فَاسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَا يُجَاوِزُ حَدًّا إِلَى حَدٍّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 28] أَيْ لَا يَتَجَاوَزُونَ وِلَايَةَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى وِلَايَةِ الْكَافِرِينَ فَإِنْ قِيلَ فَمَا مُتَعَلِّقُ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْنَا فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ «شُهَدَاءَكُمْ» وَهَذَا فِيهِ احْتِمَالَانِ: الْأَوَّلُ: الْمَعْنَى ادْعُوا الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهُمْ آلِهَةً مَنْ دُونِ اللَّهِ وَزَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّكُمْ
عَلَى الْحَقِّ، وَفِي أَمْرِهِمْ أَنْ يَسْتَظْهِرُوا بِالْجَمَادِ الَّذِي لَا يَنْطِقُ فِي مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ بِفَصَاحَتِهِ غَايَةُ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وَالثَّانِي: ادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَيْ مِنْ دُونِ أَوْلِيَائِهِ وَمِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَشْهَدُوا لَكُمْ أَنَّكُمْ أَتَيْتُمْ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا مِنَ الْمُسَاهَلَةِ وَالْإِشْعَارِ بِأَنَّ شُهَدَاءَهُمْ وَهُمْ فُرْسَانُ الْفَصَاحَةِ تَأْبَى عَلَيْهِمُ الطَّبَائِعُ السَّلِيمَةُ أَنْ يَرْضَوْا لِأَنْفُسِهِمْ بِالشَّهَادَةِ الْكَاذِبَةِ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ هُوَ الدُّعَاءُ، وَالْمَعْنَى ادْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُهَدَاءَكُمْ، يَعْنِي لَا تَسْتَشْهِدُوا بِاللَّهِ وَلَا تَقُولُوا اللَّهُ يَشْهَدُ أَنَّ مَا نَدَّعِيهِ حَقٌّ، كَمَا يَقُولُ الْعَاجِزُ عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ، وَادْعُوا الشُّهَدَاءَ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ شَهَادَتُهُمْ بَيِّنَةٌ تُصَحَّحُ بِهَا الدَّعَاوَى عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَهَذَا تَعْجِيزٌ لَهُمْ وَبَيَانٌ لِانْقِطَاعِهِمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مُتَشَبَّثٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّا لَصَادِقُونَ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَالَ الْقَاضِي هَذَا التَّحَدِّي يُبْطِلُ الْقَوْلَ بِالْجَبْرِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعَذُّرِ مِثْلِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ الْفِعْلُ مِنْهُ، فَمَنْ يَنْفِي كَوْنَ الْعَبْدِ فَاعِلًا لَمْ يُمْكِنْهُ إِثْبَاتُ التَّحَدِّي أَصْلًا وَفِي هَذَا إِبْطَالُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمُعْجِزِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ تَعَذُّرَهُ عَلَى قَوْلِهِمْ يَكُونُ لِفَقْدِ الْقُدْرَةِ/ الْمُوجِبَةِ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَا يَكُونُ مُعْجِزًا. وَمَا لَا يَكُونُ فَلَا يَصِحُّ مَعْنَى التَّحَدِّي عَلَى قَوْلِهِمْ وَثَالِثُهَا: أَنَّ مَا يُضَافُ إِلَى الْعَبْدِ فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لَهُ فَتَحَدِّيهِ تَعَالَى لَهُمْ يَعُودُ فِي التَّحْقِيقِ إِلَى أَنَّهُ مُتَحَدٍّ لِنَفْسِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْإِعْجَازُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْمُعْجِزَ إِنَّمَا يَدُلُّ بِمَا فِيهِ مِنْ نَقْضِ الْعَادَةِ، فَإِذَا كَانَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْمُعْتَادَ أَيْضًا لَيْسَ بِفِعْلٍ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْفَرْقُ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْمُعْجِزِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَجُّ بِأَنَّهُ تَعَالَى خَصَّهُ بِذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الْإِعْجَازِ. وَعَلَى قَوْلِهِمْ بِالْجَبْرِ لَا يَصِحُّ هَذَا الْفَرْقُ، لِأَنَّ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَ الْمُعْتَادِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ، وَالْجَوَابُ. أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ التَّحَدِّي إِمَّا أَنْ يَأْتِيَ الْخَصْمُ بِالْمُتَحَدَّى بِهِ قَصْدًا أَوْ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ اتِّفَاقًا، وَالثَّانِي بَاطِلٌ، لِأَنَّ الِاتِّفَاقِيَّاتِ لَا تَكُونُ فِي وُسْعِهِ، فَثَبَتَ الْأَوَّلُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ إِتْيَانَهُ بِالتَّحَدِّي مَوْقُوفٌ عَلَى أَنْ يَحْصُلَ فِي قَلْبِهِ قَصْدٌ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ الْقَصْدُ إِنْ كَانَ مِنْهُ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْجَبْرُ وَيَلْزَمُهُ كُلُّ مَا أَوْرَدَهُ عَلَيْنَا فَيَبْطُلُ كُلُّ مَا قَالَ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى الْمُعْجِزِ مِنْ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّا نَعْلَمُ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا فِي غَايَةِ الْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي غَايَةِ الْحِرْصِ عَلَى إِبْطَالِ أَمْرِهِ، لِأَنَّ مُفَارَقَةَ الْأَوْطَانِ وَالْعَشِيرَةِ وَبَذْلَ النُّفُوسِ وَالْمُهَجِ مِنْ أَقْوَى مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا انْضَافَ إِلَيْهِ مِثْلُ هَذَا التَّقْرِيعِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَلَوْ كَانَ فِي وُسْعِهِمْ وَإِمْكَانِهِمِ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِ الْقُرْآنِ أَوْ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنْهُ لَأَتَوْا بِهِ، فَحَيْثُ مَا أَتَوْا بِهِ ظَهَرَ الْمُعْجِزُ. وَثَانِيهَا: وَهُوَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا عِنْدَهُمْ فِيمَا يَتَّصِلُ بِالنُّبُوَّةِ فَقَدْ كَانَ مَعْلُومَ الْحَالِ فِي وُفُورِ الْعَقْلِ وَالْفَضْلِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْعَوَاقِبِ، فَلَوْ تَطَرَّقَتِ التُّهْمَةُ إِلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ لَمَا اسْتَجَازَ أَنْ يَتَحَدَّاهُمْ وَيَبْلُغَ فِي التَّحَدِّي إِلَى نِهَايَتِهِ، بَلْ كَانَ يَكُونُ وَجِلًا خَائِفًا مِمَّا يَتَوَقَّعُهُ مِنْ فَضِيحَةٍ يَعُودُ وَبَالُهَا عَلَى جَمِيعِ أُمُورِهِ، حَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَوْلَا مَعْرِفَتُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ عَاجِزُونَ عَنِ الْمُعَارَضَةِ لَمَا جَوَّزَ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى الْمُعَارَضَةِ بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ لَمَا قَطَعَ فِي الْخَبَرِ بِأَنَّهُمْ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ كَانَ يَجُوزُ خِلَافُهُ، وَبِتَقْدِيرِ وُقُوعِ خِلَافِهِ يَظْهَرُ كَذِبُهُ، فَالْمُبْطِلُ الْمُزَوِّرُ الْبَتَّةَ لَا يَقْطَعُ فِي الْكَلَامِ وَلَا يَجْزِمُ بِهِ، فَلَمَّا
جَزَمَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ قَاطِعًا فِي أَمْرِهِ، وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ وُجِدَ مُخْبَرُ هَذَا الْخَبَرِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ لِأَنَّ مِنْ أَيَّامِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى عَصْرِنَا هَذَا لَمْ يَخْلُ وَقْتٌ مِنَ الْأَوْقَاتِ مِمَّنْ يُعَادِي الدِّينَ وَالْإِسْلَامَ وَتَشْتَدُّ دَوَاعِيهِ فِي الْوَقِيعَةِ فِيهِ. ثُمَّ إِنَّهُ مَعَ هَذَا الْحِرْصِ الشَّدِيدِ لَمْ تُوجَدِ الْمُعَارَضَةُ قَطُّ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الْأَرْبَعَةُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُعْجِزِ مِمَّا تَشْتَمِلُ عَلَيْهَا هَذِهِ الْآيَةُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ/ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْجُهَّالِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ لَا يشتمل على الحجة والاستدلال، وهاهنا سُؤَالَاتٌ. السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: انْتِفَاءُ إِتْيَانِهِمْ بِالسُّورَةِ وَاجِبٌ، فَهَلَّا جِيءَ بِإِذَا الَّذِي لِلْوُجُوبِ دُونَ «إِنْ» الَّذِي لِلشَّكِّ الْجَوَابُ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُسَاقَ الْقَوْلُ مَعَهُمْ عَلَى حَسَبِ حُسْبَانِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا بَعْدُ غَيْرَ جَازِمِينَ بِالْعَجْزِ عَنِ الْمُعَارَضَةِ لِاتِّكَالِهِمْ عَلَى فَصَاحَتِهِمْ وَاقْتِدَارِهِمْ عَلَى الْكَلَامِ. الثَّانِي: أَنْ يَتَهَكَّمَ بِهِمْ كَمَا يَقُولُ الْمَوْصُوفُ بِالْقُوَّةِ الْوَاثِقُ مِنْ نَفْسِهِ بِالْغَلَبَةِ عَلَى مَنْ يُقَاوِمُهُ: إِنْ غَلَبْتُكَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَالِبُهُ تَهَكُّمًا بِهِ. السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَمْ يَقُلْ فَإِنْ لَمْ تَأْتُوا بِهِ؟ الْجَوَابُ: لِأَنَّ هَذَا أَخْصَرُ مِنْ أَنْ يُقَالَ فَإِنْ لَمْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَلَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: وَلَنْ تَفْعَلُوا مَا مَحَلُّهَا؟ الْجَوَابُ لَا مَحَلَّ لَهَا لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ اعْتِرَاضِيَّةٌ. السُّؤَالُ الرَّابِعُ: مَا حَقِيقَةُ لَنْ فِي بَابِ النَّفْيِ؟ الْجَوَابُ: لَا وَلَنْ أُخْتَانَ فِي نَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ إِلَّا أَنَّ فِي «لَنْ» تَوْكِيدًا وَتَشْدِيدًا تَقُولُ لِصَاحِبِكَ: لَا أُقِيمُ غَدًا عِنْدَكَ، فَإِنْ أَنْكَرَ عَلَيْكَ قُلْتَ لَنْ أُقِيمَ غَدًا، ثُمَّ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَصْلُهُ لَا أَنْ، وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ. وَثَانِيهَا: لَا، أُبْدِلَتْ أَلِفُهَا نُونًا، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَثَالِثُهَا: حَرْفُ نَصْبٍ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الْخَلِيلِ. السُّؤَالُ الْخَامِسُ: مَا مَعْنَى اشْتِرَاطِهِ فِي اتِّقَاءِ النَّارِ انْتِفَاءُ إِتْيَانِهِمْ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ؟ الْجَوَابُ: إِذَا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندم صِدْقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ ثُمَّ لَزِمُوا الْعِنَادَ اسْتَوْجَبُوا الْعِقَابَ بِالنَّارِ، فَاتِّقَاءُ النَّارِ يُوجِبُ تَرْكَ الْعِنَادِ، فَأُقِيمَ الْمُؤَثِّرُ مَقَامَ الْأَثَرِ، وَجُعِلَ قَوْلُهُ: فَاتَّقُوا النَّارَ قَائِمًا مَقَامَ قَوْلِهِ فَاتْرُكُوا الْعِنَادَ، وَهَذَا هُوَ الْإِيجَازُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَبْوَابِ الْبَلَاغَةِ وَفِيهِ تَهْوِيلٌ لِشَأْنِ الْعِنَادِ، لِإِنَابَةِ اتِّقَاءِ النَّارِ مَنَابَهُ مُتْبِعًا ذَلِكَ بِتَهْوِيلِ صِفَةِ النَّارِ. السُّؤَالُ السَّادِسُ: مَا الْوَقُودُ؟ الْجَوَابُ: هُوَ مَا يُوقَدُ بِهِ النَّارُ وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَمَضْمُومٌ وَقَدْ جَاءَ فِيهِ الْفَتْحُ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَسَمِعْنَا مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ وَقَدْنَا النَّارَ وَقُودًا عَالِيًا، ثُمَّ قَالَ وَالْوَقُودُ أَكْثَرُ، وَالْوَقُودُ الْحَطَبُ وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ بِالضَّمِّ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ فَخَرُ قَوْمِهِ وَزَيْنُ بَلَدِهِ. السُّؤَالُ السَّابِعُ: صِلَةُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قَضِيَّةً مَعْلُومَةً فَكَيْفَ عَلِمَ أُولَئِكَ أَنَّ نَارَ الْآخِرَةِ تُوقَدُ بِالنَّاسِ وَالْحِجَارَةِ؟ الْجَوَابُ، لَا يَمْنَعُ أَنْ يَتَقَدَّمَ لَهُمْ بِذَلِكَ سَمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ سَمِعُوهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ سَمِعُوا مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَهُ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ: نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [التحريم: 6] . السُّؤَالُ الثَّامِنُ: فَلِمَ جَاءَتِ النَّارُ الْمَوْصُوفَةُ بِهَذِهِ الجملة منكرة في سورة التحريم وهاهنا مُعَرَّفَةً؟ الْجَوَابُ: تِلْكَ الْآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فَعَرَفُوا مِنْهَا نَارًا مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ بِالْمَدِينَةِ مُسْتَنِدَةً إِلَى مَا عَرَفُوهُ أَوَّلًا. السُّؤَالُ التَّاسِعُ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ الْجَوَابُ: أَنَّهَا نَارٌ مُمْتَازَةٌ مِنَ النِّيرَانِ بِأَنَّهَا لَا تَتَّقِدُ إِلَّا بِالنَّاسِ وَالْحِجَارَةِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قُوَّتِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ سَائِرَ النِّيرَانِ إِذَا أُرِيدَ إِحْرَاقُ النَّاسِ بِهَا أو إجماء الْحِجَارَةِ أُوقِدَتْ أَوَّلًا بِوَقُودٍ ثُمَّ طُرِحَ فِيهَا مَا يُرَادُ إِحْرَاقُهُ أَوْ إِحْمَاؤُهُ، وَتِلْكَ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ تُوقَدُ بِنَفْسِ مَا تَحْرِقُ. الثَّانِي: أَنَّهَا لِإِفْرَاطِ حَرِّهَا تَتَّقِدُ فِي الْحَجَرِ. السُّؤَالُ الْعَاشِرُ: لِمَ قُرِنَ النَّاسُ بِالْحِجَارَةِ وَجُعِلَتِ الْحِجَارَةُ مَعَهُمْ وَقُودًا؟ الْجَوَابُ: لِأَنَّهُمْ قَرَنُوا بها
[سورة البقرة (2) : آية 25]
أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَيْثُ نَحَتُوهَا أَصْنَامًا وَجَعَلُوهَا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَعَبَدُوهَا مِنْ دُونِهِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الْأَنْبِيَاءِ: 98] وَهَذِهِ الْآيَةُ مُفَسِّرَةٌ لَهَا فَقَوْلُهُ: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي مَعْنَى النَّاسِ وَالْحِجَارَةِ وَحَصَبُ جَهَنَّمَ فِي مَعْنَى وَقُودِهَا وَلَمَّا اعْتَقَدَ الْكُفَّارُ فِي حِجَارَتِهِمُ الْمَعْبُودَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنَّهَا الشُّفَعَاءُ وَالشُّهَدَاءُ الَّذِينَ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِمْ وَيَسْتَدْفِعُونَ الْمَضَارَّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ تمسكاً بهم، وجعلها اللَّهُ عَذَابَهُمْ فَقَرَنَهُمْ بِهَا مُحْمَاةً فِي نَارِ جَهَنَّمَ إِبْلَاغًا وَإِغْرَابًا فِي تَحَسُّرِهِمْ، وَنَحْوُهُ مَا يَفْعَلُهُ بِالْكَافِرِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا ذَهَبَهُمْ وَفِضَّتَهُمْ عُدَّةً وَذَخِيرَةً فَشَحُّوا بِهَا وَمَنَعُوهَا مِنَ الْحُقُوقِ حَيْثُ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، وَقِيلَ هِيَ حِجَارَةُ الْكِبْرِيتِ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، بَلْ فِيهِ مَا يدل على فساده، وذلك لأن الغرض هاهنا تَعْظِيمُ صِفَةِ هَذِهِ النَّارِ وَالْإِيقَادُ بِحِجَارَةِ الْكِبْرِيتِ أَمْرٌ مُعْتَادٌ فَلَا يَدُلُّ الْإِيقَادُ بِهَا عَلَى قُوَّةِ النَّارِ، أَمَّا لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى سَائِرِ الْأَحْجَارِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى عِظَمِ أَمْرِ النَّارِ فَإِنَّ سَائِرَ الْأَحْجَارِ تُطْفَأُ بِهَا النِّيرَانُ فَكَأَنَّهُ قَالَ تِلْكَ النِّيرَانُ بَلَغَتْ لِقُوَّتِهَا أَنْ تَتَعَلَّقَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهَا بِالْحِجَارَةِ الَّتِي هِيَ مُطْفِئَةٌ لِنِيرَانِ الدُّنْيَا، أَمَّا قَوْلُهُ: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ النَّارَ الْمَوْصُوفَةَ مُعَدَّةٌ لِلْكَافِرِينَ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ نِيرَانًا أُخْرَى غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ معدة لفساق أهل الصلاة. [سورة البقرة (2) : آية 25] وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (25) الْكَلَامُ في المعاد اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا تَكَلَّمَ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ تَكَلَّمَ بَعْدَهُمَا فِي الْمَعَادِ وَبَيَّنَ عِقَابَ الْكَافِرِ وَثَوَابَ الْمُطِيعِ وَمِنْ عَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ آيَةً فِي الْوَعِيدِ أن يعقبها بآية في الوعد وهاهنا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي صِحَّةِ الدِّينِ وَالْبَحْثُ/ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِمَّا أَنْ يَقَعَ عَنْ إِمْكَانِهَا أَوْ عَنْ وُقُوعِهَا، أَمَّا الْإِمْكَانُ فَيَجُوزُ إِثْبَاتُهُ تَارَةً بِالْعَقْلِ، وَبِالنَّقْلِ أُخْرَى، وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالنَّقْلِ، وَأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي كِتَابِهِ وَبَيَّنَ الْحَقَّ فِيهِمَا مِنْ وُجُوهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ كَثِيرًا مَا حَكَى عَنِ الْمُنْكِرِينَ إِنْكَارَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ بِأَنَّهُ وَاقِعٌ كَائِنٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الدَّلِيلِ فِيهِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَمْكَنَ إِثْبَاتُهُ بِالدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كذلك فجاز إثباته بالنقل، مثاله ما حكم هاهنا بِالنَّارِ لِلْكَفَّارِ، وَالْجَنَّةِ لِلْأَبْرَارِ، وَمَا أَقَامَ عَلَيْهِ دَلِيلًا بَلِ اكْتَفَى بِالدَّعْوَى، وَأَمَّا فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَإِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ فَلَمْ يَكْتَفِ فِيهِ بِالدَّعْوَى بَلْ ذَكَرَ فِيهِ الدَّلِيلَ، وَسَبَبُ الْفَرْقِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [النَّحْلِ: 38] وَقَالَ فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ [التَّغَابُنِ: 7] . الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ إِمْكَانَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أُمُورٍ تُشْبِهُ الْحَشْرَ وَالنَّشْرَ، وَقَدْ قَرَّرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الطَّرِيقَةَ عَلَى وُجُوهٍ، فَأَجْمَعُهَا مَا جَاءَ فِي
سُورَةِ الْوَاقِعَةِ فَإِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِيهَا حِكَايَةً عن أصحاب الشمال أنهم كانوا يقولون: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الْوَاقِعَةِ: 47- 50] ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى احْتَجَّ عَلَى إِمْكَانِهِ بِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ: أَوَّلُهَا: قَوْلُهُ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ [الْوَاقِعَةِ: 58، 59] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَنِيَّ إِنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ فَضْلَةِ الْهَضْمِ الرَّابِعِ وَهُوَ كَالطَّلِّ الْمُنْبَثِّ فِي آفَاقِ أَطْرَافِ الْأَعْضَاءِ وَلِهَذَا تَشْتَرِكُ الأعضاء في الالتذاذ بالوقوع بِحُصُولِ الِانْحِلَالِ عَنْهَا كُلِّهَا، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَلَّطَ قُوَّةَ الشَّهْوَةِ عَلَى الْبَقِيَّةِ حَتَّى أَنَّهَا تَجْمَعُ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ الطَّلِّيَّةَ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً جِدًّا، أَوَّلًا فِي أَطْرَافِ الْعَالَمِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى جَمَعَهَا فِي بَدَنِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ، ثُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي أَطْرَافِ بَدَنِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ فَجَمَعَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي أَوْعِيَةِ الْمَنِيِّ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَخْرَجَهَا مَاءً دَافِقًا إِلَى قَرَارِ الرَّحِمِ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَجْزَاءُ مُتَفَرِّقَةً فَجَمَعَهَا وَكَوَّنَ مِنْهَا ذَلِكَ الشَّخْصَ، فَإِذَا افْتَرَقَتْ بِالْمَوْتِ مَرَّةً أُخْرَى فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ جَمْعُهَا مَرَّةً أُخْرَى؟ فَهَذَا تَقْرِيرُ هَذِهِ الْحُجَّةِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذكرها فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، مِنْهَا فِي سُورَةِ الحج: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ إلى قوله: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً ثُمَّ قَالَ: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الْحَجِّ: 5- 7] وَقَالَ فِي سُورَةِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ بَعْدَ ذِكْرِ مَرَاتِبِ الْخِلْقَةِ: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: 15، 16] وَقَالَ فِي سورة لا أقسم: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى [القيامة: 37، 38] وَقَالَ فِي سُورَةِ الطَّارِقِ: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ [الطَّارِقِ: 5- 8] . وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ إِلَى قَوْلِهِ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الْوَاقِعَةِ: 63- 67] وَجْهُ الاستدلال به أن الحب وأقسامه/ من مُطَوَّلٌ مَشْقُوقٌ وَغَيْرُ مَشْقُوقٍ، كَالْأُرْزِ وَالشَّعِيرِ، وَمُدَوَّرٌ وَمُثَلَّثٌ وَمُرَبَّعٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ أَشْكَالِهِ إِذَا وَقَعَ فِي الْأَرْضِ النَّدِيَّةِ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْمَاءُ وَالتُّرَابُ، فَالنَّظَرُ الْعَقْلِيُّ يَقْتَضِي أَنْ يَتَعَفَّنَ وَيَفْسُدَ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَكْفِي فِي حُصُولِ الْعُفُونَةِ، فَفِيهِمَا جَمِيعًا أَوْلَى، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَفْسُدُ بَلْ يَبْقَى مَحْفُوظًا، ثُمَّ إِذَا ازْدَادَتِ الرُّطُوبَةُ تَنْفَلِقُ الْحَبَّةُ فِلْقَتَيْنِ فَيَخْرُجُ مِنْهَا وَرَقَتَانِ، وَأَمَّا الْمُطَوَّلُ فَيَظْهَرُ فِي رَأْسِهِ ثُقْبٌ وَتَظْهَرُ الْوَرَقَةُ الطَّوِيلَةُ كَمَا فِي الزَّرْعِ، وَأَمَّا النَّوَى فَمَا فِيهِ مِنَ الصَّلَابَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي بِسَبَبِهَا يَعْجِزُ عَنْ فَلْقِهِ أَكْثَرُ النَّاسِ إِذَا وَقَعَ فِي الْأَرْضِ النَّدِيَّةِ يَنْفَلِقُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَنَوَاةُ التَّمْرِ تَنْفَلِقُ مِنْ نُقْرَةٍ عَلَى ظَهْرِهَا وَيَصِيرُ مَجْمُوعُ النَّوَاةِ مِنْ نِصْفَيْنِ يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ الْجُزْءُ الصَّاعِدُ، وَمِنَ الثَّانِي الْجُزْءُ الْهَابِطُ، أَمَّا الصَّاعِدُ فَيَصْعَدُ، وَأَمَّا الْهَابِطُ فَيَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ الْأَرْضِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّوَاةِ الصَّغِيرَةِ شَجَرَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: خَفِيفٌ صَاعِدٌ، وَالْأُخْرَى ثَقِيلٌ هَابِطٌ مَعَ اتِّحَادِ الْعُنْصُرِ وَاتِّحَادِ طَبْعِ النَّوَاةِ وَالْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالتُّرْبَةِ أَفَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى قُدْرَةٍ كَامِلَةٍ وَحِكْمَةٍ شَامِلَةٍ فَهَذَا الْقَادِرُ كَيْفَ يَعْجَزُ عَنْ جَمْعِ الْأَجْزَاءِ وَتَرْكِيبِ الْأَعْضَاءِ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْحَجِّ: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الْحَجِّ: 5] وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ؟ [الْوَاقِعَةِ: 68، 69] وَتَقْدِيرُهُ أَنَّ الْمَاءَ جِسْمٌ ثَقِيلٌ بِالطَّبْعِ، وَإِصْعَادُ الثَّقِيلِ أَمْرٌ عَلَى خِلَافِ الطَّبْعِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَادِرٍ قَاهِرٍ يَقْهَرُ الطَّبْعَ وَيُبْطِلُ الْخَاصِّيَّةَ وَيُصْعِدُ مَا مِنْ شَأْنِهِ الْهُبُوطُ وَالنُّزُولُ. وَثَانِيهَا: أَنَّ تِلْكَ الذَّرَّاتِ الْمَائِيَّةَ اجْتَمَعَتْ بَعْدَ تَفَرُّقِهَا. وَثَالِثُهَا: تَسْيِيرُهَا بِالرِّيَاحِ وَرَابِعُهَا: إِنْزَالُهَا فِي مَظَانِّ الْحَاجَةِ وَالْأَرْضِ الْجُرُزِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْحَشْرِ. أَمَّا صُعُودُ الثَّقِيلِ فَلِأَنَّهُ قَلْبُ
الطَّبِيعَةِ، فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظْهِرَ الْحَيَاةَ وَالرُّطُوبَةَ مِنْ حَسَاوَةِ التُّرَابِ وَالْمَاءِ؟ وَالثَّانِي: لَمَّا قَدَرَ عَلَى جَمْعِ تِلْكَ الذَّرَّاتِ الْمَائِيَّةِ بَعْدَ تَفَرُّقِهَا فَلِمَ لَا يَجُوزُ جَمْعُ الْأَجْزَاءِ التُّرَابِيَّةِ بَعْدَ تَفَرُّقِهَا؟ وَالثَّالِثُ: تَسْيِيرُ الرِّيَاحِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى تَحْرِيكِ الرِّيَاحِ الَّتِي تَضُمُّ بَعْضَ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الْمُتَجَانِسَةِ إِلَى بَعْضٍ فلم لا يجوز هاهنا؟ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ تَعَالَى أَنْشَأَ السَّحَابَ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهَهُنَا الْحَاجَةُ إِلَى إِنْشَاءِ الْمُكَلَّفِينَ مَرَّةً أُخْرَى لِيَصِلُوا إِلَى مَا اسْتَحَقُّوهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ أَوْلَى وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الدَّلَالَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ فِي الْأَعْرَافِ لَمَّا ذَكَرَ دَلَالَةَ التوحيد: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي إِلَى قَوْلِهِ: قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الْأَعْرَافِ: 56] ثُمَّ ذَكَرَ دَلِيلَ الْحَشْرِ فَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ إِلَى قَوْلِهِ: كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الْأَعْرَافِ: 57] وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ [الْوَاقِعَةِ: 71، 72] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ النَّارَ صَاعِدَةٌ وَالشَّجَرَةَ هَابِطَةٌ، وَأَيْضًا النَّارُ لَطِيفَةٌ، وَالشَّجَرَةُ كَثِيفَةٌ. وَأَيْضًا النَّارُ نُورَانِيَّةٌ وَالشَّجَرَةُ ظَلْمَانِيَّةٌ، وَالنَّارُ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ وَالشَّجَرَةُ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ، فَإِذَا أَمْسَكَ اللَّهُ تَعَالَى فِي دَاخِلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ الْأَجْزَاءَ النُّورَانِيَّةَ النَّارِيَّةَ فَقَدْ جَمَعَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَنَافِرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَعْجِزُ عَنْ تَرْكِيبِ الْحَيَوَانَاتِ وَتَأْلِيفِهَا؟ وَاللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ هَذِهِ الدَّلَالَةَ فِي سُورَةِ يس فَقَالَ: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا [يس: 80] . وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَمَرَ الْمَاءِ وَالنَّارِ وَذَكَرَ فِي النَّمْلِ أَمْرَ الْهَوَاءِ بِقَوْلِهِ: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إلى قوله: أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [النَّمْلِ: 64] وَذَكَرَ الْأَرْضَ فِي الْحَجِّ فِي قَوْلِهِ: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً [الْحَجِّ: 5] فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ الْعَنَاصِرَ الْأَرْبَعَةَ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهَا شَاهِدَةٌ بِإِمْكَانِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ. النَّوْعُ الثَّانِي: مِنَ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى إِمْكَانِ الْحَشْرِ: هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: لَمَّا كُنْتُ قَادِرًا عَلَى الْإِيجَادِ أَوَّلًا فَلَأَنْ أَكُونُ قَادِرًا عَلَى الْإِعَادَةِ أَوْلَى. وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ تَقْرِيرُهَا فِي العقل ظاهر، وأنه تعالى ذكرها فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، مِنْهَا فِي الْبَقَرَةِ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الْبَقَرَةِ: 28] ومنها قوله في سبحان الذي: وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُوا حِجارَةً إِلَى قَوْلِهِ: قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الْإِسْرَاءِ: 49- 51] وَمِنْهَا فِي الْعَنْكَبُوتِ: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الْعَنْكَبُوتِ: 19] وَمِنْهَا قوله في الروم: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى [الرُّومِ: 27] وَمِنْهَا فِي يس: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: 79] ، النَّوْعُ الثالث: الاستدلال باقتداره على السموات عَلَى اقْتِدَارِهِ عَلَى الْحَشْرِ. وَذَلِكَ فِي آيَاتٍ مِنْهَا فِي سُورَةِ سُبْحَانَ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [الْإِسْرَاءِ: 99] وَقَالَ فِي يس: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس: 81] وَقَالَ فِي الْأَحْقَافِ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف: 33] ومنها في سورة ق: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً إِلَى قَوْلِهِ: رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ [ق: 11] ثُمَّ قَالَ: أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: 15] النَّوْعُ الرَّابِعُ: الِاسْتِدْلَالُ عَلَى وُقُوعِ الْحَشْرِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِثَابَةِ الْمُحْسِنِ وَتَعْذِيبِ الْعَاصِي وَتَمْيِيزِ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ بِآيَاتٍ، مِنْهَا فِي يُونُسَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ [يُونُسَ: 4] وَمِنْهَا فِي طَهَ: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها
لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [طَهَ: 15] وَمِنْهَا فِي ص: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ. أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: 27، 28] النَّوْعُ الْخَامِسُ: الِاسْتِدْلَالُ بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى فِي الدُّنْيَا عَلَى صِحَّةِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ فَمِنْهَا خَلْقُهُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ابْتِدَاءً وَمِنْهَا قِصَّةُ الْبَقَرَةِ وهي قوله: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى [الْبَقَرَةِ: 73] وَمِنْهَا قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [الْبَقَرَةِ: 26] وَمِنْهَا قَوْلُهُ: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [الْبَقَرَةِ: 259] وَمِنْهَا قِصَّةُ يَحْيَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَإِنَّهُ تَعَالَى اسْتَدَلَّ عَلَى إِمْكَانِهِمَا بِعَيْنِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْحَشْرِ حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [مَرْيَمَ: 9] وَمِنْهَا فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَلِذَلِكَ قَالَ: لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيها [الْكَهْفِ: 21] وَمِنْهَا قِصَّةُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ [الْأَنْبِيَاءِ: 84] يَدُلُّ عَلَى/ أَنَّهُ تَعَالَى أَحْيَاهُمْ بَعْدَ أَنْ مَاتُوا وَمِنْهَا مَا أَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ إِحْيَاءِ الموتى حيث قال: يُحْيِ الْمَوْتى [الْحَجِّ: 6] وَقَالَ: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي [الْمَائِدَةِ: 110] وَمِنْهَا قَوْلُهُ: أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً [مَرْيَمَ: 67] فَهَذَا هُوَ الْإِشَارَةُ إِلَى أُصُولِ الدَّلَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِالْحَشْرِ، وَسَيَأْتِي الِاسْتِقْصَاءُ فِي تَفْسِيرِ كُلِّ آيَةٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ عِنْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى نَصَّ فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ مُنْكِرَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ كَافِرٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ [الْكَهْفِ: 35- 37] وَوَجْهُ إِلْزَامِ الْكُفْرِ أَنَّ دُخُولَ هَذَا الشَّيْءِ فِي الْوُجُودِ مُمْكِنُ الْوُجُودِ فِي نَفْسِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعَ الْوُجُودِ لَمَا وُجِدَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَحَيْثُ وُجِدَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى عَلِمْنَا أَنَّهُ مُمْكِنُ الْوُجُودِ فِي ذَاتِهِ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَدَلَّ ذَلِكَ إِمَّا عَلَى عَجْزِهِ حَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِيجَادِ مَا هُوَ جَائِزُ الْوُجُودِ فِي نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى جَهْلِهِ حَيْثُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَمْيِيزُ أَجْزَاءِ بَدَنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ عَنْ أَجْزَاءِ بَدَنِ الْمُكَلَّفِ الْآخَرِ، وَمَعَ الْقَوْلِ بِالْعَجْزِ وَالْجَهْلِ لَا يَصِحُّ إِثْبَاتُ النُّبُوَّةِ فَكَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْكُفْرِ قَطْعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَذِهِ الْآيَاتُ صَرِيحَةٌ فِي كَوْنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مخلوقتين، أَمَّا النَّارُ فَلِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي صِفَتِهَا: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فهذا صريحة فِي أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَلِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آلِ عمران: 133] ولأنه تعالى قال هاهنا: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ وُقُوعِ هَذَا الْمِلْكِ وَحُصُولِهِ وَحُصُولُ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ يَقْتَضِي حُصُولَ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَالِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أَنَّ مَجَامِعَ اللَّذَّاتِ إِمَّا الْمَسْكَنُ أَوِ الْمَطْعَمُ أَوِ الْمَنْكَحُ فَوَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَسْكَنَ بِقَوْلِهِ: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالْمَطْعَمَ بِقَوْلِهِ: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَالْمَنْكَحَ بِقَوْلِهِ: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إِذَا حَصَلَتْ وَقَارَنَهَا خَوْفُ الزَّوَالِ كَانَ التَّنَعُّمُ مُنَغَّصًا فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الْخَوْفَ زَائِلٌ عَنْهُمْ فَقَالَ: وَهُمْ فِيها خالِدُونَ فَصَارَتِ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى كَمَالِ التَّنَعُّمِ والسرر. وَلْنَتَكَلَّمِ الْآنَ فِي أَلْفَاظِ الْآيَةِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا فَفِيهِ سؤالات: الْأَوَّلُ: عَلَامَ عُطِفَ هَذَا الْأَمْرُ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ الَّذِي اعْتُمِدَ بِالْعَطْفِ هُوَ الْأَمْرُ حَتَّى يُطْلَبَ لَهُ مُشَاكِلٌ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ يُعْطَفُ عَلَيْهِ. إِنَّمَا الْمُعْتَمَدُ بِالْعَطْفِ هُوَ جُمْلَةُ وَصْفِ ثَوَابِ الْمُؤْمِنِينَ فَهِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ وَصْفِ عِقَابِ الْكَافِرِينَ كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ يُعَاقَبُ بِالْقَيْدِ وَالضَّرْبِ، وَبَشِّرْ عَمْرًا بِالْعَفْوِ وَالْإِطْلَاقِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَاتَّقُوا كَمَا تَقُولُ يَا بَنِي تَمِيمٍ احْذَرُوا عُقُوبَةَ مَا جَنَيْتُمْ/ وَبَشِّرْ يَا فُلَانُ بَنِي أَسَدٍ بِإِحْسَانِي إِلَيْهِمْ. وَثَالِثُهَا: قَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَبَشِّرِ عَلَى لَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ عَطْفًا عَلَى أُعِدَّتْ. السُّؤَالُ الثَّانِي: مَنِ الْمَأْمُورُ بُقُولِهِ وَبَشِّرْ؟ وَالْجَوَابُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْ يَكُونَ كُلَّ أَحَدٍ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القيامة» لم يأمر بذلك واحد بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا كُلُّ أَحَدٍ مَأْمُورٌ بِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَحْسَنُ وَأَجْزَلُ، لِأَنَّهُ يُؤْذِنُ بِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لِعَظَمَتِهِ وَفَخَامَتِهِ حَقِيقٌ بِأَنْ يُبَشِّرَ بِهِ كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْبِشَارَةِ بِهِ. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: مَا الْبِشَارَةُ؟ الْجَوَابُ: أَنَّهَا الْخَبَرُ الَّذِي يُظْهِرُ السُّرُورَ، وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ إِذَا قَالَ لِعَبِيدِهِ: أَيُّكُمْ بَشَّرَنِي بِقُدُومِ فُلَانٍ فَهُوَ حُرٌّ فَبَشَّرُوهُ فُرَادَى عُتِقَ أَوَّلُهُمْ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَفَادَ خَبَرُهُ السُّرُورَ وَلَوْ قَالَ مَكَانَ بَشَّرَنِي أَخْبَرَنِي عُتِقُوا جَمِيعًا لِأَنَّهُمْ جَمِيعًا أَخْبَرُوهُ، وَمِنْهُ الْبَشَرَةُ لِظَاهِرِ الْجِلْدِ، وَتَبَاشِيرُ الصُّبْحِ مَا ظَهَرَ مِنْ أَوَائِلِ ضَوْئِهِ، وَأَمَّا فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فَمِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِهْزَاءُ الزَّائِدُ فِي غَيْظِ الْمُسْتَهْزَأِ بِهِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِعَدُوِّهِ أَبْشِرْ بِقَتْلِ ذُرِّيَّتِكَ وَنَهْبِ مَالِكَ. أَمَّا قَوْلُهُ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَفِيهِ مَسَائِلُ: - الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْإِيمَانَ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَجَبَ التَّغَايُرُ وَإِلَّا لَزِمَ التَّكْرَارُ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ أَجْرَى هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا فَقَالَ: كُلُّ مَنْ أَتَى بِالْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ. فَإِذَا قِيلَ لَهُ مَا قَوْلُكَ فِيمَنْ أَتَى بِالْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ثُمَّ كَفَرَ قَالَ إِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الثَّوَابِ الدَّائِمِ، وَفِعْلُ الْكُفْرِ اسْتِحْقَاقُ الْعِقَابِ الدَّائِمِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَالٌ، وَالْقَوْلُ أَيْضًا بِالتَّحَابُطِ مُحَالٌ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا الْفَرْضُ الَّذِي فَرَضْتُمُوهُ مُمْتَنِعٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْقَوْلَ بِالتَّحَابُطِ مُحَالٌ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَيْنِ إِمَّا أَنْ يَتَضَادَّا أَوْ لَا يَتَضَادَّا فَإِنْ تَضَادَّا كَانَ طَرَيَانُ الطَّارِئِ مَشْرُوطًا بِزَوَالِ الْبَاقِي، فَلَوْ كَانَ زَوَالُ الْبَاقِي مُعَلَّلًا بِطَرَيَانِ الطَّارِئِ لَزِمَ الدَّوْرُ وَهُوَ مُحَالٌ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُنَافَاةَ حَاصِلَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَلَيْسَ زَوَالُ الْبَاقِي لِطَرَيَانِ الطَّارِئِ أَوْلَى مِنِ انْدِفَاعِ الطَّارِئِ بِقِيَامِ الْبَاقِي، فَإِمَّا أَنْ يُوجَدَا مَعًا وَهُوَ مُحَالٌ أَوْ يَتَدَافَعَا فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ الْقَوْلُ بِالْمُحَابَطَةِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَيْنِ إِمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا أَوْ كَانَ الْمُقَدَّمُ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ تَعَادَلَا مِثْلَ أَنْ يُقَالَ كَانَ قَدْ حَصَلَ اسْتِحْقَاقُ عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ مِنَ الثَّوَابِ فَطَرَأَ اسْتِحْقَاقُ عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ مِنَ الْعِقَابِ فَنَقُولُ: اسْتِحْقَاقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِقَابِ مُسْتَقِلٌّ بِإِزَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَاءِ اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَأْثِيرُ هَذَا الْجُزْءِ فِي إِزَالَةِ هَذَا الْجُزْءِ أَوْلَى مِنْ تَأْثِيرِهِ فِي إِزَالَةِ ذَلِكَ الْجُزْءِ وَمِنْ تَأْثِيرِ جُزْءٍ آخَرَ فِي إِزَالَتِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ الطَّارِئَةِ مُؤَثِّرًا فِي إِزَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِلَلِ مَعْلُولَاتٌ كَثِيرَةٌ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَعْلُولَاتِ عِلَلٌ كَثِيرَةٌ/ مُسْتَقِلَّةٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ الطَّارِئَةِ بِوَاحِدٍ مِنَ الْبَاقِي مِنْ غَيْرِ مُخَصِّصٍ فَذَلِكَ مُحَالٌ لِامْتِنَاعِ تَرَجُّحِ أَحَدِ طَرَفَيِ الْمُمْكِنِ عَلَى الْآخَرِ لَا لِمُرَجِّحٍ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُقَدَّمُ أَكْثَرَ فَالطَّارِئُ لَا يُزِيلُ إِلَّا بَعْضَ أَجْزَاءِ الْبَاقِي، فَلَمْ
يَكُنْ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْبَاقِي أَنْ يَزُولَ بِهِ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْأَجْزَاءِ فَإِمَّا أَنْ يَزُولَ الْكُلُّ وَهُوَ مُحَالٌ، لِأَنَّ الزَّائِلَ لَا يَزُولُ إِلَّا بِالنَّاقِصِ. أَوْ يَتَعَيَّنَ الْبَعْضُ لِلزَّوَالِ مِنْ غَيْرِ مُخَصِّصٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، أَوْ لَا يَزُولَ شَيْءٌ مِنْهَا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَأَيْضًا فَهَذَا الطَّارِئُ إِذَا أَزَالَ بَعْضَ أَجْزَاءِ الْبَاقِي فَإِمَّا أَنْ يَبْقَى الطَّارِئُ، أَوْ يَزُولَ. أَمَّا الْقَوْلُ بِبَقَاءِ الطَّارِئِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِزَوَالِهِ فَبَاطِلٌ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَأْثِيرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي إِزَالَةِ الْآخَرِ مَعًا أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمُزِيلَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ الْإِزَالَةِ، فَلَوْ وُجِدَ الزَّوَالَانِ مَعًا لَوُجِدَ الْمُزِيلَانِ مَعًا، فَيَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَا حَالَ مَا عُدِمَا وَهُوَ مُحَالٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّرْتِيبِ فَالْمَغْلُوبُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَنْقَلِبَ غَالِبًا، وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ أَقَلَّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ فِي زَوَالِهِ بَعْضَ أَجْزَاءِ الطَّارِئِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ لِأَنَّ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ صَالِحٌ لِلْإِزَالَةِ، وَاخْتِصَاصُ الْبَعْضِ بِذَلِكَ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يَصِيرَ الْكُلُّ مُؤَثِّرًا فِي الْإِزَالَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَى الْمَعْلُولِ الْوَاحِدِ عِلَلٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَذَلِكَ مُحَالٌ، فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الْعَقْلِيَّةِ فَسَادُ الْقَوْلِ بِالْإِحْبَاطِ، وَعِنْدَ هَذَا تَعَيَّنَ فِي الْجَوَابِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: قَوْلُ مَنِ اعْتَبَرَ الْمُوَافَاةَ، وَهُوَ أَنَّ شَرْطَ حُصُولِ الْإِيمَانِ أَنْ لَا يَمُوتَ عَلَى الْكُفْرِ فَلَوْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ عَلِمْنَا أَنَّ مَا أَتَى بِهِ أَوَّلًا كَانَ كُفْرًا وَهَذَا قَوْلٌ ظَاهِرُ السُّقُوطِ، الثَّانِي: أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الطَّاعَةِ ثَوَابًا وَلَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ عِقَابًا اسْتِحْقَاقًا عَقْلِيًّا وَاجِبًا، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَاخْتِيَارُنَا، وَبِهِ يَحْصُلُ الْخَلَاصُ مِنْ هَذِهِ الظُّلُمَاتِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: احْتَجَّ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ الطَّاعَةَ تُوجِبُ الثَّوَابَ فَإِنَّ فِي حَالِ مَا بَشَّرَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْوُقُوعِ، وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ وَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْوُقُوعِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِالْوُقُوعِ عَنِ اسْتِحْقَاقِ الْوُقُوعِ مَجَازًا. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْجَنَّةُ: الْبُسْتَانُ مِنَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ الْمُتَكَاثِفِ الْمُظَلِّلِ بِالْتِفَافِ أَغْصَانِهِ وَالتَّرْكِيبُ دَائِرٌ عَلَى مَعْنَى السِّتْرِ وَكَأَنَّهَا لِتَكَاثُفِهَا وَتَظْلِيلِهَا سُمِّيَتْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَرَّةُ مِنْ مَصْدَرِ جَنَّهَ إِذَا سَتَرَهُ كَأَنَّهَا سُتْرَةٌ وَاحِدَةٌ لِفَرْطِ الْتِفَافِهَا وَسُمِّيَتْ دَارُ الثَّوَابِ جَنَّةً لِمَا فِيهَا مِنَ الْجِنَانِ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ نُكِّرَتِ الْجَنَّاتُ وَعُرِّفَتِ الْأَنْهَارُ؟ الْجَوَابُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْجَنَّةَ اسْمٌ لِدَارِ الثَّوَابِ كُلِّهَا وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَنَّاتٍ كَثِيرَةٍ مُرَتَّبَةٍ مَرَاتِبَ عَلَى حَسَبِ اسْتِحْقَاقَاتِ الْعَامِلِينَ لِكُلِّ طَبَقَةٍ مِنْهُمْ جَنَّاتٌ مِنْ تِلْكَ الْجَنَّاتِ، وَأَمَّا تَعْرِيفُ الْأَنْهَارِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ كَمَا يُقَالُ لِفُلَانٍ بُسْتَانٌ فِيهِ الْمَاءُ الْجَارِي وَالتِّينُ وَالْعِنَبُ يُشِيرُ إِلَى الْأَجْنَاسِ الَّتِي فِي عِلْمِ الْمُخَاطَبِ، أَوْ يُشَارُ بِاللَّامِ إِلَى الْأَنْهَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [مُحَمَّدٍ: 15] وَأَمَّا قَوْلُهُ: كُلَّما رُزِقُوا فَهَذَا لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ صِفَةً ثَانِيَةً لِجَنَّاتٍ. أَوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لِأَنَّهُ لَمَّا/ قِيلَ: إِنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ لَمْ يَخْلُ قَلْبُ السَّامِعِ أَنْ يَقَعَ فِيهِ أَنَّ ثِمَارَ تِلْكَ الْجَنَّاتِ أشباه ثمار الدنيا أم لا؟ وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما وقع مِنْ ثَمَرَةٍ؟ الْجَوَابُ فِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: هُوَ كَقَوْلِكَ كُلَّمَا أَكَلْتُ مِنْ بُسْتَانِكَ مِنَ الرُّمَّانِ شَيْئًا حَمِدْتُكَ فَمَوْقِعُ مِنْ ثَمَرَةٍ مَوْقِعُ قَوْلِكَ من الرمان فمن الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ كِلْتَاهُمَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، لِأَنَّ الرِّزْقَ قَدِ ابْتَدَأَ مِنَ الْجَنَّاتِ وَالرِّزْقَ مِنَ الْجَنَّاتِ قَدِ ابْتَدَأَ مِنْ ثَمَرَةٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالثَّمَرَةِ التُّفَّاحَةَ الْوَاحِدَةَ أَوِ الرُّمَّانَةَ الْفَرْدَةَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ النَّوْعُ مِنْ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ. الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ ثَمَرَةٍ بَيَانًا عَلَى مِنْهَاجِ قَوْلِكَ رَأَيْتُ مِنْكَ أَسَدًا تُرِيدُ أَنْتَ أَسَدٌ، وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالثَّمَرَةِ النَّوْعُ مِنَ الثَّمَرَةِ أَوِ الْحَبَّةُ الْوَاحِدَةُ. السُّؤَالُ الثَّانِي: كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَقُولُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا الْآنَ هُوَ الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ، الْجَوَابُ: لَمَّا اتَّحَدَ
فِي الْمَاهِيَّةِ وَإِنْ تَغَايَرَ بِالْعَدَدِ صَحَّ أَنْ يُقَالَ هَذَا هُوَ ذَاكَ أَيْ بِحَسَبِ الْمَاهِيَّةِ فَإِنَّ الْوَحْدَةَ النَّوْعِيَّةَ لَا تُنَافِيهَا الْكَثْرَةُ بِالشَّخْصِ وَلِذَلِكَ إِذَا اشْتَدَّتْ مُشَابَهَةُ الِابْنِ بِالْأَبِ قَالُوا إنه الأب. السؤال الثالث: [فَالْمُشَبَّهُ بِهِ أَهُوَ مِنْ أَرْزَاقِ الدُّنْيَا، أَمْ من أرزاق الجنة؟] الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ شَبَّهُوا رِزْقَهُمُ الَّذِي يَأْتِيهِمْ فِي الْجَنَّةِ بِرِزْقٍ آخَرَ جَاءَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَالْمُشَبَّهُ بِهِ أَهُوَ مِنْ أَرْزَاقِ الدُّنْيَا، أَمْ مِنْ أَرْزَاقِ الْجَنَّةِ؟ وَالْجَوَابُ فِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مِنْ أَرْزَاقِ الدُّنْيَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ بِالْمَأْلُوفِ آنَسُ وَإِلَى الْمَعْهُودِ أَمْيَلُ، فَإِذَا رَأَى مَا لَمْ يَأْلَفْهُ نَفَرَ عَنْهُ طَبْعُهُ ثُمَّ إِذَا ظَفَرَ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِ مَا سَلَفَ لَهُ بِهِ عَهْدٌ ثُمَّ وَجَدَهُ أَشْرَفَ مِمَّا أَلِفَهُ أَوَّلًا عَظُمَ ابتهاجه وفرحه به، فأهل الجنة إذ أَبْصَرُوا الرُّمَّانَةَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أَبْصَرُوهَا فِي الْآخِرَةِ وَوَجَدُوا رُمَّانَةَ الْجَنَّةِ أَطْيَبَ وَأَشْرَفَ مِنْ رُمَّانَةِ الدُّنْيَا كَانَ فَرَحُهُمْ بِهَا أَشَدَّ مِنْ فَرَحِهِمْ بِشَيْءٍ مِمَّا شَاهَدُوهُ فِي الدُّنْيَا، وَالدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمَرَّاتِ فَيَتَنَاوَلُ الْمَرَّةَ الْأُولَى فَلَهُمْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى مِنْ أَرْزَاقِ الْجَنَّةِ شَيْءٌ لَا بُدَّ وَأَنْ يَقُولُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ، وَلَا يَكُونُ قَبْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى شَيْءٌ مِنْ أَرْزَاقِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُشَبَّهَ ذَلِكَ بِهِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَرْزَاقِ الدُّنْيَا، الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ رِزْقُ الْجَنَّةِ أَيْضًا وَالْمُرَادُ تَشَابُهُ أَرْزَاقِهِمْ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا حَصَلَتِ الْمُشَابَهَةُ فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ تَسَاوِي ثَوَابِهِمْ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ فِي الْقَدْرِ وَالدَّرَجَةِ حَتَّى لَا يَزِيدَ وَلَا يَنْقُصَ. الثَّانِي: الْمُرَادُ تَشَابُهُهَا فِي الْمَنْظَرِ فَيَكُونُ الثَّانِي كَأَنَّهُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ ثُمَّ هَؤُلَاءِ مُخْتَلِفُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الِاشْتِبَاهُ كَمَا يَقَعُ فِي الْمَنْظَرِ يَقَعُ فِي الْمَطْعَمِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا الْتَذَّ بِشَيْءٍ وَأُعْجِبَ بِهِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ نَفْسُهُ إِلَّا بِمِثْلِهِ، فَإِذَا جَاءَ مَا يُشْبِهُ الْأَوَّلَ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ كَانَ ذَلِكَ نِهَايَةَ اللَّذَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ وَإِنْ حَصَلَ الِاشْتِبَاهُ فِي اللَّوْنِ لَكِنَّهَا تَكُونُ مُخْتَلِفَةً فِي الطَّعْمِ، قَالَ الْحَسَنُ يُؤْتَى أَحَدُهُمْ بِالصَّحْفَةِ فَيَأْكُلُ مِنْهَا ثُمَّ يُؤْتَى بِالْأُخْرَى فَيَقُولُ هَذَا الَّذِي أُتِينَا بِهِ مِنْ قَبْلُ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ كُلْ فَاللَّوْنُ وَاحِدٌ وَالطَّعْمُ مُخْتَلِفٌ، وَفِي الْآيَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ عَلَى لِسَانِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ أَنَّ كَمَالَ السَّعَادَةِ لَيْسَ إِلَّا فِي مَعْرِفَةِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى: وَمَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ وَمَعْرِفَةِ أَفْعَالِهِ مِنَ الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وطبقات لأرواح وعالم السموات وَبِالْجُمْلَةِ يَجِبُ أَنْ يَصِيرَ رُوحُ الْإِنْسَانِ/ كَالْمِرْآةِ الْمُحَاذِيَةِ لِعَالَمِ الْقُدُسِ ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْمَعَارِفَ تَحْصُلُ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَحْصُلُ بِهَا كَمَالُ الِالْتِذَاذِ وَالِابْتِهَاجِ، لِمَا أَنَّ الْعَلَائِقَ الْبَدَنِيَّةَ تَعُوقُ عَنْ ظُهُورِ تِلْكَ السَّعَادَاتِ وَاللَّذَّاتِ، فَإِذَا زَالَ هَذَا الْعَائِقُ حَصَلَتِ السَّعَادَةُ الْعَظِيمَةُ وَالْغِبْطَةُ الْكُبْرَى، فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ سَعَادَةٍ رُوحَانِيَّةٍ يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ يَقُولُ هَذِهِ هِيَ الَّتِي كَانَتْ حَاصِلَةً لِي حِينَ كُنْتُ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْكَمَالَاتِ النَّفْسَانِيَّةَ الْحَاصِلَةَ فِي الْآخِرَةِ هِيَ الَّتِي كَانَتْ حَاصِلَةً فِي الدُّنْيَا إِلَّا أَنَّهَا فِي الدُّنْيَا مَا أَفَادَتِ اللَّذَّةَ وَالْبَهْجَةَ وَالسُّرُورَ وَفِي الْآخِرَةِ أَفَادَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لِزَوَالِ الْعَائِقِ. أَمَّا قَوْلُهُ: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً ففيه سؤالان: السؤال الأول: ألا م يرجح الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَأُتُوا بِهِ؟ الْجَوَابُ: إِنْ قُلْنَا الْمُشَبَّهُ بِهِ هُوَ رِزْقُ الدُّنْيَا فَإِلَى الشَّيْءِ الْمَرْزُوقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَعْنِي أُتُوا بِذَلِكَ النَّوْعِ مُتَشَابِهًا يُشْبِهُ الْحَاصِلُ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ مَا كَانَ حَاصِلًا مِنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ قُلْنَا الْمُشَبَّهُ بِهِ هُوَ رِزْقُ الْجَنَّةِ أَيْضًا، فَإِلَى الشَّيْءِ الْمَرْزُوقِ فِي الْجَنَّةِ، يَعْنِي أُتُوا بِذَلِكَ النَّوْعِ فِي الْجَنَّةِ بِحَيْثُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا. السُّؤَالُ الثَّانِي: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً مِنْ نَظْمِ الْكَلَامِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ادِّعَاءَ تَشَابُهِ الْأَرْزَاقِ فِي قَوْلِهِ: قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ تَعَالَى صَدَّقَهُمْ فِي تِلْكَ الدَّعْوَةِ بِقَوْلِهِ: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً أَمَّا قَوْلُهُ: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ فَالْمُرَادُ طَهَارَةُ أَبْدَانِهِنَّ مِنَ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَجَمِيعِ الْأَقْذَارِ وَطَهَارَةُ أَزْوَاجِهِنَّ مِنْ جَمِيعِ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ، وَلَا سِيَّمَا مَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى الْكُلِّ لِاشْتِرَاكِ الْقِسْمَيْنِ فِي قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ، قَالَ أَهْلُ الْإِشَارَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّنَبُّهِ لِمَسَائِلَ.
[سورة البقرة (2) : الآيات 26 إلى 27]
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا حَاضَتْ فَاللَّهُ تَعَالَى مَنَعَكَ عَنْ مُبَاشَرَتِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ [الْبَقَرَةِ: 222] فَإِذَا مَنَعَكَ عَنْ مُقَارَبَتِهَا لِمَا عَلَيْهَا مِنَ النَّجَاسَةِ الَّتِي هِيَ مَعْذُورَةٌ فِيهَا فَإِذَا كَانَتِ الْأَزْوَاجُ اللَّوَاتِي فِي الْجَنَّةِ مُطَهَّرَاتٍ فَلَأَنْ يَمْنَعَكَ عَنْهُنَّ حَالَ كَوْنِكَ مُلَوَّثًا بِنَجَاسَاتِ الْمَعَاصِي مَعَ أَنَّكَ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِيهَا كَانَ أَوْلَى. وَثَانِيهَا: أَنَّ مَنْ قَضَى شَهْوَتَهُ مِنَ الْحَلَالِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ الدُّخُولَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، فَمَنْ قَضَى شَهْوَتَهُ مِنَ الْحَرَامِ كَيْفَ يُمَكَّنُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ الَّتِي لَا يَسْكُنُهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ آدَمَ لَمَّا أَتَى بِالزَّلَّةِ أُخْرِجَ مِنْهَا. وَثَالِثُهَا: مَنْ كَانَ عَلَى ثَوْبِهِ ذَرَّةٌ مِنَ النَّجَاسَةِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَمَنْ كَانَ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ نَجَاسَاتِ الْمَعَاصِي أعظم من الدنيا كيف تقبل صلاته وهاهنا سُؤَالَانِ: الْأَوَّلُ: هَلَّا جَاءَتِ الصِّفَةُ مَجْمُوعَةً كَالْمَوْصُوفِ؟ الْجَوَابُ: هُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ يُقَالُ النِّسَاءُ فَعَلْنَ وَالنِّسَاءُ فَعَلَتْ. وَمِنْهُ بَيْتُ الْحَمَاسَةِ: وَإِذَا الْعَذَارَى بِالدُّخَانِ تَقَنَّعَتْ ... وَاسْتَعْمَلَتْ نَصْبَ الْقُدُورِ فَمَلَّتْ وَالْمَعْنَى وَجَمَاعَةُ أَزْوَاجٍ مُطَهَّرَةٍ، وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: مُطَهَّرَاتٌ وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: مُطَّهِّرَةٌ يَعْنِي مُتَطَهِّرَةً. السُّؤَالُ الثَّانِي: هَلَّا قِيلَ طَاهِرَةٌ؟ الْجَوَابُ: فِي الْمُطَهَّرَةِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مُطَهِّرًا طَهَّرَهُنَّ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ يُفِيدُ فَخَامَةَ أَمْرِ أَهْلِ الثَّوَابِ كَأَنَّهُ قِيلَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي زَيَّنَهُنَّ/ لِأَهْلِ الثَّوَابِ. أَمَّا قَوْلُهُ: وَهُمْ فِيها خالِدُونَ فَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْخُلْدَ هاهنا هُوَ الثَّبَاتُ اللَّازِمُ وَالْبَقَاءُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالْآيَةِ وَالشِّعْرِ، أَمَّا الْآيَةُ فَقَوْلُهُ: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 34] فَنَفَى الْخُلْدَ عَنِ الْبَشَرِ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى أَعْطَى بَعْضَهُمُ الْعُمُرَ الطَّوِيلَ، وَالْمَنْفِيُّ غَيْرُ الْمُثْبَتِ، فَالْخُلْدُ هُوَ الْبَقَاءُ الدَّائِمُ وَأَمَّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: وَهَلْ يَعِمَنُ إِلَّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَلِيلُ هُمُومٍ مَا يَبِيتُ بِأَوْجَالِ وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْخُلْدُ هُوَ الثَّبَاتُ الطَّوِيلُ سَوَاءٌ دَامَ أَوْ لَمْ يَدُمْ وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِالْآيَةِ وَالْعُرْفِ أَمَّا الْآيَةُ فَقَوْلُهُ تعالى: خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَلَوْ كَانَ التَّأْبِيدُ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِ الْخُلْدِ لَكَانَ ذَلِكَ تَكْرَارًا وَأَمَّا الْعُرْفُ فَيُقَالُ حَبَسَ فُلَانٌ فُلَانًا حَبْسًا مُخَلَّدًا وَلِأَنَّهُ يُكْتَبُ فِي صُكُوكِ الْأَوْقَافِ وَقَفَ فُلَانٌ وَقْفًا مُخَلَّدًا فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ هَلْ يَدُلُّ عَلَى دَوَامِ الثَّوَابِ أَمْ لَا؟ وَقَالَ آخَرُونَ الْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَى دَوَامِهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ دَوَامُهُ لَجَوَّزُوا انْقِطَاعَهُ فَكَانَ خَوْفُ الِانْقِطَاعِ يُنَغِّصُ عَلَيْهِمْ تِلْكَ النِّعْمَةِ لَأَنَّ النِّعْمَةَ كُلَّمَا كَانَتْ أَعْظَمَ كَانَ خَوْفُ انْقِطَاعِهَا أَعْظَمَ وَقْعًا فِي الْقَلْبِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَنْفَكَّ أَهْلُ الثَّوَابِ الْبَتَّةَ مِنَ الْغَمِّ وَالْحَسْرَةِ والله تعالى أعلم. [سورة البقرة (2) : الآيات 26 الى 27] إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27)
اعلم أنه بين بالدليل كون القرآن معجزاً أورد هاهنا شُبْهَةً أَوْرَدَهَا الْكُفَّارُ قَدْحًا فِي ذَلِكَ وَأَجَابَ عَنْهَا وَتَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ أَنَّهُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ النَّحْلِ وَالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالنَّمْلِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا يَلِيقُ ذِكْرُهَا بِكَلَامِ الْفُصَحَاءِ فَاشْتِمَالُ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا يَقْدَحُ فِي فَصَاحَتِهِ فَضْلًا عَنْ/ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، فَأَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِأَنَّ صِغَرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَقْدَحُ فِي الْفَصَاحَةِ إِذَا كَانَ ذِكْرُهَا مُشْتَمِلًا عَلَى حِكَمٍ بَالِغَةٍ، فَهَذَا هُوَ الْإِشَارَةُ إِلَى كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا ثُمَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَسَائِلُ: المسألة الأولى: [في طعن اليهود في مثال الله عز وجل ببيت العنكبوت] عن ابن عباس أنه لما نزل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الْحَجِّ: 73] فَطَعَنَ فِي أَصْنَامِهِمْ ثُمَّ شَبَّهَ عِبَادَتَهَا بِبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ قَالَتِ الْيَهُودُ أَيُّ قَدْرٍ لِلذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ حَتَّى يَضْرِبَ اللَّهُ الْمَثَلَ بِهِمَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ طَعَنُوا فِي ضَرْبِ الْأَمْثَالِ بِالنَّارِ وَالظُّلُمَاتِ وَالرَّعْدِ وَالْبَرْقِ فِي قَوْلِهِ: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [الْبَقَرَةِ: 17] وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا الطَّعْنَ كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قال القفال: الكل محتمل هاهنا، أَمَّا الْيَهُودُ فَلِأَنَّهُ قِيلَ فِي آخِرِ الْآيَةِ: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَهَذَا صِفَةُ الْيَهُودِ، لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْوَفَاءِ وَبِالْعَهْدِ فِيمَا بَعْدُ إِنَّمَا هُوَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [الْمُدَّثِّرِ: 31] الْآيَةَ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَحْتَمِلُ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ فَقَدْ جُمِعَ الفريقان هاهنا: إذا ثبت هذا فنقول: احتمال الكل هاهنا قَائِمٌ لِأَنَّ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ كَانُوا مُتَوَافِقِينَ فِي إِيذَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ مَضَى مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ ذِكْرُ الْيَهُودِ، وَذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ، وَذِكْرُ الْمُشْرِكِينَ. وَكُلُّهُمْ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ قَالَ الْقَفَّالُ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي نَفْسِهِ مُفِيدٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَيَاءَ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ وَيُذَمُّ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْحَيَاةِ يُقَالُ حَيِيَ الرجل كما يقول نَسِيَ وَخَشِيَ وَشَظِيَ الْفَرَسُ إِذَا اعْتَلَّتْ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ. جَعَلَ الْحَيِيَّ لِمَا يَعْتَرِيهِ الِانْكِسَارُ وَالتَّغَيُّرُ مُنْكَسِرَ الْقُوَّةِ مُنَغَّصَ الْحَيَاةِ، كَمَا قَالُوا فُلَانٌ هَلَكَ حَيَاءً مِنْ كَذَا، وَمَاتَ حَيَاءً، وَرَأَيْتُ الْهَلَاكَ فِي وَجْهِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَيَاءِ، وَذَابَ حَيَاءً، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا اسْتَحَالَ الْحَيَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ تَغَيُّرٌ يَلْحَقُ الْبَدَنَ، وَذَلِكَ لَا يُعْقَلُ إِلَّا فِي حَقِّ الْجِسْمِ، وَلَكِنَّهُ وَارِدٌ فِي الْأَحَادِيثِ. رَوَى سَلْمَانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الْعَبْدُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا حَتَّى يَضَعَ فِيهِمَا خَيْرًا» وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ وَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْقَانُونُ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ ثَبَتَتْ لِلْعَبْدِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْأَجْسَامِ فَإِذَا وُصِفَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى نِهَايَاتِ الْأَعْرَاضِ لَا عَلَى بِدَايَاتِ الْأَعْرَاضِ مِثَالُهُ أَنَّ الْحَيَاءَ حَالَةٌ تَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ لَكِنَّ لَهَا مَبْدَأً وَمُنْتَهًى، أَمَّا الْمَبْدَأُ فَهُوَ التَّغَيُّرُ الْجُسْمَانِيُّ الَّذِي يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْقَبِيحِ، وَأَمَّا النِّهَايَةُ فَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ الْفِعْلَ، فَإِذَا وَرَدَ الْحَيَاءُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ ذَلِكَ الْخَوْفُ الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ الْحَيَاءِ وَمُقَدَّمَتُهُ، بَلْ تَرْكُ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُنْتَهَاهُ وَغَايَتُهُ، وَكَذَلِكَ الْغَضَبُ لَهُ، عَلَامَةٌ وَمُقَدَّمَةٌ وَهِيَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ، وَشَهْوَةُ الِانْتِقَامِ وَلَهُ غَايَةٌ وَهُوَ إِنْزَالُ الْعِقَابِ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَصَفْنَا اللَّهَ تَعَالَى/ بِالْغَضَبِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ الْمَبْدَأَ أَعْنِي شَهْوَةَ الِانْتِقَامِ وَغَلَيَانَ دَمِ الْقَلْبِ، بَلِ الْمُرَادُ تِلْكَ النِّهَايَةُ وَهُوَ إِنْزَالُ الْعِقَابِ، فَهَذَا هُوَ الْقَانُونُ الْكُلِّيُّ فِي هَذَا الْبَابِ. الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ تَقَعَ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي كَلَامِ الْكَفَرَةِ فَقَالُوا أَمَّا
يَسْتَحِي رَبُّ مُحَمَّدٍ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ، فَجَاءَ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى سَبِيلِ إِطْبَاقِ الْجَوَابِ عَلَى السُّؤَالِ، وَهَذَا فَنٌّ بَدِيعٌ مِنَ الْكَلَامِ، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي مَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ إِثْبَاتًا فَيَجِبُ أَنْ لَا يُطْلَقَ عَلَى طَرِيقِ النَّفْيِ أَيْضًا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ إِنَّهُ لَا يُوصَفُ بِهِ فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ لَا يَسْتَحِي وَيُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَمُحَالٌ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ نَفْيَ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كِتَابِهِ فِي قَوْلِهِ: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [الْبَقَرَةِ: 255] وَقَوْلِهِ: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الْإِخْلَاصِ: 3] فَهُوَ بِصُورَةِ النَّفْيِ وَلَيْسَ بِنَفْيٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ [المؤمنون: 91] وكذلك قولك: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الْأَنْعَامِ: 14] وَلَيْسَ كُلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ إِطْلَاقُهُ جَائِزًا أَنْ يُطْلَقَ فِي الْمُخَاطَبَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ إِلَّا مَعَ بَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ مَنْفِيَّةٌ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَكَانَ الْإِخْبَارُ عَنِ انْتِفَائِهَا صِدْقًا فَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْإِخْبَارَ عَنِ انْتِفَائِهَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا عَلَيْهِ فَنَقُولُ: هَذِهِ الدَّلَالَةُ مَمْنُوعَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ تَخْصِيصَ هَذَا النَّفْيِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ غَيْرِهِ بَلْ لَوْ قُرِنَ بِاللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ أَيْضًا كَانَ ذَلِكَ أَحْسَنَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَكُونُ مُبَالَغَةً فِي الْبَيَانِ وَلَيْسَ إِذَا كَانَ غَيْرُهُ أَحْسَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبِيحًا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أَنَّ ضَرْبَ الْأَمْثَالِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُسْتَحْسَنَةِ فِي الْعُقُولِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: إِطْبَاقُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ عَلَى ذَلِكَ أَمَّا الْعَرَبُ فَذَلِكَ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ وَقَدْ تَمَثَّلُوا بِأَحْقَرِ الْأَشْيَاءِ، فَقَالُوا فِي التَّمْثِيلِ بِالذَّرَّةِ: أَجْمَعُ مِنْ ذَرَّةٍ، وَأَضْبَطُ مِنْ ذَرَّةٍ، وَأَخْفَى مِنَ الذَّرَّةِ وَفِي التَّمْثِيلِ بِالذُّبَابِ: أَجْرَأُ مِنَ الذُّبَابِ، وَأَخْطَأُ مِنَ الذُّبَابِ، وَأَطْيَشُ مِنَ الذُّبَابِ، وَأَشْبَهُ مِنَ الذُّبَابِ بِالذُّبَابِ، وَأَلَحُّ مِنَ الذُّبَابِ. وَفِي التَّمْثِيلِ بِالْقُرَادِ، أَسْمَعُ مِنْ قُرَادٍ، وَأَصْغَرُ مِنْ قُرَادٍ. وَأَعْلَقُ مِنْ قُرَادٍ. وَأَغَمُّ مِنْ قُرَادٍ، وَأَدَبُّ مِنْ قُرَادٍ، وَقَالُوا فِي الْجَرَادِ: أَطْيَرُ مِنْ جَرَادَةٍ، وَأَحْطَمُ مِنْ جَرَادَةٍ، وَأَفْسَدُ مِنْ جَرَادَةٍ. وَأَصْفَى مِنْ لُعَابِ الْجَرَادِ، وَفِي الْفَرَاشَةِ: أَضْعَفُ مِنْ فَرَاشَةٍ، وَأَطْيَشَ مِنْ فَرَاشَةٍ، وَأَجْهَلُ مِنْ فَرَاشَةٍ، وَفِي الْبَعُوضَةِ. أَضْعَفُ مِنْ بَعُوضَةٍ، وَأَعَزُّ مِنْ مُخِّ الْبَعُوضَةِ، وَكَلَّفَنِي مُخَّ الْبَعُوضَةِ، فِي مِثْلِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ: وَأَمَّا الْعَجَمُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ «كِتَابُ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ» وَأَمْثَالُهُ، وَفِي بَعْضِهَا: قَالَتِ الْبَعُوضَةُ، وَقَدْ وَقَعَتْ عَلَى نَخْلَةٍ عَالِيَةٍ وَأَرَادَتْ أَنْ تَطِيرَ عَنْهَا، يَا هَذِهِ اسْتَمْسِكِي فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَطِيرَ، فَقَالَتِ النَّخْلَةُ: وَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ بِوُقُوعِكِ فَكَيْفَ أَشْعُرُ بِطَيَرَانِكِ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ ضَرَبَ الْأَمْثَالَ فِي إِنْجِيلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْأَشْيَاءِ الْمُسْتَحْقَرَةِ، قَالَ: مَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ زَرَعَ فِي قَرْيَتِهِ حِنْطَةً جَيِّدَةً نَقِيَّةً، فَلَمَّا نَامَ النَّاسُ جَاءَ عَدُوُّهُ فَزَرَعَ الزُّوَانَ بَيْنَ الْحِنْطَةِ، فَلَمَّا نَبَتَ الزَّرْعُ وَأَثْمَرَ العشب غلب عليه الزوان، فقال عبيد الزراع، يَا سَيِّدَنَا أَلَيْسَ حِنْطَةً جَيِّدَةً نَقِيَّةً زَرَعْتَ فِي قَرْيَتِكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالُوا: فَمِنْ أَيْنَ هَذَا الزُّوَانُ؟ قَالَ: لَعَلَّكُمْ إِنْ ذَهَبْتُمْ أَنْ تَقْلَعُوا الزُّوَانَ فَتَقْلَعُوا مَعَهُ الْحِنْطَةَ فَدَعُوهُمَا يَتَرَبَّيَانِ/ جَمِيعًا حَتَّى الْحَصَادِ فَأَمَرَ الْحَصَّادِينَ أَنْ يَلْتَقِطُوا الزُّوَانَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَأَنْ يَرْبُطُوهُ حُزَمًا ثُمَّ يَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ وَيَجْمَعُوا الْحِنْطَةَ إِلَى الْخَزَائِنِ. وَأُفَسِّرُ لَكُمْ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي زَرَعَ الْحِنْطَةَ الْجَيِّدَةَ هُوَ أَبُو الْبَشَرِ، وَالْقَرْيَةُ هِيَ الْعَالَمُ، وَالْحِنْطَةُ الجيدة النقية هو نحن أبناء الملكوت الذي يَعْمَلُونَ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَدُوُّ الَّذِي زَرَعَ الزُّوَانَ هُوَ إِبْلِيسُ، وَالزُّوَانُ هُوَ الْمَعَاصِي الَّتِي يَزْرَعُهَا إِبْلِيسُ وَأَصْحَابُهُ، وَالْحَصَّادُونَ هُمُ الْمَلَائِكَةُ يَتْرُكُونَ الناس حتى تدنوا آجَالُهُمْ فَيَحْصُدُونَ أَهْلَ الْخَيْرِ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ، وَأَهْلَ الشَّرِّ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَكَمَا أَنَّ الزُّوَانَ يُلْتَقَطُ وَيُحْرَقُ بِالنَّارِ كَذَلِكَ رُسُلُ اللَّهِ وَمَلَائِكَتُهُ يَلْتَقِطُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ الْمُتَكَاسِلِينَ، وَجَمِيعَ عُمَّالِ الْإِثْمِ فيلقونهم في أتون الهاوية فيكون هنا لك الْبُكَاءُ، وَصَرِيفُ الْأَسْنَانِ، وَيَكُونُ الْأَبْرَارُ هُنَالِكَ فِي ملكوت
رَبِّهِمْ، مَنْ كَانَتْ لَهُ أُذُنٌ تَسْمَعُ فَلْيَسْمَعْ، وَأَضْرِبُ لَكُمْ مَثَلًا آخَرَ يُشْبِهُ مَلَكُوتَ السَّمَاءِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ حَبَّةً مِنْ خَرْدَلٍ وَهِيَ أَصْغَرُ الْحُبُوبِ وَزَرَعَهَا فِي قَرْيَتِهِ، فَلَمَّا نَبَتَتْ عَظُمَتْ حَتَّى صَارَتْ كَأَعْظَمِ شَجَرَةٍ مِنَ الْبُقُولِ وَجَاءَ طَيْرٌ مِنَ السَّمَاءِ فَعَشَّشَ فِي فُرُوعِهَا فَكَذَلِكَ الْهُدَى مَنْ دَعَا إِلَيْهِ ضَاعَفَ اللَّهُ أَجْرَهُ وَعَظَّمَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ، وَنَجَّى مَنِ اقْتَدَى بِهِ، وَقَالَ: لَا تَكُونُوا كَمُنْخُلٍ يَخْرُجُ مِنْهُ الدَّقِيقُ الطَّيِّبُ وَيُمْسِكُ النُّخَالَةَ، وَكَذَلِكَ أَنْتُمْ تَخْرُجُ الْحِكْمَةُ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ وَتُبْقُونَ الْغِلَّ فِي صُدُورِكُمْ، وَقَالَ: قُلُوبُكُمْ كَالْحَصَاةِ الَّتِي لَا تُنْضِجُهَا النَّارُ وَلَا يُلَيِّنُهَا الْمَاءُ وَلَا تَنْسِفُهَا الرِّيَاحُ، وَقَالَ لَا تَدَّخِرُوا ذَخَائِرَكُمْ حَيْثُ السُّوسُ وَالْأَرَضَةُ فتفسدها، ولا في البرية حيث السموم اللصوص فَتَحْرِقَهَا السُّمُومُ وَتَسْرِقَهَا اللُّصُوصُ وَلَكِنِ ادَّخِرُوا ذَخَائِرَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَقَالَ: نَحْفِرُ فَنَجِدُ دَوَابَّ عَلَيْهَا لباسها وهناك بِلِبَاسِهِنَّ وَأَرْزَاقِهِنَّ إِلَّا اللَّهُ؟ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، وَقَالَ: لَا تُثِيرُوا الزَّنَابِيرَ فَتَلْدَغَكُمْ وَلَا تُخَاطِبُوا السُّفَهَاءَ فَيَشْتُمُوكُمْ، فَظَهَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَرَبَ الْأَمْثَالَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْحَقِيرَةِ وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلِأَنَّ مِنْ طَبْعِ الْخَيَالِ الْمُحَاكَاةُ وَالتَّشَبُّهُ فَإِذَا ذُكِرَ الْمَعْنَى وَحْدَهُ أَدْرَكَهُ الْعَقْلُ وَلَكِنْ مَعَ مُنَازَعَةِ الْخَيَالِ، وَإِذَا ذُكِرَ مَعَهُ الشَّبَهُ أَدْرَكَهُ الْعَقْلُ مَعَ مُعَاوَنَةِ الْخَيَالِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ أَكْمَلَ وَأَيْضًا فَنَحْنُ نَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَذْكُرُ مَعْنًى وَلَا يَلُوحُ لَهُ كَمَا يَنْبَغِي فَإِذَا ذَكَرَ الْمِثَالَ اتَّضَحَ وَصَارَ مُبَيَّنًا مَكْشُوفًا، وَإِنْ كَانَ التَّمْثِيلُ يُفِيدُ زِيَادَةَ الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ، وَجَبَ ذِكْرُهُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي لَا يُرَادُ مِنْهُ إِلَّا الْإِيضَاحُ وَالْبَيَانُ، أَمَّا قَوْلُهُمْ: ضَرْبُ الْأَمْثَالِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْحَقِيرَةِ لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى، قُلْنَا هَذَا جَهْلٌ، لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَحُكْمُهُ فِي كُلِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ عَامٌّ لِأَنَّهُ قَدْ أَحْكَمَ جَمِيعَهُ، وَلَيْسَ الصَّغِيرُ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنَ الْكَبِيرِ وَالْعَظِيمُ أَصْعَبَ مِنَ الصَّغِيرِ، وَإِذَا كَانَ الْكُلُّ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنِ الْكَبِيرُ أَوْلَى أَنْ يَضْرِبَهُ مَثَلًا لِعِبَادِهِ مِنَ الصَّغِيرِ بَلِ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يَلِيقُ بِالْقِصَّةِ، فَإِذَا كَانَ الْأَلْيَقُ بِهَا الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ يَضْرِبُ الْمَثَلَ بِهِمَا لَا بِالْفِيلِ وَالْجَمَلِ، فَإِذَا أَرَادَ تَعَالَى أَنْ يُقَبِّحَ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ وَعُدُولَهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ صَلُحَ أَنْ يضرب المثل/ بالذباب، ليبين أن قدر مضرتها لا يندفع بهذه الأصنام، ويضرب المثل لبيت الْعَنْكَبُوتِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ عِبَادَتَهَا أَوْهَنُ وَأَضْعَفُ مِنْ ذلك وفي مثل ذلك كل ما كَانَ الْمَضْرُوبُ بِهِ الْمَثَلُ أَضْعَفَ كَانَ الْمَثَلُ أَقْوَى وَأَوْضَحَ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ الْأَصَمُّ: «مَا» فِي قَوْلِهِ مَثَلًا مَا صِلَةٌ زَائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آلِ عِمْرَانَ: 159] وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ زِيَادَةٌ وَلَغْوٌ وَالْأَصَحُّ قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الْقُرْآنِ بِكَوْنِهِ هُدًى وَبَيَانًا وَكَوْنُهُ لَغْوًا يُنَافِي ذَلِكَ، وَفِي بَعُوضَةً قِرَاءَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: النَّصْبُ وَفِي لَفْظَةِ مَا عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ وَهِيَ الَّتِي إِذَا قُرِنَتْ بِاسْمٍ نَكِرَةٍ أَبْهَمَتْهُ إِبْهَامًا وَزَادَتْهُ شُيُوعًا وَبُعْدًا عَنِ الْخُصُوصِيَّةِ. بَيَانُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ أَعْطِنِي كِتَابًا أَنْظُرْ فِيهِ فَأَعْطَاهُ بَعْضَ الْكُتُبِ صَحَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَرَدْتُ كِتَابًا آخَرَ وَلَمْ أُرِدْ هَذَا وَلَوْ قَالَهُ مَعَ مَا لَمْ يَصِحَّ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ أَعْطِنِي كِتَابًا أَيَّ كِتَابٍ كَانَ. الثَّانِي: أَنَّهَا نَكِرَةٌ قَامَ تَفْسِيرُهَا بِاسْمِ الْجِنْسِ مَقَامَ الصِّفَةِ، أَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ فَفِيهَا وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ صِلَتُهَا الْجُمْلَةُ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ هُوَ بَعُوضَةٌ فَحُذِفَ الْمُبْتَدَأُ كَمَا حُذِفَ فِي تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الْأَنْعَامِ: 154] . الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامِيَّةً فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا كَأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ مَا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا حَتَّى يَضْرِبَ الْمَثَلَ بِهِ، بَلْ لَهُ أَنْ يُمَثِّلَ بِمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ لَا يُبَالِي بِمَا وَهَبَ، مَا دِينَارٌ وَدِينَارَانِ، أَيْ يَهَبُ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : ضَرْبُ الْمَثَلِ اعْتِمَادُهُ وَتَكْوِينُهُ مِنْ ضَرْبِ اللَّبِنِ وَضَرْبِ الْخَاتَمِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: انْتَصَبَ بَعُوضَةً بِأَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ لمثلًا أو مفعول ليضرب ومثلًا حَالٌ مِنَ النَّكِرَةِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ أَوْ ثَانِي مفعولين ليضرب مُضَمَّنًا مَعْنَى يَجْعَلُ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ مَا صِلَةً أَوْ إِبْهَامِيَّةً، فَإِنْ كَانَتْ مُفَسَّرَةً بِبَعُوضَةٍ فَهِيَ تَابِعَةٌ لِمَا هِيَ تَفْسِيرٌ لَهُ، وَالْمُفَسِّرُ وَالْمُفَسَّرُ مَعًا لِمَجْمُوعِهِمَا عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ مَفْعُولٌ، ومثلًا حَالٌ مُقَدَّمَةٌ، وَأَمَّا رَفْعُهَا فَبِكَوْنِهَا خَبَرَ مُبْتَدَأٍ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ مَا مَوْصُولَةً أَوْ مَوْصُوفَةً أَوِ اسْتِفْهَامِيَّةً فَأَمْرُهَا ظَاهِرٌ، فَإِذَا كَانَتْ إِبْهَامِيَّةً فَهِيَ عَلَى الْجَوَابِ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ مَا هُوَ فَقِيلَ بَعُوضَةٌ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : اشْتِقَاقُ الْبَعُوضِ مِنَ الْبَعْضِ وَهُوَ الْقَطْعُ كَالْبَضْعِ وَالْعَضْبِ يُقَالُ بَعَضَهُ الْبَعُوضُ وَمِنْهُ بَعْضُ الشَّيْءِ لِأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنْهُ وَالْبَعُوضُ فِي أَصْلِهِ صِفَةٌ عَلَى فَعُولٍ كَالْقَطُوعِ فَغَلَبَتِ اسْمِيَّتُهُ، وَعَنْ بَعْضِهِمِ اشْتِقَاقُهُ مِنْ بَعْضِ الشَّيْءِ سُمِّيَ بِهِ لِقِلَّةِ جُرْمِهِ وَصِغَرِهِ وَلِأَنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ قَلِيلٌ بِالْقِيَاسِ إِلَى كُلِّهِ، وَالْوَجْهُ الْقَوِيُّ هُوَ الْأَوَّلُ، قَالَ وَهُوَ مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ صَغِيرٌ جِدًّا وَخُرْطُومُهُ فِي غَايَةِ الصِّغَرِ ثُمَّ إِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُجَوَّفٌ ثُمَّ ذَلِكَ الْخُرْطُومُ مَعَ فَرْطِ صِغَرِهِ وَكَوْنِهِ جَوْفًا يَغُوصُ فِي جِلْدِ الْفِيلِ وَالْجَامُوسِ عَلَى ثَخَانَتِهِ كَمَا يَضْرِبُ الرَّجُلُ إِصْبَعَهُ فِي الْخَبِيصِ، / وَذَلِكَ لِمَا رَكَّبَ اللَّهُ فِي رَأْسِ خُرْطُومِهِ مِنَ السُّمِّ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: فِي قَوْلِهِ: فَما فَوْقَها وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فَمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي الْجُثَّةِ كَالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالْحِمَارِ وَالْكَلْبِ، فَإِنَّ الْقَوْمَ أَنْكَرُوا تَمْثِيلَ اللَّهِ تَعَالَى بِكُلِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَالثَّانِي: أَرَادَ بِمَا فَوْقَهَا فِي الصِّغَرِ أَيْ بِمَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهَا وَالْمُحَقِّقُونَ مَالُوا إِلَى هَذَا الْقَوْلِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَقْصِدَ مِنْ هَذَا التَّمْثِيلِ تَحْقِيرُ الْأَوْثَانِ، وَكُلَّمَا كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَشَدَّ حَقَارَةً كَانَ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْبَابِ أَكْمَلَ حُصُولًا. وَثَانِيهَا: أَنَّ الغرض هاهنا بَيَانُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَمْتَنِعُ مِنَ التَّمْثِيلِ بِالشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ ثَانِيًا أَشَدَّ حَقَارَةً مِنَ الْأَوَّلِ يُقَالُ إِنَّ فُلَانًا يَتَحَمَّلُ الذُّلَّ فِي اكْتِسَابِ الدِّينَارِ، وَفِي اكْتِسَابِ مَا فَوْقَهُ، يَعْنِي فِي الْقِلَّةِ لِأَنَّ تَحَمُّلَ الذُّلِّ فِي اكْتِسَابِ أَقَلَّ مِنَ الدِّينَارِ أَشَدُّ مِنْ تَحَمُّلِهِ فِي اكْتِسَابِ الدِّينَارِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الشَّيْءَ كُلَّمَا كَانَ أَصْغَرَ كَانَ الِاطِّلَاعُ عَلَى أَسْرَارِهِ أَصْعَبَ، فَإِذَا كَانَ فِي نِهَايَةِ الصِّغَرِ لَمْ يُحِطْ بِهِ إِلَّا عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ التَّمْثِيلُ بِهِ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى كَمَالِ الْحِكْمَةِ مِنَ التَّمْثِيلِ بِالشَّيْءِ الْكَبِيرِ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: بِأَنَّ لَفْظَ «فَوْقَ» يَدُلُّ عَلَى الْعُلُوِّ، فَإِذَا قِيلَ هَذَا فَوْقَ ذَاكَ، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْهُ وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا مَدَحَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالرَّجُلُ مُتَّهَمٌ فِيهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ وَفَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ، أَرَادَ بِهَذَا أَعْلَى مِمَّا فِي نَفْسِكَ. الثَّانِي: كَيْفَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِمَا دُونَ الْبَعُوضَةِ وَهِيَ النِّهَايَةُ فِي الصِّغَرِ؟ وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ ثُبُوتُ صِفَةٍ فِيهِ أَقْوَى مِنْ ثُبُوتِهَا فِي شَيْءٍ آخَرَ كَانَ ذَلِكَ الْأَقْوَى فَوْقَ الْأَضْعَفِ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ يُقَالُ إِنَّ فُلَانًا فَوْقَ فُلَانٍ فِي اللُّؤْمِ وَالدَّنَاءَةِ. أَيْ هُوَ أَكْثَرُ لُؤْمًا وَدَنَاءَةً مِنْهُ، وَكَذَا إِذَا قِيلَ هَذَا فَوْقَ ذَلِكَ فِي الصِّغَرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ صِغَرًا مِنْهُ، وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ جَنَاحَ الْبَعُوضَةِ أَقَلُّ مِنْهَا وَقَدْ ضَرَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلًا لِلدُّنْيَا. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: «أَمَّا» حَرْفٌ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَلِذَلِكَ يُجَابُ بِالْفَاءِ وَهَذَا يُفِيدُ التَّأْكِيدُ تَقُولُ زَيْدٌ ذَاهِبٌ فَإِذَا قَصَدْتَ تَوْكِيدَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ ذَاهِبٌ قُلْتَ أَمَّا زَيْدٌ فَذَاهِبٌ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِيرَادُ الْجُمْلَتَيْنِ مُصَدَّرَتَيْنِ بِهِ إِحْمَادٌ عَظِيمٌ لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَاعْتِدَادٌ بِعِلْمِهِمْ أَنَّهُ الْحَقُّ وَذَمٌّ عَظِيمٌ لِلْكَافِرِينَ عَلَى مَا قَالُوهُ وَذَكَرُوهُ. الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: «الْحَقُّ» الثَّابِتُ الَّذِي لَا يَسُوغُ إِنْكَارُهُ يُقَالُ حَقَّ الْأَمْرُ إِذَا ثَبَتَ وَوَجَبَ وَحَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، وَثَوْبٌ مُحَقَّقٌ مُحْكَمُ النسج.
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: «مَاذَا» فِيهِ وَجْهَانِ أَنْ يَكُونَ ذَا اسْمًا مَوْصُولًا بِمَعْنَى الَّذِي فَيَكُونُ كَلِمَتَيْنِ وَأَنْ يَكُونَ ذَا مُرَكَّبَةً مَعَ مَا مَجْعُولَيْنِ اسْمًا وَاحِدًا فَيَكُونُ كَلِمَةً وَاحِدَةً فَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ ذَا مَعَ صِلَتِهِ، وَعَلَى الثَّانِي: مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ فِي حُكْمِ مَا وَحْدَهُ كَمَا لَوْ قُلْتَ مَا أَرَادَ اللَّهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْإِرَادَةُ مَاهِيَّةٌ يَجِدُهَا الْعَاقِلُ مِنْ نَفْسِهِ وَيُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ الْبَدِيهِيَّةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَلَمِهِ وَلَذَّتِهِ. وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَصَوُّرُ مَاهِيَّتِهَا مُحْتَاجًا إِلَى التَّعْرِيفِ، وَقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ إِنَّهَا صِفَةٌ تَقْتَضِي رُجْحَانَ أَحَدِ طَرَفَيِ الْجَائِزِ عَلَى الْآخَرِ لَا فِي الْوُقُوعِ بَلْ فِي الْإِيقَاعِ، وَاحْتَرَزْنَا بِهَذَا الْقَيْدِ الْأَخِيرِ عَنِ الْقُدْرَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ تَعَالَى مُرِيدًا مَعَ اتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إِطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ النَّجَّارِيَّةُ إِنَّهُ مَعْنًى سَلْبِيٌّ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَغْلُوبٍ وَلَا مُسْتَكْرَهٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ أَمْرٌ ثُبُوتِيٌّ وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الْجَاحِظُ وَالْكَعْبِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ: مَعْنَاهُ عِلْمُهُ تعالى باشتماله الْفِعْلِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ أَوِ الْمَفْسَدَةِ، وَيُسَمُّونَ هَذَا الْعِلْمَ بِالدَّاعِي أَوِ الصَّارِفِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَأَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو هَاشِمٍ وَأَتْبَاعُهُمَا إِنَّهُ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْعِلْمِ ثُمَّ الْقِسْمَةُ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتِيَّةً وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلنَّجَّارِيَّةِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعْنَوِيَّةً، وَذَلِكَ الْمَعْنَى إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ أَوْ مُحْدَثًا وَذَلِكَ الْمُحْدَثُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِاللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ قَوْلُ الْكَرَّامِيَّةِ، أَوْ قَائِمًا بِجِسْمٍ آخَرَ وَهَذَا الْقَوْلَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، أَوْ يَكُونَ مَوْجُودًا لَا فِي مَحَلٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَتْبَاعِهِمَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الضَّمِيرُ فِي «أَنَّهُ الحق» للمثل أو لأن يَضْرِبَ، وَفِي قَوْلِهِمْ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا اسْتِحْقَارٌ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: يَا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو هَذَا. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: «مَثَلًا» نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِكَ لِمَنْ أجاب بجواب غث ماذا أراد بِهَذَا جَوَابًا؟ وَلِمَنْ حَمَلَ سِلَاحًا رَدِيئًا كَيْفَ تَنْتَفِعُ بِهَذَا سِلَاحًا؟ أَوْ عَلَى الْحَالِ كَقَوْلِهِ: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [الْأَعْرَافِ: 73] . الْمَسْأَلَةُ الخامسة عشرة: [بحث في الهداية والإضلال وما المراد من إضلال الله وهداية الله تعالى] اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنْهُمْ كُفْرَهُمْ وَاسْتِحْقَارَهُمْ كَلَامَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا أَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَنُرِيدُ أن نتكلم هاهنا فِي الْهِدَايَةِ وَالْإِضْلَالِ لِيَكُونَ هَذَا الْمَوْضِعُ كَالْأَصْلِ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ مَا يَجِيءُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْآيَاتِ فَنَتَكَلَّمُ أَوَّلًا فِي الْإِضْلَالِ فَنَقُولُ: إِنَّ الْهَمْزَةَ تَارَةً تَجِيءُ لِنَقْلِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ الْمُتَعَدِّي إِلَى الْمُتَعَدِّي كَقَوْلِكَ خَرَجَ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، فَإِذَا قُلْتَ أَخْرَجَ فَقَدْ جَعَلْتَهُ مُتَعَدِّيًا وَقَدْ تَجِيءُ لِنَقْلِ الْفِعْلِ مِنَ الْمُتَعَدِّي إِلَى غَيْرِ الْمُتَعَدِّي كَقَوْلِكَ كَبَبْتُهُ فَأَكَبَّ، وَقَدْ تَجِيءُ لِمُجَرَّدِ الْوُجْدَانِ. حُكِيَ عن عمرو بن معديكرب أنه قال لنبي سُلَيْمٍ: قَاتَلْنَاكُمْ فَمَا أَجَبْنَاكُمْ، وَهَاجَيْنَاكُمْ فَمَا أَفْحَمْنَاكُمْ، وَسَأَلْنَاكُمْ فَمَا أَبْخَلْنَاكُمْ. أَيْ فَمَا وَجَدْنَاكُمْ جُبَنَاءَ وَلَا مُفْحَمِينَ وَلَا بُخَلَاءَ. وَيُقَالُ أَتَيْتُ أَرْضَ فُلَانٍ فَأَعْمَرْتُهَا أَيْ وَجَدْتُهَا عَامِرَةً قَالَ الْمُخَبَّلُ: تَمَنَّى حُصَيْنٌ أَنْ يَسُودَ خُزَاعَةَ ... فَأَمْسَى حُصَيْنٌ قَدْ أَذَلَّ وَأَقْهَرَا أَيْ وُجِدَ ذَلِيلًا مَقْهُورًا، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْهَمْزَةُ لَا تُفِيدُ إِلَّا نَقْلَ الْفِعْلِ/ مِنْ غَيْرِ الْمُتَعَدِّي إِلَى الْمُتَعَدِّي فَأَمَّا قَوْلُهُ: كَبَبْتُهُ فَأَكَبَّ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ كَبَبْتُهُ فَأَكَبَّ نَفْسَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَيَكُونُ قَدْ ذُكِرَ الْفِعْلُ مَعَ حَذْفِ الْمَفْعُولَيْنِ وَهَذَا لَيْسَ بِعَزِيزٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ. قَاتَلْنَاكُمْ فَمَا أَجَبْنَاكُمْ، فَالْمُرَادُ مَا أَثَّرَ قِتَالُنَا فِي صَيْرُورَتِكُمْ جُبَنَاءَ. وَمَا أَثَّرَ هِجَاؤُنَا لَكُمْ فِي صَيْرُورَتِكُمْ مُفْحَمِينَ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْبَوَاقِي، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قُلْنَاهُ أَوْلَى دَفْعًا
لِلِاشْتِرَاكِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ قَوْلُنَا: أَضَلَّهُ اللَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ إِلَّا عَلَى وَجْهَيْنِ: أحدهما: أنه صيره ضالًا، والثاني: أنه وحده ضَالًّا أَمَّا التَّقْدِيرُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهُ صَيَّرَهُ ضَالًّا فَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ تعالى صيره ضالًا عما ذا وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صَيَّرَهُ ضَالًّا عَنِ الدِّينِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ صَيَّرَهُ ضَالًّا عَنِ الْجَنَّةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى صَيَّرَهُ ضَالًّا عَنِ الدِّينِ فَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الْإِضْلَالِ عَنِ الدِّينِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الدُّعَاءُ إِلَى تَرْكِ الدِّينِ وَتَقْبِيحِهِ فِي عَيْنِهِ وَهَذَا هُوَ الْإِضْلَالُ الَّذِي أَضَافَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِبْلِيسَ فَقَالَ: إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ [الْقَصَصِ: 15] وَقَالَ: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ [النِّسَاءِ: 119] وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا [فصلت: 29] وقال: زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ [النَّمْلِ: 24، العنكبوت: 38] ، وقال الشيطان إِلَى قَوْلِهِ: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إِبْرَاهِيمَ: 22] وَأَيْضًا أَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْإِضْلَالَ إِلَى فِرْعَوْنَ فَقَالَ: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى [طَهَ: 79] وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِضْلَالَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى مَا دَعَا إِلَى الْكُفْرِ وَمَا رَغَّبَ فِيهِ بَلْ نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ وَتَوَعَّدَ بِالْعِقَابِ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ لِلْإِضْلَالِ فِي اللُّغَةِ لَيْسَ إِلَّا هَذَا وَهَذَا الْمَعْنَى مَنْفِيٌّ بِالْإِجْمَاعِ ثَبَتَ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِجْرَاءُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَعِنْدَ هَذَا افْتَقَرَ أَهْلُ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ إِلَى التَّأْوِيلِ أَمَّا أَهْلُ الْجَبْرِ فَقَدْ حَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الضَّلَالَ وَالْكُفْرَ فِيهِمْ وَصَدَّهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَرُبَّمَا قَالُوا هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ، لِأَنَّ الْإِضْلَالَ عِبَارَةٌ عَنْ جَعْلِ الشَّيْءِ ضَالًّا كَمَا أَنَّ الْإِخْرَاجَ وَالْإِدْخَالَ عِبَارَةٌ عَنْ جَعْلِ الشَّيْءِ خَارِجًا وَدَاخِلًا، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ هَذَا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جَائِزٍ لَا بِحَسَبِ الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ وَلَا بِحَسَبِ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ، أَمَّا الْأَوْضَاعُ اللُّغَوِيَّةُ فَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ مَنَعَ غَيْرَهُ مِنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ كَرْهًا وَجَبْرًا أَنَّهُ أَضَلَّهُ بَلْ يُقَالُ مَنَعَهُ مِنْهُ وَصَرَفَهُ عَنْهُ وَإِنَّمَا يَقُولُونَ إِنَّهُ أَضَلَّهُ عَنِ الطَّرِيقِ إِذَا لَبَّسَ عَلَيْهِ وَأَوْرَدَ مِنَ الشُّبْهَةِ مَا يُلَبِّسُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ فَلَا يَهْتَدِي لَهُ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ إِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِمَا مُضَلِّلَيْنِ، مَعَ أن فرعون وإبليس ما كان خَالِقَيْنِ لِلضَّلَالِ فِي قُلُوبِ الْمُسْتَجِيبِينَ لَهُمَا بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا عِنْدُ الْجَبْرِيَّةِ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِيجَادِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْقَدَرِيَّةِ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْإِيجَادِ، فَلَمَّا حَصَلَ اسْمُ الْمُضِلِّ حَقِيقَةً مَعَ نَفْيِ الْخَالِقِيَّةِ بِالِاتِّفَاقِ، عَلِمْنَا أَنَّ اسْمَ الْمُضِلِّ غَيْرُ مَوْضُوعٍ فِي اللُّغَةِ لِخَالِقِ الضَّلَالِ: وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْإِضْلَالَ فِي مُقَابَلَةِ الْهِدَايَةِ فَكَمَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ هَدَيْتُهُ فَمَا اهْتَدَى وَجَبَ صِحَّةُ أَنْ يُقَالَ أَضْلَلْتُهُ فَمَا ضَلَّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اسْتَحَالَ حَمْلُ الْإِضْلَالِ عَلَى خَلْقِ الضَّلَالِ، وَأَمَّا بِحَسَبِ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ/ فَمِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ خَلَقَ الضَّلَالَ فِي الْعَبْدِ ثُمَّ كَلَّفَهُ بِالْإِيمَانِ لَكَانَ قَدْ كَلَّفَهُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَهُوَ سَفَهٌ وَظُلْمٌ، وَقَالَ تَعَالَى: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فُصِّلَتْ: 46] وَقَالَ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [الْبَقَرَةِ: 286] وَقَالَ: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الْحَجِّ: 78] وَثَانِيهَا: لَوْ كَانَ تَعَالَى خَالِقًا لِلْجَهْلِ وَمُلَبِّسًا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ لَمَا كَانَ مُبَيِّنًا لِمَا كُلِّفَ الْعَبْدُ بِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى مُبَيِّنًا، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ خَلَقَ فِيهِمُ الضَّلَالَ وَصَدَّهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ لَمْ يَكُنْ لِإِنْزَالِ الْكُتُبِ عَلَيْهِمْ وَبِعْثَةِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ فَائِدَةٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَا يَكُونُ مُمْكِنَ الْحُصُولِ كَانَ السَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ عَبَثًا وَسَفَهًا. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ عَلَى مُضَادَّةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الْآيَاتِ نَحْوَ قَوْلِهِ: فَما لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الِانْشِقَاقِ: 20] فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [الْمُدَّثِّرِ: 49] ، وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [الْإِسْرَاءِ: 94] فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ لَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ الْبَتَّةَ. وَإِنَّمَا امْتَنَعُوا لِأَجْلِ
إِنْكَارِهِمْ بِعْثَةَ الرُّسُلِ مِنَ الْبَشَرِ وَقَالَ: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ [الْكَهْفِ: 55] وَقَالَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [الْبَقَرَةِ: 28] وَقَالَ: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ وقال: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَلَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَضَلَّهُمْ عَنِ الدِّينِ وَصَرَفَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ لَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ بَاطِلَةً. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ إِبْلِيسَ وَحِزْبَهُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ فِي إِضْلَالِ النَّاسِ عَنِ الدِّينِ وَصَرْفِهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَأَمَرَ عِبَادَهُ وَرَسُولَهُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ إلى قوله: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ [المؤمنين: 97] ، فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النحل: 98] فَلَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُضِلُّ عِبَادَهُ عَنِ الدِّينِ كَمَا تُضِلُّ الشَّيَاطِينُ لَاسْتَحَقَّ مِنَ الْمَذَمَّةِ مِثْلَ مَا اسْتَحَقُّوهُ وَلَوَجَبَ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْهُ كَمَا وَجَبَ مِنْهُمْ، وَلَوَجَبَ أَنْ يَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا مِنْ حَيْثُ أَضَلَّ أَكْثَرَ خَلْقِهِ كَمَا وَجَبَ اتِّخَاذُ إِبْلِيسَ عَدُوًّا لِأَجْلِ ذَلِكَ، قَالُوا بَلْ خِصِّيصِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ إِذْ تَضْلِيلُ إِبْلِيسَ سَوَاءٌ وَجُودُهُ وَعَدَمُهُ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى حُصُولِ الضَّلَالِ بِخِلَافِ تَضْلِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الضَّلَالِ فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَنْزِيهُ إِبْلِيسَ عَنْ جَمِيعِ الْقَبَائِحِ وَإِحَالَتُهَا كُلِّهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ الذَّمُّ مُنْقَطِعًا بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ إِبْلِيسَ وَعَائِدًا إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ قَوْلِ الظَّالِمِينَ. وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ الْإِضْلَالَ عَنِ الدِّينِ إِلَى غَيْرِهِ وَذَمَّهُمْ لِأَجْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى [طَهَ: 79] ، وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ [طَهَ: 85] ، وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الْأَنْعَامِ: 116] ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ [ص: 26] وَقَوْلُهُ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ إِبْلِيسَ: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ [النِّسَاءِ: 119] فَهَؤُلَاءِ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَضَلُّوا غَيْرَهُمْ عَنِ الدِّينِ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَضَلَّهُمْ أَوْ حَصَلَ الْإِضْلَالُ بِاللَّهِ وَبِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الشَّرِكَةِ فَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَضَلَّهُمْ عَنِ الدِّينِ دُونَ هَؤُلَاءِ فَهُوَ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى قَدْ تَقَوَّلَ عَلَيْهِمْ إِذْ قَدْ رَمَاهُمْ بِدَأْبِهِ وَعَابَهُمْ بِمَا فِيهِ وَذَمَّهُمْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوهُ، وَاللَّهُ متعالٍ عَنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُشَارِكًا لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَذُمَّهُمْ عَلَى فِعْلٍ هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ وَمُسَاوٍ لَهُمْ فِيهِ وَإِذَا فَسَدَ الْوَجْهَانِ صَحَّ أَنْ لَا يُضَافَ خَلْقُ الضَّلَالِ إِلَى اللَّهِ/ تَعَالَى. وَسَابِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَكْثَرَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الضَّلَالِ مَنْسُوبًا إِلَى الْعُصَاةِ عَلَى مَا قال: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [البقرة: 26] . وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إِبْرَاهِيمَ: 27] ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ [الْمَائِدَةِ: 67] ، كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ [غافر: 34] ، كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ [غَافِرٍ: 28] فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالضَّلَالِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ تَعَالَى هُوَ مَا هُمْ فِيهِ كَانَ كَذَلِكَ إِثْبَاتًا لِلثَّابِتِ وَهَذَا مُحَالٌ. وَثَامِنُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى نَفَى إِلَهِيَّةَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ لَا يَهْدُونَ إِلَى الْحَقِّ قَالَ: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى [يُونُسَ: 35] فَنَفَى رُبُوبِيَّةَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا لَا تَهْدِي وَأَوْجَبَ رُبُوبِيَّةَ نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَهْدِي فَلَوْ كَانَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُضِلُّ عَنِ الْحَقِّ لَكَانَ قَدْ سَاوَاهُمْ فِي الضَّلَالِ وَفِيمَا لِأَجْلِهِ نَهَى عَنِ اتِّبَاعِهِمْ، بَلْ كَانَ قَدْ أَرْبَى عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْأَوْثَانَ كَمَا أَنَّهَا لَا تَهْدِي فَهِيَ لَا تُضِلُّ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى مَعَ أَنَّهُ إِلَهٌ يَهْدِي فَهُوَ يُضِلُّ. وَتَاسِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى يَذْكُرُ هَذَا الضَّلَالَ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِمْ وَعُقُوبَةً عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا هُمْ عَلَيْهِ من الضلال كان ذلك عقوبة وتهديداً بأمرهم له ملابسون، وعليه مقبولون، وَبِهِ مُلْتَذُّونَ وَمُغْتَبِطُونَ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَتِ الْعُقُوبَةُ بِالزِّنَا عَلَى الزِّنَا وَبِشُرْبِ الْخَمْرِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَعَاشِرُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [البقرة: 26، 27] صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَفْعَلُ
بِهِ هَذَا الْإِضْلَالَ بَعْدَ أَنْ صَارَ هُوَ مِنَ الْفَاسِقِينَ النَّاقِضِينَ لِعَهْدِ اللَّهِ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِضْلَالَ الَّذِي يَحْصُلُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ فَاسِقًا وَنَاقِضًا لِلْعَهْدِ مُغَايِرٌ لِفِسْقِهِ وَنَقْضِهِ، وَحَادِي عَاشِرِهَا: أَنَّهُ تَعَالَى فَسَّرَ الإضلال المنسوب إليه في كتابه، إما بكوه ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا، أَوْ بِكَوْنِهِ عُقُوبَةً وَنَكَالًا، فَقَالَ فِي الِابْتِلَاءِ: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا أَيِ امْتِحَانًا إِلَى أَنْ قَالَ: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [الْمُدَّثِّرِ: 31] فَبَيَّنَ أَنَّ إِضْلَالَهُ لِلْعَبْدِ يَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ إِنْزَالِهِ آيَةً مُتَشَابِهَةً أَوْ فِعْلًا مُتَشَابِهًا لَا يُعْرَفُ حَقِيقَةُ الْغَرَضِ فِيهِ، وَالضَّالُّ بِهِ هُوَ الَّذِي لَا يَقِفُ عَلَى الْمَقْصُودِ وَلَا يَتَفَكَّرُ فِي وَجْهِ الْحِكْمَةِ فِيهِ بَلْ يَتَمَسَّكُ بِالشُّبُهَاتِ فِي تَقْرِيرِ الْمُجْمَلِ الْبَاطِلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [آلِ عِمْرَانَ: 7] وَأَمَّا الْعُقُوبَةُ وَالنَّكَالُ فَكَقَوْلِهِ: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ [غَافِرٍ: 71] إِلَى أَنْ قَالَ: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ فَبَيَّنَ أَنَّ إِضْلَالَهُ لَا يَعْدُو أَحَدَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَإِذَا كَانَ الْإِضْلَالُ مُفَسَّرًا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مُفَسَّرًا بِغَيْرِهِمَا دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْإِضْلَالِ عَلَى خَلْقِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِضْلَالَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ الدُّعَاءُ إِلَى الْبَاطِلِ وَالتَّرْغِيبُ فِيهِ وَالسَّعْيُ فِي إِخْفَاءِ مَقَابِحِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى التَّأْوِيلِ، وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَهَبَتِ الْجَبْرِيَّةُ إِلَيْهِ قَدْ أَبْطَلْنَاهُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى وُجُوهٍ أُخَرَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ. أَحَدُهَا: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا ضَلَّ بِاخْتِيَارِهِ عِنْدَ حُصُولِ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أَثَّرَ فِي إِضْلَالِهِ فَيُقَالُ لِذَلِكَ الشَّيْءِ إِنَّهُ أَضَلَّهُ قَالَ تَعَالَى فِي/ حَقِّ الْأَصْنَامِ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [إِبْرَاهِيمَ: 36] أَيْ ضَلُّوا بِهِنَّ، وَقَالَ: وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً [نُوحٍ: 23، 24] أَيْ ضَلَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِهِمْ وَقَالَ: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً [الْمَائِدَةِ: 64] وَقَالَ: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً [نُوحٍ: 6] أَيْ لَمْ يَزْدَادُوا بِدُعَائِي لَهُمْ إِلَّا فِرَارًا وَقَالَ: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي [الْمُؤْمِنُونَ: 110] وَهُمْ لَمْ يُنْسُوهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ كَانُوا يُذَكِّرُونَهُمُ اللَّهَ وَيَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ اشْتِغَالُهُمْ بِالسُّخْرِيَةِ مِنْهُمْ سَبَبًا لِنِسْيَانِهِمْ أُضِيفَ الْإِنْسَاءُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ فِي بَرَاءَةٍ: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التَّوْبَةِ: 124، 125] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ نُزُولَ السُّورَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الشَّرَائِعِ يُعَرِّفُ أَحْوَالَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يَصْلُحُ عَلَيْهَا فَيَزْدَادُ بِهَا إِيمَانًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْسُدُ عَلَيْهَا فَيَزْدَادُ بِهَا كُفْرًا، فَإِذَنْ أُضِيفَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْإِيمَانِ وَالزِّيَادَةُ فِي الْكُفْرِ إِلَى السُّورَةِ، إِذْ كَانُوا إِنَّمَا صَلُحُوا عِنْدَ نُزُولِهَا وَفَسَدُوا كَذَلِكَ أَيْضًا، فَكَذَا أُضِيفَ الْهُدَى وَالْإِضْلَالُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِذَا كَانَ إِحْدَاثُهُمَا عِنْدَ ضَرْبِهِ تَعَالَى الْأَمْثَالَ لَهُمْ وَقَالَ فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ: وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً [الْمُدَّثِّرِ: 31] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ ذِكْرَهُ لِعِدَّةِ خَزَنَةِ النَّارِ امْتِحَانٌ مِنْهُ لِعِبَادِهِ لِيَتَمَيَّزَ الْمُخْلِصُ مِنَ الْمُرْتَابِ فَآلَتِ الْعَاقِبَةُ إِلَى أَنْ صَلُحَ عَلَيْهَا الْمُؤْمِنُونَ وَفَسَدَ الْكَافِرُونَ وَأَضَافَ زِيَادَةَ الْإِيمَانِ وَضِدَّهَا إِلَى الْمُمْتَحَنِينَ فَقَالَ لِيَزْدَادَ وَلِيَقُولَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا، كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [الْمُدَّثِّرِ: 31] فَأَضَافَ إِلَى نَفْسِهِ إِضْلَالَهُمْ وَهُدَاهُمْ بَعْدَ أَنْ أَضَافَ إِلَيْهِمُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْإِضْلَالَ مُفَسَّرٌ بِهَذَا الِامْتِحَانِ وَيُقَالُ فِي الْعُرْفِ أَيْضًا. أَمْرَضَنِي الْحُبُّ أَيْ مَرِضْتُ بِهِ: وَيُقَالُ قَدْ أَفْسَدَتْ فُلَانَةٌ فُلَانًا وَهِيَ لَمْ تَعْلَمْ بِهِ، وَقَالَ الشاعر:
دَعْ عَنْكَ لَوْمِي فَإِنَّ اللَّوْمَ إِغْرَاءُ أَيْ يُغْرِي الْمَلُومَ بِاللَّوْمِ، وَالْإِضْلَالُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْكَافِرِينَ ضَلُّوا بِسَبَبِ الْآيَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الِامْتِحَانَاتِ فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكُفَّارُ لَمَّا قَالُوا: مَا الْحَاجَةُ إِلَى الْأَمْثَالِ وَمَا الْفَائِدَةُ فِيهَا وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ هَذَا الِامْتِحَانُ حَسُنَتْ هَذِهِ الْإِضَافَةُ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْإِضْلَالَ هُوَ التَّسْمِيَةُ بِالضَّلَالِ فَيُقَالُ أَضَلَّهُ أَيْ سَمَّاهُ ضَالًّا وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ وَأَكْفَرَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا سَمَّاهُ كَافِرًا وَأَنْشَدُوا بَيْتَ الْكُمَيْتِ: وَطَائِفَةٌ قَدْ أَكْفَرُونِي بِحُبِّكُمْ ... وَطَائِفَةٌ قَالُوا مُسِيءٌ وَمُذْنِبُ وَقَالَ طَرَفَةُ: وَمَا زَالَ شُرْبِي الرَّاحَ حَتَّى أَضَلَّنِي ... صَدِيقِي وَحَتَّى سَاءَنِي بَعْضُ ذَلِكَا أَرَادَ سَمَّانِي ضَالًّا وَهَذَا الْوَجْهُ مِمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ قُطْرُبٌ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَمِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ أَنْكَرَهُ وَقَالَ إِنَّمَا يُقَالُ ضَلَّلْتُهُ تَضْلِيلًا إِذَا سَمَّيْتُهُ ضَالًّا، وَكَذَلِكَ فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ إِذَا سَمَّيْتُهُ فَاجِرًا فَاسِقًا، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَتَى صَيَّرَهُ فِي نَفْسِهِ ضَالًّا لَزِمَهُ أَنْ يَصِيرَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالضَّلَالِ فَهَذَا الْحُكْمُ/ مِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ التَّصْيِيرِ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ مَجَازٌ مَشْهُورٌ وَأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ أَيْضًا لِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ لِآخَرَ: فُلَانٌ ضَالٌّ جَازَ أَنْ يُقَالَ لَهُ لِمَ جَعَلْتَهُ ضَالًّا وَيَكُونُ الْمَعْنَى لِمَ سَمَّيْتَهُ بِذَلِكَ وَلِمَ حَكَمْتَ بِهِ عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَمَلُوا الْإِضْلَالَ عَلَى الْحُكْمِ وَالتَّسْمِيَةِ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْإِضْلَالُ هُوَ التَّخْلِيَةُ وَتَرْكُ الْمَنْعِ بِالْقَهْرِ وَالْجَبْرِ، فَيُقَالُ أَضَلَّهُ إِذَا خَلَّاهُ وَضَلَالَهُ قَالُوا وَمِنْ مَجَازِهِ قَوْلُهُمْ: أَفْسَدَ فُلَانٌ ابْنَهُ وَأَهْلَكَهُ وَدَمَّرَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَتَعَهَّدْهُ بِالتَّأْدِيبِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْعَرْجِيِّ: أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا ... لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسَدَادِ ثَغْرِ وَيُقَالُ لِمَنْ تَرَكَ سَيْفَهُ فِي الْأَرْضِ النَّدِيَّةِ حَتَّى فَسَدَ وَصَدِئَ: أَفْسَدْتَ سَيْفَكَ وَأَصْدَأْتَهُ. وَرَابِعُهَا: الضَّلَالُ وَالْإِضْلَالُ هُوَ الْعَذَابُ وَالتَّعْذِيبُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [الْقَمَرِ: 47، 48] فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ضَلَالٍ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَذَابَهُمْ وَقَالَ تَعَالَى: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ [غَافِرٍ: 71- 74] فُسِّرَ ذَلِكَ الضَّلَالُ بِالْعَذَابِ. وَخَامِسُهَا: أَنْ يُحْمَلَ الْإِضْلَالُ عَلَى الْإِهْلَاكِ وَالْإِبْطَالِ كَقَوْلِهِ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ [مُحَمَّدٍ: 1] قِيلَ أَبْطَلَهَا وَأَهْلَكَهَا وَمِنْ مَجَازِهِ قَوْلُهُمْ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا صَارَ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ وَيُقَالُ أَضْلَلْتُهُ أَنَا إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِهِ فَأَهْلَكْتَهُ وَصَيَّرْتَهُ كَالْمَعْدُومِ وَمِنْهُ يُقَالُ أَضَلَّ الْقَوْمُ مَيِّتَهُمْ إِذَا وَارَوْهُ فِي قَبْرِهِ فَأَخْفَوْهُ حَتَّى صَارَ لَا يُرَى، قَالَ النَّابِغَةُ: وَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ... وَغُودِرَ بِالْجُولَانِ حَزْمٌ وَنَائِلُ وقال تعالى: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السجدة: 10] أي أإذا انْدَفَنَّا فِيهَا فَخَفِيَتْ أَشْخَاصُنَا فَيُحْتَمَلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى يُضِلُّ اللَّهُ إِنْسَانًا أَيْ يُهْلِكُهُ وَيُعْدِمُهُ فَتَجُوزُ إِضَافَةُ الْإِضْلَالِ إِلَيْهِ تَعَالَى عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الْخَمْسَةُ إِذَا حَمَلْنَا الْإِضْلَالَ عَلَى الْإِضْلَالِ عَنِ الدِّينِ. وَسَادِسُهَا: أَنْ يُحْمَلَ
الْإِضْلَالُ عَلَى الْإِضْلَالِ عَنِ الْجَنَّةِ، قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ تَأْوِيلًا بَلْ حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُضِلُّهُمْ وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أنه عما ذا يُضِلُّهُمْ، فَنَحْنُ نَحْمِلُهَا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُضِلُّهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْجَنَّةِ ثُمَّ حَمَلُوا كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ عَلَى هَذَا الْمَحْمَلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْجُبَّائِيِّ قَالَ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ [الْحَجِّ: 4] أَيْ يُضِلُّهُ عَنِ الْجَنَّةِ وَثَوَابِهَا. هَذَا كُلُّهُ إِذَا حَمَلْنَا الْهَمْزَةَ فِي الْإِضْلَالِ عَلَى التَّعْدِيَةِ. وَسَابِعُهَا: أَنْ نَحْمِلَ الْهَمْزَةَ لَا عَلَى التَّعْدِيَةِ بَلْ عَلَى الْوُجْدَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيَانُهُ فَيُقَالُ أَضَلَّ فُلَانٌ بَعِيرَهُ أَيْ ضَلَّ عَنْهُ فَمَعْنَى إِضْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ أَنَّهُ تَعَالَى وَجَدَهُمْ ضَالِّينَ. وَثَامِنُهَا: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً مِنْ تَمَامِ قَوْلِ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا الْمَثَلِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْفَائِدَةِ فِيهِ ثُمَّ قَالُوا: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَذَكَرُوهُ عَلَى/ سَبِيلِ التَّهَكُّمِ فَهَذَا مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى جَوَابًا لَهُمْ: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ أَيْ مَا أَضَلَّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقَ. هَذَا مَجْمُوعُ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَتِ الْجَبْرِيَّةُ لَقَدْ سَمِعْنَا كَلَامَكُمْ وَاعْتَرَفْنَا لَكُمْ بِجَوْدَةِ الْإِيرَادِ وَحُسْنِ التَّرْتِيبِ وَقُوَّةِ الْكَلَامِ وَلَكِنْ مَاذَا نَعْمَلُ وَلَكُمْ أَعْدَاءٌ ثَلَاثَةٌ يُشَوِّشُونَ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الْوُجُوهَ الْحَسَنَةَ؟ وَالدَّلَائِلَ اللَّطِيفَةَ: أَحَدُهَا: مَسْأَلَةُ الدَّاعِي وَهِيَ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَالْإِهْدَاءِ وَالْإِضْلَالِ لِمَ فَعَلَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ؟ وَثَانِيهَا: مَسْأَلَةُ الْعِلْمِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [الْبَقَرَةِ: 7] وَمَا رَأَيْنَا لَكُمْ فِي دَفْعِ هَذَيْنِ الْكَلَامَيْنِ كَلَامًا مُحِيلًا قَوِيًّا وَنَحْنُ لَا شَكَّ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مَعَ مَا مَعَكُمْ مِنَ الذَّكَاءِ الضَّعْفَ عَنْ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ الَّتِي تَكَلَّمُوا بِهَا فكما أنصفنا واعترافنا لَكُمْ بِحُسْنِ الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ فَأَنْصِفُوا أَيْضًا وَاعْتَرِفُوا بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَكُمْ عَنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَإِنَّ التَّعَامِيَ وَالتَّغَافُلَ لَا يَلِيقُ بِالْعُقَلَاءِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ لَوْ كَانَ بِإِيجَادِهِ لَمَا حَصَلَ إِلَّا الَّذِي قَصَدَ إِيجَادَهُ لَكِنَّ أَحَدًا لَا يُرِيدُ إِلَّا تَحْصِيلَ الْعِلْمِ وَالِاهْتِدَاءِ، وَيَحْتَرِزُ كُلَّ الِاحْتِرَازِ عَنِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الْجَهْلُ وَالْإِضْلَالُ لِلْعَبْدِ مَعَ أَنَّهُ مَا قَصَدَ إِلَّا تَحْصِيلَ الْعِلْمِ وَالِاهْتِدَاءِ؟ فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ بِالْإِيمَانِ وَالْعِلْمُ بِالْجَهْلِ فَظَنَّ فِي الْجَهْلِ أَنَّهُ عِلْمٌ فَقَصَدَ إِيقَاعَهُ فَلِذَلِكَ حَصَلَ لَهُ الْجَهْلُ قُلْنَا ظَنُّهُ فِي الْجَهْلِ أَنَّهُ عِلْمٌ ظَنُّ خَطَأٍ فَإِنْ كَانَ اخْتَارَهُ أَوَّلًا فَقَدِ اخْتَارَ الْجَهْلَ وَالْخَطَأَ لِنَفْسِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِسَبَبِ ظَنٍّ آخَرَ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ كُلِّ ظَنٍّ ظَنٌّ لَا إِلَى نِهَايَةٍ وَهُوَ مُحَالٌ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ التَّصَوُّرَاتِ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ وَالتَّصْدِيقَاتِ الْبَدِيهِيَّةَ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ وَالتَّصْدِيقَاتِ بِأَسْرِهَا غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ فَهَذِهِ مُقَدَّمَاتٌ ثَلَاثَةٌ. الْمُقَدَّمَةُ الْأُولَى: فِي بَيَانِ أَنَّ التَّصَوُّرَاتِ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ يُحَاوِلُ اكْتِسَابَهَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَصَوِّرًا لَهَا أَوْ لَا يَكُونَ مُتَصَوِّرًا لَهَا فَإِنْ كَانَ مُتَصَوِّرًا لَهَا اسْتَحَالَ أَنْ يَطْلُبَ تَحْصِيلَ تَصَوُّرِهَا لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَصَوِّرًا لَهَا كَانَ ذِهْنُهُ غَافِلًا عَنْهَا وَالْغَافِلُ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ طَالِبَهُ. الْمُقَدَّمَةُ الثَّانِيَةُ: فِي بَيَانِ أَنَّ التَّصْدِيقَاتِ الْبَدِيهِيَّةَ غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ لِأَنَّ حُصُولَ طَرَفَيِ التَّصْدِيقِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَافِيًا فِي جَزْمِ الذِّهْنِ بِذَلِكَ التَّصْدِيقِ أَوْ لَا يَكُونَ كَافِيًا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَانَ ذَلِكَ التَّصْدِيقُ دَائِرًا مَعَ ذَيْنَكِ التَّصَوُّرَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَكُنِ التَّصْدِيقُ بَدِيهِيًّا بَلْ مُتَوَقَّفًا فِيهِ. الْمُقَدَّمَةُ الثَّالِثَةُ: فِي بَيَانِ أَنَّ التَّصْدِيقَاتِ بِأَسْرِهَا غَيْرُ كَسْبِيَّةٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ النَّظَرِيَّاتِ إِنْ كَانَتْ وَاجِبَةَ اللُّزُومِ عَنْ تِلْكَ الْبَدِيهِيَّاتِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ كَانَتْ تِلْكَ النَّظَرِيَّاتُ أَيْضًا غَيْرَ مَقْدُورَةٍ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةَ اللُّزُومِ عَنْ
تِلْكَ الْبَدِيهِيَّاتِ لَمْ يُمْكِنِ الِاسْتِدْلَالُ بِتِلْكَ الْبَدِيهِيَّاتِ عَلَى تِلْكَ النَّظَرِيَّاتِ، فَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الِاعْتِقَادَاتُ الْحَاصِلَةُ فِي تِلْكَ النَّظَرِيَّاتِ عُلُومًا، بَلْ لَا تَكُونُ إِلَّا اعْتِقَادًا حَاصِلًا لِلْمُقَلِّدِ وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ، فَثَبَتَ أَنَّ كَلَامَكُمْ فِي عَدَمِ إِسْنَادِ الِاهْتِدَاءِ وَالضَّلَالِ إِلَى اللَّهِ/ تَعَالَى مُعَارَضٌ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الْعَقْلِيَّةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي لَا جَوَابَ عَنْهَا. وَلْنَتَكَلَّمِ الْآنَ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ أَمَّا التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ فَسَاقِطٌ لِأَنَّ إِنْزَالَ هَذِهِ الْمُتَشَابِهَاتِ هَلْ لَهَا أَثَرٌ فِي تَحْرِيكِ الدَّوَاعِي أَوْ لَيْسَ لَهَا أَثَرٌ فِي ذَلِكَ؟ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَجَبَ عَلَى قَوْلِكُمْ أَنْ يُقَبَّحَ لِوَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّا قَدْ دَلَّلْنَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [الْبَقَرَةِ: 7] عَلَى أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الرُّجْحَانُ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَحْصُلَ الْوُجُوبُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الِاسْتِوَاءِ وَبَيْنَ الْوُجُوبِ الْمَانِعِ مِنَ النَّقِيضِ وَاسِطَةٌ، فَإِذَا أَثَّرَ إِنْزَالُ هَذِهِ الْمُتَشَابِهَاتِ فِي التَّرْجِيحِ وَثَبَتَ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ التَّرْجِيحُ فَقَدْ حَصَلَ الْوُجُوبُ فَحِينَئِذٍ جَاءَ الْجَبْرُ وَبَطَلَ مَا قُلْتُمُوهُ. الثَّانِي: هَبْ أَنَّهُ لَا يَنْتَهِي إِلَى حَدِّ الْوُجُوبِ إِلَّا أَنَّ الْمُكَلَّفَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُزَاحَ الْعُذْرِ وَالْعِلَّةِ وَإِنْزَالُ هَذِهِ الْمُتَشَابِهَاتِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ لَهَا أَثَرًا فِي تَرْجِيحِ جَانِبِ الضَّلَالِ عَلَى جَانِبِ الِاهْتِدَاءِ كَالْعُذْرِ لِلْمُكَلَّفِ فِي عَدَمِ الْإِقْدَامِ عَلَى الطَّاعَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُقَبَّحَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ أَثَرٌ فِي إِقْدَامِهِمْ عَلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الضَّلَالِ على جانب بالاهتداء كَانَتْ نِسْبَةُ هَذِهِ الْمُتَشَابِهَاتِ إِلَى ضَلَالِهِمْ كَصَرِيرِ الْبَابِ وَنَعِيقِ الْغُرَابِ فَكَمَا أَنَّ ضَلَالَهُمْ لَا يُنْسَبُ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ الْأَجْنَبِيَّةِ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يُنْسَبَ إِلَى هَذِهِ الْمُتَشَابِهَاتِ بِوَجْهٍ مَا، وَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ تَأْوِيلُهُمْ، أَمَّا التَّأْوِيلُ الثَّانِي وَهُوَ التَّسْمِيَةُ وَالْحُكْمُ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ لَكِنَّ الْإِشْكَالَ مَعَهُ بَاقٍ لِأَنَّهُ إِذَا سَمَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ وَحَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ فلو لم يأت المكلف به لا نقلب خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا وَعِلْمُهُ جَهْلًا، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ وَالْمُفْضِي إِلَى الْمُحَالِ مُحَالٌ، فَكَانَ عَدَمُ إِتْيَانِ الْمُكَلَّفِ بِهِ مُحَالًا وَإِتْيَانُهُ بِهِ وَاجِبًا وَهَذَا عَيْنُ الْجَبْرِ الَّذِي تفرون منه وأنه ملاقيكم لا محالة، وهاهنا يَنْتَهِي الْبَحْثُ إِلَى الْجَوَابَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ لَهُمَا فِي هَذَا الْمَقَامِ وَكُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ سُقُوطَ ذَلِكَ، وَأَمَّا التَّأْوِيلُ الثَّالِثُ وَهُوَ التَّخْلِيَةُ وَتَرْكُ الْمَنْعِ فَهَذَا إِنَّمَا يُسَمَّى إِضْلَالًا إِذَا كَانَ الْأَوْلَى وَالْأَحْسَنُ بِالْوَالِدِ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ ذلك فأما إذا كان الولد أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْوَلَدُ بِحَيْثُ لَوْ مَنَعَهُ وَالِدُهُ عَنْ ذَلِكَ لَوَقَعَ فِي مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ مِنْ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ الْأُولَى لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ أَفْسَدَ وَلَدَهُ وأضله، وهاهنا الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ مَنَعَ الْمُكَلَّفَ جَبْرًا عَنْ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ لَزِمَتْ مَفْسَدَةٌ أُخْرَى أَعْظَمُ مِنَ الْأُولَى، فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّهُ تَعَالَى أَفْسَدَ الْمُكَلَّفَ وَأَضَلَّهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَا مَنَعَهُ عَنِ الضَّلَالِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ مَنَعَهُ لَكَانَتْ تِلْكَ الْمَفْسَدَةُ أَعْظَمَ وَأَمَّا التَّأْوِيلُ الرَّابِعُ فَقَدِ اعْتَرَضَ الْقَفَّالُ عَلَيْهِ فَقَالَ: لَا نُسَلِّمُ بِأَنَّ الضَّلَالَ جَاءَ بِمَعْنَى الْعَذَابِ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [الْقَمَرِ: 47] فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي ضَلَالٍ عَنِ الْحَقِّ فِي الدُّنْيَا وَفِي سُعُرٍ: أَيْ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ فِي الْآخِرَةِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: يَوْمَ يُسْحَبُونَ مِنْ صِلَةِ سُعُرٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ إلى قوله: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ فَمَعْنَى قَوْلِهِ ضَلُّوا عَنَّا أَيْ بَطَلُوا فَلَمْ ينتفع بِهِمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي كُنَّا نَرْجُو شَفَاعَتَهُمْ فِيهِ ثُمَّ قَوْلُهُ: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ قَدْ يَكُونُ عَلَى مَعْنَى كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ أَيْ يُحْبِطُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُحْتَمَلُ كَذَلِكَ يَخْذُلُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا فَلَا يُوَفِّقُهُمْ لِقَبُولِ الْحَقِّ إِذْ أَلِفُوا الْبَاطِلَ وَأَعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ، فَإِذَا خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَتَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَدْ بَطَلَتْ أَعْمَالُهُمُ الَّتِي كَانُوا يَرْجُونَ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا/ التَّأْوِيلُ الْخَامِسُ: وَهُوَ الْإِهْلَاكُ فَغَيْرُ لَائِقٍ بِهَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً يَمْنَعُ مِنْ حَمْلِ الْإِضْلَالِ عَلَى الْإِهْلَاكِ. وَأَمَّا التَّأْوِيلُ السَّادِسُ: وَهُوَ أَنَّهُ يُضِلُّهُ عَنْ طَرِيقِ الْجَنَّةِ فَضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: يُضِلُّ بِهِ أَيْ يُضِلُّ بِسَبَبِ اسْتِمَاعِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْإِضْلَالُ عَنْ طَرِيقِ الْجَنَّةِ لَيْسَ بِسَبَبِ اسْتِمَاعِ هَذِهِ الْآيَاتِ بَلْ بِسَبَبِ إِقْدَامِهِ عَلَى الْقَبَائِحِ فَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا التَّأْوِيلُ السَّابِعُ: وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: يُضِلَّهُ
أَيْ يَجِدُهُ ضَالًّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إِثْبَاتَ هَذِهِ اللُّغَةِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَلِأَنَّهُ عَدَّى الْإِضْلَالَ بِحَرْفِ الْبَاءِ فَقَالَ: يُضِلُّ بِهِ وَالْإِضْلَالُ بِمَعْنَى الْوُجْدَانِ لَا يَكُونُ مُعَدًّى بِحَرْفِ الْبَاءِ. وَأَمَّا التَّأْوِيلُ الثَّامِنُ: فَهُوَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يُوجِبُ تَفْكِيكَ النَّظْمِ لِأَنَّهُ إِلَى قَوْلِهِ: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً مِنْ كَلَامِ الْكُفَّارِ ثُمَّ قَوْلُهُ: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُمَا بَلْ مَعَ حَرْفِ الْعَطْفِ وَهُوَ الواو، ثم هب أنه هاهنا كَذَلِكَ لَكِنَّهُ فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ لَا شَكَّ أَنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي الْإِضْلَالِ. أَمَّا الْهُدَى فَقَدْ جَاءَ عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الدَّلَالَةُ وَالْبَيَانُ قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا [السَّجْدَةِ: 26] وَقَالَ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ [الْبَقَرَةِ: 38] وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ الْهُدَى عِبَارَةً عَنِ الْبَيَانِ وَقَالَ: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى [النَّجْمِ: 23] وَقَالَ: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الْإِنْسَانِ: 3] أَيْ سَوَاءٌ شَكَرَ أَوْ كَفَرَ فَالْهِدَايَةُ قَدْ جَاءَتْهُ فِي الْحَالَتَيْنِ وَقَالَ: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فُصِّلَتْ: 17] وَقَالَ: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الْأَنْعَامِ: 154] وَهَذَا لَا يُقَالُ لِلْمُؤْمِنِ وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ خُصُومِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ [ص: 22] أَيْ أَرْشِدْنَا وَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ [مُحَمَّدٍ: 25] وَقَالَ: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ الزُّمَرِ: 56] إِلَى قَوْلِهِ: أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [الزُّمَرِ: 57] إِلَى قَوْلِهِ: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ [الزُّمَرِ: 59] أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ هَدَى الْكَافِرَ مِمَّا جَاءَهُ مِنَ الْآيَاتِ وَقَالَ: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ [الْأَنْعَامِ: 157] وَهَذِهِ مُخَاطَبَةٌ لِلْكَافِرِينَ. وَثَانِيهَا: قَالُوا فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشُّورَى: 52] أَيْ لَتَدْعُو وَقَوْلُهُ: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرَّعْدِ: 7] أَيْ دَاعٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى ضَلَالٍ أَوْ هُدًى. وَثَالِثُهَا: التَّوْفِيقُ مِنَ اللَّهِ بِالْأَلْطَافِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْإِيمَانِ يُؤْتِيهَا الْمُؤْمِنِينَ جَزَاءً عَلَى إِيمَانِهِمْ وَمَعُونَةً عَلَيْهِ وَعَلَى الِازْدِيَادِ مِنْ طَاعَتِهِ، فَهَذَا ثَوَابٌ لَهُمْ وَبِإِزَائِهِ ضِدُّهُ لِلْكَافِرِينَ وَهُوَ أَنْ يَسْلُبَهُمْ ذَلِكَ فَيَكُونُ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى مَا هَدَاهُمْ يَكُونُ قَدْ أَضَلَّهُمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [مُحَمَّدٍ: 17] ، وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً [مَرْيَمَ: 76] ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [آل عمران: 86] ، يُثَبِّتُ اللَّهُ/ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إِبْرَاهِيمَ: 27] ، كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 86] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَهْدِيهِمْ وَأَنَّهُمْ قَدْ جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ، فَهَذَا الْهُدَى غَيْرُ الْبَيَانِ لَا مَحَالَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التَّغَابُنِ: 11] أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [الْمُجَادَلَةِ: 22] . وَرَابِعُهَا: الْهُدَى إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ قَالَ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً [النِّسَاءِ: 175] وَقَالَ: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الْمَائِدَةِ: 15، 16] وَقَالَ: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ
سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ [مُحَمَّدٍ: 4- 6] وَالْهِدَايَةُ بَعْدَ الْقَتْلِ لَا تَكُونُ إِلَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ [يُونُسَ: 90] وَهَذَا تَأْوِيلُ الْجُبَّائِيِّ، وَخَامِسُهَا: الْهُدَى بِمَعْنَى التَّقْدِيمِ يُقَالُ هَدَى فُلَانٌ فُلَانًا أَيْ قَدَّمَهُ أَمَامَهُ، وَأَصْلُ هَدَى مِنْ هِدَايَةِ الطَّرِيقِ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ يَتَقَدَّمُ الْمَدْلُولَ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ أَقْبَلَتْ هَوَادِي الْخَيْلِ. أَيْ مُتَقَدِّمَاتُهَا وَيُقَالُ لِلْعُنُقِ هَادِي وَهَوَادِي الْخَيْلِ أَعْنَاقُهَا لِأَنَّهَا تَتَقَدَّمُهَا، وَسَادِسُهَا: يَهْدِي أَيْ يَحْكُمُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ مُهْتَدٍ وَتَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِ الْقَائِلِ هَدَاهُ جَعَلَهُ مُهْتَدِيًا، وَهَذَا اللَّفْظُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْحُكْمِ وَالتَّسْمِيَةِ قَالَ تَعَالَى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [الْمَائِدَةِ: 103] أَيْ مَا حَكَمَ وَلَا شَرَعَ، وَقَالَ: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ [آلِ عِمْرَانَ: 73] مَعْنَاهُ أَنَّ الْهُدَى مَا حَكَمَ اللَّهُ بِأَنَّهُ هُدًى وَقَالَ: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ [الإسراء: 97] أَيْ مَنْ حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْهُدَى فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِأَنْ يُسَمَّى مُهْتَدِيًا فَهَذِهِ هِيَ الْوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُعْتَزِلَةُ: وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِيمَا تقدم في باب الإضلال. قالت الجبرية: وهاهنا وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْهُدَى بِمَعْنَى خَلْقِ الْهِدَايَةِ وَالْعِلْمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [يُونُسَ: 25] قَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ هَذَا غَيْرُ جَائِزٍ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ حَمَلَ غَيْرَهُ عَلَى سُلُوكِ الطَّرِيقِ كَرْهًا وَجَبْرًا أَنَّهُ هَدَاهُ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يُقَالُ رَدَّهُ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ وَحَمَلَهُ عَلَيْهِ وَجَرَّهُ إِلَيْهِ فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ هَدَاهُ إِلَيْهِ فَلَا، وَثَانِيهَا: لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَبَطَلَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْمَدْحُ وَالذَّمُّ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، فَإِنْ قِيلَ هَبْ أَنَّهُ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أَنَّهُ كَسْبُ الْعَبْدِ قُلْنَا هَذَا الْكَسْبُ مَدْفُوعٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ وُقُوعَ هَذِهِ الْحَرَكَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لَا يَكُونَ بِتَخْلِيقِهِ، فَإِنْ كَانَ بِتَخْلِيقِهِ، فَمَتَى خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَحَالَ مِنَ الْعَبْدِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ، وَمَتَى لَمْ يَخْلُقْهُ اسْتَحَالَ مِنَ الْعَبْدِ الْإِتْيَانُ بِهِ، فَحِينَئِذٍ تَتَوَجَّهُ الْإِشْكَالَاتُ الْمَذْكُورَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ مِنَ الْعَبْدِ فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ بِالِاعْتِزَالِ، الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَلْقًا لِلَّهِ تَعَالَى وَكَسْبًا لِلْعَبْدِ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يَخْلُقُهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَكْتَسِبُهُ الْعَبْدُ أَوْ يَكْتَسِبُهُ الْعَبْدُ أَوَّلًا ثُمَّ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى. أَوْ يَقَعُ الْأَمْرَانِ مَعًا، فَإِنْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ الْعَبْدُ مَجْبُورًا عَلَى اكْتِسَابِهِ فَيَعُودُ الْإِلْزَامُ وَإِنِ اكْتَسَبَهُ الْعَبْدُ أَوَّلًا فَاللَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى/ خَلْقِهِ، وَإِنْ وَقَعَا مَعًا وَجَبَ أَنْ لَا يَحْصُلَ هَذَا الْأَمْرُ إِلَّا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا لَكِنَّ هَذَا الِاتِّفَاقَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا فَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْصُلَ هَذَا الِاتِّفَاقُ، وَأَيْضًا فَهَذَا الِاتِّفَاقُ وَجَبَ أَنْ لَا يَحْصُلَ إِلَّا بِاتِّفَاقٍ آخَرَ، لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِهِ وَفِعْلِهِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ مِنَ الِاتِّفَاقِ وَهُوَ مُحَالٌ هَذَا مَجْمُوعُ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ قَالَتِ الجبرية: إنا قد دللنا بدلائل الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الِاحْتِمَالَ، وَالتَّأْوِيلَ عَلَى أَنَّ خَالِقَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، إِمَّا بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَالْوُجُوهُ الَّتِي تَمَسَّكْتُمْ بِهَا وُجُوهٌ نَقْلِيَّةٌ قَابِلَةٌ لِلِاحْتِمَالِ وَالْقَاطِعُ لَا يُعَارِضُهُ الْمُحْتَمَلُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى مَا قُلْنَاهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لِمَ وُصِفَ الْمَهْدِيُّونَ بِالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةُ صِفَتُهُمْ لِقَوْلِهِ: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سَبَأٍ: 13] وَقَلِيلٌ مَا هُمْ [ص: 24] وَلِحَدِيثِ «النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً» وَحَدِيثِ «النَّاسُ أخبر قلة» ، وَالْجَوَابُ: أَهْلُ الْهُدَى كَثِيرٌ فِي أَنْفُسِهِمْ وَحَيْثُ يُوصَفُونَ بِالْقِلَّةِ إِنَّمَا يُوصَفُونَ بِهَا بِالْقِيَاسِ إِلَى أَهْلِ الضَّلَالِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْمَهْدِيِّينَ كَثِيرٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ قَلُّوا فِي الصُّورَةِ فَسُمُّوا بِالْكَثِيرِ ذَهَابًا إِلَى الْحَقِيقَةِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَالَ الْفَرَّاءُ: الْفَاسِقُ أَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ مِنْ قِشْرِهَا أَيْ خَرَجَتْ، فَكَأَنَّ الْفَاسِقَ هُوَ الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ، وَتُسَمَّى الْفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةٌ لِخُرُوجِهَا لِأَجْلِ الْمَضَرَّةِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْقِبْلَةِ فِي أَنَّهُ هَلْ
هُوَ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ، فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَعِنْدَ الْخَوَارِجِ أَنَّهُ كَافِرٌ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ [الْحُجُرَاتِ: 11] وَقَالَ: إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ [التَّوْبَةِ: 17] وَقَالَ: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ [الْحُجُرَاتِ: 7] وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ طَوِيلَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَذَكَرُوا وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْمِيثَاقِ حُجَجُهُ الْقَائِمَةُ عَلَى عِبَادِهِ الدَّالَّةُ لَهُمْ عَلَى صِحَّةِ تَوْحِيدِهِ وَصِدْقِ رُسُلِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِيثَاقًا وَعَهْدًا عَلَى التَّمَسُّكِ بِالتَّوْحِيدِ إِذَا كَانَ يَلْزَمُ بِهَذِهِ الْحُجَجِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّمَسُّكِ بِالتَّوْحِيدِ وَغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ قَوْلُهُ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [الْبَقَرَةِ: 40] ، وَثَانِيهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَعْنِيَ بِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً [فَاطِرٍ: 42] فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلُوا مَا حَلَفُوا عَلَيْهِ وَصَفَهُمْ بِنَقْضِ عَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ، والتأويل الأول يمكن فيه العموم فيه كُلِّ مَنْ ضَلَّ وَكَفَرَ، وَالثَّانِي: لَا يُمْكِنُ إِلَّا فِيمَنِ اخْتَصَّ بِهَذَا الْقَسَمِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا ظَهَرَ رُجْحَانُ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ يُمْكِنُ إِجْرَاءُ الْآيَةِ عَلَى عُمُومِهَا، وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُ التَّخْصِيصُ، الثَّانِي: أَنَّ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُمُ الذَّمُّ لِأَنَّهُمْ نَقَضُوا عَهْدًا أَبْرَمَهُ اللَّهُ وَأَحْكَمَهُ بِمَا أَنْزَلَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي كَرَّرَهَا عَلَيْهِمْ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ وَأَوْضَحَهَا وَأَزَالَ التَّلْبِيسَ عَنْهَا، وَلِمَا أَوْدَعَ فِي الْعُقُولِ مِنْ دَلَائِلِهَا وَبَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ مُؤَكِّدًا لَهَا: وَأَمَّا عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي/ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الذَّمُّ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ تَرَكُوا شَيْئًا هُمْ بِأَنْفُسِهِمُ الْتَزَمُوهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَرْتِيبَ الذَّمِّ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَوْلَى، وَثَالِثُهَا: قَالَ الْقَفَّالُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِالْآيَةِ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَّنَ لَهُمْ أَمْرَهُ وَأَمْرَ أُمَّتِهِ فَنَقَضُوا ذَلِكَ وأعرضوا عنه وجحدوا نبوته. ورابعاً: قَالَ بَعْضُهُمْ، إِنَّهُ عَنَى بِهِ مِيثَاقًا أَخَذَهُ مِنَ النَّاسِ وَهُمْ عَلَى صُورَةِ الذَّرِّ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ كَذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الْأَعْرَافِ: 172] قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ هَذَا سَاقِطٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَحْتَجُّ عَلَى الْعِبَادِ بِعَهْدٍ وَمِيثَاقٍ لَا يَشْعُرُونَ بِهِ كَمَا لَا يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا ذَهَبَ عِلْمُهُ عَنْ قَلْبِهِمْ بِالسَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَعِيبَهُمْ بِذَلِكَ؟ وَخَامِسُهَا: عَهْدُ اللَّهِ إِلَى خَلْقِهِ ثَلَاثَةُ عُهُودٍ. الْعَهْدُ الْأَوَّلُ: الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ [الْأَعْرَافِ: 172] وَعَهْدٌ خَصَّ بِهِ النَّبِيِّينَ أَنْ يُبَلِّغُوا الرِّسَالَةَ وَيُقِيمُوا الدِّينَ وَلَا يَتَفَرَّقُوا فِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ [الْأَحْزَابِ: 7] وَعَهْدٌ خَصَّ بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آلِ عِمْرَانَ: 187] قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الضَّمِيرُ فِي مِيثَاقِهِ لِلْعَهْدِ وَهُوَ مَا وَثَّقُوا بِهِ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ قَبُولِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى تَوْثِيقِهِ كَمَا أَنَّ الْمِيعَادَ وَالْمِيلَادَ بِمَعْنَى الْوَعْدِ وَالْوِلَادَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ بَعْدِ مَا وَثَّقَ بِهِ عَهْدَهُ مِنْ آيَاتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ فَذَكَرُوا وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَرَادَ بِهِ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ وَحُقُوقَ الْقَرَابَاتِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهَا وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ [مُحَمَّدٍ: 22] وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ قَطَعُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقَرَابَةِ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَكُونُ الْآيَةُ خَاصَّةً. وَثَانِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُمْ أَنْ يَصِلُوا حبلهم بحبل
[سورة البقرة (2) : آية 28]
الْمُؤْمِنِينَ فَهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَاتَّصَلُوا بِالْكُفَّارِ فَذَاكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ نُهُوا عَنِ التَّنَازُعِ وَإِثَارَةِ الْفِتَنِ وَهُمْ كَانُوا مُشْتَغِلِينَ بِذَلِكَ. الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ: أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْفَسَادُ الَّذِي يَتَعَدَّى دُونَ مَا يَقِفُ عَلَيْهِمْ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الصَّدُّ عَنْ طَاعَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَنَّ تَمَامَ الصَّلَاحِ فِي الْأَرْضِ بِالطَّاعَةِ لِأَنَّ بِالْتِزَامِ الشَّرَائِعِ يَلْتَزِمُ الْإِنْسَانُ كُلَّ مَا لَزِمَهُ، وَيَتْرُكُ التَّعَدِّيَ إِلَى الْغَيْرِ، وَمِنْهُ زَوَالُ التَّظَالُمِ وَفِي زَوَالِهِ الْعَدْلُ الذي قامت به السموات وَالْأَرْضُ، قَالَ تَعَالَى فِيمَا حَكَى عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ [غَافِرٍ: 26] ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ خَاسِرٌ فَقَالَ: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَفِي هَذَا الْخُسْرَانِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ خَسِرُوا نَعِيمَ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ إِلَّا وَلَهُ فِي الْجَنَّةِ أَهْلٌ وَمَنْزِلٌ، فَإِنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَجَدَهُ، وَإِنْ عَصَاهُ وَرِثَهُ الْمُؤْمِنُونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: 10- 11] وَقَالَ: إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الشُّورَى: 45] وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ خَسِرُوا حَسَنَاتِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا لِأَنَّهُمْ أَحْبَطُوهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَمْ يَصِلْ لَهُمْ مِنْهَا خَيْرٌ وَلَا ثَوَابٌ، وَالْآيَةُ فِي الْيَهُودِ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَفِي الْمُنَافِقِينَ وَهُمْ يَعْمَلُونَ فِي الظَّاهِرِ مَا يَعْمَلُهُ الْمُخْلِصُونَ فَحَبِطَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَفُوتَهُمُ اللَّذَّاتُ الْعَاجِلَةُ، ثُمَّ إنها تفوتهم إما عند ما يَصِيرُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْذُونًا فِي الْجِهَادِ أَوْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ، وَقَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ الْخَاسِرَ اسْمٌ عَامٌّ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَا يُجْزَى عَلَيْهِ فَيُقَالُ لَهُ خَاسِرٌ، كَالرَّجُلِ الَّذِي إِذَا تَعَنَّى وَتَصَرَّفَ فِي أَمْرٍ فَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ عَلَى نَفْعٍ قِيلَ لَهُ خَابَ وَخَسِرَ لِأَنَّهُ كَمَنْ أَعْطَى شَيْئًا وَلَمْ يَأْخُذْ بِإِزَائِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَسَمَّى الْكُفَّارَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَعَاصِي اللَّهِ خَاسِرِينَ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الْعَصْرِ: 2، 3] وَقَالَ: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الكهف: 103، 104] والله أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 28] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا تَكَلَّمَ فِي دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَمِنْ هذه الموضع إلى قوله: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [الْبَقَرَةِ: 40] فِي شَرْحِ النِّعَمِ الَّتِي عَمَّتْ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: أَوَّلُهَا: نِعْمَةُ الْإِحْيَاءِ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَإِنْ كَانَ بِصُورَةِ الِاسْتِخْبَارِ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّبْكِيتُ وَالتَّعْنِيفُ، لِأَنَّ عِظَمَ النِّعْمَةِ يَقْتَضِي عِظَمَ مَعْصِيَةِ الْمُنْعِمِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَالِدَ كُلَّمَا عَظُمَتْ نِعْمَتُهُ عَلَى الْوَلَدِ بِأَنْ رَبَّاهُ وَعَلَّمَهُ وَخَرَّجَهُ وَمَوَّلَهُ وَعَرَّضَهُ لِلْأُمُورِ الْحِسَانِ، كَانَتْ مَعْصِيَتُهُ لِأَبِيهِ أَعْظَمَ، فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِذَلِكَ عِظَمَ مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، بِأَنْ ذَكَّرَهُمْ نِعَمَهُ الْعَظِيمَةَ عَلَيْهِمْ لِيَزْجُرَهُمْ بِذَلِكَ عَمَّا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الْتَمَسُّكِ بِالْكُفْرِ وَيَبْعَثَهُمْ عَلَى اكْتِسَابِ الْإِيمَانِ، فَذَكَرَ تَعَالَى مِنْ نِعَمِهِ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي النِّعَمِ وَهُوَ الْإِحْيَاءُ، فَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْكُلِّيُّ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ كَانَ الْعَطْفُ الْأَوَّلُ بِالْفَاءِ وَالْبَوَاقِي بِثُمَّ؟ قلنا لأن الإحياء الأول قد يعقب الْمَوْتُ بِغَيْرِ تَرَاخٍ، وَأَمَّا الْمَوْتُ فَقَدْ تَرَاخَى عَنِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِحْيَاءُ الثَّانِي كَذَلِكَ مُتَرَاخٍ
عن الموت إن أريد به النور تراخياً ظاهرا، وهاهنا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ هُوَ الْخَالِقُ لِلْكُفْرِ فِيهِمْ لَمَا جَازَ أَنْ يَقُولَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ/ مُوَبِّخًا لَهُمْ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ كَيْفَ تَسْوَدُّونَ وَتَبْيَضُّونَ وَتَصِحُّونَ وَتَسْقَمُونَ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ أَجْمَعَ مِنْ خَلْقِهِ فِيهِمْ. وَثَانِيهَا: إِذَا كَانَ خَلَقَهُمْ أَوَّلًا لِلشَّقَاءِ وَالنَّارِ وَمَا أَرَادَ بِخَلْقِهِمْ إِلَّا الْكُفْرَ وَإِرَادَةَ الْوُقُوعِ فِي النَّارِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يقال مُوَبِّخًا لَهُمْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ؟. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ كَيْفَ تعقل مِنَ الْحَكِيمِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ حَالَ مَا يَخْلُقُ الْكُفْرَ فِيهِمْ وَيَقُولُ: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا [الْإِسْرَاءِ: 94] حَالَ مَا مَنَعَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَيَقُولُ: فَما لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الِانْشِقَاقِ: 20] ، فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [الْمُدَّثِّرِ: 49] وَهُوَ يَخْلُقُ فِيهِمُ الْإِعْرَاضَ وَيَقُولُ: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ... فَأَنَّى تُصْرَفُونَ وَيَخْلُقُ فِيهِمُ الْإِفْكَ وَالصَّرْفَ وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ بِأَنْ يُعَدَّ مِنَ السُّخْرِيَةِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُذْكَرَ فِي بَابِ إِلْزَامِ الْحُجَّةِ عَلَى الْعِبَادِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا قَالَ لِلْعَبِيدِ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ فَهَلْ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ تَوْجِيهًا لِلْحُجَّةِ عَلَى الْعَبْدِ وَطَلَبًا لِلْجَوَابِ مِنْهُ أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِطَلَبِ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِهِ فَائِدَةٌ فَكَانَ هَذَا الْخِطَابُ عَبَثًا، وَإِنْ ذَكَرَهُ لِتَوْجِيهِ الْحُجَّةِ عَلَى الْعَبْدِ، فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ حَصَلَ فِي حَقِّي أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْكُفْرِ. فَالْأَوَّلُ: أَنَّكَ عَلِمْتَ بِالْكُفْرِ مِنِّي وَالْعِلْمُ بِالْكُفْرِ يُوجِبُ الْكُفْرَ. وَالثَّانِي: أَنَّكَ أَرَدْتَ الْكُفْرَ مِنِّي وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ مُوجِبَةٌ لَهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّكَ خَلَقْتَ الْكُفْرَ فِيَّ وَأَنَا لَا أَقْدِرُ عَلَى إِزَالَةِ فِعْلِكَ. وَالرَّابِعُ: أَنَّكَ خَلَقْتَ فِيَّ قُدْرَةً مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ. فِيَّ إِرَادَةً مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ. وَالسَّادِسُ: أَنَّكَ خَلَقْتَ فِيَّ قُدْرَةً مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ. وَالْخَامِسُ أَنَّكَ خَلَقْتَ فِيَّ إِرَادَةً مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ. وَالسَّادِسُ أَنَّكَ خَلَقْتَ مُوجِبَةً لِلْإِرَادَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ ثُمَّ لَمَّا حَصَلَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ السِّتَّةُ فِي حُصُولِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ يُوقَفُ عَلَى حُصُولِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ السِّتَّةِ فِي طَرَفِ الْإِيمَانِ وَهِيَ بِأَسْرِهَا كَانَتْ مَفْقُودَةً، فَقَدْ حَصَلَ لِعَدَمِ الْإِيمَانِ اثْنَا عَشَرَ سَبَبًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُسْتَقِلٌّ بِالْمَنْعِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَمَعَ قِيَامِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الْكَثِيرَةِ كَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يُقَالَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ؟ وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِرَسُولِهِ قُلْ لَهُمْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ أَعْنِي نِعْمَةَ الْحَيَاةِ وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْجَبْرِ لَا نِعْمَةَ لَهُ تَعَالَى عَلَى الْكَافِرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ كُلَّ مَا فَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكَافِرِ فَإِنَّمَا فَعَلَهُ لِيَسْتَدْرِجَهُ إِلَى الْكُفْرِ وَيَحْرِقَهُ بِالنَّارِ، فَأَيُّ نِعْمَةٍ تَكُونُ لِلَّهِ عَلَى الْعَبْدِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدَّمَ إِلَى غَيْرِهِ صَحْفَةَ فَالُوذَجَ مَسْمُومٍ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ وَإِنْ كَانَ لَذِيذًا وَيُعَدُّ نِعْمَةً لَكِنْ لَمَّا كَانَ بَاطِنُهُ مُهْلِكًا فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَعُدُّهُ نِعْمَةً، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَذَابَ الدَّائِمَ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ فَلَا يَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى نِعْمَةٌ عَلَى الْكَافِرِ، فَكَيْفَ يَأْمُرُ رَسُولَهُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ عِنْدَ الْبَحْثِ يَرْجِعُ حَاصِلُهَا إِلَى التَّمَسُّكِ بِطَرِيقَةِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، فَنَحْنُ أَيْضًا نُقَابِلُهَا بِالْكَلَامِ الْمُعْتَمَدِ فِي هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ، فَلَوْ وُجِدَ لَانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا وَهُوَ مُحَالٌ وَمُسْتَلْزَمُ الْمُحَالِ مُحَالٌ، فَوُقُوعُهُ مُحَالٌ مَعَ أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ وَأَيْضًا فَالْقُدْرَةُ عَلَى الْكُفْرِ إِنْ كَانَتْ صَالِحَةً لِلْإِيمَانِ امْتَنَعَ كَوْنُهَا مَصْدَرًا لِلْإِيمَانِ عَلَى التَّعْيِينِ إِلَّا لِمُرَجِّحٍ، وَذَلِكَ الْمُرَجِّحُ إِنْ كَانَ مِنَ الْعَبْدِ عَادَ السُّؤَالُ، إن/ كَانَ مِنَ اللَّهِ فَمَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ الْمُرَجِّحُ مِنَ اللَّهِ امْتَنَعَ حُصُولُ الْكُفْرِ، وَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ الْمُرَجِّحُ وَجَبَ، وَعَلَى هَذَا كَيْفَ لَا يُعْقَلُ قَوْلُهُ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ إِذَا طَوَّلَ كَلَامَهُ وَفَرَّعَ وُجُوهَهُ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ فَعَلَيْكَ بِمُقَابَلَتِهَا بِهَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فإنهما يهدمان
جَمِيعَ كَلَامِهِ وَيُشَوِّشَانِ كُلَّ شُبَهَاتِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً الْمُرَادُ بِهِ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَنُطَفًا، لِأَنَّ ابْتِدَاءَ خَلْقِ آدَمَ مِنَ التُّرَابِ وَخُلِقَ سَائِرُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ أَوْلَادِهِ إِلَّا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ النُّطَفِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ الْمَيِّتِ عَلَى الْجَمَادِ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ لِأَنَّهُ شَبَّهَ الْمَوَاتَ بِالْمَيِّتِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ بِسَبِيلٍ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَا يَحِلُّ بِهِ الْمَوْتُ وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِصِفَةِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيًّا فِي الْعَادَةِ فَيَكُونُ اللَّحْمِيَّةُ وَالرُّطُوبَةُ وَقَالَ الْأَوَّلُونَ هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ ثُمَّ أَمَاتَهُمُ الْمَوْتَةَ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ. فَهُمَا حَيَاتَانِ وَمَوْتَتَانِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الْمُلْكِ: 2] وَالْمَوْتُ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْحَيَاةِ هُوَ كَوْنُهُ مَوَاتًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِطْلَاقَ الْمَيِّتِ عَلَى الْمَوَاتِ ثَابِتٌ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَقْرَبُ، لِأَنَّهُ يُقَالُ فِي الْجَمَادِ إِنَّهُ مَوَاتٌ وَلَيْسَ بِمَيِّتٍ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ قَالَ الْقَفَّالُ: وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الْإِنْسَانِ: 1] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ الْإِنْسَانَ كَانَ لَا شَيْءَ يُذْكَرُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ حَيًّا وَجَعَلَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا وَمَجَازُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ مَيِّتُ الذِّكْرِ. وَهَذَا أَمْرٌ مَيِّتٌ، وَهَذِهِ سِلْعَةٌ مَيِّتَةٌ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا طَالِبٌ وَلَا ذَاكِرٌ قَالَ الْمُخَبَّلُ السَّعْدِيُّ: وَأَحْيَيْتَ لِي ذِكْرِي وَمَا خَامِلًا ... وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضِ فَكَذَا مَعْنَى الْآيَةِ: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً أَيْ خَامِلِينَ وَلَا ذِكْرَ لَكُمْ لِأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا فَأَحْياكُمْ أَيْ فَجَعَلَكُمْ خَلْقًا سَمِيعًا بَصِيرًا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى بُطْلَانِ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالُوا لِأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ يُحْيِيهِمْ مَرَّةً فِي الدُّنْيَا وَأُخْرَى فِي الْآخِرَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ حَيَاةَ الْقَبْرِ وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: 15، 16] وَلَمْ يَذْكُرْ حَيَاةً فِيمَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، قَالُوا وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ [غَافِرٍ: 11] لِأَنَّهُ قَوْلُ الْكُفَّارِ، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ أَثْبَتُوا حَيَاةَ الذَّرِّ فِي صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ اسْتَخْرَجَهُمْ وَقَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الْأَعْرَافِ: 172] وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ حَصَلَ حَيَاتَانِ وَمَوْتَتَانِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى إِثْبَاتِ حَيَاةٍ فِي الْقَبْرِ، فَالْجَوَابُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ الذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ لَا تَكُونَ حَاصِلَةً، وَأَيْضًا فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ حَيَاةَ الْقَبْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. لأن قوله في يحييكم ليس هو الحياة الدائمة وإلا لم صَحَّ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لِأَنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ تَقْتَضِي التَّرَاخِيَ، وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حَاصِلٌ عَقِبَ الْحَيَاةِ/ الدَّائِمَةِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ فَلَوْ جَعَلْنَا الْآيَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ دَلِيلًا عَلَى حَيَاةِ الْقَبْرِ كَانَ قَرِيبًا. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ يَعْنِي بِهِ الْعَامَّةَ، وَأَمَّا بَعْضُ النَّاسِ فَقَدْ أَمَاتَهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ نَحْوَ مَا حَكَى فِي قَوْلِهِ: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [الْبَقَرَةِ: 259] إِلَى قَوْلِهِ: فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ وَكَقَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ [الْبَقَرَةِ: 243] وَكَقَوْلِهِ: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ [الْبَقَرَةِ: 55، 56] وَكَقَوْلِهِ: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى [الْبَقَرَةِ: 73] وَكَقَوْلِهِ: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيها [الْكَهْفِ: 21] وَكَقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ أيوب
عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ [الْأَنْبِيَاءِ: 84] فإن الله تعالى رد عليه أهله بعد ما أَمَاتَهُمْ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: تَمَسَّكَ الْمُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى فِي مَكَانٍ وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ إِلَى حُكْمِهِ يُرْجَعُونَ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَيَجْمَعُهُمْ فِي الْمَحْشَرِ وَذَلِكَ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا وُصِفَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ إِلَى حَيْثُ لَا يَتَوَلَّى الْحُكْمَ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِمْ رَجَعَ أَمْرُهُ إِلَى الْأَمِيرِ، أَيْ إِلَى حَيْثُ لَا يَحْكُمُ غَيْرُهُ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَيَبْطُلُ بِهِ قَوْلُ أَهْلِ الطَّبَائِعِ مِنْ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ وَالْأَرْكَانِ وَالْمِزَاجَاتِ كَمَا حكى عن قوم في قوله: مَا هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الْجَاثِيَةِ: 24] الثَّانِي: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ الدَّالِّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ أَحْيَا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بَعْدَ مَوْتِهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّكْلِيفِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ. الرَّابِعُ: أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، الْخَامِسُ: أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ قَالَ: فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمَوْتِ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ عَلَى هَذَا الْمَوْتِ. بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ أَمَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمَوْتِ، فَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ وتعالى أنه بعد ما كَانَ نُطْفَةً فَإِنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُ وَصَوَّرَهُ أَحْسَنَ صُورَةٍ وَجَعَلَهُ بَشَرًا سَوِيًّا وَأَكْمَلَ عَقْلَهُ وَصَيَّرَهُ بَصِيرًا بِأَنْوَاعِ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ وَمَلَّكَهُ الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ وَالدُّورَ وَالْقُصُورَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى يُزِيلُ كُلَّ ذَلِكَ عَنْهُ بِأَنْ يُمِيتَهُ وَيُصَيِّرَهُ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَلَا يَبْقَى مِنْهُ فِي الدُّنْيَا خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ وَيَبْقَى مُدَّةً طَوِيلَةً فِي اللُّحُودِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ [الْمُؤْمِنُونَ: 100] يُنَادَى فَلَا يُجِيبُ وَيُسْتَنْطَقُ فَلَا يَتَكَلَّمُ ثُمَّ لَا يَزُورُهُ الْأَقْرَبُونَ، بَلْ يَنْسَاهُ الْأَهْلُ وَالْبَنُونَ. كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ: يَمُرُّ أَقَارِبِي بِحِذَاءِ قَبْرِي ... كَأَنَّ أَقَارِبِي لَمْ يَعْرِفُونِي وَقَالَ أَيْضًا: إِلَهِي كَأَنِّي بِنَفْسِي وَقَدْ أَضْجَعُوهَا فِي حُفْرَتِهَا، وَانْصَرَفَ الْمُشَيِّعُونَ عَنْ تَشْيِيعِهَا، وَبَكَى الْغَرِيبُ عَلَيْهَا لِغُرْبَتِهَا، وَنَادَاهَا مِنْ شَفِيرِ الْقَبْرِ ذُو مَوَدَّتِهَا، وَرَحِمَتْهَا الْأَعَادِي عِنْدَ جَزْعَتِهَا، / وَلَمْ يَخْفَ عَلَى النَّاظِرِينَ عَجْزُ حِيلَتِهَا، فَمَا رجائي إلا أن نقول: مَا تَقُولُ مَلَائِكَتِي انْظُرُوا إِلَى فَرِيدٍ قَدْ نَأَى عَنْهُ الْأَقْرَبُونَ، وَوَحِيدٍ قَدْ جَفَاهُ الْمُحِبُّونَ، أَصْبَحَ مِنِّي قَرِيبًا وَفِي اللَّحْدِ غَرِيبًا، وَكَانَ لِي فِي الدُّنْيَا دَاعِيًا وَمُجِيبًا، وَلِإِحْسَانِي إِلَيْهِ عِنْدَ وُصُولِهِ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ رَاجِيًا، فَأَحْسِنْ إِلَيَّ هُنَاكَ يَا قَدِيمَ الْإِحْسَانِ، وَحَقِّقْ رَجَائِيَ فِيكَ يَا وَاسِعَ الْغُفْرَانِ. وَأَمَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ فلأن سُبْحَانَهُ يَأْمُرُ بِأَنْ يُنْفَخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ... ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزُّمَرِ: 68] وَقَالَ: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [الْمَعَارِجِ: 43] ثُمَّ يُعْرَضُونَ على الله كما قال: عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا [الْكَهْفِ: 48] فَيَقُومُونَ خَاشِعِينَ خَاضِعِينَ كَمَا قَالَ: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ [طَهَ: 108] وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِلَهَنَا إِذَا قُمْنَا مِنْ ثَرَى الْأَجْدَاثِ مُغْبَرَّةٌ رُؤُوسُنَا. وَمِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ شَاحِبَةٌ وُجُوهُنَا، وَمِنْ هَوْلِ الْقِيَامَةِ مُطْرِقَةٌ رُؤُوسُنَا. وَجَائِعَةٌ لِطُولِ الْقِيَامَةِ بُطُونُنَا، وَبَادِيَةٌ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ سَوْآتُنَا، وَمُوقَرَةٌ مِنْ ثِقَلِ الْأَوْزَارِ ظُهُورُنَا، وَبَقِينَا مُتَحَيِّرِينَ فِي أُمُورِنَا نَادِمِينَ عَلَى ذُنُوبِنَا، فَلَا تُضْعِفِ الْمَصَائِبَ بِإِعْرَاضِكَ عَنَّا، وَوَسِّعْ رَحْمَتَكَ وَغُفْرَانَكَ لَنَا، يَا عظيم الرحمة يا واسع المغفرة.
