تفسير القاسمي = محاسن التأويل
القاسمي، جمال الدين
المجلد الأول
المجلد الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ترجمة المؤلف 1- عصر المؤلف: عاش القاسمي معظم حياته في أشد أيام الظلم والظلام. فقد ولد ونظام الحكم المطلق قائم في الدولة العثمانية، فالحريات بجميع أنواعها مفقودة، والأقلام مغلولة، والأحرار مطاردون، والدستور معلق، وأعوان السلطان مبثوثون في كل مكان، والجاسوسية تفتك بالأبرياء، والعدالة تكاد تكون مفقودة لفساد النظام القضائي، وشراء مراكز القضاء. في هذا الجو السياسي الخانق عاش القاسمي معظم حياته. أما الحياة الثقافية في ولاية سورية فكانت أشبه بالمفقودة، فلا مدارس، ولا معاهد، ولا جامعات، واعتماد القلة من الناس على الكتاتيب وحلقات الجوامع والدروس الخاصة في البيوت. جهل مطبق فرضته الدولة على الناس، ليعيشوا في جوّ من الظلام والغباء، وليسهل على حكامها ومستغليها اضطراد الأمور في مسلك من الظلم والبطش والخنوع. وكان حال الحياة الدينية نتيجة طبيعية للحياة الثقافية: جمود على القديم، وكتب صفراء يتداولها الطلاب، ومتون كثيرا ما يحفظونها من غير فهم، وحواش وتعليقات تزيد في اضطراب عقول الطلاب. وتقليد أعمى غلت معه العقول، حتى كتب الحديث ما كانت تقرأ على الأغلب إلا للتبرك، أما كتب التفسير فممتنعة عن الخاصة بله العامة. وحسب الرجل أن يقرأ بعض كتب الفقه، ليعتمّ ويقال إنه عالم. وكتب اللغة والنحو والصرف والأدب يقرؤها بعض الطلاب على أنها أداة لفهم الكتاب والسنّة. وقد كانت الطرق في ذلك العصر في أوج انتشارها، يعتنقها بعض رجال الدين، ويجمعون العامة حولهم، ويشغلونهم عن العمل النافع لإقامة المجتمع الإسلامي الصالح. وقد تعددت هذه الطرق تعدد الأحزاب السياسية، وقامت بين زعمائها خصومات واتهامات لا يكاد يصدقها العقل. أما حقيقة الدعوة الإسلامية وأهدافها السامية، فلم يكن أحد من رجال الدين عارفا بها، أو مهتما بنشرها. والحياة الاجتماعية كانت كذلك مفقودة، إذ لم يعرف الناس أي نوع من أنواع الاجتماع إلا في الولائم وصلاة الجمعة، والسهرات التي كان يسميها أهل الشام (الدّور) . فلا ندوات ثقافية، ولا جمعيات إصلاحية، وحتى ولا جمعيات خيرية. والمرأة التي هي نصف المجتمع غائبة، فليس لها في خدمته إلا نصيب قعيد البيت. في هذا الجو الخانق العجيب، المتخلف في جميع مرافق الحياة، نشأ القاسمي. فكان كالطائر المغني في غير سربه، غريبا عن أهل الزمان، ولعل هذا كله كان أدعى لإقدامه، والقناعة برسالته، وضرورة العمل لها، والسعي لنشرها، لا يبالي في ذلك تكفيرا، ولا محاكمة ولا حبسا. فثبت لهذه المحن كلها، وأكثر منها، كالطود الراسخ، لا يزعزع يقينه وعيد، ولا تهديد، ولا تكفير، ولا حبس. لا تزيده الأيام إلا قوة وعزيمة. 2- نسبه: حقق القاسمي نسبه في كتابه المطبوع المعروف «شرف الأسباط» . وذكر في ترجمته نفسه أنه «محمد جمال الدين أبو الفرج بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح ابن إسماعيل بن أبي بكر المعروف بالقاسمي، نسبة إلى جده المذكور وهو الإمام، فقيه الشام، وصالحها في عصرها، الشيخ قاسم المعروف بالحلاق. وكان أبوه (محمد سعيد) رحمه الله فقيها أديبا، غلب عليه شعر أهل عصره. اشتغل أول حياته بالتجارة، فكان له في العصرونية متجر معروف، ثم اعتزل التجارة لأسباب لا أعرفها. وقد جمع شعره في ديوان سماه ولده جمال الدين «الطالع السعيد في ديوان الإمام الوالد السعيد» وأمه عائشة بنت أحمد جبينة، وجدته لأبيه فاطمة بنت محمد الدسوقي. 3- ولادته: في زقاق المكتبي، ظاهر باب الجابية وبالقرب من قصر الحجاج في محلة القنوات، كان مسكن والد القاسمي في دار واسعة الفناء، متعددة الغرف. في وسطها بركة ماء متسعة، في هذه الدار ولد القاسمي، قال: «ولادتي كما رأيتها بخط والدي الماجد وخاله العالم النحرير الشيخ حسن جبينة الشهير بالدسوقي قد كانت في ضحوة يوم الاثنين لثمان خلت من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ومائتين وألف بوطننا دمشق الشام» . وتوفي جمال الدين القاسمي 1914 م. تاركا وراءه مؤلفاته الكثيرة التي يكاد يصل عددها المائة ما بين كتاب ورسالة ومقالة ... 