[سورة البقرة (2) : آية 29]
[سورة البقرة (2) : آية 29] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ النِّعْمَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي عَمَّتِ الْمُكَلَّفِينَ بِأَسْرِهِمْ وَمَا أَحْسَنَ مَا رَعَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذَا التَّرْتِيبَ فَإِنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ الْحَيَاةِ فَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ أَمْرَ الْحَيَاةِ أَوَّلًا ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَمَّا قَوْلُهُ: خَلَقَ فَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [الْبَقَرَةِ: 21] وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَكُمْ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بَعْدَ قَوْلِهِ خَلَقَ لِأَجْلِ انْتِفَاعِنَا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلِيُصْلِحَ أَبْدَانَنَا وَلِنَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَأَمَّا فِي الدِّينِ فَلِلِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالِاعْتِبَارِ بِهَا وَجَمَعَ بِقَوْلِهِ: مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً جَمِيعَ الْمَنَافِعِ، فَمِنْهَا مَا يَتَّصِلُ بِالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعَادِنِ وَالْجِبَالِ وَمِنْهَا مَا يَتَّصِلُ بِضُرُوبِ الْحِرَفِ وَالْأُمُورِ الَّتِي اسْتَنْبَطَهَا الْعُقَلَاءُ وَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ إِنَّمَا خَلَقَهَا كَيْ يُنْتَفَعَ بِهَا كَمَا قَالَ: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [الْجَاثِيَةِ: 13] فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وقد خلق لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا أَوْ يُقَالُ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى الْإِعَادَةِ وَقَدْ أَحْيَاكُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ وَلِأَنَّهُ خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ/ جَمِيعًا فَكَيْفَ يَعْجَزُ عَنْ إِعَادَتِكُمْ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ تَفَاصِيلَ هَذِهِ الْمَنَافِعِ فِي سُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ كَمَا قَالَ: أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا [عَبَسَ: 25] وَقَالَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ [النَّحْلِ: 5] إِلَى آخره وهاهنا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَفْعَلُ فِعْلًا لِغَرَضٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مُسْتَكْمَلًا بِذَلِكَ الْغَرَضِ وَالْمُسْتَكْمَلُ بِغَيْرِهِ نَاقِصٌ بِذَاتِهِ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَإِنْ قِيلَ: فِعْلُهُ تَعَالَى مُعَلَّلٌ بِغَرَضٍ غَيْرِ عَائِدٍ إِلَيْهِ بَلْ إِلَى غَيْرِهِ، قُلْنَا: عَوْدُ ذَلِكَ الْغَرَضِ إِلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ هَلْ هُوَ أَوْلَى لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ عَوْدِ ذَلِكَ الْغَرَضِ إِلَيْهِ أَوْ لَيْسَ أَوْلَى؟ فَإِنْ كَانَ أَوْلَى فَهُوَ تَعَالَى قَدِ انْتَفَعَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ فَيَعُودُ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الْغَرَضِ الْمَذْكُورِ لِذَلِكَ الْغَيْرِ غَرَضًا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ كَانَ عَاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ الْغَرَضِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَالْعَجْزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لَكَانَ ذَلِكَ الْغَرَضُ إِنْ كَانَ قَدِيمًا لَزِمَ قِدَمُ الْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ مُحْدَثًا كَانَ فِعْلُهُ لِذَلِكَ الْغَرَضِ لِغَرَضٍ آخَرَ وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُحَالٌ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ يَفْعَلُ لِغَرَضٍ لَكَانَ ذَلِكَ الْغَرَضُ هُوَ رِعَايَةُ مَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِينَ وَلَوْ تَوَقَّفَتْ فَاعِلِيَّتُهُ عَلَى ذَلِكَ لَمَا فَعَلَ مَا كَانَ مَفْسَدَةً فِي حَقِّهِمْ لَكِنَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ كَلَّفَ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ ثُمَّ إِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي اللَّامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَفِي قَوْلِهِ: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذَّارِيَاتِ: 56] فَقَالُوا إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا فَعَلَ مَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكَانَ فِعْلُهُ لِذَلِكَ الشَّيْءِ لِأَجْلِ الْغَرَضِ لَا جَرَمَ أَطْلَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَفْظَ الْغَرَضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْمُشَابَهَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ أَهْلُ الْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْكُلَّ لِلْكُلِّ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ اخْتِصَاصٌ بِشَيْءٍ أَصْلًا وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَابَلَ الْكُلَّ بِالْكُلِّ، فَيَقْتَضِي مُقَابَلَةَ الْفَرْدِ بِالْفَرْدِ، وَالتَّعْيِينُ يُسْتَفَادُ مِنْ دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَالْفُقَهَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِبَاحَةُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قِيلَ إِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ أَكْلِ الطِّينِ لِأَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ لَنَا مَا فِي الْأَرْضِ دُونَ نَفْسِ الْأَرْضِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فِي جُمْلَةِ الْأَرْضِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي الْأَرْضِ فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْمَوْضِعَيْنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَعَادِنَ دَاخِلَةٌ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ عُرُوقُ الْأَرْضِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى بَعْضٍ لَهَا وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْحَاجَةُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا لَكَانَ قَدْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لِنَفْسِهِ أَيْضًا لَا لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الِاسْتِوَاءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الِانْتِصَابِ وَضِدُّهُ الِاعْوِجَاجُ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ، فَاللَّهُ تَعَالَى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ ذَلِكَ وَلِأَنَّ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ثُمَّ اسْتَوى يَقْتَضِي التَّرَاخِيَ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الِاسْتِوَاءِ الْعُلُوَّ/ بِالْمَكَانِ لَكَانَ ذَلِكَ الْعُلُوُّ حَاصِلًا أَوَّلًا وَلَوْ كَانَ حَاصِلًا أَوَّلًا لَمَا كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْ خَلْقِ مَا فِي الْأَرْضِ لَكِنَّ قَوْلَهُ: ثُمَّ اسْتَوى يَقْتَضِي التَّرَاخِيَ، وَلَمَّا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ التَّأْوِيلُ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ يُقَالُ اسْتَوَى الْعُودُ إِذَا قَامَ وَاعْتَدَلَ ثُمَّ قِيلَ اسْتَوَى إِلَيْهِ كَالسَّهْمِ الْمُرْسَلِ إِذَا قَصَدَهُ قَصْدًا مُسْتَوِيًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ وَمِنْهُ اسْتُعِيرَ قَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أَيْ خَلَقَ بَعْدَ الْأَرْضِ السَّمَاءَ وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُمَا زَمَانًا وَلَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا آخَرَ بَعْدَ خَلْقِهِ الْأَرْضَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: [في تَقْدِيرِ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ وَتَقْدِيرِ الْأَقْوَاتِ فِي يومين آخرين] قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ مفسر بقوله: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ [فُصِّلَتْ: 9، 10] بِمَعْنَى تَقْدِيرِ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ وَتَقْدِيرِ الْأَقْوَاتِ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ عِشْرُونَ يَوْمًا، وَإِلَى مَكَّةَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ هُوَ هَذَا الْقَدْرُ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ سِتَّةُ أَيَّامٍ عَلَى مَا قَالَ: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الْأَعْرَافِ: 54] . الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ بَعْضُ الْمُلْحِدَةِ هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَلْقَ الْأَرْضِ قبل خلق السماء وكذا قوله: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [فصلت: 9- 11] وَقَالَ فِي سُورَةِ النَّازِعَاتِ: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النَّازِعَاتِ: 27- 30] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ خَلْقُ الْأَرْضَ بَعْدَ السَّمَاءِ وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَلْقُ الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ إِلَّا أَنَّهُ مَا دَحَاهَا حَتَّى خَلَقَ السَّمَاءَ لِأَنَّ التَّدْحِيَةَ هِيَ الْبَسْطُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا أَمْرٌ مُشْكِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَرْضَ جِسْمٌ عَظِيمٌ فَامْتَنَعَ انْفِكَاكُ خَلْقِهَا عَنِ التَّدْحِيَةِ وَإِذَا كَانَتِ التَّدْحِيَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ خَلْقِ السَّمَاءِ كَانَ خَلْقُهَا أَيْضًا لَا مَحَالَةَ مُتَأَخِّرًا عَنْ خَلْقِ السَّمَاءِ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَلْقَ الْأَرْضِ وَخَلْقَ كُلِّ مَا فِيهَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى خَلْقِ السَّمَاءِ لَكِنَّ خَلْقَ الْأَشْيَاءِ فِي الْأَرْضِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ مَدْحُوَّةً فَهَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي تَقَدُّمَ كَوْنِهَا مَدْحُوَّةً قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ وَحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ التَّنَاقُضُ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات: 30] يَقْتَضِي تَقْدِيمَ خَلْقِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ تَسْوِيَةُ السَّمَاءِ مُقَدَّمَةً عَلَى خَلْقِ الْأَرْضِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَزُولُ التَّنَاقُضُ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها
رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها [النازعات: 27، 28] يقتضي أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدم عَلَى تَدْحِيَةِ الْأَرْضِ وَلَكِنَّ تَدْحِيَةَ الْأَرْضِ مُلَازِمَةٌ لِخَلْقِ ذَاتِ الْأَرْضِ فَإِنَّ ذَاتَ السَّمَاءِ وَتَسْوِيَتَهَا مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى ذَاتِ الْأَرْضِ وَحِينَئِذٍ يَعُودُ السُّؤَالُ، وَثَالِثُهَا: وَهُوَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ قَوْلَهُ: «ثُمَّ» ليس للترتيب هاهنا وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ، مِثَالُهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ: / أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتُكَ النِّعَمَ الْعَظِيمَةَ ثُمَّ رَفَعْتُ قَدْرَكَ ثُمَّ دَفَعْتُ الْخُصُومَ عَنْكَ، وَلَعَلَّ بَعْضَ مَا أَخَّرَهُ فِي الذِّكْرِ قد تقدم فكذا هاهنا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الضَّمِيرُ فِي فَسَوَّاهُنَّ ضمير مبهم، وسبع سموات تَفْسِيرٌ لَهُ كَقَوْلِهِ رَبَّهُ رَجُلًا وَفَائِدَتُهُ أَنَّ الْمُبْهَمَ إِذَا تَبَيَّنَ كَانَ أَفْخَمَ وَأَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَيَّنَ أَوَّلًا لِأَنَّهُ إِذَا أُبْهِمَ تَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَفِي الْبَيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ شِفَاءٌ لَهَا بَعْدَ التَّشَوُّفِ، وَقِيلَ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى السَّمَاءِ، وَالسَّمَاءُ فِي مَعْنَى الْجِنْسِ وَقِيلَ جَمْعُ سِمَاءَةٍ، وَالْوَجْهُ الْعَرَبِيُّ هُوَ الْأَوَّلُ وَمَعْنَى تَسْوِيَتِهِنَّ تَعْدِيلُ خَلْقِهِنَّ وَإِخْلَاؤُهُ مِنَ الْعِوَجِ وَالْفُطُورِ وَإِتْمَامُ خَلْقِهِنَّ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ القرآن هاهنا قد دل على وجود سبع سموات، وَقَالَ أَصْحَابُ الْهَيْئَةِ أَقْرَبُهَا إِلَيْنَا كُرَةُ الْقَمَرِ، وَفَوْقَهَا كُرَةُ عُطَارِدَ، ثُمَّ كُرَةُ الزُّهْرَةِ، ثُمَّ كُرَةُ الشَّمْسِ. ثُمَّ كُرَةُ الْمِرِّيخِ، ثُمَّ كُرَةُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ كُرَةُ زُحَلَ، قَالُوا وَلَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا التَّرْتِيبِ إِلَّا مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: السِّتْرُ وَذَلِكَ أَنَّ الْكَوْكَبَ الْأَسْفَلَ إِذَا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يَصِيرَانِ كَكَوْكَبٍ وَاحِدٍ وَيَتَمَيَّزُ السَّاتِرُ عَنِ الْمَسْتُورِ بِكَوْنِهِ الْغَالِبَ كَحُمْرَةِ الْمِرِّيخِ وَصُفْرَةِ عُطَارِدَ، وَبَيَاضِ الزُّهْرَةِ، وَزُرْقَةِ الْمُشْتَرِي، وَكُدُورَةِ زُحَلَ كَمَا أَنَّ الْقُدَمَاءَ وَجَدُوا الْقَمَرَ يَكْسِفُ الْكَوَاكِبَ السِّتَّةَ. وَكَوْكَبَ عُطَارِدَ يَكْسِفُ الزُّهْرَةَ، وَالزُّهْرَةَ تَكْسِفُ الْمِرِّيخَ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الْقَمَرِ لِانْكِسَافِهَا بِهِ وَلَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا تَحْتَ سَائِرِ الْكَوَاكِبِ أَوْ فَوْقَهَا لِأَنَّهَا لَا تَنْكَسِفُ بِشَيْءٍ مِنْهَا لِاضْمِحْلَالٍ سَائِرِ الْكَوَاكِبِ عِنْدَ طُلُوعِهَا فَعِنْدَ هَذَا ذَكَرُوا طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَأَى الزُّهْرَةَ كَشَامَةٍ فِي صَحِيفَةِ الشَّمْسِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي وَجْهِ الشَّمْسِ شامة كما أن حَصَلَ فِي وَجْهِ الْقَمَرِ الْمَحْوُ، الثَّانِي: اخْتِلَافُ المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة وغير مَحْسُوسٍ لِلْمِرِّيخِ وَالْمُشْتَرِي وَزُحَلَ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ قَلِيلٌ جِدًّا فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ هَذَا مَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ إِلَّا أَنَّ أَبَا الرَّيْحَانِ قَالَ فِي «تلخيصه لفصول الفرغاني» : إن اختلاف المنظر لا يُحَسُّ إِلَّا فِي الْقَمَرِ فَبَطَلَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ وَبَقِيَ مَوْضِعُ الشَّمْسِ مَشْكُوكًا. وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَ الْأَرْصَادِ وَأَرْبَابَ الْهَيْئَةِ زَعَمُوا أَنَّ الْأَفْلَاكَ تِسْعَةٌ، فَالسَّبْعَةُ هِيَ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَالْفَلَكُ الثَّامِنُ هُوَ الَّذِي حَصَلَتْ هَذِهِ الْكَوَاكِبُ الثَّابِتَةُ فِيهِ، وَأَمَّا الْفَلَكُ التَّاسِعُ فَهُوَ الْفَلَكُ الْأَعْظَمُ وَهُوَ يتحرك في كل يوم وليلة دورة واجدة بِالتَّقْرِيبِ، وَاحْتَجُّوا عَلَى إِثْبَاتِ الْفَلَكِ الثَّامِنِ بِأَنَّا وَجَدْنَا لِهَذِهِ الْكَوَاكِبِ الثَّابِتَةِ حَرَكَاتٍ بَطِيئَةً وَثَبَتَ أَنَّ الْكَوَاكِبَ لَا تَتَحَرَّكُ إِلَّا بِحَرَكَةِ فَلَكِهَا وَالْأَفْلَاكُ الْحَامِلَةُ لِهَذِهِ السَّيَّارَاتِ تَتَحَرَّكُ حَرَكَاتٍ سَرِيعَةً فَلَا بُدَّ مِنْ جِسْمٍ آخَرَ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً بَطِيئَةً وَيَكُونُ هُوَ الْحَامِلَ لِهَذِهِ الثَّوَابِتِ، وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ ضَعِيفَةٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَوَّلُهَا: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْكَوَاكِبُ تَتَحَرَّكُ بِأَنْفُسِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مَرْكُوزَةً فِي جِسْمٍ آخَرَ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ لَا يَفْسُدُ إِلَّا بِإِفْسَادِ الْمُخْتَارِ/ وَدُونَهُ خَرْطُ الْقَتَادِ. وَثَانِيهَا: سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ هَذِهِ الْكَوَاكِبَ مَرْكُوزَةٌ فِي مُمَثِّلَاتِ السَّيَّارَاتِ وَالسَّيَّارَاتِ مَرْكُوزَةٌ فِي حَوَامِلِهَا، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ الْفَلَكِ الثَّامِنِ. وَثَالِثُهَا: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفَلَكُ تَحْتَ فَلَكِ الْقَمَرِ فَيَكُونُ تَحْتَ كُرَاتِ السَّيَّارَاتِ لَا فَوْقَهَا فَإِنْ قِيلَ إِنَّا نَرَى هَذِهِ السَّيَّارَاتِ تَكْسِفُ هَذِهِ الثَّوَابِتَ وَالْكَاسِفُ تَحْتَ
الْمَكْسُوفِ لَا مَحَالَةَ قُلْنَا هَذِهِ السَّيَّارَاتُ إِنَّمَا تَكْسِفُ الثَّوَابِتَ الْقَرِيبَةَ مِنَ الْمِنْطَقَةِ فَأَمَّا الثَّوَابِتُ الْقَرِيبَةُ مِنَ الْقُطْبَيْنِ فَلَا، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هَذِهِ الثَّوَابِتُ الْقَرِيبَةُ مِنَ الْمِنْطَقَةِ مَرْكُوزَةٌ فِي الْفَلَكِ الثَّامِنِ الَّذِي هُوَ فَوْقَ كُرَةِ زُحَلَ وَهَذِهِ الثَّوَابِتُ الْقَرِيبَةُ مِنَ الْقُطْبَيْنِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ انْكِسَافُهَا بِالسَّيَّارَاتِ مَرْكُوزَةٌ فِي كُرَةٍ أُخْرَى تَحْتَ كُرَةِ الْقَمَرِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ لَا دَافِعَ لَهُ، ثُمَّ نَقُولُ هَبْ أَنَّكُمْ أَثْبَتُّمْ هَذِهِ الْأَفْلَاكَ التِّسْعَةَ فَمَا الَّذِي دَلَّكُمْ عَلَى نَفْيِ الْفَلَكِ الْعَاشِرِ، أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الرَّصْدَ مَا دَلَّ إِلَّا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ إِلَّا أَنَّ عَدَمَ الدَّلِيلِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمَدْلُولِ، وَالَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ: إِنَّهُ مَا تَبَيَّنَ لِي إِلَى الْآنِ أَنَّ كُرَةَ الثَّوَابِتِ كُرَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ كُرَاتٌ مُنْطَوٍ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ وَأَقُولُ هَذَا الِاحْتِمَالُ وَاقِعٌ، لِأَنَّ الَّذِي يستدل به على وجدة كُرَةِ الثَّوَابِتِ لَيْسَ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ حَرَكَاتِهَا مُتَشَابِهَةٌ وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَتْ مَرْكُوزَةً فِي كُرَةٍ وَاحِدَةٍ وَكِلْتَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ غَيْرُ يَقِينِيَّتَيْنِ. أَمَّا الْأُولَى: فَلِأَنَّ حَرَكَاتِهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحِسِّ وَاحِدَةً وَلَكِنْ لَعَلَّهَا لَا تَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدَةً، لِأَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا يُتَمِّمُ الدَّوْرَةَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَالْآخَرُ يُتَمِّمُ الدَّوْرَةَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ بِنُقْصَانِ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِذَا وَزَّعَنَا ذَلِكَ النُّقْصَانَ عَلَى هَذِهِ السِّنِينَ كَانَ الَّذِي هُوَ حِصَّةُ السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ جُزْءٍ مِنْ وَاحِدٍ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِمَّا لَا يُحَسُّ بِهِ بَلِ الْعَشْرُ سِنِينَ وَالْمِائَةُ وَالْأَلْفُ مِمَّا لَا يُحَسُّ بِهِ الْبَتَّةَ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا سَقَطَ الْقَطْعُ الْبَتَّةَ عَنِ اسْتِوَاءِ حَرَكَاتِ الثَّوَابِتِ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِأَنَّ اسْتِوَاءَ حَرَكَاتِ الثَّوَابِتِ فِي مَقَادِيرِ حَرَكَاتِهَا لَا يُوجِبُ كَوْنَهَا بِأَسْرِهَا مَرْكُوزَةً فِي كُرَةٍ وَاحِدَةٍ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا مَرْكُوزَةً فِي كُرَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرِكَةً فِي مَقَادِيرِ حَرَكَاتِهَا وَهَذَا كَمَا يَقُولُونَ فِي مُمَثِّلَاتِ أَكْثَرِ الْكَوَاكِبِ فَإِنَّهَا في حركاتها مساوية لفلك الثوابت فكذا هاهنا. وَأَقُولُ إِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ الَّذِي ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِفَلَكِ الثَّوَابِتِ فَلَعَلَّ الْجِرْمَ الْمُتَحَرِّكَ بِالْحَرَكَةِ الْيَوْمِيَّةِ لَيْسَ جِرْمًا وَاحِدًا بَلْ أَجْرَامًا كَثِيرَةً إِمَّا مُخْتَلِفَةَ الْحَرَكَاتِ لَكِنْ بِتَفَاوُتٍ قَلِيلٍ لَا تَفِي بِإِدْرَاكِهَا أَعْمَارُنَا وَأَرْصَادُنَا وَإِمَّا مُتَسَاوِيَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَكِنَّ تَسَاوِيَهَا لَا يُوجِبُ وِحْدَتَهَا، وَمِنْ أَصْحَابِ الْهَيْئَةِ مَنْ قَطَعَ بِإِثْبَاتِ أَفْلَاكٍ أُخَرَ غَيْرِ هَذِهِ التِّسْعَةِ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَثْبَتَ كُرَةً فَوْقَ كُرَةِ الثَّوَابِتِ وَتَحْتَ الْفَلَكِ الْأَعْظَمِ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الرَّاصِدِينَ لِلْمَيْلِ الْأَعْظَمِ وَجَدُوهُ مُخْتَلِفَ الْمِقْدَارِ فَكُلُّ مَنْ كَانَ رَصْدُهُ أَقْدَمَ وَجَدَ مِقْدَارَ الْمَيْلِ أَعْظَمَ فَإِنَّ بَطْلَيْمُوسَ وَجَدَهُ «لَحَّ يَا» «1» ثُمَّ وُجِدَ فِي زَمَانِ الْمَأْمُونِ «كَحَّ لَهُ» ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ/ الْمَأْمُونِ قَدْ تَنَاقَصَ بِدَقِيقَةٍ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمَنْطِقَتَيْنِ أَنْ يَقِلَّ مَيْلُهُمَا تَارَةً وَيَكْثُرَ أُخْرَى وَهَذَا إِنَّمَا يُمْكِنُ إِذَا كَانَ بَيْنَ كُرَةِ الْكُلِّ وَكُرَةِ الثَّوَابِتِ كُرَةٌ أُخْرَى يَدُورُ قُطْبَاهَا حَوْلَ قُطْبَيِ كُرَةِ الْكُلِّ وَتَكُونُ كُرَةُ الثَّوَابِتِ يَدُورُ قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض لقطبها تَارَةً أَنْ يَصِيرَ إِلَى جَانِبِ الشَّمَالِ مُنْخَفِضًا وَتَارَةً إِلَى جَانِبِ الْجَنُوبِ مُرْتَفِعًا فَيَلْزَمُ مِنْ ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة الْبُرُوجِ، وَأَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ تَارَةً أُخْرَى إِلَى الجنوب عند ما يَرْتَفِعُ قُطْبُ فَلَكِ الثَّوَابِتِ إِلَى الْجَنُوبِ، وَتَارَةً إِلَى الشَّمَالِ. كَمَا هُوَ الْآنَ. الثَّانِي: أَنَّ أَصْحَابَ الْأَرْصَادِ اضْطَرَبُوا اضْطِرَابًا شَدِيدًا فِي مِقْدَارِ سَيْرِ الشَّمْسِ عَلَى مَا هُوَ مَشْرُوحٌ فِي «كُتُبِ النُّجُومِ» حَتَّى إِنَّ بَطْلَيْمُوسَ حَكَى عَنْ أَبْرَخِيسَ أَنَّهُ كَانَ شَاكًّا فِي أَنَّ هَذِهِ الْعَوْدَةَ تَكُونُ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَسَاوِيَةٍ أَوْ مُخْتَلِفَةٍ وَأَنَّهُ يَقُولُ فِي بَعْضِ أَقَاوِيلِهِ: إِنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ، وفي بعضها: إنها متساوية في إِنَّ النَّاسَ ذَكَرُوا فِي سَبَبِ اخْتِلَافِهِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ مَنْ يَجْعَلُ أَوْجَ الشَّمْسِ مُتَحَرِّكًا فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ الَّذِي يَلْحَقُ حَرَكَةَ الشَّمْسِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يَخْتَلِفُ عِنْدَ نُقْطَةِ الاعتدال لاختلاف بعدها عن الأوج
[سورة البقرة (2) : آية 30]
فَيَخْتَلِفُ زَمَانُ سَيْرِ الشَّمْسِ مِنْ أَجْلِهِ. الثَّانِي: قَوْلُ أَهْلِ الْهِنْدِ وَالصِّينِ وَبَابِلَ وَأَكْثَرِ قُدَمَاءِ الروم ومصر والشام: إن السبب فيه انتقال فَلَكِ الْبُرُوجِ وَارْتِفَاعُ قُطْبِهِ وَانْحِطَاطُهُ، وَحُكِيَ عَنْ أَبْرَخِيسَ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ هَذَا الرَّأْيَ وَذَكَرَ بَارِيَاءُ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ أَنَّ أَصْحَابَ الطَّلْسَمَاتِ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ وَأَنَّ نُقْطَةَ فَلَكِ الْبُرُوجِ تَتَقَدَّمُ عَنْ مَوْضِعِهَا وَتَتَأَخَّرُ ثَمَانِ دَرَجَاتٍ وَقَالُوا إِنَّ ابْتِدَاءَ الحركة من «كب» درجة من الحوت إلى أَوَّلِ الْحَمَلِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخَبْطَ مِمَّا يُنَبِّهُكَ عَلَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْعُقُولِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَى إِدْرَاكِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَأَنَّهُ لَا يُحِيطُ بِهَا إِلَّا عِلْمُ فَاطِرِهَا وَخَالِقِهَا فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ فِيهِ عَلَى الدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فهل يدل التنصيص على سبع سموات عَلَى نَفْيِ الْعَدَدِ الزَّائِدِ؟ قُلْنَا الْحَقُّ أَنَّ تَخْصِيصَ الْعَدَدِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الزائد. المسألة السادسة: [في خلق الله تعالى الأرض والسماء متفرع على علمه واحاطته بجزئياتها وكلياتها] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُمْكِنُ أَنْ يكون خالقاً للأرض وما فيها وللسموات وَمَا فِيهَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ إِلَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِهَا مُحِيطًا بِجُزْئِيَّاتِهَا وَكُلِّيَّاتِهَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ: أَحَدُهَا: فَسَادُ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ وَصِحَّةُ قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ اسْتَدَلُّوا عَلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْجُزْئِيَّاتِ بِأَنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَاعِلٌ لِهَذِهِ الْأَجْسَامِ عَلَى سَبِيلِ الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ وَكُلُّ فَاعِلٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فإن لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا فَعَلَهُ وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ بِعَيْنِهَا ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي هذا الموضع لأنه ذكر خلق السموات وَالْأَرْضِ ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ كَوْنَهُ عَالِمًا، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذَا المذهب وفي هذا المذهب وفي هذ الِاسْتِدْلَالِ مُطَابِقٌ لِلْقُرْآنِ. وَثَانِيهَا: فَسَادُ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ الْخَالِقَ لِلشَّيْءِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ وَالتَّحْدِيدِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ وَبِتَفَاصِيلِهِ لِأَنَّ خَالِقَهُ قَدْ خَصَّهُ بِقَدْرٍ دُونَ قَدْرٍ وَالتَّخْصِيصُ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِإِرَادَةٍ وَإِلَّا فَقَدْ حَصَلَ الرُّجْحَانُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ وَالْإِرَادَةُ مَشْرُوطَةٌ بِالْعِلْمِ فَثَبَتَ أَنَّ خَالِقَ/ الشَّيْءِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ. فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُوجِدًا لِأَفْعَالِ نَفْسِهِ لَكَانَ عَالِمًا بِهَا وَبِتَفَاصِيلِهَا فِي الْعَدَدِ وَالْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ فَلَمَّا لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الْعِلْمُ عَلِمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُوجِدٍ نَفْسَهُ. وَثَالِثُهَا: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: إِذَا جَمَعْتَ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ظَهَرَ أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِذَاتِهِ، وَالْجَوَابُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يُوسُفَ: 76] عَامٌّ وَقَوْلُهُ: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النِّسَاءِ: 166] خَاصٌّ وَالْخَاصُّ مقدم على العام. والله تعالى أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 30] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَلَى كَيْفِيَّةِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ إِنْعَامًا عَامًّا عَلَى جَمِيعِ بَنِي آدَمَ فَيَكُونُ هَذَا هُوَ النِّعْمَةَ الثَّالِثَةَ مِنْ تِلْكَ النِّعَمِ الْعَامَّةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ثُمَّ فِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي إِذْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صِلَةٌ زَائِدَةٌ إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ يَعْتَادُونَ التَّكَلُّمَ بِهَا وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ. الثَّانِي: وَهُوَ الْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا مَعْنَى لَهُ وَهُوَ نُصِبَ بِإِضْمَارِ اذْكُرْ، وَالْمَعْنَى اذْكُرْ لَهُمْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ فَأَضْمَرَ هَذَا الأمرين: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَعْنَى مَعْرُوفٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ كَقَوْلِهِ: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ [الْأَحْقَافِ: 21] وَقَالَ: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ
[ص: 17] ، وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ [يس: 13، 14] وَالْقُرْآنُ كُلُّهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ الْمُصَرِّحَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السورة فلا جرم ترك ذلك هاهنا اكْتِفَاءً بِذَلِكَ الْمُصَرَّحِ. قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ «إِذْ» بِقَالُوا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْمَلَكُ أَصْلُهُ مِنَ الرِّسَالَةِ، يُقَالُ أَلَكَنِي إِلَيْهِ أَيْ أَرْسَلَنِي إِلَيْهِ وَالْمَأْلُكَةُ وَالْأَلُوكَةُ الرِّسَالَةُ وَأَصْلُهُ الْهَمْزَةُ مِنْ «مَلْأَكَةٍ» حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ وَأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا طَلَبًا لِلْخِفَّةِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا، قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الْمَلَائِكُ جَمْعُ مَلْأَكٍ عَلَى الْأَصْلِ كالشمائل فِي جَمْعِ شَمْأَلٍ وَإِلْحَاقُ التَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْجَمْعِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْكَلَامُ فِي الْمَلَائِكَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى الْكَلَامِ فِي الْأَنْبِيَاءِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ ذِكْرَ الْإِيمَانِ بِالْمَلَائِكَةِ عَلَى ذِكْرِ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ فِي قَوْلِهِ: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [المؤمنون: 285] وَلَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» الثَّانِي: أَنَّ الْمَلَكَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الرَّسُولِ فِي تَبْلِيغِ الْوَحْيِ وَالشَّرِيعَةِ فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الرَّسُولِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْكَلَامُ فِي النُّبُوَّاتِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا إِلَى مَعْرِفَةِ وُجُودِ الْمَلَائِكَةِ بِالْعَقْلِ بَلْ بِالسَّمْعِ، فَكَانَ الْكَلَامُ فِي النُّبُوَّاتِ أَصْلًا لِلْكَلَامِ فِي الْمَلَائِكَةِ فَلَا جَرَمَ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْكَلَامِ فِي النُّبُوَّاتِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْمَلَكُ قَبْلَ النَّبِيِّ بِالشَّرَفِ وَالْعِلْيَةِ وَبَعْدَهُ فِي عُقُولِنَا وَأَذْهَانِنَا بِحَسَبِ وُصُولِنَا إِلَيْهَا بِأَفْكَارِنَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُقَلَاءِ فِي أَنَّ شَرَفَ الرُّتْبَةِ لِلْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ هُوَ وُجُودُ الْمَلَائِكَةِ فِيهِ كَمَا أَنَّ شَرَفَ الرُّتْبَةِ لِلْعَالَمِ السُّفْلِيِّ هُوَ وُجُودُ الْإِنْسَانِ فِيهِ إِلَّا أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي مَاهِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ وَحَقِيقَتِهِمْ وَطَرِيقُ ضَبْطِ الْمَذَاهِبِ أَنْ يُقَالَ: الْمَلَائِكَةُ لا بد وأن تكون ذوات قَائِمَةً بِأَنْفُسِهَا ثُمَّ إِنَّ تِلْكَ الذَّوَاتِ إِمَّا أن تكون متحيزة أولا تَكُونَ، أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمَلَائِكَةُ ذوات مُتَحَيِّزَةً فَهُنَا أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ هَوَائِيَّةٌ تَقْدِرُ عَلَى التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ مَسْكَنُهَا السموات، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ. وَثَانِيًا: قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَهُوَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ هِيَ الْحَقِيقَةُ فِي هَذِهِ الْكَوَاكِبِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْإِسْعَادِ وَالْإِنْحَاسِ فَإِنَّهَا بِزَعْمِهِمْ أَحْيَاءٌ نَاطِقَةٌ، وَأَنَّ الْمُسْعِدَاتِ مِنْهَا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَالْمُنْحِسَاتِ مِنْهَا مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، وَثَالِثُهَا: قَوْلُ مُعْظَمِ الْمَجُوسِ وَالثَّنَوِيَّةِ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَصْلَيْنِ أَزَلِيَّيْنِ وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، وَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ جَوْهَرَانِ شَفَّافَانِ مُخْتَارَانِ قَادِرَانِ مُتَضَادَّا النَّفْسِ وَالصُّورَةِ مُخْتَلِفَا الْفِعْلِ وَالتَّدْبِيرِ، فَجَوْهَرُ النُّورِ فَاضِلٌ خَيِّرٌ نَقِيٌّ طَيِّبُ الرِّيحِ كَرِيمُ النَّفْسِ يَسُرُّ وَلَا يَضُرُّ، وَيَنْفَعُ وَلَا يَمْنَعُ، وَيُحْيِي وَلَا يُبْلِي وَجَوْهَرُ الظُّلْمَةِ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ جَوْهَرَ النُّورِ لَمْ يَزَلْ يُوَلِّدُ الْأَوْلِيَاءَ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّنَاكُحِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ تَوَلُّدِ الْحِكْمَةِ مِنَ الْحَكِيمِ وَالضَّوْءِ مِنَ الْمُضِيءِ. وَجَوْهَرُ الظُّلْمَةِ لَمْ يَزَلْ يُوَلِّدُ الْأَعْدَاءَ وَهُمُ الشَّيَاطِينُ عَلَى سَبِيلِ تَوَلُّدِ السَّفَهِ مِنَ السَّفِيهِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّنَاكُحِ فَهَذِهِ أَقْوَالُ مَنْ جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ أَشْيَاءَ مُتَحَيِّزَةً جُسْمَانِيَّةً. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ ذَوَاتٌ قَائِمَةٌ بِأَنْفُسِهَا وَلَيْسَتْ بِمُتَحَيِّزَةٍ وَلَا بِأَجْسَامٍ فَهَهُنَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ طَوَائِفَ مِنَ النَّصَارَى وَهُوَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ الْأَنْفُسُ النَّاطِقَةُ الْمُفَارِقَةُ لِأَبْدَانِهَا عَلَى نَعْتِ الصَّفَاءِ وَالْخَيْرِيَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ الْمُفَارِقَةَ إِنْ كَانَتْ صَافِيَةً خَالِصَةً فَهِيَ الْمَلَائِكَةُ، وَإِنْ كَانَتْ خَبِيثَةً كَدِرَةً فَهِيَ الشَّيَاطِينُ. وَثَانِيهِمَا: قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ: وَهِيَ أنها جواهر قائمة بأنفسها وليس بِمُتَحَيِّزَةٍ الْبَتَّةَ، وَأَنَّهَا بِالْمَاهِيَّةِ مُخَالِفَةٌ لِأَنْوَاعِ النُّفُوسِ النَّاطِقَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَأَنَّهَا أَكْمَلُ قُوَّةً مِنْهَا وَأَكْثَرُ عِلْمًا مِنْهَا، وَأَنَّهَا لِلنُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَضْوَاءِ، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْجَوَاهِرَ عَلَى قِسْمَيْنِ، مِنْهَا مَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَجْرَامِ الْأَفْلَاكِ
وَالْكَوَاكِبِ/ كَنُفُوسِنَا النَّاطِقَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبْدَانِنَا، وَمِنْهَا مَا هِيَ لَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ تَدْبِيرِ الْأَفْلَاكِ بَلْ هِيَ مُسْتَغْرِقَةٌ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَمُشْتَغِلَةٌ بِطَاعَتِهِ، وَهَذَا الْقِسْمُ هُمُ الْمَلَائِكَةُ المقربون ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السموات كَنِسْبَةِ أُولَئِكَ الْمُدَبِّرِينَ إِلَى نُفُوسِنَا النَّاطِقَةِ. فَهَذَانَ الْقِسْمَانِ قَدِ اتَّفَقَتِ الْفَلَاسِفَةُ عَلَى إِثْبَاتِهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ أَنْوَاعًا أُخَرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ الْأَرْضِيَّةُ الْمُدَبِّرَةُ لِأَحْوَالِ هَذَا الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، ثُمَّ إِنَّ الْمُدَبِّرَاتِ لِهَذَا الْعَالَمِ إِنْ كَانَتْ خَيِّرَةً فَهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَإِنْ كَانَتْ شِرِّيرَةً فَهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَهَذَا تَفْصِيلُ مَذَاهِبِ النَّاسِ فِي الْمَلَائِكَةِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهَا مِنْ حَيْثُ الْعَقْلُ أَوْ لَا سَبِيلَ إِلَى إِثْبَاتِهَا إِلَّا بِالسَّمْعِ؟ أَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ فِي الْعَقْلِ دَلَائِلَ تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمَلَائِكَةِ، وَلَنَا مَعَهُمْ فِي تِلْكَ الدَّلَائِلِ أَبْحَاثٌ دَقِيقَةٌ عَمِيقَةٌ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ وُجُوهًا عَقْلِيَّةً إِقْنَاعِيَّةً وَلْنُشِرْ إِلَيْهَا. أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْمَلَكِ الْحَيِّ النَّاطِقِ الَّذِي لَا يَكُونُ مَيِّتًا، فَنَقُولُ الْقِسْمَةُ الْعَقْلِيَّةُ تَقْتَضِي وُجُودَ أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ فَإِنَّ الْحَيَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَاطِقًا وَمَيِّتًا مَعًا وَهُوَ الْإِنْسَانُ، أَوْ يَكُونَ مَيِّتًا وَلَا يَكُونَ نَاطِقًا وَهُوَ الْبَهَائِمُ، أَوْ يَكُونَ نَاطِقًا وَلَا يَكُونَ مَيِّتًا وَهُوَ الْمَلَكُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَخَسَّ الْمَرَاتِبِ هُوَ الْمَيِّتُ غَيْرُ النَّاطِقِ، وَأَوْسَطُهَا النَّاطِقُ الْمَيِّتُ، وَأَشْرَفُهَا النَّاطِقُ الَّذِي لَيْسَ بِمَيِّتٍ، فَإِذَا اقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ إِيجَادَ أَخَسِّ الْمَرَاتِبِ وَأَوْسَطِهَا، فَلِأَنْ تَقْتَضِيَ إِيجَادَ أَشْرَفِ الْمَرَاتِبِ وَأَعْلَاهَا كان ذلك أولى، وثانياً: أن الفطرة تشهد بأن عالم السموات أًرف مِنْ هَذَا الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ وَتَشْهَدُ بِأَنَّ الْحَيَاةَ وَالْعَقْلَ وَالنُّطْقَ أَشْرَفُ مِنْ أَضْدَادِهَا وَمُقَابِلَتِهَا فَيَبْعُدُ فِي الْعَقْلِ أَنْ تَحْصُلَ الْحَيَاةُ وَالْعَقْلُ وَالنُّطْقُ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْكَدِرِ الظُّلُمَانِيِّ، وَلَا تَحْصُلُ الْبَتَّةَ فِي ذَلِكَ الْعَالَمِ الَّذِي هُوَ عَالَمُ الضَّوْءِ وَالنُّورِ وَالشَّرَفِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ أَصْحَابَ الْمُجَاهَدَاتِ أَثْبَتُوهَا مِنْ جِهَةِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْمُكَاشَفَةِ، وَأَصْحَابَ الْحَاجَاتِ وَالضَّرُورَاتِ أَثْبَتُوهَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ مَا يُشَاهَدُ مِنْ عَجَائِبِ آثَارِهَا فِي الْهِدَايَةِ إِلَى الْمُعَالَجَاتِ النَّادِرَةِ الْغَرِيبَةِ وَتَرْكِيبِ الْمَعْجُونَاتِ وَاسْتِخْرَاجِ صَنْعَةِ التِّرْيَاقَاتِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَالُ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ إِقْنَاعِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ سَمِعَهَا وَلَمْ يُمَارِسْهَا، وَقَطْعِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ جَرَّبَهَا وَشَاهَدَهَا وَاطَّلَعَ عَلَى أَسْرَارِهَا، وَأَمَّا الدَّلَائِلُ النَّقْلِيَّةُ فَلَا نِزَاعَ الْبَتَّةَ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي إِثْبَاتِ الْمَلَائِكَةِ، بَلْ ذَلِكَ كَالْأَمْرِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بَيْنَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي شَرْحِ كَثْرَتِهِمْ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ قَدَمٍ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ رَاكِعٌ» وَرُوِيَ أَنَّ بَنِي آدَمَ عُشْرُ الْجِنِّ، وَالْجِنُّ وَبَنُو آدَمَ عُشْرُ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ عُشْرُ الطُّيُورِ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ عُشْرُ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ عُشْرُ مَلَائِكَةِ الْأَرْضِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَا، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ عُشْرُ مَلَائِكَةِ سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ عُشْرُ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ إِلَى مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ثُمَّ الْكُلُّ فِي مُقَابَلَةِ مَلَائِكَةِ الْكُرْسِيِّ نَزْرٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ كُلُّ هَؤُلَاءِ عُشْرُ مَلَائِكَةِ السُّرَادِقِ الْوَاحِدِ مِنْ سُرَادِقَاتِ/ الْعَرْشِ الَّتِي عَدَدُهَا سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ، طُولُ كُلِّ سُرَادِقٍ وَعَرْضُهُ وَسُمْكُهُ إِذَا قوبلت به السموات وَالْأَرَضُونَ وَمَا فِيهَا وَمَا بَيْنَهَا فَإِنَّهَا كُلَّهَا تَكُونُ شَيْئًا يَسِيرًا وَقَدْرًا صَغِيرًا، وَمَا مِنْ مِقْدَارِ مَوْضِعِ قَدَمٍ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ قَائِمٌ، لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، ثُمَّ كُلُّ هَؤُلَاءِ فِي مُقَابَلَةِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَحُومُونَ حَوْلَ الْعَرْشِ كَالْقَطْرَةِ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ. ثُمَّ مَعَ هَؤُلَاءِ مَلَائِكَةُ اللَّوْحِ الَّذِينَ هُمْ أَشْيَاعُ إِسْرَافِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ هُمْ جُنُودُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَهُمْ كُلُّهُمْ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ لَا يَفْتُرُونَ مُشْتَغِلُونَ بِعِبَادَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. رِطَابُ الْأَلْسُنِ بِذِكْرِهِ وَتَعْظِيمِهِ يَتَسَابَقُونَ فِي ذَلِكَ مُذْ خَلَقَهُمْ، لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ
آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَلَا يَسْأَمُونَ، لَا يُحْصِي أَجْنَاسَهُمْ وَلَا مُدَّةَ أَعْمَارِهِمْ وَلَا كَيْفِيَّةَ عِبَادَتِهِمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا تَحْقِيقُ حَقِيقَةِ مَلَكُوتِهِ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَى مَا قَالَ: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [الْمُدَّثِّرِ: 31] وَأَقُولُ رَأَيْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّذْكِيرِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ عُرِجَ بِهِ رَأَى مَلَائِكَةً فِي مَوْضِعٍ بِمَنْزِلَةِ سُوقٍ بَعْضُهُمْ يَمْشِي تُجَاهَ بَعْضٍ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّهُمْ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُونَ. فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. لَا أَدْرِي إِلَّا أَنِّي أَرَاهُمْ مُذْ خُلِقْتُ وَلَا أَرَى وَاحِدًا مِنْهُمْ قَدْ رَأَيْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ سَأَلُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ وَقِيلَ لَهُ مُذْ كَمْ خُلِقْتَ؟ فَقَالَ لَا أَدْرِي غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ كَوْكَبًا فِي كُلِّ أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ فَخَلَقَ مِثْلَ ذَلِكَ الْكَوْكَبِ مُنْذُ خَلَقَنِي أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ مَرَّةٍ، فَسُبْحَانَهُ مِنْ إِلَهٍ مَا أَعْظَمَ قُدْرَتَهُ وَمَا أَجَلَّ كَمَالَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ أَصْنَافَهُمْ وَأَوْصَافَهُمْ، أَمَّا الْأَصْنَافُ. فَأَحَدُهَا: حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [الْحَاقَّةِ: 17] ، وَثَانِيهَا: الْحَافُّونَ حَوْلَ الْعَرْشِ عَلَى مَا قَالَ سُبْحَانَهُ: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الزُّمَرِ: 75] وَثَالِثُهَا: أَكَابِرُ الْمَلَائِكَةِ فَمِنْهُمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ [الْبَقَرَةِ: 98] ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَصَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأُمُورٍ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ صَاحِبُ الْوَحْيِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ قَالَ تَعَالَى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [الشُّعَرَاءِ: 193، 194] الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَهُ قَبْلَ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ فِي الْقُرْآنِ قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [الْبَقَرَةِ: 97] وَلِأَنَّ جِبْرِيلَ صَاحِبُ الْوَحْيِ وَالْعِلْمِ، وَمِيكَائِيلَ صَاحِبُ الْأَرْزَاقِ وَالْأَغْذِيَةِ، وَالْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْغِذَاءُ الرُّوحَانِيُّ أَشْرَفُ مِنَ الْغِذَاءِ الْجُسْمَانِيِّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَشْرَفَ مِنْ مِيكَائِيلَ الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ ثَانِيَ نَفْسِهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التَّحْرِيمِ: 4] . الرَّابِعُ: سَمَّاهُ رُوحَ الْقُدُسِ قَالَ فِي حَقِّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ [الْمَائِدَةِ: 110] الْخَامِسُ: يَنْصُرُ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَيَقْهَرُ أَعْدَاءَهُ مَعَ أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَسُوِّمِينَ، السَّادِسُ: أَنَّهُ تَعَالَى مَدَحَهُ بِصِفَاتٍ سِتٍّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التَّكْوِيرِ: 19- 20] فَرِسَالَتُهُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، فَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ أُمَّتُهُ وَكَرَمُهُ عَلَى رَبِّهِ أَنَّهُ جَعَلَهُ وَاسِطَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَشْرَفِ عِبَادِهِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَقُوَّتُهُ أَنَّهُ رَفَعَ مَدَائِنَ قَوْمِ لُوطٍ إِلَى السَّمَاءِ وَقَلَبَهَا، وَمَكَانَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ أَنَّهُ/ جَعَلَهُ ثَانِيَ نَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَكَوْنُهُ مُطَاعًا أَنَّهُ إِمَامُ الْمَلَائِكَةِ وَمُقْتَدَاهُمْ، وَأَمَّا كَوْنُهُ أَمِينًا فَهُوَ قَوْلُهُ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشُّعَرَاءِ: 193] وَمِنْ جُمْلَةِ أَكَابِرِ الْمَلَائِكَةِ إِسْرَافِيلُ وَعِزْرَائِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَقَدْ ثَبَتَ وُجُودُهُمَا بِالْأَخْبَارِ وَثَبَتَ بِالْخَبَرِ أَنَّ عِزْرَائِيلَ هُوَ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السَّجْدَةِ: 11] وَأَمَّا قَوْلُهُ: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [الْأَنْعَامِ: 61] فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ مَلَائِكَةٍ مُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَلَكُ الْمَوْتِ رَئِيسَ جَمَاعَةٍ وُكِّلُوا عَلَى قَبْضِ الْأَرْوَاحِ قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ [الْأَنْفَالِ: 50] . وَأَمَّا إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَدْ دَلَّتِ الْأَخْبَارُ عَلَى أَنَّهُ صَاحِبُ الصُّورِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزُّمَرِ: 68] . وَرَابِعُهَا: مَلَائِكَةُ الْجَنَّةِ قَالَ تَعَالَى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرَّعْدِ: 23، 24] . وَخَامِسُهَا: مَلَائِكَةُ النَّارِ قَالَ تَعَالَى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [الْمُدَّثِّرِ: 30] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً [الْمُدَّثِّرِ: 31] وَرَئِيسُهُمْ مَالِكٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ
تعالى: وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [الزُّخْرُفِ: 77] وَأَسْمَاءُ جُمْلَتِهِمُ الزَّبَانِيَةُ قَالَ تَعَالَى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [الْعَلَقِ: 17، 18] وَسَادِسُهَا: الْمُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق 17، 18] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرَّعْدِ: 11] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً [الْأَنْعَامِ: 61] . وَسَابِعُهَا: كَتَبَةُ الْأَعْمَالِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الِانْفِطَارِ: 10- 12] . وَثَامِنُهَا: الْمُوَكَّلُونَ بِأَحْوَالِ هَذَا الْعَالَمِ وَهُمُ الْمُرَادُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا [الصافات: 1] وبقوله: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً إِلَى قَوْلِهِ: فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً [الذَّارِيَاتِ: 1، 4] وَبِقَوْلِهِ: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً [النَّازِعَاتِ: 1] . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سِوَى الْحَفَظَةِ يَكْتُبُونَ مَا يَسْقُطُ مِنْ وَرَقِ الْأَشْجَارِ، فَإِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ حَرِجَةٌ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَلْيُنَادِ: أَعِينُوا عِبَادَ اللَّهِ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ. وَأَمَّا أَوْصَافُ الْمَلَائِكَةِ فَمِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ رُسُلُ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فَاطِرٍ: 1] أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [الْحَجِّ: 75] فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمَلَائِكَةِ هُمُ الرُّسُلُ فَقَطْ، وَجَوَابُهُ أَنَّ مِنْ لِلتَّبْيِينِ لَا لِلتَّبْعِيضِ. وَثَانِيهَا: قُرْبُهُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ بِالْمَكَانِ وَالْجِهَةِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقُرْبُ هُوَ الْقُرْبُ بِالشَّرَفِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [الْأَنْبِيَاءِ: 19] وَقَوْلِهِ: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 26] وَقَوْلِهِ: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 20] وَثَالِثُهَا: وَصْفُ طَاعَاتِهِمْ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصَّافَّاتِ: 166] وَاللَّهُ تَعَالَى مَا كَذَّبَهُمْ فِي ذَلِكَ فَثَبَتَ بِهَا مُوَاظَبَتُهُمْ عَلَى الْعِبَادَةِ. الثَّانِي: مُبَادَرَتُهُمْ إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الْحِجْرِ: 30] . الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ شَيْئًا إِلَّا بِوَحْيِهِ وَأَمْرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: / لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 27] . وَرَابِعُهَا: وَصْفُ قُدْرَتِهِمْ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ وَهُمْ ثَمَانِيَةٌ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ ثُمَّ إِنَّ الْكُرْسِيَّ الَّذِي هُوَ أَصْغَرُ من العرش أعظم من جملة السموات السَّبْعِ لِقَوْلِهِ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الْبَقَرَةِ: 255] فَانْظُرْ إِلَى نِهَايَةِ قُدْرَتِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ. الثَّانِي: أَنَّ عُلُوَّ الْعَرْشِ شَيْءٌ لَا يُحِيطُ بِهِ الْوَهْمُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [الْمَعَارِجِ: 4] ثُمَّ إِنَّهُمْ لِشِدَّةِ قُدْرَتِهِمْ يَنْزِلُونَ مِنْهُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزُّمَرِ: 68] فَصَاحِبُ الصُّورِ يَبْلُغُ فِي الْقُوَّةِ إِلَى حَيْثُ أَنَّ بِنَفْخَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُ يُصْعَقُ مَنْ في السموات وَالْأَرْضِ، وَبِالنَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ مِنْهُ يَعُودُونَ أَحْيَاءً. فَاعْرِفْ مِنْهُ عِظَمَ هَذِهِ الْقُوَّةِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَلَغَ فِي قُوَّتِهِ إِلَى أَنْ قَلَعَ جِبَالَ آلِ لُوطٍ وَبِلَادَهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً. وَخَامِسُهَا: وَصْفُ خَوْفِهِمْ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ مَعَ كَثْرَةِ عِبَادَاتِهِمْ وَعَدَمِ إِقْدَامِهِمْ عَلَى الزَّلَّاتِ الْبَتَّةَ يَكُونُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ حَتَّى كَأَنَّ عِبَادَتَهُمْ مَعَاصِي قَالَ تَعَالَى: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النَّحْلِ: 50] وَقَالَ: وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 28] . الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سَبَأٍ: 23] رُوِيَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ سمعه أهل السموات مِثْلَ صَوْتِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ فَفَزِعُوا فَإِذَا انْقَضَى الْوَحْيُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقُّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ،
الثَّالِثُ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَاحِيَةٍ وَمَعَهُ جِبْرِيلُ إِذِ انْشَقَّ أُفُقُ السَّمَاءِ فَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ يَتَضَاءَلُ وَيَدْخُلُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ وَيَدْنُو مِنَ الْأَرْضِ فَإِذَا مَلَكٌ قَدْ مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيُخَيِّرُكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَأَشَارَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ أَنْ تَوَاضَعْ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لِي نَاصِحٌ فَقُلْتُ عَبْدًا نَبِيًّا فَعَرَجَ ذَلِكَ الْمَلَكُ إِلَى السَّمَاءِ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ قَدْ كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا فَرَأَيْتُ مِنْ حَالِكَ مَا شَغَلَنِي عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَمَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ فَقَالَ هَذَا إِسْرَافِيلُ خَلَقَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَافًّا قَدَمَيْهِ لَا يَرْفَعُ طَرْفَهُ وَبَيْنَ الرَّبِّ وَبَيْنَهُ سَبْعُونَ نُورًا مَا مِنْهَا نُورٌ يَدْنُو مِنْهُ إِلَّا احْتَرَقَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ فَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ مِنَ الْأَرْضِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ اللَّوْحُ بِقُرْبِ جَبِينِهِ فَيَنْظُرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ عَمَلِي أَمَرَنِي بِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ عَمَلِ مِيكَائِيلَ أَمَرَهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ عَمَلِ مَلَكِ الْمَوْتِ أَمَرَهُ بِهِ قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَنْتَ قَالَ عَلَى الرِّيَاحِ وَالْجُنُودِ قُلْتُ عَلَى أَيِّ شَيْءِ مِيكَائِيلُ قَالَ عَلَى النَّبَاتِ. قُلْتُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ مَلَكُ الْمَوْتِ قَالَ عَلَى قَبْضِ الْأَنْفُسِ وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ هَبَطَ إِلَّا لِقِيَامِ السَّاعَةِ وَمَا ذَاكَ الَّذِي رَأَيْتَ مِنِّي إِلَّا خَوْفًا مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ كَلَامٌ فِي وَصْفِ الْمَلَائِكَةِ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ فِي بَعْضِ خطبه: ثم فتق ما بين السموات العلى فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَارًا مِنْ مَلَائِكَةٍ فَمِنْهُمْ سُجُودٌ لَا يَرْكَعُونَ/ وَرُكُوعٌ لَا يَنْتَصِبُونَ وَصَافُّونَ لَا يَتَزَايَلُونَ وَمُسَبِّحُونَ لَا يَسْأَمُونَ لَا يَغْشَاهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ وَلَا سَهْوُ الْعُقُولِ وَلَا فَتْرَةُ الْأَبْدَانِ وَلَا غَفْلَةُ النِّسْيَانِ وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ وَأَلْسِنَةٌ إِلَى رُسُلِهِ وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِهِ وَأَمْرِهِ وَمِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ وَالسَّدَنَةُ لِأَبْوَابِ جِنَانِهِ وَمِنْهُمُ الثَّابِتَةُ فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ وَالْمَارِقَةُ مِنَ السَّمَاءِ الْعُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ وَالْخَارِجَةُ مِنَ الْأَقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ وَالْمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ الْعَرْشِ أَكْتَافُهُمْ نَاكِسَةً دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ مُتَلَفِّعُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ وَأَسْتَارُ الْقُدْرَةِ لَا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِيرِ وَلَا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ الْمَصْنُوعِينَ وَلَا يَحُدُّونَهُ بِالْأَمَاكِنِ وَلَا يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً كُلُّ الْمَلَائِكَةِ أَوْ بَعْضُهُمْ فَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِنَّمَا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ كَانُوا مُحَارِبِينَ مَعَ إِبْلِيسَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَسْكَنَ الْجِنَّ الْأَرْضَ فَأَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بَعَثَ اللَّهُ إِبْلِيسَ فِي جُنْدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَتَلَهُمْ إِبْلِيسُ بِعَسْكَرِهِ حَتَّى أَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَأَلْحَقُوهُمْ بِجَزَائِرِ الْبَحْرِ فَقَالَ تَعَالَى لَهُمْ: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ لِأَنَّ لَفْظَ الْمَلَائِكَةِ يُفِيدُ الْعُمُومَ فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ خِلَافَ الْأَصْلِ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: جَاعِلٌ مِنْ جَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولَانِ دَخَلَ عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ وَهُمَا قَوْلُهُ: فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَكَانَا مَفْعُولَيْنِ وَمَعْنَاهُ مُصَيِّرٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي فِي الْآيَةِ جَمِيعُ الْأَرْضِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ مَكَّةَ وَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ طَافَ بِهِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى الظَّاهِرِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الْخَلِيفَةُ مَنْ يَخْلُفُ غَيْرَهُ وَيَقُومُ مَقَامَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ [يُونُسَ: 14] . وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ [الْأَعْرَافِ: 69] فَأَمَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَلِيفَةِ مَنْ؟ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَوْلُهُ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها الْمُرَادُ ذُرِّيَّتُهُ لَا هُوَ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَلَدُ آدَمَ، أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا الْمُرَادُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ تَعَالَى لِمَ سَمَّاهُ خَلِيفَةً وَذَكَرُوا فِيهِ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: بِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا نَفَى الْجِنَّ مِنَ الْأَرْضِ وَأَسْكَنَ آدَمَ الْأَرْضَ كَانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلِيفَةً لِأُولَئِكَ الْجِنِّ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ. يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. الثَّانِي: إِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ خَلِيفَةً لِأَنَّهُ يَخْلُفُ اللَّهَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ خَلْقِهِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيِّ وَهَذَا الرَّأْيُ مُتَأَكَّدٌ بِقَوْلِهِ: إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص: 26] أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا الْمُرَادُ وَلَدُ آدَمَ فَقَالُوا: إِنَّمَا سَمَّاهُمْ خَلِيفَةً لِأَنَّهُمْ يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَهُوَ/ قَوْلُ الْحَسَنِ وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَالْخَلِيفَةُ اسْمٌ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ كَمَا يَصْلُحُ للذكر والأنثى وقرئ خليفة بِالْقَافِ. فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَائِدَةُ فِي أَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً مَعَ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الْمَشُورَةِ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُمْ إِذَا اطَّلَعُوا عَلَى ذَلِكَ السِّرِّ أَوْرَدُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ السُّؤَالَ فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ تَقْتَضِي إِحَاطَتَهُمْ بِذَلِكَ الْجَوَابِ فَعَرَّفَهُمْ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ لِكَيْ يُورِدُوا ذَلِكَ السُّؤَالَ وَيَسْمَعُوا ذَلِكَ الْجَوَابَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى عَلَّمَ عِبَادَهُ الْمُشَاوَرَةَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْجُمْهُورُ الْأَعْظَمُ مِنْ عُلَمَاءِ الدِّينِ اتَّفَقُوا عَلَى عِصْمَةِ كُلِّ الْمَلَائِكَةِ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ وَمِنَ الْحَشْوِيَّةِ مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ وَلَنَا وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التَّحْرِيمِ: 6] إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَلَائِكَةِ النَّارِ فَإِذَا أَرَدْنَا الدَّلَالَةَ الْعَامَّةَ تَمَسَّكْنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النَّحْلِ: 50] فَقَوْلُهُ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ فِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكَ الْمَنْهِيَّاتِ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنِ الشَّيْءِ مَأْمُورٌ بِتَرْكِهِ. فَإِنْ قِيلَ مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ يُفِيدُ الْعُمُومَ قُلْنَا لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ إِلَّا وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَالثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 26- 27] فَهَذَا صَرِيحٌ فِي بَرَاءَتِهِمْ عَنِ الْمَعَاصِي وَكَوْنِهِمْ مُتَوَقِّفِينَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ إِلَّا بِمُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالْوَحْيِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ طَعَنُوا فِي الْبَشَرِ بِالْمَعْصِيَةِ وَلَوْ كَانُوا مِنَ الْعُصَاةِ لَمَا حَسُنَ مِنْهُمْ ذَلِكَ الطَّعْنُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ صُدُورُ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُ وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ وَهَذَا يَقْتَضِي صُدُورَ الذَّنْبِ عَنْهُمْ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُمْ: أَتَجْعَلُ فِيهَا. هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ طَعَنُوا فِي بَنِي آدَمَ بِالْفَسَادِ وَالْقَتْلِ وَذَلِكَ غِيبَةٌ وَالْغِيبَةُ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ طَعَنُوا فِي بَنِي آدَمَ مَدَحُوا أَنْفُسَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ وَأَنَّهُمْ قَالُوا: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصَّافَّاتِ: 165، 166] وَهَذَا لِلْحَصْرِ فَكَأَنَّهُمْ نَفَوْا كَوْنَ غَيْرِهِمْ كَذَلِكَ وَهَذَا يُشْبِهُ الْعُجْبَ وَالْغِيبَةَ وَهُوَ مِنَ الذُّنُوبِ الْمُهْلِكَةِ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. (ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ، وَذَكَرَ فِيهَا إِعْجَابَ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ) . وَقَالَ تَعَالَى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النَّجْمِ: 32] . وَرَابِعُهَا: أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا يُشْبِهُ الِاعْتِذَارَ فَلَوْلَا تَقَدُّمُ الذَّنْبِ وَإِلَّا لَمَا اشْتَغَلُوا بِالْعُذْرِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الْبَقَرَةِ: 31] يَدُلُّ عَلَى أنهم
كَانُوا كَاذِبِينَ فِيمَا قَالُوهُ أَوَّلًا. وَسَادِسُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [الْبَقَرَةِ: 33] يَدُلُّ عَلَى/ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَا كَانُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ قَبْلَ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا شَاكِّينَ فِي كَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى عَالِمًا بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ، وَسَابِعُهَا: أَنَّ عِلْمَهُمْ يُفْسِدُونَ وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ بِالْوَحْيِ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَوْ قَالُوهُ اسْتِنْبَاطًا وَالْأَوَّلُ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ إِذَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِإِعَادَةِ ذَلِكَ الْكَلَامِ فَائِدَةٌ فَثَبَتَ أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَنِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالظَّنِّ وَالْقَدْحُ فِي الْغَيْرِ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ غَيْرُ جَائِزٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: 36] وقال: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [يونس: 36] وَثَامِنُهَا: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ كَانُوا جُنْدَ إِبْلِيسَ فِي مُحَارَبَةِ الْجِنِّ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مُجِيبِينَ لَهُ سُبْحَانَهُ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ثُمَّ عَلِمُوا غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: ف قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا وَرُوِيَ عَنِ الْجِنِّ وَقَتَادَةَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخَذَ فِي خَلْقِ آدَمَ هَمَسَتِ الْمَلَائِكَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَقَالُوا لِيَخْلُقْ رَبُّنَا مَا شَاءَ أَنْ يَخْلُقَ فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا إِلَّا كُنَّا أَعْظَمَ مِنْهُ وَأَكْرَمَ عَلَيْهِ فَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفَضَّلَهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الْبَقَرَةِ: 31] فِي أَنِّي لَا أَخْلُقُ خَلْقًا إِلَّا وَأَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْهُ فَفَزِعَ الْقَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى التَّوْبَةِ وقالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا، أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ. الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: تَمَسَّكُوا بِقِصَّةِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَزَعَمُوا أَنَّهُمَا كَانَا مَلَكَيْنِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَأَنَّهُمَا لَمَّا نَظَرَا إِلَى مَا يَصْنَعُ أَهْلُ الْأَرْضِ مِنَ الْمَعَاصِي أَنْكَرَا ذَلِكَ وَأَكْبَرَاهُ وَدَعَوَا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمَا إِنِّي لَوِ ابْتَلَيْتُكُمَا بِمَا ابْتَلَيْتُ بِهِ بَنِي آدَمَ مِنَ الشَّهَوَاتِ لَعَصَيْتُمَانِي فَقَالَا يَا رَبِّ لَوِ ابْتَلَيْتَنَا لَمْ نَفْعَلْ فَجَرِّبْنَا فَأَهْبَطَهُمَا إِلَى الْأَرْضِ وَابْتَلَاهُمَا اللَّهُ بِشَهَوَاتِ بَنِي آدَمَ فَمَكَثَا فِي الْأَرْضِ وَأَمَرَ اللَّهُ الْكَوْكَبَ الْمُسَمَّى بِالزُّهَرَةِ وَالْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ بِهِ فهبطا إلى الأرض فجعل الزهرة في صورة امرأة صُورَةِ امْرَأَةٍ وَالْمَلَكُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ ثُمَّ إِنَّ الزُّهَرَةَ اتَّخَذَتْ مَنْزِلًا وَزَيَّنَتْ نَفْسَهَا وَدَعَتْهُمَا إلى نفسها ونصف الْمَلَكُ نَفْسَهُ فِي مَنْزِلِهَا فِي مِثَالِ صَنَمٍ فَأَقْبَلَا إِلَى مَنْزِلِهَا وَدَعَوَاهَا إِلَى الْفَاحِشَةِ فَأَبَتْ عَلَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يَشْرَبَا خَمْرًا فَقَالَا لَا نَشْرَبُ الْخَمْرَ ثُمَّ غَلَبَتِ الشَّهْوَةُ عَلَيْهِمَا فَشَرِبَا ثُمَّ دَعَوَاهَا إِلَى ذَلِكَ فَقَالَتْ بَقِيَتْ خَصْلَةٌ لَسْتُ أُمْكِنُكُمَا مِنْ نَفْسِي حَتَّى تَفْعَلَاهَا قَالَا وما هي؟ قالت: تسجدان لهم الصَّنَمِ، فَقَالَا: لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ غَلَبَتِ الشَّهْوَةُ عَلَيْهِمَا فَقَالَا: نَفْعَلُ ثُمَّ نَسْتَغْفِرُ فَسَجَدَا لِلصَّنَمِ فَارْتَفَعَتِ الزُّهَرَةُ وَمَلَكُهَا إِلَى مَوْضِعِهِمَا مِنَ السَّمَاءِ فَعَرَفَا حِينَئِذٍ أَنَّهُ إِنَّمَا أَصَابَهُمَا ذَلِكَ بِسَبَبِ تَعْيِيرِ بَنِي آدَمَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ الزُّهَرَةَ كَانَتْ فَاجِرَةً مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا وَاقَعَاهَا بَعْدَ أَنْ شَرِبَا الْخَمْرَ وَقَتَلَا النَّفْسَ وَسَجَدَا لِلصَّنَمِ وَعَلَّمَاهَا الِاسْمَ الْأَعْظَمَ الَّذِي كَانَا بِهِ يَعْرُجَانِ إِلَى السَّمَاءِ فَتَكَلَّمَتِ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ الِاسْمِ وَعَرَجَتْ إِلَى السَّمَاءِ فَمَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَصَيَّرَهَا هَذَا الْكَوْكَبَ الْمُسَمَّى بِالزُّهَرَةِ ثُمَّ إن الله تعالى عرفت هَارُوتَ وَمَارُوتَ قَبِيحَ مَا فِيهِ وَقَعَا ثُمَّ خَيَّرَهُمَا بَيْنَ عَذَابِ الْآخِرَةِ آجِلًا وَبَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا عَاجِلًا فَاخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا فَجَعَلَهُمَا بِبَابِلَ مَنْكُوسَيْنِ فِي بِئْرٍ إِلَى/ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحْرَ وَيَدْعُوَانِ إِلَيْهِ وَلَا يَرَاهُمَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِتَعَلُّمِ السِّحْرِ خَاصَّةً وَتَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ [الْبَقَرَةِ: 102] الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ ثُمَّ إِنَّهُ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَكَفَرَ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صُدُورِ الْمَعْصِيَةِ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ. الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً [الْمُدَّثِّرِ: 31] قَالُوا: فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُعَذَّبُونَ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ لَا يَكُونُونَ إِلَّا مِمَّنْ يُعَذَّبُ فِيهَا كَمَا قَالَ: أُولئِكَ أَصْحابُ
النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَالْجَوَابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الْأُولَى أَنْ نَقُولَ: أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُهُمْ إِنَّهُمُ اعْتَرَضُوا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ فَنَقُولُ إِنَّهُ لَيْسَ غَرَضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ تَنْبِيهُ اللَّهِ عَلَى شَيْءٍ كَانَ غَافِلًا عَنْهُ، فَإِنَّ مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فِي اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَلَا الْإِنْكَارُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي فِعْلٍ فَعَلَهُ، بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ قَاطِعًا بِحِكْمَةِ غَيْرِهِ ثُمَّ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ يَفْعَلُ فِعْلًا لَا يَقِفُ عَلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُ أَتَفْعَلُ هَذَا! كَأَنَّهُ يَتَعَجَّبُ مِنْ كَمَالِ حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ، وَيَقُولُ إِعْطَاءُ هَذِهِ النِّعَمِ لِمَنْ يُفْسِدُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَهْتَدِي الْعُقُولُ فِيهَا إِلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ فَإِذَا كُنْتَ تَفْعَلُهَا وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَا تَفْعَلُهَا إِلَّا لِوَجْهٍ دَقِيقٍ وَسِرٍّ غَامِضٍ أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ فَمَا أَعْظَمَ حِكْمَتَكَ وَأَجَلَّ عِلْمَكَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها كَأَنَّهُ تَعَجُّبٌ مِنْ كَمَالِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِحَاطَةِ حِكْمَتِهِ بِمَا خَفِيَ عَلَى كُلِّ الْعُقَلَاءِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ إِيرَادَ الْإِشْكَالِ طَلَبًا لِلْجَوَابِ غَيْرُ مَحْذُورٍ فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا إِلَهَنَا أَنْتَ الْحَكِيمُ الَّذِي لَا يَفْعَلُ السَّفَهَ الْبَتَّةَ وَنَحْنُ نَرَى فِي الْعُرْفِ أَنَّ تَمْكِينَ السَّفِيهِ مِنَ السَّفَهِ سَفَهٌ فَإِذَا خَلَقْتَ قَوْمًا يُفْسِدُونَ وَيَقْتُلُونَ وَأَنْتَ مَعَ عِلْمِكَ أَنَّ حَالَهُمْ كَذَلِكَ خَلَقْتَهُمْ وَمَكَّنْتَهُمْ وَمَا مَنَعْتَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَهَذَا يُوهِمُ السَّفَهَ وَأَنْتَ الْحَكِيمُ الْمُطْلَقُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَكَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَوْرَدُوا هَذَا السُّؤَالَ طَلَبًا لِلْجَوَابِ، وَهَذَا جَوَابُ الْمُعْتَزِلَةِ قَالُوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ يُجَوِّزُوا صُدُورَ الْقَبِيحِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانُوا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْعَدْلِ قَالُوا وَالَّذِي يُؤَكِّدُ هَذَا الْجَوَابَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أَضَافُوا الْفَسَادَ وَسَفْكَ الدِّمَاءِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ لَا إِلَى الْخَالِقِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ قَالُوا: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهُ ذَاتِهِ عَنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ وَالتَّقْدِيسَ تَنْزِيهُ أَفْعَالِهِ عَنْ صِفَةِ الذَّمِّ وَنَعْتِ السَّفَهِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الشُّرُورَ وَإِنْ كَانَتْ حَاصِلَةً فِي تَرْكِيبِ هَذَا الْعَالِمِ السُّفْلِيِّ إِلَّا أَنَّهَا مِنْ لَوَازِمِ الْخَيْرَاتِ الْحَاصِلَةِ فِيهِ وَخَيْرَاتُهَا غَالِبَةٌ عَلَى شُرُورِهَا وَتَرْكُ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ لِأَجْلِ الشَّرِّ الْقَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ فَالْمَلَائِكَةُ ذَكَرُوا تِلْكَ الشُّرُورَ، فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ يَعْنِي أَنَّ الْخَيْرَاتِ الْحَاصِلَةَ مِنْ أَجْلِ تَرَاكِيبِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ أَكْثَرُ مِنَ الشُّرُورِ الْحَاصِلَةِ فِيهَا وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي إِيجَادَ مَا هَذَا شَأْنُهُ لَا تَرْكَهُ وَهَذَا جَوَابُ الْحُكَمَاءِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ سُؤَالَهُمْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ فِي إِعْظَامِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ الْعَبْدَ الْمُخْلِصَ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِمَوْلَاهُ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَبْدٌ يَعْصِيهِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها مَسْأَلَةٌ مِنْهُمْ/ أَنْ يَجْعَلَ الْأَرْضَ أَوْ بَعْضَهَا لَهُمْ إِنْ كَانَ ذَلِكَ صَلَاحًا فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: يَا إِلَهَنَا اجْعَلِ الْأَرْضَ لَنَا لَا لَهُمْ كَمَا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [الْأَعْرَافِ: 155] وَالْمَعْنَى لَا تُهْلِكْنَا فَقَالَ تَعَالَى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ مِنْ صَلَاحِكُمْ وَصَلَاحِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أجعلهم في الأرض فبين ذلك أَنَّهُ اخْتَارَ لَهُمُ السَّمَاءَ خَاصَّةً وَلِهَؤُلَاءِ الْأَرْضَ خَاصَّةً لِعِلْمِهِ بِصَلَاحِ ذَلِكَ فِي أَدْيَانِهِمْ لِيَرْضَى كل فريق بما اختاره الله له. وسادسها: أَنَّهُمْ طَلَبُوا الْحِكْمَةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا خَلَقَهُمْ مَعَ هَذَا الْفَسَادِ وَالْقَتْلِ، وَسَابِعُهَا: قَالَ الْقَفَّالُ يُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَجْعَلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا، أَيْ سَتَفْعَلُ ذَلِكَ فَهُوَ إِيجَابٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهَامِ قَالَ جَرِيرٌ: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ أَيْ أَنْتُمْ كَذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ اسْتِفْهَامًا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا، ثُمَّ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَنَحْنُ مَعَ هَذَا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لِمَا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَفْعَلُ إِلَّا الصَّوَابَ وَالْحِكْمَةَ فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ كَأَنَّهُ قَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ نِعْمَ مَا فَعَلْتُمْ حَيْثُ لَمْ تَجْعَلُوا ذَلِكَ قَادِحًا فِي حِكْمَتِي فَإِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تعلمون
فَأَنْتُمْ عَلِمْتُمْ ظَاهِرَهُمْ وَهُوَ الْفَسَادُ وَالْقَتْلُ وَمَا عَلِمْتُمْ بَاطِنَهُمْ وَأَنَا أَعْلَمُ ظَاهِرَهُمْ وَبَاطِنَهُمْ فَأَعْلَمُ مِنْ بَوَاطِنِهِمْ أَسْرَارًا خَفِيَّةً وَحِكَمًا بَالِغَةً تَقْتَضِي خَلْقَهُمْ وَإِيجَادَهُمْ. أَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا بَنِي آدَمَ بِمَا لَا يَنْبَغِي وَهُوَ الْغِيبَةُ، فَالْجَوَابُ أَنَّ مَحَلَّ الْإِشْكَالِ فِي خَلْقِ بَنِي آدَمَ إِقْدَامُهُمْ عَلَى الْفَسَادِ وَالْقَتْلِ، وَمَنْ أَرَادَ إِيرَادَ السُّؤَالِ وَجَبَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمَحَلِّ الْإِشْكَالِ لَا لِغَيْرِهِ فَلِهَذَا السَّبَبِ ذَكَرُوا مِنْ بَنِي آدَمَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وَمَا ذَكَرُوا مِنْهُمْ عِبَادَتَهُمْ وَتَوْحِيدَهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَحَلَّ الْإِشْكَالِ. أَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّهُمْ مَدَحُوا أَنْفُسَهُمْ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْعُجْبَ وَتَزْكِيَةَ النَّفْسِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَدْحَ النَّفْسِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضُّحَى: 11] وَأَيْضًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ لَيْسَ الْمُرَادُ مَدْحَ النَّفْسِ، بَلِ الْمُرَادُ بَيَانُ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مَا أَوْرَدْنَاهُ لِنَقْدَحَ بِهِ فِي حِكْمَتِكَ يَا رَبِّ فَإِنَّا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنَعْتَرِفُ لَكَ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالْحِكْمَةِ فَكَأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّهُمْ مَا أَوْرَدُوا السُّؤَالَ لِلطَّعْنِ فِي الْحِكْمَةِ وَالْإِلَهِيَّةِ. بَلْ لِطَلَبِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، أَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُمْ: لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا يُشْبِهُ الِاعْتِذَارَ فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْقِ الذَّنْبِ، قُلْنَا نَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْمَلَائِكَةِ أَنْ لَا يُورِدُوا ذَلِكَ السُّؤَالَ، فَلَمَّا تَرَكُوا هَذَا الْأَوْلَى كَانَ ذَلِكَ الِاعْتِذَارُ اعْتِذَارًا مِنْ تَرْكِ الْأَوْلَى فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [الْأَنْبِيَاءِ: 27] فَهَذَا السُّؤَالُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا كَانُوا مَأْذُونِينَ فِي هَذَا السُّؤَالِ فَكَيْفَ اعْتَذَرُوا عَنْهُ؟ قُلْنَا الْعَامُّ قَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ التَّخْصِيصُ. أَمَّا الْوَجْهُ الْخَامِسُ: وَهُوَ أَنَّ إِخْبَارَ الْمَلَائِكَةِ عَنِ الْفَسَادِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَصَلَ عَنِ الْوَحْيِ أَوْ قَالُوهُ اسْتِنْبَاطًا وَظَنًّا، قُلْنَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ ذَكَرُوا ذَلِكَ ظَنًّا ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْكَلْبِيِّ أَنَّهُمْ قَاسُوهُ/ عَلَى حَالِ الْجِنِّ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْأَرْضِ. الثَّانِي: أَنَّهُمْ عَرَفُوا خِلْقَتَهُ وَعَرَفُوا أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَتَرَكَّبَ فِيهِ الشَّهْوَةُ وَالْغَضَبُ فَيَتَوَلَّدَ الْفَسَادُ عَنِ الشَّهْوَةِ وَسَفْكُ الدِّمَاءِ عَنِ الْغَضَبِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ عَلَى الْيَقِينِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا رَبَّنَا وَمَا يَكُونُ ذَلِكَ الْخَلِيفَةُ؟ قَالَ يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَيَتَحَاسَدُونَ وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا: رَبَّنَا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى كَانَ قَدْ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ خَلْقٌ عَظِيمٌ أَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ. وَثَالِثُهَا: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى النَّارَ خَافَتِ الْمَلَائِكَةُ خَوْفًا شَدِيدًا فَقَالُوا: رَبَّنَا لِمَنْ خَلَقْتَ هَذِهِ النَّارَ؟ قَالَ لِمَنْ عَصَانِي مِنْ خَلْقِي وَلَمْ يَكُنِ لِلَّهِ يَوْمَئِذٍ خَلْقٌ إِلَّا الْمَلَائِكَةَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ خَلْقٌ الْبَتَّةَ فَلَمَّا قَالَ: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً عَرَفُوا أَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَظْهَرُ مِنْهُمْ. وَرَابِعُهَا: لَمَّا كَتَبَ الْقَلَمُ فِي اللَّوْحِ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَعَلَّهُمْ طَالَعُوا اللَّوْحَ فَعَرَفُوا ذَلِكَ. وَخَامِسُهَا: إِذَا كَانَ مَعْنَى الْخَلِيفَةِ مَنْ يَكُونُ نَائِبًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ، وَالِاحْتِجَاجُ إِلَى الْحَاكِمِ وَالْقَاضِي إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَالتَّظَالُمِ كَانَ الْإِخْبَارُ عَنْ وُجُودِ الْخَلِيفَةِ إِخْبَارًا عَنْ وُقُوعِ الْفَسَادِ وَالشَّرِّ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ قَالَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ كَانَ هَذَا الْإِخْبَارُ عَنْ مُجَرَّدِ الظَّنِّ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ قَدْحٌ فِي الْغَيْرِ بِمَا لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا فِيهِ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْعِصْمَةَ وَالطَّهَارَةَ. أَمَّا الْوَجْهُ السَّادِسُ: هُوَ الْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فَهِيَ مِنْ بَابِ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَلَا تُعَارِضُ الدَّلَائِلَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. أَمَّا الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ قِصَّةُ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَالْجَوَابُ عَنْهَا أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرُوهَا بَاطِلَةٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي الْقِصَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُمَا لَوِ ابْتَلَيْتُكُمَا بِمَا ابْتَلَيْتُ بِهِ بَنِي آدَمَ لَعَصَيْتُمَانِي فَقَالَا لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِنَا يَا رَبِّ لَمَا عَصَيْنَاكَ، وَهَذَا مِنْهُمْ تَكْذِيبٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَجْهِيلٌ لَهُ وَذَلِكَ مِنْ صَرِيحِ الْكُفْرِ، وَالْحَشْوِيَّةُ سَلَّمُوا أَنَّهُمَا كَانَا قَبْلَ الْهُبُوطِ إِلَى الْأَرْضِ مَعْصُومَيْنِ، وَثَانِيهَا: فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُمَا خُيِّرَا بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ وَذَلِكَ فَاسِدٌ بَلْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُخَيَّرَا بَيْنَ التَّوْبَةِ وَبَيْنَ الْعَذَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى خير بينهما من أشرك به طول عمره وَبَالَغَ فِي إِيذَاءِ أَنْبِيَائِهِ. وَثَالِثُهَا: فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُمَا يُعَلِّمَانِ السِّحْرَ حَالَ كَوْنِهِمَا مُعَذَّبَيْنِ وَيَدْعُوَانِ إِلَيْهِ وَهُمَا مُعَاقَبَانِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْمَرْأَةَ الْفَاجِرَةَ كَيْفَ يُعْقَلُ أَنَّهَا لَمَّا فَجَرَتْ صَعِدَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَجَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى كَوْكَبًا مُضِيئًا وَعَظَّمَ قَدْرَهُ بِحَيْثُ أَقْسَمَ بِهِ حَيْثُ قال: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ [التَّكْوِيرِ: 15] فَهَذِهِ الْقِصَّةُ قِصَّةٌ رَكِيكَةٌ يَشْهَدُ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ بِنِهَايَةِ رَكَاكَتِهَا، وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي تَعْلِيمِ السِّحْرِ فَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ تِلْكَ الْآيَةِ فِي مَوْضِعِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: فَسَنَتَكَلَّمُ فِي بَيَانِ أَنَّ إِبْلِيسَ مَا كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ قَوْلُهُ: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً [الْمُدَّثِّرِ: 31] فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِمْ مُعَذَّبِينَ فِي النَّارِ وَقَوْلُهُ: أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: 39] لَا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى كَوْنِهِمْ مُعَذَّبِينَ بِالنَّارِ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْآيَةِ بَلْ إِنَّمَا عُرِفَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَقَوْلُهُ: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً يُرِيدُ بِهِ خَزَنَةَ النَّارِ وَالْمُتَصَرِّفِينَ فِيهَا وَالْمُدَبِّرِينَ لِأَمْرِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ هَلْ هُمْ قَادِرُونَ عَلَى الْمَعَاصِي وَالشُّرُورِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ جُمْهُورُ الْفَلَاسِفَةِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَبْرِ: إِنَّهُمْ خَيْرَاتٌ مَحْضٌ وَلَا قُدْرَةَ لَهُمُ الْبَتَّةَ عَلَى الشُّرُورِ وَالْفَسَادِ وَقَالَ جُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُمْ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً أَوْ تَرْكَ الْأَوْلَى وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ، وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الْأَنْبِيَاءِ: 29] وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ مَزْجُورِينَ مَمْنُوعِينَ وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [الْأَعْرَافِ: 206] وَالْمَدْحُ بِتَرْكِ الِاسْتِكْبَارِ إِنَّمَا يَجُوزُ له كَانَ قَادِرًا عَلَى فِعْلِ الِاسْتِكْبَارِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى تَرْكِ الْخَيْرَاتِ لَمَا كَانُوا مَمْدُوحِينَ بِفِعْلِهَا لِأَنَّ الْمَلْجَأَ إِلَى الشَّيْءِ وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ مَمْدُوحًا بِفِعْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ فَقُلْتُ لَهُ أَلَيْسَ أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِوَضَ وَاجِبَانِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعْنَى كَوْنِهِ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ لَلَزِمَ مِنْ تَرْكِهِ إِمَّا الْجَهْلُ وَإِمَّا الْحَاجَةُ وَهُمَا مُحَالَانِ وَالْمُفْضِي إِلَى الْمُحَالِ مُحَالٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ التَّرْكُ مُحَالًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا كَانَ التَّرْكُ مُحَالًا كَانَ الْفِعْلُ وَاجِبًا فَيَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى فَاعِلًا لِلثَّوَابِ وَالْعِوَضُ وَاجِبٌ وَتَرْكُهُ مُحَالٌ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى مَمْدُوحٌ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أَنَّ امْتِنَاعَ التَّرْكِ لَا يَقْدَحُ فِي حُصُولِ الْمَدْحِ فَانْقَطَعَ وَمَا قَدَرَ عَلَى الْجَوَابِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْوَاوُ فِي وَنَحْنُ لِلْحَالِ كَمَا تَقُولُ أَتُحْسِنُ إِلَى فُلَانٍ وَأَنَا أَحَقُّ بِالْإِحْسَانِ وَالتَّسْبِيحُ تَبْعِيدُ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ السُّوءِ وَكَذَا التَّقْدِيسُ، مِنْ سَبَحَ فِي الْمَاءِ وَقَدَّسَ فِي الْأَرْضِ إِذَا ذَهَبَ فِيهَا وَأَبْعَدَ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّبْعِيدَ إِنْ أُرِيدَ بِهِ التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ فَهُوَ التَّسْبِيحُ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ التَّبْعِيدُ عَنِ الْخَيْرَاتِ فَهُوَ اللَّعْنُ، فَنَقُولُ التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ يَدْخُلُ فِيهِ التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، أَمَّا فِي الذَّاتِ فَأَنْ لَا تَكُونَ مَحَلًّا لِلْإِمْكَانِ فَإِنَّ مَنْعَ
السُّوءِ وَإِمْكَانَهُ هُوَ الْعَدَمُ وَنَفْيُ الْإِمْكَانِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْكَثْرَةِ، وَنَفْيُهَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْجِسْمِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ وَنَفْيَ الضِّدِّ وَالنِّدِّ، وَحُصُولَ الْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْوُجُوبَ الذَّاتِيَّ وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ فَأَنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الْجَهْلِ فَيَكُونَ مُحِيطًا بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ وَقَادِرًا عَلَى كُلِّ الْمَقْدُورَاتِ وَتَكُونَ صِفَاتُهُ مُنَزَّهَةً عَنِ التَّغْيِيرَاتِ، وَأَمَّا فِي الْأَفْعَالِ فَأَنْ لَا تَكُونَ أَفْعَالُهُ لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ وَأَنْ لَا يَسْتَكْمِلَ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَا يَنْتَقِصَ بِعَدَمِ شَيْءٍ مِنْهَا فَيَكُونَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ كُلِّ الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ مُسْتَوْلِيًا بِالْإِعْدَامِ وَالْإِيجَادِ عَلَى كُلِّ الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ، وَقَالَ أَهْلُ التَّذْكِيرِ: التَّسْبِيحُ جَاءَ تَارَةً فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى/ التَّنْزِيهِ وَأُخْرَى بِمَعْنَى التَّعَجُّبِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَجَاءَ عَلَى وُجُوهٍ: «أ» أَنَا الْمُنَزَّهُ عَنِ النَّظِيرِ وَالشَّرِيكِ، هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ «ب» أنا المدبر للسموات والأرض سبحان رب السموات وَالْأَرْضِ «ج» أَنَا الْمُدَبِّرُ لِكُلِّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ «د» أَنَا الْمُنَزَّهُ عَنْ قَوْلِ الظَّالِمِينَ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (هـ) أَنَا الْمُسْتَغْنِي عَنِ الْكُلِّ سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ «و» أَنَا السُّلْطَانُ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ سِوَائِي فَهُوَ تَحْتَ قَهْرِي وَتَسْخِيرِي فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ «ز» أَنَا الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ «ح» أَنَا الْمُنَزَّهُ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ سُبْحَانَهُ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ «ط» أَنَا الْمُنَزَّهُ عَنْ وَصْفِهِمْ وَقَوْلِهِمْ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ، عَمَّا يَقُولُونَ، عَمَّا يَصِفُونَ، أَمَّا التَّعَجُّبُ فَكَذَلِكَ «أ» أَنَا الَّذِي سَخَّرْتُ الْبَهَائِمَ الْقَوِيَّةَ لِلْبَشَرِ الضَّعِيفِ، سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا «ب» أَنَا الَّذِي خَلَقْتُ الْعَالَمَ وَكُنْتُ مُنَزَّهًا عَنِ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ، سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا «ج» أَنَا الَّذِي أَعْلَمُ لَا بِتَعْلِيمِ الْمُعَلِّمِينَ وَلَا بِإِرْشَادِ الْمُرْشِدِينَ، سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا «د» أَنَا الَّذِي أُزِيلُ مَعْصِيَةَ سَبْعِينَ سَنَةً بِتَوْبَةِ سَاعَةٍ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ يَقُولُ إِنْ أَرَدْتَ رِضْوَانَ اللَّهِ فَسَبِّحْ، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. وَإِنْ أَرَدْتَ الْفَرَجَ مِنَ الْبَلَاءِ فَسَبِّحْ لَا إِلَهَ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَإِنْ أَرَدْتَ رِضَا الْحَقِّ فَسَبِّحْ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى، وَإِنْ أَرَدْتَ الْخَلَاصَ مِنَ النَّارِ فَسَبِّحْ، سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، أَيُّهَا الْعَبْدُ وَاظِبْ عَلَى تَسْبِيحِي فَسُبْحَانَ اللَّهِ فَسَبِّحْ وَسَبِّحُوهُ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ تَسْبِيحِي فَالضَّرَرُ عَائِدٌ إِلَيْكَ، لِأَنَّ لِي مَنْ يُسَبِّحُنِي، وَمِنْهُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ [فُصِّلَتْ: 38] وَمِنْهُمُ الْمُقَرَّبُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا [سَبَأٍ: 41] وَمِنْهُمْ سَائِرُ الْمَلَائِكَةِ قالُوا سُبْحانَكَ مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا [الْفُرْقَانِ: 18] وَمِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءُ كَمَا قَالَ ذُو النُّونِ لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ [الْأَنْبِيَاءِ: 87] وَقَالَ مُوسَى: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ [الْأَعْرَافِ: 143] وَالصَّحَابَةُ يُسَبِّحُونَ فِي قَوْلِهِ: سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [آلِ عِمْرَانَ: 191] وَالْكُلُّ يُسَبِّحُونَ وَمِنْهُمُ الْحَشَرَاتُ وَالدَّوَابُّ وَالذَّرَّاتُ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الْإِسْرَاءِ: 44] وَكَذَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ وَالرِّمَالُ وَالْجِبَالُ وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالظُّلُمَاتُ وَالْأَنْوَارُ وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ وَالزَّمَانُ وَالْمَكَانُ وَالْعَنَاصِرُ وَالْأَرْكَانُ وَالْأَرْوَاحُ وَالْأَجْسَامُ عَلَى مَا قَالَ: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ [الْحَدِيدِ: 1] ثُمَّ يَقُولُ أَيُّهَا الْعَبْدُ: أَنَا الْغَنِيُّ عَنْ تَسْبِيحِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَيْسَتْ مِنَ الْأَحْيَاءِ فَلَا حَاجَةَ بِهَا إِلَى ثَوَابِ هَذَا التَّسْبِيحِ فَقَدْ صَارَ ثَوَابُ هَذِهِ التَّسْبِيحَاتِ ضَائِعًا وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِي وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا [ص: 27] لَكِنِّي أُوصِلُ ثَوَابَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِلَيْكَ لِيَعْرِفَ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ مَنِ اجْتَهَدَ فِي خِدْمَتِي أَجْعَلُ كُلَّ الْعَالَمِ فِي خِدْمَتِهِ. وَالنُّكْتَةُ الْأُخْرَى اذْكُرْنِي بِالْعُبُودِيَّةِ لِتَنْتَفِعَ بِهِ لَا أَنَا سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ [الصَّافَّاتِ: 180] فَإِنَّكَ إِذَا ذَكَرْتَنِي بِالتَّسْبِيحِ طَهَّرْتُكَ عَنِ الْمَعَاصِي وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الْأَحْزَابِ: 42] أَقْرِضْنِي وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [الْحَدِيدِ: 18] وَإِنْ كُنْتُ أَنَا الْغَنِيُّ حَتَّى أَرُدَّ الْوَاحِدَ عَلَيْكَ عَشَرَةً مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ [البقرة: 245] كُنْ مُعِينًا لِي وَإِنْ كُنْتُ غَنِيًّا عَنْ إِعَانَتِكَ/ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ
وَالْأَرْضِ [الْفَتْحِ: 4] وَأَيْضًا فَلَا حَاجَةَ بِي إِلَى الْعَسْكَرِ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ [مُحَمَّدٍ: 4] لَكِنَّكَ إِذَا نَصَرْتَنِي نَصَرْتُكَ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [مُحَمَّدٍ: 7] كُنْ مُوَاظِبًا عَلَى ذِكْرِي وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ [الْبَقَرَةِ: 203] وَلَا حَاجَةَ بِي إِلَى ذِكْرِكَ لِأَنَّ الْكُلَّ يَذْكُرُونِي وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لُقْمَانَ: 25] لَكِنَّكَ إِذَا ذَكَرْتَنِي ذَكَرْتُكَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: 152] اخدمني: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ لَا لِأَنِّي أَحْتَاجُ إِلَى خِدْمَتِكَ فَإِنِّي أَنَا الْمَلِكُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [آلِ عِمْرَانَ: 189] . وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الرَّعْدِ: 15] وَلَكِنِ انْصَرِفْ إِلَى خِدْمَتِي هَذِهِ الْأَيَّامَ الْقَلِيلَةَ لِتَنَالَ الرَّاحَاتِ الْكَثِيرَةَ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [الْأَنْعَامِ: 91] . الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: بِحَمْدِكَ قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» بِحَمْدِكَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. أَيْ نُسَبِّحُ لَكَ حَامِدِينَ لَكَ وَمُتَلَبِّسِينَ بِحَمْدِكَ، وَأَمَّا الْمَعْنَى ففيه وجهان: الأول: أنا إذا سبحانك فَنَحْمَدُكَ سُبْحَانَكَ يَعْنِي لَيْسَ تَسْبِيحُنَا تَسْبِيحًا مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ بَلْ تَسْتَحِقُّ بِحَمْدِكَ وَجَلَالِكَ هَذَا التَّسْبِيحَ الثَّانِي: أَنَّا نُسَبِّحُكَ بِحَمْدِكَ فَإِنَّهُ لَوْلَا إِنْعَامُكَ عَلَيْنَا بِالتَّوْفِيقِ لَمْ نَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَقْدِرُ أَنْ أَشْكُرَكَ وَأَنَا لَا أَصِلُ إلى شكر نعمتك إلا بنعمتك إِلَّا بِنِعْمَتِكَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: «الْآنَ قَدْ شَكَرْتَنِي حَيْثُ عَرَفْتَ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنِّي» وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ مِنْ هَذَا التَّسْبِيحِ فَرُوِيَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ دَخَلَ بِالْغَدَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي: أَيُّ الْكَلَامِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ مَا اصْطَفَاهُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فَمَرَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي وَأَنْتَ جَالِسٌ لَا تُصَلِّي فَقَالَ لَهُ امْضِ إِلَى عَمَلِكَ إِنْ كَانَ لَكَ عَمَلٌ، فَقَالَ مَا أَظُنُّ إِلَّا سَيَمُرُّ بِكَ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْكَ فَمَرَّ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ يَا فُلَانُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُصَلِّي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَهَا فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ، وَقَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِي ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ صِلَاتِهِ قَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَرَرْتُ آنِفًا عَلَى فُلَانٍ وَأَنْتَ تُصَلِّي وَهُوَ جَالِسٌ فَقُلْتُ لَهُ: نَبِيُّ اللَّهِ يُصَلِّي وَأَنْتَ جَالِسٌ فَقَالَ لِي مُرَّ إِلَى عَمَلِكَ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَلَّا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ، فَقَامَ عُمَرُ مُسْرِعًا لِيَلْحَقَهُ فَيَقْتُلَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ ارْجِعْ فَإِنَّ غَضَبَكَ عِزٌّ وَرِضَاكَ حُكْمٌ إِنَّ لِلَّهِ في السموات مَلَائِكَةً لَهُ غِنًى بِصَلَاتِهِمْ عَنْ صَلَاةِ فُلَانٍ، فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا صَلَاتُهُمْ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ سَأَلَكَ عُمَرُ عَنْ صَلَاةِ أَهْلِ السَّمَاءِ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: أَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُ بِأَنَّ أَهْلَ سَمَاءِ الدُّنْيَا سُجُودٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، وَأَهْلَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ قِيَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَأَهْلَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ رُكُوعٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَقُولُونَ، سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، فَهَذَا هُوَ تَسْبِيحُ الْمَلَائِكَةِ» . الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: نُسَبِّحُ أَيْ نُصَلِّي وَالتَّسْبِيحُ هُوَ الصَّلَاةُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: التَّقْدِيسُ التَّطْهِيرُ، وَمِنْهُ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: نُطَهِّرُكَ أَيْ نَصِفُكَ بِمَا يَلِيقُ بِكَ مِنَ الْعُلُوِّ وَالْعِزَّةِ، وَثَانِيهَا: قَوْلُ مُجَاهِدٍ نُطَهِّرُ أَنْفُسَنَا مِنْ ذُنُوبِنَا وَخَطَايَانَا ابْتِغَاءً لِمَرْضَاتِكَ. وَثَالِثُهَا: قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ نُطَهِّرُ أَفْعَالَنَا مِنْ ذُنُوبِنَا حَتَّى تَكُونَ خَالِصَةً لَكَ. وَرَابِعُهَا: نُطَهِّرُ قُلُوبَنَا عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِكَ حَتَّى تَصِيرَ مُسْتَغْرِقَةً فِي أَنْوَارِ مَعْرِفَتِكَ قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى الْعَدْلِ مِنْ وُجُوهٍ: أحدها:
[سورة البقرة (2) : آية 31]
قَوْلُهُمْ: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ أَضَافُوا هَذِهِ الْأَفْعَالَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَلَوْ كَانَتْ أَفْعَالًا لِلَّهِ تَعَالَى لَمَا حَسُنَ التَّمَدُّحُ بِذَلِكَ وَلَا فَضْلَ لِذَلِكَ عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ إِذْ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَثَانِيهَا: لَوْ كَانَ الْفَسَادُ وَالْقَتْلُ فِعْلًا لِلَّهِ تَعَالَى لَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ أَنْ يَقُولَ إِنِّي مَالِكٌ أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ يَقْتَضِي التَّبَرِّيَ مِنَ الْفَسَادِ وَالْقَتْلِ لَكِنَّ التَّبَرِّيَ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ مُحَالٌ. وَرَابِعُهَا: إِذَا كَانَ لَا فَاحِشَةَ وَلَا قُبْحَ وَلَا جَوْرَ وَلَا ظُلْمَ وَلَا فَسَادَ إِلَّا بِصُنْعِهِ وَخَلْقِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّنْزِيهُ وَالتَّقْدِيسُ؟ وَخَامِسُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ الْعَدْلِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَالِقًا لِلْكُفْرِ لَكَانَ خَلَقَهُمْ لِذَلِكَ الْكُفْرِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ نَعَمْ خَلَقَهُمْ ليفسدوا وليقتلوا. فلما لم يرضى بِهَذَا الْجَوَابِ سَقَطَ هَذَا الْمَذْهَبُ. وَسَادِسُهَا: لَوْ كَانَ الْفَسَادُ وَالْقَتْلُ، مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَانَ ذَلِكَ جَارِيًا مَجْرَى أَلْوَانِهِمْ وَأَجْسَامِهِمْ وَكَمَا لَا يَصِحُّ التَّعَجُّبُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَكَذَا مِنَ الْفَسَادِ وَالْقَتْلِ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْمُعَارَضَةِ بِمَسْأَلَةِ الدَّاعِي وَالْعِلْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ كَيْفَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنِ السُّؤَالِ الَّذِي ذَكَرُوهُ قُلْنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ السُّؤَالَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لِلتَّعَجُّبِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ جَوَابًا لَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَالَ تَعَالَى لَا تَتَعَجَّبُوا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يُفْسِدُ وَيَقْتُلُ فَإِنِّي أَعْلَمُ مَعَ هَذَا بِأَنَّ فِيهِمْ جَمْعًا مِنَ الصَّالِحِينَ وَالْمُتَّقِينَ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لِلْغَمِّ فَيَكُونُ الْجَوَابُ لَا تَغْتَمُّوا بِسَبَبِ وُجُودِ الْمُفْسِدِينَ فَإِنِّي أَعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ فِيهِمْ جَمْعًا مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَمَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَيَّ لَأَبَرَّهُ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ طَلَبُ الْحِكْمَةِ فَجَوَابُهُ أَنَّ مَصْلَحَتَكُمْ فِيهِ أَنْ تَعْرِفُوا وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِيهِ عَلَى الْإِجْمَالِ دُونَ التَّفْصِيلِ. بَلْ رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ مَفْسَدَةً لَكُمْ وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ الْتِمَاسٌ لِأَنْ يَتْرُكَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَوَابُهُ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ مَصْلَحَتَكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي السَّمَاءِ لَا فِي الْأَرْضِ، وَفِيهِ وَجْهٌ خَامِسٌ: وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا: نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ تَعَالَى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَهُوَ أَنَّ مَعَكُمْ إِبْلِيسَ وَأَنَّ فِي قَلْبِهِ حَسَدًا وَكِبْرًا وَنِفَاقًا. وَوَجْهٌ سَادِسٌ: وَهُوَ أَنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ فَإِنَّكُمْ لَمَّا وَصَفْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِهَذِهِ الْمَدَائِحِ فَقَدِ اسْتَعْظَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ فَكَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ فِي تَسْبِيحِ أَنْفُسِكُمْ لَا فِي تَسْبِيحِي وَلَكِنِ اصْبِرُوا حَتَّى يَظْهَرَ الْبَشَرُ فَيَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الْأَعْرَافِ: 44] وَبِقَوْلِهِ: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي [الشُّعَرَاءِ: 82] وَبِقَوْلِهِ: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: 19] . [سورة البقرة (2) : آية 31] وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) أَعْلَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا سَأَلُوا عَنْ وَجْهِ الْحِكْمَةِ فِي خَلْقِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ وَإِسْكَانِهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ وَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ وَجْهِ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ أَرَادَ تَعَالَى أَنْ يَزِيدَهُمْ بَيَانًا وَأَنْ يُفَصِّلَ لَهُمْ ذَلِكَ الْمُجْمَلَ، فَبَيَّنَ تَعَالَى لَهُمْ مِنْ فَضْلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُمْ، وَذَلِكَ بِأَنْ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَيْهِمْ لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ كَمَالَ فَضْلِهِ وَقُصُورَهُمْ عَنْهُ فِي الْعِلْمِ فَيَتَأَكَّدَ ذَلِكَ الْجَوَابُ الْإِجْمَالِيُّ بِهَذَا الْجَوَابِ التفصيلي وهاهنا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ الْأَشْعَرِيُّ وَالْجُبَّائِيُّ وَالْكَعْبِيُّ: اللُّغَاتُ كُلُّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ. بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خلق علماً
ضَرُورِيًّا بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَتِلْكَ الْمَعَانِي، وَبِأَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ مَوْضُوعَةٌ لِتِلْكَ الْمَعَانِي. وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها وَالْكَلَامُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْآيَةِ سُؤَالًا وَجَوَابًا ذَكَرْنَاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ لُغَةٍ اصْطِلَاحِيَّةٍ وَاحْتَجَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْوَضْعُ مَسْبُوقًا بِالِاصْطِلَاحِ بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأَنَّهُ تَعَالَى وَضَعَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِهَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ إِمَّا أَنْ يَحْصُلَ لِلْعَاقِلِ أَوْ لِغَيْرِ الْعَاقِلِ، لَا جَائِزٌ أَنْ يَحْصُلَ لِلْعَاقِلِ لِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأَنَّهُ تَعَالَى وَضَعَ ذَلِكَ اللَّفْظَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى لَصَارَتْ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ مَعَ أَنَّ ذَاتَهُ مَعْلُومَةٌ بِالِاسْتِدْلَالِ وَذَلِكَ مُحَالٌ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَحْصُلَ لِغَيْرِ الْعَاقِلِ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ فِي الْعُقُولِ أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِهَذِهِ اللُّغَاتِ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ الْعَجِيبَةِ لِغَيْرِ الْعَاقِلِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّوْقِيفِ فَاسِدٌ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى خَاطَبَ الْمَلَائِكَةَ وَذَلِكَ يُوجِبُ تَقَدُّمَ لُغَةٍ عَلَى ذَلِكَ التَّكَلُّمِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها يَقْتَضِي إِضَافَةَ التَّعْلِيمِ إِلَى الْأَسْمَاءِ. وَذَلِكَ يَقْتَضِي فِي تِلْكَ الْأَسْمَاءِ أَنَّهَا كَانَتْ أَسْمَاءً قَبْلَ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتِ اللُّغَاتُ حَاصِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا تَحَدَّى الْمَلَائِكَةَ بِعِلْمِ الْأَسْمَاءِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَعْلَمَ الْمَلَائِكَةُ كَوْنَهُ صَادِقًا فِي تَعْيِينِ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ لِتِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ وَضْعُ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ لِتِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ مُتَقَدِّمًا عَلَى ذَلِكَ التَّعْلِيمِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِخَلْقِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنَّ وَاضِعًا وَضَعَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لِهَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ أَنَّ ذَلِكَ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى أَوِ النَّاسُ؟ وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ أَنْ تَصِيرَ الصِّفَةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ حَالَ كَوْنِ الذَّاتِ مَعْلُومَةً بِالدَّلِيلِ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ تَعَالَى/ مَا خَلَقَ هَذَا الْعِلْمَ فِي الْعَاقِلِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهُ فِي غَيْرِ الْعَاقِلِ وَالتَّعْوِيلُ عَلَى الِاسْتِعْبَادِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُسْتَبْعَدٌ. وَعَنِ الثَّانِي: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ خَاطَبَ الْمَلَائِكَةَ بِطَرِيقٍ آخَرَ بِالْكِتَابَةِ وَغَيْرِهَا. وَعَنِ الثَّالِثِ: لَا شَكَّ أَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَضْعَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ لِتِلْكَ الْمَعَانِي سَابِقَةٌ عَلَى التَّعْلِيمِ فَكَفَى ذَلِكَ فِي إِضَافَةِ التَّعْلِيمِ إِلَى الْأَسْمَاءِ، وَعَنِ الرَّابِعِ: مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ قَوْلُهُ: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها أَيْ عَلَّمَهُ صِفَاتِ الْأَشْيَاءِ وَنُعُوتَهَا وَخَوَاصَّهَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الِاسْمَ اشْتِقَاقُهُ إِمَّا مِنَ السِّمَةِ أَوْ مِنَ السُّمُوِّ، فَإِنْ كَانَ مِنَ السِّمَةِ كَانَ الِاسْمُ هُوَ الْعَلَامَةَ وَصِفَاتُ الْأَشْيَاءِ وَنُعُوتُهَا وَخَوَاصُّهَا دَالَّةٌ عَلَى مَاهِيَّاتِهَا، فصح أن يكون المراد من السماء: الصِّفَاتُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ السُّمُوِّ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ دَلِيلَ الشَّيْءِ كَالْمُرْتَفِعِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالدَّلِيلِ حَاصِلٌ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْمَدْلُولِ، فَكَانَ الدَّلِيلُ أَسْمَى فِي الْحَقِيقَةِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْمِ الصِّفَةُ، بَقِيَ أَنَّ أَهْلَ النَّحْوِ خَصَّصُوا لَفْظَ الِاسْمِ بِالْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ عُرْفٌ حَادِثٌ لَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ مُمْكِنٌ بِحَسْبَ اللُّغَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ لَا غَيْرُهُ، لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْفَضِيلَةَ فِي مَعْرِفَةِ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ أَكْثَرُ مِنَ الْفَضِيلَةِ فِي مَعْرِفَةِ أَسْمَائِهَا، وَحَمْلُ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ لِإِظْهَارِ الْفَضِيلَةِ عَلَى مَا يُوجِبُ مَزِيدَ الْفَضِيلَةِ، أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَثَانِيهَا: أَنَّ التَّحَدِّيَ إِنَّمَا يَجُوزُ وَيَحْسُنُ بِمَا يَتَمَكَّنُ السَّامِعُ مِنْ مِثْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ عَالِمًا بِاللُّغَةِ وَالْفَصَاحَةِ، يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ لَهُ غَيْرُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّحَدِّي: ائْتِ بِكَلَامٍ مِثْلِ كَلَامِي فِي الْفَصَاحَةِ، أَمَّا الْعَرَبِيُّ فَلَا يَحْسُنُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لِلزَّنْجِيِّ فِي مَعْرِضِ التَّحَدِّي: تَكَلَّمْ بِلُغَتِي، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا طَرِيقَ لَهُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللُّغَاتِ الْبَتَّةَ: بَلْ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالتَّعْلِيمِ، فَإِنْ حَصَلَ التَّعْلِيمُ، حَصَلَ الْعِلْمُ بِهِ
وَإِلَّا فَلَا، أَمَّا الْعِلْمُ بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، فَالْعَقْلُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ تَحْصِيلِهِ فَصَحَّ وُقُوعُ التَّحَدِّي فِيهِ. الْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ أَسْمَاءُ كُلِّ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ أَجْنَاسِ الْمُحْدَثَاتِ مِنْ جَمِيعِ اللُّغَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا وَلَدُ آدَمَ الْيَوْمَ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ وَلَدُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذِهِ اللُّغَاتِ فَلَمَّا مَاتَ آدَمُ وَتَفَرَّقَ وَلَدُهُ فِي نَوَاحِي الْعَالَمِ تَكَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِلُغَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ تِلْكَ اللُّغَاتِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ اللِّسَانُ، فَلَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ وَمَاتَ مِنْهُمْ قَرْنٌ بَعْدَ قَرْنٍ نَسُوا سَائِرَ اللُّغَاتِ، فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي تَغَيُّرِ الْأَلْسِنَةِ فِي وَلَدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إِضْمَارٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وَعَلَّمَ آدَمَ أَسْمَاءَ الْمُسَمَّيَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وعلم آدم مسميات الأسماء، قالوا لكان الْأَوَّلَ أَوْلَى لِقَوْلِهِ: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ وَقَوْلُهُ تعالى: فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ وَلَمْ يَقُلْ أَنْبِئُونِي بِهَؤُلَاءِ وَأَنْبَأَهُمْ بِهِمْ، فَإِنْ قِيلَ: فَلَمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْوَاعَ جَمِيعِ الْمُسَمَّيَاتِ، وَكَانَ فِي الْمُسَمَّيَاتِ مَا لَا يَكُونُ عَاقِلًا، فَلِمَ قَالَ عَرَضَهُمْ وَلَمْ يَقُلْ عَرَضَهَا؟ قُلْنَا لِأَنَّهُ لَمَّا/ كَانَ فِي جُمْلَتِهَا الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَهُمُ الْعُقَلَاءُ، فَغُلِّبَ الْأَكْمَلُ، لِأَنَّهُ جَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ بِتَغْلِيبِ الْكَامِلِ عَلَى النَّاقِصِ كُلَّمَا غَلَّبُوا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا اسْتَنْبَأَهُمْ مَعَ عِلْمِهِ تَعَالَى بِعَجْزِهِمْ عَلَى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّ مَا ظَهَرَ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ عِلْمِهِ بِالْأَسْمَاءِ مُعْجِزَةٌ دَالَّةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى حَوَّاءَ وَلَا يَبْعُدُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إِلَى مَنْ تَوَجَّهَ التَّحَدِّي إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ وَإِنْ كَانُوا رُسُلًا فَقَدْ يَجُوزُ الْإِرْسَالُ إِلَى الرَّسُولِ كَبِعْثَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الْعِلْمِ لَهُ نَاقِضٌ لِلْعَادَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُعْجِزًا، وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مُعْجِزًا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَسُولًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ نَاقِضٌ لِلْعَادَةِ لأن حصول العلم باللغة لمن علمه الله تَعَالَى وَعَدَمَ حُصُولِهِ لِمَنْ لَمْ يُعَلِّمْهُ اللَّهُ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِلْعَادَةِ. وَأَيْضًا فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: الْمَلَائِكَةُ عَلِمُوا كَوْنَ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ مَوْضُوعَةً لِتِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ أَوْ مَا عَلِمُوا ذَلِكَ فَإِنْ عَلِمُوا ذَلِكَ فَقَدْ قَدَرُوا عَلَى أَنْ يَذْكُرُوا أَسْمَاءَ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ الْمُعَارَضَةُ وَلَا تَظْهَرُ الْمَزِيَّةُ وَالْفَضِيلَةُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَكَيْفَ عَرَفُوا أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَصَابَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ اسْمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: رُبَّمَا كَانَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ لُغَةٌ مِنْ هَذِهِ اللُّغَاتِ. وَكَانَ كُلُّ صِنْفٍ جَاهِلًا بِلُغَةِ الصِّنْفِ الْآخَرِ ثُمَّ إِنَّ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ حَضَرُوا وَإِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ تِلْكَ اللُّغَاتِ بِأَسْرِهَا فَعَرَفَ كُلُّ صِنْفٍ إِصَابَتَهُ فِي تِلْكَ اللُّغَةِ خَاصَّةً فَعَرَفُوا بِهَذَا الطَّرِيقِ صِدْقَهُ إِلَّا أَنَّهُمْ بِأَسْرِهِمْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ تِلْكَ اللُّغَاتِ بِأَسْرِهَا فَكَانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا. الثَّانِي: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى عَرَّفَهُمْ قَبْلَ أَنْ سمعوا مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى صِدْقِ آدَمَ فَلَمَّا سَمِعُوا مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ عَرَفُوا صِدْقَهُ فِيهَا فَعَرَفُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا، سَلَّمْنَا أَنَّهُ ظَهَرَ عَلَيْهِ فِعْلٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَاتِ أَوْ من باب الإرهاص وهما عندنا جائزاً وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَرْعًا عَلَى الْكَلَامِ فِيهِمَا وَاحْتَجَّ مَنْ قَطَعَ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا كَانَ نَبِيًّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ
نَبِيًّا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، لَكَانَ قَدْ صَدَرَتِ الْمَعْصِيَةُ عَنْهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ. وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ نَبِيًّا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ صُدُورَ الزَّلَّةِ عَنْهُ كَانَ بَعْدَ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَتِلْكَ الزَّلَّةُ مِنْ بَابِ الْكَبَائِرِ عَلَى مَا سَيَأْتِي شَرْحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْكَبِيرَةِ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الطَّرْدِ وَالتَّحْقِيرِ وَاللَّعْنِ وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ غَيْرُ جَائِزٍ فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ وَقَعَتْ تِلْكَ الْوَاقِعَةُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وَثَانِيهَا: لَوْ كَانَ رَسُولًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إِلَى أَحَدٍ أَوْ لَا يَكُونُ فَإِنْ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى أَحَدٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَوِ الْإِنْسِ أَوِ الْجِنِّ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ الأدون رسولًا إلى الأشرف لأن الرسول وَالْأُمَّةَ تَبَعٌ، وَجَعْلُ الْأَدْوَنِ مَتْبُوعَ الْأَشْرَفِ خِلَافُ الْأَصْلِ وَأَيْضًا فَالْمَرْءُ إِلَى قَبُولِ الْقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ جِنْسِهِ أَمْكَنُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [الْأَنْعَامِ: 9] وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إِلَى الْبَشَرِ، لِأَنَّهُ مَا كَانَ هُنَاكَ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ إِلَّا حَوَّاءَ، وَإِنَّ حَوَّاءَ إِنَّمَا عَرَفَتِ التَّكْلِيفَ لَا بِوَاسِطَةِ آدَمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [الأعراف: 19] شَافَهَهُمَا بِهَذَا التَّكْلِيفِ وَمَا جَعَلَ آدَمَ وَاسِطَةً وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إِلَى الْجِنِّ لِأَنَّهُ مَا كَانَ فِي السَّمَاءِ أَحَدٌ مِنَ الْجِنِّ وَلَا جَائِزَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إِلَى أَحَدٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ جَعْلِهِ رَسُولَا التَّبْلِيغُ فَحَيْثُ لَا مُبَلَّغَ لَمْ يَكُنْ فِي جَعْلِهِ رَسُولًا فَائِدَةٌ وَهَذَا الْوَجْهُ لَيْسَ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ [طَهَ: 122] فَهَذِهِ الْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا اجْتَبَاهُ بَعْدَ الزَّلَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ قَبْلَ الزَّلَّةِ مَا كَانَ مُجْتَبًى، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ مُجْتَبًى وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ رَسُولًا لِأَنَّ الرِّسَالَةَ وَالِاجْتِبَاءَ مُتَلَازِمَانِ لِأَنَّ الِاجْتِبَاءَ لَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا التَّخْصِيصُ بِأَنْوَاعِ التَّشْرِيفَاتِ وَكُلُّ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ رَسُولًا فَقَدْ خَصَّهُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الْأَنْعَامِ: 124] . الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: ذَكَرُوا فِي قَوْلِهِ: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: مَعْنَاهُ أَعْلِمُونِي أَسْمَاءَ هَؤُلَاءِ إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ صَادِقِينَ فِي ذَلِكَ الْإِعْلَامِ. وَثَانِيهَا: مَعْنَاهُ أَخْبِرُونِي وَلَا تَقُولُوا إِلَّا حَقًّا وَصِدْقًا فَيَكُونُ الْغَرَضُ مِنْهُ التَّوْكِيدَ لِمَا نَبَّهَهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْقُصُورِ وَالْعَجْزِ، لِأَنَّهُ مَتَى تَمَكَّنَ فِي أَنْفُسِهِمُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمْ إِنْ أَخْبَرُوا لَمْ يَكُونُوا صَادِقِينَ وَلَا لَهُمْ إِلَيْهِ سَبِيلٌ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ عَلَيْهِمْ. وَثَالِثُهَا: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قَوْلِكُمْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِمَّا يَتَعَبَّدُ به الخلق إلا وأنتم تصلحون وَتَقُومُونَ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَرَابِعُهَا: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قَوْلِكُمْ أَنِّي لَمْ أَخْلُقْ خَلْقًا إِلَّا كُنْتُمْ أَعْلَمَ مِنْهُ فَأَخْبِرُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مَا أَظْهَرَ كَمَالَ حِكْمَتِهِ فِي خَلْقِهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَّا بِأَنْ أَظْهَرَ عِلْمَهُ فَلَوْ كان في الإمكان وجود شيء من العلم أَشْرَفَ مِنَ الْعِلْمِ لَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ إِظْهَارُ فَضْلِهِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ. لَا بِالْعِلْمِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعِلْمِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْمَنْقُولُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَوُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْعِلْمَ بِالْحِكْمَةِ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى عَظَّمَ أَمْرَ الْحِكْمَةِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ الْعِلْمِ، بَيَانُ أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّى الْعِلْمَ بِالْحِكْمَةِ مَا يُرْوَى عَنْ مُقَاتِلٍ: أَنَّهُ قَالَ: تَفْسِيرُ الْحِكْمَةِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: مَوَاعِظُ الْقُرْآنِ قَالَ فِي الْبَقَرَةِ: وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ [الْبَقَرَةِ: 231] يَعْنِي مَوَاعِظَ الْقُرْآنِ وَفِي النِّسَاءِ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [النِّسَاءِ: 113] يَعْنِي الْمَوَاعِظَ وَمِثْلُهَا فِي آلِ عِمْرَانَ. وَثَانِيهَا: الْحِكْمَةُ بِمَعْنَى الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ قَوْلُهُ تَعَالَى/ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مَرْيَمَ: 12] وَفِي لُقْمَانَ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [لُقْمَانَ: 12] يَعْنِي الْفَهْمَ وَالْعِلْمَ وَفِي الْأَنْعَامِ أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ [الأنعام: 89]
وَثَالِثُهَا: الْحِكْمَةُ بِمَعْنَى النُّبُوَّةِ فِي [النِّسَاءِ: 54] فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، يعني النبوة وفي [ص: 20] وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يَعْنِي النُّبُوَّةَ وَفِي [الْبَقَرَةِ: 251] وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ، وَرَابِعُهَا: الْقُرْآنُ فِي النَّحْلِ ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [النَّحْلِ: 125] وَفِي الْبَقَرَةِ: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [الْبَقَرَةِ: 269] وَجَمِيعُ هَذِهِ الْوُجُوهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَرْجِعُ إِلَى الْعِلْمِ ثُمَّ تَفَكَّرْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَعْطَى مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا الْقَلِيلَ قَالَ: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الْإِسْرَاءِ: 85] وَسَمَّى الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا قَلِيلًا قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [النِّسَاءِ: 77] فَمَا سَمَّاهُ قَلِيلًا لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُدْرِكَ كَمِّيَّتَهُ فَمَا ظَنُّكَ بِمَا سَمَّاهُ كَثِيرًا. ثُمَّ الْبُرْهَانُ الْعَقْلِيُّ عَلَى قِلَّةِ الدُّنْيَا وَكَثْرَةِ الْحِكْمَةِ أَنَّ الدُّنْيَا مُتَنَاهِي الْقَدْرِ مُتَنَاهِي الْعَدَدِ مُتَنَاهِي الْمُدَّةِ. وَالْعِلْمُ لَا نِهَايَةَ لِقَدْرِهِ، وَعَدَدِهِ وَمُدَّتِهِ وَلَا لِلسِّعَادَاتِ الْحَاصِلَةِ مِنْهُ، وَذَلِكَ يُنَبِّهُكَ عَلَى فَضِيلَةِ الْعِلْمِ. الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزُّمَرِ: 9] وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ سَبْعِ نَفَرٍ فِي كِتَابِهِ فَرَّقَ بَيْنَ الْخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ فَقَالَ: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ [الْمَائِدَةِ: 100] يَعْنِي الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ فَقَالَ: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ [الأنعام: 50] وَفَرَّقَ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ فَقَالَ: أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ [الرَّعْدِ: 16] وَفَرَّقَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَبَيْنَ الظِّلِّ وَالْحَرُورِ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ وَجَدْتَ كُلَّ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النِّسَاءِ: 59] وَالْمُرَادُ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ الْعُلَمَاءُ فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ لِأَنَّ الْمُلُوكَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَلَا يَنْعَكِسُ، ثُمَّ انْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَإِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْعَالِمِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [آلِ عِمْرَانَ: 18] ، وَقَالَ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى زَادَ فِي الْإِكْرَامِ فَجَعَلَهُمْ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى فِي آيَتَيْنِ فَقَالَ تَعَالَى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آلِ عِمْرَانَ: 7] وَقَالَ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرَّعْدِ: 43] الرَّابِعُ: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [الْمُجَادَلَةِ: 11] وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الدَّرَجَاتِ لِأَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ. أَوَّلُهَا: لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الْأَنْفَالِ: 2] إِلَى قَوْلِهِ: لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الْأَنْفَالِ: 4] وَالثَّانِيَةُ: لِلْمُجَاهِدِينَ قَالَ: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ [النِّسَاءِ: 95] . وَالثَّالِثَةُ: لِلصَّالِحِينَ قَالَ: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى [طَهَ: 75] . الرَّابِعَةُ: لِلْعُلَمَاءِ. قَالَ: وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ فَضَّلَ أَهْلَ بَدْرٍ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِدَرَجَاتٍ وَفَضَّلَ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ بِدَرَجَاتٍ وَفَضَّلَ الصَّالِحِينَ عَلَى هَؤُلَاءِ بِدَرَجَاتٍ ثُمَّ فَضَّلَ الْعُلَمَاءَ عَلَى جَمِيعِ الْأَصْنَافِ بِدَرَجَاتٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعُلَمَاءُ أَفْضَلَ النَّاسِ. الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فَاطِرٍ: 28] فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الْعُلَمَاءَ فِي كِتَابِهِ بِخَمْسِ مَنَاقِبَ، أَحَدُهَا: الْإِيمَانُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آلِ عِمْرَانَ: 7] وَثَانِيهَا: التَّوْحِيدُ والشهادة شَهِدَ اللَّهُ إلى قوله: وَأُولُوا الْعِلْمِ [آلِ عِمْرَانَ: 18] وَثَالِثُهَا: / الْبُكَاءُ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ [الْإِسْرَاءِ: 109] . وَرَابِعُهَا: الْخُشُوعُ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ [الْإِسْرَاءِ: 107] الْآيَةَ. وَخَامِسُهَا: الْخَشْيَةُ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ أَمَّا الْأَخْبَارُ فَوُجُوهٌ: أَحَدُهَا: رَوَى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عُتَقَاءِ اللَّهِ مِنَ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْمُتَعَلِّمِينَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ مُتَعَلِّمٍ يَخْتَلِفُ إِلَى بَابِ عَالِمٍ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ عِبَادَةَ سَنَةٍ وَبَنَى لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ مَدِينَةً فِي الْجَنَّةِ وَيَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَالْأَرْضُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ وَيُمْسِي وَيُصْبِحُ مَغْفُورًا لَهُ وَشَهِدَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ عُتَقَاءُ
اللَّهِ مِنَ النَّارِ» وَثَانِيهَا: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ فَيَكُونَ لِلَّهِ وَمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلَّهِ فَهُوَ كَالصَّائِمِ نَهَارَهُ وَكَالْقَائِمِ لَيْلَهُ وَإِنَّ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبُو قُبَيْسٍ ذَهَبًا فَيُنْفِقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَثَالِثُهَا: عَنِ الْحَسَنِ مَرْفُوعًا «مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الْإِسْلَامَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ» وَرَابِعُهَا: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ مَرْفُوعًا «يَبْعَثُ اللَّهُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يُمَيِّزُ الْعُلَمَاءَ فَيَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ إِنِّي لَمْ أَضَعْ نُورِي فِيكُمْ إِلَّا لِعِلْمِي بِكُمْ وَلَمْ أَضَعْ عِلْمِي فِيكُمْ لِأُعَذِّبَكُمْ انْطَلِقُوا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» . وَخَامِسُهَا: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مُعَلِّمُ الْخَيْرِ إِذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ طَيْرُ السَّمَاءِ وَدَوَابُّ الْأَرْضِ وَحِيتَانُ الْبُحُورِ» . وَسَادِسُهَا: أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَالِمٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَكَأَنَّمَا صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ» . وَسَابِعُهَا: ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا «فُضِّلَ الْعَالِمُ عَلَى الْعَابِدِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً بَيْنَ كُلِّ دَرَجَةٍ عَدْوُ الْفَرَسِ سَبْعِينَ عَامًا وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَضَعُ الْبِدْعَةَ لِلنَّاسِ فَيُبْصِرُهَا الْعَالِمُ فَيُزِيلُهَا وَالْعَابِدُ يُقْبِلُ عَلَى عِبَادَتِهِ لَا يَتَوَجَّهُ وَلَا يَتَعَرَّفُ لَهَا» . وَثَامِنُهَا: الْحَسَنُ مَرْفُوعًا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى خُلَفَائِي فَقِيلَ مَنْ خُلَفَاؤُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي وَيُعَلِّمُونَهَا عِبَادَ اللَّهِ» وَتَاسِعُهَا: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ خَرَجَ يَطْلُبُ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ لِيَرُدَّ بِهِ بَاطِلًا إِلَى حَقٍّ أَوْ ضَلَالًا إِلَى هُدًى كَانَ عَمَلُهُ كَعِبَادَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» ، وَعَاشِرُهَا: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِعَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ» الْحَادِيَ عَشَرَ: ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُحَدِّثَ بِهِ النَّاسَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ أَعْطَاهُ أَجْرَ سَبْعِينَ نَبِيًّا» . الثَّانِي عَشَرَ: عَامِرٌ الْجُهَنِيُّ مَرْفُوعًا «يُؤْتَى بِمِدَادِ طَالِبِ الْعِلْمِ وَدَمِ الشَّهِيدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُفَضَّلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ» وَفِي رِوَايَةٍ فَيُرَجَّحُ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: أبو وافد اللَّيْثِيُّ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ إِلَيْهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَإِنَّهُ رَجَعَ وَفَرَّ فَلَمَّا فَرَغَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ كَلَامِهِ قَالَ: أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَآوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَاسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَعْرَضَ عَنِ اللَّهِ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَمَّا الْآثَارُ فَمِنْ وُجُوهٍ «أ» الْعَالِمُ أَرْأَفُ بِالتِّلْمِيذِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ لِأَنَّ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ نَارِ الدُّنْيَا وَآفَاتِهَا وَالْعُلَمَاءُ يَحْفَظُونَهُ مِنْ نَارِ الْآخِرَةِ وَشَدَائِدِهَا «ب» قِيلَ/ لِابْنِ مَسْعُودٍ بِمَ وَجَدْتَ هَذَا الْعِلْمَ: قَالَ بِلِسَانٍ سَئُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ «ج» قَالَ بَعْضُهُمْ سَلْ مَسْأَلَةَ الْحَمْقَى، وَاحْفَظْ حِفْظَ الْأَكْيَاسِ «د» مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ تَعَلَّمِ الْعِلْمَ فَإِنْ كَانَ لَكَ مَالٌ كَانَ الْعِلْمُ لَكَ جَمَالًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ مَالٌ كَانَ الْعِلْمُ لَكَ مَالًا «هـ-» قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْعِلْمِ كَمَا لَا خَيْرَ فِي الْكَلَامِ عَنِ الْجَهْلِ «و» قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ عَالِمٌ بِاللَّهِ غَيْرُ عَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَالِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ غَيْرُ عَالِمٍ بِاللَّهِ، وَعَالِمٌ بِاللَّهِ وَبِأَمْرِ اللَّهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ عَبْدٌ قَدِ اسْتَوْلَتِ الْمَعْرِفَةُ الْإِلَهِيَّةُ عَلَى قَلْبِهِ فَصَارَ مُسْتَغْرِقًا بِمُشَاهَدَةِ نُورِ الْجَلَالِ وَصَفَحَاتِ الْكِبْرِيَاءِ فَلَا يَتَفَرَّغُ لِتَعَلُّمِ عِلْمِ الْأَحْكَامِ إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ. الثَّانِي: هُوَ الَّذِي يَكُونُ عَالِمًا بِأَمْرِ اللَّهِ وَغَيْرَ عَالِمٍ بِاللَّهِ وَهُوَ الَّذِي عَرَفَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ وَحَقَائِقَ الْأَحْكَامِ لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَسْرَارَ جَلَالِ اللَّهِ. أَمَّا الْعَالِمُ بِاللَّهِ وَبِأَحْكَامِ اللَّهِ فَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْحَدِّ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ عَالَمِ الْمَعْقُولَاتِ وَعَالَمِ الْمَحْسُوسَاتِ فَهُوَ تَارَةً مَعَ اللَّهِ بِالْحُبِّ لَهُ، وَتَارَةً مَعَ الْخَلْقِ بِالشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَإِذَا رَجَعَ مِنْ رَبِّهِ إِلَى الْخَلْقِ صَارَ مَعَهُمْ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ وَإِذَا خَلَا بِرَبِّهِ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِهِ وَخِدْمَتِهِ فَكَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْخَلْقَ فَهَذَا سَبِيلُ الْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «سَائِلِ الْعُلَمَاءَ وَخَالِطِ الْحُكَمَاءَ وَجَالِسِ الْكُبَرَاءَ» فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: سَائِلِ الْعُلَمَاءَ أَيِ الْعُلَمَاءَ بِأَمْرِ اللَّهِ غَيْرَ الْعَالِمِينَ بِاللَّهِ فَأَمَرَ
بِمُسَاءَلَتِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى اللَّهِ اسْتِفْتَاءً مِنْهُمْ، وَأَمَّا الْحُكَمَاءُ فَهُمُ الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ أَوَامِرَ اللَّهِ فَأَمَرَ بِمُخَالَطَتِهِمْ وَأَمَّا الْكُبَرَاءُ فَهُمُ الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ وَبِأَحْكَامِ اللَّهِ فَأَمَرَ بِمُجَالَسَتِهِمْ لِأَنَّ فِي تِلْكَ الْمُجَالَسَةِ مَنَافِعَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ثُمَّ قَالَ شَقِيقٌ الْبَلْخِيُّ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ أَمَّا الْعَالِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ فَلَهُ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَلْبِ، وَأَنْ يَكُونَ خَائِفًا مِنَ الخلق دون الرب، وأن يستحي من الناس في الظاهر ولا يستحي مِنَ اللَّهِ فِي السِّرِّ، وَأَمَّا الْعَالِمُ بِاللَّهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَاكِرًا خَائِفًا مُسْتَحْيِيًا. أَمَّا الذِّكْرُ فَذِكْرُ الْقَلْبِ لَا ذِكْرُ اللِّسَانِ، وَأَمَّا الْخَوْفُ فَخَوْفُ الرِّيَاءِ لَا خَوْفُ الْمَعْصِيَةِ، وَأَمَّا الْحَيَاءُ فَحَيَاءُ مَا يَخْطُرُ عَلَى الْقَلْبِ لَا حَيَاءُ الظَّاهِرِ، وَأَمَّا الْعَالِمُ بِاللَّهِ وَبِأَمْرِ اللَّهِ فَلَهُ سِتَّةُ أَشْيَاءَ الثَّلَاثَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لِلْعَالِمِ بِاللَّهِ فَقَطْ مَعَ ثَلَاثَةٍ أُخْرَى كَوْنُهُ جَالِسًا عَلَى الْحَدِّ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ عَالَمِ الْغَيْبِ وَعَالَمِ الشَّهَادَةِ، وَكَوْنُهُ مُعَلِّمًا لِلْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ الْفَرِيقَانِ الْأَوَّلَانِ إِلَيْهِ وَهُوَ يَسْتَغْنِي عَنْهُمَا، ثُمَّ قَالَ: مَثَلُ الْعَالِمِ بِاللَّهِ وَبِأَمْرِ اللَّهِ كَمَثَلِ الشَّمْسِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَمَثَلُ الْعَالِمِ بالله فقد كَمَثَلِ الْقَمَرِ يَكْمُلُ تَارَةً وَيَنْقُصُ تَارَةً أُخْرَى، وَمَثَلُ الْعَالِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ فَقَطْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ يُحْرِقُ نَفْسَهُ وَيُضِيءُ لِغَيْرِهِ «ز» قَالَ فَتْحٌ الْمَوْصِلِيُّ: أَلَيْسَ الْمَرِيضُ إِذَا امْتَنَعَ عَنْهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالدَّوَاءُ يَمُوتُ؟ فَكَذَا الْقَلْبُ إِذَا امْتَنَعَ عَنْهُ الْعِلْمُ وَالْفِكْرُ وَالْحِكْمَةُ يَمُوتُ «ح» قَالَ شَقِيقٌ الْبَلْخِيُّ: النَّاسُ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: كَافِرٌ مَحْضٌ، وَمُنَافِقٌ مَحْضٌ، وَمُؤْمِنٌ مَحْضٌ، وَذَلِكَ لِأَنِّي أُفَسِّرُ الْقُرْآنَ فَأَقُولُ عَنِ اللَّهِ وَعَنِ الرَّسُولِ فَمَنْ لَا يُصَدِّقُنِي فَهُوَ كَافِرٌ مَحْضٌ، وَمَنْ ضَاقَ قَلْبُهُ مِنْهُ فَهُوَ مُنَافِقٌ مَحْضٌ، وَمِنْ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ/ وَعَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يُذْنِبَ كَانَ مُؤْمِنًا مَحْضًا. وَقَالَ أَيْضًا: ثَلَاثَةٌ مِنَ النَّوْمِ يُبْغِضُهَا اللَّهُ تَعَالَى. وَثَلَاثَةٌ مِنَ الضَّحِكِ: النَّوْمُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ. وَالنَّوْمُ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّوْمُ عِنْدَ مَجْلِسِ الذِّكْرِ، وَالضَّحِكُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالضَّحِكُ فِي الْمَقَابِرِ، وَالضَّحِكُ فِي مَجْلِسِ الذِّكْرِ «ط» قَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً [الرعد: 17] السيل هاهنا الْعِلْمُ، شَبَّهَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَاءِ لِخَمْسِ خِصَالٍ: أَحَدُهَا: كَمَا أَنَّ الْمَطَرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كَذَلِكَ الْعِلْمُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ. وَالثَّانِي: كَمَا أَنَّ إِصْلَاحَ الْأَرْضِ بِالْمَطَرِ فَإِصْلَاحُ الْخَلْقِ بِالْعِلْمِ، الثَّالِثُ: كَمَا أَنَّ الزَّرْعَ وَالنَّبَاتَ لَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ الْمَطَرِ كَذَلِكَ الْأَعْمَالُ وَالطَّاعَاتُ لَا تَخْرُجُ بِغَيْرِ الْعِلْمِ. وَالرَّابِعُ: كَمَا أَنَّ الْمَطَرَ فَرْعُ الرعد والبرق كذلك العلم فإنه فرغ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. الْخَامِسُ: كَمَا أَنَّ الْمَطَرَ نَافِعٌ وَضَارٌّ، كَذَلِكَ الْعِلْمُ نَافِعٌ وَضَارٌّ: نَافِعٌ لِمَنْ عَمِلَ بِهِ ضَارٌّ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ «ي» كَمْ مِنْ مُذَكِّرٍ بِاللَّهِ نَاسٍ لِلَّهِ، وَكَمْ مِنْ مُخَوِّفٍ بِاللَّهِ، جَرِيءٌ عَلَى اللَّهِ، وَكَمْ مِنْ مُقَرِّبٍ إِلَى اللَّهِ بَعِيدٌ عَنِ اللَّهِ، وَكَمْ مِنْ دَاعٍ إِلَى اللَّهِ فَارٌّ مِنَ اللَّهِ، وَكَمْ مِنْ تَالٍ كِتَابَ اللَّهِ مُنْسَلِخٌ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ «يَا» الدُّنْيَا بُسْتَانٌ زُيِّنَتْ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: عِلْمُ الْعُلَمَاءِ وَعَدْلُ الْأُمَرَاءِ وَعِبَادَةُ الْعُبَّادِ وَأَمَانَةُ التُّجَّارِ وَنَصِيحَةُ الْمُحْتَرِفِينَ. فَجَاءَ إِبْلِيسُ بِخَمْسَةِ أَعْلَامٍ فَأَقَامَهَا بِجَنْبِ هَذِهِ الْخَمْسِ جَاءَ بِالْحَسَدِ فَرَكَزَهُ فِي جَنْبِ الْعِلْمِ، وَجَاءَ بِالْجَوْرِ فَرَكَزَهُ بِجَنْبِ الْعَدْلِ، وَجَاءَ بِالرِّيَاءِ فَرَكَزَهُ بِجَنْبِ الْعِبَادَةِ، وَجَاءَ بِالْخِيَانَةِ فَرَكَزَهَا بِجَنْبِ الْأَمَانَةِ، وَجَاءَ بِالْغِشِّ فَرَكَزَهُ بِجَنْبِ النَّصِيحَةِ «يب» فُضِّلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَلَى التَّابِعِينَ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا بِشَيْءٍ حَتَّى عَمِلَهُ، وَالثَّانِي: لَمْ يَنْهَ أَحَدًا عَنْ شَيْءٍ حَتَّى انْتَهَى عَنْهُ، وَالثَّالِثُ: كُلُّ مَنْ طَلَبَ مِنْهُ شَيْئًا مِمَّا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَبْخَلْ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَالِ. وَالرَّابِعُ: كَانَ يَسْتَغْنِي بِعِلْمِهِ عَنِ النَّاسِ، وَالْخَامِسُ: كَانَتْ سَرِيرَتُهُ وَعَلَانِيَتُهُ سَوَاءً. «يج» إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ عِلْمَكَ يَنْفَعُكَ أَمْ لَا فَاطْلُبْ مِنْ نَفْسِكَ خَمْسَ خِصَالٍ: حُبُّ الْفَقْرِ لِقِلَّةِ الْمُؤْنَةِ، وَحُبُّ الطَّاعَةِ طَلَبًا لِلثَّوَابِ، وَحُبُّ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا طَلَبًا لِلْفَرَاغِ، وَحُبُّ الْحِكْمَةِ طَلَبًا لِصَلَاحِ الْقَلْبِ، وَحُبُّ الْخَلْوَةِ طَلَبًا لِمُنَاجَاةِ الرَّبِّ «يد» اطْلُبْ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ، الْأَوَّلُ: اطْلُبِ الْعِزَّ فِي التَّوَاضُعِ لَا فِي الْمَالِ
وَالْعَشِيرَةِ. وَالثَّانِي: اطْلُبِ الْغِنَى فِي الْقَنَاعَةِ لَا فِي الْكَثْرَةِ، وَالثَّالِثُ: اطْلُبِ الْأَمْنَ فِي الْجَنَّةِ لَا فِي الدُّنْيَا. وَالرَّابِعُ: اطْلُبِ الرَّاحَةَ فِي الْقِلَّةِ لَا فِي الْكَثْرَةِ. وَالْخَامِسُ: اطْلُبْ مَنْفَعَةَ الْعِلْمِ فِي الْعَمَلِ لَا فِي كَثْرَةِ الرِّوَايَةِ «يه» قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ مَا جَاءَ فَسَادُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الْخَوَاصِّ وَهُمْ خَمْسَةٌ: الْعُلَمَاءُ، وَالْغُزَاةُ، وَالزُّهَّادُ وَالتُّجَّارُ، وَالْوُلَاةُ. أَمَّا الْعُلَمَاءُ فَهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَمَّا الزُّهَّادُ فَعِمَادُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَمَّا الْغُزَاةُ فَجُنْدُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَأَمَّا التُّجَّارُ فَأُمَنَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَأَمَّا الْوُلَاةُ فَهُمُ الرُّعَاةُ فَإِذَا كَانَ الْعَالِمُ لِلدِّينِ وَاضِعًا وَلِلْمَالِ رَافِعًا فَبِمَنْ يَقْتَدِي الْجَاهِلُ، وَإِذَا كَانَ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فَبِمَنْ يَقْتَدِي التَّائِبُ، وَإِذَا كَانَ الْغَازِي طَامِعًا مُرَائِيًا فَكَيْفَ يَظْفَرُ بِالْعَدُوِّ. وَإِذَا كَانَ التَّاجِرُ خَائِنًا فَكَيْفَ تَحْصُلُ الْأَمَانَةُ، وَإِذَا كَانَ الرَّاعِي ذِئْبًا فَكَيْفَ تَحْصُلُ الرِّعَايَةُ «يو» قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ مِنَ/ الْمَالِ بِسَبْعَةِ أَوْجُهٍ: أَوَّلُهَا: الْعِلْمُ مِيرَاثُ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمَالُ مِيرَاثُ الْفَرَاعِنَةِ. الثَّانِي: الْعِلْمُ لَا يَنْقُصُ بِالنَّفَقَةِ وَالْمَالُ يَنْقُصُ، وَالثَّالِثُ: يَحْتَاجُ الْمَالُ إِلَى الْحَافِظِ وَالْعِلْمُ يَحْفَظُ صَاحِبَهُ. وَالرَّابِعُ: إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ يَبْقَى مَالُهُ وَالْعِلْمُ يَدْخُلُ مَعَ صَاحِبِهِ قَبْرَهُ. وَالْخَامِسُ: الْمَالُ يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْعِلْمُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، وَالسَّادِسُ: جَمِيعُ النَّاسِ يَحْتَاجُونَ إِلَى صَاحِبِ الْعِلْمِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى صَاحِبِ الْمَالِ. السَّابِعُ: الْعِلْمُ يُقَوِّي الرَّجُلَ عَلَى الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ وَالْمَالُ يَمْنَعُهُ «يز» قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: إِنَّ مَنْ يَجْلِسُ عِنْدَ الْعَالِمِ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَحْفَظَ مِنْ ذَلِكَ الْعِلْمِ شَيْئًا فَلَهُ سَبْعُ كَرَامَاتٍ: أَوَّلُهَا: يَنَالُ فَضْلَ الْمُتَعَلِّمِينَ. وَالثَّانِي: مَا دَامَ جَالِسًا عِنْدَهُ كَانَ مَحْبُوسًا عَنِ الذُّنُوبِ. وَالثَّالِثُ: إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ طَلَبًا لِلْعِلْمِ نَزَلَتِ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِ. وَالرَّابِعُ: إِذَا جَلَسَ فِي حَلْقَةِ الْعِلْمِ فَإِذَا نَزَلَتِ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ حَصَلَ لَهُ مِنْهَا نَصِيبٌ. وَالْخَامِسُ: مَا دَامَ يَكُونُ فِي الِاسْتِمَاعِ، تُكْتَبُ لَهُ طَاعَةٌ. وَالسَّادِسُ: إِذَا اسْتَمَعَ وَلَمْ يَفْهَمْ ضَاقَ قَلْبُهُ لِحِرْمَانِهِ عَنْ إِدْرَاكِ الْعِلْمِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ الْغَمُّ وَسِيلَةً لَهُ إِلَى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: «أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ لِأَجْلِي» وَالسَّابِعُ: يَرَى إِعْزَازَ الْمُسْلِمِينَ لِلْعَالِمِ وَإِذْلَالَهُمْ لِلْفُسَّاقِ فَيُرَدُّ قَلْبُهُ عَنِ الْفِسْقِ وَيَمِيلُ طَبْعُهُ إِلَى الْعِلْمِ فَلِهَذَا أَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ «يح» قِيلَ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَضِنُّ بِعِلْمِهِ وَلَا يُحِبُّ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَ غَيْرِهِ فَذَاكَ فِي الدَّرْكِ الْأَوَّلِ مِنَ النَّارِ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَكُونُ فِي عِلْمِهِ بِمَنْزِلَةِ السُّلْطَانِ فَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ حَقِّهِ غَضِبَ، فَذَاكَ فِي الدَّرْكِ الثَّانِي مِنَ النَّارِ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَجْعَلُ حَدِيثَهُ وَغَرَائِبَ عِلْمِهِ لِأَهْلِ الشَّرَفِ وَالْيَسَارِ وَلَا يَرَى الْفُقَرَاءَ لَهُ أَهْلًا، فَذَاكَ فِي الدَّرْكِ الثَّالِثِ مِنَ النَّارِ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ كَانَ مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ إِنْ وَعَظَ عَنَّفَ وَإِنَّ وُعِظَ أَنِفَ فَذَاكَ فِي الدَّرْكِ الرَّابِعِ مِنَ النَّارِ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَنْصِبُ نَفْسَهُ لَلْفُتْيَا فَيُفْتِي خَطَأً فَذَاكَ فِي الدَّرْكِ الْخَامِسِ مِنَ النَّارِ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَتَعَلَّمُ كَلَامَ الْمُبْطِلِينَ فَيَمْزُجُهُ بِالدِّينِ فَهُوَ فِي الدَّرْكِ السَّادِسِ مِنَ النَّارِ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِوُجُوهِ النَّاسِ فَذَاكَ فِي الدَّرْكِ السَّابِعِ مِنَ النَّارِ «يط» قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: مَنْ جَلَسَ مَعَ ثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ زَادَهُ اللَّهُ ثَمَانِيَةَ أَشْيَاءَ. مَنْ جَلَسَ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ زَادَهُ اللَّهُ حُبَّ الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةَ فِيهَا وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الْفُقَرَاءِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الشُّكْرَ وَالرِّضَا بِقِسْمَةِ اللَّهِ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ السُّلْطَانِ زَادَهُ اللَّهُ الْقَسْوَةَ وَالْكِبْرَ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ النِّسَاءِ زَادَهُ اللَّهُ الْجَهْلَ وَالشَّهْوَةَ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الصِّبْيَانِ ازْدَادَ مِنَ اللَّهْوِ وَالْمِزَاحِ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الْفُسَّاقِ ازْدَادَ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى الذُّنُوبِ وَتَسْوِيفِ التَّوْبَةِ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الصَّالِحِينَ ازْدَادَ رَغْبَةً فِي الطَّاعَاتِ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الْعُلَمَاءِ ازْدَادَ الْعِلْمَ وَالْوَرَعَ «يي» إِنَّ اللَّهَ عَلَّمَ سَبْعَةَ نَفَرٍ سَبْعَةَ أَشْيَاءَ «أ» عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها «ب» عَلَّمَ الْخَضِرَ الْفِرَاسَةَ وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الْكَهْفِ: 65] «ج» وَعَلَّمَ يُوسُفَ عِلْمَ التَّعْبِيرِ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ [يُوسُفَ: 101] «د» عَلَّمَ دَاوُدَ صَنْعَةَ الدِّرْعِ وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ
لَبُوسٍ لَكُمْ [الْأَنْبِيَاءِ: 80] «هـ» عَلَّمَ سُلَيْمَانَ مَنْطِقَ الطير يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النَّمْلِ: 16] «و» عَلَّمَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِلْمَ التَّوْرَاةِ/ وَالْإِنْجِيلِ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [آلِ عِمْرَانَ: 48] «ز» وَعَلَّمَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّرْعَ وَالتَّوْحِيدَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النِّسَاءِ: 113] ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [الْبَقَرَةِ: 129] ، الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرَّحْمَنِ: 1] فَعِلْمُ آدَمَ كَانَ سَبَبًا لَهُ فِي حُصُولِ السَّجْدَةِ وَالتَّحِيَّةِ، وَعِلْمُ الْخَضِرِ كَانَ سَبَبًا لِأَنْ وَجَدَ تِلْمِيذًا مِثْلَ مُوسَى وَيُوشَعَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَعِلْمُ يُوسُفَ كَانَ سَبَبًا لِوِجْدَانِ الْأَهْلِ وَالْمَمْلَكَةِ، وَعِلْمُ دَاوُدَ كَانَ سَبَبًا لِوِجْدَانِ الرِّيَاسَةِ وَالدَّرَجَةِ، وَعِلْمُ سُلَيْمَانَ كَانَ سَبَبًا لِوِجْدَانِ بِلْقِيسَ وَالْغَلَبَةِ، وَعِلْمُ عِيسَى كَانَ سَبَبًا لِزَوَالِ التُّهْمَةِ عَنْ أُمِّهِ وَعِلْمُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ سَبَبًا لِوُجُودِ الشَّفَاعَةِ، ثُمَّ نَقُولُ مَنْ عَلِمَ أَسْمَاءَ الْمَخْلُوقَاتِ وَجَدَ التَّحِيَّةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَمَنْ عَلِمَ ذَاتَ الْخَالِقِ وَصِفَاتِهِ أَمَا يَجِدُ تَحِيَّةَ الْمَلَائِكَةِ؟ بَلْ يَجِدُ تَحِيَّةَ الرَّبِّ سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58] وَالْخَضِرُ وجد بعلم الفراسة صحبة موسى، فيما أُمَّةَ الْحَبِيبِ بِعِلْمِ الْحَقِيقَةِ كَيْفَ لَا تَجِدُونَ صُحْبَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ [النِّسَاءِ: 69] وَيُوسُفُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا نَجَا مِنْ حَبْسِ الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ عَالِمًا بِتَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ كَيْفَ لَا يَنْجُو مِنْ حَبْسِ الشَّهَوَاتِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [يُونُسَ: 25] وَأَيْضًا فَإِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَكَرَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ: وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ [يُوسُفَ: 101] . فَأَنْتَ يَا عَالِمُ أَمَا تَذْكُرُ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَى نَفْسِكَ حَيْثُ عَلَّمَكَ تَفْسِيرَ كِتَابِهِ فَأَيُّ نِعْمَةٍ أَجَلُّ مِمَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ حَيْثُ جَعَلَكَ مُفَسِّرًا لِكَلَامِهِ وَسَمِيًّا لِنَفْسِهِ وَوَارِثًا لِنَبِيِّهِ وَدَاعِيًا لِخَلْقِهِ وَوَاعِظًا لِعِبَادِهِ وَسِرَاجًا لِأَهْلِ بِلَادِهِ وَقَائِدًا لِلْخَلْقِ إِلَى جَنَّتِهِ وَثَوَابِهِ وَزَاجِرًا لَهُمْ عَنْ نَارِهِ وَعِقَابِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: الْعُلَمَاءُ سَادَةٌ وَالْفُقَهَاءُ قَادَةٌ وَمُجَالَسَتُهُمْ زِيَادَةٌ «كا» الْمُؤْمِنُ لَا يَرْغَبُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّى يَرَى سِتَّ خِصَالٍ مِنْ نَفْسِهِ. أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَأَنَا لَا أَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا إِلَّا بِالْعِلْمِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ نَهَانِي عَنِ الْمَعَاصِي وَأَنَا لَا أَقْدِرُ عَلَى اجْتِنَابِهَا إِلَّا بِالْعِلْمِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيَّ شُكْرَ نِعَمِهِ وَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا بِالْعِلْمِ. وَالرَّابِعَةُ: أَمَرَنِي بِإِنْصَافِ الْخَلْقِ وَأَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أُنْصِفَهُمْ إِلَّا بِالْعِلْمِ. وَالْخَامِسَةُ: أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِالصَّبْرِ عَلَى بَلَائِهِ وَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا بِالْعِلْمِ وَالسَّادِسَةُ: أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِالْعَدَاوَةِ مَعَ الشَّيْطَانِ وَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا بِالْعِلْمِ «كب» طَرِيقُ الْجَنَّةِ فِي أَيْدِي أَرْبَعَةٍ: الْعَالِمِ وَالزَّاهِدِ وَالْعَابِدِ وَالْمُجَاهِدِ، فَالزَّاهِدُ إِذَا كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الْأَمْنَ، وَالْعَابِدُ إِذَا كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الْخَوْفَ، وَالْمُجَاهِدُ إِذَا كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الثَّنَاءَ وَالْحَمْدَ، وَالْعَالِمُ إِذَا كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ «كج» اطْلُبْ أَرْبَعَةً مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنَ الْمَوْضِعِ السَّلَامَةَ، وَمِنَ الصَّاحِبِ الْكَرَامَةَ، وَمِنَ الْمَالِ الْفَرَاغَةَ «1» ، وَمِنَ الْعِلْمِ الْمَنْفَعَةَ، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مِنَ الْمَوْضِعِ السَّلَامَةَ فَالسِّجْنُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِذَا لَمْ تَجِدْ مِنْ صَاحِبِكَ الْكَرَامَةَ فَالْكَلْبُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِذَا لَمْ تَجِدْ مِنْ مَالِكَ الْفَرَاغَةَ فَالْمَدَرُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِذَا لَمْ تَجِدْ مِنَ الْعِلْمِ الْمَنْفَعَةَ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْهُ «كد» لَا تَتِمُّ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ إِلَّا بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: لَا يَتِمُّ الدِّينُ إِلَّا بِالتَّقْوَى، وَلَا يَتِمُّ الْقَوْلُ إِلَّا بِالْفِعْلِ، وَلَا تَتِمُّ/ الْمُرُوءَةُ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَلَا يَتِمُّ الْعِلْمُ إِلَّا بِالْعَمَلِ، فَالدِّينُ بِلَا تَقْوَى عَلَى الْخَطَرِ، وَالْقَوْلُ بِلَا فِعْلٍ كَالْهَدْرِ، وَالْمُرُوءَةُ بِلَا تَوَاضُعٍ كَشَجَرٍ بِلَا ثَمَرٍ، والعلم
بِلَا عَمَلٍ كَغَيْثٍ بِلَا مَطَرٍ «كه» قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ: قِوَامُ الدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ بِعَالِمٍ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ، وَجَاهِلٍ لَا يَسْتَنْكِفُ مِنْ تَعَلُّمِهِ، وَغَنِيٍّ لَا يَبْخَلُ بِمَالِهِ، وَفَقِيرٍ لَا يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ، فَإِذَا لَمْ يَعْمَلِ الْعَالِمُ بِعِلْمِهِ اسْتَنْكَفَ الْجَاهِلُ مِنْ تَعَلُّمِهِ وَإِذَا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ فَالْوَيْلُ لَهُمْ وَالثُّبُورُ سَبْعِينَ مَرَّةً «كو» قَالَ الْخَلِيلُ: الرِّجَالُ أَرْبَعَةٌ رَجُلٌ يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي فَهُوَ عَالِمٌ فَاتَّبِعُوهُ، وَرَجُلٌ يَدْرِي وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي فَهُوَ نَائِمٌ فَأَيْقِظُوهُ، وَرَجُلٌ لَا يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ لَا يَدْرِي فَهُوَ مُسْتَرْشِدٌ فَأَرْشِدُوهُ، وَرَجُلٌ لَا يَدْرِي وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ لَا يَدْرِي فَهُوَ شَيْطَانٌ فَاجْتَنِبُوهُ «كز» أَرْبَعَةٌ لَا يَنْبَغِي لِلشَّرِيفِ أَنْ يَأْنَفَ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ أَمِيرًا: قِيَامُهُ مِنْ مَجْلِسِهِ لِأَبِيهِ، وَخِدْمَتُهُ لِضَيْفِهِ، وَخِدْمَتُهُ لِلْعَالِمِ الَّذِي يَتَعَلَّمُ مِنْهُ، وَالسُّؤَالُ عَمًّا لَا يَعْلَمُ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ «كح» إِذَا اشْتَغَلَ الْعُلَمَاءُ بِجَمْعِ الْحَلَالِ صَارَ الْعَوَامُّ آكِلِينَ لِلشُّبُهَاتِ، وَإِذَا صَارَ الْعَالِمُ آكِلًا لِلشُّبَهَاتِ صَارَ الْعَامِّيُّ آكِلًا لِلْحَرَامِ، وَإِذَا صَارَ الْعَالِمُ آكِلًا لِلْحَرَامِ صَارَ الْعَامِّيُّ كَافِرًا يَعْنِي إِذَا اسْتَحَلُّوا. أَمَّا الْوُجُوهُ الْعَقْلِيَّةُ فَأُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأُمُورَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، قِسْمٌ يَرْضَاهُ الْعَقْلُ وَلَا تَرْضَاهُ الشَّهْوَةُ. وَقِسْمٌ تَرْضَاهُ الشَّهْوَةُ وَلَا يَرْضَاهُ الْعَقْلُ، وَقِسْمٌ يَرْضَاهُ الْعَقْلُ وَالشَّهْوَةُ مَعًا، وَقِسْمٌ لَا يَرْضَاهُ الْعَقْلُ وَلَا تَرْضَاهُ الشَّهْوَةُ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ الْأَمْرَاضُ وَالْمَكَارِهُ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ الْمَعَاصِي أَجْمَعُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَهُوَ الْعِلْمُ، وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَهُوَ الْجَهْلُ فَيَنْزِلُ الْعِلْمُ مِنَ الْجَهْلِ مَنْزِلَةَ الْجَنَّةِ مِنَ النَّارِ، فَكَمَا أَنَّ الْعَقْلَ وَالشَّهْوَةَ لَا يَرْضَيَانِ بِالنَّارِ فَكَذَلِكَ لَا يَرْضَيَانِ بِالْجَهْلِ وَكَمَا أَنَّهُمَا يَرْضَيَانِ بِالْجَنَّةِ فَكَذَا يَرْضَيَانِ بِالْعِلْمِ فَمَنْ رَضِيَ بِالْجَهْلِ فَقَدْ رَضِيَ بِنَارٍ حَاضِرَةٍ، وَمَنِ اشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ فَقَدْ خَاضَ فِي جَنَّةٍ حَاضِرَةٍ، فَكُلُّ مَنِ اخْتَارَ الْعِلْمَ يُقَالُ لَهُ تَعَوَّدْتَ الْمُقَامَ فِي الْجَنَّةِ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، وَمَنِ اكْتَفَى بِالْجَهْلِ يُقَالُ لَهُ تَعَوَّدْتَ النَّارَ فَادْخُلِ النَّارَ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ جَنَّةٌ وَالْجَهْلَ نَارٌ أَنَّ كَمَالَ اللَّذَّةِ فِي إِدْرَاكِ الْمَحْبُوبِ وَكَمَالَ الْأَلَمِ فِي الْبُعْدِ عَنِ الْمَحْبُوبِ، وَالْجِرَاحَةُ إِنَّمَا تُؤْلِمُ لِأَنَّهَا تُبْعِدُ جُزْءًا مِنَ الْبَدَنِ عَنْ جُزْءٍ مَحْبُوبٍ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ فَلَمَّا اقْتَضَتِ الْجِرَاحَةُ إِزَالَةَ ذَلِكَ الِاجْتِمَاعِ فَقَدِ اقْتَضَتْ إِزَالَةَ الْمَحْبُوبِ وَبُعْدَهُ، فَلَا جَرَمَ كَانَ ذَلِكَ مُؤْلِمًا وَالْإِحْرَاقُ بِالنَّارِ إِنَّمَا كَانَ أَشَدَّ إِيلَامًا مِنَ الْجُرْحِ لِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يُفِيدُ إِلَّا تَبْعِيدَ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ عَنْ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ، أَمَّا النَّارُ فَإِنَّهَا تَغُوصُ فِي جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ فَاقْتَضَتْ تَبْعِيدَ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، فَلَمَّا كَانَتِ التَّفْرِيقَاتُ فِي الْإِحْرَاقِ أَشَدَّ كَانَ الْأَلَمُ هُنَاكَ أَصْعَبَ، أَمَّا اللَّذَّةُ فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْمَحْبُوبِ، فَلَذَّةُ الْأَكْلِ عِبَارَةٌ عن إدراك تلك الطعوم الموافقة لِلْبَدَنِ، وَكَذَلِكَ لَذَّةُ النَّظَرِ إِنَّمَا تَحْصُلُ لِأَنَّ الْقُوَّةَ الْبَاصِرَةَ مُشْتَاقَةٌ إِلَى إِدْرَاكِ الْمَرْئِيَّاتِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ ذَلِكَ الْإِدْرَاكُ لَذَّةً لَهَا فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ اللَّذَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْمَحْبُوبِ، وَالْأَلَمَ عِبَارَةٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْمَكْرُوهِ وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: / كُلَّمَا كَانَ الْإِدْرَاكُ أَغْوَصَ وَأَشَدَّ وَالْمُدْرِكُ أَشْرَفَ وَأَكْمَلَ، وَالْمُدْرَكُ أَنْقَى وَأَبْقَى. وَجَبَ أَنْ تَكُونَ اللَّذَّةُ أَشْرَفَ وَأَكْمَلَ. وَلَا شك أن محل الْعِلْمِ هُوَ الرُّوحُ وَهُوَ أَشْرَفُ مِنَ الْبَدَنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِدْرَاكَ الْعَقْلِيَّ أَغَوْصَ وَأَشْرَفَ عَلَى مَا سَيَجِيءُ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النُّورِ: 35] وَأَمَّا الْمَعْلُومُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَشْرَفُ لِأَنَّهُ هُوَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَمِيعُ مَخْلُوقَاتِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَفْلَاكِ وَالْعَنَاصِرِ وَالْجَمَادَاتِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَجَمِيعُ أَحْكَامِهِ وَأَوَامِرِهِ وَتَكَالِيفِهِ وَأَيُّ مَعْلُومٍ أَشْرَفُ مِنْ ذَلِكَ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا كَمَالَ وَلَا لَذَّةَ فَوْقَ كَمَالِ الْعِلْمِ وَلَذَّاتِهِ وَلَا شَقَاوَةَ وَلَا نُقْصَانَ فَوْقَ شَقَاوَةِ الْجَهْلِ وَنُقْصَانِهِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا سُئِلَ الْوَاحِدُ مِنَّا عَنْ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ فَإِنْ عَلِمَهَا وَقَدِرَ عَلَى الْجَوَابِ وَالصَّوَابِ فِيهَا فَرِحَ بِذَلِكَ وَابْتَهَجَ بِهِ، وَإِنْ جَهِلَهَا نَكَّسَ رَأْسَهُ حَيَاءً مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّذَّةَ الْحَاصِلَةَ بِالْعِلْمِ أَكْمَلُ اللَّذَّاتِ، وَالشَّقَاءَ الْحَاصِلَ بِالْجَهْلِ أَكْمَلُ أَنْوَاعِ الشَّقَاءِ، واعلم أن هاهنا وُجُوهًا أُخَرَ مِنَ النُّصُوصِ تَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعِلْمِ نَسِينَا إِيرَادَهَا قَبْلَ ذَلِكَ
فلا بأس أن نذكرها هاهنا. الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [الْعَلَقِ: 1- 5] فَقِيلَ فِيهِ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْآيَاتِ فَأَيُّ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ وَجْهَ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَوَّلَ حَالِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ كَوْنُهُ عَلَقَةً. مَعَ أَنَّهَا أَخَسُّ الْأَشْيَاءِ وَآخِرَ حَالِهِ وَهِيَ صَيْرُورَتُهُ عَالِمًا وَهُوَ أَجَلُّ الْمَرَاتِبِ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ كُنْتَ أَنْتَ فِي أَوَّلِ حَالِكَ فِي تِلْكَ الدَّرَجَةِ الَّتِي هِيَ غَايَةُ الْخَسَاسَةِ فَصِرْتَ فِي آخِرِ حَالِكَ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ الَّتِي هِيَ الْغَايَةُ فِي الشَّرَفِ. وَهَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ كَانَ الْعِلْمُ أَشْرَفَ الْمَرَاتِبِ إِذْ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَشْرَفَ لَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَوْلَى. الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْوَصْفَ بِالْأَكْرَمِيَّةِ لِأَنَّهُ أَعْطَى الْعِلْمَ فَلَوْلَا أَنَّ الْعِلْمَ أَشْرَفُ مِنْ غَيْرِهِ وَإِلَّا لَمَا كَانَتْ إِفَادَتُهُ أَشْرَفَ مِنْ إِفَادَةِ غَيْرِهِ: الثَّالِثُ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا وُجُوهٌ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ. أَحَدُهَا: دَلَالَتُهَا عَلَى أُمَمٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَبَيَانُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فَاطِرٍ: 28] وَبَيَانُ أَنَّ أَهْلَ الْخَشْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [الْبَيِّنَةِ: 8] إِلَى قَوْلِهِ تعالى: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ فَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ إِثْبَاتُ مُقَدِّمَتَيْ هَذِهِ/ الدَّلَالَةِ بِالْعَقْلِ، أَمَّا بَيَانُ أَنَّ الْعَالِمَ بِاللَّهِ يَجِبُ أَنْ يَخْشَاهُ، فَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالشَّيْءِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ خَائِفًا مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ الْعِلْمَ بِالذَّاتِ لَا يَكْفِي فِي الْخَوْفِ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ. مِنْهَا: الْعِلْمُ بِالْقُدْرَةِ، لِأَنَّ الْمَلِكَ عَالِمٌ بِاطِّلَاعِ رَعِيَّتِهِ عَلَى أَفْعَالِهِ الْقَبِيحَةِ، لَكِنَّهُ لَا يَخَافُهُمْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَفْعِهَا. وَمِنْهَا: الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ عَالِمًا، لأن السارق من مال السلطان يعلم بقدرته، وَلَكِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِسَرِقَتِهِ فَلَا يَخَافُهُ. وَمِنْهَا الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ حَكِيمًا. فَإِنَّ الْمُسَخَّرَ عِنْدَ السُّلْطَانِ عَالِمٌ بِكَوْنِ السُّلْطَانِ قَادِرًا عَلَى مَنْعِهِ عَالِمًا بِقَبَائِحِ أَفْعَالِهِ، لَكِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ يَرْضَى بِمَا لَا يَنْبَغِي فَلَا يَحْصُلُ الْخَوْفُ، أَمَّا لَوْ عَلِمَ اطِّلَاعَ السُّلْطَانِ عَلَى قَبَائِحِ أَفْعَالِهِ وَعَلِمَ قُدْرَتَهُ عَلَى مَنْعِهِ وَعَلِمَ أنه حكيم لا يرضى بسفاهته، صَارَتْ هَذِهِ الْعُلُومُ الثَّلَاثَةُ مُوجِبَةً لِحُصُولِ الْخَوْفِ فِي قَلْبِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ خَوْفَ الْعَبْدِ مِنَ اللَّهِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا عَلِمَ بِكَوْنِهِ تَعَالَى عَالِمًا بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، قَادِرًا عَلَى كُلِّ الْمَقْدُورَاتِ، غَيْرَ رَاضٍ بِالْمُنْكَرَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْخَوْفَ مِنْ لَوَازِمِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْخَوْفَ سَبَبُ الْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا سَنَحَ لِلْعَبْدِ لَذَّةٌ عَاجِلَةٌ وَكَانَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ عَلَى خِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ، وَفِعْلُ ذَلِكَ الشَّيْءِ يَكُونُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَنْفَعَةٍ وَمَضَرَّةٍ، فَصَرِيحُ الْعَقْلِ حَاكِمٌ بِتَرْجِيحِ الْجَانِبِ الرَّاجِحِ عَلَى الْجَانِبِ الْمَرْجُوحِ، فَإِذَا عَلِمَ بِنُورِ الْإِيمَانِ أَنَّ اللَّذَّةَ الْعَاجِلَةَ حَقِيرَةٌ فِي مُقَابَلَةِ الْأَلَمِ الْآجِلِ، صَارَ ذَلِكَ الْإِيمَانُ سَبَبًا لِفِرَارِهِ عَنْ تِلْكَ اللَّذَّةِ الْعَاجِلَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْخَشْيَةُ، وَإِذَا صَارَ تَارِكًا لِلْمَحْظُورِ فَاعِلًا لِلْوَاجِبِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الثَّوَابِ، فَقَدْ ثَبَتَ بِالشَّوَاهِدِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ أَنَّ
الْعَالِمَ بِاللَّهِ خَائِفٌ وَالْخَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْجَنَّةِ أَهْلٌ إِلَّا الْعُلَمَاءَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كَلِمَةَ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَشْيَةَ اللَّهِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا لِلْعُلَمَاءِ. وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [الْبَيِّنَةِ: 8] دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ لِأَهْلِ الْخَشْيَةِ وَكَوْنُهَا لِأَهْلِ الْخَشْيَةِ يُنَافِي كَوْنَهَا لِغَيْرِهِمْ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ الْآيَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْجَنَّةِ أَهْلٌ إِلَّا الْعُلَمَاءَ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِيهَا تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْخَشْيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ لَوَازِمِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ، فَعِنْدَ عَدَمِ الْخَشْيَةِ يَلْزَمُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِاللَّهِ، وَهَذِهِ الدَّقِيقَةُ تُنَبِّهُكَ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُورِثُ الْخَشْيَةَ، وَأَنَّ أَنْوَاعَ الْمُجَادَلَاتِ وَإِنْ دَقَّتْ وَغَمُضَتْ إِذَا خَلَتْ عَنْ إِفَادَةِ الْخَشْيَةِ كَانَتْ مِنَ الْعِلْمِ الْمَذْمُومِ. وَثَالِثُهَا: قُرِئَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ برفعه الْأَوَّلِ وَنَصْبِ الثَّانِي، وَمَعْنَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ جَازَتِ الْخَشْيَةُ عَلَيْهِ، لَمَا خَشِيَ الْعُلَمَاءُ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَا يَجُوزُ وَبَيْنَ مَا لَا يَجُوزُ. وَأَمَّا الْجَاهِلُ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ فَأَيُّ مُبَالَاةٍ بِهِ وَأَيُّ الْتِفَاتٍ إِلَيْهِ، فَفِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ نِهَايَةُ الْمَنْصِبِ لِلْعُلَمَاءِ وَالتَّعْظِيمِ. الرَّابِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: 114] . وَفِيهِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى نَفَاسَةِ الْعِلْمِ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وَفَرْطِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ، حَيْثُ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِالِازْدِيَادِ مِنْهُ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَوِ اكْتَفَى أَحَدٌ مِنَ الْعِلْمِ لَاكْتَفَى نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يَقُلْ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [الْكَهْفِ: 66] . الْخَامِسُ: كَانَ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ مُلْكِ الدُّنْيَا مَا كَانَ حَتَّى إِنَّهُ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: 35] ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَفْتَخِرْ بِالْمَمْلَكَةِ وَافْتَخَرَ بالعلم حيث قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النَّمْلِ: 16] فَافْتَخَرَ بِكَوْنِهِ عَالِمًا بِمَنْطِقِ الطَّيْرِ فَإِذَا حَسُنَ مِنْ سُلَيْمَانَ أَنْ يَفْتَخِرَ بِذَلِكَ الْعِلْمِ فَلَأَنْ يَحْسُنَ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ يَفْتَخِرَ بِمَعْرِفَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَانَ أَحْسَنَ وَلِأَنَّهُ قَدَّمَ ذَلِكَ على قوله: وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ كَمَالَ حَالِهِمْ قَدَّمَ الْعِلْمَ أَوَّلًا وَقَالَ: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ [الْأَنْبِيَاءِ: 78] إِلَى قَوْلِهِ: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [الْأَنْبِيَاءِ: 79] ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ الدُّنْيَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ أَشْرَفُ. السَّادِسُ: قَالَ بَعْضُهُمْ الْهُدْهُدُ مَعَ أَنَّهُ فِي نِهَايَةِ الضَّعْفِ وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ فِي مَوْقِفِ الْمُعَاتَبَةُ قَالَ لِسُلَيْمَانَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ [النَّمْلِ: 22] فَلَوْلَا أَنَّ الْعِلْمَ أَشْرَفُ الْأَشْيَاءِ وَإِلَّا فَمِنْ أَيْنَ لِلْهُدْهُدِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي مَجْلِسِ سُلَيْمَانَ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ وَلِذَلِكَ يُرَى الرَّجُلُ السَّاقِطُ إِذَا تَعَلَّمَ الْعِلْمَ صَارَ نَافِذَ الْقَوْلِ عِنْدَ السَّلَاطِينِ وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِبَرَكَةِ الْعِلْمِ، السَّابِعُ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً» وَفِي التَّفْضِيلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّفَكُّرَ يُوصِلُكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْعِبَادَةَ تُوصِلُكَ إِلَى ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالَّذِي يُوصِلُكَ إِلَى اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا يُوصِلُكَ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ التَّفَكُّرَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَالطَّاعَةَ عَمَلُ الْجَوَارِحِ، وَالْقَلْبُ أَشْرَفُ مِنَ الْجَوَارِحِ فَكَانَ عَمَلُ الْقَلْبِ أَشْرَفَ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ والذي يؤكد هذا الوجه قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه: 14] جَعَلَ الصَّلَاةَ وَسِيلَةً إِلَى ذِكْرِ الْقَلْبِ وَالْمَقْصُودُ أَشْرَفُ مِنَ الْوَسِيلَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ أَشْرَفُ مِنْ غَيْرِهِ. الثَّامِنُ: قَالَ تَعَالَى: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النِّسَاءِ: 113] فَسَمَّى الْعِلْمَ عَظِيمًا وَسَمَّى الْحِكْمَةَ خَيْرًا كَثِيرًا فَالْحِكْمَةُ هِيَ الْعِلْمُ وَقَالَ أَيْضًا: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرَّحْمَنِ: 1] فَجَعَلَ هَذِهِ النِّعْمَةَ مُقَدَّمَةً عَلَى جَمِيعِ النِّعَمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ. التَّاسِعُ: أَنَّ سَائِرَ كُتُبِ اللَّهِ نَاطِقَةٌ بِفَضْلِ الْعِلْمِ. أَمَّا التَّوْرَاةُ فَقَالَ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ «عَظِّمِ الْحِكْمَةَ فَإِنِّي لَا أَجْعَلُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِ عَبْدٍ إِلَّا وَأَرَدْتُ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ فَتَعَلَّمْهَا ثُمَّ اعْمَلْ بِهَا ثُمَّ ابْذُلْهَا كَيْ تَنَالَ بِهَا كَرَامَتِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» وَأَمَّا الزَّبُورُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: «يَا دَاوُدُ قُلْ لِأَحْبَارِ بَنِي
إِسْرَائِيلَ وَرُهْبَانِهِمْ حَادِثُوا مِنَ النَّاسِ الْأَتْقِيَاءَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهِمْ تَقِيًّا فَحَادِثُوا الْعُلَمَاءَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا عَالِمًا فَحَادِثُوا الْعُقَلَاءَ فَإِنَّ التُّقَى والعلم والعقل ثلاث مرات بما جَعَلْتُ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فِي أَحَدٍ مِنْ خَلْقِي وَأَنَا أُرِيدُ إِهْلَاكَهُ» وَأَقُولُ إِنَّمَا قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى التُّقَى عَلَى الْعِلْمِ لِأَنَّ التُّقَى لَا يُوجَدُ بِدُونِ الْعِلْمِ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْخَشْيَةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ وَالْمَوْصُوفُ بِالْأَمْرَيْنِ أَشْرَفُ مِنَ الْمَوْصُوفِ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا السِّرُّ أَيْضًا قَدَّمَ الْعَالِمَ عَلَى الْعَاقِلِ لِأَنَّ الْعَالِمَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، أَمَّا الْعَاقِلُ فَقَدْ لَا يَكُونُ عَالِمًا فَالْعَقْلُ كَالْبَذْرِ وَالْعِلْمُ كَالشَّجَرَةِ وَالتَّقْوَى كَالثَّمَرِ. وَأَمَّا الْإِنْجِيلُ قَالَ اللَّهُ تعالى في السورة السابعة عشر مِنْهُ «وَيْلٌ لِمَنْ سَمِعَ بِالْعِلْمِ فَلَمْ يَطْلُبْهُ كَيْفَ يُحْشَرُ مَعَ الْجُهَّالِ إِلَى النَّارِ اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَتَعَلَّمُوهُ فَإِنَّ الْعِلْمَ إِنْ لَمْ يُسْعِدْكُمْ لَمْ يُشْقِكُمْ/ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْكُمْ لَمْ يَضَعْكُمْ وَإِنْ لَمْ يُغْنِكُمْ لَمْ يُفْقِرْكُمْ وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْكُمْ لَمْ يَضُرَّكُمْ وَلَا تَقُولُوا نَخَافُ أَنْ نَعْلَمَ فَلَا نَعْمَلُ وَلَكِنْ قُولُوا نَرْجُو أَنْ نَعْلَمَ فَنَعْمَلَ» وَالْعِلْمُ شَفِيعٌ لِصَاحِبِهِ وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يُخْزِيَهُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: «يَا مَعَاشِرَ الْعُلَمَاءِ مَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّكُمْ؟ يَقُولُونَ. ظَنُّنَا أَنْ يَرْحَمَنَا وَيَغْفِرَ لَنَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي قَدْ فَعَلْتُ، إِنِّي قَدِ اسْتَوْدَعْتُكُمْ حِكْمَتِي لَا لِشَرٍّ أَرَدْتُهُ بِكُمْ، بَلْ لِخَيْرٍ أَرَدْتُهُ بِكُمْ، فَادْخُلُوا فِي صَالِحِ عِبَادِي إِلَى جَنَّتِي بِرَحْمَتِي» وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَجَدْتُ فِي الْإِنْجِيلِ. أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال لعيسى بن مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: يَا عِيسَى عَظِّمِ الْعُلَمَاءَ وَاعْرِفْ فَضْلَهُمْ لِأَنِّي فَضَّلْتُهُمْ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِي إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ كَفَضْلِ الشَّمْسِ عَلَى الْكَوَاكِبِ، وَكَفَضْلِ الْآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا، وَكَفَضْلِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، أَمَّا الْأَخْبَارُ: «أ» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعُلَمَاءِ «إِنِّي لَمْ أَضَعْ عِلْمِي فِيكُمْ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعَذِّبَكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ» «ب» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً بَلِيغَةً قَبْلَ وَفَاتِهِ وَهِيَ آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَتَوَاضَعَ فِي الْعِلْمِ وَعَلَّمَهَ عِبَادَ اللَّهِ يُرِيدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ. لَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلُ ثَوَابًا مِنْهُ وَلَا أَعْظَمُ مَنْزِلَةً، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلَةٌ وَلَا دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ نَفِيسَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهَا أَوْفَرُ النَّصِيبِ وَأَشْرَفُ الْمَنَازِلِ» . «ج» ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفَّتْ مَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ عَلَيْهَا قِبَابٌ مِنْ فِضَّةٍ مُنَضَّدَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ جِلَالُهَا السُّنْدُسُ وَالْإِسْتَبْرَقُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادِي الرَّحْمَنِ: أَيْنَ مَنْ حَمَلَ إِلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عِلْمًا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ: اجْلِسُوا عَلَى هَذِهِ الْمَنَابِرِ فَلَا خَوْفَ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ. «د» عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ كَأَنَّهُمْ مِنَ الْفِقْهِ أَنْبِيَاءُ، يَرْضَوْنَ مِنَ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ، وَيَرْضَى اللَّهُ مِنْهُمْ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ، وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ «هـ» قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، حَرَّمَ اللَّهُ جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ مَلَكَاهُ وَإِنْ مَاتَ فِي طَلَبِهِ مَاتَ شَهِيدًا، وَكَانَ قَبْرُهُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَيُوَسَّعُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، وَيُنَوَّرُ عَلَى جِيرَانِهِ أَرْبَعِينَ قَبْرًا عَنْ يَمِينِهِ. وَأَرْبَعِينَ قَبْرًا عَنْ يَسَارِهِ، وَأَرْبَعِينَ عَنْ خَلْفِهِ، وَأَرْبَعِينَ أَمَامَهُ، وَنَوْمُ الْعَالِمِ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتُهُ تَسْبِيحٌ، وَنَفْسُهُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ قَطْرَةٍ نَزَلَتْ مِنْ عَيْنَيْهِ تُطْفِئُ بَحْرًا مِنْ جَهَنَّمَ فَمَنْ أَهَانَ الْعَالِمَ فقد أَهَانَ اللَّهَ أَهَانَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «و» قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَجْوَدِ الْأَجْوَادِ. قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «أَجْوَدُ الْأَجْوَادِ وَأَنَا أَجْوَدُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَجْوَدُهُمْ مِنْ بَعْدِي رَجُلٌ عَالِمٌ يَنْشُرُ عِلْمَهُ فَيُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ وَرَجُلٌ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يُقْتَلَ» . «ز» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ/ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا والآخرة، والله تعالى في عون العبد، مادام الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلى الجنة
وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ «ح» قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْعُلَمَاءُ ثُمَّ الشُّهَدَاءُ» . قَالَ الرَّاوِي: فَأَعْظَمُ مَرْتَبَةٍ هِيَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالشَّهَادَةِ «ط» مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمَنَارُ سُبُلِ الْجَنَّةِ وَالْأَنِيسُ مِنَ الْوَحْشَةِ وَالصَّاحِبُ فِي الْوَحْدَةِ وَالْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالسِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَالدِّينُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً هُدَاةً يُهْتَدَى بِهِمْ، وَأَئِمَّةً فِي الْخَيْرِ يُقْتَفَى بِآثَارِهِمْ وَيُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِمْ، وَيُنْتَهَى إِلَى آرَائِهِمْ تَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خِلْقَتِهِمْ وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ وَفِي صَلَاتِهَا تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ حَتَّى كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَحِيتَانُ الْبَحْرِ وَهَوَامُّهُ وَسِبَاعُ الْبَرِّ وَأَنْعَامُهُ وَالسَّمَاءُ وَنُجُومُهَا. لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنَ الْعَمَى وَنُورُ الْأَبْصَارِ مِنَ الظُّلْمَةِ وَقُوَّةُ الْأَبْدَانِ مِنَ الضَّعْفِ يَبْلُغُ بِالْبَعِيدِ مَنَازِلَ الْأَحْرَارِ وَمَجَالِسَ الْمُلُوكِ والدرجات العلى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ يُعْدَلُ بِالصِّيَامِ وَمُدَارَسَتُهُ بِالْقِيَامِ بِهِ يُطَاعُ اللَّهُ وَيُعْبَدُ وَبِهِ يُمَجَّدُ وَيُوَحَّدُ وَبِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ وَبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ» «ي» أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ بِالْخَيْرِ» «يَا» قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «إِذَا سَأَلْتُمُ الْحَوَائِجَ فَاسْأَلُوهَا النَّاسَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنِ النَّاسُ؟ قَالَ أَهْلُ الْقُرْآنِ قِيلَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ قِيلَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ الصِّبَاحُ الْوُجُوهِ» قَالَ الرَّاوِي وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْقُرْآنِ مَنْ يَحْفَظُ مَعَانِيَهُ «يب» قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَهُوَ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَخَلِيفَةُ كِتَابِهِ وَخَلِيفَةُ رَسُولِهِ وَالدُّنْيَا سُمُّ اللَّهِ الْقَتَّالُ لِعِبَادِهِ فَخُذُوا مِنْهَا بِقَدْرِ السُّمِّ فِي الْأَدْوِيَةِ لَعَلَّكُمْ تَنْجُونَ» قَالَ الرَّاوِي وَالْعُلَمَاءُ دَاخِلُونَ فِيهِ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ هَذَا حَرَامٌ فَاجْتَنِبُوهُ وَهَذَا حَلَالٌ فَخُذُوهُ «يج» فِي الْخَبَرِ: الْعَالِمُ نَبِيٌّ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ «يد» قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «كُنْ عَالِمًا، أَوْ مُتَعَلِّمًا، أَوْ مُسْتَمِعًا، أَوْ مُحِبًّا، وَلَا تَكُنِ الْخَامِسَ فَتَهْلِكَ» قَالَ الرَّاوِي: وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «النَّاسُ رَجُلَانِ عَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ» إِنَّ الْمُسْتَمِعَ وَالْمُحِبَّ بمنزلة المتعلم وما أحسن قوله بَعْضِ الْأَعْرَابِ لِوَلَدِهِ: كُنْ سَبُعًا خَالِسًا أَوْ ذِئْبًا خَانِسًا أَوْ كَلْبًا حَارِسًا، وَإِيَّاكَ وَأَنْ تَكُونَ إِنْسَانًا نَاقِصًا، «يه» قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنِ اتَّكَأَ عَلَى يَدِهِ عَالِمٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ وَمَنْ قَبَّلَ رَأْسَ عَالِمٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً» «يو» قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ برواية أبي هريرة «بكت السموات/ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَنْ عَلَيْهِنَّ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَنْ عَلَيْهِنَّ لِعَزِيزٍ ذَلَّ وَغَنِيٍّ افْتَقَرَ وَعَالِمٍ يَلْعَبُ بِهِ الْجُهَّالُ» «يز» وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «حَمَلَةُ الْقُرْآنِ عُرَفَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالشُّهَدَاءُ قُوَّادُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالْأَنْبِيَاءُ سَادَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ «يح» وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الْعُلَمَاءُ مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ وَخُلَفَاءُ الْأَنْبِيَاءِ» قَالَ الرَّاوِي الْإِنْسَانُ لَا يَكُونُ مِفْتَاحًا إِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مِفْتَاحَ الْجِنَانِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّ بِيَدِهِ مَفَاتِيحَ الْجَنَّةِ فَإِنَّهُ يُؤْتَى عِلْمًا فِي الدِّينِ. «يط» وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَحْمَةٍ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ الْغَافِلِينَ وَالْبَالِغِينَ وَغَيْرِ الْبَالِغِينَ، فَتِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ رَحْمَةً لِلْعُلَمَاءِ وَطَالِبِي الْعِلْمِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَالرَّحْمَةُ الْوَاحِدَةُ لِسَائِرِ النَّاسِ» . «كَ» وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ لِأُمَّتِي؟ قَالَ: الْعِلْمُ، قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: النَّظَرُ إِلَى الْعَالِمِ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: زِيَارَةُ الْعَالِمِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ كَسَبَ الْعِلْمَ لِلَّهِ وَأَرَادَ بِهِ صَلَاحَ نَفْسِهِ وَصَلَاحَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، فَأَنَا
كَفِيلُهُ بِالْجَنَّةِ» «كا» وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «عَشَرَةٌ تُسْتَجَابُ لَهُمُ الدَّعْوَةُ الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ وَصَاحِبُ حُسْنِ الْخُلُقِ وَالْمَرِيضُ وَالْيَتِيمُ وَالْغَازِي وَالْحَاجُّ وَالنَّاصِحُ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْوَلَدُ الْمُطِيعُ لِأَبَوَيْهِ وَالْمَرْأَةُ الْمُطِيعَةُ لِزَوْجِهَا» «كب» «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا الْعِلْمُ؟ فَقَالَ: دَلِيلُ الْعَمَلِ قِيلَ: فَمَا الْعَقْلُ؟ قَالَ: قَائِدُ الْخَيْرِ، قِيلَ: فَمَا الْهَوَى؟ قَالَ: مَرْكَبُ الْمَعَاصِي، قِيلَ: فَمَا الْمَالُ؟ قَالَ: رِدَاءُ الْمُتَكَبِّرِينَ، قِيلَ: فَمَا الدُّنْيَا؟ قَالَ: سُوقُ الْآخِرَةِ» . «كج» أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُحَدِّثُ إِنْسَانًا فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي تُحَدِّثُهُ إِلَّا سَاعَةٌ، وَكَانَ هَذَا وَقْتَ الْعَصْرِ، فَأَخْبَرَهُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ فَاضْطَرَبَ الرَّجُلُ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى أَوْفَقِ عَمَلٍ لِي فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، قَالَ اشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ فَاشْتَغَلَ بِالتَّعَلُّمِ، وَقُبِضَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، قَالَ الرَّاوِي: فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنَ الْعِلْمِ، لَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. «كد» قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «النَّاسُ كُلُّهُمْ مَوْتَى إِلَّا الْعَالِمُونَ» وَالْخَبَرُ مَشْهُورٌ «كه» عَنْ أَنَسٍ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «سَبْعَةٌ لِلْعَبْدِ تَجْرِي بَعْدَ مَوْتِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا أَوْ أَجْرَى نَهْرًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا أَوْ بَنَى مَسْجِدًا أَوْ وَرِّثَ مُصْحَفًا أَوْ تَرَكَ وَلَدًا صَالِحًا يَدْعُو لَهُ بِالْخَيْرِ أَوْ صَدَقَةً تَجْرِي لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ» فَقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ التَّعْلِيمَ عَلَى جَمِيعِ الِانْتِفَاعَاتِ لِأَنَّهُ رُوحَانِيٌّ وَالرُّوحَانِيُّ أَبْقَى مِنَ الْجُسْمَانِيَّاتِ «كو» قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تُجَالِسُوا الْعُلَمَاءَ إِلَّا إِذَا دَعَوْكُمْ مِنْ خَمْسٍ إِلَى خَمْسٍ: مِنَ الشَّكِّ إِلَى الْيَقِينِ وَمِنَ الْكِبَرِ إِلَى التَّوَاضُعِ وَمِنَ الْعَدَاوَةِ إِلَى النَّصِيحَةِ وَمِنَ الرِّيَاءِ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَمِنَ الرَّغْبَةِ إِلَى الزُّهْدِ» «كز» أَوْصَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا عَلِيُّ احْفَظِ التَّوْحِيدَ فَإِنَّهُ رَأْسُ مَالِي وَالْزَمِ الْعَمَلَ فَإِنَّهُ حِرْفَتِي، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ فَإِنَّهَا قُرَّةُ عَيْنِي، وَاذْكُرِ الرَّبَّ فَإِنَّهُ بَصِيرَةُ فُؤَادِي، وَاسْتَعْمِلِ الْعِلْمَ فَإِنَّهُ مِيرَاثِي «كح» أَبُو كَبْشَةَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ ضَرَبَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلَ الدُّنْيَا مَثَلَ أَرْبَعَةِ رَهْطٍ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَآتَاهُ مَالًا فَهُوَ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِي مَالِهِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا فَيَقُولُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى آتَانِي مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ لَفَعَلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ فُلَانٌ فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا/ وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا فَهُوَ يَمْنَعُهُ مِنَ الْحَقِّ وَيُنْفِقُهُ في الباطل، ورجل لم يؤته اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا فَيَقُولُ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى آتَانِي مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ لَفَعَلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ فُلَانٌ فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ. الْآثَارُ «أ» كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ أَخَذَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي إِلَى الْجَبَّانَةِ فَلَمَّا أَصْحَرَ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ ثُمَّ قَالَ يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا فَاحْفَظْ مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ وَهَمَجٌ رِعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ، يَا كُمَيْلُ العلم خير من المال، والعلم يحسرك وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ وَالْمَالُ تُنْقِصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو بِالْإِنْفَاقِ، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ، يَا كُمَيْلُ مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ زَيْنٌ يُزَانُ بِهِ يَكْتَسِبُ بِهِ الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَجَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ، وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ «ب» عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَعَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ مِثْلُ جَبَلِ تِهَامَةَ فَإِذَا سَمِعَ الْعِلْمَ وَخَافَ وَاسْتَرْجَعَ عَلَى ذُنُوبِهِ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ فَلَا تُفَارِقُوا مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ تُرْبَةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَكْرَمَ مِنْ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ «ج» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خُيَّرَ سُلَيْمَانُ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالْمَالِ وَبَيْنَ الْعِلْمِ فَاخْتَارَ الْعِلْمَ فَأُعْطِيَ الْعِلْمَ وَالْمُلْكَ مَعًا «د» سُلَيْمَانُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْهُدْهُدِ إِلَّا لِعِلْمِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ نَافِعِ بن الأرزق قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ كَيْفَ اخْتَارَ سُلَيْمَانُ الْهُدْهُدَ لِطَلَبِ الْمَاءِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَنَّ الْأَرْضَ كَالزُّجَاجَةِ يُرَى بَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا فَقَالَ نَافِعٌ فكيف
بِأَوْقَاتِ الْفَخِّ يُغَطَّى لَهُ بِأُصْبُعٍ مِنْ تُرَابٍ فَلَا يَرَاهُ بَلْ يَقَعُ فِيهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا جَاءَ الْقَدَرُ عَمِيَ الْبَصَرُ (هـ) قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ تُقَسَّمُ الْجَنَّةُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ جُزْءٍ تِسْعَةُ آلَافِ وَتِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِينِ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ فَكَانَ هَذَا ثَوَابَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْعُقُولِ يَقْتَسِمُونَ الْمَنَازِلَ فِيهَا وَجُزْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الضُّعَفَاءِ الْفُقَرَاءِ الصَّالِحِينَ «و» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِوَلَدِهِ يَا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِالْأَدَبِ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْمُرُوءَةِ وَأُنْسٌ فِي الْوَحْشَةِ وَصَاحِبٌ فِي الْغُرْبَةِ وَقَرِينٌ فِي الْحَضَرِ وَصَدْرٌ فِي الْمَجْلِسِ وَوَسِيلَةٌ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْوَسَائِلِ وَغِنًى عِنْدَ الْعَدَمِ وَرِفْعَةٌ لِلْخَسِيسِ وَكَمَالٌ لِلشَّرِيفِ وَجَلَالَةٌ لِلْمَلِكِ «ز» عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: صَرِيرُ قَلَمِ الْعُلَمَاءِ تَسْبِيحٌ وَكِتَابَةُ الْعِلْمِ وَالنَّظَرُ فِيهِ عِبَادَةٌ وَإِذَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ الْمِدَادِ ثَوْبَهُ فَكَأَنَّمَا أَصَابَهُ دَمُ الشُّهَدَاءِ وَإِذَا قَطَرَ مِنْهَا عَلَى الْأَرْضِ تَلَأْلَأَ نُورُهُ، وَإِذَا قَامَ مِنْ قَبْرِهِ نَظَرَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْجَمْعِ فَيُقَالُ هَذَا عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَكْرَمَهُ اللَّهُ وَحُشِرَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ «ح» فِي «كِتَابِ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ» : أَحَقُّ مَنْ لَا يُسْتَخَفُّ بِحُقُوقِهِمْ ثَلَاثَةٌ: الْعَالِمُ وَالسُّلْطَانُ وَالْإِخْوَانُ فَإِنَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْعَالِمِ أَهْلَكَ دِينَهُ وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِالسُّلْطَانِ أَهْلَكَ دُنْيَاهُ وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِالْإِخْوَانِ أَهْلَكَ مُرُوءَتَهُ «ط» قَالَ سُقْرَاطُ مِنْ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ أَنَّكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَخْدِمَكَ فِيهِ أَحَدٌ كَمَا تَجِدُ مَنْ يَخْدِمُكَ فِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ بَلْ تَخْدِمُهُ بِنَفْسِكَ وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى سَلْبِهِ عَنْكَ «ي» قِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ لَا تَنْظُرْ فَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، فَقِيلَ لَا تَسْمَعْ فَسَدَّ أُذُنَيْهِ، فَقِيلَ لَا تَتَكَلَّمْ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ، فَقِيلَ لَهُ لَا تَعْلَمْ فَقَالَ: لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ «يَا» إِذَا كَانَ السَّارِقُ عَالِمًا لَا تُقْطَعُ يَدُهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ كَانَ الْمَالُ وَدِيعَةً لِي وَكَذَا/ الشَّارِبُ يَقُولُ حَسِبْتُهُ خَلَّا وَكَذَا الزَّانِي يَقُولُ تَزَوَّجْتُهَا فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ «يب» قَالَ بَعْضُهُمْ أَحْيُوا قُلُوبَ إِخْوَانِكُمْ بِبَصَائِرِ بَيَانِكُمْ كَمَا تُحْيُونَ الْمَوَاتَ بِالنَّبَاتِ وَالنَّوَاةِ، فَإِنَّ نَفْسًا تَبْعُدُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ أَفْضَلُ مِنْ أَرْضٍ تَصْلُحُ لِلنَّبَاتِ. قَالَ الشَّاعِرُ: وَفِي الْجَهْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ مَوْتٌ لِأَهْلِهِ ... وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُورِ قُبُورُ وَإِنَّ امرأ لم يحيى بِالْعِلْمِ مَيِّتٌ ... وَلَيْسَ لَهُ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ وَأَمَّا النُّكَتُ فَمِنْ وُجُوهٍ: «أ» الْمَعْصِيَةُ عِنْدَ الْجَهْلِ لَا يُرْجَى زَوَالُهَا وَعِنْدَ الشَّهْوَةِ يُرْجَى زَوَالُهَا، انْظُرْ إِلَى زَلَّةِ آدَمَ فَإِنَّهُ بِعِلْمِهِ اسْتَغْفَرَ وَالشَّيْطَانُ غَوَى وَبَقِيَ فِي غَيِّهِ أَبَدًا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ «ب» إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا صَارَ مَلِكًا احْتَاجَ إلى زير فَسَأَلَ رَبَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ لَا تَخْتَرْ إِلَّا فُلَانًا فَرَآهُ يُوسُفُ فِي أَسْوَأِ الْأَحْوَالِ فَقَالَ لِجِبْرِيلَ إِنَّهُ كَيْفَ يَصْلُحُ لِهَذَا الْعَمَلِ مَعَ سُوءِ حَالِهِ فَقَالَ جِبْرِيلُ إِنَّ رَبَّكَ عَيَّنَهُ لِذَلِكَ لأنه كان ذب عنك حيث قال: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ [يُوسُفَ: 27] وَالنُّكْتَةُ أَنَّ الَّذِي ذَبَّ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَحَقَّ الشَّرِكَةَ فِي مَمْلَكَتِهِ فَمَنْ ذَبَّ عَنِ الدِّينِ الْقَوِيمِ بِالْبُرْهَانِ الْمُسْتَقِيمِ كَيْفَ لَا يَسْتَحِقُّ مِنَ اللَّهِ الْإِحْسَانَ وَالتَّحْسِينَ «ج» أَرَادَ وَاحِدٌ خِدْمَةَ مَلِكٍ فَقَالَ الْمَلِكُ اذْهَبْ وَتَعَلَّمْ حَتَّى تَصْلُحَ لِخِدْمَتِي فَلَمَّا شَرَعَ فِي التَّعَلُّمِ وَذَاقَ لَذَّةَ الْعِلْمِ بَعَثَ الْمَلِكُ إِلَيْهِ وَقَالَ اتْرُكِ التَّعَلُّمَ فَقَدْ صِرْتَ أَهْلًا لِخِدْمَتِي فَقَالَ كُنْتُ أَهْلًا لِخِدْمَتِكَ حِينَ لَمْ تَرَنِي أَهْلًا لِخِدْمَتِكَ وَحِينَ رَأَيْتَنِي أَهْلًا لِخِدْمَتِكَ رَأَيْتُ نَفْسِي أَهْلًا لِخِدْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْبَابَ بَابُكَ لِجَهْلِي وَالْآنَ عَلِمْتُ أَنَّ الْبَابَ بَابُ الرَّبِّ «د» تَحْصِيلُ الْعِلْمِ إِنَّمَا يَصْعُبُ عَلَيْكَ لِفَرْطِ حُبِّكَ لِلدُّنْيَا لِأَنَّهُ تَعَالَى أَعْطَاكَ سَوَادَ الْعَيْنِ وَسُوَيْدَاءَ الْقَلْبِ وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّوَادَ أَكْبَرُ مِنَ السُّوَيْدَاءِ فِي اللَّفْظِ لِأَنَّ السُّوَيْدَاءَ تَصْغِيرُ السَّوَادِ ثُمَّ إِذَا وَضَعْتَ عَلَى سَوَادِ عَيْنِكَ جُزْءًا مِنَ الدُّنْيَا لَا تَرَى شَيْئًا فَكَيْفَ إِذَا وَضَعْتَ عَلَى السُّوَيْدَاءِ كُلَّ الدُّنْيَا كَيْفَ تَرَى بِقَلْبِكَ شَيْئًا «هـ» قَالَ حَكِيمٌ: الْقَلْبُ ميت وحياته بالعالم وَالْعِلْمُ مَيِّتٌ وَحَيَاتُهُ
بِالطَّلَبِ وَالطَّلَبُ ضَعِيفٌ وَقُوَّتُهُ بِالْمُدَارَسَةِ فَإِذَا قَوِيَ بِالْمُدَارَسَةِ فَهُوَ مُحْتَجِبٌ وَإِظْهَارُهُ بِالْمُنَاظَرَةِ وَإِذَا ظَهَرَ بِالْمُنَاظَرَةِ فَهُوَ عَقِيمٌ وَنِتَاجُهُ بِالْعَمَلِ فَإِذَا زُوِّجَ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ تَوَالَدَ وَتَنَاسَلَ مُلْكًا أَبَدِيًّا لَا آخر له «و» [رئاسة النملة على غيرها في قصة سليمان لَمْ تَكُنْ إِلَّا بِسَبَبِ أَنَّهَا عَلِمَتْ مَسْأَلَةً واحدة] قالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [النَّمْلِ: 18] إِلَى قَوْلِهِ: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ كانت رئاسة تِلْكَ النَّمْلَةِ عَلَى غَيْرِهَا لَمْ تَكُنْ إِلَّا بِسَبَبِ أَنَّهَا عَلِمَتْ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ كَأَنَّهَا قَالَتْ إِنَّ سُلَيْمَانَ مَعْصُومٌ وَالْمَعْصُومُ لَا يَجُوزُ مِنْهُ إِيذَاءُ الْبَرِيءِ عَنِ الْجُرْمِ وَلَكِنَّهُ لَوْ حَطَّمَكُمْ فَإِنَّمَا يَصْدُرُ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ السَّهْوِ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حَالَكُمْ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ إِشَارَةٌ إِلَى تَنْزِيهِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَتِلْكَ النَّمْلَةُ لَمَّا عَلِمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْوَاحِدَةَ اسْتَحَقَّتِ الرِّيَاسَةَ التَّامَّةَ فَمَنْ عَلِمَ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ كَيْفَ لَا يَسْتَوْجِبُ الرِّيَاسَةَ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ «ز» الْكَلْبُ إِذَا تَعَلَّمَ وَأَرْسَلَهُ الْمَالِكُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى صَارَ صَيْدُهُ النَّجِسُ طَاهِرًا وَالنُّكْتَةُ أَنَّ/ الْعِلْمَ هُنَاكَ انْضَمَّ إِلَى الْكَلْبِ فَصَارَ النَّجِسُ بِبَرَكَةِ الْعِلْمِ طَاهِرًا، فَهَهُنَا النَّفْسُ وَالرُّوحُ طَاهِرَتَانِ فِي أَصْلِ الْفِطْرَةِ إِلَّا أَنَّهُمَا تَلَوَّثَتَا بِأَقْذَارِ الْمَعْصِيَةِ ثُمَّ انْضَمَّ إِلَيْهِمَا الْعِلْمُ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ فَنَرْجُو مِنْ عَمِيمِ لُطْفِهِ أَنْ يَقْلِبَ النَّجِسَ طاهراً هاهنا وَالْمَرْدُودَ مَقْبُولًا «ح» الْقَلْبُ رَئِيسُ الْأَعْضَاءِ ثُمَّ تِلْكَ الرِّيَاسَةُ لَيْسَتْ لِلْقُوَّةِ فَإِنَّ الْعَظْمَ أَقْوَى مِنْهُ وَلَا لِلْعِظَمِ فَإِنَّ الْفَخِذَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَلَا لِلْحِدَّةِ فَإِنَّ الظُّفْرَ أَحَدُّ مِنْهُ وَإِنَّمَا تِلْكَ الرِّيَاسَةُ بِسَبَبِ الْعِلْمِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ أَشْرَفُ الصِّفَاتِ. أَمَّا الْحِكَايَاتُ: «أ» حُكِيَ أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ كَانَ مَعَهُ فُقَهَاءُ وَكَانَ فِيهِمْ أَبُو يُوسُفَ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَادَّعَى عَلَيْهِ آخَرُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ بَيْتِهِ مَالًا بِاللَّيْلِ فَأَقَرَّ الْآخِذُ بِذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ فَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ. فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، قَالُوا لِمَ؟ قَالَ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْأَخْذِ وَالْأَخْذُ لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرَافِ بِالسَّرِقَةِ فَصَدَّقَهُ الْكُلُّ فِي قَوْلِهِ، ثُمَّ قَالُوا لِلْآخِذِ أَسَرَقْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَجْمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا قَطْعَ لِأَنَّهُ وَإِنْ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ لَكِنْ بَعْدَ مَا وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِالْأَخْذِ فَإِذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِهَذَا الْإِقْرَارِ يُسْقِطُ الضَّمَانَ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُسْمَعُ إِقْرَارُهُ فَتَعَجَّبَ الْكُلُّ مِنْ ذَلِكَ «ب» عَنِ الشَّعْبِيِّ كُنْتُ عِنْدَ الْحَجَّاجِ فَأُتِيَ بِيَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ فَقِيهِ خُرَاسَانَ مَعَ بَلْخٍ مُكَبَّلًا بِالْحَدِيدِ فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ أَنْتَ زَعَمْتَ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: بَلَى فَقَالَ: الْحَجَّاجُ لَتَأْتِيَنِّي بِهَا وَاضِحَةً بَيِّنَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ لَأُقَطِّعَنَّكَ عُضْوًا عُضْوًا فَقَالَ آتِيكَ بِهَا وَاضِحَةً بَيِّنَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يَا حَجَّاجُ قَالَ: فَتَعَجَّبْتُ مِنْ جُرْأَتِهِ بِقَوْلِهِ يَا حَجَّاجُ فَقَالَ لَهُ وَلَا تَأْتِنِي بِهَذِهِ الْآيَةِ نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ [آلِ عِمْرَانَ: 61] فَقَالَ: آتِيكَ بِهَا وَاضِحَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ [الْأَنْعَامِ: 84] إِلَى قَوْلِهِ: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى فمن كان أبو عِيسَى وَقَدْ أُلْحِقَ بِذُرِّيَّةِ نُوحٍ؟ قَالَ: فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: كَأَنِّي لَمْ أَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ حُلُّوا وَثَاقَهُ وَأَعْطُوهُ مِنَ الْمَالِ كَذَا «ج» يُحْكَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ جَاءُوا إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ لِيُنَاظِرُوهُ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَيُبَكِّتُوهُ وَيُشَنِّعُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: لَا يُمْكِنُنِي مُنَاظَرَةُ الْجَمِيعِ فَفَوِّضُوا أَمْرَ الْمُنَاظَرَةِ إِلَى أَعْلَمِكُمْ لِأُنَاظِرَهُ فَأَشَارُوا إِلَى وَاحِدٍ فَقَالَ: هَذَا أَعْلَمُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: وَالْمُنَاظَرَةُ مَعَهُ كَالْمُنَاظَرَةِ مَعَكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: وَالْإِلْزَامُ عَلَيْهِ كَالْإِلْزَامِ عَلَيْكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: وَإِنْ نَاظَرْتُهُ وَأَلْزَمْتُهُ الْحُجَّةَ فَقَدْ لَزِمَتْكُمُ الْحُجَّةُ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: كَيْفَ؟ قَالُوا: لِأَنَّا رَضِينَا بِهِ إِمَامًا فَكَانَ قَوْلُهُ قَوْلًا لَنَا قَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ فَنَحْنُ لَمَّا اخْتَرْنَا الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ قِرَاءَةً لَنَا وَهُوَ يَنُوبُ عَنَّا فَأَقَرُّوا لَهُ بِالْإِلْزَامِ
«د» هجا الفرزدق واحد «1» فَقَالَ: لَقَدْ ضَاعَ شِعْرِي عَلَى بَابِكُمْ ... كَمَا ضَاعَ دُرٌّ عَلَى خَالِصَةْ وَكَانَتْ خَالِصَةُ مَعْشُوقَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَانَتْ ظَرِيفَةً صَاحِبَةَ أَدَبٍ وَكَانَتْ هَيْبَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ تَفُوقُ هَيْبَةَ الْمَرْوَانِيِّينَ فَلَمَّا بَلَغَهَا هَذَا الْبَيْتُ شَقَّ عَلَيْهَا فَدَخَلَتْ عَلَى سُلَيْمَانَ وَشَكَتِ/ الْفَرَزْدَقَ فَأَمَرَ سُلَيْمَانُ بِإِشْخَاصِ الْفَرَزْدَقِ عَلَى أَفْظَعِ الْوُجُوهِ مُكَبَّلًا مُقَيَّدًا فَلَمَّا حَضَرَ وَمَا كَانَ بِهِ مِنَ الرَّمَقِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا يُقِيمُهُ عَلَى الرِّجْلِ مِنْ شِدَّةِ الْهَيْبَةِ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَنْتَ الْقَائِلُ: لَقَدْ ضَاعَ شِعْرِي عَلَى بَابِكُمْ ... كَمَا ضَاعَ دُرٌّ عَلَى خَالِصَةْ فَقَالَ مَا قُلْتُهُ هَكَذَا وَإِنَّمَا غَيَّرَهُ عَلَيَّ مَنْ أَرَادَ بِي مَكْرُوهًا وَإِنَّمَا قُلْتُ: وَخَالِصَةُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ تَسْمَعُ: لَقَدْ ضَاءَ شِعْرِي عَلَى بَابِكُمْ ... كَمَا ضَاءَ دُرٌّ عَلَى خَالِصَةْ فَسُرِّيَ عَنْ خَالِصَةَ فَلَمْ تَمْلِكْ نَفْسَهَا أَنْ خَرَجَتْ مِنَ السِّتْرِ فَأَلْقَتْ عَلَى الْفَرَزْدَقِ مَا كَانَ عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ وَهِيَ زِيَادَةٌ عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَتْبَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَاجِبَهُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى اشْتَرَى الْحُلِيَّ مِنَ الْفَرَزْدَقِ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَرَدَّهُ عَلَى خَالِصَةَ «هـ» دَعَا الْمَنْصُورُ أَبَا حَنِيفَةَ يَوْمًا فَقَالَ الرَّبِيعُ وَهُوَ يُعَادِيهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ يُخَالِفُ جَدَّكَ حَيْثُ يَقُولُ: الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْفَصِلُ جَائِزٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُنْكِرُهُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا الرَّبِيعُ يَقُولُ لَيْسَ لَكَ بَيْعَةٌ فِي رَقَبَةِ النَّاسِ فَقَالَ كَيْفَ؟ قَالَ إِنَّهُمْ يَعْقِدُونَ الْبَيْعَةَ لَكَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ فَيَسْتَثْنُونَ فَتَبْطُلُ بَيْعَتُهُمْ فَضَحِكَ الْمَنْصُورُ وَقَالَ: إِيَّاكَ يَا رَبِيعُ وَأَبَا حَنِيفَةَ فَلَمَّا خَرَجَ فَقَالَ الرَّبِيعُ يَا أَبَا حَنِيفَةَ سَعَيْتَ فِي دَمِي فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُنْتَ الْبَادِيَ وَأَنَا الْمُدَافِعُ. وَيُحْكَى أَنَّ مُسْلِمًا قَتَلَ ذِمِّيًّا عَمْدًا فَحَكَمَ أَبُو يُوسُفَ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ بِهِ فَبَلَغَ زُبَيْدَةَ ذَلِكَ فَبَعَثَتْ إِلَى أَبِي يُوسُفَ فَقَالَتْ: إِيَّاكَ وَأَنْ تَقْتُلَ الْمُسْلِمَ وَكَانَتْ فِي عِنَايَةٍ عَظِيمَةٍ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا حَضَرَ أَبُو يُوسُفَ وَحَضَرَ الْفُقَهَاءُ وَجِيءَ بِأَوْلِيَاءَ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ احْكُمْ بِقَتْلِهِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ مَذْهَبِي غَيْرَ أَنِّي لَسْتُ أَقْتُلُ الْمُسْلِمَ بِهِ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَنَّ الذِّمِّيَّ يَوْمَ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُ كَانَ مِمَّنْ يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَبَطَلَ دَمُهُ «ز» دَخَلَ الْغَضْبَانُ عَلَى الْحَجَّاجِ بعد ما قَالَ لِعَدُوِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ تَغَدَّ بِالْحَجَّاجِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى بِكَ فقال له ما جواب السلم عليك؟ فقال وعليك السلام ثم فإن الْحَجَّاجُ، وَقَالَ: قَاتَلَكَ اللَّهُ يَا غَضْبَانُ، أَخَذْتَ لِنَفْسِكَ أَمَانًا بِرَدِّي عَلَيْكَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا الْوَفَاءُ وَالْكَرَمُ، لَمَا شَرِبْتَ الْمَاءَ الْبَارِدَ بَعْدَ سَاعَتِكَ هَذِهِ. فَانْظُرْ إِلَى فَائِدَةِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَلِلَّهِ دَرُّ الْعِلْمِ وَمَنْ بِهِ تَرَدَّى، وَتَعْسًا لِلْجَهْلِ وَمَنْ فِي أَوْدِيَتِهِ تَرَدَّى «ح» بَلَغَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَمِنَّا سُوَيْدٌ وَالْبَطِينُ وَقَعْنَبُ ... وَمِنَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ شَبِيبُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَنْتَ الْقَائِلُ وَمَنَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ شَبِيبُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ وَمِنَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ شَبِيبُ، بِنَصْبِ الرَّاءِ فَنَادَيْتُكَ وَاسْتَغَثْتُ بِكَ، فَسُرِّيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَتَخَلَّصَ الرَّجُلُ مِنَ الْهَلَاكِ بِصَنْعَةٍ يَسِيرَةٍ عَمِلَهَا بِعِلْمِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ حَوَّلَ الضَّمَّةَ فَتْحَةً. «ط» قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: صَاحِبُ الدَّوْلَةِ لِسُلَيْمَانَ بن كثير: بلغني أنك
كُنْتَ فِي مَجْلِسٍ وَقَدْ جَرَى بَيْنَ يَدَيْكَ ذِكْرِي، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ سَوِّدْ وَجْهَهُ وَاقْطَعْ عُنُقَهُ وَأَسْقِنِي مِنْ دَمِهِ، فَقَالَ: نَعَمْ قُلْتُهُ، وَلَكِنْ فِي كَرْمِ كَذَا لَمَّا نَظَرْتُ إِلَى الْحِصْرِمِ فَاسْتَحْسَنَ/ قَوْلَهُ، وَعَفَا عَنْهُ. «ي» قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ: إِنِّي حَلَفْتُ لَا أُكَلِّمُ امْرَأَتِي حَتَّى تُكَلِّمَنِي وَحَلَفَتْ بِصَدَقَةِ مَا تَمْلِكُ أَنْ لَا تُكَلِّمَنِي أَوْ أُكَلِّمَهَا فَتَحَيَّرَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ فَقَالَ سُفْيَانُ مَنْ كَلَّمَ صَاحِبَهُ حَنِثَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: اذْهَبْ وَكَلِّمْهَا وَلَا حِنْثَ عَلَيْكُمَا. فَذَهَبَ إِلَى سُفْيَانَ وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَذَهَبَ سُفْيَانُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ مُغْضَبًا وَقَالَ: تُبِيحُ الْفُرُوجَ! فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ سُفْيَانُ: أَعِيدُوا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ السُّؤَالَ، فَأَعَادُوا وَأَعَادَ أَبُو حَنِيفَةَ الْفَتْوَى، فَقَالَ مِنْ أَيْنَ قُلْتَ؟ قَالَ: لَمَّا شَافَهَتْهُ بِالْيَمِينِ بعد ما حَلَفَ كَانَتْ مُكَلِّمَةً فَسَقَطَتْ يَمِينُهُ، وَإِنْ كَلَّمَهَا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ قَدْ كَلَّمَهَا بَعْدَ الْيَمِينِ فَسَقَطَتِ الْيَمِينُ عَنْهُمَا. قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّهُ لَيُكْشَفُ لَكَ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ شَيْءٍ كُلُّنَا عَنْهُ غَافِلٌ. «يا» دَخَلَ اللُّصُوصُ عَلَى رَجُلٍ فَأَخَذُوا مَتَاعَهُ وَاسْتَحْلَفُوهُ بِالطَّلَاقِ ثَلَاثًا أَنْ لَا يُعْلِمَ أَحَدًا، فَأَصْبَحَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَرَى اللُّصُوصَ يَبِيعُونَ مَتَاعَهُ وَلَيْسَ يَقْدِرُ أَنْ يَتَكَلَّمَ مِنْ أَجْلِ يَمِينِهِ، فَجَاءَ الرَّجُلُ يُشَاوِرُ أَبَا حَنِيفَةَ فَقَالَ: أَحْضِرْ لِي إِمَامَ مَسْجِدِكَ وَأَهْلَ مَحَلَّتِكَ فَأَحْضَرَهُمْ إِيَّاهُ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ. هَلْ تُحِبُّونَ أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ عَلَى هَذَا مَتَاعَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَاجْمَعُوا كُلًّا مِنْهُمْ وَأَدْخِلُوهُمْ فِي دَارٍ ثُمَّ أَخْرِجُوهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَقُولُوا أَهَذَا لِصُّكَ؟ فَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِلِصِّهِ قَالَ: لَا، وَإِنْ كَانَ لِصَّهُ فَلْيَسْكُتْ، وَإِذَا سَكَتَ فَاقْبِضُوا عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا سُرِقَ مِنْهُ «يب» كَانَ فِي جِوَارِ أَبِي حَنِيفَةَ فَتًى يَغْشَى مَجْلِسَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَقَالَ يَوْمًا لِأَبِي حَنِيفَةَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ ابْنَةَ فُلَانٍ وَقَدْ خَطَبْتُهَا، إِلَّا أَنَّهُمْ قَدْ طَلَبُوا مِنِّي مِنَ الْمَهْرِ فَوْقَ طَاقَتِي، فَقَالَ: احْتَلْ وَاقْتَرِضْ وَادْخُلْ عَلَيْهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُسَهِّلُ الْأَمْرَ عَلَيْكَ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْرَضَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ الْقَدْرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: بَعْدَ الدُّخُولِ أَظْهِرْ أَنَّكَ تُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ، وَأَنَّكَ تُسَافِرُ بِأَهْلِكَ مَعَكَ: فَأَظْهَرَ الرَّجُلُ ذَلِكَ. فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْمَرْأَةِ وَجَاءُوا إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ يَشْكُونَهُ وَيَسْتَفْتُونَهُ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ ذَلِكَ، فَقَالُوا: وَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى دَفْعِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الطَّرِيقُ أَنْ تُرْضُوهُ بِأَنْ تَرُدُّوا عَلَيْهِ مَا أَخَذْتُمُوهُ مِنْهُ، فَأَجَابُوهُ إِلَيْهِ، فَذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ، فَقَالَ الزَّوْجُ: فَأَنَا أُرِيدُ مِنْهُمْ شَيْئًا آخَرَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ تَرْضَى بِهَذَا الْقَدْرِ وَإِلَّا أَقَرَّتْ لِرَجُلٍ بَدَيْنٍ فَلَا تَمْلِكُ الْمُسَافَرَةَ بِهَا حَتَّى تَقْضِيَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الدَّيْنِ فَقَالَ الرَّجُلُ اللَّهَ اللَّهَ لَا يَسْمَعُوا بِهَذَا فَلَا آخُذُ مِنْهُمْ شَيْئًا وَرَضِيَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ فَحَصَلَ بِبَرَكَةِ عِلْمِ أَبِي حَنِيفَةَ فَرَجُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ «يج» عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ، لِي ابْنٌ لَيْسَ بِمَحْمُودِ السِّيرَةِ أَشْتَرِي لَهُ الْجَارِيَةَ بِالْمَالِ الْعَظِيمِ فَيُعْتِقُهَا وَأُزَوِّجُهُ الْمَرْأَةَ بِالْمَالِ الْعَظِيمِ فَيُطَلِّقُهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: اذْهَبْ بِهِ مَعَكَ إِلَى سُوقِ النَّخَّاسِينَ فَإِذَا وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى جَارِيَةٍ فَابْتَعْهَا لِنَفْسِكَ ثُمَّ زَوِّجْهَا إِيَّاهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا عَادَتْ إِلَيْكَ مَمْلُوكَةً وَإِنْ أَعْتَقَهَا لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ إياها، قال الليث: فو الله مَا أَعْجَبَنِي جَوَابُهُ كَمَا أَعْجَبَنِي سُرْعَةُ جَوَابِهِ «يد» سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ لَيَقْرَبَنَّ امْرَأَتَهُ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ وَجْهَ الْجَوَابِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُسَافِرُ مَعَ امْرَأَتِهِ فَيَطَؤُهَا نَهَارًا/ فِي رَمَضَانَ «1» «يه» جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: سُرِقَتْ لِي أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْحَجَّاجُ: مَنْ تَتَّهِمُ؟ فَقَالَ: لَا أَتَّهِمُ أَحَدًا قَالَ: لَعَلَّكَ أُتِيتَ مِنْ قِبَلِ أَهْلِكَ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ امْرَأَتِي خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ قَالَ الْحَجَّاجُ لِعَطَّارِهِ اعْمَلْ لِي طِيبًا ذَكِيًّا لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فَعَمِلَ لَهُ الطِّيبَ ثُمَّ دَعَا الشَّيْخَ فَقَالَ: ادَّهِنْ مِنْ هَذِهِ الْقَارُورَةِ وَلَا تُدْهِنْ مِنْهَا غَيْرَكَ ثُمَّ قَالَ الْحَجَّاجُ لِحَرَسِهِ: اقْعُدُوا عَلَى أَبْوَابِ
الْمَسَاجِدِ وَأَرَاهُمُ الطِّيبَ وَقَالَ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ فَخُذُوهُ فَإِذَا رَجُلٌ لَهُ وَفْرَةٌ فَأَخَذُوهُ فَقَالَ الْحَجَّاجُ مِنْ أَيْنَ لَكَ هذا الذهن؟ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ قَالَ: اصْدُقْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ فَصَدَقَهُ فَدَعَا الشَّيْخَ وَقَالَ: هَذَا صَاحِبُ الْأَرْبَعَةِ آلَافٍ عَلَيْكَ بِامْرَأَتِكَ فَأَحْسِنْ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَخَذَ الْأَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنَ الرَّجُلِ، وَرَدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا «يو» قَالَ الرَّشِيدُ يَوْمًا لِأَبِي يُوسُفَ: عِنْدَ جَعْفَرِ بْنِ عِيسَى جَارِيَةٌ هِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ وَقَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ وَلَا يُعْتِقَ، وَهُوَ الْآنَ يَطْلُبُ حِلَّ يَمِينِهِ. فَقَالَ: يَهَبُ النِّصْفَ وَيَبِيعُ النِّصْفَ وَلَا يَحْنَثُ «يز» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: كُنْتُ نَائِمًا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَإِذَا أَنَا بِالْبَابِ يُدَقُّ وَيُقْرَعُ فَقُلْتُ: انْظُرُوا مَنْ ذَاكَ؟ فَقَالُوا: رَسُولُ الْخَلِيفَةِ يَدْعُوكَ فَخِفْتُ عَلَى رُوحِي فَقُمْتُ وَمَضَيْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ قَالَ: دَعَوْتُكَ فِي مَسْأَلَةٍ: إِنَّ أُمَّ مُحَمَّدٍ يَعْنِي زبية قُلْتُ لَهَا أَنَا الْإِمَامُ الْعَدْلُ، وَالْإِمَامُ الْعَدْلُ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَتْ لِي إِنَّكَ ظَالِمٌ عَاصٍ فَقَدْ شَهِدْتَ لِنَفْسِكَ بِالْجَنَّةِ فَكَفَرْتَ بِكَذِبِكَ عَلَى اللَّهِ وَحَرُمْتُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا وَقَعْتَ فِي مَعْصِيَةٍ هَلْ تَخَافُ اللَّهَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ بَعْدَهَا: فَقَالَ إِي وَاللَّهِ أَخَافُ خَوْفًا شَدِيدًا، فَقُلْتُ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ لَكَ جَنَّتَيْنِ، لَا جَنَّةً وَاحِدَةً قَالَ تَعَالَى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [الرَّحْمَنِ: 46] فلا أفني وَأَمَرَنِي بِالِانْصِرَافِ فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى دَارِي رَأَيْتُ الْبِدَرُ مُتَبَادِرَةٌ إِلَيَّ «يح» يُحْكَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ أَتَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ رَسُولُ الرَّشِيدِ يَسْتَعْجِلُهُ، فَخَافَ أَبُو يُوسُفَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَبِسَ إِزَارَهُ وَمَشَى خَائِفًا إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ الْجَوَابَ وَأَدْنَاهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ هَدَأَ رَوْعُهُ، قَالَ الرَّشِيدُ إِنَّ حُلِيًّا لَنَا فُقِدَ مِنَ الدَّارِ فَاتَّهَمْتُ فِيهِ جَارِيَةً مِنْ جَوَارِي الدَّارِ الْخَاصَّةِ، فَحَلَفْتُ لَتَصْدُقِينِي أَوْ لَأَقْتُلَنَّكِ وَقَدْ نَدِمْتُ فَاطْلُبْ لِي وَجْهًا، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَأْذَنْ لِي فِي الدُّخُولِ عَلَيْهَا فَأَذِنَ لَهُ فَرَأَى جَارِيَةً كَأَنَّهَا فِلْقَةُ قَمَرٍ، فَأَخْلَى الْمَجْلِسَ ثُمَّ قَالَ لَهَا: أَمَعَكِ الْحُلِيُّ؟ فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، فَقَالَ: لَهَا احْفَظِي مَا أَقُولُ لَكِ وَلَا تَزِيدِي عَلَيْهِ وَلَا تَنْقُصِي عَنْهُ إِذَا دَعَاكِ الْخَلِيفَةُ وَقَالَ لَكِ أَسَرَقْتِ الْحُلِيَّ فَقُولِي نَعَمْ، فَإِذَا قَالَ لَكِ فَهَاتِهَا فَقُولِي مَا سَرَقْتُهَا، ثُمَّ خَرَجَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى مَجْلِسِ الرَّشِيدِ وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الْجَارِيَةِ فَحَضَرَتْ، فَقَالَ لِلْخَلِيفَةِ: سَلْهَا عَنِ الْحُلِيِّ، فَقَالَ لَهَا الْخَلِيفَةُ: أَسَرَقْتِ الْحُلِيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ لَهَا: فَهَاتِهَا، قَالَتْ: لَمْ أَسْرِقْهَا وَاللَّهِ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: قَدْ صَدَقَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْإِقْرَارِ أَوِ الْإِنْكَارِ وَخَرَجْتَ مِنَ الْيَمِينِ، فَسَكَنَ غَضَبُ الرَّشِيدِ وَأَمَرَ أَنْ يُحْمَلَ إِلَى دَارِ أَبِي يُوسُفَ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالُوا: إِنَّ الْخُزَّانَ غُيَّبٌ فَلَوْ أَخَّرْنَا ذَلِكَ إِلَى الْغَدِ، فَقَالَ: إِنَّ الْقَاضِيَ أَعْتَقَنَا اللَّيْلَةَ/ فَلَا نُؤَخِّرُ صِلَتَهُ إِلَى الْغَدِ، فَأَمَرَ حَتَّى حُمِلَ عَشْرُ بِدَرٍ مَعَ أَبِي يُوسُفَ إِلَى مَنْزِلِهِ. «يط» قَالَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ لِلشَّافِعِيِّ: كَيْفَ تَدَّعِي انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّ أَهْلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ وُجُودِ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةُ عِنْدَ الرَّشِيدِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَلْ تَعْرِفُ إِجْمَاعَ النَّاسِ عَلَى خِلَافَةِ هَذَا الْجَالِسِ؟ فَأَقَرَّ بِهِ خَوْفًا وَانْقَطَعَ، «ك» أَعْرَابِيٌّ قَصَدَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ حَاجَةً وَقَالَ: سَمِعْتُ جَدَّكَ يَقُولُ: إِذَا سَأَلْتُمْ حَاجَةً فَاسْأَلُوهَا مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةٍ: إِمَّا عَرَبِيٌّ شَرِيفٌ، أَوْ مَوْلًى كَرِيمٌ، أَوْ حَامِلُ الْقُرْآنِ، أَوْ صَاحِبُ وَجْهٍ صَبِيحٍ فَأَمَّا الْعَرَبُ فَشَرُفَتْ بِجَدِّكَ، وَأَمَّا الْكَرَمُ فَدَأْبِكُمْ وَسِيرَتِكُمْ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَفِي بُيُوتِكُمْ نَزَلَ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الصَّبِيحُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إِلَيَّ فَانْظُرُوا إِلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، فَقَالَ الحسين: ما حاجتك؟ فكتبها على الأرض، فَقَالَ الْحُسَيْنُ سَمِعْتُ أَبِي عَلِيًّا يَقُولُ قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ. وَسَمِعْتُ جَدِّي يَقُولُ: الْمَعْرُوفُ بِقَدْرِ الْمَعْرِفَةِ فَأَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثِ مَسَائِلَ إِنْ أَحْسَنْتَ فِي جَوَابِ وَاحِدَةٍ فَلَكَ ثُلُثُ مَا عِنْدِي وَإِنْ أَجَبْتَ عَنِ اثْنَتَيْنِ فَلَكَ ثُلُثَا مَا عِنْدِي وَإِنْ أَجَبْتَ عَنِ الثَّلَاثِ فَلَكَ كُلُّ مَا عِنْدِي وَقَدْ حُمِلَ إِلَيَّ صُرَّةٌ مَخْتُومَةٌ مِنَ الْعِرَاقِ فَقَالَ: سَلْ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَقَالَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: الْإِيمَانُ بِاللَّهِ.
قَالَ: فَمَا نَجَاةُ الْعَبْدِ مِنَ الْهَلَكَةِ قَالَ: الثِّقَةُ بِاللَّهِ، قَالَ: فَمَا يُزَيِّنُ الْمَرْءَ قَالَ: عِلْمٌ مَعَهُ حِلْمٌ قَالَ: فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذَلِكَ قَالَ: فَمَالٌ مَعَهُ كَرَمٌ قَالَ: فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذَلِكَ قَالَ: فَفَقْرٌ مَعَهُ صَبْرٌ قَالَ: فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذَلِكَ قَالَ: فَصَاعِقَةٌ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فَتُحْرِقُهُ فَضَحِكَ الْحُسَيْنُ وَرَمَى بِالصُّرَّةِ إِلَيْهِ. أَمَّا الشَّوَاهِدُ الْعَقْلِيَّةُ فِي فَضِيلَةِ الْعِلْمِ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ الْعِلْمِ صِفَةَ شَرَفٍ وَكَمَالٍ وَكَوْنَ الْجَهْلِ صِفَةَ نُقْصَانٍ أَمْرٌ مَعْلُومٌ لِلْعُقَلَاءِ بِالضَّرُورَةِ وَلِذَلِكَ لَوْ قِيلَ لِلرَّجُلِ الْعَالِمِ يَا جَاهِلُ فَإِنَّهُ يَتَأَذَّى بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ كَذِبَ ذَلِكَ وَلَوْ قِيلَ لِلرَّجُلِ الْجَاهِلِ يَا عَالِمُ فَإِنَّهُ يَفْرَحُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ شَرِيفٌ لِذَاتِهِ وَمَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ وَالْجَهْلَ نُقْصَانٌ لِذَاتِهِ وَأَيْضًا فَالْعِلْمُ أَيْنَمَا وُجِدَ كَانَ صَاحِبُهُ مُحْتَرَمًا مُعَظَّمًا حَتَّى إِنَّ الْحَيَوَانَ إِذَا رَأَى الْإِنْسَانَ احْتَشَمَهُ بَعْضَ الِاحْتِشَامِ وَانْزَجَرَ بِهِ بَعْضَ الِانْزِجَارِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ أَقْوَى بِكَثِيرٍ مِنَ الْإِنْسَانِ وَكَذَلِكَ جَمَاعَةُ الرُّعَاةِ إِذَا رَأَوْا مِنْ جِنْسِهِمْ مَنْ كَانَ أَوْفَرَ عَقْلًا مِنْهُمْ وَأَغْزَرَ فَضْلًا فِيمَا هُمْ فِيهِ وَبِصَدَدِهِ انْقَادُوا لَهُ طَوْعًا فَالْعُلَمَاءُ إِذَا لَمْ يُعَانَدُوا كَانُوا رُؤَسَاءَ بِالطَّبْعِ عَلَى مَنْ كَانَ دُونَهُمْ فِي الْعِلْمِ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ كَانُوا يُعَانِدُونَ النبي صلى الله عليه وسلم فصدوه لِيَقْتُلُوهُ فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ وَقَعَ بَصَرُهُمْ عَلَيْهِ فَأَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْهُ رَوْعَةً وَهَيْبَةً فَهَابُوهُ وَانْقَادُوا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِرُ: لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ ... كَانَتْ بَدَاهَتُهُ تُنْبِيكَ عَنْ خَبَرِ وَأَيْضًا فَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِنْسَانَ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَلَيْسَتْ تِلْكَ الْفَضِيلَةُ لِقُوَّتِهِ وَصَوْلَتِهِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ يُسَاوِيهِ فِيهَا أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ فَإِذَنْ تِلْكَ الْفَضِيلَةُ لَيْسَتْ إِلَّا لِاخْتِصَاصِهِ بِالْمَزِيَّةِ/ النُّورَانِيَّةِ وَاللَّطِيفَةِ الرَّبَّانِيَّةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا صَارَ مُسْتَعِدًّا لِإِدْرَاكِ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا وَالِاشْتِغَالِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ عَلَى مَا قَالَ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذَّارِيَاتِ: 56] وَأَيْضًا الْجَاهِلُ كَأَنَّهُ فِي ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ لَا يَرَى شَيْئًا الْبَتَّةَ وَالْعَالِمُ كَأَنَّهُ يَطِيرُ فِي أَقْطَارِ الْمَلَكُوتِ وَيَسْبَحُ فِي بِحَارِ الْمَعْقُولَاتِ فَيُطَالِعُ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ وَالْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ وَالْمُحَالَ ثُمَّ يَعْرِفُ انْقِسَامَ الْمُمْكِنِ إِلَى الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ وَالْجَوْهَرِ إِلَى الْبَسِيطِ وَالْمُرَكَّبِ وَيُبَالِغُ فِي تَقْسِيمِ كُلٍّ مِنْهَا إِلَى أَنْوَاعِهَا وَأَنْوَاعِ أَنْوَاعِهَا وَأَجْزَائِهَا وَأَجْزَاءِ أَجْزَائِهَا وَالْجُزْءِ الَّذِي بِهِ يُشَارِكُ غَيْرَهُ وَالْجُزْءِ الَّذِي بِهِ يَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهِ وَيَعْرِفُ أَثَرَ كُلِّ شَيْءٍ وَمُؤَثِّرَهُ وَمَعْلُولَهُ وَعِلَّتَهُ وَلَازِمَهُ وَمَلْزُومَهُ وَكُلِّيَّهُ وَجُزْئِيَّهُ وَوَاحِدَهُ وَكَثِيرَهُ حَتَّى يَصِيرَ عَقْلُهُ كَالنُّسْخَةِ الَّتِي أُثْبِتَ فِيهَا جَمِيعُ الْمَعْلُومَاتِ بِتَفَاصِيلِهَا وَأَقْسَامِهَا فَأَيُّ سَعَادَةٍ فَوْقَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ كَذَلِكَ تَصِيرُ النُّفُوسُ الْجَاهِلَةُ عَالِمَةً فَتَصِيرُ تِلْكَ النَّفْسُ كَالشَّمْسِ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ وَسَبَبًا لِلْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ لِسَائِرِ النُّفُوسِ فَإِنَّهَا كَانَتْ كَامِلَةً ثُمَّ صَارَتْ مُكَمِّلَةً وَتَصِيرُ وَاسِطَةً بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [النَّحْلِ: 2] وَالْمُفَسِّرُونَ فَسَّرُوا هَذَا الرُّوحَ بِالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ وَكَمَا أَنَّ الْبَدَنَ بِلَا رُوحٍ مَيِّتٌ فَاسِدٌ فَكَذَا الرُّوحُ بِلَا عِلْمٍ مَيِّتٌ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشُّورَى: 52] فَالْعِلْمُ رُوحُ الرُّوحِ وَنُورُ النُّورِ وَلُبُّ اللُّبِّ وَمِنْ خَوَاصِّ هَذِهِ السَّعَادَةِ أَنَّهَا تَكُونُ بَاقِيَةً آمِنَةً عَنِ الْفَنَاءِ وَالتَّغَيُّرِ، فَإِنَّ التَّصَوُّرَاتِ الْكُلِّيَّةَ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الزَّوَالُ وَالتَّغَيُّرُ وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ السَّعَادَةُ فِي نِهَايَةِ الْجَلَالَةِ فِي ذَاتِهَا ثُمَّ إِنَّهَا بَاقِيَةٌ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ كَانَتْ لَا مَحَالَةَ أَكْمَلَ السِّعَادَاتِ وَأَيْضًا فَالْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَا بُعِثُوا إِلَّا لِلدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ قَالَ تَعَالَى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [النَّحْلِ: 125] إِلَى آخِرِهِ، وَقَالَ: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يُوسُفَ: 108] ثُمَّ خُذْ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا قَالَ: إِنِّي جاعِلٌ
فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30] قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها قَالَ سُبْحَانَهُ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ فَأَجَابَهُمْ سُبْحَانَهُ بِكَوْنِهِ عَالِمًا فَلَمْ يَجْعَلْ سَائِرَ صِفَاتِ الْجَلَالِ مِنَ الْقُدْرَةِ. وَالْإِرَادَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَالْوُجُودِ، وَالْقِدَمِ، وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ جَوَابًا لَهُمْ وَمُوجِبًا لِسُكُوتِهِمْ وَإِنَّمَا جَعَلَ صِفَةَ الْعِلْمِ جَوَابًا لَهُمْ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْكَمَالِ وَإِنْ كَانَتْ بِأَسْرِهَا فِي نِهَايَةِ الشَّرَفِ إِلَّا أَنَّ صِفَةَ الْعِلْمِ أَشْرَفُ مِنْ غَيْرِهَا ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَظْهَرَ فَضْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْعِلْمِ وَذَلِكَ يَدُلُّ أَيْضًا على الْعِلْمَ أَشْرَفُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَظْهَرَ عِلْمَهُ جَعَلَهُ مَسْجُودَ الْمَلَائِكَةِ وَخَلِيفَةَ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْمَنْقَبَةَ إِنَّمَا اسْتَحَقَّهَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْعِلْمِ ثُمَّ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ افْتَخَرَتْ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ وَالِافْتِخَارُ بِهِمَا إِنَّمَا يَحْصُلُ لَوْ كَانَا مَقْرُونَيْنِ بِالْعِلْمِ فَإِنَّهُمَا إِنْ حَصَلَا بِدُونِ الْعِلْمِ كَانَ ذَلِكَ نِفَاقًا وَالنِّفَاقُ أَخَسُّ الْمَرَاتِبِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النِّسَاءِ: 145] أَوْ تَقْلِيدًا وَالتَّقْلِيدُ مَذْمُومٌ فَثَبَتَ أَنَّ تَسْبِيحَهُمْ وَتَقْدِيسَهُمْ إِنَّمَا صَارَ مُوجِبًا لِلِافْتِخَارِ بِبَرَكَةِ الْعِلْمِ. ثم إن آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَعْصِيَةِ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ/ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَلِأَجْلِ هَذَا الْخَطَأِ الْقَلِيلِ وَقَعَ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ وَالشَّيْءُ كُلَّمَا كَانَ الْخَطَرُ فِيهِ أَكْثَرَ كَانَ أَشْرَفَ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ جَلَالَةِ الْعِلْمِ. ثُمَّ إِنَّهُ بِبَرَكَةِ جَلَالَةِ الْعِلْمِ لَمَّا تَابَ وَأَنَابَ وَتَرَكَ الْإِصْرَارَ وَالِاسْتِكْبَارَ وَجَدَ خُلْعَةَ الِاجْتِبَاءِ، ثُمَّ انْظُرْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَيْفَ اشْتَغَلَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ بِطَلَبِ الْعِلْمِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً [الْأَنْعَامِ: 76] ثُمَّ انْتَقَلَ مِنَ الْكَوَاكِبِ إِلَى الْقَمَرِ وَمِنَ الْقَمَرِ إِلَى الشَّمْسِ وَلَمْ يَزَلْ يَنْتَقِلُ بِفِكْرِهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ إِلَى أَنْ وَصَلَ بِالدَّلِيلِ الزَّاهِرِ وَالْبُرْهَانِ الْبَاهِرِ إِلَى الْمَقْصُودِ وَأَعْرَضَ عَنِ الشِّرْكِ فَقَالَ: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الْأَنْعَامِ: 79] فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مَدَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَشْرَفِ الْمَدَائِحِ وَعَظَّمَهُ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ فَقَالَ تَارَةً: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْأَنْعَامِ : 75] وَقَالَ أُخْرَى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ [الْأَنْعَامِ: 83] ثُمَّ إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَبْدَأِ اشْتَغَلَ بِمَعْرِفَةِ الْمَعَادِ فَقَالَ: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [الْبَقَرَةِ: 260] ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّعَلُّمِ اشْتَغَلَ بِالتَّعْلِيمِ وَالْمُحَاجَّةِ تَارَةً مَعَ أَبِيهِ عَلَى مَا قَالَ: لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ [مَرْيَمَ: 42] وَتَارَةً مَعَ قَوْمِهِ فَقَالَ: مَا هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 52] وَأُخْرَى مَعَ مَلِكِ زَمَانِهِ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ [الْبَقَرَةِ: 258] وَانْظُرْ إِلَى صَالِحٍ وَهُودٍ وَشُعَيْبٍ كَيْفَ كَانَ اشْتِغَالُهُمْ فِي أَوَائِلِ أُمُورِهِمْ وَأَوَاخِرِهَا بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ وَإِرْشَادِ الْخَلْقِ إِلَى النَّظَرِ وَالتَّفَكُّرِ فِي الدَّلَائِلِ وَكَذَلِكَ أَحْوَالُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ فِرْعَوْنِ وَجُنُودِهِ وَوُجُوهُ دَلَائِلِهِ مَعَهُ، ثُمَّ انْظُرْ إِلَى حَالِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْعِلْمِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَقَالَ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [الضُّحَى: 7- 8] فَقَدَّمَ الِامْتِنَانَ بِالْعِلْمِ عَلَى الِامْتِنَانِ بِالْمَالِ وَقَالَ أَيْضًا: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشُّورَى: 52] وَقَالَ: مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هُودٍ: 49] ثُمَّ إِنَّهُ أَوَّلُ مَا أَوْحَى إِلَيْهِ قَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [الْعَلَقِ: 1] ثُمَّ قَالَ: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النِّسَاءِ: 113] وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ أَبَدًا يَقُولُ: أَرِنَا الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ. فَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْإِنْسَانِ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلَائِلِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ شَرَفُ الْعِلْمِ لَاسْتَحَالَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ شَيْءٌ أَصْلًا وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْعِلْمَ فِي كِتَابِهِ بِالْأَسْمَاءِ الشَّرِيفَةِ. فَمِنْهَا: الْحَيَاةُ أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الْأَنْعَامِ: 122] . وَثَانِيهَا: الرُّوحُ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشُّورَى: 52] ، وَثَالِثُهَا: النُّورُ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النُّورِ: 35]
وَأَيْضًا قَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ طَالُوتَ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [الْبَقَرَةِ: 247] فَقَدَّمَ الْعِلْمَ عَلَى الْجِسْمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ سَائِرِ النِّعَمِ سَعَادَةُ الْبَدَنِ، فَسَعَادَةُ الْبَدَنِ أَشْرَفُ مِنَ السَّعَادَةِ الْمَالِيَّةِ فَإِذَا كَانَتِ السَّعَادَةُ الْعِلْمِيَّةُ رَاجِحَةً عَلَى السَّعَادَةِ الْجُسْمَانِيَّةِ فَأَوْلَى أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً عَلَى السَّعَادَةِ الْمَالِيَّةِ. وَقَالَ يُوسُفُ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يُوسُفَ: 55] وَلَمْ يَقُلْ إِنِّي حَسِيبٌ نَسِيبٌ فَصِيحٌ مَلِيحٌ، وَأَيْضًا فَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ «الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ» إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِلِسَانِهِ، وَإِنْ قَاتَلَ قَاتَلَ بِجَنَانِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ: / لِسَانُ الْفَتَى نَصِفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ ... فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ عَذَابَ الْجَهْلِ عَلَى عَذَابِ النَّارِ فَقَالَ: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ [الْمُطَفِّفِينَ: 15، 16] وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعُلُومُ مَطَالِعُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، قَلْبٍ مُتَفَكِّرٍ، وَلِسَانٍ مُعَبِّرٍ، وَبَيَانٍ مُصَوِّرٍ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «عَيْنُ الْعِلْمِ مِنَ الْعُلُوِّ، وَلَامُهُ مِنَ اللُّطْفِ، وَمِيمُهُ مِنَ الْمُرُوءَةِ» وَأَيْضًا قِيلَ الْعُلُومُ عَشْرَةٌ: عِلْمُ التَّوْحِيدِ لِلْأَدْيَانِ، وَعِلْمُ السِّرِّ لِرَدِّ الشَّيْطَانِ، وَعِلْمُ الْمُعَاشَرَةِ لِلْإِخْوَانِ، وَعِلْمُ الشَّرِيعَةِ لِلْأَرْكَانِ، وَعِلْمُ النُّجُومِ لِلْأَزْمَانِ، وَعِلْمُ الْمُبَارَزَةِ لِلْفُرْسَانِ، وَعِلْمُ السِّيَاسَةِ لِلسُّلْطَانِ، وَعِلْمُ الرُّؤْيَا لِلْبَيَانِ، وَعِلْمُ الْفِرَاسَةِ لِلْبُرْهَانِ، وَعِلْمُ الطِّبِّ لِلْأَبْدَانِ، وَعِلْمُ الْحَقِيقَةِ لِلرَّحْمَنِ، وَأَيْضًا قِيلَ ضَرْبُ الْمَثَلِ فِي الْعِلْمِ بِالْمَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً [البقرة: 22] وَالْمِيَاهُ أَرْبَعَةٌ: مَاءُ الْمَطَرِ، وَمَاءُ السَّيْلِ، وَمَاءُ الْقَنَاةِ، وَمَاءُ الْعَيْنِ فَكَذَا الْعُلُومُ أَرْبَعَةٌ عِلْمُ التَّوْحِيدِ كَمَاءِ الْعَيْنِ لَا يَجُوزُ تَحْرِيكُهُ لِئَلَّا يَتَكَدَّرَ، وَكَذَا لَا يَنْبَغِي طَلَبُ مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِئَلَّا يَحْصُلَ الْكُفْرُ. وَعِلْمُ الْفِقْهِ يَزْدَادُ بِالِاسْتِنْبَاطِ كَمَاءِ الْقَنَاةِ يَزْدَادُ بِالْحَفْرِ، وَعِلْمُ الزُّهْدِ كَمَاءِ الْمَطَرِ يَنْزِلُ صَافِيًا وَيَتَكَدَّرُ بِغُبَارِ الْهَوَاءِ كَذَلِكَ عِلْمُ الزُّهْدِ صَافٍ وَيَتَكَدَّرُ بِالطَّمَعِ وَعِلْمُ الْبِدَعِ كَمَاءِ السَّيْلِ يُمِيتُ الْأَحْيَاءَ وَيُهْلِكُ الْخَلْقَ فَكَذَا الْبِدَعُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فِي أَقْوَالِ النَّاسِ فِي حَدِّ الْعِلْمِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ الْعِلْمُ مَا يُعْلَمُ بِهِ وَرُبَّمَا قَالَ مَا يَصِيرُ الذَّاتُ بِهِ عَالِمًا وَاعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِأَنَّ الْعَالِمَ وَالْمَعْلُومَ لَا يُعْرَفَانِ إِلَّا بِالْعِلْمِ فَتَعْرِيفُ الْعِلْمِ بِهِمَا دَوْرٌ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ عِلْمَ الإنسان بكونه عالماً بنفسه وبألمه ولذاته عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ وَالْعِلْمُ بِكَوْنِهِ عَالِمًا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ عِلْمٌ بِأَصْلِ الْعِلْمِ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ دَاخِلَةٌ فِي الْمَاهِيَّةِ الْمُقَيَّدَةِ فَكَانَ عِلْمُهُ بِكَوْنِ الْعِلْمِ عِلْمًا علم ضروري فَكَانَ الدَّوْرُ سَاقِطًا وَسَيَأْتِي مَزِيدُ تَقْرِيرِهِ إِذَا ذَكَرْنَا مَا نَخْتَارُهُ نَحْنُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْعِلْمُ مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا قَالَ الْعِلْمُ هُوَ الْمَعْرِفَةُ وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ قَوْلَهُ مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ تَعْرِيفُ الْعِلْمِ بِالْمَعْلُومِ فَيَعُودُ الدَّوْرُ أَيْضًا فَالْمَعْرِفَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا وَفْقَ الْمَعْلُومِ فَقَوْلُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَعْرِفَةِ يَكُونُ حَشْوًا، أَمَّا قَوْلُهُ الْعِلْمُ هُوَ الْمَعْرِفَةُ فَفِيهِ وُجُوهٌ مِنَ الْخَلَلِ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ نَفْسُ الْمَعْرِفَةِ فَتَعْرِيفُهُ بِهَا تَعْرِيفٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ مُحَالٌ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمَعْرِفَةَ عِبَارَةٌ عَنْ حُصُولِ الْعِلْمِ بَعْدَ الِالْتِبَاسِ وَلِهَذَا يُقَالُ مَا كُنْتُ أَعْرِفُ فُلَانًا وَالْآنَ فَقَدْ عَرَفْتُهُ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَالِمٌ وَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَارِفٌ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ تَسْتَدْعِي سَبْقَ الْجَهْلِ وَهُوَ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِنِيُّ: الْعِلْمُ تَبْيِينُ الْمَعْلُومِ وَرُبَّمَا قَالَ إِنَّهُ اسْتِبَانَةُ الْحَقَائِقِ وَرُبَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى التَّبْيِينِ فَقَالَ الْعِلْمُ هُوَ التَّبْيِينُ وَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ أَمَّا قَوْلُ الْعِلْمِ هُوَ التَّبْيِينُ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا تَبْدِيلُ لَفْظٍ بِلَفْظٍ أَخْفَى مِنْهُ وَلِأَنَّ التَّبْيِينَ وَالِاسْتِبَانَةَ يُشْعِرَانِ بِظُهُورِ الشَّيْءِ بَعْدَ الْخَفَاءِ وذلك
لَا يَطَّرِدُ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تبيين المعلوم على ما هو به فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْوُجُوهُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى كَلَامِ الْقَاضِي قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ: الْعِلْمُ مَا يَصِحُّ مِنَ الْمُتَّصِفِ بِهِ/ إِحْكَامُ الْفِعْلِ وَإِتْقَانُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ وَامْتِنَاعِ الْمُمْتَنِعَاتِ لَا يُفِيدُ الْإِحْكَامَ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: الْعِلْمُ إِثْبَاتُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ وَرُبَّمَا قِيلَ الْعِلْمُ تَصَوُّرُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ وَالْوُجُوهُ السَّالِفَةُ مُتَوَجِّهَةٌ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الطَّرِيقُ إِلَى تَصَوُّرِ مَاهِيَّةِ الْعِلْمِ وَتَمَيُّزِهَا عَنْ غَيْرِهَا أَنْ نَقُولَ إِنَّا نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا بِالضَّرُورَةِ كَوْنَنَا مُعْتَقِدِينَ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، فَنَقُولُ اعْتِقَادُنَا فِي الشَّيْءِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَازِمًا أَوْ لَا يَكُونُ، فَإِنْ كَانَ جَازِمًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا أَوْ غَيْرَ مُطَابِقٍ فَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِمُوجَبٍ هُوَ نَفْسُ طَرَفِي الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ وَهُوَ الْعِلْمُ الْبَدِيهِيُّ أَوْ لِمُوجَبٍ حَصَلَ مِنْ تَرْكِيبِ تِلْكَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ وَهُوَ الْعِلْمُ النَّظَرِيُّ أَوْ لَا لِمُوجَبٍ وَهُوَ اعْتِقَادُ الْمُقَلِّدِ، وَأَمَّا الْجَزْمُ الَّذِي لَا يَكُونُ مُطَابِقًا فَهُوَ الْجَهْلُ وَالَّذِي لَا يَكُونُ جَازِمًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الطَّرَفَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ وَهُوَ الشَّكُّ أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَرْجَحَ مِنَ الْآخَرِ فَالرَّاجِحُ هُوَ الظَّنُّ وَالْمَرْجُوحُ هُوَ الْوَهْمُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ مُخْتَلٌّ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لَا يَتِمُّ إِلَّا إِذَا ادَّعَيْنَا أَنَّ عِلْمَنَا بِمَاهِيَّةِ الِاعْتِقَادِ عِلْمٌ بَدِيهِيٌّ وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَلِمَ لَا نَدَّعِي أَنَّ الْعِلْمَ بِمَاهِيَّةِ الْعِلْمِ بديهي. وثانيها: أَنَّ هَذَا تَعْرِيفُ الْعِلْمِ بِانْتِفَاءِ أَضْدَادِهِ وَلَيْسَتْ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَضْدَادِ أَقْوَى مِنْ مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ حَتَّى يُجْعَلَ عَدَمُ النَّقِيضِ مُعَرِّفًا لِلنَّقِيضِ فَيَرْجِعَ حَاصِلُ الْأَمْرِ إِلَى تَعْرِيفِ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ أَوْ بِالْأَخْفَى. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يَكُونُ تَصَوُّرًا وَقَدْ يَكُونُ تَصْدِيقًا وَالتَّصَوُّرُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الْجَزْمُ وَلَا التَّرَدُّدُ وَلَا الْقُوَّةُ وَلَا الضَّعْفُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتِ الْعُلُومُ التَّصَوُّرِيَّةُ خَارِجَةً عَنْ هَذَا التَّعْرِيفِ قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْعِلْمُ هُوَ الِاعْتِقَادُ الْمُقْتَضِي سُكُونَ النَّفْسِ وَرُبَّمَا قَالُوا الْعِلْمُ مَا يَقْتَضِي سُكُونَ النَّفْسِ قَالُوا: وَلَفْظُ السُّكُونِ وإن كان مجازاً هاهنا إِلَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ لَمَّا كَانَ ظَاهِرًا لَمْ يَكُنْ ذِكْرُهُ قَادِحًا فِي الْمَقْصُودِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا: الِاعْتِقَادُ جِنْسٌ مُخَالِفٌ لِلْعِلْمِ فَلَا يَجُوزُ جَعْلُ الْعِلْمِ مِنْهُ وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَا شَكَّ أَنَّ بَيْنَ الْعِلْمِ وَاعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا فَنَحْنُ نَعْنِي بِالِاعْتِقَادِ ذَلِكَ الْقَدْرَ قَالَ الْأَصْحَابُ وَهَذَا التَّعْرِيفُ يَخْرُجُ عَنْهُ أَيْضًا عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إِنَّهُ يَقْتَضِي سُكُونَ النَّفْسِ قَالَتِ الْفَلَاسِفَةُ الْعِلْمُ صُورَةٌ حَاصِلَةٌ فِي النَّفْسِ مُطَابِقَةٌ لِلْمَعْلُومِ وَفِي هَذَا التَّعْرِيفِ عُيُوبٌ: أَحَدُهَا: إِطْلَاقُ لَفْظِ الصُّورَةِ عَلَى الْعِلْمِ لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنَ الْمَجَازَاتِ فَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ تَلْخِيصِ الْحَقِيقَةِ وَالَّذِي يُقَالُ إِنَّهُ كَمَا يَحْصُلُ فِي الْمِرْآةِ صُورَةُ الْوَجْهِ فَكَذَلِكَ تَحْصُلُ صُورَةُ الْمَعْلُومِ فِي الذِّهْنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّا إِذَا عَقَلْنَا الْجَبَلَ وَالْبَحْرَ فَإِنْ حَصَلَا فِي الذِّهْنِ فَفِي الذِّهْنِ جَبَلٌ وَبَحْرٌ وَهَذَا مُحَالٌ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلَا فِي الذِّهْنِ وَلَكِنَّ الْحَاصِلَ فِي الذِّهْنِ صُورَتَاهُمَا فَقَطْ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَعْلُومُ هُوَ الصُّورَةَ فَالشَّيْءُ الَّذِي تِلْكَ الصُّورَةُ صُورَتُهُ وَجَبَ أَنْ لَا يَصِيرَ مَعْلُومًا وَإِنْ قِيلَ حَصَلَتِ الصُّورَةُ وَمَحَلُّهَا فِي الذِّهْنِ فَحِينَئِذٍ يَعُودُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ يَحْصُلُ الْجَبَلُ وَالْبَحْرُ فِي الذِّهْنِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ قَوْلَهُ مُطَابِقَةٌ لِلْمَعْلُومِ يَقْتَضِي الدَّوْرَ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ عِنْدَهُمُ الْمَعْلُومَاتِ قَدْ تَكُونُ مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ وَقَدْ لَا تَكُونُ وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا بِالْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ وَالصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ وَالْمَعْقُولَاتُ الثَّانِيَةُ وَالْمُطَابِقَةُ فِي هَذَا الْقِسْمِ غَيْرُ مَعْقُولٍ. وَرَابِعُهَا: / أَنَّا قَدْ نَعْقِلُ الْمَعْدُومَ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الصُّورَةُ الْعَقْلِيَّةُ مُطَابِقَةٌ لِلْمَعْدُومِ لِأَنَّ الْمُطَابَقَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الْمُتَطَابِقَيْنِ أَمْرًا ثُبُوتِيًّا وَالْمَعْدُومُ نَفْيٌ مَحْضٌ يَسْتَحِيلُ تَحَقُّقُ الْمُطَابَقَةِ فِيهِ وَلَقَدْ حَاوَلَ الْغَزَالِيُّ إِيضَاحَ كَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ فِي تَعْرِيفِ الْعِلْمِ فَقَالَ إِدْرَاكُ الْبَصِيرَةِ الْبَاطِنَةِ نَفْهَمُهُ بِالْمُقَايَسَةِ بِالْبَصَرِ الظَّاهِرِ وَلَا مَعْنَى لِلْبَصَرِ الظَّاهِرِ إلا انطباع صورة المرئي في القوة الباصرة كَمَا نَتَوَهَّمُ انْطِبَاعَ الصُّورَةِ فِي الْمِرْآةِ مَثَلًا فَكَمَا أَنَّ الْبَصَرَ يَأْخُذُ صُورَةَ الْمُبْصَرَاتِ أَيْ يَنْطَبِعُ فِيهِ مِثَالُهَا الْمُطَابِقُ لَهَا لَا عَيْنُهَا فَإِنَّ عَيْنَ النَّارِ لَا تَنْطَبِعُ فِي الْعَيْنِ بَلْ مِثَالٌ مُطَابِقٌ صُورَتَهَا
فَكَذَا الْعَقْلُ عَلَى مِثَالِ مِرْآةٍ يَنْطَبِعُ فِيهَا صورة الْمَعْقُولَاتِ وَأَعْنِي بِصُورَةِ الْمَعْقُولَاتِ حَقَائِقَهَا وَمَاهِيَّاتِهَا فَفِي الْمِرْآةِ أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ: الْحَدِيدُ وَصِقَالَتُهُ وَالصُّورَةُ الْمُنْطَبِعَةُ فِيهِ فَكَذَا جَوْهَرُ الْآدَمِيِّ كَالْحَدِيدِ وَعَقْلُهُ كَالصِّقَالَةِ وَالْمَعْلُومُ كَالصُّورَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ سَاقِطٌ جِدًّا أَمَّا قَوْلُهُ لَا مَعْنَى لِلْبَصَرِ الظَّاهِرِ إلا انطباع صورة المرئي في القوة الباصرة فَبَاطِلٌ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ ذَكَرَ فِي تَعْرِيفِ الْإِبْصَارِ الْمُبْصَرَ وَالْبَاصِرَ وَهُوَ دَوْرٌ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِبْصَارُ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِ هَذَا الِانْطِبَاعِ لَمَا أَبْصَرْنَا إِلَّا بِمِقْدَارِ نُقْطَةِ النَّاظِرِ لِاسْتِحَالَةِ انْطِبَاعِ الْعَظِيمِ فِي الصَّغِيرِ فَإِنْ قِيلَ الصُّورَةُ الصَّغِيرَةُ الْمُنْطَبِعَةُ شَرْطٌ لِحُصُولِ إِبْصَارِ الشَّيْءِ الْعَظِيمِ فِي الْخَارِجِ قُلْنَا الشَّرْطُ مُغَايِرٌ لِلْمَشْرُوطِ فَالْإِبْصَارُ مُغَايِرٌ لِلصُّورَةِ الْمُنْطَبِعَةِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّا نَرَى الْمَرْئِيَّ حَيْثُ هُوَ، وَلَوْ كَانَ الْمَرْئِيُّ هُوَ الصُّورَةَ الْمُنْطَبِعَةَ لَمَا رَأَيْتَهُ فِي حَيِّزِهِ وَمَكَانِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَكَذَا الْعَقْلُ يَنْطَبِعُ فِيهِ صُوَرُ الْمَعْقُولَاتِ فَضَعِيفٌ لِأَنَّ الصُّورَةَ الْمُرْتَسِمَةَ مِنَ الْحَرَارَةِ فِي الْعَقْلِ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لِلْحَرَارَةِ فِي الْمَاهِيَّةِ أَوْ لَا تَكُونَ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَزِمَ أَنْ يَصِيرَ الْعَقْلُ حَارًّا عِنْدَ تَصَوُّرِ الْحَرَارَةِ لِأَنَّ الْحَارَّ لَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا الْمَوْصُوفَ بِالْحَرَارَةِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ تَعَقُّلُ الْمَاهِيَّةِ إِلَّا عِبَارَةً عَنْ حُصُولِ شَيْءٍ فِي الذِّهْنِ مُخَالِفٍ لِلْحَرَارَةِ فِي الْمَاهِيَّةِ وَذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهُ، وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرَ مِنِ انْطِبَاعِ الصُّوَرِ فِي الْمِرْآةِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى أَنَّ صُورَةَ الْمَرْئِيِّ لَا تَنْطَبِعُ فِي الْمِرْآةِ فَثَبَتَ أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي تَقْرِيرِ قَوْلِهِمْ لَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ وَلَا يُلَائِمُ أُصُولَهُمْ وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ التَّعْرِيفَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّاسُ بَاطِلَةٌ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعَجْزَ عَنِ التَّعْرِيفِ قَدْ يَكُونُ لِخَفَاءِ الْمَطْلُوبِ جِدًّا وَقَدْ يَكُونُ لِبُلُوغِهِ فِي الْجَلَاءِ إِلَى حَيْثُ لَا يُوجَدُ شَيْءٌ أَعْرَفُ مِنْهُ لِيُجْعَلَ مُعَرِّفًا لَهُ، وَالْعَجْزُ عَنْ تَعْرِيفِ الْعِلْمِ لِهَذَا الْبَابِ وَالْحَقُّ أَنَّ مَاهِيَّةَ الْعِلْمِ مُتَصَوَّرَةٌ تَصَوُّرًا بَدِيهِيًّا جَلِيًّا، فَلَا حَاجَةَ فِي مَعْرِفَتِهِ إِلَى مُعَرِّفٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ يَعْلَمُ وُجُودَ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى السَّمَاءِ وَلَا فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ، وَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِكَوْنِهِ عَالِمًا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ عِلْمٌ بِاتِّصَافِ ذَاتِهِ بِهَذِهِ الْعُلُومِ وَالْعَالِمُ بِانْتِسَابِ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ عَالِمٌ لَا مَحَالَةَ بِكِلَا الطَّرَفَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِهَذِهِ الْمَنْسُوبِيَّةِ حَاصِلًا كَانَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِمَاهِيَّةِ الْعِلْمِ حَاصِلًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ تَعْرِيفُهُ مُمْتَنِعًا فَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ هاهنا وَسَائِرُ التَّدْقِيقَاتِ مَذْكُورَةٌ فِي «الْكُتُبِ الْعَقْلِيَّةِ» وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: فِي الْبَحْثِ عَنْ أَلْفَاظٍ يُظَنُّ بِهَا أَنَّهَا مُرَادِفَةٌ لِلْعِلْمِ وَهِيَ ثَلَاثُونَ: أَحَدُهَا: / الْإِدْرَاكُ وَهُوَ اللِّقَاءُ وَالْوُصُولُ يُقَالُ أَدْرَكَ الْغُلَامُ وَأَدْرَكَتِ الثَّمَرَةُ قَالَ تَعَالَى: قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشُّعَرَاءِ: 61] فَالْقُوَّةُ الْعَاقِلَةُ إِذَا وَصَلَتْ إِلَى مَاهِيَّةِ الْمَعْقُولِ وَحَصَّلَتْهَا كَانَ ذَلِكَ إِدْرَاكًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَثَانِيهَا: الشُّعُورُ وَهُوَ إِدْرَاكٌ بِغَيْرِ اسْتِثْبَاتٍ وَهُوَ أَوَّلُ مَرَاتِبِ وُصُولِ الْمَعْلُومِ إِلَى الْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ وَكَأَنَّهُ إِدْرَاكٌ مُتَزَلْزِلٌ وَلِهَذَا يُقَالُ فِي اللَّهِ تَعَالَى إِنَّهُ يَشْعُرُ بِكَذَا كَمَا يُقَالُ إِنَّهُ يَعْلَمُ كَذَا، وَثَالِثُهَا: التَّصَوُّرُ إِذَا حَصَلَ وُقُوفُ الْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ عَلَى الْمَعْنَى وَأَدْرَكَهُ بِتَمَامِهِ فَذَلِكَ هُوَ التَّصَوُّرُ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّصَوُّرَ لَفْظٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الصُّورَةِ وَلَفْظُ الصُّورَةِ حَيْثُ وُضِعَ فَإِنَّمَا وُضِعَ لِلْهَيْئَةِ الْجُسْمَانِيَّةِ الْحَاصِلَةِ فِي الْجِسْمِ الْمُتَشَكِّلِ إِلَّا أَنَّ النَّاسَ لَمَّا تَخَيَّلُوا أَنَّ حَقَائِقَ الْمَعْلُومَاتِ تَصِيرُ حَالَةً فِي الْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ كَمَا أَنَّ الشَّكْلَ وَالْهَيْئَةَ يَحُلَّانِ فِي الْمَادَّةِ الْجُسْمَانِيَّةِ أَطْلَقُوا لَفْظَ التَّصَوُّرِ عَلَيْهِ بِهَذَا التَّأْوِيلِ. وَرَابِعُهَا: الْحِفْظُ فَإِذَا حَصَلَتِ الصُّورَةُ فِي الْعَقْلِ وَتَأَكَّدَتْ وَاسْتَحْكَمَتْ وَصَارَتْ بِحَيْثُ لَوْ زَالَتْ لَتَمَكَّنَتِ الْقُوَّةُ الْعَاقِلَةُ مِنِ اسْتِرْجَاعِهَا وَاسْتِعَادَتِهَا سُمِّيَتْ تِلْكَ الْحَالَةُ حِفْظًا وَلَمَّا كَانَ الْحِفْظُ مُشْعِرًا بِالتَّأَكُّدِ بَعْدَ الضَّعْفِ لَا جَرَمَ لَا يُسَمَّى عِلْمُ اللَّهِ حِفْظًا وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى الْحِفْظِ مَا يَجُوزُ زَوَالُهُ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالًا
لَا جَرَمَ لَا يُسَمَّى ذَلِكَ حِفْظًا. وَخَامِسُهَا: التَّذَكُّرُ وَهُوَ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَحْفُوظَةَ إِذَا زَالَتْ عَنِ الْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ فَإِذَا حَاوَلَ الذِّهْنُ اسْتِرْجَاعَهَا فَتِلْكَ الْمُحَاوَلَةُ هِيَ التَّذَكُّرُ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلتَّذَكُّرِ سِرًّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَنَّ التَّذَكُّرَ صَارَ عِبَارَةً عَنْ طَلَبِ رُجُوعِ تِلْكَ الصُّورَةِ الْمَمْحِيَّةِ الزَّائِلَةِ فَتِلْكَ الصُّورَةُ إِنْ كَانَتْ مَشْعُورًا بِهَا فَهِيَ حَاضِرَةٌ حَاصِلَةٌ وَالْحَاصِلُ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ فَلَا يُمْكِنُ حِينَئِذٍ اسْتِرْجَاعُهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْعُورًا بِهَا كَانَ الذِّهْنُ غَافِلًا عَنْهَا وَإِذَا كَانَ غَافِلًا عَنْهَا اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ طَالِبًا لِاسْتِرْجَاعِهَا لِأَنَّ طَلَبَ مَا لَا يَكُونُ مُتَصَوَّرًا مُحَالٌ فَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ التَّذَكُّرُ الْمُفَسَّرُ بِطَلَبِ الِاسْتِرْجَاعِ مُمْتَنِعًا مَعَ أَنَّا نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا أَنَّا قَدْ نَطْلُبُهَا وَنَسْتَرْجِعُهَا وَهَذِهِ الْأَسْرَارُ إِذَا تَوَغَّلَ الْعَاقِلُ فِيهَا وَتَأَمَّلَهَا عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ كُنْهَهَا مَعَ أَنَّهَا مِنْ أَظْهَرِ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ النَّاسِ فَكَيْفَ الْقَوْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ أَخْفَى الْأُمُورِ وَأَعْضَلُهَا عَلَى الْعُقُولِ وَالْأَذْهَانِ. وَسَادِسُهَا: الذِّكْرُ فَالصُّورَةُ الزَّائِلَةُ إِذَا حَاوَلَ اسْتِرْجَاعَهَا فَإِذَا عَادَتْ وَحَضَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الطَّلَبِ سُمِّيَ ذَلِكَ الْوِجْدَانُ ذِكْرًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْإِدْرَاكُ مَسْبُوقًا بِالزَّوَالِ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ الْإِدْرَاكُ ذِكْرًا وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِرُ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ أَذْكُرُهُ ... وَكَيْفَ أَذْكُرُهُ إِذْ لَسْتُ أَنْسَاهُ فَجَعَلَ حُصُولَ النِّسْيَانِ شَرْطًا لِحُصُولِ الذِّكْرِ وَيُوصَفُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ ذِكْرٌ لِأَنَّهُ سَبَبُ حُصُولِ الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] وهاهنا دَقِيقَةٌ تَفْسِيرِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [الْبَقَرَةِ: 52] فَهَذَا الْأَمْرُ هَلْ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْعَبْدِ حَالَ حُصُولِ النِّسْيَانِ أَوْ بَعْدَ زَوَالِهِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ حَالَ النِّسْيَانِ غَافِلٌ عَنِ الْأَمْرِ وَكَيْفَ يُوَجَّهُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ مَعَ النِّسْيَانِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ ذَاكِرٌ وَالذِّكْرُ حَاصِلٌ وَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مُحَالٌ فَكَيْفَ كَلَّفَهُ بِهِ/ وَهُوَ أَيْضًا مُتَوَجَّهٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [مُحَمَّدٍ: 19] إِلَّا أَنَّ الْجَوَابَ فِي قَوْلِهِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ مَعْرِفَةٌ لِلتَّوْحِيدِ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّصْدِيقَاتِ فَلَا يَقْوَى فِيهِ ذَلِكَ الْإِشْكَالُ وَأَمَّا الذِّكْرُ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّصَوُّرَاتِ فَيَقْوَى فِيهِ ذَلِكَ الْإِشْكَالُ وَجَوَابُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَنَّا نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا أَنَّهُ يُمْكِنُنَا التَّذَكُّرُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا كَانَ مَا ذَكَرْتُهُ تَشْكِيكًا فِي الضَّرُورِيَّاتِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ فَكَيْفَ يَتَذَكَّرُ فَنَقُولُ لَا نَعْرِفُ كَيْفَ يَتَذَكَّرُ لَكِنَّ عِلْمَكَ بِتَمَكُّنِكَ فِي عِلْمِكَ بِأَنَّ فِي الْجُمْلَةِ يَكْفِيكَ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْمُجَاهِدَةِ وَعَجْزِكَ عَنْ إِدْرَاكِ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ يَكْفِيكَ مِنَ التَّذَكُّرِ ذاك ليس منك بل هاهنا سِرٌّ آخَرُ وَهُوَ أَنَّكَ لَمَّا عَجَزْتَ عَنْ إِدْرَاكِ مَاهِيَّةِ التَّذَكُّرِ وَالذِّكْرِ مَعَ أَنَّهُ صِفَتُكَ فَأَنَّى يُمْكِنُكَ الْوُقُوفُ عَلَى كُنْهِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّهُ أَبْعَدُ الْأَشْيَاءِ مُنَاسَبَةً مِنْكَ فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ أَظْهَرَ الْأَشْيَاءِ أَخْفَاهَا لِيَتَوَصَّلَ الْعَبْدُ بِهِ إِلَى كُنْهِ عَجْزِهِ وَنِهَايَةِ قُصُورِهِ فَحِينَئِذٍ يُطَالِعُ شَيْئًا مِنْ مَبَادِئِ مَقَادِيرِ أَسْرَارِ كَوْنِهِ ظَاهِرًا بَاطِنًا. وَسَابِعُهَا: الْمَعْرِفَةُ وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأَقْوَالُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْمَعْرِفَةُ إِدْرَاكُ الْجُزْئِيَّاتِ وَالْعِلْمُ إِدْرَاكُ الْكُلِّيَّاتِ وَآخَرُونَ قَالُوا الْمَعْرِفَةُ التَّصَوُّرُ وَالْعِلْمُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا الْعِرْفَانَ أَعْظَمَ دَرَجَةً مِنَ الْعِلْمِ قَالُوا لِأَنَّ تَصْدِيقَنَا بِاسْتِنَادِ هَذِهِ الْمَحْسُوسَاتِ إِلَى مَوْجُودٍ وَاجِبِ الْوُجُودِ أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَأَمَّا تَصَوُّرُ حَقِيقَتِهِ فَأَمْرٌ فَوْقَ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَلِأَنَّ الشَّيْءَ مَا لَمْ يُعْرَفْ وُجُودُهُ فَلَا تُطْلَبُ مَاهِيَّتُهُ فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ كُلُّ عَارِفٍ عَالِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ عَالِمٍ عَارِفًا وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يُسَمَّى بِالْعَارِفِ إِلَّا إِذَا تَوَغَّلَ فِي مَيَادِينِ الْعِلْمِ وترقى من مطالعها إلى مقاطعها ومن مباديها إلى غايتها بِحَسْبِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَفِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ أَحَدًا مِنَ الْبَشَرِ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعَالَى لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى كُنْهِ هُوِيَّتِهِ وَسِرِّ أُلُوهِيَّتِهِ مُحَالٌ. وَآخَرُونَ قَالُوا مَنْ أَدْرَكَ شَيْئًا وَانْحَفَظَ أَثَرُهُ فِي نَفْسِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ ذَلِكَ الشَّيْءَ ثَانِيًا وَعَرَفَ أَنَّ هَذَا الْمُدْرَكَ الَّذِي أَدْرَكَهُ ثَانِيًا هو الذي
أَدْرَكَهُ أَوَّلًا فَهَذَا هُوَ الْمَعْرِفَةُ فَيُقَالُ: عَرَفْتُ هَذَا الرَّجُلَ وَهُوَ فُلَانٌ الَّذِي كُنْتُ رَأَيْتُهُ وَقْتَ كَذَا. ثُمَّ فِي النَّاسِ مَنْ يَقُولُ بِقِدَمِ الْأَرْوَاحِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِتَقَدُّمِهَا عَلَى الْأَبْدَانِ وَيَقُولُ إِنَّهَا هِيَ الذَّرُّ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنَّهَا أَقَرَّتْ بِالْإِلَهِيَّةِ وَاعْتَرَفَتْ بِالرُّبُوبِيَّةِ إِلَّا أَنَّهَا لِظُلْمَةِ الْعَلَاقَةِ الْبَدَنِيَّةِ نَسِيَتْ مَوْلَاهَا فَإِذَا عَادَتْ إِلَى نَفْسِهَا مُتَخَلِّصَةً مِنْ ظُلْمَةِ الْبَدَنِ وَهَاوِيَةِ الْجِسْمِ عَرَفَتْ رَبَّهَا وَعَرَفَتْ أَنَّهَا كَانَتْ عَارِفَةً بِهِ فَلَا جَرَمَ سُمِّيَ هَذَا الْإِدْرَاكُ عِرْفَانًا. وَثَامِنُهَا: الْفَهْمُ وَهُوَ تُصَوُّرُ الشَّيْءِ مِنْ لَفْظِ الْمُخَاطَبِ وَالْإِفْهَامُ هُوَ اتِّصَالُ الْمَعْنَى بِاللَّفْظِ إِلَى فَهْمِ السَّامِعِ، وَتَاسِعُهَا: الْفِقْهُ وَهُوَ الْعِلْمُ بِغَرَضِ الْمُخَاطَبِ مِنْ خِطَابِهِ يُقَالُ فَقِهْتُ كَلَامَكَ أَيْ وَقَفْتُ عَلَى غَرَضِكَ مِنْ هَذَا الْخِطَابِ ثُمَّ إِنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ لَمَّا كَانُوا أَرْبَابَ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ فَمَا كَانُوا يَقِفُونَ عَلَى مَا فِي تَكَالِيفِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمَنَافِعِ الْعَظِيمَةِ لَا جَرَمَ قَالَ تَعَالَى: لَا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا [الْكَهْفِ: 93] أَيْ لَا يَقِفُونَ عَلَى الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ وَالْغَرَضِ الْحَقِيقِيِّ. وَعَاشِرُهَا: الْعَقْلُ وَهُوَ الْعِلْمُ بِصِفَاتِ الْأَشْيَاءِ مِنْ حُسْنِهَا وَقُبْحِهَا وَكَمَالِهَا وَنُقْصَانِهَا فَإِنَّكَ مَتَى عَلِمْتَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَضَارِّ وَالْمَنَافِعِ صَارَ عِلْمُكَ بِمَا فِي/ الشَّيْءِ مِنَ النَّفْعِ دَاعِيًا لَكَ إِلَى الْفِعْلِ وَعِلْمُكَ بِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ دَاعِيًا لَكَ إِلَى التَّرْكِ فَصَارَ ذَلِكَ الْعِلْمُ مَانِعًا مِنَ الْفِعْلِ مَرَّةً وَمِنَ التَّرْكِ أُخْرَى فَيَجْرِي ذَلِكَ الْعِلْمُ مَجْرَى عِقَالِ النَّاقَةِ. وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ عَنِ الْعَقْلِ، قَالَ هُوَ الْعِلْمُ بِخَيْرِ الْخَيْرَيْنِ وَشَرِّ الشَّرَّيْنِ وَلَمَّا سُئِلَ عَنِ الْعَاقِلِ قَالَ الْعَاقِلُ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، فَهَذَا هُوَ الْقَدْرُ اللَّائِقُ بِهَذَا الْمَكَانِ وَالِاسْتِقْصَاءُ فِيهِ يَجِيءُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَادِيَ عَشَرَ: الدراية وهي المعرفة الحاصلة بِضَرْبٍ مِنَ الْحِيَلِ وَهُوَ تَقْدِيمُ الْمُقَدِّمَاتِ وَاسْتِعْمَالُ الرواية وَأَصْلُهُ مِنْ دَرَيْتُ الصَّيْدَ وَالدُّرِّيَّةُ لِمَا يُتَعَلَّمُ عَلَيْهِ الطَّعْنُ وَالْمِدْرَى يُقَالُ لِمَا يُصْلَحُ بِهِ الشَّعْرُ وَهَذَا لَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِامْتِنَاعِ الْفِكْرِ وَالْحِيَلِ عَلَيْهِ تَعَالَى. الثَّانِيَ عَشَرَ: الْحِكْمَةُ: وَهِيَ اسْمٌ لِكُلِّ عِلْمٍ حَسَنٍ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ وَهُوَ بِالْعِلْمِ الْعَمَلِيِّ أَخَصُّ مِنْهُ بِالْعِلْمِ النَّظَرِيِّ وَفِي الْعَمَلِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا مِنْهُ فِي الْعِلْمِ، وَمِنْهَا يُقَالُ أَحْكَمَ الْعَمَلَ إِحْكَامًا إِذَا أَتْقَنَهُ وَحَكَمَ بِكَذَا حُكْمًا وَالْحِكْمَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى خَلْقُ مَا فِيهِ مَنْفَعَةُ الْعِبَادِ وَمَصْلَحَتُهُمْ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ وَمِنَ الْعِبَادِ أَيْضًا كَذَلِكَ ثُمَّ قَدْ حُدَّتِ الْحِكْمَةُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فَقِيلَ هِيَ مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ بِحَقَائِقِهَا، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِدْرَاكَ الْجُزْئِيَّاتِ لَا كَمَالَ فِيهِ لِأَنَّهَا إِدْرَاكَاتٌ مُتَغَيِّرَةٌ. فَأَمَّا إِدْرَاكُ الْمَاهِيَّةِ، فَإِنَّهُ بَاقٍ مَصُونٌ عَنِ التَّغَيُّرِ وَالتَّبَدُّلِ وَقِيلَ هِيَ الْإِتْيَانُ بِالْفِعْلِ الَّذِي عَاقِبَتُهُ مَحْمُودَةٌ وَقِيلَ هِيَ الِاقْتِدَاءُ بِالْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي السِّيَاسَةِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَجْتَهِدَ بِأَنْ يُنَزِّهَ عِلْمَهُ عَنِ الْجَهْلِ وَفِعْلَهُ عَنِ الْجَوْرِ وَجُودَهُ عَنِ الْبُخْلِ وَحِلْمَهُ عَنِ السَّفَهِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: عِلْمُ الْيَقِينِ وَعَيْنُ الْيَقِينِ وَحَقُّ الْيَقِينِ قَالُوا إِنَّ الْيَقِينَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيْءَ كَذَا وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ كَوْنُ الْأَمْرِ بِخِلَافِ مُعْتَقَدِهِ إِذَا كَانَ لِذَلِكَ الِاعْتِقَادِ مُوجِبٌ هُوَ إِمَّا بَدِيهِيَّةُ الْفِطْرَةِ وَإِمَّا نَظَرُ الْعَقْلِ، الرَّابِعَ عَشَرَ: الذِّهْنُ وَهُوَ قُوَّةُ النَّفْسِ عَلَى اكْتِسَابِ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ حَاصِلَةٍ وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الرُّوحَ خَالِيًا عَنْ تَحْقِيقِ الْأَشْيَاءِ وَعَنِ الْعِلْمِ بِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [النحل: 78] لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَهَا لِلطَّاعَةِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذَّارِيَاتِ: 56] وَالطَّاعَةُ مَشْرُوطَةٌ بِالْعِلْمِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه: 14] فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَمْرٌ بِالطَّاعَةِ لِغَرَضِ الْعِلْمِ وَالْعِلْمُ لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ النَّفْسُ مُتَمَكِّنَةً مِنْ تَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ فَأَعْطَاهُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ مِنَ الْحَوَاسِّ مَا أَعَانَ عَلَى تَحْصِيلِ هَذَا الْغَرَضِ فَقَالَ فِي السَّمْعِ: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [الْبَلَدِ: 10] وَقَالَ فِي الْبَصَرِ: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [فُصِّلَتْ: 53] وَقَالَ فِي الْفِكْرِ: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذَّارِيَاتِ: 21] فَإِذَا تَطَابَقَتْ هَذِهِ
الْقُوَى صَارَ الرُّوحُ الْجَاهِلُ عَالِمًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرَّحْمَنِ: 1] فَالْحَاصِلُ أَنَّ اسْتِعْدَادَ النَّفْسِ لِتَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَعَارِفِ هُوَ الذِّهْنُ. الْخَامِسَ عَشَرَ: الْفِكْرُ وَهُوَ انْتِقَالُ الرُّوحِ مِنَ التَّصْدِيقَاتِ الْحَاضِرَةِ إِلَى التَّصْدِيقَاتِ الْمُسْتَحْضَرَةِ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ إِنَّ الْفِكْرَ يَجْرِي مَجْرَى التَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي اسْتِنْزَالِ الْعُلُومِ مِنْ عِنْدِهِ. السَّادِسَ عَشَرَ: الْحَدْسُ وَلَا/ شَكَ أَنَّ الْفِكْرَ لَا يَتِمُّ عَمَلُهُ إِلَّا بِوِجْدَانِ شَيْءٍ يَتَوَسَّطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الْمَجْهُولِ لِتَصِيرَ النِّسْبَةُ الْمَجْهُولَةُ مَعْلُومَةً فَإِنَّ النَّفْسَ حَالَ كَوْنِهَا جَاهِلَةً كَأَنَّهَا وَاقِفَةٌ فِي ظُلْمَةٍ وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ قَائِدٍ يَقُودُهَا وَسَائِقٍ يَسُوقُهَا وَذَلِكَ هُوَ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَلَهُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِسْبَةٌ خَاصَّةٌ فَيَتَوَلَّدُ مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِمَا مُقَدِّمَتَانِ فَكُلُّ مَجْهُولٍ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ مُقَدِّمَتَيْنِ مَعْلُومَتَيْنِ وَالْمُقَدِّمَتَانِ هُمَا كَالشَّاهِدَيْنِ فَكَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الشَّرْعِ مِنْ شَاهِدَيْنِ فَكَذَا لَا بُدَّ فِي الْعَقْلِ مِنْ شَاهِدَيْنِ وَهُمَا الْمُقَدِّمَتَانِ اللَّتَانِ تُنْتِجَانِ الْمَطْلُوبَ فَاسْتِعْدَادُ النَّفْسِ لِوِجْدَانِ ذَلِكَ الْمُتَوَسِّطِ هُوَ الْحَدْسُ. السَّابِعَ عَشَرَ: الذَّكَاءُ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَدْسِ وَكَمَالُهُ وَبُلُوغُهُ الْغَايَةَ الْقُصْوَى وَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّكَاءَ هُوَ الْمُضَاءُ فِي الْأَمْرِ وَسُرْعَةُ الْقَطْعِ بِالْحَقِّ وَأَصْلُهُ مِنْ ذَكَتِ النَّارُ وَذَكَتِ الرِّيحُ وَشَاةٌ مُذَكَّاةٌ أَيْ مُدْرَكٌ قبحها بِحِدَّةِ السِّكِّينِ. الثَّامِنَ عَشَرَ: الْفِطْنَةُ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّنَبُّهِ لِشَيْءٍ قُصِدَ تَعْرِيضُهُ وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَكْثَرِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحَاجِي وَالرُّمُوزِ. التَّاسِعَ عَشَرَ: الْخَاطِرُ وَهُوَ حَرَكَةُ النَّفْسِ نَحْوَ تَحْصِيلِ الدَّلِيلِ وَفِي الْحَقِيقَةِ ذَلِكَ الْمَعْلُومُ هُوَ الْخَاطِرُ بِالْبَالِ وَالْحَاضِرُ فِي النَّفْسِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ: هَذَا خَطَرَ بِبَالِي إِلَّا أَنَّ النَّفْسَ لَمَّا كَانَتْ مَحَلًّا لِذَلِكَ الْمَعْنَى الْخَاطِرِ جُعِلَتْ خَاطِرًا إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ. الْعِشْرُونَ: الْوَهْمُ وَهُوَ الِاعْتِقَادُ الْمَرْجُوحُ وَقَدْ يُقَالُ إِنَّهُ عِبَارَةٌ عن الحكم بأمور جزئية غير محسوسية لِأَشْخَاصٍ جُزْئِيَّةٍ جُسْمَانِيَّةٍ كَحُكْمِ السَّخْلَةِ بِصَدَاقَةِ الْأُمِّ وَعَدَاوَةِ الْمُؤْذِي. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: الظَّنُّ وَهُوَ الِاعْتِقَادُ الرَّاجِحُ وَلَمَّا كَانَ قَبُولُ الِاعْتِقَادِ لِلْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ غَيْرَ مَضْبُوطٍ فَكَذَا مَرَاتِبُ الظَّنِّ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ فَلِهَذَا قِيلَ إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْجِيحِ أَحَدِ طَرَفَيِ الْمُعْتَقَدِ فِي الْقَلْبِ عَلَى الْآخَرِ مَعَ تَجْوِيزِ الطَّرَفِ الْآخَرِ ثُمَّ إِنَّ الظَّنَّ الْمُتَنَاهِيَ فِي الْقُوَّةِ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعِلْمِ فَلَا جَرَمَ قَدْ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْعِلْمِ اسْمُ الظَّنِّ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [الْبَقَرَةِ: 46] قَالُوا: إِنَّمَا أُطْلِقَ لَفْظُ الظَّنِّ على العلم هاهنا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ عِلْمَ أَكْثَرِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى عِلْمِهِ فِي الْآخِرَةِ كَالظَّنِّ فِي جَنْبِ الْعِلْمِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِلْمَ الْحَقِيقِيَّ فِي الدُّنْيَا لَا يَكَادُ يَحْصُلُ إِلَّا لِلنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا [الْحُجُرَاتِ: 15] وَاعْلَمْ أَنَّ الظَّنَّ إِنْ كَانَ عَنْ أَمَارَةٍ قَوِيَّةٍ قُبِلَ وَمُدِحَ وَعَلَيْهِ مَدَارُ أَكْثَرِ أَحْوَالِ هَذَا الْعِلْمِ. وَإِنْ كَانَ عَنْ أَمَارَةٍ ضَعِيفَةٍ ذُمَّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [النَّجْمِ: 28] وَقَوْلِهِ: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الْحُجُرَاتِ: 12] الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: الْخَيَالُ. وَهُوَ عِبَارَةٌ مِنَ الصُّورَةِ الْبَاقِيَةِ عَنِ الْمَحْسُوسِ بَعْدَ غَيْبَتِهِ. وَمِنْهُ الطَّيْفُ الْوَارِدُ مِنْ صُورَةِ الْمَحْبُوبِ خَيَالًا وَالْخَيَالُ قَدْ يُقَالُ لِتِلْكَ الصُّورَةِ فِي الْمَنَامِ وَفِي الْيَقَظَةِ، وَالطَّيْفُ لَا يُقَالُ إِلَّا فِيمَا كَانَ فِي حَالِ النَّوْمِ. الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: الْبَدِيهَةُ وَهِيَ الْمَعْرِفَةُ الْحَاصِلَةُ ابْتِدَاءً فِي النَّفْسِ لَا بِسَبَبِ الْفِكْرِ كَعِلْمِكَ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ. الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْأَوَّلِيَّاتُ وَهِيَ الْبَدِيهِيَّاتُ بِعَيْنِهَا وَالسَّبَبُ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنَّ الذِّهْنَ يُلْحِقُ مَحْمُولَ الْقَضِيَّةِ بِمَوْضُوعِهَا أَوَّلًا لَا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ آخَرَ فَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ آخَرَ. فَذَاكَ الْمُتَوَسِّطُ هُوَ الْمَحْمُولُ أَوَّلًا/ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: الرَّوِيَّةُ، وَهِيَ مَا كَانَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بَعْدَ فِكْرٍ كَثِيرٍ، وَهِيَ مِنْ رَوَى، السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: الْكِيَاسَةُ. وَهِيَ تَمَكُّنُ النَّفْسِ مِنِ اسْتِنْبَاطِ مَا هُوَ أَنْفَعُ. وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ» . مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا خَيْرَ يَصِلُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ أَفْضَلُ
[سورة البقرة (2) : الآيات 32 إلى 33]
مِمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ. السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْخِبْرَةُ، وَهِيَ مَعْرِفَةٌ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهَا بِطَرِيقِ التَّجْرِبَةِ، يُقَالُ خَبِرْتُهُ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَجَدْتُ النَّاسَ أَخْبِرْ تَقْلَهُ. وَقِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَاقَةٌ خَبِرَةٌ. أَيْ غَزِيرَةُ اللَّبَنِ، فَكَانَ الْخَبَرُ هُوَ غَزَارَةَ الْمَعْرِفَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ نَاقَةٌ خَبِرَةٌ: هِيَ الْمُخْبَرُ عَنْهَا بِغَزَارَتِهَا. الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: الرَّأْيُ، وَهُوَ إِحَاطَةُ الْخَاطِرِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يُرْجَى مِنْهَا إِنْتَاجُ الْمَطْلُوبِ، وَقَدْ يُقَالُ لِلْقَضِيَّةِ الْمُسْتَنْتَجَةِ مِنَ الرَّأْيِ رَأْيٌ، وَالرَّأْيُ لِلْفِكْرِ كَالْآلَةِ لِلصَّانِعِ، وَلِهَذَا قِيلَ: إِيَّاكَ وَالرَّأْيَ الْفَطِيرَ، وَقِيلَ: دَعِ الرَّأْيَ تُصِبْ. التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْفِرَاسَةُ وَهِيَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَقِّ الظَّاهِرِ عَلَى الْخُلُقِ الْبَاطِنِ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى صِدْقِ هَذَا الطَّرِيقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الْحِجْرِ: 75] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ [الْبَقَرَةِ: 273] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [مُحَمَّدٍ: 30] وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: فَرَسَ السَّبُعُ الشَّاةَ، فَكَأَنَّ الْفِرَاسَةَ اخْتِلَاسُ الْمَعَارِفِ، وَذَلِكَ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ يَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ عَنْ خَاطِرِهِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ، وَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الْإِلْهَامِ بَلْ ضَرْبٌ مِنَ الْوَحْيِ، وَإِيَّاهُ عَنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ فِي أُمَّتِي لَمُحَدَّثِينَ وَإِنَّ عُمَرَ لَمِنْهُمْ» وَيُسَمَّى ذَلِكَ أَيْضًا النَّفْثَ فِي الرَّوْعِ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الْفِرَاسَةِ مَا يَكُونُ بِصِنَاعَةٍ مُتَعَلَّمَةٍ وَهِيَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْأَشْكَالِ الظَّاهِرَةِ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْبَاطِنَةِ وَقَالَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [هُودٍ: 17] إِنَّ الْبَيِّنَةَ هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى صَفَاءِ جَوْهَرِ الرُّوحِ وَالشَّاهِدُ هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْأَشْكَالِ عَلَى الْأَحْوَالِ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها وَقَوْلُهُ: لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا وقوله: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ لَا يَقْتَضِي وَصْفَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ مُعَلِّمٌ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ تَعَارُفٌ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْ يَحْتَرِفُ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّلْقِينِ وَكَمَا لَا يُقَالُ لِلْمُدَرِّسِ مُعَلِّمٌ مُطْلَقًا حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِلْمُتَعَلِّمِينَ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُدَرِّسُ فَكَذَا لَا يُقَالُ لِلَّهِ إِنَّهُ مُعَلِّمٌ إِلَّا مَعَ التَّقْيِيدِ وَلَوْلَا هَذَا التَّعَارُفُ لَحَسُنَ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ بَلْ كَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يُسْتَعْمَلَ إِلَّا فِيهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْمُعَلِّمَ هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ الْعِلْمُ فِي غَيْرِهِ وَلَا قُدْرَةَ عَلَى ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا اللَّهَ تعالى. [سورة البقرة (2) : الآيات 32 الى 33] قالُوا سُبْحانَكَ لَا عِلْمَ لَنا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) اعْلَمْ أَنَّ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَتَوْا بِالْمَعْصِيَةِ فِي قَوْلِهِمْ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها قَالُوا: إِنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا خَطَأَهُمْ فِي هَذَا السُّؤَالِ رَجَعُوا وَتَابُوا وَاعْتَذَرُوا عَنْ خَطَئِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: سُبْحانَكَ لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا وَالَّذِينَ أَنْكَرُوا مَعْصِيَتَهُمْ ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ وَالتَّسْلِيمِ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا سُئِلُوا عَنْهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّا لَا نَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا فَإِذَا لَمْ تُعَلِّمْنَا ذَلِكَ فَكَيْفَ نَعْلَمُهُ، الثَّانِي: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ إِنَّمَا قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيها لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّكَ أَعْلَمْتَنَا أَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ فَقُلْنَا لَكَ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَأَمَّا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ فإنك ما أعلمتنا كيفيتها فكيف نعلمها. وهاهنا مسائل:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا عَلَى أَنَّ الْمَعَارِفَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ إِمَّا بِالتَّعْلِيمِ وَإِمَّا بِنَصْبِ الدَّلَالَةِ وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّعْلِيمَ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ فِي الْغَيْرِ كَالتَّسْوِيدِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْصِيلِ السَّوَادِ فِي الْغَيْرِ لَا يُقَالُ التَّعْلِيمُ عِبَارَةٌ عَنْ إِفَادَةِ عَلَيْهِ الْعِلْمُ هُوَ وَضْعُ الدَّلِيلِ وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُؤَثِّرَ فِي وُجُودِ الْعِلْمِ لَيْسَ هُوَ ذَاتَ الدَّلِيلِ بَلِ النَّظَرُ فِي الدَّلِيلِ وَذَلِكَ النَّظَرُ فِعْلُ الْعَبْدِ فَلَمْ يَكُنْ حُصُولُ ذَلِكَ الْعِلْمِ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تعالى وأنه يناقص قَوْلَهُ: لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ أَهْلُ الْإِسْلَامِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمُغَيَّبَاتِ إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إِلَيْهَا بِعِلْمِ النُّجُومِ وَالْكِهَانَةِ وَالْعِرَافَةِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [الْأَنْعَامِ: 59] وَقَوْلُهُ: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الْجِنِّ: 26، 27] وَلِلْمُنَجِّمِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُعْتَزِلِيِّ إِذَا فَسَّرْتَ التَّعْلِيمَ بِوَضْعِ الدَّلَائِلِ فَعِنْدِي حَرَكَاتُ النُّجُومِ دَلَائِلُ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَحْوَالِ هَذَا الْعَالَمِ فَإِذَا اسْتَدْلَلْتَ بِهَا عَلَى هَذِهِ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَيْضًا إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْغَيْبِ فَلَأَنْ يَعْجِزَ عَنْهُ أَحَدُنَا كَانَ أَوْلَى. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْعَلِيمُ مِنْ صِفَاتِ الْمُبَالَغَةِ التَّامَّةِ فِي الْعِلْمِ، وَالْمُبَالَغَةُ التَّامَّةُ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا عِنْدَ الْإِحَاطَةِ بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَلَا جَرَمَ لَيْسَ الْعَلِيمُ الْمُطْلَقُ إِلَّا هُوَ، فَلِذَلِكَ قَالَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْحَكِيمُ يُسْتَعْمَلُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى الْعَلِيمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ نَقُولُ: إِنَّهُ تَعَالَى حَكِيمٌ فِي الْأَزَلِ. الْآخَرُ: أَنَّهُ الَّذِي يَكُونُ فَاعِلًا لِمَا لَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ. فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، فَلَا نَقُولُ إِنَّهُ حَكِيمٌ في الأزل والأقرب هاهنا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي وَإِلَّا لَزِمَ التَّكْرَارُ، فَكَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ: أَنْتَ الْعَالِمُ بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ فَأَمْكَنَكَ تَعْلِيمُ آدَمَ، وَأَنْتَ الْحَكِيمُ فِي هَذَا الْفِعْلِ الْمُصِيبُ فِيهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ مُرَادَ الْمَلَائِكَةِ مِنَ الْحَكِيمِ، أَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَكَمَ بِجَعْلِ آدَمَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ يُخْبِرَهُمْ عَنْ أَسْمَاءِ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخْبَرَهُمْ بِهَا فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِهَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْغَيْبِ أَنَّهُ تَعَالَى كَانَ عَالِمًا بِأَحْوَالِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ حُدُوثِهَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فِي أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ إِلَّا عِنْدَ وُقُوعِهَا، فَإِنْ قِيلَ الْإِيمَانُ هُوَ العلم، فقوله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَكَيْفَ قال هاهنا: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْإِشْعَارُ بِأَنَّ عِلْمَ الْغَيْبِ لَيْسَ إِلَّا لِي وَأَنَّ كُلَّ مَنْ سِوَايَ فَهُمْ خَالُونَ عَنْ عِلْمِ الْغَيْبِ وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أَمَّا قَوْلُهُ: وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: مَا رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ: وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُمْ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَقَوْلَهُ: وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أَرَادَ بِهِ مَا أسر
إِبْلِيسُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْكِبْرِ وَأَنْ لَا يَسْجُدَ: وَثَانِيهَا: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ مِنَ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ وَالْأَسْرَارِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي يُظَنُّ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهَا وَلَكِنِّي لِعِلْمِي بِالْأَسْرَارِ الْمُغَيَّبَةِ أَعْلَمُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي خَلْقِهَا. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَمَ رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ خَلْقًا عَجِيبًا فَقَالُوا لِيَكُنْ مَا شَاءَ فَلَنْ يَخْلُقَ رَبُّنَا خَلْقًا إِلَّا كُنَّا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْهُ فَهَذَا الَّذِي كَتَمُوا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ سِرًّا أَسَرُّوهُ بَيْنَهُمْ فَأَبْدَاهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَأَسَرُّوهُ عَنْ غَيْرِهِمْ فَكَانَ فِي هَذَا الْفِعْلِ الْوَاحِدِ إِبْدَاءٌ وَكِتْمَانٌ. وَرَابِعُهَا: وَهُوَ قَوْلُ الْحُكَمَاءِ أَنَّ الْأَقْسَامَ خَمْسَةٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مَحْضًا أَوْ شَرًّا مَحْضًا أَوْ مُمْتَزِجًا وَعَلَى تَقْدِيرِ الِامْتِزَاجِ فإما أن يعتدل الأمران أَوْ يَكُونَ الْخَيْرُ غَالِبًا أَوْ يَكُونَ الشَّرُّ غَالِبًا أَمَّا الْخَيْرُ الْمَحْضُ فَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي إِيجَادَهُ وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْخَيْرُ غَالِبًا فَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي إِيجَادَهُ لِأَنَّ تَرْكَ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ لِأَجْلِ الشَّرِّ الْقَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ فَالْمَلَائِكَةُ ذَكَرُوا الْفَسَادَ وَالْقَتْلَ وَهُوَ شَرٌّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَحْصُلُ مِنْهُمْ مِنَ الْخَيْرَاتِ فَقَوْلُهُ: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَأَعْرِفُ أَنَّ خَيْرَهُمْ غَالِبٌ عَلَى هَذِهِ الشُّرُورِ فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ إِيجَادَهُمْ وَتَكْوِينَهُمْ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَوْفًا عَظِيمًا وَفَرَحًا عَظِيمًا أَمَّا الْخَوْفُ فَلِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْوَالِ الضَّمَائِرِ فَيَجِبُ أَنْ يَجْتَهِدَ الْمَرْءُ فِي تَصْفِيَةِ بَاطِنِهِ وَأَنْ لَا يَكُونَ/ بِحَيْثُ يَتْرُكُ الْمَعْصِيَةَ لِاطِّلَاعِ الْخَلَائِقِ عَلَيْهَا وَلَا يَتْرُكُهَا عِنْدَ اطِّلَاعِ الْخَالِقِ عَلَيْهَا وَالْأَخْبَارُ مُؤَكِّدَةٌ لِذَلِكَ. أَحَدُهَا: رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «يُؤْتَى بِنَاسٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهَا وَوَجَدُوا رَائِحَتَهَا وَنَظَرُوا إِلَى قُصُورِهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا نُودُوا أَنِ اصْرِفُوهُمْ عَنْهَا لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِيهَا فَيَرْجِعُونَ عَنْهَا بِحَسْرَةٍ مَا رَجَعَ أَحَدٌ بِمِثْلِهَا وَيَقُولُونَ يَا رَبَّنَا لَوْ أَدْخَلْتَنَا النَّارَ قَبْلَ أَنْ تُرِيَنَا مَا أَرَيْتَنَا مِنْ ثَوَابِكَ وَمَا أَعْدَدْتَ فِيهَا لِأَوْلِيَائِكَ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيْنَا: فَنُودُوا ذَاكَ أَرَدْتُ لَكُمْ كُنْتُمْ إِذَا خَلَوْتُمْ بَارَزْتُمُونِي بِالْعَظَائِمِ وَإِذَا لَقِيتُمُ النَّاسَ لَقِيتُمُوهُمْ بِالْمَحَبَّةِ مُخْبِتِينَ تُرَاءُونَ النَّاسَ بِخِلَافِ مَا تُضْمِرُونَ عَلَيْهِ فِي قُلُوبِكُمْ هِبْتُمُ النَّاسَ وَلَمْ تَهَابُونِي أَجْلَلْتُمُ النَّاسَ وَلَمْ تُجِلُّونِي تَرَكْتُمُ الْمَعَاصِيَ لِلنَّاسِ وَلَمْ تَتْرُكُوهَا لِأَجْلِي كُنْتُ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ عَلَيْكُمْ فَالْيَوْمَ أُذِيقُكُمْ أَلِيمَ عَذَابِي مَعَ مَا حَرَمْتُكُمْ مِنَ النَّعِيمِ وَثَانِيهَا: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ لِحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ: عِظْنِي فَقَالَ إِنْ كُنْتَ إِذَا عَصَيْتَ اللَّهَ خَالِيًا ظَنَنْتَ أَنَّهُ يَرَاكَ فَلَقَدِ اجْتَرَأْتَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ كُنْتَ ظَنَنْتَ أَنَّهُ لَا يَرَاكَ فَلَقَدْ كَفَرْتَ. وَثَالِثُهَا: قَالَ حَاتِمٌ الْأَصَمُّ: طَهِّرْ نَفْسَكَ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إِذَا كُنْتَ عَامِلًا بِالْجَوَارِحِ فَاذْكُرْ نَظَرَ اللَّهِ إِلَيْكَ. وَإِذَا كُنْتَ قَائِلًا فَاذْكُرْ سَمْعَ اللَّهِ إِلَيْكَ، وَإِذَا كُنْتَ سَاكِتًا عَامِلًا بِالضَّمِيرِ فاذكر على اللَّهِ بِكَ إِذْ هُوَ يَقُولُ: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [طه: 46] . وَرَابِعُهَا: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَى أَسْرَارِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالْمَلَائِكَةُ وَقَعَ نَظَرُهُمْ عَلَى الْفَسَادِ وَالْقَتْلِ فَاسْتَحْقَرُوا الْبَشَرَ. وَوَقَعَ نَظَرُهُمْ عَلَى طَاعَةِ إِبْلِيسَ فَاسْتَعْظَمُوهُ، أما علام الغيوب فإنه كان عالماً بأنه وَإِنْ أَتَوْا بِالْفَسَادِ وَالْقَتْلِ لَكِنَّهُمْ سَيَأْتُونَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِمْ: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الْأَعْرَافِ: 23] وَأَنَّ إِبْلِيسَ وَإِنْ أَتَى بِالطَّاعَاتِ لَكِنَّهُ سَيَأْتِي بَعْدَهَا بِقَوْلِهِ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَمِنْ شَأْنِ الْعَقْلِ أَنْ لَا يَعْتَمِدَ عَلَى مَا يَرَاهُ وَأَنْ يَكُونَ أَبَدًا فِي الْخَوْفِ وَالْوَجَلِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ معناه أن الَّذِي أَعْرِفُ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ وَالْوَاقِعَ وَالْمُتَوَقَّعَ وَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا تَرَوْنَهُ عَابِدًا مُطِيعًا سَيَكْفُرُ وَيَبْعُدُ عَنْ حَضْرَتِي، وَمَنْ تَرَوْنَهُ فَاسِقًا بَعِيدًا سَيَقْرُبُ مِنْ خِدْمَتِي، فَالْخَلْقُ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا عَنْ حِجَابِ الْجَهْلِ وَلَا يَتَيَسَّرُ لَهُمْ أَنْ يَخْرِقُوا أَسْتَارَ الْعَجْزِ فَإِنَّهُمْ لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ حَقَّقَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ وَعَجْزِ الْمَلَائِكَةِ أَنْ أَظْهَرَ مِنَ البشر كمال العبودية ومن أشد ساكني السموات عبادة
[سورة البقرة (2) : آية 34]
كَمَالَ الْكُفْرِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ وَيُفَوِّضُوا مَعْرِفَةَ الْأَشْيَاءِ إِلَى حِكْمَةِ الْخَالِقِ وَيُزِيلُوا الِاعْتِرَاضَ بالقلب واللسان عن مصنوعاته ومبدعاته. [سورة البقرة (2) : آية 34] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ النِّعْمَةُ الرَّابِعَةُ مِنَ النِّعَمِ الْعَامَّةِ عَلَى جَمِيعِ الْبَشَرِ وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ أَبَانَا مَسْجُودَ الْمَلَائِكَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ تَخْصِيصَ آدَمَ بِالْخِلَافَةِ أَوَّلًا ثُمَّ تَخْصِيصَهُ بِالْعِلْمِ الْكَثِيرِ ثَانِيًا ثُمَّ بُلُوغَهُ فِي الْعِلْمِ إِلَى أَنْ صَارَتِ الْمَلَائِكَةُ عَاجِزِينَ عَنْ بُلُوغِ دَرَجَتِهِ فِي الْعِلْمِ وَذَكَرَ الْآنَ كَوْنَهُ مسجوداً للملائكة، وهاهنا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْأَمْرُ بِالسُّجُودِ حَصَلَ قَبْلَ أَنْ يُسَوِّيَ اللَّهُ تَعَالَى خِلْقَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [ص: 71، 72] وَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا صَارَ حَيًّا صَارَ مَسْجُودَ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ: فَقَعُوا لِلتَّعْقِيبِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ تَعْلِيمُ الْأَسْمَاءِ وَمُنَاظَرَتُهُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي ذَلِكَ حَصَلَ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَسْجُودَ الْمَلَائِكَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ لَيْسَ سُجُودَ عِبَادَةٍ لِأَنَّ سُجُودَ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ كُفْرٌ وَالْأَمْرُ لَا يَرِدُ بِالْكُفْرِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى وَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ كَالْقِبْلَةِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ طَعَنَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلِ: أَنَّهُ لَا يُقَالُ صَلَّيْتُ لِلْقِبْلَةِ بَلْ يُقَالُ صَلَّيْتُ إِلَى الْقِبْلَةِ فَلَوْ كَانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قِبْلَةً لِذَلِكَ السُّجُودِ لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ اسْجُدُوا إِلَى آدَمَ فَلَمَّا لَمْ يَرِدِ الْأَمْرُ هَكَذَا بَلْ قِيلَ اسْجُدُوا لِآدَمَ عَلِمْنَا أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ قِبْلَةً. الثَّانِي: أَنَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ أَيْ أَنَّ كَوْنَهُ مَسْجُودًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ حَالًا مِنَ السَّاجِدِ وَلَوْ كَانَ قِبْلَةً لَمَا حَصَلَتْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ بِدَلِيلِ أَنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَةِ وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ الْكَعْبَةُ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ صَلَّيْتُ إِلَى الْقِبْلَةِ جَازَ أَنْ يُقَالَ صَلَّيْتُ لِلْقِبْلَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالشِّعْرُ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الْإِسْرَاءِ: 78] وَالصَّلَاةُ لِلَّهِ لَا لِلدُّلُوكِ. فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ صَلَّيْتُ لِلْقِبْلَةِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِلْقِبْلَةِ، وَأَمَّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ حَسَّانَ: مَا كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الْأَمْرَ مُنْصَرِفٌ ... عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَنْ أَبِي حَسَنِ أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ ... وَأَعْرَفَ النَّاسِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ فَقَوْلُهُ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ نَصٌّ عَلَى الْمَقْصُودِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ إِبْلِيسَ شَكَا تَكْرِيمَهُ وَذَلِكَ التَّكْرِيمُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ حَصَلَ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ الْمَسْجُودِيَّةِ بَلْ لَعَلَّهُ حَصَلَ بِذَلِكَ مَعَ أُمُورٍ أُخَرَ فَهَذَا مَا فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي فَهُوَ أَنَّ السَّجْدَةَ كَانَتْ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَحِيَّةً لَهُ كَالسَّلَامِ مِنْهُمْ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَتِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا يُحَيِّي الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسَّلَامِ وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [يُوسُفَ: 100] كَانَتْ تَحِيَّةُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ سُجُودَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: وَعَنْ صُهَيْبٍ أَنَّ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ مَا هَذَا قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ تَسْجُدُ لِعُظَمَائِهَا/ وَعُلَمَائِهَا وَرَأَيْتُ النَّصَارَى تسجد لقسسها
وَبِطَارِقَتِهَا قُلْتُ: مَا هَذَا قَالُوا: تَحِيَّةُ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَذَبُوا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ «1» وَعَنِ الثوري عن سماك بن هاني قَالَ: دَخَلَ الْجَاثَلِيقُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَأَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ اسْجُدْ لِلَّهِ وَلَا تَسْجُدْ لِي. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا لِعِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ السُّجُودَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ هُوَ الِانْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ قَالَ الشَّاعِرُ: تَرَى الْأَكَمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ أَيْ تِلْكَ الْجِبَالُ الصِّغَارُ كَانَتْ مُذَلَّلَةً لِحَوَافِرِ الْخَيْلِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [الرَّحْمَنِ: 6] وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ شَرْحُ تَعْظِيمِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَجَعْلُهُ مُجَرَّدَ الْقِبْلَةِ لَا يُفِيدُ تَعْظِيمَ حَالِهِ وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ فَضَعِيفٌ أَيْضًا لِأَنَّ السُّجُودَ لَا شَكَّ أَنَّهُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّغْيِيرِ فَإِنْ قِيلَ السُّجُودُ عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا تَجُوزُ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عِبَادَةٌ، بَيَانُهُ أَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يَصِيرُ بِالْمُوَاضَعَةِ مُفِيدًا كَالْقَوْلِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ قِيَامَ أَحَدِنَا لِلْغَيْرِ يُفِيدُ مِنَ الْإِعْظَامِ ما يفيده القول وما ذاك إلا للعبادة وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ سُقُوطُ الْإِنْسَانِ عَلَى الْأَرْضِ وَإِلْصَاقُهُ الْجَبِينَ بِهَا مُفِيدًا ضَرْبًا مِنَ التَّعْظِيمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِبَادَةً وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِذَلِكَ إِظْهَارًا لِرِفْعَتِهِ وَكَرَامَتِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ إِبْلِيسَ هَلْ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟ قَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: وَلَا سِيَّمَا الْمُعْتَزِلَةُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْكَهْفِ: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ [الْكَهْفِ: 50] وَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّ الْجِنَّ جِنْسٌ مُخَالِفٌ لِلْمَلَكِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْجِنَّ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاجْتِنَانِ وَهُوَ السَّتْرُ وَلِهَذَا سُمِّيَ الْجَنِينُ جَنِينًا لِاجْتِنَانِهِ وَمِنْهُ الْجُنَّةُ لِكَوْنِهَا سَاتِرَةً وَالْجَنَّةُ لِكَوْنِهَا مُسْتَتِرَةً بِالْأَغْصَانِ وَمِنْهُ الْجُنُونُ لِاسْتِتَارِ الْعَقْلِ فِيهِ، وَلَمَّا ثَبَتَ هَذَا وَالْمَلَائِكَةُ مَسْتُورُونَ عَنِ الْعُيُونِ وَجَبَ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْجِنِّ عَلَيْهِمْ بِحَسْبِ اللُّغَةِ فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يُفِيدُ الْمَقْصُودَ فَنَقُولُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ [سَبَأٍ: 40، 41] وَهَذِهِ الْآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْجِنِّ وَالْمَلَكِ. فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ أَمَّا قَوْلُهُ تعالى: كانَ مِنَ الْجِنِّ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَانَ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ أَيْ كان خازن الجنة سلمنا ذلك لكن لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِنَ الْجِنِّ أَيْ صَارَ مِنَ الْجِنِّ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ أَيْ صَارَ مِنَ الْكَافِرِينَ سَلَّمْنَا أَنَّ مَا ذَكَرْتَ/ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ فَلِمَ قُلْتَ إِنَّ كَوْنَهُ مِنَ الْجِنِّ يُنَافِي كَوْنَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْآيَةِ مُعَارَضٌ بِآيَةٍ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصَّافَّاتِ: 158] وَذَلِكَ لِأَنَّ قُرَيْشًا قَالَتْ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ فهذه الآية تدل على أن الملك يمسي جِنًّا؟ وَالْجَوَابُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: كانَ مِنَ الْجِنِّ أَنَّهُ كَانَ خَازِنَ الْجَنَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ يُشْعِرُ بِتَعْلِيلِ تَرْكِهِ لِلسُّجُودِ لِكَوْنِهِ جِنِّيًّا وَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُ تَرْكِ السُّجُودِ بِكَوْنِهِ خَازِنًا لِلْجَنَّةِ فَيُبْطِلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ
كانَ مِنَ الْجِنِّ أَيْ صَارَ مِنَ الْجِنِّ. قُلْنَا هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً قُلْنَا يُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَ الْكُفَّارِ أَثْبَتَ ذَلِكَ النَّسَبَ فِي الْجِنِّ كَمَا أَثْبَتَهُ فِي الْمَلَائِكَةِ وَأَيْضًا فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَلَكَ يُسَمَّى جِنًّا بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ لَكِنَّ لَفْظَ الْجِنِّ بِحَسَبِ الْعُرْفِ اخْتَصَّ بِغَيْرِهِمْ كَمَا أَنَّ لَفْظَ الدَّابَّةِ وَإِنْ كَانَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الْأَصْلِيَّةِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يَدِبُّ لَكِنَّهُ بِحَسَبِ الْعُرْفِ اخْتَصَّ بِبَعْضِ مَا يَدِبُّ فَتُحْمَلُ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى اللُّغَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْآيَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَلَى الْعُرْفِ الْحَادِثِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ إِبْلِيسَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ وَالْمَلَائِكَةُ لَا ذُرِّيَّةَ لَهُمْ، إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ إِبْلِيسَ لَهُ ذَرِّيَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صِفَتِهِ: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي [الْكَهْفِ: 50] وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ الذُّرِّيَّةِ لَهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا ذُرِّيَّةَ لَهُمْ لِأَنَّ الذُّرِّيَّةَ إِنَّمَا تَحْصُلُ مِنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْمَلَائِكَةُ لَا أُنْثَى فِيهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ [الزُّخْرُفِ: 19] أَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْأُنُوثَةِ فَإِذَا انْتَفَتِ الْأُنُوثَةُ انْتَفَى التَّوَالُدُ لَا مَحَالَةَ فَانْتَفَتِ الذُّرِّيَّةُ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَعْصُومُونَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَإِبْلِيسُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ إِبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النَّارِ وَالْمَلَائِكَةُ لَيْسُوا كَذَلِكَ إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ إِبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النَّارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْلِيسَ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَأَيْضًا فَلِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: كانَ مِنَ الْجِنِّ وَالْجِنُّ مَخْلُوقُونَ مِنَ النَّارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ [الْحِجْرِ: 27] وَقَالَ: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ [الرَّحْمَنِ: 14، 15] وَأَمَّا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسُوا مَخْلُوقِينَ مِنَ النَّارِ بَلْ مِنَ النُّورِ، فَلِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، ولأن من المشهور الذي لا يَدْفَعُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ رُوحَانِيُّونَ، وَقِيلَ إِنَّمَا سُمُّوا بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنَ الرِّيحِ أَوِ الرَّوْحِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ رُسُلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فَاطِرٍ: 1] وَرُسُلُ اللَّهِ مَعْصُومُونَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الْأَنْعَامِ: 124] فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ إِبْلِيسُ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِكَوْنِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِأَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالِاسْتِثْنَاءُ يُفِيدُ إِخْرَاجَ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ أَوْ لَصَحَّ دُخُولُهُ وَذَلِكَ يُوجِبُ كون مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يُقَالُ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزُّخْرُفِ: 26، 27] وَقَالَ تَعَالَى: لَا يَسْمَعُونَ فِيها/ لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً [الْوَاقِعَةِ: 25، 26] وَقَالَ تَعَالَى: لَا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ [النِّسَاءِ: 29] وَقَالَ تَعَالَى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً [النِّسَاءِ: 92] وَأَيْضًا فَلِأَنَّهُ كَانَ جِنِّيًّا وَاحِدًا بَيْنَ الْأُلُوفِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَغَلَبُوا عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: فَسَجَدُوا ثُمَّ اسْتُثْنِيَ هُوَ مِنْهُمُ اسْتِثْنَاءَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِأَنَّا نَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَذَلِكَ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَالدَّلَائِلُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا فِي نَفْيِ كَوْنِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الِاعْتِمَادُ عَلَى الْعُمُومَاتِ، فَلَوْ جَعَلْنَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَزِمَ تَخْصِيصُ مَا عَوَّلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْعُمُومَاتِ، وَلَوْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَزِمَنَا حَمْلُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَخْصِيصَ الْعُمُومَاتِ أَكْثَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَمْلِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ فَكَانَ قَوْلُنَا أولى. وأيضاً فَالِاسْتِثْنَاءُ مُشْتَقٌّ مِنَ الثَّنْيِ وَالصَّرْفِ وَمَعْنَى الصَّرْفِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ حَيْثُ لَوْلَا الصَّرْفُ لَدَخَلَ وَالشَّيْءُ لَا يَدْخُلُ فِي غَيْرِ جِنْسِهِ فَيَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّهُ جِنِّيٌّ وَاحِدٌ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ فَنَقُولُ إِنَّمَا يَجُوزُ إِجْرَاءُ حكم الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه وأما إِذَا كَانَ مُعْظَمُ
الْحَدِيثِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ ذَلِكَ الْوَاحِدِ لَمْ يَجُزْ إِجْرَاءُ حُكْمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: قَالُوا لَوْ لَمْ يَكُنْ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمَا كَانَ قَوْلُهُ: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ مُتَنَاوِلًا لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَنَاوِلًا لَهُ لَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ لِلسُّجُودِ إِبَاءً وَاسْتِكْبَارًا وَمَعْصِيَةً وَلَمَا اسْتَحَقَّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ، وَحَيْثُ حَصَلَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ الْخِطَابَ يَتَنَاوَلُهُ وَلَا يَتَنَاوَلُهُ ذَلِكَ الْخِطَابُ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَا يُقَالُ إِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا أَنَّهُ نَشَأَ مَعَهُمْ وَطَالَتْ مُخَالَطَتُهُ بِهِمْ وَالْتَصَقَ بِهِمْ، فَلَا جَرَمَ يَتَنَاوَلُهُ ذَلِكَ الْخِطَابُ وَأَيْضًا فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِالسُّجُودِ بِلَفْظٍ آخَرَ مَا حَكَاهُ فِي الْقُرْآنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ لِأَنَّا نَقُولُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُخَالَطَةَ لَا تُوجِبُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إِنَّ خِطَابَ الذُّكُورِ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ وَبِالْعَكْسِ مَعَ شَدَّةِ الْمُخَالَطَةِ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ، وَأَيْضًا فَشِدَّةُ الْمُخَالَطَةِ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ لَمَّا لَمْ تَمْنَعِ اقْتِصَارَ اللَّعْنِ عَلَى إِبْلِيسَ فَكَيْفَ تَمْنَعُ اقْتِصَارَ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَجَوَابُهُ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ فَلَمَّا ذَكَرَ قَوْلَهُ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ أَشْعَرَ هَذَا التَّعْقِيبُ بِأَنَّ هَذَا الْإِبَاءَ إِنَّمَا حَصَلَ بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ هَذَا الْأَمْرِ لَا بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ أَمْرٍ آخَرَ فَهَذَا مَا عِنْدِي فِي الْجَانِبَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ. الْمَسْأَلَةُ الرابعة: [الكلام على أن آدم أفضل من الملائكة أو العكس] اعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِنَا يَحْتَجُّونَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ بِسُجُودِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى أَنَّ آدَمَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَرَأَيْنَا أن نذكر هاهنا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَنَقُولُ: قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ: الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ بَلِ الْمَلَائِكَةُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الشِّيعَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَّا وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيِّ مِنْ/ فُقَهَائِنَا وَنَحْنُ نَذْكُرُ مُحَصِّلَ الْكَلَامِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ: أَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [الْأَنْبِيَاءِ: 19] إِلَى قَوْلِهِ: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لَا يَفْتُرُونَ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْعِنْدِيَّةِ عِنْدِيَّةَ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بَلْ عِنْدِيَّةُ الْقُرْبِ وَالشَّرَفِ وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَارِدَةً فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْقُرْبَةِ وَالشَّرَفِ حَاصِلٌ لَهُمْ لَا لِغَيْرِهِمْ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ هَذِهِ الْعِنْدِيَّةَ فِي الْآخِرَةِ لِآحَادِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [الْقَمَرِ: 55] وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَاكِيًا عَنْهُ سُبْحَانَهُ: «أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ لِأَجْلِي» وَهَذَا أَكْثَرُ إِشْعَارًا بِالتَّعْظِيمِ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْعَبْدِ أَدْخَلُ فِي التَّعْظِيمِ، مِنْ كَوْنِ الْعَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى احْتَجَّ بعد اسْتِكْبَارِهِمْ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُمْ وَجَبَ أَنْ لَا يَسْتَكْبِرُوا وَلَوْ كَانَ الْبَشَرُ أَفْضَلَ مِنْهُمْ لَمَا تَمَّ هَذَا الِاحْتِجَاجُ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَرِّرَ عَلَى رَعِيَّتِهِ وُجُوبَ طَاعَتِهِمْ لَهُ بقول: الْمُلُوكُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ طَاعَتِي، فَمَنْ هَؤُلَاءِ المساكين حتى يتمردوا عن طاعتي أو بالجملة فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْأَقْوَى عَلَى الْأَضْعَفِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَشَدُّ قُوَّةً وَقُدْرَةً مِنَ الْبَشَرِ، وَيَكْفِي فِي صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ هَذَا الْقَدْرُ مِنَ التَّفَاوُتِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ مَعَ شِدَّةِ قُوَّتِهِمْ وَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى أَجْرَامِ السموات وَالْأَرْضِ وَأَمْنِهِمْ مِنَ الْهَرَمِ وَالْمَرَضِ وَطُولِ أَعْمَارِهِمْ، لَا يَتْرُكُونَ الْعُبُودِيَّةَ لَحْظَةً وَاحِدَةً، وَالْبَشَرُ مَعَ نِهَايَةِ ضَعْفِهِمْ وَوُقُوعِهِمْ فِي أَسْرَعِ
الْأَحْوَالِ فِي الْمَرَضِ وَالْهَرَمِ وَأَنْوَاعِ الْآفَاتِ، أَوْلَى أَنْ لَا يَتَمَرَّدُوا فَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ التَّفَاوُتِ كَافٍ فِي صِحَّةِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ، وَلَا نِزَاعَ في حصول التفاوت في هذه الْمَعْنَى، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ بِمَعْنَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ لَا يَصِحُّ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَلِكُ أَكْثَرَ ثَوَابًا مِنَ الْبَشَرِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ دَلِيلٍ؟ مَعَ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ إِلَى الْفَهْمِ هُوَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: عِبَادَاتُ الْمَلَائِكَةِ أَشَقُّ مِنْ عِبَادَاتِ الْبَشَرِ، فَتَكُونُ أَكْثَرَ ثَوَابًا مِنْ عِبَادَاتِ الْبَشَرِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهَا أَشَقُّ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَيْلَهُمْ إِلَى التَّمَرُّدِ أَشَدُّ فَتَكُونُ طَاعَتُهُمْ أَشَقَّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ مَيْلَهُمْ إِلَى التَّمَرُّدِ أَشَدُّ، لِأَنَّ الْعَبْدَ السَّلِيمَ مِنَ الْآفَاتِ، الْمُسْتَغْنِيَ عَنْ طَلَبِ الْحَاجَاتِ، يَكُونُ أَمْيَلَ إِلَى النِّعَمِ وَالِالْتِذَاذِ مِنَ الْمَغْمُورِ فِي الْحَاجَاتِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ كَالْمُضْطَرِبِ فِي الرُّجُوعِ إِلَى عِبَادَةِ مَوْلَاهُ وَالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: 65] ومعلوم أن الملائكة سكان السموات وَهِيَ جَنَّاتٌ وَبَسَاتِينُ وَمَوَاضِعُ التَّنَزُّهِ وَالرَّاحَةِ وَهُمْ آمِنُونَ مِنَ الْمَرَضِ وَالْفَقْرِ ثُمَّ إِنَّهُمْ مَعَ اسْتِكْمَالِ أَسْبَابِ التَّنَعُّمِ لَهُمْ أَبَدًا مُذْ خُلِقُوا مُشْتَغِلُونَ بِالْعِبَادَةِ خَاشِعُونَ وَجِلُونَ مُشْفِقُونَ كَأَنَّهُمْ مَسْجُونُونَ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى نَعِيمِ الْجِنَانِ/ وَاللَّذَّاتِ بَلْ هُمْ مُقْبِلُونَ عَلَى الطَّاعَاتِ الشَّاقَّةِ مَوْصُوفُونَ بِالْخَوْفِ الشَّدِيدِ وَالْفَزَعِ الْعَظِيمِ وَكَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يَبْقَى كَذَلِكَ يَوْمًا وَاحِدًا فَضْلًا عَنْ تِلْكَ الْأَعْصَارِ الْمُتَطَاوِلَةِ وَيُؤَكِّدُهُ قِصَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ أَطْلَقَ لَهُ في جَمِيعَ مَوَاضِعِ الْجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما [الْبَقَرَةِ: 35] ثُمَّ مُنِعَ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ حَتَّى وَقَعَ فِي الشَّرِّ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ طَاعَتَهُمْ أَشَقُّ مِنْ طَاعَاتِ الْبَشَرِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ انْتِقَالَ الْمُكَلَّفِ مِنْ نَوْعِ عِبَادَةٍ إِلَى نَوْعٍ آخَرَ كَالِانْتِقَالِ مِنْ بُسْتَانٍ إِلَى بُسْتَانٍ، أَمَّا الْإِقَامَةُ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهَا تُورِثُ الْمَشَقَّةَ وَالْمَلَالَةَ وَلِهَذَا السَّبَبِ جُعِلَتِ التَّصَانِيفُ مَقْسُومَةً بِالْأَبْوَابِ وَالْفُصُولِ، وَجُعِلَ كِتَابُ اللَّهِ مَقْسُومًا بِالسُّوَرِ وَالْأَحْزَابِ وَالْأَعْشَارِ وَالْأَخْمَاسِ، ثُمَّ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُوَاظِبٌ عَلَى عَمَلٍ وَاحِدٍ لَا يَعْدِلُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ عَلَى مَا قَالَ سُبْحَانَهُ: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لَا يَفْتُرُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 20] وَقَالَ: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصَّافَّاتِ: 165، 166] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ فِي نِهَايَةِ الْمَشَقَّةِ، إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ عِبَادَاتُهُمْ أَفْضَلَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحَمَزُهَا» أَيْ أَشَقُّهَا، وَقَوْلُهُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «إِنَّمَا أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» وَالْقِيَاسُ أَيْضًا يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعَبْدَ كُلَّمَا كَانَ تَحَمُّلُهُ الْمَشَاقَّ لِأَجْلِ رِضَا مَوْلَاهُ أَكْثَرَ كَانَ أَحَقَّ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّقْدِيمِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ: هَبْ أَنَّ مَشَقَّتَهُمْ أَكْثَرُ فَلِمَ قُلْتُمْ يَجِبُ أن يكون ثوابهم أكثر؟ وَذَلِكَ لِأَنَّا نَرَى بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ فِي زَمَانِنَا هَذَا يَتَحَمَّلُونَ فِي طَرِيقِ الْمُجَاهَدَةِ مِنَ الْمَشَاقِّ وَالْمَتَاعِبِ مَا يَقْطَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَتَحَمَّلُ بَعْضَ ذَلِكَ ثُمَّ إِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَمِنْ أَمْثَالِهِ، بَلْ يُحْكَى عَنْ عُبَّادِ الْهِنْدِ وَزُهَّادِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ أَنَّهُمْ يَتَحَمَّلُونَ مِنَ الْمَتَاعِبِ فِي التَّوَاضُعِ لِلَّهِ تَعَالَى مَا لَمْ يُحْكَ مِثْلُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ مَعَ أَنَّا نَقْطَعُ بِكُفْرِهِمْ، فَعَلِمْنَا أَنَّ كَثْرَةَ الْمَشَقَّةِ فِي الْعِبَادَةِ لَا تَقْتَضِي زِيَادَةَ الثَّوَابِ. وَتَحْقِيقُهُ هُوَ أَنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِنَاءً عَلَى الدَّوَاعِي وَالْقُصُودِ، فَلَعَلَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ يَأْتِي بِهِ مُكَلَّفَانِ عَلَى السَّوَاءِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ وَيَسْتَحِقُّ أَحَدُهُمَا بِهِ ثَوَابًا عَظِيمًا وَالْآخَرُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ إلا ثَوَابًا قَلِيلًا، لِمَا أَنَّ إِخْلَاصَ أَحَدِهِمَا أَشَدُّ وَأَكْثَرُ مِنْ إِخْلَاصِ الثَّانِي، فَإِذَنْ كَثْرَةُ الْعِبَادَاتِ وَمَشَقَّتُهَا لَا تَقْتَضِي التَّفَاوُتَ فِي الْفَضْلِ ثُمَّ نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عِبَادَاتِ الْمَلَائِكَةِ أَشَقُّ. أما قوله في الوجه الأول: السموات كَالْبَسَاتِينِ النَّزِهَةِ قُلْنَا مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ بِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْعِبَادَةِ فِي الْمَوَاضِعِ الطَّيِّبَةِ أَشَقُّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهَا فِي الْمَوَاضِعِ الرَّدِيئَةِ؟ أَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ قَدْ يهيأ له أسباب التنعيم فَامْتِنَاعُهُ عَنْهَا مَعَ
تَهْيِئَتِهَا لَهُ أَشَقُّ، وَلَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا أَنَّ أَسْبَابَ الْبَلَاءِ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى الْبَشَرِ ثُمَّ إِنَّهُمْ مَعَ اجْتِمَاعِهَا عَلَيْهِمْ يَرْضَوْنَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَلَا تُغَيُّرُهُمْ تِلْكَ الْمِحَنُ وَالْآفَاتُ عَنِ الْخُشُوعِ لَهُ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى عُبُودِيَّتِهِ، وَذَلِكَ أَدْخَلُ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْخَدَمَ وَالْعَبِيدَ تَطِيبُ قُلُوبُهُمْ بِالْخِدْمَةِ حَالَ مَا يَجِدُونَ مِنَ النِّعَمِ وَالرَّفَاهِيَةِ وَلَا يَصْبِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَالَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْخِدْمَةِ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي نِهَايَةِ الْإِخْلَاصِ فَمَا ذَكَرُوهُ بِالْعَكْسِ أَوْلَى، أَمَّا قَوْلُهُ: وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْعِبَادَةِ شَاقٌّ، قُلْنَا: هَذَا مُعَارَضٌ بِوَجْهٍ آخَرَ/ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمَّا اعْتَادُوا نَوْعًا وَاحِدًا مِنَ الْعِبَادَةِ صَارُوا كَالْمَجْبُورِينَ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي لَا يَقْدِرُونَ عَلَى خِلَافِهِ عَلَى مَا قِيلَ: الْعَادَةُ طَبِيعَةٌ خَامِسَةٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ النَّوْعُ فِي نِهَايَةِ السُّهُولَةِ عَلَيْهِمْ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ وَقَالَ: «أَفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ» وَهُوَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا وَيُفْطِرَ يَوْمًا. وَثَالِثُهَا: قَالُوا: عِبَادَاتُ الْمَلَائِكَةِ أَدْوَمُ فَكَانَتْ أَفْضَلَ بَيَانُ أَنَّهَا أَدْوَمُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لَا يَفْتُرُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 20] وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ أَعْمَارُهُمْ مُسَاوِيَةً لِأَعْمَارِ الْبَشَرِ لَكَانَتْ طَاعَاتُهُمْ أَدْوَمَ وَأَكْثَرَ فَكَيْفَ وَلَا نِسْبَةَ لَعُمْرِ كُلِّ الْبَشَرِ إِلَى عُمَرِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ صِفَاتِ الْمَلَائِكَةِ وَعَلَى هَذِهِ الْآيَةِ سُؤَالٌ: رُوِيَ فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ: قُلْتُ لِكَعْبٍ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لَا يَفْتُرُونَ ثُمَّ قَالَ: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فَاطِرٍ: 1] أَفَلَا تَكُونُ الرِّسَالَةُ مَانِعَةً لَهُمْ عَنْ هَذَا التَّسْبِيحِ؟ وَأَيْضًا قَالَ: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [الْبَقَرَةِ: 161] فَكَيْفَ يَكُونُونَ مُشْتَغِلِينَ بِاللَّعْنِ حَالَ اشْتِغَالِهِمْ بِالتَّسْبِيحِ؟ أَجَابَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ فَقَالَ: التَّسْبِيحُ لَهُمْ كَالتَّنَفُّسِ لَنَا فَكَمَا أَنَّ اشْتِغَالَنَا بالتنفس لا يمنعنا من الكلام فكذلك اشْتِغَالُهُمْ بِالتَّسْبِيحِ لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ. وَأَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الِاشْتِغَالُ بِالتَّنَفُّسِ إِنَّمَا لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْكَلَامِ لِأَنَّ آلَةَ التَّنَفُّسِ غَيْرُ آلَةِ الْكَلَامِ أَمَّا اللَّعْنُ وَالتَّسْبِيحُ فَهُمَا مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ فَاجْتِمَاعُهُمَا فِي الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ مُحَالٌ. وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ: أَيُّ اسْتِبْعَادٍ فِي أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى لهم ألسنة كَثِيرَةً يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعَالَى بِبَعْضِهَا وَيَلْعَنُونَ أَعْدَاءَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَعْضِ الْآخَرِ. وَالْجَوَابُ الثَّانِي: اللَّعْنُ هُوَ الطَّرْدُ وَالتَّبْعِيدُ، وَالتَّسْبِيحُ هُوَ الْخَوْضُ فِي ثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا شَكَّ أَنَّ ثَنَاءَ اللَّهِ يَسْتَلْزِمُ تَبْعِيدَ مَنِ اعْتَقَدَ فِي اللَّهِ مَا لَا يَنْبَغِي فَكَانَ ذَلِكَ اللَّعْنُ مِنْ لوازمه. والجواب الثالث: قوله: لا يَفْتُرُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَفْتُرُونَ عَنِ الْعَزْمِ عَلَى أَدَائِهِ فِي أَوْقَاتِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ كَمَا يُقَالُ إِنَّ فُلَانًا مُوَاظِبٌ عَلَى الْجَمَاعَاتِ لَا يَفْتُرُ عَنْهَا لَا يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ أَبَدًا مُشْتَغِلٌ بِهَا بَلْ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ مُوَاظِبٌ عَلَى الْعَزْمِ أَبَدًا عَلَى أَدَائِهَا فِي أَوْقَاتِهَا وَإِذَا ثبت أن عباداتهم أَدَوْمُ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَفْضَلَ. أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ الْأَدْوَمَ أَشَقُّ فَيَكُونُ أَفْضَلَ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْحُجَّةِ الثَّانِيَةِ. وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ «أَفْضَلُ الْعِبَادِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» وَالْمَلَائِكَةُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَطْوَلُ الْعِبَادِ أَعْمَارًا وَأَحْسَنُهُمْ أَعْمَالًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ الْعِبَادِ وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «الشَّيْخُ فِي قَوْمِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونُوا فِي الْبَشَرِ كَالنَّبِيِّ فِي الْأُمَّةِ وَذَلِكَ يُوجِبُ فَضْلَهُمْ عَلَى الْبَشَرِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَذَا لُقْمَانُ وَكَذَا الْخَضِرُ كَانُوا أَطْوَلَ عُمْرًا مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ وَقَدْ نَجِدُ فِي الْأُمَّةِ مَنْ هُوَ أَطْوَلُ عُمْرًا وَأَشَدُّ اجْتِهَادًا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مِنْهُ أَبْعَدُ فِي الدَّرَجَةِ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى مَا تَحْتَ الثَّرَى. وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا أَنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ إِنَّمَا تَحْصُلُ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى الدَّوَاعِي وَالْقُصُودِ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الطَّاعَةُ الْقَلِيلَةُ تَقَعُ مِنَ الْإِنْسَانِ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا ثَوَابًا كَثِيرًا وَالطَّاعَاتِ الْكَثِيرَةَ تَقَعُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا/ إِلَّا ثَوَابًا قَلِيلًا. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُمْ أَسْبَقُ السَّابِقِينَ فِي كُلِّ الْعِبَادَاتِ، لَا خَصْلَةَ مِنْ خِصَالِ الدِّينِ إِلَّا وَهُمْ أَئِمَّةٌ مُقَدَّمُونَ فِيهَا بَلْ هُمُ الْمُنْشِئُونَ الْعَامِرُونَ لِطُرُقِ الدِّينِ وَالسَّبْقُ فِي العبادة
جِهَةُ تَفْضِيلٍ وَتَعْظِيمٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَبِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَا ثَانِيًا فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الْوَاقِعَةِ: 10، 11] وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» فَهَذَا يَقْتَضِي أن يكون قد حصل الملائكة مِنَ الثَّوَابِ كُلُّ مَا حَصَلَ لِلْأَنْبِيَاءِ مَعَ زِيَادَةِ الثَّوَابِ الَّتِي اسْتَحَقُّوهَا بِأَفْعَالِهِمُ الَّتِي أَتَوْا بِهَا قَبْلَ خَلْقِ الْبَشَرِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْبَشَرِ وَأَوَّلُ مَنْ سَنَّ دَعْوَةَ الْكُفَّارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا بِالْإِجْمَاعِ بِطَلَ مَا ذَكَرُوهُ وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ تَكُونُ بِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى النِّيَّةِ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ الْمُتَأَخِّرِ أَصْفَى فَيَسْتَحِقُّ مِنَ الثَّوَابِ أَكْثَرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُتَقَدِّمُ، وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ رُسُلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرَّسُولُ أَفْضَلُ مِنَ الْأُمَّةِ فَالْمَلَائِكَةُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. أَمَّا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ رُسُلٌ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [النَّجْمِ: 5] وَقَوْلُهُ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [الشُّعَرَاءِ: 193، 194] وَأَمَّا أَنَّ الرَّسُولَ أَفْضَلُ مِنَ الْأُمَّةِ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ أُمَمِهِمْ فكذا هاهنا. فَإِنْ قِيلَ: الْعُرْفُ أَنَّ السُّلْطَانَ إِذَا أَرْسَلَ وَاحِدًا إِلَى جَمْعٍ عَظِيمٍ لِيَكُونَ حَاكِمًا فِيهِمْ وَمُتَوَلِّيًا لِأُمُورِهِمْ فَذَلِكَ الرَّسُولُ يَكُونُ أَشْرَفَ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعِ، أَمَّا إِذَا أَرْسَلَ وَاحِدًا إِلَى وَاحِدٍ فَقَدْ لَا يَكُونُ الرَّسُولُ أَشْرَفَ مِنَ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ كَمَا إِذَا أَرْسَلَ وَاحِدًا مِنْ عَبِيدِهِ إِلَى وَزِيرِهِ فِي مُهِمٍّ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَبْدُ أَشْرَفَ مِنَ الْوَزِيرِ. قُلْنَا، لَكِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَبْعُوثٌ إِلَى كَافَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مِنَ الْبَشَرِ فَلَزِمَ عَلَى هَذَا الْقَانُونِ الَّذِي ذَكَرَهُ السَّائِلُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَفْضَلَ مِنْهُمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ يُمْكِنُ تَقْرِيرُهَا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ رُسُلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فَاطِرٍ: 1] ثُمَّ لَا يَخْلُو الْحَالُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَلَكُ رَسُولًا إِلَى مَلَكٍ آخَرَ أَوْ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْبَشَرِ وعلى التقديرين فَالْمَلَكُ رَسُولٌ وَأُمَّتُهُ رُسُلٌ وَأَمَّا الرَّسُولُ الْبَشَرِيُّ فَهُوَ رَسُولٌ لَكِنَّ أُمَّتَهُ لَيْسُوا بِرُسُلٍ وَالرَّسُولُ الَّذِي كُلُّ أُمَّتِهِ رُسُلٌ أَفْضَلُ مِنَ الرَّسُولِ الَّذِي لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَثَبَتَ فَضْلُ الْمَلَكِ عَلَى الْبَشَرِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَلِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ رَسُولًا إِلَى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ رَسُولًا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا فِي عسكره وكان أفضل منهم فكذا هاهنا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْمَلِكُ إِذَا أَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى بَعْضِ النَّوَاحِي قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الرَّسُولَ حَاكِمًا عَلَيْهِمْ وَمُتَوَلِّيًا لِأُمُورِهِمْ وَمُتَصَرِّفًا فِي أَحْوَالِهِمْ وَقَدْ لَا يَكُونُ لِأَنَّهُ يَبْعَثُهُ إِلَيْهِمْ لِيُخْبِرَهُمْ عَنْ بَعْضِ الْأُمُورِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُهُ حَاكِمًا عَلَيْهِمْ وَمُتَوَلِّيًا لِأُمُورِهِمْ فَالرَّسُولُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ أَمَّا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ فَالْأَنْبِيَاءُ الْمَبْعُوثُونَ إِلَى أُمَمِهِمْ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَلَا جَرَمَ كَانُوا أَفْضَلَ مِنَ الْأُمَمِ فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّ بِعْثَةَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنَ/ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَسَادِسُهَا: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَتْقَى مِنَ الْبَشَرِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنَ الْبَشَرِ أَمَّا إِنَّهُمْ أَتْقَى فلأنهم مبرؤون عَنِ الزَّلَّاتِ وَعَنِ الْمَيْلِ إِلَيْهَا لِأَنَّ خَوْفَهُمْ دَائِمٌ وَإِشْفَاقَهُمْ دَائِمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النَّحْلِ: 50] وَقَوْلِهِ: وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 28] وَالْخَوْفُ وَالْإِشْفَاقُ يُنَافِيَانِ الْعَزْمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فَهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْبَشَرِ مَا خَلَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ نَوْعِ زَلَّةٍ وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «مَا مِنَّا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا عَصَى أو هم بمعصية غير يحيى بن ذكريا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَثَبَتَ أَنَّ تَقْوَى الْمَلَائِكَةِ أَشَدُّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنَ الْبَشَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الْحُجُرَاتِ: 13] فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ خِطَابٌ مَعَ الْآدَمِيِّينَ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَلَائِكَةَ وَأَيْضًا فَالتَّقْوَى مُشْتَقٌّ مِنَ الْوِقَايَةِ وَلَا شَهْوَةَ فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ فَيَسْتَحِيلُ
تَحَقُّقُ التَّقْوَى فِي حَقِّهِمْ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ تَرْتِيبَ الْكَرَامَةِ عَلَى التَّقْوَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَرَامَةَ مُعَلَّلَةٌ بِالتَّقْوَى فَحَيْثُ كَانَتِ التَّقْوَى أَكْثَرَ كَانَتِ الْكَرَامَةُ أَكْثَرَ. وَعَنِ الثَّانِي: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الشَّهْوَةِ فِي حَقِّهِمْ لَكِنْ لَا شَهْوَةَ لَهُمْ إِلَى الْأَكْلِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ شَهْوَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَدَمُ مُطْلَقِ الشَّهْوَةِ بَلْ لَهُمْ شَهْوَةُ التَّقَدُّمِ وَالتَّرَفُّعِ وَلِهَذَا قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ وَقَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الْأَنْبِيَاءِ: 29] وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَتْقَى مِنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ زِيَادَةِ التَّقْوَى زِيَادَةُ الْفَضْلِ وَتَحْقِيقُهُ مَا قَدَّمْنَا أَنَّ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونَ إِنْسَانٌ لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ الْمَعْصِيَةُ قَطُّ وَصَدَرَ عَنْهُ مِنَ الطَّاعَاتِ مَا اسْتَحَقَّ بِهِ مِائَةَ جُزْءٍ مِنَ الثَّوَابِ وَإِنْسَانٌ آخَرُ صَدَرَتْ عَنْهُ مَعْصِيَةٌ ثُمَّ أَتَى بِطَاعَةٍ اسْتَحَقَّ بِهَا أَلْفَ جُزْءٍ مِنَ الثَّوَابِ فَيُقَابَلُ مِائَةُ جُزْءٍ مِنَ الثَّوَابِ بِمِائَةِ جُزْءٍ مِنَ الْعِقَابِ فَيَبْقَى لَهُ تِسْعُمِائَةِ جُزْءٍ مِنَ الثَّوَابِ فَهَذَا الْإِنْسَانُ مَعَ صُدُورِ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْإِنْسَانِ الَّذِي لَمْ تَصْدُرِ الْمَعْصِيَةُ عَنْهُ قَطُّ وَأَيْضًا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَقْوَى الْمَلَائِكَةِ أَشَدُّ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّقْوَى مُشْتَقٌّ مِنَ الْوِقَايَةِ وَالْمُقْتَضِي لِلْمَعْصِيَةِ فِي حَقِّ بَنِي آدَمَ أَكْثَرُ فَكَانَ تَقْوَى الْمُتَّقِينَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ، قَوْلُهُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَهُمْ شَهْوَةُ الرياسة قلنا: هذا لا يضرنا وذلك لِأَنَّ هَذِهِ الشَّهْوَةَ حَاصِلَةٌ لِلْبَشَرِ أَيْضًا وَقَدْ حَصَلَتْ لَهُمْ أَنْوَاعٌ أُخَرُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَهِيَ شَهْوَةُ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتِ الشَّهَوَاتُ الصَّارِفَةُ عَنِ الطَّاعَاتِ أَكْثَرَ فِي بَنِي آدَمَ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ تَقْوَى الْمُتَّقِينَ مِنْهُمْ أشد. وسابعها: قوله تعالى: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النِّسَاءِ: 172] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ قَوْلَهُ تعالى: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّأْكِيدِ لِلْأَوَّلِ وَمِثْلُ هَذَا التَّأْكِيدِ إِنَّمَا يَكُونُ بِذِكْرِ الْأَفْضَلِ يُقَالُ هَذِهِ الْخَشَبَةُ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِهَا الْعَشَرَةُ وَلَا الْمِائَةُ وَلَا يُقَالُ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِهَا الْعَشَرَةُ وَلَا الْوَاحِدُ وَيُقَالُ هَذَا الْعَالِمُ لَا يَسْتَنْكِفُ عَنْ خِدْمَتِهِ الْوَزِيرُ وَلَا الْمَلِكُ وَلَا يُقَالُ لَا يَسْتَنْكِفُ عَنْ خِدْمَتِهِ الْوَزِيرُ وَلَا الْبَوَّابُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذِهِ الْآيَةُ إن دَلَّتْ فَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ عَلَى الْمَسِيحِ/ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ فَضْلُ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ وَهُوَ مُحَمَّدٌ وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ والسلام وبالجملة فلو ثبت لهم أَنَّ الْمَسِيحَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ مَقْصُودُهُمْ حَاصِلًا فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُقِيمُوا الدَّلَالَةَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُمْ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا رَأَيْنَا أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَطَعَ بِفَضْلِ الْمَسِيحِ عَلَى مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ثُمَّ نَقُولُ قَوْلُهُ: «وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ» لَيْسَ فِيهِ إِلَّا وَاوُ الْعَطْفِ وَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ لَا يَسْتَنْكِفُ وَالْمَلَائِكَةَ لَا يَسْتَنْكِفُونَ فَأَمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ فَلَا، وَأَمَّا الْأَمْثِلَةُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فَنَقُولُ الْمِثَالُ لَا يَكْفِي فِي إثبات الدعوى الكلية ثم إن ذلك الْمِثَالَ مُعَارَضٌ بِأَمْثِلَةٍ أُخْرَى وَهُوَ قَوْلُهُ: مَا أَعَانَنِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ زَيْدٌ وَلَا عَمْرٌو فَهَذَا لَا يُفِيدُ كَوْنَ عَمْرٍو أَفْضَلَ مِنْ زَيْدٍ وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ [الْمَائِدَةِ: 2] وَلَمَّا اخْتَلَفَتِ الْأَمْثِلَةُ امْتَنَعَ التَّعْوِيلُ عَلَيْهَا ثُمَّ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ هَذِهِ الْخَشَبَةُ لَا يَقْدِرُ على حملها الواحد ولا العشرة فنحن نعلم بِعُقُولِنَا أَنَّ الْعَشَرَةَ أَقْوَى مِنَ الْوَاحِدِ فَلَا جَرَمَ عَرَفْنَا أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذِكْرِ الثَّانِي الْمُبَالَغَةُ فَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ إِنَّمَا عَرَفْنَاهَا بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ فَهَهُنَا فِي الْآيَةِ إِنَّمَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قوله: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ بَيَانُ الْمُبَالِغَةِ لَوْ عَرَفْنَا قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ وَحِينَئِذٍ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْمَطْلُوبِ قَبْلَ هَذَا الدَّلِيلِ وَيَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ الْمَطْلُوبِ
عَلَى دَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُفِيدُ التَّفَاوُتَ لَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ التَّفَاوُتَ فِي كُلِّ الدَّرَجَاتِ بَلْ فِي بَعْضٍ دُونٍ آخَرَ بَيَانُهُ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ هَذَا الْعَالِمُ لَا يَسْتَنْكِفُ عَنْ خِدْمَتِهِ الْقَاضِي وَلَا السُّلْطَانُ فَهَذَا لَا يُفِيدُ إِلَّا أَنَّ السُّلْطَانَ أَكْمَلُ مِنَ الْقَاضِي فِي بَعْضِ الْأُمُورِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ وَالْقُوَّةُ وَالِاسْتِيلَاءُ وَالسُّلْطَانُ وَلَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ أَفْضَلَ مِنَ الْقَاضِي فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْخُضُوعِ لِلَّهِ تَعَالَى إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فِي الْقُدْرَةِ وَالْبَطْشِ فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَلَعَ مَدَائِنَ لُوطٍ وَالْبَشَرُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ مَزِيدِ الْخُضُوعِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَتَمَامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أَنَّ الْفَضْلَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ كَثْرَةُ الثَّوَابِ وَكَثْرَةُ الثَّوَابِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْعُبُودِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ نِهَايَةِ التَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ وَكَوْنُ الْعَبْدِ مَوْصُوفًا بِنِهَايَةِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يُنَاسِبُ الِاسْتِنْكَافَ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ وَلَا يُلَائِمُهَا الْبَتَّةَ بَلْ يُنَاقِضُهَا وَيُنَافِيهَا وَإِذَا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرًا جَلِيًّا كَانَ حَمْلُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ مُخْرِجًا لَهُ عَنِ الْفَائِدَةِ، أَمَّا اتِّصَافُ الشَّخْصِ بِالْقُدْرَةِ الشَّدِيدَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ الْعَظِيمِ فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِلتَّمَرُّدِ وَتَرْكِ الْعُبُودِيَّةِ فَالنَّصَارَى لَمَّا شَاهَدُوا مِنَ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءَ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ أَخْرَجُوهُ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ بِسَبَبِ هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْقُدْرَةِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ عِيسَى لَا يَسْتَنْكِفُ بِسَبَبِ هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَنْ عُبُودِيَّتِي بَلْ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ الَّذِينَ هُمْ فَوْقَهُ فِي الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى عوالم السموات/ وَالْأَرَضِينَ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَنْتَظِمُ وَجْهُ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فِي الشِّدَّةِ وَالْبَطْشِ لَكِنَّهَا لَا تَدُلُّ الْبَتَّةَ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ أَوْ يُقَالُ إِنَّهُمْ إِنَّمَا ادَّعَوْا إِلَهِيَّتَهُ لِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ فَقِيلَ لَهُمِ الْمَلَكُ مَا حَصَلَ مِنْ أَبٍ وَلَا مِنْ أُمٍّ فَكَانُوا أَعْجَبَ مِنْ عِيسَى فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وُقُوعُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَالْمَلَائِكَةِ فِي الْعُبُودِيَّةِ لَا فِي الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ وَالْقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ بِالْمَكَانِ وَالْجِهَةِ بَلْ بالدرجة والمنزلة فلما وصفهم هاهنا بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ عَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ وُقُوعُ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَسِيحِ فِي دَرَجَاتِ الْفَضْلِ لَا فِي الشِّدَّةِ وَالْبَطْشِ. قُلْنَا إِنْ كَانَ مَقْصُودُكَ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْمَلَائِكَةَ بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَسِيحُ كَذَلِكَ فَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يدل على نفسه عَمَّا عَدَاهُ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُكَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَهُمْ بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّفَاوُتُ وَاقِعًا فِي ذَلِكَ فَهَذَا بَاطِلٌ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ وَالْمُقَرَّبُونَ مَعَ اشْتِرَاكِهِمْ فِي صِفَةِ الْقُرْبِ فِي الطَّاعَةِ يَتَبَايَنُونَ بِأُمُورٍ أُخَرَ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بَيَانَ التَّفَاوُتِ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ. سُؤَالٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّا نَقُولُ بِمُوجَبِ الْآيَةِ فَنُسَلِّمُ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ دُونَ مَجْمُوعِ الْمَلَائِكَةِ فِي الْفَضْلِ فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ دُونَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْفَضْلِ. سُؤَالٌ آخَرُ: لَعَلَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الْخِطَابَ مَعَ أَقْوَامٍ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فَأَوْرَدَ الْكَلَامَ عَلَى حَسَبِ مُعْتَقَدِهِمْ كما في فقوله: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الرُّومِ: 27] . وَثَامِنُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى حكاية عن إبليس قوله: مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [الْأَعْرَافِ: 20] وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَرِّرًا عِنْدَ آدَمَ وَحَوَّاءَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ لَمْ يَقْدِرْ إِبْلِيسُ عَلَى أَنْ يَغُرَّهُمَا بِذَلِكَ وَلَا كَانَ آدَمُ وَحَوَّاءُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ يَغْتَرَّانِ بِذَلِكَ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا قَوْلُ إِبْلِيسَ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً، وَلَا يُقَالُ إِنَّ آدَمَ اعْتَقَدَ صِحَّةَ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمَا اغْتَرَّ، وَاعْتِقَادُ آدَمَ حُجَّةٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: لَعَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّ الزَّلَّةَ جَائِزَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ أَوْ لِأَنَّهُ مَا كَانَ نَبِيًّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَيْضًا هَبْ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَكِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الزَّلَّةِ نَبِيًّا فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ فَضْلِ الْمَلَكِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَضْلُ الْمَلَكِ عَلَيْهِ
حَالَ مَا صَارَ نَبِيًّا، وَأَيْضًا هَبْ أَنَّ الآية تدل على أن الملك أفضل من الْبَشَرِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الْمَرْغُوبَةِ فَلِمَ قُلْتَ: إِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْمَلَكِ عَلَى الْبَشَرِ فِي بَابِ الثَّوَابِ؟ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا نِزَاعَ أَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فِي بَابِ الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ، وَفِي بَابِ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ، وَفِي بَابِ الصَّفَاءِ وَالنَّقَاءِ عَنِ الْكُدُورَاتِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِ التَّرْكِيبَاتِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنَ الْأَنْوَارِ، وَآدَمُ مَخْلُوقٌ مِنَ التُّرَابِ فَلَعَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُمْ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ إِلَّا أَنَّهُ رَغِبَ فِي أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُمْ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي عَدَدْنَاهَا فَكَانَ التَّغْرِيرُ حَاصِلًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِلَّا أَنْ تَنْقَلِبَا مَلَكَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ اسْتِدْلَالُكُمْ وَيُحْتَمَلُ/ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْخَالِدِينَ دُونَكُمَا، هَذَا كَمَا يَقُولُ أَحَدُنَا لِغَيْرِهِ مَا نَهَيْتَ أَنْتَ عَنْ كَذَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ فُلَانًا وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَنْهِيَّ هُوَ فُلَانٌ دُونَكَ وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا أَنْ يَنْقَلِبَ فَيَصِيرَ فُلَانًا، وَلَمَّا كَانَ غَرَضُ إِبْلِيسَ إِيقَاعَ الشُّبْهَةِ بِهِمَا فَمِنْ أَوْكَدِ الشُّبْهَةِ إِيهَامُ أَنَّهُمَا لَمْ يُنْهَيَا وَإِنَّمَا الْمَنْهِيُّ غَيْرُهُمَا، وَأَيْضًا فَهَبْ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنْ آدَمَ فَلِمَ قُلْتُ إِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا أَفْضَلُ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَلَكِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَفْضُولِ كَوْنُهُ أَفْضَلَ مِنَ الْأَفْضَلِ. وَتَاسِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الْأَنْعَامِ: 50] . وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ فِي كَثْرَةِ الْعُلُومِ وَشِدَّةِ الْقُدْرَةِ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الِاحْتِمَالِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنَّ الْكُفَّارَ طَالَبُوهُ بِالْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ نَحْوَ صُعُودِ السَّمَاءِ وَنَقْلِ الْجِبَالِ وَإِحْضَارِ الْأَمْوَالِ الْعَظِيمَةِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا إِلَّا بِالْعُلُومِ الْكَثِيرَةِ وَالْقُدْرَةِ الشَّدِيدَةِ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى كُلِّ الْمَقْدُورَاتِ وَقَوْلَهُ: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ يَدُلُّ عَلَى اعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ ثُمَّ قَوْلُهُ: وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَمَا لَا أَدَّعِي الْقُدْرَةَ عَلَى كُلِّ الْمَقْدُورَاتِ وَالْعِلْمَ بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ فَكَذَلِكَ لَا أَدَّعِي قُدْرَةً مِثْلَ قُدْرَةِ الْمَلَكِ وَلَا عِلْمًا مِثْلَ عُلُومِهِمْ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الصُّورَةِ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْغَرَضَ وَإِنَّمَا نَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ مَا لَهُمْ مِنَ الصِّفَاتِ وَهَذَا يَكْفِي فِي صِدْقِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مِثْلُ مَا لَهُمْ وَلَا تَكُونُ صِفَاتُهُ مُسَاوِيَةً لِصِفَاتِهِمْ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى وُقُوعِ التَّفَاوُتِ فِي كُلِّ الصِّفَاتِ فَإِنَّ عَدَمَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْكُلِّ غَيْرٌ، وَحُصُولُ الِاخْتِلَافِ فِي الْكُلِّ غَيْرٌ. وَعَاشِرُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يُوسُفَ: 31] . فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وُقُوعَ التَّشْبِيهِ فِي الصُّورَةِ وَالْجَمَالِ. قُلْنَا: الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ وَاقِعًا فِي السِّيرَةِ لَا فِي الصُّورَةِ لِأَنَّهُ قَالَ: إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ فَشَبَّهَهُ بِالْمَلَكِ الْكَرِيمِ وَالْمَلَكُ إِنَّمَا يَكُونُ كَرِيمًا بِسِيرَتِهِ الْمُرْضِيَةِ لَا بِمُجَرَّدِ صُورَتِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُهُ بِالْمَلَكِ فِي نَفْيِ دَوَاعِي الْبَشَرِ مِنَ الشَّهْوَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى طَلَبِ الْمُشْتَهَى وَإِثْبَاتِ ضِدِّ ذَلِكَ وَهِيَ حَالَةُ الْمَلَكِ وَهِيَ غَضُّ البصر وقمع النفس عَنِ الْمَيْلِ إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى إِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، عَلَى اخْتِصَاصِ الْمَلَائِكَةِ بِدَرَجَةٍ فَائِقَةٍ عَلَى دَرَجَاتِ الْبَشَرِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ قَوْلَ المرأة فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يوسف: 32] كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ مُرَادَ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِنَّ: إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ تَعْظِيمُ حَالِ يُوسُفَ فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ لَا فِي السِّيرَةِ، لِأَنَّ ظُهُورَ عُذْرِهَا فِي شِدَّةِ عِشْقِهَا، إِنَّمَا يَحْصُلُ بِسَبَبِ فَرْطِ يُوسُفَ فِي الْجَمَالِ لَا بِسَبَبِ فَرْطِ زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاسِبُ شِدَّةَ عِشْقِهَا لَهُ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْمَلَكِ في الإعراض عن المشتهيات، فلم قلت يَجِبْ أَنْ يَكُونَ يُوسُفُ عَلَيْهِ/ السَّلَامُ أَقَلَّ ثواباً من الملائكة؟ وذلك لأنه
لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ عَدَمَ الْتِفَاتِ الْبَشَرِ إِلَى الْمَطَاعِمِ وَالْمَنَاكِحِ أَقَلُّ مِنْ عَدَمِ الْتِفَاتِ الْمَلَائِكَةِ إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إن ذلك يوجب بالمزيد فِي الْفَضْلِ بِمَعْنَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ؟ فَإِنْ تَمَسَّكُوا بِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَقَلَّ مَعْصِيَةً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ، فَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. الْحُجَّةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [الْإِسْرَاءِ: 70] وَمَخْلُوقَاتُ اللَّهِ تَعَالَى إِمَّا الْمُكَلَّفُونَ أَوْ مَنْ عَدَاهُمْ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ، أَمَّا الْمُكَلَّفُونَ فَهُمْ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِنْسَ أَفْضَلُ مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، فَلَوْ كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَكِ أَيْضًا لَزِمَ حينئذٍ أَنْ يَكُونَ الْبَشَرُ أَفْضَلَ مِنْ كُلِّ الْمَخْلُوقَاتِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [الْإِسْرَاءِ: 70] فَائِدَةٌ: بَلْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى جَمِيعِ مَنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا، وَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ حَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنَ الْبَاقِي إِلَّا بِوَاسِطَةِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَأَيْضًا فَهَبْ أَنَّ جِنْسَ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ بَنِي آدَمَ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ أَحَدِ الْمَجْمُوعَيْنِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَجْمُوعِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَجْمُوعِ الْأَوَّلِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَجْمُوعِ الثَّانِي، فَإِنَّا إِذَا قَدَّرْنَا عَشَرَةً مِنَ الْعَبِيدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَاوِي مِائَةَ دِينَارٍ، وَعَشَرَةً أُخْرَى حَصَلَ فِيهِمْ عَبْدٌ يُسَاوِي مِائَتَيْ دِينَارٍ وَالتِّسْعَةُ الْبَاقِيَةُ يُسَاوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا. فَالْمَجْمُوعُ الْأَوَّلُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَجْمُوعِ الثَّانِي، إِلَّا أَنَّهُ حَصَلَ فِي الْمَجْمُوعِ الثَّانِي وَاحِدٌ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْمَجْمُوعِ الأول، فكذا هاهنا وأيضاً فقوله: وَفَضَّلْناهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، وَفَضَّلْنَاهُمْ فِي الْكَرَامَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الْكَرَامَةِ حُسْنَ الصُّورَةِ وَمَزِيدَ الذَّكَاءِ وَالْقُدْرَةَ عَلَى الْأَعْمَالِ الْعَجِيبَةِ وَالْمُبَالَغَةَ فِي النَّظَافَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَلَكَ أَزْيَدُ مِنَ الْبَشَرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ وَلَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إِنَّ الْمَلَكَ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنَ الْبَشَرِ، وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [لُقْمَانَ: 10] لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَمَدٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لَا بُرْهانَ لَهُ بِهِ [الْمُؤْمِنُونَ: 117] يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ إِلَهٌ آخَرُ لَهُ بُرْهَانٌ فَكَذَلِكَ هاهنا، الْحُجَّةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مَا اسْتَغْفَرُوا لِأَحَدٍ إِلَّا بَدَءُوا بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ آدَمُ: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الْأَعْرَافِ: 23] وَقَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً [نُوحٍ: 28] وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ [إبراهيم: 41] وَقَالَ: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [الشُّعَرَاءِ: 83] وَقَالَ مُوسَى: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي [الْأَعْرَافِ: 151] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [مُحَمَّدٍ: 19] وَقَالَ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الْفَتْحِ: 2] أَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ طَلَبُوا الْمَغْفِرَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ من البشر يدل عليه تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ [غَافِرٍ: 7] وَقَالَ: وَيَسْتَغْفِرُونَ/ لِلَّذِينَ آمَنُوا لو كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ لَبَدَءُوا فِي ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْغَيْرِ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْوَجْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمُ الزلة ألبتة وأن البشر قد صردت الزَّلَّاتُ عَنْهُمْ، لَكِنَّا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ لَا يُوجِبُ التَّفَاوُتَ فِي الْفَضِيلَةِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ إِنَّ اسْتِغْفَارَهُمْ لِلْبَشَرِ كَالْعُذْرِ عَمَّنْ طَعَنُوا فِيهِمْ بِقَوْلِهِمْ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة: 30] الْحُجَّةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ [الِانْفِطَارِ: 10] وَهَذَا عَامٌّ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ فَدَخَلَ فِيهِ الْأَنْبِيَاءُ وَغَيْرُهُمْ وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ أَفْضَلَ مِنَ الْبَشَرِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُمْ حَفَظَةً لِبَنِي آدَمَ وَالْحَافِظُ لِلْمُكَلَّفِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ أَبْعَدَ عَنِ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ مِنَ الْمَحْفُوظِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ أَبْعَدَ عَنِ الْمَعَاصِي وَأَقْرَبَ إِلَى الطَّاعَاتِ مِنَ الْبَشَرِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي مَزِيدَ الْفَضْلِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ كِتَابَتَهُمْ حُجَّةً لِلْبَشَرِ فِي الطَّاعَاتِ وَعَلَيْهِمْ فِي الْمَعَاصِي، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ وَلَوْ كَانَ الْبَشَرُ أَعْظَمَ حَالًا مِنْهُمْ لَكَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أَمَّا قَوْلُهُ الْحَافِظُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ مِنَ الْمَحْفُوظِ فَهَذَا بَعِيدٌ فَإِنَّ الْمَلِكَ قَدْ يُوَكِّلُ بَعْضَ عَبِيدِهِ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْحَافِظُ أَشْرَفَ مِنَ الْمَحْفُوظِ هُنَاكَ، أَمَّا قَوْلُهُ: جَعَلَ شَهَادَتَهُمْ نَافِذَةً عَلَى الْبَشَرِ فَضَعِيفٌ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَكُونُ أَدْوَنَ حَالًا مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [النَّبَأِ: 38] وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ أَحْوَالِهِمُ الْمُبَالَغَةُ فِي شَرْحِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَلَالِهِ وَلَوْ كَانَ فِي الْخَلْقِ طَائِفَةٌ أُخْرَى قِيَامُهُمْ وتضرعهم أقوى في الْإِنْبَاءِ عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَكِبْرِيَائِهِ مِنْ قِيَامِهِمْ لَكَانَ ذِكْرُهُمْ أَوْلَى فِي هَذَا الْمَقَامِ، ثُمَّ كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ عَظَمَةَ ذَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ بِذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ فَكَذَا بَيَّنَ عَظَمَتَهُ فِي الدُّنْيَا بِذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الزُّمَرِ: 75] وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَزْيَدُ حَالًا مِنَ الْبَشَرِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ هِيَ قُوَّتُهُمْ وَشِدَّتُهُمْ وَبَطْشُهُمْ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ إِنَّ السُّلْطَانَ لَمَّا جَلَسَ وَقَفَ حَوْلَ سَرِيرِهِ مُلُوكُ أَطْرَافِ الْعَالَمِ خَاضِعِينَ خَاشِعِينَ فَإِنَّ عَظَمَةَ السُّلْطَانِ إِنَّمَا تُشْرَحُ بِذَلِكَ ثُمَّ إِنْ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَكْرَمُ عِنْدَ السلطان من ولده فكذا هاهنا. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [الْبَقَرَةِ: 285] فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ من الْإِيمَانِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ بَدَأَ بِنَفْسِهِ وَثَنَّى بِالْمَلَائِكَةِ وَثَلَّثَ بِالْكُتُبِ وَرَبَّعَ بِالرُّسُلِ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [آلِ عِمْرَانَ: 18] وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الْأَحْزَابِ: 56] وَالتَّقْدِيمُ فِي الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى التَّقْدِيمِ فِي الدَّرَجَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْأَدْوَنِ عَلَى الْأَشْرَفِ فِي الذِّكْرِ قَبِيحٌ عُرْفًا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَبِيحًا شَرْعًا، أَمَّا أَنَّهُ قَبِيحٌ عُرْفًا فَلِأَنَّ الشَّاعِرَ قَالَ: - / عُمَيْرَةَ وَدِّعْ إِنْ تَجَهَّزْتَ غَادِيًا ... كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَوْ قَدَّمْتَ السَّلَامَ لَأَجَزْتُكَ، وَلِأَنَّهُمْ لَمَّا كَتَبُوا كِتَابَ الصُّلْحِ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَعَ التَّنَازُعُ فِي تَقْدِيمِ الِاسْمِ وَكَذَا فِي كِتَابِ الصُّلْحِ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيمَ فِي الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ الشَّرَفِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ فِي الْعُرْفِ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّرْعِ كَذَلِكَ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فهو عند الله حَسَنٌ» فَثَبَتَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الرُّسُلِ فِي الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِهِمْ فِي الْفَضْلِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الْحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ إِنْ كَانَ عَلَى الْوَاوِ، فَالْوَاوُ لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ يَنْتَقِضُ بِتَقْدِيمِ سُورَةِ تَبَّتْ عَلَى سُورَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. الْحُجَّةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ فَجَعَلَ صَلَوَاتِ الْمَلَائِكَةِ كَالتَّشْرِيفِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْمَلَائِكَةِ أَشْرَفَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولقائل أن يقول هذا ينتقض بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا
عَلَيْهِ فَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَلَمْ يَلْزَمْ كَوْنُ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَذَا فِي الْمَلَائِكَةِ. الْحُجَّةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنْ نَتَكَلَّمَ فِي جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَقُولُ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَفْضَلُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التَّكْوِيرِ: 19- 22] وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِسِتٍّ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، أَحَدُهَا: كَوْنُهُ رَسُولًا لِلَّهِ. وَثَانِيهَا: كَوْنُهُ كَرِيمًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَثَالِثُهَا: كَوْنُهُ ذَا قُوَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ، وَقُوَّتُهُ عِنْدَ اللَّهِ لَا تَكُونُ إِلَّا قُوَّتَهُ عَلَى الطَّاعَاتِ بِحَيْثُ لَا يَقْوَى عَلَيْهَا غَيْرُهُ. وَرَابِعُهَا: كَوْنُهُ مَكِينًا عِنْدَ اللَّهِ. وَخَامِسُهَا: كَوْنُهُ مطاعاً في عالم السموات. وسادسها: كونه أميناً في كل الطاعات مبرءاً عَنْ أَنْوَاعِ الْخِيَانَاتِ. ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَعْدَ أَنْ وَصَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْعَالِيَةِ وَصَفَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بقوله: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ مُسَاوِيًا لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صِفَاتِ الْفَضْلِ أَوْ مُقَارِنًا لَهُ لَكَانَ وَصْفُ مُحَمَّدٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ وَصْفِ جِبْرِيلَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ نَقْصًا مِنْ مَنْصِبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَحْقِيرًا لِشَأْنِهِ وَإِبْطَالًا لِحَقِّهِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى اللَّهِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ إِلَّا مِقْدَارُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا نِسْبَةَ بَيْنَ جِبْرِيلَ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فِي الْفَضْلِ وَالدَّرَجَةِ. فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قوله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ صِفَةً لِمُحَمَّدٍ لَا لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. قُلْنَا لأن قوله: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ يُبْطِلُ ذَلِكَ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّا تَوَافَقْنَا جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَائِلُ أُخْرَى سِوَى كَوْنِهِ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْفَضَائِلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِذَنْ عَدَمُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى تِلْكَ الْفَضَائِلَ هاهنا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهَا بِالْإِجْمَاعِ، أَوْ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَضَائِلَ/ سِوَى الأمور المذكورة هاهنا فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِسَبَبِ تِلْكَ الْفَضَائِلِ الَّتِي هِيَ غير مذكورة هاهنا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ سبحانه كما وصف جبريل عليه السلام هاهنا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ السِّتِّ وَصَفَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا بِصِفَاتٍ سِتٍّ «1» وَهِيَ قَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [الْأَحْزَابِ: 45، 46] فَالْوَصْفُ الْأَوَّلُ: كَوْنُهُ نَبِيًّا وَالثَّانِي: كَوْنُهُ رَسُولًا وَالثَّالِثُ: كَوْنُهُ شَاهِدًا وَالرَّابِعُ: كَوْنُهُ مُبَشِّرًا وَالْخَامِسُ: كَوْنُهُ نَذِيرًا وَالسَّادِسُ: كَوْنُهُ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِإِذْنِهِ وَالسَّابِعُ: كَوْنُهُ سِرَاجًا وَالثَّامِنُ: كَوْنُهُ مُنِيرًا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِفْرَادُ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ بِالْوَصْفِ لَا يَدُلُّ الْبَتَّةَ عَلَى انْتِفَاءِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ عَنِ الثَّانِي. الْحُجَّةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: الْمَلَكُ أَعْلَمُ مِنَ الْبَشَرِ وَالْأَعْلَمُ أَفْضَلُ فَالْمَلَكُ أَفْضَلُ إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْمَلَكَ أَعْلَمُ مِنَ الْبَشَرِ لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مُعَلِّمًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [النَّجْمِ: 5] وَالْمُعَلِّمُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنَ الْمُتَعَلِّمِ، وَأَيْضًا فَالْعُلُومُ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعُلُومُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ إِلَيْهَا بِالْعُقُولِ كَالْعِلْمِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، فَلَا يَجُوزُ وُقُوعُ التَّقْصِيرِ فِيهَا لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّ التَّقْصِيرَ فِي ذَلِكَ جَهْلٌ وَهُوَ قَادِحٌ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا الْعِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا فِيهَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْعِلْمُ بِأَحْوَالِ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وطباق السموات وَأَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ وَأَنْوَاعِ الْحَيَوَانَاتِ فِي الْمَغَاوِرِ وَالْجِبَالِ وَالْبِحَارِ فَلَا شَكَّ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعْلَمُ بِهَا، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَطْوَلُ عُمْرًا وَأَكْثَرُ مُشَاهَدَةً لَهَا فَكَانَ عِلْمُهُ بِهَا أَكْثَرَ وَأَتَمَّ. وَثَانِيهَا: الْعُلُومُ الَّتِي لَا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْوَحْيِ لَا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ إِلَّا من جهة جبريل عليه السلام
فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَضِيلَةٌ فِيهَا عَلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَهُوَ كَانَ الْوَاسِطَةَ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ فَكَانَ عَالِمًا بِكُلِّ الشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ، وَهُوَ أَيْضًا عَالِمٌ بِشَرَائِعِ الْمَلَائِكَةِ وَتَكَالِيفِهِمْ وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَكْثَرَ عِلْمًا مِنْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزُّمَرِ: 9] . وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنَ الْبَشَرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَكْثَرُ عِلْمًا مِنْهُمْ بدليل قوله تعالى: يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ [البقرة: 33] ثُمَّ إِنْ سَلَّمْنَا مَزِيدَ عِلْمِهِمْ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي كَثْرَةَ الثَّوَابِ، فَإِنَّا نَرَى الرَّجُلَ الْمُبْتَدِعَ مُحِيطًا بِكَثِيرٍ مِنْ دَقَائِقِ الْعِلْمِ وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الثَّوَابِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ وَسَبَبُهُ مَا نَبَّهْنَا مِرَارًا عَلَيْهِ أَنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِحَسَبِ الْإِخْلَاصِ فِي الْأَفْعَالِ وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّ إِخْلَاصَ الْمَلَائِكَةِ أَكْثَرُ. الْحُجَّةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الْأَنْبِيَاءِ: 29] فَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُمْ/ بَلَغُوا فِي التَّرَفُّعِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ إِلَى أَنَّهُمْ لَوْ خَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى لَمَا خَالَفُوهُ إِلَّا بِادِّعَاءِ الْإِلَهِيَّةِ لَا بِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ مُتَابَعَةِ الشَّهَوَاتِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى نِهَايَةِ جَلَالِهِمْ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نِزَاعَ فِي نِهَايَةِ جَلَالِهِمْ، أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُمْ بَلَغُوا فِي التَّرَفُّعِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ إِلَى حَيْثُ لَوْ خَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى لَمَا خَالَفُوهُ إِلَّا فِي ادِّعَاءِ الْإِلَهِيَّةِ فَهَذَا مُسَلَّمٌ وَذَلِكَ لَأَنَّ علومهم كثيرة وقواهم شديدة وهم مبرؤون عَنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَوْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ لَمْ يُخَالِفْ إِلَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنَ الْبَشَرِ فَإِنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ لَيْسَ إِلَّا ذَاكَ. الْحُجَّةُ الْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رِوَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: «وَإِذَا ذَكَرَنِي عَبْدِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ من ملائه» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلَأَ الْأَعْلَى أَشْرَفُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا خَيْرٌ وَاحِدٌ وَأَيْضًا فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَلَأَ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ مَلَأِ الْبَشَرِ وَمَلَأُ الْبَشَرِ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَوَامِّ لَا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَلَكِ أَفْضَلَ مِنْ عَامَّةِ الْبَشَرِ كَوْنُهُمْ أَفْضَلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، هَذَا آخِرُ الْكَلَامِ فِي الدَّلَائِلِ النَّقْلِيَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ السَّمَاوِيَّةَ الْمُسَمَّاةَ بِالْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَرْوَاحِ النَّاطِقَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَاعْتَمَدُوا فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى وُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ نَحْنُ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْحُجَّةُ الْأُولَى: قَالُوا الْمَلَائِكَةُ ذَوَاتُهَا بَسِيطَةٌ مُبَرَّأَةٌ عَنِ الْكَثْرَةِ وَالْبَشَرُ مُرَكَّبٌ مِنَ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ وَالنَّفْسُ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْقُوَى الْكَثِيرَةِ وَالْبَدَنُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْأَجْزَاءِ الْكَثِيرَةِ وَالْبَسِيطُ خَيْرٌ مِنَ الْمُرَكَّبِ لِأَنَّ أَسْبَابَ الْعَدَمِ لِلْمُرَكَّبِ أَكْثَرُ مِنْهَا لِلْبَسِيطِ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ فَرْدَانِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِ جَلَالِهِ وَنُعُوتِ كِبْرِيَائِهِ. الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَسِيطَ أَشْرَفُ مِنَ الْمُرَكَّبِ وَذَلِكَ لِأَنَّ جَانِبَ الرُّوحَانِيِّ أَمْرٌ وَاحِدٌ وَجَانِبَ الْجُسْمَانِيِّ أَمْرَانِ رُوحُهُ وَجِسْمُهُ فَهُوَ مِنْ حَيْثُ الرُّوحِ مِنْ عَالَمِ الرُّوحَانِيَّاتِ وَالْأَنْوَارِ وَمِنْ حَيْثُ الْجَسَدِ مِنْ عَالَمِ الْأَجْسَادِ فَهُوَ لِكَوْنِهِ مُسْتَجْمِعًا لِلرُّوحَانِيِّ وَالْجُسْمَانِيِّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الرُّوحَانِيِّ الصِّرْفِ وَالْجُسْمَانِيِّ الصِّرْفِ وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي أَنْ جَعَلَ الْبَشَرَ الْأَوَّلَ مَسْجُودًا لِلْمَلَائِكَةِ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ الْمَلَكِيَّةَ مُجَرَّدَاتٌ مُفَارِقَةٌ عَنِ الْعَلَائِقِ الْجُسْمَانِيَّةِ فَكَأَنَّ اسْتِغْرَاقَهَا فِي مَقَامَاتِهَا النُّورَانِيَّةِ عَاقَهَا عَنْ تَدْبِيرِ هَذَا الْعَالَمِ الْجَسَدَانِيِّ أَمَّا النُّفُوسُ الْبَشَرِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فَإِنَّهَا قَوِيَتْ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَالَمَيْنِ فَلَا دَوَامَ تَرَقِّيهَا فِي مَعَارِجِ الْمَعَارِفِ وَعَوَالِمِ الْقُدْسِ يَعُوقُهَا عَنْ تَدْبِيرِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ وَلَا الْتِفَاتُهَا إِلَى مَنَاظِمِ عَالَمِ الْأَجْسَامِ يَمْنَعُهَا عَنِ الِاسْتِكْمَالِ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ فَكَانَتْ قُوَّتُهَا وَافِيَةً بِتَدْبِيرِ الْعَالَمَيْنِ مُحِيطَةً بِضَبْطِ الْجِنْسَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَشْرَفَ وَأَعْظَمَ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: الْجَوَاهِرُ الرُّوحَانِيَّةُ مُبَرَّأَةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ الَّتِي هِيَ مَنْشَأُ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَالْأَرْوَاحُ الْبَشَرِيَّةُ مَقْرُونَةٌ بِهَا وَالْخَالِي عَنْ مَنْبَعِ الشَّرِّ أَشْرَفُ مِنَ الْمُبْتَلَى بِهِ.
الِاعْتِرَاضُ: لَا شَكَّ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْخِدْمَةِ مَعَ كَثْرَةِ الْمَوَانِعِ وَالْعَوَائِقِ أَدَلُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ مِنَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ مِنَ الْعَوَائِقِ وَالْمَوَانِعِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَقَامَ الْبَشَرِ فِي الْمَحَبَّةِ أَعْلَى وَأَكْمَلُ وَأَيْضًا فَالرُّوحَانِيَّاتُ لَمَّا أَطَاعَتْ خَالِقَهَا لَمْ تَكُنْ طَاعَتُهَا مُوجِبَةً قَهْرَ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ/ هُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ، أَمَّا الْأَرْوَاحُ الْبَشَرِيَّةُ لَمَّا أَطَاعَتْ خَالِقَهَا لَزِمَ مِنْ تِلْكَ الطَّاعَةِ قَهْرُ الْقُوَى الشَّهْوَانِيَّةِ وَالْغَضَبِيَّةِ وَهِيَ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ فَكَانَتْ طَاعَاتُهُمْ أَكْمَلَ وَأَيْضًا فَمِنَ الظَّاهِرِ أَنَّ دَرَجَاتِ الرُّوحَانِيَّاتِ حِينَ قَالَتْ: لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا أَكْمَلُ مِنْ دَرَجَاتِهِمْ حِينَ قَالَتْ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة: 30] وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِسَبَبِ الِانْكِسَارِ الْحَاصِلِ مِنَ الزَّلَّةِ وَهَذَا فِي الْبَشَرِ أَكْمَلُ وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى: «لَأَنِينُ الْمُذْنِبِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ زَجَلِ الْمُسَبِّحِينَ» الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: الرُّوحَانِيَّاتُ مُبَرَّأَةٌ عَنْ طَبِيعَةِ الْقُوَّةِ فَإِنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُمْكِنًا لَهَا بِحَسَبِ أَنْوَاعِهَا الَّتِي فِي أَشْخَاصِهَا فَقَدْ خَرَجَ إِلَى الْفِعْلِ وَالْأَنْبِيَاءُ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ» مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشُّورَى: 52] وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا بِالْفِعْلِ التَّامِّ أَشْرَفُ مِمَّا بِالْقُوَّةِ. الِاعْتِرَاضُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا بِالْفِعْلِ التَّامِّ فَلَعَلَّهَا بِالْقُوَّةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَلِهَذَا قِيلَ إِنَّ تَحْرِيكَاتِهَا لِلْأَفْلَاكِ لِأَجْلِ اسْتِخْرَاجِ التَّعَقُّلَاتِ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ وَهَذِهِ التَّحْرِيكَاتُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا كَالتَّحْرِيكَاتِ الْعَارِضَةِ لِلْأَرْوَاحِ الْحَامِلَةِ لِقُوَى الْفِكْرِ وَالتَّخَيُّلِ عِنْدَ مُحَاوَلَةِ اسْتِخْرَاجِ التَّعَقُّلَاتِ الَّتِي هِيَ بِالْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: الرُّوحَانِيَّاتُ أَبَدِيَّةُ الْوُجُودِ مُبَرَّأَةٌ عَنْ طَبِيعَةِ التَّغَيُّرِ وَالْقُوَّةُ وَالنُّفُوسُ النَّاطِقَةُ الْبَشَرِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. الِاعْتِرَاضُ: الْمُقَدِّمَتَانِ مَمْنُوعَتَانِ أَلَيْسَ أَنَّ الرُّوحَانِيَّاتِ مُمْكِنَةُ الْوُجُودِ لِذَوَاتِهَا وَاجِبَةُ الْوُجُودِ بِمَادَّتِهَا فَهِيَ مُحْدَثَةٌ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ الْبَشَرِيَّةَ حَادِثَةٌ، بَلْ هِيَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَزَلِيَّةٌ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: هَذِهِ الْأَرْوَاحُ كَانَتْ سَرْمَدِيَّةً مَوْجُودَةً كَالْأَظْلَالِ تَحْتَ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ إِلَّا أَنَّ الْمُبْدِئَ الْأَوَّلَ أَمَرَهَا حَتَّى نَزَلَتْ إِلَى عَالَمِ الْأَجْسَامِ وَسَكَنَاتِ الْمَوَادِّ، فَلَمَّا تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الْأَجْسَامِ عَشِقَتْهَا. وَاسْتَحْكَمَ إِلْفُهَا بِهَا فَبَعَثَ مِنْ تِلْكَ الْأَظْلَالِ أَكْمَلَهَا وَأَشْرَفَهَا إِلَى هَذَا الْعَالَمِ لِيَحْتَالَ فِي تَخْلِيصِ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ عَنْ تِلْكَ السَّكَنَاتِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ بَابِ الْحَمَامَةِ الْمُطَوَّقَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي «كِتَابِ كَلَيْلَةَ وَدِمْنَةَ» . الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: الرُّوحَانِيَّاتُ نُورَانِيَّةٌ عُلْوِيَّةٌ لَطِيفَةٌ، وَالْجُسْمَانِيَّاتُ ظُلْمَانِيَّةٌ سُفْلِيَّةٌ كَثِيفَةٌ وَبِدَائِيَّةُ الْعُقُولِ تَشْهَدُ بِأَنَّ النُّورَ أَشْرَفُ مِنَ الظُّلْمَةِ، وَالْعُلْوِيَّ خَيْرٌ مِنَ السُّفْلِيِّ، وَاللَّطِيفَ أَكْمَلُ مِنَ الْكَثِيفِ. الِاعْتِرَاضُ: هَذَا كُلُّهُ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَادَّةِ وَعِنْدَنَا سَبَبُ الشَّرَفِ الِانْقِيَادُ لِأَمْرِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى مَا قَالَ: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الْإِسْرَاءِ: 85] وَادِّعَاءُ الشَّرَفِ بِسَبَبِ شَرَفِ الْمَادَّةِ هُوَ حُجَّةُ اللَّعِينِ الْأَوَّلِ وَقَدْ قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ، الحجة السادسة: الروحانيات السماوية فضلت الجسمانية بِقُوَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. أَمَّا الْعِلْمُ فَلِاتِّفَاقِ الْحُكَمَاءِ عَلَى إِحَاطَةِ الرُّوحَانِيَّاتِ السَّمَاوِيَّةِ بِالْمُغَيَّبَاتِ وَاطِّلَاعِهَا عَلَى مُسْتَقْبَلِ الْأُمُورِ، وَأَيْضًا فَعُلُومُهُمْ فِعْلِيَّةٌ فِطْرِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ دَائِمَةٌ. وَعُلُومُ الْبَشَرِ عَلَى الضِّدِّ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَلِأَنَّهُمْ مُوَاظِبُونَ عَلَى الْخِدْمَةِ دَائِمًا يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ لَا يَلْحَقُهُمْ نَوْمُ الْعُيُونِ وَلَا سَهْوُ الْعُقُولِ وَلَا غَفْلَةُ الْأَبْدَانِ طَعَامُهُمُ التَّسْبِيحُ وَشَرَابُهُمُ التَّقْدِيسُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّهْلِيلُ وَتَنَفُّسُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَفَرْحَتُهُمْ بِخِدْمَةِ اللَّهِ مُتَجَرِّدُونَ مِنَ الْعَلَائِقِ الْبَدَنِيَّةِ/ غَيْرُ مَحْجُوبِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُوَى الشَّهْوَانِيَّةِ وَالْغَضَبِيَّةِ فَأَيْنَ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ مِنَ الْآخَرِ: الِاعْتِرَاضُ: لَا نِزَاعَ فِي كُلِّ ما ذكرتموه إلا أن هاهنا دَقِيقَةً وَهِيَ أَنَّ الْمُوَاظِبَ عَلَى تَنَاوُلِ الْأَغْذِيَةِ اللَّطِيفَةِ لَا يَلْتَذُّ بِهَا كَمَا يَلْتَذُّ الْمُبْتَلَى بِالْجُوعِ أَيَّامًا كَثِيرَةً فَالْمَلَائِكَةُ بِسَبَبِ مُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى تِلْكَ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ لَا يَجِدُونَ مِنَ اللَّذَّةِ مِثْلَ مَا يَجِدُ الْبَشَرُ الَّذِينَ يَكُونُونَ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ مَحْجُوبِينَ بِالْعَلَائِقِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَالْحُجُبِ الظُّلْمَانِيَّةِ فَهَذِهِ الْمَزِيَّةُ مِنَ اللَّذَّةِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهَا البشر
وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [الأحزاب: 72] فإن إدراك الملايم بعد الابتلاء بالمنافي ألذ من إدراك الملايم عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ وَلِذَلِكَ قَالَتِ الْأَطِبَّاءُ: إِنَّ الْحَرَارَةَ فِي حُمَّى الدِّقِّ أَشَدُّ مِنْهَا فِي حُمَّى الْغِبِّ لَكِنَّ حَرَارَةَ الْحُمَّى فِي الدِّقِّ إِذَا دَامَتْ وَاسْتَقَرَّتْ بَطَلَ الشُّعُورُ بِهَا فَهَذِهِ الْحَالَةُ لَمْ تَحْصُلْ لِلْمَلَائِكَةِ لِأَنَّ كَمَالَاتِهَا دَائِمَةٌ وَلَمْ تَحْصُلْ لِسَائِرِ الْأَجْسَامِ لِأَنَّهَا كَانَتْ خَالِيَةً عَنِ الْقُوَّةِ الْمُسْتَعِدَّةِ لِإِدْرَاكِ الْمُجَرَّدَاتِ فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِمَّنْ يَقْوَى عَلَى تَحَمُّلِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ إِلَّا الْبَشَرُ. الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: الرُّوحَانِيَّاتُ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى تَصْرِيفِ الْأَجْسَامِ وَتَقْلِيبِ الْأَجْرَامِ وَالْقُوَّةُ الَّتِي هِيَ لَهُمْ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْقُوَى الْمِزَاجِيَّةِ حَتَّى يَعْرِضَ لَهَا كَلَالٌ وَلُغُوبٌ، ثُمَّ إِنَّكَ تَرَى الْخَامَةَ اللَّطِيفَةَ مِنَ الزَّرْعِ فِي بَدْءِ نُمُوِّهَا تَفْتَقُ الْحَجَرَ وَتَشُقُّ الصَّخْرَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِقُوَّةٍ نَبَاتِيَّةٍ فَاضَتْ عَلَيْهَا مِنْ جَوَاهِرِ الْقُوَى السَّمَاوِيَّةِ فَمَا ظَنُّكَ بِتِلْكَ الْقُوَى السَّمَاوِيَّةِ وَالرُّوحَانِيَّاتُ هِيَ الَّتِي تَتَصَرَّفُ فِي الْأَجْسَامِ السُّفْلِيَّةِ تَقْلِيبًا وَتَصْرِيفًا لَا يَسْتَثْقِلُونَ حَمْلَ الْأَثْقَالِ وَلَا يَسْتَصْعِبُونَ تَحْرِيكَ الْجِبَالَ فَالرِّيَاحُ تَهُبُّ بَتَحْرِيكَاتِهَا وَالسَّحَابُ تَعْرِضُ وَتَزُولُ بِتَصْرِيفِهَا وَكَذَا الزَّلَازِلُ تَقَعُ فِي الْجِبَالِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا وَالشَّرَائِعُ نَاطِقَةٌ بِذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً [الذَّارِيَاتِ: 4] وَالْعُقُولُ أَيْضًا دَالَّةٌ عَلَيْهِ وَالْأَرْوَاحُ السُّفْلِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَأَيْنَ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ مِنَ الْآخَرِ. وَالَّذِي يُقَالُ إِنَّ الشَّيَاطِينَ الَّتِي هِيَ الْأَرْوَاحُ الْخَبِيثَةُ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ مَمْنُوعٌ وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ قُدْرَةَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى ذَلِكَ أَشَدُّ وَأَكْمَلُ وَلِأَنَّ الْأَرْوَاحَ الطَّيِّبَةَ الْمَلَكِيَّةَ تَصْرِفُ قُوَاهَا إِلَى مَنَاظِمِ هَذَا الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ وَمَصَالِحِهَا وَالْأَرْوَاحَ الْخَبِيثَةَ تَصْرِفُ قُوَاهَا إِلَى الشُّرُورِ فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ. الِاعْتِرَاضُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَّفِقَ فِي النُّفُوسِ النَّاطِقَةِ الْبَشَرِيَّةِ نَفْسٌ قَوِيَّةٌ كَامِلَةٌ مُسْتَعْلِيَةٌ عَلَى الْأَجْرَامِ الْعُنْصُرِيَّةِ بِالتَّقْلِيبِ وَالتَّصْرِيفِ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى امْتِنَاعِ مِثْلِ هَذِهِ النَّفْسِ. الْحُجَّةُ الثَّامِنَةُ: الرُّوحَانِيَّاتُ لَهَا اخْتِيَارَاتٌ فَائِضَةٌ مِنْ أَنْوَارِ جَلَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى الْخَيْرَاتِ مَقْصُورَةٌ عَلَى نِظَامِ هَذَا الْعَالَمِ لَا يَشُوبُهَا الْبَتَّةَ شَائِبَةُ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ بِخِلَافِ اخْتِيَارَاتِ الْبَشَرِ فَإِنَّهَا مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ جِهَتِي الْعُلُوِّ وَالسَّفَالَةِ وَطَرَفَيِ الْخَيْرِ وَمَيْلُهُمْ إِلَى الْخَيْرَاتِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِإِعَانَةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ مِنْ أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ وَيَهْدِيهِ. الِاعْتِرَاضُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَالْمَجْبُورِينَ عَلَى طَاعَاتِهِمْ وَالْأَنْبِيَاءَ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَالْمُخْتَارُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَجْبُورِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ التَّرَدُّدَ مَا دَامَ يَبْقَى اسْتَحَالَ/ صُدُورُ الْفِعْلِ وَإِذَا حَصَلَ التَّرْجِيحُ الْتَحَقَ بِالْمُوجِبِ فَكَانَ لِلْأَنْبِيَاءِ خَيْرَاتٌ بِالْقُوَّةِ وَبِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ تَصِيرُ خَيْرَاتٍ بِالْفِعْلِ، أَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَهُمْ خَيْرَاتٌ بِالْفِعْلِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ ذَاكَ الْحُجَّةُ التَّاسِعَةُ: الرُّوحَانِيَّاتُ مُخْتَصَّةٌ بِالْهَيَاكِلِ وَهِيَ السَّيَّارَاتُ السَّبْعَةُ وَسَائِرُ الثَّوَابِتِ وَالْأَفْلَاكُ كَالْأَبْدَانِ وَالْكَوَاكِبُ كَالْقُلُوبِ وَالْمَلَائِكَةُ كَالْأَرْوَاحِ فَنِسْبَةُ الْأَرْوَاحِ إِلَى الْأَرْوَاحِ كَنِسْبَةِ الْأَبْدَانِ إِلَى الْأَبْدَانِ ثُمَّ إِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ اخْتِلَافَاتِ أَحْوَالِ الْأَفْلَاكِ مَبَادِئُ لِحُصُولِ الِاخْتِلَافَاتِ فِي أَحْوَالِ هَذَا الْعَالَمِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ مِنْ حَرَكَاتِ الْكَوَاكِبِ اتِّصَالَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنَ التَّسْدِيسِ وَالتَّثْلِيثِ وَالتَّرْبِيعِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْمُقَارَبَةِ وَكَذَا مَنَاطِقُ الْأَفْلَاكِ تَارَةً تَصِيرُ مُنْطَبِقَةً بَعْضُهَا عَلَى الْبَعْضِ وَذَلِكَ هُوَ الرَّتْقُ فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ عِمَارَةُ الْعَالَمِ وَأُخْرَى يَنْفَصِلُ بَعْضُهَا عَنِ الْبَعْضِ فَتَنْتَقِلُ الْعِمَارَةُ مِنْ جَانِبٍ هَذَا الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ مُسْتَوْلِيَةً عَلَى هَيَاكِلَ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ فَكَذَا أَرْوَاحُ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ لَا سِيَّمَا وَقَدْ دَلَّتِ الْمَبَاحِثُ الْحِكْمِيَّةُ وَالْعُلُومُ الْفَلْسَفِيَّةُ عَلَى أن أرواح هذا العالم معلومات لِأَرْوَاحِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَكِمَالَاتِ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ مَعْلُولَاتٌ لِكِمَالَاتِ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ وَنِسْبَةُ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ إِلَى تِلْكَ الْأَرْوَاحِ كَالشُّعْلَةِ الصَّغِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُرْصِ الشَّمْسِ وَكَالْقَطْرَةِ الصَّغِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَحْرِ الْأَعْظَمِ فَهَذِهِ هِيَ الْآثَارُ وَهُنَاكَ الْمَبْدَأُ وَالْمَعَادُ فَكَيْفَ يَلِيقُ الْقَوْلُ بِادِّعَاءِ الْمُسَاوَاةِ فَضْلًا عَنِ الزِّيَادَةِ. الِاعْتِرَاضُ: كُلُّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُنَازَعٌ فِيهِ لَكِنْ بتقدير تسليمه
فَالْبَحْثُ بَاقٍ بَعْدُ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْوُصُولَ إِلَى اللَّذِيذِ بَعْدَ الْحِرْمَانِ أَلَذُّ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ فَهَذِهِ الْحَالَةُ غَيْرُ حَاصِلَةٍ إِلَّا لِلْبَشَرِ. الْحُجَّةُ الْعَاشِرَةُ: قَالُوا الرُّوحَانِيَّاتُ الْفَلَكِيَّةُ مَبَادِئُ لِرُوحَانِيَّاتِ هَذَا الْعَالَمِ وَمُعَادِلُهَا وَالْمَبْدَأُ أَشْرَفُ مِنْ ذِي الْمَبْدَأِ لِأَنَّ كُلَّ كَمَالٍ يَحْصُلُ لِذِي الْمَبْدَأِ فَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْمَبْدَأِ وَالْمُسْتَفِيدُ أَقَلُّ حَالًا مِنَ الْوَاجِبِ وَكَذَلِكَ الْمَعَادُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ، فَعَالَمُ الرُّوحَانِيَّاتِ عَالِمُ الْكَمَالِ فَالْمَبْدَأُ مِنْهَا وَالْمَعَادُ إِلَيْهَا وَالْمَصْدَرُ عَنْهَا وَالْمَرْجِعُ إِلَيْهَا وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَرْوَاحَ إِنَّمَا نَزَلَتْ مِنْ عَالَمِهَا حَتَّى اتَّصَلَتْ بِالْأَبْدَانِ فَتَوَسَّخَتْ بِأَوْضَارِ الْأَجْسَامِ ثُمَّ تَطَهَّرَتْ عَنْهَا بِالْأَخْلَاقِ الزَّكِيَّةِ وَالْأَعْمَالِ الْمُرْضِيَةِ حَتَّى انْفَصَلَتْ عَنْهَا إِلَى عَالَمِهَا الْأَوَّلِ فَالنُّزُولُ هُوَ النَّشْأَةُ الْأُولَى وَالصُّعُودُ هُوَ النَّشْأَةُ الْأُخْرَى فَعُرِفَ أَنَّ الرُّوحَانِيَّاتِ أَشْرَفُ مِنَ الْأَشْخَاصِ الْبَشَرِيَّةِ. الِاعْتِرَاضُ: هَذِهِ الْكَلِمَاتُ بَنَيْتُمُوهَا عَلَى نَفْيِ الْمَعَادِ وَنَفْيِ حَشْرِ الْأَجْسَادِ وَدُونَهُمَا خَرْطُ الْقَتَادِ. الْحُجَّةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَلَيْسَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمُ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ إِلَّا بَعْدَ الْوَحْيِ فَهَذَا اعْتِرَافٌ بِأَنَّ عُلُومَهُمْ مُسْتَفَادَةٌ مِنْهُمْ أَلَيْسَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ هُمُ الَّذِينَ يُعِينُونَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ كَمَا فِي قَلْعِ مَدَائِنِ قَوْمِ لُوطٍ وَفِي يَوْمِ بَدْرٍ وَهُمُ الَّذِينَ يَهْدُونَهُمْ إِلَى مَصَالِحِهِمْ كَمَا فِي قِصَّةِ نُوحٍ فِي نَجْرِ السَّفِينَةِ فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَكُمْ أَنْ فَضَّلْتُمُوهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ فَافْتِقَارُهُمْ إِلَيْهِمْ فِي كُلِّ الْأُمُورِ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّقْسِيمُ الْعَقْلِيُّ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَحْيَاءَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ خَيِّرَةً مَحْضَةً أَوْ شِرِّيرَةً مَحْضَةً أَوْ تَكُونَ خَيِّرَةً مِنْ وَجْهِ شِرِّيرَةً مِنْ/ وَجْهٍ فَالْخَيْرُ الْمَحْضُ هُوَ النَّوْعُ الْمَلَكِيُّ وَالشِّرِّيرُ الْمَحْضُ هُوَ النَّوْعُ الشَّيْطَانِيُّ وَالْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ هُوَ النَّوْعُ الْبَشَرِيُّ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ النَّاطِقُ الْمَائِتُ وَعَلَى جَانِبَيْهِ قِسْمَانِ آخَرَانِ: أَحَدُهُمَا: النَّاطِقُ الَّذِي لَا يَكُونُ مِائَتَا وَهُوَ الْمَلَكُ: وَالْآخَرُ الْمَائِتُ الَّذِي لَا يَكُونُ نَاطِقًا وَهُمُ الْبَهَائِمُ فَقِسْمَةُ الْعَقْلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَدْ دَلَّتْ عَلَى كَوْنِ الْبَشَرِ فِي الدَّرَجَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ مِنَ الْكَمَالِ وَالْمَلَكُ يَكُونُ فِي الطَّرَفِ الْأَقْصَى مِنَ الْكَمَالِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْبَشَرَ أَفْضَلُ قَلْبٌ لِلْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَمُنَازَعَةٌ فِي تَرْتِيبِ الْوُجُودِ. الِاعْتِرَاضُ: إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْفَضْلِ هُوَ كَثْرَةُ الثَّوَابِ فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّ الْمَلَكَ أَكْثَرُ ثَوَابًا فَهَذَا مُحَصِّلُ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْوُجُوهِ الْعَقْلِيَّةِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِفَضْلِ الأنبياء على الملائكة بأمور: أحدهما: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمَلَائِكَةِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وَثَبَتَ أَنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ كَالْقِبْلَةِ بَلْ كَانَتِ السَّجْدَةُ فِي الْحَقِيقَةِ لَهُ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ آدَمُ أَفْضَلَ مِنْهُمْ لِأَنَّ السُّجُودَ نِهَايَةُ التَّوَاضُعِ وَتَكْلِيفُ الْأَشْرَفِ بِنِهَايَةِ التَّوَاضُعِ لِلْأَدْوَنِ مُسْتَقْبَحٌ فِي الْعُقُولِ فَإِنَّهُ يَقْبُحُ أَنْ يُؤْمَرَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنْ يَخْدِمَ أَقَلَّ النَّاسِ بِضَاعَةً فِي الْفِقْهِ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلِيفَةً لَهُ وَالْمُرَادُ مِنْهُ خِلَافَةُ الولاية لقوله تعالى: يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص: 26] وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَعْلَى النَّاسِ مَنْصِبًا عِنْدَ الْمَلِكِ مَنْ كَانَ قَائِمًا مَقَامَهُ فِي الْوِلَايَةِ وَالتَّصَرُّفِ، وَكَانَ خَلِيفَةً لَهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَشْرَفَ الْخَلَائِقِ وَهَذَا مُتَأَكِّدٌ بِقَوْلِهِ: وسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ [الحج: 65] ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا التَّعْمِيمَ بِقَوْلِهِ: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [الْبَقَرَةِ: 29] فَبَلَغَ آدَمُ فِي مَنْصِبِ الْخِلَافَةِ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ فَالدُّنْيَا خُلِقَتْ مُتْعَةً لِبَقَائِهِ وَالْآخِرَةُ مَمْلَكَةٌ لِجَزَائِهِ وَصَارَتِ الشَّيَاطِينُ مُلْعُونِينَ بِسَبَبِ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ وَالْجِنُّ رَعِيَّتُهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي طَاعَتِهِ وَسُجُودِهِ وَالتَّوَاضُعِ لَهُ ثُمَّ صَارَ بَعْضُهُمْ حَافِظِينَ لَهُ وَلِذُرِّيَّتِهِ وَبَعْضُهُمْ مُنْزِلِينَ لِرِزْقِهِ وَبَعْضُهُمْ مُسْتَغْفِرِينَ لِزَلَّاتِهِ ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ مَعَ هَذِهِ الْمَنَاصِبِ الْعَالِيَةِ: وَلَدَيْنا مَزِيدٌ [ق: 35] فَإِذَنْ لَا غَايَةَ لِهَذَا الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَعْلَمَ وَالْأَعْلَمُ أَفْضَلُ، أَمَّا إِنَّهُ أَعْلَمُ فَلِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا طَلَبَ مِنْهُمْ عِلْمَ الْأَسْمَاءِ: قالُوا سُبْحانَكَ لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا
مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [الْبَقَرَةِ: 32] فعند ذلك قال الله تعالى: يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عَالِمًا بِمَا لَمْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِهِ وَأَمَّا أَنَّ الْأَعْلَمَ أَفْضَلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزُّمَرِ: 9] وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 33] وَالْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ لِأَنَّ اشْتِقَاقَ الْعَالَمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعِلْمِ فَكُلُّ مَا كَانَ عَلَمًا عَلَى اللَّهِ وَدَالًّا عَلَيْهِ فَهُوَ عَالَمٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَكُلُّ مُحْدَثٍ فَهُوَ عَالَمٌ فَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ منعاه أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اصْطَفَاهُمْ عَلَى كُلِّ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ/ فَهَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اصْطَفَى هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ. فَإِنْ قِيلَ: يَشْكُلُ هَذَا بقوله تعالى: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [الْبَقَرَةِ: 47] فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَذَا هاهنا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 42] وَلَمْ يَلْزَمْ كَوْنُهَا أفضل من فاطمة عليها السلام فكذا هاهنا قُلْنَا، الْإِشْكَالُ مَدْفُوعٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ خِطَابٌ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا أَسْلَافَ الْيَهُودِ وَحِينَ مَا كَانُوا مَوْجُودِينَ لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَالَمِينَ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَا يَكُونُ مِنَ الْعَالَمِينَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِنِ اصْطِفَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اصْطَفَى اللَّهُ تَعَالَى هَؤُلَاءِ عَلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَيْضًا فَهَبْ أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ قد دخلها التخصيص لقيام الدلالة وهاهنا فَلَا دَلِيلَ يُوجِبُ تَرْكَ الظَّاهِرِ فَوَجَبَ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْعُمُومِ. وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: 107] وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَالَمِينَ فَكَانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَحْمَةً لَهُمْ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ أَفْضَلَ مِنْهُمْ. وَسَادِسُهَا: أَنَّ عِبَادَةَ الْبَشَرِ أَشَقُّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهَا أَشَقُّ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْآدَمِيَّ لَهُ شَهْوَةٌ دَاعِيَةٌ إِلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْمَلَكُ لَيْسَتْ لَهُ هَذِهِ الشَّهْوَةُ وَالْفِعْلُ مَعَ الْمُعَارِضِ الْقَوِيِّ أَشَدُّ مِنْهُ بِدُونِ الْمُعَارِضِ فَإِنْ قِيلَ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ شَهْوَةٌ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمَعْصِيَةِ وَهِيَ شَهْوَةُ الرِّيَاسَةِ قُلْنَا هَبْ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْبَشَرَ لَهُمْ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الشَّهَوَاتِ مِثْلُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَالرِّيَاسَةِ وَالْمَلَكُ لَيْسَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الشَّهَوَاتِ إِلَّا شَهْوَةً وَاحِدَةً وَهِيَ شَهْوَةُ الرِّيَاسَةِ وَالْمُبْتَلَى بِأَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الشَّهَوَاتِ تَكُونُ الطَّاعَةُ عَلَيْهِ أَشَقَّ مِنَ الْمُبْتَلَى بِشَهْوَةٍ وَاحِدَةٍ. الثَّانِي: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَعْمَلُونَ إِلَّا بِالنَّصِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا [الْبَقَرَةِ: 32] وَقَالَ: لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 27] وَالْبَشَرُ لَهُمْ قُوَّةُ الِاسْتِنْبَاطِ وَالْقِيَاسِ قَالَ تعالى: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الْحَشْرِ: 2] وَقَالَ مُعَاذٌ اجْتَهَدْتُ بِرَأْيِي فَصَوَّبَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذَلِكَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَمَلَ بِالِاسْتِنْبَاطِ أَشَقُّ مِنَ الْعَمَلِ بِالنَّصِّ الثَّالِثُ: أَنَّ الشُّبُهَاتِ لِلْبَشَرِ أَكْثَرُ مِمَّا لِلْمَلَائِكَةِ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الشُّبُهَاتِ الْقَوِيَّةِ كَوْنَ الْأَفْلَاكِ وَالْأَنْجُمِ السَّيَّارَةِ أَسْبَابًا لِحَوَادِثِ هَذَا الْعَالَمِ فَالْبَشَرُ احْتَاجُوا إِلَى دَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ وَالْمَلَائِكَةُ لَا يَحْتَاجُونَ لِأَنَّهُمْ سَاكِنُونَ فِي عَالَمِ السموات فَيُشَاهِدُونَ كَيْفِيَّةَ افْتِقَارِهَا إِلَى الْمُدَبِّرِ الصَّانِعِ، الرَّابِعُ: أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى وَسْوَسَةِ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى الْبَشَرِ فِي الْوَسْوَسَةِ وَذَلِكَ تَفَاوُتٌ عَظِيمٌ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ طَاعَتَهُمْ أَشَقُّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ ثَوَابًا بِالنَّصِّ فقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَحَمَزُهَا» أَيْ أَشَقُّهَا وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلِأَنَّا نَعْلَمُ
أَنَّ الشَّيْخَ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لَهُ مَيْلٌ إِلَى/ النِّسَاءِ إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الزِّنَا فَلَيْسَتْ فَضِيلَتُهُ كَفَضِيلَةِ مَنْ يَمْتَنِعُ عَنْهُنَّ مَعَ الْمَيْلِ الشديد والشوق العظيم فكذا هاهنا وَسَابِعُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ عُقُولًا بِلَا شَهْوَةٍ وَخَلَقَ الْبَهَائِمَ شَهَوَاتٍ بِلَا عَقْلٍ وَخَلَقَ الْآدَمِيَّ وَجَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَصَارَ الْآدَمِيُّ بِسَبَبِ الْعَقْلِ فَوْقَ الْبَهِيمَةِ بِدَرَجَاتٍ لَا حَدَّ لَهَا فَوَجَبَ أَنْ يَصِيرَ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ وَجَدْنَا الْآدَمِيَّ إِذَا غَلَبَ هَوَاهُ عَقْلَهُ حَتَّى صَارَ يَعْمَلُ بِهَوَاهُ دُونَ عَقْلِهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ دُونَ الْبَهِيمَةِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الْأَعْرَافِ: 179] وَلِذَلِكَ صَارَ مَصِيرُهُمْ إِلَى النَّارِ دُونَ الْبَهَائِمِ فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ إِذَا غَلَبَ عَقْلُهُ هَوَاهُ حَتَّى صَارَ لَا يَعْمَلُ بِهَوَى نَفْسِهِ شَيْئًا بَلْ يَعْمَلُ بِهَوَى عَقْلِهِ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الْمَلَائِكَةِ اعْتِبَارًا لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِالْآخَرِ. وَثَامِنُهَا: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ حَفَظَةٌ وَبَنُو آدَمَ مَحْفُوظُونَ وَالْمَحْفُوظُ أَعَزُّ وَأَشْرَفُ مِنَ الْحَافِظِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَنُو آدَمَ أَكْرَمَ وَأَشْرَفَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَتَاسِعُهَا: مَا رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخَذَ بِرِكَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَرْكَبَهُ عَلَى الْبُرَاقِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَلَمَّا وَصَلَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى بَعْضِ الْمَقَامَاتِ تَخَلَّفَ عَنْهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ: «لَوْ دَنَوْتُ أُنْمُلَةً لَاحْتَرَقْتُ» وَعَاشِرُهَا: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسلام: «إن لي وزيرين في السماء وزيرين فِي الْأَرْضِ، أَمَّا اللَّذَانِ فِي السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا اللَّذَانِ فِي الْأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» فَدَلَّ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَالْمَلِكِ وَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ كَانَا كَالْوَزِيرَيْنِ لَهُ وَالْمَلِكُ أَفْضَلُ مِنَ الوزير فلزم أن يكون محمداً أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَكِ. هَذَا تَمَامُ الْقَوْلِ فِي دَلَائِلِ مَنْ فَضَّلَ الْبَشَرَ عَلَى الْمَلَكِ. أَجَابَ القائلون بتفضيل الملك [أما] عَنِ الْحُجَّةِ الْأُولَى: فَقَالُوا قَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ مِنَ السُّجُودِ هُوَ التَّوَاضُعُ لَا وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ لَكِنَّهُ قَالَ السُّجُودُ لِلَّهِ وَآدَمُ قِبْلَةُ السُّجُودِ وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَا إِشْكَالَ أَمَّا إِذَا سَلَّمْنَا أَنَّ السُّجُودَ كَانَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ مِنَ الْأَشْرَفِ فِي حَقِّ الشَّرِيفِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ قَدْ تَقْتَضِي ذَلِكَ كَثِيرًا مِنْ حُبِّ الْأَشْرَفِ وَإِظْهَارِ النِّهَايَةِ فِي الِانْقِيَادِ وَالطَّاعَةِ فَإِنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُجْلِسَ أَقَلَّ عَبِيدِهِ فِي الصَّدْرِ وَأَنْ يَأْمُرَ الْأَكَابِرَ بِخِدْمَتِهِ وَيَكُونُ غَرَضُهُ مِنْ ذَلِكَ إِظْهَارَ كَوْنِهِمْ مُطِيعِينَ لَهُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ مُنْقَادِينَ لَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الأمر هاهنا كَذَلِكَ وَأَيْضًا أَلَيْسَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ وَأَنَّ أَفْعَالَهُ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ وَلِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِي خَلْقِ الْكُفْرِ فِي الْإِنْسَانِ ثُمَّ فِي تَعْذِيبِهِ عَلَيْهِ أَبَدَ الْآبَادِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ فِي أَنْ يَأْمُرَ الْأَعْلَى بِالسُّجُودِ لِلْأَدْنَى وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: فَجَوَابُهَا أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا جُعِلَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَشْرَفَ مِنْ كُلِّ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ أَشْرَفَ مِنْ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ لَمْ يَجْعَلْ وَاحِدًا مِنْ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ خَلِيفَةً لَهُ فِي الْأَرْضِ قُلْنَا لِوُجُوهٍ/ مِنْهَا أَنَّ الْبَشَرَ لَا يُطِيقُونَ رُؤْيَةَ الْمَلَائِكَةِ وَمِنْهَا أَنَّ الْجِنْسَ إِلَى الْجِنْسِ أَمْيَلُ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ فِي نِهَايَةِ الطَّهَارَةِ وَالْعِصْمَةِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [الْأَنْعَامِ: 9] وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عَالِمًا بِتِلْكَ اللُّغَاتِ وَهُمْ مَا عَلِمُوهَا لكن لعلهم كونوا عَالِمِينَ بِسَائِرِ الْأَشْيَاءِ مَعَ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا كَانَ عَالِمًا بِهَا وَالَّذِي يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّا تَوَافَقْنَا عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ عَالِمًا بِهَذِهِ اللُّغَاتِ بِأَسْرِهَا وَأَيْضًا فَإِنَّ إِبْلِيسَ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ قُرْبَ الشَّجَرَةِ مِمَّا يُوجِبُ خُرُوجَ آدَمَ عَنِ الْجَنَّةِ وَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا ذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ كَوْنُ إِبْلِيسَ أَفْضَلَ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْهُدْهُدُ قَالَ لِسُلَيْمَانَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ الْهُدْهُدُ أَفْضَلَ مِنْ سُلَيْمَانَ سَلَّمْنَا أَنَّهُ
كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ طَاعَاتِهِمْ أَكْثَرُ إِخْلَاصًا مِنْ طَاعَةِ آدَمَ فَلَا جَرَمَ كَانَ ثَوَابُهُمْ أَكْثَرَ. أَمَّا الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: فَهِيَ أَقْوَى الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ. أَمَّا الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: 107] فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةً لَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْهُمْ كَمَا في قوله: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [الرُّومِ: 50] وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَحْمَةً لَهُمْ مِنْ وَجْهٍ وَهُمْ يَكُونُونَ رَحْمَةً لَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَأَمَّا الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: وَهِيَ أَنَّ عِبَادَةَ الْبَشَرِ أَشَقُّ فَهَذَا يَنْتَقِضُ بِمَا أَنَّا نَرَى الْوَاحِدَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ يَتَحَمَّلُ فِي طَرِيقِ الْمُجَاهَدَةِ مِنَ الْمَشَاقِّ وَالْمَتَاعِبِ مَا يَقْطَعُ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَتَحَمَّلْ مِثْلَهَا مَعَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنَ الْكُلِّ وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي النِّيَّةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ أَسْهَلَ إِلَّا أَنَّ إِخْلَاصَ الْآتِي بِهِ أَكْثَرُ فَكَانَ الثَّوَابُ عَلَيْهِ أكثر. وما الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: فَهِيَ جَمْعٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مِنْ غَيْرِ جَامِعٍ. وَأَمَّا الْحُجَّةُ الثَّامِنَةُ: وَهِيَ أَنَّ الْمَحْفُوظَ أَشْرَفُ مِنَ الْحَافِظِ فَهَذَا مَمْنُوعٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ قَدْ يَكُونُ الْحَافِظُ أَشْرَفَ مِنَ الْمَحْفُوظِ كَالْأَمِيرِ الْكَبِيرِ الْمُوَكَّلِ عَلَى الْمُتَّهَمِينَ مِنَ الْجُنْدِ. وَأَمَّا الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ: فَهُمَا مِنْ بَابِ الْآحَادِ وَهُمَا مُعَارَضَانِ بِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ شِدَّةِ تَوَاضُعِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا آخِرُ الْمَسْأَلَةِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا اسْتَثْنَى إِبْلِيسَ مِنَ السَّاجِدِينَ فَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ كَانَ مَعْذُورًا فِي تَرْكِ السُّجُودِ فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ الْقُدْرَةِ وَزَوَالِ الْعُذْرِ بِقَوْلِهِ أَبَى لِأَنَّ الْإِبَاءَ هُوَ الِامْتِنَاعُ مَعَ الِاخْتِيَارِ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ لَا يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ أَبَى ثُمَّ قَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وَلَا يَنْضَمُّ إِلَيْهِ الْكِبْرُ فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ ذَلِكَ الْإِبَاءَ كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِكْبَارِ بِقَوْلِهِ وَاسْتَكْبَرَ ثُمَّ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ الْإِبَاءُ وَالِاسْتِكْبَارُ مَعَ عَدَمِ الْكُفْرِ فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ كَفَرَ بِقَوْلِهِ: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ قَالَ الْقَاضِي هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ أَهْلِ الْجَبْرِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ لِأَنَّ عِنْدَهُمُ الْقُدْرَةَ/ عَلَى الْفِعْلِ مُنْتَفِيَةٌ وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الشَّيْءِ يُقَالُ إِنَّهُ أَبَاهُ، وَثَانِيهَا: أَنَّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْفِعْلِ لَا يُقَالُ اسْتَكْبَرَ بِأَنْ لَمْ يَفْعَلْ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْفِعْلِ لَا يُقَالُ اسْتَكْبَرَ عَنِ الْفِعْلِ وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِالِاسْتِكْبَارِ إِذَا لَمْ يَفْعَلْ مَعَ كَوْنِهِ لَوْ أَرَادَ الْفِعْلَ لَأَمْكَنَهُ. وَثَالِثُهَا: قَالَ تَعَالَى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا بِأَنْ لَا يَفْعَلَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ اسْتِكْبَارَهُ وَامْتِنَاعَهُ خَلْقٌ مِنَ اللَّهِ فِيهِ فَهُوَ بِأَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مَذْمُومًا قَالَ وَمَنِ اعْتَقَدَ مَذْهَبًا يُقِيمُ الْعُذْرَ لِإِبْلِيسَ فَهُوَ خَاسِرُ الصَّفْقَةِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ هَذَا الْقَاضِيَ لَا يَزَالُ يُطْنِبُ فِي تَكْثِيرِ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَحَاصِلُهَا يَرْجِعُ إِلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فَنَقُولُ لَهُ نَحْنُ أَيْضًا: صُدُورُ ذَلِكَ الْفِعْلِ عَنْ إِبْلِيسَ عَنْ قَصْدٍ وَدَاعٍ أَوْ لَا عَنْ قَصْدٍ وَدَاعٍ؟ فَإِنْ كَانَ عَنْ قَصْدٍ وَدَاعٍ فَمِنْ أَيْنَ ذَلِكَ الْقَصْدُ؟ أَوَقَعَ لَا عَنْ فَاعِلٍ أَوْ عَنْ فَاعِلٍ هُوَ الْعَبْدُ أَوْ عَنْ فَاعِلٍ هُوَ اللَّهُ؟ فَإِنْ وَقَعَ لَا عَنْ فَاعِلٍ كَيْفَ يُثْبِتُ الصَّانِعُ وَإِنْ وَقَعَ عَنِ الْعَبْدِ فَوُقُوعِ ذَلِكَ الْقَصْدِ عَنْهُ إِنْ كَانَ عَنْ قَصْدٍ آخَرَ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وَإِنْ كَانَ لَا عَنْ قَصْدٍ فَقَدْ وَقَعَ الْفِعْلُ لَا عَنْ قَصْدٍ وَسَنُبْطِلُهُ وَإِنْ وَقَعَ عَنْ فَاعِلٍ هُوَ اللَّهُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُكَ كُلُّ مَا أَوْرَدْتَهُ عَلَيْنَا، أَمَّا إِنْ قُلْتَ وَقَعَ ذلك الفعل عنه لا عن قصد وادع فَقَدْ تَرَجَّحَ الْمُمْكِنُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ وَهُوَ يَسُدُّ بَابَ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ وُقُوعُ ذَلِكَ الْفِعْلِ اتِّفَاقِيًّا وَالِاتِّفَاقِيُّ لَا يَكُونُ فِي وُسْعِهِ وَاخْتِيَارِهِ فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِهِ وَيُنْهَى عَنْهُ فَيَا أَيُّهَا الْقَاضِي مَا الْفَائِدَةُ فِي التَّمَسُّكِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَتَكْثِيرِ الْوُجُوهِ الَّتِي يَرْجِعُ حَاصِلُهَا إِلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مَعَ أن مثل هذا البرهان القاطع ويقلع خلفك، ويستأصل
عُرُوقَ كَلَامِكَ وَلَوْ أَجْمَعَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ عَلَى هَذَا الْبُرْهَانِ لَمَا تَخَلَّصُوا عَنْهُ إِلَّا بِالْتِزَامِ وُقُوعِ الْمُمْكِنِ لَا عَنْ مُرَجِّحٍ وَحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ بَابُ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ أَوْ بِالْتِزَامِ أَنَّهُ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ وَهُوَ جَوَابُنَا. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: لِلْعُقَلَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِبْلِيسَ حِينَ اشْتِغَالِهِ بِالْعِبَادَةِ كَانَ مُنَافِقًا كَافِرًا وَفِي تَقْرِيرِ هَذَا الْقَوْلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ الْمُسَمَّى «بِالْمِلَلِ وَالنِّحَلِ» عَنْ مَارِي شَارِحِ الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي التَّوْرَاةِ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى شَكْلِ مُنَاظَرَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ قَالَ إِبْلِيسُ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي أُسَلِّمُ أَنَّ لِي إِلَهًا هُوَ خَالِقِي، وَمُوجِدِي، وَهُوَ خَالِقُ الْخَلْقِ، لَكِنْ لِي عَلَى حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى أسئلة سبعة، الأولى: مَا الْحِكْمَةُ فِي الْخَلْقِ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَسْتَوْجِبُ عِنْدَ خَلْقِهِ الْآلَامَ؟ الثَّانِي: ثُمَّ مَا الْفَائِدَةُ فِي التَّكْلِيفِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَعُودُ مِنْهُ ضَرٌّ وَلَا نَفْعٌ وَكُلُّ مَا يَعُودُ إِلَى الْمُكَلَّفِينَ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِهِ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ التَّكْلِيفِ؟ الثَّالِثُ: هَبْ أَنَّهُ كَلَّفَنِي بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ فَلِمَاذَا كَلَّفَنِي السُّجُودَ لِآدَمَ؟ الرَّابِعُ: ثُمَّ لَمَّا عَصَيْتُهُ فِي تَرْكِ السُّجُودِ لِآدَمَ فَلِمَ لَعَنَنِي وَأَوْجَبَ عِقَابِي مَعَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ فِيهِ، وَلِي فِيهِ أَعْظَمُ الضَّرَرِ؟ الْخَامِسُ: ثُمَّ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ فَلِمَ مَكَّنَنِي مِنَ الدُّخُولِ إِلَى الْجَنَّةِ وَوَسْوَسْتُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ السَّادِسُ: ثُمَّ لَمَّا فَعَلْتُ ذَلِكَ/ فَلِمَ سَلَّطَنِي عَلَى أَوْلَادِهِ وَمَكَّنَنِي مِنْ إِغْوَائِهِمْ وَإِضْلَالِهِمْ؟ السَّابِعُ: ثُمَّ لَمَّا اسْتَمْهَلْتُهُ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ فِي ذَلِكَ، فَلِمَ أَمْهَلَنِي. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَالَمَ لَوْ كَانَ خَالِيًا عَنِ الشَّرِّ لَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا؟ قَالَ شَارِحُ الْأَنَاجِيلِ: فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مِنْ سُرَادِقَاتِ الْجَلَالِ وَالْكِبْرِيَاءِ: يَا إِبْلِيسُ إِنَّكَ مَا عَرَفْتَنِي، وَلَوْ عَرَفْتَنِي لَعَلِمْتَ أَنَّهُ لاعتراض عليَّ فِي شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِي فَإِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ مِنَ الْخَلَائِقِ وَحَكَمُوا بِتَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ لَمْ يَجِدُوا عَنْ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ مَخْلَصًا وَكَانَ الْكُلُّ لَازِمًا، أَمَا إِذَا أَجَبْنَا بِذَلِكَ الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى زَالَتِ الشُّبُهَاتُ وَانْدَفَعَتِ الِاعْتِرَاضَاتُ وَكَيْفَ لَا وَكَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ فِي ذَاتِهِ وَاجِبُ الْوُجُودِ فِي صِفَاتِهِ فَهُوَ مُسْتَغْنٍ فِي فَاعِلِيَّتِهِ عَنِ الْمُؤَثِّرَاتِ وَالْمُرَجِّحَاتِ إِذْ لَوِ افْتَقَرَ لَكَانَ فَقِيرًا لَا غَنِيًّا فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَقْطَعُ الْحَاجَاتِ وَمُنْتَهَى الرَّغَبَاتِ وَمِنْ عِنْدِهِ نَيْلُ الطَّلَبَاتِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَتَطَرَّقِ اللِّمِّيَّةُ إِلَى أَفْعَالِهِ وَلَمْ يَتَوَجَّهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى خَالِقِيَّتِهِ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ: جَلَّ جَنَابُ الْجَلَالِ عَنْ أَنْ يُوزَنَ بِمِيزَانِ الِاعْتِزَالِ فَهَذَا الْقَائِلُ أَجْرَى قَوْلَهُ تَعَالَى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ إِنَّهُ كَانَ كَافِرًا مُنَافِقًا مُنْذُ كَانَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي تَقْرِيرِ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا أَبَدًا قَوْلُ أَصْحَابِ الْمُوَافَاةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْعِقَابِ الدَّائِمِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الثَّوَابِ الدَّائِمِ وَالْعِقَابِ الدَّائِمِ مُحَالٌ فَإِذَا صَدَرَ الْإِيمَانُ مِنَ الْمُكَلَّفِ فِي وَقْتٍ ثُمَّ صَدَرَ عَنْهُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُفْرٌ فَإِمَّا أَنْ يَبْقَى الِاسْتِحْقَاقَانِ مَعًا وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ أَوْ يَكُونَ الطَّارِئُ مُزِيلًا لِلسَّابِقِ وَهُوَ أَيْضًا مُحَالٌ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْإِحْبَاطِ بَاطِلٌ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ هَذَا الْفَرْضَ مُحَالٌ وَشَرْطُ حُصُولِ الْإِيمَانِ أَنْ لَا يَصْدُرَ الْكُفْرُ عَنْهُ فِي وَقْتٍ قَطُّ فَإِذَا كَانَتِ الْخَاتِمَةُ عَلَى الْكُفْرِ عَلِمْنَا أَنَّ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ أَوَّلًا مَا كَانَ إِيمَانًا إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَمَّا كَانَ خَتْمُ إِبْلِيسَ عَلَى الْكُفْرِ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَا كَانَ مُؤْمِنًا قَطُّ، الْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مُؤْمِنًا ثُمَّ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ كَانَ عَالِمًا فِي الْأَزَلِ بِأَنَّهُ سَيَكْفُرُ فَصِيغَةُ كَانَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعِلْمِ لَا بِالْمَعْلُومِ، وَالْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَفَرَ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ ذَلِكَ فَبَعْدَ مُضِيِّ كُفْرِهِ صَدَقَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنَ الْكَافِرِينَ وَمَتَى
صَدَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِنَا كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمَتَى صَدَقَ الْمُرَكَّبُ صَدَقَ الْمُفْرَدُ لَا مَحَالَةَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: الْمُرَادُ مِنْ كَانَ صَارَ، أَيْ وصار من الكافرين، وهاهنا أَبْحَاثٌ، الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ هَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وُجِدَ قَبْلَهُ جَمْعٌ مِنَ الْكَافِرِينَ حَتَّى يَصْدُقَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مِنَ الْكَافِرِينَ، قَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ كَلِمَةَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، فَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ بَعْضُ الْكَافِرِينَ يَقْتَضِي وُجُودَ قَوْمٍ آخَرِينَ مِنَ الْكَافِرِينَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ بَعْضًا لَهُمْ وَالَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ خَلْقًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَقَالُوا لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ فَبَعَثَ/ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ وَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَبَوْا» وَقَالَ آخَرُونَ هَذِهِ الْآيَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ لَهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ صَارَ مِنَ الَّذِينَ وَافَقُوهُ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَصَمِّ وَذَكَرَ فِي مِثَالِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التَّوْبَةِ: 67] فَأَضَافَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِسَبَبِ الْمُوَافَقَةِ فِي الدين فكذا هاهنا لَمَّا كَانَ الْكُفْرُ ظَاهِرًا مِنْ أَهْلِ الْعَالَمِ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ صَحَّ قَوْلُهُ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ. وَثَانِيهَا: أَنَّ هَذَا إِضَافَةٌ لِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَاهِيَّةِ إِلَى تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ وَصِحَّةُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ لَا تَقْتَضِي وُجُودَ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ كَمَا أَنَّ الْحَيَوَانَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوَّلًا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْحَيَوَانِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمَوْجُودَةِ خَارِجَ الذِّهْنِ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ هَذِهِ الْمَاهِيَّةِ وَوَاحِدٌ مِنْ آحَادِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْبَحْثِ أَنَّ إِبْلِيسَ هَلْ كَانَ أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ. الْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْصِيَةَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَعِنْدَنَا، لَا تُوجِبُ الْكُفْرَ، أَمَّا عِنْدَنَا فَلِأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ فَلِأَنَّهُ وَإِنْ خَرَجَ عَنِ الْإِيمَانِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْكُفْرِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْخَوَارِجِ فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ كُفْرٌ، وَهُمْ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، قَالُوا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَفَّرَ إِبْلِيسَ بِتِلْكَ الْمَعْصِيَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْصِيَةَ كُفْرٌ، الْجَوَابُ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَافِرٌ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ فَهَذَا السُّؤَالُ زَائِلٌ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا، فَنَقُولُ إِنَّهُ إِنَّمَا كَفَرَ لِاسْتِكْبَارِهِ وَاعْتِقَادِهِ كَوْنَهُ مُحِقًّا فِي ذَلِكَ التَّمَرُّدِ وَاسْتِدْلَالِهِ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَالَ الْأَكْثَرُونَ إِنَّ جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ مَأْمُورُونَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ الْمَلَائِكَةِ صِيغَةُ الْجَمْعِ وَهِيَ تُفِيدُ الْعُمُومَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَقْرُونَةً بِأَكْمَلِ وُجُوهِ التَّأْكِيدِ فِي قَوْلِهِ: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الْحِجْرِ: 30] . الثَّانِي: هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَى إِبْلِيسَ مِنْهُمْ وَاسْتِثْنَاءُ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ عَدَا ذَلِكَ الشَّخْصَ كَانَ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ الْمَأْمُورُونَ بِهَذَا السُّجُودِ هُمْ مَلَائِكَةُ الْأَرْضِ وَاسْتَعْظَمُوا أَنْ يَكُونَ أَكَابِرُ الْمَلَائِكَةِ مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ. وَأَمَّا الْحُكَمَاءُ فَإِنَّهُمْ يَحْمِلُونَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْجَوَاهِرِ الرُّوحَانِيَّةِ وَقَالُوا يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ الْأَرْوَاحُ السَّمَاوِيَّةُ مُنْقَادَةً لِلنُّفُوسِ النَّاطِقَةِ إِنَّمَا الْمُرَادُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ الْقُوَى الْجُسْمَانِيَّةُ الْبَشَرِيَّةُ الْمُطِيعَةُ لِلنَّفْسِ النَّاطِقَةِ وَالْكَلَامُ فِي هذه المسألة مذكور في العقليات. تم الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث، وأوله قوله تعالى: وَقُلْنا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ
الجزء الثالث
الجزء الثالث [تتمة سورة البقرة] بسم الله الرحمن الرحيم [سورة البقرة (2) : آية 35] وَقُلْنا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ قَوْلَهُ اسْكُنْ أَمْرُ تَكْلِيفٍ أَوْ إِبَاحَةٍ فَالْمَرْوِيُّ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَى آدَمَ بِإِسْكَانِ الْجَنَّةِ كَمَا ابْتَلَى الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَلَّفَهُ بِأَنْ يَكُونَ فِي الْجَنَّةِ يَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شَاءَ وَنَهَاهُ عَنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا فَمَا زَالَتْ بِهِ الْبَلَايَا حتى وقع فيم نُهِيَ عَنْهُ فَبَدَتْ سَوْأَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَأُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ وَأُسْكِنَ مَوْضِعًا يَحْصُلُ فِيهِ مَا يَكُونُ مُشْتَهًى لَهُ مَعَ أَنَّ مَنْعَهُ مِنْ تَنَاوُلِهِ مِنْ أَشَدِّ التَّكَالِيفِ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ ذَلِكَ إِبَاحَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِقْرَارَ فِي الْمَوَاضِعِ الطَّيِّبَةِ النَّزِهَةِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ فِيهَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّعَبُّدِ كَمَا أَنَّ أَكْلَ الطَّيِّبَاتِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّعَبُّدِ وَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [الأعراف: 16] أَمْرًا وَتَكْلِيفًا بَلْ إِبَاحَةً، وَالْأَصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ الْإِسْكَانَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَا هُوَ إِبَاحَةٌ، وَعَلَى مَا هُوَ تَكْلِيفٌ، أَمَّا الْإِبَاحَةُ فَهُوَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ مَأْذُونًا فِي الِانْتِفَاعِ بِجَمِيعِ نِعَمِ الْجَنَّةِ، وَأَمَّا التَّكْلِيفُ فَهُوَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ كَانَ حَاضِرًا وَهُوَ كَانَ مَمْنُوعًا عَنْ تَنَاوُلِهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِغَيْرِهِ أَسْكَنْتُكَ دَارِي لَا تَصِيرُ الدَّارُ مِلْكًا لَهُ، فَهَهُنَا لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَبْتُ مِنْكَ الْجَنَّةَ بَلْ قَالَ أَسْكَنْتُكَ الْجَنَّةَ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ خَلَقَهُ لِخِلَافَةِ الْأَرْضِ فَكَانَ إِسْكَانُ الْجَنَّةِ كَالتَّقْدِمَةِ عَلَى ذَلِكَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ الْكُلَّ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وَأَبَى إِبْلِيسُ السُّجُودَ صَيَّرَهُ اللَّهُ مَلْعُونًا ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ بِأَنْ يَسْكُنَهَا مَعَ زَوْجَتِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي خُلِقَتْ زَوْجَتُهُ فِيهِ، فَذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخْرَجَ إِبْلِيسَ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَسْكَنَ آدَمَ الجنة فبقي فيها وجده وَمَا كَانَ مَعَهُ مَنْ يَسْتَأْنِسُ بِهِ فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ النَّوْمَ ثُمَّ أَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ مِنْ شَقِّهِ الْأَيْسَرِ وَوَضَعَ مَكَانَهُ لَحْمًا وَخَلَقَ حَوَّاءَ مِنْهُ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ وَجَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةً قَاعِدَةً فَسَأَلَهَا مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: امْرَأَةٌ. قَالَ: وَلِمَ خُلِقْتِ؟ قَالَتْ: لِتَسْكُنَ إليّ، فقالت الملائكة: / ما اسمها؟ قالوا: حواء، وَلِمَ سُمِّيَتْ حَوَّاءَ، قَالَ: لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ حَيٍّ، وَعَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ جُنْدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَحَمَلُوا آدَمَ وَحَوَّاءَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ كَمَا تُحْمَلُ الْمُلُوكُ وَلِبَاسُهُمَا النُّورُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِكْلِيلٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٌ بِالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ وَعَلَى آدَمَ مِنْطَقَةٌ مُكَلَّلَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ حَتَّى أُدْخِلَا الْجَنَّةَ. فَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ قَبْلَ إِدْخَالِ آدَمَ الْجَنَّةَ وَالْخَبَرُ الْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا خُلِقَتْ فِي الْجَنَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَقِيقَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّوْجَةِ حَوَّاءُ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي سَائِرِ الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [النِّسَاءِ: 1] وَفِي الْأَعْرَافِ: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها [الْأَعْرَافِ: 189] ، وَرَوَى
الْحَسَنُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعِ الرَّجُلِ فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تُقِيمَهَا كَسَرْتَهَا وَإِنْ تَرَكْتَهَا انْتَفَعْتَ بِهَا وَاسْتَقَامَتْ» . الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْجَنَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، هَلْ كَانَتْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ؟ وَبِتَقْدِيرِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي السَّمَاءِ فَهَلْ هِيَ الْجَنَّةُ الَّتِي هِيَ دَارُ الثَّوَابِ أَوْ جَنَّةُ الْخُلْدِ أَوْ جَنَّةٌ أُخْرَى؟ فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَلْخِيُّ وَأَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ: هَذِهِ الْجَنَّةُ كَانَتْ فِي الْأَرْضِ، وَحَمَلَا الْإِهْبَاطَ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ بُقْعَةٍ إِلَى بُقْعَةٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اهْبِطُوا مِصْراً [الْبَقَرَةِ: 61] وَاحْتَجَّا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْجَنَّةَ لَوْ كَانَتْ هِيَ دَارَ الثَّوَابِ لَكَانَتْ جَنَّةَ الْخُلْدِ وَلَوْ كَانَ آدَمُ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ لَمَا لَحِقَهُ الْغُرُورُ مِنْ إِبْلِيسَ بِقَوْلِهِ: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلى [طه: 120] ، وَلَمَا صَحَّ قَوْلُهُ: مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [الْأَعْرَافِ: 20] . وَثَانِيهَا: أَنَّ مَنْ دَخَلَ هَذِهِ الْجَنَّةَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [الْحِجْرِ: 48] . وَثَالِثُهَا: أَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا امْتَنَعَ عَنِ السُّجُودِ لُعِنَ فَمَا كَانَ يَقْدِرُ مَعَ غَضَبِ اللَّهِ عَلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي هِيَ دَارُ الثَّوَابِ لَا يَفْنَى نَعِيمُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها [الرَّعْدِ: 35] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها إِلَى أَنْ قَالَ: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هُودٍ: 108] أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، فَهَذِهِ الْجَنَّةُ لَوْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي دَخَلَهَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَا فَنِيَتْ، لَكِنَّهَا تَفْنَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [الْقَصَصِ: 88] وَلَمَا خَرَجَ مِنْهَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَكِنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا وَانْقَطَعَتْ تِلْكَ الرَّاحَاتُ. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي حِكْمَتِهِ تَعَالَى أَنْ يَبْتَدِئَ الْخَلْقَ فِي جَنَّةٍ يُخَلِّدُهُمْ فِيهَا وَلَا تَكْلِيفَ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُعْطِي جَزَاءَ الْعَامِلِينَ مَنْ لَيْسَ بِعَامِلٍ وَلِأَنَّهُ لَا يُهْمِلُ عِبَادَهُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ وَوَعْدٍ وَوَعِيدٍ، وَسَادِسُهَا: لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ نَقَلَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَلَوْ كَانَ تَعَالَى قَدْ نَقَلَهُ إِلَى السَّمَاءِ لَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى بِالذِّكْرِ لِأَنَّ نَقْلَهُ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ، وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجَنَّةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ جَنَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ جَنَّةِ الْخُلْدِ «1» . الْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْجُبَّائِيِّ: أَنَّ تِلْكَ الْجَنَّةَ كَانَتْ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالدَّلِيلُ/ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: اهْبِطُوا مِنْها [الْبَقَرَةِ: 38] ، ثُمَّ إِنَّ الْإِهْبَاطَ الْأَوَّلَ كَانَ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى السَّمَاءِ الْأُولَى، وَالْإِهْبَاطَ الثَّانِيَ كَانَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا: أَنَّ هَذِهِ الْجَنَّةَ هِيَ دَارُ الثَّوَابِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي لَفْظِ الْجَنَّةِ لَا يُفِيدَانِ الْعُمُومَ لِأَنَّ سُكْنَى جَمِيعِ الْجِنَانِ مُحَالٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ صَرْفِهَا إِلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ وَالْجَنَّةُ الَّتِي هِيَ الْمَعْهُودَةُ الْمَعْلُومَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ هِيَ دَارُ الثَّوَابِ، فَوَجَبَ صَرْفُ اللَّفْظِ إِلَيْهَا، وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْكُلَّ مُمْكِنٌ وَالْأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ ضَعِيفَةٌ وَمُتَعَارِضَةٌ فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ وَتَرْكُ الْقَطْعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: السُّكْنَى مِنَ السُّكُونِ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ اللُّبْثِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَ «أَنْتَ» تَأْكِيدٌ لِلْمُسْتَكِنَّ فِي «اسْكُنْ» لِيَصِحَّ الْعَطْفُ عَلَيْهِ وَ «رَغَدًا» وَصْفٌ لِلْمَصْدَرِ أَيْ أَكْلًا رَغَدًا وَاسِعًا رَافِهًا وَ «حَيْثُ» لِلْمَكَانِ الْمُبْهَمِ أَيْ أَيَّ مَكَانٍ مِنَ الْجَنَّةِ شِئْتُمَا، فَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ إِطْلَاقُ الْأَكْلِ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّوْسِعَةِ الْبَالِغَةِ حَيْثُ لَمْ يَحْظُرْ عَلَيْهِمَا بَعْضَ الْأَكْلِ وَلَا بَعْضَ الْمَوَاضِعِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُمَا عُذْرٌ فِي التَّنَاوُلِ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ بَيْنِ أشجارها الكثيرة.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ تَعَالَى قال هاهنا: وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا وَقَالَ فِي الْأَعْرَافِ: فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما [الْأَعْرَافِ: 19] فَعَطَفَ كُلا عَلَى قَوْلِهِ: اسْكُنْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِالْوَاوِ وَفِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ بِالْفَاءِ فَمَا الْحِكْمَةُ؟ وَالْجَوَابُ: كُلُّ فِعْلٍ عُطِفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَكَانَ الْفِعْلُ بِمَنْزِلَةِ الشرط، وذلك الشيء بمنزلة الجزء عُطِفَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِالْفَاءِ دُونَ الْوَاوِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً [الْبَقَرَةِ: 58] فَعَطَفَ كُلُوا عَلَى ادْخُلُوا بِالْفَاءِ لَمَّا كَانَ وُجُودُ الْأَكْلِ مِنْهَا مُتَعَلِّقًا بِدُخُولِهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ إِنْ أُدْخِلْتُمُوهَا أَكَلْتُمْ مِنْهَا، فَالدُّخُولُ مُوصِّلٌ إِلَى الْأَكْلِ، وَالْأَكْلُ مُتَعَلِّقٌ وُجُودُهُ بِوُجُودِهِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ [الْأَعْرَافِ: 161] ، فَعَطَفَ كُلُوا عَلَى قَوْلِهِ اسْكُنُوا بِالْوَاوِ دُونَ الْفَاءِ لِأَنَّ اسْكُنُوا مِنَ السُّكْنَى وَهِيَ الْمُقَامُ مَعَ طُولِ اللُّبْثِ وَالْأَكْلُ لَا يَخْتَصُّ وُجُودُهُ بِوُجُودِهِ لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ بُسْتَانًا قَدْ يَأْكُلُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مُجْتَازًا فَلَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقُ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ تَعَلَّقَ الْجَزَاءُ بِالشَّرْطِ وَجَبَ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ دُونَ الْفَاءِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ اسْكُنْ يُقَالُ لِمَنْ دَخَلَ مَكَانًا فَيُرَادُ مِنْهُ الْزَمِ الْمَكَانَ الَّذِي دَخَلْتَهُ وَلَا تَنْتَقِلْ عَنْهُ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَنْ لَمْ يَدْخُلْ اسْكُنْ هَذَا الْمَكَانَ يَعْنِي ادْخُلْهُ وَاسْكُنْ فِيهِ، فَفِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ هَذَا الْأَمْرُ إِنَّمَا وَرَدَ بَعْدَ أَنْ كَانَ آدَمُ فِي الْجَنَّةِ فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ اللُّبْثَ وَالِاسْتِقْرَارَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَكْلَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَا جَرَمَ وَرَدَ بِلَفْظِ الْوَاوِ. وَفِي سورة الأعراف هذا الأمر إنما ورد قيل: أن دخل الْجَنَّةَ فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ دُخُولَ الْجَنَّةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَكْلَ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَا جَرَمَ وَرَدَ بِلَفْظِ الْفَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ لَا شُبْهَةَ فِي أَنَّهُ نَهْيٌ وَلَكِنْ فِيهِ بَحْثَانِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ أَوْ نَهْيُ تَنْزِيهٍ فيه خلاف، فقال قائلون: هذه الصيغة النهي/ التَّنْزِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ وَرَدَتْ تَارَةً فِي التَّنْزِيهِ وَأُخْرَى فِي التَّحْرِيمِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ فَلَا بُدَّ مِنْ جَعْلِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ حَقِيقَةً فِي تَرْجِيحِ جَانِبِ التَّرْكِ عَلَى جَانِبِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الْفِعْلِ أَوْ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِيهِ، لَكِنَّ الْإِطْلَاقَ فِيهِ كَانَ ثَابِتًا بِحُكْمِ الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِبَاحَةُ، فَإِذَا ضَمَمْنَا مَدْلُولَ اللَّفْظِ إِلَى هَذَا الْأَصْلِ صَارَ الْمَجْمُوعُ دَلِيلًا عَلَى التَّنْزِيهِ، قَالُوا: وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى بِهَذَا الْمَقَامِ لِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَرْجِعُ حَاصِلُ مَعْصِيَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى تَرْكِ الْأَوْلَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَذْهَبٍ كَانَ أَفْضَى إِلَى عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كَانَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذَا النَّهْيُ نَهْيُ تَحْرِيمٍ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأُمُورٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ كَقَوْلِهِ: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [الْبَقَرَةِ: 222] وَقَوْلِهِ: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الْأَنْعَامِ: 152] فَكَمَا أَنَّ هَذَا لِلتَّحْرِيمِ فَكَذَا الْأَوَّلُ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ قَالَ: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ [الْبَقَرَةِ: 35] مَعْنَاهُ إِنْ أَكَلْتُمَا مِنْهَا فَقَدْ ظَلَمْتُمَا أَنْفُسَكُمَا أَلَا تَرَاهُمَا لَمَّا أَكَلَا قَالَا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الْأَعْرَافِ: 23] . وَثَالِثُهَا: أَنَّ هَذَا النَّهْيَ لَوْ كَانَ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَمَا اسْتَحَقَّ آدَمُ بِفِعْلِهِ الْإِخْرَاجَ مِنَ الْجَنَّةِ وَلَمَا وَجَبَتِ التَّوْبَةُ عَلَيْهِ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ نَقُولُ: إِنَّ النَّهْيَ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ لِلتَّنْزِيهِ وَلَكِنَّهُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى التَّحْرِيمِ لِدَلَالَةٍ مُنْفَصِلَةٍ، وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ أَيْ فَتَظْلِمَا أَنْفُسَكُمَا بِفِعْلِ مَا الْأَوْلَى بِكُمَا تَرْكُهُ لِأَنَّكُمَا إِذَا فَعَلْتُمَا ذَلِكَ أُخْرِجْتُمَا مِنَ الجنة التي لا تظمئان فِيهَا وَلَا تَجُوعَانِ وَلَا تَضْحَيَانِ وَلَا تَعْرَيَانِ إِلَى مَوْضِعٍ لَيْسَ لَكُمَا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِخْرَاجَ مِنَ الْجَنَّةِ كَانَ لِهَذَا السَّبَبِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْبَحْثُ الثَّانِي: قَالَ قَائِلُونَ قَوْلُهُ: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ يُفِيدُ بِفَحْوَاهُ النَّهْيَ عَنِ الْأَكْلِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْقُرْبِ لَا يُفِيدُ النَّهْيَ عَنِ الْأَكْلِ إِذْ رُبَّمَا كَانَ الصَّلَاحُ فِي تَرْكِ قُرْبِهَا مَعَ أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ إِلَيْهِ لَجَازَ لَهُ أَكْلُهُ، بَلْ هَذَا الظَّاهِرُ يَتَنَاوَلُ النَّهْيَ عَنِ الْقُرْبِ. وَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْأَكْلِ فَإِنَّمَا عُرِفَ بِدَلَائِلَ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما [الْأَعْرَافِ: 22] وَلِأَنَّهُ صَدَّرَ الْكَلَامَ فِي بَابِ الْإِبَاحَةِ بِالْأَكْلِ فَقَالَ: وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما فَصَارَ ذَلِكَ كَالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى نَهَاهُمَا عَنْ أَكْلِ ثَمَرَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ لَكِنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِهَذَا الْقَوْلِ يَعُمُّ الْأَكْلَ وَسَائِرَ الِانْتِفَاعَاتِ وَلَوْ نَصَّ عَلَى الْأَكْلِ مَا كَانَ يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ فَفِيهِ مَزِيدُ فَائِدَةٍ: الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الشَّجَرَةِ مَا هِيَ، فَرَوَى مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما أَنَّهَا الْبُرُّ وَالسُّنْبُلَةُ. وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشَّجَرَةِ فَقَالَ: هِيَ الشَّجَرَةُ الْمُبَارَكَةُ السُّنْبُلَةُ. وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا الْكَرْمُ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهَا التِّينُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: كَانَتْ شَجَرَةً مَنْ أَكَلَ مِنْهَا أَحْدَثَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْجَنَّةِ حَدَثٌ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الظَّاهِرِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْيِينِ فَلَا حَاجَةَ أَيْضًا إِلَى بَيَانِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يُعَرِّفَنَا عَيْنَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَمَا لَا يَكُونُ مَقْصُودًا فِي/ الْكَلَامِ، لَا يَجِبُ عَلَى الْحَكِيمِ أَنْ يُبَيِّنَهُ بَلْ رُبَّمَا كَانَ بَيَانُهُ عَبَثًا لِأَنَّ أَحَدَنَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْعُذْرَ لِغَيْرِهِ فِي التَّأَخُّرِ فَقَالَ: شُغِلْتُ بِضَرْبِ غِلْمَانِي لِإِسَاءَتِهِمُ الْأَدَبَ لَكَانَ هَذَا الْقَدْرُ أَحْسَنَ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ عَيْنَ هَذَا الْغُلَامِ وَيَذْكُرَ اسْمَهُ وَصِفَتَهُ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ وَقَعَ هاهنا تَقْصِيرٌ فِي الْبَيَانِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمُ الْأَقْرَبُ فِي لَفْظِ الشَّجَرَةِ أَنْ يَتَنَاوَلَ مَا لَهُ سَاقٌ وَأَغْصَانٌ، وَقِيلَ لَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ [الصَّافَّاتِ: 146] مَعَ أَنَّهَا كَالزَّرْعِ وَالْبِطِّيخِ فَلَمْ يُخْرِجْهُ ذَهَابُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَجَرًا، قَالَ الْمُبَرِّدُ: وَأَحْسَبُ أَنَّ كُلَّ مَا تَفَرَّعَتْ لَهُ أَغْصَانٌ وَعِيدَانٌ فَالْعَرَبُ تُسَمِّيهِ شَجَرًا فِي وَقْتِ تَشَعُّبِهِ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّهُ كُلُّ مَا شَجَرَ أَيْ أَخَذَ يُمْنَةً وَيُسْرَةً يُقَالُ: رأيت فلاناً في شَجَرَتُهُ الرِّمَاحُ. وَقَالَ تَعَالَى: حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النِّسَاءِ: 65] وَتَشَاجَرَ الرَّجُلَانِ فِي أَمْرِ كَذَا. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ هُوَ أَنَّكُمَا إِنْ أَكَلْتُمَا فَقَدْ ظَلَمْتُمَا أَنْفُسَكُمَا لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنَ الشَّجَرَةِ ظُلْمُ الْغَيْرِ، وَقَدْ يَكُونُ ظَالِمًا بِأَنْ يَظْلِمَ نَفْسَهُ وَبِأَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ، فَظُلْمُ النفس أعم وأعظم. ثم اختلف الناس هاهنا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: قَوْلُ الْحَشَوِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ أَقْدَمَ عَلَى الْكَبِيرَةِ فَلَا جَرَمَ كان فعله ظلماً، الثاني: قوله الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ أَقْدَمَ عَلَى الصَّغِيرَةِ ثُمَّ لِهَؤُلَاءِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ وَهُوَ أَنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِأَنْ أَلْزَمَهَا مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْبَةِ وَالتَّلَافِي، وَثَانِيهِمَا: قَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ وَهُوَ أَنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ مِنْ حَيْثُ أَحْبَطَ بَعْضَ ثَوَابِهِ الْحَاصِلِ فَصَارَ ذَلِكَ نَقْصًا فِيمَا قَدِ اسْتَحَقَّهُ، الثَّالِثُ: قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ صُدُورَ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُمْ مُطْلَقًا وَحَمَلَ هَذَا الظُّلْمَ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ مَا الْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ. وَمِثَالُهُ إِنْسَانٌ طَلَبَ الْوِزَارَةَ ثُمَّ إِنَّهُ تَرَكَهَا وَاشْتَغَلَ بِالْحِيَاكَةِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: يَا ظَالِمَ نَفْسِهِ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ وَصْفُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ أَوْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِي أَنْفُسَهُمْ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ الذم.
[سورة البقرة (2) : آية 36]
[سورة البقرة (2) : آية 36] فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (36) قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها تَحْقِيقُهُ، فَأَصْدَرَ الشَّيْطَانُ زَلَّتَهُمَا عَنْهَا وَلَفْظَةُ «عَنْ» فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَهِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الْكَهْفِ: 82] قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هُوَ مِنَ الزَّلَلِ يَكُونُ الْإِنْسَانُ ثَابِتَ الْقَدَمِ عَلَى الشَّيْءِ، فَيَزِلُّ عَنْهُ وَيَصِيرُ مُتَحَوِّلًا عَنْ ذَلِكَ الموضع، ومن قرأ فأزالهما فَهُوَ مِنَ الزَّوَالِ عَنِ الْمَكَانِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ: يُقَالُ أَزَلْتُكَ عَنْ كَذَا/ حَتَّى زِلْتَ عَنْهُ وَأَزْلَلْتُكَ حَتَّى زَلَلْتَ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، أَيْ: حَوَّلْتُكَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ أَيِ اسْتَزَلَّهُمَا، فَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ زَلَّ فِي دِينِهِ إِذَا أَخْطَأَ وَأَزَلَّهُ غَيْرُهُ إِذَا سَبَّبَ لَهُ مَا يَزِلُّ مِنْ أَجْلِهِ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْآيَةِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَضَبْطُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْبَابِ يَرْجِعُ إِلَى أَقْسَامٍ أَرْبَعَةٍ: أَحَدُهَا: مَا يَقَعُ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ، وَثَانِيهَا: مَا يَقَعُ فِي بَابِ التَّبْلِيغِ، وَثَالِثُهَا: مَا يَقَعُ فِي بَابِ الْأَحْكَامِ وَالْفُتْيَا، وَرَابِعُهَا: مَا يَقَعُ فِي أَفْعَالِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ. أَمَّا اعْتِقَادُهُمُ الْكُفْرَ وَالضَّلَالَ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ أَكْثَرَ الْأُمَّةِ. وَقَالَتِ الْفَضِيلِيَّةُ مِنَ الْخَوَارِجِ: إِنَّهُمْ قَدْ وَقَعَتْ مِنْهُمُ الذُّنُوبُ، وَالذَّنْبُ عِنْدَهُمْ كُفْرٌ وَشِرْكٌ، فَلَا جَرَمَ قَالُوا بِوُقُوعِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ، وَأَجَازَتِ الْإِمَامِيَّةُ عَلَيْهِمْ إِظْهَارَ الْكُفْرِ عَلَى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ. أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى كَوْنِهِمْ مَعْصُومِينَ عَنِ الْكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، وَإِلَّا لَارْتَفَعَ الْوُثُوقُ بِالْأَدَاءِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مِنْهُمْ عَمْدًا كَمَا لَا يَجُوزُ أَيْضًا سَهْوًا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ سَهْوًا، قَالُوا: لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ. وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفُتْيَا فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ خَطَؤُهُمْ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ التَّعَمُّدِ، وَأَمَّا عَلَى سَبِيلِ السَّهْوِ فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ وَأَبَاهُ آخَرُونَ. وَأَمَّا النَّوْعُ الرَّابِعُ: وَهُوَ الَّذِي يَقَعُ فِي أَفْعَالِهِمْ، فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأُمَّةُ فِيهِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ. أَحَدُهَا: قَوْلُ مَنْ جَوَّزَ عَلَيْهِمُ الْكَبَائِرَ عَلَى جِهَةِ الْعَمْدِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَشَوِيَّةِ. وَالثَّانِي: قَوْلُ مَنْ لَا يُجَوِّزُ عَلَيْهِمُ الْكَبَائِرَ لَكِنَّهُ يُجَوِّزُ عَلَيْهِمُ الصَّغَائِرَ عَلَى جِهَةِ الْعَمْدِ إِلَّا مَا يُنَفِّرُ كَالْكَذِبِ وَالتَّطْفِيفِ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتُوا بِصَغِيرَةٍ وَلَا بِكَبِيرَةٍ عَلَى جِهَةِ الْعَمْدِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ عَلَى جِهَةِ التَّأْوِيلِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُبَّائِيِّ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْهُمُ الذَّنْبُ إِلَّا عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ وَالْخَطَأِ ولكنهم مأخوذون بِمَا يَقَعُ مِنْهُمْ عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَوْضُوعًا عَنْ أُمَّتِهِمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُمْ أَقْوَى وَدَلَائِلَهُمْ أَكْثَرُ، وَأَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ مِنَ التَّحَفُّظِ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ. الْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْهُمُ الذَّنْبُ لَا الْكَبِيرَةُ وَلَا الصَّغِيرَةُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْقَصْدِ وَلَا عَلَى سَبِيلِ السَّهْوِ وَلَا عَلَى سَبِيلِ التَّأْوِيلِ وَالْخَطَأِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الرَّافِضَةِ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وَقْتِ الْعِصْمَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مَنْ وَقْتِ مَوْلِدِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ الرَّافِضَةِ، وَثَانِيهَا: قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ وَقْتَ عِصْمَتِهِمْ وَقْتُ بُلُوغِهِمْ وَلَمْ يُجَوِّزُوا مِنْهُمُ ارْتِكَابَ الْكُفْرِ وَالْكَبِيرَةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَثَالِثُهَا: قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَقْتَ النُّبُوَّةِ، أَمَّا قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَجَائِزٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَقَوْلُ أَبِي الْهُذَيْلِ وَأَبِي عَلِيٍّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ/ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمُ الذَّنْبُ حَالَ النُّبُوَّةِ أَلْبَتَّةَ لَا الْكَبِيرَةُ وَلَا
الصَّغِيرَةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: لَوْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُمْ لَكَانُوا أَقَلَّ دَرَجَةً مِنْ عُصَاةِ الْأُمَّةِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ دَرَجَةَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ فِي غَايَةِ الْجَلَالِ وَالشَّرَفِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ صُدُورُ الذَّنْبِ عَنْهُ أَفْحَشَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ، [الْأَحْزَابِ: 30] وَالْمُحْصَنُ يُرْجَمُ وَغَيْرُهُ يُحَدُّ، وَحَدُّ الْعَبْدِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ أَقَلَّ حَالًا مِنَ الْأُمَّةِ فَذَاكَ بِالْإِجْمَاعِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ بِتَقْدِيرِ إِقْدَامِهِ عَلَى الْفِسْقِ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الْحُجُرَاتِ: 6] لَكِنَّهُ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ، وَإِلَّا كَانَ أَقَلَّ حَالًا مِنْ عُدُولِ الْأُمَّةِ، وَكَيْفَ لَا نَقُولُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ إِلَّا أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ شَرَعَ هَذَا الْحُكْمَ وَذَاكَ، وَأَيْضًا فَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَاهِدٌ عَلَى الْكُلِّ لِقَوْلِهِ: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [الْبَقَرَةِ: 143] . وَثَالِثُهَا: أَنَّ بِتَقْدِيرِ إِقْدَامِهِ عَلَى الْكَبِيرَةِ يَجِبُ زَجْرُهُ عَنْهَا، فَلَمْ يَكُنْ إِيذَاؤُهُ مُحَرَّمًا لَكِنَّهُ مُحَرَّمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [الْأَحْزَابِ: 57] . وَرَابِعُهَا: أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَتَى بِالْمَعْصِيَةِ لَوَجَبَ عَلَيْنَا الاقتداء به فيها لقوله تعالى: فَاتَّبِعُونِي [آل عمران: 31] فَيُفْضِي إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالْوُجُوبِ وَهُوَ محال، وإذا ثبت ذلك حَقِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَ أَيْضًا فِي سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّا نَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ أَقْبَحَ مِنْ نَبِيٍّ رَفَعَ اللَّهَ دَرَجَتَهُ وَائْتَمَنَهُ عَلَى وَحْيِهِ وَجَعَلَهُ خَلِيفَةً فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ يَسْمَعُ رَبَّهُ يُنَادِيهِ: لَا تَفْعَلْ كَذَا فَيُقْدِمُ عَلَيْهِ تَرْجِيحًا لِلَذَّتِهِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى نَهْيِ رَبِّهِ وَلَا مُنْزَجِرٍ بِوَعِيدِهِ. هَذَا مَعْلُومُ الْقُبْحِ بِالضَّرُورَةِ. وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ لَوْ صَدَرَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَكَانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها [الْجِنِّ: 23] وَلَا اسْتَحَقُّوا اللَّعْنَ لِقَوْلِهِ: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هُودٍ: 18] وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلَّعْنِ وَلَا لِلْعَذَابِ فَثَبَتَ أَنَّهُ مَا صَدَرَتِ الْمَعْصِيَةُ عَنْهُ. وَسَابِعُهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَلَوْ لَمْ يُطِيعُوهُ لَدَخَلُوا تَحْتَ قَوْلِهِ: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الْبَقَرَةِ: 44] . وَقَالَ: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ [هُودٍ: 88] ، فَمَا لا يلق بِوَاحِدٍ مِنْ وُعَّاظِ الْأُمَّةِ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَثَامِنُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ [الْأَنْبِيَاءِ: 90] ، وَلَفْظُ الْخَيْرَاتِ لِلْعُمُومِ فَيَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَيَدْخُلُ فِيهِ فِعْلُ مَا يَنْبَغِي وَتَرْكُ مَا لَا يَنْبَغِي، فَثَبَتَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا فَاعِلِينَ لِكُلِّ مَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ وَتَارِكِينَ كُلَّ مَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ، وَذَلِكَ يُنَافِي صُدُورَ الذَّنْبِ عَنْهُمْ. وَتَاسِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ [ص: 47] ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الاستثناء فيقال: فلاناً مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ إِلَّا فِي الْفِعْلَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَالِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ تَحْتَهُ، فَثَبَتَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَخْيَارًا فِي كُلِّ الْأُمُورِ، وَذَلِكَ يُنَافِي صُدُورَ الذَّنْبِ عَنْهُمْ. وَقَالَ: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الْحَجِّ: 75] ، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ/ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 33] . وَقَالَ فِي إِبْرَاهِيمَ: وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا [الْبَقَرَةِ: 130] . وَقَالَ فِي مُوسَى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي [الْأَعْرَافِ: 144] . وَقَالَ: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ [ص: 45- 47] . فَكُلُّ هَذِهِ الْآيَاتِ دَالَّةٌ عَلَى كَوْنِهِمْ مَوْصُوفِينَ بِالِاصْطِفَاءِ وَالْخَيْرِيَّةِ، وَذَلِكَ يُنَافِي صُدُورَ الذَّنْبِ عَنْهُمْ. عَاشِرُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْ إِبْلِيسَ قَوْلَهُ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ
الْمُخْلَصِينَ [ص: 82- 83] ، فَاسْتَثْنَى مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يُغْوِيهِمُ الْمُخْلَصِينَ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. قَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص: 46] وَقَالَ فِي يُوسُفَ: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يُوسُفَ: 24] ، وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْعِصْمَةِ فِي حَقِّ الْبَعْضِ ثَبَتَ وُجُوبُهَا فِي حَقِّ الْكُلِّ لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. وَالْحَادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سَبَأٍ: 20] ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ مَا اتَّبَعُوهُ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مَا صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُمْ وَإِلَّا فَقَدْ كَانُوا مُتَّبِعِينَ لَهُ، وَإِذَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ الْفَرِيقِ أَنَّهُمْ مَا أَذْنَبُوا فَذَلِكَ الْفَرِيقُ إِمَّا الْأَنْبِياءُ أَوْ غَيْرُهُمْ، فَإِنْ كَانُوا هُمُ الْأَنْبِيَاءَ فَقَدْ ثَبَتَ فِي النَّبِيِّ أَنَّهُ لَا يُذْنِبُ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَوْ ثَبَتَ فِي الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ أَذْنَبُوا لَكَانُوا أَقَلَّ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الْفَرِيقِ، فَيَكُونُ غَيْرُ النَّبِيِّ أَفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ فَثَبَتَ أَنَّ الذَّنْبَ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ. الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّهُ تَعَالَى قَسَمَ الْخَلْقَ قِسْمَيْنِ فَقَالَ: أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ [الْمُجَادَلَةِ: 19] وَقَالَ فِي الصِّنْفِ الْآخَرِ، أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الْمُجَادَلَةِ: 22] وَلَا شَكَّ أَنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يَرْتَضِيهِ الشَّيْطَانُ، وَالَّذِي يَرْتَضِيهِ الشَّيْطَانُ هُوَ الْمَعْصِيَةُ، فَكُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى كَانَ مِنْ حِزْبِ الشَّيْطَانِ، فَلَوْ صَدَرَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنَ الرَّسُولِ لَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ حِزْبِ الشَّيْطَانِ وَلَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنَ الْخَاسِرِينَ وَلَصَدَقَ عَلَى زُهَّادِ الْأُمَّةِ أَنَّهُمْ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ وَأَنَّهُمْ مِنَ الْمُفْلِحِينَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ الْوَاحِدُ مِنَ الْأُمَّةِ أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الرَّسُولِ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ. الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ الرَّسُولَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَكِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصْدُرَ الذَّنْبُ مِنَ الرَّسُولِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 33] ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ فَضْلِ الْمَلَكِ عَلَى الْبَشَرِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ لَمَّا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَصْدُرَ الذَّنْبُ عَنِ الرَّسُولِ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْمَلَائِكَةَ بِتَرْكِ الذَّنْبِ فَقَالَ: لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [الْأَنْبِيَاءِ: 27] . وَقَالَ: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التَّحْرِيمِ: 6] ، فَلَوْ صَدَرَتِ الْمَعْصِيَةُ عَنِ الرَّسُولِ لَامْتَنَعَ كَوْنُهُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: 28] . الرَّابِعَ عَشَرَ: رُوِيَ أَنَّ خُزَيْمَةَ بْنَ ثَابِتٍ شَهِدَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَفْقِ دَعْوَاهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ شَهِدْتَ لِي» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُصَدِّقُكَ عَلَى الْوَحْيِ النَّازِلِ عَلَيْكَ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ أَفَلَا أُصَدِّقُكَ فِي هَذَا الْقَدْرِ؟ فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ/ وَسَمَّاهُ بِذِي الشَّهَادَتَيْنِ وَلَوْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ جَائِزَةً عَلَى الْأَنْبِيَاءِ لَمَا جَازَتْ تِلْكَ الشَّهَادَةُ. الْخَامِسَ عَشَرَ: قَالَ فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [الْبَقَرَةِ: 124] وَالْإِمَامُ مَنْ يُؤْتَمُّ بِهِ فَأَوْجَبَ عَلَى كُلِّ النَّاسِ أَنْ يَأْتَمُّوا بِهِ فَلَوْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتَمُّوا بِهِ فِي ذَلِكَ الذَّنْبِ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى التَّنَاقُضِ. السَّادِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [الْبَقَرَةِ: 124] وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْعَهْدِ إِمَّا عَهْدُ النُّبُوَّةِ أَوْ عَهْدُ الْإِمَامَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عَهْدَ النُّبُوَّةِ وَجَبَ أَنْ لَا تَثْبُتَ النُّبُوَّةُ لِلظَّالِمِينَ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عَهْدَ الإمامة وجب أن لا نثبت الْإِمَامَةُ لِلظَّالِمِينَ وَإِذَا لَمْ تَثْبُتِ الْإِمَامَةُ لِلظَّالِمِينَ وَجَبَ أَنْ لَا تَثْبُتَ النُّبُوَّةُ لِلظَّالِمِينَ، لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ إِمَامًا يُؤْتَمُّ بِهِ وَيُقْتَدَى بِهِ. وَالْآيَةُ عَلَى جَمِيعِ التَّقْدِيرَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ لَا يَكُونُ مذنباً، أما
الْمُخَالِفُ فَقَدْ تَمَسَّكَ فِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِآيَاتٍ وَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَى مَعَاقِدِهَا وَنُحِيلُ بِالِاسْتِقْصَاءِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي هَذَا التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: أَمَّا الْآيَاتُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ فَثَلَاثَةٌ، أَوَّلُهَا: تَمَسَّكُوا بِالطَّعْنِ فِي اعْتِقَادِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها [الْأَعْرَافِ: 189] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. قَالُوا: لَا شَكَّ أَنَّ النَّفْسَ الْوَاحِدَةَ هِيَ آدَمُ وَزَوْجَهَا الْمَخْلُوقَ مِنْهَا هِيَ حَوَّاءُ، فَهَذِهِ الْكِنَايَاتُ بِأَسْرِهَا عَائِدَةٌ إِلَيْهِمَا فَقَوْلُهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الْأَعْرَافِ: 190] يَقْتَضِي صُدُورَ الشِّرْكِ عَنْهُمَا، وَالْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّفْسَ الْوَاحِدَةَ هِيَ آدَمُ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ نَقُولُ: الْخِطَابُ لِقُرَيْشٍ وَهُمْ آلُ قُصَيٍّ وَالْمَعْنَى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسِ قُصَيٍّ وَجَعَلَ مِنْ جِنْسِهَا زَوْجَةً عَرَبِيَّةً لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا آتَاهُمَا مَا طَلَبَا مِنَ الْوَلَدِ الصَّالِحِ سَمَّيَا أَوْلَادَهُمَا الْأَرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنَافٍ وَعَبْدِ الْعُزَّى وَعَبْدِ الدَّارِ وَعَبْدِ قُصَيٍّ، وَالضَّمِيرُ فِي يُشْرِكُونَ لَهُمَا وَلِأَعْقَابِهِمَا فَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَثَانِيهَا: قَالُوا إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ قَالَ فِي الْكَوَاكِبِ هَذَا رَبِّي، [الْأَنْعَامِ: 77] ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَوْلُهُ: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [الْبَقَرَةِ: 260] ، وَالْجَوَابُ: أَمَّا قَوْلُهُ: هَذَا رَبِّي فَهُوَ اسْتِفْهَامٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ، وَثَالِثُهَا: تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ [يُونُسَ: 94] ، فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي شَكٍّ مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقَلْبَ فِي دَارِ الدُّنْيَا لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْأَفْكَارِ الْمُسْتَعْقِبَةِ لِلشُّبَهَاتِ إِلَّا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُزِيلُهَا بِالدَّلَائِلِ. أَمَّا الْآيَاتُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا فِي بَابِ التَّبْلِيغِ فَثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ [الْأَعْلَى: 6، 8] فَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ النِّسْيَانِ فِي الْوَحْيِ، الْجَوَابُ: لَيْسَ النَّهْيُ عَنِ النِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الذِّكْرِ، لِأَنَّ ذَاكَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْوُسْعِ بَلْ عَنِ النِّسْيَانِ بِمَعْنَى التَّرْكِ فَنَحْمِلُهُ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى. وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الْحَجِّ: 52] ، / وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ الْحَجِّ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ، وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [الْجِنِّ: 26- 28] . قَالُوا: فَلَوْلَا الْخَوْفُ مِنْ وُقُوعِ التَّخْلِيطِ فِي تَبْلِيغِ الْوَحْيِ مِنْ جِهَةِ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَكُنْ فِي الِاسْتِظْهَارِ بِالرَّصَدِ الْمُرْسَلِ مَعَهُمْ فَائِدَةٌ، وَالْجَوَابُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفَائِدَةُ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ الرَّصْدُ الشَّيَاطِينَ عَنْ إِلْقَاءِ الْوَسْوَسَةِ. أَمَّا الْآيَاتُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا فِي الْفُتْيَا فَثَلَاثَةٌ، أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ [الْأَنْبِيَاءِ: 78] ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ. وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ حِينَ فَادَاهَمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الْأَنْفَالِ: 67] ، فَلَوْلَا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ وَإِلَّا لَمَا عُوتِبَ، وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التَّوْبَةِ: 43] ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْكُلِّ: أَنَّا نَحْمِلُهُ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى. أَمَّا الْآيَاتُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا فِي الْأَفْعَالِ فَكَثِيرَةٌ، أَوَّلُهَا: قِصَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، تَمَسَّكُوا بِهَا مِنْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّهُ كَانَ عَاصِيًا وَالْعَاصِي لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ كَانَ عَاصِيًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: 121] وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْعَاصِيَ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّصَّ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُعَاقَبًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [الْجِنِّ: 23] فَلَا مَعْنَى لِصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ إِلَّا ذَلِكَ، الثَّانِي: أَنَّ الْعَاصِيَ اسْمُ ذَمٍّ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ إِلَّا صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ، الْوَجْهُ الثَّانِي فِي التَّمَسُّكِ بِقِصَّةِ آدَمَ أَنَّهُ كَانَ غَاوِيًا لقوله تعالى فَغَوى وَالْغَيُّ ضِدُّ الرُّشْدِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [الْبَقَرَةِ: 256] ، فَجَعَلَ الْغَيَّ مُقَابِلًا لِلرُّشْدِ، الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَائِبٌ وَالتَّائِبُ مُذْنِبٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ تَائِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [الْبَقَرَةِ: 37] وَقَالَ: ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ [طه: 122] وَإِنَّمَا قُلْنَا: التَّائِبُ مُذْنِبٌ لِأَنَّ التَّائِبَ هُوَ النَّادِمُ عَلَى فِعْلِ الذَّنْبِ، وَالنَّادِمُ عَلَى فِعْلِ الذنب مخبر عن كونه فاعلًا للذنب، فَإِنْ كَذَبَ فِي ذَلِكَ الْإِخْبَارِ فَهُوَ مُذْنِبٌ بِالْكَذِبِ، وَإِنْ صَدَقَ فِيهِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ ارْتَكَبَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الْأَعْرَافِ: 22] ، وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [الْأَعْرَافِ: 19] ، وَارْتِكَابُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَيْنُ الذَّنْبِ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: سَمَّاهُ ظَالِمًا فِي قَوْلِهِ: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ [الْبَقَرَةِ: 35] وَهُوَ سَمَّى نَفْسَهُ ظَالِمًا فِي قَوْلِهِ: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الْأَعْرَافِ: 23] وَالظَّالِمُ مَلْعُونٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هُودٍ: 18] وَمَنِ اسْتَحَقَّ اللَّعْنَ كَانَ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ. الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ لَوْلَا مَغْفِرَةُ اللَّهِ إِيَّاهُ وَإِلَّا لَكَانَ خَاسِرًا فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الْأَعْرَافِ: 23] ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ. وَسَابِعُهَا: أَنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ بِسَبَبِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَإِزْلَالِهِ جَزَاءً عَلَى مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ، ثُمَّ قَالُوا: هَبْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ فَاعِلًا لِلْكَبِيرَةِ، لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا لَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ قَاطِعًا فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الشَّيْءِ/ لَكِنَّ مَجْمُوعَ تِلْكَ الْوُجُوهِ يَكُونُ دَالًّا عَلَى الشَّيْءِ. وَالْجَوَابُ الْمُعْتَمَدُ عَنِ الْوُجُوهِ السَّبْعَةِ عِنْدَنَا أَنْ نَقُولَ: كَلَامُكُمْ إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ أَتَيْتُمْ بِالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَالَ النُّبُوَّةِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إن آدم عليه السلام حالما صَدَرَتْ عَنْهُ هَذِهِ الزَّلَّةُ مَا كَانَ نَبِيًّا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ صَارَ نَبِيًّا وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ. وَأَمَّا الِاسْتِقْصَاءُ فِي الْجَوَابِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوُجُوهِ الْمُفَصَّلَةِ فَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ الْكَلَامِ فِي تَفْسِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ من هذه الآيات. ولنذكر هاهنا كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الزَّلَّةِ لِيَظْهَرَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى من قوله: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ [البقرة: 36] فَنَقُولُ لِنَفْرِضْ أَنَّهُ صَدَرَ ذَلِكَ الْفِعْلُ عَنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَإِقْدَامُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَالَ كَوْنِهِ نَاسِيًا أَوْ حَالَ كَوْنِهِ ذَاكِرًا، أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنَّهُ فَعَلَهُ نَاسِيًا فَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: 115] وَمَثَّلُوهُ بِالصَّائِمِ يَشْتَغِلُ بِأَمْرٍ يَسْتَغْرِقُهُ وَيَغْلِبُ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ سَاهِيًا عَنِ الصَّوْمِ وَيَأْكُلُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ السَّهْوِ [لَا] عَنْ قَصْدٍ، لَا يُقَالُ هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ، وَقَوْلَهُ: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الْأَعْرَافِ: 20- 21] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا نَسِيَ النَّهْيَ حَالَ الْإِقْدَامِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَعَمَّدَ لِأَنَّهُ قَالَ لَمَّا أَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا خَرَجَ آدَمُ فَتَعَلَّقَتْ بِهِ شَجَرَةٌ مِنْ شَجَرِ الجنة، فحسسته فَنَادَاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَفِرَارًا مِنِّي، فَقَالَ: بَلْ حَيَاءً مِنْكَ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا كَانَ فِيمَا مَنَحْتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْدُوحَةٌ عَمَّا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنِّي وَعِزَّتِكَ مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا يَحْلِفُ بِكَ كَاذِبًا، فَقَالَ: وَعِزَّتِي لَأُهْبِطَنَّكَ مِنْهَا ثُمَّ لَا تَنَالُ الْعَيْشَ إِلَّا كَدًّا. الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ نَاسِيًا لَمَا عُوتِبَ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ الْعَقْلِ فَلِأَنَّ النَّاسِيَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْفِعْلِ، فَلَا يَكُونُ مُكَلَّفًا
بِهِ لِقَوْلِهِ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [الْبَقَرَةِ: 286] وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» ، فَلَمَّا عُوتِبَ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ النِّسْيَانِ. لِأَنَّا نَقُولُ: أَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ قَبِلَا مِنْ إِبْلِيسَ ذَلِكَ الْكَلَامَ وَلَا صَدَّقَاهُ فِيهِ، لِأَنَّهُمَا لَوْ صَدَّقَاهُ لَكَانَتْ مَعْصِيَتُهُمَا فِي هَذَا التَّصْدِيقِ أَعْظَمَ مِنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ، لَأَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا قَالَ لَهُمَا: مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ. فَقَدْ أَلْقَى إِلَيْهِمَا سُوءَ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَدَعَاهُمَا إِلَى تَرْكِ التَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ وَالرِّضَا بِحُكْمِهِ وَإِلَى أَنْ يَعْتَقِدَا فِيهِ كَوْنَ إِبْلِيسَ نَاصِحًا لَهُمَا وَأَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى قَدْ غَشَّهُمَا وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَعْظَمُ مِنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْمُعَاتَبَةُ فِي ذَلِكَ أَشَدَّ وَأَيْضًا كَانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَالِمًا بِتَمَرُّدِ إِبْلِيسَ عَنِ السُّجُودِ وَكَوْنِهِ مُبْغِضًا لَهُ وَحَاسِدًا لَهُ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنَ الْعَاقِلِ أَنَّ يَقْبَلَ قَوْلَ عَدُوِّهِ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّهُمَا أَقْدَمَا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ عِنْدَ ذَلِكَ الْكَلَامِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ آدَمَ كَانَ عَالِمًا بِعَدَاوَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى [طه: 117] . وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ أَثَرٌ مَرْوِيٌّ بِالْآحَادِ، فَكَيْفَ يُعَارِضُ الْقُرْآنَ؟ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: فَهُوَ أَنَّ الْعِتَابَ إِنَّمَا حَصَلَ عَلَى تَرْكِ/ التَّحَفُّظِ مِنْ أَسْبَابِ النِّسْيَانِ، وَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ السَّهْوِ مَوْضُوعٌ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُؤَاخَذُوا بِهِ، وَلَيْسَ بِمَوْضُوعٍ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ لِعِظَمِ خَطَرِهِمْ ومثلوه بقوله تعالى: يَا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [الْأَحْزَابِ: 32] ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الْأَحْزَابِ: 30] . وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» . وَقَالَ أَيْضًا: «إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوَعَكُ الرَّجُلَانِ مِنْكُمْ» ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُؤَثِّرَ عِظَمُ حَالِهِمْ وَعُلُوُّ مَنْزِلَتِهِمْ فِي حُصُولِ شَرْطٍ فِي تَكْلِيفِهِمْ دُونَ تَكْلِيفِ غَيْرِهِمْ؟ قُلْنَا أَمَا سَمِعْتَ: «حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ» ، وَلَقَدْ كَانَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّشْدِيدَاتِ فِي التَّكْلِيفِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى غَيْرِهِ. فَهَذَا فِي تَقْرِيرِ أَنَّهُ صَدَرَ ذَلِكَ عَنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ. وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ أَنَّ حَوَّاءَ سَقَتْهُ الْخَمْرَ حَتَّى سَكِرَ ثُمَّ فِي أَثْنَاءِ السُّكْرِ فَعَلَ ذَلِكَ. قَالُوا: وَهَذَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي تَنَاوُلِ كُلِّ الْأَشْيَاءِ سِوَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَإِذَا حَمَلْنَا الشَّجَرَةَ عَلَى الْبُرِّ، كَانَ مَأْذُونًا فِي تَنَاوُلِ الْخَمْرِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ خَمْرَ الْجَنَّةِ لَا يُسْكِرُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صِفَةِ خَمْرِ الْجَنَّةِ: لَا فِيها غَوْلٌ [الصَّافَّاتِ: 47] . أَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَلَهُ عَامِدًا فَهَهُنَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أحدها: أَنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ كَانَ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا القول وعلته. الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ عَمْدًا مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَ ذَلِكَ كَبِيرَةً مَعَ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ نبياً، وقد عرفت فساد هذا الْقَوْلُ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَلَهُ عَمْدًا، لَكِنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْوَجَلِ وَالْفَزَعِ وَالْإِشْفَاقِ مَا صَيَّرَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الصَّغِيرَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا بَاطِلٌ بِالدَّلَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِأَنَّ الْمُقْدِمَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَمْدًا وَإِنْ فَعَلَهُ مَعَ الْخَوْفِ إِلَّا أَنَّهُ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ عَاصِيًا مُسْتَحِقًّا لِلَّعْنِ وَالذَّمِّ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَلَا يَصِحُّ وَصْفُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُ بِالنِّسْيَانِ فِي قَوْلِهِ: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: 115] ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْعَمْدِيَّةَ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقْدَمَ عَلَى الْأَكْلِ بِسَبَبِ اجْتِهَادٍ أَخْطَأَ فِيهِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي كَوْنَ الذَّنْبِ كَبِيرَةً، بَيَانُ الِاجْتِهَادِ الْخَطَأِ أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَلَفْظُ هذِهِ قَدْ يُشَارُ بِهِ إِلَى الشَّخْصِ، وَقَدْ يُشَارُ بِهِ إِلَى النَّوْعِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخَذَ حَرِيرًا وَذَهَبًا بِيَدِهِ وَقَالَ: «هَذَانِ حِلٌّ لِإِنَاثِ أُمَّتِي حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِهِمْ» ، وَأَرَادَ بِهِ نَوْعَهُمَا، وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصلاة
والسلام توضأ مرة مَرَّةً وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ» وَأَرَادَ نَوْعَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [البقرة: 35] [الأعراف: 19] ظَنَّ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ الْمُعَيَّنَةَ، فَتَرَكَهَا وَتَنَاوَلَ مِنْ شَجَرَةٍ أُخْرَى مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ الِاجْتِهَادِ لِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كَلِمَةِ هذِهِ كَانَ النَّوْعَ لَا الشَّخْصَ وَالِاجْتِهَادُ فِي الْفُرُوعِ، إِذَا كَانَ خَطَأً لَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْعِقَابِ وَاللَّعْنِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ صَغِيرَةً مَغْفُورَةً كَمَا فِي شَرْعِنَا، فَإِنْ قِيلَ: الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ كَلِمَةَ هَذَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الشَّيْءِ الْحَاضِرِ. وَالشَّيْءُ الْحَاضِرُ لَا يَكُونُ إِلَّا شَيْئًا مُعَيَّنًا، فَكَلِمَةُ هَذَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الشَّيْءِ/ الْمُعَيَّنِ فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا الْإِشَارَةُ إِلَى النَّوْعِ، فَذَاكَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَأَيْضًا فَلِأَنَّهُ تَعَالَى لَا تَجُوزُ الْإِشَارَةُ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بَعْضَ الْمَلَائِكَةِ بِالْإِشَارَةِ إِلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ، فَكَانَ مَا عَدَاهُ خَارِجًا عَنِ النَّهْيِ لَا مَحَالَةَ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْمُجْتَهِدُ مُكَلَّفٌ بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَمَلَ لَفْظَ هَذَا عَلَى الْمُعَيَّنِ كَانَ قَدْ فَعَلَ الْوَاجِبَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ حَمْلُهُ عَلَى النَّوْعِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُتَأَيَّدٌ بِأَمْرَيْنِ آخَرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ قوله: وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما [البقرة: 35] أَفَادَ الْإِذْنَ فِي تَنَاوُلِ كُلِّ مَا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَقْلَ يَقْتَضِي حِلَّ الِانْتِفَاعِ بِجَمِيعِ الْمَنَافِعِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَالدَّلِيلُ الْمُخَصِّصُ لَمْ يَدُلَّ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ، فَثَبَتَ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِسَائِرِ الْأَشْجَارِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا امْتَنَعَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِسَبَبِ هَذَا عِتَابًا وَأَنْ يُحْكُمَ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ مُخْطِئًا فَثَبَتَ أَنَّ حَمْلَ الْقِصَّةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، يُوجِبُ أَنْ يُحْكُمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَانَ مُصِيبًا لَا مُخْطِئًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ فَسَادُ هَذَا التَّأْوِيلِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ. هَبْ أَنَّ لَفْظَ هَذَا مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الشَّخْصِ وَالنَّوْعِ، وَلَكِنْ هَلْ قَرَنَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ النَّوْعُ دُونَ الشَّخْصِ أَوْ مَا فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَصَّرَ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْبَيَانِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ أَتَى بِالذَّنْبِ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فِي مَعْرِفَتِهِ بَلْ عَرَفَهُ فَقَدْ عَرَفَ حِينَئِذٍ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ النَّوْعُ، فَإِقْدَامُهُ عَلَى التَّنَاوُلِ مِنْ شَجَرَةٍ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ يَكُونُ إِقْدَامًا عَلَى الذَّنْبِ قَصْدًا. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لَا يَجُوزُ لَهُمُ الِاجْتِهَادُ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ إِقْدَامٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالظَّنِّ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَجُوزُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ، أَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَإِنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى تَحْصِيلِ الْيَقِينِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُمُ الِاجْتِهَادُ لِأَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالظَّنِّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِ الْيَقِينِ غَيْرُ جَائِزٍ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الِاجْتِهَادِ مَعْصِيَةٌ. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ أَوِ الظَّنِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْقَطْعِيَّاتِ كَانَ الْخَطَأُ فِيهَا كَبِيرًا وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْإِشْكَالُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الظَّنِّيَّاتِ فَإِنْ قُلْنَا إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْخَطَأُ فِيهَا أَصْلًا، وَإِنْ قُلْنَا الْمُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ وَالْمُخْطِئُ فِيهَا مَعْذُورٌ بِالِاتِّفَاقِ فَكَيْفَ صَارَ هَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْخَطَأِ سَبَبًا لِأَنْ نُزِعَ عَنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِبَاسُهُ وَأُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ وَأُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ؟ وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ لَفْظَ هَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الشَّخْصِ لَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى النَّوْعِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَانَ قَدْ قَرَنَ بِهِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ النَّوْعُ. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَعَلَّهُ قَصَّرَ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الْحَالِ، أو يقال: إنه عرف ذلك لا دليل فِي وَقْتِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عَيْنِ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ غَفَلَ عَنْهُ لِأَنَّ فِي الْخَبَرِ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَقِيَ فِي الْجَنَّةِ الدَّهْرَ الطَّوِيلَ ثُمَّ أُخْرِجَ. والجواب عن الثالث: أنه لا حاجة هاهنا إِلَى إِثْبَاتِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ تَمَسَّكُوا بِالِاجْتِهَادِ، فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَصَّرَ فِي مَعْرِفَةِ تِلْكَ الدَّلَالَةِ أَوْ أَنَّهُ كَانَ قَدْ عَرَفَهَا/ لَكِنَّهُ
قَدْ نَسِيَهَا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: 115] ، وَالْجَوَابُ عَنِ الرَّابِعِ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كَانَتِ الدَّلَالَةُ قَطْعِيَّةً إِلَّا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا نَسِيَهَا صَارَ النِّسْيَانُ عُذْرًا فِي أَنْ لَا يَصِيرَ الذَّنْبُ كَبِيرًا أَوْ يُقَالَ: كَانَتْ ظَنِّيَّةً إِلَّا أَنَّهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّشْدِيدَاتِ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى خَطَأِ سَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَكَمَا أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَخْصُوصٌ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ فِي بَابِ التَّشْدِيدَاتِ وَالتَّخْفِيفَاتِ بِمَا لَا يَثْبُتُ في حق الأمة، فكذا هاهنا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ وَنَهَاهُمَا مَعًا فَظَنَّ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ أَنْ يَقْرَبَ مِنَ الشَّجَرَةِ وَأَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلا تَقْرَبا نَهْيٌ لَهُمَا عَلَى الْجَمْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ النَّهْيِ حَالَ الِاجْتِمَاعِ حُصُولُهُ حَالَ الِانْفِرَادِ، فَلَعَلَّ الْخَطَأَ فِي هَذَا الِاجْتِهَادِ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَهَذَا جُمْلَةُ مَا يُقَالُ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ كَيْفَ تَمَكَّنَ إِبْلِيسُ مِنْ وَسْوَسَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ خَارِجَ الْجَنَّةِ وَآدَمَ كَانَ فِي الْجَنَّةِ، وَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا. أَحَدُهَا: قَوْلُ الْقُصَّاصِ وَهُوَ الَّذِي رَوَوْهُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ الْيَمَانِيِّ وَالسُّدِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ إِبْلِيسُ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَنَعَتْهُ الْخَزَنَةُ فَأَتَى الْحَيَّةَ وَهِيَ دَابَّةٌ لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمَ كَأَنَّهَا الْبُخْتِيَّةُ، وَهِيَ كَأَحْسَنِ الدَّوَابِّ بعد ما عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ فَمَا قَبِلَهُ وَاحِدٌ مِنْهَا فَابْتَلَعَتْهُ الْحَيَّةُ وَأَدْخَلَتْهُ الْجَنَّةَ خُفْيَةً مِنَ الْخَزَنَةِ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْحَيَّةُ الْجَنَّةَ خَرَجَ إِبْلِيسُ مِنْ فَمِهَا وَاشْتَغَلَ بِالْوَسْوَسَةِ. فَلَا جَرَمَ لُعِنَتِ الْحَيَّةُ وَسَقَطَتْ قَوَائِمُهَا وَصَارَتْ تَمْشِي عَلَى بَطْنِهَا، وَجُعِلَ رِزْقُهَا فِي التُّرَابِ، وَصَارَتْ عَدُوًّا لِبَنِي آدَمَ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ مِمَّا يَجِبُ أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ لِأَنَّ إِبْلِيسَ لَوْ قَدَرَ عَلَى الدُّخُولِ فِي فَمِ الْحَيَّةِ فَلِمَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ حَيَّةً ثُمَّ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِالْحَيَّةِ فَلِمَ عُوقِبَتِ الْحَيَّةُ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَاقِلَةٍ وَلَا مُكَلَّفَةٍ. وَثَانِيهَا: أَنَّ إِبْلِيسَ دَخَلَ الْجَنَّةَ فِي صُورَةِ دَابَّةٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَقَلُّ فَسَادًا مِنَ الْأَوَّلِ. وَثَالِثُهَا: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ: إِنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لَعَلَّهُمَا كَانَا يَخْرُجَانِ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَإِبْلِيسَ كان بقرب الباب ويوسوس إليهما، ورابعها: وهو قَوْلُ الْحَسَنِ: أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ فِي الْأَرْضِ وَأَوْصَلَ الْوَسْوَسَةَ إِلَيْهِمَا فِي الْجَنَّةِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ الْوَسْوَسَةَ كَلَامٌ خَفِيٌّ وَالْكَلَامُ الْخَفِيُّ لَا يُمْكِنُ إِيصَالُهُ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَاخْتَلَفُوا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ إِبْلِيسَ هَلْ بَاشَرَ خِطَابَهُمَا أَوْ يُقَالُ إِنَّهُ أَوْصَلَ الْوَسْوَسَةَ إِلَيْهِمَا عَلَى لِسَانِ بَعْضِ أَتْبَاعِهِ. حُجَّةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الْأَعْرَافِ: 21] ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْمُشَافَهَةَ، وَكَذَا قَوْلُهُ: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [الْأَعْرَافِ: 22] . وَحُجَّةُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ كَانَا يَعْرِفَانِهِ وَيَعْرِفَانِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ، فَيَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَقْبَلَا قَوْلَهُ وَأَنْ يَلْتَفِتَا إِلَيْهِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْمُبَاشِرُ للوسوسة من بعض أتباع إبليس. بقي هاهنا سُؤَالَانِ، السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: / أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَضَافَ هَذَا الْإِزْلَالَ إِلَى إِبْلِيسَ فَلِمَ عَاتَبَهُمَا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ؟ قُلْنَا مَعْنَى قَوْلِهِ: فَأَزَلَّهُمَا أَنَّهُمَا عِنْدَ وَسْوَسَتِهِ أَتَيَا بِذَلِكَ الْفِعْلِ فَأُضِيفَ ذَلِكَ إِلَى إِبْلِيسَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً [نُوحٍ: 6] . فَقَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ إِبْلِيسَ: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إِبْرَاهِيمَ: 22] ، هَذَا مَا قَالَهُ الْمُعْتَزِلَةُ. وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْإِضَافَةِ مَا قَرَّرْنَاهُ مِرَارًا أَنَّ الْإِنْسَانَ قَادِرٌ عَلَى الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَمَعَ التَّسَاوِي يَسْتَحِيلُ أَنْ يَصِيرَ مَصْدَرًا لِأَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ إِلَّا عِنْدَ انْضِمَامِ الدَّاعِي إِلَيْهِ، وَالدَّاعِي عِبَارَةٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ عَنْ عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ أو
اعْتِقَادٍ بِكَوْنِ الْفِعْلِ مُشْتَمِلًا عَلَى مَصْلَحَةٍ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ بِسَبَبٍ مُنَبِّهٍ نَبَّهَ عَلَيْهِ كَانَ الْفِعْلُ مُضَافًا إِلَى ذَلِكَ لِمَا لِأَجْلِهِ صَارَ الْفَاعِلُ بِالْقُوَّةِ فَاعِلًا بِالْفِعْلِ، فلهذا المعنى انضاف الفعل هاهنا إِلَى الْوَسْوَسَةِ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ إِنَّ زَلَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَبْ أَنَّهَا كَانَتْ بِسَبَبِ وَسْوَسَةِ إِبْلِيسَ، فَمَعْصِيَةُ إِبْلِيسَ حصلت بوسوسة من! وَهَذَا يُنَبِّهُكَ عَلَى أَنَّهُ مَا لَمْ يَحْصُلِ الدَّاعِي لَا يَحْصُلُ الْفِعْلُ وَأَنَّ الدَّوَاعِيَ وَإِنْ تَرَتَّبَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَلَا بُدَّ مِنِ انْتِهَائِهَا إِلَى مَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً، وَهُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ [الْأَعْرَافِ: 155] . السُّؤَالُ الثَّانِي: كَيْفَ كَانَتْ تِلْكَ الْوَسْوَسَةُ، الْجَوَابُ: أَنَّهَا هِيَ الَّتِي حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فِي قَوْلِهِ: مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [الْأَعْرَافِ: 20] ، فَلَمْ يَقْبَلَا ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا أَيِسَ مِنْ ذَلِكَ عَدَلَ إِلَى الْيَمِينِ عَلَى مَا قَالَ: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الْأَعْرَافِ: 21] ، فَلَمْ يُصَدِّقَاهُ أَيْضًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَلَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ شَغَلَهُمَا بِاسْتِيفَاءِ اللَّذَّاتِ الْمُبَاحَةِ حَتَّى صَارَا مُسْتَغْرِقَيْنِ فِيهِ فَحَصَلَ بِسَبَبِ اسْتِغْرَاقِهِمَا فِيهِ نِسْيَانُ النَّهْيِ فَعِنْدَ ذَلِكَ حَصَلَ مَا حَصَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ كَيْفَ كَانَتْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُلْنَا اهْبِطُوا فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: مَنْ قَالَ إِنَّ جَنَّةَ آدَمَ كَانَتْ فِي السَّمَاءِ فَسَّرَ الْهُبُوطَ بِالنُّزُولِ مِنَ الْعُلُوِّ إِلَى السُّفْلِ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَرْضِ فَسَّرَهُ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: اهْبِطُوا مِصْراً [الْبَقَرَةِ: 61] . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْمُخَاطَبِينَ بِهَذَا الْخِطَابِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ كَانَا مُخَاطَبَيْنِ بِهِ وَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّ إِبْلِيسَ دَاخِلٌ فِيهِ أَيْضًا قَالُوا لِأَنَّ إِبْلِيسَ قَدْ جَرَى ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها أَيْ فَأَزَلَّهُمَا وَقُلْنَا لَهُمُ اهْبِطُوا. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَهَذَا تَعْرِيفٌ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّ إِبْلِيسَ عَدُوٌّ لَهُمَا وَلِذُرِّيَّتِهِمَا كَمَا عَرَّفَهُمَا ذَلِكَ قَبْلَ الأكل من الشجرة فقال: فَقُلْنا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى [طه: 117] ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا أَبَى مِنَ السُّجُودِ صَارَ كَافِرًا/ وأخرج من الجنة وقيل لَهُ: فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها [الْأَعْرَافِ: 13] ، وَقَالَ أَيْضًا: فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [ص: 77، الْحِجْرِ: 34] ، وَإِنَّمَا أُهْبِطَ مِنْهَا لِأَجْلِ تَكَبُّرِهِ، فَزَلَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا وَقَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهُبُوطِ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ، فَلَمَّا حَصَلَ هُبُوطُ إِبْلِيسَ قَبْلَ ذَلِكَ كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: اهْبِطُوا، مُتَنَاوِلًا لَهُ؟ قُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَهْبَطَهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَعَلَّهُ عَادَ إِلَى السَّمَاءِ مَرَّةً أُخْرَى لِأَجْلِ أَنْ يُوَسْوِسَ إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ فَحِينَ كَانَ آدَمُ وَحَوَّاءُ فِي الْجَنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا: اهْبِطا [طه: 123] ، فَلَمَّا خَرَجَا مِنَ الْجَنَّةِ وَاجْتَمَعَ إِبْلِيسُ مَعَهُمَا خَارِجَ الْجَنَّةِ أَمَرَ الْكُلَّ فَقَالَ: اهْبِطُوا وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: اهْبِطُوا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ قَالَ ذَلِكَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ فِي وَقْتٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ آدَمُ وَحَوَّاءُ وَالْحَيَّةُ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ هُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ هَذَا الْإِجْمَاعَ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ قَدْ يَحْصُلُ فِي غَيْرِهِمْ جَمْعٌ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ [النُّورِ: 41] ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ لِلْهُدْهُدِ: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً [النَّمْلِ: 21] . الثَّالِثُ: الْمُرَادُ آدَمُ وَحَوَّاءُ وَذُرِّيَّتُهُمَا لِأَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا أَصْلَ الْإِنْسِ جُعِلَا كَأَنَّهُمَا الْإِنْسُ كُلُّهُمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ
عَدُوٌّ ... اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً [البقرة: 36، 38] ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [الْبَقَرَةِ: 38، 39] . وَهَذَا حُكْمٌ يَعُمُّ النَّاسَ كُلَّهُمْ وَمَعْنَى: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنَ التَّعَادِي وَالتَّبَاغُضِ وَتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الذُّرِّيَّةَ مَا كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَكَيْفَ يَتَنَاوَلُهُمُ الْخِطَابُ؟ أَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ فَالسُّؤَالُ زَائِلٌ عَلَى قَوْلِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ قَوْلَهُ: اهْبِطُوا أَمْرٌ أَوْ إِبَاحَةٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ أَمْرٌ لِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً لِأَنَّ مُفَارَقَةَ مَا كَانَا فِيهِ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى مَوْضِعٍ لَا تَحْصُلُ الْمَعِيشَةُ فِيهِ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ وَالْكَدِّ مِنْ أَشَقِّ التَّكَالِيفِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا بَطَلَ مَا يُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ، لِأَنَّ التَّشْدِيدَ فِي التَّكْلِيفِ سَبَبٌ لِلثَّوَابِ، فَكَيْفَ يَكُونُ عِقَابًا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ الْعَظِيمِ؟ فَإِنْ قِيلَ: أَلَسْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْحُدُودِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ إِنَّهَا عُقُوبَاتٌ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ بَابِ التَّكَالِيفِ، قُلْنَا: أَمَّا الْحُدُودُ فَهِيَ وَاقِعَةٌ بِالْمَحْدُودِ مِنْ فِعْلِ الْغَيْرِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِقَابًا إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُصِرًّا، وَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ فَإِنَّمَا يُقَالُ فِي بَعْضِهَا إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْعُقُوبَاتِ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إِلَّا مَعَ الْمَأْثَمِ. فَأَمَّا أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةً مَعَ كَوْنِهَا تَعْرِيضَاتٍ لِلثَّوَابِ الْعَظِيمِ فَلَا. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، أَمْرٌ بِالْهُبُوطِ وَلَيْسَ أَمْرًا بِالْعَدَاوَةِ، لِأَنَّ عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِسَبَبِ الْحَسَدِ وَالِاسْتِكْبَارِ عَنِ السُّجُودِ وَاخْتِدَاعَهُ إِيَّاهُمَا حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ وَعَدَاوَتَهُ لِذُرِّيَّتِهِمَا بِإِلْقَاءِ الْوَسْوَسَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ، فَأَمَّا عَدَاوَةُ آدَمَ لِإِبْلِيسَ/ فَإِنَّهَا مَأْمُورٌ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر: 6] وقال تعالى: يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [الْأَعْرَافِ: 27] إِذَا ثَبَتَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ اهْبِطُوا مِنَ السَّمَاءِ وَأَنْتُمْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْمُسْتَقَرُّ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [الْقِيَامَةِ: 12] ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَكَانِ الَّذِي يُسْتَقَرُّ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الْفُرْقَانِ: 24] ، وَقَالَ تَعَالَى: فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ [الْأَنْعَامِ: 98] إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْأَكْثَرُونَ حَمَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ [الْبَقَرَةِ: 36] [الْأَعْرَافِ: 24] ، عَلَى الْمَكَانِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مُسْتَقَرُّكُمْ حَالَتَيِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: الْمُسْتَقَرُّ هُوَ الْقَبْرُ، أَيْ قُبُورُكُمْ تَكُونُونَ فِيهَا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدَّرَ الْمَتَاعَ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِحَالِ الْحَيَاةِ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ عِنْدَ الْإِهْبَاطِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي حَالَ الْحَيَاةِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ، قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ [الْأَعْرَافِ: 24، 25] ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فِيها تَحْيَوْنَ، إِلَى آخِرِ الْكَلَامِ بَيَانًا لِقَوْلِهِ: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً عَلَى الْأَوَّلِ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْحِينِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلزَّمَانِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُمْتَدُّ مِنَ الزَّمَانِ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: مَا رَأَيْتُكَ مُنْذُ حِينٍ إِذَا بَعُدَتْ مُشَاهَدَتُهُ لَهُ وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ مَعَ قُرْبِ الْمُشَاهَدَةِ، فَلَمَّا كَانَتْ أَعْمَارُ النَّاسِ طَوِيلَةً وَآجَالُهُمْ عَنْ أَوَائِلِ حُدُوثِهِمْ مُتَبَاعِدَةً جَازَ أَنْ يَقُولَ: وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ.
[سورة البقرة (2) : آية 37]
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: اعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ تَحْذِيرًا عَظِيمًا عَنْ كُلِّ الْمَعَاصِي مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَنْ تَصَوَّرَ مَا جَرَى عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِسَبَبِ إِقْدَامِهِ عَلَى هَذِهِ الزَّلَّةِ الصَّغِيرَةِ، كَانَ عَلَى وَجَلٍ شَدِيدٍ مِنَ الْمَعَاصِي، قَالَ الشَّاعِرُ: يَا نَاظِرًا يَرْنُو بِعَيْنَيْ رَاقِدِ ... وَمُشَاهِدًا لِلْأَمْرِ غَيْرَ مُشَاهِدِ تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلَى الذُّنُوبِ وَتَرْتَجِي ... دَرْكَ الْجِنَانِ وَنَيْلَ فَوْزِ الْعَابِدِ أَنْسِيتَ أَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ آدَمَا ... مِنْهَا إِلَى الدُّنْيَا بِذَنْبٍ وَاحِدِ وَعَنْ فَتْحٍ الْمَوْصِلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَسَبَانَا إِبْلِيسُ إِلَى الدُّنْيَا، فَلَيْسَ لَنَا إِلَّا الْهَمُّ وَالْحُزْنُ حَتَّى نُرَدَّ إِلَى الدَّارِ الَّتِي أُخْرِجْنَا مِنْهَا، وَثَانِيهَا: التَّحْذِيرُ عَنِ الِاسْتِكْبَارِ وَالْحَسَدِ وَالْحِرْصِ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَبى وَاسْتَكْبَرَ [الْبَقَرَةِ: 34] ، قَالَ حَسَدَ عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ آدَمَ عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ فَقَالَ: أَنَا نَارِيٌّ وَهَذَا طِينِيٌّ ثُمَّ أَلْقَى الْحِرْصَ فِي قَلْبِ آدَمَ حَتَّى حَمَلَهُ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ثُمَّ أَلْقَى الْحَسَدَ فِي قَلْبِ قَابِيلَ حَتَّى قَتَلَ هَابِيلَ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيَّنَ الْعَدَاوَةَ الشَّدِيدَةَ بَيْنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَإِبْلِيسَ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلَى وُجُوبِ الحذر. [سورة البقرة (2) : آية 37] فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) فِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ الْقَفَّالُ: أَصْلُ التَّلَقِّي هُوَ التَّعَرُّضُ لِلِقَاءٍ ثُمَّ يُوضَعُ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِقْبَالِ لِلشَّيْءِ الْجَائِي ثُمَّ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْقَبُولِ وَالْأَخْذِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النَّمْلِ: 6] ، أَيْ تُلَقَّنَهُ. وَيُقَالُ: تَلَقَّيْنَا الْحُجَّاجَ أَيِ اسْتَقْبَلْنَاهُمْ. وَيُقَالُ: تَلَقَّيْتُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ فُلَانٍ أَيْ أَخَذْتُهَا مِنْهُ. وَإِذَا كَانَ هَذَا أَصْلَ الْكَلِمَةِ وَكَانَ مَنْ تَلَقَّى رَجُلًا فَتَلَاقَيَا لَقِيَ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ فَأُضِيفَ الِاجْتِمَاعُ إِلَيْهِمَا مَعًا صَلُحَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْوَصْفِ بِذَلِكَ، فَيُقَالُ: كُلُّ مَا تَلَقَّيْتَهُ فَقَدْ تَلَقَّاكَ فَجَازَ أَنْ يُقَالَ: تَلَقَّى آدَمُ كَلِمَاتٍ أَيْ أَخَذَهَا وَوَعَاهَا وَاسْتَقْبَلَهَا بِالْقَبُولِ، وَجَازَ أَنْ يُقَالَ: تَلَّقَى كَلِمَاتٌ بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى جَاءَتْهُ عَنِ اللَّهِ كَلِمَاتٌ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [الْبَقَرَةِ: 124] وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (الظَّالِمُونَ) . المسألة الثانية: اعلم أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَرَّفَهُ حَقِيقَةَ التَّوْبَةِ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَعْرِفَ مَاهِيَّةَ التَّوْبَةِ وَيَتَمَكَّنَ بِفِعْلِهَا مِنْ تَدَارُكِ الذُّنُوبِ وَيُمَيِّزَهَا عَنْ غَيْرِهَا فَضْلًا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بَلْ يجب حمله على أحد أمور. أَحَدُهَا: التَّنْبِيهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ الْوَاقِعَةِ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ صَارَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ التَّائِبِينَ الْمُنِيبِينَ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى عَرَّفَهُ وُجُوبَ التَّوْبَةِ وَكَوْنَهَا مَقْبُولَةً لَا مَحَالَةَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ مَنْ أَذْنَبَ ذَنَبًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ثُمَّ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ وَعَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ فَإِنِّي أَتُوبُ عَلَيْهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ، أَيْ أَخَذَهَا وَقَبِلَهَا وَعَمِلَ بِهَا. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَّرَهُ بِنِعَمِهِ الْعَظِيمَةِ عَلَيْهِ فَصَارَ ذَلِكَ مِنَ الدَّوَاعِي الْقَوِيَّةِ إِلَى التَّوْبَةِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى عَلَّمَهُ كَلَامًا لَوْ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ مَعَهُ لَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَمَالِ حَالِ التَّوْبَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ مَا هِيَ؟ فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: يَا رَبِّ أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ بِلَا وَاسِطَةٍ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: يَا رَبِّ أَلَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؟ قَالَ: بَلَى.
قال: ألم تسكني جنتك؟ قَالَ: يَا رَبِّ أَلَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: يَا رَبِّ إِنْ تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ تَرُدُّنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى فَهُوَ قَوْلُهُ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ وَزَادَ السُّدِّيُّ فِيهِ: يَا رَبِّ هَلْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ ذَنْبًا؟ قَالَ: نَعَمْ. وَثَانِيهَا: قَالَ النَّخَعِيُّ: أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: مَا الْكَلِمَاتُ الَّتِي تَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ. قَالَ: عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَمْرَ الْحَجِّ فَحَجَّا وَهِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تُقَالُ فِي الْحَجِّ، فَلَمَّا فَرَغَا مِنَ الْحَجِّ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمَا بِأَنِّي قَبِلْتُ تَوْبَتَكُمَا. وَثَالِثُهَا: قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا هِيَ قَوْلُهُ: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الْأَعْرَافِ: 23] . وَرَابِعُهَا: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: إِنَّهَا قَوْلُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ أَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ. لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ/ وَبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. وَخَامِسُهَا: قَالَتْ عَائِشَةُ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَتُوبَ عَلَى آدَمَ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَالْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ رَبْوَةٌ حَمْرَاءُ، فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي فَاقْبَلْ مَعْذِرَتِي وَتَعْلَمُ حَاجَتِي فَأَعْطِنِي سُؤْلِي وَتَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا يُبَاشِرُ قَلْبِي وَيَقِينًا صَادِقًا حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَنِي إِلَّا مَا كَتَبْتَ لِي وَأَرْضَى بِمَا قَسَمْتَ لِي. فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى آدَمَ: يَا آدَمُ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ذَنْبَكَ وَلَنْ يَأْتِيَنِي أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ فَيَدْعُوَنِي بِهَذَا الدُّعَاءِ الَّذِي دَعَوْتَنِي بِهِ إِلَّا غَفَرْتُ ذَنْبَهُ وَكَشَفْتُ هُمُومَهُ وَغُمُومَهُ وَنَزَعْتُ الْفَقْرَ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ وَجَاءَتْهُ الدُّنْيَا وَهُوَ لَا يُرِيدُهَا. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّوْبَةُ تَتَحَقَّقُ مِنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ مُتَرَتِّبَةٍ، علم وحال وعمل، فالعلم أول والحال ثان وَالْعَمَلُ ثَالِثٌ، وَالْأَوَّلُ مُوجِبٌ لِلثَّانِي، وَالثَّانِي مُوجِبٌ لِلثَّالِثِ إِيجَابًا اقْتَضَتْهُ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، أَمَّا الْعِلْمُ فَهُوَ مَعْرِفَةُ مَا فِي الذَّنْبِ مِنَ الضَّرَرِ وَكَوْنِهِ حِجَابًا بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَحْمَةِ الرَّبِّ، فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ مَعْرِفَةً مُحَقَّقَةً حَصَلَ مِنْ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ تَأَلُّمُ الْقَلْبِ بِسَبَبِ فَوَاتِ الْمَحْبُوبِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ مَهْمَا شَعَرَ بِفَوَاتِ الْمَحْبُوبِ تَأَلَّمَ، فَإِذَا كَانَ فَوَاتُهُ يُفْعَلُ مِنْ جِهَتِهِ تَأَسَّفَ بِسَبَبِ فَوَاتِ الْمَحْبُوبِ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي كَانَ سَبَبًا لِذَلِكَ الْفَوَاتِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ التَّأَسُّفُ نَدَمًا، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْأَلَمَ إِذَا تَأَكَّدَ حَصَلَتْ مِنْهُ إِرَادَةٌ جَازِمَةٌ وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِالْحَالِ وَبِالْمُسْتَقْبَلِ وَبِالْمَاضِي، أَمَّا تَعَلُّقُهَا بِالْحَالِ فَبِتَرْكِ الذَّنْبِ الَّذِي كَانَ مُلَابِسًا لَهُ وَأَمَّا بِالْمُسْتَقْبَلِ فَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمُفَوِّتِ لِلْمَحْبُوبِ إِلَى آخِرِ الْعُمْرِ. وَأَمَّا بِالْمَاضِي فَبِتَلَافِي مَا فَاتَ بِالْجَبْرِ وَالْقَضَاءِ إِنْ كَانَ قَابِلًا لِلْجَبْرِ، فَالْعِلْمُ هُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَطْلَعُ هَذِهِ الْخَيْرَاتِ وَأَعْنِي بِهِ الْيَقِينَ التَّامَّ بِأَنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ سُمُومٌ مُهْلِكَةٌ، فَهَذَا الْيَقِينُ نُورٌ وَهَذَا النُّورُ يُوجِبُ نَارَ النَّدَمِ فَيَتَأَلَّمُ بِهِ الْقَلْبُ حَيْثُ أَبْصَرَ بِإِشْرَاقِ نُورِ الْإِيمَانِ أَنَّهُ صَارَ مَحْجُوبًا عَنْ مَحْبُوبِهِ كَمَنْ يُشْرِقُ عَلَيْهِ نُورُ الشَّمْسِ وَقَدْ كَانَ فِي ظُلْمَةٍ فَيَطْلُعُ النُّورُ عَلَيْهِ بِانْقِشَاعِ السَّحَابِ، فَرَأَى مَحْبُوبَهُ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ فَتَشْتَعِلُ نِيرَانُ الْحُبِّ فِي قَلْبِهِ فَتَنْبَعِثُ مِنْ تِلْكَ النِّيرَانِ إِرَادَتُهُ لِلِانْتِهَاضِ لِلتَّدَارُكِ، فَالْعِلْمُ وَالنَّدَمُ وَالْقَصْدُ الْمُتَعَلِّقُ بِالتَّرْكِ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَالتَّلَافِي لِلْمَاضِي ثَلَاثَةُ مَعَانٍ مُتَرَتِّبَةٌ فِي الْحُصُولِ [عَلَى التَّوْبَةِ] . وَيُطْلَقُ اسْمُ التَّوْبَةِ عَلَى مَجْمُوعِهَا وَكَثِيرًا مَا يُطْلَقُ اسْمُ التَّوْبَةِ عَلَى مَعْنَى النَّدَمِ وَحْدَهُ وَيُجْعَلُ الْعِلْمُ السَّابِقُ كَالْمُقَدِّمَةِ وَالتَّرْكُ كَالثَّمَرَةِ وَالتَّابِعِ الْمُتَأَخِّرِ. وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» ، إِذْ لَا يَنْفَكُّ النَّدَمُ عَنْ عِلْمٍ أَوْجَبَهُ وَعَنْ عَزْمٍ يَتْبَعُهُ فَيَكُونُ النَّدَمُ مَحْفُوفًا بِطَرَفَيْهِ، أَعْنِي مُثْمِرَهُ وَثَمَرَتَهُ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَخَّصَهُ الشَّيْخُ الْغَزَالِيُّ فِي حَقِيقَةِ التوبة وهو
كَلَامٌ حَسَنٌ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَا بُدَّ فِي التَّوْبَةِ مِنْ تَرْكِ ذَلِكَ الذَّنْبِ وَمِنَ النَّدَمِ عَلَى مَا سَبَقَ وَمِنَ الْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى مِثْلِهِ وَمِنَ الْإِشْفَاقِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَمَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّرْكِ فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُتْرَكْ لَكَانَ فَاعِلًا لَهُ فَلَا يَكُونُ تَائِبًا، وَأَمَّا النَّدَمُ فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْدَمْ لَكَانَ رَاضِيًا بِكَوْنِهِ فَاعِلًا لَهُ وَالرَّاضِي بِالشَّيْءِ قَدْ يَفْعَلُهُ وَالْفَاعِلُ للشيء لا يكون تائباً، وَأَمَّا الْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى مِثْلِهِ فَلِأَنَّ فِعْلَهُ مَعْصِيَةٌ وَالْعَزْمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ/ مَعْصِيَةٌ، وَأَمَّا الْإِشْفَاقُ فَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّوْبَةِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْقَطْعِ بِأَنَّهُ أَتَى بِالتَّوْبَةِ كَمَا لَزِمَهُ فَيَكُونُ خَائِفًا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزُّمَرِ: 9] وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ وَرَجَاؤُهُ لَاعْتَدَلَا» ، وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَبْيَنُ وَأَدْخَلُ فِي التَّحْقِيقِ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الْفِعْلِ الْفُلَانِيِّ ضَرَرًا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ صَدَرَ مِنْهُ يُوجِبُ تَأَلُّمَ الْقَلْبِ وَذَلِكَ التَّأَلُّمُ يُوجِبُ إِرَادَةَ التَّرْكِ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَإِرَادَةَ تَلَافِي مَا حَصَلَ مِنْهُ فِي الْمَاضِي وَإِذَا كَانَ بَعْضُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُرَتَّبًا عَلَى الْبَعْضِ تَرَتُّبًا ضَرُورِيًّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَاخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِهِ فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّاخِلَ فِي الْوُسْعِ لَيْسَ إِلَّا تَحْصِيلَ الْعِلْمِ، فَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَلَيْسَ لِلِاخْتِيَارِ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، لَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: تَحْصِيلُ الْعِلْمِ لَيْسَ أَيْضًا فِي الْوُسْعِ لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْعِلْمِ بِبَعْضِ الْمَجْهُولَاتِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ مَعْلُومَاتٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْهُولِ، فَتِلْكَ الْعُلُومُ الْحَاضِرَةُ الْمُتَوَسَّلُ بِهَا إِلَى اكْتِسَابِ ذَلِكَ الْمَجْهُولِ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُسْتَلْزِمَةً لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ الْمَجْهُولِ أَوْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَلْزِمَةً. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَانَ تَرَتُّبُ الْمُتَوَسَّلِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُتَوَسَّلِ بِهِ ضَرُورِيًّا، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي الْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَارِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَكُنِ اسْتِنْتَاجُ الْمَطْلُوبِ الْمَجْهُولِ عَنْ تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ الْحَاضِرَةِ لِأَنَّ الْمُقَدِّمَاتِ الْقَرِيبَةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ بِحَالٍ يَلْزَمُ مِنْ تَسْلِيمِهَا فِي الذِّهْنِ تَسْلِيمُ الْمَطْلُوبِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتُ مُنْتِجَةً لِتِلْكَ النَّتِيجَةِ. فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتُ وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً فِي الذِّهْنِ إِلَّا أَنَّ كَيْفِيَّةَ التَّوَصُّلِ بِهَا إِلَى تِلْكَ النَّتِيجَةِ غَيْرُ حَاضِرَةٍ فِي الذِّهْنِ، فَلَا جَرَمَ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْعِلْمِ بِتِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ الْعِلْمُ بِتِلْكَ النَّتِيجَةِ لَا مَحَالَةَ. قُلْنَا: الْعِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ التَّوَصُّلِ بِهَا إِلَى تِلْكَ النَّتِيجَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْبَدِيهِيَّاتِ أَوْ مِنَ الْكَسْبِيَّاتِ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْبَدِيهِيَّاتِ لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْكَسْبِيَّاتِ كَانَ الْقَوْلُ فِي كَيْفِيَّةِ اكْتِسَابِهِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ، فَإِمَّا أَنْ يُفْضِيَ إِلَى التَّسَلْسُلِ وَهُوَ مُحَالٌ أَوْ يُفْضِيَ إِلَى أَنْ يَصِيرَ مِنْ لَوَازِمِهِ فَيَعُودَ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: سَأَلَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ نَفْسَهُ فَقَالَ: إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ صَغِيرَةً فَكَيْفَ تَلْزَمُ التَّوْبَةُ؟ وَأَجَابَ بِأَنَّ أَبَا عَلِيٍّ قَالَ: إِنَّهَا تَلْزَمُهُ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ مَتَّى عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ عَصَى لَمْ يُحَدَّ «1» فِيمَا بَعْدُ وَهُوَ مُخْتَارٌ «2» وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَادِمًا أَوْ مُصِرًّا لَكِنَّ الْإِصْرَارَ قَبِيحٌ فَلَا تَتِمُّ مُفَارَقَتُهُ لِهَذَا الْقَبِيحِ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ، فَهِيَ إِذَنْ لَازِمَةٌ سَوَاءٌ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً وَسَوَاءٌ ذَكَرَهَا وَقَدْ تَابَ عَنْهَا مِنْ قَبْلُ أَوْ لَمْ يَتُبْ. أَمَّا أَبُو هَاشِمٍ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ أَنْ يَخْلُوَ الْعَاصِي مِنَ التَّوْبَةِ وَالْإِصْرَارِ وَيَقُولُ: لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ وَاجِبَةً عَلَى الْأَنْبِيَاءِ لِهَذَا الْوَجْهِ بَلْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً لِإِحْدَى خِلَالٍ، فَإِمَّا أَنْ تَجِبَ لِأَنَّ بِالصَّغِيرَةِ قَدْ نَقَصَ ثَوَابُهُمْ فَيَعُودُ ذَلِكَ النُّقْصَانُ بِالتَّوْبَةِ، وَإِمَّا لِأَنَّ التَّوْبَةَ نَازِلَةٌ مَنْزِلَةَ التَّرْكِ، فَإِذَا كَانَ التَّرْكُ وَاجِبًا عِنْدَ الْإِمْكَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُوبِ التوبة مع عدم الإمكان، وربما قال:
تَجِبُ التَّوْبَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عَلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّ التَّوْبَةَ/ لَا يَجُوزُ أَنْ تَجِبَ لِعَوْدِ الثَّوَابِ الَّذِي هُوَ الْمَنَافِعُ فَقَطْ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ لِأَجْلِ جَلْبِ الْمَنَافِعِ كَمَا لَا تَجِبُ النَّوَافِلُ بَلِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لَمَّا عَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى صَارَ أَحَدُ أَسْبَابِ عِصْمَتِهِمُ التَّشْدِيدَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْبَةِ حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَإِنْ كَانَتْ مَعَاصِيهِمْ صَغِيرَةً. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ الْقَفَّالُ: أصل التوبة الرجوع كالأبوة. يُقَالُ: تَوَبَ كَمَا يُقَالُ أَوَبَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قابِلِ التَّوْبِ [غَافِرٍ: 3] فَقَوْلُهُمْ تَابَ يَتُوبُ تَوْبًا وَتَوْبَةً وَمَتَابًا فَهُوَ تَائِبٌ وَتَوَّابٌ كَقَوْلِهِمْ آب يؤوب أوباً وأوبة فهو آئب وَأَوَّابٌ، وَالتَّوْبَةُ لَفْظَةٌ يَشْتَرِكُ فِيهَا الرَّبُّ وَالْعَبْدُ، فَإِذَا وُصِفَ بِهَا الْعَبْدُ فَالْمَعْنَى رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ لِأَنَّ كُلَّ عَاصٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْهَارِبِ مِنْ رَبِّهِ فَإِذَا تَابَ فَقَدْ رَجَعَ عَنْ هَرَبِهِ إِلَى رَبِّهِ فَيُقَالُ: تَابَ إِلَى رَبِّهِ وَالرَّبُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْمُعْرِضِ عَنْ عَبْدِهِ وَإِذَا وُصِفَ بِهَا الرَّبُّ تَعَالَى فَالْمَعْنَى أَنَّهُ رَجَعَ عَلَى عَبْدِهِ بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَلِهَذَا السَّبَبِ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الصِّلَةِ، فَقِيلَ فِي الْعَبْدِ: تَابَ إِلَى رَبِّهِ. وَفِي الرَّبِّ عَلَى عَبْدِهِ وَقَدْ يُفَارِقُ الرَّجُلُ خِدْمَةَ رَئِيسٍ فَيَقْطَعُ الرئيس معروفه عنه، ثُمَّ يُرَاجِعُ خِدْمَتَهُ، فَيُقَالُ: فُلَانٌ عَادَ إِلَى الْأَمِيرِ وَالْأَمِيرُ عَادَ عَلَيْهِ بِإِحْسَانِهِ وَمَعْرُوفِهِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَبُولُ التَّوْبَةِ يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا الثَّوَابَ الْعَظِيمَ كَمَا أَنَّ قَبُولَ الطَّاعَةِ يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ بِسَبَبِ التَّوْبَةِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: الْمُرَادُ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوَّابِ الْمُبَالَغَةُ فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ وَاحِدًا مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا مَتَى جَنَى عَلَيْهِ إِنْسَانٌ ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ الِاعْتِذَارَ، ثُمَّ إِذَا عَادَ إِلَى الْجِنَايَةِ وَإِلَى الِاعْتِذَارِ مَرَّةً أُخْرَى فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ لِأَنَّ طَبْعَهُ يَمْنَعُهُ مِنْ قَبُولِ الْعُذْرِ، أَمَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَإِنَّهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَقْبَلُ التَّوْبَةَ لَا لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى رِقَّةِ طَبْعٍ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ بَلْ إِنَّمَا يَقْبَلُهَا لِمَحْضِ الْإِحْسَانِ وَالتَّفَضُّلِ. فَلَوْ عَصَى الْمُكَلَّفُ كُلَّ سَاعَةٍ ثُمَّ تَابَ وَبَقِيَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الْعُمْرَ الطَّوِيلَ لَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ مَا قَدْ سَلَفَ وَيَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، فَصَارَ تَعَالَى مُسْتَحِقًّا لِلْمُبَالَغَةِ فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ فَوُصِفَ بِأَنَّهُ تَعَالَى تَوَّابٌ. الثَّانِي: أَنَّ الَّذِينَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَكْثُرُ عَدَدُهُمْ فَإِذَا قَبِلَ تَوْبَةَ الْجَمِيعِ اسْتَحَقَّ الْمُبَالَغَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ قَبُولُ التَّوْبَةِ مَعَ إِزَالَةِ الْعِقَابِ يَقْتَضِي حُصُولَ الثَّوَابِ وَكَانَ الثَّوَابُ مِنْ جِهَتِهِ نِعْمَةً وَرَحْمَةً وَصَفَ نَفْسَهُ مَعَ كَوْنِهِ تَوَّابًا بِأَنَّهُ رَحِيمٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: في هذه الآية فوائد: إحداها: أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُشْتَغِلًا بِالتَّوْبَةِ فِي كُلٍّ حِينٍ وَأَوَانٍ، لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ، أَمَّا الْأَحَادِيثُ (أ) رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الرَّجُلِ يُذْنِبُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: يَسْتَغْفِرُ أَبَدًا حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ الْخَاسِرَ فَيَقُولُ لَا طَاقَةَ لِي مَعَهُ، وَقَالَ عَلِيٌّ: كُلَّمَا قَدَرْتَ أَنْ تَطْرَحَهُ فِي وَرْطَةٍ وَتَتَخَلَّصَ مِنْهَا فَافْعَلْ. (ب) وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمْ يُصِرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ/ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً. (ج) وعن ابن عمر قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ. (د) وَأَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشُّعَرَاءِ: 214] «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ. (هـ) وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَيْنَ شَيْءٌ يَغْشَى الْقَلْبَ فَيُغَطِّيهِ بَعْضَ التَّغْطِيَةِ وَهُوَ كَالْغَيْمِ الرَّقِيقِ الَّذِي يَعْرِضُ فِي الْجَوِّ فَلَا يَحْجُبُ عَنِ الشَّمْسِ وَلَكِنْ يَمْنَعُ كَمَالَ ضَوْئِهَا، ثُمَّ ذَكَرُوا لِهَذَا الْحَدِيثِ تَأْوِيلَاتٍ أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلَى مَا يَكُونُ فِي أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْخِلَافِ وَمَا يُصِيبُهُمْ فَكَانَ إِذَا ذَكَرَ ذَلِكَ وَجَدَ غَيْمًا فِي قَلْبِهِ فَاسْتَغْفَرَ لِأُمَّتِهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ أَرْفَعَ مِنَ الْأُولَى، فَكَانَ الِاسْتِغْفَارُ لِذَلِكَ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْغَيْمَ عِبَارَةٌ عَنِ السُّكْرِ الَّذِي كَانَ يَلْحَقُهُ فِي طَرِيقِ الْمَحَبَّةِ حَتَّى يَصِيرَ فَانِيًا عَنْ نَفْسِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِذَا عَادَ إِلَى الصَّحْوِ كَانَ الِاسْتِغْفَارُ مِنْ ذَلِكَ الصَّحْوِ وَهُوَ تَأْوِيلُ أَرْبَابِ الْحَقِيقَةِ، وَرَابِعُهَا: وَهُوَ تَأْوِيلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ الْقَلْبَ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْخَطَرَاتِ وَالْخَوَاطِرِ وَالشَّهَوَاتِ وَأَنْوَاعِ الْمَيْلِ وَالْإِرَادَاتِ فَكَانَ يَسْتَعِينُ بِالرَّبِّ تَعَالَى فِي دَفْعِ تِلْكَ الْخَوَاطِرِ (و) أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [التَّحْرِيمِ: 8] إِنَّهُ هُوَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ الذَّنْبَ ثُمَّ يَتُوبُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَلَا يَعُودَ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُوَ أَنْ يَهْجُرَ الذَّنْبَ وَيَعْزِمَ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهِ أَبَدًا. (ز) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاكِيًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: يَقُولُ لِمَلَائِكَتِهِ: «إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِالْحَسَنَةِ فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَإِذَا هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ فَعَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً فَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (ح) رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَمِعَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا كَرِيمَ الْعَفْوِ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: أَوَ تَدْرِي مَا كَرِيمُ الْعَفْوِ؟ فَقَالَ: لَا يَا جِبْرِيلُ. قَالَ: أَنْ يَعْفُوَ عَنِ السَّيِّئَةِ وَيَكْتُبَهَا حَسَنَةً. (ط) أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنِ اسْتَفْتَحَ أَوَّلَ نَهَارِهِ بِالْخَيْرِ وَخَتَمَهُ بِالْخَيْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ لَا تَكْتُبُوا عَلَى عَبْدِي مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ» . (ي) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كَانَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لِلْقَاتِلِ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ الْمِائَةَ. ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا نَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعَالَى فَاعْبُدْهُ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى نِصْفَ الطَّرِيقِ فَأَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ/ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكُ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ وَتَوَسَّطَ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضِينَ فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ بِشِبْرٍ فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ (يَا) ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ إِبْلِيسَ قَالَ: يَا رَبِّ إِنَّكَ خَلَقْتَ آدَمَ وَجَعَلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ عَدَاوَةً فَسَلِّطْنِي عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ، فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (جَعَلْتُ صُدُورَهُمْ مَسَاكِنَ لَكَ) ، فَقَالَ: رَبِّ زِدْنِي، فَقَالَ: لَا يُولَدُ وَلَدٌ لِآدَمَ إِلَّا وُلِدَ لَكَ عَشْرَةٌ. قَالَ: رَبِّ زِدْنِي، قَالَ: تَجْرِي مِنْهُ مَجْرَى الدَّمِ. قَالَ: رَبِّ زِدْنِي. قَالَ: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ [الإسرا: 64] ، قَالَ: فَعِنْدَهَا شَكَا آدَمُ إِبْلِيسَ إِلَى رَبِّهِ تَعَالَى فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّكَ خَلَقْتَ إِبْلِيسَ وَجَعَلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ عَدَاوَةً وَبَغْضَاءَ وَسَلَّطْتَهُ عَلَيَّ وَعَلَى ذُرِّيَّتِي وَأَنَا لَا أُطِيقُهُ إِلَّا بِكَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يُولَدُ لَكَ وَلَدٌ إِلَّا وَكَّلْتُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ. قَالَ: رَبِّ زِدْنِي. قَالَ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. قَالَ: رَبِّ زِدْنِي. قَالَ: لَا أَحْجُبُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ وَلَدِكَ التَّوْبَةَ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» . (يب) أَبُو
مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَبِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (يج) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي، فَإِذَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطَّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى إِلَّا غَفَرَ لَهُ» . ثُمَّ قَرَأَ: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ: فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [الْبَقَرَةِ: 135] . (يد) أَبُو أُمَامَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى ثُمَّ خَرَجَ قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَكُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالرَّجُلُ يَتْبَعُهُ وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَلَيْسَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ، قَالَ: وَشَهِدْتَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ أَوْ قَالَ ذَنْبَكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (يه) عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَإِنِّي أَصَبْتُ مَاءً دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا فَهَا أَنَا ذَا فَاقْضِ فيَّ مَا شِئْتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا، فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ فَدَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هُودٍ: 114] . فَقَالَ وَاحِدٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا لَهُ خَاصَّةً، قَالَ: بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (يو) أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا فَقَالَ يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لِي فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ. فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: إِنَّ عَبْدِي عَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَغَفَرَ لَهُ، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: يَا رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ. (يز) أَبُو بَكْرٍ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَمْ يُصِرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَلَوْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» . (يح) أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: قَدْ كُنْتُ كَتَمْتُكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ فَتَسْتَغْفِرُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقًا يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (يط) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ كِسَاءٌ وَفِي يَدِهِ شَيْءٌ قَدِ الْتَفَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مَرَرْتُ بَغَيْضَةِ شَجَرٍ فَسَمِعْتُ فِيهَا أَصْوَاتَ فِرَاخِ طَائِرٍ فَأَخَذْتُهُنَّ فَوَضَعْتُهُنَّ فِي كِسَائِي فَجَاءَتْ أُمُّهُنَّ فَاسْتَدَارَتْ عَلَى رَأْسِي فَكَشَفْتُ لَهَا عَنْهُنَّ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِنَّ أُمُّهُنَّ فَلَفَفْتُهُنَّ جَمِيعًا فِي كِسَائِي فَهُنَّ مَعِي، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ضَعْهُنَّ عَنْكَ فَوَضَعْتُهُنَّ فَأَبَتْ أُمُّهُنَّ إِلَّا لُزُومَهُنَّ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَتَعْجَبُونَ لِرَحْمَةٍ أُمِّ الْأَفْرَاخِ بِفِرَاخِهَا، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: والذي نفس محمد بيده أو قال فو الذي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَلَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمِّ الْأَفْرَاخِ بِفِرَاخِهَا، ارْجِعْ بِهِنَّ حَتَّى تَضَعَهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُنَّ وَأُمُّهُنَّ مَعَهُنَّ فَرَجَعَ بِهِنَّ» . (ك) عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ مُحَرَّمًا بَيْنَكُمْ فَلَا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا الَّذِي أَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَا أُبَالِي فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ
[سورة البقرة (2) : آية 38]
وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى قَلْبِ أَتْقَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَزِدْ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كَانُوا عَلَى قَلْبِ أَفْجَرِ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمُ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا سَأَلَ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْبَحْرُ أَنْ يُغْمَسَ فِيهِ الْمِخْيَطُ غَمْسَةً وَاحِدَةً، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أَحْفَظُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) . قَالَ وَكَانَ أَبُو إِدْرِيسَ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ إِعْظَامًا لَهُ: وَأَمَّا الْآثَارُ فَسُئِلَ ذُو النُّونِ عَنِ التَّوْبَةِ فَقَالَ: إِنَّهَا اسْمٌ جَامِعٌ لِمَعَانٍ سِتَّةٍ. أَوَّلُهُنَّ: النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى، الثَّانِي: الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الذُّنُوبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. الثَّالِثُ: أَدَاءُ كُلِّ فَرِيضَةٍ ضَيَّعْتَهَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. الرَّابِعُ: أَدَاءُ الْمَظَالِمِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ. الْخَامِسُ: إِذَابَةُ كُلِّ لحم ودم نبت من الحرم. السَّادِسُ: إِذَاقَةُ الْبَدَنِ أَلَمَ الطَّاعَاتِ كَمَا ذَاقَ حَلَاوَةَ الْمَعْصِيَةِ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَارِسٍ يَقُولُ: يَا صَاحِبَ الذُّنُوبِ أَلَمْ يَأْنَ لَكَ أَنْ تَتُوبَ، يَا صَاحِبَ الذُّنُوبِ إِنَّ الذَّنْبَ فِي الدِّيوَانِ مَكْتُوبٌ، يَا صَاحِبَ الذُّنُوبِ أَنْتَ بِهَا فِي الْقَبْرِ مَكْرُوبٌ، يَا صَاحِبَ الذُّنُوبِ أَنْتَ غَدًا بِالذُّنُوبِ مَطْلُوبٌ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: مِنْ فَوَائِدِ الْآيَةِ: أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنِ التَّوْبَةِ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِ فَالْوَاحِدُ مِنَّا أَوْلَى بِذَلِكَ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَا ظَهَرَ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْبُكَاءِ عَلَى زَلَّتِهِ تَنْبِيهٌ لَنَا أَيْضًا لِأَنَّا أَحَقُّ بِالْبُكَاءِ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ جُمِعَ بُكَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَى بُكَاءِ دَاوُدَ لَكَانَ بُكَاءُ دَاوُدَ أَكْثَرَ، وَلَوْ جُمِعَ بُكَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا وَبُكَاءُ دَاوُدَ إِلَى بُكَاءِ نُوحٍ لَكَانَ بُكَاءُ نُوحٍ أَكْثَرَ، وَلَوْ جُمِعَ بُكَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا وَبُكَاءُ دَاوُدَ وَبُكَاءُ نُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ إِلَى بُكَاءِ آدَمَ عَلَى خَطِيئَتِهِ لَكَانَ بُكَاءُ آدَمَ أَكْثَرَ» . الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: إِنَّمَا اكْتَفَى اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِ تَوْبَةِ آدَمَ دُونَ تَوْبَةِ حَوَّاءَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَبَعًا لَهُ كَمَا طُوِيَ ذِكْرُ النِّسَاءِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لِذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي قَوْلِهِ: قَالَا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: 23] . [سورة البقرة (2) : آية 38] قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) فِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: ذَكَرُوا فِي فَائِدَةِ تَكْرِيرِ الْأَمْرِ بِالْهُبُوطِ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: قَالَ الْجُبَّائِيُّ: الْهُبُوطُ الْأَوَّلُ غَيْرُ الثَّانِي فَالْأَوَّلُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَالثَّانِي مِنْ سَمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْضِ وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ فِي الْهُبُوطِ الْأَوَّلِ: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ فَلَوْ كَانَ الِاسْتِقْرَارُ فِي الْأَرْضِ إِنَّمَا حَصَلَ بِالْهُبُوطِ الثَّانِي لكان ذلك قَوْلِهِ: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ [الْبَقَرَةِ: 36] عَقِيبَ الْهُبُوطِ الثَّانِي أَوْلَى. وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ قَالَ فِي الْهُبُوطِ الثَّانِي: اهْبِطُوا مِنْها وَالضَّمِيرُ فِي (مِنْهَا) عَائِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ. وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ الْهُبُوطِ الثَّانِي مِنَ الْجَنَّةِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ التَّكْرِيرَ لِأَجْلِ التَّأْكِيدِ وَعِنْدِي فِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَقْوَى مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ لَمَّا أَتَيَا بِالزَّلَّةِ أُمِرَا بِالْهُبُوطِ فَتَابَا بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْهُبُوطِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْهُبُوطِ لَمَّا كَانَ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ فَبَعْدَ التَّوْبَةِ وَجَبَ أَنْ لَا يَبْقَى الْأَمْرُ بِالْهُبُوطِ فَأَعَادَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْرَ بِالْهُبُوطِ مَرَّةً ثَانِيَةً لِيَعْلَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْهُبُوطِ مَا كَانَ جَزَاءً عَلَى ارْتِكَابِ الزَّلَّةِ حَتَّى يَزُولَ بِزَوَالِهَا بَلِ الْأَمْرُ بِالْهُبُوطِ بَاقٍ بَعْدِ التَّوْبَةِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ كَانَ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ الْمُتَقَدَّمِ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [الْبَقَرَةِ: 30] فَإِنْ قِيلَ/ مَا جَوَابُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ؟ قُلْنَا: الشَّرْطُ الثَّانِي مَعَ جَوَابِهِ، كَقَوْلِكَ: إِنْ جِئْتَنِي فَإِنْ قَدَرْتُ أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: رُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُهْبِطَ بِالْهِنْدِ وَحَوَّاءَ بِجُدَّةَ وَإِبْلِيسَ بِمَوْضِعٍ مِنَ الْبَصْرَةِ عَلَى أَمْيَالٍ وَالْحَيَّةَ بِأَصْفَهَانَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي «الْهُدَى» وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: الْمُرَادُ مِنْهُ كُلُّ دَلَالَةٍ وَبَيَانٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ دَلِيلُ الْعَقْلِ وَكُلُّ كَلَامٍ يَنْزِلُ عَلَى نَبِيٍّ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى عِظَمِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ أَهْبَطْتُّكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ فَقَدْ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ بِمَا يُؤَدِّيكُمْ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى الْجَنَّةِ مَعَ الدَّوَامِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ. قَالَ الْحَسَنُ: لَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْأَرْضِ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ يَا آدَمُ أَرْبَعُ خِصَالٍ فِيهَا كُلُّ الْأَمْرِ لَكَ وَلِوَلَدِكَ. وَاحِدَةٌ لِي وَوَاحِدَةٌ لَكَ وَوَاحِدَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَوَاحِدَةٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ، أَمَّا الَّتِي لِي فَتَعْبُدُنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، وَأَمَّا الَّتِي لَكَ فَإِذَا عَمِلْتَ نِلْتَ أُجْرَتَكَ، وَأَمَّا الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَعَلَيْكَ الدُّعَاءُ وَعَلَيَّ الْإِجَابَةُ، وَأَمَّا الَّتِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ فَأَنْ تَصْحَبَهُمْ بِمَا تُحِبُّ أَنْ يَصْحَبُوكَ بِهِ. وَثَانِيهَا: مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْهُدَى الْأَنْبِيَاءُ وَهَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ كَانَ الْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً غَيْرَ آدَمَ وَهُمْ ذُرِّيَّتُهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا التَّأْوِيلُ يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْمُخَاطَبِينَ بِذُرِّيَّةِ آدَمَ وَتَخْصِيصَ الْهُدَى بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ دَلَّ عَلَى هَذَا التَّخْصِيصِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ بِحَقِّهِ عِلْمًا وَعَمَلًا بِالْإِقْدَامِ عَلَى مَا يَلْزَمُ وَالِاحْجَامِ عَمَّا يَحْرُمُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَى حَالٍ لَا خَوْفَ فِيهَا وَلَا حُزْنَ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعَ اخْتِصَارِهَا تَجْمَعُ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْمَعَانِي لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً [البقرة: 38] [طه: 123] دَخَلَ فِيهِ الْإِنْعَامُ بِجَمِيعِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ وَزِيَادَاتِ الْبَيَانِ وَجَمِيعِ مَا لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلا به من العقل ووجوه التمكن، وجميع قوله: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ [البقرة: 38] تَأَمُّلَ الْأَدِلَّةِ بِحَقِّهَا وَالنَّظَرَ فِيهَا وَاسْتِنْتَاجَ الْمَعَارِفِ مِنْهَا وَالْعَمَلَ بِهَا وَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّ التَّكَالِيفِ وَجَمَعَ قَوْلُهُ: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 38] جَمِيعَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ لِأَنَّ زَوَالَ الْخَوْفِ يَتَضَمَّنُ السَّلَامَةَ مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ وَزَوَالَ الْحُزْنِ يَقْتَضِي الْوُصُولَ إِلَى كُلِّ اللَّذَّاتِ وَالْمُرَادَاتِ وَقَدَّمَ عَدَمَ الْخَوْفِ عَلَى عَدَمِ الْحُزْنِ لِأَنَّ زَوَالَ مَا لَا يَنْبَغِي مُقَدَّمٌ عَلَى طَلَبِ مَا يَنْبَغِي، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ الَّذِي أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَلْحَقُهُ خَوْفٌ فِي الْقَبْرِ وَلَا عِنْدَ الْبَعْثِ وَلَا عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْقِفِ وَلَا عِنْدَ تَطَايُرِ الْكُتُبِ وَلَا عِنْدَ نَصْبِ الْمَوَازِينِ وَلَا عِنْدَ الصِّرَاطِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 103] وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ: إِنَّ أَهْوَالَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَصِلُ إِلَى الْكُفَّارِ وَالْفُسَّاقِ تَصِلُ أَيْضًا إِلَى الْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [الْحَجِّ: 2] وَأَيْضًا فَإِذَا انْكَشَفَتْ تِلْكَ الْأَهْوَالُ وَصَارُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَرِضْوَانِ اللَّهِ صَارَ مَا تَقَدَّمَ كَأَنْ لم يمكن، بَلْ رُبَّمَا كَانَ زَائِدًا فِي الِالْتِذَاذِ بِمَا يَجِدُهُ مِنَ/ النَّعِيمِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِهِ: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أَمَامَهُمْ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ فِي صَدْرِ الَّذِي يَمُوتُ مِمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَأَمَّنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ. ثُمَّ سَلَاهُمْ عَنِ الدُّنْيَا فَقَالَ: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَقْتَضِي نَفْيَ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ مُطْلَقًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا حَصَلَا فِي الدُّنْيَا لِلْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرَ مِنْ حُصُولِهِمَا لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «خُصَّ الْبَلَاءُ بِالْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ الْأَوْلِيَاءِ ثُمَّ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ» ، وَأَيْضًا فَالْمُؤْمِنُ لَا يُمْكِنُهُ الْقَطْعُ أَنَّهُ أَتَى بِالْعِبَادَاتِ كَمَا يَنْبَغِي فَخَوْفُ التَّقْصِيرِ حَاصِلٌ وَأَيْضًا فَخَوْفُ سُوءِ الْعَاقِبَةِ حَاصِلٌ، قُلْنَا
[سورة البقرة (2) : آية 39]
قَرَائِنُ الْكَلَامِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُهُمَا فِي الْآخِرَةِ لَا فِي الدُّنْيَا. وَلِذَلِكَ حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ دَخَلُوا الْجَنَّةَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فَاطِرٍ: 43] أَيْ أَذْهَبَ عَنَّا مَا كُنَّا فِيهِ مِنَ الْخَوْفِ وَالْإِشْفَاقِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنْ تَفُوتَنَا كَرَامَةُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي نِلْنَاهَا الْآنَ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْهُدَى قَدْ يَثْبُتُ وَلَا اهْتِدَاءَ فَلِذَلِكَ قَالَ: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ. وَثَانِيهَا: بُطْلَانُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَعَارِفَ ضَرُورِيَّةٌ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ بِاتِّبَاعِ الْهُدَى تُسْتَحَقُّ الْجَنَّةَ، وَرَابِعُهَا: إِبْطَالُ التَّقْلِيدِ لِأَنَّ المقلد لا يكون متبعاً للهدى. [سورة البقرة (2) : آية 39] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39) قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لَمَّا وَعَدَ اللَّهُ مُتَّبِعَ الْهُدَى بِالْأَمْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْحُزْنِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ مَنْ أَعَدَّ لَهُ الْعَذَابَ الدَّائِمَ فَقَالَ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا سَوَاءٌ كَانُوا مِنَ الْإِنْسِ أَوْ مِنَ الْجِنِّ فَهُمْ أَصْحَابُ الْعَذَابِ الدَّائِمِ. وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي أَنَّ الْعَذَابَ هَلْ يَحْسُنُ أَمْ لَا وَبِتَقْدِيرِ حُسْنِهِ فَهَلْ يَحْسُنُ دَائِمًا أَمْ لَا؟ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [البقرة: 7] وهاهنا آخِرُ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى جَمِيعِ بَنِي آدَمَ وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى التَّوْحِيدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذِهِ النِّعَمَ أُمُورٌ حَادِثَةٌ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُحْدِثٍ وَعَلَى النُّبُوَّةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ عَنْهَا مُوَافِقًا لِمَا كَانَ مَوْجُودًا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ وَلَا تَلْمَذَةٍ لِأَحَدٍ وَعَلَى الْمَعَادِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ابْتِدَاءً قَدَرَ عَلَى خَلْقِهَا إِعَادَةً وبالله التوفيق. الْقَوْلُ فِي النِّعَمِ الْخَاصَّةِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا أَقَامَ دَلَائِلَ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ أَوَّلًا ثُمَّ عَقَّبَهَا بِذِكْرِ الْإِنْعَامَاتِ الْعَامَّةِ لِكُلِّ الْبَشَرِ عَقَّبَهَا بِذِكْرِ الْإِنْعَامَاتِ الْخَاصَّةِ عَلَى أَسْلَافِ الْيَهُودِ كَسْرًا لِعِنَادِهِمْ وَلَجَاجِهِمْ بِتَذْكِيرِ النِّعَمِ السَّالِفَةِ وَاسْتِمَالَةً لِقُلُوبِهِمْ بِسَبَبِهَا وَتَنْبِيهًا عَلَى ما يدل على نوبة مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا إِخْبَارًا عَنِ الْغَيْبِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَّرَهُمْ تِلْكَ النِّعَمَ أَوَّلًا عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ فقال: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: 40] وَفَرَّعَ عَلَى تَذْكِيرِهَا الْأَمْرَ بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ [الْبَقَرَةِ: 41] ثُمَّ عَقَّبَهَا بِذِكْرِ الْأُمُورِ الَّتِي تَمْنَعُهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ، ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ تِلْكَ النِّعَمَ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ ثَانِيًا بقوله مرة أخرى: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ تَنْبِيهًا عَلَى شِدَّةِ غَفْلَتِهِمْ، ثُمَّ أَرْدَفَ هَذَا التَّذْكِيرَ بِالتَّرْغِيبِ الْبَالِغِ بِقَوْلِهِ: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: 47] مَقْرُونًا بِالتَّرْهِيبِ الْبَالِغِ بِقَوْلِهِ: وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً [الْبَقَرَةِ: 48] إِلَى آخَرِ الْآيَةِ. ثُمَّ شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَعْدِيدِ تِلْكَ النِّعَمِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ وَمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ عَلِمَ أَنَّ هَذَا هُوَ النِّهَايَةُ فِي حُسْنِ التَّرْتِيبِ لِمَنْ يُرِيدُ الدَّعْوَةَ وَتَحْصِيلَ الِاعْتِقَادِ فِي قَلْبِ الْمُسْتَمِعِ. وَإِذْ قَدْ حَقَّقْنَا هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ فَلْنَتَكَلَّمِ الْآنَ فِي التَّفْسِيرِ بِعَوْنِ الله.
[سورة البقرة (2) : آية 40]
[سورة البقرة (2) : آية 40] يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) اعْلَمْ أَنَّ فِيهِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ إِسْرَائِيلَ هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَيَقُولُونَ إِنَّ مَعْنَى إِسْرَائِيلَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَنَّ «إِسْرَا» فِي لُغَتِهِمْ هُوَ الْعَبْدُ وَ «إِيلُ» هُوَ اللَّهُ وَكَذَلِكَ جِبْرِيلُ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَمِيكَائِيلُ عَبْدُ اللَّهِ. قَالَ الْقَفَّالُ: قِيلَ إِنْ «إِسْرَا» بِالْعِبْرَانِيَّةِ فِي مَعْنَى إنسان فكأنه قيل رجل الله فقوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ خِطَابٌ مَعَ جَمَاعَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَيَّامِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حَدُّ النِّعْمَةِ أَنَّهَا الْمَنْفَعَةُ الْمَفْعُولَةُ عَلَى جِهَةِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْغَيْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الْغَيْرِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا زِدْنَا هَذَا لِأَنَّ النِّعْمَةَ يُسْتَحَقُّ بِهَا الشُّكْرُ وَإِذَا كَانَتْ قَبِيحَةً لَمْ يستحق بها الشكر والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه/ يجوز أن يستحق الشكر بِالْإِحْسَانِ وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ مَحْظُورًا لِأَنَّ جِهَةَ اسْتِحْقَاقِ الشُّكْرِ غَيْرُ جِهَةِ اسْتِحْقَاقِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ، فَأَيُّ امْتِنَاعٍ فِي اجْتِمَاعِهِمَا؟ أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَاسِقَ يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ بِإِنْعَامِهِ وَالذَّمَّ بِمَعْصِيَتِهِ فَلِمَ لا يجوز هاهنا أن يكون الأمر كذلك؟ ولنرجع إلى تفسي الْحَدِّ فَنَقُولُ: أَمَّا قَوْلُنَا: الْمَنْفَعَةُ فَلِأَنَّ الْمَضَرَّةَ الْمَحْضَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نِعْمَةً، وَقَوْلُنَا: الْمَفْعُولَةُ عَلَى جِهَةِ الْإِحْسَانِ فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَفْعًا وَقَصَدَ الْفَاعِلُ نَفْعَ نَفْسِهِ لَا نَفْعَ الْمَفْعُولِ بِهِ كَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى جَارِيَتِهِ لِيَرْبَحَ عَلَيْهَا أَوْ أَرَادَ اسْتِدْرَاجَهُ إِلَى ضَرَرٍ وَاخْتِدَاعِهِ كَمَنْ أَطْعَمَ خَبِيصًا مَسْمُومًا لِيُهْلِكَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، نِعْمَةً فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ مَفْعُولَةً عَلَى قَصْدِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْغَيْرِ كَانَتْ نِعْمَةً. إِذَا عَرَفْتَ حَدَّ النِّعْمَةِ فَلْنُفَرِّعْ عَلَيْهِ فُرُوعًا: الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا يَصِلُ إِلَيْنَا آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنَ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ فَهُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النَّحْلِ: 53] ، ثُمَّ إِنَّ النِّعْمَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: نِعْمَةٌ تَفَرَّدَ اللَّهُ بِهَا نَحْوَ أَنْ خَلَقَ وَرَزَقَ، وَثَانِيهَا: نِعْمَةٌ وَصَلَتْ إِلَيْنَا مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ بِأَنْ خَلَقَهَا وَخَلَقَ الْمُنْعِمَ وَمَكَّنَهُ مِنَ الْإِنْعَامِ وَخَلَقَ فِيهِ قُدْرَةَ الْإِنْعَامِ وَدَاعِيَتَهُ وَوَفَّقَهُ عَلَيْهِ وَهَدَاهُ إِلَيْهِ، فَهَذِهِ النِّعْمَةُ فِي الْحَقِيقَةِ أَيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَجْرَاهَا عَلَى يَدِ عَبْدِهِ كَانَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَشْكُورًا، وَلَكِنَّ الْمَشْكُورَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ [لُقْمَانَ: 14] فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» . وَثَالِثُهَا: نِعْمَةٌ وَصَلَتْ إِلَيْنَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ طَاعَاتِنَا وَهِيَ أَيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَفَّقَنَا عَلَى الطَّاعَاتِ وَأَعَانَنَا عَلَيْهَا وَهَدَانَا إِلَيْهَا وَأَزَاحَ الْأَعْذَارَ وَإِلَّا لَمَا وَصَلْنَا إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا، فَظَهَرَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ. الْفَرْعُ الثَّانِي: أَنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبِيدِهِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ عَدُّهَا وَحَصْرُهَا عَلَى مَا قَالَ: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها [النَّحْلِ: 18] وَإِنَّمَا لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَا أُودِعَ فِينَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَاللَّذَّاتِ الَّتِي نَنْتَفِعُ بِهَا وَالْجَوَارِحِ وَالْأَعْضَاءِ الَّتِي نَسْتَعْمِلُهَا فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَالَمِ مِمَّا يُلْتَذُّ بِهِ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَمَا وُجِدَ فِي الْعَالَمِ مِمَّا يَحْصُلُ الِانْزِجَارُ بِرُؤْيَتِهِ عَنِ الْمَعَاصِي مِمَّا لَا يُحْصَى عَدَدُهُ وَكُلُّ ذَلِكَ مَنَافِعُ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ هِيَ اللَّذَّةُ أَوْ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إِلَى اللَّذَّةِ وَجَمِيعُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَا يُلْتَذُّ بِهِ نِعْمَةٌ وَكُلُّ مَا يُلْتَذُّ بِهِ وَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى دَفْعِ الضَّرَرِ فَهُوَ كَذَلِكَ وَالَّذِي لَا يَكُونُ جَالِبًا لِلنَّفْعِ الْحَاضِرِ وَلَا دَافِعًا لِلضَّرَرِ الْحَاضِرِ فَهُوَ صَالِحٌ لِأَنْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الصَّانِعِ الْحَكِيمِ فَيَقَعُ ذَلِكَ وَسِيلَةً إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَهُمَا وَسِيلَتَانِ إِلَى اللَّذَّاتِ الْأَبَدِيَّةِ فَثَبَتَ أَنَّ جَمِيعَ مَخْلُوقَاتِهِ
سُبْحَانَهُ نِعَمٌ عَلَى الْعَبِيدِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْعُقُولُ قَاصِرَةً عَنْ تَعْدِيدِ مَا فِي أَقَلِّ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْحِكَمِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ مَا فِي الْعَالَمِ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْحِكَمِ، فَصَحَّ بِهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتِ النِّعَمُ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ وَمَا لَا يَتَنَاهَى لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ فَكَيْفَ أَمَرَ بِتَذَكُّرِهَا فِي قَوْلِهِ: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ/ عَلَيْكُمْ وَالْجَوَابُ أَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ بِحَسَبِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَشْخَاصِ إِلَّا أَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ بِحَسَبِ الْأَجْنَاسِ، وَذَلِكَ يَكْفِي فِي التَّذْكِيرِ الَّذِي يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوُجُودِ الصَّانِعِ الْحَكِيمِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالطَّاعَةِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا عَلَى إِيصَالِ النِّعْمَةِ ثَبَتَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِحَمْدِ الْحَامِدِينَ. وَلِهَذَا قَالَ فِي ذَمِّ الْأَصْنَامِ: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشُّعَرَاءِ: 72، 73] وَقَالَ تَعَالَى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ [الْفُرْقَانِ: 55] وَقَالَ: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى [يُونُسَ: 35] . الْفَرْعُ الثَّالِثُ: أَنَّ أَوَّلَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى عَبِيدِهِ هُوَ أَنْ خَلَقَهُمْ أَحْيَاءً وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [الْبَقَرَةِ: 28، 29] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَصْلَ النِّعَمِ الْحَيَاةُ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَوَّلَ مَا ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ فَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحَيَاةَ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ عَقِيبَهَا سَائِرَ النِّعَمِ وَأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَّرَ الْمُؤْمِنِينَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ حَيَاةِ الدُّنْيَا حَيَاةُ الْآخِرَةِ وَالثَّوَابُ. وَبَيَّنَ أَنَّ جَمِيعَ مَا خَلَقَ قِسْمَانِ مُنْتَفِعٌ وَمُنْتَفَعٌ بِهِ، هَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: إِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَمَا خَلَقَ الْمَنَافِعَ خَلَقَ الْمَضَارَّ وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا سَمَّى نَفْسَهُ «النَّافِعَ الضَّارَّ» وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. الْفَرْعُ الرَّابِعُ: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَنْعَمَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ بِنِعْمَةِ الدُّنْيَا وَنِعْمَةِ الدِّينِ، وَسَوَّى بَيْنِ الْجَمِيعِ فِي النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، أَمَّا فِي النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ فَلِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ فِي الْمَقْدُورِ مِنَ الْأَلْطَافِ فَقَدْ فَعَلَ بِهِمْ وَالَّذِي لَمْ يَفْعَلْهُ فَغَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْقُدْرَةِ إِذْ لَوْ قَدَرَ عَلَى لُطْفٍ لَمْ يَفْعَلْهُ بِالْمُكَلَّفِ لَبَقِيَ عُذْرُ الْمُكَلَّفِ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَعَلَى قَوْلِ الْبَغْدَادِيِّينَ خَاصَّةً لِأَنَّ عِنْدَهُمْ يَجِبُ رِعَايَةُ الْأَصْلَحِ فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ لَا يَجِبُ. وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: إن الله تعالى خلق الكافر للنار والعذاب الْآخِرَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ لِلَّهِ نِعْمَةٌ عَلَى الْكَافِرِ فِي الدُّنْيَا؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذِهِ النِّعَمُ الْقَلِيلَةُ فِي الدُّنْيَا لَمَّا كَانَتْ مُؤَدِّيَةً إِلَى الضَّرَرِ الدَّائِمِ فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نِعْمَةً عَلَى الْكَافِرِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْ جَعَلَ السُّمَّ فِي الْحَلْوَى لَمْ يَعُدَّ النَّفْعَ الْحَاصِلَ مِنْ أَكْلِ الْحَلْوَى نِعْمَةً لَمَّا كَانَ ذَلِكَ سَبِيلًا إِلَى الضَّرَرِ الْعَظِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [آلِ عِمْرَانَ: 178] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يُنْعِمْ عَلَى الْكَافِرِ بِنِعْمَةِ الدِّينِ فَلَقَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِنِعْمَةِ الدُّنْيَا وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصْوَبُ وَيَدُلُّ عليه وجوه. أحدها: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً [الْبَقَرَةِ: 21، 22] فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْكُلِّ طَاعَتُهُ لِمَكَانِ هَذِهِ النِّعَمِ وَهِيَ نِعْمَةُ الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ. ثَانِيهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً [البقرة: 28] إِلَى آخِرِهِ وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ وَشَرْحِ النِّعَمِ وَلَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ مِنَ النِّعَمِ لَمَا صَحَّ ذلك. وثالثها: قوله: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [الْبَقَرَةِ: 47] وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْعَمَ عَلَى الْكَافِرِ إِذِ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ هُمْ أَهْلُ الكتاب وكانوا من الكفار وكذا قوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ/ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ إلى قوله: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ وَقَوْلُهُ: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الْبَقَرَةِ: 53] . وَكُلُّ ذَلِكَ
عَدٌّ لِلنِّعَمِ عَلَى الْعَبِيدِ. وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً [الْأَنْعَامِ: 6] . وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُ: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ [الْأَنْعَامِ: 63] إِلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ. وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [الْأَعْرَافِ: 10] وَقَالَ فِي قِصَّةِ إِبْلِيسَ: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ [الْأَعْرَافِ: 17] ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةٌ لَمَا كَانَ لِهَذَا الْقَوْلِ فَائِدَةٌ. وَسَابِعُهَا: قَوْلُهُ: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ [الْأَعْرَافِ: 74] الْآيَةَ، وَقَالَ حَاكِيًا عَنْ شُعَيْبٍ: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ [الْأَعْرَافِ: 86] وَقَالَ حَاكِيًا عَنْ مُوسَى: قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [الْأَعْرَافِ: 140] . وَثَامِنُهَا: قَوْلُهُ: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ [الْأَنْفَالِ: 53] وَهَذَا صَرِيحٌ. وَتَاسِعُهَا: قَوْلُهُ: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ [يُونُسَ: 5] . وَعَاشِرُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ. الْحَادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها إِلَى قَوْلِهِ: فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [يُونُسَ: 22- 23] . الثَّانِي عَشَرَ: قَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً [الْفُرْقَانِ: 47] . وَقَوْلُهُ: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً [يُونُسَ: 67] . الثَّالِثَ عَشَرَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ [إِبْرَاهِيمَ: 28- 29] . الرَّابِعَ عَشَرَ: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ [إِبْرَاهِيمَ: 32] . الْخَامِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إِبْرَاهِيمَ: 34] وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ النِّعْمَةِ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رَاجِعٌ إِلَى الْعِبَارَةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَعْنِي الْحَيَاةَ وَالْعَقْلَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَأَنْوَاعَ الرِّزْقِ وَالْمَنَافِعِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْمَنَافِعِ إِذَا حَصَلَ عَقِيبَهَا تِلْكَ الْمَضَارُّ الْأَبَدِيَّةُ هَلْ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ عَلَيْهَا اسْمُ النِّعْمَةِ أَمْ لَا؟ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ نِزَاعٌ فِي مُجَرَّدِ عِبَارَةٍ، وَأَمَّا الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَلْتَذُّ بِهِ الْمُكَلَّفُ فَهُوَ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الصَّانِعِ وَعَلَى لُطْفِهِ وَإِحْسَانِهِ فَأُمُورٌ. أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فيبين تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا بَعَثَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَلِأَجْلِ الدَّعْوَةِ إِلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَالْإِيمَانِ بِتَوْحِيدِهِ وَعَدْلِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [النَّحْلِ: 2- 4] فَبَيَّنَ أَنَّ حُدُوثَ الْعَبْدِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ مَنْ أَعْظَمِ الدَّلَائِلِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَهُوَ انْقِلَابُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، مِنْ كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ مِنْ أَخَسِّ أَحْوَالِهِ/ وَهُوَ كَوْنُهُ نُطْفَةً إِلَى أَشْرَفِ أَحْوَالِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ خَصِيمًا مُبِينًا، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وُجُوهَ إِنْعَامِهِ فَقَالَ: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ إِلَى قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [النَّحْلِ: 5- 10] بَيَّنَ بِذَلِكَ الرَّدِّ عَلَى الدَّهْرِيَّةِ وَأَصْحَابِ الطَّبَائِعِ لِأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ الْمَاءَ وَاحِدٌ وَالتُّرَابَ وَاحِدٌ وَمَعَ ذَلِكَ اخْتَلَفَتِ الْأَلْوَانُ وَالطُّعُومُ وَالرَّوَائِحُ، ثُمَّ قَالَ: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ [النَّحْلِ: 12] بَيَّنَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى الْمُنَجِّمِينَ وَأَصْحَابِ الْأَفْلَاكِ حَيْثُ اسْتُدِلَّ بِحَرَكَاتِهَا وَبِكَوْنِهَا مُسَخَّرَةً عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى حُدُوثِهَا فَأَثْبَتَ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ مَخْلُوقٌ لِأَجْلِ الْمُكَلَّفِينَ لِأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ مِمَّا يُغَايِرُ ذَاتَ الْمُكَلَّفِ لَيْسَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَلْتَذَّ بِهِ الْمُكَلَّفُ وَيَسْتَرْوِحَ إِلَيْهِ فَيَحْصُلُ لَهُ بِهِ سُرُورٌ أَوْ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ كُلْفَةً أَوْ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ اعْتِبَارٌ نَحْوَ الْأَجْسَامِ الْمُؤْذِيَةِ كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ فَيَتَذَكَّرُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا أَنْوَاعَ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ فَيَحْتَرِزُ مِنْهَا وَيَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى الْمُنْعِمِ الْأَعْظَمِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ عَنْ هَذِهِ الْمَنَافِعِ، ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَبَّهَ عَلَى عِظَمِ إِنْعَامِهِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي آخِرِ هَذِهِ الْآيَاتِ فَقَالَ: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها [النَّحْلِ: 18] . وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [النَّحْلِ: 112] فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ كَوْنَ النِّعْمَةِ وَاصِلَةً إِلَيْهِمْ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ كُفْرَانُهَا سَبَبًا لِلتَّبْدِيلِ، وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ قَارُونَ: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [الْقَصَصِ: 77] وَقَالَ: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لُقْمَانَ: 20] وَقَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ [الْوَاقِعَةِ: 58] وقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [يس: 14] [الرَّحْمَنِ: 16] عَلَى سَبِيلِ التَّكْرِيرِ وَكُلُّ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَهُوَ مِنَ النِّعَمِ، إِمَّا فِي الدِّينِ أَوْ فِي الدُّنْيَا فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي النِّعَمِ الْمَخْصُوصَةِ يبني إِسْرَائِيلَ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: عَبِيدُ النِّعَمِ كَثِيرُونَ وَعَبِيدُ الْمُنْعِمِ قَلِيلُونَ، فَاللَّهُ تَعَالَى ذَكَّرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَلَمَّا آلَ الْأَمْرُ إِلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَّرَهُمْ بِالْمُنْعِمِ فَقَالَ: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [الْبَقَرَةِ: 152] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى فَضْلِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ. وَاعْلَمْ أَنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَثِيرَةٌ (أ) اسْتَنْقَذَهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَأَبْدَلَهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِتَمْكِينِهِمْ فِي الْأَرْضِ وَتَخْلِيصِهِمْ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ كَمَا قَالَ: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ مَا كانُوا يَحْذَرُونَ [الْقَصَصِ: 5، 6] . (ب) جَعَلَهُمْ أَنْبِيَاءَ وَمُلُوكًا بَعْدَ أَنْ كَانُوا عَبِيدًا لِلْقِبْطِ فَأَهْلَكَ أَعْدَاءَهُمْ وَأَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ كَمَا قَالَ: كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [الشُّعَرَاءِ: 59] (ج) أَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي مَا أَنْزَلَهَا عَلَى أُمَّةٍ سِوَاهُمْ كَمَا قَالَ: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [الْمَائِدَةِ: 20] . (د) رَوَى هِشَامٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ نَجَّاهُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ فِي التِّيهِ الْغَمَامَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى فِي التِّيهِ وَأَعْطَاهُمُ الْحَجَرَ الذي/ كان كرأس الرجل يسقيهم ما شاؤوا مِنَ الْمَاءِ مَتَى أَرَادُوا فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنِ الْمَاءِ رَفَعُوهُ فَاحْتَبَسَ الْمَاءُ عَنْهُمْ وَأَعْطَاهُمْ عَمُودًا من النور ليضيء لهم بالليل وكانت رؤوسهم لَا تَتَشَعَّثُ وَثِيَابُهُمْ لَا تَبْلَى. وَاعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِنَّمَا ذَكَّرَهُمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ فِي جُمْلَةِ النِّعَمِ مَا يَشْهَدُ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ. وَثَانِيهَا: أَنَّ كَثْرَةَ النِّعَمِ تُوجِبُ عِظَمَ الْمَعْصِيَةِ فَذَكَّرَهُمْ تِلْكَ النِّعَمَ لِكَيْ يَحْذَرُوا مُخَالَفَةَ مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْقُرْآنِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ تَذْكِيرَ النِّعَمِ الْكَثِيرَةِ يُوجِبُ الْحَيَاءَ عَنْ إِظْهَارِ الْمُخَالَفَةِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ تَذْكِيرَ النِّعَمِ الْكَثِيرَةِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُنْعِمَ خَصَّهُمْ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ النَّاسِ بِهَا وَمَنْ خَصَّ أَحَدًا بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُزِيلُهَا عَنْهُمْ لِمَا قِيلَ: إِتْمَامُ الْمَعْرُوفِ خَيْرٌ مِنَ ابْتِدَائِهِ فَكَأَنَّ تَذْكِيرَ النِّعَمِ السَّالِفَةِ يُطْمِعُ فِي النِّعَمِ الْآتِيَةِ، وَذَلِكَ الطَّمَعُ مَانِعٌ مِنْ إِظْهَارِ الْمُخَالَفَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ النِّعَمُ مَا
كَانَتْ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ بَلْ كَانَتْ عَلَى آبَائِهِمْ فَكَيْفَ تَكُونُ نِعَمًا عَلَيْهِمْ وَسَبَبًا لِعِظَمِ مَعْصِيَتِهِمْ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: لَوْلَا هَذِهِ النِّعَمُ عَلَى آبَائِهِمْ لَمَا بَقُوا فَمَا كَانَ يَحْصُلُ هَذَا النَّسْلُ فَصَارَتِ النِّعَمُ عَلَى الْآبَاءِ كَأَنَّهَا نِعَمٌ عَلَى الْأَبْنَاءِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الِانْتِسَابَ إِلَى الْآبَاءِ وَقَدْ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِنِعَمِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ. وَثَالِثُهَا: الأولاد متى سمعوا أن الله خَصَّ آبَاءَهُمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ لِمَكَانِ طَاعَتِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْكُفْرِ وَالْجُحُودِ رَغِبَ الْوَلَدُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَجْبُولٌ عَلَى التَّشَبُّهِ بِالْأَبِ فِي أَفْعَالِ الْخَيْرِ فَيَصِيرُ هَذَا التَّذْكِيرُ دَاعِيًا إِلَى الِاشْتِغَالِ بِالْخَيْرَاتِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الشُّرُورِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعَهْدَ يُضَافُ إِلَى الْمُعَاهِدِ وَالْمُعَاهَدِ جَمِيعًا وذكروا في هذا العهد قولين: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ جَمِيعُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِبَعْضِ التَّكَالِيفِ دُونَ بَعْضٍ ثُمَّ فِيهِ رِوَايَاتٌ. إِحْدَاهَا: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ تَعْرِيفَهُ إِيَّاهُمْ نِعَمَهُ عَهْدًا لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ يَلْزَمُهُمُ الْقِيَامُ بِشُكْرِهَا كَمَا يَلْزَمُهُمُ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، وَقَوْلُهُ: أُوفِ بِعَهْدِكُمْ أَرَادَ بِهِ الثَّوَابَ وَالْمَغْفِرَةَ. فَجَعَلَ الْوَعْدَ بِالثَّوَابِ شَبِيهًا بِالْعَهْدِ مِنْ حَيْثُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ. ثَانِيهَا: قَالَ الْحَسَنُ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْعَهْدُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً، وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ إِلَى قَوْلِهِ: وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [الْمَائِدَةِ: 12] فَمَنْ وَفَّى لِلَّهِ بِعَهْدِهِ وَفَّى اللَّهُ لَهُ بِعَهْدِهِ، وَثَالِثُهَا: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ أَوْفُوا بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ مِنَ الْمَعَاصِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ، أَيْ أَرْضَى عَنْكُمْ وَأُدْخِلْكُمُ الْجَنَّةَ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَحْقِيقُهُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ [التَّوْبَةِ: 111] . الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْعَهْدِ مَا أَثْبَتَهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ وَصْفِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ سَيَبْعَثُهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ بِقَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي/ إِسْرائِيلَ إِلَى قَوْلِهِ: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [الْمَائِدَةِ: 12] وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الْأَعْرَافِ: 156- 157] وَأَمَّا عَهْدُ اللَّهِ مَعَهُمْ فَهُوَ أَنْ يُنْجِزَ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنْ وَضْعِ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَقَالَ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ [آلِ عِمْرَانَ: 81] الْآيَةَ. وَقَالَ: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصَّفِّ: 6] . وَقَالَ ابْنُ عباس: إن الله تعالى كان عَهِدَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ أَنِّي بَاعِثٌ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا أُمِّيًّا فَمَنْ تَبِعَهُ وَصَدَّقَ بِالنُّورِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ- أَيْ بِالْقُرْآنِ- غَفَرْتُ لَهُ ذَنْبَهُ وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ وَجَعَلْتُ لَهُ أَجْرَيْنِ، أَجْرًا بِاتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى وَجَاءَتْ بِهِ سَائِرُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَجْرًا بِاتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَتَصْدِيقُ هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ [الْقَصَصِ: 52] إِلَى قَوْلِهِ: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا [الْقَصَصِ: 54] وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى يَقُولُ تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي قوله تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ
[الْحَدِيدِ: 28] وَتَصْدِيقُهُ أَيْضًا فِيمَا رَوَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِعِيسَى ثُمَّ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ أَدَّبَ أَمَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ أَطَاعَ اللَّهَ وَأَطَاعَ سَيِّدَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ» بَقِيَ هاهنا سُؤَالَانِ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتُمْ فَكَيْفَ يَجُوزُ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ جَحْدَهُ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ كَانَ حَاصِلًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِكُتُبِهِمْ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ فَجَازَ مِنْهُمْ كِتْمَانُهُ. الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ النَّصَّ كَانَ نَصًّا خَفِيًّا لَا جَلِيًّا فَجَازَ وُقُوعُ الشُّكُوكِ وَالشُّبُهَاتِ فِيهِ. السُّؤَالُ الثَّانِي: الشَّخْصُ الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ وَقْتُ خُرُوجِهِ وَمَكَانُ خُرُوجِهِ وَسَائِرُ التَّفَاصِيلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ النَّصُّ نَصًّا جَلِيًّا وَارِدًا فِي كُتُبٍ مَنْقُولَةٍ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّوَاتُرِ فَكَانَ يَمْتَنِعُ قُدْرَتُهُمْ عَلَى الْكِتْمَانِ وَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ النَّصُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ ذَلِكَ الْمُبَشَّرَ بِهِ سَيَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْيَهُودِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِينَ حَمَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ عَلَى الْأَمْرِ بِالتَّأَمُّلِ فِي الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إِنَّمَا اخْتَارُوهُ لِقُوَّةِ هَذَا السُّؤَالِ، فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصُرَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ فَإِنَّهُ يُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ تَعْيِينَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ نَصًّا جَلِيًّا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ بَلْ كَانَ مَنْصُوصًا/ عَلَيْهِ نَصًّا خَفِيًّا فَلَا جَرَمَ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَلْنَذْكُرِ الْآنَ بَعْضَ مَا جَاءَ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْبِشَارَةِ بِمَقْدَمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالْأَوَّلُ: جَاءَ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنَ السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ أَنَّ هَاجَرَ لَمَّا غَضِبَتْ عَلَيْهَا سَارَّةُ تَرَاءَى لَهَا مَلَكٌ [مِنْ قِبَلِ] اللَّهِ فَقَالَ لَهَا يَا هَاجَرُ أَيْنَ تُرِيدِينَ وَمِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ قَالَتْ: أَهْرُبُ مِنْ سَيِّدَتِي سَارَّةَ فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي إِلَى سَيِّدَتِكِ وَاخْفِضِي لَهَا فَإِنَّ اللَّهَ سَيُكْثِرُ زَرْعَكِ وَذُرِّيَّتَكِ وَسَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ إِسْمَاعِيلَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ سَمِعَ تَبَتُّلَكِ وَخُشُوعَكِ وَهُوَ يَكُونُ عَيْنَ النَّاسِ وَتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ وَيَدُ الْجَمِيعِ مَبْسُوطَةٌ إِلَيْهِ بِالْخُضُوعِ وَهُوَ يَشْكُرُ عَلَى رَغْمِ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا الْكَلَامِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْبِشَارَةِ وَلَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يُبَشِّرَ الْمَلَكُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ بِالظُّلْمِ وَالْجَوْرِ وَبِأَمْرٍ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ وَوَلَدَهُ لَمْ يَكُونُوا مُتَصَرِّفِينَ فِي الْكُلِّ أَعْنِي فِي مُعْظَمِ الدُّنْيَا وَمُعْظَمِ الْأُمَمِ وَلَا كَانُوا مُخَالِطِينَ لِلْكُلِّ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِيلَاءِ إِلَّا بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ مَحْصُورِينَ فِي الْبَادِيَةِ لَا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى الدُّخُولِ فِي أَوَائِلِ الْعِرَاقِ وَأَوَائِلِ الشَّامِ إِلَّا عَلَى أَتَمِّ خَوْفٍ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ اسْتَوْلَوْا عَلَى الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ بِالْإِسْلَامِ وَمَازَجُوا الْأُمَمَ وَوَطِئُوا بِلَادَهُمْ وَمَازَجَتْهُمُ الْأُمَمُ وَحَجُّوا بَيْتَهُمْ وَدَخَلُوا بَادِيَتَهُمْ بِسَبَبِ مُجَاوَرَةِ الْكَعْبَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَادِقًا لَكَانَتْ هَذِهِ الْمُخَالَطَةُ مِنْهُمْ لِلْأُمَمِ وَمِنَ الْأُمَمِ لَهُمْ مَعْصِيَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَخُرُوجًا عَنْ طَاعَتِهِ إِلَى طَاعَةِ الشَّيْطَانِ وَاللَّهُ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُبَشِّرَ بِمَا هَذَا سَبِيلُهُ. وَالثَّانِي: جَاءَ فِي الْفَصْلِ الْحَادِي عَشَرَ مِنَ السِّفْرِ الْخَامِسِ: «إِنَّ الرَّبَّ إِلَهَكُمْ يُقِيمُ لَكُمْ نَبِيًّا مِثْلِي مِنْ بَيْنِكُمْ وَمِنْ إِخْوَانِكُمْ» ، وَفِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى: «إِنِّي مُقِيمٌ لَهُمْ نَبِيًّا مِثْلَكَ مِنْ بَيْنِ إِخْوَانِهِمْ وَأَيُّمَا رَجُلٍ لَمْ يَسْمَعْ كَلِمَاتِي الَّتِي يُؤَدِّيهَا عَنِّي ذَلِكَ الرَّجُلُ بِاسْمِي أَنَا أَنْتَقِمُ مِنْهُ» . وَهَذَا الْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ الَّذِي يُقِيمُهُ اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ لِبَنِي هَاشِمٍ: إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ إِخْوَانِكُمْ إِمَامٌ، عَقَلَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ
بَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ إِنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ إِسْرَائِيلُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخٌ إِلَّا الْعِيصَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْعِيصِ وَلَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى أَيُّوبَ وَإِنَّهُ كَانَ قَبْلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مُبَشِّرًا بِهِ، وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَإِنَّهُ كَانَ أخاً لإسحاق وَالِدِ يَعْقُوبَ ثُمَّ إِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَ مُوسَى كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا كَانَ مِنْهُمْ لَكِنَّهُ كَانَ مِنْ إِخْوَانِهِمْ لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ الَّذِي هو أخو إسحاق عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: «مِنْ بَيْنِكُمْ» يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قُلْنَا: بَلْ قَدْ قَامَ مِنْ بَيْنِهِمْ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ظَهَرَ بِالْحِجَازِ فَبُعِثَ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبِهَا تَكَامَلَ أَمْرُهُ. وَقَدْ كَانَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ بِلَادُ الْيَهُودِ كَخَيْبَرَ وَبَنِي قَيْنُقَاعَ وَالنَّضِيرِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحِجَازَ يُقَارِبُ الشَّامَ وَجُمْهُورُ الْيَهُودِ كَانُوا إِذْ ذَاكَ بِالشَّامِ، فَإِذَا قَامَ مُحَمَّدٌ بِالْحِجَازِ فَقَدْ قَامَ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ مِنْ إِخْوَانِهِمْ فَقَدْ قَامَ مِنْ بَيْنِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنْهُمْ. وَالثَّالِثُ: قَالَ فِي الْفَصْلِ الْعِشْرِينَ مِنْ هَذَا السِّفْرِ: «إِنَّ/ الرَّبَّ تَعَالَى جَاءَ فِي طُورِ سَيْنَاءَ وَطَلَعَ لَنَا مِنْ سَاعِيرَ وَظَهَرَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ وَصَفَّ عَنْ يَمِينِهِ عُنْوَانَ الْقِدِّيسِينَ فَمَنَحَهُمُ الْعِزَّ وَحَبَّبَهُمْ إِلَى الشُّعُوبِ وَدَعَا لِجَمِيعِ قِدِّيسِيهِ بِالْبَرَكَةِ، وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ جَبَلَ فَارَانَ هُوَ بِالْحِجَازِ لِأَنَّ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا سَكَنَ بِمَكَّةَ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ قَوْلَهُ: «فَمَنَحَهُمُ الْعِزَّ» لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِيبَ سُكْنَى إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُنَاكَ عِزٌّ وَلَا اجْتَمَعَ هُنَاكَ رَبَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَتِ الْيَهُودُ: الْمُرَادُ أَنَّ النَّارَ لَمَّا ظَهَرَتْ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ ظَهَرَتْ مِنْ سَاعِيرَ نَارٌ أَيْضًا وَمِنْ جَبَلِ فَارَانَ أَيْضًا فَانْتَشَرَتْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ قُلْنَا هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ خَلَقَ نَارًا فِي مَوْضِعٍ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ جَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ إِذَا تَابَعَ ذَلِكَ الْوَاقِعَةَ وَحْيٌ نَزَلَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ عُقُوبَةٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَعِنْدَكُمْ أَنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ ظُهُورَ النَّارِ وَحْيٌ وَلَا كَلَامٌ إِلَّا مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ فَمَا كَانَ يَنْبَغِي إِلَّا أَنْ يُقَالَ ظَهَرَ مِنْ سَاعِيرَ وَمِنْ جَبَلِ فَارَانَ فَلَا يَجُوزُ وُرُودُهُ كَمَا لَا يُقَالُ جَاءَ اللَّهُ مِنَ الْغَمَامِ إِذَا ظَهَرَ فِي الْغَمَامِ احْتِرَاقٌ وَنِيرَانٌ كَمَا يَتَّفِقُ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ الرَّبِيعِ، وَأَيْضًا فَفِي كِتَابِ حَبْقُوقَ بَيَانُ مَا قُلْنَا وَهُوَ جَاءَ اللَّهُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ وَالْقُدْسِ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَانْكَشَفَتِ السَّمَاءُ مِنْ بَهَاءِ مُحَمَّدٍ وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْ حَمْدِهِ. يَكُونُ شُعَاعُ مَنْظَرِهِ مِثْلَ النُّورِ يَحْفَظُ بَلَدَهُ بِعِزِّهِ تَسِيرُ الْمَنَايَا أَمَامَهُ وَيَصْحَبُ سِبَاعُ الطَّيْرِ أَجْنَادَهُ قَامَ فَمَسَحَ الْأَرْضَ وَتَأَمَّلَ الْأُمَمَ وَبَحَثَ عَنْهَا فَتَضَعْضَعَتِ الْجِبَالُ الْقَدِيمَةُ وَاتَّضَعَتِ الرَّوَابِي وَالدَّهْرِيَّةُ، وَتَزَعْزَعَتْ سُتُورُ أَهْلِ مدين ركبت الْخُيُولَ، وَعَلَوْتَ مَرَاكِبَ الِانْقِيَادِ وَالْغَوْثِ وَسَتَنْزِعُ فِي قِسِيِّكَ إِغْرَاقًا وَنَزْعًا وَتَرْتَوِي السِّهَامُ بِأَمْرِكَ يَا مُحَمَّدُ ارْتِوَاءً وَتَخُورُ الْأَرْضُ بِالْأَنْهَارِ، وَلَقَدْ رَأَتْكَ الْجِبَالُ فَارْتَاعَتْ وَانْحَرَفَ عَنْكَ شُؤْبُوبُ السَّيْلِ وَنَفَرَتِ الْمَهَارِي نَفِيرًا وَرُعْبًا وَرَفَعَتْ أَيْدِيَهَا وَجَلًا وَفَرَقًا وَتَوَقَّفَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ عَنْ مَجْرَاهُمَا وَسَارَتِ الْعَسَاكِرُ فِي بَرْقِ سِهَامِكَ وَلَمَعَانِ بَيَانِكَ تُدَوِّخُ الْأَرْضَ غَضَبًا وَتَدُوسُ الْأُمَمَ زَجْرًا لِأَنَّكَ ظَهَرْتَ بِخَلَاصِ أُمَّتِكَ وَإِنْقَاذِ تُرَابِ آبَائِكَ» . هَكَذَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ رَزِينٍ الطَّبَرِيِّ. أَمَّا النَّصَارَى فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ قَدْ رَأَيْتُ فِي نُقُولِهِمْ: «وَظَهَرَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ لَقَدْ تَقَطَّعَتِ السَّمَاءُ مِنْ بَهَاءِ مُحَمَّدٍ الْمَحْمُودِ وَتَرْتَوِي السِّهَامُ بِأَمْرِكَ الْمَحْمُودِ لِأَنَّكَ ظَهَرْتَ بِخَلَاصِ أُمَّتِكَ وَإِنْقَاذِ مَسِيحِكَ» ، فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي التَّوْرَاةِ: «ظَهَرَ الرَّبُّ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ» لَيْسَ مَعْنَاهُ ظُهُورُ النَّارِ مِنْهُ بَلْ مَعْنَاهُ ظُهُورُ شَخْصٍ مَوْصُوفٍ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَمَا ذَاكَ إِلَّا رَسُولُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَإِنْ قَالُوا الْمُرَادُ مَجِيءُ اللَّهِ تَعَالَى وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ: «وَإِنْقَاذِ مَسِيحِكَ» قُلْنَا لَا يَجُوزُ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَرْكَبُ الْخُيُولَ وَبِأَنَّ شُعَاعَ مَنْظَرِهِ مِثْلُ النُّورِ وَبِأَنَّهُ جَازَ الْمَشَاعِرَ الْقَدِيمَةَ، أَمَّا قَوْلُهُ: (وَإِنْقَاذِ مَسِيحِكِ) فَإِنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْقَذَ الْمَسِيحَ مِنْ كَذِبِ الْيَهُودِ
وَالنَّصَارَى. وَالرَّابِعُ: مَا جَاءَ فِي كِتَابِ أَشْعِيَاءَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ: «قُومِي فَأَزْهِرِي مِصْبَاحَكِ، يُرِيدُ مَكَّةَ، فَقَدْ دَنَا وَقْتُكِ وَكَرَامَةُ اللَّهِ تَعَالَى طَالِعَةٌ عَلَيْكِ فَقَدْ تَجَلَّلَ الْأَرْضَ الظَّلَامُ وَغَطَّى عَلَى الْأُمَمِ الضَّبَابُ وَالرَّبُّ يُشْرِقُ عَلَيْكِ إِشْرَاقًا وَيُظْهِرُ كَرَامَتَهُ/ عَلَيْكِ تَسِيرُ الْأُمَمُ إِلَى نُورِكِ وَالْمُلُوكُ إِلَى ضَوْءِ طُلُوعِكِ وَارْفَعِي بَصَرَكِ إِلَى مَا حَوْلَكِ وَتَأَمَّلِي فَإِنَّهُمْ مُسْتَجْمَعُونَ عِنْدَكِ وَيَحُجُّونَكِ وَيَأْتِيكِ وَلَدُكِ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ لِأَنَّكِ أُمُّ الْقُرَى فَأَوْلَادُ سَائِرِ الْبِلَادِ كَأَنَّهُمْ أَوْلَادُ مَكَّةَ وَتَتَزَيَّنُ ثِيَابُكِ عَلَى الْأَرَائِكِ وَالسُّرُرِ حِينَ تَرَيْنَ ذَلِكَ تُسَرِّينَ وَتَبْتَهِجِينَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَمِيلُ إِلَيْكِ ذَخَائِرُ الْبَحْرِ وَيَحُجُّ إِلَيْكِ عَسَاكِرُ الْأُمَمِ وَيُسَاقُ إِلَيْكِ كِبَاشُ مَدْيَنَ وَيَأْتِيكِ أَهْلُ سَبَأٍ وَيَتَحَدَّثُونَ بِنِعَمِ اللَّهِ وَيُمَجِّدُونَهُ وَتَسِيرُ إِلَيْكِ أَغْنَامُ فَارَانَ وَيُرْفَعُ إِلَى مَذْبَحِي مَا يُرْضِينِي وَأُحْدِثُ حِينَئِذٍ لِبَيْتِ مَحْمَدَتِي حَمْدًا» . فَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ كُلَّهَا مَوْجُودَةٌ لِمَكَّةَ فَإِنَّهُ قَدْ حَجَّ إِلَيْهَا عَسَاكِرُ الْأُمَمِ وَمَالَ إِلَيْهَا ذَخَائِرُ الْبَحْرِ وَقَوْلُهُ: «وَأُحْدِثُ لِبَيْتِ مَحْمَدَتِي حَمْدًا» مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُلَبِّي قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَتَقُولُ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، ثُمَّ صَارَ فِي الْإِسْلَامِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، فَهَذَا هُوَ الْحَمْدُ الَّذِي جَدَّدَهُ اللَّهُ لِبَيْتِ مَحْمَدَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ الْمُرَادُ: بِذَلِكَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَسَيَكُونُ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ. قُلْنَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الْحَكِيمُ: «قَدْ دَنَا وَقْتُكِ» مَعَ أَنَّهُ مَا دَنَا بَلِ الَّذِي دَنَا أَمْرٌ لَا يُوَافِقُ رِضَاهُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُحَذِّرُ مِنْهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ كِتَابَ أَشْعِيَاءَ مَمْلُوءٌ مِنْ ذِكْرِ الْبَادِيَةِ وَصِفَتِهَا، وَذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ. وَالْخَامِسُ: رَوَى السَّمَّانُ فِي تَفْسِيرِهِ فِي السِّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «قَدْ أَجَبْتُ دُعَاكَ فِي إِسْمَاعِيلَ وَبَارَكْتُ عَلَيْهِ فَكَبَّرْتُهُ وَعَظَّمْتُهُ جِدًّا جِدًّا وَسَيَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ عَظِيمًا وَأَجْعَلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ» وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ مَنْ كَانَ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ غَيْرَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا دُعَاءُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِسْمَاعِيلَ فَكَانَ لِرَسُولِنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا فَرَغَا مِنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الْبَقَرَةِ: 129] وَلِهَذَا كَانَ يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَةُ عِيسَى» وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصَّفِّ: 6] فَإِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَمْدِ وَالِاسْمُ الْمُشْتَقُّ مِنَ الْحَمْدِ لَيْسَ إِلَّا لِنَبِيِّنَا فَإِنَّ اسْمَهُ مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَمَحْمُودٌ. قِيلَ إِنَّ صِفَتَهُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ مَوْلِدَهُ بِمَكَّةَ وَمَسْكَنَهُ بِطِيبَةَ وَمُلْكَهُ بِالشَّامِ وَأُمَّتَهُ الْحَمَّادُونَ. وَالسَّادِسُ: قَالَ الْمَسِيحُ لِلْحَوَارِيِّينَ: «أَنَا أَذْهَبُ وَسَيَأْتِيكُمُ الْفَارْقَلِيطْ رَوُحُ الْحَقِّ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ إِنَّمَا يَقُولُ كَمَا يُقَالُ لَهُ» وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ [الأنعام: 50] وَقَوْلُهُ: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ [يُونُسَ: 15] أَمَّا «الْفَارْقَلِيطْ» فَفِي تَفْسِيرِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الشَّافِعُ الْمُشَفَّعُ وَهَذَا أَيْضًا صِفَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، الثَّانِي: قَالَ بَعْضُ النَّصَارَى: الْفَارْقَلِيطْ هُوَ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَكَانَ فِي الْأَصْلِ فَارُوقٌ كَمَا يُقَالُ رَاوُوقٌ لِلَّذِي يُرَوَّقُ بِهِ وَأَمَّا «لِيطْ» فَهُوَ التَّحْقِيقُ فِي الْأَمْرِ كَمَا يُقَالُ شَيْبٌ أَشْيَبُ ذُو شَيْبٍ وَهَذَا أَيْضًا صِفَةُ شَرْعِنَا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَالسَّابِعُ: قَالَ دَانْيَالُ لِبُخْتَنَصَّرَ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الرُّؤْيَا الَّتِي كَانَ رَآهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ قَصَّهَا عَلَيْهِ: رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَنْظَرًا هَائِلًا رَأْسُهُ مِنَ الذَّهَبِ الْأَبْرِيزِ وَسَاعِدُهُ مِنَ الْفِضَّةِ وَبَطْنُهُ وَفَخِذَاهُ مِنْ نُحَاسٍ وَسَاقَاهُ مِنْ حَدِيدٍ وَبَعْضُهَا/ مِنْ خَزَفٍ وَرَأَيْتَ حَجَرًا يَقْطَعُ مِنْ غَيْرِ قَاطِعٍ وَصَكَّ رِجْلَ ذَلِكَ الصَّنَمَ وَدَقَّهَا دَقًّا شَدِيدًا فَتَفَتَّتَ الصَّنَمُ كُلُّهُ حَدِيدُهُ وَنُحَاسُهُ وَفِضَّتُهُ وَذَهَبُهُ وَصَارَتْ رُفَاتًا وَعَصَفَتْ بِهَا الرِّيَاحُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهَا أَثَرٌ وَصَارَ ذَلِكَ الْحَجَرُ الَّذِي صَكَّ ذَلِكَ الرِّجْلَ مِنْ ذَلِكَ الصَّنَمِ جَبَلًا عَالِيًا امْتَلَأَتْ بِهِ الْأَرْضُ فَهَذَا رُؤْيَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا فَأَنْتَ الرَّأْسُ الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنَ الذَّهَبِ وَيَقُومُ بَعْدَكَ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى دُونَكَ وَالْمَمْلَكَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي
تُشْبِهُ النُّحَاسَ تَنْبَسِطُ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا، وَالْمَمْلَكَةُ الرَّابِعَةُ تَكُونُ قُوَّتُهَا مِثْلَ الْحَدِيدِ، وَأَمَّا الرِّجْلُ الَّتِي كَانَ بَعْضُهَا مِنْ خَزَفٍ فَإِنَّ بَعْضَ الْمَمْلَكَةِ يَكُونُ عَزِيزًا وَبَعْضَهَا يَكُونُ ذَلِيلًا وَتَكُونُ كَلِمَةُ الْمُلْكِ مُتَفَرِّقَةً وَيُقِيمُ إِلَهُ السَّمَاءِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ مَمْلَكَةً أَبَدِيَّةً لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَزُولُ وَإِنَّهَا تُزِيلُ جَمِيعَ الْمَمَالِكِ وَسُلْطَانُهَا يُبْطِلُ جَمِيعَ السَّلَاطِينِ وَتَقُومُ هِيَ إِلَى الدَّهْرِ الدَّاهِرِ فَهَذَا تَفْسِيرُ الْحَجَرِ الَّذِي رَأَيْتَ أَنَّهُ يَقْطَعُ مِنْ جَبَلٍ بِلَا قَاطِعٍ حَتَّى دَقَّ الْحَدِيدَ وَالنُّحَاسَ وَالْخَزَفَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. فَهَذِهِ هِيَ الْبِشَارَاتُ الْوَارِدَةُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِمَبْعَثِ رَسُولِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: ذَلِكَ الْعَهْدُ هُوَ مَا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجِبُ عَلَيْهِ إِيصَالُ الثَّوَابِ إِلَى الْمُطِيعِ وَصَحَّ وَصْفُ ذَلِكَ الْوُجُوبِ بِالْعَهْدِ لِأَنَّهُ بِحَيْثُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ أَوْكَدَ مِنَ الْعَهْدِ بِالْإِيجَابِ بِالنَّذْرِ وَالْيَمِينِ: وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّهُ لَا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَدَّمَ ذِكْرَ النِّعَمِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَمْرَ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ دَلَّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ النِّعَمَ السَّالِفَةَ تُوجِبُ عَهْدَ الْعُبُودِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ أَدَاءُ الْعِبَادَاتِ أَدَاءً لِمَا وَجَبَ بِسَبَبِ النِّعَمِ السَّالِفَةِ وَأَدَاءُ الْوَاجِبِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِوَاجِبٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أَنَّ أَدَاءَ التَّكَالِيفِ لَا يُوجِبُ الثَّوَابَ فَبَطَلَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ بَلِ التَّفْسِيرُ الْحَقُّ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَعَدَ بِالثَّوَابِ وَكُلُّ مَا وَعَدَ بِهِ اسْتَحَالَ أَنْ لَا يُوجَدَ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ لَانْقَلَبَ خَبَرُهُ الصِّدْقُ كَذِبًا وَالْكَذِبُ عَلَيْهِ مُحَالٌ، وَالْمُفْضِي إِلَى الْمُحَالِ مُحَالٌ فَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبَ الْوُقُوعِ فَكَانَ ذَلِكَ آكَدَ مِمَّا ثَبَتَ بِالْيَمِينِ وَالنَّذْرِ، الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ الْعَهْدُ هُوَ الْأَمْرُ وَالْعَبْدُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَرَى فِي ذَلِكَ عَلَى مُوَافَقَةِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [النِّسَاءِ: 142] ، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آلِ عِمْرَانَ: 54] وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ فَاعْلَمْ أَنَّ الرَّهْبَةَ هِيَ الْخَوْفُ قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: الْخَوْفُ مِنْهُ تَعَالَى هُوَ الْخَوْفُ مِنْ عِقَابِهِ وَقَدْ يُقَالُ فِي الْمُكَلَّفِ إِنَّهُ خَائِفٌ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَعَ الْعِلْمِ وَالْآخَرُ مَعَ الظَّنِّ، أَمَّا الْعِلْمُ فَإِذَا كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ أَتَى بِكُلِّ مَا أُمِرَ بِهِ وَاحْتَرَزَ عَنْ كُلِّ مَا نُهِيَ عَنْهُ فَإِنَّ خَوْفَهُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ وَعَلَى هَذَا نَصِفُ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِالْخَوْفِ وَالرَّهْبَةِ. قَالَ تَعَالَى: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النَّحْلِ: 50] وَأَمَّا الظَّنُّ فَإِذَا لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ فَعَلَ الْمَأْمُورَاتِ وَاحْتَرَزَ عَنِ الْمَنْهِيَّاتِ فَحِينَئِذٍ يَخَافُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الثَّوَابِ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ خَوْفُهُ فِي الدُّنْيَا أَشَدَّ كَانَ أَمْنُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ وَبِالْعَكْسِ. رُوِيَ: «أَنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي إِنِّي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلَا أَمْنَيْنِ مَنْ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا خَوَّفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ/ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ الْعَارِفُونَ: الْخَوْفُ خَوْفَانِ خَوْفُ الْعِقَابِ وَخَوْفُ الْجَلَالِ، وَالْأَوَّلُ: نَصِيبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَالثَّانِي: نَصِيبُ أَهْلِ الْقَلْبِ، وَالْأَوَّلُ: يَزُولُ، وَالثَّانِي: لَا يَزُولُ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْآيَةِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ كَثْرَةَ النِّعَمِ تُعَظِّمُ الْمَعْصِيَةَ، وَدَلَالَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ الْعَهْدُ يُعَظِّمُ الْمُخَالَفَةَ وَدَلَالَةً عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ كَمَا كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الْعَرَبِ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَوْلُهُ: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ يَجِبُ أَنْ لَا يَخَافَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى، وَكَمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي الْخَوْفِ فَكَذَا فِي الرَّجَاءِ وَالْأَمَلِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ إِذْ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُسْتَقِلًّا بِالْفِعْلِ لَوَجَبَ أَنْ يُخَافَ مِنْهُ كَمَا يُخَافُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ الْحَصْرُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ بَلْ كَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يَرْهَبَ إِلَّا نَفْسَهُ، لِأَنَّ مَفَاتِيحَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بِيَدِهِ لَا بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخَافَ إِلَّا نَفْسَهُ وَأَنْ لَا يَخَافَ
[سورة البقرة (2) : آية 41]
اللَّهَ أَلْبَتَّةَ، وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَأْتِيَ بِالطَّاعَاتِ لِلْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي صِحَّتِهَا والله أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 41] وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) اعْلَمْ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: وَآمِنُوا هُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ كَأَنَّهُ قِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. أَمَّا قَوْلُهُ: بِما أَنْزَلْتُ فَفِيهِ قَوْلَانِ، الْأَقْوَى أَنَّهُ الْقُرْآنُ وَعَلَيْهِ دَلِيلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا وَذَلِكَ هُوَ الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [آلِ عِمْرَانَ: 3] . وَالثَّانِي: وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْكُتُبِ وَذَلِكَ هو القرآن. وقال قتادة: المراد آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مِنْ كِتَابٍ وَرَسُولٍ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. أَمَّا قَوْلُهُ: مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ فَفِيهِ تَفْسِيرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ مُوسَى وَعِيسَى حَقٌّ وَأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ حَقٌّ وَأَنَّ التَّوْرَاةَ أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى وَالْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَكَانَ الْإِيمَانُ بِالْقُرْآنِ مُؤَكِّدًا لِلْإِيمَانِ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْمُبَالَغَةَ فِي الْإِيمَانِ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَآمِنُوا بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِهِ يُؤَكِّدُ الْإِيمَانَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَصَلَتِ الْبِشَارَةُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْقُرْآنِ فِي التوراة والإنجيل فكأن الإيمان بمحمد وبالقرآن تصديقاً للتوراة والإنجيل، وتكذيب محمد والقرآن تكذيباً لِلتَّوْرَاةِ/ وَالْإِنْجِيلِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَوْلَى لِأَنَّ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ لَا يَلْزَمُ الْإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُخْبِرًا عَنْ كَوْنِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ حَقًّا لَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِنُبُوَّتِهِ: أَمَّا عَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي يَلْزَمُ الْإِيمَانُ بِهِ لِأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ إِذَا اشْتَمَلَا عَلَى كَوْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَادِقًا فَالْإِيمَانُ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يُوجِبُ الْإِيمَانَ بِكَوْنِ مُحَمَّدٍ صَادِقًا لَا مَحَالَةَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ أَوْلَى. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ الثَّانِيَ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ شَهَادَةَ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لَا تَكُونُ إِلَّا حَقًّا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَ عَنْ كُتُبِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِذَلِكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الْوَحْيِ. أَمَّا قَوْلُهُ: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ فَمَعْنَاهُ أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِهِ أَوْ أَوَّلَ فَرِيقٍ أَوْ فَوْجٍ كَافِرٍ بِهِ أَوْ وَلَا يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ. ثُمَّ فِيهِ سؤالان: الْأَوَّلُ: كَيْفَ جُعِلُوا أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِهِ وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الْكُفْرِ بِهِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ؟ والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا تعريض بِأَنَّهُ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وَبِصِفَتِهِ وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا هُمُ الْمُبَشِّرُونَ بِزَمَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ فَلَمَّا بُعِثَ كَانَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْعَكْسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ. [الْبَقَرَةِ: 89] . وَثَانِيهَا: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ وَلَا تَكُونُوا مِثْلَ أَوَّلِ كَافِرٍ بِهِ يَعْنِي مَنْ أَشْرَكَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، أَيْ وَلَا تَكُونُوا وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ مَذْكُورًا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِثْلَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ لَا كِتَابَ لَهُ. وَثَالِثُهَا: وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِنْ كَانَتْ قُرَيْشٌ كَفَرُوا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَرَابِعُهَا: وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ، يَعْنِي بِكِتَابِكُمْ يَقُولُ ذَلِكَ لِعُلَمَائِهِمْ: أَيْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ أَحَدٍ مِنْ أمتكم كذب كِتَابُكُمْ لِأَنَّ تَكْذِيبَكُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يوجب
تَكْذِيبَكُمْ بِكِتَابِكُمْ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ بَيَانُ تَغْلِيظِ كُفْرِهِمْ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا شَاهَدُوا الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِهِ عَرَفُوا الْبِشَارَاتِ الْوَارِدَةَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِمَقْدَمِهِ فَكَانَ كُفْرُهُمْ أَشَدَّ مِنْ كُفْرِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ إِلَّا نَوْعًا وَاحِدًا مِنَ الدَّلِيلِ وَالسَّابِقُ إِلَى الْكُفْرِ يَكُونُ أَعْظَمَ ذَنْبًا مِمَّنْ بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ سن سيئة سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا» فَلَمَّا كَانَ كَفْرُهُمْ عَظِيمًا وَكُفْرُ مَنْ كَانَ سَابِقًا فِي الْكُفْرِ عَظِيمًا فَقَدِ اشْتَرَكَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَصَحَّ إِطْلَاقُ اسْمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ. وَسَادِسُهَا: الْمَعْنَى وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ جَحَدَ مَعَ الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّ كُفْرَ قُرَيْشٍ كَانَ مَعَ الْجَهْلِ لَا مَعَ الْمَعْرِفَةِ. وَسَابِعُهَا: أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَبِهَا قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ فَكَفَرُوا بِهِ ثُمَّ تَتَابَعَتْ سَائِرُ الْيَهُودِ عَلَى ذَلِكَ الْكُفْرِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [الْبَقَرَةِ: 47، 122] أَيْ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ. وَثَامِنُهَا: وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ عِنْدَ سَمَاعِكُمْ بِذِكْرِهِ بَلْ تَثَبَّتُوا فِيهِ وَرَاجِعُوا عُقُولَكُمْ فِيهِ، وَتَاسِعُهَا: أَنَّ لَفْظَ: «أَوَّلَ» صِلَةٌ وَالْمَعْنَى وَلَا تَكُونُوا كَافِرِينَ بِهِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، السُّؤَالُ/ الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ لَهُمِ الْكُفْرُ إِذْ لَمْ يَكُونُوا أَوَّلًا، وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذِكْرِ تِلْكَ الشَّيْءِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ فِي قَوْلِهِ: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ كُفْرَهُمْ أَوَّلًا وَآخِرًا مَحْظُورٌ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [الرَّعْدِ: 2] لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ عَمَدٍ لَا يَرَوْنَهَا. وَقَوْلَهُ: وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [النِّسَاءِ: 155] لَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ بِحَقٍّ. وَقَوْلُهُ: عَقِيبَ هَذِهِ الْآيَةِ: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا لَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ ذَلِكَ بالثمن الكثير، فكذا هاهنا، بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ السِّيَاقَةِ اسْتِعْظَامُ وُقُوعِ الْجَحْدِ وَالْإِنْكَارِ مِمَّنْ قَرَأَ فِي الْكُتُبِ نَعْتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفته. وَرَابِعُهَا: قَالَ الْمُبَرِّدُ: هَذَا الْكَلَامُ خِطَابٌ لِقَوْمٍ خُوطِبُوا بِهِ قَبْلَ غَيْرِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ لَا تَكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدَكُمُ الْكُفَّارُ فَلَا تَكُونُوا أَنْتُمْ أَوَّلَ الْكُفَّارِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوَّلِيَّةَ مُوجِبَةٌ لِمَزِيدِ الْإِثْمِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ إِذَا سَبَقُوا إِلَى الْكُفْرِ فَإِمَّا أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ الْكُفْرِ أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ. فَإِنِ اقْتَدَى بِهِمْ غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ الْكُفْرِ كَانَ لَهُمْ وِزْرُ ذَلِكَ الْكُفْرِ وَوِزْرُ كُلِّ مَنْ كَفَرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَدِ بِهِمْ غَيْرُهُمُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا: السَّبْقُ إِلَى الْكُفْرِ، وَالثَّانِي: التَّفَرُّدُ بِهِ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ مَنْقَصَةٌ عَظِيمَةٌ، فَقَوْلُهُ: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى. أَمَّا قَوْلُهُ: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا فَقَدْ بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [الْبَقَرَةِ: 16] ، أَنَّ الِاشْتِرَاءَ يُوضَعُ مَوْضِعَ الِاسْتِبْدَالِ فَكَذَا الثَّمَنُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْبَدَلِ عَنِ الشَّيْءِ، وَالْعِوَضِ عَنْهُ، فَإِذَا اخْتِيرَ عَلَى ثَوَابِ اللَّهِ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا فَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ الشَّيْءُ ثَمَنًا عِنْدَ فَاعِلِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ رُؤَسَاءَ الْيَهُودِ مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَأَمْثَالَهُمَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ فُقَرَاءِ الْيَهُودِ الْهَدَايَا وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ لَوِ اتَّبَعُوا مُحَمَّدًا لَانْقَطَعَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْهَدَايَا، فَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْقَدْرُ الْمُحَقَّرُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدِّينِ قَلِيلَةٌ جِدًّا فَنِسْبَتُهَا إِلَيْهِ نِسْبَةُ الْمُتَنَاهِي إِلَى غَيْرِ الْمُتَنَاهِي، ثُمَّ تِلْكَ الْهَدَايَا كَانَتْ فِي نِهَايَةِ الْقِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّنْيَا، فَالْقَلِيلُ جِدًّا مِنَ الْقَلِيلِ جِدًّا أَيُّ نِسْبَةٍ لَهُ إِلَى الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يَتَنَاهَى؟ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا النَّهْيَ صَحِيحٌ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِمْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، بَلْ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ عُلَمَاءَهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الرُّشَا عَلَى كِتْمَانِ أَمْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَحْرِيفِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ التَّوْرَاةِ كَانَ الْكَلَامُ أَبْيَنَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ فَيَقْرُبُ مَعْنَاهُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الرَّهْبَةَ عِبَارَةٌ عَنِ الْخَوْفِ، وَأَمَّا الِاتِّقَاءُ
[سورة البقرة (2) : آية 42]
فَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْجَزْمِ بِحُصُولِ مَا يُتَّقَى مِنْهُ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهَمْ بِالرَّهْبَةِ لِأَجْلِ أَنَّ جَوَازَ الْعِقَابِ قَائِمٌ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالتَّقْوَى لأن تعين العقاب قائم. [سورة البقرة (2) : آية 42] وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ أَمْرٌ بِتَرْكِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ وَقَوْلَهُ: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ أَمْرٌ بِتَرْكِ الْإِغْرَاءِ وَالْإِضْلَالِ، وَاعْلَمْ أَنَّ إِضْلَالَ الْغَيْرِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِطَرِيقَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ إِنْ كَانَ قَدْ سَمِعَ دَلَائِلَ الْحَقِّ فَإِضْلَالُهُ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِتَشْوِيشِ تِلْكَ الدَّلَائِلِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَا سَمِعَهَا فَإِضْلَالُهُ إِنَّمَا يُمْكِنُ بِإِخْفَاءِ تِلْكَ الدَّلَائِلِ عَنْهُ وَمَنْعِهِ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا. فَقَوْلُهُ: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ إِشَارَةٌ إِلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ تَشْوِيشُ الدَّلَائِلِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ إِشَارَةٌ إِلَى الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ مَنْعُهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الدَّلَائِلِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَظْهَرَ فِي الْبَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: بِالْباطِلِ أَنَّهَا بَاءُ الِاسْتِعَانَةِ كَالَّتِي فِي قَوْلِكَ: كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ وَالْمَعْنَى وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِسَبَبِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تُورِدُونَهَا عَلَى السَّامِعِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْكُمْ كَانَتْ نُصُوصًا خَفِيَّةً يُحْتَاجُ فِي مَعْرِفَتِهَا إِلَى الِاسْتِدْلَالِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَانُوا يُجَادِلُونَ فِيهَا وَيُشَوِّشُونَ وَجْهَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُتَأَمِّلِينَ فِيهَا بِسَبَبِ إِلْقَاءِ الشُّبُهَاتِ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ فَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [غَافِرٍ: 5] . أَمَّا قَوْلُهُ: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيْ تَعْلَمُونَ مَا فِي إِضْلَالِ الْخَلْقِ مِنَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ الْعَائِدِ عَلَيْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّلْبِيسَ صَارَ صَارِفًا لِلْخَلْقِ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَدَاعِيًا لَهُمْ إِلَى الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الْبَاطِلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَوْقِعَهُ عَظِيمٌ، وَهَذَا الْخِطَابُ وَإِنْ وَرَدَ فِيهِمْ، فَهُوَ تَنْبِيهٌ لِسَائِرِ الْخَلْقِ وَتَحْذِيرٌ مِنْ مِثْلِهِ فَصَارَ الْخِطَابُ وَإِنْ كَانَ خَاصًّا فِي الصُّورَةِ لَكِنَّهُ عام في المعنى، ثم هاهنا بَحْثَانِ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ جَزْمٌ دَاخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَّهْيِ بِمَعْنَى وَلَا تَكْتُمُوا أَوْ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَنْ. الْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ النَّهْيَ عَنِ اللَّبْسِ وَالْكِتْمَانِ وَإِنْ تَقَيَّدَ بِالْعِلْمِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِمَا حَالَ عَدَمِ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ حَالُ الشَّيْءِ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ اللَّبْسَ وَالْكِتْمَانَ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ، وَمَا لَا يُعْرَفُ كَوْنُهُ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ وَلَا بِالْإِثْبَاتِ، بَلْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ التَّقْيِيدِ أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْفِعْلِ الضَّارِّ مَعَ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ ضَارًّا أَفْحَشُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجَهْلِ بِكَوْنِهِ ضَارًّا، فَلَمَّا كَانُوا عَالِمِينَ بِمَا فِي التَّلْبِيسِ مِنَ الْمَفَاسِدِ كَانَ إِقْدَامُهُمْ عَلَيْهِ أَقْبَحَ، وَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ بِالْحَقِّ يَجِبُ عَلَيْهِ إِظْهَارُهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كتمانه والله أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 43] وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ أَوَّلًا ثُمَّ نَهَاهُمْ عَنْ لَبْسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ وَكِتْمَانِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ثَانِيًا، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيَانَ مَا لَزِمَهُمْ مِنَ الشَّرَائِعِ وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَةِ الشَّرَائِعِ مَا كَانَ كَالْمُقَدَّمِ/ وَالْأَصْلُ فِيهَا وَهُوَ الصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالزَّكَاةُ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وهاهنا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ قَالُوا إِنَّمَا جَاءَ الْخِطَابُ فِي
قَوْلِهِ: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ بَعْدَ أَنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ لَهُمْ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ وَشَرَائِطَهَا فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ الَّتِي عَرَفْتُمُوهَا وَالْقَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ قَالُوا: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ أَنَّ الصَّلَاةَ مَا هِيَ وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ أَنْ يُوَطِّنَ السَّامِعُ نَفْسَهُ عَلَى الِامْتِثَالِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مَا هُوَ كَمَا أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنْ يَحْسُنَ مِنَ السَّيِّدِ أَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ: إِنِّي آمُرُكَ غَدًا بِشَيْءٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَفْعَلَهُ وَيَكُونُ غَرَضُهُ مِنْهُ بِأَنْ يَعْزِمَ الْعَبْدُ فِي الْحَالِ عَلَى أَدَائِهِ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الصَّلَاةُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ قَالُوا: لِأَنَّهَا أَمْرٌ حَدَثَ فِي الشَّرْعِ فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ الْمَوْضُوعُ قَدْ كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ الشَّرْعِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ التَّشْبِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ قَالَ الْأَعْشَى: عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاعْتَصِمِي ... عَيْنًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجِعَا وَقَالَ آخَرُ: وَقَابَلَهَا الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَصْلُ فِيهَا اللُّزُومُ قَالَ الشَّاعِرُ: لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللَّهُ ... وَإِنِّي بَحْرَهَا الْيَوْمَ صَالِي أَيْ مُلَازِمٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُصَلِّي وَهُوَ الْفَرَسُ الَّذِي يَتْبَعُ غَيْرَهُ. وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الدُّعَاءِ إِذْ لَا صَلَاةَ إِلَّا وَيَقَعُ فِيهَا الدُّعَاءُ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَقَدْ تَكُونُ صَلَاةً وَلَا يَحْصُلُ فِيهَا مُتَابَعَةُ الْغَيْرِ وَإِذَا حَصَلَ فِي وَجْهِ التَّشْبِيهِ مَا عَمَّ كُلَّ الصُّوَرِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ وَجْهُ التَّشْبِيهِ شَيْئًا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الصُّوَرِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا مِنَ الْمَجَازَاتِ الْمَشْهُورَةِ فِي اللُّغَةِ إِطْلَاقُ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَلَمَّا كَانَتِ الصَّلَاةُ الشَّرْعِيَّةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى الدُّعَاءِ لَا جَرَمَ أُطْلِقَ اسْمُ الدُّعَاءِ عَلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ كَوْنِهَا اسْمًا شَرْعِيًّا هَذَا فَذَلِكَ حَقٌّ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادَ أَنَّ الشَّرْعَ ارْتَجَلَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ ابْتِدَاءً لِهَذَا الْمُسَمَّى فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِلَّا لَمَا كَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَرَبِيَّةً، وَذَلِكَ يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [يُوسُفَ: 2] أَمَّا الزَّكَاةُ فَهِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ النَّمَاءِ، يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ إِذَا نَمَا، وَعَنِ التَّطْهِيرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً [الْكَهْفِ: 74] أَيْ طَاهِرَةً. وَقَالَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الْأَعْلَى: 14] أَيْ تَطَهَّرَ وَقَالَ: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [النُّورِ: 21] وَقَالَ: وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ [فَاطِرٍ: 18] أَيْ تَطَهَّرَ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَعَلَّ إِخْرَاجَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا سُمِّيَ بِالزَّكَاةِ تَشْبِيهًا بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ فِي إِخْرَاجِ ذَلِكَ الْقَدْرِ تَنْمِيَةً لِلْبَقِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْبَرَكَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ بِسَبَبِ تَزْكِيَةِ/ تِلْكَ الْعَطِيَّةِ فَصَارَ ذَلِكَ الْإِعْطَاءُ نَمَاءً فِي الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ نُقْصَانًا فِي الصُّورَةِ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ فِيهَا سِتَّ خِصَالٍ، ثَلَاثَةً فِي الدُّنْيَا وَثَلَاثَةً فِي الْآخِرَةِ، فَأَمَّا الَّتِي فِي الدُّنْيَا فَتَزِيدُ فِي الرِّزْقِ وَتُكْثِرُ الْمَالَ وَتُعَمِّرُ الدِّيَارَ، وَأَمَّا الَّتِي فِي الْآخِرَةِ فَتَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَتَصِيرُ ظِلًّا فَوْقَ الرأس وتكون ستراً من النَّارِ» . وَيَجُوزُ أَنْ تُسَمَّى الزَّكَاةُ بِالْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تُطَهِّرُ مُخْرِجَ الزَّكَاةِ عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التَّوْبَةِ: 103] . الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ خِطَابٌ مَعَ الْيَهُودِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ
[سورة البقرة (2) : آية 44]
مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرَائِعِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43] فَفِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّ الْيَهُودَ لَا رُكُوعَ فِي صَلَاتِهِمْ فَخَصَّ اللَّهُ الرُّكُوعَ بِالذِّكْرِ تَحْرِيضًا لَهُمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِصَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُرَادَ صَلُّوا مَعَ الْمُصَلِّينَ، وَعَلَى هَذَا يَزُولُ التكرار لأن في الأول أمر تعالى بإقامتها وَأَمَرَ فِي الثَّانِي بِفِعْلِهَا فِي الْجَمَاعَةِ، وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ بِالرُّكُوعِ هُوَ الْأَمْرَ بِالْخُضُوعِ لِأَنَّ الرُّكُوعَ وَالْخُضُوعَ فِي اللُّغَةِ سَوَاءٌ فَيَكُونُ نَهْيًا عَنِ الِاسْتِكْبَارِ الْمَذْمُومِ وَأَمْرًا بِالتَّذَلُّلِ كَمَا قَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [الْمَائِدَةِ: 54] وَكَقَوْلِهِ تَأْدِيبًا لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشُّعَرَاءِ: 215] وَكَمَدْحِهِ لَهُ بِقَوْلِهِ: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آلِ عِمْرَانَ: 159] وَهَكَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ [الْمَائِدَةِ: 55] فَكَأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ أَمَرَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالِانْقِيَادِ وَالْخُضُوعِ وَتَرْكِ التَّمَرُّدِ. وَحَكَى الْأَصَمُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالزَّكَاةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُوَ الْمُرَادُ بقوله تعالى: وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ [المائدة: 62، 63] وبقوله: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا ... وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ [النِّسَاءِ: 161] فَأَظْهَرَ اللَّهُ تعالى في هذا الموضع ما كان مكتوباً لِيَحْذَرُوا أَنْ يَفْضَحَهُمْ فِي سَائِرِ أَسْرَارِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ فَيَصِيرُ هَذَا كَالْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم. [سورة البقرة (2) : آية 44] أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) اعْلَمْ أَنَّ الْهَمْزَةَ فِي أَتَأْمَرُونَ النَّاسَ بِالْبَرِّ لِلتَّقْرِيرِ مَعَ التَّقْرِيعِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ حَالِهِمْ، وَأَمَّا الْبِرُّ فَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِأَعْمَالِ الْخَيْرِ، وَمِنْهُ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَهُوَ طَاعَتُهُمَا، وَمِنْهُ عَمَلٌ مَبْرُورٌ، أَيْ قَدْ رَضِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الصِّدْقِ كَمَا يُقَالُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ أَيْ صَدَقَ وَلَمْ يَحْنَثْ، وَيُقَالُ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، وَقَالَ تَعَالَى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى [الْبَقَرَةِ: 189] فَأَخْبَرَ أَنَّ الْبِرَّ جَامِعٌ لِلتَّقْوَى، وَاعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ/ وَتَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِالْإِيمَانِ وَالشَّرَائِعِ بِنَاءً عَلَى مَا خَصَّهُمْ بِهِ من النعم ورغبهم في ذلك بناء عَلَى مَأْخَذٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ التَّغَافُلَ عَنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ مَعَ حَثِّ النَّاسِ عَلَيْهَا مُسْتَقْبَحٌ فِي الْعُقُولِ، إِذِ الْمَقْصُودُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ بِذَلِكَ إِمَّا النَّصِيحَةُ أَوِ الشَّفَقَةُ، وَلَيْسَ مِنَ الْعَقْلِ أَنْ يُشْفِقَ الْإِنْسَانُ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ أَنْ يَنْصَحَ غَيْرَهُ وَيُهْمِلَ نَفْسَهُ فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ قَرَّعَهُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْبَرِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَهُمْ كَانُوا يَتْرُكُونَ الطَّاعَةَ وَيُقْدِمُونَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَثَانِيهَا: قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَهُمْ كَانُوا يَتْرُكُونَهُمَا. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ إِذَا جَاءَهُمْ أَحَدٌ فِي الْخُفْيَةِ لِاسْتِعْلَامِ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: هُوَ صَادِقٌ فِيمَا يَقُولُ وَأَمْرُهُ حق فاتبعوه، وهم كانوا لا يتبعونه لطمعهم في الهدايا والصلاة الَّتِي كَانَتْ تَصِلُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ، وَرَابِعُهَا: أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُونَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَنَّ رَسُولًا سَيَظْهَرُ مِنْكُمْ وَيَدْعُو إِلَى الحق وكانوا يرغبونهم باتباعه فلما بعث الله محمداً حسدوه وكفروا به، فبكتهم الله تعالى بسبب أنهم كانوا يَأْمُرُونَ بِاتِّبَاعِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ، فَلَمَّا ظَهَرَ تَرَكُوهُ وَأَعْرَضُوا عَنْ دِينِهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي مُسْلِمٍ، وخامسها: وهو قول الزجاج أنهم كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِبَذْلِ الصَّدَقَةِ، وَكَانُوا يَشِحُّونَ بِهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِقَسَاوَةِ الْقُلُوبِ وَأَكْلِ الرِّبَا وَالسُّحْتِ، وَسَادِسُهَا: لَعَلَّ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا يَأْمُرُونَ بِاتِّبَاعِ
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الظَّاهِرِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي قُلُوبِهِمْ مُنْكِرِينَ لَهُ فوبخهم الله تعالى عليه، وسابعاً: أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَأْمُرُونَ غَيْرَهُمْ بِاتِّبَاعِ التَّوْرَاةِ ثُمَّ إِنَّهُمْ خَالَفُوهُ لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ مَا آمَنُوا بِهِ، أَمَّا قَوْلُهُ: وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ فَالنِّسْيَانُ عِبَارَةٌ عَنِ السَّهْوِ الْحَادِثِ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ وَالنَّاسِي غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَمَنْ لَا يَكُونُ مُكَلَّفًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَذُمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ أَنَّكُمْ تَغْفُلُونَ عَنْ حَقِّ أَنْفُسِكُمْ وَتَعْدِلُونَ عَمَّا لَهَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ، أَمَّا قَوْلُهُ: وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ فَمَعْنَاهُ تَقْرَأُونَ التَّوْرَاةَ وَتَدْرُسُونَهَا وَتَعْلَمُونَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحَثِّ عَلَى أَفْعَالِ الْبِرِّ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ أَفْعَالِ الْإِثْمِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَفَلا تَعْقِلُونَ فَهُوَ تَعَجُّبٌ لِلْعُقَلَاءِ مِنْ أَفْعَالِهِمْ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 67] وَسَبَبُ التَّعَجُّبِ وُجُوهٌ، الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِرْشَادُ الْغَيْرِ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ وَتَحْذِيرُهُ عَمَّا يوقعه في المفسدة، والإحسان إلى النفس أَوْلَى مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَى الْغَيْرِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِشَوَاهِدِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ فَمَنْ وَعَظَ وَلَمْ يَتَّعِظْ فَكَأَنَّهُ أَتَى بِفِعْلٍ مُتَنَاقِضٍ لَا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ فَلِهَذَا قَالَ: أَفَلا تَعْقِلُونَ. الثَّانِي: أَنَّ مَنْ وَعَظَ النَّاسَ وَأَظْهَرَ عِلْمَهُ لِلْخَلْقِ ثُمَّ لَمْ يَتَّعِظْ صَارَ ذَلِكَ الْوَعْظُ سَبَبًا لِرَغْبَةِ النَّاسِ فِي الْمَعْصِيَةِ لِأَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّهُ مَعَ هَذَا الْعِلْمِ لَوْلَا أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لِهَذِهِ التَّخْوِيفَاتِ وَإِلَّا لَمَا أَقْدَمَ على المعصية فيصير هذا داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجراءة على المعصية، فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن الْمَعْصِيَةِ ثُمَّ أَتَى بِفِعْلٍ/ يُوجِبُ الْجَرَاءَةَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِأَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ، فَلِهَذَا قَالَ: أَفَلا تَعْقِلُونَ. الثَّالِثُ: أَنَّ مَنْ وَعَظَ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يجتهد في أن يصير وعظه نافذاً في القلوب. والإقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول، فمن وعظ كان غرضه أَنْ يَصِيرَ وَعْظُهُ مُؤَثِّرًا فِي الْقُلُوبِ، وَمَنْ عَصَى كَانَ غَرَضُهُ أَنْ لَا يَصِيرَ وَعْظُهُ مُؤَثِّرًا فِي الْقُلُوبِ. فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُتَنَاقِضٌ غَيْرُ لَائِقٍ بِالْعُقَلَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَصَمَ ظَهْرِي رَجُلَانِ: عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ وَجَاهِلٌ متنسك. وبقي هاهنا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لِلْعَاصِي أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَاحْتَجُّوا بِالْآيَةِ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا الْآيَةُ فَقَوْلُهُ: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ، وَقَالَ أَيْضًا: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصَّفِّ: 2- 3] . وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ لِمَنْ يَزْنِي بِامْرَأَةٍ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ الزِّنَا عَلَى كَشْفِهَا عَنْ وَجْهِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَنْكَرٌ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُكَلَّفَ مَأْمُورٌ بِشَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: تَرْكُ الْمَعْصِيَةِ. وَالثَّانِي: مَنْعُ الْغَيْرِ عَنْ فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ وَالْإِخْلَالُ بِأَحَدِ التَّكْلِيفَيْنِ لَا يَقْتَضِي الْإِخْلَالَ بِالْآخَرِ. أَمَّا قَوْلُهُ: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ فَهُوَ نَهْيٌ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَالنَّهْيُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ النَّهْيَ عَنْ نِسْيَانِ النَّفْسِ مُطْلَقًا. وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ النَّهْيَ عَنْ تَرْغِيبِ النَّاسِ فِي الْبَرِّ حَالَ كَوْنِهِ نَاسِيًا لِلنَّفْسِ وَعِنْدَنَا الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ هُوَ الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ قَوْلُ هَذَا الْخَصْمِ، وَأَمَّا الْمَعْقُولُ الَّذِي ذَكَرُوهُ فَيَلْزَمُهُمْ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالُوا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ إِنَّمَا يَصِحُّ وَيَحْسُنُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِنْهُمْ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مَخْلُوقًا فِيهِمْ عَلَى سَبِيلِ الِاضْطِرَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحْسُنُ إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْأَسْوَدِ: لِمَ لَا تَبْيَضَّ؟ لَمَّا كَانَ السَّوَادُ مخلوقاً فيه.
[سورة البقرة (2) : آية 45]
وَالْجَوَابُ: أَنَّ قُدْرَتَهُ لَمَّا صَلَحَتْ لِلضِّدَّيْنِ فَإِنْ حَصَلَ أَحَدُ الضِّدَّيْنِ دُونَ الْآخَرِ لَا لِمُرَجِّحٍ كَانَ ذَلِكَ مَحْضَ الِاتِّفَاقِ، وَالْأَمْرُ الِاتِّفَاقِيُّ لَا يمكن التوبيخ عليه. وإن حصل المرجح فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَجَّحُ مِنْهُ عَادَ الْبَحْثُ فِيهِ، وَإِنْ حَصَلَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَعِنْدَ حُصُولِهِ يَصِيرُ ذَلِكَ الطَّرَفُ رَاجِحًا وَالْآخَرُ مَرْجُوحًا وَالْمَرْجُوحُ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ لِأَنَّهُ حَالَ الِاسْتِوَاءِ لَمَّا كَانَ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ فَحَالُ الْمَرْجُوحِيَّةِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ وَإِذَا امْتَنَعَ أَحَدُ النَّقِيضَيْنِ وَجَبَ الْآخَرُ وَحِينَئِذٍ يَعُودُ عَلَيْكُمْ كُلُّ مَا أَوْرَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا. ثُمَّ الْجَوَابُ الْحَقِيقِيُّ عَنِ الْكُلِّ: أنه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الأنبياء: 23] . الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: (أ) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أسري بي على قوم تقرض شفاههم بِمَقَارِيضَ مِنَ النَّارِ فَقُلْتُ: يَا أَخِي يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ» . (ب) وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ فِي النَّارِ رَجُلًا يَتَأَذَّى أَهْلُ النَّارِ بِرِيحِهِ فَقِيلَ مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: عَالِمٌ لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ» . (ج) وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ كَالسِّرَاجِ يُضِيءُ لِلنَّاسِ/ وَيَحْرِقُ نَفْسَهُ» . (د) وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: يَطَّلِعُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى قَوْمٍ مِنَ النَّارِ فَيَقُولُونَ: لِمَ دَخَلْتُمُ النَّارَ وَنَحْنُ إِنَّمَا دَخَلْنَا الْجَنَّةَ بِفَضْلِ تَعْلِيمِكُمْ؟ فَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا نَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَلَا نَفْعَلُهُ. كَمَا قِيلَ: مَنْ وَعَظَ بِقَوْلِهِ ضَاعَ كَلَامُهُ، وَمَنْ وَعَظَ بِفِعْلِهِ نَفَذَتْ سِهَامُهُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: [يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ ... هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السَّقَامِ وَذِي الضَّنَا ... كَيْمَا يَصِحُّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ فَهُنَاكَ يُقْبَلُ إِنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى ... بِالرَّأْيِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ قِيلَ: عَمَلُ رَجُلٌ فِي أَلْفِ رَجُلٍ أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِ أَلْفِ رَجُلٍ فِي رَجُلٍ، وَأَمَّا مَنْ وَعَظَ وَاتَّعَظَ فَمَحَلُّهُ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. رُوِيَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ مَاتَ وَكَانَ وَاعِظًا زَاهِدًا فَرُؤِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي وَأَوَّلُ مَا سَأَلَنِي مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ فَقَالَا: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْتُ: أَمَا تَسْتَحِيَانِ مِنْ شَيْخٍ دَعَا الناس إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَذَا وَكَذَا سَنَةً فَتَقُولَانِ له من ربك؟ وقيل للشبلي عن النَّزْعِ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ: إِنَّ بَيْتًا أَنْتَ سَاكِنُهُ ... غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى السرج [سورة البقرة (2) : آية 45] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45) فِي الْآيَةِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ فَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ. قَالَ: لِأَنَّ مَنْ يُنْكِرُ الصَّلَاةَ أَصْلًا وَالصَّبْرَ عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَكَادُ يُقَالُ لَهُ اسْتَعِنْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، فَلَا جَرَمَ وَجَبَ صَرْفُهُ إِلَى مَنْ صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ أَوَّلًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ هُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِأَنَّ صَرْفَ الْخِطَابِ إِلَى غَيْرِهِمْ يُوجِبُ تَفْكِيكَ النَّظْمِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُنْكِرِينَ لَهُمَا؟ قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُمْ مُنْكِرِينَ لَهُمَا. وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى مَا يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ حَسَنٌ وَأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ تَوَاضُعٌ لِلْخَالِقِ وَالِاشْتِغَالُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى يُسَلِّي عن محن الدنيا وآفاتها، إنما الاختلاف في
الْكَيْفِيَّةِ، فَإِنَّ صَلَاةَ الْيَهُودِ وَاقِعَةٌ عَلَى كَيْفِيَّةٍ وَصَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى كَيْفِيَّةٍ أُخْرَى. وَإِذَا كَانَ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ هُوَ الْمَاهِيَّةَ الَّتِي هِيَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ زَالَ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ وَعَلَى هَذَا نَقُولُ: إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَبِتَرْكِ الْإِضْلَالِ وَبِالْتِزَامِ الشَّرَائِعِ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ، وَكَانَ ذَلِكَ شَاقًّا عَلَيْهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الرِّيَاسَاتِ/ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الْمَالِ وَالْجَاهِ لَا جَرَمَ عَالَجَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْمَرَضَ فَقَالَ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَكَرُوا فِي الصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وُجُوهًا، أَحَدُهَا: كَأَنَّهُ قِيلَ وَاسْتَعِينُوا عَلَى تَرْكِ مَا تُحِبُّونَ مِنَ الدُّنْيَا وَالدُّخُولِ فِيمَا تَسْتَثْقِلُهُ طِبَاعُكُمْ مِنْ قَبُولِ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم بالصبر أي يحبس النَّفْسِ عَنِ اللَّذَّاتِ، فَإِنَّكُمْ إِذَا كَلَّفْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكَ مُرِّنَتْ عَلَيْهِ وَخَفَّ عَلَيْهَا ثُمَّ إِذَا ضَمَمْتُمُ الصَّلَاةَ إِلَى ذَلِكَ تَمَّ الْأَمْرُ، لِأَنَّ الْمُشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَذِكْرِ جَلَالِهِ وَقَهْرِهِ وَذِكْرِ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ، فَإِذَا تَذَكَّرَ رَحْمَتَهُ صَارَ مَائِلًا إِلَى طَاعَتِهِ وَإِذَا تَذَكَّرَ عِقَابَهُ تَرَكَ مَعْصِيَتَهُ فَيَسْهُلُ عِنْدَ ذَلِكَ اشْتِغَالُهُ بِالطَّاعَةِ وَتَرْكُهُ للمعصية، وثانيها: المراد من الصبر هاهنا هُوَ الصَّوْمُ لِأَنَّ الصَّائِمَ صَابِرٌ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَمَنْ حَبَسَ نَفْسَهُ عَنْ قَضَاءِ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ زَالَتْ عَنْهُ كُدُورَاتُ حُبِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا انْضَافَ إِلَيْهِ الصَّلَاةُ اسْتَنَارَ الْقَلْبُ بِأَنْوَارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا قَدَّمَ الصَّوْمَ عَلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الصَّوْمِ فِي إِزَالَةِ مَا لَا يَنْبَغِي وَتَأْثِيرَ الصَّلَاةِ فِي حُصُولِ مَا يَنْبَغِي وَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ، وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ» . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [الْعَنْكَبُوتِ: 45] لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَمْنَعُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالدُّنْيَا وَتُخَشِّعُ الْقَلْبَ وَيَحْصُلُ بِسَبَبِهَا تِلَاوَةُ الْكِتَابِ وَالْوُقُوفُ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْآدَابِ الْجَمِيلَةِ، وَذِكْرِ مَصِيرِ الْخَلْقِ إِلَى دَارِ الثَّوَابِ أَوْ دَارِ الْعِقَابِ رَغْبَةً فِي الْآخِرَةِ وَنُفْرَةً عَنِ الدُّنْيَا فَيَهُونُ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينَئِذٍ تَرْكُ الرِّيَاسَةِ، وَمَقْطَعَةً عَنِ الْمَخْلُوقِينَ إِلَى قِبْلَةِ خِدْمَةِ الْخَالِقِ وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الْبَقَرَةِ: 153] . أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّها فَفِي هَذَا الضَّمِيرِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الصَّلَاةِ أَيْ صَلَاةٌ ثَقِيلَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ. وَثَانِيهَا: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ: وَاسْتَعِينُوا. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى جَمِيعِ الْأُمُورِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ وَنُهُوا عَنْهَا مِنْ قَوْلِهِ: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة: 40، 47، 122] إِلَى قَوْلِهِ: وَاسْتَعِينُوا وَالْعَرَبُ قَدْ تُضْمِرُ الشَّيْءَ اخْتِصَارًا أَوْ تَقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى الْإِيمَاءِ إِذَا وَثِقَتْ بِعِلْمِ الْمُخَاطَبِ فَيَقُولُ الْقَائِلُ: مَا عَلَيْهَا أَفْضَلُ مِنْ فُلَانٍ يَعْنِي الْأَرْضَ. وَيَقُولُونَ: مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَكْرَمُ مِنْ فُلَانٍ يَعْنُونَ الْمَدِينَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ [النَّحْلِ: 61] ، وَلَا ذِكْرَ لِلْأَرْضِ، أَمَّا قَوْلُهُ: لَكَبِيرَةٌ أَيْ لَشَاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ عَلَى هَؤُلَاءِ سَهْلَةٌ عَلَى الْخَاشِعِينَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ثَوَابُهُمْ أَكْثَرَ وَثَوَابُ الْخَاشِعِ أَقَلَّ، وَذَلِكَ مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ، قُلْنَا: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي يَلْحَقُهُمْ مِنَ التَّعَبِ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْحَقُ الْخَاشِعَ وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَالْخَاشِعُ يَسْتَعْمِلُ عِنْدَ الصَّلَاةِ جَوَارِحَهُ وَقَلْبَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، وَلَا يَغْفُلُ عَنْ تَدَبُّرِ مَا يَأْتِي بِهِ مِنَ الذكر والتذلل والخشوع، وإذ تَذَكَّرَ الْوَعِيدَ لَمْ يَخْلُ مِنْ حَسْرَةٍ وَغَمٍّ، وَإِذَا ذَكَرَ الْوَعْدَ فَكَمِثْلِ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِعْلَ الْخَاشِعِ فَالثِّقَلُ عَلَيْهِ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ أَعْظَمُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّهَا ثَقِيلَةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَخْشَعْ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْتَقِدُ فِي فِعْلِهَا ثَوَابًا وَلَا فِي تَرْكِهَا عِقَابًا، فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُلْحِدَ إِذَا لَمْ يَعْتَقِدْ فِي فِعْلِهَا مَنْفَعَةً ثَقُلَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا، لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ يَثْقُلُ/ عَلَى الطَّبْعِ، أَمَّا الْمُوَحِّدُ فَلَمَّا اعْتَقَدَ فِي فِعْلِهَا أَعْظَمَ الْمَنَافِعِ وَفِي تَرْكِهَا أَعْظَمَ الْمَضَارِّ لَمْ يَثْقُلْ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِمَا يَعْتَقِدُ فِي فِعْلِهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْفَوْزِ الْعَظِيمِ
[سورة البقرة (2) : آية 46]
بِالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالْخَلَاصِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، أَلَا ترى إلى قوله: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ أَيْ يَتَوَقَّعُونَ نَيْلَ ثَوَابِهِ وَالْخَلَاصَ مِنْ عِقَابِهِ. مِثَالُهُ إِذَا قِيلَ لِلْمَرِيضِ: كُلْ هَذَا الشَّيْءَ الْمُرَّ فَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ لَهُ فِيهِ شِفَاءً سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ فِيهِ صَعُبَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» . وَصَفَ الصَّلَاةَ بِذَلِكَ لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَا لِأَنَّهَا كَانَتْ لَا تَثْقُلُ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُصَلِّي حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، وَأَمَّا الْخُشُوعُ فَهُوَ التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ. [سورة البقرة (2) : آية 46] الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46) أما قوله: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ فللمفسرين فيه قولان: الْأَوَّلُ: أَنَّ الظَّنَّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ. قَالُوا: لِأَنَّ الظَّنَّ وَهُوَ الِاعْتِقَادُ الَّذِي يُقَارِنُهُ تَجْوِيزُ النَّقِيضِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ غَيْرَ جَازِمٍ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَذَلِكَ كُفْرٌ وَاللَّهُ تَعَالَى مَدَحَ عَلَى هَذَا الظَّنِّ وَالْمَدْحُ عَلَى الْكُفْرِ غَيْرُ جَائِزٍ، فوجب أن يكون المراد من الظن هاهنا الْعِلْمَ، وَسَبَبُ هَذَا الْمَجَازِ أَنَّ الْعِلْمَ وَالظَّنَّ يَشْتَرِكَانِ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اعْتِقَادًا رَاجِحًا إِلَّا أَنَّ الْعِلْمَ رَاجِحٌ مَانِعٌ مِنَ النَّقِيضِ وَالظَّنَّ رَاجِحٌ غَيْرُ مَانِعٍ مِنَ النَّقِيضِ، فَلَمَّا اشْتَبَهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ صَحَّ إِطْلَاقُ اسْمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، قَالَ أَوْسُ بْنُ حجر: فأرسلته مُسْتَيْقِنَ الظَّنِّ أَنَّهُ ... مُخَالِطُ مَا بَيْنَ الشَّرَاسِيفِ خائف وَقَالَ تَعَالَى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [الْحَاقَّةِ: 20] وَقَالَ: أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ [الْمُطَفِّفِينَ: 4] ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ إِنْكَارًا عَلَيْهِمْ وَبَعْثًا عَلَى الظَّنِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى الِاعْتِقَادِ الْمُجَوِّزِ لِلنَّقِيضِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بالظن هاهنا الْعِلْمُ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَى ظاهره وهو الظن الحقيقي، ثم هاهنا وُجُوهٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ تُجْعَلَ مُلَاقَاةُ الرَّبِّ مَجَازًا عَنِ الْمَوْتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُلَاقَاةَ الرَّبِّ مُسَبَّبٌ عَنِ الْمَوْتِ فَأَطْلَقَ الْمُسَبِّبَ وَالْمُرَادُ مِنْهُ السَّبَبُ، وَهَذَا مَجَازٌ مَشْهُورٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِمَنْ مَاتَ إنه لقي ربه. إذا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ الْمَوْتَ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مُتَوَقِّعًا لِلْمَوْتِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُفَارِقُ قَلْبَهُ الْخُشُوعُ فَهُمْ يُبَادِرُونَ إِلَى التَّوْبَةِ، لِأَنَّ خَوْفَ الموت مما يقوي دواعي التوبة ولأنه مَعَ خُشُوعِهِ لَا بُدَّ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ أَنْ لَا يَأْمَنَ تَقْصِيرًا جَرَى مِنْهُ فَيُلْزِمَهُ التَّلَافِيَ، فَإِذَا كَانَ حَالُهُ مَا ذَكَرْنَا كان ذلك داعياً إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى التَّوْبَةِ، الثَّانِي: أَنْ تُفَسَّرَ مُلَاقَاةُ الرَّبِّ بِمُلَاقَاةِ ثَوَابِ الرَّبِّ وَذَلِكَ مَظْنُونٌ لَا مَعْلُومٌ فَإِنَّ الزَّاهِدَ الْعَابِدَ لَا يَقْطَعُ بِكَوْنِهِ مُلَاقِيًا لِثَوَابِ اللَّهِ بَلْ يَظُنُّ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ الظَّنَّ مِمَّا يَحْمِلُهُ عَلَى كَمَالِ الخشوع. الثالث: المعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا رَبِّهِمْ بِذُنُوبِهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ الْخَاشِعَ قَدْ يُسِيءُ ظَنَّهُ بِنَفْسِهِ وَبِأَعْمَالِهِ فَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى بِذُنُوبِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُسَارِعُ إِلَى التَّوْبَةِ وَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمَدْحِ. بَقِيَ هُنَا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بقوله: مُلاقُوا رَبِّهِمْ عَلَى جَوَازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى/ وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَفْظُ اللِّقَاءِ لَا يُفِيدُ الرُّؤْيَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَالْخَبَرُ وَالْعُرْفُ. أَمَّا الْآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التوبة: 77] وَالْمُنَافِقُ لَا يَرَى رَبَّهُ، وَقَالَ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [الْفُرْقَانِ: 68] وَقَالَ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [الْبَقَرَةِ: 223] فَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْكَافِرَ وَالْمُؤْمِنَ، وَالرُّؤْيَةُ لَا تَثْبُتُ لِلْكَافِرِ فَعَلِمْنَا أَنَّ اللِّقَاءَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ. وَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
[سورة البقرة (2) : آية 47]
«مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» وَلَيْسَ الْمُرَادُ رَأَى اللَّهَ تَعَالَى لِأَنَّ ذَلِكَ وَصْفُ أَهْلِ النَّارِ، وَأَمَّا الْعُرْفُ فَهُوَ قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ فِيمَنْ مَاتَ: لَقِيَ اللَّهَ، وَلَا يَعْنُونَ أَنَّهُ رَأَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَيْضًا فَاللِّقَاءُ يُرَادُ بِهِ الْقُرْبُ مِمَّنْ يَلْقَاهُ عَلَى وَجْهٍ يَزُولُ الْحِجَابُ بَيْنَهُمَا. وَلِذَلِكَ يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا حُجِبَ عَنِ الْأَمِيرِ: مَا لَقِيتُهُ بَعْدُ وَإِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ، وَإِذَا أُذِنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ يَقُولُ: لَقِيتُهُ، وَإِنْ كَانَ ضَرِيرًا، وَيُقَالُ: لَقِيَ فُلَانٌ جَهْدًا شَدِيدًا وَلَقِيتُ مِنْ فُلَانٍ الدَّاهِيَةَ. وَلَاقَى فُلَانٌ حِمَامَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللِّقَاءَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [الْقَمَرِ: 12] . وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْجِسْمِ وَلَا يَصِحُّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ الْأَصْحَابُ: اللِّقَاءُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ وُصُولِ أَحَدِ الْجِسْمَيْنِ إِلَى الْآخَرِ بِحَيْثُ يُمَاسُّهُ بِمُسَطَّحَةٍ يُقَالُ: لَقِيَ هَذَا ذَاكَ إِذَا مَاسَّهُ وَاتَّصَلَ بِهِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْمُلَاقَاةُ بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ الْمُدْرِكَيْنِ سَبَبًا لِحُصُولِ الْإِدْرَاكِ فَحَيْثُ يَمْتَنِعُ إِجْرَاءُ اللَّفْظِ عَلَى الْمُمَاسَّةِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْإِدْرَاكِ لِأَنَّ إِطْلَاقَ لَفْظِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ مِنْ أَقْوَى وُجُوهِ الْمَجَازِ. فَثَبَتَ أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ لَفْظَ اللِّقَاءِ عَلَى الْإِدْرَاكِ أَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ فَوَجَبَ إِجْرَاؤُهُ عَلَى الْإِدْرَاكِ فِي الْبَوَاقِي، وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ زَالَتِ السُّؤَالَاتُ. أَمَّا قَوْلُهُ: فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التَّوْبَةِ: 77] وَالْمُنَافِقُ لَا يَرَى رَبَّهُ. قُلْنَا: فَلِأَجْلِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الْمُرَادُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَ حِسَابَهُ وَحُكْمَهُ إِلَّا أَنَّ هَذَا الْإِضْمَارَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. فَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَمَّا اضْطُرِرْنَا إِلَيْهِ اعْتَبَرْنَاهُ، وَأَمَّا فِي قوله تعالى: أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ لَا ضَرُورَةَ فِي صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَلَا فِي إِضْمَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، فَلَا جَرَمَ وَجَبَ تَعْلِيقُ اللِّقَاءِ بِاللَّهِ تَعَالَى لَا بِحُكْمِ اللَّهِ، فَإِنِ اشْتَغَلُوا بِذِكْرِ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الرُّؤْيَةِ بَيَّنَّا ضَعْفَهَا وَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ التَّمَسُّكُ بِالظَّاهِرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُرَادُ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تعالى الرجوع إلى حيث لا يَكُونُ لَهُمْ مَالِكٌ سِوَاهُ وَأَنْ لَا يَمْلِكَ لَهُمْ أَحَدٌ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا غَيْرَهُ، كَمَا كَانُوا كَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْخَلْقِ فَجَعَلَ مَصِيرَهُمْ إِلَى مِثْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ أَوَّلًا رُجُوعًا إِلَى اللَّهِ مِنْ حَيْثُ كَانُوا فِي سَائِرِ أَيَّامِ حَيَاتِهِمْ قَدْ يَمْلِكُ غَيْرُهُ الْحُكْمَ عَلَيْهِمْ وَيَمْلِكُ أَنْ يَضُرَّهُمْ وَيَنْفَعَهُمْ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مَالِكًا لَهُمْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَرِيقَانِ مِنَ الْمُبْطِلِينَ. الْأَوَّلُ: الْمُجَسِّمَةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الرُّجُوعُ إِلَى غَيْرِ الْجِسْمِ مُحَالٌ فَلَمَّا ثَبَتَ الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ وَجَبَ كَوْنُ اللَّهِ جِسْمًا. الثَّانِي: التَّنَاسُخِيَّةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الرُّجُوعُ إِلَى الشَّيْءِ مَسْبُوقٌ/ بِالْكَوْنِ عِنْدَهُ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى كَوْنِ الْأَرْوَاحِ قَدِيمَةً وَأَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي عَالَمِ الرُّوحَانِيَّاتِ وَالْجَوَابُ عَنْهَا قد حصل بناء على ما تقدم. [سورة البقرة (2) : آية 47] يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47) اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَعَادَ هَذَا الْكَلَامَ مَرَّةً أُخْرَى تَوْكِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَتَحْذِيرًا مِنْ تَرْكِ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَرَنَهُ بِالْوَعِيدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَاتَّقُوا يَوْماً [الْبَقَرَةِ: 48، 123] كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ لَمْ تُطِيعُونِي لِأَجْلِ سَوَالِفِ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فَأَطِيعُونِي لِلْخَوْفِ مِنْ عِقَابِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ. أَمَّا قَوْلُهُ: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ فَفِيهِ سُؤَالٌ وَهُوَ: أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: قَالَ قَوْمٌ: الْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَنِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ كَقَوْلِكَ: رَأَيْتُ عَالَمًا مِنَ النَّاسِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْكَثِيرُ لَا الْكُلُّ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ لَفْظَ الْعَالَمِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَلَمِ وَهُوَ الدَّلِيلُ، فَكُلُّ مَا كَانَ دَلِيلًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَ عَالَمًا، فَكَانَ مِنَ الْعَالَمِ، وَهَذَا تَحْقِيقُ قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ: الْعَالَمُ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ، وَعَلَى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم
ببعض المحدثات. وثانيها: الْمُرَادُ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى عَالَمِي زَمَانِكُمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي سَيُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ الْآنَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الشَّخْصُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَالَمِينَ حَالَ عَدَمِهِ لِأَنَّ شَرْطَ الْعَالَمِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَالشَّيْءُ حَالَ عَدَمِهِ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا. فَالشَّيْءُ حَالَ عَدَمِهِ لَا يَكُونُ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَمَا كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ مِنَ الْعَالَمِينَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَفْضَلَ الْعَالَمِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَوْنُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ أَيْضًا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [الْمَائِدَةِ: 20] . وَقَالَ: وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ [الدُّخَانِ: 32] وَأَرَادَ بِهِ عَالَمِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَإِنَّمَا كَانُوا أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ بِمَا أُعْطَوْا مِنَ الْمُلْكِ وَالرِّسَالَةِ وَالْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ عَامٌّ فِي الْعَالَمِينَ لَكِنَّهُ مُطْلَقٌ في الفضل والمطلق يكفي في صدقه صورة وَاحِدَةٌ. فَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ فضلوا على العالمين في أمر ما وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مَنْ كُلِّ الْعَالَمِينَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ، بَلْ لَعَلَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ فَغَيْرُهُمْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهُمْ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ الْأَمْرَ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يصح الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 33] عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الملائكة. بقي هاهنا أَبْحَاثٌ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَرَادَ به المؤمنين مِنْهُمْ لِأَنَّ عُصَاتَهُمْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ عَلَى/ مَا قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ [الْمَائِدَةِ: 60] وَقَالَ: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ [الْمَائِدَةِ: 78] . الْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَ مَا خَاطَبَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَنْبِيهٌ لِلْعَرَبِ لِأَنَّ الْفَضِيلَةَ بِالنَّبِيِّ قَدْ لَحِقَتْهُمْ، وَجَمِيعُ أَقَاصِيصِ الْأَنْبِيَاءِ تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزُّمَرِ: 18] ، وَقَالَ: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزُّمَرِ: 55] . وَقَالَ: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يُوسُفَ: 111] . وَلِذَلِكَ رَوَى قَتَادَةُ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: قَدْ مَضَى وَاللَّهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَمَا يُغْنِي مَا تَسْمَعُونَ عَنْ غَيْرِكُمْ. الْبَحْثُ الثَّالِثُ: قَالَ الْقَفَّالُ: «النِّعْمَةُ بِكَسْرِ النُّونِ الْمِنَّةُ وَمَا يُنْعِمُ بِهِ الرَّجُلُ عَلَى صَاحِبِهِ. قَالَ تَعَالَى: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ [الشُّعَرَاءِ: 22] وَأَمَّا النَّعْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ فَهُوَ مَا يُتَنَعَّمُ بِهِ فِي الْعَيْشِ، قَالَ تَعَالَى: وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ [الدُّخَانِ: 27] . الْبَحْثُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِعَايَةَ الْأَصْلَحِ لَا تَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الدِّينِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ نِعَمِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، فَذَلِكَ التَّفْضِيلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَجُزْ جَعْلُهُ مِنَّةً عَلَيْهِمْ لِأَنَّ مَنْ أَدَّى وَاجِبًا فَلَا مِنَّةَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَاجِبٍ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى خَصَّصَ الْبَعْضَ بِذَلِكَ دُونَ الْبَعْضِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِعَايَةَ الْأَصْلَحِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الدِّينِ. فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا خَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ الْعَظِيمَةِ فِي الدُّنْيَا، فَهَذَا يُنَاسِبُ أَنْ يَخُصَّهُمْ أَيْضًا بِالنِّعَمِ الْعَظِيمَةِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قِيلَ: إِتْمَامُ الْمَعْرُوفِ خَيْرٌ مِنِ ابْتِدَائِهِ، فَلِمَ أَرْدَفَ ذَلِكَ التَّخْوِيفَ الشَّدِيدَ فِي قَوْلِهِ: وَاتَّقُوا يَوْماً وَالْجَوَابُ: لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ مَعَ عِظَمِ النِّعْمَةِ تَكُونُ أَقْبَحَ وَأَفْحَشَ فَلِهَذَا حَذَّرَهُمْ عَنْهَا. الْبَحْثُ الْخَامِسُ: فِي بَيَانِ أَنَّ أَيَّ فِرَقِ الْعَالَمِ أَفْضَلُ يَعْنِي أَنَّ أَيَّهُمْ أَكْثَرُ اسْتِجْمَاعًا لِخِصَالِ الْخَيْرِ؟ اعْلَمْ أَنَّ
[سورة البقرة (2) : آية 48]
هَذَا مِمَّا وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ الشَّدِيدُ بَيْنَ سُكَّانِ النَّوَاحِي فَكُلُّ طَائِفَةٍ تَدَّعِي أَنَّهَا أَفْضَلُ وَأَكْثَرُ اسْتِجْمَاعًا لِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَى مَعَاقِدِ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تعالى وعونه «1» . [سورة البقرة (2) : آية 48] وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) اعْلَمْ أَنَّ اتِّقَاءَ الْيَوْمِ اتِّقَاءٌ لِمَا يَحْصُلُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْعِقَابِ وَالشَّدَائِدِ لِأَنَّ نَفْسَ الْيَوْمِ لَا يُتَّقَى وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَرِدَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ جَمِيعًا. فَالْمُرَادُ مَا ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْيَوْمَ/ بِأَشَدِّ الصِّفَاتِ وَأَعْظَمِهَا تَهْوِيلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا دُفِعَ أَحَدُهُمْ إِلَى كَرِيهَةٍ وَحَاوَلَتْ أَعْوَانُهُ دِفَاعَ ذَلِكَ عَنْهُ بَذَلَتْ مَا فِي نُفُوسِهَا الْأَبِيَّةِ مِنْ مُقْتَضَى الْحَمِيَّةِ فَذَبَّتْ عَنْهُ كَمَا يَذُبُّ الْوَالِدُ عَنْ وَلَدِهِ بِغَايَةِ قُوَّتِهِ، فَإِنْ رَأَى مَنْ لا طاقة له بمانعته عَادَ بِوُجُوهِ الضَّرَاعَةِ وَصُنُوفِ الشَّفَاعَةِ فَحَاوَلَ بِالْمُلَايَنَةِ مَا قَصَّرَ عَنْهُ بِالْمُخَاشَنَةِ، فَإِنْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ الْحَالَتَانِ مِنَ الْخُشُونَةِ وَاللِّيَانِ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ إِلَّا فِدَاءُ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ. إِمَّا مَالٌ أَوْ غَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَعَلَّلَ بِمَا يَرْجُوهُ مِنْ نَصْرِ الْأَخِلَّاءِ وَالْإِخْوَانِ فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا يُغْنِي شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَنِ الْمُجْرِمِينَ فِي الْآخِرَةِ. بَقِيَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ سُؤَالَانِ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: الْفَائِدَةُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً هِيَ الْفَائِدَةُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ فَمَا الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّكْرَارِ؟ وَالْجَوَابُ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً أَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ عَنْهُ غَيْرُهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْجَزَاءِ، وَأَمَّا النُّصْرَةُ فَهِيَ أَنْ يُحَاوِلَ تَخْلِيصَهُ عَنْ حُكْمِ الْمُعَاقَبِ وَسَنَذْكُرُ فَرْقًا آخَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَبُولَ الشَّفَاعَةِ عَلَى أَخْذِ الْفِدْيَةِ وَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ وَقَدَّمَ قَبُولَ الْفِدْيَةِ عَلَى ذِكْرِ الشَّفَاعَةِ فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟ الْجَوَابُ: أَنَّ مَنْ كَانَ مَيْلُهُ إِلَى حُبِّ الْمَالِ أَشَدَّ مِنْ مَيْلِهِ إِلَى عُلُوِّ النَّفْسِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ التَّمَسُّكَ بِالشَّافِعِينَ عَلَى إِعْطَاءِ الْفِدْيَةِ وَمَنْ كَانَ بِالْعَكْسِ يُقَدِّمُ الْفِدْيَةَ عَلَى الشَّفَاعَةِ، فَفَائِدَةُ تَغْيِيرِ التَّرْتِيبِ، الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ: وَلْنَذْكُرِ الْآنَ تَفْسِيرَ الْأَلْفَاظِ: أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً فَقَالَ الْقَفَّالُ: الْأَصْلُ فِي جَزَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ قَضَى وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ يَسَارٍ: «تَجْزِيكَ وَلَا تَجْزِي أَحَدًا بَعْدَكَ» ، هَكَذَا يَرْوِيهِ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ: «تَجْزِيكَ» بِفَتْحِ التَّاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ أَيْ تَقْضِي عَنْ أُضْحِيَّتِكَ وَتَنُوبُ، وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا تَنُوبُ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا تَحْمِلُ عَنْهَا شَيْئًا مِمَّا أَصَابَهَا، بَلْ يَفِرُّ الْمَرْءُ فِيهِ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَمَعْنَى هَذِهِ النِّيَابَةِ أَنَّ طَاعَةَ الْمُطِيعِ لَا تَقْضِي عَلَى الْعَاصِي مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ. وَقَدْ تَقَعُ هَذِهِ النِّيَابَةُ فِي الدُّنْيَا كَالرَّجُلِ يَقْضِي عَنْ قَرِيبِهِ وَصَدِيقِهِ دَيْنَهُ وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُ، فَأَمَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ قَضَاءَ الْحُقُوقِ إِنَّمَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْحَسَنَاتِ. رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَ عِنْدَهُ لِأَخِيهِ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أَخَذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَلَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ» . قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: وَ (شَيْئًا) مَفْعُولٌ بِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ مَصْدَرٍ أَيْ قَلِيلًا مِنَ الْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً [مَرْيَمَ: 60] . وَمَنْ قَرَأَ: «لَا يُجْزِي» مِنْ أَجْزَأَ عَنْهُ إِذَا أَغْنَى عَنْهُ فَلَا يَكُونُ فِي قِرَاءَتِهِ إِلَّا بِمَعْنَى شَيْئًا من
الْإِجْزَاءِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَنْصُوبَةُ الْمَحَلِّ صِفَةٌ لِيَوْمًا. فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ الْعَائِدُ مِنْهَا إِلَى الْمَوْصُوفِ؟ قُلْنَا: هُوَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَا تُجْزِي فِيهِ وَمَعْنَى التَّنْكِيرِ أَنَّ نَفْسًا مِنَ الْأَنْفُسِ لَا تُجْزِي عَنْ نَفْسِ غَيْرِهَا شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ الْإِقْنَاطُ الْكُلِّيُّ الْقَطَّاعُ لِلْمَطَامِعِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ فَالشَّفَاعَةُ/ أَنْ يَسْتَوْهِبَ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيْئًا وَيَطْلُبَ لَهُ حَاجَةً وَأَصْلُهَا مِنَ الشَّفْعِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْوَتْرِ، كَأَنَّ صَاحِبَ الْحَاجَةِ كَانَ فَرْدًا فَصَارَ الشَّفِيعُ لَهُ شَفْعًا أَيْ صَارَا زَوْجًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: وَلا يُقْبَلُ مِنْها رَاجِعٌ إِلَى النَّفْسِ الثَّانِيَةِ الْعَاصِيَةِ وَهِيَ الَّتِي لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ، وَمَعْنَى لَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ أَنَّهَا إِنْ جَاءَتْ بِشَفَاعَةِ شَفِيعٍ لَا يُقْبَلُ مِنْهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى النَّفْسِ الْأُولَى، عَلَى أَنَّهَا لَوْ شَفَعَتْ لَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَفَاعَتُهَا كَمَا لَا تُجْزِي عَنْهَا شَيْئًا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ أَيْ فِدْيَةٌ، وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنْ مُعَادَلَةِ الشَّيْءِ تَقُولُ: مَا أَعْدِلُ بِفُلَانٍ أَحَدًا، أَيْ لَا أَرَى لَهُ نَظِيرًا. قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: 1] وَنَظِيرُهُ هَذِهِ الْآيَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ [الْمَائِدَةِ: 36] وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ [آلِ عِمْرَانَ: 91] وَقَالَ: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْها [الْأَنْعَامِ: 70] . أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ فَاعْلَمْ أَنَّ التَّنَاصُرَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا بِالْمُخَالَطَةِ وَالْقَرَابَةِ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَيْسَ يَوْمَئِذٍ خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَأَنَّهُ لَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا الْمَرْءُ يَفِرُّ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَقَرَابَتِهِ، قَالَ الْقَفَّالُ: وَالنَّصْرُ يُرَادُ بِهِ الْمَعُونَةُ كَقَوْلِهِ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» ، وَمِنْهُ مَعْنَى الْإِغَاثَةِ: تَقُولُ الْعَرَبُ: أَرْضٌ مَنْصُورَةٌ أَيْ مَمْطُورَةٌ، وَالْغَيْثُ يَنْصُرُ الْبِلَادَ إِذَا أَنْبَتَهَا فَكَأَنَّهُ أَغَاثَ أَهْلَهَا وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ [الْحَجِّ: 15] أَيْ أَنْ لَنْ يَرْزُقَهُ كَمَا يَرْزُقُ الْغَيْثَ الْبِلَادَ، وَيُسَمَّى الِانْتِقَامُ نُصْرَةً وَانْتِصَارًا، قَالَ تَعَالَى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [الْأَنْبِيَاءِ: 77] قَالُوا مَعْنَاهُ: فَانْتَقَمْنَا لَهُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْوُجُوهَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُغَاثُونَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ إِذَا عُذِّبُوا لَمْ يَجِدُوا مَنْ يَنْتَقِمُ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ، وَفِي الْجُمْلَةِ كَأَنَّ النَّصْرَ هُوَ دَفْعُ الشَّدَائِدِ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا دَافِعَ هُنَاكَ مِنْ عَذَابِهِ، بَقِيَ فِي الْآيَةِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّ فِي الْآيَةِ أَعْظَمَ تَحْذِيرٍ عَنِ الْمَعَاصِي وَأَقْوَى تَرْغِيبٍ فِي تَلَافِي الْإِنْسَانِ مَا يَكُونُ مِنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ بِالتَّوْبَةِ لِأَنَّهُ إِذَا تَصَوَّرَ أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ اسْتِدْرَاكٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَلَا نُصْرَةٌ وَلَا فِدْيَةٌ عَلِمَ أَنَّهُ لَا خَلَاصَ لَهُ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، فَإِذَا كَانَ لَا يَأْمَنُ كُلَّ سَاعَةٍ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي الْعِبَادَةِ، وَمَنْ فَوَّتَ التَّوْبَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَقِينَ لَهُ فِي الْبَقَاءِ صَارَ حَذِرًا خَائِفًا فِي كُلِّ حَالٍ، وَالْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَهِيَ فِي الْمَعْنَى مُخَاطَبَةٌ لِلْكُلِّ لِأَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي ذُكِرَ فِيهَا وَصْفٌ لِلْيَوْمِ وَذَلِكَ يَعُمُّ كُلَّ مَنْ يَحْضُرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَجْمَعْتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَفَاعَةً فِي الْآخِرَةِ وَحُمِلَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [الْإِسْرَاءِ: 79] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضُّحَى: 5] ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ هَذَا فِي أَنَّ شَفَاعَتَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَنْ تَكُونُ أَتَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَحِقِّينَ/ لِلثَّوَابِ، أَمْ تَكُونُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقَابِ؟ فَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّهَا لِلْمُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوَابِ وَتَأْثِيرُ الشَّفَاعَةِ فِي أَنْ تَحْصُلَ زِيَادَةٌ مِنَ الْمَنَافِعِ عَلَى قَدْرِ مَا اسْتَحَقُّوهُ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَأْثِيرُهَا فِي إِسْقَاطِ الْعَذَابِ عَنِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقَابِ، إما بأن
يَشْفَعَ لَهُمْ فِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ حَتَّى لَا يَدْخُلُوا النَّارَ وَإِنْ دَخَلُوا النَّارَ فَيَشْفَعُ لَهُمْ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا وَيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْكُفَّارِ، وَاسْتَدَلَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى إِنْكَارِ الشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ بِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: هَذِهِ الْآيَةُ: قَالُوا إِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الشَّفَاعَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَوْ أَثَّرَتِ الشَّفَاعَةُ فِي إِسْقَاطِ الْعِقَابِ لَكَانَ قَدْ أَجْزَتْ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا. الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَهَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الشَّفَاعَةِ، وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ شَفِيعًا لِأَحَدٍ مِنَ الْعُصَاةِ لَكَانَ نَاصِرًا لَهُ وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْآيَةِ. لَا يُقَالُ الْكَلَامُ عَلَى الْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ آبَاءَهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُمْ فَأُيِّسُوا مِنْ ذَلِكَ، فَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِمْ. الثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي نَفْيَ الشَّفَاعَةِ مُطْلَقًا إِلَّا أَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى تَطَرُّقِ التَّخْصِيصِ إِلَيْهِ فِي حَقِّ زِيَادَةِ الثَّوَابِ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ، فَنَحْنُ أَيْضًا نَخُصُّهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ بِالدَّلَائِلِ الَّتِي نَذْكُرُهَا، لِأَنَّا نُجِيبُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ نَفْيَ الشَّفَاعَةِ فِي زِيَادَةِ الْمَنَافِعِ لِأَنَّهُ تَعَالَى حَذَّرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِأَنَّهُ لَا تَنْفَعُ فِيهِ شَفَاعَةٌ، وَلَيْسَ يَحْصُلُ التَّحْذِيرُ إِذَا رَجَعَ نَفْيُ الشَّفَاعَةِ إِلَى تَحْصِيلِ زِيَادَةِ النَّفْعِ لِأَنَّ عَدَمَ حُصُولِ زِيَادَةِ النَّفْعِ لَيْسَ فِيهِ خَطَرٌ وَلَا ضَرَرٌ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ قَالَ: اتَّقُوا يَوْمًا لَا أَزِيدُ فِيهِ مَنَافِعَ الْمُسْتَحِقِّ لِلثَّوَابِ بِشَفَاعَةِ أَحَدٍ لَمْ يَحْصُلْ بِذَلِكَ زَجْرٌ عَنِ الْمَعَاصِي، وَلَوْ قَالَ: اتَّقُوا يَوْمًا لَا أُسْقِطُ فِيهِ عِقَابَ الْمُسْتَحِقِّ لِلْعِقَابِ بِشَفَاعَةِ شَفِيعٍ كَانَ ذَلِكَ زَجْرًا عَنِ الْمَعَاصِي، فَثَبَتَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ نَفْيُ تَأْثِيرِ الشَّفَاعَةِ فِي إِسْقَاطِ الْعِقَابِ لَا نَفْيُ تَأْثِيرِهَا فِي زِيَادَةِ الْمَنَافِعِ. وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [غَافِرٍ: 18] وَالظَّالِمُ هُوَ الْآتِي بِالظُّلْمِ وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْكَافِرَ وَغَيْرَهُ، لَا يُقَالُ إِنَّهُ تَعَالَى نَفَى أَنْ يَكُونَ لِلظَّالِمِينَ شَفِيعٌ يُطَاعُ وَلَمْ يَنْفِ شَفِيعًا يُجَابُ وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ شَفِيعٌ يُطَاعُ، لِأَنَّ الْمُطَاعَ يَكُونُ فَوْقَ الْمُطِيعِ، وَلَيْسَ فَوْقَهُ تَعَالَى أَحَدٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مَا قُلْتُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ تَعَالَى أَحَدٌ يُطِيعُهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ. أَمَّا مَنْ أَثْبَتَهُ سُبْحَانَهُ فَقَدِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يُطِيعُ أَحَدًا، وَأَمَّا مَنْ نَفَاهُ فَمَعَ الْقَوْلِ بِالنَّفْيِ اسْتَحَالَ أَنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ كَوْنَهُ مُطِيعًا لِغَيْرِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ حَمْلًا لَهَا عَلَى مَعْنًى لَا يُفِيدُ. الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى نَفَى شَفِيعًا يُطَاعُ، وَالشَّفِيعُ لَا يَكُونُ إِلَّا دُونَ الْمَشْفُوعِ إِلَيْهِ لِأَنَّ مَنْ فَوْقَهُ يَكُونُ آمِرًا لَهُ وَحَاكِمًا عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ لَا يُسَمَّى شَفِيعًا فَأَفَادَ قَوْلُهُ: «شَفِيعٍ» كَوْنَهُ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يمكن حمل قوله: يُطاعُ عَلَى مَنْ فَوْقَهُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ/ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ شَفِيعٌ يُجَابُ. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [الْبَقَرَةِ: 254] ظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي نَفْيَ الشَّفَاعَاتِ بِأَسْرِهَا. وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [الْبَقَرَةِ: 270] وَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ يَشْفَعُ لِلْفَاسِقِ مِنْ أُمَّتِهِ لَوُصِفُوا بِأَنَّهُمْ مَنْصُورُونَ لِأَنَّهُ إِذَا تَخَلَّصَ بِسَبَبِ شَفَاعَةِ الرَّسُولِ عَنِ الْعَذَابِ فَقَدْ بَلَغَ الرَّسُولُ النِّهَايَةَ فِي نُصْرَتِهِ. وَخَامِسُهَا: قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الْأَنْبِيَاءِ: 28] أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ مَلَائِكَتِهِ أَنَّهُمْ لَا يَشْفَعُونَ لِأَحَدٍ إِلَّا أَنْ يَرْتَضِيَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالْفَاسِقُ لَيْسَ بِمُرْتَضًى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا لَمْ تَشْفَعِ الْمَلَائِكَةُ لَهُ فَكَذَا الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ.
وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [الْمُدَّثِّرِ: 48] وَلَوْ أَثَّرَتِ الشَّفَاعَةُ فِي إِسْقَاطِ الْعِقَابِ لَكَانَتِ الشَّفَاعَةُ قَدْ تَنْفَعُهُمْ وَذَلِكَ ضِدُّ الْآيَةِ. وَسَابِعُهَا: أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ نَرْغَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ شَفَاعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيَقُولُونَ فِي جُمْلَةِ أَدْعِيَتِهِمْ: وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ شَفَاعَتِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ لِلشَّفَاعَةِ هُوَ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ لَكَانُوا قَدْ رَغِبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ يَخْتِمَ لَهُمْ مُصِرِّينَ عَلَى الْكَبَائِرِ. لَا يُقَالُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ يَرْغَبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ يَجْعَلَهُمْ مِنْ أَهْلِ شَفَاعَتِهِ إِذَا خَرَجُوا مُصِرِّينَ لَا أَنَّهُمْ يَرْغَبُونَ فِي أَنْ يَخْتِمَ لَهُمْ مُصِرِّينَ كَمَا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ: اجْعَلْنَا مِنَ التَّوَّابِينَ وَلَيْسُوا يَرْغَبُونَ فِي أَنْ يُذْنِبُوا ثُمَّ يَتُوبُوا وَإِنَّمَا يَرْغَبُونَ فِي أَنْ يُوَفِّقَهُمْ لِلتَّوْبَةِ إِذَا كَانُوا مُذْنِبِينَ وَكِلْتَا الرَّغْبَتَيْنِ مَشْرُوطَةٌ بِشَرْطٍ وَهُوَ تَقَدُّمُ الْإِصْرَارِ وَتَقَدُّمُ الذَّنْبِ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: لَيْسَ يَجِبُ إِذَا شَرَطْنَا شَرْطًا فِي قَوْلِنَا: اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ التَّوَّابِينَ، أَنْ نَزِيدَ شَرْطًا فِي قَوْلِنَا اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ. الثَّانِي: أَنَّ الْأُمَّةَ فِي كِلْتَا الرَّغْبَتَيْنِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَسْأَلُونَ مِنْهُ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ مَا يُوصِلُهُمْ إِلَى الْمَرْغُوبِ فيه ففي قولهم: اجعلنا من التوابين، أن يَرْغَبُونَ فِي أَنْ يُوَفِّقَهُمْ لِلتَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَفِي الثَّانِي يَرْغَبُونَ فِي أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما يكونون عِنْدَهُ أَهْلًا لِشَفَاعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلْ أَهْلِيَّةُ الشَّفَاعَةِ إِلَّا بِالْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ لَكَانَ سُؤَالُ أَهْلِيَّةِ الشَّفَاعَةِ سُؤَالًا لِلْإِخْرَاجِ مِنَ الدُّنْيَا حَالَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْكَبَائِرِ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ بِالْإِجْمَاعِ. أَمَّا عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّ أَهْلِيَّةَ الشَّفَاعَةِ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا مُسْتَحِقًّا لِلثَّوَابِ كَانَ سُؤَالُ أَهْلِيَّةِ الشَّفَاعَةِ حَسَنًا فَظَهَرَ الْفَرْقُ. وَثَامِنُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ [الِانْفِطَارِ: 14- 16] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ الْفُجَّارِ يَدْخُلُونَ النَّارَ وَأَنَّهُمْ لَا يَغِيبُونَ عَنْهَا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ لَا يَغِيبُونَ عَنْهَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلشَّفَاعَةِ أَثَرٌ لَا فِي الْعَفْوِ عَنِ الْعِقَابِ وَلَا فِي الْإِخْرَاجِ مِنَ النَّارِ بَعْدَ الْإِدْخَالِ فِيهَا. وَتَاسِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس: 3] فنفي الشَّفَاعَةِ عَمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي شَفَاعَتِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الْبَقَرَةِ: 255] وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [سَبَأٍ: 38] وَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ فِي الشَّفَاعَةِ فِي حَقِّ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ لِأَنَّ هَذَا الْإِذْنَ لَوْ عُرِفَ لَعُرِفَ إِمَّا بِالْعَقْلِ أَوْ بِالنَّقْلِ، أَمَّا الْعَقْلُ فَلَا مَجَالَ لَهُ فِيهِ، وَأَمَّا النَّقْلُ/ فَإِمَّا بِالتَّوَاتُرِ أَوْ بِالْآحَادِ، وَالْآحَادُ لَا مَجَالَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ رِوَايَةَ الْآحَادِ لَا تُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ وَالْمَسْأَلَةُ عِلْمِيَّةٌ وَالتَّمَسُّكُ فِي الْمَطَالِبِ الْعِلْمِيَّةِ بِالدَّلَائِلِ الظَّنِّيَّةِ غَيْرُ جَائِزٍ. وَأَمَّا بِالتَّوَاتُرِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ لَعَرَفَهُ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا أَنْكَرُوا هَذِهِ الشَّفَاعَةَ. فَحَيْثُ أَطْبَقَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْإِذْنُ. وَعَاشِرُهَا: قوله تعالى: [في سورة غافر الذين يحملون العرش ... ] الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [غَافِرٍ: 7] وَلَوْ كَانَتِ الشَّفَاعَةُ حَاصِلَةً لِلْفَاسِقِ لَمْ يَكُنْ لِتَقْيِيدِهَا بِالتَّوْبَةِ وَمُتَابَعَةِ السَّبِيلِ مَعْنًى. الْحَادِيَ عَشَرَ: الْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا تُوجَدُ الشَّفَاعَةُ فِي حَقِّ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ. الْأَوَّلُ: مَا رَوَى الْعَلَاءُ بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَخَلَ الْمَقْبَرَةَ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ. قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهْمٍ فَهَلْ لَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا
يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ، أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ فَسُحْقًا فَسُحْقًا» . وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَى نَفْيِ الشَّفَاعَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَفِيعًا لَهُمْ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ فَسُحْقًا فَسُحْقًا، لَأَنَّ الشَّفِيعَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَفِيعًا لَهُمْ فِي الْخَلَاصِ مِنَ الْعِقَابِ الدَّائِمِ وَهُوَ يَمْنَعُهُمْ شَرْبَةَ مَاءٍ. الثَّانِي: رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابَاطٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: «يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ إِنَّهُ سَيَكُونُ أُمَرَاءُ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَنْ يَرِدَ عليَّ الْحَوْضَ وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَسَيَرِدُ عليَّ الْحَوْضَ، يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ الصَّلَاةُ قُرْبَانٌ وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ» . وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّبِيِّ وَلَا النَّبِيُّ مِنْهُ فَكَيْفَ يَشْفَعُ لَهُ، وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: «لَمْ يَرِدْ عليَّ الْحَوْضَ» دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ الشَّفَاعَةِ لِأَنَّهُ إِذَا مُنِعَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الرَّسُولِ حَتَّى لَا يَرِدَ عَلَيْهِ الْحَوْضَ فَبِأَنْ يَمْتَنِعَ الرَّسُولُ مِنْ خَلَاصِهِ مِنَ الْعِقَابِ أَوْلَى. وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ» صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلشَّفَاعَةِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ. الثَّالِثُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُكَ» . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمَطْلُوبِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَمْلِكْ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا فَلَيْسَ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ نَصِيبٌ. الرَّابِعُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصِيمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصِيمَهُ خَصَمْتُهُ، رَجُلٌ/ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوفِهِ أُجْرَتَهُ» . وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا كَانَ خَصِيمًا لِهَؤُلَاءِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ شَفِيعًا لَهُمْ، فَهَذَا مَجْمُوعُ وُجُوهِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي هَذَا الْبَابِ. أَمَّا أَصْحَابُنَا فَقَدْ تَمَسَّكُوا فِيهِ بِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: حِكَايَةً عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، [الْمَائِدَةِ: 118] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ مِنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهَا كَانَتْ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ أَوْ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ الْمُطِيعِ أَوْ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ صَاحِبِ الصَّغِيرَةِ أَوِ الْمُسْلِمِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَوِ الْمُسْلِمِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ. وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَا يَلِيقُ بِالْكُفَّارِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُطِيعَ وَالْمُسْلِمَ صَاحِبَ الصَّغِيرَةِ وَالْمُسْلِمَ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ لَا يَجُوزُ بَعْدَ التَّوْبَةِ تَعْذِيبُهُ عَقْلًا عِنْدَ الْخَصْمِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ لَائِقًا بِهِمْ وَإِذَا بَطَلَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَإِذَا صَحَّ الْقَوْلُ بِهَذِهِ الشَّفَاعَةِ فِي حَقِّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ صَحَّ الْقَوْلُ بِهَا فِي حَقِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إِبْرَاهِيمَ: 36] فَقَوْلُهُ: وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْكَافِرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْمَغْفِرَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا حَمْلُهُ عَلَى صَاحِبِ الصَّغِيرَةِ وَلَا عَلَى صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِأَنَّ غُفْرَانَهُ لَهُمْ وَاجِبٌ عَقْلًا عِنْدَ الْخَصْمِ فَلَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى الشَّفَاعَةِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا حَمْلُهُ عَلَى صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ. وَمِمَّا يُؤَكِّدُ دَلَالَةَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ شُعَبِ الْإِيمَانِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيمَ: وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَقَوْلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ الْآيَةَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً لَا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً [مَرْيَمَ: 85- 87] ، فَنَقُولُ لَيْسَ فِي ظَاهِرِ الْآيَةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ الْمُجْرِمِينَ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ لِغَيْرِهِمْ أَوْ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ شَفَاعَةَ غَيْرِهِمْ لَهُمْ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ كَمَا يَجُوزُ وَيَحْسُنُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْفَاعِلِ يَجُوزُ وَيَحْسُنُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْمَفْعُولِ إِلَّا أَنَّا نَقُولُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي أَوْلَى، لِأَنَّ حَمْلَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَجْرِي مَجْرَى إِيضَاحِ الْوَاضِحَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُجْرِمِينَ الَّذِينَ يُسَاقُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ لِغَيْرِهِمْ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، لِأَنَّهُ قَالَ عَقِيبَهُ: إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْمُجْرِمِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ غَيْرُهُمْ إِلَّا إِذَا كَانُوا اتَّخَذُوا عِنْدَ/ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، فَكُلُّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا وَجَبَ دُخُولُهُ فِيهِ، وَصَاحِبُ الْكَبِيرَةِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا وَهُوَ التَّوْحِيدُ وَالْإِسْلَامُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَهُ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: وَالْيَهُودِيُّ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ فَوَجَبَ دُخُولُهُ تَحْتَهُ لَكِنَّا نَقُولُ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِي حَقِّهِ لِضَرُورَةِ الْإِجْمَاعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا بِهِ فِيمَا وَرَاءَهُ. وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الْأَنْبِيَاءِ: 28] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُرْتَضًى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مُرْتَضًى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ، إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُرْتَضًى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ مُرْتَضًى عِنْدَ اللَّهِ بِحَسَبِ إِيمَانِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَكُلُّ مَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُرْتَضًى عِنْدَ اللَّهِ بِحَسَبِ هَذَا الْوَصْفِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُرْتَضًى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْمُرْتَضَى عِنْدَ اللَّهِ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِنَا: مُرْتَضًى عِنْدَ اللَّهِ بِحَسَبِ إِيمَانِهِ، وَمَتَى صَدَقَ الْمُرَكَّبُ صَدَقَ الْمُفْرَدُ، فَثَبَتَ أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُرْتَضًى عِنْدَ اللَّهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى نَفْيُ الشَّفَاعَةِ إِلَّا لِمَنْ كَانَ مُرْتَضًى وَالِاسْتِثْنَاءُ عَنِ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَضَى أَهْلًا لِشَفَاعَتِهِمْ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ دَاخِلٌ فِي شَفَاعَةِ الْمَلَائِكَةِ وَجَبَ دُخُولُهُ فِي شَفَاعَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. فَإِنْ قِيلَ: الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ الْفَاسِقَ لَيْسَ بِمُرْتَضًى فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ أَهْلًا لِشَفَاعَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِشَفَاعَةِ الْمَلَائِكَةِ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ أَهْلًا لِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ بِمُرْتَضًى لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُرْتَضًى بِحَسَبِ فِسْقِهِ وَفُجُورِهِ وَمَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرْتَضًى بِحَسَبِ فِسْقِهِ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرْتَضًى بِعَيْنِ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الدَّلِيلِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرْتَضًى وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ أَهْلًا لِشَفَاعَةِ الْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الشَّفَاعَةِ عَنِ الْكُلِّ إِلَّا فِي حَقِّ الْمُرْتَضَى، فَإِذَا كَانَ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ غَيْرَ مُرْتَضًى وَجَبَ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي النَّفْيِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى مَحْمُولًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَاهُ اللَّهُ، أَمَّا لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى اللَّهُ مِنْهُ شَفَاعَتَهُ فَحِينَئِذٍ لَا تَدُلُّ الْآيَةُ إِلَّا إِذَا ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ارْتَضَى شَفَاعَةَ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ، وَهَذَا أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الْعُلُومِ الْمَنْطِقِيَّةِ أَنَّ الْمُهْمَلَتَيْنِ لَا يَتَنَاقَضَانِ، فَقَوْلُنَا: زَيْدٌ عَالِمٌ، زَيْدٌ لَيْسَ
بِعَالِمٍ لَا يَتَنَاقَضَانِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ يَكُونَ الْمُرَادُ زَيْدٌ عَالِمٌ بِالْفِقْهِ، زَيْدٌ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِالْكَلَامِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَكَذَا قَوْلُنَا صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ مُرْتَضًى صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُرْتَضًى، لَا يَتَنَاقَضَانِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مُرْتَضًى بِحَسَبِ دِينِهِ، لَيْسَ بِمُرْتَضًى بِحَسَبِ فِسْقِهِ، وَأَيْضًا فَمَتَى ثَبَتَ أَنَّهُ مُرْتَضًى بِحَسَبِ إِسْلَامِهِ ثَبَتَ مُسَمَّى كَوْنِهِ مُرْتَضًى، وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى هُوَ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ مُرْتَضًى، وَمُجَرَّدُ كَوْنِهِ/ مُرْتَضًى حَاصِلٌ عِنْدَ كَوْنِهِ مُرْتَضًى بِحَسَبِ إِيمَانِهِ وَجَبَ دُخُولُهُ تَحْتَ الِاسْتِثْنَاءِ وَخُرُوجُهُ عَنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ. وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي: فَجَوَابُهُ أَنَّ حَمْلَ الْآيَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَاهُ اللَّهُ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى اللَّهُ شَفَاعَتَهُ، لِأَنَّ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ تُفِيدُ الْآيَةُ التَّرْغِيبَ وَالتَّحْرِيضَ عَلَى طَلَبِ مَرْضَاةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالِاحْتِرَازَ عَنْ مَعَاصِيهِ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي لَا تُفِيدُ الْآيَةُ ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَفْسِيرَ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا كَانَ أَكْثَرَ فَائِدَةٍ أَوْلَى. وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْكُفَّارِ: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [الْمُدَّثِّرِ: 48] خَصَّهُمْ بِذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَالُ الْمُسْلِمِ بِخِلَافِهِ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [مُحَمَّدٍ: 19] دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ مُحَمَّدًا بِأَنْ يَسْتَغْفِرَ لِكُلِّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [الْبَقَرَةِ: 3] أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَهُمْ. وَإِلَّا لَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَهُ بِالدُّعَاءِ لِيَرُدَّ دُعَاءَهُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ مَحْضَ التَّحْقِيرِ وَالْإِيذَاءِ وَهُوَ غَيْرُ لَائِقٍ بِاللَّهِ تَعَالَى وَلَا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ مُحَمَّدًا بِالِاسْتِغْفَارِ لِكُلِّ الْعُصَاةِ فَقَدِ اسْتَجَابَ دُعَاءَهُ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ غَفَرَ لَهُمْ وَلَا مَعْنَى لِلشَّفَاعَةِ إِلَّا هَذَا، وَسَابِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها [النِّسَاءِ: 86] فَاللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْكُلَّ بِأَنَّهُمْ إِذَا حَيَّاهُمْ أَحَدٌ بِتَحِيَّةٍ أَنْ يُقَابِلُوا تِلْكَ التَّحِيَّةَ بأحسن منها أو بأن يَرُدُّوهَا، ثُمَّ أَمَرَنَا بِتَحِيَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الْأَحْزَابِ: 56] الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا تَحِيَّةٌ، فَلَمَّا طَلَبْنَا مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَجَبَ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها، أَنْ يَفْعَلَ مُحَمَّدٌ مِثْلَهُ وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ الرَّحْمَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الشَّفَاعَةِ، ثُمَّ تَوَافَقْنَا عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ غَيْرُ مَرْدُودِ الدُّعَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ شَفَاعَتَهُ فِي الْكُلِّ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَثَامِنُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النِّسَاءِ: 64] وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ ذِكْرُ التَّوْبَةِ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ مَتَى اسْتَغْفَرَ لِلْعُصَاةِ وَالظَّالِمِينَ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَفَاعَةَ الرَّسُولِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مَقْبُولَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَقْبُولَةً فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. وَتَاسِعُهَا: أَجْمَعْنَا عَلَى وُجُوبِ الشَّفَاعَةِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَأْثِيرُهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي زِيَادَةِ الْمَنَافِعِ أَوْ فِي إِسْقَاطِ الْمَضَارِّ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ وَإِلَّا لَكُنَّا شَافِعِينَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِذَا طَلَبْنَا مِنَ الله تعالى أن يزيد في فضله عند ما نَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا بَطَلَ هَذَا الْقِسْمُ تَعَيَّنَ الثَّانِي وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْنَا كَوْنُنَا شَافِعِينَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ/ الشَّفِيعَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنَ الْمَشْفُوعِ لَهُ، وَنَحْنُ وَإِنْ كُنَّا نَطْلُبُ الْخَيْرَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَكِنْ لَمَّا كُنَّا أَدْنَى رُتْبَةً مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَصِحَّ أَنْ نُوصَفَ بِكَوْنِنَا شَافِعِينَ لَهُ. الثَّانِي: قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: سُؤَالُ الْمَنَافِعِ لِلْغَيْرِ إِنَّمَا يَكُونُ شَفَاعَةً إِذَا كَانَ فِعْلُ تِلْكَ الْمَنَافِعِ لِأَجْلِ سُؤَالِهِ وَلَوْلَاهُ لَمْ تُفْعَلْ أَوْ كَانَ لِسُؤَالِهِ تَأْثِيرٌ فِي فِعْلِهَا، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ تُفْعَلُ سَوَاءٌ سَأَلَهَا أَوْ لَمْ يَسْأَلْهَا، وَكَانَ غَرَضُ
السَّائِلِ التَّقَرُّبَ بِذَلِكَ إِلَى الْمَسْئُولِ، وَإِنْ لَمْ يستحق المسؤول لَهُ بِذَلِكَ السُّؤَالِ مَنْفَعَةً زَائِدَةً فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ شَفَاعَةً لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّلْطَانَ إِذَا عَزَمَ عَلَى أَنْ يَعْقِدَ لِابْنِهِ وِلَايَةً فَحَثَّهُ بَعْضُ أَوْلِيَائِهِ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ سَوَاءٌ حَثَّهُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَحُثَّهُ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَى السُّلْطَانِ لِيَحْصُلَ لَهُ بِذَلِكَ مَنْزِلَةٌ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ إِنَّهُ يَشْفَعُ لِابْنِ السُّلْطَانِ: وَهَذِهِ حَالَتُنَا فِي حَقِّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نَسْأَلُهُ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ نَكُونَ شَافِعِينَ، وَالْجَوَابُ عَلَى الْأَوَّلِ، لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الرُّتْبَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الشَّفَاعَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّفِيعَ إِنَّمَا سُمِّيَ شَفِيعًا مَأْخُوذًا مِنَ الشَّفْعِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الرُّتْبَةُ، فَسَقَطَ قَوْلُهُمْ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ يَسْقُطُ السُّؤَالُ الثَّانِي، وَأَيْضًا فَنَقُولُ فِي الْجَوَابِ عَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي: إِنَّا وَإِنْ كُنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُكْرِمُ رَسُولَهُ وَيُعَظِّمُهُ سَوَاءٌ سَأَلَتِ الْأُمَّةُ ذَلِكَ أَمْ لَمْ تَسْأَلْ، وَلَكِنَّا لَا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ فِي إِكْرَامِهِ بِسَبَبِ سُؤَالِ الْأُمَّةِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ لَوْلَا سُؤَالُ الْأُمَّةِ لَمَا حَصَلَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ وَإِذَا كَانَ هَذَا الِاحْتِمَالُ يَجُوزُ، وَجَبَ أَنْ يَبْقَى تَجْوِيزُ كَوْنِنَا شَافِعِينَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمَّا بَطَلَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ بَطَلَ قَوْلُهُمْ. وَعَاشِرُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَصَاحِبُ الْكَبِيرَةِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَوَجَبَ دُخُولُهُ فِي جُمْلَةِ مَنْ تَسْتَغْفِرُ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ، أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [غَافِرٍ: 7] ، إِلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ ذَلِكَ الْعَامِّ لِمَا ثَبَتَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ إِذَا ذُكِرَ بَعْدَهُ بَعْضُ أَقْسَامِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ ذَلِكَ الْعَامِّ بِذَلِكَ الْخَاصِّ. الْحَادِيَ عَشَرَ: الْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى حُصُولِ الشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَلْنَذْكُرْ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» ، قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَرَدَ عَلَى مُضَادَّةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْآيَاتِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقُرْآنِ وَجَبَ رَدُّهُ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَفَاعَتَهُ لَيْسَتْ إِلَّا لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّ شَفَاعَتَهُ مَنْصِبٌ عَظِيمٌ فَتَخْصِيصُهُ بِأَهْلِ الْكَبَائِرِ فَقَطْ يَقْتَضِي حِرْمَانَ أَهْلِ الثَّوَابِ عَنْهُ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّهُ لَا أَقَلَّ مِنَ التَّسْوِيَةِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ الِاكْتِفَاءُ فِيهَا بِالظَّنِّ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ فَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِهَذَا الْخَبَرِ. ثُمَّ إِنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ الخبر لكن فِيهِ احْتِمَالَاتٌ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الِاسْتِفْهَامَ بِمَعْنَى/ الْإِنْكَارِ يَعْنِي أَشَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: هذا رَبِّي أَيْ أَهَذَا رَبِّي، وَثَانِيهَا: أَنَّ لَفْظَ الْكَبِيرَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ لَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ وَلَا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ بِالْمَعْصِيَةِ بَلْ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْصِيَةَ يَتَنَاوَلُ الطَّاعَةَ. قَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ الصلاة: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [البقرة: 45] ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ : لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَهْلَ الْمَعَاصِي الْكَبِيرَةِ بَلْ لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَهْلُ الطَّاعَاتِ الْكَبِيرَةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَبْ أَنَّ لَفْظَ الْكَبِيرَةِ يَتَنَاوَلُ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِيَ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ أَهْلَ الْكَبَائِرِ صِيغَةُ جَمْعٍ مَقْرُونَةٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَيُفِيدُ الْعُمُومَ فوجب أن يدل الخبر على ثوبت الشَّفَاعَةِ لِكُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الطَّاعَاتِ الْكَبِيرَةِ أَوِ الْمَعَاصِي الْكَبِيرَةِ قُلْنَا: لَفْظُ الْكَبَائِرِ وَإِنْ كَانَ لِلْعُمُومِ إِلَّا أَنَّ لَفْظَ «أَهْلٍ» مُفْرَدٌ فَلَا يُفِيدُ الْعُمُومَ فَيَكْفِي فِي صِدْقِ الْخَبَرِ شَخْصٌ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَنَحْمِلُهُ عَلَى الشَّخْصِ الْآتِي بِكُلِّ الطَّاعَاتِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. وَثَالِثُهَا: هَبْ أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ أَهْلِ الْكَبَائِرِ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي الْكَبِيرَةِ لَكِنَّ أَهْلَ الْمَعَاصِي الْكَبِيرَةِ أَعَمُّ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَوْ قَبْلَ التَّوْبَةِ فَنَحْنُ نَحْمِلُ الْخَبَرَ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَيَكُونُ تَأْثِيرُ الشَّفَاعَةِ فِي أَنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِمَا
انْحَبَطَ مِنْ ثَوَابِ طَاعَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى فِسْقِهِ سَلَّمْنَا دَلَالَةَ الْخَبَرِ عَلَى قَوْلِكُمْ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «أَشَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» ذَكَرَهُ مَعَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «مَا ادَّخَرْتُ شَفَاعَتِي إِلَّا لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْصَافَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِهَذَا الْخَبَرِ وَحْدَهُ، وَلَكِنْ بِمَجْمُوعِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي بَابِ الشَّفَاعَةِ وَإِنَّ سَائِرَ الْأَخْبَارِ دَالَّةٌ عَلَى سُقُوطِ كُلِّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ. الثَّانِي: رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ شَفَاعَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَالُ كُلَّ مَنْ مَاتَ مَنْ أُمَّتِهِ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا وَصَاحِبُ الْكَبِيرَةِ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أَنْ تَنَالَهُ الشَّفَاعَةُ. وَالثَّالِثُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَلْ تَدْرُونَ لِمَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيُنْفِذُهُمُ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟ أَلَا تَرَوْنَ ما قد بلغكم ألا تذهبون إلا مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَبُوكُمْ آدَمُ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ قَبْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ. نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى/ نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ إِبْرَاهِيمُ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ، نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى وَيَقُولُونَ: يَا موسى أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إلى عيسى بن مَرْيَمَ، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غضباً لم يغضب قبله مثله ولم يَغْضَبْ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ. فَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَأَنْطَلِقُ وَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شاء أن يدعني ثم يقول لي: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ تُسْمَعْ وَسَلْ تعطه واشفع تشفع فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا
شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: يَا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ. ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ» ، وَأَكْثَرُ هَذَا الْخَبَرِ مُخَرَّجٌ بِلَفْظِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ. قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْخَبَرِ وَأَمْثَالِهِ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ أَخْبَارٌ طَوِيلَةٌ فَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا بِلَفْظِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّاوِيَ إِنَّمَا رَوَاهَا بِلَفْظِ نَفْسِهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا حُجَّةً، وَثَانِيهَا: أَنَّهَا خَبَرٌ عَنْ وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّهَا رُوِيَتْ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ الزِّيَادَاتِ وَالنُّقْصَانَاتِ، وَذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَطْرُقُ التُّهْمَةَ إِلَيْهَا. وَثَالِثُهَا: أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى التَّشْبِيهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ أَيْضًا يَطْرُقُ التُّهْمَةَ إِلَيْهَا. وَرَابِعُهَا: أَنَّهَا وَرَدَتْ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ. وَذَلِكَ أَيْضًا يَطْرُقُ التُّهْمَةَ إِلَيْهَا. وَخَامِسُهَا: أَنَّهَا خَبَرٌ عَنْ وَاقِعَةٍ عَظِيمَةٍ تَتَوَافَرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا، فَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَوَجَبَ/ بُلُوغُهُ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَقَدْ تَطَرَّقَتِ التُّهْمَةُ إِلَيْهَا، وَسَادِسُهَا: أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ فِي الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ غَيْرُ جَائِزٍ. أَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ هَذِهِ الْمَطَاعِنِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَإِنْ كَانَ مَرْوِيًّا بِالْآحَادِ إِلَّا أَنَّهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا وَبَيْنَهَا قَدْرٌ مُشْتَرِكٌ وَاحِدٌ وَهُوَ خُرُوجُ أَهْلِ الْعِقَابِ مِنَ النَّارِ بِسَبَبِ الشَّفَاعَةِ فَيَصِيرُ هَذَا الْمَعْنَى مَرْوِيًّا عَلَى سَبِيلِ التَّوَاتُرِ، فَيَكُونُ حُجَّةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْجَوَابُ عَلَى جَمِيعِ أَدِلَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ أَدِلَّتَهُمْ عَلَى نَفْيِ الشَّفَاعَةِ تُفِيدُ نَفْيَ جَمِيعِ أَقْسَامِ الشَّفَاعَاتِ، وَأَدِلَّتُنَا عَلَى إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ تُفِيدُ إِثْبَاتَ شَفَاعَةٍ خَاصَّةٍ وَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ إِذَا تَعَارَضَا قُدِّمَ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ فَكَانَتْ دَلَائِلُنَا مُقَدَّمَةً عَلَى دَلَائِلِهِمْ، ثُمَّ إِنَّا نَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوهَا بِجَوَابٍ عَلَى حِدَةٍ: أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ فَهَبْ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ إِلَّا أَنَّ تَخْصِيصَ مِثْلِ هَذَا الْعَامِّ بِذَلِكَ السَّبَبِ الْمَخْصُوصِ يَكْفِي فِيهِ أَدْنَى دَلِيلٍ، فَإِذَا قَامَتِ الدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى وُجُودِ الشَّفَاعَةِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى تَخْصِيصِهَا. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [غَافِرٍ: 18] فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ نَقِيضٌ لِقَوْلِنَا: لِلظَّالِمِينَ حَمِيمٌ وَشَفِيعٌ، لَكِنَّ قَوْلَنَا لِلظَّالِمِينَ: حَمِيمٌ وَشَفِيعٌ مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ، وَنَقِيضُ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ سَالِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ، وَالسَّالِبَةُ يَكْفِي فِي صِدْقِهَا تَحَقُّقُ ذَلِكَ السَّلْبِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى تَحَقُّقِ ذَلِكَ السَّلْبِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَعَلَى هَذَا فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ لِأَنَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ لِبَعْضِ الظَّالِمِينَ حَمِيمٌ وَلَا شَفِيعٌ يُجَابُ وَهُمُ الْكُفَّارُ، فَأَمَّا أَنْ يُحْكَمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِسَلْبِ الْحَمِيمِ وَالشَّفِيعِ فَلَا. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُهُ: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [الْبَقَرَةِ: 254] فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُهُ: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [الْبَقَرَةِ: 270] فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ نَقِيضٌ لِقَوْلِنَا: لِلظَّالِمِينَ أَنْصَارٌ وَهَذِهِ مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ فَقَوْلُهُ: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ سَالِبَةٌ جُزْئِيَّةٌ فَيَكُونُ مَدْلُولُهُ سَلْبَ الْعُمُومِ وَسَلْبُ الْعُمُومِ لَا يُفِيدُ عُمُومَ السَّلْبِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الْخَامِسُ: وَهُوَ قَوْلُهُ: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [الْمُدَّثِّرِ: 48] فَهَذَا وَارِدٌ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ وَهُوَ يَدُلُّ بِسَبَبِ التَّخْصِيصِ عَلَى ضِدِّ هَذَا الْحُكْمِ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ.
[سورة البقرة (2) : آية 49]
وَأَمَّا الْوَجْهُ السَّادِسُ: وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الْأَنْبِيَاءِ: 28] فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ السَّابِعُ: وَهُوَ قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ عِنْدَنَا تَأْثِيرَ الشَّفَاعَةِ فِي جَلْبِ أَمْرٍ مَطْلُوبٍ وَأَعْنِي بِهِ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ جَلْبِ الْمَنَافِعِ الزَّائِدَةِ عَلَى قَدْرِ الِاسْتِحْقَاقِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ الْمُسْتَحَقَّةِ عَلَى الْمَعَاصِي، وَذَلِكَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْعَبْدِ عَاصِيًا فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّامِنُ: وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الِانْفِطَارِ: 14] فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَسْأَلَةِ الْوَعِيدِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ التَّاسِعُ: وَهُوَ قَوْلُهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى إِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الشَّفَاعَةِ لِأَصْحَابِ الْكَبَائِرِ، فَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدْنَا مِنَ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى حُصُولِ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا [غَافِرٍ: 7] فَجَوَابُهُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ خُصُوصَ آخِرِ هَذِهِ الْآيَةِ لَا يَقْدَحُ فِي عُمُومِ أَوَّلِهَا. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَشْفَعُ لِبَعْضِ النَّاسِ وَلَا يُشَفَّعُ فِي بَعْضِ مَوَاطِنِ الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْفَعُ لِأَحَدٍ أَلْبَتَّةَ مِنْ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ، وَلَا أَنَّهُ يُمْتَنَعُ مِنَ الشَّفَاعَةِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاطِنِ. وَالَّذِي نُحَقِّقُهُ أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الشَّافِعِينَ لَا يُشَفَّعُ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلَعَلَّ الرَّسُولَ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَبَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَلَا يُشَفَّعُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَلَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، ثُمَّ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَفِي وَقْتٍ آخَرَ فِي الشَّفَاعَةِ فَيَشْفَعُ هُنَاكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَتِ الْفَلَاسِفَةُ فِي تَأْوِيلِ الشَّفَاعَةِ: إِنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ عَامُّ الْفَيْضِ تَامُّ الْجُودِ، فَحَيْثُ لَا يَحْصُلُ فَإِنَّمَا لَا يَحْصُلُ لِعَدَمِ كَوْنِ الْقَابِلِ مُسْتَعِدًّا، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ لَا يَكُونَ الشَّيْءُ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِ الْفَيْضِ عَنْ وَاجِبِ الْوُجُودِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِ ذَلِكَ الْفَيْضِ مِنْ شَيْءٍ قَبْلَهُ عَنْ وَاجِبِ الْوُجُودِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ كَالْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ وَاجِبِ الْوُجُودِ وَبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْأَوَّلِ، وَمِثَالُهُ فِي الْمَحْسُوسِ أَنَّ الشَّمْسَ لَا تُضِيءُ إِلَّا لِلْقَابِلِ الْمُقَابِلِ، وَسَقْفُ الْبَيْتِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُقَابِلًا لِجِرْمِ الشَّمْسِ لَا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ اسْتِعْدَادٌ لِقَبُولِ النُّورِ عَنِ الشَّمْسِ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا وُضِعَ طَسْتٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الْمَاءِ الصَّافِي وَوَقَعَ عَلَيْهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ انْعَكَسَ ذَلِكَ الضَّوْءُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ إِلَى السَّقْفِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَاءُ الصَّافِي مُتَوَسِّطًا فِي وُصُولِ النُّورِ مِنْ قُرْصِ الشَّمْسِ إِلَى السَّقْفِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُقَابِلٍ لِلشَّمْسِ، وَأَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ كَالْوَسَائِطِ بَيْنِ وَاجِبِ الْوُجُودِ وَبَيْنَ أَرْوَاحِ عَوَامِّ الْخَلْقِ فِي وُصُولِ فَيْضِ وَاجِبِ الْوُجُودِ إِلَى أَرْوَاحِ الْعَامَّةِ، فَهَذَا مَا قَالُوهُ فِي الشَّفَاعَةِ تَفْرِيعًا على أصولهم. [سورة البقرة (2) : آية 49] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَدَّمَ ذِكْرَ نِعَمِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ إِجْمَالًا بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْسَامَ تِلْكَ النِّعَمِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي التَّذْكِيرِ وَأَعْظَمَ فِي الْحُجَّةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اذْكُرُوا نِعْمَتِي وَاذْكُرُوا إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ/ وَاذْكُرُوا إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ وَهِيَ إِنْعَامَاتٌ، وَالْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْإِنْعَامُ الْأَوَّلُ. أَمَّا قَوْلُهُ: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ فقرىء أَيْضًا أَنْجَيْنَاكُمْ وَنَجَّيْتُكُمْ، قَالَ الْقَفَّالُ: أَصْلُ الْإِنْجَاءِ وَالتَّنْجِيَةِ التَّخْلِيصُ، وَأَنَّ بَيَانَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ حتى لا
يَتَّصِلَا وَهُمَا لُغَتَانِ نَجَّى وَأَنْجَى وَنَجَا بِنَفْسِهِ، وَقَالُوا لِلْمَكَانِ الْعَالِي: نَجْوَةٌ لِأَنَّ مَنْ صَارَ إِلَيْهِ نَجَا، أَيْ تَخَلَّصَ وَلِأَنَّ الْمَوْضِعَ الْمُرْتَفِعَ بَائِنٌ عَمَّا انْحَطَّ عَنْهُ فَكَأَنَّهُ مُتَخَلِّصٌ مِنْهُ. قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: أَصْلُ آلٍ أَهْلٌ وَلِذَلِكَ يُصَغَّرُ بِأُهَيْلٍ فَأُبْدِلَتْ هَاؤُهُ أَلِفًا وَخُصَّ اسْتِعْمَالُهُ بِأُولِي الْخَطَرِ وَالشَّأْنِ، كَالْمُلُوكِ وَأَشْبَاهِهِمْ وَلَا يُقَالُ: آلُ الْحَجَّامِ وَالْإِسْكَافِ، قَالَ عِيسَى: الْأَهْلُ أَعَمُّ مِنَ الْآلِ، يُقَالُ: أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْبَلَدِ وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَلَا يُقَالُ: آلُ الْكُوفَةِ وَآلُ الْبَلَدِ وَآلُ الْعِلْمِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْأَهْلُ هُمْ خَاصَّةُ الشَّيْءِ مِنْ جِهَةِ تَغْلِيبِهِ عَلَيْهِمْ، وَالْآلُ خَاصَّةُ الرَّجُلِ مِنْ جِهَةِ قَرَابَةٍ أَوْ صُحْبَةٍ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ سَمِعَ فَصِيحًا يَقُولُ: أَهْلُ مَكَّةَ آلُ اللَّهِ. أَمَّا فِرْعَوْنُ فَهُوَ عَلَمٌ لِمَنْ مَلَكَ مِصْرَ مِنَ الْعَمَالِقَةِ كَقَيْصَرَ وَهِرَقْلَ لِمَلِكِ الرُّومِ وَكِسْرَى لِمَلِكِ الْفُرْسِ وَتُبَّعٍ لِمَلِكِ الْيَمَنِ وَخَاقَانَ لِمَلِكِ التُّرْكِ، وَاخْتَلَفُوا فِي فِرْعَوْنَ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي اسْمِهِ فَحَكَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: مُصْعَبُ بْنُ رَيَّانَ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَقَ: هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْفَرَاعِنَةِ أَحَدٌ أَشَدَّ غِلْظَةً وَلَا أَقْسَى قَلْبًا مِنْهُ، وَذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ قَالُوا: إِنَّ اسْمَ فِرْعَوْنَ كَانَ قَابُوسَ وَكَانَ مِنَ الْقِبْطِ، الثَّانِي: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إِنَّ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ فِرْعَوْنُ مُوسَى وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، إِذْ كَانَ بَيْنَ دُخُولِ يُوسُفَ مِصْرَ وَبَيْنَ أَنْ دَخَلَهَا مُوسَى أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَقَ: هُوَ غَيْرُ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ وَأَنَّ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ كَانَ اسْمُهُ الرَّيَّانَ بْنَ الْوَلِيدِ، أَمَّا آلُ فِرْعَوْنَ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ منه هاهنا مَنْ كَانَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَهُمُ الَّذِينَ عَزَمُوا عَلَى إِهْلَاكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَكُونَ تَعَالَى مُنْجِيًا لَهُمْ مِنْهُمْ بِمَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي تُوجِبُ بَقَاءَهُمْ وَهَلَاكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَسُومُونَكُمْ فَهُوَ مَنْ سَامَهُ خَسْفًا إِذَا أَوْلَاهُ ظُلْمًا، قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: إِذَا مَا الْمَلِكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفًا ... أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الْخَسْفَ فِينَا وَأَصْلُهُ مِنْ سَامَ السِّلْعَةَ إِذَا طَلَبَهَا، كَأَنَّهُ بِمَعْنَى يَبْغُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُرِيدُونَهُ بِكُمْ، وَالسُّوءُ مَصْدَرُ سَاءَ بِمَعْنَى السَّيِّئِ، يُقَالُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ وَسُوءِ الْفِعْلِ يُرَادُ قُبْحُهُمَا، وَمَعْنَى سُوءِ الْعَذَابِ وَالْعَذَابُ كُلُّهُ سَيِّئٌ أَشَدُّهُ وَأَصْعَبُهُ كَأَنَّ قُبْحَهُ [زَادَ] بِالْإِضَافَةِ إِلَى سَاءَ، وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ مِنْ «سُوءِ الْعَذَابِ» فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّهُ جَعَلَهُمْ خَوَلًا وَخَدَمًا لَهُ وَصَنَّفَهُمْ فِي أَعْمَالِهِ أَصْنَافًا، فَصِنْفٌ كَانُوا يَبْنُونَ لَهُ، وَصِنْفٌ كَانُوا يَحْرُثُونَ لَهُ، وَصِنْفٌ كَانُوا يَزْرَعُونَ لَهُ، فَهُمْ كَانُوا فِي أَعْمَالِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَوْعٍ مِنْ أَعْمَالِهِ كَانَ يَأْمُرُ بِأَنْ يُوضَعَ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ يُؤَدِّيهَا، وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ قَدْ جَعَلَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ الْقَذِرَةِ الصَّعْبَةِ مِثْلِ كَنْسِ الْمَبْرَزِ وَعَمَلِ الطِّينِ وَنَحْتِ الْجِبَالِ، وَحَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِمُوسَى: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا [الْأَعْرَافِ: 129] . وَقَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ [الشُّعَرَاءِ: 22] ، وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ الْإِنْسَانِ/ تَحْتَ يَدِ الْغَيْرِ بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَمَا يَشَاءُ لَا سِيَّمَا إِذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الصَّعْبَةِ الْقَذِرَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ هَذِهِ حَالَتُهُ رُبَّمَا تَمَنَّى الْمَوْتَ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى عَظِيمَ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ بِأَنْ نَجَّاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَتْبَعَ ذَلِكَ بِنِعْمَةٍ أُخْرَى أَعْظَمَ مِنْهَا، فَقَالَ: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَمَعْنَاهُ يقتلون الذكورة من الأولاد دون الإناث. وهاهنا أَبْحَاثٌ. الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَبْحَ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ مَضَرَّةٌ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ ذَبْحَ الْأَبْنَاءِ يَقْتَضِي فَنَاءَ الرِّجَالِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْقِطَاعَ النَّسْلِ، لِأَنَّ النِّسَاءَ إِذَا انْفَرَدْنَ فَلَا تَأْثِيرَ لهن ألبتة في ذلك، وذلك يفضي آخِرَ الْأَمْرِ إِلَى هَلَاكِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ هَلَاكَ الرِّجَالِ يَقْتَضِي فَسَادَ مَصَالِحِ النِّسَاءِ فِي أَمْرِ الْمَعِيشَةِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَتَتَمَنَّى
وَقَدِ انْقَطَعَ عَنْهَا تَعَهُّدُ الرِّجَالِ وَقِيَامُهُمْ بِأَمْرِهَا الْمَوْتَ، لِمَا قَدْ يَقَعُ إِلَيْهَا مِنْ نَكَدِ الْعَيْشِ بِالِانْفِرَادِ فَصَارَتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ عَظِيمَةً فِي الْمِحَنِ، وَالنَّجَاةُ مِنْهَا فِي الْعِظَمِ تَكُونُ بِحَسَبِهَا، وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَتْلَ الْوَلَدِ عَقِيبَ الْحَمْلِ الطَّوِيلِ وَتَحَمُّلِ الْكَدِّ وَالرَّجَاءِ الْقَوِيِّ فِي الِانْتِفَاعِ بِالْمَوْلُودِ مِنْ أَعْظَمِ الْعَذَابِ، لِأَنَّ قَتْلَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَشَدُّ مِنْ قَتْلِ مَنْ بَقِيَ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ مُسْتَمْتِعًا بِهِ مَسْرُورًا بِأَحْوَالِهِ، فَنِعْمَةُ اللَّهِ مِنَ التَّخْلِيصِ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِحَسَبِ شِدَّةِ الْمِحْنَةِ فِيهِ، وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْأَبْنَاءَ أَحَبُّ إِلَى الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْبَنَاتِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَسْتَثْقِلُونَ الْبَنَاتِ وَيَكْرَهُونَهُنَّ وَإِنْ كَثُرَ ذُكْرَانُهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ [النَّحْلِ: 58] الْآيَةَ، وَلِذَلِكَ نَهَى الْعَرَبَ عَنِ الْوَأْدِ بِقَوْلِهِ: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الْإِسْرَاءِ: 31] وَإِنَّمَا كَانُوا يَئِدُونَ الْإِنَاثَ دُونَ الذُّكُورِ، وَخَامِسُهَا: أَنَّ بَقَاءَ النِّسْوَانِ بِدُونِ الذُّكْرَانِ يُوجِبُ صَيْرُورَتَهُنَّ مُسْتَفْرَشَاتِ الْأَعْدَاءِ وَذَلِكَ نِهَايَةُ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ. الْبَحْثُ الثَّانِي: ذَكَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ يُذَبِّحُونَ بِلَا وَاوٍ وَفِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ ذَكَرَهُ مَعَ الْوَاوِ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا جُعِلَ قَوْلُهُ: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ مُفَسَّرًا بِقَوْلِهِ: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى الْوَاوِ، وَأَمَّا إِذَا جُعِلَ قَوْلُهُ: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ مُفَسَّرًا بِسَائِرِ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ سِوَى الذَّبْحِ وَجُعِلَ الذَّبْحُ شَيْئًا آخَرَ سِوَى سُوءِ الْعَذَابِ، احْتِيجَ فِيهِ إِلَى الْوَاوِ، وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ، إِلَّا أَنَّ الْفَائِدَةَ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ ذِكْرِ حَرْفِ الْعَطْفِ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ قَبْلَ تِلْكَ الْآيَةِ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إِبْرَاهِيمَ: 5] وَالتَّذْكِيرُ بِأَيَّامِ اللَّهِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَعْدِيدِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ نَوْعًا مِنَ الْعَذَابِ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ نَوْعًا آخَرَ لِيَكُونَ التَّخَلُّصُ مِنْهُمَا نَوْعَيْنِ مِنَ النِّعْمَةِ. فَلِهَذَا وَجَبَ ذِكْرُ الْعَطْفِ هُنَاكَ، وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يَرِدِ الْأَمْرُ إِلَّا بِتَذْكِيرِ جِنْسِ النِّعْمَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [الْبَقَرَةِ: 40، 47، 122] فَسَوَاءٌ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ هُوَ الذَّبْحَ أَوْ غَيْرَهُ كَانَ تَذْكِيرُ جِنْسِ النِّعْمَةِ حَاصِلًا فَظَهَرَ الْفَرْقُ. الْبَحْثُ الثَّالِثُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ الرِّجَالَ دُونَ الْأَطْفَالِ لِيَكُونَ/ فِي مُقَابَلَةِ النِّسَاءِ إِذِ النِّسَاءُ هُنَّ الْبَالِغَاتُ، وَكَذَا الْمُرَادُ مِنَ الْأَبْنَاءِ هُمُ الرِّجَالُ الْبَالِغُونَ، قَالُوا: إِنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَخَافُ مِنْهُمُ الْخُرُوجَ عَلَيْهِ وَالتَّجَمُّعَ لِإِفْسَادِ أَمْرِهِ. وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْأَطْفَالُ دُونَ الْبَالِغِينَ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: حَمْلًا لِلَفْظِ الْأَبْنَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يَتَعَذَّرُ قَتْلُ جَمِيعِ الرِّجَالِ عَلَى كَثْرَتِهِمْ. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَيْهِمْ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ فِي الصَّنَائِعِ الشَّاقَّةِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِإِلْقَاءِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي التَّابُوتِ حَالَ صِغَرِهِ مَعْنًى، أَمَّا قَوْلُهُ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الرِّجَالِ لِيَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ النِّسَاءِ فَفِيهِ جَوَابَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَبْنَاءَ لَمَّا قُتِلُوا حَالَ الطُّفُولِيَّةِ لَمْ يَصِيرُوا رِجَالًا، فَلَمْ يَجُزْ إِطْلَاقُ اسْمِ الرِّجَالِ عَلَيْهِمْ، أَمَّا الْبَنَاتُ لَمَّا لَمْ يُقْتَلْنَ بَلْ وَصَلْنَ إِلَى حَدِّ النِّسَاءِ جَازَ إِطْلَاقُ اسْمِ النِّسَاءِ عَلَيْهِنَّ. الثَّانِي: قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ، أَيْ يُفَتِّشُونَ حَيَاءَ الْمَرْأَةِ أَيْ فَرْجَهَا هَلْ بِهَا حَمْلٌ أَمْ لَا، وَأُبْطِلَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَا فِي بُطُونِهِنَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْعُيُونِ ظَاهِرًا لَمْ يُعْلَمْ بِالتَّفْتِيشِ وَلَمْ يُوصَلْ إِلَى اسْتِخْرَاجِهِ بِالْيَدِ. الْبَحْثُ الرَّابِعُ: فِي سَبَبِ قَتْلِ الْأَبْنَاءِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا. أَحَدُهَا: قَوْلُ ابْنِ عباس رضي الله عنهما أنه وقع
[سورة البقرة (2) : آية 50]
إِلَى فِرْعَوْنَ وَطَبَقَتِهِ مَا كَانَ اللَّهُ وَعَدَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ أَنْبِيَاءَ وَمُلُوكًا فَخَافُوا ذَلِكَ وَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى إِعْدَادِ رِجَالٍ مَعَهُمُ الشِّفَارُ يَطُوفُونَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَا يَجِدُونَ مَوْلُودًا ذَكَرًا إِلَّا ذَبَحُوهُ، فَلَمَّا رَأَوْا كِبَارَهُمْ يَمُوتُونَ وَصِغَارَهُمْ يُذَبَّحُونَ خَافُوا الْفَنَاءَ فَحِينَئِذٍ لَا يَجِدُونَ مَنْ يُبَاشِرُ الْأَعْمَالَ الشَّاقَّةَ، فَصَارُوا يَقْتُلُونَ عَامًا دُونَ عَامٍ. وَثَانِيهَا: قَوْلُ السُّدِّيِّ: إِنَّ فِرْعَوْنَ رَأَى نَارًا أَقْبَلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى اشْتَمَلَتْ عَلَى بُيُوتِ مِصْرَ فَأَحْرَقَتِ الْقِبْطَ وَتَرَكَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَدَعَا فِرْعَوْنُ الْكَهَنَةَ وَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَنْ يَكُونُ هَلَاكُ الْقِبْطِ عَلَى يَدِهِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُنَجِّمِينَ أَخْبَرُوا فِرْعَوْنَ بِذَلِكَ وَعَيَّنُوا لَهُ السَّنَةَ فَلِهَذَا كَانَ يَقْتُلُ أَبْنَاءَهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَالْأَقْرَبُ هُوَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْ عِلْمِ التَّعْبِيرِ وَعِلْمِ النُّجُومِ لَا يَكُونُ أَمْرًا مُفَصَّلًا وَإِلَّا قَدَحَ ذَلِكَ فِي كَوْنِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ مُعْجِزًا بَلْ يَكُونُ أَمْرًا مُجْمَلًا وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْعَاقِلِ أَنْ لَا يُقْدِمُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ بِسَبَبِهِ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ كَافِرًا بِاللَّهِ فَكَانَ بِأَنْ يَكُونَ كَافِرًا بِالرُّسُلِ أَوْلَى، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ بِسَبَبِ إِخْبَارِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْهُ. قُلْنَا: لَعَلَّ فِرْعَوْنَ كَانَ عَارِفًا بِاللَّهِ وَبِصِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا كُفْرَ الْجُحُودِ وَالْعِنَادِ أَوْ يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ شَاكًّا مُتَحَيِّرًا فِي دِينِهِ وَكَانَ يُجَوِّزُ صِدْقَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ احْتِيَاطًا. الْبَحْثُ الْخَامِسُ: اعْلَمْ أَنَّ الْفَائِدَةَ فِي ذِكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُمْتَحَنُ بِهِ النَّاسُ مِنْ جِهَةِ الْمُلُوكِ وَالظَّلَمَةِ صَارَ تَخْلِيصُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مِنْ هَذِهِ الْمِحَنِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَايَنُوا هَلَاكَ مَنْ حَاوَلَ إِهْلَاكَهُمْ وَشَاهَدُوا ذُلَّ مَنْ بَالَغَ فِي إِذْلَالِهِمْ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ وَتَعْظِيمُ النِّعْمَةِ يُوجِبُ الِانْقِيَادَ وَالطَّاعَةَ، وَيَقْتَضِي نِهَايَةَ قُبْحِ الْمُخَالَفَةِ وَالْمُعَانَدَةِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ مُبَالَغَةً فِي إِلْزَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَقَطْعًا لِعُذْرِهِمْ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي نِهَايَةِ الذُّلِّ وَكَانَ خَصْمُهُمْ فِي نِهَايَةِ/ الْعِزِّ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا مُحِقِّينَ وَكَانَ خَصْمُهُمْ مُبْطِلًا لَا جَرَمَ زَالَ ذُلُّ الْمُحِقِّينَ وَبَطَلَ عِزُّ الْمُبْطِلِينَ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَا تَغْتَرُّوا بِفَقْرِ مُحَمَّدٍ وَقِلَّةِ أَنْصَارِهِ فِي الْحَالِ، فَإِنَّهُ مُحِقٌّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَنْقَلِبَ الْعِزُّ إِلَى جَانِبِهِ وَالذُّلُّ إِلَى جَانِبِ أَعْدَائِهِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُلْكَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، فَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَغْتَرَّ بِعِزِّ الدُّنْيَا بَلْ عَلَيْهِ السَّعْيُ فِي طَلَبِ عِزِّ الْآخِرَةِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ قَالَ الْقَفَّالُ: أَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنَ الِابْتِلَاءِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ وَالِامْتِحَانُ قَالَ تَعَالَى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الْأَنْبِيَاءِ: 35] وَقَالَ: وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ [الْأَعْرَافِ: 168] . وَالْبَلْوَى وَاقِعَةٌ عَلَى النَّوْعَيْنِ، فَيُقَالُ لِلنِّعْمَةِ بَلَاءٌ وَلِلْمِحْنَةِ الشَّدِيدَةِ بَلَاءٌ وَالْأَكْثَرُ أَنْ يُقَالَ فِي الْخَيْرِ إِبْلَاءٌ وَفِي الشَّرِّ بَلَاءٌ وَقَدْ يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ. قَالَ زُهَيْرٌ: جَزَى اللَّهُ بِالْإِحْسَانِ مَا فَعَلَا بِكُمْ ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو إذ عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْبَلَاءُ هَاهُنَا هُوَ الْمِحْنَةُ إِنْ أُشِيرَ بِلَفْظِ: «ذَلِكُمْ» إِلَى صُنْعِ فِرْعَوْنَ وَالنِّعْمَةُ إِنْ أُشِيرَ بِهِ إِلَى الْإِنْجَاءِ وَحَمْلُهُ عَلَى النِّعْمَةِ أَوْلَى لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي صَدَرَتْ مِنَ الرَّبِّ تَعَالَى، وَلِأَنَّ مَوْضِعَ الْحُجَّةِ عَلَى اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم. [سورة البقرة (2) : آية 50] وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)
هَذَا هُوَ النِّعْمَةُ الثَّانِيَةُ، وَقَوْلُهُ: فَرَقْنا أَيْ فَصَلْنَا بَيْنَ بَعْضِهِ وَبَعْضٍ حَتَّى صَارَتْ فِيهِ مسالك لكم وقرئ: فَرَقْنا بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى فَصَّلْنَا. يُقَالُ: فَرَّقَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّ الْمَسَالِكَ كَانَتِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَلَى عَدَدِ الْأَسْبَاطِ، فَإِنْ قُلْتَ: ما معنى: (بكم) ؟ قلنا: فيه وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْلُكُونَهُ وَيَتَفَرَّقُ الْمَاءُ عِنْدَ سُلُوكِهِمْ فَكَأَنَّمَا فَرَّقَ بِهِمْ كَمَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِمَا تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا، الثَّانِي: فَرَّقْنَاهُ بِسَبَبِكُمْ وَبِسَبَبِ إِنْجَائِكُمْ ثُمَّ هَاهُنَا أَبْحَاثٌ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: رُوِيَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ إِغْرَاقَ فِرْعَوْنَ وَالْقِبْطِ وَبَلَغَ بِهِمُ الْحَالُ فِي مَعْلُومِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَمَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَسْتَعِيرُوا حلي القبط، وذلك الغرضين. أَحَدُهُمَا: لِيَخْرُجُوا خَلْفَهُمْ لِأَجْلِ الْمَالِ، وَالثَّانِي: أَنْ تَبْقَى أَمْوَالُهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ ثُمَّ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْعَشِيِّ وَقَالَ لِمُوسَى: أَخْرِجْ قَوْمَكَ لَيْلًا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي [طه: 77] وَكَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفِ نَفْسٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا كُلُّ سِبْطٍ خَمْسُونَ أَلْفًا، فَلَمَّا خَرَجَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ، فَقَالَ: لَا تَتَّبِعُوهُمْ حَتَّى يَصِيحَ الديك. قال الراوي: فو الله مَا صَاحَ لَيْلَتَهُ دِيكٌ فَلَمَّا أَصْبَحُوا دَعَا فِرْعَوْنُ بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ ثُمَّ قَالَ: لَا أَفْرَغُ مِنْ تَنَاوُلِ كَبِدِ هَذِهِ الشَّاةِ حَتَّى يَجْتَمِعَ إِلَيَّ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْقِبْطِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَلْفُ أَلْفٍ/ وَمِائَتَا أَلْفِ نَفْسٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى فَرَسٍ حِصَانٍ فَتَبِعُوهُمْ نَهَارًا. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشُّعَرَاءِ: 60] أي بعد طلوع الشمس. فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشُّعَرَاءِ: 61] فَقَالَ مُوسَى: كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشُّعَرَاءِ: 62] فَلَمَّا سَارَ بِهِمْ مُوسَى وَأَتَى الْبَحْرَ قَالَ لَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ: أَيْنَ أَمَرَكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ مُوسَى: إِلَى أَمَامِكَ وَأَشَارَ إِلَى الْبَحْرِ فَأَقْحَمَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ فَرَسَهُ فِي الْبَحْرِ فَكَانَ يَمْشِي فِي الْمَاءِ حَتَّى بَلَغَ الْغَمْرَ، فَسَبَحَ الْفَرَسُ وَهُوَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَهُ: يَا مُوسَى أَيْنَ أَمَرَكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ الْبَحْرَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كَذَبْتَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشُّعَرَاءِ: 67] ، فَانْشَقَّ الْبَحْرُ اثْنَيْ عَشَرَ جَبَلًا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا طَرِيقٌ، فَقَالَ لَهُ: ادْخُلْ فَكَانَ فِيهِ وَحْلٌ فَهَبَّتِ الصَّبَا فَجَفَّ الْبَحْرُ، وَكُلُّ طَرِيقٍ فِيهِ حَتَّى صَارَ طَرِيقًا يَابِسًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً [طَهَ: 77] ، فَأَخَذَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْهُمْ طَرِيقًا وَدَخَلُوا فِيهِ فَقَالُوا لِمُوسَى: إِنَّ بَعْضَنَا لَا يَرَى صَاحِبَهُ، فَضَرَبَ مُوسَى عَصَاهُ عَلَى الْبَحْرِ فَصَارَ بَيْنَ الطُّرُقِ مَنَافِذُ وَكُوًى فَرَأَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ أَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ، فَلَمَّا بَلَغَ شَاطِئَ الْبَحْرِ رَأَى إِبْلِيسَ وَاقِفًا فَنَهَاهُ عَنِ الدُّخُولِ فَهَمَّ بِأَنْ لَا يَدْخُلَ الْبَحْرَ فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى حَجْرَةٍ فَتَقَدَّمَ فِرْعَوْنَ وَهُوَ كَانَ عَلَى فَحْلٍ فَتَبِعَهُ فَرَسُ فِرْعَوْنَ وَدَخْلَ الْبَحْرَ، فَلَمَّا دَخَلَ فِرْعَوْنُ الْبَحْرَ صَاحَ مِيكَائِيلُ بِهِمْ أَلْحِقُوا آخِرَكُمْ بِأَوَّلِكُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْبَحْرَ بِالْكُلِّيَّةِ أَمَرَ اللَّهُ الْمَاءَ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَصَامَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ الْيَوْمَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى. الْبَحْثُ الثَّانِي: اعلم أن هذه الْوَاقِعَةَ تَضَمَّنَتْ نِعَمًا كَثِيرَةً فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، أَمَّا نِعَمُ الدُّنْيَا فِي حَقِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَهِيَ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ لَمَّا وَقَعُوا فِي ذَلِكَ الْمَضِيقِ الَّذِي مِنْ وَرَائِهِمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ وَقُدَّامِهِمُ الْبَحْرُ، فَإِنْ تَوَقَّفُوا أَدْرَكَهُمُ الْعَدُوُّ وَأَهْلَكَهُمْ بِأَشَدِّ الْعَذَابِ وَإِنْ سَارُوا غَرِقُوا فَلَا خَوْفَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ نَجَّاهُمْ بِفَلْقِ الْبَحْرِ فَلَا فَرَجَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ. وَثَانِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّهُمْ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ وَالْمُعْجِزَةِ الْبَاهِرَةِ،
وَذَلِكَ سَبَبٌ لِظُهُورِ كَرَامَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ شَاهَدُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَهْلَكَ أَعْدَاءَهُمْ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَلَاصَ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْبَلَاءِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، فَكَيْفَ إِذَا حَصَلَ مَعَهُ ذَلِكَ الْإِكْرَامُ الْعَظِيمُ وَإِهْلَاكُ الْعَدُوِّ. وَرَابِعُهَا: أَنْ أَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَنِعَمَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فَقَدْ خَلَّصَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَنَّهُ كَانَ خَائِفًا مِنْهُمْ، وَلَوْ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَّصَ مُوسَى وَقَوْمَهُ مِنْ تِلْكَ الْوَرْطَةِ وَمَا أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ لَكَانَ الْخَوْفُ بَاقِيًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ رُبَّمَا اجْتَمَعُوا وَاحْتَالُوا بِحِيلَةٍ وَقَصَدُوا إِيذَاءَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَوْمِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَغْرَقَهُمْ فَقَدْ حَسَمَ مَادَّةَ الْخَوْفِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ وَقَعَ ذَلِكَ الْإِغْرَاقُ بِمَحْضَرٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَأَمَّا نِعَمُ الدِّينِ فِي حَقِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَمِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْمَ مُوسَى لَمَّا شَاهَدُوا تِلْكَ الْمُعْجِزَةَ الْبَاهِرَةَ زَالَتْ عَنْ قُلُوبِهِمُ الشُّكُوكُ وَالشُّبُهَاتُ، فَإِنَّ دَلَالَةَ مِثْلِ هَذَا الْمُعْجِزِ/ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ الْحَكِيمِ وَعَلَى صِدْقِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ تُقَرِّبُ مِنَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى رَفَعَ عَنْهُمْ تَحَمُّلَ النَّظَرِ الدَّقِيقِ وَالِاسْتِدْلَالِ الشَّاقِّ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ لَمَّا عَايَنُوا ذَلِكَ صَارَ دَاعِيًا لَهُمْ إِلَى الثَّبَاتِ عَلَى تَصْدِيقِ مُوسَى وَالِانْقِيَادِ لَهُ وَصَارَ ذَلِكَ دَاعِيًا لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ إِلَى تَرْكِ تَكْذِيبِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْإِقْدَامِ عَلَى تَكْذِيبِ فِرْعَوْنَ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ الْأُمُورَ بِيَدِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا عِزَّ فِي الدُّنْيَا أَكْمَلُ مِمَّا كَانَ لِفِرْعَوْنَ وَلَا شِدَّةَ أَشَدُّ مِمَّا كَانَتْ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ جَعَلَ الْعَزِيزَ ذَلِيلًا وَالذَّلِيلَ عَزِيزًا، وَذَلِكَ يُوجِبُ انْقِطَاعَ الْقَلْبِ عَنْ عَلَائِقِ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالَ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى خِدْمَةِ الْخَالِقِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ، وَأَمَّا النِّعَمُ الْحَاصِلَةُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَكَثِيرَةٌ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَالْحُجَّةِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا مِنْ حَالِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يَكْتُبْ وَلَمْ يُخَالِطْ أَهْلَ الْكِتَابِ فَإِذَا أَوْرَدَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِهِمُ الْمُفَصَّلَةِ مَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنَ الْكُتُبِ عَلِمُوا أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنِ الْوَحْيِ وَأَنَّهُ صَادِقٌ، فَصَارَ ذَلِكَ حُجَّةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْيَهُودِ وَحَجَّةً لَنَا فِي تَصْدِيقِهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّا إِذَا تَصَوَّرْنَا مَا جَرَى لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ خَالَفَ اللَّهَ شَقِيَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ سَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَصَارَ ذَلِكَ مُرَغِّبًا لَنَا فِي الطَّاعَةِ وَمُنَفِّرًا عَنِ الْمَعْصِيَةِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ أَمَةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ أَنَّهُمْ خُصُّوا بِهَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْبَاهِرَةِ، فَقَدْ خَالَفُوا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أُمُورٍ حَتَّى قَالُوا: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الْأَعْرَافِ: 138] ، وَأَمَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَعَ أن معجزتهم هِيَ الْقُرْآنُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ كَوْنُهُ مُعْجِزًا إِلَّا بِالدَّلَائِلِ الدَّقِيقَةِ انْقَادُوا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا خَالَفُوهُ فِي أَمْرٍ الْبَتَّةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْ أُمَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَبَقِيَ عَلَى الْآيَةِ سُؤَالَانِ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ فَلْقَ الْبَحْرِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ الْقَادِرِ وَفِي الدَّلَالَةِ عَلَى صِدْقِ مُوسَى كَالْأَمْرِ الضَّرُورِيِّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي زَمَانِ التَّكْلِيفِ؟ وَالْجَوَابُ: أَمَّا عَلَى قَوْلِنَا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَدْ أَجَابَ الْكَعْبِيُّ الْجَوَابَ الْكُلِّيَّ بِأَنَّ فِي الْمُكَلَّفِينَ مَنْ يَبْعُدُ عَنِ الْفِطْنَةِ وَالذَّكَاءِ وَيَخْتَصُّ بِالْبَلَادَةِ وَعَامَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا كَذَلِكَ، فَاحْتَاجُوا فِي التَّنْبِيهِ إِلَى مُعَايَنَةِ الْآيَاتِ الْعِظَامِ كَفَلْقِ الْبَحْرِ وَرَفْعِ الطُّورِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَرُّوا بِقَوْمٍ يعكفون على أصنام لهم فقالوا: يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ، وَأَمَّا الْعَرَبُ فَحَالُهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي نِهَايَةِ الْكَمَالِ فِي الْعُقُولِ، فَلَا جَرَمَ، اقْتَصَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَهُمْ عَلَى الدَّلَائِلِ الدَّقِيقَةِ والمعجزات اللطيفة.
[سورة البقرة (2) : الآيات 51 إلى 52]
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا شَاهَدَ فَلْقَ الْبَحْرِ وَكَانَ عَاقِلًا فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَادِرٍ عَالَمٍ مُخَالِفٍ لِسَائِرِ الْقَادِرِينَ، فَكَيْفَ بَقِيَ عَلَى الْكُفْرِ مَعَ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّهُ كَانَ عَارِفًا بِرَبِّهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا عَلَى سَبِيلِ الْعِنَادِ وَالْجُحُودِ. قُلْتُ: فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ فَكَيْفَ اسْتَخَارَ تَوْرِيطَ نَفْسِهِ فِي الْمَهْلَكَةِ وَدُخُولِ الْبَحْرِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ كَالْمُضْطَرِّ/ إِلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ الصَّانِعِ وَصِدْقِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْجَوَابُ: حُبُّ الشَّيْءِ يُعْمِي وَيُصِمُّ فَحُبُّهُ الْجَاهَ وَالتَّلْبِيسَ حَمَلَهُ عَلَى اقْتِحَامِ تِلْكَ الْمَهْلَكَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ فَفِيهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّكُمْ تَرَوْنَ الْتِطَامَ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ بِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ قَوْمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلُوهُ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى حَالَهُمْ فَسَأَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُمْ إِيَّاهُمْ فَلَفَظَهُمُ الْبَحْرُ أَلْفَ أَلْفِ وَمِائَتَيْ أَلْفِ نَفْسٍ وَفِرْعَوْنُ مَعَهُمْ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِمْ طَافِينَ وَإِنَّ الْبَحْرَ لَمْ يَقْبَلْ وَاحِدًا مِنْهُمْ لِشُؤْمِ كُفْرِهِمْ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يُونُسَ: 92] أَيْ نُخْرِجُكَ مِنْ مَضِيقِ الْبَحْرِ إِلَى سَعَةِ الْفَضَاءِ لِيَرَاكَ النَّاسُ، وَتَكُونَ عِبْرَةً لَهُمْ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ وَأَنْتُمْ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ حيث توجهونهم وَتُقَابِلُونَهُمْ وَإِنْ كَانُوا لَا يَرَوْنَهُمْ بِأَبْصَارِهِمْ، قَالَ الْفَرَّاءُ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِكَ: لَقَدْ ضَرَبْتُكَ وَأَهْلُكَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ فَمَا أَغَاثُوكَ تَقُولُ ذَلِكَ إِذَا قَرُبَ أَهْلُهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانُوا لَا يَرَوْنَهُ ومعناه راجع إلى العلم. [سورة البقرة (2) : الآيات 51 الى 52] وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِنْعَامُ الثَّالِثُ. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ واعَدْنا فَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي الْأَعْرَافِ وَطَهَ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وَاعَدْنَا بِالْأَلِفِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ، فَأَمَّا بِغَيْرِ أَلِفٍ فَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْوَعْدَ كَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُوَاعَدَةُ مُفَاعَلَةٌ وَلَا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ، وَأَمَّا بِالْأَلِفِ فَلَهُ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْوَعْدَ وَإِنْ كَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَبُولُهُ كَانَ مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَبُولُ الْوَعْدِ يُشْبِهُ الْوَعْدَ، لِأَنَّ الْقَابِلَ لِلْوَعْدِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَقُولَ أَفْعَلُ ذَلِكَ، وَثَانِيهَا: قَالَ الْقَفَّالُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْآدَمِيُّ يَعِدُ اللَّهَ وَيَكُونَ مَعْنَاهُ يُعَاهِدُ اللَّهَ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ أَمْرٌ جَرَى بَيْنَ اثْنَيْنِ فَجَازَ أَنْ يُقَالَ وَاعَدْنَا. وَرَابِعُهَا: وَهُوَ الْأَقْوَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُ الْوَحْيَ وَهُوَ وَعَدَ اللَّهَ الْمَجِيءَ لِلْمِيقَاتِ إِلَى الطُّورِ، أَمَّا مُوسَى فَفِيهِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: وَزْنُهُ فُعْلَى وَالْمِيمُ فِيهِ أَصْلِيَّةٌ أُخِذَتْ مِنْ مَاسَ يَمِيسُ إِذَا تَبَخْتَرَ فِي مِشْيَتِهِ وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَذَلِكَ. وَثَانِيهَا: وَزْنُهُ مُفْعِلٌ فَالْمِيمُ فِيهِ زَائِدَةٌ وَهُوَ مِنْ أَوْسَيْتُ الشَّجَرَةَ إِذَا أَخَذْتُ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْوَرَقِ وَكَأَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَلَعِهِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهَا كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَمُو هُوَ الْمَاءُ بِلِسَانِهِمْ، وَسَى هُوَ الشَّجَرُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهُ جَعَلَتْهُ فِي التَّابُوتِ حِينَ خَافَتْ عَلَيْهِ مِنْ فِرْعَوْنَ فَأَلْقَتْهُ فِي الْبَحْرِ فَدَفَعَتْهُ أَمْوَاجُ الْبَحْرِ حَتَّى أَدْخَلَتْهُ بَيْنَ أَشْجَارٍ عِنْدَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَخَرَجَتْ جِوَارِي آسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ يَغْتَسِلْنَ فَوَجَدْنَ التَّابُوتَ فَأَخَذْنَهُ/ فَسُمِّيَ بِاسْمِ الْمَكَانِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ وَهُوَ الْمَاءُ وَالشَّجَرُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَاسِدَانِ جَدًّا، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْقِبْطَ مَا كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ اسْمُ عَلَمٍ وَاسْمُ الْعَلَمِ لَا يُفِيدُ مَعْنًى فِي الذَّاتِ وَالْأَقْرَبُ هُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَمْرٌ مُعْتَادٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَأَمَّا نَسَبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ لَاوِي بن يعقوب بن اسحق بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَفِيهِ أَبْحَاثٌ:
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنْ خَرَجْنَا مِنَ الْبَحْرِ سَالِمِينَ أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِكِتَابٍ بَيِّنٍ لَكُمْ فِيهِ مَا يَجِبُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، فَلَمَّا جَاوَزَ مُوسَى الْبَحْرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالُوا: يَا مُوسَى ائْتِنَا بِذَلِكَ الْكِتَابِ الْمَوْعُودِ فَذَهَبَ إِلَى رَبِّهِ وَوَعَدَهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الْأَعْرَافِ: 142] وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ هَارُونَ وَمَكَثَ عَلَى الطُّورِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَأَنْزَلَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ عَلَيْهِ فِي الْأَلْوَاحِ، وَكَانَتِ الْأَلْوَاحُ مِنْ زَبَرْجَدٍ فَقَرَّبَهُ الرَّبُّ نَجِيًّا وَكَلَّمَهُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَأَسْمَعَهُ صَرِيرَ الْقَلَمِ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ حَدَثًا فِي الْأَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى هَبَطَ مِنَ الطُّورِ. الْبَحْثُ الثَّانِي: إِنَّمَا قَالَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لِأَنَّ الشُّهُورَ تَبْدَأُ مِنَ اللَّيَالِي. الْبَحْثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مَعْنَاهُ وَاعَدْنَا مُوسَى انْقِضَاءَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً كَقَوْلِهِمْ: الْيَوْمُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا مُنْذُ خَرَجَ فُلَانٌ، أَيْ تَمَامُ الْأَرْبَعِينَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، كَمَا فِي قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يُوسُفَ: 82] وَأَيْضًا فَلَيْسَ الْمُرَادُ انْقِضَاءَ أَيِّ أَرْبَعِينَ كَانَ، بَلْ أَرْبَعِينَ مُعَيَّنًا وَهُوَ الثَّلَاثُونَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَالْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ لِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ هَذِهِ الْأَرْبَعُونَ، وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ وَعَدَ قَبْلَ هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ أَنْ يَجِيءَ إِلَى الْجَبَلِ هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ حَتَّى تَنْزِلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أُمِرَ بِأَنْ يَجِيءَ إِلَى الْجَبَلِ هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ وَوَعَدَ بِأَنَّهُ سَتَنْزِلُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ التَّوْرَاةُ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي هُوَ الْمُتَأَيِّدُ بِالْأَخْبَارِ. الْبَحْثُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ هَاهُنَا: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يُفِيدُ أَنَّ الْمُوَاعَدَةَ كَانَتْ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ، وَقَوْلُهُ فِي الْأَعْرَافِ وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ يُفِيدُ أَنَّ الْمُوَاعَدَةَ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى الثَّلَاثِينَ فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا؟ أَجَابَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ وَعْدَهُ كَانَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَدَهُ بِعَشْرٍ لَكِنَّهُ وَعَدَهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً جَمِيعًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [الْبَقَرَةِ: 196] . أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ فَفِيهِ أَبْحَاثٌ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: إِنَّمَا ذَكَرَ لَفْظَةَ (ثُمَّ) لِأَنَّهُ تعالى لما وَعَدَ مُوسَى حُضُورَ الْمِيقَاتِ لِإِنْزَالِ التَّوْرَاةِ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ السَّبْعِينَ وَأَظْهَرَ فِي ذَلِكَ دَرَجَةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفَضِيلَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْحَاضِرِينَ عَلَى عُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وَتَعْرِيفًا لِلْغَائِبِينَ وَتَكْمِلَةً لِلدِّينِ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ فَلَمَّا أَتَوْا عَقِيبَ ذَلِكَ بِأَقْبَحِ أَنْوَاعِ الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ كَانَ ذَلِكَ فِي مَحَلِّ التَّعَجُّبِ فَهُوَ كَمَنْ يَقُولُ إِنَّنِي أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ وَفَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ إِنَّكَ تَقْصِدُنِي بِالسُّوءِ وَالْإِيذَاءِ. الْبَحْثُ الثَّانِي: قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَوَعَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنْزَالَ التَّوْرَاةِ عَلَيْهِ قَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الْأَعْرَافِ: 142] ، فَلَمَّا ذَهَبَ مُوسَى إِلَى الطُّورِ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الثِّيَابُ وَالْحُلِيُّ الَّذِي اسْتَعَارُوهُ مِنَ الْقِبْطِ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ إِنَّ هَذِهِ
الثِّيَابَ وَالْحُلِيَّ لَا تَحِلُّ لَكُمْ فَأَحْرِقُوهَا فَجَمَعُوا نَارًا وَأَحْرَقُوهَا، وَكَانَ السَّامِرِيُّ فِي مَسِيرِهِ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْبَحْرِ نَظَرَ إِلَى حَافِرِ دَابَّةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ تَقَدَّمَ عَلَى فِرْعَوْنَ فِي دُخُولِ الْبَحْرِ فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ حَافِرِ تِلْكَ الدَّابَّةِ، ثُمَّ إِنَّ السَّامِرِيَّ أَخَذَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَصَوَّرَ مِنْهُ عِجْلًا وَأَلْقَى ذَلِكَ التُّرَابَ فِيهِ فَخَرَجَ مِنْهُ صَوْتٌ كَأَنَّهُ الْخُوَارُ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [طَهَ: 88] ، فَاتَّخَذَهُ الْقَوْمُ إِلَهًا لِأَنْفُسِهِمْ فَهَذَا مَا فِي الرِّوَايَةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْجَمْعُ الْعَظِيمُ مِنَ الْعُقَلَاءِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى مَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ كَذَلِكَ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أَنَّ الصَّنَمَ الْمُتَّخَذَ مِنَ الذَّهَبِ الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَحُسُّ وَلَا يَعْقِلُ يَسْتَحِيلُ أَنَّ يكون إله السموات والأرض، وهب أنه ظهر منه خُوَارٍ وَلَكِنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شُبْهَةً فِي قَلْبِ أَحَدٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ فِي كَوْنِهِ إِلَهًا، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا قَدْ شَاهَدُوا قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْقَاهِرَةِ الَّتِي تَكُونُ قَرِيبَةً مِنْ حَدِّ الْإِلْجَاءِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الصَّانِعِ وَصِدْقِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَمَعَ قُوَّةِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ وَبُلُوغِهَا إِلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ وَمَعَ أَنَّ صُدُورَ الْخُوَارِ مِنْ ذَلِكَ الْعِجْلِ الْمُتَّخَذِ مِنَ الذَّهَبِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقْتَضِيَ شُبْهَةً فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْجِسْمِ الْمُصَوِّتِ إِلَهًا. وَالْجَوَابُ: هَذِهِ الْوَاقِعَةُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا إِلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ السَّامِرِيَّ أَلْقَى إِلَى الْقَوْمِ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا قَدَرَ عَلَى مَا أَتَى بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَّخِذُ طَلْسَمَاتٍ عَلَى قُوَى فَلَكِيَّةٍ وَكَانَ يَقْدِرُ بِوَاسِطَتِهَا عَلَى هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ، فَقَالَ السَّامِرِيُّ لِلْقَوْمِ: وَأَنَا أَتَّخِذُ لَكُمْ طَلْسَمًا مِثْلَ طَلْسَمِهِ وَرَوَّحَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأَنْ جَعْلَهُ بِحَيْثُ خَرَجَ مِنْهُ صَوْتٌ عَجِيبٌ فَأَطْمَعَهُمْ فِي أَنْ يَصِيرُوا مِثْلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْإِتْيَانِ بِالْخَوَارِقِ، أَوْ لَعَلَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُجَسِّمَةً وَحُلُولِيَّةً فَجَوَّزُوا حُلُولَ الْإِلَهِ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ فَلِذَلِكَ وَقَعُوا فِي تِلْكَ الشُّبْهَةِ. الْبَحْثُ الثَّالِثُ: هَذِهِ الْقِصَّةُ فِيهَا فَوَائِدُ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُ الْأُمَمِ، لِأَنَّ أُولَئِكَ الْيَهُودَ مَعَ أَنَّهُمْ شَاهَدُوا تِلْكَ الْبَرَاهِينَ الْقَاهِرَةَ اغْتَرُّوا بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ جِدًّا، وَأَمَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ فِي مَعْرِفَةِ كَوْنِ الْقُرْآنِ/ مُعْجِزًا إِلَى الدَّلَائِلِ الدَّقِيقَةِ لَمْ يَغْتَرُّوا بِالشُّبَهَاتِ الْقَوِيَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكَ وَأَكْمَلُ عَقْلًا وَأَزْكَى خَاطِرًا مِنْهُمْ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَكَرَ هَذِهِ الْحِكَايَةَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ استفادها من الوحي. وَثَالِثُهَا: فِيهِ تَحْذِيرٌ عَظِيمٌ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالْجَهْلِ بِالدَّلَائِلِ فَإِنَّ أُولَئِكَ الْأَقْوَامَ لَوْ أَنَّهُمْ عَرَفُوا اللَّهَ بِالدَّلِيلِ مَعْرِفَةً تَامَّةً لَمَا وَقَعُوا فِي شُبْهَةِ السَّامِرِيِّ. وَرَابِعُهَا: فِي تَسْلِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا كَانَ يُشَاهِدُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْخِلَافِ عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا صَبَرَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ النَّكِدَةِ فَإِنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ خَلَّصَهُمُ اللَّهُ مِنْ فرعون وأراهم المعجزات العجيبة من أول ظهر وموسى إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ اغْتَرُّوا بِتِلْكَ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ، ثُمَّ إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ فَلَأَنْ يَصْبِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَذِيَّةِ قَوْمِهِ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى. وَخَامِسُهَا: أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ مُجَادَلَةً مَعَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَاوَةً لَهُ هُمُ الْيَهُودُ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَفْتَخِرُونَ بِأَسْلَافِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ أَسْلَافَهُمْ كَانُوا فِي الْبَلَادَةِ وَالْجَهَالَةِ وَالْعِنَادِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ فَكَيْفَ هَؤُلَاءِ الْأَخْلَافُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ فَفِيهِ أَبْحَاثٌ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: فِي تَفْسِيرِ الظُّلْمِ وَفِيهِ وَجْهَانِ. الْأَوَّلُ: قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الظُّلْمُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ هُوَ النَّقْصُ، قَالَ
اللَّهُ تَعَالَى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [الْكَهْفِ: 33] ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمَّا تَرَكُوا عِبَادَةَ الْخَالِقِ الْمُحْيِي الْمُمِيتِ وَاشْتَغَلُوا بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ فَقَدْ صَارُوا نَاقِصِينِ فِي خَيْرَاتِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الظُّلْمَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنِ الضَّرَرِ الْخَالِي مِنْ نَفْعٍ يَزِيدُ عَلَيْهِ وَدَفْعِ مَضَرَّةٍ أَعْظَمَ مِنْهُ وَالِاسْتِحْقَاقِ عَنِ الْغَيْرِ فِي عِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ، فَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ فَاعِلُهُ ظَالِمًا ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا فَعَلَ مَا يُؤَدِّيهِ إِلَى الْعِقَابِ وَالنَّارِ قِيلَ: إِنَّهُ ظَالِمٌ نَفْسَهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْحَالِ نَفْعًا وَلَذَّةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَانَ: 13] ، وَقَالَ: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [فَاطِرٍ: 32] وَلَمَّا كَانَتْ عِبَادَتُهُمْ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكًا وَكَانَ الشِّرْكُ مُؤَدِّيًا إِلَى النَّارِ سُمِّيَ ظُلْمًا. الْبَحْثُ الثَّانِي: اسْتَدَلَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ لَيْسَتْ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّهُمْ عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعَالَى لَمَا اسْتَحَقَّ الذَّمَّ إِلَّا مَنْ فَعَلَهَا. وَثَانِيهَا: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَانُوا مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى بِفِعْلِهَا لَأَنَّ الطَّاعَةَ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ الْمُرَادِ. وَثَالِثُهَا: لَوْ كَانَ الْعِصْيَانُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى لَكَانَ الذَّمُّ بِسَبَبِهِ يَجْرِي مَجْرَى الذَّمِّ بِسَبَبِ كَوْنِهِ أَسْوَدَ وَأَبْيَضَ وَطَوِيلًا وَقَصِيرًا، وَالْجَوَابُ: هَذَا تَمَسُّكٌ بِفِعْلِ الْمَدْحِ والذم وهو معارض بمسألتي الداعي والعلم ذَلِكَ مِرَارًا. الْبَحْثُ الثَّالِثُ: فِي الْآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ ضَرَرَ الْكُفْرِ لَا يَعُودُ إِلَّا عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ مَا اسْتَفَادُوا بِذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَلَالَ اللَّهِ مُنَزَّهٌ عَنِ الِاسْتِكْمَالِ بِطَاعَةِ الْأَتْقِيَاءِ وَالِانْتِقَاصِ بِمَعْصِيَةِ الْأَشْقِيَاءِ. / أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الْمُرَادُ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ بِسَبَبِ إِتْيَانِكُمْ بِالتَّوْبَةِ وَهِيَ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ وَاجِبٌ عَقْلًا فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ لَمَا جَازَ عَدُّهُ فِي مَعْرِضِ الْإِنْعَامِ لِأَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ لَا يُعَدُّ مِنْ بَابِ الْإِنْعَامِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ تَعْدِيدُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ. الثَّانِي: أَنَّ الْعَفْوَ اسْمٌ لِإِسْقَاطِ الْعِقَابِ الْمُسْتَحَقِّ فَأَمَّا إِسْقَاطُ مَا يَجِبُ إِسْقَاطُهُ فَذَاكَ لَا يُسَمَّى عَفْوًا أَلَا تَرَى أَنَّ الظَّالِمَ لَمَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ تَعْذِيبُ الْمَظْلُومِ، فَإِذَا تُرِكَ ذَلِكَ الْعَذَابُ لَا يُسَمَّى ذَلِكَ التَّرْكُ عَفْوًا فَكَذَا هَاهُنَا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ لَا شَكَّ فِي حُصُولِ التَّوْبَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [الْبَقَرَةِ: 54] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَقْلًا، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ أَيْضًا أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَسْقَطَ عِقَابَ مَنْ يَجُوزُ عِقَابُهُ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَذَلِكَ أَيْضًا خِلَافُ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى عَفَا عَنْ كُفَّارِ قَوْمِ مُوسَى فَلَأَنْ يَعْفُوَ عَنْ فُسَّاقِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُمْ: خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناس كَانَ أَوْلَى. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي تَفْسِيرِ «لَعَلَّ» قَدْ تقدم في قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: 153] [الأعراف: 171] [الْبَقَرَةِ: 21، 33] وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي حَقِيقَةِ الشُّكْرِ وَمَاهِيَّتِهِ فَطَوِيلٌ وَسَيَجِيءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا عَفَا عَنْهُمْ وَلَمْ يُؤَاخِذْهُمْ لِكَيْ يَشْكُرُوا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ مِنْهُمْ إِلَّا الشُّكْرَ، وَالْجَوَابُ: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمُ الشُّكْرَ لَأَرَادَ ذَلِكَ إِمَّا بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُلَ لِلشَّاكِرِ دَاعِيَةُ الشُّكْرِ أَوَّلًا بِهَذَا الشَّرْطِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ إِذْ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ بِهَذَا الشرط كَانَ هَذَا الشَّرْطُ مِنَ الْعَبْدِ لَزِمَ افْتِقَارُ الدَّاعِيَةِ إِلَى دَاعِيَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ مِنَ اللَّهِ فَحَيْثُ خَلَقَ اللَّهُ الدَّاعِيَ حَصَلَ الشُّكْرُ لَا مَحَالَةَ وَحَيْثُ لَمْ يَخْلُقِ الدَّاعِيَ اسْتَحَالَ حُصُولُ الشُّكْرِ، وَذَلِكَ ضِدُّ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَإِنْ أَرَادَ حُصُولَ الشُّكْرِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الدَّاعِيَةِ فَقَدْ أَرَادَ مِنْهُ الْمُحَالَ لِأَنَّ الْفِعْلَ بِدُونِ الدَّاعِي مُحَالٌ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِشْكَالَ وَارِدٌ عليهم أيضاً والله أعلم.
[سورة البقرة (2) : آية 53]
[سورة البقرة (2) : آية 53] وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِنْعَامُ الرَّابِعُ وَالْمُرَادُ مِنَ الْفُرْقَانِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ التَّوْرَاةَ وَأَنْ يَكُونَ شَيْئًا دَاخِلًا فِي التَّوْرَاةِ وَأَنْ يَكُونَ شَيْئًا خَارِجًا عَنِ التَّوْرَاةِ فَهَذِهِ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا وَتَقْرِيرُ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّوْرَاةَ لَهَا صِفَتَانِ كَوْنُهَا كِتَابًا مُنَزَّلًا وَكَوْنُهَا فُرْقَانًا تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَهُوَ كَقَوْلِكَ: رَأَيْتُ الْغَيْثَ وَاللَّيْثَ تُرِيدُ الرَّجُلَ الْجَامِعَ بَيْنَ الْجُودِ وَالْجَرَاءَةِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً [الْأَنْبِيَاءِ: 48] وَأَمَّا تَقْرِيرُ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْفُرْقَانِ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ بَيَانِ الدِّينِ لِأَنَّهُ إِذَا أَبَانَ ظَهَرَ الْحَقُّ مُتَمَيِّزًا مِنَ/ الْبَاطِلِ، فَالْمُرَادُ مِنَ الْفُرْقَانِ بَعْضُ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَهُوَ بَيَانُ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ. وَأَمَّا تَقْرِيرُ الِاحْتِمَالِ الثَّالِثِ فَمِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْفُرْقَانِ مَا أوتي موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْيَدِ وَالْعَصَا وَسَائِرِ الْآيَاتِ وَسُمِّيَتْ بِالْفُرْقَانِ لِأَنَّهَا فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْفُرْقَانِ النَّصْرَ وَالْفَرَجَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، قَالَ تَعَالَى: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الْأَنْفَالِ: 41] وَالْمُرَادُ النَّصْرُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرِ يَتَوَقَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ فِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَوْلِيَ وَصَاحَبُهُ هُوَ الْمَقْهُورَ، فَإِذَا ظَهَرَ النَّصْرُ تَمَيَّزَ الرَّاجِحُ مِنَ الْمَرْجُوحِ وَانْفَرَقَ الطَّمَعُ الصَّادِقُ مِنَ الطَّمَعِ الْكَاذِبِ، وَثَالِثُهَا: قَالَ قُطْرُبٌ الْفُرْقَانُ هُوَ انْفِرَاقُ الْبَحْرِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَإِنْ قُلْتَ: فَهَذَا قَدْ صَارَ مَذْكُورًا فِي قَوْلِهِ تعالى: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ [البقرة: 50] وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْكِتَابِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُذْكَرُ إِلَّا عَقِيبَ الْهُدَى. قُلْتُ: الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُبَيِّنْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِأَجْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَّنَ ذَلِكَ التَّخْصِيصَ عَلَى سَبِيلِ التَّنْصِيصِ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ فَرْقَ الْبَحْرِ كَانَ مِنَ الدَّلَائِلِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّا لَمَّا آتَيْنَا مُوسَى فُرْقَانَ الْبَحْرِ اسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ، وَصِدْقِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذَلِكَ هُوَ الْهِدَايَةُ وَأَيْضًا فَالْهُدَى قَدْ يُرَادُ بِهِ الْفَوْزُ وَالنَّجَاةُ كَمَا يُرَادُ بِهِ الدَّلَالَةُ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ آتَاهُمُ الْكِتَابَ نِعْمَةً فِي الدِّينِ وَالْفُرْقَانَ الَّذِي حَصَلَ بِهِ خَلَاصُهُمْ مِنَ الْخَصْمِ نِعْمَةً عَاجِلَةً. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ غَلِطَ فَظَنَّ أَنَّ الْفُرْقَانَ هُوَ الْقُرْآنُ، وَأَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْفُرْقَانَ هُوَ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَكُلُّ دَلِيلٍ كَذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ هَذَا اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَعْنَى: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يَعْنِي التَّوْرَاةَ وَآتَيْنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفُرْقَانَ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِهِ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ. وَقَدْ مَالَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ عُلَمَاءِ النَّحْوِ الْفَرَّاءُ وَثَعْلَبٌ وَقُطْرُبٌ وَهَذَا تَعَسُّفٌ شَدِيدٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ الْبَتَّةَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ لَعَلَّ وَتَفْسِيرُ الِاهْتِدَاءِ، وَاسْتَدَلَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ الِاهْتِدَاءَ مِنَ الْكُلِّ وَذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: أَرَادَ الْكُفْرَ مِنَ الْكَافِرِ، وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ تَعَالَى: يَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ، فِيمَنْ يَهْتَدِي وَالضَّلَالَ فِيمَنْ يَضِلُّ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي أَنْ يُنَزِّلَ الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ وَيَقُولَ: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاهْتِدَاءَ إِذَا كَانَ يَخْلُقُهُ، فَلَا تَأْثِيرَ لِإِنْزَالِ الْكُتُبِ فِيهِ لَوْ خُلِقَ الِاهْتِدَاءُ وَلَا كِتَابَ لَحَصَلَ الِاهْتِدَاءُ، وَلَوْ أَنْزَلَ بَدَلًا مِنَ الْكِتَابِ الْوَاحِدِ أَلْفَ كِتَابٍ وَلَمْ يُخْلَقِ الِاهْتِدَاءُ فِيهِمْ لَمَا حَصَلَ الِاهْتِدَاءُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَنْزَلْتُ الْكِتَابَ لِكَيْ تَهْتَدُوا؟ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ قَدْ تَقَدَّمَ مِرَارًا لا تحصى مع الجواب والله أعلم.
[سورة البقرة (2) : آية 54]
[سورة البقرة (2) : آية 54] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْإِنْعَامَ الْخَامِسَ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: هَذِهِ الْآيَةُ وَمَا بَعْدَهَا مُنْقَطِعَةٌ عَمَّا تَقَدَّمَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا أَمْرٌ بِالْقَتْلِ والقتل لَا يَكُونُ نِعْمَةً وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّهَهُمْ عَلَى عِظَمِ ذَنْبِهِمْ، ثُمَّ نَبَّهَهُمْ عَلَى مَا بِهِ يَتَخَلَّصُونَ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ الْعَظِيمِ وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ فِي الدِّينِ، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ عَدَّدَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ الدُّنْيَوِيَّةَ فَبِأَنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ النِّعْمَةَ الدِّينِيَّةَ أَوْلَى، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ وَهِيَ كَيْفِيَّةُ هَذِهِ التَّوْبَةِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ وَصْفُهَا إِلَّا بِمُقَدِّمَةِ ذِكْرِ الْمَعْصِيَةِ كان ذكرها أيضاً في تَمَامِ النِّعْمَةِ. فَصَارَ كُلُّ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ مَعْدُودًا فِي نِعَمِ اللَّهِ فَجَازَ التَّذْكِيرُ بِهَا. وَثَانِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْقَتْلِ رَفَعَ ذَلِكَ الْأَمْرَ عَنْهُمْ قَبْلَ فَنَائِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ فَكَانَ ذَلِكَ نِعْمَةً فِي حَقِّ أُولَئِكَ الْبَاقِينَ. وَفِي حَقِّ الَّذِينَ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي زَمَانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْلَا أَنَّهُ رَفَعَ الْقَتْلَ عَنْ آبَائِهِمْ لَمَا وُجِدَ أُولَئِكَ الْأَبْنَاءُ فَحَسُنَ إِيرَادُهُ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ عَلَى الْحَاضِرِينَ فِي زَمَانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ تَوْبَةَ أُولَئِكَ مَا تَمَّتْ إِلَّا بِالْقَتْلِ مَعَ أَنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ: لَا حَاجَةَ بِكُمُ الْآنَ فِي التَّوْبَةِ إِلَى الْقَتْلِ بَلْ إِنْ رَجَعْتُمْ عَنْ كُفْرِكُمْ وَآمَنْتُمْ قَبِلَ اللَّهُ إِيمَانَكُمْ مِنْكُمْ فَكَانَ بَيَانُ التَّشْدِيدِ فِي تِلْكَ التَّوْبَةِ تَنْبِيهًا عَلَى الْإِنْعَامِ الْعَظِيمِ بِقَبُولِ مِثْلِ هَذِهِ التَّوْبَةِ السَّهْلَةِ الْهَيِّنَةِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ فِيهِ تَرْغِيبًا شَدِيدًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فِي التَّوْبَةِ، فَإِنَّ أُمَّةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَغِبُوا فِي تِلْكَ التَّوْبَةِ مَعَ نِهَايَةِ مَشَقَّتِهَا عَلَى النَّفْسِ فَلَأَنْ يَرْغَبَ الْوَاحِدُ مِنَّا فِي التَّوْبَةِ الَّتِي هِيَ مُجَرَّدُ النَّدَمِ كَانَ أَوْلَى. وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَرْغِيبَ الْإِنْسَانِ فِيمَا هُوَ الْمَصْلَحَةُ الْمُهِمَّةُ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أَيْ وَاذْكُرُوا إِذْ قَالَ موسى لقومه بعد ما رَجَعَ مِنَ الْمَوْعِدِ الَّذِي وَعَدَهُ رَبُّهُ فَرَآهُمْ قد اتخذوا العجل: يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِي الظُّلْمِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّكُمْ نَقَصْتُمْ أَنْفُسَكُمُ الثَّوَابَ الْوَاجِبَ بِالْإِقَامَةِ عَلَى عَهْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالثَّانِي: أَنَّ الظُّلْمَ هُوَ الْإِصْرَارُ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ وَلَا فِيهِ نَفْعٌ وَلَا دَفْعُ مَضَرَّةٍ لَا عِلْمًا وَلَا/ طِبًّا، فَلَمَّا عَبَدُوا الْعِجْلَ كَانُوا قَدْ أَضَرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّ مَا يُؤَدِّي إِلَى ضَرَرِ الْأَبَدِ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَانَ: 13] لَكِنَّ هَذَا الظُّلْمَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُقَيَّدَ لِئَلَّا يُوهِمَ إِطْلَاقُهُ أَنَّهُ ظُلْمُ الْغَيْرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الظُّلْمِ مَا يَتَعَدَّى، فَلِذَلِكَ قَالَ: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَفِيهِ حَذْفٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَظْلِمُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَذَا الْقَدْرِ لِأَنَّهُمْ لَوِ اتَّخَذُوهُ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ إِلَهًا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُمْ ظُلْمًا، فَالْمُرَادُ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ إِلَهًا، لَكِنْ لَمَّا دَلَّتْ مُقَدِّمَةُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ حَسُنَ الْحَذْفُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فَفِيهِ سُؤَالَاتٌ. السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يَقْتَضِي كَوْنَ التَّوْبَةِ مُفَسَّرَةً بِقَتْلِ النَّفْسِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ» ، يَقْتَضِي أَنَّ وَضْعَ الطهور مواضعه مفسر بِغَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّ التَّوْبَةَ عِبَارَةٌ عَنِ النَّدَمِ عَلَى الْفِعْلِ
الْقَبِيحِ الَّذِي مَضَى وَالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَذَلِكَ مُغَايِرٌ لِقَتْلِ النَّفْسِ وَغَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لَهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِهِ؟ وَالْجَوَابُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَفْسِيرَ التَّوْبَةِ بِقَتْلِ النَّفْسِ بَلْ بَيَانَ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ لَا تَتِمُّ ولا تحصل إلا تَحْصُلُ إِلَّا بِقَتْلِ النَّفْسِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ شَرْطَ تَوْبَتِهِمْ قَتْلُ النَّفْسِ كَمَا أَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا لَا تَتِمُّ تَوْبَتُهُ إِلَّا بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ حَتَّى يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ أَوْ يَقْتُلُوهُ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ تَوْبَةَ الْمُرْتَدِّ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْقَتْلِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ شَرْطُ الشَّيْءِ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ مَجَازًا كَمَا يُقَالُ لِلْغَاصِبِ إِذَا قَصَدَ التوبة أن توبتك ردماً غَصَبْتَ يَعْنِي أَنَّ تَوْبَتَكَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ فَكَذَا هَاهُنَا. السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ وَالتَّوْبَةُ لَا تكون إلا للبارئ، وَالْجَوَابُ: الْمُرَادُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ الرِّيَاءِ فِي التَّوْبَةِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: لَوْ أَظْهَرْتُمُ التَّوْبَةَ لَا عَنِ الْقَلْبِ فَأَنْتُمْ مَا تُبْتُمْ إِلَى اللَّهِ الَّذِي هُوَ مُطَّلِعٌ عَلَى ضَمِيرِكُمْ، وَإِنَّمَا تُبْتُمْ إِلَى النَّاسِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَإِنَّكُمْ إِذَا أَذْنَبْتُمْ إِلَى اللَّهِ. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: كَيْفَ اخْتُصَّ هَذَا الْمَوْضِعُ بِذِكْرِ الْبَارِئِ؟ وَالْجَوَابُ: الْبَارِئُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بَرِيئًا مِنَ التَّفَاوُتِ: مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [الْمُلْكِ: 3] وَمُتَمَيِّزًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ بِالْأَشْكَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالصُّوَرِ الْمُتَبَايِنَةِ فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْعِبَادَةِ مِنَ الْبَقَرِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْغَبَاوَةِ. السُّؤَالُ الرَّابِعُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَتُوبُوا وَالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَاقْتُلُوا؟ الْجَوَابُ: أَنَّ الْفَاءَ الْأُولَى لِلسَّبَبِ لِأَنَّ الظُّلْمَ سَبَبُ التَّوْبَةِ وَالثَّانِيَةَ لِلتَّعْقِيبِ لِأَنَّ الْقَتْلَ مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: فَتُوبُوا أَيْ فَأَتْبِعُوا التَّوْبَةَ الْقَتْلَ تَتِمَّةً لِتَوْبَتِكُمْ. السُّؤَالُ الْخَامِسُ: مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ مِنْ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ/ وَاحِدٍ نَفْسَهُ أَوِ الْمُرَادُ غَيْرُ ذَلِكَ؟ الْجَوَابُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَمْرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ التَّائِبِينَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُمْ مَا قَتَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَلَوْ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ لَصَارُوا عُصَاةً بِتَرْكِ ذَلِكَ، الثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ أَنَّ الْقَتْلَ هُوَ نَقْضُ الْبِنْيَةِ الَّتِي عِنْدَهَا يَجِبُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَيًّا وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَمُوتَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا إِنَّمَا سُمِّيَ قَتْلًا عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ. إِذَا عَرَفْتَ حَقِيقَةَ الْقَتْلِ فَنَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةَ إِنَّمَا تَحْسُنُ لِكَوْنِهَا مَصَالِحَ لِذَلِكَ الْمُكَلَّفِ وَلَا تَكُونُ مَصْلَحَةً إِلَّا فِي الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَلَيْسَ بَعْدَ الْقَتْلِ حَالُ تَكْلِيفٍ حَتَّى يَكُونَ الْقَتْلُ مَصْلَحَةً فِيهِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْإِمَاتَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ فَيَحْسُنُ أَنْ يَفْعَلَهُ إِذَا كَانَ صَلَاحًا لِمُكَلَّفٍ آخَرَ وَيُعَوِّضُ ذَلِكَ الْمُكَلَّفَ بِالْعِوَضِ الْعَظِيمِ وَبِخِلَافِ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَجْرَحَ نَفْسَهُ أَوْ يَقْطَعَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ وَلَا يَحْصُلَ الْمَوْتُ عَقِبَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْفِعْلِ حَيًّا لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ صَلَاحًا فِي الْأَفْعَالِ الْمُسْتَقْبَلَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَتْلَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ الْمُزْهِقِ لِلرُّوحِ فِي الْحَالِ بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْفِعْلِ الْمُؤَدِّي إِلَى الزُّهُوقِ إِمَّا فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْتُلُ إِنْسَانًا فَجَرَحَهُ جِرَاحَةً عَظِيمَةً وَبَقِيَ بَعْدَ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ حَيًّا لَحْظَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَتُسَمِّيهِ كُلُّ أَهْلِ هَذِهِ اللُّغَةِ قَاتِلًا وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْقَتْلِ اسْمُ الْفِعْلِ الْمُؤَدِّي إِلَى الزُّهُوقِ سَوَاءٌ أَدَّى إِلَيْهِ فِي الْحَالِ
أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَنْتَ سَلَّمْتَ جَوَازَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِالْجِرَاحَةِ الَّتِي لَا تَسْتَعْقِبُ الزُّهُوقَ فِي الْحَالِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ جَوَازُ أَنْ يُرَادَ الْأَمْرُ بِأَنْ يَقْتُلَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ، سَلَّمْنَا أَنَّ الْقَتْلَ اسْمُ الْفِعْلِ الْمُزْهِقِ لِلرُّوحِ فِي الْحَالِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ وُرُودُ الْأَمْرِ بِهِ؟ قَوْلُهُ: لَا بُدَّ فِي وُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ مِنْ مَصْلَحَةٍ اسْتِقْبَالِيَّةٍ، قُلْنَا: أَوَّلًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ يَعْلَمُ كَفْرَهُ بِالْإِيمَانِ وَلَا مَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ إِذْ لَا فَائِدَةَ مِنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ إِلَّا حُصُولُ الْعِقَابِ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَصْلَحَةٍ وَلَكِنْ لِمَ قُلْتَ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَوْدِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ إِلَيْهِ، وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنَّ قَتْلَهُ نَفْسَهُ مَصْلَحَةٌ لِغَيْرِهِ فَاللَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ ذَلِكَ الْغَيْرُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى يُوَصِّلُ الْعِوَضَ الْعَظِيمَ إِلَيْهِ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَوْدِ الْمُصْلَحَةِ إِلَيْهِ، لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ عِلْمَهُ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْفِعْلِ مَصْلَحَةٌ لَهُ، مِثْلُ أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِأَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ غَدًا فَإِنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ يَصِيرُ دَاعِيًا لَهُ إِلَى تَرْكِ الْقَبَائِحِ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ إِلَى وُرُودِ الْغَدِ، وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ مُمْكِنَةً سَقَطَ مَا قَالَ الْقَاضِي، بَلِ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ أَقْوَى، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ صَرْفُ الآية عن ظاهرها، ثم فيه وجهان، الْأَوَّلُ: أَنْ يُقَالَ أَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ التَّائِبِينَ بِأَنْ يَقْتُلَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا فَقَوْلُهُ: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ مَعْنَاهُ لِيَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النِّسَاءِ: 29] وَمَعْنَاهُ لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ المؤمنين كالنفس الواحدة، وَقِيلَ/ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الْحُجُرَاتِ: 11] أَيْ إِخْوَانَكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِي قَوْلِهِ: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [النُّورِ: 12] أَيْ بِأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَقَوْلِهِ: فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النُّورِ: 61] أَيْ لِيُسَلِّمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ. ثُمَّ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أُولَئِكَ التَّائِبُونَ بَرَزُوا صَفَّيْنِ فَضَرَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَى اللَّيْلِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ غَيْرَ أُولَئِكَ التَّائِبِينَ بِقَتْلِ أُولَئِكَ التَّائِبِينَ فَيَكُونُ الْمُرَادُ من قوله: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَيِ اسْتَسْلِمُوا لِلْقَتْلِ، وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي أَقْرَبُ لِأَنَّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَزْدَادُ الْمَشَقَّةُ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ إِذَا اشْتَرَكَتْ فِي الذَّنْبِ كَانَ بَعْضُهُمْ أَشَدَّ عَطْفًا عَلَى الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ فَإِذَا كُلِّفُوا بِأَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَظُمَتِ الْمَشَقَّةُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ، فَالْأَوَّلُ: أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ لَمْ يَعْبُدِ الْعِجْلَ مِنَ السَّبْعِينَ الْمُخْتَارِينَ لِحُضُورِ الْمِيقَاتِ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ عَبَدَ الْعِجْلَ مِنْهُمْ، وَكَانَ الْمَقْتُولُونَ سَبْعِينَ أَلْفًا فَمَا تَحَرَّكُوا حَتَّى قُتِلُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أيام، وهذا لقول ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْقَتْلِ أَجَابُوا فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمَوَاثِيقَ لِيَصْبِرُوا عَلَى الْقَتْلِ فَأَصْبَحُوا مُجْتَمِعِينَ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى حِدَةٍ وَأَتَاهُمْ هَارُونُ بِالِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا الْعِجْلَ الْبَتَّةَ وَبِأَيْدِيهِمُ السُّيُوفُ، فَقَالَ التَّائِبُونَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ إِخْوَانُكُمْ قَدْ أَتَوْكُمْ شَاهِرِينَ السُّيُوفَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا فَلَعَنَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ أَوْ مَدَّ طَرْفَهُ إِلَيْهِمْ أَوِ اتَّقَاهُمْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ يَقُولُونَ آمِينَ، فَجَعَلُوا يَقْتُلُونَهُمْ إِلَى الْمَسَاءِ وَقَامَ مُوسَى وَهَارُونُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ يَدْعُوَانِ اللَّهَ وَيَقُولَانِ الْبَقِيَّةَ الْبَقِيَّةَ يَا إِلَهَنَا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمَا، قَدْ غَفَرْتُ لِمَنْ قُتِلَ وَتُبْتُ عَلَى مَنْ بَقِيَ، قَالَ: وَكَانَ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا، هَذِهِ رِوَايَةُ الْكَلْبِيِّ. الثَّالِثُ: أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا قِسْمَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الْعِجْلَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهُ وَلَكِنْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ عَبَدَهُ، فَأَمَرَ مَنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالْإِنْكَارِ بِقَتْلِ مَنِ اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ، ثُمَّ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُبْصِرُ وَالِدَهُ وَوَلَدَهُ وَجَارَهُ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمُضِيُّ لِأَمْرِ اللَّهِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى سَحَابَةً سَوْدَاءَ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْقَتْلِ فَقَتَلُوا إِلَى الْمَسَاءِ حَتَّى دَعَا مُوسَى وَهَارُونُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَقَالَا: يَا رَبِّ هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَقِيَّةَ الْبَقِيَّةَ فَانْكَشَفَتِ السَّحَابَةُ وَنَزَلَتِ التَّوْرَاةُ وَسَقَطَتِ الشِّفَارُ مِنْ أَيْدِيهِمْ.
[سورة البقرة (2) : الآيات 55 إلى 56]
السُّؤَالُ السَّادِسُ: كَيْفَ اسْتَحَقُّوا الْقَتْلَ وَهُمْ قَدْ تَابُوا مِنَ الرِّدَّةِ وَالتَّائِبُ مِنَ الرِّدَّةِ لَا يُقْتَلُ؟ الْجَوَابُ: ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِالشَّرَائِعِ فَلَعَلَّ شَرْعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقْتَضِي قَتْلَ التَّائِبِ عَنِ الرِّدَّةِ إِمَّا عَامًّا فِي حَقِّ الْكُلِّ أَوْ كَانَ خَاصًّا بِذَلِكَ الْقَوْمِ. السُّؤَالُ السَّابِعُ: هَلْ يَصِحُّ مَا رُوِيَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقْتَلْ مِمَّنْ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ؟ الْجَوَابُ: لَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ خِطَابُ مُشَافَهَةٍ فَلَعَلَّهُ كَانَ مَعَ الْبَعْضِ أَوْ أَنَّهُ كَانَ عَامًّا فَالْعَامُّ قَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ التَّخْصِيصُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا لِأَجْلِهِ يُمْكِنُ تَحَمُّلُ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ حَالَتَهُمْ كَانَتْ دَائِرَةً بَيْنَ ضَرَرِ الدُّنْيَا وَضَرَرِ الْآخِرَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ لِأَنَّهُ/ مُتَنَاهٍ، وَضَرَرُ الْآخِرَةِ غَيْرُ مُتَنَاهٍ، وَلِأَنَّ الْمَوْتَ لَا بُدَّ وَاقِعٌ فَلَيْسَ فِي تَحَمُّلِ الْقَتْلِ إلا التقدم وَالتَّأْخِيرُ، وَأَمَّا الْخَلَاصُ مِنَ الْعِقَابِ وَالْفَوْزُ بِالثَّوَابِ فَذَاكَ هُوَ الْغَرَضُ الْأَعْظَمُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتابَ عَلَيْكُمْ فَفِيهِ مَحْذُوفٌ ثُمَّ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَدَّرَ مِنْ قَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَقَدْ تَابَ عَلَيْكُمْ، وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ خِطَابًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ فَيَكُونَ التَّقْدِيرُ فَفَعَلْتُمْ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ مُوسَى فَتَابَ عَلَيْكُمْ بَارِئُكُمْ. وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. [سورة البقرة (2) : الآيات 55 الى 56] وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) [في هذه الآية بحثان] [البحث الأول في بيان الإنعام السادس لبني إسرائيل] اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِنْعَامُ السَّادِسُ، بَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: اذْكُرُوا نِعْمَتِي حِينَ قُلْتُمْ لِمُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ثُمَّ أَحْيَيْتُكُمْ لِتَتُوبُوا عَنْ بَغْيِكُمْ وَتَتَخَلَّصُوا عَنِ الْعِقَابِ وَتَفُوزُوا بِالثَّوَابِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ فِيهَا تَحْذِيرًا لِمَنْ كَانَ فِي زَمَانِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فِعْلِ مَا يُسْتَحَقُّ بِسَبَبِهِ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مَا فُعِلَ بِأُولَئِكَ. وَثَالِثُهَا: تَشْبِيهُهُمْ فِي جُحُودِهِمْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم بأسلافهم في جحود نبوة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ مُشَاهَدَتِهِمْ لِعِظَمِ تِلْكَ الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا لَا يُظْهِرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها وَلَوْ جَحَدُوهَا لَاسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ مِثْلَ مَا اسْتَحَقَّهُ أَسْلَافُهُمْ، وَرَابِعُهَا: فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا كَانَ يُلَاقِي مِنْهُمْ وَتَثْبِيتٌ لِقَلْبِهِ عَلَى الصَّبْرِ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. وَخَامِسُهَا: فِيهِ إِزَالَةُ شُبْهَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ صَحَّتْ لَكَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْإِيمَانِ بِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَا أَنَّهُمْ عَرَفُوا خَبَرَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ أَسْلَافَهُمْ مَعَ مُشَاهَدَتِهِمْ تِلْكَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةَ عَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانُوا يَرْتَدُّونَ كُلَّ وَقْتٍ وَيَتَحَكَّمُونَ عَلَيْهِ وَيُخَالِفُونَهُ فَلَا يُتَعَجَّبُ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَإِنْ وَجَدُوا فِي كُتُبِهِمُ الْأَخْبَارَ عَنْ نُبُوَّتِهِ. وَسَادِسُهَا: لَمَّا أَخْبَرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ هَذِهِ الْقِصَصِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ الْبَتَّةَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنِ الْوَحْيِ. الْبَحْثُ الثاني: للمفسرين في هذه الواقعة قولان، الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ كَانَتْ بَعْدَ أَنْ كَلَّفَ اللَّهُ عَبَدَةَ الْعِجْلِ بِالْقَتْلِ،
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا رَجَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الطُّورِ إِلَى قَوْمِهِ/ فَرَأَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَقَالَ لِأَخِيهِ وَالسَّامِرِيِّ مَا قَالَ وَحَرَّقَ الْعِجْلَ وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ، اخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ خِيَارِهِمْ فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى الطُّورِ قَالُوا لِمُوسَى: سَلْ رَبَّكَ حَتَّى يُسْمِعَنَا كَلَامَهُ، فَسَأَلَ موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَلَمَّا دَنَا مِنَ الْجَبَلِ وَقَعَ عَلَيْهِ عَمُودٌ مِنَ الْغَمَامِ وَتَغَشَّى الْجَبَلُ كُلُّهُ وَدَنَا مِنْ مُوسَى ذَلِكَ الْغَمَامُ حَتَّى دَخَلَ فِيهِ فَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْخُلُوا وَعُوا، وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَتَى كَلَّمَهُ رَبُّهُ وَقَعَ عَلَى جَبْهَتِهِ نُورٌ سَاطِعٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، وَسَمِعَ الْقَوْمُ كَلَامَ اللَّهِ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ لَهُ: افْعَلْ وَلَا تَفْعَلْ، فَلَمَّا تَمَّ الْكَلَامُ انْكَشَفَ عَنْ مُوسَى الْغَمَامُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ فَقَالَ الْقَوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَمَاتُوا جَمِيعًا وَقَامَ مُوسَى رَافِعًا يديه إلى السماء يدعو ويقول: يا إليه اخْتَرْتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَبْعِينَ رَجُلًا لِيَكُونُوا شُهُودِي بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، فَأَرْجِعُ إِلَيْهِمْ وَلَيْسَ مَعِي مِنْهُمْ وَاحِدٌ، فَمَا الَّذِي يَقُولُونَ فِيَّ، فَلَمْ يَزَلْ مُوسَى مُشْتَغِلًا بِالدُّعَاءِ حَتَّى رَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحَهُمْ وَطَلَبَ تَوْبَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ فَقَالَ: لَا إِلَّا أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمُ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ كَانَتْ بَعْدَ الْقَتْلِ، قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا تَابَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ بِأَنْ قَتَلُوا أَنْفُسَهُمْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ مُوسَى فِي نَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، فَاخْتَارَ مُوسَى سَبْعِينَ رَجُلًا، فَلَمَّا أَتَوُا الطُّورَ قَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَمَاتُوا فَقَامَ مُوسَى يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنِّي أَمَرْتُهُمْ بِالْقَتْلِ ثُمَّ اخْتَرْتُ مِنْ بَقِيَّتِهِمْ هَؤُلَاءِ، فَإِذَا رَجَعْتُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَكُونُ مَعِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى أَنَّ هَؤُلَاءِ السَّبْعِينَ مِمَّنِ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إِلَهًا فَقَالَ مُوسَى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [الْأَعْرَافِ: 155] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [الْأَعْرَافِ: 156] ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَحْيَاهُمْ فَقَامُوا وَنَظَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى الْآخَرِ كَيْفَ يُحْيِيهِ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالُوا: يَا مُوسَى إِنَّكَ لَا تَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاكَ فَادْعُهُ يَجْعَلْنَا أَنْبِيَاءَ، فَدَعَاهُ بِذَلِكَ فَأَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوا الرُّؤْيَةَ هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ أَوْ غَيْرُهُمْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ فَمَعْنَاهُ لَا نُصَدِّقُكَ وَلَا نَعْتَرِفُ بِنُبُوَّتِكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [أَيْ] عِيَانًا. قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: وَهِيَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكَ: جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ وَبِالدُّعَاءِ كَأَنَّ الَّذِي يَرَى بِالْعَيْنِ جَاهِرٌ بالرؤية والذي يرى بالقلب مخافت بها وانتصار بها عَلَى الْمَصْدَرِ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، فَنُصِبَتْ بِفِعْلِهَا كَمَا يُنْصَبُ الْقُرْفُصَاءُ بِفِعْلِ الْجُلُوسِ أَوْ عَلَى الْحَالِ بِمَعْنَى ذَوِي جَهْرَةٍ وَقُرِئَ جَهْرَةً بِفَتْحِ الْهَاءِ وَهِيَ إِمَّا مَصْدَرٌ كَالْغَلَبَةِ وَإِمَّا جَمْعُ جَاهِرٍ، وَقَالَ الْقَفَّالُ أَصْلُ الْجَهْرَةِ مِنَ الظُّهُورِ يُقَالُ جَهَرْتُ الشَّيْءَ [إِذَا] كَشَفْتَهُ وَجَهَرْتُ الْبِئْرَ إِذَا كَانَ مَاؤُهَا مُغَطًّى بِالطِّينِ فَنَقَّيْتَهُ حَتَّى ظَهَرَ مَاؤُهُ وَيُقَالُ صَوْتٌ جَهِيرٌ وَرَجُلٌ جَهْوَرِيُّ الصَّوْتِ، إِذَا كَانَ صَوْتُهُ عَالِيًا، وَيُقَالُ: وَجْهٌ جَهِيرٌ إِذَا كَانَ ظَاهِرَ الْوَضَاءَةِ، وَإِنَّمَا قَالُوا: جَهْرَةً تَأْكِيدًا لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّؤْيَةِ الْعِلْمُ أَوِ التَّخَيُّلُ عَلَى [نَحْوِ] مَا يَرَاهُ النَّائِمُ. / أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ فَفِيهِ أَبْحَاثٌ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: اسْتَدَلَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ مُمْتَنِعَةٌ، قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ
جَائِزَةً لَكَانُوا قَدِ الْتَمَسُوا أَمْرًا مُجَوَّزًا فَوَجَبَ أَنْ لَا تَنْزِلَ بِهِمُ الْعُقُوبَةُ كَمَا لَمْ تَنْزِلْ بِهِمُ الْعُقُوبَةُ لَمَّا الْتَمَسُوا النَّقْلَ مِنْ قُوتٍ إِلَى قُوتٍ وَطَعَامٍ إِلَى طَعَامٍ فِي قوله تعالى: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ [الْبَقَرَةِ: 61] ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي كِتَابِ التَّصَفُّحِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا ذَكَرَ سُؤَالَ الرُّؤْيَةِ إِلَّا اسْتَعْظَمَهُ، وَذَلِكَ فِي آيَاتٍ. أَحَدُهَا: هَذِهِ الْآيَةُ فَإِنَّ الرُّؤْيَةَ لَوْ كَانَتْ جَائِزَةً لَكَانَ قَوْلُهُمْ: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) كَقَوْلِ الْأُمَمِ لِأَنْبِيَائِهِمْ: لَنْ نُؤْمِنَ إِلَّا بِإِحْيَاءِ مَيِّتٍ فِي أَنَّهُ لَا يُسْتَعْظَمُ ولا تأخذهم الصاعقة. وثانيها: قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [النِّسَاءِ: 153] ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ ظُلْمًا وَعَاقَبَهُمْ فِي الْحَالِ، فَلَوْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ جَائِزَةً لَجَرَى سُؤَالُهُمْ لَهَا مَجْرَى مَنْ يَسْأَلُ مُعْجِزَةً زَائِدَةً. فَإِنْ قُلْتَ أَلَيْسَ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ أَجْرَى إِنْزَالَ الْكِتَابِ مِنَ السَّمَاءِ مَجْرَى الرُّؤْيَةِ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُتُوًّا، فَكَمَا أَنَّ إِنْزَالَ الْكِتَابِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فِي نَفْسِهِ فَكَذَا سُؤَالُ الرُّؤْيَةِ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُمْتَنِعًا تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ فِي إِنْزَالِ الْكِتَابِ فَيَبْقَى مَعْمُولًا بِهِ فِي الرُّؤْيَةِ. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [الْفُرْقَانِ: 21] فَالرُّؤْيَةُ لَوْ كَانَتْ جَائِزَةً وَهِيَ عِنْدَ مجزيها مِنْ أَعْظَمِ الْمَنَافِعِ لَمْ يَكُنِ الْتِمَاسُهَا عُتُوًّا لَأَنَّ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى نِعْمَةً فِي الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ عَاتِيًا وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى مَا يُقَالُ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى يُحْيِيَ اللَّهُ بِدُعَائِكَ هَذَا الْمَيِّتَ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ مُشْتَرِكَةٌ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَوْ كَانَتْ جَائِزَةً لَمَا كَانَ سُؤَالُهَا عُتُوًّا وَمُنْكَرًا، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ. [وَ] قَوْلُهُ: إِنَّ طَلَبَ سَائِرِ الْمَنَافِعِ مِنَ النَّقْلِ مِنْ طَعَامٍ إِلَى طَعَامٍ لَمَّا كَانَ مُمْكِنًا لَمْ يَكُنْ طَالِبُهُ عَاتِيًا وَكَذَا الْقَوْلُ فِي طَلَبِ سَائِرِ الْمُعْجِزَاتِ. قُلْنَا: وَلِمَ قُلْتَ إِنَّهُ لَمَّا كَانَ طَالِبُ ذَلِكَ الْمُمْكِنِ لَيْسَ بِعَاتٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ طَالِبُ كُلِّ مُمْكِنٍ غَيْرَ عَاتٍ وَالِاعْتِمَادُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى ضُرُوبِ الْأَمْثِلَةِ لَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَكَيْفَ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا ذَكَرَ الرُّؤْيَةَ إِلَّا وَذَكَرَ مَعَهَا شَيْئًا مُمْكِنًا حَكَمْنَا بِجَوَازِهِ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ إِمَّا نُزُولُ الْكِتَابِ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ نُزُولُ الْمَلَائِكَةِ. وَأَثْبَتَ صِفَةَ الْعُتُوِّ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ، وَذَلِكَ كَالدَّلَالَةِ الْقَاطِعَةِ فِي أَنَّ صِفَةَ الْعُتُوِّ مَا حَصَلَتْ لِأَجْلِ كَوْنِ الْمَطْلُوبِ مُمْتَنِعًا. أَمَّا قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ: الظَّاهِرُ يَقْتَضِي كَوْنَ الْكُلِّ مُمْتَنِعًا تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ فِي الْبَعْضِ فَيَبْقَى مَعْمُولًا بِهِ فِي الْبَاقِي. قُلْنَا: إِنَّكَ مَا أَقَمْتَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الِاسْتِعْظَامَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ مُمْتَنِعًا وَإِنَّمَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَى ضُرُوبِ الْأَمْثِلَةِ، وَالْمِثَالُ لَا يَنْفَعُ فِي هَذَا الْبَابِ، فَبَطَلَ قَوْلُكَ: الظَّاهِرُ يَقْتَضِي كَوْنَ الْكُلِّ مُمْتَنِعًا. فَظَهَرَ بِمَا قُلْنَا سُقُوطُ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا السَّبَبُ فِي اسْتِعْظَامِ سُؤَالِ الرُّؤْيَةِ؟ الْجَوَابُ فِي ذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا. أَحَدُهَا: أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَحْصُلُ إِلَّا فِي الْآخِرَةِ، فَكَانَ طَلَبُهَا فِي الدُّنْيَا/ مُسْتَنْكَرًا. وَثَانِيهَا: أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُزِيلَ التَّكْلِيفَ عَنِ الْعَبْدِ حَالَ مَا يَرَى اللَّهُ فَكَانَ طَلَبُ الرُّؤْيَةِ طلباً لِإِزَالَةِ التَّكْلِيفِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ أَوْلَى، لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ تَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ وَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ يُنَافِي التَّكْلِيفَ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَمَّا تَمَّتِ الدَّلَائِلُ عَلَى صِدْقِ الْمُدَّعِي كَانَ طَلَبُ الدَّلَائِلِ الزَّائِدَةِ تَعَنُّتًا وَالْمُتَعَنِّتُ يَسْتَوْجِبُ التَّعْنِيفَ، وَرَابِعُهَا: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ فِي مَنْعِ الْخِلْقِ عَنْ رُؤْيَتِهِ سُبْحَانَهُ فِي الدُّنْيَا ضَرْبًا مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْمُهِمَّةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَنْكَرَ طَلَبَ الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا كَمَا عَلِمَ أَنَّ فِي إِنْزَالِ الْكِتَابِ مِنَ السَّمَاءِ وَإِنْزَالِ الْمَلَائِكَةِ مِنَ السَّمَاءِ مَفْسَدَةً عَظِيمَةً فَلِذَلِكَ اسْتَنْكَرَ طَلَبَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أعلم.
[سورة البقرة (2) : آية 57]
الْبَحْثُ الثَّانِي: لِلْمُفَسِّرِينَ فِي الصَّاعِقَةِ قَوْلَانِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهَا هِيَ الْمَوْتُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزُّمَرِ: 68] ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَلَوْ كَانَتِ الصَّاعِقَةُ هِيَ الْمَوْتَ لَامْتَنَعَ كَوْنُهُمْ نَاظِرِينَ إِلَى الصَّاعِقَةِ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي حَقِّ مُوسَى: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [الْأَعْرَافِ: 143] أَثْبَتَ الصَّاعِقَةَ فِي حَقِّهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَيِّتًا لأنه قال: فَلَمَّا أَفاقَ وَالْإِفَاقَةُ لَا تَكُونُ عَنِ الْمَوْتِ بَلْ عَنِ الْغَشْيِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الصَّاعِقَةَ وَهِيَ الَّتِي تَصْعَقُ وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى سَبَبِ الْمَوْتِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ وُرُودَهَا وَهُمْ مُشَاهِدُونَ لَهَا أَعْظَمُ فِي بَابِ الْعُقُوبَةِ مِنْهَا إِذَا وَرَدَتْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. وَلِذَلِكَ قَالَ: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ مُنَبِّهًا عَلَى عِظَمِ الْعُقُوبَةِ، الْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ: أَنَّ الصَّاعِقَةَ هِيَ سَبَبُ الْمَوْتِ وَلِذَلِكَ قَالَ في سورة الأعراف: فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهَا نَارٌ وَقَعَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُمْ. وَثَانِيهَا: صَيْحَةٌ جَاءَتْ مِنَ السَّمَاءِ، وَثَالِثُهَا: أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى جُنُودًا سمعوا بخسها فَخَرُّوا صَعِقِينَ مَيِّتِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لِأَنَّ الْبَعْثَ قَدْ [لَا] يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً، ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً [الْكَهْفِ: 11، 12] . فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ دَخَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْكَلَامِ؟ قُلْتُ: لَا، لِوَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ خِطَابُ مشافهة فلا يحب أَنْ يَتَنَاوَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ تَنَاوَلَ مُوسَى لَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى في حق موسى: فَلَمَّا أَفاقَ مَعَ أَنَّ لَفْظَةَ الْإِفَاقَةِ لَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَوْتِ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ مَاتَ وَهُوَ خَطَأٌ لِمَا بَيَّنَّاهُ: أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا بَعَثَهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي دَارِ الدُّنْيَا لِيُكَلِّفَهُمْ وَلِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الْإِيمَانِ وَمِنْ تَلَافِي مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنَ الْجَرَائِمِ، أَمَّا أَنَّهُ كَلَّفَهُمْ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَلَفْظُ الشُّكْرِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الطَّاعَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سَبَأٍ: 13] ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُكَلِّفَهُمْ وَقَدْ أَمَاتَهُمْ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلِّفَ أَهْلَ الْآخِرَةِ إِذَا بَعَثَهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ قُلْنَا: الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ تَكْلِيفِهِمْ فِي الْآخِرَةِ لَيْسَ هُوَ الْإِمَاتَةَ ثُمَّ الْإِحْيَاءَ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدِ اضْطَرَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَإِلَى مَعْرِفَةِ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنَ اللَّذَّاتِ/ وَمَا فِي النَّارِ مِنَ الْآلَامِ وَبَعْدَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَا تَكْلِيفَ فَإِذَا كَانَ الْمَانِعُ هُوَ هَذَا لَمْ يَمْتَنِعْ فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَاتَهُمُ اللَّهُ بِالصَّاعِقَةِ أَنْ لَا يَكُونَ قَدِ اضْطَرَّهُمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ أَنْ يُكَلَّفُوا مِنْ بَعْدُ وَيَكُونُ مَوْتُهُمْ ثُمَّ الْإِحْيَاءُ بِمَنْزِلَةِ النَّوْمِ أَوْ بِمَنْزِلَةِ الْإِغْمَاءِ. وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ تَعَالَى قَطَعَ آجَالَهُمْ بِهَذِهِ الْإِمَاتَةِ ثُمَّ أَعَادَهُمْ كَمَا أَحْيَا الَّذِي أَمَاتَهُ حِينَ مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَأَحْيَا الَّذِينَ أماتهم بعد ما خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى مَا أَمَاتَهُمْ بِالصَّاعِقَةِ إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ فَصَارَ ذَلِكَ الْوَقْتُ أَجَلًا لِمَوْتِهِمُ الْأَوَّلِ ثُمَّ الْوَقْتُ الْآخَرُ أَجَلًا لِحَيَاتِهِمْ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْمُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُرِيدُ الْإِيمَانَ مِنَ الْكُلِّ فَجَوَابُنَا عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرَارًا فلا حاجة إلى الإعادة. [سورة البقرة (2) : آية 57] وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)
[سورة البقرة (2) : الآيات 58 إلى 59]
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِنْعَامُ السَّابِعُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِظْلَالَ كَانَ بَعْدَ أَنْ بَعَثَهُمْ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ بَعْضُهُ مَعْطُوفٌ عَلَى بَعْضٍ وَإِنْ كَانَ لَا يَمْتَنِعُ خِلَافُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْغَرَضَ تَعْرِيفُ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ تعالى بها. قال المفسرون: وَظَلَّلْنا وجعلن الْغَمَامَ تُظِلُّكُمْ، وَذَلِكَ فِي التِّيهِ سَخَّرَ اللَّهُ لَهُمُ السَّحَابَ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ يُظِلُّهُمْ مِنَ الشَّمْسِ وَيُنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَهُوَ التَّرَنْجَبِينُ مِثْلُ الثَّلْجِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ صَاعٌ وَيَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِمُ السَّلْوَى وَهِيَ السُّمَانِيُّ فَيَذْبَحُ الرَّجُلُ مِنْهَا مَا يَكْفِيهِ كُلُوا عَلَى إِرَادَةِ الْقَوْلِ: وَما ظَلَمُونا يَعْنِي فَظَلَمُوا بِأَنْ كَفَرُوا هَذِهِ النِّعَمَ أَوْ بِأَنْ أَخَذُوا أَزْيَدَ مِمَّا أَطْلَقَ لَهُمْ فِي أَخْذِهِ أَوْ بِأَنْ سَأَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَمَا ظَلَمُونَا فَاخْتَصَرَ الْكَلَامَ بِحَذْفِهِ لِدَلَالَةِ وَما ظَلَمُونا عَلَيْهِ. [سورة البقرة (2) : الآيات 58 الى 59] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِنْعَامُ الثَّامِنُ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى النِّعَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِأَنَّهُ تَعَالَى كَمَا بَيَّنَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ ظَلَّلَ لَهُمْ مِنَ الْغَمَامِ وَأَنْزَلَ [عَلَيْهِمْ] مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَهُوَ مِنَ النِّعَمِ الْعَاجِلَةِ أَتْبَعَهُ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فِي بَابِ الدِّينِ حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِمَا يَمْحُو ذُنُوبَهُمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ طَرِيقَ الْمُخْلِصِ مِمَّا اسْتَوْجَبُوهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى نَوْعَيْنِ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ فَنَقُولُ: أَمَّا قَوْلُهُ تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ [البقرة: 58] فَاعْلَمْ أَنَّهُ أَمْرُ تَكْلِيفٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى أَمْرٌ بِدُخُولِ الْبَابِ سُجَّدًا، وَذَلِكَ فِعْلٌ شَاقٌّ فَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ تَكْلِيفًا وَدُخُولُ الْبَابِ سُجَّدًا مَشْرُوطٌ بِدُخُولِ الْقَرْيَةِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، فَثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ بِدُخُولِ الْقَرْيَةِ أَمْرُ تَكْلِيفٍ لَا أَمْرُ إِبَاحَةٍ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ [الْمَائِدَةِ: 21] دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. أَمَّا الْقَرْيَةُ فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَيْنِهَا، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْأَخْبَارِ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ وَأَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ أَنَّهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَرْيَةِ فِي الْآيَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَثَانِيهَا: أَنَّهَا نَفْسُ مِصْرَ، وَثَالِثُهَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي زَيْدٍ إِنَّهَا أَرِيحَاءُ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْقَرْيَةُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِأَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّبْدِيلُ وَقَعَ مِنْهُمْ عَقِيبَ هَذَا الْأَمْرِ فِي حَيَاةِ مُوسَى، لَكِنَّ مُوسَى مَاتَ فِي أَرْضِ التِّيهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّا قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى أَوْ عَلَى
لِسَانِ يُوشَعَ، وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى لِسَانِ يُوشَعَ زَالَ الْإِشْكَالُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً فَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ فِي قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ أَمْرُ إِبَاحَةٍ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً فَفِيهِ بَحْثَانِ. الْأَوَّلُ: اخْتَلَفُوا فِي الْبَابِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُ بَابٌ يُدْعَى بَابُ الْحِطَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَثَانِيهِمَا: حَكَى الْأَصَمُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ عَنَى بِالْبَابِ جِهَةً مِنْ جِهَاتِ الْقَرْيَةِ وَمَدْخَلًا إِلَيْهَا. الثَّانِي: اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالسُّجُودِ فَقَالَ الْحَسَنُ أَرَادَ بِهِ نَفْسَ السُّجُودِ الَّذِي هُوَ إِلْصَاقُ/ الْوَجْهِ بِالْأَرْضِ وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الدُّخُولِ حَالَ السُّجُودِ فَلَوْ حَمَلْنَا السُّجُودَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَامْتَنَعَ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى غَيْرِ السُّجُودِ، وَهَؤُلَاءِ ذَكَرُوا وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الرُّكُوعُ، لِأَنَّ الْبَابَ كَانَ صَغِيرًا ضَيِّقًا يَحْتَاجُ الدَّاخِلُ فِيهِ إِلَى الِانْحِنَاءِ، وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ضَيِّقًا لَكَانُوا مُضْطَرِّينَ إِلَى دُخُولِهِ رُكَّعًا فَمَا كَانَ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْأَمْرِ. الثَّانِي: أَرَادَ بِهِ الْخُضُوعَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ، لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَةِ السُّجُودِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى التَّوَاضُعِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا أَخَذُوا فِي التَّوْبَةِ فَالتَّائِبُ عَنِ الذَّنْبِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَاضِعًا مُسْتَكِينًا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُولُوا حِطَّةٌ فَفِيهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي: الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُمْ بِدُخُولِ الْبَابِ عَلَى وَجْهِ الْخُضُوعِ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّوْبَةَ صِفَةُ الْقَلْبِ، فَلَا يَطَّلِعُ الْغَيْرُ عَلَيْهَا، فَإِذَا اشْتَهَرَ وَاحِدٌ بِالذَّنْبِ ثُمَّ تَابَ بَعْدَهُ لَزِمَهُ أَنْ يَحْكِيَ تَوْبَتَهُ لِمَنْ شَاهَدَ مِنْهُ الذَّنْبَ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ، إِذِ الْأَخْرَسُ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْكَلَامُ بَلْ لِأَجْلِ تَعْرِيفِ الْغَيْرِ عُدُولَهُ عَنِ الذَّنْبِ إِلَى التَّوْبَةِ، وَلِإِزَالَةِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ عُرِفُ بِمَذْهَبٍ خَطَأٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقَّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعَرِّفَ إِخْوَانَهُ الَّذِينَ عَرَفُوهُ بِالْخَطَأِ عُدُولَهُ عَنْهُ، لِتَزُولَ عَنْهُ التُّهْمَةُ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الْبَاطِلِ وَلِيَعُودُوا إِلَى مُوَالَاتِهِ بَعْدَ مُعَادَاتِهِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ الْخُضُوعِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الْقَلْبِ أَنْ يَذْكُرُوا اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى تِلْكَ التَّوْبَةِ وهو قوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة: 58] ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَمَرَ الْقَوْمَ بِأَنْ يَدْخُلُوا الْبَابَ عَلَى وَجْهِ الْخُضُوعِ وَأَنْ يَذْكُرُوا بِلِسَانِهِمُ الْتِمَاسَ حَطِّ الذُّنُوبَ حَتَّى يَكُونُوا جَامِعِينَ بَيْنَ نَدَمِ الْقَلْبِ وَخُضُوعِ الْجَوَارِحِ وَالِاسْتِغْفَارِ بِاللِّسَانِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَحْسَنُ الْوُجُوهِ وَأَقْرَبُهَا إِلَى التَّحْقِيقِ. ثَانِيهَا: قَوْلُ الْأَصَمِّ: إِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنْ أَلْفَاظِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيْ لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَثَالِثُهَا: قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ (حِطَّةٌ) فِعْلَةٌ مِنَ الْحَطِّ كَالْجِلْسَةِ وَالرِّكْبَةِ وَهِيَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ مَسْأَلَتُنَا حِطَّةٌ أَوْ أَمْرُكَ حِطَّةٌ وَالْأَصْلُ النَّصْبُ بِمَعْنَى حَطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا حِطَّةً وَإِنَّمَا رُفِعَتْ لِتُعْطِيَ مَعْنَى الثَّبَاتِ كَقَوْلِهِ: صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلَانَا مُبْتَلَى وَالْأَصْلُ صَبْرًا عَلَى تَقْدِيرِ اصْبِرْ صَبْرًا، وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ بِالنَّصْبِ. وَرَابِعُهَا: قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ مَعْنَاهُ أَمْرُنَا حِطَّةٌ أَيْ أَنْ نَحُطُّ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَنَسْتَقِرُّ فِيهَا، وَزَيَّفَ الْقَاضِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ غُفْرَانُ خَطَايَاهُمْ مُتَعَلِّقًا بِهِ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ [البقرة: 58] ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غُفْرَانَ الْخَطَايَا كَانَ لِأَجْلِ قَوْلِهِمْ حِطَّةٌ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُمْ لَمَّا حَطُّوا فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ حَتَّى يَدْخُلُوا سُجَّدًا مَعَ التَّوَاضُعِ كَانَ الْغُفْرَانُ مُتَعَلِّقًا بِهِ. وَخَامِسُهَا: قَوْلُ الْقَفَّالِ: مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا فَإِنَّا إِنَّمَا انْحَطَطْنَا لِوَجْهِكِ
وَإِرَادَةُ التَّذَلُّلِ لَكَ، فَحُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَلْ كَانَ التَّكْلِيفُ وَارِدًا بِذِكْرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِعَيْنِهَا أَمْ لَا؟ قُلْنَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ بِعَيْنِهَا وَهَذَا مُحْتَمَلٌ وَلَكِنَّ الْأَقْرَبَ خِلَافُهُ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ وَهُمْ/ مَا كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَثَانِيهُمَا: وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِأَنْ يَقُولُوا قَوْلًا دَالًّا عَلَى التَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ وَالْخُضُوعِ حَتَّى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا مَكَانَ قَوْلِهِمْ: حِطَّةٌ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ لَكَانَ الْمَقْصُودُ حَاصِلًا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّوْبَةِ، إِمَّا الْقَلْبُ وَإِمَّا اللِّسَانُ، أَمَّا الْقَلْبُ فَالنَّدَمُ، وَأَمَّا اللِّسَانُ فَذِكْرُ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ النَّدَمِ فِي الْقَلْبِ وَذَلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذِكْرِ لَفْظَةٍ بِعَيْنِهَا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: نَغْفِرْ لَكُمْ فَالْكَلَامُ فِي الْمَغْفِرَةِ قَدْ تَقَدَّمَ. ثُمَّ هَاهُنَا بَحْثَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: نَغْفِرْ لَكُمْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ، وَلَوْ كَانَ قَبُولُ التَّوْبَةِ وَاجِبًا عَقْلًا عَلَى مَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ لَمَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ كَانَ أَدَاءً لِلْوَاجِبِ وَأَدَاءُ الْوَاجِبِ لَا يَجُوزُ ذِكْرُهُ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ. الثَّانِي: هَاهُنَا قِرَاءَاتٌ. أَحَدُهَا: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ الْمُنَادِي بِالنُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ. وَثَانِيهَا: قَرَأَ نَافِعٌ بِالْيَاءِ وَفَتْحِهَا. وَثَالِثُهَا: قَرَأَ الْبَاقُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَجَبَلَةُ عَنِ الْمُفَضَّلِ بِالتَّاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَرَابِعُهَا: قَرَأَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَأَبُو حَيْوَةَ وَالْجَحْدَرِيُّ بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِ الْفَاءِ. قَالَ الْقَفَّالُ: وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ كُلِّهَا وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْخَطِيئَةَ إِذَا غَفَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ غُفِرَتْ وَإِذَا غُفِرَتْ فَإِنَّمَا يَغْفِرُهَا اللَّهُ، وَالْفِعْلُ إِذَا تَقَدَّمَ الِاسْمَ الْمُؤَنَّثَ وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَاعِلِ حَائِلٌ جَازَ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ كَقَوْلِهِ: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ [هُودٍ: 67] وَالْمُرَادُ مِنَ الْخَطِيئَةِ الْجِنْسُ لَا الْخَطِيئَةُ الْوَاحِدَةُ بِالْعَدَدِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: خَطاياكُمْ فَفِيهِ قِرَاءَاتٌ، أَحَدُهَا: قَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ «خَطِيئَتُكُمْ» بِمَدَّةٍ وَهَمْزَةٍ وَتَاءٍ مَرْفُوعَةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ عَلَى وَاحِدَةٍ. وَثَانِيهَا: الْأَعْمَشُ «خَطِيئَاتِكُمْ» بِمَدَّةٍ وَهَمْزَةٍ وَأَلْفٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ قَبْلَ التَّاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ. وَثَالِثُهَا: الْحَسَنُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ يَرْفَعُ التَّاءَ، وَرَابِعُهَا: الْكِسَائِيُّ خَطَايَاكُمْ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الطَّاءِ قَبْلَ الْيَاءِ، وَخَامِسُهَا: ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْيَاءِ وَقَبْلَ الكاف. وسادسها: الكسائي بكسر الطاء والتاء، وَالْبَاقُونَ بِإِمَالَةِ الْيَاءِ فَقَطْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْمُحْسِنِ مَنْ كَانَ مُحْسِنًا بِالطَّاعَةِ فِي هَذَا التَّكْلِيفِ أَوْ مَنْ كَانَ مُحْسِنًا بِطَاعَاتٍ أُخْرَى فِي سَائِرِ التَّكَالِيفِ. أَمَّا عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ: فَالزِّيَادَةُ الْمَوْعُودَةُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَنَافِعِ الدُّنْيَا وَأَنْ تَكُونَ مِنْ مَنَافِعِ الدِّينِ. أَمَّا الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَنَافِعِ الدُّنْيَا، فَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُحْسِنًا بِهَذِهِ الطَّاعَةِ فَإِنَّا نَزِيدُهُ سَعَةً فِي الدُّنْيَا وَنَفْتَحُ عَلَيْهِ قُرًى غَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَنَافِعِ الْآخِرَةِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُحْسِنًا بِهَذِهِ الطَّاعَةِ وَالتَّوْبَةِ فَإِنَّا نَغْفِرُ لَهُ خَطَايَاهُ وَنَزِيدُهُ عَلَى غُفْرَانِ الذُّنُوبِ إِعْطَاءَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ كَمَا قَالَ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يُونُسَ: 26] ، أَيْ نُجَازِيهِمْ بِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا وَزِيَادَةً كَمَا جَعَلَ الثَّوَابَ لِلْحَسَنَةِ الْوَاحِدَةِ عَشْرًا، وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ «الْمُحْسِنِينَ» مَنْ كَانَ مُحْسِنًا بِطَاعَاتٍ أُخْرَى بَعْدَ هَذِهِ التَّوْبَةِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّا نَجْعَلُ دُخُولَكُمُ الْبَابَ سُجَّدًا وَقَوْلَكُمْ حِطَّةٌ مُؤَثِّرًا فِي غُفْرَانِ الذُّنُوبِ، ثُمَّ إِذَا أَتَيْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِطَاعَاتٍ أُخْرَى أَعْطَيْنَاكُمُ/ الثَّوَابَ عَلَى تِلْكَ الطَّاعَاتِ الزَّائِدَةِ، وَفِي الْآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى مَنْ كَانَ خَاطِئًا غَفَرْنَا لَهُ ذَنْبَهُ بِهَذَا الْفِعْلِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ خَاطِئًا بَلْ كَانَ مُحْسِنًا زِدْنَا فِي إِحْسَانِهِ، أَيْ كَتَبْنَا تِلْكَ الطَّاعَةَ فِي حَسَنَاتِهِ وَزِدْنَاهُ زِيَادَةً مِنَّا فِيهَا فَتَكُونُ الْمَغْفِرَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالزِّيَادَةُ للمطيعين.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَفِيهِ قَوْلَانِ. الْأَوَّلُ: قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبَدَّلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، لَا عَلَى أَنَّهُمْ أَتَوْا لَهُ بِبَدَلٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ تَبْدِيلَ الْقَوْلِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُخَالَفَةِ، قَالَ تَعَالَى: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ [الْفَتْحِ: 11] إِلَى قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الْفَتْحِ: 15] وَلَمْ يَكُنْ تَبْدِيلُهُمْ إِلَّا الْخِلَافَ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الْقَوْلِ فَكَذَا هَاهُنَا، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِالتَّوَاضُعِ وَسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ لَمْ يَمْتَثِلُوا أَمْرَ اللَّهِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ. الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ التَّبْدِيلِ أَنَّهُمْ أَتَوْا بِبَدَلٍ لَهُ لِأَنَّ التَّبْدِيلَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَدَلِ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الْبَدَلِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ بَدَّلَ دِينَهُ، يُفِيدُ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ آخَرَ، وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ؟ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ دَخَلُوا الْبَابَ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيهِ سُجَّدًا زَاحِفِينَ عَلَى اسْتَاهِهِمْ، قَائِلِينَ حِنْطَةٌ مِنْ شَعِيرَةٍ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ وَقَالُوا: حِنْطَةٌ اسْتِهْزَاءً، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: اسْتِهْزَاءً بِمُوسَى. وَقَالُوا: مَا شَاءَ مُوسَى أَنْ يَلْعَبَ بِنَا إِلَّا لَعِبَ بِنَا حِطَّةً حِطَّةً أَيْ شَيْءٌ حِطَّةٌ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ ظَلَمُوا فَإِنَّمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّهُمْ سَعَوْا فِي نُقْصَانِ خَيْرَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ أَوْ لِأَنَّهُمْ أَضَرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَذَلِكَ ظُلْمٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ فَفِيهِ بَحْثَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فِي تَكْرِيرِ: الَّذِينَ ظَلَمُوا زِيَادَةً فِي تَقْبِيحِ أَمْرِهِمْ وَإِيذَانًا بِأَنَّ إِنْزَالَ الرِّجْزِ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ. الثَّانِي: أَنَّ الرِّجْزَ هُوَ الْعَذَابُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ أَيِ الْعُقُوبَةُ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ [الْأَعْرَافِ: 134] وَذَكَرَ الزَّجَّاجُ أَنَّ الرِّجْزَ وَالرِّجْسَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْعَذَابُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ [الْأَنْفَالِ: 11] فَمَعْنَاهُ لطخه وما يدعوا إِلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، ثُمَّ إِنَّ تِلْكَ الْعُقُوبَةَ أَيُّ شَيْءٍ كَانَتْ لَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَاتَ مِنْهُمْ بِالْفَجْأَةِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطَّاعُونَ حَتَّى مَاتَ مِنَ الْغَدَاةِ إِلَى الْعَشِيِّ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ، فَالْفِسْقُ مِنَ الْخُرُوجِ الْمُضِرِّ، يُقَالُ فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِهَا وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ إِلَى مَعْصِيَتِهِ، قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: هَذَا الْفِسْقُ هُوَ الظُّلْمُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وَفَائِدَةُ التَّكْرَارِ التَّأْكِيدُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَرَّرٍ لِوَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الظُّلْمَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَلِذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ بِالظُّلْمِ/ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الْأَعْرَافِ: 23] ولأنه تعالى قال: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الظُّلْمُ إِلَّا عَظِيمًا لَكَانَ ذكر العظيم تكريراً والفسق لا بد وأن يَكُونَ مِنَ الْكَبَائِرِ فَلَمَّا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِالظُّلْمِ أَوَّلًا: وَصَفَهُمْ بِالْفِسْقِ، ثَانِيًا: لِيُعْرَفَ أَنَّ ظُلْمَهُمْ كَانَ مِنَ الْكَبَائِرِ لَا مِنَ الصَّغَائِرِ. الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا اسْمَ الظَّالِمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ فَنَزَلَ الرِّجْزُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ بَلْ لِلْفِسْقِ الَّذِي كَانُوا فَعَلُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَزُولُ التكرار.
النَّوْعُ الثَّانِي: مِنَ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ [الْأَعْرَافِ: 161، 162] وَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا عَلَى أَنَّ مَا وَرَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ مِنَ الْأَذْكَارِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ تَغْيِيرُهَا وَلَا تَبْدِيلُهَا بِغَيْرِهَا، وَرُبَّمَا احْتَجَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ بِلَفْظِ التَّعْظِيمِ وَالتَّسْبِيحِ وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ وَأَجَابَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ لِتَبْدِيلِهِمُ الْقَوْلَ إِلَى قَوْلٍ آخَرَ يُضَادُّ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْأَوَّلِ، فَلَا جَرَمَ اسْتَوْجَبُوا الذَّمَّ، فَأَمَّا مَنْ غَيَّرَ اللَّفْظَ مَعَ بَقَاءِ الْمَعْنَى فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَالْجَوَابُ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ بَدَّلَ قَوْلًا بِقَوْلٍ آخَرَ سَوَاءٌ اتَّفَقَ الْقَوْلَانِ فِي الْمَعْنَى أَوْ لَمْ يَتَّفِقَا، وَهَاهُنَا سُؤَالَاتٍ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: وَإِذْ قُلْنَا وَقَالَ فِي الْأَعْرَافِ: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ الْجَوَابُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَرَّحَ فِي أَوَّلِ الْقُرْآنِ بِأَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى إِزَالَةً لِلْإِبْهَامِ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [الْبَقَرَةِ: 40] ثُمَّ أَخَذَ يُعَدِّدُ [نِعَمَهُ] نِعْمَةً نِعْمَةً فَاللَّائِقُ بِهَذَا الْمَقَامِ أَنْ يَقُولَ: وَإِذْ قُلْنَا أَمَّا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ فَلَا يَبْقَى فِي قَوْلِهِ تعالى: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ إِبْهَامٌ بَعْدَ تَقْدِيمِ التَّصْرِيحِ بِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ قَالَ فِي الْبَقَرَةِ: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا وفي الأعراف: اسْكُنُوا؟ الْجَوَابُ: الدُّخُولُ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّكُونِ وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا فَلَا جَرَمَ ذَكَرَ الدُّخُولَ فِي السُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالسُّكُونَ فِي السُّورَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: لِمَ قَالَ فِي الْبَقَرَةِ: فَكُلُوا بِالْفَاءِ وَفِي الأعراف: وَكُلُوا بِالْوَاوِ؟ وَالْجَوَابُ هَاهُنَا هُوَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: وَكُلا مِنْها رَغَداً وفي الأعراف: فَكُلا. السُّؤَالُ الرَّابِعُ: لِمَ قَالَ فِي الْبَقَرَةِ: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَفِي الْأَعْرَافِ: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ، الْجَوَابُ: الْخَطَايَا جَمْعُ الْكَثْرَةِ وَالْخَطِيئَاتُ جَمْعُ السَّلَامَةِ فَهُوَ لِلْقِلَّةِ، وَفِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَمَّا أَضَافَ ذَلِكَ الْقَوْلَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ لَا جَرَمَ قَرَنَ بِهِ ما يليق جوده وَكَرَمِهِ وَهُوَ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ الْكَثِيرَةِ، فَذَكَرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ الدَّالِّ عَلَى الْكَثْرَةِ، وَفِي الْأَعْرَافِ/ لَمَّا لَمْ يُضِفْ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ بَلْ قَالَ: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ لَا جَرَمَ ذَكَرَ ذَلِكَ بِجَمْعِ الْقِلَّةِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْفَاعِلَ ذَكَرَ مَا يَلِيقُ بكرمه من غفران الخطايا الكثيرة [ة] وَفِي الْأَعْرَافِ لَمَّا لَمْ يُسَمَّ الْفَاعِلُ لَمْ يَذْكُرِ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْكَثْرَةِ. السُّؤَالُ الْخَامِسُ: لِمَ ذَكَرَ قَوْلَهُ: رَغَداً فِي الْبَقَرَةِ وَحَذَفَهُ فِي الْأَعْرَافِ؟ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ كَالْجَوَابِ فِي الْخَطَايَا وَالْخَطِيئَاتِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى نَفْسِهِ لَا جَرَمَ ذَكَرَ مَعَهُ الْإِنْعَامَ الْأَعْظَمَ وَهُوَ أَنْ يَأْكُلُوا رَغَدًا، وَفِي الْأَعْرَافِ لَمَّا لَمْ يُسْنِدِ الْفِعْلَ إِلَى نَفْسِهِ لَمْ يَذْكُرِ الْإِنْعَامَ الْأَعْظَمَ فِيهِ. السُّؤَالُ السَّادِسُ: لِمَ ذَكَرَ فِي الْبَقَرَةِ: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ وَفِي الْأَعْرَافِ قَدَّمَ الْمُؤَخَّرَ؟ الْجَوَابُ: الْوَاوُ للجمع المطلق وأيضاً فالمخاطبون بقوله: ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ بَعْضَهُمْ كَانُوا مُذْنِبِينَ وَالْبَعْضَ الْآخَرَ مَا كَانُوا مُذْنِبِينَ، فَالْمُذْنِبُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ اشْتِغَالُهُ بِحَطِّ الذُّنُوبِ
[سورة البقرة (2) : آية 60]
مُقَدَّمًا عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَةِ لِأَنَّ التَّوْبَةَ عَنِ الذَّنْبِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ لَا مَحَالَةَ، فَلَا جَرَمَ كَانَ تَكْلِيفُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَقُولُوا أَوَّلًا «حِطَّةٌ» ثُمَّ يَدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا، وَأَمَّا الَّذِي لَا يَكُونُ مُذْنِبًا فَالْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَشْتَغِلَ أَوَّلًا بِالْعِبَادَةِ ثُمَّ يَذْكُرَ التَّوْبَةَ، ثَانِيًا: عَلَى سَبِيلِ هَضْمِ النَّفْسِ وَإِزَالَةِ الْعُجْبِ فِي فِعْلِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ فَهَؤُلَاءِ يَجِبُ أَنْ يَدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا أَوَّلًا ثُمَّ يَقُولُوا حِطَّةٌ ثَانِيًا، فَلَمَّا احْتَمَلَ كَوْنُ أُولَئِكَ الْمُخَاطَبِينَ مُنْقَسِمِينَ إِلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ لَا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى حُكْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي سُورَةٍ أُخْرَى. السُّؤَالُ السَّابِعُ: لِمَ قَالَ: وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فِي الْبَقَرَةِ مَعَ الْوَاوِ وَفِي الْأَعْرَافِ: سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ مِنْ غَيْرِ الْوَاوِ؟ الْجَوَابُ: أَمَّا فِي الْأَعْرَافِ فَذَكَرَ فِيهِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ الْحِطَّةِ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى التَّوْبَةِ، وَثَانِيهَا: دُخُولُ الْبَابِ سُجَّدًا وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْعِبَادَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ جُزْأَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَهُوَ وَاقِعٌ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِ الْحِطَّةِ. وَالْآخَرُ: قَوْلُهُ: سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ وَهُوَ وَاقِعٌ فِي مُقَابَلَةِ دُخُولِ الْبَابِ سُجَّدًا فَتَرْكُ الْوَاوِ يُفِيدُ تَوَزُّعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجُزْأَيْنِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرْطَيْنِ. وَأَمَّا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَيُفِيدُ كَوْنَ مَجْمُوعِ الْمَغْفِرَةِ وَالزِّيَادَةِ جَزَاءً وَاحِدًا لِمَجْمُوعِ الْفِعْلَيْنِ أَعْنِي دُخُولَ الْبَابِ وَقَوْلَ الْحِطَّةِ. السُّؤَالُ الثَّامِنُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا وَفِي الْأَعْرَافِ: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا فَمَا الْفَائِدَةُ فِي زِيَادَةِ كَلِمَةِ «مِنْهُمْ» فِي الْأَعْرَافِ؟ الْجَوَابُ: سَبَبُ زِيَادَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ أَنَّ أَوَّلَ الْقِصَّةِ هَاهُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْصِيصِ بِلَفْظِ «مِنْ» لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الْأَعْرَافِ: 159] فَذَكَرَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثُمَّ عَدَّدَ صُنُوفَ إِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ وَأَوَامِرِهِ لَهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَتِ الْقِصَّةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَذَكَرَ لَفْظَةَ: مِنْهُمْ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ كَمَا ذَكَرَهَا فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ لِيَكُونَ آخِرُ الْكَلَامِ مُطَابِقًا لِأَوَّلِهِ فَيَكُونُ الظَّالِمُونَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى بِإِزَاءِ الْهَادِينَ مِنْهُمْ فَهُنَاكَ ذَكَرَ أُمَّةً عَادِلَةً، وَهَاهُنَا ذَكَرَ أُمَّةً جَابِرَةً وَكِلْتَاهُمَا مِنْ قَوْمِ/ مُوسَى فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَأَمَّا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَ قَوْلِهِ: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا تَمْيِيزًا وَتَخْصِيصًا حَتَّى يَلْزَمَ فِي آخِرِ الْقِصَّةِ ذِكْرُ ذَلِكَ التَّخْصِيصَ فَظَهَرَ الْفَرْقُ. السُّؤَالُ التَّاسِعُ: لِمَ قَالَ فِي الْبَقَرَةِ: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً وقال في الأعراف: فَأَرْسَلْنا الْجَوَابُ: الْإِنْزَالُ يُفِيدُ حُدُوثَهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَالْإِرْسَالُ يُفِيدُ تَسَلُّطَهُ عَلَيْهِمْ وَاسْتِئْصَالَهُ لَهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْدُثُ بِالْآخِرَةِ. السُّؤَالُ الْعَاشِرُ: لِمَ قَالَ فِي الْبَقَرَةِ: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وَفِي الأعراف: بِما كانُوا يَظْلِمُونَ، الْجَوَابُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ كَوْنَ ذَلِكَ الظُّلْمِ فِسْقًا اكْتَفَى بِلَفْظِ الظُّلْمِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ لِأَجْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبَيَانِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [سورة البقرة (2) : آية 60] وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ بِسُكُونِ الشِّينِ عَلَى التَّخْفِيفِ وَقِرَاءَةُ أَبِي جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الشِّينِ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَالْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ أَخَفُّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِنْعَامُ التَّاسِعُ مِنَ الْإِنْعَامَاتِ الْمَعْدُودَةِ
عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ جَامِعٌ لِنِعَمِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَزَالَ عَنْهُمُ الْحَاجَةَ الشَّدِيدَةَ إِلَى الْمَاءِ وَلَوْلَاهُ لَهَلَكُوا فِي التِّيهِ، كَمَا لَوْلَا إِنْزَالُهُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى لَهَلَكُوا، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لَا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ [الْأَنْبِيَاءِ: 8] وَقَالَ: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الْأَنْبِيَاءِ: 30] بَلِ الْإِنْعَامُ بِالْمَاءِ فِي التِّيهِ أَعْظَمُ مِنَ الْإِنْعَامِ بِالْمَاءِ الْمُعْتَادِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ إِلَى الْمَاءِ فِي الْمَفَازَةِ وَقَدِ انْسَدَّتْ عَلَيْهِ أَبْوَابُ الرَّجَاءِ لِكَوْنِهِ فِي مَكَانٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا نَبَاتَ، فَإِذَا رَزَقَهُ اللَّهُ الْمَاءَ مِنْ حَجَرٍ ضُرِبَ بِالْعَصَا فَانْشَقَّ وَاسْتَقَى مِنْهُ عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ لَا يَكَادُ يَعْدِلُهَا شَيْءٌ مِنَ النِّعَمِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ نِعَمِ الدِّينُ فَلِأَنَّهُ مِنْ أَظْهَرِ الدَّلَائِلِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَمِنْ أَصْدَقِ الدَّلَائِلِ عَلَى صِدْقِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَاهُنَا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِسْقَاءَ كَانَ فِي التِّيهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَجَعَلَ ثِيَابَهُمْ بِحَيْثُ لَا تَبْلَى وَلَا تَتَّسِخُ خَافُوا/ الْعَطَشَ فَأَعْطَاهُمُ اللَّهُ الْمَاءَ مِنْ ذَلِكَ الْحَجَرِ، وَأَنْكَرَ أَبُو مُسْلِمٍ حَمْلَ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى أَيَّامِ مَسِيرِهِمْ إِلَى التِّيهِ فَقَالَ: بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُفْرَدٌ بِذَاتِهِ، وَمَعْنَى الِاسْتِسْقَاءِ طَلَبُ السُّقْيَا مِنَ الْمَطَرِ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ إِذَا أَقْحَطُوا وَيَكُونُ مَا فَعَلَهُ اللَّهُ مِنْ تَفْجِيرِ الْحَجَرِ بِالْمَاءِ فَوْقَ الْإِجَابَةِ بِالسُّقْيَا وَإِنْزَالِ الْغَيْثِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ هَذَا أَوْ ذَاكَ وَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي التِّيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُعْتَادَ فِي الْبِلَادِ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ طَلَبِ الْمَاءِ إِلَّا فِي النَّادِرِ، الثَّانِي: مَا رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْحَجَرَ مَعَ أَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهُ صَارَ مُعَدًّا لِذَلِكَ فَكَمَا كَانَ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى يَنْزِلَانِ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ غَدَاةٍ فَكَذَلِكَ الْمَاءُ يَنْفَجِرُ لَهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِأَيَّامِهِمْ فِي التِّيهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْعَصَا، فَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَتْ عَصًا أَخَذَهَا مِنْ بَعْضِ الْأَشْجَارِ، وَقِيلَ كَانَتْ مِنْ آسِ الْجَنَّةِ طُولُهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ عَلَى طُولِ مُوسَى وَلَهَا شُعْبَتَانِ تَتَّقِدَانِ فِي الظُّلْمَةِ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَنَّ مِقْدَارَهَا كَانَ مِقْدَارًا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَكَّأَ عَلَيْهَا وَأَنْ تَنْقَلِبَ حَيَّةً عَظِيمَةً وَلَا تَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا وَلَهَا قَدْرٌ مِنَ الطُّولِ وَالْغِلَظِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ السُّكُوتَ عَنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ مُتَوَاتِرٌ قَاطِعٌ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَمَلٌ حَتَّى يَكْتَفِيَ فِيهَا بِالظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَالْأَوْلَى تَرْكُهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اللَّامُ فِي «الْحَجَرِ» إِمَّا لِلْعَهْدِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى حَجَرٍ مَعْلُومٍ، فَرُوِيَ أَنَّهُ حَجَرٌ طُورِيٌّ حَمَلَهُ مَعَهُ وَكَانَ مُرَبَّعًا لَهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ يَنْبُعُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ثَلَاثَةُ أَعْيُنٍ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ تَسِيلُ فِي جَدْوَلٍ إِلَى ذَلِكَ السِّبْطِ، وَكَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَسَعَةُ الْمُعَسْكَرِ اثْنَا عَشَرَ مَيْلًا، وَقِيلَ أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَوَارَثُوهُ حَتَّى وَقَعَ إِلَى شُعَيْبَ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ مَعَ الْعَصَا، وَقِيلَ: هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعَ عَلَيْهِ ثَوْبَهُ حِينَ اغْتَسَلَ إِذْ رَمَوْهُ بِالْأُدْرَةِ فَفَرَّ بِهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ارْفَعْ هَذَا الْحَجَرَ فَإِنَّ لِي فِيهِ قُدْرَةً وَلَكَ فِيهِ مُعْجِزَةٌ، فَحَمَلَهُ فِي مِخْلَاتِهِ، وَإِمَّا لِلْجِنْسِ أَيِ اضْرِبِ الشَّيْءَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْحَجَرُ، وَعَنِ الْحَسَنِ: لَمْ يَأْمُرُوهُ أَنْ يَضْرِبَ حَجَرًا بِعَيْنِهِ. قَالَ: وَهَذَا أَظْهَرُ فِي الْحُجَّةِ وَأَبْيَنُ فِي الْقُدْرَةِ، وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا: كَيْفَ بِنَا لَوْ أَفْضَيْنَا إِلَى أَرْضٍ لَيْسَتْ فِيهَا حِجَارَةٌ فَحَمَلَ حَجَرًا فِي مِخْلَاتِهِ فَحِينَمَا نَزَلُوا أَلْقَاهُ وَقِيلَ: كَانَ يَضْرِبُهُ بِعَصَاهُ فَيَنْفَجِرُ وَيَضْرِبُهُ بِهَا فَيَيْبَسُ، فَقَالُوا: إِنْ فَقَدَ مُوسَى عَصَاهُ مُتْنَا عَطَشًا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ لَا تَقْرَعِ الْحِجَارَةَ، وَكَلِّمْهَا تُطِعْكَ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْحَجَرِ فَقِيلَ: كَانَ مِنْ رُخَامٍ وَكَانَ ذِرَاعًا فِي ذِرَاعٍ، وَقِيلَ: مِثْلُ رَأْسِ الْإِنْسَانِ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا تَفْوِيضُ عِلْمِهِ إِلَى اللَّهِ تعالى.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَانْفَجَرَتْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ أَوْ فَإِنْ ضَرَبْتَ فَقَدِ انْفَجَرَتْ. بَقِيَ هُنَا سُؤَالَاتٌ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَيَنْفَجِرَ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْ تَقْدِيرِ هَذَا الْمَحْذُوفِ؟ الْجَوَابُ: لَا يَمْتَنِعُ فِي الْقُدْرَةِ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ وَمِنْ قَبْلُ أَنْ يَضْرِبَ يَنْفَجِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ لِأَنَّ ذلك لو قيل إنه أبلغ في/ قِيلَ: إِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْجَازِ لَكَانَ أَقْرَبَ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ ضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَمَرَ رَسُولَهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ لَا يَفْعَلُهُ لَصَارَ الرَّسُولُ عَاصِيًا، وَلِأَنَّهُ إِذَا انْفَجَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ صَارَ الْأَمْرُ بِالضَّرْبِ بِالْعَصَا عَبَثًا، كَأَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ وَلِأَنَّ الْمَرْوِيَّ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ تَقْدِيرَهُ: فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ كما في قوله تعالى: فَانْفَلَقَ [الشعراء: 63] مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ. السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ هَاهُنَا: فَانْفَجَرَتْ وَفِي الْأَعْرَافِ: فَانْبَجَسَتْ [الْأَعْرَافِ: 16] وَبَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ لِأَنَّ الِانْفِجَارَ خُرُوجُ الْمَاءِ بِكَثْرَةٍ وَالِانْبِجَاسُ خُرُوجُهُ قَلِيلًا. الْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: الْفَجْرَ الشَّقُّ فِي الْأَصْلِ، وَالِانْفِجَارُ الِانْشِقَاقُ، وَمِنْهُ الْفَاجِرُ لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ بِخُرُوجِهِ إِلَى الْفِسْقِ، وَالِانْبِجَاسُ اسْمٌ لِلشِّقِّ الضَّيِّقِ الْقَلِيلِ، فَهُمَا مُخْتَلِفَانِ اخْتِلَافَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، فَلَا يَتَنَاقَضَانِ، وَثَانِيهَا: لَعَلَّهُ انْبَجَسَ أَوَّلًا، ثُمَّ انْفَجَرَ ثَانِيًا، وَكَذَا الْعُيُونُ: يَظْهَرُ الْمَاءُ مِنْهَا قَلِيلًا ثُمَّ يَكْثُرُ لِدَوَامِ خُرُوجِهِ. وَثَالِثُهَا: لَا يَمْتَنِعُ أَنَّ حَاجَتَهُمْ كَانَتْ تَشْتَدُّ إِلَى الْمَاءِ فَيَنْفَجِرُ، أَيْ يَخْرُجُ الْمَاءُ كَثِيرًا ثُمَّ كَانَتْ تَقِلُّ فَكَانَ الْمَاءُ يَنْبَجِسُ أَيْ يَخْرُجُ قَلِيلًا. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: كَيْفَ يُعْقَلُ خُرُوجُ الْمِيَاهِ الْعَظِيمَةِ مِنَ الْحَجَرِ الصَّغِيرِ؟ الْجَوَابُ: هَذَا السَّائِلُ إِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ وُجُودَ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ أَوْ يُنْكِرَهُ، فَإِنْ سَلَّمَ فَقَدْ زَالَ السُّؤَالُ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ الْجِسْمَ كَيْفَ شَاءَ كَمَا خَلَقَ الْبِحَارَ وَغَيْرَهَا، وَإِنْ نَازَعَ فَلَا فَائِدَةَ لَهُ فِي الْبَحْثِ عَنْ مَعْنَى الْقُرْآنِ وَالنَّظَرِ فِي تَفْسِيرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ كُلِّ مَا يَسْتَبْعِدُونَهُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي حَكَاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَأَيْضًا فَالْفَلَاسِفَةُ لَا يُمْكِنُهُمُ الْقَطْعُ بِفَسَادِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَنَاصِرَ الْأَرْبَعَةَ لَهَا هَيُولَى مُشْتَرَكَةٌ عِنْدَهُمْ، وَقَالُوا: إِنَّهُ يَصِحُّ الْكَوْنُ وَالْفَسَادُ عَلَيْهَا، وَإِنَّهُ يَصِحُّ انْقِلَابُ الْهَوَاءِ مَاءً وَبِالْعَكْسِ وَكَذَلِكَ قَالُوا: [الْهَوَاءُ] إِذَا وُضِعَ فِي الْكُوزِ الْفِضَّةِ جَمُدَ فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَى أَطْرَافِ الْكُوزِ قَطَرَاتُ الْمَاءِ، فَقَالُوا: تِلْكَ الْقَطَرَاتُ إِنَّمَا حَصَلَتْ لِأَنَّ الْهَوَاءَ انْقَلَبَ مَاءً فَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي الْجُمْلَةِ وَالْحَوَادِثُ السُّفْلِيَّةُ مُطِيعَةٌ لِلِاتِّصَالَاتِ الْفَلَكِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ مُسْتَبْعَدًا أَنْ يَحْدُثَ اتِّصَالٌ فَلَكِيٌّ يَقْتَضِي وُقُوعَ هَذَا الْأَمْرِ الْغَرِيبِ فِي هَذَا الْعَالَمِ. فَثَبَتَ أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ لَا يُمْكِنُهُمُ الْجَزْمَ بِفَسَادِ ذَلِكَ. أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ لَمَّا اعْتَقَدُوا كَوْنَ الْعَبْدِ مُوجِدًا لِأَفْعَالِهِ لَا جَرَمَ قُلْنَا لَهُمْ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْدِرَ الْعَبْدُ عَلَى خَلْقِ الْجِسْمِ؟ فَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ طريقين ضعيفين جداً سنذكرهما بأن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ آيَةِ السِّحْرِ، وَنَذْكُرُ وَجْهَ ضَعْفِهِمَا وَسُقُوطِهِمَا. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُهُمُ الْقَطْعُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَنْسَدُّ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُ الْمُعْجِزَاتِ وَالنُّبُوَّاتِ، أَمَّا أَصْحَابُنَا فَإِنَّهُمْ لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّهُ لَا مُوجِدَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى لَا جَرَمَ جَزَمُوا أَنَّ الْمُحْدِثَ لِهَذِهِ الْأَفْعَالِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا جَرَمَ أَمْكَنَهُمُ الِاسْتِدْلَالُ بِظُهُورِهَا على يدل الْمُدَّعِي عَلَى كَوْنِهِ صَادِقًا. السُّؤَالُ الرَّابِعُ: أَتَقُولُونَ إِنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ كَانَ مُسْتَكِنًّا فِي الْحَجَرِ ثُمَّ ظَهَرَ أَوْ قَلَبَ اللَّهُ الْهَوَاءَ مَاءً أَوْ خَلَقَ الْمَاءَ ابْتِدَاءً؟ وَالْجَوَابُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَبَاطِلٌ لِأَنَّ الظَّرْفَ الصَّغِيرَ لَا يَحْوِي الْجِسْمَ الْعَظِيمَ/ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّدَاخُلِ وَهُوَ
[سورة البقرة (2) : آية 61]
مُحَالٌ. أَمَّا الْوَجْهَانِ الْأَخِيرَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَمَلٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَقَدْ أَزَالَ اللَّهُ تَعَالَى الْيُبُوسَةَ عَنْ أَجْزَاءِ الْهَوَاءِ وَخَلَقَ الرُّطُوبَةَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَقَدْ خَلَقَ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ وَخَلَقَ الرُّطُوبَةَ فِيهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْبَابِ كَالْكَلَامِ فِيمَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ وَقَدْ ضَاقَ بِهِمُ الْمَاءُ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي مُتَوَضَّئِهِ فَفَارَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ حَتَّى اسْتَكْفَوْا. السُّؤَالُ الْخَامِسُ: مُعْجِزَةُ مُوسَى فِي هَذَا الْمَعْنَى أَعْظَمُ أَمْ مُعْجِزَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ الْجَوَابُ: كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُعْجِزَةٌ بَاهِرَةٌ قَاهِرَةٌ، لَكِنَّ الَّتِي لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَى لِأَنَّ نُبُوعَ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ مَعْهُودٌ فِي الْجُمْلَةِ، أَمَّا نُبُوعُهُ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ فَغَيْرُ مُعْتَادٍ الْبَتَّةَ فَكَانَ ذَلِكَ أَقْوَى. السُّؤَالُ السَّادِسُ: مَا الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ الْمَاءِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ كَانَ فِي قَوْمِ مُوسَى كَثْرَةٌ وَالْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ إِذَا اشْتَدَّتْ بِهِمُ الْحَاجَةُ إِلَى الْمَاءِ ثُمَّ وَجَدُوهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ بَيْنَهُمْ تَشَاجُرٌ وَتَنَازُعٌ وَرُبَّمَا أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى الْفِتَنِ الْعَظِيمَةِ فَأَكْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ النِّعْمَةَ بِأَنْ عَيَّنَ لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ مَاءً مُعَيَّنًا لَا يَخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ وَالْعَادَةُ فِي الرَّهْطِ الْوَاحِدِ أَنْ لَا يَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ التَّنَازُعِ مِثْلُ مَا يَقَعُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ. السُّؤَالُ السَّابِعُ: مِنْ كَمْ وَجْهٍ يَدُلُّ هَذَا الِانْفِجَارُ عَلَى الْإِعْجَازِ؟ وَالْجَوَابُ: مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ نَفْسَ ظُهُورِ الْمَاءِ مُعْجِزٌ، وَثَانِيهَا: خُرُوجُ الْمَاءِ الْعَظِيمِ مِنَ الْحَجَرِ الصَّغِيرِ، وَثَالِثُهَا: خُرُوجُ الْمَاءِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ، وَرَابِعُهَا: خُرُوجُ الْمَاءِ عِنْدَ ضَرْبِ الْحَجَرِ بِالْعَصَا، وَخَامِسُهَا: انْقِطَاعُ الْمَاءِ عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الْخَمْسَةُ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا إِلَّا بِقُدْرَةٍ تَامَّةٍ نَافِذَةٍ فِي كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ وَعِلْمٍ نَافِذٍ فِي جَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَحِكْمَةٍ عَالِيَةٍ عَلَى الدَّهْرِ وَالزَّمَانِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِلْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ فَنَقُولُ: إِنَّمَا عَلِمُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَمَرَ كُلَّ إِنْسَانٍ أَنْ لَا يَشْرَبَ إِلَّا مِنْ جَدْوَلٍ مُعَيَّنٍ كَيْلَا يَخْتَلِفُوا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الْمَاءِ، وَأَمَّا إِضَافَةُ الْمَشْرَبِ إِلَيْهِمْ فَلِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَبَاحَ لِكُلِّ سِبْطٍ مِنَ الْأَسْبَاطِ ذَلِكَ الْمَاءَ الَّذِي ظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ الشَّقِّ الَّذِي يَلِيهِ صَارَ ذَلِكَ كَالْمِلْكِ لَهُمْ وَجَازَتْ إِضَافَتُهُ إِلَيْهِمْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ فَفِيهِ حَذْفٌ، وَالْمَعْنَى: فَقُلْنَا لَهُمْ أَوْ قَالَ لَهُمْ مُوسَى: كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَإِنَّمَا قَالَ: كُلُوا لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كُلُوا مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى الَّذِي رَزَقَكُمُ اللَّهُ بِلَا تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَاشْرَبُوا مِنْ هَذَا الْمَاءِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَغْذِيَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْمَاءِ، فَلَمَّا أَعْطَاهُمُ الْمَاءَ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى أَعْطَاهُمُ الْمَأْكُولَ وَالْمَشْرُوبَ. وَاحْتَجَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الرِّزْقَ هُوَ الْحَلَالُ، قَالُوا: لِأَنَّ أَقَلَّ دَرَجَاتِ قَوْلِهِ: كُلُوا وَاشْرَبُوا الْإِبَاحَةُ، وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ الرِّزْقِ مُبَاحًا، فَلَوْ وُجِدَ رِزْقٌ حَرَامٌ لَكَانَ ذَلِكَ الرِّزْقُ مُبَاحًا وَحَرَامًا وَإِنَّهُ/ غَيْرُ جَائِزٍ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَالْعِثِيُّ أَشَدُّ الْفَسَادِ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَا تَتَمَادَوْا فِي الْفَسَادِ فِي حَالَةِ إِفْسَادِكُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَمَادِينَ فِيهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بَيْنَ النَّاسِ مِنَ التَّشَاجُرِ وَالتَّنَازُعِ فِي الْمَاءِ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِنْ وَقَعَ التَّنَازُعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْمَاءِ فَلَا تبالغوا في التنازع والله أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 61] وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (61)
اعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْمَعْرُوفَةَ يَخْرُجُ لَنَا بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، تُنْبِتُ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ، وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ، تَنْبُتُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ الظَّاهِرِيِّينَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ السُّؤَالَ كَانَ مَعْصِيَةً، وَعِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ إِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى لَيْسَ بِإِيجَابٍ بَلْ هُوَ إِبَاحَةٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُمْ: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ مَعْصِيَةً لِأَنَّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ ضَرْبٌ مِنَ الطَّعَامِ يَحْسُنُ مِنْهُ أَنْ يَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ إِمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا سَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَسْأَلَ ذَلِكَ مِنْ رَبِّهِ كَانَ الدُّعَاءُ أَقْرَبَ إِلَى الْإِجَابَةِ جَازَ لَهُمْ ذلك ولم يكن فيه معصية. [في هذه الآية مسائل] [المسألة الأولى] وَاعْلَمْ أَنَّ سُؤَالَ النَّوْعِ الْآخَرِ مِنَ الطَّعَامِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأَغْرَاضٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ لَمَّا تَنَاوَلُوا ذَلِكَ النَّوْعَ الْوَاحِدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَلُّوهُ فَاشْتَهَوْا غَيْرَهُ، الثَّانِي: لَعَلَّهُمْ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ مَا تَعَوَّدُوا ذَلِكَ النَّوْعَ وَإِنَّمَا تَعَوَّدُوا سَائِرَ الْأَنْوَاعِ وَرَغْبَةُ الْإِنْسَانِ فِيمَا اعْتَادَهُ فِي أَصْلِ التَّرْبِيَةِ وَإِنْ كَانَ/ خَسِيسًا فَوْقَ رَغْبَتِهِ فِيمَا لَمْ يَعْتَدْهُ وَإِنْ كَانَ شَرِيفًا. الثَّالِثُ: لَعَلَّهُمْ مَلُّوا مِنَ الْبَقَاءِ فِي التِّيهِ فَسَأَلُوا هَذِهِ الْأَطْعِمَةَ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِي الْبِلَادِ وَغَرَضُهُمُ الْوُصُولُ إِلَى الْبِلَادِ لَا نَفْسُ تِلْكَ الْأَطْعِمَةِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الطَّعَامِ الْوَاحِدِ سَبَبٌ لِنُقْصَانِ الشَّهْوَةِ وَضَعْفِ الْهَضْمِ وَقِلَّةِ الرَّغْبَةِ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنَ الْأَنْوَاعِ يُعِينُ عَلَى تَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ وَكَثْرَةِ الِالْتِذَاذِ، فَثَبَتَ أَنَّ تَبْدِيلَ النَّوْعِ بِالنَّوْعِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودَ الْعُقَلَاءِ، وَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مَمْنُوعِينَ عَنْهُ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ كَالْإِجَابَةِ لِمَا طَلَبُوا وَلَوْ كَانُوا عَاصِينَ فِي ذَلِكَ السُّؤَالِ لَكَانَتِ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ مَعْصِيَةً وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، لَا يُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمَّا أَبَوْا شَيْئًا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُمْ أَعْطَاهُمْ عَاجِلَ مَا سَأَلُوهُ كَمَا قَالَ: وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها [الشُّورَى: 20] لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ السُّؤَالَ كَانَ مَعْصِيَةً بِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُمْ: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَرِهُوا إِنْزَالَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَتِلْكَ الْكَرَاهَةُ مَعْصِيَةٌ، الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اسْتِفْهَامٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَعْصِيَةً. الثَّالِثُ: أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصَفَ مَا سَأَلُوهُ بِأَنَّهُ أَدْنَى وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ خَيْرٌ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ قَوْلِهِمْ: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ مَا كَانُوا رَاضِينَ بِهِ فَقَطْ، بَلِ اشْتَهَوْا شَيْئًا آخَرَ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُمْ: لَنْ نَصْبِرَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّ كَلِمَةَ لَنْ لِلنَّفْيِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ سَخِطُوا الْوَاقِعَ، وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ قَدْ يَكُونُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْأَنْفَعِ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ يَكُونُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْأَنْفَعِ فِي الْآخِرَةِ، وَعَنِ الثَّالِثِ: بِقَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُوصَفُ بِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ حَيْثُ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ حَاضِرًا مُتَيَقَّنًا وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَحْصُلُ عَفْوًا بِلَا كَدٍّ كَمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الْحَاضِرِ، فَقَدْ يُقَالُ فِي الْغَائِبِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ: إِنَّهُ أَدْنَى مِنْ حَيْثُ لَا يُتَيَقَّنُ وَمِنْ حَيْثُ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْكَدِّ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ هَذَا الْمَعْنَى أَوْ بَعْضُهُ فَثَبَتَ
بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ ذَلِكَ السُّؤَالَ مَا كَانَ مَعْصِيَةً بَلْ كَانَ سُؤَالًا مُبَاحًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِمَا تَقَدَّمَ بَلْ لِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ فَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا ضَرَبَ الذِّلَّةَ وَالْمَسْكَنَةَ عَلَيْهِمْ وَجَعَلَهُمْ مَحَلَّ الْغَضَبِ وَالْعِقَابِ مِنْ حَيْثُ كَانُوا يَكْفُرُونَ لَا لِأَنَّهُمْ سَأَلُوا ذَلِكَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ وَاحِدٌ فِي النَّوْعِ بل أنه واحد في لنهج وَهُوَ كَمَا يُقَالُ: إِنَّ طَعَامَ فُلَانٍ عَلَى مَائِدَتِهِ طَعَامٌ وَاحِدٌ إِذَا كَانَ لَا يَتَغَيَّرُ عَنْ نَهْجِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ: وَقِثَّائِها بِكَسْرِ الْقَافِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَطَلْحَةُ وَقُثَّائِهَا بِضَمِّ الْقَافِ وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ: وَفُومِها بِالْفَاءِ وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَثُومِهَا وَهِيَ قِرَاءَةُ/ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالُوا: وَهَذَا أَوْفَقُ لِذِكْرِ الْبَصَلِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْفُومِ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الْحِنْطَةُ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْفُومَ هُوَ الْخُبْزُ وَهُوَ أَيْضًا الْمَرْوِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَابْنِ زَيْدٍ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ: فَوِّمُوا لَنَا أَيِ اخْبِزُوا لَنَا وَقِيلَ هُوَ الثُّومُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَاخْتِيَارُ الْكِسَائِيِّ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ فِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَثُومِهَا. الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ لَوْ كَانَ هُوَ الْحِنْطَةَ لَمَا جَازَ أَنْ يُقَالَ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ أَشْرَفُ الْأَطْعِمَةِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الثُّومَ أَوْفَقُ لِلْعَدَسِ وَالْبَصَلِ مِنَ الْحِنْطَةِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ: أَتَسْتَبْدِلُونَ وَفِي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (أَتُبْدِلُونَ) بِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَعَنْ زُهَيْرٍ الْفُرْقُبِيِّ: (أَدْنَأُ) بِالْهَمْزَةِ مِنَ الدَّنَاءَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْأَدْنَى وَضَبْطُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ المراد إما أن يكون أَدْنَى فِي الْمَصْلَحَةِ فِي الدِّينِ أَوْ فِي الْمَنْفَعَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُ غَيْرُ مُرَادٍ لِأَنَّ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أَنْفَعَ فِي بَابِ الدِّينِ مِنَ الَّذِي طَلَبُوهُ لَمَا جَازَ أَنْ يُجِيبَهُمْ إِلَيْهِ، لَكِنَّهُ قَدْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ، فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمَنْفَعَةَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي يَكُونُ أَلَذَّ الْأَطْعِمَةِ عِنْدَ قَوْمٍ قَدْ يَكُونُ أَخَسَّهَا عِنْدَ آخَرِينَ، بَلِ الْمُرَادُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى مُتَيَقَّنُ الْحُصُولِ وَمَا يَطْلُبُونَهُ مَشْكُوكُ الْحُصُولِ وَالْمُتَيَقَّنُ خَيْرٌ مِنَ الْمَشْكُوكِ أَوْ لِأَنَّ هَذَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ كَدٍّ وَلَا تَعَبٍ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا مَعَ الْكَدِّ وَالتَّعَبِ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا هَذَا الَّذِي يَحْصُلُ عَفْوًا صَفْوًا لَمَّا كَرِهْنَاهُ بِطِبَاعِنَا كَانَ تَنَاوُلُهُ أَشَقَّ مِنَ الَّذِي لَا يَحْصُلُ إِلَّا مَعَ الْكَدِّ إِذَا اشْتَهَتْهُ طِبَاعُنَا. قُلْنَا: هَبْ أَنَّهُ وَقَعَ التَّعَارُضُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَكِنَّهُ وَقَعَ الترجيح بما أن الحاضر المتيقن راجع عَلَى الْغَائِبِ الْمَشْكُوكِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ: اهْبِطُوا بِكَسْرِ الْبَاءِ وَقُرِئَ بِضَمِّ الْبَاءِ، الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ: مِصْراً بِالتَّنْوِينِ وَإِنَّمَا صَرَفَهُ مَعَ اجْتِمَاعِ السَّبَبَيْنِ فِيهِ وَهُمَا التَّعْرِيفُ وَالتَّأْنِيثُ لِسُكُونِ وَسَطِهِ كقوله: وَنُوحاً هَدَيْنا ... وَلُوطاً [الْأَنْعَامِ: 84، 86] وَفِيهِمَا الْعُجْمَةُ وَالتَّعْرِيفُ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْبَلَدُ، فَمَا فِيهِ إِلَّا سَبَبٌ وَاحِدٌ، وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَرَأَ بِهِ الْأَعْمَشُ: اهبطوا مصر بغير تنوين كقوله: ادْخُلُوا مِصْرَ وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ: اهْبِطُوا مِصْراً رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ تَرْكُ التَّنْوِينِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْأَلِفُ فِي مِصْرًا زِيَادَةٌ مِنَ الْكَاتِبِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ مَعْرِفَةً فَيَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَصُّ بِهَذَا الِاسْمِ وَهُوَ الْبَلَدُ الَّذِي كَانَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ، وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِالتَّنْوِينِ وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فمنهم من
قَالَ: الْمُرَادُ الْبَلَدُ الَّذِي كَانَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وَدُخُولُ التَّنْوِينِ فِيهِ كَدُخُولِهِ فِي نُوحٍ وَلُوطٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ الْأَمْرُ بِدُخُولِ أَيِّ بَلَدٍ كَانَ كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوا بَلَدًا أَيَّ بلد كان لتجدوا في هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُفَسِّرُونَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ مِصْرَ هُوَ الْبَلَدُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ أَوَّلًا أَوْ بَلَدٌ آخَرُ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: لَا يَجُوزُ/ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْبَلَدَ الَّذِي كَانُوا فِيهِ مَعَ فِرْعَوْنَ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ [الْمَائِدَةِ: 21] وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ إِيجَابٌ لِدُخُولِ تِلْكَ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ دُخُولِ أَرْضٍ أُخْرَى. وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: كَتَبَ اللَّهُ يَقْتَضِي دَوَامَ كَوْنِهِمْ فِيهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ مِنَ الرُّجُوعِ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ أَمَرَ بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ قَالَ: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ [الْمَائِدَةِ: 26] فَإِذَا تَقَدَّمَ هَذَا الْأَمْرُ ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُولِهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ فَعِنْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ وَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُمْ دُخُولُهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ مِصْرَ سِوَاهَا. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْوُجُوهُ ضَعِيفَةٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ فَلَعَلَّهُمْ نُدِبُوا إِلَى دُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ مَعَ أَنَّهُمْ مَا مُنِعُوا مِنْ دُخُولِ مِصْرَ، أَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ كَقَوْلِهِ: كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى دَوَامِ تِلْكَ النَّدْبِيَّةِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَعْنَاهُ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَى مِصْرَ بَلْ فِيهِ وَجْهَانِ آخَرَانِ. الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ لَا تَعْصُوا فِيمَا أُمِرْتُمْ بِهِ إِذِ الْعَرَبُ تَقُولُ لِمَنْ عَصَى فِيمَا يُؤْمَرُ بِهِ: ارْتَدَّ عَلَى عَقِبِهِ. وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْعِصْيَانِ أَنْ يُنْكِرَ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أَوْلَى. الثَّانِي: أَنْ يُخَصَّصَ ذَلِكَ النَّهْيُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَقَطْ. قُلْنَا: ثَبَتَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ فَيَتِمُّ دَلِيلُنَا بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَأَيْضًا فَهَبْ أَنَّهُ لِلنَّدْبِ وَلَكِنَّ الْإِذْنَ فِي تَرْكِهِ يَكُونُ إِذْنًا فِي تَرْكِ الْمَنْدُوبِ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِالْأَنْبِيَاءِ. قَوْلُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلا تَرْتَدُّوا لَا تَرْجِعُوا. قُلْنَا: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، ثُمَّ قَالَ بعده: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ تَبَادَرَ إِلَى الْفَهْمِ أَنَّ هَذَا النَّهْيَ يَرْجِعُ إِلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ ذَلِكَ الْأَمْرُ. قَوْلُهُ: أَنْ يُخَصَّصَ ذَلِكَ النَّهْيُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، قُلْنَا: التَّخْصِيصُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، أَمَّا أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ فَإِنَّهُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِصْرَ فِرْعَوْنَ واحتج عليه بوجهين. الْأَوَّلُ: أَنَّا إِنْ قَرَأْنَا: اهْبِطُوا مِصْرَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ كَانَ لَا مَحَالَةَ عَلَمًا لِبَلَدٍ مُعَيَّنٍ وَلَيْسَ فِي الْعَالَمِ بَلْدَةٌ مُلَقَّبَةٌ بِهَذَا اللَّقَبِ سِوَى هَذِهِ الْبَلْدَةِ الْمُعَيَّنَةِ فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ اللَّفْظَ إِذَا دَارَ بَيْنَ كَوْنِهِ عَلَمًا وَبَيْنَ كَوْنِهِ صِفَةً فَحَمْلُهُ عَلَى الْعَلَمِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الصِّفَةِ مِثْلَ ظَالِمٍ وَحَادِثٍ، فَإِنَّهُمَا لَمَّا جَاءَا عَلَمَيْنِ كَانَ حَمْلُهُمَا عَلَى الْعَلَمِيَّةِ أَوْلَى. أَمَّا إِنْ قَرَأْنَاهُ بِالتَّنْوِينِ فَإِمَّا أَنْ نَجْعَلَهُ مَعَ ذَلِكَ اسْمَ عَلَمٍ وَنَقُولَ: إِنَّهُ إِنَّمَا دَخَلَ فِيهِ التَّنْوِينُ لِسُكُونِ وَسَطِهِ كَمَا فِي نُوحٍ وَلُوطٍ فَيَكُونُ التَّقْرِيرُ أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ بِعَيْنِهِ، وَأَمَّا إِنْ جَعَلْنَاهُ اسْمَ جِنْسٍ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: اهْبِطُوا مِصْراً يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ كَمَا إِذَا قَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً فَإِنَّهُ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ بَيْنَ جَمِيعِ رِقَابِ الدُّنْيَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَّثَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرْضَ مِصْرَ وَإِذَا كَانَتْ مَوْرُوثَةً لَهُمُ امْتَنَعَ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ دُخُولَهَا بَيَانُ أَنَّهَا مَوْرُوثَةٌ لَهُمْ، قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ إِلَى قَوْلِهِ: كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [الشُّعَرَاءِ: 57- 59] وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهَا مَوْرُوثَةٌ لَهُمْ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونُوا مَمْنُوعِينَ مِنْ دُخُولِهَا/ لِأَنَّ الْإِرْثَ يُفِيدُ الْمِلْكَ وَالْمِلْكُ مُطْلَقٌ لِلتَّصَرُّفِ. فَإِنْ قِيلَ: الرَّجُلُ قَدْ يَكُونُ مَالِكًا لِلدَّارِ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا عَنْ دُخُولِهَا بِوَجْهٍ آخَرَ، كَحَالِ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ دَارَهُ وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ لَكِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ دُخُولُهَا، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَرَّثَهُمْ مِصْرَ بِمَعْنَى الْوِلَايَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، ثُمَّ
إِنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ دُخُولَهَا مِنْ حَيْثُ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْكُنُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ بِقَوْلِهِ: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ قُلْنَا الْأَصْلُ أَنَّ الْمِلْكَ مُطْلَقٌ لِلتَّصَرُّفِ وَالْمَنْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ خِلَافُ الدَّلِيلِ، أَجَابَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ عَنْ هَاتَيْنِ الْحُجَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا أَبُو مُسْلِمٍ فَقَالُوا: أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّا نَتَمَسَّكُ بِالْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ الَّتِي فِيهَا التَّنْوِينُ. قَوْلُهُ: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ، قُلْنَا: نَعَمْ لَكِنَّا نُخَصِّصُ الْعُمُومَ فِي حَقِّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الْمُعَيَّنَةِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ. أَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّا لَا نُنَازِعُ فِي أَنَّ الْمِلْكَ مُطْلَقٌ لِلتَّصَرُّفِ وَلَكِنْ قَدْ يُتْرَكُ هَذَا الْأَصْلُ لِعَارِضٍ كَالْمَرْهُونِ وَالْمُسْتَأْجَرِ، فَنَحْنُ تَرْكَنَا هَذَا الْأَصْلَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الدَّلَالَةِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ فَالْمَعْنَى جُعِلَتِ الذِّلَّةُ مُحِيطَةً بِهِمْ حَتَّى مُشْتَمِلَةً عَلَيْهِمْ فَهُمْ فِيهَا كَمَنْ يَكُونُ فِي الْقُبَّةِ الْمَضْرُوبَةِ أَوْ أُلْصِقَتْ بِهِمْ حَتَّى لَزِمَتْهُمْ ضَرْبَةُ لَازِمٍ كَمَا يُضْرَبُ الطِّينُ عَلَى الْحَائِطِ فَيَلْزَمُهُ وَالْأَقْرَبُ فِي الذِّلَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهَا مَا يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِحْقَاقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِيمَنْ يُحَارِبُ وَيُفْسِدُ: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا فَأَمَّا مَنْ يَقُولُ الْمُرَادُ بِهِ الْجِزْيَةُ خَاصَّةً على ما قَالَ: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التَّوْبَةِ: 29] فَقَوْلُهُ بَعِيدٌ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ مَا كَانَتْ مَضْرُوبَةً عَلَيْهِمْ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمَسْكَنَةُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْفَقْرُ وَالْفَاقَةُ وَتَشْدِيدُ الْمِحْنَةِ، فَهَذَا الْجِنْسُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَالْعُقُوبَةِ، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ عَدَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُعْجِزَاتِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَ عَنْ ضَرْبِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ عَلَيْهِمْ وَوَقَعَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَكَانَ هَذَا إِخْبَارًا عَنِ الْغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا. أَمَّا قوله تعالى: وَباؤُ ففيه وجوه. أحدها: البوء الرجوع، فقوله: باؤُ أَيْ رَجَعُوا وَانْصَرَفُوا بِذَلِكَ وَلَا يُقَالُ بَاءَ إلا بشر. وثانيها: البوء التسوية. فقوله: باؤُ أي استوى عليهم غضب الله. قال الزجاج. وثالثها: باؤ أَيِ اسْتَحَقُّوا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [الْمَائِدَةِ: 29] أَيْ تَسْتَحِقُّ الْإِثْمَيْنِ جَمِيعًا. وَأَمَّا غَضَبُ اللَّهِ فَهُوَ إِرَادَةُ الِانْتِقَامِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ فَهُوَ عِلَّةٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ ضَرْبِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ عَلَيْهِمْ وَإِلْحَاقِ الْغَضَبِ بِهِمْ. قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لَوْ كَانَ الْكُفْرُ حَصَلَ فِيهِمْ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا حَصَلَتِ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ فِيهِمْ بِخَلْقِهِ لَمَا كَانَ جَعْلُ أحدهما جزاء الثاني أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وَجَوَابُهُ الْمُعَارَضَةُ بِالْعِلْمِ وَالدَّاعِي، وَأَمَّا حَقِيقَةُ الْكُفْرِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ مَا تَقَدَّمَ لِأَجْلِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ أَيْضًا وَفِيهِ سُؤَالَاتٌ. السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: يَكْفُرُونَ دَخَلَ تَحْتَهُ قَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ فَلِمَ أَعَادَ ذِكْرَهُ مَرَّةً أُخْرَى؟ الْجَوَابُ: الْمَذْكُورُ هَاهُنَا الْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْجَهْلُ وَالْجَحْدُ بِآيَاتِهِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ قَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ. السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ قَالَ: بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؟ الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْبَاطِلِ قَدْ يَكُونُ حَقًّا لِأَنَّ الْآتِيَ بِهِ اعْتَقَدَهُ حَقًّا لِشُبْهَةٍ وَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ وَقَدْ يَأْتِي بِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ بَاطِلًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّانِيَ أَقْبَحُ فَقَوْلُهُ: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَيْ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ كان
[سورة البقرة (2) : آية 62]
ذَلِكَ الْقَتْلُ حَقًّا فِي اعْتِقَادِهِمْ وَخَيَالِهِمْ بَلْ كَانُوا عَالِمِينَ بِقُبْحِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلُوهُ. وَثَانِيهَا: أَنَّ هَذَا التَّكْرِيرَ لِأَجْلِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لَا بُرْهانَ لَهُ بِهِ [الْمُؤْمِنُونَ: 117] وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لِمُدَّعِي الْإِلَهِ الثَّانِي بُرْهَانٌ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ ذَمَّهُمْ عَلَى مُجَرَّدِ الْقَتْلِ لَقَالُوا: أَلَيْسَ أَنَّ اللَّهَ يَقْتُلُهُمْ وَلَكِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: الْقَتْلُ الصَّادِرُ مِنَ اللَّهِ قَتْلٌ بِحَقٍّ وَمِنْ غَيْرِ اللَّهِ قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ بِما عَصَوْا فَهُوَ تَأْكِيدٌ بِتَكْرِيرِ الشَّيْءِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ وَقَدِ احْتَمَلَ مِنْهُ ذُنُوبًا سَلَفَتْ مِنْهُ فَعَاقَبَهُ عِنْدَ آخِرِهَا: هَذَا بِمَا عَصَيْتَنِي وَخَالَفْتَ أَمْرِي، هَذَا بِمَا تَجَرَّأْتَ علي واغتررت بحلمي، هذا بِكَذَا فَيُعِدُّ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تَبْكِيتًا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكانُوا يَعْتَدُونَ فَالْمُرَادُ مِنْهُ الظُّلْمُ: أَيْ تَجَاوَزُوا الْحَقَّ إِلَى الْبَاطِلِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ إِنْزَالَ الْعُقُوبَةِ بِهِمْ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ فَبَدَأَ أَوَّلًا بِمَا فَعَلُوهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ جَهْلُهُمْ بِهِ وَجَحْدُهُمْ لِنِعَمِهِ ثُمَّ ثَنَّاهُ بِمَا يَتْلُوهُ فِي الْعِظَمِ وَهُوَ قَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ ثَلَّثَهُ بِمَا يَكُونُ مِنْهُمْ مِنَ الْمَعَاصِي الَّتِي تَخُصُّهُمْ ثُمَّ رَبَّعَ بِمَا يَكُونُ مِنْهُمْ مِنَ الْمَعَاصِي الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى الْغَيْرِ مِثْلَ الِاعْتِدَاءِ وَالظُّلْمِ، وَذَلِكَ فِي نِهَايَةِ حُسْنِ التَّرْتِيبِ. فَإِنْ قِيلَ: قَالَ هَاهُنَا: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَكَرَ الْحَقَّ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مَعْرِفَةً، وَقَالَ فِي آلِ عِمْرَانَ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آلِ عِمْرَانَ: 21 نَكِرَةً، وَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ لَيْسُوا سَواءً [آلِ عِمْرَانَ: 112، 113] فَمَا الْفَرْقُ؟ الْجَوَابُ: الْحَقُّ الْمَعْلُومُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي يُوجِبُ الْقَتْلَ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى مَعَانٍ ثَلَاثٍ، «كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ وَزِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ وَقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» ، فَالْحَقُّ الْمَذْكُورُ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا وَأَمَّا الْحَقُّ الْمُنْكَرُ فَالْمُرَادُ بِهِ تَأْكِيدُ الْعُمُومِ أَيْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَقٌّ لَا هَذَا الَّذِي يَعْرِفُهُ المسلمون ولا غيره ألبتة. [سورة البقرة (2) : آية 62] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) اعْلَمْ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْمَشْهُورَةَ: هادُوا بِضَمِّ الدَّالِ وَعَنِ الضَّحَّاكِ وَمُجَاهِدٍ بِفَتْحِ الدَّالِّ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ الصَّابِئِينَ وَالصَّابِئُونَ بِالْهَمْزَةِ فِيهِمَا حَيْثُ كَانَا وَعَنْ نَافِعٍ وَشَيْبَةَ وَالزَّهْرِيِّ وَالصَّابِّينَ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَالصَّابُونَ بِبَاءٍ مَضْمُومَةٍ وَحَذْفِ الْهَمْزَةِ، وَعَنِ الْعُمَرِيِّ يجعل الْهَمْزَةِ فِيهِمَا، وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ بِيَاءَيْنِ خَالِصَتَيْنِ فَهُمَا بَدَلُ الْهَمْزَةِ، فَأَمَّا تَرْكُ الْهَمْزَةِ فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ صَبَا يَصْبُو إِذَا مَالَ إِلَى الشَّيْءِ فَأَحَبَّهُ، وَالْآخَرُ: قَلْبُ الْهَمْزَةِ فَنَقُولُ: الصَّابِيِينَ وَالصَّابِيُونَ وَالِاخْتِيَارُ الْهَمْزُ لِأَنَّهُ قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ وَإِلَى مَعْنَى التَّفْسِيرِ أَقْرَبُ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَالُوا: هُوَ الْخَارِجُ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ عَادَةَ اللَّهِ إِذَا ذَكَرَ وَعَدًا أَوْ وَعِيدًا عَقَّبَهُ بِمَا يُضَادُّهُ ليكون الكلام تاماً فههنا لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ الْكَفَرَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ أَخْبَرَ بِمَا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْأَجْرِ الْعَظِيمِ وَالثَّوَابِ الْكَرِيمِ دَالًّا عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُجَازِي الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ والمسيء بإساءته كما قال: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النَّجْمِ: 31] فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ مِنْهُ، وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا غَيْرَ الْمُرَادِ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَنَظِيرُهُ فِي الْإِشْكَالِ قَوْلُهُ تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا [النِّسَاءِ: 136]
فَلِأَجْلِ هَذَا الْإِشْكَالِ ذَكَرُوا وُجُوهًا، أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. الْمُرَادُ الَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ بِعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مَعَ الْبَرَاءَةِ عَنْ أَبَاطِيلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِثْلَ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ، وَبَحِيرَى الرَّاهِبِ وَحَبِيبٍ النَّجَّارِ وَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ وَوَفْدِ النَّجَاشِيِّ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ وَالَّذِينَ كَانُوا عَلَى الدِّينِ الْبَاطِلِ الَّذِي لِلْيَهُودِ وَالَّذِينَ كَانُوا عَلَى الدِّينِ الْبَاطِلِ الَّذِي لِلنَّصَارَى كُلُّ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبِمُحَمَّدٍ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ طَرِيقَةَ الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ طَرِيقَةَ الْيَهُودِ، فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَلْبِ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُبْطِلُونَ كُلُّ مَنْ أَتَى مِنْهُمْ بِالْإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ صَارَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَثَالِثُهَا: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَقِيقَةِ وَهُوَ عَائِدٌ إِلَى/ الْمَاضِي، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يَقْتَضِي الْمُسْتَقْبَلَ فَالْمُرَادُ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْمَاضِي وَثَبَتُوا عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ هادُوا فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ عَلَى وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: إِنَّمَا سُمُّوا بِهِ حِينَ تَابُوا مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَقَالُوا: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [الْأَعْرَافِ: 156] أَيْ تُبْنَا وَرَجَعْنَا، وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَثَانِيهَا: سُمُّوا بِهِ لِأَنَّهُمْ نُسِبُوا إِلَى يَهُوذَا أَكْبَرِ وَلَدِ يَعْقُوبَ وَإِنَّمَا قَالَتِ الْعَرَبُ بِالدَّالِ لِلتَّعْرِيبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ إِذَا نَقَلُوا أَسْمَاءً مِنَ الْعَجَمِيَّةِ إِلَى لُغَتِهِمْ غَيَّرُوا بَعْضَ حُرُوفِهَا. وَثَالِثُهَا: قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَهَوَّدُونَ أَيْ يَتَحَرَّكُونَ عِنْدَ قِرَاءَةِ التَّوْرَاةِ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَفِي اشْتِقَاقِ هَذَا الِاسْمِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَرْيَةَ الَّتِي كَانَ يَنْزِلُهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ تُسَمَّى نَاصِرَةَ فَنُسِبُوا إِلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَثَانِيهَا: لِتَنَاصُرِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَيْ لِنُصْرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَثَالِثُهَا: لِأَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ، قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: النَّصَارَى جَمْعُ نَصْرَانَ يُقَالُ رَجُلٌ نَصْرَانُ، وَامْرَأَةٌ نَصْرَانَةٌ وَالْيَاءُ فِي نَصْرَانِيٍّ لِلْمُبَالَغَةِ كَالَّتِي فِي أَحَمَرِيٍّ لِأَنَّهُمْ نَصَرُوا الْمَسِيحَ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالصَّابِئِينَ فَهُوَ مِنْ صَبَأَ إِذَا خَرَجَ مِنْ دِينِهِ إِلَى دِينٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْعَرَبُ يُسَمُّونَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَابِئًا لِأَنَّهُ أَظْهَرَ دِينًا بِخِلَافِ أَدْيَانِهِمْ وَصَبَأَتِ النُّجُومُ إِذَا أُخْرِجَتْ مِنْ مَطْلَعِهَا. وَصَبَأْنَا بِهِ إِذَا خَرَجْنَا بِهِ، وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِي تَفْسِيرِ مَذْهَبِهِمْ أَقْوَالٌ، أَحَدُهَا: قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَجُوسِ وَالْيَهُودِ لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، وَثَانِيهَا: قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَيُصَلُّونَ إِلَى الشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ. وَقَالَ أَيْضًا: الْأَدْيَانُ خَمْسَةٌ مِنْهَا لِلشَّيْطَانِ أَرْبَعَةٌ وَوَاحِدٌ لِلرَّحْمَنِ: الصَّابِئُونَ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَالْمَجُوسُ وَهُمْ يَعْبُدُونَ النَّارَ، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. وَثَالِثُهَا: وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ، ثُمَّ لَهُمْ قَوْلَانِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ خَالِقَ الْعَالَمِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، إِلَّا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْكَوَاكِبِ وَاتِّخَاذِهَا قِبْلَةً لِلصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّعْظِيمِ. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْأَفْلَاكَ وَالْكَوَاكِبَ، ثُمَّ إِنَّ الْكَوَاكِبَ هِيَ الْمُدَبِّرَةُ لِمَا فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَالْخَالِقَةُ لَهَا فَيَجِبُ عَلَى الْبَشَرِ تَعْظِيمُهَا لِأَنَّهَا هِيَ الْآلِهَةُ الْمُدَبِّرَةُ لِهَذَا الْعَالَمِ ثُمَّ إِنَّهَا تَعْبُدُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الْقَوْلُ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْكِلْدَانِيِّينَ الَّذِينَ جَاءَهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَادًّا عَلَيْهِمْ وَمُبْطِلًا لِقَوْلِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ فِي
[سورة البقرة (2) : الآيات 63 إلى 64]
هَذِهِ الْفِرَقِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُمْ إِذَا آمَنُوا بِاللَّهِ فَلَهُمُ الثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ لِيَعْرِفَ أَنَّ جَمِيعَ أَرْبَابِ الضَّلَالِ إِذَا رَجَعُوا عَنْ ضَلَالِهِمْ وَآمَنُوا بِالدِّينِ الْحَقِّ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقْبَلُ إِيمَانَهُمْ وَطَاعَتَهُمْ وَلَا يَرُدُّهُمْ عَنْ حَضْرَتِهِ الْبَتَّةَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ الْإِيمَانُ بِمَا أَوْجَبَهُ، أَعْنِي الْإِيمَانَ بِرُسُلِهِ وَدَخَلَ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ جَمِيعُ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ، فَهَذَانِ الْقَوْلَانِ قَدْ جَمَعَا كُلَّ مَا يَتَّصِلُ بِالْأَدْيَانِ فِي حَالِ التَّكْلِيفِ وَفِي حَالِ الْآخِرَةِ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: عِنْدَ رَبِّهِمْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ الْعِنْدِيَّةَ الْمَكَانِيَّةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا/ الْحِفْظَ كَالْوَدَائِعِ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ أَجْرَهُمْ مُتَيَقَّنٌ جَارٍ مَجْرَى الْحَاصِلِ عِنْدَ رَبِّهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فَقِيلَ: أَرَادَ زَوَالَ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي الْآخِرَةِ فِي حَالِ الثَّوَابِ، وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ عَامٌّ فِي النَّفْيِ، وَكَذَلِكَ: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تَحْصُلُ فِي الدُّنْيَا وَخُصُوصًا فِي الْمُكَلَّفِينَ لِأَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا يَنْفَكُّونَ مِنْ خَوْفٍ وَحُزْنٍ، إِمَّا فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ، فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَعَدَهُمْ فِي الْآخِرَةِ بِالْأَجْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مِنْ صِفَةِ ذَلِكَ الْأَجْرِ أَنْ يَكُونَ خَالِيًا عَنِ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ نَعِيمُهُمْ دَائِمًا لِأَنَّهُمْ لَوْ جَوَّزُوا كَوْنَهُ مُنْقَطِعًا لَاعْتَرَاهُمُ الْحُزْنُ الْعَظِيمُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أن الله تعالى ذكر هذه الآية في سُورَةِ الْمَائِدَةِ هَكَذَا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الْمَائِدَةِ: 69] وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الْحَجِّ: 17] فَهَلْ فِي اخْتِلَافِ هَذِهِ الْآيَاتِ بِتَقْدِيمِ الصُّنُوفِ وَتَأْخِيرِهَا وَرَفْعِ «الصَّابِئِينَ» فِي آيَةٍ وَنَصْبِهَا فِي أُخْرَى فَائِدَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ؟ وَالْجَوَابُ: لَمَّا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ أَحْكَمَ الْحَاكِمِينَ فَلَا بُدَّ لِهَذِهِ التَّغْيِيرَاتِ مِنْ حِكَمٍ وَفَوَائِدَ، فَإِنْ أَدْرَكْنَا تِلْكَ الْحِكَمَ فَقَدْ فُزْنَا بِالْكَمَالِ وَإِنْ عَجَزْنَا أَحَلْنَا الْقُصُورَ عَلَى عُقُولِنَا لَا عَلَى كَلَامِ الْحَكِيمِ والله أعلم. [سورة البقرة (2) : الآيات 63 الى 64] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (64) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِنْعَامُ الْعَاشِرُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ لِمَصْلَحَتِهِمْ فَصَارَ ذَلِكَ مِنْ إِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ: أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ فَفِيهِ بَحْثَانِ: الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ الْمِيثَاقَ إِنَّمَا يَكُونُ بِفِعْلِ الْأُمُورِ الَّتِي تُوجِبُ الِانْقِيَادَ وَالطَّاعَةَ، وَالْمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ الْمِيثَاقِ وُجُوهًا، أَحَدُهَا: مَا أَوْدَعَ اللَّهُ الْعُقُولَ مِنَ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَحِكْمَتِهِ وَالدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْمَوَاثِيقِ أَقْوَى الْمَوَاثِيقِ/ وَالْعُهُودِ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الْخُلْفَ وَالتَّبْدِيلَ بِوَجْهٍ الْبَتَّةَ وَهُوَ قول الأصم، وثانيها: مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَجَعَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ بِالْأَلْوَاحِ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ فِيهَا كِتَابَ اللَّهِ فَقَالُوا: لَنْ نَأْخُذَ بِقَوْلِكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَيَقُولُ: هَذَا كِتَابِي فَخُذُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فَمَاتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ: خُذُوا كِتَابَ اللَّهِ فَأَبَوْا فَرُفِعَ فَوْقَهُمُ الطُّورُ وَقِيلَ لَهُمْ: خُذُوا الْكِتَابَ وَإِلَّا طَرَحْنَاهُ عَلَيْكُمْ، فَأَخَذُوهُ فَرَفْعُ الطُّورِ هُوَ الْمِيثَاقُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ رَفْعَ الطُّورِ آيَةٌ بَاهِرَةٌ عَجِيبَةٌ
تُبْهِرُ الْعُقُولَ وَتَرُدُّ الْمُكَذِّبَ إِلَى التَّصْدِيقِ وَالشَّاكَّ إِلَى الْيَقِينِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ وَعَرَفُوا أَنَّهُ مِنْ قِبَلِهِ تَعَالَى عِلْمًا لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِلْمًا مُضَافًا إِلَى سَائِرِ الْآيَاتِ أَقَرُّوا لَهُ بِالصِّدْقِ فِيمَا جَاءَ بِهِ وَأَظْهَرُوا التَّوْبَةَ وَأَعْطَوُا الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا يَعُودُوا إِلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَأَنْ يَقُومُوا بِالتَّوْرَاةِ فَكَانَ هَذَا عَهْدًا مُوَثَّقًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ أَبِي مُسْلِمٍ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ لِلَّهِ مِيثَاقَيْنِ، فَالْأَوَّلُ: حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَلْزَمَ النَّاسَ مُتَابَعَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرَادُ هَاهُنَا هُوَ هَذَا الْعَهْدُ. هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. الثَّانِي: قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّمَا قَالَ: (مِيثَاقَكُمْ) وَلَمْ يَقُلْ مَوَاثِيقَكُمْ لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَرَادَ بِهِ الدَّلَالَةَ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ أَخَذَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ: ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [غَافِرٍ: 67] أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ شَيْئًا وَاحِدًا أُخِذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا أُخِذَ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا جَرَمَ كَانَ كُلُّهُ مِيثَاقًا وَاحِدًا وَلَوْ قِيلَ مَوَاثِيقُكُمْ لَأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَوَاثِيقُ أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ لَا مِيثَاقٌ وَاحِدٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ فَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ [الْأَعْرَافِ: 171] وَفِيهِ أَبْحَاثٌ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَرَفَعْنا وَاوُ عَطْفٍ عَلَى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ كَانَ مُتَقَدِّمًا فَلَمَّا نَقَضُوهُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ قَبُولِ الْكِتَابِ رُفِعَ عَلَيْهِمُ الْجَبَلُ، وَأَمَّا عَلَى تَفْسِيرِ أَبِي مُسْلِمٍ فَلَيْسَتْ وَاوَ عَطْفٍ وَلَكِنَّهَا وَاوُ الْحَالِ كَمَا يُقَالُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ وَالزَّمَانُ زَمَانٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ عِنْدَ رَفْعِنَا الطُّورَ فَوْقَكُمْ. الثَّانِي: قِيلَ: إِنَّ الطُّورَ كُلُّ جَبَلٍ قَالَ الْعَجَّاجُ: دَانَى جَنَاحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرْ ... تَقَضِّيَ الْبَازِي إِذَا الْبَازِي كَسَرْ أَمَّا الْخَلِيلُ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: إِنَّ الطُّورَ اسم جبل معلوم وهذا هو الأقرب لِأَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ فِيهِ تَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلَى جَبَلٍ مَعْهُودٍ عُرِفَ كَوْنُهُ مُسَمًّى بِهَذَا الِاسْمِ، وَالْمَعْهُودُ هُوَ الْجَبَلُ الَّذِي وَقَعَتِ الْمُنَاجَاةُ عَلَيْهِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْقُلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى حَيْثُ هُمْ فَيَجْعَلَهُ فَوْقَهُمْ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْهُمْ لِأَنَّ الْقَادِرَ أَنْ يُسْكِنَ الْجَبَلَ فِي الْهَوَاءِ قَادِرٌ أَيْضًا عَلَى أَنْ يَقْلَعَهُ وَيَنْقُلَهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَكَانِ الْبَعِيدِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَ تَعَالَى جَبَلًا مِنْ جِبَالِ فِلَسْطِينَ فَانْقَلَعَ مِنْ أَصْلِهِ حَتَّى قَامَ فَوْقَهُمْ كَالظُّلَّةِ وَكَانَ الْمُعَسْكَرُ فَرْسَخًا فِي فَرْسَخٍ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَنِ اقْبَلُوا التَّوْرَاةَ وَإِلَّا رَمَيْتُ الْجَبَلَ عَلَيْكُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا مَهْرَبَ قَبِلُوا التَّوْرَاةَ بِمَا فِيهَا وَسَجَدُوا لِلْفَزَعِ سُجُودًا يُلَاحِظُونَ الْجَبَلَ، فَلِذَلِكَ سَجَدَتِ الْيَهُودُ عَلَى أَنْصَافِ وُجُوهِهِمْ. الثَّالِثُ: مِنَ الْمَلَاحِدَةِ مَنْ أَنْكَرَ إِمْكَانَ وُقُوفِ الثَّقِيلِ فِي الْهَوَاءِ بِلَا عِمَادٍ وَأَمَّا الْأَرْضُ فَقَالُوا إِنَّمَا وَقَفَتْ لِأَنَّهَا بِطَبْعِهَا طَالِبَةٌ لِلْمَرْكَزِ فَلَا جَرَمَ وَقَفَتْ فِي الْمَرْكَزِ، وَدَلِيلُنَا عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ وَوُقُوفُ الثَّقِيلِ فِي الْهَوَاءِ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَادِرًا عَلَيْهِ وَتَمَامُ تَقْرِيرِ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ مَعْلُومٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ. الرَّابِعُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إِظْلَالُ الْجَبَلِ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ يَجْرِي مَجْرَى الْإِلْجَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ وَهُوَ يُنَافِي التَّكْلِيفَ. أَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ لَا يُلْجِئُ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ خَوْفُ السُّقُوطُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا اسْتَمَرَّ فِي مَكَانِهِ مدة وقد شاهدوا السموات مَرْفُوعَةً فَوْقَهُمْ بِلَا عِمَادٍ جَازَ هَاهُنَا أَنْ يَزُولَ عَنْهُمُ الْخَوْفُ فَيَزُولَ الْإِلْجَاءُ وَيَبْقَى التَّكْلِيفُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ أَيْ بِجِدٍّ وَعَزِيمَةٍ كَامِلَةٍ وَعُدُولٍ عَنِ التَّغَافُلِ وَالتَّكَاسُلِ، قَالَ الْجُبَّائِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ قَبْلَ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: خُذْ هَذَا بِقُوَّةٍ وَلَا قُوَّةَ حَاصِلَةٌ كما لا
يُقَالُ: اكْتُبْ بِالْقَلَمِ وَلَا قَلَمَ، وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِجِدٍّ وَعَزِيمَةٍ وَعِنْدَنَا الْعَزِيمَةُ قَدْ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْفِعْلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ أَيِ احْفَظُوا مَا فِي الْكِتَابِ وَادْرُسُوهُ وَلَا تَنْسُوهُ وَلَا تَغْفُلُوا عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا حَمَلْتُمُوهُ عَلَى نَفْسِ الذِّكْرِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الذِّكْرَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النِّسْيَانِ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَيْفَ يَجُوزُ الْأَمْرُ بِهِ. فَأَمَّا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْمُدَارَسَةِ فَلَا إِشْكَالَ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيْ لِكَيْ تَتَّقُوا، وَاحْتَجَّ الْجُبَّائِيُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ فِعْلَ الطَّاعَةِ مِنَ الْكُلِّ، وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَخْذًا لِلْمِيثَاقِ وَلَا صَحَّ قَوْلُهُ مِنْ بَعْدِ: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى الْقَبُولِ وَالِالْتِزَامِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أَيْ ثُمَّ أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْمِيثَاقِ وَالْوَفَاءِ بِهِ، قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ يُعْلَمُ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُمْ بَعْدَ قَبُولِ التَّوْرَاةِ وَرَفْعِ الطُّورِ تَوَلَّوْا عَنِ التَّوْرَاةِ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ، فَحَرَّفُوا التَّوْرَاةَ وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهَا وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ وَكَفَرُوا بِهِمْ وَعَصَوْا أَمْرَهُمْ وَلَعَلَّ فِيهَا مَا اخْتُصَّ بِهِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ وَمِنْهَا مَا عَمِلَهُ أَوَائِلُهُمْ وَمِنْهَا مَا فَعَلَهُ مُتَأَخِّرُوهُمْ وَلَمْ يَزَالُوا فِي التِّيهِ مَعَ مُشَاهَدَتِهِمُ الْأَعَاجِيبَ لَيْلًا وَنَهَارًا يُخَالِفُونَ مُوسَى وَيَعْتَرِضُونَ عَلَيْهِ وَيُلْقُونَهُ بِكُلِّ أَذًى وَيُجَاهِرُونَ بِالْمَعَاصِي فِي مُعَسْكَرِهِمْ ذَلِكَ حَتَّى لَقَدْ خُسِفَ بِبَعْضِهِمْ وَأَحْرَقَتِ النَّارُ بَعْضَهُمْ وَعُوقِبُوا بِالطَّاعُونِ وَكُلُّ هَذَا مَذْكُورٌ فِي تَرَاجِمِ التَّوْرَاةِ الَّتِي يُقِرُّونَ بِهَا ثُمَّ فَعَلَ مُتَأَخِّرُوهُمْ مَا لَا خَفَاءَ بِهِ حَتَّى عُوقِبُوا بِتَخْرِيبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَكَفَرُوا بِالْمَسِيحِ وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ. وَالْقُرْآنُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَيَانُ مَا تَوَلَّوْا بِهِ عَنِ التَّوْرَاةِ فَالْجُمْلَةُ مَعْرُوفَةٌ وَذَلِكَ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ عِنَادِ أَسْلَافِهِمْ فَغَيْرُ عَجِيبٍ إِنْكَارُهُمْ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ/ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الْكِتَابِ وَجُحُودُهُمْ لِحَقِّهِ وَحَالُهُمْ فِي كِتَابِهِمْ وَنَبِيِّهِمْ مَا ذُكِرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ فَفِيهِ بَحْثَانِ: الْأَوَّلُ: ذَكَرَ الْقَفَّالُ فِي تَفْسِيرِهِ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: لَوْلَا مَا تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ إِمْهَالِكُمْ وَتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ أَيْ مِنَ الهالكين الذين باعوا أنفسهم نار جَهَنَّمَ، فَدَلَّ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا خَرَجُوا عَنْ هَذَا الْخُسْرَانِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْإِمْهَالِ حَتَّى تَابُوا. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ قَدِ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ثُمَّ قِيلَ: فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ رُجُوعًا بِالْكَلَامِ إِلَى أَوَّلِهِ، أَيْ لَوْلَا لُطْفُ اللَّهِ بِكُمْ برفع الجبل فوقكم لدمتم لي رَدِّكُمُ الْكِتَابَ وَلَكِنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَرَحِمَكُمْ فَلَطَفَ بِكُمْ بِذَلِكَ حَتَّى تُبْتُمْ. الْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةُ فَلَوْلا تُفِيدُ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ انْتِفَاءَ الْخُسْرَانِ مِنْ لَوَازِمِ حُصُولِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَحَيْثُ حَصَلَ الْخُسْرَانُ وَجَبَ أَنْ لَا يَحْصُلَ هُنَاكَ لُطْفُ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَفْعَلْ بِالْكَافِرِ شَيْئًا مِنَ الْأَلْطَافِ الدِّينِيَّةِ وَذَلِكَ خِلَافُ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ: أَجَابَ الْكَعْبِيُّ بِأَنَّهُ تَعَالَى سَوَّى بَيْنِ الْكُلِّ فِي الْفَضْلِ لَكِنِ انْتَفَعَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، فَصَحَّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِرَجُلٍ
[سورة البقرة (2) : الآيات 65 إلى 66]
وَقَدْ سَوَّى بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطِيَّةِ فَانْتَفَعَ بَعْضُهُمْ: لَوْلَا أَنَّ أَبَاكَ فَضَّلَكَ لَكُنْتَ فَقِيرًا، وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ نَصُّوا عَلَى أَنَّ: «لَوْلَا» تُفِيدُ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ وَبَعْدَ ثُبُوتِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ فَكَلَامُ الْكَعْبِيِّ ساقط جداً. [سورة البقرة (2) : الآيات 65 الى 66] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (65) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا عَدَّدَ وُجُوهَ إِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا خَتَمَ ذَلِكَ بِشَرْحِ بَعْضِ مَا وَجَّهَ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّشْدِيدَاتِ، وَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ كَانُوا فِي زَمَانِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَيْلَةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَهُوَ مَكَانٌ مِنَ الْبَحْرِ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الْحِيتَانُ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ فِي شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ حَتَّى لَا يُرَى الْمَاءُ لِكَثْرَتِهَا وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ الشَّهْرِ فِي كُلِّ سَبْتٍ خَاصَّةً وَهِيَ الْقَرْيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قوله: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ [الْأَعْرَافِ: 163] فَحَفَرُوا حِيَاضًا عِنْدَ الْبَحْرِ وَشَرَّعُوا إِلَيْهَا الْجَدَاوِلَ فَكَانَتِ الْحِيتَانُ تَدْخُلُهَا فَيَصْطَادُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ فَذَلِكَ الْحَبْسُ فِي الْحِيَاضِ هُوَ اعْتِدَاؤُهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَخَذُوا السَّمَكَ وَاسْتَغْنَوْا بِذَلِكَ وَهُمْ خَائِفُونَ مِنَ الْعُقُوبَةِ فَلَمَّا طَالَ/ الْعَهْدُ اسْتَسَنَّ الْأَبْنَاءُ بِسُنَّةِ الْآبَاءِ وَاتَّخَذُوا الْأَمْوَالَ فَمَشَى إِلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ كَرِهُوا الصَّيْدَ يَوْمَ السَّبْتِ وَنَهَوْهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا وَقَالُوا: نَحْنُ فِي هَذَا الْعَمَلِ مُنْذُ زَمَانٍ فَمَا زَادَنَا اللَّهُ بِهِ إِلَّا خَيْرًا، فَقِيلَ لَهُمْ: لَا تَغْتَرُّوا فَرُبَّمَا نَزَلَ بِكُمُ الْعَذَابُ وَالْهَلَاكُ فَأَصْبَحَ الْقَوْمُ وَهُمْ قِرَدَةٌ خَاسِئُونَ فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ هَلَكُوا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَمْرَانِ. الْأَوَّلُ: إِظْهَارُ مُعْجِزَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ كَالْخِطَابِ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يَكْتُبْ وَلَمْ يُخَالِطِ الْقَوْمَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا عَرَفَهُ مِنَ الْوَحْيِ. الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِمَا عَامَلَ بِهِ أَصْحَابَ السَّبْتِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ أَمَا تَخَافُونَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْكُمْ بِسَبَبِ تَمَرُّدِكُمْ مَا نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَذَابِ فَلَا تَغْتَرُّوا بِالْإِمْهَالِ الْمَمْدُودِ لَكُمْ ونظيره قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها [النِّسَاءِ: 47] . الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْكَلَامُ فِيهِ حَذْفٌ كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ اعْتِدَاءَ مَنِ اعْتَدَى مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ لِكَيْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ مِنَ الْعُقُوبَةِ جَزَاءً لِذَلِكَ، وَلَفْظُ الِاعْتِدَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ فِي السَّبْتِ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَكِنَّهُ مَذْكُورٌ فِي قَوْلِهِ: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ إِنَّمَا تَعَدَّوْا في ذلك الاصطياد فقط، وأن يقال: إِنَّمَا تَعَدَّوْا لِأَنَّهُمُ اصْطَادُوا مَعَ أَنَّهُمُ اسْتَحَلُّوا ذَلِكَ الِاصْطِيَادَ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: السَّبْتُ مَصْدَرُ سَبَتَتِ الْيَهُودُ إِذَا عَظَّمَتْ يَوْمَ السَّبْتِ. فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا كَانَ اللَّهُ نَهَاهُمْ عَنِ الِاصْطِيَادِ يَوْمَ السَّبْتِ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ أَكْثَرَ الْحِيتَانِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ سَائِرِ الْأَيَّامِ كَمَا قَالَ: تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ [الْأَعْرَافِ: 163] وَهَلْ هَذَا إِلَّا
إِثَارَةُ الْفِتْنَةِ وَإِرَادَةُ الْإِضْلَالِ. قُلْنَا: أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَإِرَادَةُ الْإِضْلَالِ جَائِزَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ فَالتَّشْدِيدُ فِي التَّكَالِيفِ حَسَنٌ لِغَرَضِ ازْدِيَادِ الثَّوَابِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: (قِرَدَةً خاسِئِينَ) خَبَرٌ: أَيْ كُونُوا جَامِعِينَ بَيْنَ الْقِرْدِيَّةِ وَالْخُسُوءِ، وَهُوَ الصَّغَارُ وَالطَّرْدُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ لَيْسَ بِأَمْرٍ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى أَنْ يَقْلِبُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ سُرْعَةُ التَّكْوِينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النَّحْلِ: 4] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فُصِّلَتْ: 11] وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُعْجِزْهُ مَا أَرَادَ إِنْزَالَهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ بِهَؤُلَاءِ بَلْ لَمَّا قَالَ لَهُمْ، كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ صَارُوا كَذَلِكَ أَيْ لَمَّا أَرَادَ/ ذَلِكَ بِهِمْ صَارُوا كَمَا أَرَادَ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [النِّسَاءِ: 47] وَلَا يَمْتَنِعُ أَيْضًا أَنَّ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ بِذَلِكَ عِنْدَ هَذَا التَّكْوِينِ إِلَّا أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي هَذَا التَّكْوِينِ هُوَ الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ. فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْقَوْلِ أَثَرٌ فِي التَّكْوِينِ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِيهِ؟ قُلْنَا: أَمَّا عِنْدُنَا فَأَحْكَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَفْعَالُهُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ الْبَتَّةَ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَعَلَّ هَذَا الْقَوْلَ يَكُونُ لَفْظًا لِبَعْضِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ لِغَيْرِهِمْ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْمَرْوِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَسَخَ قُلُوبَهُمْ بِمَعْنَى الطَّبْعِ وَالْخَتْمِ لَا أَنَّهُ مَسَخَ صُوَرَهُمْ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الْجُمُعَةِ: 5] وَنَظِيرُهُ أَنْ يَقُولَ الْأُسْتَاذُ للمتعلم البليد الذي لا ينجح في تَعْلِيمُهُ: كُنْ حِمَارًا. وَاحْتُجَّ عَلَى امْتِنَاعِهِ بِأَمْرَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ هَذَا الْهَيْكَلُ الْمُشَاهَدُ وَالْبِنْيَةُ الْمَحْسُوسَةُ فَإِذَا أَبْطَلَهَا وَخَلَقَ فِي تِلْكَ الْأَجْسَامِ تَرْكِيبَ الْقِرْدِ وَشَكْلَهُ كَانَ ذَلِكَ إِعْدَامًا لِلْإِنْسَانِ وَإِيجَادًا لِلْقِرْدِ فَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْمَسْخِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَعْدَمَ الْأَعْرَاضَ الَّتِي بِاعْتِبَارِهَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَجْسَامُ إِنْسَانًا وَخَلَقَ فِيهَا الْأَعْرَاضَ الَّتِي بِاعْتِبَارِهَا كَانَتْ قِرْدًا فَهَذَا يَكُونُ إِعْدَامًا وَإِيجَادًا لَا أَنَّهُ يَكُونُ مَسْخًا. وَالثَّانِي: إِنْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ لَمَا أَمِنَّا فِي كُلِّ مَا نَرَاهُ قِرْدًا وَكَلْبًا أَنَّهُ كَانَ إِنْسَانًا عَاقِلًا، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الشَّكِّ فِي الْمُشَاهَدَاتِ. وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ هُوَ تَمَامَ هَذَا الْهَيْكَلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ قَدْ يَصِيرُ سَمِينًا بَعْدَ أَنْ كَانَ هَزِيلًا، وَبِالْعَكْسِ فَالْأَجْزَاءُ مُتَبَدِّلَةٌ وَالْإِنْسَانُ الْمُعَيَّنُ هُوَ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا وَالْبَاقِي غَيْرَ الزَّائِلِ، فَالْإِنْسَانُ أَمْرٌ وَرَاءَ هَذَا الْهَيْكَلِ الْمَحْسُوسِ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ جِسْمًا سَارِيًا فِي الْبَدَنِ أَوْ جُزْءًا فِي بَعْضِ جَوَانِبِ الْبَدَنِ كَقَلْبٍ أَوْ دِمَاغٍ أَوْ مَوْجُودًا مُجَرَّدًا عَلَى مَا يَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ وَعَلَى جَمِيعِ التَّقْدِيرَاتِ فَلَا امْتِنَاعَ فِي بَقَاءِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مَعَ تَطَرُّقِ التَّغَيُّرِ إِلَى هَذَا الْهَيْكَلِ وَهَذَا هُوَ الْمَسْخُ وَبِهَذَا التقدير يجوز في المالك الَّذِي تَكُونُ جُثَّتُهُ فِي غَايَةِ الْعِظَمِ أَنْ يَدْخُلَ حُجْرَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْأَمَانَ يَحْصُلُ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلَمَّا ثَبَتَ بِمَا قَرَّرْنَا جَوَازُ الْمَسْخِ أَمْكَنَ إِجْرَاءُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَلَمْ يَكُنْ بِنَا حَاجَةٌ إِلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ غَيْرَ مُسْتَبْعَدٍ جِدًّا، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَصَرَّ عَلَى جَهَالَتِهِ بَعْدَ ظُهُورِ الْآيَاتِ وَجَلَاءِ الْبَيِّنَاتِ فَقَدْ يُقَالُ فِي الْعُرْفِ الظَّاهِرِ إِنَّهُ حِمَارٌ وَقِرْدٌ، وَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَجَازُ مِنَ الْمَجَازَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمَشْهُورَةِ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَصِيرِ إِلَيْهِ مَحْذُورٌ الْبَتَّةَ. بَقِيَ هَاهُنَا سُؤَالَانِ. السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ قِرْدًا لَا يَبْقَى لَهُ فَهْمٌ وَلَا عَقْلٌ وَلَا عِلْمٌ فَلَا يَعْلَمُ مَا نَزَلَ بِهِ من العذاب
وَمُجَرَّدُ الْقِرْدِيَّةِ غَيْرُ مُؤْلِمٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الْقُرُودَ حَالَ سَلَامَتِهَا غَيْرُ مُتَأَلِّمَةٍ فَمِنْ أَيْنَ يَحْصُلُ الْعَذَابُ بِسَبَبِهِ؟ الْجَوَابُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْأَمْرَ الَّذِي بِهِ يَكُونُ الْإِنْسَانُ إِنْسَانًا عَاقِلًا فَاهِمًا كَانَ بَاقِيًا إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا تَغَيَّرَتِ الْخِلْقَةُ وَالصُّورَةُ لَا جَرَمَ أَنَّهَا مَا كَانَتْ تَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ وَالْأَفْعَالِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ مَا نَالَهَا مِنْ تَغَيُّرِ الْخِلْقَةِ بِسَبَبِ شُؤْمِ الْمَعْصِيَةِ وَكَانَتْ فِي نِهَايَةِ الْخَوْفِ/ وَالْخَجَالَةِ، فَرُبَّمَا كَانَتْ مُتَأَلِّمَةً بِسَبَبِ تَغَيُّرِ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَأَلُّمِ الْقُرُودِ الْأَصْلِيَّةِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ عَدَمُ تَأَلُّمِ الْإِنْسَانِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ الْغَرِيبَةِ الْعَرَضِيَّةِ. السُّؤَالُ الثَّانِي: أُولَئِكَ الْقِرَدَةُ بَقُوا أَوْ أَفْنَاهُمُ اللَّهُ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُمْ بَقُوا فَهَذِهِ الْقِرَدَةُ الَّتِي فِي زَمَانِنَا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهَا مَنْ نَسْلِ أُولَئِكَ الْمَمْسُوخِينَ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: الْكُلُّ جَائِزٌ عَقْلًا إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ مَا مَكَثُوا إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ هَلَكُوا. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْخَاسِئُ الصَّاغِرُ الْمُبْعَدُ الْمَطْرُودُ كَالْكَلْبِ إِذَا دَنَا مِنَ النَّاسِ قِيلَ لَهُ اخْسَأْ، أَيْ تَبَاعَدْ وَانْطَرِدْ صَاغِرًا فَلَيْسَ هَذَا الْمَوْضِعُ مِنْ مَوَاضِعِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ يُحْتَمَلُ صَاغِرًا ذَلِيلًا مَمْنُوعًا عَنْ مُعَاوَدَةِ النَّظَرِ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ [الْمُلْكِ: 3، 4] ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: رَدِّدِ الْبَصَرَ فِي السَّمَاءِ تَرْدِيدَ مَنْ يَطْلُبُ فُطُورًا فَإِنَّكَ وَإِنْ أَكْثَرْتَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَجِدْ فُطُورًا فَيَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ذَلِيلًا كَمَا يَرْتَدُّ الْخَائِبُ بَعْدَ طُولِ سَعْيِهِ فِي طَلَبِ شَيْءٍ وَلَا يَظْفَرُ بِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ خَائِبًا صَاغِرًا مَطْرُودًا مِنْ حَيْثُ كَانَ يَقْصِدُهُ مِنْ أَنْ يُعَاوِدَهُ. أَمَّا قَوْلُهُ: فَجَعَلْناها فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ هَذَا الضَّمِيرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَعُودُ عَلَى وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: قَالَ الْفَرَّاءُ: (جَعَلْنَاهَا) يَعْنِي الْمِسْخَةَ الَّتِي مُسِخُوهَا، وَثَانِيهَا: قَالَ الْأَخْفَشُ: أَيْ جَعَلْنَا الْقِرَدَةَ نَكَالًا. وَثَالِثُهَا: جعلنا قرية أصحاب السبت نكالًا. رابعها: جَعَلْنَا هَذِهِ الْأُمَّةَ نَكَالًا لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ يَدُلُّ عَلَى الْأُمَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْ نَحْوِهَا وَالْأَقْرَبُ هُوَ الْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ لِأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ رَدُّ الْكِنَايَةِ إِلَى مَذْكُورٍ مُتَقَدِّمٍ فَلَا وَجْهَ لِرَدِّهَا إِلَى غَيْرِهِ، فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلَّا ذِكْرُهُمْ وَذِكْرُ عُقُوبَتِهِمْ، أَمَّا النَّكَالُ فَقَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّهُ الْعُقُوبَةُ الْغَلِيظَةُ الرَّادِعَةُ لِلنَّاسِ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ وَأَصْلُهُ مِنَ الْمَنْعِ وَالْحَبْسِ وَمِنْهُ النُّكُولُ عَنِ الْيَمِينِ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْهَا، وَيُقَالُ لِلْقَيْدِ النِّكْلُ، وَلِلِّجَامِ الثَّقِيلِ أَيْضًا نِكْلٌ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْمَنْعِ وَالْحَبْسِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً [الْمُزَّمِّلِ: 12] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا [النِّسَاءِ: 84] وَالْمَعْنَى: أَنَّا جَعَلْنَا مَا جَرَى عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عُقُوبَةً رَادِعَةً لِغَيْرِهِمْ أَيْ لَمْ نَقْصِدْ بِذَلِكَ مَا يَقْصِدُهُ الْآدَمِيُّونَ مِنَ التَّشَفِّي لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ تَضُرُّهُ الْمَعَاصِي وَتَنْقُصُ مِنْ مُلْكِهِ وَتُؤَثِّرُ فِيهِ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّمَا نُعَاقِبُ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فَعِقَابُنَا زَجْرٌ وَمَوْعِظَةٌ، قَالَ الْقَاضِي: الْيَسِيرُ مِنَ الذَّمِّ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ نَكَالٌ حَتَّى إِذْ عَظُمَ وَكَثُرَ وَاشْتَهَرَ، يُوصَفُ بِهِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِي السَّارِقِ الْمُصِرِّ الْقَطْعَ جَزَاءً وَنَكَالًا وَأَرَادَ بِهِ أَنْ يَفْعَلَ عَلَى وَجْهِ الْإِهَانَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخِزْيِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الذَّمِّ الْعَظِيمِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ مَا أَنْزَلَهُ بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ وَاسْتَحَلُّوا مِنَ اصْطِيَادِ الْحِيتَانِ وَغَيْرِهِ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمُ ابْتِغَاءَ الدُّنْيَا وَنَقَضُوا مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنَ الْمَوَاثِيقِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ بِهِمْ عُقُوبَةً لَا عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَلِّلَ مِقْدَارَ مَسْخِهِمْ وَيُغَيِّرَ صُوَرَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا يَنْزِلُ بِالْمُكَلَّفِ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُغَيِّرَةِ
[سورة البقرة (2) : الآيات 67 إلى 73]
لِلصُّورَةِ، وَيَكُونُ/ مِحْنَةً لَا عُقُوبَةً فَبَيَّنَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: فَجَعَلْناها نَكالًا أَنَّهُ تَعَالَى فَعَلَهَا عُقُوبَةً عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها فَفِيهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: لِمَا قَبْلَهَا وَمَا مَعَهَا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْأُمَمِ وَالْقُرُونِ لِأَنَّ مَسْخَهُمْ ذُكِرَ فِي كُتُبِ الْأَوَّلِينَ فَاعْتَبَرُوا بِهَا وَاعْتَبَرَ بِهَا مَنْ بَلَغَ إِلَيْهِ خَبَرُ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ مِنَ الَآخِرِينَ، وَثَانِيهَا: أُرِيدُ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مَا يَحْضُرُهَا مِنَ الْقُرُونِ وَالْأُمَمِ، وَثَالِثُهَا: الْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهَا عُقُوبَةً لِجَمِيعِ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ وَمَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ فَفِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ عَرَفَ الْأَمْرَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ يَتَّعِظُ بِهِ وَيَخَافُ إِنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ مِثْلُ مَا نَزَلْ بِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ عَاجِلًا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَخَافَ مِنَ الْعِقَابِ الْآجِلِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ وَأَدُومُ. وَأَمَّا تَخْصِيصُهُ الْمُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ فَكَمِثْلِ مَا بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ لأنهم إذا اختصموا بِالِاتِّعَاظِ وَالِانْزِجَارِ وَالِانْتِفَاعِ بِذَلِكَ صَلُحَ أَنْ يُخَصُّوا بِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْفَعَةٍ لِغَيْرِهِمْ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ أَنْ يَعِظَ الْمُتَّقُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَيْ جَعَلْنَاهَا نَكَالًا وَلِيَعِظَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَّقِينَ بَعْضًا فَتَكُونُ الْمَوْعِظَةُ مُضَافَةً إِلَى الْمُتَّقِينَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ يَتَّعِظُونَ بِهَا، وَهَذَا خَاصٌّ لَهُمْ دُونَ غَيْرِ الْمُتَّقِينَ وَاللَّهُ أعلم. [سورة البقرة (2) : الآيات 67 الى 73] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (67) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لَا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) [في شأن النزول الآيات] اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ التَّشْدِيدَاتِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَائِرِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتَلَ قَرِيبًا لِكَيْ يَرِثَهُ ثُمَّ رَمَاهُ فِي مَجْمَعِ الطَّرِيقِ ثُمَّ شَكَا ذَلِكَ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَاجْتَهَدَ مُوسَى فِي تَعَرُّفِ الْقَاتِلِ، فَلَمَّا لَمْ يَظْهَرْ قَالُوا لَهُ: سَلْ لَنَا رَبَّكَ حَتَّى يُبَيِّنَهُ، فَسَأَلَهُ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالِاسْتِفْهَامِ حَالًا بَعْدَ حَالٍ وَاسْتَقْصَوْا فِي طَلَبِ الْوَصْفِ فَلَمَّا تَعَيَّنَتْ لَمْ يَجِدُوهَا بِذَلِكَ النَّعْتِ إِلَّا عِنْدَ إِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَبِعْهَا إِلَّا بِأَضْعَافِ ثَمَنِهَا، فَاشْتَرَوْهَا وذبحوها وأمرهم
مُوسَى أَنْ يَأْخُذُوا عُضْوًا مِنْهَا فَيَضْرِبُوا بِهِ الْقَتِيلَ، فَفَعَلُوا فَصَارَ الْمَقْتُولُ حَيًّا وَسَمَّى لَهُمْ قَاتِلَهُ وَهُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ بِالشِّكَايَةِ فَقَتَلُوهُ قَوَدًا، ثُمَّ هَاهُنَا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّ الْإِيلَامَ وَالذَّبْحَ حَسَنٌ وَإِلَّا لَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ عِنْدَنَا وَجْهُ الْحُسْنِ فِيهِ أَنَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْمُلْكِ فَلَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ إِنَّمَا يَحْسُنُ لِأَجْلِ الْأَعْوَاضِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مِنْ بَقَرِ الدُّنْيَا وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا بِالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً مَعْنَاهُ اذْبَحُوا أَيَّ بَقَرَةٍ شِئْتُمْ فَهَذِهِ الصِّيغَةُ تُفِيدُ هَذَا الْعُمُومَ، وَقَالَ مُنْكِرُو الْعُمُومِ: إِنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ اذْبَحْ بَقَرَةً. يُمْكِنُ تَقْسِيمُهُ إِلَى قِسْمَيْنِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: اذْبَحْ بَقَرَةً مُعَيَّنَةً مِنْ شَأْنِهَا كَيْتُ وَكَيْتُ وَيَصِحُّ أَيْضًا/ أَنْ يُقَالَ اذْبَحْ بَقَرَةً أَيَّ بَقَرَةٍ شِئْتَ، فَإِذَنِ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِكَ «اذْبَحْ» مَعْنًى مُشْتَرِكٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ وَالْمُشْتَرِكُ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَإِذَنْ قَوْلُهُ اذْبَحُوا بَقَرَةً لَا يَسْتَلْزِمُ مَعْنَاهُ مَعْنَى قَوْلِهِ: اذْبَحُوا بَقَرَةً، أَيَّ بَقَرَةٍ شِئْتُمْ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ لِأَنَّهُ لَوْ أَفَادَ الْعُمُومَ لَكَانَ قَوْلُهُ: اذْبَحُوا بَقَرَةً أَيَّ بَقَرَةٍ شِئْتُمْ تَكْرِيرًا وَلَكَانَ قَوْلُهُ: اذْبَحُوا بَقَرَةً مُعَيَّنَةً نَقْضًا، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا فَسَادَ هَذَا الْقَوْلِ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فاذبحوا بَقَرَةً كَالنَّقِيضِ لِقَوْلِنَا لَا تَذْبَحُوا بَقَرَةً، وَقَوْلُنَا لَا تَذْبَحُوا بَقَرَةً يُفِيدُ النَّفْيَ الْعَامَّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا اذْبَحُوا بَقَرَةً يَرْفَعَ عُمُومَ النَّفْيِ وَيَكْفِي فِي ارْتِفَاعِ عُمُومِ النَّفْيِ خُصُوصُ الثُّبُوتِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَإِذَنْ قَوْلُهُ: اذْبَحُوا بَقَرَةً يُفِيدُ الْأَمْرَ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، أَمَّا الْإِطْلَاقُ فِي ذَبْحِ أَيِّ بَقَرَةٍ شَاءُوا فَذَلِكَ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ ذَلِكَ النَّفْيِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَفَادًا مِنَ اللَّفْظِ، الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: بَقَرَةً لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ مُنْكَرَةٌ وَالْمُفْرَدُ الْمُنَكَّرُ إِنَّمَا يُفِيدُ فَرْدًا مُعَيَّنًا فِي نَفْسِهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بِحَسَبِ الْقَوْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفِيدَ فَرْدًا أَيَّ فَرْدٍ كَانَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ فِي الْخَبَرِ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَمْرِ كَذَلِكَ، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ بِأَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ أَيَّ بَقَرَةٍ كَانَتْ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُفِيدَ الْعُمُومَ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَثْبُتُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: اذْبَحْ بَقَرَةً مَعْنَاهُ اذْبَحْ أَيَّ بَقَرَةٍ شِئْتَ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ. فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أن قوله تعالى: اذبحوا بَقَرَةً هَلْ هُوَ أَمْرٌ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ مُبَيَّنَةٍ أَوْ هُوَ أَمْرٌ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ أَيِّ بَقَرَةٍ كَانَتْ، فَالَّذِينَ يُجَوِّزُونَ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ قَالُوا: إِنَّهُ كَانَ أَمْرًا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَلَكِنَّهَا مَا كَانَتْ مُبَيَّنَةً، وَقَالَ الْمَانِعُونَ مِنْهُ: هُوَ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا بِذَبْحِ أَيِّ بَقَرَةٍ كَانَتْ إِلَّا أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا سَأَلُوا تَغَيُّرَ التَّكْلِيفِ عِنْدَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ الْأَوَّلَ كَانَ كَافِيًا لَوْ أَطَاعُوا وَكَانَ التخيير في جنس البقرة إِذْ ذَاكَ هُوَ الصَّلَاحَ، فَلَمَّا عَصَوْا وَلَمْ يَمْتَثِلُوا وَرَجَعُوا بِالْمَسْأَلَةِ لَمْ يَمْتَنِعْ تَغَيُّرُ الْمَصْلَحَةِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ فِي الْمُشَاهَدِ، لِأَنَّ الْمُدَبِّرَ لِوَلَدِهِ قَدْ يَأْمُرُهُ بِالسَّهْلِ اخْتِيَارًا، فَإِذَا امْتَنَعَ الْوَلَدُ مِنْهُ فَقَدْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّعْبِ فَكَذَا هَاهُنَا. وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ وما لَوْنُها وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لَا فارِضٌ، ... إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ، ... إِنَّها بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ مُنْصَرِفٌ إِلَى مَا أُمِرُوا بِذَبْحِهِ مِنْ قَبْلُ وَهَذِهِ الْكِنَايَاتُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مَا كَانَ ذَبْحَ بَقَرَةٍ أَيِّ بَقَرَةٍ كَانَتْ، بَلْ كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ ذَبْحَ
بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ. الثَّانِي: أَنَّ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةَ فِي الْجَوَابِ عَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا صِفَاتُ الْبَقَرَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِذَبْحِهَا أَوَّلًا أَوْ صِفَاتُ بَقَرَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ السُّؤَالِ وَانْتَسَخَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَالثَّانِي: يَقْتَضِي أَنْ يَقَعَ الِاكْتِفَاءُ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ آخِرًا، وَأَنْ لَا يَجِبَ حُصُولُ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَمَّا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ/ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ بِأَسْرِهَا كَانَتْ مُعْتَبَرَةً عَلِمْنَا فَسَادَ هَذَا الْقِسْمِ. فَإِنْ قِيلَ أَمَّا الْكِنَايَاتُ فَلَا نُسَلِّمُ عَوْدَهَا إِلَى الْبَقَرَةِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا كِنَايَاتٌ عَنِ الْقِصَّةِ وَالشَّأْنِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ؟ قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْكِنَايَاتِ لَوْ كَانَتْ عَائِدَةً إِلَى الْقِصَّةِ وَالشَّأْنِ لَبَقِيَ مَا بَعْدَ هَذِهِ الْكِنَايَاتِ غَيْرَ مُفِيدٍ، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَوْلِهِ: بَقَرَةٌ صَفْراءُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ شَيْءٍ آخَرَ وَذَلِكَ خِلَافُ الْأَصْلِ، أَمَّا إِذَا جَعَلْنَا الْكِنَايَاتِ عَائِدَةً إِلَى الْمَأْمُورِ بِهِ أَوَّلًا لَمْ يَلْزَمْ هَذَا الْمَحْذُورُ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْحُكْمَ بِرُجُوعِ الْكِنَايَةِ إِلَى الْقِصَّةِ وَالشَّأْنِ خِلَافُ الْأَصْلِ، لِأَنَّ الْكِنَايَةَ يَجِبُ عَوْدُهَا إِلَى شَيْءٍ جَرَى ذِكْرُهُ وَالْقِصَّةُ وَالشَّأْنُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُمَا فَلَا يَجُوزُ عَوْدُ الْكِنَايَةِ إِلَيْهِمَا لَكِنَّا خَالَفْنَا هَذَا الدَّلِيلَ لِلضَّرُورَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قوله: ما لَوْنُها، وما هِيَ لَا شَكَّ أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى الْبَقَرَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ عَائِدًا إِلَى تِلْكَ الْبَقَرَةِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنِ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا سَائِلِينَ مُعَانِدِينَ لَمْ يَكُنْ فِي مِقْدَارِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مُوسَى مَا يُزِيلُ الِاحْتِمَالَ لِأَنَّ مِقْدَارَ مَا ذَكَرَهُ مُوسَى أَنْ تَكُونَ بَقَرَةً صَفْرَاءَ مُتَوَسِّطَةً فِي السِّنِّ كَامِلَةً فِي الْقُوَّةِ، وَهَذَا الْقَدْرُ مَوْضِعٌ لِلِاحْتِمَالَاتِ الْكَثِيرَةِ، فَلَمَّا سَكَتُوا هَاهُنَا وَاكْتَفَوْا بِهِ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُعَانِدِينَ. وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً مَعْنَاهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً أَيَّ بَقَرَةٍ كَانَتْ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ اعْتِبَارُ الصِّفَةِ بَعْدَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا جَدِيدًا، وَثَانِيهَا: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ ذَبْحَ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمَا اسْتَحَقُّوا التَّعْنِيفَ عَلَى طَلَبِ الْبَيَانِ بَلْ كَانُوا يَسْتَحِقُّونَ الْمَدْحَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا عَنَّفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ، وَفِي قَوْلِهِ: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ عَلِمْنَا تَقْصِيرَهُمْ فِي الْإِتْيَانِ بِمَا أُمِرُوا بِهِ أَوَّلًا وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ لَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ أَوَّلًا ذَبْحَ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ. الثَّالِثُ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ ذَبَحُوا أَيَّةَ بَقَرَةٍ أَرَادُوا لَأَجْزَأَتْ مِنْهُمْ لَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي فِيهِ أُمِرُوا بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى ذَبْحِهَا، فَلَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ ذَبْحَ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا بَيَّنَهَا لَكَانَ ذَلِكَ تَأْخِيرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَالْجَوَابُ: عَنِ الْأَوَّلِ مَا بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ ذَبْحُ بَقَرَةٍ، أَيِّ بَقَرَةٍ كَانَتْ، وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَرَّطُوا فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ وَأَنَّهُمْ كَادُوا يُفَرِّطُونَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الْبَيَانِ، بَلِ اللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَنَحْمِلُهُ عَلَى الْأَخِيرِ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمَّا وَقَفُوا عَلَى تَمَامِ الْبَيَانِ تَوَقَّفُوا عِنْدَ ذَلِكَ وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَهُ، وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ بَابِ الْآحَادِ وَبِتَقْدِيرِ الصِّحَّةِ، فَلَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مُعَارِضَةً لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ دَلَّ الْأَمْرُ عَلَى الْفَوْرِ وَذَلِكَ عِنْدَنَا مَمْنُوعٌ. وَاعْلَمْ أَنَّا إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ بَقَرَةٌ أَيُّ بَقَرَةٍ كَانَتْ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ نَقُولَ: التَّكَالِيفُ مُغَايِرَةٌ فَكُلِّفُوا فِي الْأَوَّلِ: أَيَّ بَقَرَةٍ كَانَتْ، وَثَانِيًا: أَنْ تَكُونَ لَا فَارِضًا وَلَا بِكْرًا بَلْ عَوَانًا، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ كُلِّفُوا أَنْ تَكُونَ صَفْرَاءَ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ كُلِّفُوا أَنْ تَكُونَ مَعَ ذَلِكَ لَا ذَلُولًا تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ
الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي التَّكْلِيفِ الْوَاقِعِ أَخِيرًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْفِيًا لِكُلِّ صِفَةٍ تَقَدَّمَتْ حَتَّى تَكُونَ الْبَقَرَةُ مَعَ الصِّفَةِ الْأَخِيرَةِ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ وَصَفْرَاءُ فَاقِعٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا يَجِبُ كَوْنُهَا بِالصِّفَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَطْ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْكَلَامِ إِذَا كَانَ تَكْلِيفًا بَعْدَ تَكْلِيفٍ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَشْبَهَ بِالرِّوَايَاتِ وَبِطَرِيقَةِ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ تَرَدُّدِ الِامْتِثَالِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْبَيَانَ لَا يَتَأَخَّرُ فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ تَكْلِيفًا بَعْدَ تَكْلِيفٍ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَسْهَلَ قَدْ يُنْسَخُ بِالْأَشَقِّ وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ وَلَكِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ، وَيَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ النَّسْخِ فِي شَرْعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَهُ أَيْضًا تَعَلُّقٌ بِمَسْأَلَةِ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّسْخِ هَلْ هُوَ نَسْخٌ أَمْ لَا، وَيَدُلُّ عَلَى حُسْنِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ ثَانِيًا لِمَنْ عَصَى وَلَمْ يَفْعَلْ مَا كُلِّفَ أَوَّلًا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قُرِئَ: هُزُواً بِالضَّمِّ وَهُزْؤًا بِسُكُونِ الزَّايِ نَحْوَ كُفُؤًا وَكُفْءً وَقَرَأَ حَفْصٌ: (هُزُوًا) بِالضَّمَّتَيْنِ وَالْوَاوِ وَكَذَلِكَ كُفُوًا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الْقَفَّالُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً اسْتِفْهَامٌ عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ وَالْهُزْءُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمَهْزُوءِ بِهِ كَمَا يُقَالُ: كَانَ هَذَا فِي عِلْمِ اللَّهِ أَيْ فِي مَعْلُومِهِ وَاللَّهُ رَجَاؤُنَا أَيْ مَرْجُوُّنَا وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا [الْمُؤْمِنُونَ: 110] قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : (أتتخذنا هزؤاً) أَتَجْعَلُنَا مَكَانَ هُزْءٍ أَوْ أَهْلَ هُزْءٍ أَوْ مَهْزُوءًا بِنَا وَالْهُزْءُ نَفْسُهُ فَرْطُ الِاسْتِهْزَاءِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْقَوْمُ إِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا طَلَبُوا مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ تَعْيِينَ الْقَاتِلِ فَقَالَ مُوسَى: اذْبَحُوا بَقَرَةً لَمْ يَعْرِفُوا بَيْنَ هَذَا الْجَوَابِ وَذَلِكَ السُّؤَالِ مُنَاسَبَةً، فَظَنُّوا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُلَاعِبُهُمْ، لِأَنَّهُ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَهُمْ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ وَمَا أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا ذَبَحُوا الْبَقَرَةَ ضَرَبُوا الْقَتِيلَ بِبَعْضِهَا فَيَصِيرُ حَيًّا فَلَا جَرَمَ، وَقَعَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمْ مَوْقِعَ الْهُزْءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنْ كَانَ قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ كَيْفِيَّةَ الْحَالِ إِلَّا أَنَّهُمْ تَعَجَّبُوا مِنْ أَنَّ الْقَتِيلَ كَيْفَ يَصِيرُ حَيًّا بِأَنْ يَضْرِبُوهُ بِبَعْضِ أَجْزَاءِ الْبَقَرَةِ فَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِهْزَاءِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ أُولَئِكَ الْقَوْمَ كفروا بقولهم لموسى عليه السلام: أتتخذنا هزؤاً لِأَنَّهُمْ إِنْ قَالُوا ذَلِكَ وَشَكُّوا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ، فَهُوَ كُفْرٌ وَإِنْ شَكُّوا فِي أَنَّ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَلْ هُوَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ جَوَّزُوا الْخِيَانَةَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْوَحْيِ، وَذَلِكَ أَيْضًا كُفْرٌ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُلَاعَبَةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ جَائِزَةٌ فَلَعَلَّهُمْ ظَنُّوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ يُلَاعِبُهُمْ مُلَاعَبَةً حَقَّةً، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ. الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَتَتَّخِذُنا هُزُواً أَيْ مَا أَعْجَبَ هَذَا الْجَوَابَ كَأَنَّكَ تَسْتَهْزِئُ بِنَا لَا أَنَّهُمْ حَقَّقُوا عَلَى مُوسَى الِاسْتِهْزَاءَ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ فَفِيهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالِاسْتِهْزَاءِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِسَبَبِ الْجَهْلِ وَمَنْصِبُ النُّبُوَّةِ لَا يَحْتَمِلُ الْإِقْدَامَ عَلَى الِاسْتِهْزَاءِ، فَلَمْ يَسْتَعِذْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ نَفْسِ الشَّيْءِ الَّذِي نَسَبُوهُ إِلَيْهِ، لَكِنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنَ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لَهُ كَمَا قَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ عِنْدَ مِثْلِ ذَلِكَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَدَمِ الْعَقْلِ وَغَلَبَةِ الْهَوَى، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ مَجَازًا هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الْأَقْوَى. وَثَانِيهَا: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ بِمَا فِي الِاسْتِهْزَاءِ فِي أَمْرِ الدِّينِ مِنَ الْعِقَابِ الشَّدِيدِ وَالْوَعِيدِ الْعَظِيمِ، فَإِنِّي متى
عَلِمْتُ ذَلِكَ امْتَنَعَ إِقْدَامِي عَلَى الِاسْتِهْزَاءِ. وَثَالِثُهَا: قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ نَفْسَ الْهُزْءِ قَدْ يُسَمَّى جَهْلًا وَجَهَالَةً، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ: إِنَّ الْجَهْلَ ضِدُّ الْحِلْمِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ ضِدُّ الْعِلْمِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْعِظَامِ وَقَدْ سَبَقَ تَمَامُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا: (إِنَّا مَعَكُمْ) إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [الْبَقَرَةِ: 14- 15] . وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْمَ سَأَلُوا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْبَقَرَةِ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ فَأَجَابَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لَا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْآيَةِ أَبْحَاثًا: الْأَوَّلُ: أَنَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي نَفْسِهَا غَيْرُ مُبَيِّنٍ التَّعْيِينَ حَسُنَ مَوْقِعُ سُؤَالِهِمْ، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ لَمَّا كَانَ مُجْمَلًا حَسُنَ الِاسْتِفْسَارُ وَالِاسْتِعْلَامُ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِلْعُمُومِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ أَنَّهُ مَا الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى هَذَا الِاسْتِفْسَارِ؟ وَفِيهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُمْ إِذَا ذَبَحُوا الْبَقَرَةَ وَضَرَبُوا الْقَتِيلَ بِبَعْضِهَا صَارَ حَيًّا تَعَجَّبُوا مِنْ أَمْرِ تِلْكَ الْبَقَرَةِ، وَظَنُّوا أَنَّ تِلْكَ الْبَقَرَةَ الَّتِي يَكُونُ لَهَا مِثْلُ هَذِهِ الْخَاصَّةِ لَا تَكُونُ إِلَّا بَقَرَةً مُعَيَّنَةً، فَلَا جَرَمَ اسْتَقْصُوا فِي السُّؤَالِ عَنْ وَصْفِهَا كَعَصَا مُوسَى الْمَخْصُوصَةِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْعِصِيِّ بِتِلْكَ الْخَوَاصِّ، إِلَّا أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُخْطِئِينَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْعَجِيبَةَ مَا كَانَتْ خَاصِّيَّةَ الْبَقَرَةِ، بَلْ كَانَتْ مُعْجِزَةً يُظْهِرُهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَثَانِيهَا: لَعَلَّ الْقَوْمَ أَرَادُوا بَقَرَةً، أَيَّ بَقَرَةٍ كَانَتْ، إِلَّا أَنَّ الْقَاتِلَ خَافَ مِنَ الْفَضِيحَةِ، فَأَلْقَى الشُّبْهَةَ فِي التَّبْيِينِ وَقَالَ الْمَأْمُورُ بِهِ بَقَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ لا مطلق البقرة، لما وقعت الْمُنَازَعَةِ فِيهِ، رَجَعُوا عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى مُوسَى. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْخِطَابَ الْأَوَّلَ وَإِنْ أَفَادَ الْعُمُومَ إِلَّا أَنَّ الْقَوْمَ أَرَادُوا الِاحْتِيَاطَ فِيهِ، فَسَأَلُوا طَلَبًا لِمَزِيدِ الْبَيَانِ وَإِزَالَةً لِسَائِرِ الِاحْتِمَالَاتِ، إِلَّا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَغَيَّرَتْ وَاقْتَضَتِ الْأَمْرَ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ الْمُعَيَّنَةِ. الْبَحْثُ الثَّانِي: أَنَّ سُؤَالَ «مَا هِيَ» طَلَبٌ لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ وَالْحَقِيقَةِ، لِأَنَّ «مَا» سُؤَالٌ، وَ «هِيَ» إِشَارَةٌ إِلَى الْحَقِيقَةِ، فَمَا هِيَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ طَلَبًا لِلْحَقِيقَةِ وَتَعْرِيفُ الْمَاهِيَّةِ وَالْحَقِيقَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِذِكْرِ أَجْزَائِهَا وَمُقَدِّمَاتِهَا لَا بِذِكْرِ صِفَاتِهَا الْخَارِجَةِ عَنْ مَاهِيَّتِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ وَصْفَ السِّنِّ مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْمَاهِيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِهَذَا السُّؤَالِ: وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَمَا ذَكَرْتُمْ لَكِنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ مَقْصُودُهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَا الْبَقَرُ طَلَبُ مَاهِيَّتِهِ وَشَرْحُ حَقِيقَتِهِ بَلْ كَانَ مَقْصُودُهُمْ طَلَبَ الصِّفَاتِ الَّتِي بِسَبَبِهَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُ الْبَقَرِ عَنْ بَعْضٍ، فَلِهَذَا حَسُنَ ذِكْرُ الصِّفَاتِ الْخَارِجَةِ جَوَابًا عَنْ هَذَا السُّؤَالِ. الْبَحْثُ الثَّالِثُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الْفَارِضُ الْمُسِنَّةُ وَسُمِّيَتْ فَارِضًا لِأَنَّهَا فَرَضَتْ سِنَّهَا، أَيْ قَطَعَتْهَا وَبَلَغَتْ آخِرَهَا، وَالْبِكْرُ: الْفَتِيَّةُ وَالْعَوَانُ النَّصَفُ، قَالَ الْقَاضِي: أَمَّا الْبِكْرُ، فَقِيلَ: إِنَّهَا الصَّغِيرَةُ وَقِيلَ مَا لَمْ تَلِدْ، وَقِيلَ: إِنَّهَا الَّتِي وَلَدَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً، قَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ [الضَّبِّيُّ] : إِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْفَارِضِ أَنَّهَا الْمُسِنَّةُ وَفِي الْبِكْرِ أَنَّهَا الشَّابَّةُ وَهِيَ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لَمْ تُوطَأْ وَمِنَ الْإِبِلِ الَّتِي وَضَعَتْ بَطْنًا وَاحِدًا. قَالَ الْقَفَّالُ: الْبِكْرُ يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ وَمِنْهُ الْبَاكُورَةُ لِأَوَّلِ الثَّمَرِ وَمِنْهُ بُكْرَةُ النَّهَارِ وَيُقَالُ: بَكَّرْتُ عَلَيْهِمَا الْبَارِحَةَ إِذَا جَاءَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَكَأَنَّ الْأَظْهَرَ
أَنَّهَا هِيَ الَّتِي لَمْ تَلِدْ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنِ اسْمِ الْبِكْرِ مِنَ الْإِنَاثِ فِي بَنِي آدَمَ مَا لَمْ يَنْزُ عَلَيْهَا الْفَحْلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَوَانُ الَّتِي وَلَدَتْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ. وَحَرْبٌ عَوَانٌ: إِذَا كَانَتْ حَرْبًا قَدْ قُوتِلَ فِيهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَحَاجَةٌ عَوَانٌ: إِذَا كَانَتْ قَدْ قُضِيَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. الْبَحْثُ الرَّابِعُ: احْتَجَّ الْعُلَمَاءُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ عَلَى جَوَازٍ الِاجْتِهَادِ وَاسْتِعْمَالِ غَالِبِ الظَّنِّ فِي الْأَحْكَامِ إِذْ لَا يُعْلَمُ أَنَّهَا بَيْنَ الْفَارِضِ وَالْبِكْرِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَهَاهُنَا سؤالان: الأول: لفظة «بين» تقتضي شيئين فصاعداًفمن أَيْنَ جَازَ دُخُولُهُ عَلَى ذَلِكَ؟ الْجَوَابُ: لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى شَيْئَيْنِ حَيْثُ وَقَعَ مُشَارًا بِهِ إِلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْفَارِضِ وَالْبِكْرِ. السُّؤَالُ الثَّانِي: كَيْفَ جَازَ أَنْ يُشَارَ بِلَفْظَةِ: (ذَلِكَ) إِلَى مُؤَنَّثَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى وَاحِدٍ مُذَكَّرٍ؟ الْجَوَابُ: جَازَ ذِكْرُ ذَلِكَ عَلَى تَأْوِيلِ مَا ذُكِرَ أَوْ مَا تَقَدَّمَ لِلِاخْتِصَارِ فِي الْكَلَامِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: الْأَوَّلُ: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ بِهِ مِنْ قَوْلِكَ: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فَافْعَلُوا أَمْرَكُمْ بِمَعْنَى مَأْمُورِكُمْ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ كَضَرْبِ الْأَمِيرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ كَوْنُ الْبَقَرَةِ فِي أَكْمَلِ أَحْوَالِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ تَكُونُ نَاقِصَةً لِأَنَّهَا بَعْدُ مَا وَصَلَتْ إِلَى حَالَةِ الْكَمَالِ، وَالْمُسِنَّةُ كَأَنَّهَا صَارَتْ نَاقِصَةً وَتَجَاوَزَتْ عَنْ حَدِّ الْكَمَالِ، فأما المتوسطة فهي التي تكوى فِي حَالَةِ الْكَمَالِ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى حَكَى سُؤَالَهُمُ الثَّانِيَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا لَوْنُها وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا حَالَ السِّنِّ شَرَعُوا بَعْدَهُ فِي تَعَرُّفِ حَالِ اللَّوْنِ فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بأنها: صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها، والفقوع/ أشدها يَكُونُ مِنَ الصُّفْرَةِ وَأَنْصَعُهُ، يُقَالُ فِي التَّوْكِيدِ أَصْفَرُ فَاقِعٌ وَأَسْوَدُ حَالِكٌ وَأَبْيَضُ يَقَقٌ وَأَحْمَرُ قانٍ وأخضر ناضر، وهاهنا سؤالان: الْأَوَّلُ: «فَاقِعٌ» هَاهُنَا وَاقِعٌ خَبَرًا عَنِ اللَّوْنِ فَكَيْفَ يَقَعُ تَأْكِيدًا لِصَفْرَاءَ؟ الْجَوَابُ: لَمْ يَقَعْ خَبَرًا عَنِ اللَّوْنِ إِنَّمَا وَقَعَ تَأْكِيدًا لِصَفْرَاءَ إِلَّا أَنَّهُ ارْتَفَعَ اللَّوْنُ بِهِ ارْتِفَاعَ الْفَاعِلِ وَاللَّوْنُ سَبَبُهَا وَمُلْتَبِسٌ بِهَا، فَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: صَفْرَاءُ فَاقِعَةٌ وَصَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا. السُّؤَالُ الثَّانِي: فَهَلَّا قِيلَ صَفْرَاءُ فَاقِعَةٌ وَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي ذِكْرِ اللَّوْنِ؟ الْجَوَابُ: الْفَائِدَةُ فِيهِ التَّوْكِيدُ لِأَنَّ اللَّوْنَ اسْمٌ لِلْهَيْئَةِ وَهِيَ الصُّفْرَةُ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ صُفْرَتُهَا فَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ: جِدُّ جِدِّهِ وَجُنُونُ مَجْنُونٍ. وَعَنْ وَهْبٍ: إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا خُيِّلَ إِلَيْكَ أَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ يَخْرُجُ مِنْ جِلْدِهَا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: تَسُرُّ النَّاظِرِينَ فَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْبَقَرَةَ لِحُسْنِ لَوْنِهَا تَسُرُّ مِنْ نَظَرِ إِلَيْهَا، قَالَ الْحَسَنُ: الصَّفْرَاءُ هَاهُنَا بِمَعْنَى السَّوْدَاءِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْأَسْوَدَ أَصْفَرَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ الدخان: كأنه جمالات صُفْرٌ [الْمُرْسَلَاتِ: 33] أَيْ سُودٌ، وَاعْتَرَضُوا عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِأَنَّ الْأَصْفَرَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْأَسْوَدُ الْبَتَّةَ، فَلَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً فِيهِ، وَأَيْضًا السَّوَادُ لَا يُنْعَتُ بِالْفُقُوعِ، إِنَّمَا يُقَالُ: أَصْفَرُ فَاقِعٌ وَأَسْوَدُ حَالِكٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا السُّرُورُ فَإِنَّهُ حَالَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ تَعْرِضُ عِنْدَ حُصُولِ اعْتِقَادٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ بِحُصُولِ شَيْءٍ لَذِيذٍ أَوْ نَافِعٍ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى حَكَى سُؤَالَهُمُ الثَّالِثَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ وَهَاهُنَا مسائل:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ الْحَسَنُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ يَقُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا أَبَدًا» ، وَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّلَفُّظَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مَنْدُوبٌ فِي كُلِّ عَمَلٍ يُرَادُ تَحْصِيلُهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الْكَهْفِ: 23] ، وَفِيهِ اسْتِعَانَةٌ بِاللَّهِ وَتَفْوِيضُ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَالِاعْتِرَافُ بِقُدْرَتِهِ وَنَفَاذِ مَشِيئَتِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْحَوَادِثَ بِأَسْرِهَا مُرَادَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ فَقَدْ أَرَادَ اهْتِدَاءَهُمْ لَا مَحَالَةَ، وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى لِقَوْلِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَائِدَةٌ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدْ يَأْمُرُ بِمَا لَا يُرِيدُ فَحِينَئِذٍ يَبْقَى لِقَوْلِنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَائِدَةٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: احْتَجَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى مُحْدَثَةٌ بِقَوْلِهِ: إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ دُخُولَ كَلِمَةِ «إِنْ» عَلَيْهِ يَقْتَضِي الْحُدُوثَ. وَالثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى عَلَّقَ حُصُولَ الِاهْتِدَاءِ عَلَى حُصُولِ مَشِيئَةِ الِاهْتِدَاءِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ حُصُولُ الِاهْتِدَاءِ أَزَلِيًّا وَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ مَشِيئَةُ الِاهْتِدَاءِ أَزَلِيَّةً. وَلْنَرْجِعْ إِلَى التَّفْسِيرِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ فَفِيهِ السُّؤَالُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَنَا: مَا هُوَ طَلَبُ بَيَانِ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَذْكُورُ هَاهُنَا فِي الْجَوَابِ الصِّفَاتُ الْعَرَضِيَّةُ الْمُفَارَقَةُ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ. / أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا فَالْمَعْنَى أَنَّ الْبَقَرَ الْمَوْصُوفَ بِالتَّعْوِينِ وَالصُّفْرَةِ كَثِيرٌ فَاشْتَبَهَ عَلَيْنَا أَيُّهَا نَذْبَحُ، وَقُرِئَ تَشَابَهُ بِمَعْنَى تَتَشَابَهُ بِطَرْحِ التَّاءِ وَإِدْغَامِهَا فِي الشِّينِ وَ [قُرِئَ] تَشَابَهَتْ وَمُتَشَابِهَةٌ وَمُتَشَابِهٌ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ فَفِيهِ وُجُوهٌ ذَكَرَهَا الْقَفَّالُ. أَحَدُهَا: وَإِنَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ نَهْتَدِي لِلْبَقَرَةِ الْمَأْمُورِ بِذَبْحِهَا عِنْدَ تَحْصِيلِنَا أَوْصَافَهَا الَّتِي بها تمتاز عَمَّا عَدَاهَا. وَثَانِيهَا: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعْرِيفَهَا إِيَّانَا بِالزِّيَادَةِ لَنَا فِي الْبَيَانِ نَهْتَدِي إِلَيْهَا. وَثَالِثُهَا: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى هُدًى فِي اسْتِقْصَائِنَا فِي السُّؤَالِ عَنْ أَوْصَافِ البقرة أي نرجو أَنَّا لَسْنَا عَلَى ضَلَالَةٍ فِيمَا نَفْعَلُهُ مِنْ هَذَا الْبَحْثِ. وَرَابِعُهَا: إِنَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ نَهْتَدِي لِلْقَاتِلِ إِذَا وَصَفْتَ لَنَا هَذِهِ الْبَقَرَةَ بِمَا بِهِ تَمْتَازُ هِيَ عَمَّا سِوَاهَا ثُمَّ أَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ سُؤَالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّها بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَقَوْلُهُ: لَا ذَلُولٌ صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ بِمَعْنَى بَقَرَةٌ غَيْرُ ذَلُولٍ بمعنى لم تذلل للكراب وَإِثَارَةِ الْأَرْضِ وَلَا هِيَ مِنَ الْبَقَرِ الَّتِي يُسْقَى عَلَيْهَا فَتَسْقِي الْحَرْثَ وَ «لَا» الْأُولَى لِلنَّفْيِ وَالثَّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ الْأُولَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ وَتَسْقِي عَلَى أَنَّ الْفِعْلَيْنِ صِفَتَانِ لِذَلُولٍ كَأَنَّهُ قِيلَ لَا ذَلُولٌ مُثِيرَةٌ وَسَاقِيَةٌ، وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ الذَّلُولَ بِالْعَمَلِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهَا لَا تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ لِأَنَّ هَذَيْنِ الْعَمَلَيْنِ يَظْهَرُ بِهِمَا النَّقْصُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: مُسَلَّمَةٌ فَفِيهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: مِنَ الْعُيُوبِ مُطْلَقًا. وَثَانِيهَا: مِنْ آثَارِ الْعَمَلِ الْمَذْكُورِ. وَثَالِثُهَا: مُسَلَّمَةٌ أَيْ وَحْشِيَّةٌ مُرْسَلَةٌ عَنِ الْحَبْسِ. وَرَابِعُهَا: مُسَلَّمَةٌ مِنَ الشِّيَةِ الَّتِي هِيَ خِلَافُ لَوْنِهَا أَيْ خَلُصَتْ صُفْرَتُهَا عَنِ اخْتِلَاطِ سَائِرِ الْأَلْوَانِ بِهَا، وَهَذَا الرَّابِعُ ضَعِيفٌ وَإِلَّا لَكَانَ قَوْلُهُ: لَا شِيَةَ فِيها تَكْرَارًا غَيْرَ مُفِيدٍ، بَلِ الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى السَّلَامَةِ مِنَ الْعُيُوبِ وَاللَّفْظُ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ السَّلَامَةَ الْكَامِلَةَ عَنِ الْعِلَلِ وَالْمَعَايِبِ، وَاحْتَجَّ الْعُلَمَاءُ بِهِ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الظَّاهِرِ مَعَ تَجْوِيزٍ أَنْ يَكُونَ الْبَاطِنُ بِخِلَافِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مُسَلَّمَةٌ إِذَا فَسَّرْنَاهَا بِأَنَّهَا مُسَلَّمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ فَذَلِكَ لَا نَعْلَمُهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا نَعْلَمُهُ مِنْ طريق الظاهر.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا شِيَةَ فِيها فَالْمُرَادُ أَنَّ صُفْرَتَهَا خَالِصَةٌ غَيْرُ مُمْتَزِجَةٍ بِسَائِرِ الْأَلْوَانِ لِأَنَّ الْبَقَرَةَ الصَّفْرَاءَ قَدْ تُوصَفُ بِذَلِكَ إِذَا حَصَلَتِ الصُّفْرَةُ فِي أَكْثَرِهَا فَأَرَادَ تَعَالَى أَنْ يُبَيِّنَ عُمُومَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَا شِيَةَ فِيها رُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ صَفْرَاءَ الْأَظْلَافِ صَفْرَاءَ الْقُرُونِ، وَالْوَشْيُ خَلْطُ لَوْنٍ بِلَوْنٍ. ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ وَقَفُوا عِنْدَ هَذَا الْبَيَانِ وَاقْتَصَرُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ أَيِ الْآنِ بَانَتْ هَذِهِ الْبَقَرَةُ عَنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهَا بَقَرَةٌ عَوَانٌ صَفْرَاءُ غَيْرُ مُذَلَّلَةٍ بِالْعَمَلِ، قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ كُفْرٌ مِنْ قِبَلِهِمْ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَوَامِرِ أَنَّهَا مَا كَانَتْ حَقَّةً، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْآنَ ظَهَرَتْ حَقِيقَةُ مَا أَمَرْنَا بِهِ حَتَّى تَمَيَّزَتْ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يَكُونُ كُفْرًا. / أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ فَالْمَعْنَى فَذَبَحُوا الْبَقَرَةَ وَمَا كَادُوا يَذْبَحُونَهَا، وَهَاهُنَا بَحْثٌ: وَهُوَ أَنَّ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرُوا «لِكَادَ» تَفْسِيرَيْنِ. الْأَوَّلُ: قَالُوا: إِنَّ نَفْيَهُ إِثْبَاتٌ وَإِثْبَاتَهُ نَفْيٌ. فَقَوْلُنَا: كَادَ يَفْعَلُ كَذَا مَعْنَاهُ قَرُبَ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ لَكِنَّهُ مَا فَعَلَهُ وَقَوْلُنَا: مَا كَادَ يَفْعَلُ كَذَا مَعْنَاهُ قَرُبَ مِنْ أن يَفْعَلَ لَكِنَّهُ فَعَلَهُ. وَالثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَاهِرِ [الْجُرْجَانِيِّ] النَّحْوِيِّ أَنَّ كَادَ مَعْنَاهُ الْمُقَارَبَةُ فَقَوْلُنَا كَادَ يَفْعَلُ مَعْنَاهُ قَرُبَ مِنَ الْفِعْلِ وَقَوْلُنَا مَا كَادَ يَفْعَلُ مَعْنَاهُ مَا قَرُبَ مِنْهُ وَلِلْأَوَّلِينَ أَنْ يَحْتَجُّوا عَلَى فَسَادِ هَذَا الثَّانِي بِهَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ مَعْنَاهُ وَمَا قَارَبُوا الْفِعْلَ وَنَفْيُ الْمُقَارَبَةِ مِنَ الْفِعْلِ يُنَاقِضُ إِثْبَاتَ وُقُوعِ الْفِعْلِ، فَلَوْ كَانَ كَادَ لِلْمُقَارَبَةِ لَزِمَ وُقُوعُ التَّنَاقُضِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَهَاهُنَا أَبْحَاثٌ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ شَيْخٌ صَالِحٌ لَهُ عِجْلَةٌ فَأَتَى بِهَا الْغَيْضَةَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَوْدَعْتُكَهَا لِابْنِي حَتَّى تَكْبُرَ وَكَانَ بَرًّا بِوَالِدَيْهِ فَشَبَّتْ وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ الْبَقَرِ وَأَسْمَنِهَا فَتَسَاوَمُوهَا الْيَتِيمَ وَأُمَّهُ حَتَّى اشْتَرَوْهَا بِمَلْءِ مِسْكِهَا ذَهَبًا وَكَانَتِ الْبَقَرَةُ إِذْ ذَاكَ بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ، وَكَانُوا طَلَبُوا الْبَقَرَةَ الْمَوْصُوفَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً «1» . الْبَحْثُ الثَّانِي: رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْبَقَرَةَ تُذْبَحُ وَلَا تُنْحَرُ وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهَا تُنْحَرُ، قَالَ: فَتَلَوْتُ الْآيَةَ عَلَيْهِ فَقَالَ: الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ سَوَاءٌ، وَحُكِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالزُّهْرِيِّ إِنْ شِئْتَ نَحَرْتَ وَإِنْ شِئْتَ ذَبَحْتَ وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِالذَّبْحِ وَأَنَّهُمْ فَعَلُوَا مَا يُسَمَّى ذَبْحًا وَالنَّحْرُ وَإِنْ أَجْزَأَ عَنِ الذَّبْحِ فَصُورَتُهُ مُخَالِفَةٌ لِصُورَةِ الذَّبْحِ، فَالظَّاهِرُ يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ حَتَّى لَوْ نَحَرُوا وَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى قِيَامِهِ مَقَامَ الذَّبْحِ لَكَانَ لَا يُجْزِي. الْبَحْثُ الثَّالِثُ: اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي لِأَجْلِهِ مَا كَادُوا يَذْبَحُونَ، فَعَنْ بَعْضِهِمْ لِأَجْلِ غَلَاءِ ثَمَنِهَا وَعَنْ آخَرِينَ أَنَّهُمْ خَافُوا الشُّهْرَةَ وَالْفَضِيحَةَ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ، فَالْإِحْجَامُ عَنِ الْمَأْمُورِ بِهِ غَيْرُ جَائِزٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَذَلِكَ الْفِعْلُ مَا كَانَ يَتِمُّ إِلَّا بِالثَّمَنِ الْكَثِيرِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَدَاؤُهُ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَلْزَمُ الْمُصَلِّيَ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِالْمَاءِ إِذَا لَمْ يَجِدْهُ إِلَّا بِغَلَاءٍ مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ، وَلَوْلَاهُ لَلَزِمَ ذَلِكَ إِذَا وَجَبَ التَّطَهُّرُ مُطْلَقًا. وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ خَوْفُ الْفَضِيحَةِ فَذَاكَ لَا يَرْفَعُ التَّكْلِيفَ، فَإِنَّ الْقَوَدَ إِذَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لَزِمَهُ تَسْلِيمُ النَّفْسِ مِنْ وَلِيِّ الدَّمِ إِذَا طَالَبَ وَرُبَّمَا لَزِمَهُ التعريف
لِيَزُولَ الشَّرُّ وَالْفِتْنَةُ وَرُبَّمَا لَزِمَهُ ذَلِكَ لِتَزُولَ التُّهْمَةُ فِي الْقَتْلِ عَنِ الْقَوْمِ الَّذِينَ طُرِحَ الْقَتِيلُ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ الَّذِي عَرَّضَهُمْ لِلتُّهْمَةِ فَيَلْزَمُهُ إِزَالَتُهَا فَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُهُ سَبَبًا لِلتَّثَاقُلِ فِي هَذَا الْفِعْلِ. الْبَحْثُ الرَّابِعُ: احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إِلَّا مُجَرَّدُ الْأَمْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ التَّثَاقُلَ فِيهِ وَالتَّكَاسُلَ فِي الِاشْتِغَالِ بِمُقْتَضَاهُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ. قَالَ الْقَاضِي: إِذَا كَانَ الْغَرَضُ مِنَ الْمَأْمُورِ إِزَالَةَ شَرٍّ وَفِتْنَةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِهِ وَإِنَّمَا أَمَرَ تَعَالَى بِذَبْحِهَا لِكَيْ يَظْهَرَ الْقَاتِلُ فَتَزُولَ الْفِتْنَةُ وَالشَّرُّ الْمُخَوِّفُ فِيهِمْ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْ هَذَا الْجِنْسِ الضَّارِّ وَاجِبٌ، فَلَمَّا كَانَ الْعِلَاجُ إِزَالَتَهُ بِهَذَا الْفِعْلِ صَارَ واجباً وأيضاً فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنَّ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ أَنَّ التَّعَبُّدَ بِالْقُرْبَانِ لَا يَكُونُ إِلَّا سَبِيلَ الْوُجُوبِ، فَلَمَّا تَقَدَّمَ عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ كَفَاهُمْ مُجَرَّدُ الْأَمْرِ. وَأَقُولُ: حَاصِلُ هَذَيْنِ السُّؤَالَيْنِ يَرْجِعُ إِلَى حَرْفٍ واحد وهو أنا وإنا كُنَّا لَا نَقُولُ إِنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فَلَا نَقُولُ: إِنَّهُ يُنَافِي الْوُجُوبَ أَيْضًا فَلَعَلَّهُ فَهِمَ الْوُجُوبَ هَاهُنَا بِسَبَبٍ آخَرَ سِوَى الْأَمْرِ، وَذَلِكَ السَّبَبُ الْمُنْفَصِلُ إِمَّا قَرِينَةٌ حَالِيَّةٌ وَهِيَ الْعِلْمُ بِأَنَّ دَفْعَ الْمَضَارِّ وَاجِبٌ، أَوْ مَقَالِيَّةٌ وَهِيَ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ أَنَّ الْقُرْبَانَ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَذْكُورَ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فَلَمَّا ذُكِرَ الذَّمُّ وَالتَّوْبِيخُ عَلَى تَرْكِ الذَّبْحِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلِمْنَا أَنَّ مَنْشَأَ ذَلِكَ هُوَ مُجَرَّدُ وُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ لِمَا ثَبَتَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ. الْبَحْثُ الْخَامِسُ: احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ يُفِيدُ الْفَوْرَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ وَرَدَ التَّعْنِيفُ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ عِنْدَ وُرُودِ الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لِلْفَوْرِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها فَاعْلَمْ أَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ الْقَتْلِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لِأَمْرِهِ تَعَالَى بِالذَّبْحِ. أَمَّا الْإِخْبَارُ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ الْقَتْلِ وَعَنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يُضْرَبَ الْقَتِيلُ بِبَعْضِ تِلْكَ الْبَقَرَةِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ قِصَّةِ الْبَقَرَةِ، فَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ: هَذِهِ الْقِصَّةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً فِي التِّلَاوَةِ عَلَى الْأُولَى خَطَأٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي نَفْسِهَا يَجِبُ أَنْ تكون متقدمة على الأول فِي الْوُجُودِ، فَأَمَّا التَّقَدُّمُ فِي الذِّكْرِ فَغَيْرُ وَاجِبٍ لِأَنَّهُ تَارَةً يَتَقَدَّمُ ذِكْرُ السَّبَبِ عَلَى ذِكْرِ الْحُكْمِ وَأُخْرَى عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْوَاقِعَةُ أَمَرَهُمْ تَعَالَى بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ فَلَمَّا ذَبَحُوهَا قَالَ: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا مِنْ قَبْلُ وَاخْتَلَفْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فَإِنِّي مُظْهِرٌ لَكُمُ الْقَاتِلَ الَّذِي سَتَرْتُمُوهُ بِأَنْ يُضْرَبَ الْقَتِيلُ بِبَعْضِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ الْمَذْبُوحَةِ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ. فَإِنْ قِيلَ: هَبْ أَنَّهُ لَا خَلَلَ فِي هَذَا النَّظْمِ، وَلَكِنَّ النَّظْمَ الْآخَرَ كَانَ مُسْتَحْسَنًا فَمَا الْفَائِدَةُ فِي تَرْجِيحِ هَذَا النَّظْمِ؟ قُلْنَا: إِنَّمَا قُدِّمَتْ قِصَّةُ الْأَمْرَ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ عَلَى ذِكْرِ الْقَتِيلِ لِأَنَّهُ لَوْ عَمِلَ عَلَى عَكْسِهِ لَكَانَتْ قِصَّةً وَاحِدَةً وَلَوْ كَانَتْ قِصَّةً وَاحِدَةً لَذَهَبَ الْغَرَضُ مِنْ بَيْنِيَّةِ التَّفْرِيعِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَادَّارَأْتُمْ فِيها فَفِيهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: اخْتَلَفْتُمْ وَاخْتَصَمْتُمْ فِي شَأْنِهَا لِأَنَّ الْمُتَخَاصِمِينَ يَدْرَأُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَيْ يُدَافِعُهُ وَيُزَاحِمُهُ. وَثَانِيهَا: «ادَّارَأْتُمْ» أَيْ يَنْفِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمُ الْقَتْلَ عَنْ نَفْسِهِ وَيُضِيفُهُ إِلَى غَيْرِهِ. وَثَالِثُهَا: دَفْعُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا عَنِ الْبَرَاءَةِ وَالتُّهْمَةِ، وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ/ فِيهِ أَنَّ الدَّرْءَ هُوَ الدَّفْعُ. فَالْمُتَخَاصِمُونَ إِذَا تَخَاصَمُوا فَقَدْ دَفَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ تِلْكَ التُّهْمَةَ، وَدَفَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُجَّةَ صَاحِبِهِ عَنْ تِلْكَ الْفِعْلَةِ، وَدَفَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُجَّةَ صَاحِبِهِ فِي إِسْنَادِ تِلْكَ التُّهْمَةِ إِلَى غَيْرِهِ وَحَجَّةَ صَاحِبِهِ فِي بَرَاءَتِهِ عَنْهُ، قَالَ الْقَفَّالُ: وَالْكِنَايَةُ فِي (فِيهَا) لِلنَّفْسِ، أَيْ فَاخْتَلَفْتُمْ فِي النَّفْسِ وَيُحْتَمَلُ فِي الْقِتْلَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: قَتَلْتُمْ يَدُلُّ عَلَى الْمَصْدَرِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أَيْ مُظْهِرٌ لَا مَحَالَةَ مَا كَتَمْتُمْ مِنْ أَمْرِ الْقَتْلِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أُعْمِلَ «مُخْرِجٌ» وَهُوَ فِي مَعْنَى الْمُضِيِّ؟ قُلْنَا: قَدْ حَكَى مَا كَانَ مُسْتَقْبَلًا فِي وَقْتِ التَّدَارُءِ كَمَا حَكَى الْحَاضِرُ فِي قَوْلِهِ: باسِطٌ ذِراعَيْهِ [الْكَهْفِ: 18] وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَهُمَا «ادَّارَأْتُمْ، فَقُلْنَا» ثُمَّ فِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أَيْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا حُكِمَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ وَالتَّنَازُعَ فِي بَابِ الْقَتْلِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفِتَنِ وَالْفَسَادِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ فَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ: لَا بُدَّ وَأَنْ يُزِيلَ هَذَا الْكِتْمَانَ لِيَزُولَ ذَلِكَ الْفَسَادُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُرِيدُ الْفَسَادَ وَلَا يَرْضَى بِهِ وَلَا يَخْلُقُهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَإِلَّا لَمَا قَدَرَ عَلَى إِظْهَارِ مَا كَتَمُوهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ مَا يُسِرُّهُ الْعَبْدُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَدَامَ ذَلِكَ مِنْهُ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُهُ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ عَبْدًا لَوْ أَطَاعَ اللَّهَ مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حِجَابًا لَأَظْهَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ» وَكَذَلِكَ الْمَعْصِيَةُ. وَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: «قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ يُخْفُونَ لِي أَعْمَالَهُمْ وَعَلَيَّ أَنْ أُظْهِرَهَا لَهُمْ» . الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ وُرُودُ الْعَامِّ لِإِرَادَةِ الْخَاصِّ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ الْمَكْتُومَاتِ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ صَاحِبَ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ طَلَبَهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى وَجَدَهَا، ثُمَّ ذُبِحَتْ إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها لِلتَّعْقِيبِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها حَصَلَ عَقِيبَ قوله تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: اضْرِبُوهُ ضَمِيرٌ وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى النَّفْسِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّذْكِيرُ عَلَى تَأْوِيلِ الشَّخْصِ وَالْإِنْسَانِ وَإِمَّا إِلَى الْقَتِيلِ وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَمَرَ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِذَبْحِهَا مَصْلَحَةٌ/ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِذَبْحِهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَالُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا عَلَى السَّوِيَّةِ وَالْأَقْرَبُ هُوَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ لَوْ قَامَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا لَمَا وَجَبَتْ عَلَى التَّعْيِينِ، بَلْ عَلَى التَّخَيُّرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا وَهَاهُنَا سُؤَالَانِ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي ضَرْبِ الْمَقْتُولِ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَهُ ابْتِدَاءً؟ الْجَوَابُ: الْفَائِدَةُ فِيهِ لِتَكُونَ الْحُجَّةُ أَوْكَدَ وَعَنِ الْحِيلَةِ أَبْعَدَ فَقَدْ كَانَ يَجُوزُ لِمُلْحِدٍ أَنْ يُوهِمَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا أَحْيَاهُ بِضَرْبٍ مِنَ السِّحْرِ وَالْحِيلَةِ، فَإِنَّهُ إِذَا حيي عند ما يُضْرَبُ بِقِطْعَةٍ مِنَ الْبَقَرَةِ الْمَذْبُوحَةِ انْتَفَتِ الشُّبْهَةُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَحْيَ بِشَيْءٍ انْتَقَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْجِسْمِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ إِنَّمَا حَيِيَ بِفِعْلٍ فَعَلُوهُ هُمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ إِعْلَامَ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا بِتَمْوِيهٍ مِنَ الْعِبَادِ وَأَيْضًا فَتَقْدِيمُ الْقُرْبَانِ مِمَّا يُعَظِّمُ أَمْرَ الْقُرْبَانِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: هَلَّا أَمَرَ بِذَبْحِ غَيْرِ الْبَقَرَةِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِهَا لَوْ أُمِرُوا به كالكلام فيها، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهَا فَوَائِدَ، مِنْهَا التَّقَرُّبُ بِالْقُرْبَانِ الَّذِي كَانَتِ الْعَادَةُ بِهِ جَارِيَةً وَلِأَنَّ هَذَا الْقُرْبَانَ كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَعْظَمِ الْقَرَابِينِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ الثَّوَابِ لِتَحَمُّلِ الْكُلْفَةِ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ عَلَى غَلَاءِ ثَمَنِهَا، وَلِمَا فِيهِ مِنْ حُصُولِ الْمَالِ الْعَظِيمِ لِمَالِكِ الْبَقَرَةِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ الَّذِي ضَرَبُوا الْقَتِيلَ بِهِ مَا هُوَ؟ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُخَيَّرِينَ فِي أَبْعَاضِ الْبَقَرَةِ لِأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِضَرْبِ الْقَتِيلِ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ وَأَيُّ بَعْضٍ مِنْ أَبِعَاضِ الْبَقَرَةِ ضَرَبُوا الْقَتِيلَ بِهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُمْتَثِلِينَ لِمُقْتَضَى قَوْلِهِ: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها وَالْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْقَتِيلُ فَقِيلَ: لِسَانُهَا وَقِيلَ: فَخْذُهَا الْيُمْنَى وَقِيلَ: ذَنَبُهَا وَقِيلَ: الْعَظْمُ الَّذِي يَلِي الْغُضْرُوفَ وَهُوَ أَصْلُ الْآذَانِ، وَقِيلَ: الْبِضْعَةُ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنْ وَرَدَ خَبَرٌ صَحِيحٌ قُبِلَ وَإِلَّا وَجَبَ السُّكُوتُ عَنْهُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا فَضَرَبُوهُ بِبَعْضِهَا فَحَيِيَ إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ ذَلِكَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَعَلَيْهِ هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ [الْبَقَرَةِ: 60] أَيْ فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ، رُوِيَ أَنَّهُمْ لَمَّا ضَرَبُوهُ قَامَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَوْدَاجُهُ تَشْخُبُ دَمًا، وَقَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ، وَفُلَانٌ لا بني عَمِّهِ ثُمَّ سَقَطَ مَيِّتًا: وَقُتِلَا. أَمَّا قَوْلُهُ تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي هَذِهِ الْآيَةِ وجهان: أحدهما: أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى نَفْسِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ احْتِجَاجٌ فِي صِحَّةِ الْإِعَادَةِ، ثُمَّ هذا الِاحْتِجَاجُ أَهْوَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَوْ عَلَى غَيْرِهِمْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. الْأَوَّلُ: قَالَ الْأَصَمُّ: إِنَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ لَهُمْ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ هَذَا الْإِحْيَاءَ قَدْ كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلِمُوا صِحَّةَ الْإِعَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ بِالتَّوَاتُرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ دِاعِيَةً لَهُمْ إِلَى التَّفَكُّرِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ مِنْهُ تَعَالَى ذِكْرُ الْأَمْرِ بِالضَّرْبِ وَأَنَّهُ سَبَبُ إحياء ذلك/ الميت، ثم قال: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى فَجَمَعَ الْمَوْتى وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ الْقَتِيلَ لَمَا جَمَعَ فِي الْقَوْلِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: دَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِعَادَةَ كَالِابْتِدَاءِ فِي قُدْرَتِهِ. الثَّانِي: قَالَ الْقَفَّالُ: ظَاهِرُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِحْيَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لِسَائِرِ الْمَوْتَى يَكُونُ مِثْلَ هَذَا الْإِحْيَاءِ الَّذِي شَاهَدْتُمْ، لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ وَلَمْ يُشَاهِدُوا شَيْئًا مِنْهُ، فَإِذَا شَاهَدُوهُ اطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُمْ وَانْتَفَتْ عَنْهُمُ الشُّبْهَةُ الَّتِي لَا يَخْلُو مِنْهَا الْمُسْتَدِلُّ، وَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى إِلَى قَوْلِهِ: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [الْبَقَرَةِ: 26] فَأَحْيَا اللَّهُ تَعَالَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْقَتِيلَ عَيَانًا، ثُمَّ قَالَ لهم: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى أَيْ كَالَّذِي أَحْيَاهُ فِي الدُّنْيَا يُحْيِي فِي الْآخِرَةِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ فِي ذَلِكَ الْإِيجَادِ إِلَى مَادَّةٍ وَمُدَّةٍ وَمِثَالٍ وَآلَةٍ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مِنَ النَّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى عَلَى أَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَاسَ عَلَى إِحْيَاءِ ذَلِكَ الْقَتِيلِ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا كَوْنُ الْقَتِيلِ مَيِّتًا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنْ ذَلِكَ كَانَ آيَةً وَاحِدَةً فَلِمَ سُمِّيَتْ بِالْآيَاتِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ الْمَقْدُورَاتِ. الْعَالِمِ بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ، الْمُخْتَارِ فِي الْإِيجَادِ وَالْإِبْدَاعِ، وَعَلَى صِدْقِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى بَرَاءَةِ سَاحَةِ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَاتِلًا. وَعَلَى تَعَيُّنِ تِلْكَ التُّهْمَةِ عَلَى مَنْ بَاشَرَ ذَلِكَ الْقَتْلَ، فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ آيَةً وَاحِدَةً إِلَّا أَنَّهَا لَمَّا دَلَّتْ عَلَى هَذِهِ الْمَدْلُولَاتِ الْكَثِيرَةِ لَا جَرَمَ جَرَتْ مَجْرَى الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فَفِيهِ بَحْثَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ كَلِمَةَ «لَعَلَّ» قَدْ تَقَدَّمَ تفسيرها في قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا عُقَلَاءَ قَبْلَ عَرْضِ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَيْهِمْ وَإِذَا كَانَ الْعَقْلُ حَاصِلًا امْتَنَعَ أَنْ يُقَالَ: إِنِّي عَرَضْتُ عَلَيْكَ الْآيَةَ الْفُلَانِيَّةَ لِكَيْ تَصِيرَ عَاقِلًا، فَإِذَنْ لَا يُمْكِنُ إِجْرَاءُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَعَلَّكُمْ تَعْمَلُونَ عَلَى قَضِيَّةِ عُقُولِكُمْ وَأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى إِحْيَاءِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ قَدِرَ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَنْفُسِ كُلِّهَا لِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ، حَتَّى لَا يُنْكِرُوا الْبَعْثَ، هَذَا آخِرُ الْكَلَامِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ ذَكَرَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَحْكَامِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْقَاتِلَ هَلْ يَرِثُ أَمْ لَا؟ قَالُوا: لَا. لِأَنَّهُ روي عن عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ قَاتِلًا فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ حُرِمَ مِنَ الْمِيرَاثِ لِأَجْلِ كَوْنِهِ قَاتِلًا. قَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الظَّاهِرِ أَنَّ الْقَاتِلَ هَلْ كَانَ وَارِثًا لِقَتِيلِهِ أَمْ لَا؟ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لَهُ فَهَلْ حُرِمَ الْمِيرَاثَ أَمْ لَا؟ وَلَيْسَ يَجِبُ إِذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ الْقَاتِلَ حُرِمَ لِمَكَانِ قَتْلِهِ الْمِيرَاثَ أَنْ يُعَدَّ ذَلِكَ فِي جُمْلَةِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ إِذَا كَانَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا مُجْمَلًا وَلَا مُفَصَّلًا، وَإِذَا كَانَ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ شَرْعَهُمْ كَشَرْعِنَا وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ، فَإِدْخَالُ هَذَا الْكَلَامِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ تَعَسُّفٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي حَقٌّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلْنَذْكُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ الْمُجْتَهِدُونَ فِي أَنَّ الْقَاتِلَ هَلْ يَرِثُ أَمْ لَا، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَرِثُ سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً أَوْ كَانَ مُسْتَحَقًّا كَالْعَادِلِ إِذَا قَتَلَ الْبَاغِيَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، لَا يَرِثُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ إِلَّا أَنَّ الْعَادِلَ إِذَا قَتَلَ الْبَاغِيَ فَإِنَّهُ يَرِثُهُ، وَكَذَا الْقَاتِلُ إِذَا كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا يَرِثُهُ لَا من ديته ولا من سائر أمواله، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: قَاتِلُ الْخَطَأِ يَرِثُ وَقَاتِلُ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَرِثُهُ مِنْ دِيَتِهِ وَيَرِثُهُ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِعُمُومِ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ الْمُسْتَفِيضِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ» إِلَّا أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا الْخَبَرِ إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ جَوَّزْنَا تَخْصِيصَ عُمُومِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، ثُمَّ هَاهُنَا دَقِيقَةٌ وَهِيَ أَنَّ تَطَرُّقَ التَّخْصِيصِ إِلَى الْعَامِّ يُفِيدُ نَوْعَ ضَعْفٍ فَلَوْ خَصَّصْنَا هَذَا الْخَبَرَ بِبَعْضِ الصُّوَرِ فَحِينَئِذٍ يَتَوَالَى عَلَيْهِ أَسْبَابُ الضَّعْفِ، فَإِنَّ كَوْنَهُ خَبَرَ وَاحِدٍ يُوجِبُ الضَّعْفَ وَكَوْنَهُ عَلَى مُصَادَمَةِ الْكِتَابِ سَبَبٌ آخَرُ وَكَوْنَهُ مَخْصُوصًا سَبَبٌ آخَرُ، فَلَوْ خَصَّصْنَا عُمُومَ الْكِتَابِ بِهِ لَكُنَّا قَدْ رَجَّحْنَا الضَّعِيفَ جِدًّا عَلَى الْقَوِيِّ جِدًّا. أَمَّا إِذَا لَمْ يُخَصَّصْ هَذَا الْخَبَرُ أَلْبَتَّةَ انْدَفَعَ عَنْهُ بَعْضُ أَسْبَابِ الضَّعْفِ فَحِينَئِذٍ لَا يَبْعُدُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ بِهِ. وَاحْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ عَلَى أَنَّ الْعَادِلَ إِذَا قَتَلَ الْبَاغِيَ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مَحْرُومًا عَنِ الْمِيرَاثِ بِأَنَّا لَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ مَنْ وَجَبَ لَهُ الْقَوَدُ عَلَى إِنْسَانٍ فَقَتَلَهُ قَوَدًا أَنَّهُ لَا يُحْرَمُ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يمنعون هذه الصورة والله أعلم.
[سورة البقرة (2) : آية 74]
[سورة البقرة (2) : آية 74] ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الشَّيْءُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ بِأَصْلِ ذَاتِهِ أَنْ يَقْبَلَ الْأَثَرَ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ ثُمَّ إِنَّهُ عَرَضَ لِذَلِكَ الْقَابِلِ مَا لِأَجْلِهِ صَارَ بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُ الْأَثَرَ فَيُقَالُ لِذَلِكَ الْقَابِلِ: إِنَّهُ صَارَ صُلْبًا غَلِيظًا قَاسِيًا، فَالْجِسْمُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جِسْمٌ يَقْبَلُ الْأَثَرَ عَنِ الْغَيْرِ إِلَّا أَنَّ صِفَةَ الْحَجَرِيَّةِ لَمَّا عَرَضَتْ لِلْجِسْمِ صَارَ/ جِسْمُ الْحَجَرِ غَيْرَ قَابِلٍ وَكَذَلِكَ الْقَلْبُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَأَثَّرَ عَنْ مُطَالَعَةِ الدَّلَائِلِ وَالْآيَاتِ وَالْعِبَرِ وَتَأَثُّرُهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْكِ التَّمَرُّدِ وَالْعُتُوِّ وَالِاسْتِكْبَارِ وَإِظْهَارِ الطَّاعَةِ وَالْخُضُوعِ لِلَّهِ وَالْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَضَ لِلْقَلْبِ عَارِضٌ أَخْرَجَهُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ صَارَ فِي عَدَمِ التَّأَثُّرِ شَبِيهًا بِالْحَجَرِ فَيُقَالُ: قَسَا الْقَلْبُ وَغَلُظَ، وَلِذَلِكَ كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصْفَ الْمُؤْمِنِينَ بِالرِّقَّةِ فَقَالَ: كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزُّمَرِ: 23] . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الْقَفَّالُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: قُلُوبُكُمْ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيِ اشْتَدَّتْ قُلُوبُكُمْ وَقَسَتْ وَصَلَبَتْ مِنْ بَعْدِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي جَاءَتْ أَوَائِلَكُمْ وَالْأُمُورُ الَّتِي جَرَتْ عَلَيْهِمْ وَالْعِقَابُ الَّذِي نَزَلَ بِمَنْ أَصَرَّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مِنْهُمْ وَالْآيَاتُ الَّتِي جَاءَهُمْ بِهَا أَنْبِيَاؤُهُمْ وَالْمَوَاثِيقُ الَّتِي أَخَذُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى كُلِّ مَنْ دَانَ بِالتَّوْرَاةِ مِمَّنْ سِوَاهُمْ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ طُغْيَانِهِمْ وَجَفَائِهِمْ مَعَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِآيَاتِ اللَّهِ الَّتِي تَلِينُ عِنْدَهَا الْقُلُوبُ، وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ خِطَابُ مُشَافَهَةٍ، فَحَمْلُهُ عَلَى الْحَاضِرِينَ أَوْلَى، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أُولَئِكَ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ خُصُوصًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ سَلَفِهِمْ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ بَعْدِ مَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إِحْيَاءِ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدَ ضربه بعض الْبَقَرَةِ الْمَذْبُوحَةِ حَتَّى عُيِّنَ الْقَاتِلُ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَتِيلَ لَمَّا عَيَّنَ الْقَاتِلَ نَسَبَهُ الْقَاتِلُ إِلَى الْكَذِبِ وَمَا تَرَكَ الْإِنْكَارَ، بَلْ طَلَبَ الْفِتْنَةَ وَسَاعَدَهُ عَلَيْهِ جَمْعٌ، فَعِنْدَهُ قَالَ تَعَالَى وَاصِفًا لَهُمْ: إِنَّهُمْ بَعْدَ ظُهُورِ مِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، أَيْ صَارَتْ قُلُوبُهُمْ بَعْدَ ظُهُورِ مِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْقَسْوَةِ كَالْحِجَارَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ إِشَارَةً إِلَى جَمِيعِ مَا عَدَّدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنَ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ وَالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ الَّتِي أَظْهَرُهَا عَلَى يَدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّ أُولَئِكَ الْيَهُودَ بَعْدَ أَنْ كَثُرَتْ مُشَاهَدَتُهُمْ لَهَا مَا خَلَوْا مِنَ الْعِنَادِ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي أَخْبَارِهِمْ فِي التِّيهِ لِمَنْ نَظَرُ فِيهَا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً فِيهِ مَسَائِلُ. الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: كَلِمَةُ «أَوْ» لِلتَّرْدِيدِ وَهِيَ لَا تَلِيقُ بِعَلَّامِ الْغُيُوبِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وَهُوَ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصَّافَّاتِ: 147] بِمَعْنَى وَيَزِيدُونَ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ [النُّورِ: 31] وَالْمَعْنَى وَآبَائِهِنَّ وَكَقَوْلِهِ: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ [النُّورِ: 61] يَعْنِي وَبُيُوتَ آبَائِكُمْ. وَمِنْ نَظَائِرِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [طَهَ: 44] ، فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً [الْمُرْسَلَاتِ: 5، 6] . وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُبْهِمَهُ عَلَى الْعِبَادِ فَقَالَ ذَلِكَ كما
يَقُولُ الْمَرْءُ لِغَيْرِهِ: أَكَلْتُ خُبْزًا أَوْ تَمْرًا وَهُوَ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ أَكَلَ أَحَدَهُمَا إِذَا أراد أن يُبَيِّنَهُ لِصَاحِبِهِ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فَهِيَ كالحجارة، ومنها ما هو أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ، وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْآدَمِيِّينَ إِذَا/ اطَّلَعُوا عَلَى أَحْوَالِ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: إِنَّهَا كَالْحِجَارَةِ أَوْ هِيَ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [النَّجْمِ: 9] أَيْ فِي نَظَرِكُمْ وَاعْتِقَادِكُمْ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ كَلِمَةَ «أَوْ» بِمَعْنَى بَلْ وَأَنْشَدُوا: فو الله مَا أَدْرِي أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ ... أَمِ الْقَوْمُ أَوْ كُلٌّ إِلَيَّ حَبِيبُ قَالُوا: أَرَادَ بَلْ كُلٌّ. وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ عَلَى حَدِّ قَوْلِكَ مَا آكُلُ إِلَّا حُلْوًا أَوْ حَامِضًا أَيْ طَعَامِي لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَيْنِ، بَلْ يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِمَا، وَبِالْجُمْلَةِ: فَلَيْسَ الْغَرَضُ إِيقَاعَ التَّرَدُّدِ بَيْنَهُمَا، بَلْ نَفْيَ غَيْرِهِمَا. وَسَابِعُهَا: أَنَّ «أَوْ» حَرْفُ إِبَاحَةٍ كَأَنَّهُ قِيلَ بِأَيِّ هَذَيْنِ شَبَّهْتَ قُلُوبَهُمْ كَانَ صِدْقًا كَقَوْلِكَ: جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِينَ أَيْ أَيَّهُمَا جَالَسْتَ كُنْتَ مُصِيبًا وَلَوْ جَالَسْتَهُمَا مَعًا كُنْتَ مُصِيبًا أَيْضًا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : «أَشُدُّ» مَعْطُوفٌ عَلَى الْكَافِ، إِمَّا عَلَى معنى أو مثل: «أَشَدُّ قَسْوَةً» فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ وَإِمَّا عَلَى أَوْ هِيَ أَنْفُسُهَا أَشَدُّ قَسْوَةً. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِنَّمَا وَصَفَهَا بِأَنَّهَا أَشَدُّ قَسْوَةً لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْحِجَارَةَ لَوْ كَانَتْ عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلنها كَمَا قَالَ: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الْحَشْرِ: 21] . وَثَانِيهَا: أَنَّ الْحِجَارَةَ لَيْسَ فِيهَا امْتِنَاعٌ مِمَّا يَحْدُثُ فِيهَا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ قَاسِيَةً بَلْ هِيَ مُنْصَرِفَةٌ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ مِنْ تَسْخِيرِهِ، وَهَؤُلَاءِ مَعَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَحْوَالِهِمْ فِي اتِّصَالِ الْآيَاتِ عِنْدَهُمْ وَتَتَابُعِ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَمْتَنِعُونَ مِنْ طَاعَتِهِ وَلَا تَلِينُ قُلُوبُهُمْ لِمَعْرِفَةِ حَقِّهِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الْأَنْعَامِ: 38] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ [الْأَنْعَامِ: 39] كَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ مِنْ غَيْرِ بَنِي آدَمَ أُمَمٌ سُخِّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا لِشَيْءٍ وَهُوَ مُنْقَادٌ لِمَا أُرِيدَ مِنْهُ وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ يَمْتَنِعُونَ عَمَّا أَرَادَ اللَّهُ مِنْهُمْ. وَثَالِثُهَا: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً، لِأَنَّ الْأَحْجَارَ يُنْتَفَعُ بِهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَيَظْهَرُ مِنْهَا الْمَاءُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، أَمَّا قُلُوبُ هَؤُلَاءِ فَلَا نَفْعَ فِيهَا الْبَتَّةَ وَلَا تَلِينُ لِطَاعَةِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقَ فِيهِمُ الدَّوَامَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ ذَمُّهُمْ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَلَوْ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ خَاطَبَهُمْ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الصَّلَابَةَ فِي الْحِجَارَةِ هُوَ الَّذِي خَلَقَ فِي قُلُوبِنَا الْقَسْوَةَ وَالْخَالِقُ فِي الْحِجَارَةِ انْفِجَارَ الْأَنْهَارِ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَنْقُلَنَا عَمَّا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِخَلْقِ الْإِيمَانِ فِينَا، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ فَعُذْرُنَا ظَاهِرٌ لَكَانَتْ حُجَّتُهُمْ عَلَيْهِ أَوْكَدَ مِنْ حُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا النَّمَطُ مِنَ الْكَلَامِ قَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرًا وَتَفْرِيعًا مِرَارًا وَأَطْوَارًا. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إِنَّمَا قَالَ: أَشَدُّ قَسْوَةً وَلَمْ يَقُلْ أَقْسَى، لِأَنَّ ذَلِكَ أَدَلُّ عَلَى فَرْطِ الْقَسْوَةِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ لَا يَقْصِدَ مَعْنَى الْأَقْسَى، وَلَكِنْ قَصَدَ وَصْفَ الْقَسْوَةِ بِالشِّدَّةِ كَأَنَّهُ قِيلَ: اشْتَدَّتْ قَسْوَةُ الْحِجَارَةِ وَقُلُوبُهُمْ أَشَدُّ قَسْوَةً، وَقُرِئَ «قَسَاوَةً» وَتُرِكَ ضَمِيرُ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْإِلْبَاسِ/ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ كَرِيمٌ وَعَمْرٌو أَكْرَمُ. ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَضَّلَ الْحِجَارَةَ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِأَنْ بَيَّنَ أَنَّ الْحِجَارَةَ قَدْ يَحْصُلُ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَلَا يُوجَدُ فِي قُلُوبِ هَؤُلَاءِ شَيْءٌ مِنَ الْمَنَافِعِ. فَأَوَّلُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قُرِئَ: «وَإِنْ» بِالتَّخْفِيفِ وَهِيَ إِنِ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ الَّتِي تَلْزَمُهَا اللَّامُ الْفَارِقَةُ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ [يَسْ: 32] . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: التَّفَجُّرُ التَّفَتُّحُ بِالسَّعَةِ وَالْكَثْرَةِ، يُقَالُ: انْفَجَرَتْ قُرْحَةُ فُلَانٍ، أَيِ انْشَقَّتْ بِالْمُدَّةِ وَمِنْهُ الْفَجْرُ وَالْفُجُورُ. وَقَرَأَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ «يَنْفَجِرُ» بِمَعْنَى وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ مَا يَنْشَقُّ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ الَّذِي يَجْرِي حَتَّى تَكُونَ مِنْهُ الْأَنْهَارُ. قَالَتِ الْحُكَمَاءُ: إِنَّ الْأَنْهَارَ إِنَّمَا تَتَوَلَّدُ عَنْ أَبْخِرَةٍ تَجْتَمِعُ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْأَرْضِ رَخْوًا انْشَقَّتْ تِلْكَ الْأَبْخِرَةُ وَانْفَصَلَتْ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْأَرْضِ صُلْبًا حَجَرِيًّا اجْتَمَعَتْ تِلْكَ الْأَبْخِرَةُ، وَلَا يَزَالُ يَتَّصِلُ تَوَالِيهَا بِسَوَابِقِهَا حَتَّى تَكْثُرَ كَثْرَةً عَظِيمَةً فَيَعْرِضَ حِينَئِذٍ مِنْ كَثْرَتِهَا وَتَوَاتُرِ مَدِّهَا أَنْ تَنْشَقَّ الْأَرْضُ وَتَسِيلَ تِلْكَ الْمِيَاهُ أَوْدِيَةً وَأَنْهَارًا. وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ، أَيْ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنْصَدِعُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ فَيَكُونُ عَيْنًا لَا نَهْرًا جَارِيًا، أَيْ أَنَّ الْحِجَارَةَ قَدْ تَنْدَى بِالْمَاءِ الْكَثِيرِ وَبِالْمَاءِ الْقَلِيلِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلُ تَفَاوُتِ الرُّطُوبَةِ فِيهَا، وَأَنَّهَا قَدْ تَكْثُرُ فِي حَالٍ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا مَا يَجْرِي مِنْهُ الْأَنْهَارُ، وَقَدْ تُقِلُّ، وَهَؤُلَاءِ قُلُوبُهُمْ فِي نِهَايَةِ الصَّلَابَةِ لَا تَنْدَى بِقَبُولِ شَيْءٍ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَلَا تَنْشَرِحُ لِذَلِكَ وَلَا تَتَوَجَّهُ إِلَى الِاهْتِدَاءِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَشَّقَّقُ أَيْ يَتَشَقَّقُ، فَأُدْغِمَ التاء كقوله: يَذَّكَّرُ أي يتذكر وقوله: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل: 1] ، يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [الْمُدَّثِّرِ: 1] . وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِيهِ إِشْكَالًا وَهُوَ أَنَّ الْهُبُوطَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ صِفَةُ الْأَحْيَاءِ الْعُقَلَاءِ، وَالْحَجَرُ جَمَادٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِيهِ، فَلِهَذَا الْإِشْكَالِ ذَكَرُوا فِي هذه الآية وجوهاً. أحدها: قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ خَاصَّةً وَهُوَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنْها رَاجِعٌ إِلَى القلوب، فإنه يَجُوزُ عَلَيْهَا الْخَشْيَةُ وَالْحِجَارَةُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا الْخَشْيَةُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْقُلُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحِجَارَةِ، أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْحِجَارَةَ أَقْرَبُ الْمَذْكُورِينَ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَمَّا كَانَ لَائِقًا بِالْقُلُوبِ دُونَ الْحِجَارَةِ وَجَبَ رُجُوعُ هَذَا الضَّمِيرِ إِلَى الْقُلُوبِ دُونَ الْحِجَارَةِ، وَاعْتَرَضُوا عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً جُمْلَةٌ تَامَّةٌ، ثُمَّ ابْتَدَأَ تَعَالَى فَذَكَرَ حَالَ الْحِجَارَةِ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ فَيَجِبُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَيْهَا، الثَّانِي: أَنَّ الْهُبُوطَ يَلِيقُ بِالْحِجَارَةِ لَا بِالْقُلُوبِ، فَلَيْسَ تَأْوِيلُ الْهُبُوطِ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلِ الْخَشْيَةِ، وَثَانِيهَا: قَوْلُ جَمْعٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَى الْحِجَارَةِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحِجَارَةَ لَيْسَتْ حَيَّةً عَاقِلَةً، بَيَانُهُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ جَبَلُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ تَقَطَّعَ وَتَجَلَّى/ لَهُ رَبُّهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ فِيهِ الْحَيَاةَ وَالْعَقْلَ وَالْإِدْرَاكَ، وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا، قالُوا: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فُصِّلَتْ: 21] ، فَكَمَا جُعِلَ الْجِلْدُ يَنْطِقُ وَيَسْمَعُ وَيَعْقِلُ، فَكَذَلِكَ الْجَبَلُ وَصَفَهُ بِالْخَشْيَةِ، وَقَالَ أَيْضًا: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الْحَشْرِ: 21] ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ جَعَلَ فِيهِ الْعَقْلَ والفهم لصار كذلك، وروي أنه حن الجزع لِصُعُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْوَحْيُ فِي أَوَّلِ الْمَبْعَثِ وَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَنْزِلِهِ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ الْأَحْجَارُ وَالْأَشْجَارُ، فَكُلُّهَا كَانَتْ تَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالُوا: فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يُخْلَقَ فِي بَعْضِ الْأَحْجَارِ عَقْلٌ وَفَهْمٌ حَتَّى تَحْصُلَ الْخَشْيَةُ فِيهِ، وَأَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ هَذَا التَّأْوِيلَ لَمَا أَنَّ عِنْدَهُمُ الْبِنْيَةَ وَاعْتِدَالَ الْمِزَاجِ شَرْطُ قَبُولِ الْحَيَاةِ وَالْعَقْلِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُمْ عَلَى اشْتِرَاطِ الْبِنْيَةِ إِلَّا مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعَادِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَيْهِمْ.
[سورة البقرة (2) : آية 75]
وَثَالِثُهَا: قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَى الْحِجَارَةِ، وَأَنَّ الْحِجَارَةَ لَا تَعْقِلُ وَلَا تَفْهَمُ، وَذَكَرُوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْوَاعًا مِنَ التَّأْوِيلِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ مَا يَتَرَدَّى مِنَ الْمَوْضِعِ الْعَالِي الَّذِي يَكُونُ فِيهِ فَيَنْزِلُ إِلَى أَسْفَلَ وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ مُصِرُّونَ عَلَى الْعِنَادِ وَالتَّكَبُّرِ، فَكَأَنَّ الْهُبُوطَ مِنَ الْعُلُوِّ جُعِلَ مَثَلًا لِلِانْقِيَادِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، أَيْ ذَلِكَ الْهُبُوطُ لَوْ وُجِدَ مِنَ الْعَاقِلِ الْمُخْتَارِ لَكَانَ بِهِ خَاشِيًا لِلَّهِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [الْكَهْفِ: 77] ، أي جداراً قد ظهر فيه الْمَيَلَانِ وَمُقَارَبَةِ السُّقُوطِ مَا لَوْ ظَهَرَ مَثَلُهُ فِي حَيٍّ مُخْتَارٍ لَكَانَ مُرِيدًا لِلِانْقِضَاضِ، وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: بَخِيلٌ تَضِلُّ الْبُلْقُ مِنْ حجراته ... ترى الأكم فيه سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ وَقَوْلُ جَرِيرٍ: لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَضَعْضَعَتْ ... سُورُ الْمَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الْخُشَّعُ فَجَعَلَ الْأَوَّلَ مَا ظَهَرَ فِي الْأُكْمِ مِنْ أَثَرِ الْحَوَافِرِ مَعَ عَدَمِ امْتِنَاعِهَا مِنْ دَفْعِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهَا كَالسُّجُودِ مِنْهَا لِلْحَوَافِرِ، وَكَذَلِكَ الثَّانِي: جَعَلَ مَا ظَهَرَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ آثَارِ الْجَزَعِ كَالْخُشُوعِ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَأَوَّلَ أَهْلُ النَّظَرِ قَوْلَهُ تَعَالَى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الْإِسْرَاءِ: 44] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [النَّحْلِ: 49] الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [الرَّحْمَنِ: 6] . الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي التَّأْوِيلِ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَيْ وَمِنَ الْحِجَارَةِ مَا يَنْزِلُ وَمَا يَنْشَقُّ وَيَتَزَايَلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، عِنْدَ الزَّلَازِلِ مِنْ أَجْلِ مَا يُرِيدُ اللَّهُ بِذَلِكَ مِنْ خَشْيَةِ عِبَادِهِ لَهُ وَفَزَعِهِمْ إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ إِهْبَاطِ الْأَحْجَارِ فِي الزَّلَازِلِ الشَّدِيدَةِ أَنْ تَحْصُلَ خَشْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ صَارَتْ تِلْكَ الْخَشْيَةُ كَالْعِلَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي حُصُولِ ذَلِكَ الْهُبُوطِ، فَكَلِمَةُ «مِنْ» لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فَقَوْلُهُ: مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، أَيْ بِسَبَبِ أَنْ تَحْصُلَ خَشْيَةُ اللَّهِ فِي الْقُلُوبِ، الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا ذَكَرَهُ الْجُبَّائِيُّ وَهُوَ أَنَّهُ فَسَّرَ الْحِجَارَةَ بِالْبَرْدِ الَّذِي يَهْبِطُ مِنَ السَّحَابِ تَخْوِيفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ لِيَزْجُرَهُمْ بِهِ. قَالَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: / مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَيْ خَشْيَةِ اللَّهِ، أَيْ يَنْزِلُ بِالتَّخْوِيفِ لِلْعِبَادِ أَوْ بِمَا يُوجِبُ الْخَشْيَةَ لِلَّهِ كَمَا يُقَالُ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَحْرِيمِ كَذَا وَتَحْلِيلِ كَذَا أَيْ بِإِيجَابِ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، قَالَ الْقَاضِي: هَذَا التَّأْوِيلُ تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِأَنَّ الْبَرْدَ لَا يُوصَفُ بِالْحِجَارَةِ، لِأَنَّهُ وَإِنِ اشْتَدَّ عِنْدَ النُّزُولِ فَهُوَ مَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَلِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالتَّسْمِيَةِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِالْمِرْصَادِ لِهَؤُلَاءِ الْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَحَافِظٌ لِأَعْمَالِهِمْ مُحْصِي لَهَا فَهُوَ يُجَازِيهِمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مَرْيَمَ: 64] وَفِي هَذَا وَعِيدٌ لَهُمْ وَتَخْوِيفٌ كَبِيرٌ لِيَنْزَجِرُوا. فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَافِلٍ؟ قُلْنَا: قَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يُوهِمُ جَوَازَ الْغَفْلَةِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِأَنَّ نَفْيَ الصِّفَةِ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ صِحَّتِهَا عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [الْبَقَرَةِ: 255] ، وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الْأَنْعَامِ: 14] وَاللَّهُ أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 75] أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)
اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا ذَكَرَ قَبَائِحَ أَفْعَالِ أَسْلَافِ الْيَهُودِ إِلَى هَاهُنَا، شَرَحَ مِنْ هُنَا قبائح أفعال اليهود الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ فِيمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ أَقَاصِيصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وُجُوهًا مِنَ الْمَقْصِدِ، أَحَدُهَا: الدَّلَالَةُ بِهَا عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا بِالْوَحْيِ وَيَشْتَرِكُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْعَرَبُ، أَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ هَذِهِ الْقِصَصَ فَلَمَّا سَمِعُوهَا مِنْ مُحَمَّدٍ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ أَصْلًا، عَلِمُوا لَا مَحَالَةَ أَنَّهُ مَا أَخَذَهَا إِلَّا مِنَ الْوَحْيِ. وَأَمَّا الْعَرَبُ فَلَمَّا يُشَاهِدُونَ مِنْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُصَدِّقُونَ مُحَمَّدًا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ. وَثَانِيهَا: تَعْدِيدُ النِّعَمِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى أَسْلَافِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَرَامَةِ وَالْفَضْلِ كَالْإِنْجَاءِ من آل فرعون بعد ما كَانُوا مَقْهُورِينَ مُسْتَعْبَدِينَ وَنَصْرِهِ إِيَّاهُمْ وَجَعْلِهِمْ أَنْبِيَاءَ وَمُلُوكًا وَتَمْكِينِهِ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَفَرْقِهِ بِهِمُ الْبَحْرَ وَإِهْلَاكِهِ عَدُوَّهُمْ وَإِنْزَالِهِ النُّورَ وَالْبَيَانَ عَلَيْهِمْ بِوَاسِطَةِ إِنْزَالِ التَّوْرَاةِ وَالصَّفْحِ عَنِ الذُّنُوبِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَنَقْضِ الْمَوَاثِيقِ وَمَسْأَلَةِ النَّظَرِ إِلَى اللَّهِ جَهْرَةً، ثُمَّ مَا أَخْرَجَهُ لَهُمْ فِي التِّيهِ مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ مِنَ الْحَجَرِ وَإِنْزَالِهِ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَوِقَايَتِهِمْ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ بِتَظْلِيلِ الْغَمَامِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ هَذِهِ النِّعَمَ الْقَدِيمَةَ وَالْحَدِيثَةَ، وَثَالِثُهَا: إِخْبَارُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ/ بِتَقْدِيمِ كُفْرِهِمْ وَخِلَافِهِمْ وَشِقَاقِهِمْ وَتَعَنُّتِهِمْ مَعَ الأنبياء ومعاندتهم لهم وبلوغهم فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ بَعْدَ مُشَاهَدَتِهِمُ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةَ عَبَدُوا الْعِجْلَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِيَّاهُمْ بِالْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ، فَدَلَّ عَلَى بَلَادَتِهِمْ، ثُمَّ لَمَّا أُمِرُوا بِدُخُولِ الْبَابِ سُجَّدًا وَأَنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ وَوَعَدَهُمْ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ وَيَزِيدَ فِي ثَوَابِ مُحْسِنِهِمْ بَدَّلُوا الْقَوْلَ وَفَسَقُوا، ثُمَّ سَأَلُوا الْفُومَ وَالْبَصَلَ بَدَلَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، ثُمَّ امْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِ التَّوْرَاةِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِمُوسَى وَضَمَانِهِمْ لَهُ بِالْمَوَاثِيقِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيَنْقَادُوا لِمَا يَأْتِي بِهِ حَتَّى رُفِعَ فَوْقَهُمُ الْجَبَلُ ثُمَّ اسْتَحَلُّوا الصَّيْدَ فِي السَّبْتِ وَاعْتَدُّوا، ثُمَّ لَمَّا أُمِرُوا بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ شَافَهُوا مُوسَى عليه السلام بقولهم: أَتَتَّخِذُنا هُزُواً [البقرة: 67] ، ثُمَّ لَمَّا شَاهَدُوا إِحْيَاءَ الْمَوْتَى ازْدَادُوا قَسْوَةً، فَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِذَا كَانَتْ هَذِهِ أَفْعَالَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ مَعَ نَبِيِّهِمُ الَّذِي أَعَزَّهُمُ اللَّهُ بِهِ وَأَنْقَذَهُمْ مِنَ الرِّقِّ وَالْآفَةِ بِسَبَبِهِ، فَغَيْرُ بَدِيعٍ مَا يُعَامِلُ بِهِ أَخْلَافُهُمْ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلْيَهُنْ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَالْمُؤْمِنُونَ مَا تَرَوْنَهُ مِنْ عِنَادِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْحَقِّ. وَرَابِعُهَا: تَحْذِيرُ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نُزُولِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ كَمَا نَزَلَ بِأَسْلَافِهِمْ فِي تِلْكَ الْوَقَائِعِ الْمَعْدُودَةِ. وَخَامِسُهَا: تَحْذِيرُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَنْ يَنْزِلَ الْعَذَابُ عَلَيْهِمْ كَمَا نَزَلَ عَلَى أُولَئِكَ الْيَهُودِ، وَسَادِسُهَا: أَنَّهُ احْتِجَاجٌ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ الْمُنْكِرِينَ لِلْإِعَادَةِ مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِالِابْتِدَاءِ، وَهُوَ المراد من قوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى [البقرة: 73] إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ شَدِيدَ الْحِرْصِ عَلَى الدُّعَاءِ إِلَى الْحَقِّ وَقَبُولِهِمُ الْإِيمَانَ مِنْهُ، وَكَانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِسَبَبِ عِنَادِهِمْ وَتَمَرُّدِهِمْ، فَقَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَخْبَارَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْعِنَادِ الْعَظِيمِ مَعَ مُشَاهَدَةِ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ تَسْلِيَةً لِرَسُولِهِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي زَمَانِهِ مِنْ قِلَّةِ الْقَبُولِ وَالِاسْتِجَابَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَهَاهُنَا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ خِطَابٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً لِأَنَّهُ هُوَ الدَّاعِي وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالِاسْتِجَابَةِ وَاللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ لِلْعُمُومِ، لَكِنَّا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْخُصُوصِ لِهَذِهِ الْقَرِينَةِ، رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَدَعَا الْيَهُودَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَكَذَّبُوهُ فَأَنْزَلَ الله
تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ أَنَّهُ خِطَابٌ مَعَ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا أَلْيَقُ بِالظَّاهِرِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي الدُّعَاءِ فَقَدْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ وَيُظْهِرُ لَهُمُ الدَّلَائِلَ وَيُنَبِّهَهُمْ عَلَيْهَا، فَصَحَّ أَنْ يَقُولَ تَعَالَى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَيُرِيدُ بِهِ الرَّسُولَ وَمَنْ هَذَا حَالُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا فَلَا وَجْهَ لِتَرْكِ الظَّاهِرِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ هُمُ الْيَهُودُ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ فِيهِمُ الطَّمَعُ فِي أَنْ يُؤْمِنُوا وَخِلَافُهُ لِأَنَّ الطَّمَعَ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِي الْوَاقِعِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ذَكَرُوا فِي سَبَبِ الِاسْتِبْعَادِ وُجُوهًا. أَحَدُهَا: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ مَعَ أَنَّهُمْ مَا آمَنُوا بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ هُوَ السَّبَبَ فِي أَنَّ اللَّهَ خَلَّصَهُمْ مِنَ الذُّلِّ وَفَضَّلَهُمْ عَلَى الْكُلِّ، وَمَعَ ظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ الْمُتَوَالِيَةِ عَلَى يَدِهِ وَظُهُورِ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ عَلَى الْمُتَمَرِّدِينَ. الثَّانِي: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا وَيُظْهِرُوا التَّصْدِيقَ وَمَنْ عَلِمَ مِنْهُمُ الْحَقَّ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، بَلْ غَيَّرَهُ وَبَدَّلَهُ. الثَّالِثُ: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنَ لَكُمْ هَؤُلَاءِ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَكَيْفَ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ أَسْلَافِهِمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ حَقٌّ ثُمَّ يُعَانِدُونَهُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْقَوْمُ مُكَلَّفُونَ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ. فَمَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [العنكبوت: 26] الْجَوَابُ: أَنَّهُ يَكُونُ إِقْرَارًا لَهُمْ بِمَا دُعُوا إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ الْإِيمَانُ لِلَّهِ كَمَا قَالَ تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ لَمَّا أَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ وَبِتَصْدِيقِهِ، وَيَجُوزُ أَنَّ يُرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يُؤْمِنُوا لِأَجْلِكُمْ وَلِأَجْلِ تَشَدُّدِكُمْ فِي دُعَائِهِمْ إِلَيْهِ فَيَكُونُ هَذَا مَعْنَى الْإِضَافَةِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْفَرِيقِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْفَرِيقِ مَنْ كَانَ فِي أَيَّامِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ هَذَا الْفَرِيقَ بِأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ. وَالَّذِينَ سَمِعُوا كَلَامَ الله هم أَهْلُ الْمِيقَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلِ الْمُرَادُ بِالْفَرِيقِ مَنْ كَانَ فِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهَذَا أَقْرَبُ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ رَاجِعٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ وَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الَّذِينَ تَعَلَّقَ الطَّمَعُ بِإِيمَانِهِمْ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَإِنْ قِيلَ: الَّذِينَ سَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ حَضَرُوا الْمِيقَاتَ، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ بَلْ قَدْ يَجُوزُ فِيمَنْ سَمِعَ التَّوْرَاةَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ كَمَا يُقَالُ لِأَحَدِنَا سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ الْقَفَّالُ: التَّحْرِيفُ التَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ وَأَصْلُهُ مِنَ الِانْحِرَافِ عَنِ الشَّيْءِ وَالتَّحْرِيفِ عَنْهُ، قَالَ تَعَالَى: إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ [الْأَنْفَالِ: 16] وَالتَّحْرِيفُ هُوَ إِمَالَةُ الشَّيْءِ عَنْ حَقِّهِ، يُقَالُ: قَلَمٌ مُحَرَّفٌ إِذَا كَانَ رَأْسُهُ قَطُّ مَائِلًا غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الْقَاضِي: إِنَّ التَّحْرِيفَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي اللَّفْظِ أَوْ فِي الْمَعْنَى، وَحَمْلُ التَّحْرِيفِ عَلَى تَغْيِيرِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى تَغْيِيرِ الْمَعْنَى، لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا كَانَ بَاقِيًا عَلَى جِهَتِهِ وَغَيَّرُوا تَأْوِيلَهُ فَإِنَّمَا يَكُونُونَ مُغَيِّرِينَ لِمَعْنَاهُ لَا لِنَفْسِ الْكَلَامِ الْمَسْمُوعِ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّهُمْ زَادُوا فِيهِ وَنَقَصُوا فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَغْيِيرِ تَأْوِيلِهِ وَإِنْ كَانَ التَّنْزِيلُ ثَابِتًا،
وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ كَلَامُ اللَّهِ ظُهُورًا مُتَوَاتِرًا كَظُهُورِ الْقُرْآنِ، فَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ كَذَلِكَ فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ تَحْرِيفُ نَفْسِ كَلَامِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ تَغْيِيرُهُمْ لَهُ يُؤَثِّرُ فِي قِيَامِ الْحُجَّةِ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَمْنَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي ذَلِكَ صَحَّ/ وُقُوعُهُ فَالتَّحْرِيفُ الَّذِي يَصِحُّ فِي الْكَلَامِ يَجِبُ أَنْ يُقَسَّمَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَمَّا تَحْرِيفُ الْمَعْنَى فَقَدْ يَصِحُّ عَلَى وَجْهٍ مَا، لَمْ يُعْلَمْ قصد الرسول فيه بِاضْطِرَارٍ فَإِنَّهُ مَتَى عُلِمَ ذَلِكَ امْتَنَعَ مِنْهُمُ التَّحْرِيفُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِلْمِهِمْ بِخِلَافِهِ كَمَا يَمْتَنِعُ الْآنَ أَنْ يَتَأَوَّلَ مُتَأَوِّلٌ تَحْرِيمَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ عَلَى غَيْرِهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أَنَّا إِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْمُحَرِّفِينَ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ حَرَّفُوا مَا لَا يَتَّصِلُ بِأَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رُوِيَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ السَّبْعِينَ الْمُخْتَارِينَ سَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ حِينَ كَلَّمَ مُوسَى بِالطُّورِ وَمَا أُمِرَ بِهِ مُوسَى وَمَا نُهِيَ عَنْهُ، ثُمَّ قَالُوا: سَمِعْنَا اللَّهَ يَقُولُ فِي آخِرِهِ: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَافْعَلُوا وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا فَلَا بَأْسَ، وَأَمَّا إِنْ قُلْنَا: الْمُحَرِّفُونَ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْمُرَادَ تَحْرِيفُ أَمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَذَلِكَ إِمَّا أَنَّهُمْ حَرَّفُوا نَعْتَ الرَّسُولِ وَصَفْتَهُ أَوْ لِأَنَّهُمْ حَرَّفُوا الشَّرَائِعَ كَمَا حَرَّفُوا آيَةَ الرَّجْمِ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَيُّ شَيْءٍ حَرَّفُوا. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَلْزَمُ مِنْ إِقْدَامِ الْبَعْضِ عَلَى التَّحْرِيفِ حُصُولُ اليأس من إيمان الباقين، فإن عند الْبَعْضِ لَا يُنَافِي إِقْرَارَ الْبَاقِينَ؟ أَجَابَ الْقَفَّالُ عَنْهُ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى كَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلَاءِ وَهُمْ إِنَّمَا يَأْخُذُونَ دِينَهُمْ وَيَتَعَلَّمُونَهُ مِنْ قَوْمٍ هُمْ يَتَعَمَّدُونَ التَّحْرِيفَ عِنَادًا، فَأُولَئِكَ إِنَّمَا يُعَلِّمُونَهُمْ مَا حَرَّفُوهُ وَغَيَّرُوهُ عَنْ وَجْهِهِ وَالْمُقَلِّدَةُ لَا يَقْبَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الْحَقِّ وَهُوَ كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: كيف تفلح وأستاذك فلان! أَيْ وَأَنْتَ عَنْهُ تَأْخُذُ وَلَا تَأْخُذُ عَنْ غَيْرِهِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: أَفَتَطْمَعُونَ فَقَالَ قَائِلُونَ: آيَسَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إِيمَانِ هَذِهِ الْفِرْقَةِ وَهُمْ جَمَاعَةٌ بِأَعْيَانِهِمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يُؤَيِّسْهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الِاسْتِبْعَادِ لَهُ مِنْهُمْ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ وَالْعِنَادِ، قَالُوا: وَهُوَ كَمَا لَا نَطْمَعُ لِعَبِيدِنَا وَخَدَمِنَا أَنْ يَمْلِكُوا بِلَادَنَا. ثُمَّ إِنَّا لَا نَقْطَعُ بِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ بَلْ نَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ اسْتِفْهَامٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ، فَكَانَ ذَلِكَ جَزْمًا بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أَلْبَتَّةَ فَإِيمَانُ مَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ مُمْتَنِعٌ، فَحِينَئِذٍ تَعُودُ الْوُجُوهُ الْمُقَرِّرَةُ لِلْخَبَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ عَلِمُوا بِصِحَّتِهِ وَفَسَادِ مَا خَلَقُوهُ فَكَانُوا مُعَانِدِينَ مُقْدِمِينَ عَلَى ذَلِكَ بِالْعَمْدِ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّهُمُ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِضَرْبٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا [آلِ عِمْرَانَ: 187] وَقَالَ تَعَالَى: يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [البقرة: 146] [الأنعام: 20] وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي عَدَدِهِمْ قِلَّةٌ لِأَنَّ الْجَمْعَ الْعَظِيمَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ كِتْمَانُ مَا يَعْتَقِدُونَ لِأَنَّا إِنْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمِ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِلِ وَإِنْ كَثُرَ الْعَدَدُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُمْ يَعْلَمُونَ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ تَكْرَارٌ/ لَا فَائِدَةَ فِيهِ: أَجَابَ الْقَفَّالُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، الأول: من بعد ما عقلوه مُرَادَ اللَّهِ فَأَوَّلُوهُ تَأْوِيلًا فَاسِدًا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ غير مراد الله تعالى. الثاني: أَنَّهُمْ عَقَلُوا مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلِمُوا أَنَّ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ يُكْسِبُهُمُ الْوِزْرَ وَالْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَتَى تَعَمَّدُوا التَّحْرِيفَ مَعَ الْعِلْمِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْوِزْرِ كَانَتْ قَسْوَتُهُمْ أَشَدَّ وَجَرَاءَتُهُمْ أَعْظَمَ، وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ
[سورة البقرة (2) : الآيات 76 إلى 77]
ذَلِكَ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَتَصْبِيرَهُ عَلَى عِنَادِهِمْ فَكُلَّمَا كَانَ عِنَادُهُمْ أَعْظَمَ كَانَ ذَلِكَ فِي التَّسْلِيَةِ أَقْوَى، وَفِي الْآيَةِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ الْقَاضِي قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِيمَانَهُمْ مِنْ قِبَلِهِمْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ لَكَانَ لَا يَتَغَيَّرُ حَالَ الطَّمَعِ فِيهِمْ بِصِفَةِ الْفَرِيقِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرَهُمْ، وَلَمَا صَحَّ كَوْنُ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَمْرُهُمْ فِي الْإِيمَانِ مَوْقُوفٌ عَلَى خَلْقِهِ تَعَالَى ذَلِكَ، وَزَوَالُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَنْ لَا يَخْلُقَهُ فِيهِمْ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ إِعْظَامُهُ تَعَالَى لِذَنْبِهِمْ فِي التَّحْرِيفِ مِنْ حَيْثُ فَعَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ صِحَّتَهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِهِ لَكَانَ بِأَنْ يَعْلَمُوا أَوْ لَا يَعْلَمُوا لَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ وَإِضَافَتُهُ تَعَالَى التَّحْرِيفَ إِلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرَارًا وَأَطْوَارًا فَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِعَادَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ الْمُعَانِدَ فِيهِ أَبْعَدُ مِنَ الرُّشْدِ وَأَقْرَبُ إِلَى الْيَأْسِ مِنَ الْجَاهِلِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ يُفِيدُ زَوَالَ الطَّمَعِ فِي رُشْدِهِمْ لِمُكَابَرَتِهِمُ الْحَقَّ بعد العلم به. [سورة البقرة (2) : الآيات 76 الى 77] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (77) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ قَبَائِحِ أَفْعَالِ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ مُنَافِقِي أَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا إِذَا لَقُوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لَهُمْ: آمَنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ وَنَشْهَدُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ صَادِقٌ وَأَنَّ قَوْلَهُ حَقٌّ وَنَجِدُهُ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ فِي كِتَابِنَا، ثُمَّ إِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ الرُّؤَسَاءُ لَهُمْ: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِهِ مِنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ، فَإِنَّ الْمُخَالِفَ إِذَا اعْتَرَفَ بِصِحَّةِ التَّوْرَاةِ وَاعْتَرَفَ/ بِشَهَادَةِ التَّوْرَاةِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا حُجَّةَ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، فَلَا جَرَمَ كَانَ بَعْضُهُمْ يَمْنَعُ بَعْضًا مِنَ الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ الْقَفَّالُ: قَوْلُهُ: فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ فُتِحَ عَلَى فُلَانٍ فِي عِلْمِ كَذَا أَيْ رُزِقَ ذَلِكَ وَسُهِّلَ لَهُ طَلَبُهُ. أَمَّا قَوْلُهُ: عِنْدَ رَبِّكُمْ فَفِيهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ جَعَلُوا مُحَاجَّتَهُمْ بِهِ وَقَوْلَهُ هُوَ فِي كِتَابِكُمْ هَكَذَا مُحَاجَّةً عِنْدَ اللَّهِ، أَلَا تَرَاكَ تَقُولُ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ هَكَذَا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ هَكَذَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَثَانِيهَا: قَالَ الْحَسَنُ: أَيْ لِيُحَاجُّوكُمْ فِي رَبِّكُمْ لِأَنَّ الْمُحَاجَّةَ فِيمَا أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ تَصِحُّ أَنْ تُوصَفَ بِأَنَّهَا مُحَاجَّةٌ فِيهِ لِأَنَّهَا مُحَاجَّةٌ فِي دِينِهِ. وَثَالِثُهَا: قَالَ الْأَصَمُّ: الْمُرَادُ يُحَاجُّوكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعِنْدَ التَّسَاؤُلِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زَائِدًا في توبيخكم وظهور فضيحتكم على رؤوس الْخَلَائِقِ فِي الْمَوْقِفِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ اعْتَرَافٍ بِالْحَقِّ ثُمَّ كَتَمَ كَمَنْ ثَبَتَ عَلَى الْإِنْكَارِ فَكَانَ الْقَوْمُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُ فِي انْكِشَافِ فَضِيحَتِهِمْ فِي الْآخِرَةِ. وَرَابِعُهَا: قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ الْمُحْتَجَّ بِالشَّيْءِ قَدْ يَحْتَجُّ وَيَكُونُ غَرَضُهُ مِنْ إِظْهَارِ تِلْكَ الْحُجَّةِ حُصُولَ السُّرُورِ بِسَبَبِ غَلَبَةِ الْخَصْمِ وَقَدْ يَكُونُ غَرَضُهُ مِنْهُ الدِّيَانَةَ وَالنَّصِيحَةَ، فَقَطْ لِيَقْطَعَ عُذْرَ خَصْمِهِ وَيُقَرِّرَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ الْقَوْمُ عِنْدَ الْخَلْوَةِ قَدْ حَدَّثْتُمُوهُمْ
[سورة البقرة (2) : الآيات 78 إلى 79]
بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ حُجَّتِهِمْ فِي التَّوْرَاةِ فَصَارُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الدِّيَانَةِ وَالنَّصِيحَةِ، لِأَنَّ مَنْ يَذْكُرُ الْحُجَّةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَدْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقَمْتُ عَلَيْكَ الْحُجَّةَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَبِّي فَإِنْ قَبِلْتَ أَحْسَنْتَ إِلَى نَفْسِكَ وَإِنْ جَحَدْتَ كُنْتَ الْخَاسِرَ الْخَائِبَ. وَخَامِسُهَا: قَالَ الْقَفَّالُ: يُقَالُ: فُلَانٌ عِنْدِي عَالِمٌ أَيْ فِي اعْتِقَادِي وَحُكْمِي، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَلَالٌ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَرَامٌ، أَيْ فِي حُكْمِهِمَا وَقَوْلُهُ: لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَيْ لِتَصِيرُوا مَحْجُوجِينَ بِتِلْكَ الدَّلَائِلِ فِي حُكْمِ اللَّهِ. وَتَأَوَّلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ [النُّورِ: 13] أَيْ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ لِأَنَّ الْقَاذِفَ إِذَا لَمْ يَأْتِ بِالشُّهُودِ لَزِمَهُ حُكْمُ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ صَادِقًا. أَمَّا قَوْلُهُ: أَفَلا تَعْقِلُونَ فَفِيهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَفَلَا تَعْقِلُونَ لِمَا ذَكَرْتُهُ لَكُمْ مِنْ صِفَتِهِمْ أَنَّ الْأَمْرَ لَا مَطْمَعَ لَكُمْ فِي إِيمَانِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ الحسن. وثانيها: أنه راجع إليهم فكأن عند ما خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ قَالُوا لَهُمْ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا يَرْجِعُ وَبَالُهُ عَلَيْكُمْ وَتَصِيرُونَ مَحْجُوجِينَ بِهِ، أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْحِكَايَةِ عَنْهُمْ فَلَا وَجْهَ لِصَرْفِهِ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ فَفِيهِ قَوْلَانِ، الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَيَعْرِفُونَ أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ السِّرَّ وَالْعَلَانِيَةَ فَخَوَّفَهُمُ اللَّهُ بِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِذَلِكَ فَرَغَّبَهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي أَنْ يَتَفَكَّرُوا فَيَعْرِفُوا أَنَّ لَهُمْ رَبًّا يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَعَلَانِيَتَهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ حُلُولَ الْعِقَابِ بِسَبَبِ نِفَاقِهِمْ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا، فَهَذَا الْكَلَامُ زَجْرٌ/ لَهُمْ عَنِ النِّفَاقِ، وَعَنْ وَصِيَّةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِكِتْمَانِ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ. وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْيَهُودَ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُقَالُ عَلَى طَرِيقِ الزَّجْرِ: أَوَلَا يَعْلَمُ كَيْتَ وَكَيْتَ إِلَّا وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ زَاجِرًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ كَيْفَ يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يُسِرَّ إِلَى إِخْوَانِهِمُ النَّهْيَ عَنْ إِظْهَارِ دَلَائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ لَيْسُوا كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ اللَّهَ وَلَا يَعْلَمُونَ كَوْنَهُ عَالِمًا بِالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، فَشَأْنُهُمْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَعْجَبُ. قَالَ الْقَاضِي: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى إِنْ كَانَ هُوَ الْخَالِقَ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَزْجُرَهُمْ عَنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْحِجَاجِ وَالنَّظَرِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ طَرِيقَةَ الصَّحَابَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ ظَاهِرًا عِنْدَ الْيَهُودِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مَا قَالُوهُ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ تَكُونُ إِلْزَامِيَّةً لِأَنَّهُمْ لَمَّا اعْتَرَفُوا بِصِحَّةِ التَّوْرَاةِ وَبِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا جَرَمَ لَزِمَهُمُ الِاعْتِرَافُ بِالنُّبُوَّةِ وَلَوْ مَنَعُوا إِحْدَى تَيْنِكَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ لَمَا تَمَّتِ الدَّلَالَةُ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآتِيَ بِالْمَعْصِيَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً يَكُونُ أَعْظَمَ جُرْمًا وَوِزْرًا والله أعلم. [سورة البقرة (2) : الآيات 78 الى 79] وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ الْيَهُودُ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَهُمْ بِالْعِنَادِ وَأَزَالَ الطَّمَعَ عَنْ إِيمَانِهِمْ بَيْنَ فِرَقِهِمْ، فَالْفِرْقَةُ الْأُولَى: هِيَ الْفِرْقَةُ الضَّالَّةُ الْمُضِلَّةُ، وَهُمُ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ. وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ:
الْمُنَافِقُونَ، وَالْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الْمُنَافِقِينَ، وَالْفِرْقَةُ الرَّابِعَةُ: هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهُمُ الْعَامَّةُ الْأُمِّيُّونَ الَّذِينَ لَا مَعْرِفَةَ عِنْدَهُمْ بِقِرَاءَةٍ وَلَا كِتَابَةٍ وَطَرِيقَتُهُمُ التَّقْلِيدُ وَقَبُولُ مَا يُقَالُ لَهُمْ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الَّذِينَ يَمْتَنِعُونَ عَنْ قَبُولِ الْإِيمَانِ لَيْسَ سَبَبُ ذَلِكَ الِامْتِنَاعِ وَاحِدًا بَلْ لِكُلِّ قِسْمٍ مِنْهُمْ سَبَبٌ آخَرُ وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ شَرْحِ فِرَقِ الْيَهُودِ وَجَدَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فِي فِرَقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ يُعَانِدُ الْحَقَّ وَيَسْعَى فِي إِضْلَالِ الْغَيْرِ وَفِيهِمْ مَنْ يَكُونُ مُتَوَسِّطًا، وَفِيهِمْ مَنْ يكون عاماً مَحْضًا مُقَلِّدًا، وَهَاهُنَا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي الْأُمِّيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مَنْ لَا يُقِرُّ بِكِتَابٍ وَلَا بِرَسُولٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَنْ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ وَالْقِرَاءَةَ وَهَذَا الثَّانِي أَصْوَبُ لِأَنَّ الْآيَةَ فِي الْيَهُودِ وَكَانُوا مُقِرِّينَ بِالْكِتَابِ وَالرَّسُولِ وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ» وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِذَلِكَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: «الْأَمَانِيُّ» جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ وَلَهَا مَعَانٍ مُشْتَرِكَةٌ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، أَحَدُهَا: مَا تَخَيَّلَهُ الْإِنْسَانُ فَيُقَدِّرُ فِي نَفْسِهِ وُقُوعَهُ وَيُحَدِّثُهَا بِكَوْنِهِ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ يَعِدُ فَلَانًا وَيُمَنِّيهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً [النِّسَاءِ: 120] فَإِنْ فَسَّرْنَا الْأَمَانِيَّ بِهَذَا كَانَ قَوْلُهُ: (إِلَّا أَمَانِيَّ) إِلَّا مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمَانِيِّهِمْ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُهُمْ بِخَطَايَاهُمْ وَأَنَّ آبَاءَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ وَمَا تُمَنِّيهِمْ أَحْبَارُهُمْ مِنْ أَنَّ النَّارَ لَا تَمَسُّهُمْ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً. وَثَانِيهَا: إِلَّا أَمانِيَّ إِلَّا أَكَاذِيبَ مُخْتَلِفَةً سَمِعُوهَا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَبِلُوهَا عَلَى التَّقْلِيدِ، قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِابْنِ دَأْبٍ فِي شَيْءٍ حَدَّثَ بِهِ: أَهَذَا شَيْءٌ رَوَيْتَهُ أَمْ تَمَنَّيْتَهُ أَمِ اخْتَلَقْتَهُ. وَثَالِثُهَا: إِلَّا أَمانِيَّ أَيْ إِلَّا مَا يَقْرَءُونَ مِنْ قَوْلِهِ: تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ. قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» والاشتقاق منى من، إِذَا قَدَّرَ لِأَنَّ الْمُتَمَنِّيَ يُقَدِّرُ فِي نَفْسِهِ وَيَجُوزُ مَا يَتَمَنَّاهُ، وَكَذَلِكَ الْمُخْتَلِقُ وَالْقَارِئُ يُقَدِّرُ أَنَّ كَلِمَةَ كَذَا بَعْدَ كَذَا، قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: حَمْلُهُ عَلَى تَمَنِّي الْقَلْبِ أَوْلَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ [الْبَقَرَةِ: 111] أَيْ تَمَنِّيهِمْ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النِّسَاءِ: 123] وَقَالَ: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ [الْبَقَرَةِ: 111] وَقَالَ تَعَالَى: وَقالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الْجَاثِيَةِ: 24] بِمَعْنَى يُقَدِّرُونَ وَيَخْرُصُونَ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: حَمْلُهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ أَوْلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الْحَجِّ: 52] وَلِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ أَلْيَقُ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ كَانَ لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ فَيَسْمَعُونَهُ وَبِقَدْرِ مَا يُذْكَرُ لَهُمْ فَيَقْبَلُونَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ التَّدَبُّرِ وَالتَّأَمُّلِ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَحَادِيثُ وَالْأَكَاذِيبُ أَوِ الظَّنُّ وَالتَّقْدِيرُ وَحَدِيثُ النَّفْسِ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ نَادِرًا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا أَمانِيَّ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، قَالَ النَّابِغَةُ: حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ ... وَلَا عِلْمَ إِلَّا حُسْنُ ظَنٍّ بِغَائِبِ وَقُرِئَ «إِلَّا أَمَانِيَ» بِالتَّخْفِيفِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فَكَالْمُحَقِّقِ لِمَا قُلْنَاهُ لِأَنَّ الْأَمَانِيَ إِنْ أُرِيدَ بِهَا التَّقْدِيرُ وَالْفِكْرُ لِأُمُورٍ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، فَهِيَ ظَنٌّ وَيَكُونُ ذَلِكَ تَكْرَارًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: حَدِيثُ النَّفْسِ غَيْرُ وَالظَّنُّ غَيْرُ فَلَا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى التِّلَاوَةِ عَلَيْهِمْ يَحْسُنُ مَعْنَاهُ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَمِنْهُمْ أميون لا
يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا بِأَنْ يُتْلَى عَلَيْهِمْ فَيَسْمَعُوهُ وإلا بان يذكرهم تأويله كما يراد فيظنون، وَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَا تُوَصِّلُ إلى الحق، وفي الآية مسائل. أحدها: أَنَّ الْمَعَارِفَ كَسْبِيَّةٌ لَا ضَرُورِيَّةٌ فَلِذَلِكَ ذَمَّ مَنْ لَا يَعْلَمُ وَيَظُنُّ. وَثَانِيهَا: بُطْلَانُ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا وَهُوَ مُشْكَلٌ لِأَنَّ/ التَّقْلِيدَ فِي الْفُرُوعِ جَائِزٌ عِنْدَنَا. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُضِلَّ وَإِنْ كَانَ مَذْمُومًا فَالْمُغْتَرُّ بِإِضْلَالِ الْمُضِلِّ أَيْضًا مَذْمُومٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَرَابِعُهَا: أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالظَّنِّ فِي أُصُولِ الدِّينِ غَيْرُ جَائِزٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَوَيْلٌ فَقَالُوا: الْوَيْلُ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا كُلُّ مَكْرُوبٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ. وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: إِنَّهُ مَسِيلُ صَدِيدِ أَهْلِ جَهَنَّمَ، وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ» . قَالَ الْقَاضِي: «وَيْلٌ» يَتَضَمَّنُ نِهَايَةَ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ فَهَذَا الْقَدْرُ لَا شُبْهَةَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ الْوَيْلُ عِبَارَةً عَنْ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ أَوْ عَنِ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ فَفِيهِ وَجْهَانِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَقُولُ كَتَبْتُ إِذَا أَمَرَ بِذَلِكَ فَفَائِدَةُ قَوْلِهِ: بِأَيْدِيهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ تَأْكِيدٌ وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا يَحْسُنُ فِيهِ التَّأْكِيدُ كَمَا تَقُولُ لِمَنْ يُنْكِرُ مَعْرِفَةَ مَا كَتَبَهُ: يَا هَذَا كَتَبْتَهُ بِيَمِينِكَ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ يَكْتُبُ هَذِهِ الْكِتَابَةَ وَيَكْسِبُ هَذَا الْكَسْبَ فِي غَايَةِ الرَّدَاءَةِ لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا عَنِ الدِّينِ وَأَضَلُّوا وَبَاعُوا آخِرَتَهُمْ بِدُنْيَاهُمْ، فَذَنْبُهُمْ أَعْظَمُ مِنْ ذَنْبِ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ الْمَعْلُومَ أَنَّ الْكَذِبَ عَلَى الْغَيْرِ بِمَا يَضُرُّ يَعْظُمُ إِثْمُهُ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَيَضُمُّ إِلَى الْكَذِبِ الْإِضْلَالَ وَيَضُمُّ إِلَيْهِمَا حُبَّ الدُّنْيَا وَالِاحْتِيَالَ فِي تَحْصِيلِهَا وَيَضُمُّ إِلَيْهَا أَنَّهُ مَهَّدَ طَرِيقًا فِي الْإِضْلَالِ بَاقِيًا عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ، فَلِذَلِكَ عَظَّمَ تَعَالَى مَا فَعَلُوهُ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُمْ أَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: كَتَبَةُ الْكِتَابِ وَالْآخَرُ: إِسْنَادُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْكَذِبِ، فَهَذَا الْوَعِيدُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْكَتَبَةِ أَوْ عَلَى إِسْنَادِ الْمَكْتُوبِ إِلَى اللَّهِ أَوْ عَلَيْهِمَا مَعًا؟ قُلْنَا: لَا شَكَّ أَنَّ كَتَبَةَ الْأَشْيَاءِ الْبَاطِلَةِ لِقَصْدِ الْإِضْلَالِ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا كَذَلِكَ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُنْكَرٌ عَظِيمٌ جِدًّا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَمْرَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى نِهَايَةِ شَقَاوَتِهِمْ لِأَنَّ الْعَاقِلَ يَجِبُ أَنْ لَا يَرْضَى بِالْوِزْرِ الْقَلِيلِ فِي الْآخِرَةِ لِأَجْلِ الْأَجْرِ الْعَظِيمِ فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَرْضَى بِالْعِقَابِ الْعَظِيمِ فِي الْآخِرَةِ لِأَجْلِ النَّفْعِ الْحَقِيرِ فِي الدُّنْيَا، الثَّانِي: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَا فَعَلُوا ذَلِكَ التَّحْرِيفَ دِيَانَةً بَلْ إِنَّمَا فَعَلُوهُ طَلَبًا لِلْمَالِ وَالْجَاهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَخْذَ الْمَالِ عَلَى الْبَاطِلِ وَإِنْ كَانَ بِالتَّرَاضِي فهو محرم، لأن الذي كَانُوا يُعْطُونَهُ مِنَ الْمَالِ كَانَ عَلَى مَحَبَّةٍ وَرِضًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى تَحْرِيمِهِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ فَالْمُرَادُ أَنَّ كَتْبَتَهُمْ لِمَا كَتَبُوهُ ذَنْبٌ عَظِيمٌ بِانْفِرَادِهِ، وَكَذَلِكَ أَخْذُهُمُ الْمَالَ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ أَعَادَ ذِكْرَ الْوَيْلِ فِي الْكَسْبِ، وَلَوْ لَمْ يُعِدْ ذِكْرَهُ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَجْمُوعَهُمَا يَقْتَضِي الْوَعِيدَ الْعَظِيمَ دُونَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَأَزَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الشُّبْهَةَ وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مِمَّا يَكْسِبُونَ هَلِ الْمُرَادُ مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ عَلَى هَذِهِ الْكِتَابَةِ وَالتَّحْرِيفِ فَقَطْ أَوِ الْمُرَادُ بِذَلِكَ سَائِرُ مَعَاصِيهِمْ وَالْأَقْرَبُ فِي نِظَامِ الْكَلَامِ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنَ الْمَالِ الْمَأْخُوذِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومِ أَنَّهُ يَشْمَلُ الْكُلَّ، لَكِنَّ الَّذِي يُرَجِّحُ الْأَوَّلَ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يُقَيَّدْ كَسْبُهُمْ بِهَذَا الْقَيْدِ لَمْ يَحْسُنِ الْوَعِيدُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْكَسْبَ يَدْخُلُ فِيهِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ وَأَوْلَى مَا يُقَيَّدُ/ بِهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. قَالَ الْقَاضِي: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ كِتَابَتَهُمْ لَيْسَتْ خَلْقًا لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ خَلْقًا لِلَّهِ تَعَالَى لَكَانَتْ إِضَافَتُهَا إِلَيْهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِمْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ
[سورة البقرة (2) : آية 80]
اللَّهِ ذَلِكَ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا خَلَقَهَا فِيهِمْ فَهَبْ أَنَّ الْعَبْدَ مُكْتَسِبٌ إِلَّا أَنَّ انْتِسَابَ الْفِعْلِ إِلَى الْخَالِقِ أَقْوَى مِنَ انْتِسَابِهِ إِلَى الْمُكْتَسِبِ فَكَانَ إِسْنَادُ تِلْكَ الْكَتْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى مِنْ إِسْنَادِهَا إِلَى الْعَبْدِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَسْتَحِقُّوا الْحَمْدَ عَلَى قَوْلِهِمْ فِيهَا إِنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ تِلْكَ الْكَتْبَةَ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعَالَى. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الدَّاعِيَةَ الْمُوجِبَةَ لَهَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى بِالدَّلَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فهي أيضاً تكون كذلك والله أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 80] وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ قَبَائِحِ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَهُوَ جَزْمُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُهُمْ إِلَّا أَيَّامًا قَلِيلَةً، وَهَذَا الْجَزْمُ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ بِالْعَقْلِ الْبَتَّةَ أَمَّا عَلَى قَوْلِنَا، فَلِأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ لَا اعْتِرَاضَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهِ، فَلَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إِلَّا بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فَلِأَنَّ الْعَقْلَ يَدُلُّ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ يُسْتَحَقُّ بِهَا مِنَ اللَّهِ الْعِقَابُ الدائم، فلما دل العقل على ذلك احتج فِي تَقْدِيرِ الْعِقَابِ مُدَّةً ثُمَّ فِي زَوَالِهِ بَعْدَهَا إِلَى سَمْعٍ يُبَيِّنُ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أَنَّ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إِلَّا بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، وَحَيْثُ تُوجَدُ الدَّلَالَةُ السَّمْعِيَّةُ لم يجز الجزم بدلك، وهاهنا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَةِ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ الْأَيَّامِ لَا تُضَافُ إِلَّا إِلَى الْعَشْرَةِ فَمَا دُونَهَا، وَلَا تُضَافُ إِلَى مَا فَوْقَهَا. فَيُقَالُ: أَيَّامٌ خَمْسَةٌ وَأَيَّامٌ عَشَرَةٌ وَلَا يُقَالُ أَيَّامٌ أَحَدَ عَشَرَ إِلَّا أَنَّ هَذَا يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ [الْبَقَرَةِ: 183، 184] هِيَ أَيَّامُ الشَّهْرِ كُلِّهِ، وَهِيَ أَزْيَدُ مِنَ الْعَشَرَةِ. ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَيَّامَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا فَالْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ الْأَقَلُّ أَوِ الْأَكْثَرُ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ ثَلَاثَةٌ يَقُولُ أَحْمِلُهُ عَلَى أَقَلِّ الْحَقِيقَةِ فَلَهُ وَجْهٌ، وَمَنْ يَقُولُ عَشَرَةٌ يَقُولُ أَحْمِلُهُ عَلَى الْأَكْثَرِ وَلَهُ وَجْهٌ، فَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى الْوَاسِطَةِ أَعْنِي عَلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنَ الْعَشَرَةِ وَأَزْيَدُ مِنَ الثَّلَاثَةِ فَلَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ عَدَدٌ أَوْلَى مِنْ عَدَدٍ اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا جَاءَتْ فِي تَقْدِيرِهَا رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْقَوْلُ بِهَا، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَدَّرُوهَا بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ: الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ فَاللَّهُ تَعَالَى يُعَذِّبُهُمْ مَكَانَ كُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ يَوْمًا، فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَذِّبُنَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَحَكَى الْأَصَمُّ عَنْ بَعْضِ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ عَبَدُوا الْعِجْلَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فَكَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَذِّبُنَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَحَكَى الْأَصَمُّ عَنْ بَعْضِ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ عَبَدُوا الْعِجْلَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فَكَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَذِّبُنَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ ضَعِيفَانِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ/ لَيْسَ بَيْنَ كَوْنِ الدُّنْيَا سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَبَيْنَ كَوْنِ الْعَذَابِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مُنَاسَبَةٌ وَمُلَازَمَةٌ الْبَتَّةَ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَعْصِيَةِ مُقَدَّرَةً بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ أَنْ يَكُونَ عَذَابُهَا كَذَلِكَ. أَمَّا عَلَى قَوْلِنَا فَلِأَنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ بِحُكْمِ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ فَلِأَنَّ الْعَاصِيَ يَسْتَحِقُّ عَلَى عِصْيَانِهِ الْعِقَابَ الدَّائِمَ مَا لَمْ تُوجَدِ التَّوْبَةُ أَوِ الْعَفْوُ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ تَعَالَى مَنَعَ مِنِ اسْتِيفَاءِ الزِّيَادَةِ فَقَالَ: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشُّورَى: 40] فَوَجَبَ أَنْ لَا يَزِيدَ الْعِقَابُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ؟ قُلْنَا: إِنَّ الْمَعْصِيَةَ تَزْدَادُ بِقَدْرِ النِّعْمَةِ. فَلَمَّا كَانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ خَارِجَةً عَنِ الْحَصْرِ وَالْحَدِّ لَا جَرَمَ كَانَتْ مَعْصِيَتُهُمْ عَظِيمَةً جِدًّا. الْوَجْهُ الثَّانِي: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسَّرَ هَذِهِ الْأَيَّامَ بِالْأَرْبَعِينَ، وَهُوَ عَدَدُ الْأَيَّامِ الَّتِي عَبَدُوا الْعِجْلَ فِيهَا، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ أَيْضًا كَالْكَلَامِ عَلَى السَّبْعَةِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قِيلَ فِي مَعْنَى «مَعْدُودَةً» قَلِيلَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ [يُوسُفَ: 20] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَهُ عَشَرَةٌ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» ، فَمُدَّةُ الْحَيْضِ مَا يُسَمَّى أَيَّامًا وَأَقَلُّ عَدَدٍ يُسَمَّى أَيَّامًا ثَلَاثَةً وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةً وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةً، وَالْإِشْكَالُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ذَكَرَ هاهنا: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً وفي آل عمران: إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ [آل عمران: 24] وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ كَانَتِ الْأُولَى مَعْدُودَةً وَالثَّانِيَةُ مَعْدُودَاتٍ وَالْمَوْصُوفُ فِي الْمَكَانَيْنِ مَوْصُوفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ «أَيَّامًا» ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الِاسْمَ إِنْ كَانَ مُذَكَّرًا فَالْأَصْلُ فِي صِفَةِ جَمْعِهِ التَّاءُ. يُقَالُ: كُوزٌ وَكِيزَانُ مَكْسُورَةٌ وَثِيَابٌ مَقْطُوعَةٌ وَإِنْ كَانَ مُؤَنَّثًا كَانَ الْأَصْلُ فِي صِفَةِ جَمْعِهِ الْأَلِفَ وَالتَّاءَ، يُقَالُ: جَرَّةٌ وَجِرَارٌ مَكْسُورَاتٌ وَخَابِيَةٌ وَخَوَابِي مَكْسُورَاتٌ. إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الْجَمْعُ بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ فِيمَا وَاحِدُهُ مُذَكَّرٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ نَادِرًا نَحْوَ حَمَّامٌ وَحَمَّامَاتٌ وَجَمَلٌ سِبَطْرٌ وَسِبَطْرَاتٌ وَعَلَى هَذَا وَرَدَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ وفِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ فَاللَّهُ تَعَالَى تَكَلَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَيَّاماً مَعْدُودَةً وَفِي آلِ عِمْرَانَ بِمَا هُوَ الْفَرْعُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْعَهْدُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَجْرِي مَجْرَى الْوَعْدِ وَالْخَبَرِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ خَبَرُهُ سُبْحَانَهُ عَهْدًا لِأَنَّ خَبَرَهُ سُبْحَانَهُ أَوْكَدُ مِنَ الْعُهُودِ الْمُؤَكَّدَةِ مِنَّا بِالْقَسَمِ وَالنَّذْرِ، فَالْعَهْدُ مِنَ اللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : «فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ» مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَتَقْدِيرُهُ إِنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتَّخَذْتُمْ لَيْسَ بِاسْتِفْهَامٍ، بَلْ هُوَ إِنْكَارٌ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ تَعَالَى حُجَّةَ رَسُولِهِ فِي إِبْطَالِ قَوْلِهِمْ أَنْ يَسْتَفْهِمَهُمْ، بَلِ الْمُرَادُ التَّنْبِيهُ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْلَالِ وَهِيَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ/ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا التَّقْدِيرِ إِلَّا بِالسَّمْعِ، فَلَمَّا لَمْ يُوجَدِ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ وَجَبَ أَلَّا يَجُوزَ الْجَزْمُ بِهَذَا التَّقْدِيرِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْكَذِبِ وَعْدُهُ وَوَعِيدُهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: لِأَنَّ الْكَذِبَ صِفَةُ نَقْصٍ، وَالنَّقْصُ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَالِمٌ بِقُبْحِ الْقَبِيحِ وَعَالِمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وَالْكَذِبُ قَبِيحٌ لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَالْعَالِمُ بِقُبْحِ الْقَبِيحِ وَبِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ مِنْهُ مُحَالٌ، فَلِهَذَا قَالَ: فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، فَإِنْ قِيلَ: الْعَهْدُ هُوَ الْوَعْدُ وَتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ، فَلَمَّا خَصَّ الْوَعْدَ بِأَنَّهُ لَا يُخْلِفُهُ عَلِمْنَا أَنَّ الْخُلْفَ فِي الْوَعِيدِ جَائِزٌ، ثُمَّ الْعَقْلُ يُطَابِقُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْخُلْفَ فِي الْوَعْدِ لُؤْمٌ وَفِي الْوَعِيدِ كَرَمٌ. قُلْنَا: الدَّلَالَةُ الْمَذْكُورَةُ قَائِمَةٌ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ الْجُبَّائِيُّ: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ وَعَدَ مُوسَى وَلَا سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُخْرِجُ أهل المعاصي والكبائر من النار بعد التعذيب، لِأَنَّهُ لَوْ وَعَدَهُمْ بِذَلِكَ لَمَا جَازَ أَنَّ ينكر على
[سورة البقرة (2) : آية 81]
الْيَهُودِ هَذَا الْقَوْلَ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى مَا دَلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى دَلَّهُمْ عَلَى وَعِيدِ الْعُصَاةِ إِذَا كَانَ بِذَلِكَ زَجْرُهُمْ عَنِ الذُّنُوبِ، فَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَذَابُهُمْ دَائِمًا عَلَى مَا هُوَ قَوْلُ الْوَعِيدِيَّةِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأُمَمِ وَجَبَ ثُبُوتُهُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، لِأَنَّ حُكْمَهُ تَعَالَى فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ فِي الْأُمَمِ، إِذْ كَانَ قَدْرُ الْمَعْصِيَةِ مِنَ الْجَمِيعِ لَا يَخْتَلِفُ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ فِي نِهَايَةِ التَّعَسُّفِ فَنَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَعَالَى مَا وَعَدَ مُوسَى أَنَّهُ يُخْرِجُ أَهْلَ الْكَبَائِرِ مِنَ النَّارِ، قَوْلُهُ: لَوْ وَعَدَهُمْ بِذَلِكَ لَمَا أَنْكَرَ عَلَى الْيَهُودِ قَوْلَهُمْ، قُلْنَا: لِمَ قُلْتَ إِنَّهُ تَعَالَى لَوْ وَعَدَهُمْ ذَلِكَ لَمَا أَنْكَرَ عَلَى الْيَهُودِ ذَلِكَ، وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ؟ ثُمَّ إِنَّا نُبَيِّنُ شَرْعًا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ قَلَّلُوا أَيَّامَ الْعَذَابِ، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً، يَدُلُّ عَلَى أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ جِدًّا، فَاللَّهُ تَعَالَى أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَزْمَهُمْ بِهَذِهِ الْقِلَّةِ لَا أَنَّهُ تَعَالَى أَنْكَرَ عَلَيْهِمُ انْقِطَاعَ الْعَذَابِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُرْجِئَةَ يَقْطَعُونَ فِي الْجُمْلَةِ بِالْعَفْوِ، فَأَمَّا فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقَطْعِ، فَلَمَّا حَكَمُوا فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى سَبِيلِ الْجَزْمِ لَا جَرَمَ أَنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ وَعِنْدَنَا عَذَابُ الْكَافِرِ دَائِمٌ لَا يَنْقَطِعُ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ تَعَالَى مَا وَعَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ يُخْرِجُ أَهْلَ الْكَبَائِرِ مِنَ النَّارِ، فَلِمَ قُلْتَ أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ؟ بَيَانُهُ أَنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى مَا وَعَدَهُ إِخْرَاجَهُمْ مِنَ النَّارِ وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَالْأَوَّلُ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى رُبَّمَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِمُوسَى إِلَّا أَنَّهُ سَيَفْعَلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّمَا رَدَّ عَلَى الْيَهُودِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ جَزَمُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَكَانَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَتَوَقَّفُوا فِيهِ وَأَنْ لَا يَقْطَعُوا لَا بِالنَّفْيِ وَلَا بِالْإِثْبَاتِ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُخْرِجُ عُصَاةَ قَوْمِ مُوسَى مِنَ النَّارِ، فَلِمَ قُلْتَ: إِنَّهُ لَا يُخْرِجُ عُصَاةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ النَّارِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْجُبَّائِيِّ: لِأَنَّ حُكْمَهُ تَعَالَى فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ فِي الْأُمَمِ. فَهُوَ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ، فَإِنَّ الْعِقَابَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَى الْبَعْضِ بِالْإِسْقَاطِ وَأَنْ لَا يَتَفَضَّلَ بِذَلِكَ عَلَى الْبَاقِينَ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ/ ضَعِيفٌ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ فَهُوَ بَيَانٌ لِتَمَامِ الْحُجَّةِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ لَا طَرِيقَ إِلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ إِلَّا السَّمْعُ وَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ السَّمْعُ، كَانَ الْجَزْمُ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ قَوْلًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَكُونُ مَعْلُومًا لَا مَحَالَةَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى فَوَائِدَ. أَحُدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا عَابَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلَ الَّذِي قَالُوهُ لَا عَنْ دَلِيلٍ عَلِمْنَا أَنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ بَاطِلٌ. وَثَانِيهَا: أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ عَقْلًا لَمْ يَجُزِ الْمَصِيرُ إِلَى الْإِثْبَاتِ أَوْ إِلَى النَّفْيِ إِلَّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ. قَالُوا: لِأَنَّ الْقِيَاسَ وَخَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ التَّمَسُّكُ بِهِ جَائِزًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الْإِنْكَارِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَمَّا دَلَّتِ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ عِنْدَ حُصُولِ الظَّنِّ الْمُسْتَنِدِ إِلَى الْقِيَاسِ أَوْ إِلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ كَانَ وُجُوبُ الْعَمَلِ مَعْلُومًا، فَكَانَ الْقَوْلُ بِهِ قَوْلًا بِالْمَعْلُومِ لا بغير المعلوم. [سورة البقرة (2) : آية 81] بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (81) قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: «بَلَى» إِثْبَاتٌ لِمَا بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ، أَيْ بَلَى تَمَسُّكُمْ أَبَدًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: هُمْ فِيها خالِدُونَ. أَمَّا السَّيِّئَةُ فَإِنَّهَا تَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمَعَاصِي. قَالَ تَعَالَى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشُّورَى: 40] ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النِّسَاءِ: 123] وَلَمَّا كَانَ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ كُلَّ سَيِّئَةٍ صَغُرَتْ أَوْ كَبُرَتْ فَحَالُهَا سَوَاءٌ فِي أَنَّ فَاعِلَهَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ لَا جَرَمَ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الخلود
أَنْ يَكُونَ سَيِّئَةً مُحِيطَةً بِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَفْظَ الْإِحَاطَةِ حَقِيقَةٌ فِي إِحَاطَةِ جِسْمٍ بِجِسْمٍ آخَرَ كَإِحَاطَةِ السُّورِ بِالْبَلَدِ وَالْكُوزِ بِالْمَاءِ وَذَلِكَ هاهنا مُمْتَنِعٌ فَنَحْمِلُهُ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ السَّيِّئَةُ كَبِيرَةً لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُحِيطَ يَسْتُرُ الْمُحَاطَ بِهِ وَالْكَبِيرَةُ لِكَوْنِهَا مُحِيطَةً لِثَوَابِ الطَّاعَاتِ كَالسَّاتِرَةِ لِتِلْكَ الطَّاعَاتِ، فَكَانَتِ الْمُشَابَهَةُ حَاصِلَةً مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْكَبِيرَةَ إِذَا أَحْبَطَتْ ثَوَابَ الطَّاعَاتِ فَكَأَنَّهَا اسْتَوْلَتْ عَلَى تِلْكَ الطَّاعَاتِ وَأَحَاطَتْ بِهَا كَمَا يُحِيطُ عَسْكَرُ الْعَدُوِّ بِالْإِنْسَانِ، بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ الْإِنْسَانُ مِنَ التَّخَلُّصِ مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: بَلَى مَنْ كَسَبَ كَبِيرَةً وَأَحَاطَتْ كَبِيرَتُهُ بِطَاعَاتِهِ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ وَرَدَتْ فِي حَقِّ الْيَهُودِ، قُلْنَا: الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي اسْتَدَلَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِهِ فِي إِثْبَاتِ الْوَعِيدِ لِأَصْحَابِ الْكَبَائِرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ مُعَظَّمَاتِ الْمَسَائِلِ، ولنذكرها هاهنا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْقِبْلَةِ فِي وَعِيدِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَطَعَ بِوَعِيدِهِمْ وَهُمْ فَرِيقَانِ، مِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ الْوَعِيدَ الْمُؤَبَّدَ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ وَعِيدًا مُنْقَطِعًا وَهُوَ قَوْلُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ/ وَالْخَالِدِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَطَعَ بِأَنَّهُ لَا وَعِيدَ لَهُمْ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ يُنْسَبُ إِلَى مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُفَسِّرِ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْفُو عَنْ بَعْضِ الْمَعَاصِي وَلَكِنَّا نَتَوَقَّفُ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ عَلَى التَّعْيِينِ أَنَّهُ هَلْ يَعْفُو عَنْهُ أَمْ لَا، وَنَقْطَعُ بِأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا عَذَّبَ أَحَدًا مِنْهُمْ مُدَّةً فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُهُ أَبَدًا، بَلْ يَقْطَعُ عَذَابَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَكْثَرِ الْإِمَامِيَّةِ، فَيَشْتَمِلُ هَذَا الْبَحْثُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا: فِي الْقَطْعِ بِالْوَعِيدِ، وَالْأُخْرَى: فِي أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْوَعِيدُ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى نَعْتِ الدَّوَامِ أَمْ لَا؟ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي الْوَعِيدِ وَلْنَذْكُرْ دَلَائِلَ الْمُعْتَزِلَةِ أَوَّلًا ثُمَّ دَلَائِلَ الْمُرْجِئَةِ الْخَالِصَةَ ثُمَّ دَلَائِلَ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ. أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ عَوَّلُوا عَلَى الْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَتِلْكَ الْعُمُومَاتُ عَلَى جِهَتَيْنِ. بَعْضُهَا وَرَدَتْ بِصِيغَةِ «مَنْ» فِي معرض الشرط وبعضها وردت بصيغة الجمع، [أنواع ما تمسكوا المعتزلة من عمومات القرآن] أَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَآيَاتٌ، إِحْدَاهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [النِّسَاءِ: 13] إِلَى قَوْلِهِ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خالِداً فِيها [النِّسَاءِ: 14] ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجَّ وَالْجِهَادَ وَارْتَكَبَ شُرْبَ الْخَمْرِ وَالزِّنَا وَقَتْلَ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِقَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كَلِمَةَ «مَنْ» فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ تُفِيدُ الْعُمُومَ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، فَمَتَى حَمَلَ الْخَصْمُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْكَافِرِ دُونَ الْمُؤْمِنِ كَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ ثُمَّ الَّذِي يُبْطِلُ قَوْلَهُ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ حُدُودَهُ فِي الْمَوَارِيثِ ثُمَّ وَعَدَ مَنْ يُطِيعُهُ فِي تِلْكَ الْحُدُودِ وَتَوَعَّدَ مَنْ يَعْصِيهِ فِيهَا، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِالْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ تَعَالَى فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهَا إِلَى الطَّاعَةِ فِيهَا مِمَّنْ يَكُونُ مُنْكِرًا لِرُبُوبِيَّتِهِ وَمُكَذِّبًا لِرُسُلِهِ وَشَرَائِعِهِ، فَتَرْغِيبُهُ فِي الطَّاعَةِ فِيهَا أَخَصُّ مِمَّنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الطَّاعَةِ فِيهَا وَهُوَ الْمُؤْمِنُ، وَمَتَى كَانَ الْمُؤْمِنُ مُرَادًا بِأَوَّلِ الْآيَةِ فَكَذَلِكَ بِآخِرِهَا، الثَّانِي: أنه قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحُدُودُ الْمَذْكُورَةُ، ثُمَّ عَلَّقَ بِالطَّاعَةِ فِيهَا الْوَعْدَ وَبِالْمَعْصِيَةِ فِيهَا الْوَعِيدَ، فَاقْتَضَى سِيَاقُ الْآيَةِ أَنَّ الْوَعِيدَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَعْصِيَةِ فِي هَذِهِ الْحُدُودِ فَقَطْ دُونَ أَنْ يَضُمَّ إِلَى ذَلِكَ تَعَدِّي حُدُودٍ أُخَرَ، وَلِهَذَا كَانَ مَزْجُورًا بِهَذَا الْوَعِيدِ فِي تَعَدِّي هَذِهِ الْحُدُودِ فَقَطْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُرَادًا بِهَذَا الْوَعِيدِ لَمَا كَانَ مَزْجُورًا بِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ مُرَادٌ بِهَا كَالْكَافِرِ بَطَلَ قَوْلُ مَنْ يَخُصُّهَا بِالْكَافِرِ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ
قَوْلَهُ تَعَالَى: وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ [النِّسَاءِ: 14] جَمْعٌ مُضَافٌ وَالْجَمْعُ الْمُضَافُ عِنْدَكُمْ يُفِيدُ الْعُمُومَ، كَمَا لَوْ قِيلَ: ضَرَبْتُ عَبِيدِي، فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ شَامِلًا لِجَمِيعِ عَبِيدِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ اخْتَصَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِمَنْ تَعَدَّى جَمِيعَ حُدُودِ اللَّهِ وَذَلِكَ هُوَ الْكَافِرُ لَا مَحَالَةَ دُونَ الْمُؤْمِنِ، قُلْنَا: الْأَمْرُ وَإِنْ كَانَ كَمَا ذَكَرْتُمْ نَظَرًا إِلَى اللَّفْظِ لَكِنَّهُ وُجِدَتْ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ليس المراد هاهنا تَعَدِّي جَمِيعِ الْحُدُودِ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَدَّمَ عَلَى قَوْلِهِ: وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَانْصَرَفَ قَوْلُهُ: وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ إِلَى تِلْكَ الْحُدُودِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْأُمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ مَزْجُورٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَنِ الْمَعَاصِي، وَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ/ لَكَانَ الْمُؤْمِنُ غَيْرَ مَزْجُورٍ بِهَا، وَثَالِثُهَا: أَنَّا لَوْ حَمَلْنَا الْآيَةَ عَلَى تَعَدِّي جَمِيعِ الْحُدُودِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَعِيدِ بِهَا فَائِدَةٌ لِأَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُكَلَّفِينَ لَا يَتَعَدَّى جَمِيعَ حُدُودِ اللَّهِ، لِأَنَّ فِي الْحُدُودِ مَا لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا فِي التَّعَدِّي لِتَضَادِّهَا، فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ أَحَدٌ مِنْ أَنْ يَعْتَقِدَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مَذْهَبَ الثَّنَوِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَلَيْسَ يُوجَدُ فِي الْمُكَلَّفِينَ مَنْ يَعْصِي اللَّهَ بِجَمِيعِ الْمَعَاصِي، وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها [النِّسَاءِ: 93] ، دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذَا الْجَزَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النِّسَاءِ: 123] . وخامسها: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى قَوْلِهِ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الْأَنْفَالِ: 16] . وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزَّلْزَلَةِ: 7، 8] . وَسَابِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا [النِّسَاءِ: 29، 30] . وَثَامِنُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى [طه: 74، 75] فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْكَافِرَ وَالْفَاسِقَ مِنْ أَهْلِ الْعِقَابِ الدَّائِمِ كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَهْلِ الثَّوَابِ. وَتَاسِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً [طه: 111] وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الظَّالِمُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دَاخِلًا تَحْتَ هَذَا الْوَعِيدِ، وَعَاشِرُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ تَعْدَادِ الْمَعَاصِي: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً [الْفُرْقَانِ: 68، 69] بَيَّنَ أَنَّ الْفَاسِقَ كَالْكَافِرِ فِي أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْخُلُودِ، إِلَّا مَنْ تَابَ مِنَ الْفُسَّاقِ أَوْ آمَنَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَالْحَادِيَةُ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ [النَّمْلِ: 89، 90] الْآيَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهَا كَمَا أَنَّ الطَّاعَاتِ كُلَّهَا مَوْعُودٌ عَلَيْهَا، وَالثَّانِيَةُ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى [النَّازِعَاتِ: 37- 39] . وَالثَّالِثَةُ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [الْجِنِّ: 23] الْآيَةَ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ، وَالرَّابِعَةُ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ الْآيَةَ، فَحَكَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ قَوْلَ الْمُرْجِئَةِ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [الْبَقَرَةِ: 80] ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ كَذَّبَهُمْ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فَهَذِهِ هِيَ الْآيَاتُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى صِيغَةِ «مَنْ» فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تُفِيدُ الْعُمُومَ بِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً لِلْعُمُومِ لَكَانَتْ إِمَّا مَوْضُوعَةً لِلْخُصُوصِ أَوْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ، فَوَجَبَ كَوْنُهَا مَوْضُوعَةً لِلْعُمُومِ، أَمَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً لِلْخُصُوصِ فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا حَسُنَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ أَنْ يُعْطِيَ الْجَزَاءَ لِكُلِّ مَنْ أَتَى بِالشَّرْطِ، لِأَنَّ عَلَى
هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الْجَزَاءُ مُرَتَّبًا عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ، لَكِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي أَكْرَمْتُهُ أَنَّهُ يَحْسُنُ أَنْ يُكْرِمَ كُلَّ مَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَيْسَتْ لِلْخُصُوصِ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ/ تَكُونَ مَوْضُوعَةً لِلِاشْتِرَاكِ، أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا عُرِفَ كيفية ترتب الْجَزَاءِ عَلَى الشَّرْطِ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ عَنْ جَمِيعِ الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ مِثْلَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي أَكْرَمْتُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: أَرَدْتَ الرِّجَالَ أَوِ النِّسَاءَ، فَإِذَا قَالَ: أَرَدْتُ الرِّجَالَ يُقَالُ لَهُ: أَرَدْتَ الْعَرَبَ أَوِ الْعَجَمَ، فَإِذَا قَالَ: أَرَدْتُ الْعَرَبَ يُقَالُ لَهُ: أَرَدْتَ رَبِيعَةَ أَوْ مُضَرَ وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلَى جَمِيعِ التَّقْسِيمَاتِ الْمُمْكِنَةِ، وَلَمَّا عَلِمْنَا بِالضَّرُورَةِ مِنْ عَادَةِ أَهِلِ اللِّسَانِ قُبْحَ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الْقَوْلَ بِالِاشْتِرَاكِ بَاطِلٌ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي أَكْرَمْتُهُ حَسُنَ اسْتِثْنَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ مِنْهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْجِنْسِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَصِحُّ دُخُولُهُ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَ الصِّحَّةِ الْوُجُوبُ أَوْ لَا يُعْتَبَرَ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَبْقَى بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ كَقَوْلِهِ: جَاءَنِي الْفُقَهَاءُ إِلَّا زَيْدًا وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ كَقَوْلِهِ: جَاءَنِي الْفُقَهَاءُ إِلَّا زَيْدًا فَرْقٌ لِصِحَّةِ دُخُولِ زَيْدٍ فِي الْكَلَامَيْنِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ. وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْعَدَدِ يُخْرِجُ مَا لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ تَحْتَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا فَائِدَةَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ الدَّاخِلِ عَلَى الْعَدَدِ وَبَيْنَ الدَّاخِلِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُخْرِجُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ فِيهِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صِيغَةَ «مَنْ» فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ لِلْعُمُومِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ قَوْلَهُ: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الْأَنْبِيَاءِ: 98] الْآيَةَ قَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى: لَأَخْصِمَنَّ مُحَمَّدًا ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَلَيْسَ قَدْ عُبِدَتِ الْمَلَائِكَةُ أَلَيْسَ قَدْ عُبِدَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَتَمَسَّكَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ «1» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُفِيدُ الْعُمُومَ. النَّوْعُ الثَّانِي: مِنْ دَلَائِلِ الْمُعْتَزِلَةِ: التَّمَسُّكُ فِي الْوَعِيدِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفَةِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَهِيَ فِي آيَاتٍ. إِحْدَاهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الِانْفِطَارِ: 14] وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْجُبَّائِيَّ وَأَبَا الْحَسَنِ يَقُولُونَ: إِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُفِيدُ الْعُمُومَ، وَأَبُو هَاشِمٍ يَقُولُ: إِنَّهَا لَا تُفِيدُ الْعُمُومَ، فَنَقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لِلْعُمُومِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَنْصَارَ لَمَّا طَلَبُوا الْإِمَامَةَ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَالْأَنْصَارُ سَلَّمُوا تِلْكَ الْحُجَّةَ وَلَوْ لَمْ يَدُلَّ الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ بِلَامِ الْجِنْسِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ لَمَا صَحَّتْ تِلْكَ الدَّلَالَةُ، لِأَنَّ قَوْلَنَا: بَعْضُ الْأَئِمَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ لَا يُنَافِي وُجُودَ إِمَامٍ مِنْ قَوْمٍ آخَرِينَ. أَمَّا كَوْنُ كُلِّ الْأَئِمَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ يُنَافِي كَوْنَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ لَمَّا هَمَّ بِقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ: أَلَيْسَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» احْتَجَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِعُمُومِ اللَّفْظِ ثُمَّ لَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: إِنِ اللَّفْظَ لَا يُفِيدُهُ بَلْ عَدَلَ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ، فَقَالَ إِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «إِلَّا بِحَقِّهَا» وَإِنْ كَانَ الزَّكَاةُ مِنْ حَقِّهَا، وَثَانِيهَا: / أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ يُؤَكَّدُ بِمَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ، فَوَجَبَ أَنْ يُفِيدَ الِاسْتِغْرَاقَ، أَمَّا أَنَّهُ يُؤَكَّدُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ص: 73] وَأَمَّا أَنَّهُ بَعْدَ التَّأْكِيدِ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ، فَبِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا أَنَّهُ مَتَى كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ كَوْنُ الْمُؤَكَّدِ فِي أَصْلِهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مسماة بالتأكيد
إِجْمَاعًا، وَالتَّأْكِيدُ هُوَ تَقْوِيَةُ الْحُكْمِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا فِي الْأَصْلِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِغْرَاقُ حَاصِلًا فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ ابْتِدَاءً لَمْ يَكُنْ تَأْثِيرُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي تَقْوِيَةِ الْحُكْمِ، بَلْ فِي إِعْطَاءِ حُكْمٍ جَدِيدٍ، وَكَانَتْ مُبِيِّنَةً لِلْمُجْمَلِ لَا مُؤَكِّدَةً، وَحَيْثُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا مُؤَكِّدَةٌ عَلِمْنَا أَنَّ اقْتِضَاءَ الِاسْتِغْرَاقِ كَانَ حَاصِلًا فِي الْأَصْلِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ إِذَا دَخَلَا فِي الِاسْمِ صَارَ الِاسْمُ مَعْرِفَةً، كَذَا نُقِلَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فَيَجِبُ صَرْفُهُ إِلَى مَا بِهِ تَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ بِصَرْفِهِ إِلَى الْكُلِّ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ لِلْمُخَاطَبِ، وَأَمَّا صَرْفُهُ إِلَى مَا دُونَ الْكُلِّ فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ الْمَعْرِفَةَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُ الْجَمْعِ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَكَانَ يَبْقَى مَجْهُولًا. فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا أَفَادَ جَمْعًا مَخْصُوصًا مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَقَدْ أَفَادَ تَعْرِيفَ ذَلِكَ الْجِنْسِ، قُلْتُ: هَذِهِ الْفَائِدَةُ كَانَتْ حَاصِلَةً بِدُونِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا، أَفَادَ تَعْرِيفَ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَتَمَيُّزَهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْأَلِفِ وَاللَّامِ فَائِدَةً زَائِدَةً وَمَا هِيَ إِلَّا الِاسْتِغْرَاقُ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ أَيِّ وَاحِدٍ كَانَ مِنْهُ وَذَلِكَ يُفِيدُ الْعُمُومَ. وَخَامِسُهَا: الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ فِي اقْتِضَاءِ الْكَثْرَةِ فَوْقَ الْمُنَكَّرِ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ انْتِزَاعُ الْمُنَكَّرِ مِنَ الْمُعَرَّفِ وَلَا يَنْعَكِسُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنَ الرِّجَالِ، وَلَا يُقَالُ رَأَيْتُ الرِّجَالَ مِنْ رِجَالٍ، وَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْمُنْتَزَعَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنَ الْمُنْتَزَعِ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَنَقُولُ: إِنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ، إِمَّا الْكُلُّ أَوْ مَا دُونَهُ، وَالثَّانِي: بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مَا مِنْ عَدَدٍ دُونَ الْكُلِّ إِلَّا وَيَصِحُّ انْتِزَاعُهُ مِنَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمُنْتَزَعَ مِنْهُ أَكْثَرُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ مُفِيدًا لِلْكُلِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي هَاشِمٍ، وَهِيَ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ فَيُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِالْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ فَقَوْلُهُ: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْفُجُورَ هِيَ الْعِلَّةُ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَزِمَ عُمُومُ الْحُكْمِ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَفِي هَذَا الْبَابِ طَرِيقَةٌ ثَالِثَةٌ يَذْكُرُهَا النَّحْوِيُّونَ وَهِيَ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَيْسَتْ لَامَ تَعْرِيفٍ، بَلْ هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تُجَابُ بِالْفَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [الْمَائِدَةِ: 38] ، وَكَمَا تَقُولُ الَّذِي يَلْقَانِي فَلَهُ دِرْهَمٌ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ عَطْفُ الْفِعْلِ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي دَخَلَتْ هَذِهِ اللَّامُ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [الْحَدِيدِ: 18] فَلَوْلَا أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ بِمَعْنَى: إِنَّ الَّذِينَ اصَدَّقُوا لَمَا صَحَّ أَنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَأَقْرَضُوا اللَّهَ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كان قوله: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ مَعْنَاهُ: إِنَّ الَّذِينَ فَجَرُوا فَهُمْ فِي الْجَحِيمِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ الْعُمُومَ. الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي هَذَا الْبَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً [مَرْيَمَ: 85، 86] وَلَفْظُ الْمُجْرِمِينَ صِيغَةُ جَمْعٍ مُعَرَّفَةٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [مَرْيَمَ: 72] وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ [النحل: 61] بَيَّنَ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ عِقَابَهُمْ إِلَى يَوْمٍ آخَرَ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَصْدُقُ أَنْ لَوْ حَصَلَ عِقَابُهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: مِنَ الْعُمُومَاتِ: صِيَغُ الْجُمُوعِ الْمَقْرُونَةُ بِحَرْفِ الَّذِي، فَأَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [الْمُطَفِّفِينَ: 1، 2] . وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النِّسَاءِ: 10] . وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النَّحْلِ: 28] فَبَيَّنَ مَا يُسْتَحَقُّ عَلَى تَرْكِ الْهِجْرَةِ وَتَرْكِ النُّصْرَةِ وَإِنْ كَانَ معترفاً بالله
وَرَسُولِهِ. وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [يُونُسَ: 27] وَلَمْ يَفْصِلْ فِي الْوَعِيدِ بَيْنَ الْكَافِرِ وَغَيْرِهِ. وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التَّوْبَةِ: 34] . وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ [النِّسَاءِ: 18] وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْفَاسِقُ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ وَالْعَذَابِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْقَوْلِ مَعْنًى، بَلْ لَمْ يَكُنْ بِهِ إِلَى التَّوْبَةِ حَاجَةٌ، وَسَابِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [الْمَائِدَةِ: 33] فَبَيَّنَ مَا عَلَى الْفَاسِقِ مِنَ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَثَامِنُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ [آلِ عِمْرَانَ: 77] . النَّوْعُ الرَّابِعُ: مِنَ الْعُمُومَاتِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [آلِ عِمْرَانَ: 180] تَوَعُّدٌ عَلَى مَنْعِ الزَّكَاةِ. النَّوْعُ الْخَامِسُ: مِنَ الْعُمُومَاتِ: لَفْظَةُ «كُلٍّ» وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ [يُونُسَ: 54] فَبَيَّنَ مَا يَسْتَحِقُّ الظَّالِمُ عَلَى ظُلْمِهِ. النَّوْعُ السَّادِسُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَفْعَلَ مَا تَوَعَّدَهُمْ بِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: 28، 29] بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُبَدَّلُ قَوْلُهُ فِي الْوَعِيدِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي إِزَاحَةِ الْعُذْرِ تَقْدِيمَ الْوَعِيدِ، أَيْ بَعْدَ تَقْدِيمِ الْوَعِيدِ لَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ عِلَّةٌ وَلَا مَخْلَصٌ مِنْ عَذَابِهِ، وَالثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ تَعَالَى لَا بُدَّ وَأَنْ يَفْعَلَ مَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، فَهَذَا مَجْمُوعُ مَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ عُمُومَاتِ الْقُرْآنِ. أَمَّا عُمُومَاتُ الْأَخْبَارِ فَكَثِيرَةٌ. فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ: الْمَذْكُورُ بِصِيغَةِ «مَنْ» أَحَدُهَا: مَا رَوَى وَقَّاصُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «من أَكَلَ بِأَخِيهِ أَكْلَةً أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ أَخَذَ بِأَخِيهِ كِسْوَةً كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَمَنْ قَامَ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ أَقَامَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ» ، وَهَذَا نَصٌّ فِي وَعِيدِ الْفَاسِقِ، وَمَعْنَى أَقَامَهُ: أَيْ جَازَاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَثَانِيهَا: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ وَذَا وَجْهَيْنِ كَانَ فِي النَّارِ ذَا لِسَانَيْنِ وَذَا وَجْهَيْنِ» وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْمُنَافِقِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَثَالِثُهَا: عَنْ سَعِيدِ بْنِ زيد قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ ظَلَمَ قَيْدَ شِبْرٍ مِنْ/ أَرْضٍ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ، وَرَابِعُهَا: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَاجَرَ السُّوءَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَبْدٌ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» . وَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى وَعِيدِ الْفَاسِقِ الظَّالِمِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُؤْمِنٍ وَلَا مُسْلِمٍ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ مِنَ الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ. وَخَامِسُهَا: عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَرِيئًا مِنْ ثَلَاثَةٍ، دَخَلَ الْجَنَّةَ: الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْكَلَامِ مَعْنًى، وَالْمُرَادُ مِنَ الدَّيْنِ مَنْ مَاتَ عَاصِيًا مَانِعًا وَلَمْ يُرِدِ التَّوْبَةَ وَلَمْ يَتُبْ عَنْهُ. وَسَادِسُهَا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» . وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَالْخَلَاصَ مِنَ النَّارِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَسَابِعُهَا: عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ
حَرَامٌ وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ» ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي وَعِيدِ الْفَاسِقِ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْخُلُودِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَشْرَبْهَا لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ لِأَنَّ فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ. وَثَامِنُهَا: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا قَطَعْتُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» . وَتَاسِعُهَا: عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ يُعَذَّبُ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» . وَعَاشِرُهَا: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الصَّلَاةِ: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلَا بُرْهَانًا وَلَا نَجَاةً وَلَا ثَوَابًا وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَهَامَانَ وَفِرْعَوْنَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» . وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ يُحْبِطُ الْعَمَلَ وَيُوجِبُ وَعِيدَ الْأَبَدِ، الْحَادِيَ عَشَرَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ مُدْمِنَ خَمْرٍ لَقِيَهُ كَعَابِدِ وَثَنٍ» ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ عَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ إِحْبَاطُ الْعَمَلِ، الثَّانِيَ عَشَرَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا بَطْنَهُ يَهْوِي فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ مُتَعَمِّدًا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ مُتَرَدٍّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» ، الثَّالِثَ عَشَرَ: عَنْ أَبِي ذر قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ خَابُوا وَخَسِرُوا؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ كَاذِبًا» ، يَعْنِي بِالْمُسْبِلِ الْمُتَكَبِّرَ الَّذِي يُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ لَمْ يُكَلِّمْهُ اللَّهُ وَلَمْ يَرْحَمْهُ وَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَوُرُودُهُ فِي الْفَاسِقِ نَصٌّ فِي الْبَابِ، الرَّابِعَ عَشَرَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ/ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي النَّارِ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِي الْجَنَّةِ أَوْ فِي النَّارِ» . الْخَامِسَ عَشَرَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ كَتَمَ عِلْمًا أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . السَّادِسَ عَشَرَ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبًا لِيَقْطَعَ بِهَا مَالَ أَخِيهِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا [آلِ عِمْرَانَ: 77] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَهَذَا نَصٌّ فِي الْوَعِيدِ وَنَصٌّ فِي أَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِي الْفُسَّاقِ كَوُرُودِهَا فِي الْكُفَّارِ، السَّابِعَ عَشَرَ: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ لِيَقْطَعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا، قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» . الثَّامِنَ عَشَرَ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَتَاهُ رَجُلٌ وَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ مَعِيشَتِي مِنْ هَذِهِ التَّصَاوِيرِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ فَإِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ وَمَنْ يُرِي عَيْنَيْهِ فِي الْمَنَامِ مَا لَمْ يره كلف أن يعقد بين شعرتين» . التَّاسِعَ عَشَرَ: عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» . الْعِشْرُونَ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي مُنَاظَرَتِهِ مَعَ عُثْمَانَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ قَاضِيًا يَقْضِي بِالْجَهْلِ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ كَانَ قَاضِيًا يَقْضِي بِالْجَوْرِ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» . الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنِ ادَّعَى أَبًا فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» . الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهِدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» ، وَإِذَا كَانَ فِي
قَتْلِ الْكُفَّارِ هَكَذَا فَمَا ظَنُّكَ بِقَتْلِ أَوْلَادِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» وَإِذَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَفِيها مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ [الزُّخْرُفِ: 71] . النَّوْعُ الثَّانِي: مِنَ الْعُمُومَاتِ الْإِخْبَارِيَّةِ الْوَارِدَةِ لَا بِصِيغَةِ «مَنْ» وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، الْأَوَّلُ: عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِسْكِينٌ مُتَكَبِّرٌ وَلَا شَيْخٌ زَانٍ وَلَا مَنَّانٌ عَلَى اللَّهِ بِعَمَلِهِ» ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِالْإِجْمَاعِ. الثَّانِي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «ثَلَاثَةٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الشَّهِيدُ، وَعَبْدٌ نَصَحَ سَيِّدَهُ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، وَثَلَاثَةٌ يَدْخُلُونَ النَّارَ: أَمِيرٌ مُسَلَّطٌ، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ» . الثَّالِثُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحِمَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ/ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَهُوَ ذَاكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فاقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ، فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ، أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ [مُحَمَّدٍ: 23] ، وَهَذَا نَصٌّ فِي وَعِيدِ قَاطِعِ الرَّحِمِ وَتَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ) . وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» . الرَّابِعُ: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِبَعْضِ الْحَاضِرِينَ: «مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. قَالَ: فَمَا حَقُّهُمْ عَلَى اللَّهِ إذا فعلوا ذلك؟ قَالَ: أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا يُعَذِّبَهُمْ» . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَى الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَغْفِرَ لَهُمْ إِذَا لَمْ يَعْبُدُوهُ. الْخَامِسُ: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا اقْتَتَلَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. السَّادِسُ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» . السَّابِعُ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُبْغِضُ أَهْلَ الْبَيْتِ رَجُلٌ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» ، وإذا استحقوا النار ببعضهم فَلَأَنْ يَسْتَحِقُّوهَا بِقَتْلِهِمْ أَوْلَى. الثَّامِنُ: فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّا خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَامِ خَيْبَرَ إِلَى أَنْ كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى، فَبَيْنَمَا يَحْفَظُ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ وَقَتَلَهُ فَقَالَ النَّاسُ هَنِيئًا له الجنة، قال رسول الله: «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنَ الْغَنَائِمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا» . فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ بِذَلِكَ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: شِرَاكٌ مِنْ نار أو شراكين مِنَ النَّارِ. التَّاسِعُ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ وَقَاطِعُ الرَّحِمِ وَمُصَدِّقُ السِّحْرِ» . الْعَاشِرُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ لَهُ مَالٌ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلَّا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ صَفَائِحَ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ يُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَظَهْرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ» . هَذَا مَجْمُوعُ اسْتِدْلَالِ الْمُعْتَزِلَةِ بِعُمُومَاتِ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ. أَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْهَا مِنْ وُجُوهٍ. أَوَّلُهَا: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ صِيغَةَ «مَنْ» فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ لِلْعُمُومِ،
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ إِذَا كَانَتْ مُعَرَّفَةً بِاللَّامِ لِلْعُمُومِ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَصِحُّ إِدْخَالُ لَفْظَتَيِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ عَلَى هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ، كُلُّ مَنْ دَخَلَ دَارِي أَكْرَمْتُهُ وَبَعْضُ مَنْ دَخَلَ دَارِي أَكْرَمْتُهُ، وَيُقَالُ أَيْضًا: كُلُّ النَّاسِ كَذَا، وَبَعْضُ النَّاسِ كَذَا، وَلَوْ كَانَتْ لَفْظَةُ «مَنْ» لِلشَّرْطِ تُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ لَكَانَ إِدْخَالُ لَفْظِ الْكُلِّ عَلَيْهِ/ تَكْرِيرًا وَإِدْخَالُ لَفْظِ الْبَعْضِ عَلَيْهِ نَقْضًا، وَكَذَلِكَ فِي لَفْظِ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ لَا تُفِيدُ الْعُمُومَ. الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ جَاءَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا تَارَةً الِاسْتِغْرَاقُ وَأُخْرَى الْبَعْضُ، فَإِنَّ أَكْثَرَ عُمُومَاتِ الْقُرْآنِ مَخْصُوصَةٌ، وَالْمَجَازُ وَالِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ وَلَا بُدَّ مِنْ جَعْلِهِ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَذَلِكَ هُوَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى إِفَادَةِ الْأَكْثَرِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ أَنَّهُ يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ أَوْ لَا يُفِيدُ. الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ لَوْ أَفَادَتِ الْعُمُومَ إِفَادَةً قَطْعِيَّةً لاستحال إدخال لفظ التأكيد عليها، لأنها تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ فَحَيْثُ حَسُنَ إِدْخَالُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَيْهَا عَلِمْنَا أَنَّهَا لَا تُفِيدُ مَعْنَى العموم لا محالة، سلما أنها تفيد معنى وَلَكِنْ إِفَادَةً قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً؟ الْأَوَّلُ: مَمْنُوعٌ وَبَاطِلٌ قَطْعًا لِأَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ النَّاسَ كَثِيرًا مَا يُعَبِّرُونَ عَنِ الْأَكْثَرِ بِلَفْظِ الْكُلِّ وَالْجَمِيعِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النَّمْلِ: 23] فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ تُفِيدُ مَعْنَى الْعُمُومِ إِفَادَةً ظَنِّيَّةً، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مِنَ الْمَسَائِلِ الظَّنِّيَّةِ لَمْ يَجُزِ التَّمَسُّكُ فِيهَا بِهَذِهِ الْعُمُومَاتِ، سَلَّمْنَا أَنَّهَا تُفِيدُ مَعْنَى الْعُمُومِ إِفَادَةً قَطْعِيَّةً وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنِ اشْتِرَاطِ أَنْ لَا يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْمُخَصِّصَاتِ؟، فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ تَطَرُّقِ التَّخْصِيصِ إِلَى الْعَامِّ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنَ الْمُخَصِّصَاتِ؟ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: بَحَثْنَا فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنَ الْمُخَصِّصَاتِ لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ عَدَمَ الْوِجْدَانِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُودِ. وَإِذَا كَانَتْ إِفَادَةُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِمَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ مُتَوَقِّفَةً عَلَى نَفْيِ الْمُخَصِّصَاتِ، وَهَذَا الشَّرْطُ غَيْرُ مَعْلُومٍ كَانَتِ الدَّلَالَةُ مَوْقُوفَةً عَلَى شَرْطٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَحْصُلَ الدَّلَالَةُ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا الْمَقَامَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الْبَقَرَةِ: 6] حَكَمَ عَلَى كُلِّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ إِنَّا شَاهَدْنَا قَوْمًا مِنْهُمْ قَدْ آمَنُوا فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لِلشُّمُولِ أَوْ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِهَذَا الْمَعْنَى إِلَّا أَنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ فِي زَمَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَعْلَمُونَ لِأَجْلِهَا أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا الْعُمُومِ هُوَ الْخُصُوصُ. وَأَمَّا ما كان هناك فلم يجوز مثله هاهنا؟ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْمُخَصِّصِ، لَكِنَّ آيَاتِ الْعَفْوِ مُخَصِّصَةٌ لَهَا وَالرُّجْحَانُ مَعَنَا لِأَنَّ آيَاتِ الْعَفْوِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى آيَاتِ الْوَعِيدِ خَاصَّةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَامِّ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ لَا مَحَالَةَ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الْمُخَصِّصُ وَلَكِنَّ عُمُومَاتِ الْوَعِيدِ مُعَارَضَةٌ بِعُمُومَاتِ الْوَعْدِ، وَلَا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ وَهُوَ مَعَنَا مِنْ وُجُوهٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ أَدْخَلُ فِي الْكَرْمِ مِنَ الْوَفَاءِ بِالْوَعِيدِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدِ اشْتُهِرَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سَابِقَةٌ عَلَى غَضَبِهِ وَغَالِبَةٌ عَلَيْهِ فَكَانَ تَرْجِيحُ عُمُومَاتِ الْوَعْدِ أَوْلَى. الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّ الْوَعِيدَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْوَعْدَ حَقُّ الْعَبْدِ، وَحَقُّ الْعَبْدِ أَوْلَى بِالتَّحْصِيلِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الْمُعَارِضُ وَلَكِنَّ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ نَزَلَتْ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ، فَلَا تَكُونُ قَاطِعَةً فِي الْعُمُومَاتِ، فَإِنْ قِيلَ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، قُلْنَا: هَبْ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمَّا رَأَيْنَا كَثِيرًا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ وَرَدَتْ فِي الْأَسْبَابِ الْخَاصَّةِ، وَالْمُرَادُ تِلْكَ الْأَسْبَابُ الْخَاصَّةُ فَقَطْ عَلِمْنَا أَنَّ/ إِفَادَتَهَا لِلْعُمُومِ لَا يَكُونُ قَوِيًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَمَّا الَّذِينَ قَطَعُوا بِنَفْيِ الْعِقَابِ عَنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ
وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ [النَّحْلِ: 27] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طه: 48] دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ مَاهِيَّةَ الْخِزْيِ وَالسُّوءِ وَالْعَذَابِ مُخْتَصَّةٌ بِالْكَافِرِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْصُلَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ هَذِهِ الْمَاهِيَّةِ لِأَحَدٍ سِوَى الْكَافِرِينَ. الثَّانِي: قَوْلُهُ تعالى: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزُّمَرِ: 53] ، حَكَمَ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَغْفِرُ كُلَّ الذُّنُوبِ وَلَمْ يَعْتَبِرِ التَّوْبَةَ وَلَا غَيْرَهَا، وَهَذَا يُفِيدُ الْقَطْعَ بِغُفْرَانِ كُلِّ الذُّنُوبِ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ [الرَّعْدِ: 6] وَكَلِمَةُ «عَلَى» تُفِيدُ الْحَالَ كَقَوْلِكَ: رَأَيْتُ الْمَلِكَ عَلَى أَكْلِهِ، أَيْ رَأَيْتُهُ حَالَ اشْتِغَالِهِ بالأكل، فكذا هاهنا وَجَبَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمُ اللَّهُ حَالَ اشْتِغَالِهِمْ بِالظُّلْمِ وَحَالُ الِاشْتِغَالِ بِالظُّلْمِ يَسْتَحِيلُ حُصُولُ التَّوْبَةِ مِنْهُمْ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ يَحْصُلُ الْغُفْرَانُ بِدُونِ التَّوْبَةِ وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَغْفِرَ لِلْكَافِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَانَ: 13] إِلَّا أَنَّهُ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ هُنَاكَ فَبَقِيَ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْبَاقِي. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْكُفْرَ أَعْظَمُ حَالًا مِنَ الْمَعْصِيَةِ. الرَّابِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [اللَّيْلِ: 14- 16] ، وَكُلُّ نَارٍ فَإِنَّهَا مُتَلَظِّيَةٌ لَا مَحَالَةَ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ إِنَّ النَّارَ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي هُوَ الْمُكَذِّبُ الْمُتَوَلِّي. الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ [الْمُلْكِ: 8، 9] ، دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ النَّارِ مُكَذِّبٌ لَا يُقَالُ هَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةٌ فِي الْكُفَّارِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ قَبْلَهُ: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ فِي بَعْضِ الْكُفَّارِ وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [الملك: 6- 9] ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْكُفَّارِ لِأَنَّا نَقُولُ: دَلَالَةُ مَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْكُفَّارِ لَا تَمْنَعُ مِنْ عُمُومِ مَا بَعْدَهَا. أَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ، فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى كَانُوا يَقُولُونَ: مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ. السَّادِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سَبَأٍ: 17] وَهَذَا بِنَاءُ الْمُبَالَغَةِ فَوَجَبَ أن يختص بالكافر الأصلي. السابع: أنه تعالى بعد ما أَخْبَرَ أَنَّ النَّاسَ صِنْفَانِ: بِيضُ الْوُجُوهِ وَسُودُهُمْ قَالَ: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ [آلِ عِمْرَانَ: 106] فَذَكَرَ أَنَّهُمُ الكفار. والثامن: أنه تعالى بعد ما جَعَلَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ، السَّابِقُونَ وَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ، بَيَّنَ أَنَّ السَّابِقِينَ وَأَصْحَابَ الْمَيْمَنَةِ فِي الْجَنَّةِ وَأَصْحَابَ الْمَشْأَمَةِ فِي النَّارِ، ثُمَّ بين أنهم كفار بقوله: وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [الْوَاقِعَةِ: 47] . التَّاسِعُ: أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ لَا يُخْزَى وَكُلُّ مَنْ أُدْخِلَ النَّارَ فَإِنَّهُ يُخْزَى فَإِذَنْ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ لَا يَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ/ لَا يُخْزَى لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ وَالْمُؤْمِنُ لَا يُخْزَى، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ مُؤْمِنٌ لِمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [الْبَقَرَةِ: 3] مِنْ أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُخْزَى لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التَّحْرِيمِ: 8] . وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ: إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ [النَّحْلِ: 27] . وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آلِ عِمْرَانَ: 191] إِلَى أَنْ حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ [آلِ عِمْرَانَ: 194] ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [آل عمران: 195]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ويتفكرون في خلق السموات وَالْأَرْضِ يَدْخُلُ فِيهِ الْعَاصِي وَالزَّانِي وَشَارِبُ الْخَمْرِ، فَلَمَّا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالَى اسْتَجَابَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُخْزِيهِمْ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُخْزِي عُصَاةَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ كُلَّ مَنْ أُدْخِلَ النَّارَ فَقَدْ أُخْزِيَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [آلِ عِمْرَانَ: 192] ، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ لَا يَدْخُلُ النَّارَ. الْعَاشِرُ: الْعُمُومَاتُ الْكَثِيرَةُ الْوَارِدَةُ فِي الْوَعْدِ نَحْوَ قوله: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الْبَقَرَةِ: 4- 5] ، فَحَكَمَ بِالْفَلَاحِ عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنَ، وَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الْبَقَرَةِ: 62] . فَقَوْلُهُ: وَعَمِلَ صالِحاً نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ فَيَكْفِي فِيهِ الْإِثْبَاتُ بِعَمَلٍ وَاحِدٍ وَقَالَ: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [النِّسَاءِ: 124] وَإِنَّهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَلَنَا فِيهِ رِسَالَةٌ مُفْرَدَةٌ مَنْ أَرَادَهَا فَلْيُطَالِعْ تِلْكَ الرِّسَالَةَ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ: أَنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِعُمُومَاتِ الْوَعِيدِ، وَالْكَلَامُ فِي تَفْسِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ يَجِيءُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَمَّا أَصْحَابُنَا الَّذِينَ قَطَعُوا بِالْعَفْوِ فِي حَقِّ الْبَعْضِ وَتَوَقَّفُوا فِي الْبَعْضِ فَقَدِ احْتَجُّوا مِنَ الْقُرْآنِ بِآيَاتٍ. الْحُجَّةُ الْأُولَى: الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى كَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى عَفُوًّا غَفُورًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشُّورَى: 25] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] وقوله: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ [الشُّورَى: 32] إِلَى قَوْلِهِ: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ [الشُّورَى: 34] وَأَيْضًا أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْ عِبَادِهِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَسْمَائِهِ الْعَفُوَّ فَنَقُولُ: الْعَفْوُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه أَوْ عَمَّنْ لَا يَحْسُنُ عِقَابُهُ، وَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي بَاطِلٌ، لِأَنَّ عِقَابَ مَنْ لَا يَحْسُنُ عِقَابُهُ قَبِيحٌ، وَمَنْ تَرَكَ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ لَا يُقَالُ: إِنَّهُ عَفَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا لَمْ يَظْلِمْ أَحَدًا لَا يُقَالُ: أَنَّهُ عَفَا عَنْهُ، إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ: عَفَا إِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُعَذِّبَهُ فَتَرَكَهُ وَلِهَذَا قَالَ: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [الْبَقَرَةِ: 237] وَلِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ [الشُّورَى: 25] ، فَلَوْ كَانَ الْعَفْوُ عِبَارَةً عَنْ إِسْقَاطِ الْعِقَابِ عَنِ التَّائِبِ لَكَانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا/ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْعَفْوَ عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه وَذَلِكَ هُوَ مَذْهَبُنَا. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى غَافِرًا وَغَفُورًا وَغَفَّارًا، قَالَ تَعَالَى: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ [غَافِرٍ: 3] وَقَالَ: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الْكَهْفِ: 58] وَقَالَ: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [طه: 82] وَقَالَ: غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الْبَقَرَةِ: 285] . وَالْمَغْفِرَةُ لَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ إِسْقَاطِ الْعِقَابِ عَمَّنْ لَا يَحْسُنُ عِقَابُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبَارَةً عَنْ إِسْقَاطِ الْعِقَابِ عَمَّنْ يَحْسُنُ عِقَابُهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَذْكُرُ صِفَةَ الْمَغْفِرَةِ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ عَلَى الْعِبَادِ وَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ لَمْ يَبْقَ هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّ تَرْكَ الْقَبِيحِ لَا يَكُونُ مِنَّةً عَلَى الْعَبْدِ بَلْ كَأَنَّهُ أَحْسَنَ إِلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ وَاللَّوْمَ وَالْخُرُوجَ عَنْ حَدِّ الْإِلَهِيَّةِ فَهُوَ بِتَرْكِ الْقَبَائِحِ لَا يَسْتَحِقُّ الثَّنَاءَ مِنَ الْعَبْدِ، وَلَمَّا بَطَلَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. فَإِنْ قِيلَ: لم يَجُوزُ حَمْلُ الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ عَلَى تَأْخِيرِ الْعِقَابِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعَفْوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي تَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنِ الدُّنْيَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْيَهُودِ: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ [الْبَقَرَةِ: 52] وَالْمُرَادُ
لَيْسَ إِسْقَاطَ الْعِقَابِ، بَلْ تَأْخِيرَهُ إِلَى الْآخِرَةِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشُّورَى: 30] أَيْ مَا يُعَجِّلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَصَائِبِ عِقَابِهِ إِمَّا عَلَى جِهَةِ الْمِحْنَةِ أَوْ عَلَى جِهَةِ الْعُقُوبَةِ الْمُعَجَّلَةِ فَبِذُنُوبِكُمْ وَلَا يُعَجِّلُ الْمِحْنَةَ وَالْعِقَابَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا، وكذا قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ [الشُّورَى: 32] إِلَى قَوْلِهِ: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ [الشُّورَى: 34] أَيْ لَوْ شَاءَ إِهْلَاكَهُنَّ لَأَهْلَكَهُنَّ وَلَا يُهْلِكُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ. وَالْجَوَابُ: الْعَفْوُ أَصْلُهُ مِنْ عَفَا أَثَرَهُ أَيْ أَزَالَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى مِنَ الْعَفْوِ الْإِزَالَةَ لِهَذَا قَالَ تَعَالَى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [الْبَقَرَةِ: 178] وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّأْخِيرُ، بَلِ الْإِزَالَةُ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [الشورى: 237] وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّأْخِيرَ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، بَلِ الْإِسْقَاطُ الْمُطْلَقُ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَفْوَ لَا يَتَنَاوَلُ التَّأْخِيرَ أَنَّ الْغَرِيمَ إِذَا أَخَّرَ الْمُطَالَبَةَ لَا يُقَالُ: إِنَّهُ عَفَا عَنْهُ وَلَوْ أَسْقَطَهُ يُقَالُ: إِنَّهُ عَفَا عَنْهُ فَثَبَتَ أَنَّ الْعَفْوَ لَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِالتَّأْخِيرِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى كَوْنِهِ تَعَالَى رَحْمَانًا رَحِيمًا وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا أَنَّ رَحْمَتَهُ سُبْحَانَهُ إِمَّا أَنْ تَظْهَرَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُطِيعِينَ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الثَّوَابَ أَوْ إِلَى الْعُصَاةِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الْعِقَابَ، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ فِي حَقِّهِمْ إِمَّا أَنْ تَحْصُلَ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَعْطَاهُمُ الثَّوَابَ الَّذِي هُوَ حَقُّهُمْ أَوْ لِأَنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِمَا هُوَ أَزْيَدُ مِنْ حَقِّهِمْ. وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ لِأَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ لَا يُسَمَّى رَحْمَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى إِنْسَانٍ مِائَةُ دِينَارٍ فَأَخَذَهَا مِنْهُ قَهْرًا وَتَكْلِيفًا لَا يُقَالُ فِي الْمُعْطِي إِنَّهُ أَعْطَى الْآخِذَ ذَلِكَ الْقَدْرَ رَحْمَةً. وَالثَّانِي: بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ صَارَ بِمَا أخذ من الثواب الذي هو حقه كالمستغني عَنْ ذَلِكَ التَّفَضُّلِ فَتِلْكَ الزِّيَادَةُ تُسَمَّى زِيَادَةً فِي الْإِنْعَامِ وَلَا تُسَمَّى الْبَتَّةَ رَحْمَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّلْطَانَ الْمُعَظَّمَ إِذَا كَانَ فِي خِدْمَتِهِ أَمِيرٌ لَهُ ثَرْوَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَمْلَكَةٌ كَامِلَةٌ، ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ ضَمَّ إِلَى مَالِهِ مِنَ الْمُلْكِ مَمْلَكَةً أُخْرَى، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: إِنَّ السُّلْطَانَ رَحِمَهُ بَلْ يُقَالُ: زَادَ فِي الْإِنْعَامِ عليه فكذا/ هاهنا. أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ رَحْمَتَهُ إِنَّمَا تَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ رَحْمَتُهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى تَرَكَ الْعَذَابَ الزَّائِدَ عَلَى الْعَذَابِ الْمُسْتَحَقِّ، وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ وَاجِبٌ وَالْوَاجِبُ لَا يُسَمَّى رَحْمَةً وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ كَافِرٍ وَظَالِمٍ رَحِيمًا عَلَيْنَا لِأَجْلِ أَنَّهُ مَا ظَلَمَنَا، فَبَقِيَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ رَحِيمًا لِأَنَّهُ تَرَكَ الْعِقَابَ الْمُسْتَحَقَّ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الصَّغِيرَةِ وَلَا فِي حَقِّ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، لِأَنَّ تَرْكَ عِقَابِهِمْ وَاجِبٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ إِنَّمَا حَصَلَتْ لِأَنَّهُ تَرَكَ عِقَابَ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رَحْمَتُهُ لِأَجْلِ أَنَّ الْخَلْقَ وَالتَّكْلِيفَ وَالرِّزْقَ كُلَّهَا تَفَضُّلٌ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى يُخَفِّفُ عَنْ عِقَابِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ؟ قُلْنَا: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّهُ يُفِيدُ كَوْنَهُ رَحِيمًا فِي الدُّنْيَا فَأَيْنَ رَحْمَتُهُ فِي الْآخِرَةِ مَعَ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ فِي الْآخِرَةِ أَعْظَمُ مِنْ رَحْمَتِهِ فِي الدُّنْيَا. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ عندكم التخفيف عن العذاب غَيْرُ جَائِزٍ هَكَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ الْوَعِيدِيَّةِ، إِذَا ثَبَتَ حُصُولُ التَّخْفِيفِ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ ثَبَتَ جَوَازُ الْعَفْوِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ قَالَ بِأَحَدِهِمَا قَالَ بِالْآخَرِ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النِّسَاءِ: 48] ، فَنَقُولُ: «لِمَنْ يَشَاءُ» لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ صَاحِبَ الصَّغِيرَةِ وَلَا صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ قَبْلَ التوبة، وإنما قلنا: لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الصَّغِيرَةِ وَلَا عَلَى الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ تَفَضُّلًا لَا أَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ اسْتِحْقَاقًا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ
يَشاءُ أَيْ وَيَتَفَضَّلُ بِغُفْرَانِ مَا دُونَ ذَلِكَ الشِّرْكِ حَتَّى يَكُونَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ مُتَوَجِّهَيْنِ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: فُلَانٌ لَا يَتَفَضَّلُ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَيُعْطِي مَا دُونَهَا لِمَنِ اسْتَحَقَّ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا مُنْتَظِمًا، وَلَمَّا كَانَ غُفْرَانُ صَاحِبِ الصَّغِيرَةِ وَصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ مُسْتَحَقًّا امْتَنَعَ كَوْنُهُمَا مُرَادَيْنِ بِالْآيَةِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ أَنَّهُ يَغْفِرُ الْمُسْتَحِقِّينَ كَالتَّائِبِينَ وَأَصْحَابِ الصَّغَائِرِ لَمْ يَبْقَ لِتَمْيِيزِ الشِّرْكِ مِمَّا دُونَ الشِّرْكِ مَعْنًى لِأَنَّهُ تَعَالَى كَمَا يَغْفِرُ مَا دُونَ الشِّرْكِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَا يَغْفِرُهُ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ فَكَذَلِكَ يَغْفِرُ الشِّرْكَ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَا يَغْفِرُهُ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَلَا يَبْقَى لِلْفَصْلِ وَالتَّمْيِيزِ فَائِدَةٌ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ غُفْرَانَ التَّائِبِينَ وَأَصْحَابِ الصَّغَائِرِ وَاجِبٌ وَالْوَاجِبُ غَيْرُ مُعَلَّقٍ عَلَى الْمَشِيئَةِ، لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَى الْمَشِيئَةِ هُوَ الَّذِي إِنْ شَاءَ فَاعِلُهُ فِعْلَهُ يَفْعَلُهُ وإن شاء تركه يتركه فالواجب هو الذين لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ شَاءَ أَوْ أَبَى، وَالْمَغْفِرَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الْمَشِيئَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَغْفِرَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ مَغْفِرَةَ التَّائِبِينَ وَأَصْحَابِ الصَّغَائِرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ بِأَسْرِهَا مُبَيَّنَةٌ عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ غُفْرَانُ صَاحِبِ الصَّغِيرَةِ وَصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَقُولُ ذَلِكَ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِأَنَّهُ يَغْفِرُ كُلَّ مَا سِوَى/ الشِّرْكِ وَذَلِكَ يَنْدَرِجُ فِيهِ الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَقَبْلَ التَّوْبَةِ إِلَّا أَنَّ غُفْرَانَ كُلِّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَحْتَمِلُ قِسْمَيْنِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَغْفِرَ كُلَّهَا لِكُلِّ أَحَدٍ وَأَنْ يَغْفِرَ كُلَّهَا لِلْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَقَوْلُهُ: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ كُلَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: لِمَنْ يَشاءُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ كُلَّ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ لَا لِلْكُلِّ بَلْ لِلْبَعْضِ. وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ اللَّائِقُ بِأُصُولِنَا، فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَغْفِرَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعُصَاةَ فِي الْآخِرَةِ بَيَانُهُ أَنَّ الْمَغْفِرَةَ إِسْقَاطُ الْعِقَابِ وَإِسْقَاطُ الْعِقَابِ أَعَمُّ مِنْ إِسْقَاطِ الْعِقَابِ دَائِمًا أَوْ لَا دَائِمًا وَاللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ بِإِزَاءِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَيْنِكَ الْقَيْدَيْنِ، فَإِذَنْ لَفْظُ الْمَغْفِرَةِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْإِسْقَاطِ الدَّائِمِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ الشِّرْكِ عَنِ الدُّنْيَا وَيُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ مَا دُونَ الشِّرْكِ عَنِ الدُّنْيَا لِمَنْ يَشَاءُ، لَا يُقَالُ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا وَنَحْنُ لَا نَرَى مَزِيدًا لِلْكُفَّارِ فِي عِقَابِ الدُّنْيَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّا نَقُولُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ لَا يُؤَخِّرُ عِقَابَ الشِّرْكِ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ يَشَاءُ وَيُؤَخِّرُ عِقَابَ مَا دُونَ الشِّرْكِ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ يَشَاءُ فَحَصَلَ بِذَلِكَ تَخْوِيفُ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بِتَعْجِيلِ الْعِقَابِ لِلْكُفَّارِ وَالْفُسَّاقِ لِتَجْوِيزِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْ يُعَجِّلَ عِقَابَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ مِنْهُمْ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْغُفْرَانَ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِسْقَاطِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَغْفِرَةِ التَّائِبِ وَمَغْفِرَةِ صَاحِبِ الصَّغِيرَةِ؟ أما الوجوه الثلاثة الأول: فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أُصُولٍ لَا يَقُولُونَ بِهَا وَهِيَ وُجُوبُ مَغْفِرَةِ صَاحِبِ الصَّغِيرَةِ وَصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ: فَلَا نُسَلِّمُ أن قوله: ما دُونَ ذلِكَ يفيد العموم، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَصِحُّ إِدْخَالُ لَفْظِ «كُلُّ» وَ «بَعْضُ» عَلَى الْبَدَلِ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: وَيَغْفِرُ كُلَّ مَا دُونَ ذَلِكَ. وَيَغْفِرُ بَعْضَ مَا دُونَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: مَا دُونَ ذلِكَ يُفِيدُ الْعُمُومَ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ لِلْعُمُومِ وَلَكِنَّا نُخَصِّصُهُ بِصَاحِبِ الصَّغِيرَةِ وَصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْآيَاتِ الْوَارِدَةَ فِي الْوَعِيدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُخْتَصٌّ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْكَبَائِرِ مِثْلَ الْقَتْلِ وَالزِّنَا، وَهَذِهِ الْآيَةُ مُتَنَاوِلَةٌ لِجَمِيعِ الْمَعَاصِي وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ، فَآيَاتُ الْوَعِيدِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّا إِذَا حَمَلْنَا الْمَغْفِرَةَ عَلَى تَأْخِيرِ الْعِقَابِ وَجَبَ بِحُكْمِ الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ عِقَابُ الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا أَكْثَرَ مِنْ عِقَابِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ فَائِدَةٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ [الزخرف: 33]
الْآيَةَ. قَوْلُهُ: لِمَ قُلْتُمْ إِنَّ قَوْلَهُ: مَا دُونَ ذلِكَ يُفِيدُ الْعُمُومَ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ قَوْلَهُ: «مَا» تُفِيدُ الْإِشَارَةَ إِلَى الْمَاهِيَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِأَنَّهَا دون الشرك، وهذه الماهية وَاحِدَةٌ، وَقَدْ حَكَمَ قَطْعًا بِأَنَّهُ يَغْفِرُهَا، فَفِي كُلِّ صُورَةٍ تَتَحَقَّقُ فِيهَا هَذِهِ الْمَاهِيَّةُ وَجَبَ تَحَقُّقُ الْغُفْرَانِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لِلْعُمُومِ وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ أَيِّ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ مِنْهَا وَعِنْدَ الْوَعِيدِيَّةِ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ تَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، أَمَّا قَوْلُهُ: آيَاتُ الْوَعِيدِ أَخَصُّ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، قُلْنَا: لَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَخَصُّ مِنْهَا لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْعَفْوَ عَنِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ/ وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ يُفِيدُ الْوَعِيدَ لِلْكُلِّ، وَلِأَنَّ تَرْجِيحَ آيَاتِ الْعَفْوِ أَوْلَى لِكَثْرَةِ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي الْعَفْوِ. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَنْ نَتَمَسَّكَ بِعُمُومَاتِ الْوَعْدِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ نَقُولُ: لَمَّا وَقَعَ التَّعَارُضُ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ أَوْ مِنَ التَّوْفِيقِ، وَالتَّرْجِيحُ مَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ عُمُومَاتِ الْوَعْدِ أَكْثَرُ وَالتَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ أَمْرٌ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّتِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هُودٍ: 114] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَةَ إِنَّمَا كَانَتْ مُذْهِبَةً لِلسَّيِّئَةِ لِكَوْنِهَا حَسَنَةً عَلَى مَا ثَبَتَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذَا الْإِيمَاءِ أَنْ تَكُونَ كُلُّ حَسَنَةٍ مُذْهِبَةً لِكُلِّ سَيِّئَةٍ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِي حَقِّ الْحَسَنَاتِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْكُفَّارِ، فَإِنَّهَا لَا تُذْهِبُ سَيِّئَاتِهِمْ فَيَبْقَى مَعْمُولًا بِهِ فِي الْبَاقِي. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [الْأَنْعَامِ: 160] ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى زَادَ عَلَى الْعَشْرَةِ فَقَالَ: كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [الْبَقَرَةِ: 261] وَأَمَّا فِي جَانِبِ السَّيِّئَةِ فَقَالَ: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها، وَهَذَا فِي غَايَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ جَانِبَ الحسنة راجع عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى جَانِبِ السَّيِّئَةِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي آيَةِ الْوَعْدِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النِّسَاءِ: 122] فَقَوْلُهُ: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّمَا ذَكَرَهُ لِلتَّأْكِيدِ وَلَمْ يَقُلْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ وَعِيدُ اللَّهِ حَقًّا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق: 29] الْآيَةَ، يَتَنَاوَلُ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ. وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً، وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [النِّسَاءِ: 110- 111] وَالِاسْتِغْفَارُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ وَهُوَ غير التوبة، فصرح هاهنا بِأَنَّهُ سَوَاءٌ تَابَ أَوْ لَمْ يَتُبْ فَإِذَا اسْتَغْفَرَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَلَمْ يَقُلْ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّهُ يَجِدِ اللَّهَ مُعَذِّبًا مُعَاقِبًا، بل قال: فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ جَانِبَ الْحَسَنَةِ رَاجِحٌ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الْإِسْرَاءِ: 7] وَلَمْ يَقُلْ: وَإِنْ أسأتم أسأتم لها فكأنها تَعَالَى أَظْهَرَ إِحْسَانَهُ بِأَنْ أَعَادَهُ مَرَّتَيْنِ وَسَتَرَ عَلَيْهِ إِسَاءَتَهُ بِأَنْ لَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَانِبَ الْحَسَنَةِ رَاجِحٌ. وَسَادِسُهَا: أَنَّا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النِّسَاءِ: 48] لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا الْعَفْوَ عَنْ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَعَادَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ مَرَّتَيْنِ وَالْإِعَادَةُ لَا تَحْسُنُ إِلَّا لِلتَّأْكِيدِ، وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ آيَاتِ الْوَعِيدِ عَلَى وَجْهِ الْإِعَادَةِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، لَا فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا فِي سُورَتَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عِنَايَةَ اللَّهِ بِجَانِبِ الْوَعْدِ عَلَى الْحَسَنَاتِ وَالْعَفْوِ عَنِ السَّيِّئَاتِ أَتَمُّ. وَسَابِعُهَا: أَنَّ عُمُومَاتِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ لَمَّا تَعَارَضَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ صَرْفِ التَّأْوِيلِ إِلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَصَرْفُ التَّأْوِيلِ إِلَى الْوَعِيدِ أَحْسَنُ مِنْ صَرْفِهِ إِلَى الْوَعْدِ لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنِ
الْوَعِيدِ مُسْتَحْسَنٌ فِي الْعُرْفِ وَإِهْمَالُ الْوَعْدِ مُسْتَقْبَحٌ فِي الْعُرْفِ، فَكَانَ صَرْفُ التَّأْوِيلِ إِلَى الْوَعِيدِ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إِلَى الْوَعْدِ. وَثَامِنُهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِنْ كَوْنِهِ تَعَالَى غَافِرًا غَفُورًا غَفَّارًا وَأَنَّ لَهُ الْغُفْرَانَ وَالْمَغْفِرَةَ، وَأَنَّهُ تَعَالَى رَحِيمٌ كَرِيمٌ، وَأَنَّ لَهُ الْعَفْوَ وَالْإِحْسَانَ وَالْفَضْلَ وَالْإِفْضَالَ، وَالْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَدْ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُؤَكِّدُ جَانِبَ الْوَعْدِ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى بَعِيدٌ عَنِ الرَّحْمَةِ وَالْكَرَمِ وَالْعَفْوِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ رُجْحَانَ جَانِبِ الْوَعْدِ عَلَى جَانِبِ الْوَعِيدِ. وَتَاسِعُهَا: أَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ أَتَى بِمَا هُوَ أَفْضَلُ الْخَيْرَاتِ وَهُوَ الْإِيمَانُ وَلَمْ يَأْتِ بِمَا هُوَ أَقْبَحُ الْقَبَائِحِ وَهُوَ الْكُفْرُ، بَلْ أَتَى بِالشَّرِّ الَّذِي هُوَ فِي طَبَقَةِ الْقَبَائِحِ لَيْسَ فِي الْغَايَةِ وَالسَّيِّدُ الَّذِي لَهُ عَبْدٌ ثُمَّ أَتَى عَبْدُهُ بِأَعْظَمِ الطَّاعَاتِ وأتى بمعصية متوسطة فلو رجع الْمَوْلَى تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ الْمُتَوَسِّطَةَ عَلَى الطَّاعَةِ الْعَظِيمَةِ لعد ذلك السيد لئيماً مؤذياً فكذا هاهنا، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ ثَبَتَ أَنَّ الرُّجْحَانَ لِجَانِبِ الْوَعْدِ. وَعَاشِرُهَا: قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ: إِلَهِي إِذَا كَانَ تَوْحِيدُ سَاعَةٍ يَهْدِمُ كُفْرَ خَمْسِينَ سَنَةٍ فَتَوْحِيدُ خَمْسِينَ سَنَةٍ كَيْفَ لَا يَهْدِمُ مَعْصِيَةَ سَاعَةٍ! إِلَهِي لَمَّا كَانَ الْكُفْرُ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الطَّاعَاتِ كَانَ مُقْتَضَى الْعَدْلِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَعَاصِي وَإِلَّا فَالْكُفْرُ أَعْظَمُ مِنَ الْإِيمَانِ! فَإِنْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا أَقَلَّ مِنْ رَجَاءِ الْعَفْوِ. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ، الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَا قَدْ بَيَّنَّا بِالدَّلِيلِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الصَّغِيرَةِ وَلَا عَلَى الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَلَوْ لَمْ تَحْمِلْهُ عَلَى الْكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ لَزِمَ تَعْطِيلُ الْآيَةِ، أَمَّا لَوْ خَصَّصْنَا عُمُومَاتِ الْوَعِيدِ بِمَنْ يَسْتَحِلُّهَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إِلَّا تَخْصِيصُ الْعُمُومِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّخْصِيصَ أَهْوَنُ مِنَ التَّعْطِيلِ، قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: تَرْجِيحُ جَانِبِ الْوَعِيدِ أَوْلَى مِنْ وُجُوهٍ. أَوَّلُهَا: هُوَ أَنَّ الْأُمَّةَ اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ يُلْعَنُ وَيُحَدُّ عَلَى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ وَالْعَذَابِ وَأَنَّهُ أَهْلُ الْخِزْيِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ وَإِذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ اسْتَحَالَ أَنْ يَبْقَى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوَابِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ جَانِبُ الْوَعِيدِ رَاجِحًا عَلَى جَانِبِ الْوَعْدِ. أَمَّا بَيَانُ أَنَّهُ يُلْعَنُ، فَالْقُرْآنُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النِّسَاءِ: 93] وَكَذَا قَوْلُهُ: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف: 44] وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا أَنَّهُ يُحَدُّ عَلَى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ [الْمَائِدَةِ: 38] وَأَمَّا أَنَّهُ يُحَدُّ عَلَى سَبِيلِ الْعَذَابِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الزَّانِي: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النُّورِ: 2] ، وَأَمَّا أَنَّهُمْ أَهْلُ الْخِزْيِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ [الْمَائِدَةِ: 33] . وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُ الْفَاسِقِ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ ثَبَتَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذَابِ وَالذَّمِّ، وَمَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُمَا دَائِمًا وَمَتَى اسْتَحَقَّهُمَا دَائِمًا امْتَنَعَ أَنْ يَبْقَى مُسْتَحِقًّا لِلثَّوَابِ، لِأَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ مُتَنَافِيَانِ، فَالْجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقَاقِهِمَا مُحَالٌ، وَإِذَا لَمْ يَبْقَ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوَابِ ثَبَتَ أَنْ جَانِبَ الْوَعِيدِ رَاجِحٌ عَلَى جَانِبِ الْوَعْدِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ آيَاتِ الْوَعْدِ عَامَّةٌ وَآيَاتِ الْوَعِيدِ خَاصَّةٌ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ النَّاسَ جُبِلُوا عَلَى الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ فَكَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الزَّجْرِ أَشَدَّ، فَكَانَ جَانِبُ الْوَعِيدِ أَوْلَى، قُلْنَا: الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ مِنْ/ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: كَمَا وُجِدَتْ آيَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُمْ يُلْعَنُونَ وَيُعَذَّبُونَ فِي الدُّنْيَا بِسَبَبِ مَعَاصِيهِمْ كَذَلِكَ أَيْضًا وُجِدَتْ آيَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُمْ يُعَظَّمُونَ وَيُكْرَمُونَ فِي الدُّنْيَا بِسَبَبِ إِيمَانِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الْأَنْعَامِ: 54] ، فَلَيْسَ تَرْجِيحُ آيَاتِ الْوَعِيدِ فِي الْآخِرَةِ بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُمْ يذمون وَيُعَذَّبُونَ فِي الدُّنْيَا بِأَوْلَى مِنْ تَرْجِيحِ آيَاتِ الْوَعْدِ فِي الْآخِرَةِ بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُمْ يُعَظَّمُونَ بِسَبَبِ إِيمَانِهِمْ فِي الدُّنْيَا. الثَّانِي: فَكَمَا أن
آيَاتِ الْوَعْدِ مُعَارِضَةٌ لِآيَاتِ الْوَعِيدِ فِي الْآخِرَةِ فَهِيَ مُعَارِضَةٌ لِآيَاتِ الْوَعِيدِ وَالنَّكَالِ فِي الدُّنْيَا، فَلِمَ كَانَ تَرْجِيحُ آيَاتِ وَعِيدِ الدُّنْيَا عَلَى آيَاتِ وَعِيدِ الْآخِرَةِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ. الثَّالِثُ: أَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ السَّارِقَ وَإِنْ تَابَ إِلَّا أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ لَا نَكَالًا وَلَكِنِ امْتِحَانًا، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا [الْمَائِدَةِ: 38] مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْعَفْوِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْجَزَاءَ مَا يُجْزِي وَيَكْفِي وَإِذَا كَانَ كَافِيًا وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ الْعِقَابُ فِي الْآخِرَةِ وَإِلَّا قَدَحَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ مُجْزِيًا وَكَافِيًا، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا يُنَافِي الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ فِي تَرْجِيحِ جَانِبِ الْوَعِيدِ فَنَقُولُ: الْآيَتَانِ الدَّالَّتَانِ عَلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مَوْجُودَتَانِ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا، فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: الْعَبْدُ يَصِلُ إِلَيْهِ الثَّوَابُ ثُمَّ يُنْقَلُ إِلَى دَارِ الْعِقَابَ وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، أَوْ يُقَالُ: الْعَبْدُ يَصِلُ إِلَيْهِ الْعِقَابُ ثُمَّ يُنْقَلُ إِلَى دَارِ الثَّوَابِ وَيَبْقَى هُنَاكَ أَبَدَ الْآبَادِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. أَمَّا التَّرْجِيحُ الثَّانِي فَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لَا يَتَنَاوَلُ الْكُفْرَ وَقَوْلَهُ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء: 14] [الأحزاب: 36] يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ فَكَانَ قَوْلُنَا هُوَ الْخَاصُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: أَنَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ تَأْثِيرَ شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِسْقَاطِ الْعِقَابِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزُّمَرِ: 53] وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الآية إن دلت فإنما تَدُلُّ عَلَى الْقَطْعِ بِالْمَغْفِرَةِ لِكُلِّ الْعُصَاةِ، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ، فَمَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَيْهِ لَا تَقُولُونَ بِهِ وَمَا تَقُولُونَ بِهِ لَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَيْهِ؟ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَنَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ جَمِيعَ الذُّنُوبِ مَعَ التَّوْبَةِ وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْمَحْمَلِ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّا إِذَا حَمَلْنَاهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ حَمَلْنَاهَا عَلَى جَمِيعِ الذُّنُوبِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ، الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ عَقِيبَ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ [الزُّمَرِ: 54] وَالْإِنَابَةُ هِيَ التَّوْبَةُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ شَرْطٌ فِيهِ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ. أَنَّ قَوْلَهُ: يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً وَعْدٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ تَعَالَى سَيُسْقِطُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّهُ سَيَفْعَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ذَلِكَ، فَإِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ تَعَالَى سَيُخْرِجُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّارِ لَا مَحَالَةَ، فَيَكُونُ هَذَا قَطْعًا بِالْغُفْرَانِ لَا مَحَالَةَ، وَبِهَذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ فِي إِجْرَاءِ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا عَلَى قَيْدِ التَّوْبَةِ، فَهَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَلْنَرْجِعْ إِلَى تَفْسِيرِ الْآيَةِ فَنَقُولُ: إِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ فسروا كون الخطيئة محبطة بِكَوْنِهَا كَبِيرَةً مُحْبِطَةً لِثَوَابِ فَاعِلِهَا، وَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ/ مِنْ وُجُوهٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّهُ كَمَا أَنَّ مِنْ شَرْطِ كَوْنِ السَّيِّئَةِ مُحِيطَةً بِالْإِنْسَانِ كَوْنُهَا كَبِيرَةً فَكَذَلِكَ شَرْطُ هَذِهِ الْإِحَاطَةِ عَدَمُ الْعَفْوِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ الْعَفْوُ لَمَا تَحَقَّقَتْ إِحَاطَةُ السَّيِّئَةِ بِالْإِنْسَانِ، فَإِذَنْ لَا يَثْبُتُ كَوْنُ السَّيِّئَةِ مُحِيطَةً بِالْإِنْسَانِ إِلَّا إِذَا ثَبَتَ عَدَمُ الْعَفْوِ، وَهَذَا أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ وَيَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ بَاطِلٌ. الثَّانِي: أَنَّا لَا نُفَسِّرُ إِحَاطَةَ الْخَطِيئَةِ بِكَوْنِهَا كَبِيرَةً، بَلْ نُفَسِّرُهَا بِأَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ مَوْصُوفًا بِالْمَعْصِيَةِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ الْكَافِرِ الَّذِي يَكُونُ عَاصِيًا لِلَّهِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ الَّذِي يَكُونُ مُطِيعًا لِلَّهِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَيَكُونُ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ دُونَ الْبَعْضِ فَهَهُنَا لَا تَتَحَقَّقُ إِحَاطَةُ الْخَطِيئَةِ بِالْعَبْدِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَفْسِيرَ الْإِحَاطَةِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى، لِأَنَّ الْجِسْمَ إِذَا مَسَّ بَعْضَ أَجْزَاءِ جِسْمٍ آخَرَ دُونَ بَعْضٍ لَا يُقَالُ: إِنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ، وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا تَتَحَقَّقُ إِحَاطَةُ الْخَطِيئَةِ بِالْعَبْدِ إِلَّا إِذَا كَانَ كَافِرًا. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ قَوْلُهُ: فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ يَقْتَضِي أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ لَيْسُوا إِلَّا هم وذلك
[سورة البقرة (2) : آية 82]
يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ يَقْتَضِي كَوْنَهُمْ فِي النَّارِ فِي الْحَالِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ النَّارَ. وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ: لَكِنْ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ تَعَالَى هَلْ يَعْفُو عَنْ هَذَا الْحَقِّ وَهَذَا أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ، وَلْنَخْتِمِ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِقَاعِدَةٍ فِقْهِيَّةٍ: وَهِيَ أَنَّ الشرط هاهنا أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا: اكْتِسَابُ السَّيِّئَةِ، وَالثَّانِي: إِحَاطَةُ تِلْكَ السَّيِّئَةِ بِالْعَبْدِ وَالْجَزَاءُ الْمُعَلَّقُ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ لَا يُوجَدُ عِنْدَ حُصُولِ أَحَدِهِمَا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى شَرْطَيْنِ فِي طَلَاقٍ أَوْ إِعْتَاقٍ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بوجوه أحدهما والله أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 82] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82) اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ آيَةً فِي الْوَعِيدِ إِلَّا وَذَكَرَ بِجَنْبِهَا آيَةً فِي الْوَعْدِ، وَذَلِكَ لِفَوَائِدَ: أَحَدُهَا: لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ عَدْلَهُ سُبْحَانَهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ بِالْعَذَابِ الدَّائِمِ عَلَى الْمُصِرِّينَ عَلَى الْكُفْرِ وَجَبَ أَنْ يَحْكُمَ بِالنَّعِيمِ الدَّائِمِ عَلَى الْمُصِرِّينَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَعْتَدِلَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ عَلَى مَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ وَرَجَاؤُهُ لَاعْتَدَلَا» ، وَذَلِكَ الِاعْتِدَالُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يُظْهِرُ بِوَعْدِهِ كَمَالَ رَحْمَتِهِ وَبِوَعِيدِهِ كَمَالَ حِكْمَتِهِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ سبباً للعرفان، وهاهنا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْعَمَلُ الصَّالِحُ خَارِجٌ عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَوْ دَلَّ الْإِيمَانُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ لَكَانَ ذِكْرُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ بَعْدَ الْإِيمَانِ تَكْرَارًا/ أَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ الْإِيمَانَ وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: آمَنَ لَا يُفِيدُ إِلَّا أَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا وَاحِدًا مِنْ أَفْعَالِ الْإِيمَانِ، فَلِهَذَا حَسُنَ أَنْ يَقُولَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ فِعْلَ الْمَاضِي يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الْمَصْدَرِ فِي زَمَانٍ مَضَى وَالْإِيمَانُ هُوَ الْمَصْدَرُ، فَلَوْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لَكَانَ قَوْلُهُ: آمَنَ دَلِيلًا عَلَى صُدُورِ كُلِّ تِلْكَ الْأَعْمَالِ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ قَدْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لِأَنَّا نَتَكَلَّمُ فِيمَنْ أَتَى بِالْإِيمَانِ وَبِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِالْكَبِيرَةِ وَلَمْ يَتُبْ عَنْهَا، فَهَذَا الشَّخْصُ قَبْلَ إِتْيَانِهِ بِالْكَبِيرَةِ كَانَ قَدْ صُدِّقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ آمَنَ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمَنْ صُدِّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ صُدِّقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ آمَنَ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ وَإِذَا صُدِّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَجَبَ انْدِرَاجُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ: أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا أَتَى بِجَمِيعِ الصَّالِحَاتِ وَمِنْ جُمْلَةِ الصَّالِحَاتِ التَّوْبَةُ، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالصَّالِحَاتِ، فَلَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْآيَةِ. قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِالْكَبِيرَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ آمَنَ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِذَا صُدِّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَدْ صُدِّقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ آمَنَ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ، لِأَنَّهُ مَتَى صَدَقَ الْمُرَكَّبُ يَجِبُ صِدْقُ الْمُفْرَدِ، بَلْ إِنَّهُ إِذَا أَتَى بِالْكَبِيرَةِ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ آمَنَ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، لَكِنَّ قَوْلَنَا: آمَنَ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِنَا: إِنَّهُ كَذَلِكَ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْآيَةِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ حُكْمِ الْوَعْدِ. بَقِيَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْفَاسِقَ أَحْبَطَ عِقَابُ مَعْصِيَتِهِ ثَوَابَ طَاعَتِهِ فَيَكُونُ التَّرْجِيحُ لِجَانِبِ الْوَعِيدِ إِلَّا أَنَّ الْكَلَامَ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: احْتَجَّ الْجُبَّائِيُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا تَفَضُّلًا، لِأَنَّ قَوْلَهُ: أُولئِكَ
[سورة البقرة (2) : آية 83]
أَصْحابُ الْجَنَّةِ لِلْحَصْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْجَنَّةِ أَصْحَابٌ إِلَّا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، قُلْنَا: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَهَا فَمَنْ أُعْطِيَ الْجَنَّةَ تَفَضُّلًا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذَا الْحُكْمِ والله أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 83] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ أَنْوَاعِ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُوَصِّلٌ إِلَى أَعْظَمِ النِّعَمِ وَهُوَ الْجَنَّةُ، وَالْمُوَصِّلُ إِلَى النِّعْمَةِ نِعْمَةٌ، فَهَذَا التَّكْلِيفُ لَا مَحَالَةَ مِنَ النِّعَمِ، ثُمَّ إنه تعالى بين هاهنا أَنَّهُ كَلَّفَهُمْ بِأَشْيَاءَ: التَّكْلِيفُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «يَعْبُدُونَ» بِالْيَاءِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، وَوَجْهُ الْيَاءِ أَنَّهُمْ غَيْبٌ أَخْبَرَ عَنْهُمْ، وَوَجْهُ التَّاءِ أَنَّهُمْ كَانُوا مُخَاطَبِينَ وَالِاخْتِيَارُ التَّاءُ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو: أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ قَالَ: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً فَدَلَّتِ الْمُخَاطَبَةُ عَلَى التَّاءِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ «يَعْبُدُونَ» مِنَ الْإِعْرَابِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: قَالَ الْكِسَائِيُّ: رَفْعُهُ عَلَى أَنْ لَا يَعْبُدُوا كَأَنَّهُ قِيلَ: أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ بِأَنْ لَا يَعْبُدُوا إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا أُسْقِطَتْ «أَنْ» رُفِعَ الْفِعْلُ كَمَا قَالَ طَرَفَةُ: أَلَا أيهذا اللاثمي أَحْضُرَ الْوَغَى ... وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي أَرَادَ أَنْ أَحْضُرَ وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ «أَنْ» وَأَجَازَ هَذَا الْوَجْهَ الْأَخْفَشُ وَالْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ وَقُطْرُبٌ وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى وَأَبُو مُسْلِمٍ. الْقَوْلُ الثَّانِي: مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ الْقَسَمِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَإِذْ أَقْسَمْنَا عَلَيْهِمْ لَا يَعْبُدُونَ، وَأَجَازَ هَذَا الْوَجْهَ الْمُبَرِّدُ وَالْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الْأَخْفَشِ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَوْلُ قُطْرُبٍ: أَنَّهُ يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ نَصْبًا كَأَنَّهُ قَالَ: أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ غَيْرَ عَابِدِينَ إِلَّا اللَّهَ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: قَوْلُ الْفَرَّاءِ إِنَّ مَوْضِعَ «لَا تَعْبُدُونَ» عَلَى النَّهْيِ إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها [الْبَقَرَةِ: 233] بِالرَّفْعِ وَالْمَعْنَى عَلَى النَّهْيِ، وَالَّذِي يُؤَكِّدُ كَوْنَهُ نَهْيًا أُمُورٌ. أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: أَقِيمُوا، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يَنْصُرُهُ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وَأُبَيٍّ: لَا تَعْبُدُوا. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْإِخْبَارَ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ آكَدُ وَأَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ سُورِعَ إِلَى الِامْتِثَالِ وَالِانْتِهَاءِ فَهُوَ يُخْبِرُ عَنْهُ. الْقَوْلُ الْخَامِسُ: التَّقْدِيرُ أَنْ لَا تَعْبُدُوا تَكُونُ «أَنْ» مَعَ الْفِعْلِ بَدَلًا عَنِ الْمِيثَاقِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِتَوْحِيدِهِمْ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَذَا الْمِيثَاقُ يَدُلُّ عَلَى تَمَامِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الدِّينِ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَهَى
عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَمْرَ بِعِبَادَتِهِ وَالنَّهْيَ عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ مَسْبُوقٌ بِالْعِلْمِ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ، وَجَمِيعُ مَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ وَبِالْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَبَرَاءَتِهِ عَنِ الْأَضْدَادِ وَالْأَنْدَادِ وَالْبَرَاءَةِ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْأَوْلَادِ، وَمَسْبُوقٌ أَيْضًا بِالْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا إِلَّا بِالْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، فَقَوْلُهُ: لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ يَتَضَمَّنُ كُلَّ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ عِلْمُ الْكَلَامِ وَعِلْمُ الْفِقْهِ وَالْأَحْكَامِ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَتَأَتَّى إِلَّا مَعَهَا. التَّكْلِيفُ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: يُقَالُ: بِمَ يَتَّصِلُ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَعَلَامَ انْتَصَبَ؟ قُلْنَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: قَالَ الزَّجَّاجُ: انْتَصَبَ عَلَى مَعْنَى أَحْسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. وَالثَّانِي: قِيلَ عَلَى مَعْنَى وَصَّيْنَاهُمْ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا لِأَنَّ اتِّصَالَ الْبَاءِ بِهِ أَحْسَنُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَوْ كَانَ عَلَى الْأَوَّلِ لَكَانَ وَإِلَى الْوَالِدَيْنِ كَأَنَّهُ قِيلَ: وَأَحْسِنُوا إِلَى الْوَالِدَيْنِ. الثَّالِثُ: قِيلَ: بَلْ هُوَ عَلَى الْخَبَرِ الْمَعْطُوفِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ يَعْنِي أَنْ تَعْبُدُوا وَتُحْسِنُوا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّمَا أَرْدَفَ عِبَادَةَ اللَّهِ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ أَعْظَمُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ شُكْرِهِ عَلَى شُكْرِ غَيْرِهِ ثُمَّ بَعْدَ نِعْمَةِ اللَّهِ فَنِعْمَةُ الْوَالِدَيْنِ أَعَمُّ النِّعَمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَالِدَيْنِ هُمَا الْأَصْلُ وَالسَّبَبُ فِي كَوْنِ الْوَلَدِ وَوُجُودِهِ كَمَا أَنَّهُمَا مُنْعِمَانِ عَلَيْهِ بِالتَّرْبِيَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْوَالِدَيْنِ فَلَا يَصْدُرُ عَنْهُ الْإِنْعَامُ بِأَصْلِ الْوُجُودِ، بَلْ بِالتَّرْبِيَةِ فَقَطْ، فَثَبَتَ أَنَّ إِنْعَامَهُمَا أَعْظَمُ وُجُوهِ الْإِنْعَامِ بَعْدَ إِنْعَامِ اللَّهِ تَعَالَى. وَثَانِيهَا: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي وُجُودِ الْإِنْسَانِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْوَالِدَانِ هُمَا الْمُؤَثِّرَانِ فِي وُجُودِهِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ الظَّاهِرِ، فَلَمَّا ذَكَرَ الْمُؤَثِّرَ الْحَقِيقِيَّ أَرْدَفَهُ بِالْمُؤَثِّرِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ الظَّاهِرِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَطْلُبُ بِإِنْعَامِهِ عَلَى الْعَبْدِ عِوَضًا الْبَتَّةَ بَلِ الْمَقْصُودُ إِنَّمَا هُوَ مَحْضُ الْإِنْعَامِ وَالْوَالِدَانِ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمَا لَا يَطْلُبَانِ عَلَى الْإِنْعَامِ عَلَى الْوَلَدِ عِوَضًا مَالِيًّا وَلَا ثَوَابًا، فَإِنَّ مَنْ يُنْكِرُ الْمِيعَادَ يُحْسِنُ إِلَى وَلَدِهِ وَيُرَبِّيهِ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَشْبَهَ إِنْعَامُهُمَا إِنْعَامَ اللَّهِ تَعَالَى. الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَمَلُّ مِنَ الْإِنْعَامِ عَلَى الْعَبْدِ وَلَوْ أَتَى الْعَبْدُ بِأَعْظَمِ الْجَرَائِمِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ عَنْهُ مَوَادَّ نِعَمِهِ وَرَوَادِفَ كَرَمِهِ، وَكَذَا الْوَالِدَانِ لَا يَمَلَّانِ الْوَلَدَ وَلَا يَقْطَعَانِ عَنْهُ مَوَادَّ مَنْحِهِمَا وَكَرَمِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مُسِيئًا إِلَى الْوَالِدَيْنِ. الْخَامِسُ: كَمَا أَنَّ الْوَالِدَ الْمُشْفِقَ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ وَلَدِهِ بِالِاسْتِرْبَاحِ وَطَلَبِ الزِّيَادَةِ وَيَصُونُهُ عَنِ الْبَخْسِ وَالنُّقْصَانِ، فَكَذَا الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَصَرِّفٌ فِي طَاعَةِ الْعَبْدِ فَيَصُونُهَا عَنِ الضَّيَاعِ ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَجْعَلُ أَعْمَالَهُ الَّتِي لَا تَبْقَى كَالشَّيْءِ الْبَاقِي أَبَدَ الْآبَادِ كَمَا قَالَ: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [الْبَقَرَةِ: 261] . السَّادِسُ: أَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ أَعْظَمَ مِنْ نِعْمَةِ الْوَالِدَيْنِ وَلَكِنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ مَعْلُومَةٌ بِالِاسْتِدْلَالِ وَنِعْمَةَ الْوَالِدَيْنِ مَعْلُومَةٌ بِالضَّرُورَةِ، إِلَّا أَنَّهَا قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نِعَمِ اللَّهِ فَاعْتَدَلَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَالرُّجْحَانِ لِنِعَمِ اللَّهِ فَلَا جَرَمَ جَعَلْنَا نِعَمَ الْوَالِدَيْنِ كَالتَّالِيَةِ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اتَّفَقَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَعْظِيمُ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِمَا مُؤْمِنَيْنِ أَمْ لَا، وَلِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُرَتَّبَ عَلَى الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِتَعْظِيمِ الْوَالِدَيْنِ لِمَحْضِ كَوْنِهِمَا وَالِدَيْنِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَهَكَذَا الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً. وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا تَقُلْ لَهُما/ أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما الْآيَةَ، وَهَذَا نِهَايَةُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْ إِيذَائِهِمَا، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي آخِرِ الآية: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
[الْإِسْرَاءِ: 23، 24] فَصَرَّحَ بِبَيَانِ السَّبَبِ فِي وُجُوبِ هَذَا التَّعْظِيمِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَيْفَ تَلَطَّفَ فِي دَعْوَةِ أَبِيهِ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ فِي قوله: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [مَرْيَمَ: 42] ثُمَّ إِنَّ أَبَاهُ كَانَ يُؤْذِيهِ وَيَذْكُرُ الْجَوَابَ الْغَلِيظَ وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثَبَتَ مِثْلُهُ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [النَّحْلِ: 123] . الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الْإِحْسَانَ إِلَيْهِمَا هُوَ أَلَّا يُؤْذِيَهُمَا الْبَتَّةَ وَيُوَصِّلَ إِلَيْهِمَا مِنَ الْمَنَافِعِ قَدْرَ مَا يَحْتَاجَانِ إِلَيْهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ دَعْوَتُهُمَا إِلَى الْإِيمَانِ إِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ وَأَمْرُهُمَا بِالْمَعْرُوفِ عَلَى سَبِيلِ الرِّفْقِ إِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ. التَّكْلِيفُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَذِي الْقُرْبى وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِ زَيْدٍ دَخَلَ فِيهِ الْوَارِثُ الْمَحْرَمُ وَغَيْرُ الْمَحْرَمِ، وَلَا يَدْخُلُ الْأَبُ وَالِابْنُ لِأَنَّهُمَا لَا يُعْرَفَانِ بِالْقَرِيبِ، وَيَدْخُلُ الْأَحْفَادُ وَالْأَجْدَادُ، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ الْأُصُولُ وَالْفُرُوعُ وقيل بدخول الكل. وهاهنا دَقِيقَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْعَرَبَ يَحْفَظُونَ الْأَجْدَادَ الْعَالِيَةَ فَيَتَّسِعُ نَسْلُهُمْ وَكُلُّهُمْ أَقَارِبُ، فَلَوْ تَرَقَّيْنَا إِلَى الْجَدِّ الْعَالِي وَحَسَبْنَا أَوْلَادَهُ كَثُرُوا، فَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَرْتَقِي إِلَى أَقْرَبِ جَدٍّ يَنْتَسِبُ هُوَ إِلَيْهِ وَيُعْرَفُ بِهِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي مِثَالِهِ: أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّا نَصْرِفُهُ إِلَى بَنِي شَافِعٍ دُونَ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَإِنْ كَانُوا أَقَارِبَ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَنْتَسِبُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَى شَافِعٍ دُونَ عَبْدِ مَنَافٍ. قَالَ الشَّيْخُ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا فِي زَمَانِ الشَّافِعِيِّ، أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا يَنْصَرِفُ إِلَّا إِلَى أَوْلَادِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا يَرْتَقِي إِلَى بَنِي شَافِعٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَنْ يُعْرَفُ بِهِ أَقَارِبُهُ فِي زَمَانِنَا، أَمَّا قَرَابَةُ الْأُمِّ فَإِنَّهَا تَدْخُلُ فِي وَصِيَّةِ الْعَجَمِ وَلَا تَدْخُلُ فِي وَصِيَّةِ الْعَرَبِ عَلَى الْأَظْهَرِ، لِأَنَّهُمْ لَا يُعِدُّونَ ذَلِكَ قَرَابَةً، أَمَّا لَوْ قَالَ لِأَرْحَامِ فُلَانٍ دَخَلَ فِيهِ قَرَابَةُ الْأَبِ وَالْأُمِّ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ حَقَّ ذِي الْقُرْبَى كَالتَّابِعِ لِحَقِّ الْوَالِدَيْنِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يَتَّصِلُ بِهِ أَقْرِبَاؤُهُ بِوَاسِطَةِ اتِّصَالِهِمْ بِالْوَالِدَيْنِ وَالِاتِّصَالُ بِالْوَالِدَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاتِّصَالِ بِذِي الْقُرْبَى، فَلِهَذَا أَخَّرَ اللَّهُ ذِكْرَهُ عَنِ الْوَالِدَيْنِ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «إن الرحم سجنة مِنَ الرَّحْمَنِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ إِنِّي ظُلِمْتُ، إِنِّي أُسِيءَ إِلَيَّ، إِنِّي قُطِعْتُ. قَالَ فَيُجِيبُهَا رَبُّهَا: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنِّي أَقْطَعُ مَنْ قَطَعَكِ وَأَصِلُ مَنْ وَصَلَكِ، ثُمَّ قَرَأَ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ، وَالسَّبَبُ الْعَقْلِيُّ فِي تَأْكِيدِ رِعَايَةِ هَذَا الْحَقِّ أَنَّ الْقَرَابَةَ مَظِنَّةُ الِاتِّحَادِ وَالْأُلْفَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالنُّصْرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ أَشَقَّ على القلب وأبلغ في الإيمام وَالْإِيحَاشِ وَالضَّرُورَةِ، وَكُلَّمَا كَانَ أَقْوَى كَانَ دَفْعُهُ أَوْجَبَ، فَلِهَذَا وَجَبَتْ رِعَايَةُ حُقُوقِ الْأَقَارِبِ. التَّكْلِيفُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْيَتامى وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْيَتِيمُ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحُلُمَ وَجَمْعُهُ أَيْتَامٌ وَيَتَامَى، كَقَوْلِهِمْ: نَدِيمٌ وَنَدَامَى، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ مَاتَتْ أُمُّهُ إِنَّهُ يَتِيمٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا فِي الْإِنْسَانِ، أَمَّا فِي غَيْرِ الْإِنْسَانِ فَيُتْمُهُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْيَتِيمُ كَالتَّالِي لِرِعَايَةِ حُقُوقِ الْأَقَارِبِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لِصِغَرِهِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلِيُتْمِهِ وَخُلُوِّهِ عمن
يَقُومُ بِهِ، يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَنْفَعُهُ وَالْإِنْسَانُ قَلَّمَا يَرْغَبُ فِي صُحْبَةِ مِثْلِ هَذَا، وَإِذَا كَانَ هَذَا التَّكْلِيفُ شَاقًّا عَلَى النَّفْسِ لَا جَرَمَ كَانَتْ دَرَجَتُهُ عَظِيمَةً فِي الدِّينِ. التَّكْلِيفُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمَساكِينِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: «وَالْمَسَاكِينُ» وَاحِدُهَا مِسْكِينٌ، أُخِذَ مِنَ السُّكُونِ كَأَنَّ الْفَقْرَ قَدْ سَكَنَهُ وَهُوَ أَشَدُّ فَقْرًا مِنَ الْفَقِيرِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ [الْبَلَدِ: 16] وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْفَقِيرُ أَسْوَأُ حَالًا، لِأَنَّ الْفَقِيرَ اشْتِقَاقُهُ مِنْ فَقَارِ الظَّهْرِ كَأَنَّ فَقَارَهُ انْكَسَرَ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ. وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ [الْكَهْفِ: 79] جَعَلَهُمْ مَسَاكِينَ مَعَ أَنَّ السَّفِينَةَ كَانَتْ مِلْكًا لَهُمْ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّمَا تَأَخَّرَتْ دَرَجَتُهُمْ عَنِ الْيَتَامَى لِأَنَّ الْمِسْكِينَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الِاسْتِخْدَامِ فَكَانَ الْمَيْلُ إِلَى مُخَالَطَتِهِ أَكْثَرَ مِنَ الْمَيْلِ إِلَى مُخَالَطَةِ الْيَتَامَى، وَلِأَنَّ الْمِسْكِينَ أَيْضًا يُمْكِنُهُ الِاشْتِغَالُ بِتَعَهُّدِ نَفْسِهِ وَمَصَالِحِ مَعِيشَتِهِ، وَالْيَتِيمُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا جَرَمَ قَدَّمَ اللَّهُ ذِكْرَ الْيَتِيمِ عَلَى الْمِسْكِينِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْإِحْسَانُ إِلَى ذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى، لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُغَايِرًا لِلزَّكَاةِ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ. التَّكْلِيفُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: (حَسَنًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ عَلَى مَعْنَى الْوَصْفِ لِلْقَوْلِ، كَأَنَّهُ قَالَ: قُولُوا لِلنَّاسِ قَوْلًا حَسَنًا، وَالْبَاقُونَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ، وَاسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً [الْعَنْكَبُوتِ: 8] وَبِقَوْلِهِ: ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ [النَّمْلِ: 11] وَفِيهِ أَوْجُهٌ، الْأَوَّلُ: قَالَ الْأَخْفَشُ: مَعْنَاهُ قَوْلًا ذَا حُسْنٍ. الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُسْنًا فِي مَوْضِعِ حَسَنًا كَمَا تَقُولُ: رَجُلٌ عَدْلٌ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً أَيْ لِيَحْسُنَ قَوْلُكُمْ نُصِبَ عَلَى مَصْدَرِ الْفِعْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ. الرَّابِعُ: حُسْنًا أَيْ قَوْلٌ هُوَ حَسَنٌ فِي نَفْسِهِ لِإِفْرَاطِ حُسْنِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يُقَالُ: لِمَ خُوطِبُوا بِقُولُوا بَعْدَ الْإِخْبَارِ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يُونُسَ: 22] . وَثَانِيهَا: فِيهِ حَذْفٌ أَيْ قُلْنَا لَهُمْ قُولُوا. وَثَالِثُهَا: الْمِيثَاقُ لَا يَكُونُ إِلَّا كَلَامًا كأنه قيل: قلت لا تعبدوا وقولوا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِقَوْلِهِ: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً مَنْ هُوَ؟ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وَعَلَى أَنْ يَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ثُمَّ قَالَ لِمُوسَى وَأُمَّتِهِ: قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَالْكُلُّ مُمْكِنٌ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَ الأول أقرب حتى تكون القصة قصة وَاحِدَةً مُشْتَمِلَةً عَلَى مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يَجِبُ الْقَوْلُ الْحَسَنُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَّا مَعَ الْكُفَّارِ وَالْفُسَّاقِ فَلَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجِبُ لَعْنُهُمْ وَذَمُّهُمْ وَالْمُحَارَبَةُ مَعَهُمْ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ مَعَهُمْ حَسَنًا، وَالثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النِّسَاءِ: 148] فَأَبَاحَ الْجَهْرَ
بِالسُّوءِ لِمَنْ ظُلِمَ، ثُمَّ إِنَّ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ صَارَ مَنْسُوخًا بِآيَةِ الْقِتَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَحْصُلُ هاهنا احْتِمَالَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ التَّخْصِيصُ وَاقِعًا بِحَسَبِ الْمُخَاطَبِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وَقُولُوا لِلْمُؤْمِنِينَ حُسْنًا. وَالثَّانِي: أَنْ يَقَعَ بِحَسَبِ الْمُخَاطَبِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا فِي الدعاء إلى الله تعالى وفي الأمر المعروف، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يَتَطَرَّقُ التَّخْصِيصُ إِلَى الْمُخَاطَبِ دُونَ الْخِطَابِ وَعَلَى الثَّانِي: يَتَطَرَّقُ إِلَى الْخِطَابِ دُونَ الْمُخَاطَبِ، وَزَعَمَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ أَنَّ هَذَا الْعُمُومَ بَاقٍ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى التَّخْصِيصِ، وَهَذَا هُوَ الْأَقْوَى وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مُوسَى وَهَارُونَ مَعَ جَلَالِ مَنْصِبِهِمَا أُمِرَا بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ مَعَ فِرْعَوْنَ، وَكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُورٌ بِالرِّفْقِ وَتَرْكِ الْغِلْظَةِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النَّحْلِ: 125] وَقَالَ تَعَالَى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الْأَنْعَامِ: 108] وَقَوْلُهُ: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الْفُرْقَانِ: 72] وَقَوْلُهُ: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الْأَعْرَافِ: 199] أَمَّا الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ أَوَّلًا مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ لَعْنُهُمْ وَذَمُّهُمْ فَلَا يُمْكِنُهُمُ الْقَوْلُ الْحَسَنُ مَعَهُمْ، قُلْنَا: أَوَّلًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَجِبُ لَعْنُهُمْ وَسَبُّهُمْ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الْأَنْعَامِ: 108] سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَجِبُ لَعْنُهُمْ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّعْنَ لَيْسَ قَوْلًا حَسَنًا بَيَانُهُ: أَنَّ الْقَوْلَ الْحَسَنَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنِ الْقَوْلِ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ وَيُحِبُّونَهُ، بَلِ الْقَوْلُ الْحَسَنُ هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ انْتِفَاعُهُمْ بِهِ وَنَحْنُ إِذَا لَعَنَّاهُمْ وَذَمَمْنَاهُمْ لِيَرْتَدِعُوا بِهِ عَنِ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى نَافِعًا فِي حَقِّهِمْ فَكَانَ ذَلِكَ اللَّعْنُ قَوْلًا حَسَنًا وَنَافِعًا، كَمَا أَنَّ تَغْلِيظَ الْوَالِدِ فِي الْقَوْلِ قَدْ يَكُونُ حَسَنًا وَنَافِعًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَرْتَدِعُ بِهِ عَنِ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ، سَلَّمْنَا أَنَّ لَعْنَهُمْ لَيْسَ قَوْلًا حَسَنًا وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وُجُوبَهُ يُنَافِي وُجُوبَ الْقَوْلِ الْحَسَنِ، بَيَانُهُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّخْصِ مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ بِسَبَبِ إِحْسَانِهِ إِلَيْنَا وَمُسْتَحِقًّا لِلتَّحْقِيرِ بِسَبَبِ كُفْرِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْقَوْلِ الْحَسَنِ مَعَهُمْ، وَأَمَّا الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ ثَانِيًا وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النِّسَاءِ: 148] فَالْجَوَابُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ كَشْفَ حَالِ الظَّالِمِ/ لِيَحْتَرِزَ النَّاسُ عَنْهُ؟ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اذْكُرُوا الْفَاسِقَ بِمَا فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النَّاسُ» . الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ: كَلَامُ النَّاسِ مَعَ النَّاسِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ أَوْ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِيمَانِ وَهُوَ مَعَ الْكُفَّارِ أَوْ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الطَّاعَةِ وَهُوَ مَعَ الْفَاسِقِ، أَمَّا الدَّعْوَةُ إِلَى الْإِيمَانِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ بِالْقَوْلِ الْحَسَنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [طه: 44] أَمَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِالرِّفْقِ مَعَ فِرْعَوْنَ مَعَ جَلَالَتِهِمَا وَنِهَايَةِ كُفْرِ فِرْعَوْنَ وَتَمَرُّدِهِ وَعُتُوِّهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آلِ عِمْرَانَ: 159] الْآيَةَ، وَأَمَّا دَعْوَةُ الْفُسَّاقِ فَالْقَوْلُ الْحَسَنُ فِيهِ مُعْتَبَرٌ، قَالَ تَعَالَى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النَّحْلِ: 125] وَقَالَ: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فُصِّلَتْ: 34] وَأَمَّا فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ التَّوَصُّلُ إِلَى الْغَرَضِ بِالتَّلَطُّفِ مِنَ الْقَوْلِ لَمْ يَحْسُنْ سِوَاهُ، فَثَبَتَ أَنَّ جَمِيعَ آدَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا داخلة تحت قوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: ظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى ذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ،
[سورة البقرة (2) : آية 84]
وَكَذَا الْقَوْلُ الْحَسَنُ لِلنَّاسِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّهُمْ عَلَى التَّوَلِّي عَنْهُ وَذَلِكَ يُفِيدُ الْوُجُوبَ وَالْأَمْرَ فِي شَرْعِنَا أَيْضًا، كَذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الزَّكَاةَ نَسَخَتْ كُلَّ حَقٍّ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ مَنِ اشْتَدَّتْ بِهِ الْحَاجَةُ وَشَاهَدْنَاهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُنَا التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا الزَّكَاةُ حَتَّى أَنَّهُ إِنْ لَمْ تَنْدَفِعْ حَاجَتُهُمْ بِالزَّكَاةِ كَانَ التَّصَدُّقُ وَاجِبًا وَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ مُكَالَمَةِ النَّاسِ بِطَرِيقٍ لَا يَتَضَرَّرُونَ بِهِ. التَّكْلِيفُ السَّابِعُ وَالثَّامِنُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُمَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا شَرَحَ أَنَّهُ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ التَّكَالِيفِ الثَّمَانِيَةِ، بَيَّنَ أَنَّهُ مَعَ إِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ بِأَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ ذَلِكَ لِيَقْبَلُوا فَتَحْصُلُ لَهُمُ الْمَنْزِلَةُ الْعُظْمَى عِنْدَ رَبِّهِمْ، تَوَلَّوْا وَأَسَاءُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَتَلَقَّوْا نِعَمَ رَبِّهِمْ بِالْقَبُولِ مَعَ تَوْكِيدِ الدَّلَائِلِ وَالْمَوَاثِيقِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ يَزِيدُ فِي قُبْحِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِعْرَاضِ وَالتَّوَلِّي، لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْبَيَانِ وَالتَّوَثُّقِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنَ الْمُخَالَفَةِ مَعَ الْجَهَالَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ خِطَابٌ لِمَنْ كَانَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْيَهُودِ، يَعْنِي أَعْرَضْتُمْ بَعْدَ ظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ كَإِعْرَاضِ أَسْلَافِكُمْ، وَثَالِثُهَا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مَنْ تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ وَمَنْ تَأَخَّرَ. أَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ فِي الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ فَظَاهِرُ الْخَطَّابِ يَقْتَضِي أَنَّ آخِرَهُ فِيهِمْ أَيْضًا إِلَّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُ الِانْصِرَافَ عَنْ/ هَذَا الظَّاهِرِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى سَاقَ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ سِيَاقَةَ إِظْهَارِ النِّعَمِ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ مِنْ بَعْدُ أَنَّهُمْ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ بَقَوْا عَلَى مَا دَخَلُوا فِيهِ. أَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ خِطَابُ مُشَافَهَةٍ وَهُوَ بِالْحَاضِرِينَ أَلْيَقُ وَمَا تَقَدَّمَ حِكَايَةٌ، وَهُوَ بِسَلَفِهِمُ الْغَائِبِينَ أَلْيَقُ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ تِلْكَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ كَمَا لَزِمَهُمُ التَّمَسُّكُ بِهَا فَذَلِكَ هُوَ لَازِمٌ لَكُمْ لِأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ حَالِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَيَلْزَمُكُمْ مِنَ الْحُجَّةِ مِثْلُ الَّذِي لَزِمَهُمْ وَأَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ قَدْ تَوَلَّيْتُمْ وَأَعْرَضْتُمْ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وَأَسْلَمُوا، فَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَأَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ فَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ تَوَلَّوْا عَنْهَا كَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى نِهَايَةِ قُبْحِ أَفْعَالِهِمْ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ مُخْتَصًّا بِمَنْ فِي زَمَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ أَنَّكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا بَعْدَ أَخْذِ هَذِهِ الْمَوَاثِيقِ فَإِنَّكُمْ بَعْدَ اطِّلَاعِكُمْ عَلَى دَلَائِلِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَضْتُمْ عَنْهُ وَكَفَرْتُمْ بِهِ، فَكُنْتُمْ فِي هَذَا الْإِعْرَاضِ بِمَثَابَةِ أُولَئِكَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي ذَلِكَ التولي والله أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 84] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى نَوْعٍ آخَرَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى كَلَّفَهُمْ هَذَا التَّكْلِيفَ وَأَنَّهُمْ أَقَرُّوا بِصِحَّتِهِ ثُمَّ خَالَفُوا الْعَهْدَ فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ فَفِيهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ خِطَابٌ لِعُلَمَاءِ الْيَهُودِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ خِطَابٌ مَعَ أَسْلَافِهِمْ، وَتَقْدِيرُهُ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ آبَائِكُمْ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْأَسْلَافِ وَتَقْرِيعٌ لِلْأَخْلَافِ وَمَعْنَى: أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ أَمَرْنَاكُمْ وَأَكَّدْنَا الْأَمْرَ وَقَبِلْتُمْ وَأَقْرَرْتُمْ بِلُزُومِهِ ووجوبه.
[سورة البقرة (2) : آية 85]
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ فَفِيهِ إشكال، وهو أن الْإِنْسَانُ مُلْجَأٌ إِلَى أَنْ لَا يَقْتُلَ نَفْسَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْإِلْجَاءَ قَدْ يَتَغَيَّرُ كَمَا ثَبَتَ فِي أَهْلِ الْهِنْدِ أَنَّهُمْ يُقَدِّرُونَ فِي قَتْلِ النَّفْسِ التَّخَلُّصَ مِنْ عَالَمِ الْفَسَادِ وَاللُّحُوقَ بِعَالَمِ النُّورِ وَالصَّلَاحِ أَوْ كَثِيرٌ مِمَّنْ صَعُبَ عَلَيْهِ الزَّمَانُ، وَثَقُلَ عَلَيْهِ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُورِ، فَيَقْتُلُ نَفْسَهُ، فَإِذَا انْتَفَى كَوْنُ الْإِنْسَانِ مُلْجَأً إِلَى تَرْكِ قَتْلِهِ نَفْسَهُ صَحَّ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا بِهِ، وَثَانِيهَا: الْمُرَادُ لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَجَعَلَ غَيْرَ الرَّجُلِ نَفْسَهُ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ نَسَبًا وَدِينًا وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [الْبَقَرَةِ: 54] / وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ غَيْرَهُ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَرَابِعُهَا: لَا تَتَعَرَّضُوا لِمُقَاتَلَةِ مَنْ يَقْتُلُكُمْ فَتَكُونُوا قَدْ قَتَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَخَامِسُهَا: لا تسفكون دماءكم مَنْ قِوَامُكُمْ فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا بِهِمْ فَتَكُونُونَ مُهْلِكِينَ لِأَنْفُسِكُمْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ فَفِيهِ وَجْهَانِ، الْأَوَّلُ: لَا تَفْعَلُوا مَا تَسْتَحِقُّونَ بِسَبَبِهِ أَنْ تَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ، الثَّانِي: الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ إِخْرَاجِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَعْظُمُ فِيهِ الْمِحْنَةُ وَالشِّدَّةُ حَتَّى يُقْرُبَ مِنَ الْهَلَاكِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ فَفِيهِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: وَهُوَ الْأَقْوَى، أَيْ: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بِالْمِيثَاقِ وَاعْتَرَفْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِلُزُومِهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَيْهَا كَقَوْلِكَ فُلَانٌ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا أَيْ شَاهِدٌ عَلَيْهَا، وَثَانِيهَا: اعْتَرَفْتُمْ بِقَبُولِهِ وَشَهِدَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ شَائِعًا فِيمَا بَيْنَهُمْ مَشْهُورًا. وَثَالِثُهَا: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ الْيَوْمَ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ عَلَى إِقْرَارِ أَسْلَافِكُمْ بِهَذَا الْمِيثَاقِ، وَرَابِعُهَا: الْإِقْرَارُ الَّذِي هُوَ الرِّضَاءُ بِالْأَمْرِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ كَأَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ لَا يُقِرُّ عَلَى الضَّيْمِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُكُمْ بِذَلِكَ وَرَضِيتُمْ بِهِ فَأَقَمْتُمْ عَلَيْهِ وَشَهِدْتُمْ بِوُجُوبِهِ وَصِحَّتِهِ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَالَ: أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، قُلْنَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَقْرَرْتُمْ يَعْنِي أَسْلَافَكُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ الْآنَ يَعْنِي عَلَى إِقْرَارِهِمْ، الثَّانِي: أَقْرَرْتُمْ فِي وَقْتِ الْمِيثَاقِ الَّذِي مَضَى وَأَنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ تَشْهَدُونَ، الثَّالِثُ: أنه للتأكيد. [سورة البقرة (2) : آية 85] ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) / أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ فَفِيهِ إشكال لأن قوله: أَنْتُمْ للحاضرين وهؤُلاءِ لِلْغَائِبِينَ فَكَيْفَ يَكُونُ الْحَاضِرُ نَفْسَ الْغَائِبِ، وَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: تَقْدِيرُهُ ثُمَّ أَنْتُمْ يَا هَؤُلَاءِ، وَثَانِيهَا: تَقْدِيرُهُ ثُمَّ أَنْتُمْ أَعْنِي هَؤُلَاءِ الحاضرين، وثالثها: أنه بمعنى الذين وَصِلَتُهُ «تَقْتُلُونَ» وَمَوْضِعُ تَقْتُلُونَ رَفْعٌ إِذَا كَانَ خَبَرًا وَلَا مَوْضِعَ لَهُ إِذَا كَانَ صِلَةً. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَمِثْلُهُ فِي الصِّلَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [طه: 17] يَعْنِي وَمَا تِلْكَ الَّتِي بِيَمِينِكَ، وَرَابِعُهَا: هَؤُلَاءِ تَأْكِيدٌ لِأَنْتُمْ، وَالْخَبَرُ «تَقْتُلُونَ» ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ الْوُجُوهَ، وَأَصَحُّهَا أَنَّ الْمُرَادَ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَقَتْلُ الْبَعْضِ لِلْبَعْضِ قَدْ يُقَالُ فِيهِ إِنَّهُ قَتْلٌ لِلنَّفْسِ إِذْ كَانَ الْكُلُّ بِمَنْزِلَةِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ وَبَيَّنَّا الْمُرَادَ بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الدِّيَارِ مَا هُوَ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «تَظَاهَرُونَ» بِتَخْفِيفِ الظَّاءِ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ فَوَجْهُ التَّخْفِيفِ الْحَذْفُ لِإِحْدَى التَّاءَيْنِ كَقَوْلِهِ: وَلا تَعاوَنُوا وَوَجْهُ التَّشْدِيدِ إِدْغَامُ التَّاءِ فِي الظَّاءِ، كَقَوْلِهِ تعالى: اثَّاقَلْتُمْ [التوبة: 38] وَالْحَذْفُ أَخَفُّ وَالْإِدْغَامُ أَدَلُّ عَلَى الْأَصْلِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ التَّظَاهُرَ هُوَ التَّعَاوُنُ، وَلَمَّا كَانَ الْإِخْرَاجُ مِنَ الدِّيَارِ وَقَتْلُ الْبَعْضِ بَعْضًا مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الْفِتْنَةُ وَاحْتِيجَ فِيهِ إِلَى اقْتِدَارٍ وَغَلَبَةٍ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَانَةِ بِمَنْ يُظَاهِرُهُمْ عَلَى الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الظُّلْمَ كَمَا هُوَ مُحَرَّمٌ فَكَذَا إِعَانَةُ الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمِهِ مُحَرَّمَةٌ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَقْدَرَ الظَّالِمَ عَلَى الظُّلْمِ وَأَزَالَ الْعَوَائِقَ وَالْمَوَانِعَ وَسَلَّطَ عَلَيْهِ الشَّهْوَةَ الدَّاعِيَةَ إِلَى الظُّلْمِ كَانَ قَدْ أَعَانَهُ عَلَى الظُّلْمِ، فَلَوْ كَانَتْ إِعَانَةُ الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمِهِ قَبِيحَةً لَوَجَبَ أَنْ لَا يُوجَدَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ مَكَّنَ الظَّالِمَ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ زَجَرَهُ عَنِ الظُّلْمِ بِالتَّهْدِيدِ وَالزَّجْرِ، بِخِلَافِ الْمُعِينِ لِلظَّالِمِ عَلَى ظُلْمِهِ فَإِنَّهُ يُرَغِّبُهُ فِيهِ وَيُحَسِّنُهُ فِي عَيْنِهِ وَيَدْعُوهُ إِلَيْهِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْآيَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَدْرَ ذَنْبِ الْمُعِينِ مِثْلُ قَدْرِ ذَنْبِ الْمُبَاشِرِ، بَلِ الدَّلِيلُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ دُونَهُ لِأَنَّ الْإِعَانَةَ لَوْ حَصَلَتْ بِدُونِ الْمُبَاشَرَةِ لَمَا أَثَّرَتْ فِي حُصُولِ الظُّلْمِ وَلَوْ حَصَلَتِ الْمُبَاشَرَةُ بِدُونِ الْإِعَانَةِ لَحَصَلَ الضَّرَرُ وَالظُّلْمُ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ أَدْخَلُ فِي الْحُرْمَةِ مِنَ الْإِعَانَةِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ: (أُسَارَى تُفَادُوهُمْ) بِالْأَلِفِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وحده بغير ألف فيهما والباقون: «أسارى» بالألف وَ «تُفْدُوهُمْ» بِغَيْرِ أَلِفٍ وَ «الْأَسْرَى» جَمْعُ أَسِيرٍ كَجَرِيحٍ وَجَرْحَى، وَفِي أُسَارَى قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَمْعُ أَسْرَى كَسَكْرَى وَسُكَارَى، وَالثَّانِي: جَمْعُ أَسِيرٍ، وَفَرَّقَ أَبُو عَمْرٍو بَيْنَ الْأَسْرَى وَالْأُسَارَى، وَقَالَ: الْأُسَارَى الَّذِينَ فِي وِثَاقٍ، وَالْأَسْرَى الَّذِينَ فِي الْيَدِ، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ أُسَارَى أَشَدُّ مُبَالَغَةً، وَأَنْكَرَ ثَعْلَبٌ ذَلِكَ، وَقَالَ/ عَلِيُّ بن عيسى: الاختيار أسارى بالألف لِأَنَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ الْأَئِمَّةِ وَلِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى مَعْنَى الْجَمْعِ إِذْ كَانَ يُقَالُ بِكَثْرَةٍ فِيهِ، وَهُوَ قَلِيلٌ فِي الْوَاحِدِ نَحْوَ شُكَاعَى وَلِأَنَّهَا لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: تُفْدُوهُمْ وَتُفَادُوهُمْ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ تُفْدُوهُمْ مِنَ الْفِدَاءِ وَهُوَ الْعِوَضُ مِنَ الشَّيْءِ صِيَانَةً لَهُ، يُقَالُ: فَدَاهُ فِدْيَةً وَتُفَادُوهُمْ مِنَ الْمُفَادَاةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: تُفادُوهُمْ وَصْفٌ لَهُمْ بِمَا هُوَ طَاعَةٌ وَهُوَ التَّخْلِيصُ مِنَ الْأَسْرِ بِبَذْلِ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ لِيَعُودُوا إِلَى كُفْرِهِمْ، وَذَكَرَ أَبُو مُسْلِمٍ أَنَّهُ ضِدُّ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ أَنَّكُمْ مَعَ الْقَتْلِ وَالْإِخْرَاجِ إِذَا وَقَعَ أَسِيرٌ فِي أَيْدِيكُمْ لَمْ تَرْضَوْا مِنْهُ إِلَّا بِأَخْذِ مَالٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عَلَيْكُمْ ثُمَّ عنده تُخْرِجُونَهُ مِنَ الْأَسْرِ، قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ وَالْمُفَسِّرُونَ إِنَّمَا أَتَوْا مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ رَاجِعٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي مَعَكُمْ نَبَأُ مُحَمَّدٍ فَجَحَدْتُمُوهُ فَقَدْ آمَنْتُمْ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَكَفَرْتُمْ بِبَعْضٍ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ يحتمل لفظ
الْمُفَادَاةِ لِأَنَّ الْبَاذِلَ عَنِ الْأَسِيرِ يُوصَفُ بِأَنَّهُ فَادَاهُ وَالْآخِذَ مِنْهُ لِلتَّخْلِيصِ يُوصَفُ أَيْضًا بِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَيْهِ أَقْرَبُ، لِأَنَّ عَوْدَ قَوْلِهِ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَوْلَى مِنْ عَوْدِهِ إِلَى أُمُورٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا بَعْدَ آيَاتٍ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: الَّذِينَ أُخْرِجُوا وَالَّذِينَ فُودُوا فَرِيقٌ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ كَانَا أَخَوَيْنِ كَالْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فَافْتَرَقُوا فَكَانَتِ النَّضِيرُ مَعَ الْخَزْرَجِ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ. فَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُقَاتِلُ مَعَ حُلَفَائِهِ وَإِذَا غَلَبُوا خَرَّبُوا دِيَارَهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ وَإِذَا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَعُوا لَهُ حَتَّى يَفْدُوهُ، فَعَيَّرَتْهُمُ الْعَرَبُ وَقَالُوا: كَيْفَ تُقَاتِلُونَهُمْ ثُمَّ تَفْدُونَهُمْ فَيَقُولُونَ: أُمِرْنَا أَنْ نَفْدِيَهُمْ وَحُرِّمَ عَلَيْنَا قِتَالُهُمْ، وَلَكِنَّا نَسْتَحِي أَنْ نُذِلَّ حُلَفَاءَنَا، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ الَّذِينَ أَخْرَجُوهُمْ فُودُوا وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ آخَرُونَ فَعَابَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ فَفِي قَوْلِهِ: وَهُوَ وَجْهَانِ، الْأَوَّلُ: أَنَّهُ ضَمِيرُ الْقِصَّةِ وَالشَّأْنِ كَأَنَّهُ قِيلَ وَالْقِصَّةُ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ، الثَّانِي: أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِخْرَاجِ أُعِيدَ ذِكْرُهُ تَوْكِيدًا لِأَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ فَمَوْضِعُهُ عَلَى هَذَا رَفْعٌ كَأَنَّهُ قِيلَ وَإِخْرَاجُهُمْ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ أُعِيدَ ذِكْرُ إِخْرَاجِهِمْ مُبَيِّنًا لِلْأَوَّلِ. أَمَّا قَوْلُهُ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: إِخْرَاجُهُمْ كُفْرٌ، وَفِدَاؤُهُمْ إِيمَانٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَتَادَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَلَمْ يَذُمَّهُمْ عَلَى الْفِدَاءِ، وَإِنَّمَا ذَمَّهُمْ عَلَى الْمُنَاقَضَةِ إِذْ أَتَوْا بِبَعْضِ الْوَاجِبِ وَتَرَكُوا الْبَعْضَ، وَقَدْ تَكُونُ الْمُنَاقَضَةُ أَدْخَلَ فِي الذَّمِّ لَا يُقَالُ هَبْ أَنَّ ذَلِكَ الْإِخْرَاجَ مَعْصِيَةٌ، فَلِمَ سَمَّاهَا كُفْرًا مَعَ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْعَاصِيَ لَا يَكْفُرُ، لِأَنَّا نَقُولُ لَعَلَّهُمْ صَرَّحُوا أَنَّ ذَلِكَ الْإِخْرَاجَ غَيْرُ وَاجِبٍ/ مَعَ أَنَّ صَرِيحَ التَّوْرَاةِ كَانَ دَالًّا عَلَى وجوبه. وثالثها: الْمُرَادُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُمْ فِي تَمَسُّكِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ التَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّ الْحُجَّةَ فِي أَمْرِهِمَا عَلَى سَوَاءٍ يَجْرِي مَجْرَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ مِنْهُمْ فِي أَنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ وَيَكْفُرُوا بِبَعْضٍ وَالْكُلُّ فِي الْمِيثَاقِ سَوَاءٌ. أَمَّا قَوْلُهُ تعالى: إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَأَصْلُ الْخِزْيِ الذُّلُّ وَالْمَقْتُ. يُقَالُ: أَخْزَاهُ اللَّهُ، إِذَا مَقَتَهُ وَأَبْعَدَهُ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ الِاسْتِحْيَاءُ، فَإِذَا قِيلَ: أَخْزَاهُ اللَّهُ كَأَنَّهُ قِيلَ: أَوْقَعَهُ مَوْقِعًا يُسْتَحَيَا مِنْهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ الذَّمُّ الْعَظِيمُ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْخِزْيِ عَلَى وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: قَالَ الْحَسَنُ: الْمُرَادُ الْجِزْيَةُ وَالصَّغَارُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً فِي شَرِيعَتِهِمْ، بَلْ إِنْ حَمَلْنَا الْآيَةَ عَلَى الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحَّ هَذَا الْوَجْهُ، لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْخِزْيِ الْوَاقِعِ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ. وَثَانِيهَا: إِخْرَاجُ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَقَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ وَسَبْيُ ذَرَارِيهِمْ، وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ حَمَلْنَا الْآيَةَ عَلَى الْحَاضِرِينَ فِي زَمَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَثَالِثُهَا: وَهُوَ الْأَوْلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الذَّمُّ الْعَظِيمُ وَالتَّحْقِيرُ الْبَالِغُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ دُونَ بَعْضٍ وَالتَّنْكِيرُ فِي قَوْلِهِ: «خِزْيٌ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذَّمَّ وَاقِعٌ فِي النِّهَايَةِ الْعُظْمَى. أَمَّا قَوْلُهُ: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ فَفِيهِ سُؤَالٌ وَهُوَ أَنَّ عَذَابَ الدَّهْرِيَّةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الصَّانِعَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ مِنْ عَذَابِ الْيَهُودِ، فَكَيْفَ قَالَ فِي حَقِّ الْيَهُودِ: يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَالْجَوَابُ: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ أَشَدُّ مِنَ الْخِزْيِ الْحَاصِلِ فِي الدُّنْيَا، فَلَفْظُ «الْأَشَدِّ» وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا إِلَّا أَنَّ الْمُرَادَ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الجهة.
[سورة البقرة (2) : آية 86]
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَعَاصِمٌ بِتَاءِ الْخِطَابِ وَالْبَاقُونَ بِيَاءِ الْغَيْبَةِ، وَجْهُ الْأَوَّلِ: الْبِنَاءُ عَلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، وَوَجْهُ الثَّانِي: الْبِنَاءُ عَلَى أَنَّهُ آخِرُ الْكَلَامِ وَاخْتِيَارُ الْخِطَابِ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْأَكْثَرَ وَلِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى الْمَعْنَى لِتَغْلِيبِ الْخِطَابِ عَلَى الْغَيْبَةِ إِذَا اجْتَمَعَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَزَجْرٌ عَظِيمٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَبِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى الطَّاعَةِ، لِأَنَّ الْغَفْلَةَ إِذَا كَانَتْ مُمْتَنِعَةً عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ مَعَ أَنَّهُ أَقْدَرُ الْقَادِرِينَ وَصَلَتِ الْحُقُوقُ لَا مَحَالَةَ إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا. [سورة البقرة (2) : آية 86] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) اعْلَمْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ تَحْصِيلِ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِ الْآخِرَةِ مُمْتَنِعٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَكَّنَ الْمُكَلَّفَ مِنْ تَحْصِيلِ أَيِّهِمَا شَاءَ وَأَرَادَ، فَإِذَا اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِ أَحَدِهِمَا فَقَدْ فَوَّتَ الْآخَرَ عَلَى نَفْسِهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ مَا أَعْرَضَ الْيَهُودُ عَنْهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ وَمَا حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُفْرِ وَلَذَّاتِ الدُّنْيَا كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي نِهَايَةِ الذَّمِّ لَهُمْ لِأَنَّ الْمَغْبُونَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الدُّنْيَا مَذْمُومٌ حَتَّى يُوصَفَ بِأَنَّهُ تَغَيَّرَ فِي عَقْلِهِ فَبِأَنْ يُذَمَّ مُشْتَرِي مَتَاعِ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ أَوْلَى. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي دُخُولِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَلا يُخَفَّفُ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: الْعَطْفُ عَلَى اشْتَرَوُا وَالْقَوْلُ الْآخَرُ بِمَعْنَى جَوَابِ الْأَمْرِ، كَقَوْلِكَ أُولَئِكَ الضُّلَّالُ انْتَبِهْ فَلَا خَيْرَ فِيهِمْ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى الْإِضْمَارِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: بَعْضُهُمْ حَمَلَ التَّخْفِيفَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بَلْ يَدُومُ، لِأَنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ لَكَانَ قَدْ خَفَّ، وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى شِدَّتِهِ لَا عَلَى دَوَامِهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْعَذَابَ قَدْ يَخِفُّ بِالِانْقِطَاعِ وَقَدْ يَخِفُّ بِالْقِلَّةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَإِذَا وَصَفَ تَعَالَى عَذَابَهُمْ بِأَنَّهُ لَا يُخَفَّفُ اقْتَضَى ذَلِكَ نَفْيَ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ فَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلَى نَفْيِ النُّصْرَةِ فِي الْآخِرَةِ يَعْنِي أَنَّ أَحَدًا لَا يَدْفَعُ هَذَا الْعَذَابَ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ عَذَابَهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى نَفْيِ النُّصْرَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ ذَلِكَ جَزَاءً عَلَى صَنِيعِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ: فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِالْآخِرَةِ، لِأَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا وَإِنْ حَصَلَ فَيَصِيرُ كَالْحُدُودِ الَّتِي تُقَامُ عَلَى الْمُقَصِّرِ وَلِأَنَّ الْكُفَّارَ قَدْ يَصِيرُونَ غَالِبِينَ للمؤمنين في بعض الأوقات. [سورة البقرة (2) : آية 87] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أَفَاضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ إِنَّهُمْ قَابَلُوهُ بِالْكُفْرِ وَالْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَ حَالَ الْيَهُودِ مِنْ قَبْلُ بِأَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَتْلِ/ أَنْفُسِهِمْ وَإِخْرَاجِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِنْ
دِيَارِهِمْ وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ بِهَذَا الصَّنِيعِ اشْتَرَوُا الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ، زَادَ فِي تَبْكِيتِهِمْ بِمَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَهُوَ التَّوْرَاةُ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ التَّوْرَاةَ لَمَّا نَزَلَتْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى بِحَمْلِهَا فَلَمْ يُطِقْ ذَلِكَ، فَبَعَثَ اللَّهُ لِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا مَلَكًا فَلَمْ يُطِيقُوا حَمْلَهَا فَخَفَّفَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى فَحَمَلَهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَفَّيْنَا، أَتْبَعْنَا مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ يَأْتِي فِي قَفَاهُ الشَّيْءُ، أَيْ بَعْدَ نَحْوِ ذَنَبِهِ مِنَ الذَّنَبِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [الْمُؤْمِنُونَ: 44] . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: رُوِيَ أَنَّ بَعْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَيَّامِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَتِ الرُّسُلُ تَتَوَاتَرُ وَيَظْهَرُ بَعْضُهُمْ فِي أَثَرِ بَعْضٍ، وَالشَّرِيعَةُ وَاحِدَةٌ إِلَى أَيَّامِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ جَاءَ بِشَرِيعَةٍ مُجَدِّدَةٍ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ فِي الشَّرِيعَةِ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيهَا، قَالَ الْقَاضِي: إِنَّ الرَّسُولَ الثَّانِيَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى شَرِيعَةِ الْأَوَّلِ حَتَّى لَا يُؤَدِّيَ إِلَى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِعَيْنِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، مَعَ أَنَّ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ مَحْفُوظَةٌ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا بِالتَّوَاتُرِ عَنِ الْأُوَلِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ إِذَا كَانَ هَذَا حَالَهُ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ جِهَةٍ إِلَّا مَا كَانَ قَدْ عَلِمَ مِنْ قَبْلُ أَوْ يُمْكِنْ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ قَبْلُ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولًا لَا شَرِيعَةَ مَعَهُ أَصْلًا، تُبَيِّنُ الْعَقْلِيَّاتِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، فَكَذَا الْقَوْلُ فِي مَسْأَلَتِنَا: فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الرُّسُلِ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَتَوْا بِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ إِنْ كَانَتِ الْأُولَى مَحْفُوظَةً أَوْ مُحْيِيَةً لِبَعْضِ مَا انْدَرَسَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى. وَالْجَوَابُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنْ بَعْثَةِ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ تَنْفِيذَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ السالفة على الأمة أو نوع آخَرَ مَنِ الْأَلْطَافِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، وَبِالْجُمْلَةِ، فَالْقَاضِي مَا أَتَى فِي هَذِهِ الدَّلَالَةِ إِلَّا بِإِعَادَةِ الدَّعْوَى، فَلِمَ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَعْثُ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ إِلَّا لِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ أَوْ لِإِحْيَاءِ شَرِيعَةٍ انْدَرَسَتْ وَهَلِ النِّزَاعُ وَقَعَ إِلَّا فِي هَذَا؟ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَؤُلَاءِ الرُّسُلُ هُمْ: يُوشَعُ، وَشَمْوِيلُ «1» ، وَشَمْعُونُ، وَدَاوُدُ، وَسُلَيْمَانُ وَشَعْيَاءُ، وَأَرْمِيَاءُ، وَعُزَيْرٌ، وَحِزْقِيلُ، وَإِلْيَاسُ، وَالْيَسَعُ، وَيُونُسُ، وَزَكَرِيَّا، وَيَحْيَى، وَغَيْرُهُمْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: السَّبَبُ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْمَلَ ذِكْرَ الرَّسُولِ ثُمَّ فَصَّلَ ذِكْرَ عِيسَى لِأَنَّ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ جَاءُوا بِشَرِيعَةِ مُوسَى فَكَانُوا مُتَّبِعِينَ لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِيسَى، لِأَنَّ شَرْعَهُ نَسَخَ أَكْثَرَ شَرْعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قِيلَ عِيسَى بِالسُّرْيَانِيَّةِ أَيْشُوعُ، وَمَرْيَمُ بِمَعْنَى الْخَادِمِ، وَقِيلَ: مَرْيَمُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مِنَ النِّسَاءِ كَزِيرٍ مِنَ الرِّجَالِ، وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ رُؤْبَةَ: / «قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ» الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْبَيِّنَاتِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: الْمُعْجِزَاتُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَنَحْوِهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَثَانِيهَا: أَنَّهَا الْإِنْجِيلُ. وَثَالِثُهَا: وَهُوَ الْأَقْوَى أَنَّ الْكُلَّ يَدْخُلُ فِيهِ، لِأَنَّ الْمُعْجِزَ يُبَيِّنُ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ كَمَا أَنَّ الْإِنْجِيلَ يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ شَرِيعَتِهِ فَلَا يَكُونُ لِلتَّخْصِيصِ معنى.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قُرِئَ وَأَيَّدْنَاهُ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «الْقُدْسِ» بِالتَّخْفِيفِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّثْقِيلِ وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ رُعُبٌ وَرُعْبٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الرُّوحِ عَلَى وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ الرُّوحُ الْمُقَدَّسَةُ كَمَا يُقَالُ: حَاتِمُ الْجُودِ وَرَجُلُ صِدْقٍ فَوُصِفَ جِبْرِيلُ بِذَلِكَ تَشْرِيفًا لَهُ وَبَيَانًا لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الثَّانِي: سُمِّي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْيَا بِهِ الدِّينُ كَمَا يَحْيَا الْبَدَنُ بِالرُّوحِ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِإِنْزَالِ الْوَحْيِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُكَلَّفُونَ فِي ذَلِكَ يَحْيَوْنَ فِي دِينِهِمْ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ الرُّوحَانِيَّةُ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَلَائِكَةِ غَيْرَ أَنَّ رُوحَانِيَّتَهُ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ. الرَّابِعُ: سُمِّيَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رُوحًا، لِأَنَّهُ مَا ضَمَّتْهُ أَصْلَابُ الْفُحُولِ وَأَرْحَامُ الْأُمَّهَاتِ، وَثَانِيهَا: الْمُرَادُ بِرُوحِ الْقُدُسِ الْإِنْجِيلُ، كَمَا قَالَ فِي الْقُرْآنِ: رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشُّورَى: 52] وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الدِّينَ يَحْيَا بِهِ وَمَصَالِحَ الدُّنْيَا تَنْتَظِمُ لِأَجْلِهِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ يُحْيِي بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَوْتَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ الرُّوحُ الَّذِي نُفِخَ فِيهِ وَالْقُدُسُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَنَسَبَ رُوحَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَشْرِيفًا، كَمَا يُقَالُ: بَيْتُ اللَّهِ وَنَاقَةُ الله، عن الربيع، وعلى هذا المراد بِهِ الرُّوحُ الَّذِي يَحْيَا بِهِ الْإِنْسَانُ. وَاعْلَمْ أَنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ الرُّوحِ عَلَى جِبْرِيلَ وَعَلَى الْإِنْجِيلِ وَعَلَى الِاسْمِ الْأَعْظَمِ مَجَازٌ لِأَنَّ الرُّوحَ هُوَ الرِّيحُ الْمُتَرَدِّدُ فِي مَخَارِقِ الْإِنْسَانِ وَمَنَافِذِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مَا كَانَتْ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ سُمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالرُّوحِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الرُّوحَ كَمَا أَنَّهُ سَبَبٌ لِحَيَاةِ الرَّجُلِ، فَكَذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَبَبٌ لِحَيَاةِ الْقُلُوبِ بِالْعُلُومِ، وَالْإِنْجِيلُ سَبَبٌ لِظُهُورِ الشَّرَائِعِ وَحَيَاتِهَا، وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ سَبَبٌ لِأَنْ يُتَوَسَّلَ بِهِ إِلَى تَحْصِيلِ الْأَغْرَاضِ إِلَّا أَنَّ الْمُشَابَهَةَ بَيْنَ مُسَمَّى الرُّوحِ وَبَيْنَ جِبْرِيلَ أَتَمُّ لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَخْلُوقٌ مِنْ هَوَاءٍ نُورَانِيٍّ، لَطِيفٍ فَكَانَتِ الْمُشَابَهَةُ أَتَمَّ، فَكَانَ إِطْلَاقُ اسْمِ الرُّوحِ عَلَى جِبْرِيلَ أَوْلَى. وَثَانِيهَا: أَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ فِيهِ أَظْهَرُ مِنْهَا فِيمَا عَدَاهُ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يَعْنِي قَوَّيْنَاهُ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ التَّقْوِيَةِ الْإِعَانَةُ وَإِسْنَادُ الْإِعَانَةِ إِلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَقِيقَةٌ وَإِسْنَادُهَا إِلَى الْإِنْجِيلِ وَالِاسْمِ الْأَعْظَمِ مَجَازٌ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى، وَرَابِعُهَا: وَهُوَ أَنَّ اخْتِصَاصَ عِيسَى بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مِنْ آكَدِ وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِثْلُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَشَّرَ مَرْيَمَ/ بِوِلَادَتِهَا وَإِنَّمَا وُلِدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ نَفْخَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ الَّذِي رَبَّاهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَكَانَ يَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ وَكَانَ مَعَهُ حِينَ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَهُوَ نِهَايَةُ الذَّمِّ لَهُمْ، لِأَنَّ الْيَهُودَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِذَا أَتَاهُمُ الرَّسُولُ بِخِلَافِ مَا يَهْوُونَ كَذَّبُوهُ، وَإِنْ تَهَيَّأَ لَهُمْ قَتْلُهُ قَتَلُوهُ. وَإِنَّمَا كَانُوا كَذَلِكَ لِإِرَادَتِهِمُ الرِّفْعَةَ فِي الدُّنْيَا وَطَلَبِهِمْ لَذَّاتِهَا وَالتَّرَؤُّسَ عَلَى عَامَّتِهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَكَانَتِ الرسل تبطل عليه ذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهُمْ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَيُوهِمُونَ عَوَامَّهُمْ كَوْنَهُمْ كَاذِبِينَ وَيَحْتَجُّونَ فِي ذَلِكَ بِالتَّحْرِيفِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَسْتَكْبِرُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ اسْتِكْبَارَ إِبْلِيسَ عَلَى آدَمَ.
[سورة البقرة (2) : آية 88]
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَلَّا قِيلَ وَفَرِيقًا قَتَلْتُمْ؟ وَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَادَ الْحَالُ الْمَاضِيَةُ لِأَنَّ الْأَمْرَ فَظِيعٌ فَأُرِيدَ اسْتِحْضَارُهُ فِي النُّفُوسِ وَتَصْوِيرُهُ فِي الْقُلُوبِ «1» . الثَّانِي: أَنْ يُرَادَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَهُمْ بَعْدُ لِأَنَّكُمْ حَاوَلْتُمْ قَتْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْلَا أَنِّي أَعْصِمُهُ مِنْكُمْ وَلِذَلِكَ سَحَرْتُمُوهُ وَسَمَمْتُمْ لَهُ الشَّاةَ. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ مَوْتِهِ: «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي. فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي» وَاللَّهُ أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 88] وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ (88) أَمَّا الْغُلْفُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ جَمْعُ أغْلَفَ وَالْأَغْلَفُ هُوَ مَا فِي غِلَافٍ أَيْ قُلُوبِنَا مُغَشَّاةٌ بِأَغْطِيَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ وُصُولِ أَثَرِ دَعْوَتِكَ إِلَيْهَا، وَثَانِيهَا: رَوَى الْأَصَمُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ قُلُوبَهُمْ غُلْفٌ بِالْعِلْمِ وَمَمْلُوءَةٌ بِالْحِكْمَةِ فَلَا حَاجَةَ مَعَهَا بِهِمْ إِلَى شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَثَالِثُهَا: غُلْفٌ أَيْ كَالْغِلَافِ الْخَالِي لَا شَيْءَ فِيهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِكَ. أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمُ اخْتَارُوا الْوَجْهَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ قَالُوا: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ مَا لَا يُمْكِنُهُمْ مَعَهُ الْإِيمَانُ، لَا غِلَافَ وَلَا كِنَّ وَلَا سَدَّ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُجْبِرَةُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ صَادِقِينَ فِي هَذَا الْقَوْلِ، فَكَانَ لَا يُكَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ لِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَذُمُّ الْكَاذِبَ الْمُبْطِلَ لَا الصَّادِقَ الْمُحِقَّ الْمَعْذُورَ، قَالُوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [الْكَهْفِ: 57] وقوله: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا وَقَوْلِهِ: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا [يس: 8، 9] لَيْسَ الْمُرَادُ كَوْنَهُمْ مَمْنُوعِينَ مِنَ الْإِيمَانِ، بَلِ الْمُرَادُ إِمَّا مَنْعُ الْأَلْطَافِ أَوْ تَشْبِيهُ حَالِهِمْ فِي إِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْبُورِ عَلَى الْكُفْرِ. قَالُوا: وَنَظِيرُ ذَمِّ اللَّهِ تَعَالَى الْيَهُودَ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ ذَمُّهُ تَعَالَى الْكَافِرِينَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فُصِّلَتْ: 5] وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُجْبِرَةُ لَكَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ صَادِقِينَ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانُوا/ صَادِقِينَ لَمَا ذَمَّهُمْ بَلْ كَانَ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُمْ إِظْهَارًا لِعُذْرِهِمْ وَمُسْقِطًا لِلَوْمِهِمْ. وَاعْلَمْ أَنَّا بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ الْغُلْفِ وُجُوهًا ثَلَاثَةً فَلَا يَجِبُ الْجَزْمُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ ذَلِكَ الْوَجْهُ لَكِنْ لِمَ قُلْتَ إِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ مَذْمُومٌ؟ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَفِيهِ أَجْوِبَةٌ. أَحَدُهَا: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَعَنَهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، أَمَّا لِمَ قُلْتُمْ بِأَنَّهُ إِنَّمَا لَعَنَهُمْ بِسَبَبِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ فَلَعَلَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُمْ قَوْلًا ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ مَلْعُونُونَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. وَثَانِيهَا: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ يَعْنِي لَيْسَتْ قُلُوبُنَا فِي أَغْلَافٍ وَلَا فِي أَغْطِيَةٍ، بَلْ قَوِيَّةٌ وَخَوَاطِرُنَا مُنِيرَةٌ ثُمَّ إِنَّا بِهَذِهِ الْخَوَاطِرِ وَالْأَفْهَامِ تأملنا في دلائلك يا محمد، فلم يجد مِنْهَا شَيْئًا قَوِيًّا. فَلَمَّا ذَكَرُوا هَذَا التَّصَلُّفَ الْكَاذِبَ لَا جَرَمَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلَى كُفْرِهِمُ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ هَذَا الْقَوْلِ، وَثَالِثُهَا: لَعَلَّ قُلُوبَهُمْ مَا كَانَتْ فِي الْأَغْطِيَةِ بَلْ كَانُوا عَالِمِينَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [الأنعام: 20] [الْبَقَرَةِ: 146] إِلَّا أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا تِلْكَ الْمَعْرِفَةَ وَادَّعَوْا أَنَّ قُلُوبَهُمْ غُلْفٌ وَغَيْرُ وَاقِفَةٍ عَلَى ذَلِكَ فكان كفرهم كفر
[سورة البقرة (2) : آية 89]
الْعِنَادِ فَلَا جَرَمَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْكُفْرِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي تَفْسِيرِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَلِيلَ صِفَةُ الْمُؤْمِنِ، أَيْ لَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ عَنْ قَتَادَةَ وَالْأَصَمِّ وَأَبِي مُسْلِمٍ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ صِفَةُ الْإِيمَانِ، أَيْ لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا بِقَلِيلٍ مِمَّا كُلِّفُوا بِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ كانوا يكفرن بِالرُّسُلِ. وَثَالِثُهَا: مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُونَ أَصْلًا لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا كَمَا يُقَالُ: قَلِيلًا مَا يَفْعَلُ بِمَعْنَى لَا يَفْعَلُ الْبَتَّةَ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: تَقُولُ الْعَرَبُ: مَرَرْنَا بِأَرْضٍ قَلِيلًا مَا تُنْبِتُ، يريدون ولا تُنْبِتُ شَيْئًا. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النِّسَاءِ: 155] وَلِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى إِذَا كَانَ الْمُصَرَّحُ فِيهَا ذِكْرُ الْقَوْمِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَنَاوَلَ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْضَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي انْتِصَابِ «قَلِيلًا» وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: فَإِيمَانًا قَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ «وَمَا» مَزِيدَةٌ وَهُوَ إِيمَانُهُمْ بِبَعْضِ الْكِتَابِ، وَثَانِيهَا: انْتَصَبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ بِقَلِيلٍ يُؤْمِنُونَ. وَثَالِثُهَا: فَصَارُوا قَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ. [سورة البقرة (2) : آية 89] وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) / اعْلَمْ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ قَبَائِحِ الْيَهُودِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: كِتابٌ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ هُوَ الْقُرْآنُ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ غَيْرُ مَا مَعَهُمْ وَمَا ذَاكَ إِلَّا الْقُرْآنُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: لَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ فِي أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بتكليفهم بصديق مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النُّبُوَّةِ وَاللَّائِقُ بِذَلِكَ هُوَ كَوْنُهُ مُوَافِقًا لِمَا مَعَهُمْ فِي دَلَالَةِ نُبُوَّتِهِ إِذْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُوَافِقٍ لِمَا مَعَهُمْ فِي سَائِرِ الشَّرَائِعِ وَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدِ الْمُوَافَقَةُ فِي بَابِ أَدِلَّةِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ جَمِيعَ كُتُبِ اللَّهِ كَذَلِكَ وَلَمَّا بَطَلَ الْكُلُّ ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ مُوَافَقَتُهُ لِكُتُبِهِمْ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالنُّبُوَّةِ وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنَ الْعَلَامَاتِ وَالنُّعُوتِ وَالصِّفَاتِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قُرِئَ: مُصَدِّقًا عَلَى الْحَالِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَازَ نَصْبُهَا عَنِ النَّكِرَةِ؟ قُلْنَا: إِذَا وُصِفَتِ النَّكِرَةُ تَخَصَّصَتْ فَصَحَّ انْتِصَابُ الْحَالِ عَنْهَا وَقَدْ وُصِفَ كِتابٌ بِقَوْلِهِ: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي جَوَابِ «لَمَّا» ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ [الرَّعْدِ: 31] فَإِنَّ جَوَابَهُ مَحْذُوفٌ وَهُوَ. لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ، عَنِ الْأَخْفَشِ وَالزَّجَّاجِ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ عَلَى التَّكْرِيرِ لِطُولِ الْكَلَامِ وَالْجَوَابُ: كَفَرُوا به كقوله تعالى: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: 35] عَنِ الْمُبَرِّدِ، وَثَالِثُهَا: أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ جَوَابًا لِلَمَّا الأولى وكَفَرُوا بِهِ جَوَابًا لِلَمًّا الثَّانِيَةِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [البقرة: 38] [طه: 133] الْآيَةَ عَنِ الْفَرَّاءِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَفِي سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْيَهُودَ مِنْ قَبْلِ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ، أَيْ يَسْأَلُونَ الْفَتْحَ وَالنُّصْرَةَ وَكَانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ عَلَيْنَا وَانْصُرْنَا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ. وَثَانِيهَا: كَانُوا يَقُولُونَ لِمُخَالِفِيهِمْ عِنْدَ الْقِتَالِ: هَذَا نَبِيٌّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ يَنْصُرُنَا عَلَيْكُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَثَالِثُهَا: كَانُوا يَسْأَلُونَ الْعَرَبَ عَنْ مَوْلِدِهِ وَيَصِفُونَهُ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ صِفَتِهِ كَذَا
[سورة البقرة (2) : آية 90]
وَكَذَا، وَيَتَفَحَّصُونَ عَنْهُ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَيْ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ. وَرَابِعُهَا: نَزَلَتْ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ قَبْلَ الْمَبْعَثِ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ. وَخَامِسُهَا: نَزَلَتْ فِي أَحْبَارِ الْيَهُودِ كَانُوا إِذَا قَرَءُوا وَذَكَرُوا مُحَمَّدًا فِي التَّوْرَاةِ وَأَنَّهُ مَبْعُوثٌ وَأَنَّهُ مِنَ الْعَرَبِ سَأَلُوا مُشْرِكِي الْعَرَبِ عَنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ هَلْ وُلِدَ فِيهِمْ مَنْ يُوَافِقُ حَالُهُ حَالَ هَذَا الْمَبْعُوثِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عَارِفِينَ بِنُبُوَّتِهِ وَفِيهِ سُؤَالٌ: وَهُوَ أَنَّ التَّوْرَاةَ/ نُقِلَتْ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ حَصَلَ فِيهَا نَعْتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، أَعْنِي بَيَانَ أَنَّ الشَّخْصَ الْمَوْصُوفَ بِالصُّورَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَالسِّيرَةِ الْفُلَانِيَّةِ سَيَظْهَرُ فِي السَّنَةِ الْفُلَانِيَّةِ فِي الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْوَصْفُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ كَانَ الْقَوْمُ مُضْطَرِّينَ إِلَى مَعْرِفَةِ شَهَادَةِ التَّوْرَاةِ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَى أَهْلِ التَّوَاتُرِ إِطْبَاقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَصْفُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَلْزَمْ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّوْرَاةِ كَوْنُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا، فَكَيْفَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ فِي التَّوْرَاةِ كَانَ وَصْفًا إِجْمَالِيًّا وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم لَمْ يَعْرِفُوا نُبُوَّتَهُ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ، بَلْ بِظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ صَارَتْ تِلْكَ الْأَوْصَافُ كَالْمُؤَكِّدَةِ، فَلِهَذَا ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْإِنْكَارِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: كَفَرُوا بِهِ لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ الْمَبْعُوثَ يَكُونُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِكَثْرَةِ مَنْ جَاءَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانُوا يُرَغِّبُونَ النَّاسَ فِي دِينِهِ وَيَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا مِنَ الْعَرَبِ مِنْ نَسْلِ إِسْمَاعِيلَ صَلَوَاتُ الله عليه، عظم ذلك عليهم فَأَظْهَرُوا التَّكْذِيبَ وَخَالَفُوا طَرِيقَهُمُ الْأَوَّلَ. وَثَانِيهَا: اعْتِرَافُهُمْ بنبوته كان يوجب عليهم زوال رئاساتهم وَأَمْوَالِهِمْ فَأَبَوْا وَأَصَرُّوا عَلَى الْإِنْكَارِ. وَثَالِثُهَا: لَعَلَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً فَلَا جَرَمَ كَفَرُوا بِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى كَفَّرَهُمْ بَعْدَ مَا بَيَّنَ كَوْنَهُمْ عَالِمِينَ بِنُبُوَّتِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ لَيْسَ هُوَ الْجَهْلُ بِاللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ فَالْمُرَادُ الْإِبْعَادُ مِنْ خَيْرَاتِ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ الْمُبْعَدَ مِنْ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا لَا يَكُونُ مَلْعُونًا. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [الْبَقَرَةِ: 83] وَقَالَ: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الْأَنْعَامِ: 108] قُلْنَا: الْعَامُّ قَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ التَّخْصِيصُ عَلَى أَنَّا بَيَّنَّا فِيمَا قَبْلُ أَنَّ لَعْنَ مَنْ يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ مِنَ الْقَوْلِ الْحَسَنِ والله أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 90] بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) اعْلَمْ أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ بِئْسَمَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا فِي مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَصْلُ نِعْمَ وبئس نِعْمَ وَبِئْسَ بِفَتْحِ الْأَوَّلِ وَكَسْرِ الثَّانِي كَقَوْلِنَا: «عَلِمَ» إِلَّا أَنَّ مَا كَانَ ثَانِيهِ حَرْفَ حَلْقٍ وَهُوَ مَكْسُورٌ يَجُوزُ فِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ، الْأَوَّلُ: عَلَى الْأَصْلِ أَعْنِي بِفَتْحِ الْأَوَّلِ وَكَسْرِ الثَّانِي. وَالثَّانِي: إِتْبَاعُ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِكَسْرِ النُّونِ وَالْعَيْنِ، وَكَذَا يُقَالُ: فِخِذٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْخَاءِ، وَهُمْ وَإِنْ كَانُوا
يَفِرُّونَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْكَسْرَتَيْنِ إِلَّا أَنَّهُمْ جوزوه هاهنا لِكَوْنِ الْحَرْفِ الْحَلْقِيِّ مُسْتَتْبَعًا لِمَا يُجَاوِرُهُ. الثَّالِثُ: إِسْكَانُ الْحَرْفِ الْحَلْقِيِّ الْمَكْسُورِ وَتَرْكُ مَا قَبْلَهُ عَلَى مَا كَانَ فَيُقَالُ: نَعْمَ وَبَئْسَ بِفَتْحِ الْأَوَّلِ وَإِسْكَانِ الثَّانِي كَمَا يُقَالُ: فَخْذٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ. الرَّابِعُ: أَنْ يُسَكَّنَ الْحَرْفُ الْحَلْقِيُّ وَتُنْقَلَ كَسْرَتُهُ إِلَى مَا قَبْلَهُ فَيُقَالُ: نِعْمَ بِكَسْرِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ كَمَا يُقَالُ: فِخْذٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّغْيِيرَ الْأَخِيرَ وَإِنْ كَانَ فِي حَدِّ الْجَوَازِ عِنْدَ إِطْلَاقِ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ إِلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ لَازِمًا لَهُمَا لِخُرُوجِهِمَا عَمَّا وُضِعَتْ لَهُ الْأَفْعَالُ الْمَاضِيَةُ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْ وُجُودِ الْمَصْدَرِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَصَيْرُورَتِهِمَا كَلِمَتَيْ مَدْحٍ وَذَمٍّ وَيُرَادُ بِهِمَا الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ، لِيَدُلَّ هَذَا التَّغْيِيرُ اللَّازِمُ فِي اللَّفْظِ عَلَى التَّغْيِيرِ عَنِ الْأَصْلِ فِي الْمَعْنَى فَيَقُولُونَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ وَلَا يَذْكُرُونَهُ عَلَى الْأَصْلِ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَمَا أَنْشَدَ الْمُبَرِّدُ: فَفِدَاءٌ لِبَنِي قَيْسٍ عَلَى ... مَا أَصَابَ النَّاسَ مِنْ شَرٍّ وَضُرِّ مَا أَقَلَّتْ قَدَمَايَ إِنَّهُمْ ... نَعِمَ السَّاعُونَ فِي الْأَمْرِ الْمُبِرِّ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُمَا فِعْلَانِ مِنْ نَعِمَ يَنْعَمُ وَبَئِسَ وَيَبْأَسُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ دُخُولُ التَّاءِ الَّتِي هِيَ عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ فِيهِمَا، فَيُقَالُ: نِعْمَتْ وَبِئْسَتْ، وَالْفَرَّاءُ يَجْعَلُهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْأَسْمَاءِ وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. أَلَسْنَا بِنِعْمَ الْجَارِ يُؤْلَفُ بَيْتُهُ ... مِنَ النَّاسِ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَمُعْدَمَا وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بُشِّرَ بِمَوْلُودَةٍ فَقِيلَ لَهُ: نِعْمَ الْمَوْلُودُ مَوْلُودَتُكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هِيَ بِنِعْمَ الْمَوْلُودَةِ وَالْبَصْرِيُّونَ يُجِيبُونَ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحِكَايَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أَنَّ «نِعْمَ وَبِئْسَ» أَصْلَانِ لِلصَّلَاحِ وَالرَّدَاءَةِ وَيَكُونُ فَاعِلُهُمَا اسْمًا يَسْتَغْرِقُ الْجِنْسَ إِمَّا مُظْهَرًا وَإِمَّا مُضْمَرًا، وَالْمُظْهَرُ عَلَى وَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: نَحْوَ قَوْلِكَ، نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ لَا تُرِيدُ رَجُلًا دُونَ الرَّجُلِ وَإِنَّمَا تَقْصِدُ الرَّجُلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَالثَّانِي: نَحْوَ قَوْلِكَ نِعْمَ غُلَامُ الرَّجُلِ زَيْدٌ، أَمَّا قَوْلُهُ: فَنِعْمَ صَاحِبُ قَوْمٍ لَا سِلَاحَ لَهُمْ ... وَصَاحِبُ الرَّكْبِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَا فَنَادِرٌ وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّ قَوْلَهُ: «وَصَاحِبُ الرَّكْبِ» قَدْ يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ إِذِ الْمُرَادُ وَاحِدٌ فَإِذَا أَتَى فِي الرَّكْبِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَكَأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِ فِي الْقَوْمِ، وَأَمَّا الْمُضْمَرُ فَكَقَوْلِكَ: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، الْأَصْلُ: نِعْمَ الرَّجُلُ رَجُلًا زَيْدٌ ثُمَّ تُرِكَ ذِكْرُ الْأَوَّلِ لِأَنَّ النَّكِرَةَ الْمَنْصُوبَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ/ وَرَجُلًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، مِثْلُهُ فِي قَوْلِكَ: عِشْرُونَ رَجُلًا وَالْمُمَيَّزُ لَا يَكُونُ إِلَّا نَكِرَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ عِشْرُونَ الدِّرْهَمَ وَلَوْ أَدْخَلُوا الْأَلِفَ وَاللَّامَ عَلَى هَذَا فَقَالُوا: نِعْمَ الرَّجُلَ بِالنَّصْبِ لَكَانَ نَقْضًا لِلْغَرَضِ، إِذْ لَوْ كَانُوا يُرِيدُونَ الْإِتْيَانَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ لَرَفَعُوا وَقَالُوا نِعْمَ الرَّجُلُ وَكَفَوْا أَنْفُسَهُمْ مُؤْنَةَ الْإِضْمَارِ وَإِنَّمَا أَضْمَرُوا الْفَاعِلَ قَصْدًا لِلِاخْتِصَارِ، إِذْ كَانَ «نِعْمَ رَجُلًا» يَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِ الَّذِي فُضِّلَ عَلَيْهِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا قُلْتَ نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا كَأَنَّهُ قِيلَ: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ، أَخَّرْتَ زَيْدًا وَالنِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ، كَمَا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِهِ الْمِسْكِيُنُ تُرِيدُ الْمِسْكِينُ مَرَرْتُ بِهِ، فَأَمَّا الرَّاجِعُ إِلَى الْمُبْتَدَأِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَمَّا كَانَ شَائِعًا يَنْتَظِمُ فِيهِ الْجِنْسُ كَانَ زَيْدٌ دَاخِلًا تَحْتَهُ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الذِّكْرِ الَّذِي يَعُودُ إِلَيْهِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ زَيْدٌ فِي قَوْلِكَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ: نِعْمَ الرَّجُلُ،
قِيلَ: مَنْ هَذَا الَّذِي أُثْنِيَ عَلَيْهِ؟ فَقِيلَ: زَيْدٌ أَيْ هُوَ زَيْدٌ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ وَالذَّمِّ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ جِنْسِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ نِعْمَ وَبِئْسَ كَزَيْدٍ مِنَ الرِّجَالِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْمُضَافُ إِلَى الْقَوْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [الْأَعْرَافِ: 177] مَحْذُوفًا وَتَقْدِيرُهُ سَاءَ مَثَلًا مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، وَإِذْ قَدْ لَخَّصْنَا هَذِهِ الْمَسَائِلَ فَلْنَرْجِعْ إِلَى التَّفْسِيرِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: «مَا» نَكِرَةٌ مَنْصُوبَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفَاعِلِ بِئْسَ بِمَعْنَى بِئْسَ الشَّيْءُ شَيْئًا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ «أَنْ يكفروا» . المسألة الثانية: في الشراء هاهنا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِمَعْنَى الْبَيْعِ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا مَكَّنَ الْمُكَلَّفَ مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي يُفْضِي بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْكُفْرِ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ إِلَى النَّارِ صَارَ اخْتِيَارُهُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِيَارِ تَمَلُّكِ سِلْعَةٍ عَلَى سِلْعَةٍ فَإِذَا اخْتَارَ الْإِيمَانَ الَّذِي فِيهِ فَوْزُهُ وَنَجَاتُهُ. قِيلَ: نِعْمَ مَا اشْتَرَى، وَلَمَّا كَانَ الْغَرَضُ بالبيع والشراء هو إبدال ملك بملك صَلُحَ أَنْ يُوصَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنَّهُ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ لِوُقُوعِ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَصَحَّ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ لِأَنَّ الَّذِي حَصَّلُوهُ عَلَى مَنَافِعِ أَنْفُسِهِمْ لَمَّا كَانَ هُوَ الْكُفْرُ صَارُوا بَائِعِينَ أَنْفُسَهُمْ بِذَلِكَ، الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا كَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ يَأْتِي بِأَعْمَالٍ يَظُنُّ أَنَّهَا تُخَلِّصُهُ مِنَ الْعِقَابِ فَكَأَنَّهُ قَدِ اشْتَرَى نَفْسَهُ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ، فَهَؤُلَاءِ الْيَهُودُ لَمَّا اعْتَقَدُوا فِيمَا أَتَوْا بِهِ أَنَّهَا تُخَلِّصُهُمْ مِنَ الْعِقَابِ، وَتُوَصِّلُهُمْ إِلَى الثَّوَابِ فَقَدْ ظَنُّوا أَنَّهُمُ اشْتَرَوْا أَنْفُسَهُمْ بِهَا، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْرَبُ إِلَى الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ مِنَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ تَفْسِيرَ مَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ بِقَوْلِهِ/ تَعَالَى: أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا شُبْهَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كُفْرُهُمْ بِالْقُرْآنِ لِأَنَّ الْخِطَابَ فِي الْيَهُودِ وَكَانُوا مُؤْمِنِينَ بِغَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ الْوَجْهَ الَّذِي لِأَجْلِهِ اخْتَارُوا هَذَا الْكُفْرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَقَالَ: بَغْياً وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى غَرَضِهِمْ بِالْكُفْرِ كَمَا يُقَالُ يُعَادِي فُلَانٌ فَلَانًا حَسَدًا تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلَى غَرَضِهِ وَلَوْلَا هَذَا الْقَوْلُ لَجَوَّزْنَا أَنْ يَكْفُرُوا جَهْلًا لَا بَغْيًا. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَسَدَ حَرَامٌ. وَلَمَّا كَانَ الْبَغْيُ قَدْ يَكُونُ لِوُجُوهٍ شَتَّى بَيَّنَ تَعَالَى غَرَضَهُمْ مِنْ هَذَا الْبَغْيِ بِقَوْلِهِ: أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْقِصَّةُ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِمَا حَكَيْنَاهُ مِنْ أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ هَذَا الْفَضْلَ الْعَظِيمَ بِالنُّبُوَّةِ الْمُنْتَظَرَةِ يَحْصُلُ فِي قَوْمِهِمْ فَلَمَّا وَجَدُوهُ فِي الْعَرَبِ حَمَلَهُمْ ذَلِكَ على البغي والحسد. أما قوله تعالى: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي تَفْسِيرِ الْغَضَبَيْنِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ سَبَبَيْنِ لِلْغَضَبَيْنِ. أَحَدُهُمَا: مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ تَكْذِيبُهُمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا أنزل عليه والآخر تكذيبهم محمد عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَصَارَ ذَلِكَ دُخُولًا فِي غَضَبٍ بَعْدَ غَضَبٍ وَسَخَطٍ بَعْدَ سَخَطٍ مِنْ قِبَلِهِ تَعَالَى لِأَجْلِ أَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي سَبَبٍ بَعْدَ سَبَبٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةَ، الثَّانِي: لَيْسَ الْمُرَادُ إِثْبَاتَ غَضَبَيْنِ فَقَطْ بَلِ الْمُرَادُ إثبات
[سورة البقرة (2) : آية 91]
أَنْوَاعٍ مِنَ الْغَضَبِ مُتَرَادِفَةٍ لِأَجْلِ أُمُورٍ مُتَرَادِفَةٍ صَدَرَتْ عَنْهُمْ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التَّوْبَةِ: 30] . يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [الْمَائِدَةِ: 64] . إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [آلِ عِمْرَانَ: 181] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ كُفْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَأْكِيدُ الْغَضَبِ وَتَكْثِيرُهُ لِأَجْلِ أَنَّ هَذَا الْكُفْرَ وَإِنْ كان واحداً إلا أنه عظم، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ. الرَّابِعُ: الْأَوَّلُ بِعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ وَالثَّانِي بِكِتْمَانِهِمْ صِفَةَ مُحَمَّدٍ وَجَحْدِهِمْ نُبُوَّتَهُ عَنِ السُّدِّيِّ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْغَضَبُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّغَيُّرِ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ فِي مِزَاجِهِ عِنْدَ غَلَيَانِ دَمِ قَلْبِهِ بِسَبَبِ مُشَاهَدَةِ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ وَذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إِرَادَتِهِ لِمَنْ عَصَاهُ الْإِضْرَارَ مِنْ جِهَةِ اللَّعْنِ وَالْأَمْرَ بِذَلِكَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَصِحُّ وَصْفُهُ تَعَالَى بِالْغَضَبِ وَأَنَّ غَضَبَهُ يَتَزَايَدُ ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته من الْعَذَابِ فَلَا يَكُونُ غَضَبُهُ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِخَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ كَغَضَبِهِ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِخِصَالٍ كَثِيرَةٍ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ الْأُولَى يَدْخُلُ فِيهَا أُولَئِكَ الْكُفَّارُ وَغَيْرُهُمْ وَالْعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا إِلَّا هُمْ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْعَذَابُ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَكُونُ مُهِينًا لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَهَانَ غَيْرَهُ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِيمَا يَعْقِلُ، فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُهِينُ لِلْمُعَذَّبِينَ بِالْعَذَابِ الْكَثِيرِ إِلَّا أَنَّ الْإِهَانَةَ لَمَّا/ حَصَلَتْ مَعَ الْعَذَابِ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ وَصْفِهِ، فَإِنْ قِيلَ: الْعَذَابُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْإِهَانَةِ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي هَذَا الْوَصْفِ؟ قُلْنَا: كَوْنُ الْعَذَابِ مَقْرُونًا بِالْإِهَانَةِ أَمْرٌ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الدَّلِيلِ، فَاللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ ذَلِكَ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلَيْهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا عَذَابَ إِلَّا لِلْكَافِرِينَ، ثُمَّ بَعْدَ تَقْرِيرِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: الْخَوَارِجُ قَالُوا: ثَبَتَ بِسَائِرِ الْآيَاتِ أَنَّ الْفَاسِقَ يُعَذَّبُ، وَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ إِلَّا الْكَافِرُ فَيَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ الْفَاسِقُ كَافِرٌ. وَثَانِيهَا: الْمُرْجِئَةُ قَالُوا: ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ إِلَّا الْكَافِرُ وَثَبَتَ أَنَّ الْفَاسِقَ لَيْسَ بِكَافِرٍ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ وَفَسَادُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَا يَخْفَى «1» . [سورة البقرة (2) : آية 91] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ أَيْضًا مِنْ قَبَائِحِ أَفْعَالِهِمْ: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ يَعْنِي به اليهود: آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أَيْ بِكُلِّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَالْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي تُفِيدُ الْعُمُومَ، قَالُوا: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَلَمَّا آمَنُوا بِالْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ ذَمَّهُمْ عَلَى ذلك ولولا أن لفظة «ما» تفيد
الْعُمُومَ لَمَا حَسُنَ هَذَا الذَّمُّ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِذَلِكَ: قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يَعْنِي بِالتَّوْرَاةِ وَكُتُبِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أَتَوْا بِتَقْرِيرِ شَرْعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْإِنْجِيلُ والقرآن. وأورده هَذِهِ الْحِكَايَةَ عَنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الذَّمِّ لَهُمْ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا وَلَهُمْ طَرِيقٌ إِلَى أَنْ يَعْرِفُوا كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ وَإِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِبَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دُونَ الْبَعْضِ تَنَاقُضٌ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ فَهُوَ كَالْإِشَارَةِ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِيمَانِ/ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ الْحَقُّ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَتْ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمعجزات التي ظهرت عليه، إنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ أَمَرَ الْمُكَلَّفِينَ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَكَانَ الْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبًا لَا مَحَالَةَ، وَعِنْدَ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَعْضِ الْكُتُبِ مَعَ الْكُفْرِ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَعْضِ الْكُتُبِ مُحَالٌ. الثَّانِي: مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا وَلَا اسْتَفَادَ مِنْ أُسْتَاذٍ، فَلَمَّا أَتَى بِالْحِكَايَاتِ وَالْقِصَصِ مُوَافِقَةً لِمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ أَصْلًا عَلِمْنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّمَا اسْتَفَادَهَا مِنَ الْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ. الثَّانِي: أَنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِلتَّوْرَاةِ وَجَبَ اشْتِمَالُ التَّوْرَاةِ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ نُبُوَّتِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ مُصَدِّقًا لِلتَّوْرَاةِ بَلْ مُكَذِّبًا لَهَا وَإِذَا كَانَتِ التَّوْرَاةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُمْ قَدِ اعْتَرَفُوا بِوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِالتَّوْرَاةِ لَزِمَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ وَبِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيَّنَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ دَعْوَاهُمْ كَوْنَهُمْ مُؤْمِنِينَ بِالتَّوْرَاةِ مُتَنَاقِضَةٌ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّوْرَاةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلَى الصِّدْقِ وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ صَادِقًا فِي ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ قَتْلَهُ كُفْرٌ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ السَّعْيُ فِي قَتْلِ يَحْيَى وَزَكَرِيَّا وَعِيسَى عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كُفْرًا فَلِمَ سَعَيْتُمْ فِي ذَلِكَ إِنْ صَدَقْتُمْ فِي ادِّعَائِكُمْ كَوْنَكُمْ مُؤْمِنِينَ بِالتَّوْرَاةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُجَادَلَةَ فِي الدِّينِ مِنْ حِرَفِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَنَّ إِيرَادَ الْمُنَاقَضَةِ عَلَى الْخَصْمِ جَائِزٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: فَلِمَ تَقْتُلُونَ وَإِنْ كَانَ خِطَابَ مُشَافَهَةٍ لَكِنَّ الْمُرَادَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ سَلَفِهِمْ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَا كَانُوا مَوْجُودِينَ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ مَا أَقْدَمُوا عَلَى ذَلِكَ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ مِنْ قَبْلُ. فَأَمَّا الْمُرَادُ بِهِ الْمَاضِي فَظَاهِرٌ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ دَالَّةٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: آمِنُوا خِطَابٌ لهؤلاء الموجودين: وفَلِمَ تَقْتُلُونَ حِكَايَةُ فِعْلِ أَسْلَافِهِمْ فَكَيْفَ وُجِّهَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؟ قُلْنَا مَعْنَاهُ: أَنَّكُمْ بِهَذَا التَّكْذِيبِ خَرَجْتُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَا آمَنْتُمْ كَمَا خَرَجَ أَسْلَافُكُمْ بِقَتْلِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْبَاقِينَ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: يُقَالُ كَيْفَ جَازَ قَوْلُهُ: لِمَ تَقْتُلُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَنَا أَضْرِبُكَ أَمْسُ؟ وَالْجَوَابُ فِيهِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِيمَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الصِّفَةِ اللَّازِمَةِ كَقَوْلِكَ لِمَنْ تَعْرِفُهُ بِمَا سَلَفَ مِنْ قُبْحِ فعله:
[سورة البقرة (2) : آية 92]
وَيْحَكَ لِمَ تَكْذِبُ؟ كَأَنَّكَ قُلْتَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ شَأْنِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [الْبَقَرَةِ: 102] وَلَمْ يُقِلْ مَا تَلَتْ لِأَنَّهُ أَرَادَ مِنْ شَأْنِهَا التِّلَاوَةَ. وَالثَّانِي: كَأَنَّهُ قَالَ: لِمَ تَرْضَوْنَ بِقَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كنتم آمنتم بالتوراة والله أعلم. [سورة البقرة (2) : آية 92] وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (92) اعْلَمْ أَنَّ تَكْرِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ يُغْنِي عَنْ تَفْسِيرِهَا وَالسَّبَبُ فِي تَكْرِيرِهَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا حَكَى طَرِيقَةَ الْيَهُودِ فِي زَمَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَصَفَهُمْ بِالْعِنَادِ وَالتَّكْذِيبِ وَمَثَّلَهُمْ بِسَلَفِهِمْ فِي قَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِي يُنَاسِبُ التَّكْذِيبَ لَهُمْ بَلْ يَزِيدُ عَلَيْهِ، أَعَادَ ذِكْرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَأَنَّهُمْ مَعَ وُضُوحِ ذَلِكَ أَجَازُوا أَنْ يَتَّخِذُوا الْعِجْلَ إِلَهًا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ صَابِرٌ ثَابِتٌ عَلَى الدُّعَاءِ إِلَى رَبِّهِ وَالتَّمَسُّكِ بِدِينِهِ وَشَرْعِهِ فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي حَالِي مَعَكُمْ وَإِنْ بَالَغْتُمْ فِي التَّكْذِيبِ وَالْإِنْكَارِ. [سورة البقرة (2) : آية 93] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) اعْلَمْ أَنَّ فِي الْإِعَادَةِ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّكْرَارَ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ لِلتَّأْكِيدِ وَإِيجَابِ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَصْمِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ إِنَّمَا ذكر ذلك مع زيادة وهي قولهم: سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى نِهَايَةِ لَجَاجِهِمْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّ إِظْلَالَ الْجَبَلِ لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُخَوِّفَاتِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَصَرَّحُوا بِقَوْلِهِمْ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّخْوِيفَ وَإِنْ عَظُمَ لَا يُوجِبُ الِانْقِيَادَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْأَكْثَرُونَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ، قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى سَمِعُوهُ فَتَلَقَّوْهُ بِالْعِصْيَانِ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [الْبَقَرَةِ: 177] وَكَقَوْلِهِ: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فُصِّلَتْ: 11] وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ صَرْفَ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِغَيْرِ الدَّلِيلِ لَا يَجُوزُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّ الْعِجْلِ، وَفِي وَجْهِ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ وَجْهَانِ، الْأَوَّلُ: مَعْنَاهُ تَدَاخَلَهُمْ حُبُّهُ وَالْحِرْصُ عَلَى عِبَادَتِهِ كَمَا يَتَدَاخَلُ الصَّبْغُ الثَّوْبَ، وَقَوْلُهُ: فِي قُلُوبِهِمُ بَيَانٌ/ لمكان الإشراف كَقَوْلِهِ: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النِّسَاءِ: 10] . الثَّانِي: كَمَا أَنَّ الشُّرْبَ مَادَّةٌ لِحَيَاةِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ فَكَذَا تِلْكَ الْمَحَبَّةُ كَانَتْ مَادَّةً لِجَمِيعِ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنَ الْأَفْعَالِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: وَأُشْرِبُوا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاعِلًا غَيْرَهُمْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِوَى اللَّهِ، أَجَابَتِ الْمُعْتَزِلَةُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: مَا أَرَادَ اللَّهُ أَنَّ غَيْرَهُمْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهُمْ لِفَرْطِ وُلُوعِهِمْ
[سورة البقرة (2) : الآيات 94 إلى 95]
وَإِلْفِهِمْ بِعِبَادَتِهِ أَشْرَبُوا قُلُوبَهُمْ حُبَّهُ فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ: مُعْجَبٌ بِنَفْسِهِ، الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَشْرَبَ أَيْ زَيَّنَهُ عِنْدَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ كَالسَّامِرِيِّ وَإِبْلِيسَ وَشَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. أَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنِ الوجهين بأن كلا الوجهين صرف اللفظ عَنْ ظَاهِرِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ إِلَّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَلَمَّا أَقَمْنَا الدَّلَائِلَ الْعَقْلِيَّةَ الْقَطْعِيَّةَ عَلَى أَنَّ مُحْدِثَ كُلِّ الْأَشْيَاءِ هُوَ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ بِنَا حَاجَةٌ إِلَى تَرْكِ هَذَا الظَّاهِرِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: بِكُفْرِهِمْ فَالْمُرَادُ بِاعْتِقَادِهِمُ التَّشْبِيهَ عَلَى اللَّهِ وَتَجْوِيزِهِمُ الْعِبَادَةَ لِغَيْرِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. أَمَّا قَوْلُهُ: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْمُرَادُ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ بِالتَّوْرَاةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ عِبَادَةُ الْعِجْلِ وَإِضَافَةُ الْأَمْرِ إِلَى إِيمَانِهِمْ تَهَكُّمٌ كَمَا قَالَ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ [هُودٍ: 87] وَكَذَلِكَ إِضَافَةُ الْإِيمَانِ إِلَيْهِمْ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِيمَانُ عَرَضٌ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَكِنَّ الدَّاعِيَ إِلَى الْفِعْلِ قَدْ يُشَبَّهُ بِالْآمِرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [الْعَنْكَبُوتِ: 45] . أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَالْمُرَادُ التَّشْكِيكُ فِي إِيمَانِهِمْ والقدح في صحة دعواهم. [سورة البقرة (2) : الآيات 94 الى 95] قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ قَبَائِحِهِمْ وَهُوَ ادِّعَاؤُهُمْ أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون النَّاسِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْخَصْمِ إِنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا فَافْعَلْ كَذَا إِلَّا وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُهُ لِيَصِحَّ إِلْزَامُ الثَّانِي عَلَيْهِ «1» . وَثَانِيهَا: مَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [الْبَقَرَةِ: 111] وَفِي قَوْلِهِ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ/ وَأَحِبَّاؤُهُ [الْمَائِدَةِ: 18] وَفِي قَوْلِهِ: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [الْبَقَرَةِ: 80] . وَثَالِثُهَا: اعْتِقَادُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ هُمُ الْمُحِقُّونَ لِأَنَّ النَّسْخَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي شَرْعِهِمْ، وَأَنَّ سَائِرَ الْفِرَقِ مُبْطِلُونَ، وَرَابِعُهَا: اعْتِقَادُهُمْ أَنَّ انْتِسَابَهُمْ إِلَى أَكَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَعْنِي يَعْقُوبَ وَإِسْحَاقَ وَإِبْرَاهِيمَ يُخَلِّصُهُمْ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُوَصِّلُهُمْ إِلَى ثَوَابِهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَظَّمُوا شَأْنَ أَنْفُسِهِمْ فَكَانُوا يَفْتَخِرُونَ عَلَى الْعَرَبِ وَرُبَّمَا جَعَلُوهُ كَالْحُجَّةِ فِي أَنَّ النَّبِيَّ الْمُنْتَظَرَ الْمُبَشَّرَ بِهِ فِي التَّوْرَاةِ مِنْهُمْ لَا مِنَ الْعَرَبِ وَكَانُوا يَصْرِفُونَ النَّاسَ بِسَبَبِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَنِ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ احْتَجَّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وَبَيَانُ هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ نِعَمَ الدُّنْيَا قَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ بِالْقِيَاسِ إِلَى نِعَمِ الْآخِرَةِ، ثُمَّ إِنَّ نِعَمَ الدُّنْيَا عَلَى قِلَّتِهَا كَانَتْ مُنَغَّصَةً عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُنَازَعَتِهِ مَعَهُمْ بِالْجِدَالِ وَالْقِتَالِ، وَمَنْ كَانَ فِي النِّعَمِ الْقَلِيلَةِ الْمُنَغَّصَةِ، ثُمَّ إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى تِلْكَ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ رَاغِبًا فِي الْمَوْتِ لِأَنَّ تِلْكَ النِّعَمَ الْعَظِيمَةَ مَطْلُوبَةٌ وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْمَوْتِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْإِنْسَانُ راضياً بالموت متمنياً
لَهُ، فَثَبَتَ أَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَوْ كَانَتْ لَهُمْ خَالِصَةً لَوَجَبَ أَنْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ مَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ بَلْ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ قَطْعًا بُطْلَانُ ادِّعَائِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ الدَّارَ الآخرة خالصة لهم من دون الناس. [هاهنا سؤالات] [السؤال الأول] فَإِنْ قِيلَ «1» لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ لَهُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ خَالِصَةً لَوَجَبَ أَنْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، قَوْلُهُ لَأَنَّ نَعِيمَ الْآخِرَةِ مَطْلُوبٌ وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْمَوْتِ وَالَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ، لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا. قُلْنَا: قُلْنَا الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا نَظَرًا إِلَى كَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ إِلَّا أَنَّهُ يَكُونُ مَكْرُوهًا نَظَرًا إِلَى ذَاتِهِ وَالْمَوْتُ مِمَّا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْآلَامِ الْعَظِيمَةِ وَمَا كَانُوا يُطِيقُونَهَا فَلَا جَرَمَ مَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ. السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْلِبُوا هَذَا السُّؤَالَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُوا: إِنَّكَ تَدَّعِي أَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ خَالِصَةٌ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ دُونَ مَنْ يُنَازِعُكَ فِي الْأَمْرِ فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَارْضَ بِأَنْ نَقْتُلَكَ وَنَقْتُلَ أُمَّتَكَ، فَإِنَّا نَرَاكَ وَنَرَى أُمَّتَكَ فِي الضُّرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَلَاءِ الْعَظِيمِ بِسَبَبِ الْجِدَالِ وَالْقِتَالِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّكُمْ تَتَخَلَّصُونَ إِلَى نَعِيمِ الْجَنَّةِ فَوَجَبَ أَنْ تَرْضَوْا بِقَتْلِكُمْ! السُّؤَالُ الثَّالِثُ: لَعَلَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ الدَّارُ الْآخِرَةُ خَالِصَةٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِهِمْ لَكِنْ بِشَرْطِ الِاحْتِرَازِ عَنِ الْكَبَائِرِ، فَأَمَّا صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ فَإِنَّهُ يَبْقَى مُخَلَّدًا فِي النَّارِ أَبَدًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا وَعِيدِيَّةً أَوْ لِأَنَّهُمْ جَوَّزُوا فِي صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ أَنَّ يَصِيرَ مُعَذَّبًا فَلِأَجْلِ هَذَا مَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفَعَ هَذَا السُّؤَالَ بِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ أَنَّهُ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْقِيَامَةِ/ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَيَّامُ وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً بِحَسَبِ الْعَدَدِ لَكِنَّهَا طَوِيلَةً بِحَسَبِ الْمُدَّةِ فَلَا جَرَمَ مَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ بِسَبَبِ هَذَا الْخَوْفِ. السُّؤَالُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ فَقَالَ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ وَلَكِنْ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي إِنْ كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِنْ كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» وَأَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها [الشُّورَى: 18] فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى عَنِ الِاسْتِعْجَالِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَتَحَدَّى الْقَوْمَ بِذَلِكَ. السُّؤَالُ الْخَامِسُ: أَنَّ لَفْظَ التَّمَنِّي مُشْتَرِكٌ بَيْنَ التَّمَنِّي الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالْقَلْبِ وَبَيْنَ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى وَهُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَيْتَنِي مِتُّ، لِلْيَهُودِ أَنْ يَقُولُوا إِنَّكَ طَلَبْتَ مِنَّا التَّمَنِّي وَالتَّمَنِّي لَفْظٌ مُشْتَرِكٌ، فَإِنْ ذَكَرْنَاهُ بِاللِّسَانِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: مَا أَرَدْتُ بِهِ هَذَا اللَّفْظَ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ بِهِ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْقَلْبِ وَإِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالْقَلْبِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: كَذَبْتُمْ مَا أَتَيْتُمْ بِذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَلَمَّا عَلِمَ الْيَهُودُ أَنَّهُ أَتَى بِلَفْظَةٍ مُشْتَرَكَةٍ لَا يُمْكِنُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا لَا جَرَمَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ. السُّؤَالُ السَّادِسُ: هَبْ أَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَوْ كَانَتْ لَهُمْ لَوَجَبَ أَنْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُمْ مَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ وَالِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ضَعِيفٌ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ ثَبَتَ كَوْنُ الْقُرْآنِ حَقًّا، وَالنِّزَاعُ لَيْسَ إِلَّا فِيهِ. الجواب: قوله أولًاكون الْمَوْتِ مُتَضَمِّنًا لِلْأَلَمِ يَكُونُ كَالصَّارِفِ عَنْ تَمَنِّيهِ، قلنا كما
أَنَّ الْأَلَمَ الْحَاصِلَ عِنْدَ الْحِجَامَةِ لَا يَصْرِفُ عَنِ الْحِجَامَةِ لِلْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْحَاصِلَةَ بِسَبَبِ الْحِجَامَةِ عَظِيمَةٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ هاهنا كَذَلِكَ. قَوْلُهُ ثَانِيًا: إِنَّهُمْ لَوْ قَلَبُوا الْكَلَامَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَزِمَهُ أَنْ يَرْضَى بِالْقَتْلِ، قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبَيْنَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ يَقُولُ إِنِّي بُعِثْتُ لِتَبْلِيغِ الشَّرَائِعِ إِلَى أَهْلِ التَّوَاتُرِ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ فَلِأَجْلِ هَذَا لَا أَرْضَى بِالْقَتْلِ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ كَذَلِكَ فَظَهَرَ الْفَرْقُ، قَوْلُهُ ثَالِثًا: كَانُوا خَائِفِينَ مِنْ عِقَابِ الْكَبَائِرِ، قُلْنَا: الْقَوْمُ ادَّعَوْا كَوْنَ الْآخِرَةِ خَالِصَةً لَهُمْ وَذَلِكَ يُؤَمِّنُهُمْ مِنَ امْتِزَاجِ ثَوَابِهَا بِالْعِقَابِ قَوْلُهُ رَابِعًا: نُهِيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ قُلْنَا هَذَا النَّهْيُ طَرِيقَةُ الشَّرْعِ فَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ الْحَالُ فِيهِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ فِي غِلَالَةٍ فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا هَذَا بِزِيِّ الْمُحَارِبِينَ فَقَالَ يَا بُنَيَّ لَا يُبَالِي أَبُوكَ أَعَلَى الْمَوْتِ سَقَطَ أَمْ عَلَيْهِ يَسْقُطُ الْمَوْتُ، وَقَالَ عَمَّارٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِصِفِّينَ: الْآنَ أُلَاقِي الْأَحِبَّهْ «1» ... مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ وَقَدْ ظَهَرَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ تَمَنِّي الْمَوْتِ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِسَبَبٍ مَخْصُوصٍ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَرَّمَ أَنْ يَتَمَنَّى الْإِنْسَانُ الْمَوْتَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْجَزَعِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الرِّضَاءِ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ، فَأَيْنَ هَذَا مِنَ التَّمَنِّي الَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ. قَوْلُهُ خَامِسًا: إِنَّهُمْ مَا عَرَفُوا أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ التَّمَنِّي بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْقَلْبِ، قُلْنَا: التَّمَنِّي فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا/ مَا يَظْهَرُ [مِنْهُ] كَمَا أَنَّ الْخَبَرَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مَا يَظْهَرُ بِالْقَوْلِ وَالَّذِي فِي الْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ، وَأَيْضًا فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمْ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ وَيُرِيدُ بِذَلِكَ مَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْغَرَضَ بِذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِظُهُورِهِ، قَوْلُهُ سَادِسًا: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَا وُجِدَ التَّمَنِّي، قُلْنَا مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا لِأَنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ فَإِنَّ بِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ يَثْبُتُ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِتَقْدِيرِ حُصُولِ هَذَا التَّمَنِّي يَبْطُلُ الْقَوْلُ بِنُبُوَّتِهِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مِنَ الْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُنْقَلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، وَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي الرَّأْيِ وَالْحَزْمِ وَحُسْنِ النَّظَرِ فِي الْعَاقِبَةِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْمَنْصِبِ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ وَالْوُصُولِ إِلَى الرِّيَاسَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي انْقَادَ لَهَا الْمُخَالِفُ قَهْرًا وَالْمُوَافِقُ طَوْعًا لَا يَجُوزُ وَهُوَ غَيْرُ وَاثِقٍ مِنْ جِهَةِ رَبِّهِ بِالْوَحْيِ النَّازِلِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَدَّاهُمْ بِأَمْرٍ لَا يَأْمَنُ عَاقِبَةَ الْحَالِ فِيهِ وَلَا يَأْمَنُ مِنْ خَصْمِهِ أَنْ يَقْهَرَهُ بِالدَّلِيلِ وَالْحُجَّةِ لِأَنَّ الْعَاقِلَ الَّذِي لَمْ يُجَرِّبِ الْأُمُورَ لَا يَكَادُ يَرْضَى بِذَلِكَ فَكَيْفَ الْحَالُ فِي أَعْقَلِ الْعُقَلَاءِ فَيَثْبُتُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا أَقْدَمَ عَلَى تَحْرِيرِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ إِلَّا وَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَمَنَّوْنَهُ. وَثَالِثُهَا: مَا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «لَوْ أَنَّ الْيَهُودَ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَمَاتُوا وَرَأَوْا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ لَرَجَعُوا لَا يَجِدُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا» ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَشَرِقُوا بِهِ وَلَمَاتُوا، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي أَنَّهُمْ مَا تَمَنَّوْا بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ فَحَصَلَتِ الْحُجَّةُ، فَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ، وَلْنَرْجِعْ إِلَى التَّفْسِيرِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ فَالْمُرَادُ الْجَنَّةُ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ دَارِ الْآخِرَةِ دُونَ النَّارِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ لهم الجنة.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: عِنْدَ اللَّهِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَكَانَ بَلِ الْمَنْزِلَةُ وَلَا بُعْدَ أَيْضًا فِي حَمْلِهِ عَلَى الْمَكَانِ فَلَعَلَّ الْيَهُودَ كَانُوا مُشَبِّهَةً فَاعْتَقَدُوا الْعِنْدِيَّةَ الْمَكَانِيَّةَ فَأَبْطَلَ اللَّهُ كُلَّ ذَلِكَ بِالدَّلَالَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: خالِصَةً فَنُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الدَّارِ الْآخِرَةِ، أَيْ سَالِمَةً لَكُمْ خَاصَّةً بِكُمْ لَيْسَ لِأَحَدٍ سِوَاكُمْ فِيهَا حَقٌّ، يَعْنِي إِنْ صَحَّ قَوْلُكُمْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى وَ (النَّاسِ) لِلْجِنْسِ، وَقِيلَ: لِلْعَهْدِ وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَالْجِنْسُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ إِلَّا مَنْ كَانَ هوداً أو نصارى ولأنه لم يوجد هاهنا مَعْهُودٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: مِنْ دُونِ النَّاسِ فَالْمُرَادُ بِهِ سِوَى لَا مَعْنَى الْمَكَانِ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ وُهِبَ مِنْهُ مُلْكًا: هَذَا لَكَ مِنْ دُونِ النَّاسِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذَا أَمْرٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ مَفْقُودٍ وَهُوَ كَوْنُهُمْ صَادِقِينَ فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ مَوْجُودًا وَالْغَرَضُ مِنْهُ التَّحَدِّي وَإِظْهَارُ كَذِبِهِمْ فِي دَعْوَاهُمْ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي هَذَا التَّمَنِّي قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّهُمْ يَتَحَدَّوْا بِأَنْ يَدْعُوَ/ الْفَرِيقَانِ بِالْمَوْتِ عَلَى أَيِّ فَرِيقٍ كَانَ أَكْذَبَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولُوا لَيْتَنَا نَمُوتُ وَهَذَا الثَّانِي أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى مُوَافَقَةِ اللَّفْظِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ فَخَبَرٌ قَاطِعٌ عَنْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْغَيْبِ لِأَنَّ مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُهُولَةِ الْإِتْيَانِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، أَخْبَرَ بِأَنَّهُمْ لَا يَأْتُونَ بِذَلِكَ فَهَذَا إِخْبَارٌ جَازِمٌ عَنْ أَمْرٍ قَامَتِ الْأَمَارَاتُ عَلَى ضِدِّهِ فَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْوَحْيِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَبَداً فَهُوَ غَيْبٌ آخَرُ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجَدُ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ الْآتِيَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ عَدَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُمُومِ الْأَوْقَاتِ فَهُمَا غَيَبَانِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَبَيَانٌ لِلْعِلَّةِ الَّتِي لَهَا لَا يَتَمَنَّوْنَ [الْمَوْتَ] لِأَنَّهُمْ إِذَا عَلِمُوا سُوءَ طَرِيقَتِهِمْ وَكَثْرَةَ ذُنُوبِهِمْ دَعَاهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ لَا يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ فَهُوَ كَالزَّجْرِ وَالتَّهْدِيدِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالسِّرِّ وَالنَّجْوَى وَلَمْ يُمْكِنْ إِخْفَاءُ شَيْءٍ عَنْهُ صَارَ تَصَوُّرُ الْمُكَلَّفِ لِذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الصَّوَارِفِ عَنِ الْمَعَاصِي، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الظَّالِمِينَ لِأَنَّ كُلَّ كَافِرٍ ظَالِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ ظَالِمٍ كَافِرًا فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ أَعَمَّ كَانَ أَوْلَى بِالذِّكْرِ فَإِنْ قِيلَ: إنه تعالى قال هاهنا: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً وَقَالَ فِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ: وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً فلم ذكر هاهنا (لَنْ) وَفِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ «لَا» قُلْنَا: إِنَّهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، ادَّعَوْا أَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ خَالِصَةٌ لَهُمْ مَنْ دُونِ النَّاسِ وَادَّعَوْا فِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَبْطَلَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وَالدَّعْوَى الْأُولَى أَعْظَمُ مِنَ الثَّانِيَةِ إِذِ السَّعَادَةُ الْقُصْوَى هِيَ الْحُصُولُ فِي دَارِ الثَّوَابِ، وَأَمَّا مَرْتَبَةُ الْوَلَايَةِ فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ شَرِيفَةً إِلَّا أَنَّهَا إِنَّمَا تُرَادُ لِيُتَوَسَّلَ بِهَا إِلَى الْجَنَّةِ فَلَمَّا كَانَتِ الدَّعْوَةُ الْأَوْلَى أَعْظَمَ لَا جَرَمَ بَيَّنَ تَعَالَى فَسَادَ قَوْلِهِمْ بِلَفْظِ: «لَنْ» لِأَنَّهُ أَقْوَى الْأَلْفَاظِ النَّافِيَةِ وَلَمَّا كَانَتِ الدَّعْوَى الثَّانِيَةُ لَيْسَتْ فِي غَايَةِ الْعَظَمَةِ لَا جَرَمَ اكْتَفَى فِي إِبْطَالِهَا بِلَفْظِ «لَا» لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نِهَايَةِ الْقُوَّةِ فِي إِفَادَةِ مَعْنَى النَّفْيِ وَاللَّهُ أعلم.
[سورة البقرة (2) : آية 96]
[سورة البقرة (2) : آية 96] وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96) [في هذه الآية مسألتان] [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى] اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُمْ لَا يَتَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ في غاية الحرص على الحياة لأن هاهنا قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ بِحَيْثُ لَا يَتَمَنَّى الْمَوْتَ وَلَا يَتَمَنَّى الْحَيَاةَ فَقَالَ: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ. / أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ فَهُوَ مِنْ وَجَدَ بِمَعْنَى عَلِمَ الْمُتَعَدِّي إِلَى الْمَفْعُولَيْنِ فِي قَوْلِهِ: وَجَدْتُ زَيْدًا ذَا حِفَاظٍ، وَمَفْعُولَاهُ «هُمْ» وَ «أَحْرَصَ» وَإِنَّمَا قَالَ: عَلى حَياةٍ بِالتَّنْكِيرِ لِأَنَّهُ حَيَاةٌ مَخْصُوصَةٌ وَهِيَ الْحَيَاةُ الْمُتَطَاوِلَةُ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ بِهَا أَوْقَعَ مِنْ قِرَاءَةِ أُبَيٍّ «عَلَى الْحَيَاةِ» أَمَّا الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا فَفِيهِ [ثلاثة أقول] : أَحَدُهَا: أَنَّهَا وَاوُ عَطْفٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْيَهُودَ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَأَحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا كَقَوْلِكَ: هُوَ أَسْخَى النَّاسِ وَمِنْ حَاتِمٍ. هَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَالْأَصَمِّ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَمْ يَدْخُلِ الَّذِينَ أَشْرَكُوا تَحْتَ النَّاسِ؟ قُلْنَا: بَلَى وَلَكِنَّهُمْ أُفْرِدُوا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ حِرْصَهُمْ شَدِيدٌ وَفِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لِأَنَّ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَا يُؤْمِنُونَ بِالْمَعَادِ وَمَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَحِرْصُهُمْ عَلَيْهَا لَا يُسْتَبْعَدُ لِأَنَّهَا جَنَّتُهُمْ فَإِذَا زَادَ عَلَيْهِمْ فِي الْحِرْصِ مَنْ لَهُ كِتَابٌ وَهُوَ مقر بالجزاء كان حقيقياً بِأَعْظَمِ التَّوْبِيخِ، فَإِنْ قِيلَ: وَلِمَ زَادَ حِرْصُهُمْ عَلَى حِرْصِ الْمُشْرِكِينَ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى النَّارِ لَا مَحَالَةَ وَالْمُشْرِكُونَ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْوَاوَ وَاوُ اسْتِئْنَافٍ وَقَدْ تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: «عَلَى حَيَاةٍ» [وَ] تَقْدِيرُهُ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أُنَاسٌ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ كَقَوْلِهِ: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصَّافَّاتِ: 164] . الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَتَقْدِيرُهُ. وَلَتَجِدَنَّهُمْ وَطَائِفَةً مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ، ثُمَّ فَسَّرَ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ بِقَوْلِهِ: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْقِصَّةُ فِي شَأْنِ الْيَهُودِ خَاصَّةً فَالْأَلْيَقُ بِالظَّاهِرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: وَلَتَجِدَنَّ الْيَهُودَ أَحْرَصَ عَلَى الْحَيَاةِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي إِبْطَالِ دَعْوَاهُمْ وَفِي إِظْهَارِ كَذِبِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ. إِنَّ الدار الآخرة لنا لِغَيْرِنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ قِيلَ الْمَجُوسُ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِمَلِكِهِمْ: عِشْ أَلْفَ نَيْرُوزَ وَأَلْفَ مِهْرَجَانٍ، وَعَنِ ابن عباس هو قول الأعاجم: زي هزار سال، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مُشْرِكُو الْعَرَبِ وَقِيلَ: كُلُّ مُشْرِكٍ لَا يُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ، لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ حِرْصَ هَؤُلَاءِ عَلَى الدُّنْيَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ ذِكْرِ أَلْفِ سَنَةٍ قَوْلَ الْأَعَاجِمِ عِشْ أَلْفَ سَنَةٍ، بَلِ الْمُرَادُ بِهِ التَّكْثِيرُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ بُعْدَهُمْ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ هَذَا الْبَقَاءَ وَيَحْرِصُونَ عَلَيْهِ هَذَا الْحِرْصَ الشَّدِيدَ، وَمَنْ هَذَا حَالُهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ تَمَنِّي الْمَوْتِ؟
[سورة البقرة (2) : الآيات 97 إلى 98]
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: في أن قوله: وَما هُوَ كناية عما ذا؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ «أَحَدِهِمْ» الَّذِي جَرَى ذِكْرُهُ أَيْ وَمَا أَحَدُهُمْ بِمَنْ يُزَحْزِحُهُ مِنَ النَّارِ تَعْمِيرُهُ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ ضَمِيرٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ «يُعَمَّرُ» مِنْ مَصْدَرِهِ وَ (أَنْ يُعَمَّرَ) بَدَلٌ مِنْهُ، وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مُبْهَمًا وَ (أَنْ يُعَمَّرَ) مُوَضِّحُهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الزَّحْزَحَةُ التَّبْعِيدُ وَالْإِنْحَاءُ، قَالَ الْقَاضِي: وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي إِزَالَةِ الْعَذَابِ أَقَلَّ تَأْثِيرٍ وَلَوْ قَالَ تَعَالَى: وَمَا هُوَ بِمُبْعِدِهِ وَبِمُنْجِيهِ لَمْ يَدُلَّ عَلَى قِلَّةِ التَّأْثِيرِ كَدَلَالَةِ هَذَا الْقَوْلِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ فَاعْلَمْ أَنَّ الْبَصَرَ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ، يُقَالُ: إِنَّ لِفُلَانٍ بَصَرًا بِهَذَا الْأَمْرِ، أَيْ مَعْرِفَةً، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ عَلَى صِفَةٍ لَوْ وُجِدَتِ الْمُبْصَرَاتُ لَأَبْصَرَهَا وَكِلَا الْوَصْفَيْنِ يَصِحَّانِ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ إِلَّا أَنَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ فِي الْأَعْمَالِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَى حُمِلَ هَذَا الْبَصَرُ عَلَى الْعِلْمِ لا محالة والله أعلم. [سورة البقرة (2) : الآيات 97 الى 98] قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ أَيْضًا مِنْ أَنْوَاعِ قَبَائِحِ الْيَهُودِ وَمُنْكَرَاتِ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ لَا بُدَّ لَهُ مَنْ سَبَبٍ وَأَمْرٍ قَدْ ظَهَرَ مِنَ اليهود حتى يأمره تعالى بِأَنْ يُخَاطِبَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْمُحَاجَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ وَالْمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا أُمُورًا، أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ نَومُكَ، فَقَدْ أُخْبِرْنَا عَنْ نَوْمِ النَّبِيِّ الَّذِي يَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» قَالَ: صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْوَلَدِ أَمِنَ الرَّجُلِ يَكُونُ أَمْ مِنَ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْعِظَامُ وَالْعَصَبُ وَالْعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُلِ، وَأَمَّا اللَّحْمُ وَالدَّمُ وَالظُّفْرُ وَالشَّعْرُ، فَمِنَ الْمَرْأَةِ فَقَالَ صَدَقْتَ. فَمَا بَالُ الرَّجُلِ يُشْبِهُ أَعْمَامَهُ دُونَ أَخْوَالِهِ أَوْ يُشْبِهُ أَخْوَالَهُ دُونَ أَعْمَامِهِ؟ فَقَالَ: أَيُّهُمَا غَلَبَ مَاؤُهُ مَاءَ صَاحِبِهِ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ، قَالَ: صَدَقْتَ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي أَيُّ الطَّعَامِ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ يُخْبِرُ عَنْهُ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أُنْشِدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَطَالَ سُقْمُهُ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا لَئِنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سُقْمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ عَلَى نَفْسِهِ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَهُوَ لُحْمَانُ الْإِبِلِ وَأَلْبَانُهَا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ: بَقِيَتْ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ إِنْ قُلْتَهَا آمَنْتُ بِكَ، أَيُّ مَلَكٍ يَأْتِيكَ بِمَا تَقُولُ عَنِ اللَّهِ؟ قَالَ جِبْرِيلُ: قَالَ إِنَّ ذَلِكَ عَدُوُّنَا يَنْزِلُ بِالْقِتَالِ وَالشِّدَّةِ، وَرَسُولُنَا مِيكَائِيلُ يَأْتِي بِالْبِشْرِ وَالرَّخَاءِ فَلَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي يَأْتِيكَ آمَنَّا بِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَمَا مَبْدَأُ هَذِهِ الْعَدَاوَةِ؟ فَقَالَ ابْنُ صُورِيًّا/ مَبْدَأُ هَذِهِ الْعَدَاوَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّنَا أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَيُخَرَّبُ فِي زَمَانِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: بُخْتُنَصَّرُ وَوَصَفَهُ لَنَا فَطَلَبْنَاهُ فَلَمَّا وَجَدْنَاهُ بَعَثْنَا لِقَتْلِهِ رِجَالًا فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ وَقَالَ: إِنْ سَلَّطَكُمُ اللَّهُ عَلَى قَتْلِهِ فَهَذَا لَيْسَ هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَيُخَرِّبُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي قَتْلِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ كَبُرَ وَقَوِيَ وَمَلَكَ وَغَزَانَا وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَقَتَلَنَا، فَلِذَلِكَ نَتَّخِذُهُ عَدُوًّا، وَأَمَّا مِيكَائِيلُ فَإِنَّهُ
عَدُوُّ جِبْرِيلَ فَقَالَ عُمَرُ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَهُوَ عَدُوٌّ لِمِيكَائِيلَ وَهُمَا عَدُوَّانِ لِمَنْ عَادَاهُمَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى عُمَرَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ. وَثَانِيهَا: رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لِعُمَرَ أَرْضٌ بِأَعْلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ مَمَرُّهُ عَلَى مِدْرَاسِ الْيَهُودِ وَكَانَ يَجْلِسُ إِلَيْهِمْ وَيَسْمَعُ كَلَامَهُمْ فَقَالُوا: يَا عُمَرُ قَدْ أَحْبَبْنَاكَ وَإِنَّا لَنَطْمَعُ فِيكَ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَجِيئُكُمْ لِحُبِّكُمْ وَلَا أَسْأَلُكُمْ لِأَنِّي شَاكٌّ فِي دِينِي وَإِنَّمَا أَدْخُلُ عَلَيْكُمْ لِأَزْدَادَ بَصِيرَةً فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَرَى آثَارَهُ فِي كِتَابِكُمْ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ جِبْرِيلَ فَقَالُوا: ذَاكَ عَدُوُّنَا يُطْلِعُ مُحَمَّدًا عَلَى أَسْرَارِنَا وَهُوَ صَاحِبُ كَلِّ خَسْفٍ وَعَذَابٍ، وَإِنَّ مِيكَائِيلَ يَجِيءُ بِالْخِصْبِ وَالسَّلْمِ فَقَالَ لَهُمْ: وَمَا مَنْزِلَتُهُمَا مِنَ اللَّهِ؟ قَالُوا: أَقْرَبُ مَنْزِلَةً، جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ وَمِيكَائِيلُ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَقَالَ عُمَرُ: لَئِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ فَمَا هُمَا بِعَدُوَّيْنِ وَلَأَنْتُمْ أَكْفَرُ مِنَ الْحَمِيرِ، وَمَنْ كَانَ عَدُوٌّ لِأَحَدِهِمَا كَانَ عَدُوًّا لِلْآخَرِ وَمَنْ كَانَ عَدُوًّا لَهُمَا كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ فَوَجَدَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ سَبَقَهُ بِالْوَحْيِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ وَافَقَكَ رَبُّكَ يَا عُمَرُ» قَالَ عمر: لقد رأيتني في دين بَعْدَ ذَلِكَ أَصْلَبَ مِنَ الْحَجَرِ، وَثَالِثُهَا: قَالَ مُقَاتِلٌ زَعَمَتِ الْيَهُودُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَدُوُّنَا، أُمِرَ أَنْ يَجْعَلَ النُّبُوَّةَ فِينَا فَجَعَلَهَا فِي غَيْرِنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَاتِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَقْرَبَ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ أَنَّهُ كَانَ يُنَزِّلُ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ هَذَا التَّنْزِيلَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْعَدَاوَةِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنَّ يَكُونَ سَبَبًا لِلْعَدَاوَةِ وَتَقْرِيرُ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ، أَوَّلُهَا: أَنَّ الَّذِي نَزَّلَهُ جِبْرِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ بِشَارَةُ الْمُطِيعِينَ بِالثَّوَابِ وإنذار العصاة بالعقاب والأمر بالمحاربة والمقاتلة لما لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ بَلْ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي يَعْتَرِفُونَ أَنَّهُ لَا مَحِيصَ عَنْ أَمْرِهِ وَلَا سَبِيلَ إِلَى مُخَالَفَتِهِ فَعَدَاوَةُ مَنْ هَذَا سَبِيلُهُ تُوجِبُ عَدَاوَةَ اللَّهِ وَعَدَاوَةُ اللَّهِ كُفْرٌ، فَيَلْزَمُ أَنَّ عَدَاوَةَ مَنْ هَذَا سَبِيلُهُ كُفْرٌ، وَثَانِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَمَرَ مِيكَائِيلَ بِإِنْزَالِ مِثْلِ هَذَا الْكِتَابِ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَتَمَرَّدُ أَوْ يَأْبَى عَنْ قَبُولِ أَمْرِ اللَّهِ وَذَلِكَ غَيْرُ لَائِقٍ بِالْمَلَائِكَةِ الْمَعْصُومِينَ أَوْ كَانَ يَقْبَلُهُ وَيَأْتِي بِهِ عَلَى وَفْقِ أَمْرِ اللَّهِ فَحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ عَلَى مِيكَائِيلَ مَا ذَكَرُوهُ عَلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَمَا الْوَجْهُ فِي تَخْصِيصِ جِبْرِيلَ بِالْعَدَاوَةِ؟ وَثَالِثُهَا: أَنَّ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا شَقَّ عَلَى الْيَهُودِ فَإِنْزَالُ التَّوْرَاةِ عَلَى مُوسَى شَقَّ عَلَى قَوْمٍ آخَرِينَ، فَإِنِ اقْتَضَتْ نَفْرَةُ بَعْضِ النَّاسِ لِإِنْزَالِ القرآن قبحه فلتقتض نقرة أُولَئِكَ الْمُتَقَدِّمِينَ إِنْزَالَ التَّوْرَاةِ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قُبْحَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ فَسَادُ مَا قَالُوهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مِنَ النَّاسِ مَنِ اسْتَبْعَدَ أَنْ يَقُولَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَدُوُّهُمْ قَالُوا: لِأَنَّا نَرَى الْيَهُودَ فِي زَمَانِنَا هَذَا مُطْبِقِينَ عَلَى إِنْكَارِ ذَلِكَ مُصِرِّينَ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ سَلَفِهِمْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ حِكَايَةَ اللَّهِ أَصْدَقُ، وَلِأَنَّ جَهْلَهُمْ كَانَ شَدِيدًا وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا، اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الْأَعْرَافِ: 138] . الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: «جَبْرِيلَ» بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ مَهْمُوزًا وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ بِوَزْنِ قِنْدِيلٍ وَفِيهِ سَبْعُ لُغَاتٍ ثَلَاثٌ منها ذكرناها، وجبرائيل على وزن جبراعل وجرائيل عَلَى وَزْنِ جِبْرَاعِيلَ وَجِبْرَايِلُ عَلَى وَزْنِ جِبْرَاعِلَ وَجِبْرِينَ بِالنُّونِ وَمُنِعَ الصَّرْفُ لِلتَّعْرِيفِ وَالْعُجْمَةِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: جِبْرِيلُ مَعْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَ «جَبَرَ» عَبَدَ وَ «إِيلُ» اللَّهُ: وُمِيكَائِيلُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ
قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: أَبُو عَلِيٍّ السُّوسِيُّ: هَذَا لَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ «إِيلُ» وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ آخِرُ الِاسْمِ مَجْرُورًا «1» . أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ فَفِيهِ سُؤَالَاتٌ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «فَإِنَّهُ» وَفِي قَوْلِهِ: «نَزَّلَهُ» إِلَى مَاذَا يَعُودُ؟ الْجَوَابُ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْهَاءَ الْأُولَى تَعُودُ عَلَى جِبْرِيلَ وَالثَّانِيَةَ: عَلَى الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأَنَّهُ كَالْمَعْلُومِ كَقَوْلِهِ: مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فَاطِرٍ: 45] يَعْنِي عَلَى الْأَرْضِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. أَيْ إِنْ كَانَتْ عَدَاوَتُهُمْ لِأَنَّ جِبْرِيلَ يُنَزِّلُ الْقُرْآنَ فَإِنَّمَا يُنَزِّلُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ. قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : إِضْمَارُ مَا لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهُ فِيهِ فَخَامَةٌ لِشَأْنِ صَاحِبِهِ حَيْثُ يُجْعَلُ لِفَرْطِ شُهْرَتِهِ كَأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نَفْسِهِ وَيَكْتَفِي عَنِ اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته، وثانيها: الْمَعْنَى فَإِنَّ اللَّهَ نَزَّلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا أَنَّهُ نَزَّلَ نَفْسَهُ. السُّؤَالُ الثَّانِي: الْقُرْآنُ: إِنَّمَا نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا السَّبَبُ فِي قَوْلِهِ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ؟ الْجَوَابُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرْنَاهَا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ [الشُّعَرَاءِ: 193] وَأَكْثَرُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ لَا عَلَى قَلْبِهِ إِلَّا أَنَّهُ خَصَّ الْقَلْبَ بِالذِّكْرِ لِأَجْلِ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ثَبَتَ فِي قَلْبِهِ حِفْظًا حَتَّى أَدَّاهُ إِلَى أُمَّتِهِ، فَلَمَّا كَانَ سَبَبُ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْأَدَاءِ ثَبَاتَهُ فِي قَلْبِهِ حِفْظًا جَازَ أَنْ يُقَالَ: نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ وَإِنْ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ نَزَّلَهُ عَلَيْهِ لَا عَلَى قَلْبِهِ. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: كَانَ حَقُّ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ عَلَى قَلْبِي، وَالْجَوَابُ: جَاءَتْ عَلَى حِكَايَةِ كَلَامِ اللَّهِ كَمَا تَكَلَّمَ بِهِ كَأَنَّهُ قِيلَ: قُلْ مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ مِنْ قَوْلِي، مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ. السُّؤَالُ الرَّابِعُ: كَيْفَ اسْتَقَامَ قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ جَزَاءً لِلشَّرْطِ؟ وَالْجَوَابُ فِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْعَدَاوَةَ فَاسِدَةٌ لِأَنَّهُ مَا أَتَى إِلَّا أَنَّهُ أُمِرَ بِإِنْزَالِ كِتَابٍ فِيهِ الْهِدَايَةُ وَالْبِشَارَةُ فَأَنْزَلَهُ، فَهُوَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَأْمُورٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَتَى/ بِالْهِدَايَةِ وَالْبِشَارَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَشْكُورًا فَكَيْفَ تَلِيقُ بِهِ الْعَدَاوَةُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ الْيَهُودَ إِنْ كَانُوا يُعَادُونَهُ فَيَحِقُّ لَهُمْ ذَاكَ، لِأَنَّهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بُرْهَانًا عَلَى نُبُوَّتِكَ، وَمِصْدَاقًا لِصِدْقِكَ وَهُمْ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ فَكَيْفَ لَا يُبْغِضُونَ مَنْ أَكَّدَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرَ الَّذِي يَكْرَهُونَهُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: بِإِذْنِ اللَّهِ فَالْأَظْهَرُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالْعِلْمِ لِوُجُوهٍ. أَوَّلُهَا: أَنَّ الْإِذْنَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَمْرِ مَجَازٌ فِي الْعِلْمِ وَاللَّفْظُ وَاجِبُ الْحَمْلِ عَلَى حَقِيقَتِهِ مَا أَمْكَنَ. وَثَانِيهَا: أَنَّ إِنْزَالَهُ كَانَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَالْوُجُوبُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْأَمْرِ لَا مِنَ الْعِلْمِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ ذَلِكَ الْإِنْزَالَ إِذَا كَانَ عَنْ أَمْرٍ لَازِمٍ كَانَ أَوْكَدَ فِي الْحُجَّةِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مَا قَبْلَهُ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا مَعْنَى لتخصيص كتاب دون كِتَابٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِالتَّوْرَاةِ وَزَعَمَ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْقُرْآنَ يُوَافِقُ التَّوْرَاةَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ شَرَائِعَ الْقُرْآنِ مُخَالِفَةٌ لِشَرَائِعِ سَائِرِ الْكُتُبِ، فَلِمَ صَارَ بِأَنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لَهَا لِكَوْنِهَا مُتَوَافِقَةً فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَنُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ غير مصدق لها؟
قُلْنَا: الشَّرَائِعُ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهَا سَائِرُ الْكُتُبِ كَانَتْ مُقَدَّرَةً بِتِلْكَ الْأَوْقَاتِ وَمُنْتَهِيَةً فِي هَذَا الْوَقْتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْعِبَادَةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْكُتُبِ اخْتِلَافٌ فِي الشَّرَائِعِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُدىً فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الْقُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: بَيَانُ مَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ وَهُوَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ هُدًى. وَثَانِيهِمَا: بَيَانُ أَنَّ الْآتِيَ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ كَيْفَ يَكُونُ ثَوَابُهُ وَهُوَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بُشْرَى، وَلَمَّا كَانَ الْأَوَّلُ مُقَدَّمًا عَلَى الثَّانِي فِي الْوُجُودِ لَا جَرَمَ قَدَّمَ اللَّهُ لَفْظَ الْهُدَى عَلَى لَفْظِ الْبُشْرَى، فَإِنْ قِيلَ: وَلِمَ خَصَّ كَوْنَهُ هُدًى وَبُشْرَى بِالْمُؤْمِنِينَ مَعَ أَنَّهُ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُلِّ؟ الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بالكتاب فهو كقوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَكُونُ بُشْرَى إِلَّا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبُشْرَى عِبَارَةٌ عَنِ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى حُصُولِ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَلِهَذَا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ. أَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ لِأَجْلِ أَنَّهُ نَزَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَدُوًّا لِلَّهِ تَعَالَى، بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ كَانَ عَدُوًّا لَهُ، فَبَيَّنَ أَنَّ فِي مُقَابَلَةِ عَدَاوَتِهِمْ مَا يُعَظِّمُ ضَرَرَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ عَدَاوَةُ اللَّهِ لَهُمْ، لِأَنَّ عَدَاوَتَهُمْ لَا تُؤَثِّرُ وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَعَدَاوَتُهُ تَعَالَى تُؤَدِّي إِلَى الْعَذَابِ الدَّائِمِ الأليم الذي لا ضرر أعظم منه، وهاهنا سُؤَالَاتٌ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ وَمِنْ حَقِّ الْعَدَاوَةِ الْإِضْرَارُ بِالْعَدُوِّ، وَذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَعْنَى الْعَدَاوَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِينَا لِأَنَّ الْعَدُوَّ/ لِلْغَيْرِ هُوَ الَّذِي يُرِيدُ إِنْزَالَ الْمَضَارِّ بِهِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَحَدُ وَجْهَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُعَادُوا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ عَدَاوَةً لِلَّهِ كَقَوْلِهِ: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الْمَائِدَةِ: 33] وَكَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الْأَحْزَابِ: 57] لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَتَيْنِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ دُونَهُ لِاسْتِحَالَةِ الْمُحَارَبَةِ وَالْأَذِيَّةِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ كَرَاهَتُهُمُ الْقِيَامَ بِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَبُعْدَهُمْ عَنِ التَّمَسُّكِ بِذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ الْعَدُوُّ لَا يَكَادُ يُوَافِقُ عَدُوَّهُ أَوْ يَنْقَادُ لَهُ شَبَّهَ طَرِيقَتَهُمْ فِي هَذَا الْوَجْهِ بِالْعَدَاوَةِ، فَأَمَّا عَدَاوَتُهُمْ لِجِبْرِيلَ وَالرُّسُلِ فَصَحِيحَةٌ لِأَنَّ الْإِضْرَارَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ لَكِنَّ عَدَاوَتَهُمْ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الْأُمُورِ الْمُؤَثِّرَةِ فِيهِمْ، وَعَدَاوَتُهُمْ مُؤَثِّرَةٌ فِي الْيَهُودِ لِأَنَّهَا فِي الْعَاجِلِ تَقْتَضِي الذِّلَّةَ وَالْمَسْكَنَةَ، وَفِي الْآجِلِ تَقْتَضِي الْعَذَابَ الدَّائِمَ. السُّؤَالُ الثَّانِي: لَمَّا ذَكَرَ الْمَلَائِكَةَ فَلِمَ أَعَادَ ذِكْرَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ مَعَ انْدِرَاجِهِمَا فِي الْمَلَائِكَةِ؟ الْجَوَابُ لِوَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَفْرَدَهُمَا بِالذِّكْرِ لِفَضْلِهِمَا كَأَنَّهُمَا لِكَمَالِ فَضْلِهِمَا صَارَا جِنْسًا آخَرَ سِوَى جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ، الثَّانِي: أَنَّ الَّذِي جَرَى بَيْنَ الرَّسُولِ وَالْيَهُودِ هُوَ ذِكْرُهُمَا وَالْآيَةُ إِنَّمَا نَزَلَتْ بِسَبَبِهِمَا، فَلَا جَرَمَ نَصَّ عَلَى اسْمَيْهِمَا، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُمَا أَشْرَفَ مِنْ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ هَذَا التَّأْوِيلُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَفْضَلَ مِنْ مِيكَائِيلَ لِوُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَدَّمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الذِّكْرِ، وَتَقْدِيمُ الْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ فِي الذِّكْرِ مُسْتَقْبَحٌ عُرْفًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَحًا شَرْعًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فهو عند الله حسن» ، وَثَانِيهَا: أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَنْزِلُ بِالْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ وَالْعِلْمِ وَهُوَ مَادَّةُ بَقَاءِ الْأَرْوَاحِ، وَمِيكَائِيلُ يَنْزِلُ بِالْخِصْبِ وَالْأَمْطَارِ وَهِيَ مَادَّةُ بَقَاءِ الْأَبْدَانِ، وَلَمَّا كَانَ الْعِلْمُ أَشْرَفَ مِنَ الْأَغْذِيَةِ
[سورة البقرة (2) : آية 99]
وَجَبَ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ أَفْضَلَ مِنْ مِيكَائِيلَ، وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي صِفَةِ جِبْرِيلَ: مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التَّكْوِيرِ: 21] ذَكَرَهُ بِوَصْفِ الْمُطَاعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُطَاعًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ميكائيل فوجب أن يكون أفضل منه. [أما قوله تعالى وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين فيه مسائل] المسألة الأولى: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَفَصٌ عَنْ عَاصِمٍ مِيكَالَ بِوَزْنِ قِنْطَارٍ، وَنَافِعٌ مِيكَائِلَ مُخْتَلَسَةً لَيْسَ بَعْدَ الْهَمْزَةِ يَاءٌ عَلَى وَزْنِ مِيكَاعِلَ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مِيكَائِيلَ عَلَى وَزْنِ مِيكَاعِيلَ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى ميكئيل على وزن ميكعيل، وَمِيكَئِيلُ كَمِيكَعِيلَ، قَالَ ابْنُ جِنِّي: الْعَرَبُ إِذَا نطقت بالأعجمي خلطت فيه. المسألة الثانية: الْوَاوُ فِي جِبْرِيلَ وَمِيكَالَ، قِيلَ: وَاوُ الْعَطْفِ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى أَوْ يَعْنِي مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِجَمِيعِ الكافرين. المسألة الثالثة: عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ أَرَادَ عَدُوٌّ لَهُمْ إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ بِالظَّاهِرِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا عَادَاهُمْ لِكُفْرِهِمْ وَأَنَّ عَدَاوَةَ الْمَلَائِكَةِ كُفْرٌ. [سورة البقرة (2) : آية 99] وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (99) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ قَبَائِحِهِمْ وَفَضَائِحِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ فَلَمَّا بُعِثَ مِنَ الْعَرَبِ كَفَرُوا بِهِ وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ: فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ وَنَحْنُ أَهْلُ الشِّرْكِ وَتُخْبِرُونَنَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ وَتَصِفُونَ لَنَا صِفَتَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَمَا هُوَ بِالَّذِي كُنَّا نَذْكُرُ لكم فأنزل الله تعالى هذه الآية وهاهنا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الآيات البينات الْقُرْآنِ الَّذِي لَا يَأْتِي بِمِثْلِهِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الْقُرْآنَ مَعَ سَائِرِ الدَّلَائِلِ نَحْوَ امْتِنَاعِهِمْ مِنَ الْمُبَاهَلَةِ وَمِنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَسَائِرِ الْمُعْجِزَاتِ نَحْوَ إِشْبَاعِ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ مِنَ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ وَنُبُوعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ. قَالَ الْقَاضِي: الْأَوْلَى تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ لِأَنَّ الْآيَاتِ إِذَا قُرِنَتْ إِلَى التَّنْزِيلِ كَانَتْ أَخَصَّ بِالْقُرْآنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْوَجْهُ فِي تَسْمِيَةِ الْقُرْآنِ بِالْآيَاتِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْآيَةَ هِيَ الدَّالَّةُ وَإِذَا كَانَتْ أَبْعَاضُ الْقُرْآنِ دَالَّةً بِفَصَاحَتِهَا عَلَى صِدْقِ الْمُدَّعِي كَانَتْ آيَاتٍ، وَثَانِيهَا: أَنَّ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنِ الْغُيُوبِ فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى تِلْكَ الْغُيُوبِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالشَّرَائِعِ فَهِيَ آيَاتٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، فَإِنْ قِيلَ: الدَّلِيلُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيِّنًا فَمَا مَعْنَى وَصْفِ الْآيَاتِ بِكَوْنِهَا بَيِّنَةً، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ الْمُرَادُ كَوْنُ بَعْضِهَا أَبْيَنَ مِنْ بَعْضٍ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ أَمْكَنَ فِي الْعُلُومِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَذَلِكَ لَأَنَّ الْعَالِمَ بِالشَّيْءِ إِمَّا أَنْ يَحْصُلَ مَعَهُ تَجْوِيزُ نَقِيضِ مَا اعْتَقَدَهُ أَوْ لَا يَحْصُلَ، فَإِنْ حَصَلَ مَعَهُ ذَلِكَ التَّجْوِيزُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ عِلْمًا وَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ آخَرُ آكَدَ مِنْهُ. قُلْنَا: التَّفَاوُتُ لَا يَقَعُ فِي نَفْسِ الْعِلْمِ بَلْ فِي طَرِيقِهِ، فَإِنَّ الْعُلُومَ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَكُونُ طَرِيقُ تَحْصِيلِهِ وَالدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مُقَدِّمَاتٍ فَيَكُونُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ أَصْعَبَ، وَإِلَى مَا يَكُونُ أَقَلَّ مُقَدِّمَاتٍ فَيَكُونُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ أَقْرَبَ، وَهَذَا هُوَ الْآيَةُ الْبَيِّنَةُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْإِنْزَالُ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْرِيكِ الشَّيْءِ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ وَذَاكَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا فِي الْجِسْمِيِّ
[سورة البقرة (2) : آية 100]
فَهُوَ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ مُحَالٌ لَكِنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا نَزَلَ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ وَأَخْبَرَ بِهِ سُمِّيَ ذَلِكَ إِنْزَالًا. أَمَّا قَوْلُهُ: وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْكُفْرُ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: جُحُودُهَا مَعَ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهَا. وَالثَّانِي: جُحُودُهَا مَعَ الْجَهْلِ وَتَرْكِ النَّظَرِ فِيهَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْ دَلَائِلِهَا وَلَيْسَ فِي الظَّاهِرِ تَخْصِيصٌ فَيَدْخُلُ الْكُلُّ فِيهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْفِسْقُ فِي اللُّغَةِ خُرُوجُ الْإِنْسَانِ عَمَّا حُدَّ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الْكَهْفِ: 50] وَتَقُولُ الْعَرَبُ لِلنَّوَاةِ: إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الرُّطَبَةِ عِنْدَ سُقُوطِهَا فَسَقَتِ النَّوَاةُ، وَقَدْ يَقْرُبُ مِنْ مَعْنَاهُ الْفُجُورُ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ فُجُورِ السَّدِّ الَّذِي يَمْنَعُ الْمَاءَ مِنْ أَنْ يَصِيرَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَفْسُدُ [إِذَا صَارَ إِلَيْهِ] فَشَبَّهَ تَعَدِّي الْإِنْسَانِ مَا حُدَّ لَهُ إِلَى الْفَسَادِ بِالَّذِي فَجَّرَ السَّدَّ حَتَّى صَارَ إِلَى حَيْثُ يُفْسِدُ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ صَاحِبَ الصَّغِيرَةِ تَجَاوَزَ أَمْرَ اللَّهِ وَلَا يُوصَفُ بِالْفِسْقِ وَالْفُجُورِ؟ قُلْنَا: إِنَّهُ إِنَّمَا يُسَمَّى بِهِمَا كُلُّ أَمْرٍ يُعَظَّمُ مِنَ الْبَابِ الَّذِي ذَكَرْنَا لِأَنَّ مَنْ فَتَحَ مِنَ النَّهْرِ نَقْبًا يَسِيرًا لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ فَجَّرَ ذَلِكَ النَّهْرَ وَكَذَلِكَ الْفِسْقُ إِنَّمَا يُقَالُ: إِذَا عَظُمَ التَّعَدِّي. إِذَا ثَبَتَ هذا فنقول في قوله: إِلَّا الْفاسِقُونَ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ فَاسِقٌ وَلَا يَنْعَكِسُ فَكَأَنَّ ذِكْرَ الْفَاسِقِ يَأْتِي عَلَى الْكَافِرِ وَغَيْرِهِ فَكَانَ أَوْلَى. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا يُكَفَّرُ بِهَا إِلَّا الْكَافِرُ الْمُتَجَاوِزُ عَنْ كُلِّ حَدٍّ فِي كَفْرِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ لَمَّا كَانَتْ بَيِّنَةً ظَاهِرَةً لَمْ يَكْفُرْ بِهَا إِلَّا الْكَافِرُ الَّذِي يَبْلُغُ فِي الْكُفْرِ إِلَى النِّهَايَةِ الْقُصْوَى وَتَجَاوَزَ عَنْ كُلِّ حد مستحسن في العقل والشرع. [سورة البقرة (2) : آية 100] أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ قَبَائِحِهِمْ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً وَاوُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ وَقِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ مَعَ صِحَّةِ مَعْنَاهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ بِالزِّيَادَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى مَحْذُوفٍ مَعْنَاهُ: أَكَفَرُوا بِالْآيَاتِ وَالْبَيِّنَاتِ وَكُلَّمَا عَاهَدُوا، وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّاكِ بِسُكُونِ الْوَاوِ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقُونَ بِمَعْنَى الَّذِينَ فَسَقُوا فَكَأَنَّهُ قِيلَ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الَّذِينَ فَسَقُوا أَوْ نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ مِرَارًا كَثِيرَةً وَقُرِئَ عُوهِدُوا وَعُهِدُوا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ، الْإِنْكَارُ وَإِعْظَامُ مَا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا قِيلَ بِهَذَا اللَّفْظِ كَانَ أَبْلَغَ فِي التَّنْكِيرِ وَالتَّبْكِيتِ وَدَلَّ بقول: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَلَى عَهْدٍ بَعْدَ عَهْدٍ نَقَضُوهُ وَنَبَذُوهُ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَالْعَادَةِ فِيهِمْ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عِنْدَ كُفْرِهِمْ بِمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنْهُمْ، بَلْ هُوَ سَجِيَّتُهُمْ وَعَادَتُهُمْ وَعَادَةُ سَلَفِهِمْ عَلَى مَا بَيَّنَهُ فِي الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ نَقْضِهِمُ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ لِأَنَّ مَنْ يُعْتَادُ/ مِنْهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ لَا يَصْعُبُ عَلَى النَّفْسِ مُخَالَفَتُهُ كَصُعُوبَةِ مَنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِذَلِكَ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي الْعَهْدِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَظْهَرَ الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى صِحَّةِ شَرْعِهِ كَانَ ذَلِكَ كَالْعَهْدِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَقَبُولُهُمْ لِتِلْكَ الدَّلَائِلِ كَالْمُعَاهَدَةِ مِنْهُمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْعَهْدَ هُوَ الَّذِي كَانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَئِنْ خَرَجَ النَّبِيُّ لَنُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَنُخْرِجَنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَاهِدُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَيَنْقُضُونَهُ، وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ عَاهَدُوهُ عَلَى أَنْ لَا يعينوا عليه
[سورة البقرة (2) : آية 101]
أَحَدًا مِنَ الْكَافِرِينَ فَنَقَضُوا ذَلِكَ وَأَعَانُوا عَلَيْهِ قُرَيْشًا يَوْمَ الْخَنْدَقِ، قَالَ الْقَاضِي: إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَمْ يَمْتَنِعْ دُخُولُهُ تَحْتَ الْآيَةِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ قَصْرُ الْآيَةِ عَلَيْهِ بَلِ الْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَحَمْلُهُ عَلَى نَقْضِ الْعَهْدِ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ الْكُتُبُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَالدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ مِنْ صِحَّةِ الْقَوْلِ وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَى. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إِنَّمَا قَالَ: نَبَذَهُ فَرِيقٌ لِأَنَّ فِي جُمْلَةِ مَنْ عَاهَدَ مَنْ آمَنَ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُؤْمِنَ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صِفَةَ جَمِيعِهِمْ خَصَّ الْفَرِيقَ بِالذِّكْرِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْفَرِيقَ هُمُ الْأَقَلُّونَ بَيَّنَ أَنَّهُمُ الْأَكْثَرُونَ فَقَالَ: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَفِيهِ قَوْلَانِ، الْأَوَّلُ: أَكْثَرُ أُولَئِكَ الْفُسَّاقِ لَا يُصَدِّقُونَ بِكَ أَبَدًا لِحَسَدِهِمْ وَبَغْيِهِمْ، وَالثَّانِي: لَا يُؤْمِنُونَ: أَيْ لَا يُصَدِّقُونَ بِكِتَابِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي قَوْمِهِمْ كَالْمُنَافِقِينَ مَعَ الرَّسُولِ يُظْهِرُونَ لَهُمُ الْإِيمَانَ بِكِتَابِهِمْ ورسولهم ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه. [سورة البقرة (2) : آية 101] وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) اعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الرَّسُولِ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ هُوَ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَرِفًا بِنُبُوَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبِصِحَّةِ التَّوْرَاةِ أَوْ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّ التَّوْرَاةَ بَشَّرَتْ بِمَقْدِمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَتَى مُحَمَّدٌ كَانَ مُجَرَّدُ مَجِيئِهِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْرَاةِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: نَبَذَ فَرِيقٌ فَهُوَ مَثَلٌ لِتَرْكِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ بِمِثْلِ مَا يُرْمَى بِهِ وَرَاءَ الظَّهْرِ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ وَقِلَّةَ الْتِفَاتٍ إِلَيْهِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ فَفِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِمَّنْ أُوتِيَ عِلْمَ الْكِتَابِ مَنْ يَدْرُسُهُ وَيَحْفَظُهُ، قَالَ هَذَا الْقَائِلُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ هَذَا الفريق بالعلم/ عند قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، الثَّانِي: الْمُرَادُ مَنْ يَدَّعِي التَّمَسُّكَ بِالْكِتَابِ سَوَاءٌ عَلِمَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ، وَهَذَا كَوَصْفِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ لَا يُرَادُ بِذَلِكَ مَنْ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَةِ عُلُومِهِ، بَلِ الْمُرَادُ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَيَتَمَسَّكُ بِمُوجَبِهِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ فَقِيلَ: إِنَّهُ التَّوْرَاةُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الْقُرْآنُ، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ لِوَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّبْذَ لَا يُعْقَلُ إِلَّا فِيمَا تَمَسَّكُوا بِهِ أَوَّلًا وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ لَا يُقَالُ إِنَّهُمْ نَبَذُوهُ، الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنُ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الْفَرِيقِ مَعْنًى لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْقُرْآنِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ نَبْذُهُمُ التَّوْرَاةَ وَهُمْ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ؟ قُلْنَا: إِذَا كَانَ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَا فِيهِ مِنَ النَّعْتِ وَالصِّفَةِ وَفِيهِ وُجُوبُ الْإِيمَانِ ثُمَّ عَدَلُوا عَنْهُ كَانُوا نَابِذِينَ لِلتَّوْرَاةِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ نَبَذُوهُ عَنْ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَنْ يَعْلَمُ، فَدَلَّتِ الْآيَةُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْفَرِيقَ كَانُوا عَالِمِينَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ إِلَّا أَنَّهُمْ جَحَدُوا مَا يَعْلَمُونَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْجَمْعَ الْعَظِيمَ لَا يَصِحُّ الْجَحْدُ عَلَيْهِمْ فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِأَنَّ أُولَئِكَ الْجَاحِدِينَ كَانُوا فِي الْقِلَّةِ بحيث تجوز المكابرة عليهم.
[سورة البقرة (2) : آية 102]
[سورة البقرة (2) : آية 102] وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ قَبَائِحِ أَفْعَالِهِمْ وَهُوَ اشْتِغَالُهُمْ بِالسِّحْرِ وَإِقْبَالُهُمْ عَلَيْهِ وَدُعَاؤُهُمُ النَّاسَ إِلَيْهِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّبَعُوا حِكَايَةٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهُمُ الْيَهُودُ، ثُمَّ فِيهِ أَقْوَالٌ، أَحَدُهَا: أَنَّهُمُ الْيَهُودُ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا مِنَ الْيَهُودِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ السَّحَرَةِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْيَهُودِ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيَعُدُّونَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُلُوكِ فِي الدُّنْيَا، فَالَّذِينَ كَانُوا مِنْهُمْ فِي زَمَانِهِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ أَنَّهُ إِنَّمَا وُجِدَ ذَلِكَ الْمُلْكُ الْعَظِيمُ بِسَبَبِ السِّحْرِ، وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ لَيْسَ صَرْفُ اللَّفْظِ إِلَى الْبَعْضِ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إِلَى غَيْرِهِ، إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ. قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَارَضُوهُ بِالتَّوْرَاةِ فَخَاصَمُوهُ بِهَا فَاتَّفَقَتِ التَّوْرَاةُ وَالْقُرْآنُ فَنَبَذُوا التَّوْرَاةَ وَأَخَذُوا بِكِتَابِ آصِفَ وَسِحْرِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ فَلَمْ يُوَافِقِ الْقُرْآنَ، فَهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [البقرة: 101] ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا كُتُبَ السِّحْرِ. المسألة الثانية: ذكروا في تفسير: تَتْلُوا وُجُوهًا، أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التِّلَاوَةُ وَالْإِخْبَارُ، وَثَانِيهَا: قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ (تَتْلُوا) أَيْ تَكْذِبُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ. يُقَالُ: تَلَا عَلَيْهِ إِذَا كَذَبَ وَتَلَا عَنْهُ، إِذَا صَدَقَ وَإِذَا أَبْهَمَ جَازَ الْأَمْرَانِ. وَالْأَقْرَبُ هُوَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْخَبَرِ، إِلَّا أَنَّ الْمُخْبِرَ يُقَالُ فِي خَبَرِهِ إِذَا كَانَ كَذِبًا إِنَّهُ تَلَا فُلَانٌ وَإِنَّهُ قَدْ تَلَا عَلَى فُلَانٍ لِيَمِيزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصِّدْقِ الَّذِي لَا يُقَالُ فِيهِ، روي عن فُلَانٍ، بَلْ يُقَالُ: رَوَى عَنْ فُلَانٍ وَأَخْبَرَ عَنْ فُلَانٍ وَتَلَا عَنْ فُلَانٍ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْأَخْبَارِ وَالتِّلَاوَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي كَانُوا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ مِمَّا يُتْلَى وَيُقْرَأُ فَيَجْتَمِعُ فِيهِ كُلُّ الْأَوْصَافِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الشَّيَاطِينِ فَقِيلَ: الْمُرَادُ شَيَاطِينُ الْجِنِّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَقِيلَ: شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقِيلَ: هُمْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مَعًا. أَمَّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ قَالُوا: إِنَّ الشَّيَاطِينَ كَانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ ثُمَّ يَضُمُّونَ إِلَى مَا سَمِعُوا أَكَاذِيبَ يُلَفِّقُونَهَا وَيُلْقُونَهَا إِلَى الْكَهَنَةِ، وَقَدْ دَوَّنُوهَا فِي كُتُبٍ يَقْرَءُونَهَا وَيُعَلِّمُونَهَا النَّاسَ وَفَشَا ذَلِكَ فِي زَمَنِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى قَالُوا: إِنَّ الْجِنَّ تَعْلَمُ الْغَيْبَ وَكَانُوا يَقُولُونَ: هَذَا عِلْمُ سُلَيْمَانَ وَمَا تَمَّ لَهُ مُلْكُهُ إِلَّا بِهَذَا الْعِلْمِ وَبِهِ يُسَخِّرُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالرِّيحَ الَّتِي تَجْرِي بِأَمْرِهِ. وَأَمَّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ قَالُوا: رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَدْ دَفَنَ كَثِيرًا مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا تَحْتَ سَرِيرِ مُلْكِهِ حِرْصًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ الظَّاهِرُ مِنْهَا يَبْقَى ذَلِكَ
الْمَدْفُونُ، فَلَمَّا مَضَتْ مُدَّةٌ عَلَى ذَلِكَ تَوَصَّلَ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَى أَنْ كَتَبُوا فِي خِلَالِ ذَلِكَ أَشْيَاءَ مِنَ السِّحْرِ تُنَاسِبُ/ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ وَاطِّلَاعِ النَّاسِ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ أَوْهَمُوا النَّاسَ أَنَّهُ مِنْ عَمَلِ سُلَيْمَانَ وَأَنَّهُ مَا وَصَلَ إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِسَبَبِ هَذِهِ الأشياء فهذا معنى: «ما تتلوا الشَّيَاطِينُ» ، وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْوَجْهِ عَلَى فَسَادِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ شَيَاطِينَ الْجِنِّ لَوْ قَدَرُوا عَلَى تَغْيِيرِ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَشَرَائِعِهِمْ بِحَيْثُ يَبْقَى ذلك التحريف محققاً فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ لَارْتَفَعَ الْوُثُوقُ عَنْ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الطَّعْنِ فِي كُلِّ الْأَدْيَانِ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا جَوَّزْتُمْ ذَلِكَ عَلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ عَلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ؟ قُلْنَا: الْفَرْقُ أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَظْهَرَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، أَمَّا لَوْ جَوَّزْنَا هَذَا الِافْتِعَالَ مِنَ الْجِنِّ وَهُوَ أَنْ نَزِيدَ فِي كُتُبِ سُلَيْمَانَ بِخَطٍّ مِثْلِ خَطِّ سُلَيْمَانَ فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ وَيَبْقَى مَخْفِيًّا فَيُفْضِي إِلَى الطَّعْنِ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَمَّا قَوْلُهُ: عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ فَقِيلَ فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقِيلَ عَلَى عَهْدِ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ افْتِرَاءً عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ مِنْ كُتُبِ السِّحْرِ وَيَقُولُونَ إِنَّ سُلَيْمَانَ إِنَّمَا وَجَدَ ذَلِكَ الْمُلْكَ بِسَبَبِ هَذَا الْعِلْمِ، فَكَانَتْ تِلَاوَتُهُمْ لِتِلْكَ الْكُتُبِ كَالِافْتِرَاءِ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِمُلْكِ سُلَيْمَانَ، فَقَالَ الْقَاضِي: إِنَّ مُلْكَ سُلَيْمَانَ هُوَ النُّبُوَّةُ، أَوْ يَدْخُلُ فِيهِ النُّبُوَّةُ وَتَحْتَ النُّبُوَّةِ الْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ وَالشَّرِيعَةُ. وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ «1» ثُمَّ أَخْرَجَ الْقَوْمُ صَحِيفَةً فِيهَا ضُرُوبُ السِّحْرِ وَقَدْ دَفَنُوهَا تَحْتَ سَرِيرِ مُلْكِهِ ثُمَّ أَخْرَجُوهَا بَعْدَ مَوْتِهِ وَأَوْهَمُوا أَنَّهَا مِنْ جِهَتِهِ صَارَ ذَلِكَ مِنْهُمْ تَقَوُّلَا عَلَى مُلْكِهِ فِي الْحَقِيقَةِ. وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا ادَّعَوْا أَنَّ سُلَيْمَانَ إِنَّمَا وَجَدَ تِلْكَ الْمَمْلَكَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعِلْمِ كَانَ ذَلِكَ الِادِّعَاءُ كَالِافْتِرَاءِ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: السَّبَبُ فِي أَنَّهُمْ أَضَافُوا السِّحْرَ إِلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ أَضَافُوا السِّحْرَ إِلَى سُلَيْمَانَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ وَتَرْغِيبًا لِلْقَوْمِ فِي قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْيَهُودَ مَا كَانُوا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ سُلَيْمَانَ بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّمَا وَجَدَ ذَلِكَ الْمُلْكَ بِسَبَبِ السِّحْرِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا سَخَّرَ الْجِنَّ لِسُلَيْمَانَ فَكَانَ يُخَالِطُهُمْ وَيَسْتَفِيدُ مِنْهُمْ أَسْرَارًا عَجِيبَةً فَغَلَبَ عَلَى الظُّنُونِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اسْتَفَادَ السِّحْرَ مِنْهُمْ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ فَهَذَا تَنْزِيهٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الْكُفْرِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ نَسَبُوهُ إِلَى الْكُفْرِ وَالسِّحْرِ: قِيلَ فِيهِ أَشْيَاءُ، أَحَدُهَا: ما روي عن بعض أخبار الْيَهُودِ أَنَّهُمْ قَالُوا: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ نَبِيًّا وَمَا كَانَ إِلَّا سَاحِرًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَثَانِيهَا: أَنَّ السَّحَرَةَ مِنَ الْيَهُودِ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَخَذُوا السِّحْرَ عَنْ سُلَيْمَانَ فَنَزَّهَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّ قِوَامَ مُلْكِهِ كَانَ بِالسِّحْرِ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْهُ لِأَنَّ كَوْنَهُ نبياً ينافي كونه ساحراً كافراً، [أما قوله تعالى ولكن الشياطين كفروا] ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الَّذِي بَرَّأَهُ مِنْهُ لَاصِقٌ بِغَيْرِهِ فَقَالَ: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُشِيرُ/ بِهِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنِ اتَّخَذَ السِّحْرَ كَالْحِرْفَةِ لِنَفْسِهِ وَيَنْسِبُهُ إِلَى سُلَيْمَانَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى مَا بِهِ كَفَرُوا فَقَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّهُمْ مَا كَفَرُوا أَوَّلًا بِالسِّحْرِ فَقَالَ تَعَالَى: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي السِّحْرِ يَقَعُ مِنْ وُجُوهٍ.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي الْبَحْثِ عَنْهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ فَنَقُولُ: ذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ عِبَارَةٌ عَمَّا لَطُفَ وَخَفِيَ سَبَبُهُ وَالسَّحْرُ بِالنَّصْبِ هُوَ الْغِذَاءُ لِخَفَائِهِ وَلُطْفِ مَجَارِيهِ، قَالَ لَبِيَدٌ: وَنَسْحَرُ بِالطَّعَامِ وَبِالشَّرَابِ قِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أنا نعلل ونخذع كَالْمَسْحُورِ الْمَخْدُوعِ، وَالْآخَرُ: نُغَذَّى وَأَيُّ الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَمَعْنَاهُ الْخَفَاءُ وَقَالَ: فَإِنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا ... عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الْأَنَامِ الْمُسَحَّرِ وَهَذَا الْبَيْتُ يَحْتَمِلُ مِنَ الْمَعْنَى مَا احْتَمَلَهُ الْأَوَّلُ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يُرِيدَ بِالْمُسَحَّرِ أَنَّهُ ذُو سَحْرٍ، وَالسَّحْرُ هُوَ الرِّئَةُ، وَمَا تَعَلَّقَ بِالْحُلْقُومِ وَهَذَا أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْخَفَاءِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي» ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [الشُّعَرَاءِ: 153] ، يَعْنِي مِنَ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِي يَطْعَمُ وَيَشْرَبُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [الشُّعَرَاءِ: 154] وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ذُو سَحْرٍ مِثْلُنَا، وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ لِلسَّحَرَةِ: مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ [يُونُسَ: 81] وَقَالَ: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ [الْأَعْرَافِ: 116] فَهَذَا هُوَ مَعْنَى السِّحْرِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ السِّحْرِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مُخْتَصٌّ بِكُلِّ أَمْرٍ يَخْفَى سَبَبُهُ وَيُتَخَيَّلُ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ وَيَجْرِي مَجْرَى التَّمْوِيهِ وَالْخِدَاعِ، وَمَتَى أُطْلِقَ وَلَمْ يُقَيَّدْ أَفَادَ ذَمَّ فَاعِلِهِ. قَالَ تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [الأعراف: 116] يَعْنِي مَوَّهُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ تَسْعَى وَقَالَ تَعَالَى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه: 66] وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مُقَيَّدًا فِيمَا يُمْدَحُ وَيُحْمَدُ. رُوِيَ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، فَقَالَ لِعَمْرٍو: خَبِّرْنِي عَنِ الزِّبْرِقَانِ، فَقَالَ: مُطَاعٌ فِي نَادِيهِ شَدِيدُ الْعَارِضَةِ مَانِعٌ لِمَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ: هُوَ وَاللَّهِ يَعْلَمُ أَنِّي أَفْضَلُ مِنْهُ، فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّهُ زَمَنُ الْمُرُوءَةِ ضَيِّقُ الْعَطَنِ أَحْمَقُ الْأَبِ لَئِيمُ الْخَالِ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَقْتَ فِيهِمَا، أَرْضَانِي فَقُلْتُ: أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ وَأَسْخَطَنِي فَقُلْتُ أَسْوَأَ مَا عَلِمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» فَسَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الْبَيَانِ سِحْرًا لِأَنَّ صَاحِبَهُ يُوَضِّحُ الشَّيْءَ الْمُشْكِلَ وَيَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِحُسْنِ بَيَانِهِ وَبَلِيغِ عِبَارَتِهِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمِّيَ مَا يُوَضِّحُ الْحَقَّ وَيُنْبِئُ عَنْهُ سِحْرًا؟ وَهَذَا الْقَائِلُ إِنَّمَا قَصَدَ إِظْهَارَ الْخَفِيِّ لَا إِخْفَاءَ الظَّاهِرِ وَلَفْظُ السِّحْرِ إِنَّمَا يُفِيدُ إِخْفَاءَ الظَّاهِرِ؟ قُلْنَا: إِنَّمَا سَمَّاهُ سِحْرًا لِوَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لِلُطْفِهِ وَحُسْنِهِ اسْتَمَالَ الْقُلُوبَ فَأَشْبَهَ السِّحْرَ الَّذِي يَسْتَمِيلُ الْقُلُوبَ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ سُمِّيَ سِحْرًا، لَا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي ظَنَنْتَ/. الثَّانِي: أَنَّ الْمُقْتَدِرَ عَلَى الْبَيَانِ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى تَحْسِينِ مَا يَكُونُ قَبِيحًا وَتَقْبِيحِ مَا يَكُونُ حَسَنًا فَذَلِكَ يُشْبِهُ السِّحْرَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي أَقْسَامِ السِّحْرِ: اعْلَمْ أَنَّ السِّحْرَ عَلَى أَقْسَامٍ. الْأَوَّلُ: سِحْرُ الْكَلْدَانِيِّينَ والْكَسْدَانِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَهُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا هِيَ الْمُدَبِّرَةُ لِهَذَا الْعَالَمِ، وَمِنْهَا تَصْدُرُ الْخَيْرَاتُ وَالشُّرُورُ وَالسَّعَادَةُ وَالنُّحُوسَةُ وَهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُبْطِلًا لِمَقَالَتِهِمْ وَرَادًّا عَلَيْهِمْ فِي مَذْهَبِهِمْ. أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ الْجِسْمِ وَالْحَيَاةِ وَاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ، وَاحْتَجُّوا بِوُجُوهٍ ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَلَخَّصَهَا فِي تَفْسِيرِهِ وَفِي سَائِرِ كُتُبِهِ وَنَحْنُ نَنْقُلُ تِلْكَ الْوُجُوهَ
وَنَنْظُرُ فِيهَا. أَوَّلُهَا: وَهُوَ النُّكْتَةُ الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي عَلَيْهَا يُعَوِّلُونَ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ إِمَّا مُتَحَيِّزٌ وَإِمَّا قَائِمٌ بِالْمُتَحَيِّزِ، فَلَوْ كَانَ غَيْرُ اللَّهِ فَاعِلًا لِلْجِسْمِ وَالْحَيَاةِ لَكَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُتَحَيِّزًا، وَذَلِكَ الْمُتَحَيِّزُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا بِالْقُدْرَةِ، إِذْ لَوْ كَانَ قَادِرًا لِذَاتِهِ لَكَانَ كُلُّ جِسْمٍ كَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ لَكِنَّ الْقَادِرَ بِالْقُدْرَةِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فِعْلُ الْجِسْمِ وَالْحَيَاةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ حَاصِلٌ بِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ الْجِسْمِ وَالْحَيَاةِ ابْتِدَاءً، فَقُدْرَتُنَا مُشْتَرِكَةٌ فِي امْتِنَاعِ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَهَذَا الِامْتِنَاعُ حُكْمٌ مُشْتَرَكٌ فَلَا بُدَّ له من علة مشتركة ولا مشترك هاهنا إِلَّا كَوْنُنَا قَادِرِينَ بِالْقُدْرَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ فِيمَنْ كَانَ قَادِرًا بِالْقُدْرَةِ أَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُ الْجِسْمِ وَالْحَيَاةِ. الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْقُدْرَةَ الَّتِي لَنَا لَا شَكَّ أَنَّ بَعْضَهَا يُخَالِفُ بَعْضًا، فَلَوْ قَدَّرْنَا قُدْرَةً صَالِحَةً لِخَلْقِ الْجِسْمِ وَالْحَيَاةِ لَمْ تَكُنْ مُخَالَفَتُهَا لِهَذِهِ الْقُدْرَةِ أَشَدَّ مِنْ مُخَالَفَةِ بَعْضِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ لِلْبَعْضِ، فَلَوْ كَفَى ذَلِكَ الْقَدْرُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ فِي صَلَاحِيَّتِهَا لِخَلْقِ الْجِسْمِ وَالْحَيَاةِ لَوَجَبَ فِي هَذِهِ الْقُدْرَةِ أَنْ يُخَالِفَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَأَنْ تَكُونَ صَالِحَةً لِخَلْقِ الْجِسْمِ وَالْحَيَاةِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الْقَادِرَ بِالْقُدْرَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ الْجِسْمِ وَالْحَيَاةِ. وَثَانِيهَا: أَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ لَتَعَذَّرَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْمُعْجِزَاتِ عَلَى النُّبُوَّاتِ لِأَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا اسْتِحْدَاثَ الْخَوَارِقِ بِوَاسِطَةِ تَمْزِيجِ الْقُوَى السَّمَاوِيَّةِ بِالْقُوَى الْأَرْضِيَّةِ لَمْ يُمْكِنَّا الْقَطْعُ بِأَنَّ هَذِهِ الْخَوَارِقَ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ صَدَرَتْ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ يَجُوزُ فِيهَا أَنَّهُمْ أَتَوْا بِهَا مِنْ طَرِيقِ السِّحْرِ، وَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ الْقَوْلُ بِالنُّبُوَّاتِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ فِي النَّاسِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ الْجِسْمِ وَالْحَيَاةِ وَالْأَلْوَانِ لَقَدَرَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ عَلَى تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ الْعَظِيمَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ، لَكِنَّا نَرَى مَنْ يَدَّعِي السِّحْرَ مُتَوَصِّلًا إِلَى اكْتِسَابِ الْحَقِيرِ مِنَ الْمَالِ بِجُهْدٍ جَهِيدٍ، فَعَلِمْنَا كَذِبَهُ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ نَعْلَمُ فَسَادَ مَا يَدَّعِيهِ قَوْمٌ مِنَ الْكِيمْيَاءِ، لِأَنَّا نَقُولُ: لَوْ أَمْكَنَهُمْ بِبَعْضِ الْأَدْوِيَةِ أَنْ يَقْلِبُوا غَيْرَ الذَّهَبِ ذَهَبًا لَكَانَ إِمَّا أَنْ يُمْكِنَهُمْ ذَلِكَ بِالْقَلِيلِ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْنُوا أَنْفُسَهُمْ بِذَلِكَ عَنِ الْمَشَقَّةِ وَالذِّلَّةِ أَوْ لَا يُمْكِنَهُمْ إِلَّا بِالْآلَاتِ الْعِظَامِ وَالْأَمْوَالِ الْخَطِيرَةِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُظْهِرُوا ذَلِكَ لِلْمُلُوكِ الْمُتَمَكِّنِينَ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَفْطِنَ الْمُلُوكُ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لَهُمْ مِنْ فَتْحِ الْبِلَادِ/ الَّذِي لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِخْرَاجِ الْأَمْوَالِ وَالْكُنُوزِ، وَفِي عِلْمِنَا بِانْصِرَافِ النُّفُوسِ وَالْهِمَمِ عَنْ ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ، قَالَ الْقَاضِي: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ السَّاحِرَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الدَّلَائِلَ ضَعِيفَةٌ جِدًّا. أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَنَقُولُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، وَإِمَّا قَائِمًا بِالْمُتَحَيِّزِ، أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ مُصِرُّونَ عَلَى إِثْبَاتِ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ الْفَلَكِيَّةِ وَالنُّفُوسِ النَّاطِقَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا فِي أَنْفُسِهَا لَيْسَتْ بِمُتَحَيِّزَةٍ وَلَا قَائِمَةٍ بِالْمُتَحَيِّزِ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ الْقَوْلِ بِهَذَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَوْ وُجِدَ مَوْجُودٌ هَكَذَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مِثْلًا لِلَّهِ تَعَالَى، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْأُسْلُوبِ لَا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي الْمَاهِيَّةِ، سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَجْسَامِ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ لِذَاتِهِ؟ قَوْلُهُ: الْأَجْسَامُ مُتَمَاثِلَةٌ. فَلَوْ كَانَ جِسْمٌ كَذَلِكَ لَكَانَ كُلُّ جِسْمٍ كَذَلِكَ، قُلْنَا: مَا الدَّلِيلُ عَلَى تَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ، فَإِنْ قَالُوا: إِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْجِسْمِ إِلَّا الْمُمْتَدُّ فِي الْجِهَاتِ، الشَّاغِلُ لِلْأَحْيَازِ وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى، قُلْنَا: الِامْتِدَادُ فِي الْجِهَاتِ وَالشُّغْلُ لِلْأَحْيَازِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهَا وَلَازِمٌ مِنْ لَوَازِمِهَا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الْأَشْيَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي الْمَاهِيَّةِ مُشْتَرِكَةً فِي بَعْضِ اللَّوَازِمِ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا بِالْقُدْرَةِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّ الْقَادِرَ بِالْقُدْرَةِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ خَلْقُ الْجِسْمِ وَالْحَيَاةِ؟ قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي لَنَا مُشْتَرِكَةٌ فِي هَذَا الِامْتِنَاعِ وَهَذَا الِامْتِنَاعُ حُكْمٌ مُشْتَرَكٌ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ وَلَا مُشْتَرَكَ سِوَى كَوْنِنَا قَادِرِينَ بِالْقُدْرَةِ، قُلْنَا: هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتُ بِأَسْرِهَا مَمْنُوعَةٌ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِامْتِنَاعَ حُكْمٌ مُعَلَّلٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ عدمي
وَالْعَدَمُ لَا يُعَلَّلُ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، وَلَكِنْ مِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْكَامِ لَا يُعَلَّلُ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الأمر هاهنا كَذَلِكَ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ مُعَلَّلٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّ الْحُكْمَ الْمُشْتَرَكَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ، أَلَيْسَ أَنَّ الْقُبْحَ حَصَلَ فِي الظُّلْمِ مُعَلَّلًا بِكَوْنِهِ ظُلْمًا وَفِي الْكَذِبِ بِكَوْنِهِ كَذِبًا، وَفِي الْجَهْلِ بِكَوْنِهِ جَهْلًا؟ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا مُشْتَرَكَ إِلَّا كَوْنُنَا قَادِرِينَ بِالْقُدْرَةِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقُدْرَةُ الَّتِي لَنَا مُشْتَرِكَةً فِي وَصْفٍ مُعَيَّنٍ وَتِلْكَ الْقُدْرَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِخَلْقِ الْجِسْمِ تَكُونُ خَارِجَةً عَنْ ذَلِكَ الْوَصْفِ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَتْ مُخَالَفَةُ تِلْكَ الْقُدْرَةِ لِبَعْضِ الْقُدَرِ أَشَدَّ مِنْ مُخَالَفَةِ بَعْضِ هَذِهِ الْقُدَرِ لِلْبَعْضِ، فَنَقُولُ: هَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّا لَا نُعَلِّلُ صَلَاحِيَّتَهَا لِخَلْقِ الْجِسْمِ بِكَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِهَذِهِ الْقُدَرِ، بَلْ لِخُصُوصِيَّتِهَا الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا خَالَفَتْ سَائِرَ الْقُدَرِ وَتِلْكَ الْخُصُوصِيَّةُ مَعْلُومٌ أَنَّهَا غَيْرُ حَاصِلَةٍ فِي سَائِرِ الْقُدَرِ. وَنَظِيرُ مَا ذَكَرُوهُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَتْ مُخَالَفَةُ الصَّوْتِ لِلْبَيَاضِ بِأَشَدَّ مِنْ مُخَالَفَةِ السَّوَادِ لِلْبَيَاضِ، فَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُخَالَفَةُ مَانِعَةً لِلصَّوْتِ مِنْ صِحَّةِ أَنْ يُرَى لَوَجَبَ لِكَوْنِ السَّوَادِ مُخَالِفًا لِلْبَيَاضِ أَنْ يَمْتَنِعَ رُؤْيَتُهُ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ فَاسِدًا فَكَذَا مَا قَالُوهُ، وَالْعَجَبُ مِنَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَمَّا حَكَى هَذِهِ الْوُجُوهَ عَنِ الْأَشْعَرِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَزَيْفِهَا بِهَذِهِ الْأَسْئِلَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ نَفْسَهُ تَمَسَّكَ بِهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ فِي إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَنَا. أَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ/ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ النُّبُوَّاتِ لَا يَبْقَى مَعَ تَجْوِيزِ هَذَا الْأَصْلِ فَنَقُولُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّاتِ مُتَفَرِّعًا عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَوْ لَا يَكُونُ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ امْتَنَعَ فَسَادُ هَذَا الْأَصْلِ بِالْبِنَاءِ عَلَى صِحَّةِ النُّبُوَّاتِ، وَإِلَّا وَقَعَ الدَّوْرُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَقَدْ سَقَطَ هَذَا الْكَلَامُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْكَلَامُ فِي الْإِمْكَانِ غَيْرٌ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ حَاصِلَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ بَلْ هَذِهِ الْحَالَةُ لَا تَحْصُلُ لِلْبَشَرِ إِلَّا فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَبَاعِدَةِ فَكَيْفَ يَلْزَمُنَا مَا ذَكَرْتُمُوهُ؟ فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنَ السِّحْرِ. النَّوْعُ الثَّانِي: مِنَ السِّحْرِ: سِحْرُ أَصْحَابِ الْأَوْهَامِ وَالنَّفْسِ الْقَوِيَّةِ، قَالُوا: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَنَّ الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ بِقَوْلِهِ: «أَنَا» مَا هُوَ؟ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ هُوَ هَذِهِ الْبِنْيَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ جِسْمٌ صَارَ فِي هَذِهِ الْبِنْيَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ وَلَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا بِجِسْمَانِيٍّ. أَمَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ هَذِهِ الْبِنْيَةُ، فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْبِنْيَةَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَ فِي بَعْضِ الْأَعْصَارِ الْبَارِدَةِ أَنْ يَكُونَ مِزَاجُهُ مِزَاجًا مِنَ الْأَمْزِجَةِ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ النَّوَاحِي يَقْتَضِي الْقُدْرَةَ عَلَى خَلْقِ الْجِسْمِ وَالْعِلْمِ بِالْأُمُورِ الْغَائِبَةِ عَنَّا وَالْمُتَعَذِّرَةِ، وَهَكَذَا الْكَلَامُ إِذَا قُلْنَا الْإِنْسَانُ جِسْمٌ سار فِي هَذِهِ الْبِنْيَةِ، أَمَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ النَّفْسُ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: النُّفُوسُ مُخْتَلِفَةٌ فَيَتَّفِقُ فِي بَعْضِ النُّفُوسِ إِنْ كَانَتْ لِذَاتِهَا قَادِرَةً عَلَى هَذِهِ الْحَوَادِثِ الْغَرِيبَةِ مُطَّلِعَةً عَلَى الْأَسْرَارِ الْغَائِبَةِ، فَهَذَا الِاحْتِمَالُ مِمَّا لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ عَلَى فَسَادِهِ سِوَى الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَدْ بَانَ بُطْلَانُهَا، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ وُجُوهٌ. أَوَّلُهَا: أَنَّ الْجِذْعَ الَّذِي يَتَمَكَّنُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَشْيِ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ مَوْضُوعًا عَلَى الْأَرْضِ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ كَالْجِسْرِ عَلَى هَاوِيَةٍ تَحْتَهُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّ تَخَيُّلَ السُّقُوطِ مَتَى قَوِيَ أَوْجَبَهُ، وَثَانِيهَا: اجْتَمَعَتِ الْأَطِبَّاءُ عَلَى نَهْيِ الْمَرْعُوفِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْأَشْيَاءِ الْحُمْرِ، وَالْمَصْرُوعِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْأَشْيَاءِ الْقَوِيَّةِ اللَّمَعَانِ وَالدَّوَرَانِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّ النُّفُوسَ خُلِقَتْ مُطِيعَةً لِلْأَوْهَامِ، وَثَالِثُهَا: حَكَى صَاحِبُ الشِّفَاءِ عَنْ «أَرِسْطُو» في طبائع الحيوان: أن الدجاجة إذا تشبهت كثيراً بالديكة في الصوت وفي الحراب مَعَ الدِّيَكَةِ نَبَتَ عَلَى سَاقِهَا مِثْلُ
الشَّيْءِ النَّابِتِ عَلَى سَاقِ الدِّيكِ، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الشِّفَاءِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَحْوَالَ الْجُسْمَانِيَّةَ تَابِعَةٌ لِلْأَحْوَالِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَرَابِعُهَا: أَجْمَعَتِ الْأُمَمُ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ اللِّسَانِيَّ الْخَالِيَ عَنِ الطَّلَبِ النَّفْسَانِيِّ قَلِيلُ الْعَمَلِ عَدِيمُ الْأَثَرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْهِمَمِ وَالنُّفُوسِ آثَارًا وَهَذَا الِاتِّفَاقُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِمَسْأَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَحِكْمَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَخَامِسُهَا: أَنَّكَ لَوْ أَنْصَفْتَ لَعَلِمْتَ أَنَّ الْمَبَادِئَ الْقَرِيبَةَ لِلْأَفْعَالِ الْحَيَوَانِيَّةِ لَيْسَتْ إِلَّا التَّصَوُّرَاتِ النَّفْسَانِيَّةَ لِأَنَّ الْقُوَّةَ الْمُحَرِّكَةَ الْمَغْرُوزَةَ فِي الْعَضَلَاتِ صَالِحَةٌ لِلْفِعْلِ وَتَرْكِهِ أَوْ ضِدِّهِ، وَلَنْ يَتَرَجَّحَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إِلَّا لِمُرَجِّحٍ وَمَا ذَاكَ إِلَّا تَصَوُّرُ كَوْنِ الْفِعْلِ جَمِيلًا أَوْ لَذِيذًا أَوْ تَصَوُّرُ كَوْنِهِ قَبِيحًا أَوْ مُؤْلِمًا فَتِلْكَ التَّصَوُّرَاتُ هِيَ الْمَبَادِئُ لِصَيْرُورَةِ الْقُوَى الْعَضَلِيَّةِ مَبَادِئُ لِلْفِعْلِ لِوُجُودِ الْأَفْعَالِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ كَذَلِكَ بِالْقُوَّةِ، وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ التَّصَوُّرَاتُ هِيَ الْمَبَادِئَ لِمَبَادِئِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ فَأَيُّ اسْتِبْعَادٍ فِي/ كَوْنِهَا مَبَادِئَ لأفعال أَنْفُسَهَا وَإِلْغَاءَ الْوَاسِطَةِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، وَسَادِسُهَا: التَّجْرِبَةُ وَالْعِيَانُ شَاهِدَانِ بِأَنَّ هَذِهِ التَّصَوُّرَاتِ مَبَادِئُ قَرِيبَةٌ لِحُدُوثِ الْكَيْفِيَّاتِ فِي الْأَبْدَانِ فَإِنَّ الْغَضْبَانَ تَشْتَدُّ سُخُونَةُ مِزَاجِهِ حَتَّى أَنَّهُ يُفِيدُهُ سُخُونَةٌ قَوِيَّةٌ. يُحْكَى أَنَّ بَعْضَ الْمُلُوكِ عَرَضَ لَهُ فَالِجٌ فَأَعْيَا الْأَطِبَّاءَ مُزَاوَلَةُ عِلَاجِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحُذَّاقِ مِنْهُمْ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْهُ وَشَافَهَهُ بِالشَّتْمِ وَالْقَدْحِ فِي الْعِرْضِ، فَاشْتَدَّ غَضَبُ الْمَلِكِ وَقَفَزَ مِنْ مَرْقَدِهِ قَفْزَةً اضْطِرَارِيَّةً لِمَا نَالَهُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ الْكَلَامِ فَزَالَتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ الْمُزْمِنَةُ وَالْمَرْضَةُ الْمُهْلِكَةُ. وَإِذَا جَازَ كَوْنُ التَّصَوُّرَاتِ مَبَادِئَ لِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ فِي الْبَدَنِ فَأَيُّ اسْتِبْعَادٍ مِنْ كَوْنِهَا مَبَادِئَ لِحُدُوثِ الْحَوَادِثِ خَارِجَ الْبَدَنِ. وَسَابِعُهَا: أَنَّ الْإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ أَمْرٌ قَدِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءُ وَذَلِكَ أَيْضًا يُحَقِّقُ إِمْكَانَ مَا قُلْنَاهُ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: النُّفُوسُ الَّتِي تَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ قَدْ تَكُونُ قَوِيَّةً جِدًّا فَتَسْتَغْنِي فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْآلَاتِ وَالْأَدَوَاتِ وَقَدْ تَكُونُ ضَعِيفَةً فَتَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهَذِهِ الْآلَاتِ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ النَّفْسَ إِذَا كَانَتْ مُسْتَعْلِيَةً عَلَى الْبَدَنِ شَدِيدَةَ الِانْجِذَابِ إِلَى عَالَمِ [السَّمَاءِ] كَانَتْ كَأَنَّهَا رُوحٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، فَكَانَتْ قَوِيَّةً عَلَى التَّأْثِيرِ فِي مَوَادِّ هَذَا الْعَالَمِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ ضَعِيفَةً شَدِيدَةَ التَّعَلُّقِ بِهَذِهِ اللَّذَّاتِ الْبَدَنِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لها تصرف ألبتة إلا في هذه الْبَدَنِ، فَإِذَا أَرَادَ هَذَا الْإِنْسَانُ صَيْرُورَتَهَا بِحَيْثُ يَتَعَدَّى تَأْثِيرٌ مِنْ بَدَنِهَا إِلَى بَدَنٍ آخَرَ اتَّخَذَ تِمْثَالَ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَوَضَعَهُ عِنْدَ الْحِسِّ وَاشْتَغَلَ الْحِسُّ بِهِ فَيَتْبَعُهُ الْخَيَالُ عَلَيْهِ وَأَقْبَلَتِ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ عَلَيْهِ فَقَوِيَتِ التَّأْثِيرَاتُ النَّفْسَانِيَّةُ وَالتَّصَرُّفَاتُ الرُّوحَانِيَّةُ، وَلِذَلِكَ أَجْمَعْتِ الْأُمَمُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِمُزَاوَلَةِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ مِنِ انْقِطَاعِ الْمَأْلُوفَاتِ وَالْمُشْتَهَيَاتِ وَتَقْلِيلِ الْغِذَاءِ وَالِانْقِطَاعِ عَنْ مُخَالَطَةِ الْخَلْقِ. وَكُلَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ أَتَمَّ كَانَ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ أَقْوَى، فَإِذَا اتَّفَقَ أَنْ كَانَتِ النَّفْسُ مُنَاسِبَةً لِهَذَا الْأَمْرِ نَظَرًا إِلَى مَاهِيَّتِهَا وَخَاصِّيَّتِهَا عَظُمَ التَّأْثِيرُ، وَالسَّبَبُ الْمُتَعَيَّنُ فِيهِ أَنَّ النَّفْسَ إِذَا اشْتَغَلَتْ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ أَشْغَلَتْ جَمِيعَ قُوَّتِهَا فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ وَإِذَا اشْتَغَلَتْ بِالْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ تَفَرَّقَتْ قُوَّتُهَا وَتَوَزَّعَتْ عَلَى تِلْكَ الْأَفْعَالِ فَتَصِلُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ شُعْبَةٌ مِنْ تِلْكَ الْقُوَّةِ وَجَدْوَلٌ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ. وَلِذَلِكَ نَرَى أَنَّ إِنْسَانَيْنِ يَسْتَوِيَانِ فِي قُوَّةِ الْخَاطِرِ إِذَا اشْتَغَلَ أَحَدُهُمَا: بِصِنَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَاشْتَغَلَ الْآخَرُ بِصِنَاعَتَيْنِ. فَإِنَّ [ذَا الْفَنِّ] الْوَاحِدِ يَكُونُ أَقْوَى مِنْ ذِي الْفَنَّيْنِ، وَمَنْ حَاوَلَ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ فَإِنَّهُ حَالَ تَفَكُّرِهِ فِيهَا لَا بُدَّ وَأَنْ يُفَرِّغَ خَاطِرَهُ عَمَّا عَدَاهَا، فَإِنَّهُ عِنْدَ تَفْرِيغِ الْخَاطِرِ يَتَوَجَّهُ الْخَاطِرُ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَيْهِ فَيَكُونُ الْفِعْلُ أَسْهَلَ وَأَحْسَنَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مَشْغُولَ الْهَمِّ وَالْهِمَّةِ بِقَضَاءِ اللَّذَّاتِ وَتَحْصِيلِ الشَّهَوَاتِ كَانَتِ الْقُوَّةُ النَّفْسَانِيَّةُ مَشْغُولَةً بِهَا مُسْتَغْرِقَةً فِيهَا، فَلَا يَكُونُ انْجِذَابُهَا إِلَى تَحْصِيلِ الْفِعْلِ الْغَرِيبِ الَّذِي يحاوله انجذاباً قوياً لا سيما وهاهنا آفة
أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ النَّفْسِ قَدِ اعْتَادَتِ الِاشْتِغَالَ بِاللَّذَّاتِ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهَا إِلَى آخِرِهِ، وَلَمْ تَشْتَغِلْ قَطُّ بِاسْتِحْدَاثِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْغَرِيبَةِ، فَهِيَ بِالطَّبْعِ حَنُونٌ إِلَى الْأَوَّلِ عَزُوفٌ إلى الثَّانِي، فَإِذَا وَجَدَتْ مَطْلُوبَهَا مِنَ النَّمَطِ الْأَوَّلِ فَأَنَّى تَلْتَفِتُ/ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ؟ فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ مُزَاوَلَةَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ لَا تَتَأَتَّى إِلَّا مَعَ التَّجَرُّدِ عَنِ الْأَحْوَالِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَتَرْكِ مُخَالَطَةِ الْخَلْقِ وَالْإِقْبَالِ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى عَالَمِ الصَّفَاءِ وَالْأَرْوَاحِ. وَأَمَّا الرُّقَى فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً فَالْأَمْرُ فِيهَا ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا أَنَّ حِسَّ الْبَصَرِ كَمَا شَغَلْنَاهُ بِالْأُمُورِ الْمُنَاسِبَةِ لِذَلِكَ الْغَرَضِ فَحِسُّ السَّمْعِ نَشْغَلُهُ أَيْضًا بِالْأُمُورِ الْمُنَاسِبَةِ لِذَلِكَ الْغَرَضِ، فَإِنَّ الْحَوَاسَّ مَتَى تَطَابَقَتْ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى الْغَرَضِ الْوَاحِدِ كَانَ تَوَجُّهُ النَّفْسِ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ أَقْوَى، وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ بِأَلْفَاظٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ حَصَلَتْ لِلنَّفْسِ هُنَاكَ حَالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالْحَيْرَةِ وَالدَّهْشَةِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ إِنَّمَا تُقْرَأُ لِلِاسْتِعَانَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ الرُّوحَانِيَّةِ وَلَا يَدْرِي كَيْفِيَّةَ تِلْكَ الِاسْتِعَانَةِ حَصَلَتْ لِلنَّفْسِ هُنَاكَ حَالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالْحَيْرَةِ وَالدَّهْشَةِ، وَيَحْصُلُ لِلنَّفْسِ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ انْقِطَاعٌ عَنِ الْمَحْسُوسَاتِ وَإِقْبَالٌ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَجِدٌّ عَظِيمٌ، فَيَقْوَى التَّأْثِيرُ النَّفْسَانِيُّ فَيَحْصُلُ الْغَرَضُ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الدُّخْنِ، قَالُوا: فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْقُوَّةِ النَّفْسَانِيَّةِ مُشْتَغِلٌ بِالتَّأْثِيرِ، فَإِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنَ السِّحْرِ وَهُوَ الاستعانة بالكواكب وتأثيراتها عظم التأثير، بل هاهنا نَوْعَانِ آخَرَانِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ النُّفُوسَ الَّتِي فَارَقَتِ الْأَبْدَانَ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَا هُوَ شَدِيدُ الْمُشَابَهَةِ لِهَذِهِ النُّفُوسِ فِي قُوَّتِهَا وَفِي تَأْثِيرَاتِهَا، فَإِذَا صَارَتْ تِلْكَ النُّفُوسُ صَافِيَةً لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَنْجَذِبَ إِلَيْهَا مَا يُشَابِهُهَا مِنَ النُّفُوسِ الْمُفَارِقَةِ وَيَحْصُلُ لِتِلْكَ النُّفُوسِ نَوْعٌ مَا مِنَ التَّعَلُّقِ بِهَذَا الْبَدَنِ فَتَتَعَاضَدُ النُّفُوسُ الْكَثِيرَةُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَإِذَا كَمُلَتِ الْقُوَّةُ وَتَزَايَدَتْ قَوِيَ التَّأْثِيرُ، الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ النَّاطِقَةَ إِذَا صَارَتْ صَافِيَةً عَنِ الْكُدُورَاتِ الْبَدَنِيَّةِ صَارَتْ قَابِلَةً لِلْأَنْوَارِ الْفَائِضَةِ مِنَ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ وَالنُّفُوسِ الْفَلَكِيَّةِ، فَتَقْوَى هَذِهِ النُّفُوسُ بِأَنْوَارِ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ، فَتَقْوَى عَلَى أُمُورٍ غَرِيبَةٍ خَارِقَةٍ لِلْعَادَةِ فَهَذَا شَرْحُ سِحْرِ أَصْحَابِ الْأَوْهَامِ وَالرُّقَى. النَّوْعُ الثَّالِثُ: مِنَ السِّحْرِ: الِاسْتِعَانَةُ بِالْأَرْوَاحِ الْأَرْضِيَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْجِنِّ مِمَّا أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، أَمَّا أَكَابِرُ الْفَلَاسِفَةِ فَإِنَّهُمْ مَا أَنْكَرُوا الْقَوْلَ بِهِ إِلَّا أَنَّهُمْ سَمَّوْهَا بِالْأَرْوَاحِ الْأَرْضِيَّةِ وَهِيَ فِي أَنْفُسِهَا مُخْتَلِفَةٌ مِنْهَا خَيِّرَةٌ وَمِنْهَا شِرِّيرَةٌ، فَالْخَيِّرَةُ هُمْ مُؤْمِنُو الْجِنِّ وَالشِّرِّيرَةُ هُمْ كُفَّارُ الْجِنِّ وَشَيَاطِينُهُمْ، ثُمَّ قَالَ الْخَلَفُ مِنْهُمْ: هَذِهِ الْأَرْوَاحُ جَوَاهِرُ قَائِمَةٌ بِأَنْفُسِهَا لَا مُتَحَيِّزَةٌ وَلَا حَالَّةٌ فِي الْمُتَحَيِّزِ وَهِيَ قَادِرَةٌ عَالِمَةٌ مُدْرِكَةٌ لِلْجُزْئِيَّاتِ، وَاتِّصَالُ النُّفُوسِ النَّاطِقَةِ بِهَا أَسْهَلُ مِنِ اتِّصَالِهَا بِالْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ الْقُوَّةَ الْحَاصِلَةَ لِلنُّفُوسِ النَّاطِقَةِ بِسَبَبِ اتِّصَالِهَا بِهَذِهِ الْأَرْوَاحِ الْأَرْضِيَّةِ أَضْعَفُ مِنَ الْقُوَّةِ الْحَاصِلَةِ إِلَيْهَا بِسَبَبِ اتِّصَالِهَا بِتِلْكَ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، أَمَّا أَنَّ الِاتِّصَالَ أَسْهَلُ فَلِأَنَّ الْمُنَاسِبَةَ بَيْنَ نُفُوسِنَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ الْأَرْضِيَّةِ أَسْهَلُ، وَلِأَنَّ الْمُشَابَهَةَ وَالْمُشَاكَلَةَ بَيْنَهُمَا أَتَمُّ وَأَشَدُّ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ بَيْنَ نُفُوسِنَا وَبَيْنَ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، وَأَمَّا أَنَّ الْقُوَّةَ بِسَبَبِ الِاتِّصَالِ بِالْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ أَقْوَى فَلِأَنَّ الْأَرْوَاحَ السَّمَاوِيَّةَ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَرْوَاحِ الْأَرْضِيَّةِ كَالشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشُّعْلَةِ، وَالْبَحْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَطْرَةِ، وَالسُّلْطَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّعِيَّةِ. قَالُوا: وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ عَلَى وُجُودِهَا بُرْهَانٌ قَاهِرٌ فَلَا أَقَلَّ مِنَ الِاحْتِمَالِ وَالْإِمْكَانِ، ثُمَّ إِنَّ/ أَصْحَابَ الصَّنْعَةِ وَأَرْبَابَ التَّجْرِبَةِ شَاهَدُوا أَنَّ الِاتِّصَالَ بِهَذِهِ الْأَرْوَاحِ الْأَرْضِيَّةِ يَحْصُلُ بِأَعْمَالٍ سَهْلَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ الرُّقَى وَالدُّخْنِ وَالتَّجْرِيدِ، فَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْعَزَائِمِ وَعَمَلِ تَسْخِيرِ الْجِنِّ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: مِنَ السِّحْرِ: التَّخَيُّلَاتُ وَالْأَخْذُ بِالْعُيُونِ، وَهَذَا الْأَخْذُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ: إِحْدَاهَا: أَنَّ أَغْلَاطَ الْبَصَرِ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّ رَاكِبَ السَّفِينَةِ إِذَا نَظَرَ إِلَى الشَّطِّ رَأَى السَّفِينَةَ وَاقِفَةً وَالشَّطَّ مُتَحَرِّكًا. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّاكِنَ يُرَى مُتَحَرِّكًا وَالْمُتَحَرِّكَ يُرَى سَاكِنًا، وَالْقَطْرَةَ النَّازِلَةَ تُرَى خَطًّا مُسْتَقِيمًا، وَالذُّبَالَةَ الَّتِي تُدَارُ بِسُرْعَةٍ تُرَى دَائِرَةً، وَالْعِنَبَةَ تُرَى فِي الْمَاءِ كَبِيرَةً كَالْإِجَّاصَةِ، وَالشَّخْصَ الصَّغِيرَ يُرَى فِي الضَّبَابِ عَظِيمًا، وَكَبُخَارِ الْأَرْضِ الَّذِي يُرِيكَ قُرْصَ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا عَظِيمًا، فَإِذَا فَارَقَتْهُ وَارْتَفَعَتْ عَنْهُ صَغُرَتْ، وَأَمَّا رُؤْيَةُ الْعَظِيمِ مِنَ الْبَعِيدِ صَغِيرًا فَظَاهِرٌ، فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ قَدْ هَدَتِ الْعُقُولَ إِلَى أَنَّ الْقُوَّةَ الْبَاصِرَةَ قَدْ تُبْصِرُ الشَّيْءَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لِبَعْضِ الْأَسْبَابِ الْعَارِضَةِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْقُوَّةَ الْبَاصِرَةَ إِنَّمَا تَقِفُ عَلَى الْمَحْسُوسَاتِ وُقُوفًا تَامًّا إِذَا أَدْرَكَتِ الْمَحْسُوسَ فِي زَمَانٍ لَهُ مِقْدَارٌ مَا، فَأَمَّا إِذَا أَدْرَكَتِ الْمَحْسُوسَ فِي زَمَانٍ صَغِيرٍ جِدًّا ثُمَّ أَدْرَكَتْ بَعْدَهُ مَحْسُوسًا آخَرَ وَهَكَذَا فَإِنَّهُ يَخْتَلِطُ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ وَلَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُ الْمَحْسُوسَاتِ عَنِ الْبَعْضِ، وَذَلِكَ فَإِنَّ الرَّحَى إِذَا أَخْرَجْتَ مِنْ مَرْكَزِهَا إِلَى مُحِيطِهَا خُطُوطًا كَثِيرَةً بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ ثُمَّ اسْتَدَارَتْ، فَإِنَّ الْحِسَّ يَرَى لَوْنًا وَاحِدًا كَأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ كُلِّ تِلْكَ الْأَلْوَانِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ النَّفْسَ إِذَا كَانَتْ مَشْغُولَةً بِشَيْءٍ، فَرُبَّمَا حَضَرَ عِنْدَ الْحِسِّ شَيْءٌ آخَرُ وَلَا يَشْعُرُ الْحِسُّ بِهِ أَلْبَتَّةَ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَ دُخُولِهِ عَلَى السُّلْطَانِ قَدْ يَلْقَاهُ إِنْسَانٌ آخَرُ وَيَتَكَلَّمُ مَعَهُ، فَلَا يَعْرِفُهُ وَلَا يَفْهَمُ كَلَامَهُ، لِمَا أَنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَكَذَا النَّاظِرُ فِي الْمِرْآةِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا قَصَدَ أَنْ يَرَى قَذَاةً فِي عَيْنِهِ فَيَرَاهَا وَلَا يَرَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا، إِنْ كَانَ بِوَجْهِهِ أَثَرٌ أَوْ بِجَبْهَتِهِ أَوْ بِسَائِرِ أَعْضَائِهِ الَّتِي تُقَابِلُ الْمِرْآةَ، وَرُبَّمَا قَصَدَ أَنْ يَرَى سَطْحَ الْمِرْآةِ هَلْ هُوَ مُسْتَوٍ أَمْ لَا فَلَا يَرَى شَيْئًا مِمَّا فِي الْمِرْآةِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ سَهُلَ عِنْدَ ذَلِكَ تَصَوُّرُ كَيْفِيَّةِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشَعْبِذَ الْحَاذِقَ يُظْهِرُ عَمَلَ شَيْءٍ يَشْغَلُ أَذْهَانَ النَّاظِرِينَ بِهِ وَيَأْخُذُ عُيُونَهُمْ إِلَيْهِ حَتَّى إِذَا اسْتَغْرَقَهُمُ الشُّغْلُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَالتَّحْدِيقُ نَحْوَهُ عَمِلَ شَيْئًا آخَرَ عَمَلًا بِسُرْعَةٍ شَدِيدَةٍ، فَيَبْقَى ذَلِكَ الْعَمَلُ خَفِيًّا لِتَفَاوُتِ الشَّيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: اشْتِغَالُهُمْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي: سُرْعَةُ الْإِتْيَانِ بِهَذَا الْعَمَلِ الثَّانِي وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لَهُمْ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ مَا انْتَظَرُوهُ فَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ جِدًّا، وَلَوْ أَنَّهُ سَكَتَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَا يَصْرِفُ الْخَوَاطِرَ إِلَى ضِدِّ مَا يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَهُ وَلَمْ تَتَحَرَّكِ النُّفُوسُ وَالْأَوْهَامُ إِلَى غَيْرِ مَا يُرِيدُ إِخْرَاجَهُ، لَفَطِنَ النَّاظِرُونَ لِكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمُشَعْبِذَ يَأْخُذُ بِالْعُيُونِ لِأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ يَأْخُذُ الْعُيُونَ إِلَى غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي يَحْتَالُ فِيهَا وَكُلَّمَا كَانَ أَخْذُهُ لِلْعُيُونِ وَالْخَوَاطِرِ وَجَذْبُهُ لَهَا إِلَى سِوَى مَقْصُودِهِ أَقْوَى كَانَ أَحَذَقَ فِي عَمَلِهِ، وَكُلَّمَا كَانَتِ الْأَحْوَالُ الَّتِي تُفِيدُ حِسَّ الْبَصَرِ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْخَلَلِ أَشَدَّ كَانَ هَذَا الْعَمَلُ أَحْسَنَ، مِثْلَ أَنْ يَجْلِسَ الْمُشَعْبِذُ فِي مَوْضِعٍ مُضِيءٍ جِدًّا، فَإِنَّ الْبَصَرَ يُفِيدُ الْبَصَرَ كَلَالًا وَاخْتِلَالًا، وَكَذَا الظُّلْمَةُ الشَّدِيدَةُ/ وَكَذَلِكَ الْأَلْوَانُ الْمُشْرِقَةُ الْقَوِيَّةُ تُفِيدُ الْبَصَرَ كَلَالًا وَاخْتِلَالًا، وَالْأَلْوَانُ الْمُظْلِمَةُ قَلَّمَا تَقِفُ الْقُوَّةُ الْبَاصِرَةُ عَلَى أَحْوَالِهَا، فَهَذَا مَجَامِعُ الْقَوْلِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ. النَّوْعُ الْخَامِسُ مِنَ السِّحْرِ: الْأَعْمَالُ الْعَجِيبَةُ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ تَرْكِيبِ الْآلَاتِ الْمُرَكَّبَةِ عَلَى النِّسَبِ الْهَنْدَسِيَّةِ تَارَةً وَعَلَى ضُرُوبِ الْخُيَلَاءِ أُخْرَى، مِثْلَ: فَارِسَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فَيَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَكَفَارِسٍ عَلَى فَرَسٍ فِي يَدِهِ بُوقٌ، كُلَّمَا مَضَتْ سَاعَةٌ مِنَ النَّهَارِ ضَرَبَ الْبُوقَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّهُ أَحَدٌ، وَمِنْهَا الصُّوَرُ الَّتِي يُصَوِّرُهَا الرُّومُ وَالْهِنْدُ حَتَّى لَا يُفَرِّقَ النَّاظِرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِنْسَانِ، حَتَّى يُصَوِّرُونَهَا ضَاحِكَةً وَبَاكِيَةً، حتى يفرق فيها ضَحِكِ السُّرُورِ وَبَيْنَ ضَحِكِ الْخَجَلِ، وَضَحِكِ الشَّامِتِ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ مِنْ لَطِيفِ أُمُورِ الْمَخَايِلِ، وَكَانَ سِحْرُ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَرْكِيبُ صُنْدُوقِ السَّاعَاتِ، وَيَنْدَرِجُ فِي هَذَا الْبَابِ عِلْمُ جَرِّ الْأَثْقَالِ وَهُوَ أَنْ يجر ثقيلًا
عَظِيمًا بِآلَةٍ خَفِيفَةٍ سَهْلَةٍ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مِنْ بَابِ السِّحْرِ لِأَنَّ لَهَا أَسْبَابًا مَعْلُومَةً نَفِيسَةً مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهَا قَدَرَ عَلَيْهَا، إِلَّا أَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا لَمَّا كَانَ عَسِيرًا شَدِيدًا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا الْفَرْدُ بَعْدَ الْفَرْدِ، لَا جَرَمَ عَدَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ ذَلِكَ مِنْ بَابِ السِّحْرِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ عَمَلُ «أَرْجَعْيَانُوسَ» الْمُوسِيقَارِ فِي هَيْكَلِ أُورْشَلِيمَ الْعَتِيقِ عِنْدَ تَجْدِيدِهِ إِيَّاهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ اتَّفَقَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ مُجْتَازًا بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَوَجَدَ فِيهَا فَرْخًا مِنْ فِرَاخِ الْبَرَاصِلِ، وَالْبَرَاصِلُ هُوَ طَائِرٌ عَطُوفٌ وَكَانَ يُصَفِّرُ صَفِيرًا حَزِينًا بِخِلَافِ سَائِرِ الْبَرَاصِلِ وَكَانَتِ الْبَرَاصِلُ تَجِيئُهُ بِلَطَائِفِ الزَّيْتُونِ فَتَطْرَحُهَا عِنْدَهُ فَيَأْكُلُ بَعْضَهَا عِنْدَ حَاجَتِهِ وَيَفْضُلُ بَعْضُهَا عَنْ حَاجَتِهِ فَوَقَفَ هَذَا الْمُوسِيقَارُ هُنَاكَ وَتَأَمَّلَ حَالَ ذَلِكَ الْفَرْخِ وَعَلِمَ أَنَّ فِي صَفِيرِهِ الْمُخَالِفِ لِصَفِيرِ الْبَرَاصِلِ ضَرْبًا مِنَ التَّوَجُّعِ وَالِاسْتِعْطَافِ حَتَّى رَقَّتْ لَهُ الطُّيُورُ وَجَاءَتْهُ بِمَا يَأْكُلُهُ فَتَلَطَّفَ بِعَمَلِ آلَةٍ تُشْبِهُ الصَّفَّارَةَ إِذَا اسْتَقْبَلَ الرِّيحَ بِهَا أَدَّتْ ذَلِكَ الصَّفِيرَ وَلَمْ يَزَلْ يُجَرِّبُ ذَلِكَ حَتَّى وَثِقَ بِهَا وَجَاءَتْهُ الْبَرَاصِلُ بِالزَّيْتُونِ كَمَا كَانَتْ تَجِيءُ إِلَى ذَلِكَ الْفَرْخِ لِأَنَّهَا تَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ فَرْخًا مِنْ جِنْسِهَا، فَلَمَّا صَحَّ لَهُ مَا أَرَادَ أَظْهَرَ النُّسُكَ وَعَمَدَ إِلَى هَيْكَلِ أُورْشَلِيمَ وَسَأَلَ عَنِ اللَّيْلَةِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا «أُسْطُرْخُسُ» النَّاسِكُ الْقَيِّمُ بِعِمَارَةِ ذَلِكَ الْهَيْكَلِ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ دُفِنَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ آبَ فَاتَّخَذَ صُورَةً مِنْ زُجَاجٍ مُجَوَّفٍ عَلَى هَيْئَةِ الْبَرْصَلَةِ وَنَصَبَهَا فَوْقَ ذَلِكَ الْهَيْكَلِ، وَجَعَلَ فَوْقَ تِلْكَ الصُّورَةِ قُبَّةً وَأَمَرَهُمْ بِفَتْحِهَا فِي أَوَّلِ آبَ وَكَانَ يُظْهِرُ صَوْتَ الْبَرْصَلَةِ بِسَبَبِ نُفُوذِ الرِّيحِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ وَكَانَتِ الْبَرَاصِلُ تَجِيءُ بِالزَّيْتُونِ حَتَّى كَانَتْ تَمْتَلِئُ تِلْكَ الْقُبَّةُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ ذَلِكَ الزَّيْتُونِ وَالنَّاسُ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ مِنْ كَرَامَاتِ ذَلِكَ الْمَدْفُونِ وَيَدْخُلُ فِي الْبَابِ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ لَا يَلِيقُ شَرْحُهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. النَّوْعُ السَّادِسُ: مِنَ السِّحْرِ: الِاسْتِعَانَةُ بِخَوَاصِّ الْأَدْوِيَةِ مِثْلَ أَنْ يَجْعَلَ فِي طَعَامِهِ بَعْضَ الْأَدْوِيَةِ الْمُبَلِّدَةِ الْمُزِيلَةِ لِلْعَقْلِ وَالدُّخْنِ الْمُسْكِرَةِ نَحْوَ دِمَاغِ الْحِمَارِ إِذَا تَنَاوَلَهُ الْإِنْسَانُ تَبَلَّدَ عَقْلُهُ وَقَلَّتْ فِطْنَتُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى إِنْكَارِ الْخَوَاصِّ فَإِنَّ أَثَرَ الْمِغْنَاطِيسِ مَشَاهَدٌ إِلَّا أَنَّ النَّاسَ قَدْ أَكْثَرُوا فِيهِ وَخَلَطُوا الصِّدْقَ بِالْكَذِبِ وَالْبَاطِلَ بِالْحَقِّ. النَّوْعُ السَّابِعُ: مِنَ السِّحْرِ: تَعْلِيقُ الْقَلْبِ وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ السَّاحِرُ أَنَّهُ قَدْ عَرَفَ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ وَأَنَّ الْجِنَّ يُطِيعُونَهُ وَيَنْقَادُونَ لَهُ فِي أَكْثَرِ الْأُمُورِ، فَإِذَا اتَّفَقَ أَنْ كَانَ السَّامِعُ لِذَلِكَ ضَعِيفَ الْعَقْلِ قَلِيلَ التَّمْيِيزِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ حَقٌّ وَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِذَلِكَ وَحَصَلَ فِي نَفْسِهِ نَوْعٌ مِنَ الرُّعْبِ وَالْمَخَافَةِ، وَإِذَا حَصَلَ الْخَوْفُ ضَعُفَتِ الْقُوَى الْحَسَّاسَةُ فَحِينَئِذٍ يَتَمَكَّنَ السَّاحِرُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ حِينَئِذٍ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ مَنْ جَرَّبَ الْأُمُورَ وَعَرَفَ أَحْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمَ أَنَّ لِتَعَلُّقِ الْقَلْبِ أَثَرًا عَظِيمًا فِي تَنْفِيذِ الْأَعْمَالِ وَإِخْفَاءِ الْأَسْرَارِ. النَّوْعُ الثَّامِنُ: مِنَ السِّحْرِ: السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ وَالتَّضْرِيبِ مِنْ وُجُوهٍ خَفِيفَةٍ لَطِيفَةٍ وَذَلِكَ شَائِعٌ فِي النَّاسِ، فَهَذَا جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي أَقْسَامِ السِّحْرِ وَشَرْحُ أَنْوَاعِهِ وَأَصْنَافِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي أَقْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ هَلْ هِيَ مُمْكِنَةٌ أَمْ لَا؟ أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى إِنْكَارِهَا إِلَّا النَّوْعَ الْمَنْسُوبَ إِلَى التَّخَيُّلِ وَالْمَنْسُوبَ إِلَى إِطْعَامِ بَعْضِ الْأَدْوِيَةِ الْمُبَلِّدَةِ وَالْمَنْسُوبَ إِلَى التَّضْرِيبِ وَالنَّمِيمَةِ، فَأَمَّا الْأَقْسَامُ الْخَمْسَةُ الْأُوَلُ فَقَدْ أَنْكَرُوهَا وَلَعَلَّهُمْ كَفَّرُوا مَنْ قَالَ بِهَا وجوزوا وُجُودَهَا، وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَقَدْ جَوَّزُوا أَنْ يَقْدِرَ السَّاحِرُ عَلَى أَنْ يَطِيرَ فِي الْهَوَاءِ وَيَقْلِبَ الْإِنْسَانَ حِمَارًا وَالْحِمَارَ إِنْسَانًا، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لِهَذِهِ الأشياء عند ما يَقْرَأُ السَّاحِرُ رُقًى مَخْصُوصَةً وَكَلِمَاتٍ مُعَيَّنَةً. فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ الْفَلَكُ وَالنُّجُومُ فَلَا. وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ وَالْمُنَجِّمُونَ وَالصَّابِئَةُ فَقَوْلُهُمْ عَلَى مَا سَلَفَ تَقْرِيرُهُ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الصَّابِئَةِ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُوجِدُهُ قَادِرًا وَالشَّيْءُ الَّذِي حَكَمَ الْعَقْلُ بِأَنَّهُ
مَقْدُورٌ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِكَوْنِهِ مُمْكِنًا وَالْإِمْكَانُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ كُلِّ الْمُمْكِنَاتِ، فَإِذَنْ كُلُّ الْمُمْكِنَاتِ مَقْدُورٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْمَقْدُورَاتِ بِسَبَبٍ آخَرَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ السَّبَبُ مُزِيلًا لِتَعَلُّقِ قدرة الله تعالى بذلك المقدور فيكون الحاث سَبَبًا لِعَجْزِ اللَّهِ وَهُوَ مُحَالٌ، فَثَبَتَ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُ شَيْءٍ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ إِلَّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَعِنْدَهُ يَبْطُلُ كُلُّ مَا قَالَهُ الصَّابِئَةُ، قَالُوا: إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَدَّعِي أَنَّهُ يَمْتَنِعُ وُقُوعُ هَذِهِ الْخَوَارِقِ بِإِجْرَاءِ الْعَادَةِ عِنْدَ سِحْرِ السَّحَرَةِ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَى وُقُوعِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ بِالْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ. أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الْآثَارِ بِسَبَبِهِ، وَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَهِيَ وَارِدَةٌ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَاتِرَةً وَآحَادًا، أَحَدُهَا: مَا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سُحِرَ، وَأَنَّ السِّحْرَ عَمِلَ فِيهِ حَتَّى قَالَ: «إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنِّي أَقُولُ الشَّيْءَ وَأَفْعَلُهُ وَلَمْ أَقُلْهُ وَلَمْ أَفْعَلْهُ» وَأَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً سَحَرَتْهُ وَجَعَلَتْ ذَلِكَ السِّحْرَ تَحْتَ رَاعُوفَةِ الْبِئْرِ، فَلَمَّا اسْتُخْرِجَ ذَلِكَ زَالَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ الْعَارِضُ وَأُنْزِلَ الْمُعَوِّذَتَانِ بِسَبَبِهِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ عَائِشَةً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ لَهَا: إِنِّي سَاحِرَةٌ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَتْ: وَمَا سِحْرُكِ؟ فَقَالَتْ: صِرْتُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ هَارُوتُ وَمَارُوتُ بِبَابِلَ لِطَلَبِ عِلْمِ السِّحْرِ فَقَالَا لِي يَا أَمَةَ اللَّهِ لَا تَخْتَارِي عَذَابَ الْآخِرَةِ بِأَمْرِ الدُّنْيَا فَأَبَيْتُ، فَقَالَا لِي: اذْهَبِي فَبُولِي عَلَى ذَلِكَ الرَّمَادِ، فَذَهَبْتُ لِأَبُولَ عَلَيْهِ فَفَكَّرْتُ فِي نَفْسِي فَقُلْتُ لَا أَفْعَلُ وَجِئْتُ إِلَيْهِمَا فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقَالَا لِي: مَا رَأَيْتِ لَمَّا فَعَلْتِ؟ فَقُلْتُ/ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا، فَقَالَا لِي: أَنْتِ عَلَى رَأْسِ أَمْرٍ فَاتَّقِي اللَّهَ وَلَا تَفْعَلِي، فَأَبَيْتُ فَقَالَا لِي: اذْهَبِي فَافْعَلِي، فذهب فَفَعَلْتُ، فَرَأَيْتُ كَأَنَّ فَارِسًا مُقَنَّعًا بِالْحَدِيدِ قَدْ خَرَجَ مِنْ فَرْجِي فَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ فَجِئْتُهُمَا فَأَخْبَرْتُهُمَا فَقَالَا: إِيمَانُكِ قَدْ خَرَجَ عَنْكِ وَقَدْ أَحْسَنْتِ السِّحْرَ، فَقُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَا: مَا تُرِيدِينَ شَيْئًا فَتُصَوِّرِيهِ فِي وَهْمِكِ، إِلَّا كَانَ فَصَوَّرْتُ فِي نَفْسِي حَبًّا مِنْ حِنْطَةٍ، فَإِذَا أَنَا بِحَبٍّ، فَقُلْتُ: انْزَرِعْ فَانْزَرَعَ فَخَرَجَ مِنْ سَاعَتِهِ سُنْبُلًا فَقُلْتُ: انْطَحِنْ فَانْطَحَنَ مِنْ سَاعَتِهِ، فَقُلْتُ: انْخَبِزْ فَانْخَبَزَ وَأَنَا لَا أُرِيدُ شَيْئًا أُصَوِّرُهُ فِي نَفْسِي إِلَّا حَصَلَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ لَكِ تَوْبَةٌ، وَثَالِثُهَا: مَا يَذْكُرُونَهُ مِنَ الْحِكَايَاتِ الْكَثِيرَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ. أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَى إِنْكَارِهِ بِوُجُوهٍ، أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى [طه: 69] ، وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً [الْفَرْقَانِ: 8] وَلَوْ صَارَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسْحُورًا لَمَا اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ بِسَبَبِ هَذَا الْقَوْلِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ مِنَ السِّحْرِ فَكَيْفَ يَتَمَيَّزُ الْمُعْجِزُ عَنِ السِّحْرِ ثُمَّ قَالُوا: هَذِهِ الدَّلَائِلُ يَقِينِيَّةٌ وَالْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا مِنْ بَابِ الْآحَادِ فَلَا تَصْلُحُ مُعَارِضَةً لِهَذِهِ الدَّلَائِلِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي أَنَّ الْعِلْمَ بِالسِّحْرِ غَيْرُ قَبِيحٍ وَلَا مَحْظُورٌ: اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ لِذَاتِهِ شَرِيفٌ وَأَيْضًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزُّمَرِ: 9] وَلِأَنَّ السِّحْرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ يُعْلَمُ لَمَا أَمْكَنَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْجِزِ، وَالْعِلْمُ بِكَوْنِ الْمُعْجِزِ مُعْجِزًا وَاجِبٌ وَمَا يَتَوَقَّفُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَهُوَ وَاجِبٌ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ تَحْصِيلُ الْعِلْمِ بِالسِّحْرِ وَاجِبًا وَمَا يَكُونُ وَاجِبًا كَيْفَ يَكُونُ حَرَامًا وَقَبِيحًا. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي أَنَّ السَّاحِرَ قَدْ يُكَفَّرُ أَمْ لَا، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ السَّاحِرَ هَلْ يُكَفَّرُ أَمْ لَا؟ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُمَا بِقَوْلٍ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْكَوَاكِبَ هِيَ الْمُدَبِّرَةُ لِهَذَا الْعَالَمِ وَهِيَ الْخَالِقَةُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْخَيْرَاتِ وَالشُّرُورِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ كَافِرًا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنَ السحر.
أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ رُوحُ الْإِنْسَانِ فِي التَّصْفِيَةِ وَالْقُوَّةِ إِلَى حَيْثُ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى إِيجَادِ الْأَجْسَامِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَتَغْيِيرِ الْبِنْيَةِ وَالشَّكْلِ، فَالْأَظْهَرُ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ أَيْضًا عَلَى تَكْفِيرِهِ. أَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ السَّاحِرُ أَنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ فِي التَّصْفِيَةِ وَقِرَاءَةِ الرُّقَى وَتَدْخِينِ بَعْضِ الْأَدْوِيَةِ إِلَى حَيْثُ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى عَقِيبَ أَفْعَالِهِ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ الْأَجْسَامَ وَالْحَيَاةَ وَالْعَقْلَ وَتَغْيِيرَ الْبِنْيَةِ وَالشَّكْلِ فَهَهُنَا الْمُعْتَزِلَةُ اتَّفَقُوا عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ قَالُوا لِأَنَّهُ مَعَ هَذَا الِاعْتِقَادِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْرِفَ صِدْقَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَهَذَا رَكِيكٌ مِنَ الْقَوْلِ. فَإِنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَوِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَكَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِظْهَارُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى يَدِهِ لِئَلَّا يَحْصُلَ التَّلْبِيسُ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ وَأَظْهَرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى يَدِهِ لَمْ يُفْضِ ذَلِكَ إِلَى التَّلْبِيسِ فَإِنَّ الْمُحِقَّ يَتَمَيَّزُ عَنِ/ الْمُبْطِلِ بِمَا أَنَّ الْمُحِقَّ تَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مَعَ ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ وَالْمُبْطِلَ لَا تَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مَعَ ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ. وَأَمَّا سَائِرُ الْأَنْوَاعِ الَّتِي عَدَدْنَاهَا مِنَ السِّحْرِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْيَهُودَ لَمَّا أَضَافُوا السِّحْرَ إِلَى سُلَيْمَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى تَنْزِيهًا لَهُ عَنْهُ: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَيْضًا قَالَ: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَهَذَا أَيْضًا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السِّحْرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ كُفْرًا. وَحَكَى عَنِ الْمَلَكَيْنِ أَنَّهُمَا لَا يُعَلِّمَانِ أَحَدًا السِّحْرَ حَتَّى يَقُولَا: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، قُلْنَا: حِكَايَةُ الْحَالِ يَكْفِي فِي صدقها صورة واحدة فتحملها عَلَى سِحْرِ مَنْ يَعْتَقِدُ إِلَهِيَّةَ النُّجُومِ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ قَتْلُهُمْ أَمْ لَا؟ أَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ فِي الْكَوَاكِبِ كَوْنَهَا آلِهَةً مُدَبِّرَةً. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ السَّاحِرَ قَدْ يَصِيرُ مَوْصُوفًا بِالْقُدْرَةِ عَلَى خَلْقِ الْأَجْسَامِ وَخَلْقِ الْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعَقْلِ وَتَرْكِيبِ الْأَشْكَالِ، فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِمَا، فَالْمُسْلِمُ إِذَا أَتَى بِهَذَا الِاعْتِقَادِ كَانَ كَالْمُرْتَدِّ يُسْتَتَابُ فَإِنْ أَصَرَّ قُتِلَ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، لَنَا أَنَّهُ أَسْلَمَ فَيُقْبَلُ إِسْلَامُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ» ، أَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ بِخَلْقِ الْأَجْسَامِ وَالْحَيَاةِ وَتَغْيِيرِ الشَّكْلِ وَالْهَيْئَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ بَعْضِ الرُّقَى وَتَدْخِينِ بَعْضِ الْأَدْوِيَةِ، فَالسَّاحِرُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى اسْتِحْدَاثِ الْأَجْسَامِ وَالْحَيَاةِ وَتَغْيِيرِ الْخِلْقَةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ كُفْرٌ قَالُوا: لِأَنَّهُ مَعَ هَذَا الِاعْتِقَادِ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِدْلَالُ بِالْمُعْجِزِ عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا رَكِيكٌ لِأَنَّهُ يُقَالُ: الْفَرْقُ هُوَ أَنَّ مُدَّعِيَ النُّبُوَّةِ إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ أَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ. إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ وَثَبَتَ أَنَّهُ مُمْكِنُ الْوُقُوعِ فَإِذَا أَتَى السَّاحِرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ إِتْيَانَهُ بِهِ مُبَاحٌ كَفَرَ، لِأَنَّهُ حَكَمَ عَلَى الْمَحْظُورِ بِكَوْنِهِ مُبَاحًا، وَإِنِ اعْتَقَدَ حُرْمَتَهُ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ، إِنْ قَالَ: إِنِّي سَحَرْتُهُ وَسِحْرِي يَقْتُلُ غَالِبًا، يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ قَالَ: سَحَرْتُهُ وَسِحْرِي قَدْ يَقْتُلُ وَقَدْ لَا يَقْتُلُ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ وَإِنْ قَالَ سَحَرْتُ غَيْرَهُ فَوَافَقَ اسْمَهُ فَهُوَ خَطَأٌ تَجِبُ الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ إِلَّا أَنْ تُصَدِّقَهُ الْعَاقِلَةُ فحينئذ تَجِبُ عَلَيْهِمْ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: يُقْتَلُ السَّاحِرُ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ سَاحِرٌ وَلَا يُسْتَتَابُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إِنِّي أَتْرُكُ السِّحْرَ وَأَتُوبُ مِنْهُ، فَإِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ سَاحِرٌ فَقَدْ حَلَّ دمه وإن شهد شهدان عَلَى أَنَّهُ سَاحِرٌ أَوْ وَصَفُوهُ بِصِفَةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ سَاحِرٌ قُتِلَ وَلَا يُسْتَتَابُ وَإِنْ أَقَرَّ بِأَنِّي كُنْتُ أَسْحَرُ مَرَّةً وَقَدْ تَرَكْتُ ذَلِكَ مُنْذُ زَمَانٍ قُبِلَ مِنْهُ وَلَمْ يُقْتَلْ، وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ عَنْ عَلِيٍّ الرَّازِيِّ قَالَ:
سَأَلْتُ أَبَا يُوسُفَ عَنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي السَّاحِرِ: يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ، فَقَالَ: السَّاحِرُ جَمَعَ مَعَ كُفْرِهِ السَّعْيَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ إِذَا قَتَلَ قُتِلَ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ لَيْسَ بِكُفْرٍ فَهُوَ فِسْقٌ/ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جِنَايَةً عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ كَانَ الْحَقُّ هُوَ التَّفْصِيلَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. الثَّانِي: أَنَّ سَاحِرَ الْيَهُودِ لَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَحَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ وَامْرَأَةٌ مَنْ يَهُودِ خَيْبَرَ يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ، فَلَمْ يَقْتُلْهُمَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ» . وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى قَوْلِهِ بِأَخْبَارٍ، أَحَدُهَا: مَا رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْهَا وَأَخَذُوهَا فَاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ فَأَمَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ فَقَتَلَهَا فَبَلَغَ عُثْمَانَ فَأَنْكَرَهُ فَأَتَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَأَخْبَرَهُ أَمْرَهَا فَكَأَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا قَتَلَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَثَانِيهَا: مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ وَرَدَ كِتَابُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنِ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ، وَثَالِثُهَا: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْعَرَّافِينَ كُهَّانُ الْعَجَمِ، فَمَنْ أَتَى كَاهِنًا يُؤْمِنُ له بما يقول فقد برىء مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْجَوَابُ: لَعَلَّ السَّحَرَةَ الَّذِينَ قُتِلُوا كَانُوا مِنَ الْكَفَرَةِ فَإِنَّ حِكَايَةَ الْحَالِ يَكْفِي فِي صِدْقِهَا صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَمَّا سَائِرُ أَنْوَاعِ السِّحْرِ أَعْنِي الْإِتْيَانَ بِضُرُوبِ الشَّعْبَذَةِ وَالْآلَاتِ الْعَجِيبَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى ضُرُوبِ الْخُيَلَاءِ، وَالْمَبْنِيَّةِ عَلَى النِّسَبِ الْهَنْدَسِيَّةِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِيمَنْ يُوهِمُ ضُرُوبًا مِنَ التَّخْوِيفِ وَالتَّقْرِيعِ حَتَّى يَصِيرَ مَنْ بِهِ السَّوْدَاءُ مُحْكِمَ الِاعْتِقَادِ فِيهِ وَيَتَمَشَّى بِالتَّضْرِيبِ وَالنَّمِيمَةِ وَيَحْتَالُ فِي إِيقَاعِ الْفُرْقَةِ بَعْدَ الْوَصْلَةِ، وَيُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ بِكِتَابَةٍ يَكْتُبُهَا مِنَ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ فَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ بِكُفْرٍ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي دَفْنِ الْأَشْيَاءِ الْوَسِخَةِ فِي دُورِ النَّاسِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي إِيهَامِ أَنَّ الْجِنَّ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَنْ يَدُسُّ الْأَدْوِيَةَ الْمُبَلِّدَةَ فِي الْأَطْعِمَةِ فَإِنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا يَبْلُغُ حَدَّ الْكُفْرِ وَلَا يُوجِبُ الْقَتْلَ أَلْبَتَّةَ، فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ الْكُلِّيُّ فِي السِّحْرِ وَاللَّهُ الْكَافِي وَالْوَاقِي وَلْنَرْجِعْ إِلَى التَّفْسِيرِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ إِنَّمَا كَفَرُوا لِأَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ، لِأَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ وَتَعْلِيمُ مَا لَا يَكُونُ كُفْرًا لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ، فَصَارَتِ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى أَنَّ تَعْلِيمَ السِّحْرِ كُفْرٌ، وَعَلَى أَنَّ السِّحْرَ أَيْضًا كُفْرٌ، وَلِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَفَرُوا وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ فِي آخِرِ الْآيَةِ أَنَّ الْمَلَكَيْنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحْرَ، فَلَوْ كَانَ تَعْلِيمُ السِّحْرِ كُفْرًا لَزِمَ تَكْفِيرُ الْمَلَكَيْنِ، وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بِأَسْرِهِمْ مَعْصُومُونَ وَأَيْضًا فَلِأَنَّكُمْ قَدْ دَلَلْتُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يُسَمَّى سِحْرًا فَهُوَ كُفْرٌ. قُلْنَا: اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ لَا يَكُونُ عَامًّا فِي جَمِيعِ مُسَمَّيَاتِهِ، فَنَحْنُ نَحْمِلُ هَذَا السِّحْرَ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ عَلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُسَمَّاةِ بِالسِّحْرِ، وَهُوَ اعْتِقَادُ إِلَهِيَّةِ الْكَوَاكِبِ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهَا فِي إِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَهَذَا السِّحْرُ كُفْرٌ، وَالشَّيَاطِينُ إِنَّمَا كَفَرُوا لِإِتْيَانِهِمْ بِهَذَا السِّحْرِ لَا بِسَائِرِ الْأَقْسَامِ. وَأَمَّا الْمَلَكَانِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمَا عَلَّمَا هَذَا النَّوْعَ مِنَ السِّحْرِ، بَلْ لَعَلَّهُمْ يُعَلِّمَانِ سَائِرَ الْأَنْوَاعِ عَلَى/ مَا قَالَ تَعَالَى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَأَيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا عَلَّمَا هَذَا النَّوْعَ لَكِنَّ تَعْلِيمَ هَذَا النَّوْعِ إِنَّمَا يَكُونُ كُفْرًا إذا قصد المعلم أن يعتقد حقيته وَكَوْنُهُ صَوَابًا، فَأَمَّا أَنْ يُعَلِّمَهُ لِيُحْتَرَزَ عَنْهُ فَهَذَا التَّعْلِيمُ لَا يَكُونُ كُفْرًا، وَتَعْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ كَانَ لِأَجْلِ أَنْ يَصِيرَ الْمُكَلَّفُ مُحْتَرِزًا عَنْهُ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً
عَنْهُمَا: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ وَأَمَّا الشَّيَاطِينُ الَّذِينَ عَلَّمُوا النَّاسَ السِّحْرَ فَكَانَ مَقْصُودُهُمُ اعْتِقَادَ حقية هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَأَبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِ «لَكِنَّ» وَ «الشَّيَاطِينَ» بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ «لَكِنَّ» وَالْبَاقُونَ «لَكِنْ» بِالتَّخْفِيفِ وَ «الشَّيَاطِينُ» بِالرَّفْعِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَنْفَالِ: وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى. وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [الْأَنْفَالِ: 17] وَالِاخْتِيَارُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِالْوَاوِ كَانَ التَّشْدِيدُ أَحْسَنَ، وَإِذَا كَانَ بِغَيْرِ الْوَاوِ فَالتَّخْفِيفُ أَحْسَنُ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّ «لَكِنْ» بِالتَّخْفِيفِ يَكُونُ عَطْفًا فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْوَاوِ لِاتِّصَالِ الْكَلَامِ، وَالْمُشَدَّدَةُ لَا تَكُونُ عَطْفًا لِأَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ «إِنَّ» . أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: «مَا» فِي قَوْلِهِ: وَما أُنْزِلَ فِيهِ وَجْهَانِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ بِمَعْنَى الَّذِي ثُمَّ هَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أقوال. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى (السِّحْرِ) أَيْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَيُعَلِّمُونَهُمْ مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ أَيْضًا. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ أي وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ افْتِرَاءً عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ لِأَنَّ السِّحْرَ مِنْهُ مَا هُوَ كُفْرٌ وَهُوَ الَّذِي تَلَتْهُ الشَّيَاطِينُ، وَمِنْهُ مَا تَأْثِيرُهُ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنِ الْيَهُودِ أَنَّهُمُ اتَّبَعُوا كِلَا الْأَمْرَيْنِ وَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى أَحَدِهِمَا، وَثَالِثُهَا: أَنَّ مَوْضِعَهُ جَرٌّ عَطْفًا عَلَى (مُلْكِ سُلَيْمَانَ) وتقديره مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ افْتِرَاءً عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَعَلَى مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَنْكَرَ فِي الْمَلَكَيْنِ أَنْ يَكُونَ السِّحْرُ نَازِلًا عَلَيْهِمَا وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ السِّحْرَ لَوْ كَانَ نَازِلًا عَلَيْهِمَا لَكَانَ مُنْزِلُهُ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لَأَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ وَعَبَثٌ وَلَا يَلِيقُ بِاللَّهِ إِنْزَالُ ذَلِكَ، الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَعْلِيمَ السِّحْرِ كُفْرٌ، فَلَوْ ثَبَتَ فِي الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ يُعَلِّمُونَ السِّحْرَ لَزِمَهُمُ الْكُفْرُ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ. الثَّالِثُ: كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُبْعَثُوا لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ فَكَذَلِكَ فِي الْمَلَائِكَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، الرَّابِعُ: أَنَّ السِّحْرَ لَا يَنْضَافُ إِلَّا إِلَى الْكَفَرَةِ وَالْفَسَقَةِ وَالشَّيَاطِينِ الْمَرَدَةِ، وَكَيْفَ يُضَافُ إِلَى اللَّهِ مَا يَنْهَى عَنْهُ وَيَتَوَعَّدُ عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ؟ وَهَلِ السِّحْرُ إِلَّا الْبَاطِلُ الْمُمَوَّهُ وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِإِبْطَالِهِ كَمَا قَالَ فِي قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ [يُونُسَ: 81] ثُمَّ إِنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ سَلَكَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ نَهْجًا آخَرَ يُخَالِفُ قَوْلَ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، فَقَالَ: كَمَا أَنَّ الشَّيَاطِينَ نَسَبُوا السِّحْرَ إِلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ مَعَ أَنَّ مُلْكَ سُلَيْمَانَ كَانَ مُبَرَّأً/ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ نَسَبُوا مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ إِلَى السِّحْرِ مَعَ أَنَّ الْمُنَزَّلَ عَلَيْهِمَا كَانَ مُبَرَّأً عَنِ السِّحْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُنَزَّلَ عَلَيْهِمَا كَانَ هُوَ الشَّرْعَ وَالدِّينَ وَالدُّعَاءَ إِلَى الْخَيْرِ، وَإِنَّمَا كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِمَا: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ تَوْكِيدًا لِبَعْثِهِمْ عَلَى الْقَبُولِ وَالتَّمَسُّكِ، وَكَانَتْ طَائِفَةٌ تَتَمَسَّكُ وَأُخْرَى تُخَالِفُ وَتَعْدِلُ عَنْ ذَلِكَ وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا أَيْ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْكُفْرِ مِقْدَارَ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، فَهَذَا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ أَبِي مُسْلِمٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ «مَا» بِمَعْنَى الْجَحْدِ وَيَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ كَأَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَكْفُرْ سُلَيْمَانُ وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَى الْمَلَكَيْنِ سِحْرٌ لِأَنَّ السَّحَرَةَ كَانَتْ تُضِيفُ السِّحْرَ إِلَى سُلَيْمَانَ وَتَزْعُمُ أَنَّهُ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْقَوْلَيْنِ قوله: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ جَحْدٌ أَيْضًا أَيْ لَا يُعَلِّمَانِ أَحَدًا بَلْ يَنْهَيَانِ عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ أَيِ ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ فَلَا تَكْفُرْ وَهُوَ كَقَوْلِكَ مَا أَمَرْتُ فُلَانًا بِكَذَا
حَتَّى قُلْتُ لَهُ إِنْ فَعَلْتَ كَذَا نَالَكَ كَذَا، أَيْ مَا أَمَرْتُ بِهِ بَلْ حَذَّرْتُهُ عَنْهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَإِنْ كَانَتْ حَسَنَةً إِلَّا أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَحْسَنُ مِنْهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ عَطْفَ قَوْلِهِ: وَما أُنْزِلَ عَلَى مَا يَلِيهِ أَوْلَى مِنْ عَطْفِهِ عَلَى مَا بَعُدَ عَنْهُ إِلَّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، أَمَّا قَوْلُهُ: لَوْ نَزَلَ السِّحْرُ عَلَيْهِمَا لَكَانَ مُنْزِلُ ذَلِكَ السِّحْرِ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى. قُلْنَا: تَعْرِيفُ صِفَةِ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِأَجْلِ التَّرْغِيبِ فِي إِدْخَالِهِ فِي الْوُجُودِ وَقَدْ يَكُونُ لِأَجْلِ أَنْ يَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: عَرَفْتُ الشَّرَّ لا للشر لكن لتوقيه قوله ثانياً: أَنَّ تَعْلِيمَ السِّحْرِ كُفْرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ، فَالْجَوَابُ: أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّهُ وَاقِعَةُ حَالٍ فَيَكْفِي فِي صِدْقِهَا صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَا إِذَا اشْتَغَلَ بِتَعْلِيمِ سِحْرِ مَنْ يَقُولُ بِإِلَهِيَّةِ الْكَوَاكِبِ وَيَكُونُ قَصْدُهُ مِنْ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ إِثْبَاتَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَذْهَبَ حق. قوله ثالثاً: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَعْثَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ فَكَذَا الْمَلَائِكَةُ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَعْثَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لِتَعْلِيمِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ التنبيه على إبطاله. قوله رابعاً: إِنَّمَا يُضَافُ السِّحْرُ إِلَى الْكَفَرَةِ وَالْمَرَدَةِ فَكَيْفَ يُضَافُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا يَنْهَى عَنْهُ؟ قُلْنَا: فَرْقٌ بَيْنَ الْعَمَلِ وَبَيْنَ التَّعْلِيمِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَنْهِيًّا عَنْهُ؟ وَأَمَّا تَعْلِيمُهُ لِغَرَضِ التَّنْبِيهِ عَلَى فَسَادِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَرَأَ الْحَسَنُ: (ملكين) بكسر اللام وهو مروي عَنِ الضَّحَّاكِ وَابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَا عِلْجَيْنِ أَقْلَفَيْنِ بِبَابِلَ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحْرَ، وَقِيلَ: كَانَا رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ مِنَ الْمُلُوكِ. وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُمَا كَانَا مَلَكَيْنِ نَزَلَا مِنَ السَّمَاءِ، وَهَارُوتُ وَمَارُوتُ اسْمَانِ لَهُمَا، وَقِيلَ: هُمَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقِيلَ غَيْرُهُمَا: أَمَّا الَّذِينَ كَسَرُوا اللَّامَ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالْمَلَائِكَةِ تَعْلِيمُ السِّحْرِ، وَثَانِيهَا: كَيْفَ يَجُوزُ إِنْزَالُ/ الْمَلَكَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ [الْأَنْعَامِ: 8] ، وَثَالِثُهَا: لَوْ أَنْزَلَ الْمَلَكَيْنِ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَجْعَلَهُمَا فِي صُورَةِ الرَّجُلَيْنِ أَوْ لَا يَجْعَلَهُمَا كَذَلِكَ، فَإِنْ جَعَلَهُمَا فِي صُورَةِ الرَّجُلَيْنِ مَعَ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِرَجُلَيْنِ كَانَ ذَلِكَ تَجْهِيلًا وَتَلْبِيسًا عَلَى النَّاسِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ نُشَاهِدُهُمْ لَا يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنْسَانًا، بَلْ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟ وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُمَا فِي صُورَةِ الرَّجُلَيْنِ قَدَحَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [الْأَنْعَامِ: 9] وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّا سَنُبَيِّنُ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِي إِنْزَالِ الْمَلَائِكَةِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ، وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ وَقِرَاءَةُ الْمَلَكَيْنِ بِفَتْحِ اللَّامِ مُتَوَاتِرَةٌ وَخَاصَّةٌ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ، وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُمَا فِي صُورَةِ رَجُلَيْنِ وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فِي زَمَانِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ لَا يَقْطَعُوا عَلَى مَنْ صُورَتُهُ صُورَةُ الْإِنْسَانِ بِكَوْنِهِ إِنْسَانًا، كَمَا أَنَّهُ فِي زَمَانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى من شاهد دحية الكلبي أن لا يَقْطَعَ بِكَوْنِهِ مِنَ الْبَشَرِ بَلِ الْوَاجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُمَا كَانَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِهِمَا فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِآدَمَ وَقَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الْبَقَرَةِ: 30] ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَكَّلَ عَلَيْهِمْ جَمْعًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَهُمُ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ فَكَانُوا يَعْرُجُونَ بِأَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ فَعَجِبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْهُمْ وَمِنْ تَبْقِيَةِ اللَّهِ لَهُمْ مَعَ مَا ظَهَرَ مِنْهُمْ مِنَ القبائح، ثم
أضافوا إليهما عَمَلَ السِّحْرِ فَازْدَادَ تَعَجُّبُ الْمَلَائِكَةِ فَأَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَبْتَلِيَ الْمَلَائِكَةَ، فَقَالَ لَهُمُ: اخْتَارُوا مَلَكَيْنِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَلَائِكَةِ عِلْمًا وَزُهْدًا وَدِيَانَةً لِأُنْزِلَهُمَا إِلَى الْأَرْضِ فَأَخْتَبِرَهُمَا، فَاخْتَارُوا هَارُوتَ وَمَارُوتَ، وَرَكَّبَ فِيهِمَا شَهْوَةَ الْإِنْسِ وَأَنْزَلَهُمَا وَنَهَاهُمَا عَنِ الشِّرْكِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالشُّرْبِ، فَنَزَلَا فَذَهَبَتْ إِلَيْهِمَا امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ وَهِيَ الزُّهَرَةُ فَرَاوَدَاهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ أَنْ تُطِيعَهُمَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْبُدَا الصَّنَمَ، وَإِلَّا بَعْدَ أَنْ يَشْرَبَا الْخَمْرَ، فَامْتَنَعَا أَوَّلًا، ثُمَّ غَلَبَتِ الشَّهْوَةُ عَلَيْهِمَا فَأَطَاعَاهَا فِي كُلِّ ذَلِكَ، فَعِنْدَ إِقْدَامِهِمَا عَلَى الشُّرْبِ وَعِبَادَةِ الصَّنَمِ دَخَلَ سَائِلٌ عَلَيْهِمْ فَقَالَتْ: إِنْ أَظْهَرَ هَذَا السَّائِلُ لِلنَّاسِ مَا رَأَى مِنَّا فَسَدَ أَمْرُنَا، فَإِنْ أَرَدْتُمَا الْوُصُولَ إِلَيَّ فَاقْتُلَا هَذَا الرَّجُلَ، فَامْتَنَعَا مِنْهُ ثُمَّ اشْتَغَلَا بِقَتْلِهِ فَلَمَّا فَرَغَا مِنَ الْقَتْلِ وَطَلَبَا الْمَرْأَةَ فَلَمْ يَجِدَاهَا، ثُمَّ إِنَّ الْمَلَكَيْنِ عِنْدَ ذَلِكَ نَدِمَا وَتَحَسَّرَا وَتَضَرَّعَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَخَيَّرَهُمَا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختار عَذَابَ الدُّنْيَا وَهُمَا يُعَذَّبَانِ بِبَابِلَ مُعَلَّقَانِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحْرَ، ثُمَّ لَهُمْ في الزهرة قولان، أحدهما: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا ابْتَلَى الْمَلَكَيْنِ بِشَهْوَةِ بَنِي آدَمَ أَمَرَ اللَّهُ الْكَوْكَبَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الزُّهَرَةُ وَفَلَكَهَا أَنِ اهْبِطَا إِلَى الْأَرْضِ إِلَى أَنْ كَانَ مَا كَانَ، فَحِينَئِذٍ ارْتَفَعَتِ الزُّهَرَةُ وَفَلَكُهَا إِلَى مَوْضِعِهِمَا مِنَ السَّمَاءِ مُوَبِّخَيْنِ لَهُمَا عَلَى مَا شَاهَدَاهُ مِنْهُمَا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أن المرأة كانت فَاجِرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَوَاقَعَاهَا بَعْدَ شُرْبِ الْخَمْرِ وَقَتْلِ النَّفْسِ وَعِبَادَةِ الصَّنَمِ، ثُمَّ عَلَّمَاهَا الِاسْمَ الَّذِي كَانَا بِهِ يَعْرُجَانِ إِلَى السَّمَاءِ فَتَكَلَّمَتْ بِهِ وَعَرَجَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَكَانَ اسْمُهَا «بِيدَخْتَ» فَمَسَخَهَا اللَّهُ وَجَعَلَهَا هِيَ الزُّهَرَةَ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فَاسِدَةٌ مَرْدُودَةٌ/ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ فِيهِ مَا يُبْطِلُهَا مِنْ وجوه، الأول: ما تقدم من الدلائل الدَّالَّةِ عَلَى عِصْمَةِ الْمَلَائِكَةِ عَنْ كُلِّ الْمَعَاصِي، وَثَانِيهَا: أَنَّ قَوْلَهُمْ إِنَّهُمَا خُيِّرَا بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ عَذَابِ الْآخِرَةِ فَاسِدٌ، بَلْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُخَيَّرَا بَيْنَ التَّوْبَةِ وَالْعَذَابِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَهُمَا مَنْ أَشْرَكَ بِهِ طُولَ عُمُرِهِ، فَكَيْفَ يَبْخَلُ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ وَثَالِثُهَا: أَنَّ مِنْ أَعْجَبِ الْأُمُورِ قَوْلَهُمْ: إِنَّهُمَا يُعَلِّمَانِ السِّحْرَ فِي حَالِ كَوْنِهِمَا مُعَذَّبَيْنِ وَيَدْعُوَانِ إِلَيْهِ وَهُمَا يُعَاقَبَانِ وَلَمَّا ظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ فَنَقُولُ: السَّبَبُ فِي إِنْزَالِهِمَا وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ السَّحَرَةَ كَثُرَتْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَاسْتَنْبَطَتْ أَبْوَابًا غَرِيبَةً فِي السِّحْرِ، وَكَانُوا يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ وَيَتَحَدَّوْنَ النَّاسَ بِهَا، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَيْنِ الْمَلَكَيْنِ لِأَجْلِ أَنْ يُعَلِّمَا النَّاسَ أَبْوَابَ السِّحْرِ حَتَّى يَتَمَكَّنُوا مِنْ مُعَارَضَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ كَذِبًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَغْرَاضِ وَالْمَقَاصِدِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الْمُعْجِزَةِ مُخَالِفَةً لِلسِّحْرِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِمَاهِيَّةِ الْمُعْجِزَةِ وَبِمَاهِيَّةِ السِّحْرِ، وَالنَّاسُ كَانُوا جَاهِلِينَ بِمَاهِيَّةِ السِّحْرِ، فَلَا جَرَمَ هَذَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ الْمُعْجِزَةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ هَذَيْنِ الْمَلَكَيْنِ لِتَعْرِيفِ مَاهِيَّةِ السِّحْرِ لِأَجْلِ هَذَا الْغَرَضِ، وَثَالِثُهَا: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ: السِّحْرُ الَّذِي يُوقِعُ الْفُرْقَةَ بَيْنَ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَالْأُلْفَةَ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ كَانَ مُبَاحًا عِنْدَهُمْ أَوْ مَنْدُوبًا، فَاللَّهُ تَعَالَى بَعَثَ الْمَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ لِهَذَا الْغَرَضِ، ثُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ تَعَلَّمُوا ذَلِكَ مِنْهُمَا وَاسْتَعْمَلُوهُ فِي الشَّرِّ وَإِيقَاعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَالْأُلْفَةِ بَيْنَ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَرَابِعُهَا: أَنَّ تَحْصِيلَ الْعِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ حَسَنٌ وَلَمَّا كَانَ السِّحْرُ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُتَصَوَّرًا مَعْلُومًا لِأَنَّ الَّذِي لَا يَكُونُ مُتَصَوَّرًا امْتَنَعَ النَّهْيُ عَنْهُ، وَخَامِسُهَا: لَعَلَّ الْجِنَّ كَانَ عِنْدَهُمْ أَنْوَاعٌ مِنَ السِّحْرِ لَمْ يَقْدِرِ الْبَشَرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا، فَبَعَثَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ لِيُعَلِّمُوا الْبَشَرَ أُمُورًا يَقْدِرُونَ بِهَا عَلَى مُعَارَضَةِ الْجِنِّ، وَسَادِسُهَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَشْدِيدًا فِي التَّكْلِيفِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِذَا عَلَّمَهُ مَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ ثُمَّ مَنَعَهُ مِنِ اسْتِعْمَالِهَا كَانَ ذَلِكَ فِي نِهَايَةِ الْمَشَقَّةِ فَيَسْتَوْجِبُ بِهِ الثَّوَابَ الزَّائِدَ كَمَا ابْتُلِيَ قَوْمُ طَالُوتَ بِالنَّهَرِ عَلَى مَا قَالَ: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [الْبَقَرَةِ: 249] فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنْزَالُ الْمَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ والله أعلم.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْوَاقِعَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي زَمَانِ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُمَا إِذَا كَانَا مَلَكَيْنِ نَزَلَا بِصُورَةِ الْبَشَرِ لِهَذَا الْغَرَضِ فَلَا بُدَّ مِنْ رَسُولٍ فِي وَقْتِهِمَا لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ، وَلَا يَجُوزُ كَوْنُهُمَا رَسُولَيْنِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَبْعَثُ الرَّسُولَ إِلَى الْإِنْسِ مَلَكًا. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: «هَارُوتُ وَمَارُوتُ» عَطْفُ بَيَانٍ لِلْمَلَكَيْنِ، عَلَمَانِ لَهُمَا وَهُمَا اسْمَانِ أَعْجَمِيَّانِ بِدَلِيلِ مَنْعِ الصَّرْفِ، وَلَوْ كَانَا مِنَ الْهَرْتِ وَالْمَرْتِ وَهُوَ الْكَسْرُ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ لَانْصَرَفَا، وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ: هَارُوتُ وَمَارُوتُ بِالرَّفْعِ عَلَى: هُمَا هَارُوتُ وَمَارُوتُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى شَرَحَ حَالَهُمَا فَقَالَ: وَهَذَانِ الْمَلَكَانِ لَا يُعَلِّمَانِ السِّحْرَ إِلَّا بَعْدَ التَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا: / إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ والمراد هاهنا بِالْفِتْنَةِ الْمِحْنَةُ الَّتِي بِهَا يَتَمَيَّزُ الْمُطِيعُ عَنِ الْعَاصِي، كَقَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنَّارِ إِذَا عُرِضَ عَلَى النَّارِ لِيَتَمَيَّزَ الْخَالِصُ عَنِ الْمَشُوبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْوُجُوهَ فِي أَنَّهُ كَيْفَ يَحْسُنُ بَعْثَةُ الْمَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ فَالْمُرَادُ أَنَّهُمَا لَا يُعَلِّمَانِ أَحَدًا السِّحْرَ وَلَا يَصِفَانِهِ لِأَحَدٍ وَلَا يَكْشِفَانِ لَهُ وُجُوهَ الِاحْتِيَالِ حَتَّى يَبْذُلَا لَهُ النَّصِيحَةَ، فَيَقُولَا لَهُ: «إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ» أَيْ هَذَا الَّذِي نَصِفُهُ لَكَ وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ أَنْ يَتَمَيَّزَ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ السِّحْرِ وَبَيْنَ المعجز، ولكنه يمكنك أن تتوصل إِلَى الْمَفَاسِدِ وَالْمَعَاصِي، فَإِيَّاكَ بَعْدَ وُقُوفِكَ عَلَيْهِ أَنْ تَسْتَعْمِلَهُ فِيمَا نُهِيتَ عَنْهُ أَوْ تَتَوَصَّلَ به إلى شيء من الأغراض الْعَاجِلَةِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: ذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ هَذَا التَّفْرِيقِ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ إِنَّمَا يَكُونُ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ السِّحْرَ مُؤَثِّرٌ فِي هَذَا التَّفْرِيقِ فَيَصِيرُ كَافِرًا، وَإِذَا صَارَ كَافِرًا بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ فَيَحْصُلُ تَفَرُّقٌ بَيْنَهُمَا، الثَّانِي: أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِالتَّمْوِيهِ وَالْحِيَلِ وَالتَّضْرِيبِ وَسَائِرِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا لَيْسَ إِلَّا هَذَا الْقَدْرَ، لَكِنْ ذَكَرَ هَذِهِ الصُّورَةَ تَنْبِيهًا عَلَى سَائِرِ الصُّوَرِ، فَإِنَّ اسْتِكَانَةَ الْمَرْءِ إِلَى زَوْجَتِهِ وَرُكُونَهُ إِلَيْهَا مَعْرُوفٌ زَائِدٌ عَلَى كُلِّ مَوَدَّةٍ، فَنَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ إِذَا أَمْكَنَ بِهِ هَذَا الْأَمْرُ عَلَى شِدَّتِهِ فَغَيْرُهُ بِهِ أَوْلَى. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الضَّرَرَ، وَلَمْ يَقْصُرْهُ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِهِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْإِذْنَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَمْرِ وَاللَّهُ لَا يَأْمُرُ بِالسِّحْرِ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ عَيْبَهُمْ وَذَمَّهُمْ، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَمَرَهُمْ بِهِ لَمَا جَازَ أَنْ يَذُمَّهُمْ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وَفِيهِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: قَالَ الْحَسَنُ: الْمُرَادُ مِنْهُ التَّخْلِيَةُ، يَعْنِي السِّحْرُ إِذَا سَحَرَ إِنْسَانًا فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنَعَهُ مِنْهُ وَإِنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ ضَرَرِ السِّحْرِ، وَثَانِيهَا: قَالَ الْأَصَمُّ: الْمُرَادُ إِلَّا بِعِلْمِ اللَّهِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْأَذَانُ أَذَانًا لأنه إعلام للناس بوقت الصلاة وسمي الأذان إِذْنًا لِأَنَّ بِالْحَاسَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ يُدْرَكُ الْإِذْنُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ [التَّوْبَةِ: 3] أَيْ إِعْلَامٌ، وَقَوْلُهُ: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ [الْبَقَرَةِ: 279] مَعْنَاهُ: فاعلموا وقوله: آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ [الأنبياء: 109] يعني أعلمتكم، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الضَّرَرَ الْحَاصِلَ عِنْدَ فِعْلِ السِّحْرِ إنما يحصل
[سورة البقرة (2) : آية 103]
بِخَلْقِ اللَّهِ وَإِيجَادِهِ وَإِبْدَاعِهِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُضَافَ إِلَى إِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النَّحْلِ: 40] . وَرَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِذْنِ الْأَمْرَ وَهَذَا الْوَجْهُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِأَنْ يُفَسَّرَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ بِأَنْ يَصِيرَ كَافِرًا وَالْكُفْرُ يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ، فَإِنَّ هَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. / أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِنَّمَا ذَكَرَ لَفْظَ الشِّرَاءِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ لِوُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ لَمَّا نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وراء ظهورهم وأقبلوا على التمسك بما تتلوا الشَّيَاطِينُ فَكَأَنَّهُمْ قَدِ اشْتَرَوْا ذَلِكَ السِّحْرَ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمَلَكَيْنِ إِنَّمَا قَصَدَا بِتَعْلِيمِ السِّحْرِ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ لِيَصِلَ بِذَلِكَ الِاحْتِرَازِ إِلَى مَنَافِعِ الْآخِرَةِ فَلَمَّا اسْتَعْمَلَ السِّحْرَ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى بِمَنَافِعِ الْآخِرَةِ مَنَافِعَ الدُّنْيَا. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَمَّا اسْتَعْمَلَ السِّحْرَ عَلِمْنَا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى بِالْمِحَنِ الَّتِي تَحَمَّلَهَا قُدْرَتَهُ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الْأَكْثَرُونَ: «الْخَلَاقُ» النَّصِيبُ، قَالَ الْقَفَّالُ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنَ الْخَلَقِ وَمَعْنَاهُ التَّقْدِيرُ وَمِنْهُ خَلِقَ الْأَدِيمُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: قَدَّرَ لِلرَّجُلِ كَذَا دِرْهَمًا رِزْقًا عَلَى عَمَلِ كَذَا. وَقَالَ آخَرُونَ: الْخَلَاقُ الْخَلَاصُ وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ: يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ فِيهَا لأخلاق لَهُمْ ... إِلَّا سَرَابِيلَ قَطْرَانٍ وَأَغْلَالِ بَقِيَ فِي الْآيَةِ سُؤَالٌ: وَهُوَ أَنَّهُ كَيْفَ أَثْبَتَ لَهُمُ الْعِلْمَ أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ عَلِمُوا ثُمَّ نَفَاهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ الَّذِينَ عَلِمُوا غَيْرَ الَّذِينَ لَمْ يَعْلَمُوا، فَالَّذِينَ عَلِمُوا هُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا السِّحْرَ وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى تَعَلُّمِهِ وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِمْ: نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَأَمَّا الْجُهَّالُ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ فِي تَعَلُّمِ السِّحْرِ فَهُمُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، وَهَذَا جَوَابُ الْأَخْفَشِ وَقُطْرُبٍ. وَثَانِيهَا: لَوْ سَلَّمْنَا كَوْنَ الْقَوْمِ وَاحِدًا وَلَكِنَّهُمْ عَلِمُوا شَيْئًا وَجَهِلُوا شَيْئًا آخَرَ، عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ خَلَاقٌ وَلَكِنَّهُمْ جَهِلُوا مِقْدَارَ مَا فَاتَهُمْ مِنْ مَنَافِعِ الْآخِرَةِ، وَمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَارِّهَا وَعُقُوبَاتِهَا. وَثَالِثُهَا: لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْقَوْمَ وَاحِدٌ وَالْمَعْلُومَ وَاحِدٌ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعِلْمِهِمْ بَلْ أَعْرَضُوا عَنْهُ فَصَارَ ذَلِكَ الْعِلْمُ كَالْعَدَمِ كَمَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْكُفَّارَ: عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا [الإسراء: 97] إِذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذِهِ الْحَوَاسِّ. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ فِي شَيْءٍ يَفْعَلُهُ لَكِنَّهُ لَا يَضَعُهُ مَوْضِعَهُ: صنعت ولم تصنع. [سورة البقرة (2) : آية 103] وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103) اعْلَمْ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ فِيهِمُ الْوَعِيدَ بِقَوْلِهِ: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ [البقرة: 102] أَتْبَعَهُ بِالْوَعْدِ جَامِعًا بَيْنَ التَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا أَدْعَى إِلَى الطَّاعَةِ وَالْعُدُولِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: آمَنُوا فَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ/ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [البقرة: 101] ثم وصفهم بأنهم اتبعوا ما تتلوا الشَّيَاطِينُ وَأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِالسِّحْرِ. قَالَ مِنْ بَعْدِ:
[سورة البقرة (2) : آية 104]
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا يَعْنِي بِمَا نَبَذُوهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. فَإِنْ حَمَلْتَ ذَلِكَ عَلَى الْقُرْآنِ جَازَ، وَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى كِتَابِهِمُ الْمُصَدِّقِ لِلْقُرْآنِ جَازَ، وَإِنْ حَمَلْتَهُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ جَازَ، وَالْمُرَادُ مِنَ التَّقْوَى الِاحْتِرَازُ عَنْ فِعْلِ الْمَنْهِيَّاتِ وَتَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ فَفِيهِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْجَوَابَ مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَأُثِيبُوا إِلَّا أَنَّهُ تُرِكَتِ الْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ إِلَى هَذِهِ الاسمية لما في الجملة الاسمية مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى ثَبَاتِ الْمَثُوبَةِ وَاسْتِقْرَارِهَا. فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا قِيلَ لَمَثُوبَةُ اللَّهِ خَيْرٌ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْمُرَادَ لَشَيْءٌ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُمْ. وَثَانِيهَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا تَمَنِّيًا لِإِيمَانِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ عَنْ إِرَادَةِ اللَّهِ إِيمَانَهُمْ كَأَنَّهُ قِيلَ: وَلَيْتَهُمْ آمَنُوا، ثُمَّ ابْتَدَأَ لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خير. [سورة البقرة (2) : آية 104] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا شَرَحَ قَبَائِحَ أَفْعَالِهِمْ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَرَادَ من هاهنا أَنْ يَشْرَحَ قَبَائِحَ أَفْعَالِهِمْ عِنْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِدِّهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ فِي الْقَدْحِ فِيهِ وَالطَّعْنِ فِي دِينِهِ وَهَذَا هُوَ النوع الأول من هذا الباب وهاهنا مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خاطب المؤمنين بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فِي ثَمَانِيَةٍ وَثَمَانِينَ مَوْضِعًا مِنَ الْقُرْآنِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ يُخَاطِبُ فِي التَّوْرَاةِ بِقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الْمَسَاكِينُ فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا خَاطَبَهُمْ أَوَّلًا بِالْمَسَاكِينِ أَثْبَتَ الْمَسْكَنَةَ لَهُمْ آخِرًا حَيْثُ قَالَ: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [الْبَقَرَةِ: 61] ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا خَاطَبَ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالْإِيمَانِ أَوَّلًا فَإِنَّهُ تَعَالَى يُعْطِيهِمُ الْأَمَانَ مِنَ الْعَذَابِ فِي النِّيرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَيْضًا فَاسْمُ الْمُؤْمِنِ أَشْرَفُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَإِذَا كَانَ يُخَاطِبُنَا فِي الدُّنْيَا بِأَشْرَفِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَنَرْجُو مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يُعَامِلَنَا فِي الْآخِرَةِ بِأَحْسَنِ الْمُعَامَلَاتِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ فِي الْكَلِمَتَيْنِ الْمُتَرَادِفَتَيْنِ أَنْ يَمْنَعَ اللَّهُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيَأْذَنَ فِي الْأُخْرَى، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا تَصْلُحُ الصَّلَاةُ بِتَرْجَمَةِ الْفَاتِحَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِالْعِبْرِيَّةِ أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَمْنَعَ اللَّهُ مِنْ قَوْلِهِ: راعِنا وَيَأْذَنَ فِي قَوْلِهِ: انْظُرْنا وَإِنْ كَانَتَا مُتَرَادِفَتَيْنِ وَلَكِنَّ جُمْهُورَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا مَنَعَ مِنْ قَوْلِهِ: راعِنا لِاشْتِمَالِهَا عَلَى نَوْعِ مَفْسَدَةٍ ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، أَحَدُهَا: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَلَا عَلَيْهِمْ/ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ: رَاعِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالْيَهُودُ كَانَتْ لَهُمْ كَلِمَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ يَتَسَابُّونَ بِهَا تُشْبِهُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَهِيَ «رَاعِينَا» وَمَعْنَاهَا: اسْمَعْ لَا سَمِعْتَ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ: رَاعِنَا افْتَرَضُوهُ وَخَاطَبُوا بِهِ النَّبِيَّ وَهُمْ يَعْنُونَ تِلْكَ الْمَسَبَّةَ، فَنُهِيَ الْمُؤْمِنُونَ عَنْهَا وَأُمِرُوا بِلَفْظَةٍ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ: انْظُرْنا، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ [النِّسَاءِ: 46] ، وَرُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ سَمِعَهَا مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ سَمِعْتُهَا مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ يَقُولُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، فَقَالُوا: أَوَلَسْتُمْ تَقُولُونَهَا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَثَانِيهَا: قَالَ قُطْرُبٌ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةَ الْمَعْنَى إِلَّا أَنَّ أهل
[سورة البقرة (2) : آية 105]
الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزء وَالسُّخْرِيَةِ، فَلَا جَرَمَ نَهَى اللَّهُ عَنْهَا، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ: رَاعِينَا أَيْ أَنْتَ رَاعِي غَنَمِنَا فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهَا، وَرَابِعُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: «رَاعِنَا» مُفَاعَلَةٌ مِنَ الرَّعْيِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَكَانَ هَذَا اللَّفْظُ مُوهِمًا لِلْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُخَاطَبِينَ كَأَنَّهُمْ قَالُوا: أَرْعِنَا سَمْعَكَ لِنُرْعِيَكَ أَسْمَاعَنَا، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَبَيَّنَ أَنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْظِيمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمُخَاطَبَةِ عَلَى مَا قَالَ: لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النُّورِ: 63] . وَخَامِسُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: «رَاعِنَا» خِطَابٌ مَعَ الِاسْتِعْلَاءِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: رَاعِ كَلَامِي وَلَا تَغْفُلْ عَنْهُ وَلَا تَشْتَغِلْ بِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِي «انْظُرْنَا» إِلَّا سُؤَالُ الِانْتِظَارِ كَأَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ تَوَقَّفْ فِي كَلَامِكَ وَبَيَانِكَ مِقْدَارَ مَا نَصِلُ إِلَى فَهْمِهِ، وَسَادِسُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: «رَاعِنَا» عَلَى وَزْنِ عَاطِنَا مِنَ الْمُعَاطَاةِ، وَرَامِنَا مِنَ الْمُرَامَاةِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَلَبُوا هَذِهِ النُّونَ إِلَى النُّونِ الْأَصْلِيَّةِ وَجَعَلُوهَا كَلِمَةً مُشْتَقَّةً من الرعونة وهي الحق، فَالرَّاعِنُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الرُّعُونَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ الْمَصْدَرَ. كَقَوْلِهِمْ: عِيَاذًا بِكَ، أَيْ أَعُوذُ عِيَاذًا بِكَ، فَقَوْلُهُمْ: رَاعِنًا: أَيْ فَعَلْتَ رُعُونَةً. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ: صِرْتَ رَاعِنًا، أَيْ صِرْتَ ذَا رُعُونَةٍ، فَلَمَّا قَصَدُوا هَذِهِ الْوُجُوهَ الْفَاسِدَةَ لَا جَرَمَ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ. وَسَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا تَقُولُوا قَوْلًا رَاعِنًا أَيْ: قَوْلًا مَنْسُوبًا إِلَى الرُّعُونَةِ بِمَعْنًى رَاعِنٍ: كَتَامِرٍ وَلَابِنٍ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُولُوا انْظُرْنا فَفِيهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ مِنْ نَظَرَهُ أَيِ انْتَظَرَهُ، قَالَ تَعَالَى: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الْحَدِيدِ: 13] فَأَمَرَهُمْ تَعَالَى بِأَنْ يَسْأَلُوهُ الْإِمْهَالَ لِيَنْقُلُوا عَنْهُ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إلى الاستعاذة. فَإِنْ قِيلَ: أَفَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يعجل عليهم حتى يقولون هَذَا؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدْ تُقَالُ فِي خِلَالِ الْكَلَامِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ عَجَلَةٌ تُحْوِجُ إِلَى ذَلِكَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ فِي خِلَالِ حَدِيثِهِ: اسْمَعْ أَوْ سَمِعْتَ. الثَّانِي: أَنَّهُمْ فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَعْجَلُ قَوْلَ مَا يُلْقِيهِ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِرْصًا عَلَى تَحْصِيلِ الْوَحْيِ وَأَخْذِ الْقُرْآنِ، فَقِيلَ لَهُ: لَا تَحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَعْجَلَ فِيمَا يُحَدِّثُ بِهِ أَصْحَابَهُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ حِرْصًا عَلَى تَعْجِيلِ أَفْهَامِهِمْ فَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يُمْهِلَهُمْ فِيمَا يُخَاطِبُهُمْ بِهِ إِلَى أَنْ يَفْهَمُوا كُلَّ ذَلِكَ الْكَلَامِ، وَثَانِيهَا: «انْظُرْنَا» مَعْنَاهُ «انْظُرْ» إِلَيْنَا إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ/ حَرْفَ «إِلَى» كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [الْأَعْرَافِ: 155] وَالْمَعْنَى مِنْ قَوْمِهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنَّ الْمُعَلِّمَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْمُتَعَلِّمِ كَانَ إِيرَادُهُ لِلْكَلَامِ عَلَى نَعْتِ الْإِفْهَامِ وَالتَّعْرِيفِ أَظْهَرَ وَأَقْوَى. وَثَالِثُهَا: قَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «أَنْظِرْنَا» مِنَ النَّظِرَةِ أَيْ أَمْهِلْنَا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاسْمَعُوا فَحُصُولُ السَّمَاعِ عِنْدَ سَلَامَةِ الْحَاسَّةِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ خَارِجٌ عَنْ قُدْرَةِ الْبَشَرِ، فَلَا يَجُوزُ وُقُوعُ الْأَمْرِ بِهِ، فَإِذَنِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَحَدُ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ، أَحَدُهَا: فَرِّغُوا أَسْمَاعَكُمْ لِمَا يَقُولُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى لَا تَحْتَاجُوا إِلَى الِاسْتِعَادَةِ، وَثَانِيهَا: اسْمَعُوا سَمَاعَ قَبُولٍ وَطَاعَةٍ وَلَا يَكُنْ سَمَاعُكُمْ سَمَاعَ الْيَهُودِ حَيْثُ قَالُوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وَثَالِثُهَا: اسْمَعُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ حَتَّى لَا تَرْجِعُوا إِلَى مَا نُهِيتُمْ عَنْهُ تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ مَا لِلْكَافِرِينَ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ إِذَا لَمْ يَسْلُكُوا مَعَ الرَّسُولِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مِنَ الْإِعْظَامِ وَالتَّبْجِيلِ وَالْإِصْغَاءِ إِلَى مَا يَقُولُ وَالتَّفَكُّرِ فِيمَا يقول، ومعنى «العذاب الأليم» قد تقدم. [سورة البقرة (2) : آية 105] مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)
[سورة البقرة (2) : آية 106]
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ حَالَ الْيَهُودِ وَالْكُفَّارِ فِي الْعَدَاوَةِ وَالْمُعَانَدَةِ حَذَّرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ فَقَالَ: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَنَفَى عَنْ قُلُوبِهِمُ الْوُدَّ وَالْمَحَبَّةَ لِكُلِّ مَا يَظْهَرُ بِهِ فضل المؤمنين وهاهنا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: «مِنْ» الْأَوْلَى لِلْبَيَانِ لِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جِنْسٌ تَحْتَهُ نَوْعَانِ: أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكُونَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [الْبَيِّنَةِ: 1] وَالثَّانِيَةُ: مَزِيدَةٌ لِاسْتِغْرَاقِ الْخَيْرِ، وَالثَّالِثَةُ: لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْخَيْرُ الْوَحْيُ وَكَذَلِكَ الرَّحْمَةُ، يَدُلُّ عليه قوله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزُّخْرُفِ: 32] الْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ أَحَقَّ بِأَنْ يُوحَى إِلَيْهِمْ فَيَحْسُدُونَكُمْ وَمَا يُحِبُّونَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحَسَدَ لَا يُؤَثِّرُ فِي زَوَالِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ من يشاء. [سورة البقرة (2) : آية 106] مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ طَعْنِ الْيَهُودِ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالُوا: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِأَمْرٍ ثُمَّ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ وَيَأْمُرُهُمْ بِخِلَافِهِ، وَيَقُولُ الْيَوْمَ قَوْلًا وَغَدًا يَرْجِعُ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَالْكَلَامُ فِي الْآيَةِ مُرَتَّبٌ عَلَى مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: النَّسْخُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنَى إِبْطَالِ الشَّيْءِ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: إِنَّهُ لِلنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ لَنَا أَنَّهُ يُقَالُ: نَسَخَتِ الرِّيحُ آثَارَ الْقَوْمِ إِذَا عُدِمَتْ، وَنَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ إِذَا عُدِمَ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَحْصُلُ الظِّلُّ فِي مَكَانٍ آخَرَ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَيْهِ، وَقَالَ تَعَالَى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ [الْحَجِّ: 52] أَيْ يُزِيلُهُ وَيُبْطِلُهُ، وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ. وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في الإبطال وجب أن لا يَكُونَ حَقِيقَةً فِي النَّقْلِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ. فَإِنْ قِيلَ: وَصْفُهُمُ الرِّيحَ بِأَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِلْآثَارِ، وَالشَّمْسَ بِأَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِلظِّلِّ مَجَازٌ، لِأَنَّ الْمُزِيلَ لِلْآثَارِ وَالظِّلِّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَجَازًا امْتَنَعَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِي مَدْلُولِهِ ثُمَّ نُعَارِضُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ وَنَقُولُ: بَلِ النَّسْخُ هُوَ النَّقْلُ وَالتَّحْوِيلُ وَمِنْهُ نَسَخَ الْكِتَابَ إِلَى كِتَابٍ آخَرَ كَأَنَّهُ يَنْقُلُهُ إِلَيْهِ أَوْ يَنْقُلُ حِكَايَتَهُ، وَمِنْهُ تَنَاسُخُ الْأَرْوَاحِ وَتَنَاسُخُ الْقُرُونِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَتَنَاسُخُ الْمَوَارِيثِ إِنَّمَا هُوَ التَّحَوُّلُ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى آخَرَ بَدَلًا عَنِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ تَعَالَى: هَذَا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الْجَاثِيَةِ: 29] فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِي النَّقْلِ وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْإِبْطَالِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ النَّاسِخَ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فِعْلُ الشَّمْسِ وَالرِّيحِ الْمُؤَثِّرَتَيْنِ فِي تِلْكَ الْإِزَالَةِ وَيَكُونَانِ أَيْضًا نَاسِخَيْنِ لِكَوْنِهِمَا مُخْتَصَّيْنِ بِذَلِكَ التَّأْثِيرِ. وَالثَّانِي: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ إِنَّمَا أَخْطَئُوا فِي إِضَافَةِ النَّسْخِ إِلَى الشَّمْسِ وَالرِّيحِ، فَهَبْ أَنَّهُ كَذَلِكَ، لَكِنَّ مُتَمَسَّكَنَا إِطْلَاقُهُمْ لَفْظَ النَّسْخِ عَلَى الْإِزَالَةِ لِإِسْنَادِهِمْ هَذَا الْفِعْلَ إِلَى الرِّيحِ وَالشَّمْسِ، وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ النَّقْلَ أَخَصُّ مِنَ الْإِبْطَالِ لِأَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ النَّقْلُ فَقَدْ عُدِمَتْ صِفَةٌ وَحَصَلَ عَقِيبَهَا صِفَةٌ أُخْرَى، فَإِنَّ مُطْلَقَ الْعَدَمِ أَهَمُّ مِنْ عَدَمٍ يَحْصُلُ عَقِيبَهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَإِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ كَانَ جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي الْعَامِّ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (مَا نُنْسِخْ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهِمَا، أَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ
فَفِيهَا وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ نَسَخَ وَأَنْسَخَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَالثَّانِي: أَنْسَخْتُهُ جَعَلْتُهُ ذَا نَسْخٍ كَمَا قَالَ قَوْمٌ لِلْحَجَّاجِ وَقَدْ صَلَبَ رَجُلًا. أَقْبِرُوا فُلَانًا، أَيِ اجْعَلُوهُ ذَا قَبْرٍ، قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عَبَسَ: 21] ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: (نَنْسَأْهَا) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْهَمْزَةِ وَهُوَ جَزْمٌ بِالشَّرْطِ وَلَا يَدَعُ أَبُو عَمْرٍو الْهَمْزَةَ فِي مِثْلِ هَذَا، لِأَنَّ سُكُونَهَا عَلَامَةٌ لِلْجَزْمِ وَهُوَ مِنَ النَّسْءِ وَهُوَ التَّأْخِيرُ. وَمِنْهُ: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التَّوْبَةِ: 37] وَمِنْهُ سُمِّيَ بَيْعُ الْأَجَلِ نَسِيئَةً، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَنْسَأَ اللَّهُ أَجْلَهُ وَنَسَأَ فِي أَجْلِهِ، أَيْ أَخَّرَ وَزَادَ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ سَرَّهُ النَّسْءُ فِي الْأَجَلِ وَالزِّيَادَةُ فِي الرِّزْقِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» . وَالْبَاقُونَ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ وَهُوَ مِنَ النِّسْيَانِ، ثُمَّ/ الْأَكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلَى النِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الذِّكْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ النِّسْيَانَ عَلَى التَّرْكِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: 155] أَيْ فَتَرَكَ وَقَالَ: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [الْأَعْرَافِ: 51] أَيْ نَتْرُكُهُمْ كَمَا تَرَكُوا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ حَمْلَ النِّسْيَانِ عَلَى التَّرْكِ مَجَازٌ، لِأَنَّ الْمَنْسِيَّ يَكُونُ مَتْرُوكًا، فَلَمَّا كَانَ التَّرْكُ مِنْ لَوَازِمِ النِّسْيَانِ أَطْلَقُوا اسْمَ الْمَلْزُومِ على اللازم وقرئ ننسها وننسها بالتشديد، وتنسها وتنسها عَلَى خِطَابِ الرَّسُولِ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا نُنْسِكْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَخْهَا، وَقَرَأَ حُذَيْفَةُ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِكْهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: «مَا» فِي هَذِهِ الْآيَةِ جَزَائِيَّةٌ كَقَوْلِكَ: مَا تَصْنَعْ أَصْنَعْ وَعَمَلُهَا الْجَزْمُ فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ إِذَا كَانَا مُضَارِعَيْنِ فَقَوْلُهُ: (نَنْسَخْ) شَرْطٌ وَقَوْلُهُ: (نَأْتِ) جَزَاءٌ وَكِلَاهُمَا مَجْزُومَانِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اعْلَمْ أَنَّ التَّنَاسُخَ فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ لَا يُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا، فَقَوْلُنَا: طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ نَعْنِي بِهِ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْقَوْلِ الصَّادِرِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ رَسُولِهِ، وَالْفِعْلِ الْمَنْقُولِ عَنْهُمَا، وَيَخْرُجُ عَنْهُ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْعَقْلِ، لِأَنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ طَرِيقًا شَرْعِيًّا. وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْجِزُ نَاسِخًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِأَنَّ الْمُعْجِزَ لَيْسَ طَرِيقًا شَرْعِيًّا وَلَا يَلْزَمُ تَقَيُّدُ الْحُكْمِ بِغَايَةٍ أَوْ شَرْطٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَرَاخٍ، وَلَا يَلْزَمُ مَا إِذَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ ثُمَّ نَهَانَا عَنْ مِثْلِهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذَا النَّهْيِ نَاسِخًا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ حُكْمِ الْأَمْرِ ثَابِتًا. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: النَّسْخُ عِنْدَنَا جَائِزٌ عَقْلًا وَاقِعٌ سَمْعًا خِلَافًا لِلْيَهُودِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ عَقْلًا وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ عَقْلًا، لَكِنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ سَمْعًا، وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ إِنْكَارُ النَّسْخِ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ وَوُقُوعِهِ، لِأَنَّ الدَّلَائِلَ دَلَّتْ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتُهُ لَا تَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْقَوْلِ بِنَسْخِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِالنَّسْخِ، وَأَيْضًا قُلْنَا: عَلَى الْيَهُودِ إِلْزَامَانِ. الْأَوَّلُ: جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْفُلْكِ: «إِنِّي جَعَلْتُ كُلَّ دَابَّةٍ مَأْكَلًا لَكَ وَلِذُرِّيَّتِكَ وَأَطْلَقْتُ ذَلِكَ لَكُمْ كَنَبَاتِ الْعُشْبِ مَا خَلَا الدَّمَ فَلَا تَأْكُلُوهُ» ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى مُوسَى وَعَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَثِيرًا مِنَ الْحَيَوَانِ، الثَّانِي: كَانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُزَوِّجُ الْأُخْتَ مِنَ الْأَخِ وَقَدْ حَرَّمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى موسى عليه السلام. قال منكر والنسخ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْقَوْلِ بِالنَّسْخِ لِأَنَّ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أُمِرَ النَّاسُ بِشَرْعِهِمَا إِلَى زَمَانِ ظُهُورِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أُمِرَ النَّاسُ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَعِنْدَ ظُهُورِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ زَالَ التَّكْلِيفُ بِشَرْعِهِمَا وَحَصَلَ التكليف
بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَكِنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا، بَلْ جَارِيًا مَجْرَى قَوْلِهِ: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [الْبَقَرَةِ: 187] وَالْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا وُقُوعَ النَّسْخِ أَصْلًا/ بَنَوْا مَذْهَبَهُمْ عَلَى هَذَا الْحَرْفِ وَقَالُوا: قَدْ ثَبَتَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَدْ بَشَّرَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَنَّ عِنْدَ ظُهُورِهِ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَى شَرْعِهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَعَ قِيَامِ هَذَا الِاحْتِمَالِ امْتَنَعَ الْجَزْمُ بِوُقُوعِ النَّسْخِ وَهَذَا هُوَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْإِلْزَامَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَاحْتَجَّ منكروا النَّسْخِ بِأَنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ شَرْعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى دَوَامِهَا أَوْ لَا عَلَى دَوَامِهَا أَوْ مَا كَانَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى الدَّوَامِ وَلَا عَلَى اللَّادَوَامِ، فَإِنْ بَيَّنَ فِيهَا ثُبُوتَهَا عَلَى الدَّوَامِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا مَا دَامَتْ كَانَ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ كَذِبًا وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى الشَّرْعِ، وَأَيْضًا، فَلَوْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَنَا طَرِيقٌ إِلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ شَرْعَنَا لَا يَصِيرُ مَنْسُوخًا، لِأَنَّ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَقُولَ الشَّرْعُ: هَذِهِ الشَّرِيعَةُ دَائِمَةٌ وَلَا تَصِيرُ مَنْسُوخَةً قَطُّ أَلْبَتَّةَ، وَلَكِنَّا إِذَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ حَاصِلًا فِي شَرْعِ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مَعَ أَنَّهُمَا لَمْ يَدُومَا زَالَ الْوُثُوقُ عَنْهُ فِي كُلِّ الصُّوَرِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: ذَكَرَ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الدَّوَامِ، ثُمَّ قَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَيَنْسَخُهُ أَوْ مَا قَرَنَ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا فِي الْجُمْلَةِ؟ قُلْنَا: هَذَا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الدَّوَامِ مَعَ التَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدُومُ جَمْعٌ بَيْنَ كَلَامَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ، وَإِنَّهُ سَفَهٌ وَعَبَثٌ، وَثَانِيهَا: عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ شَرْعَهُمَا سَيَصِيرُ مَنْسُوخًا، فَإِذَا نَقَلَ شَرْعَهُ وَجَبَ أَنْ يَنْقُلَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَنْقُلَ أَصْلَ الشَّرْعِ بِدُونِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ لَجَازَ مِثْلُهُ فِي شَرْعِنَا أَيْضًا، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لَنَا طَرِيقٌ إِلَى الْقَطْعِ بِأَنَّ شَرْعَنَا غَيْرُ مَنْسُوخٍ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ فِيهَا الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ اشْتِهَارُهُ وَبُلُوغُهُ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، وَإِلَّا فَلَعَلَّ الْقُرْآنَ عُورِضَ، وَلَمْ تُنْقَلْ مُعَارَضَتُهُ وَلَعَلَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيَّرَ هَذَا الشَّرْعَ عَنْ هَذَا الْوَضْعِ وَلَمْ يُنْقَلْ، وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ أَنْ تُنْقَلَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاتُرِ فَنَقُولُ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ فِي زَمَانِ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَلَى أَنَّ شَرْعَيْهِمَا سَيَصِيرَانِ مَنْسُوخَيْنِ لَكَانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا لِأَهْلِ التَّوَاتُرِ، وَمَعْلُومًا لَهُمْ بِالضَّرُورَةِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتَحَالَ مُنَازَعَةُ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ فِيهِ، فَحَيْثُ رَأَيْنَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مُطْبِقِينَ عَلَى إِنْكَارِ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّ شَرْعَيْهِمَا يَصِيرَانِ مَنْسُوخَيْنِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى شَرْعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ غَيْرُ دَائِمٍ. فَهَذَا بَاطِلٌ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ لِأَهْلِ التَّوَاتُرِ، وَأَيْضًا فَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ انْتِهَاءً لِلْغَايَةِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى نَصَّ عَلَى شَرْعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ كَوْنَهُ دَائِمًا أَوْ كَوْنَهُ غَيْرَ دَائِمٍ فَنَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ لَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ وَإِنَّمَا يُفِيدُ/ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ، فَإِذَا أَتَى الْمُكَلَّفُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ، فَوُرُودُ أَمْرٍ آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِلْأَمْرِ الْأَوَّلِ، فَثَبَتَ بِهَذَا التَّقْسِيمِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالنَّسْخِ مُحَالٌ. وَاعْلَمْ أَنَّا بَعْدَ أَنْ قَرَّرْنَا هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي كِتَابِ الْمَحْصُولِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ تَمَسَّكْنَا فِي وُقُوعِ النَّسْخِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها، والاستدلال به أيضاً ضعيف، لأن «ما» هاهنا تفيد
الشرط والجزاء، وكما أن قولك: من جَاءَكَ فَأَكْرِمْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الْمَجِيءِ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ مَتَى جَاءَ وَجَبَ الْإِكْرَامُ، فَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى حُصُولِ النَّسْخِ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ النَّسْخُ وَجَبَ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، فَالْأَقْوَى أَنْ نُعَوِّلَ فِي الْإِثْبَاتِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [النَّحْلِ: 101] وَقَوْلِهِ: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرَّعْدِ: 39] وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: اتَّفَقُوا عَلَى وُقُوعِ النَّسْخِ فِي الْقُرْآنِ، وقال أبو مسلم بن بحر: إنه لم يقع، واحتج الجمهور على وقوعه فِي الْقُرْآنِ بِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: هَذِهِ الْآيَةُ وَهِيَ قوله تَعَالَى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها، أَجَابَ أَبُو مُسْلِمٍ عَنْهُ بِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَاتِ الْمَنْسُوخَةِ هِيَ الشَّرَائِعُ الَّتِي فِي الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، كَالسَّبْتِ وَالصَّلَاةِ إِلَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِمَّا وَضَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنَّا وَتَعَبَّدَنَا بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى كَانُوا يَقُولُونَ: لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، فَأَبْطَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، الْوَجْهُ الثَّانِي: الْمُرَادُ مِنَ النَّسْخِ نَقْلُهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَتَحْوِيلُهُ عَنْهُ إِلَى سَائِرِ الْكُتُبِ وَهُوَ كَمَا يُقَالُ نَسَخْتُ الْكِتَابَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ النَّسْخِ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ النَّسْخُ لَوَقَعَ إِلَى خَيْرٍ مِنْهُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ أَجَابَ عَنِ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْآيَاتِ إِذَا أُطْلِقَتْ فَالْمُرَادُ بِهَا آيَاتُ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَعْهُودُ عِنْدَنَا، وَعَنِ الثَّانِي: بِأَنَّ نَقْلَ الْقُرْآنِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْقُرْآنِ وَهَذَا النَّسْخُ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِهِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى الْأَوَّلِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ مُخْتَصٌّ بِالْقُرْآنِ، بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الدَّلَائِلِ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّسْخَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِ الْقُرْآنِ، بَلِ التَّقْدِيرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا نَنْسَخُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَإِنَّا نَأْتِي بَعْدَهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: لِلْقَائِلِينَ بِوُقُوعِ النَّسْخِ فِي الْقُرْآنِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالِاعْتِدَادِ حَوْلًا كَامِلًا وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ [الْبَقَرَةِ: 240] ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ كَمَا قَالَ: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [الْبَقَرَةِ: 234] قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: الِاعْتِدَادُ بِالْحَوْلِ مَا زَالَ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَامِلًا وَمُدَّةُ حَمْلِهَا حَوْلٌ كَامِلٌ لَكَانَتْ عِدَّتُهَا حَوْلًا كَامِلًا، وَإِذَا بَقِيَ هَذَا الْحُكْمُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَا نَاسِخًا، وَالْجَوَابُ: أَنْ مُدَّةَ عِدَّةِ الْحَمْلِ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ سَوَاءٌ حَصَلَ وَضْعُ الْحَمْلِ بِسَنَةٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَجَعْلُ السَّنَةِ الْعِدَّةَ يَكُونُ زَائِلًا بِالْكُلِّيَّةِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَمَرَ اللَّهُ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَى الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا/ إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً [الْمُجَادَلَةِ: 12] ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ، قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنَّمَا زَالَ ذَلِكَ لِزَوَالِ سَبَبِهِ لِأَنَّ سَبَبَ التَّعَبُّدِ بِهَا أَنْ يَمْتَازَ الْمُنَافِقُونَ مِنْ حَيْثُ لَا يَتَصَدَّقُونَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا حَصَلَ هَذَا الْغَرَضُ سَقَطَ التَّعَبُّدُ. وَالْجَوَابُ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مَنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ مُنَافِقًا وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ غَيْرُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [الْمُجَادَلَةِ: 13] . الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِثَبَاتِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الْأَنْفَالِ: 65، 66] .
الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [الْبَقَرَةِ: 142] ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَزَالَهُمْ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الْبَقَرَةِ: 144] . قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: حُكْمُ تِلْكَ الْقِبْلَةِ مَا زَالَ بِالْكُلِّيَّةِ لِجَوَازِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا عِنْدَ الْإِشْكَالِ أَوْ مَعَ الْعِلْمِ إِذَا كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ. الْجَوَابُ: أَنَّ عَلَى مَا ذَكَرْتَهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَسَائِرِ الْجِهَاتِ، فَالْخُصُوصِيَّةُ الَّتِي بِهَا امْتَازَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ عَنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ قَدْ زَالَتْ بِالْكُلِّيَّةِ فَكَانَ نَسْخًا. الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ [النَّحْلِ: 101] وَالتَّبْدِيلُ يَشْتَمِلُ عَلَى رَفْعٍ وَإِثْبَاتٍ، وَالْمَرْفُوعُ إِمَّا التِّلَاوَةُ وَإِمَّا الْحُكْمُ، فَكَيْفَ كَانَ فَهُوَ رَفْعٌ وَنَسْخٌ، وَإِنَّمَا أَطْنَبْنَا فِي هَذِهِ الدَّلَائِلِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ النَّسْخِ فِي الْجُمْلَةِ وَاحْتَجَّ أَبُو مُسْلِمٍ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ كِتَابَهُ بِأَنَّهُ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، فَلَوْ نُسِخَ لَكَانَ قَدْ أَتَاهُ الْبَاطِلُ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ مَا يُبْطِلُهُ وَلَا يَأْتِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَيْضًا مَا يُبْطِلُهُ. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: الْمَنْسُوخُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْحُكْمَ فَقَطْ أَوِ التِّلَاوَةَ فَقَطْ أَوْ هُمَا مَعًا، أَمَّا الَّذِي يَكُونُ الْمَنْسُوخُ هُوَ الْحُكْمَ دُونَ التِّلَاوَةِ فَكَهَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي عَدَدْنَاهَا، وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ الْمَنْسُوخُ هُوَ التِّلَاوَةَ فَقَطْ فَكَمَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» وَرُوِيَ: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِمَا ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» ، وَأَمَّا الَّذِي يَكُونُ مَنْسُوخَ الْحُكْمِ وَالتِّلَاوَةِ مَعًا، فَهُوَ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ فِي الرَّضَاعِ بِعَشْرٍ مَعْلُومَاتٍ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَالْعَشْرُ مَرْفُوعُ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ جَمِيعًا وَالْخُمْسُ مَرْفُوعُ التِّلَاوَةِ بَاقِي الْحُكْمِ. وَيُرْوَى أَيْضًا أَنَّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ السَّبْعِ الطِّوَالِ أَوْ أَزْيَدَ ثُمَّ وَقَعَ النُّقْصَانُ فِيهِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها فَمِنْهُمْ مَنْ/ فَسَّرَ النَّسْخَ بِالْإِزَالَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالنَّسْخِ بِمَعْنَى نَسَخْتُ الْكِتَابَ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا، أَحَدُهَا: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ وَأَنْتُمْ تَقْرَءُونَهُ أَوْ نُنْسِهَا أَيْ مِنَ الْقُرْآنِ مَا قُرِئَ بَيْنَكُمْ ثُمَّ نُسِّيتُمْ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالْأَصَمِّ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَحَمَلُوهُ عَلَى نَسْخِ الْحُكْمِ دُونَ التِّلَاوَةِ، وَنُنْسِهَا عَلَى نَسْخِ الْحُكْمِ وَالتِّلَاوَةِ مَعًا، فَإِنْ قِيلَ: وُقُوعُ هَذَا النِّسْيَانِ مَمْنُوعٌ عَقْلًا وَشَرْعًا. أَمَّا الْعَقْلُ فَلِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا بُدَّ مِنْ إِيصَالِهِ إِلَى أَهْلِ التَّوَاتُرِ، وَالنِّسْيَانُ عَلَى أَهْلِ التَّوَاتُرِ بِأَجْمَعِهِمْ مُمْتَنِعٌ. وَأَمَّا النَّقْلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الْحِجْرِ: 9] وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ النِّسْيَانَ يَصِحُّ بِأَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعَالَى بِطَرْحِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُتْلَى وَيُؤْتَى بِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يُحْتَجُّ بِهِ، فَإِذَا زَالَ حُكْمُ التَّعَبُّدِ بِهِ وَطَالَ الْعَهْدُ نُسِيَ أَوْ إِنْ ذُكِرَ فَعَلَى طَرِيقِ مَا يُذْكَرُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَيَصِيرُ لِهَذَا الْوَجْهِ مَنْسِيًّا عَنِ الصُّدُورِ، الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مُعْجِزَةً لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَيُرْوَى فِيهِ خَبَرٌ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ السُّورَةَ فَيُصْبِحُونَ وَقَدْ نَسُوهَا، وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ [الْأَعْلَى: 6، 7] وَبِقَوْلِهِ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [الْكَهْفِ: 24] . الْقَوْلُ الثَّانِي: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَيْ نُبَدِّلْهَا، إِمَّا بِأَنْ نُبَدِّلَ حُكْمَهَا فَقَطْ أَوْ تِلَاوَتَهَا فَقَطْ أَوْ نُبَدِّلَهُمَا، أَمَّا قوله
تَعَالَى: أَوْ نُنْسِها فَالْمُرَادُ نَتْرُكُهَا كَمَا كَانَتْ فَلَا نُبَدِّلُهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النِّسْيَانَ بِمَعْنَى التَّرْكِ قَدْ جَاءَ، فَيَصِيرُ حَاصِلُ الْآيَةِ أَنَّ الَّذِي نُبَدِّلُهُ فَإِنَّا نَأْتِي بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ، أَيْ مَا نَرْفَعْهَا بَعْدَ إِنْزَالِهَا أَوْ نَنْسَأْهَا عَلَى قِرَاءَةِ الْهَمْزَةِ أَيْ نُؤَخِّرْ إِنْزَالَهَا مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ نُؤَخِّرُ نَسْخَهَا فَلَا نَنْسَخُهَا فِي الْحَالِ، فَإِنَّا نُنَزِّلُ بَدَلَهَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الْمَصْلَحَةِ. الْقَوْلُ الرَّابِعُ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ، وَهِيَ الْآيَةُ الَّتِي صَارَتْ مَنْسُوخَةً فِي الْحُكْمِ وَالتِّلَاوَةِ مَعًا، أَوْ نُنْسِهَا، أَيْ نَتْرُكْهَا وَهِيَ الْآيَةُ الَّتِي صَارَتْ مَنْسُوخَةً فِي الْحُكْمِ وَلَكِنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ فِي التِّلَاوَةِ، بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ فِي التِّلَاوَةِ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ، أَيْ نَنْسَخْهَا مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ نَنْسَأْهَا، نُؤَخِّرْهَا. وَأَمَّا قِرَاءَةُ «نُنْسِهَا» فَالْمَعْنَى نَتْرُكُهَا يَعْنِي نَتْرُكُ نَسْخَهَا فَلَا نَنْسَخُهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: مِنْ آيَةٍ فَكُلُّ الْمُفَسِّرِينَ حَمَلُوهُ عَلَى الْآيَةِ مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرَ أَبِي مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها فَفِيهِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْأَخَفُّ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْأَصْلَحُ، وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ تَعَالَى يَصْرِفُ الْمُكَلَّفُ عَلَى مَصَالِحِهِ لَا عَلَى مَا هُوَ أَخَفُّ عَلَى طِبَاعِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الثَّانِي أَصْلَحَ مِنَ الْأَوَّلِ لَكَانَ الْأَوَّلُ نَاقِصَ الصَّلَاحِ فَكَيْفَ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ؟ قُلْنَا: الْأَوَّلُ أَصْلَحُ مِنَ الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَقْتِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي بِالْعَكْسِ مِنْهُ فَزَالَ السُّؤَالُ. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ اسْتَنْبَطُوا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَكْثَرَ مَسَائِلِ النَّسْخِ. الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْحُكْمِ إِلَّا إِلَى بَدَلٍ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى إِذَا نَسَخَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ أَوْ بِمَا يَكُونُ مِثْلَهُ، وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ الْبَدَلِ. وَالْجَوَابُ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ أَنَّ نَفْيَ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَإِسْقَاطَ التَّعَبُّدِ بِهِ خَيْرٌ مِنْ ثُبُوتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ النَّسْخِ لَا إِلَى بَدَلٍ أَنَّهُ نَسَخَ تَقْدِيمَ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا إِلَى البدل. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ نَسْخُ الشَّيْءِ إِلَى مَا هُوَ أَثْقَلُ مِنْهُ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ قَوْلَهُ: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها يُنَافِي كَوْنَهُ أَثْقَلَ، لِأَنَّ الْأَثْقَلَ لَا يَكُونُ خَيْرًا مِنْهُ