4- نشأته ومشيخته: كان لنشأة القاسمي في بيت عرف بالعلم والتقوى أثر كبير في توجيهه الوجهة التي تولاها، واختاره الله لها، فقد كان جده الشيخ قاسم فقيه الشام وصالحها، وكان أبوه فقيها أديبا. وفي جوّ من حرمة الدين وجلاله، فتح عينيه على النور، فأخذ يعبّ من معين ثرّ قوي، مستعينا بتشجيع أبيه الذي لا ينقطع من الدعاء له، وإهدائه الكتب، فأعانه هذا كله على نشأة صحيحة صالحة، لم يعرف فيها لهو الفتيان إلا بالقدر المشروع. قال في ترجمته لنفسه: «قد ربّي في كنف والده، وقرأ القرآن على الحافظ المعمر الشيخ عبد الرحمن بن علي شهاب المصري نزيل دمشق» . «وبعد أن ختمت القرآن، أخذت في تعلم الكتابة عند الأستاذ الكامل الشيخ محمود أفندي ابن محمد بن مصطفى القوصي نزيل دمشق، من صلحاء الأتراك ... ثم انتقلت إلى مكتب في المدرسة الظاهرية، وكان معلمه العالم الفاضل الشيخ رشيد أفندي قزيها، الشهير بابن سنان. فقرأت عنده في المكتب المذكور مقدمات وفنون شتى، من توحيد وصرف ونحو ومنطق وغيرها ... وكنت في خلال ذلك شارعا في قراءة المختصرات الفقهية والنحوية أيضا عند سيدي الوالد، ثم جودت القرآن المجيد على شيخ القراء بالشام، الشيخ أحمد الحلواني. فقرأت عليه ختمة وأكثر من نصف أخرى، على رواية الإمام حفص عليه الرحمة» . ومن كبار مشايخه الشيخ بكري بن حامد البيطار، والشيخ محمد بن محمد الخاني النقشبندي، والشيخ حسن بن أحمد بن عبد القادر جبينة، الشهير بالدسوقي. وقد أجاز له إجازة عامة كثير من كبار الشيوخ، منهم مفتي الشام العلامة محمود أفندي الحمزاوي، والإمام طاهر بن عمر الآمدي، مفتي الشام أيضا، والعلامة الشيخ محمد الطنطاوي الأزهري ثم الدمشقي. 5- طريقته في التأليف: بلغ الجمود من بعض أدعياء الدين أن امتنعوا عن الاحتجاج بالكتاب والسنة، في أي أمر من أمور الدنيا والدين، وقنعوا بكتب الفقهاء وحدها، على ما فيها من اختلاف. وأصبح قول الفقيه عندهم هو وحده الحجة والسند، فلما أدرك القاسمي هذه الحقيقة المرة، رأى أن الإصلاح لا يمكن أن يتم بالاستشهاد بالكتاب وحده، وإن كان دستور المسلمين الخالد، ولا بالسنّة معه، وإن كانت متممة له، لذلك عمد إلى الإكثار من نقل أقوال أئمة المسلمين الغابرين في كتبه، يختار ما كان منسجما مع دعوته السامية، ذلك لأن خصومه من رجال الدين، إذا كان لهم أن يعترضوا على أقواله، فليس لهم أن يعترضوا على أقوال الفقهاء الأقدمين، بل عليهم أن يسلموا بما جاء فيها. ولم يكن يقتصر في نقوله عن الأئمة المعروفين من المذاهب الأربعة وغيرهم من فلاسفة المسلمين. وإنما كان يجد القول الصحيح لدى زيدي أو معتزلي أو خارجي أو غيرهم، فلا يمنعه ذلك من الاستشهاد بقوله. لا بل قد يرى قولا لأحد العلماء الفرنجة، فيسارع إلى التقاطه وضمه إلى كتابه. 6- أسلوبه: كان والد القاسمي مولعا بالأدب إلى جانب تعمقه بالفقه، فنشأ ولده تنشئة أدبية على الطريقة التي عرفها أهل ذلك الزمان. وكان أسلوب معظم الكتّاب في ذلك العصر يعتبر السجع أصلا في الإنشاء وقد التزمه القاسمي في مقدمات كتبه كلها تقريبا، جريا على ما ألف الناس، ولكنه كان سجعا قليل التكلف، أقرب إلى الفطرة منه إلى الصنعة. ثم شاعت طريقة الترسل، وكان الأستاذ الإمام محمد عبده من الذين دعوا إلى نشرها، وكان القاسمي أحد المعجبين بالأستاذ الإمام، فعدل عن السجع في بعض ما كتب إلى الترسل، فجاء أسلوبه فيه عربيا صافيا، رائعا في قوة التركيب، وجزالة الألفاظ، ودقة الأداء.
7 - ثقافته العامة:
وترسله على قلّته، يمثل صفاء ذهن القاسمي، وتمكنه من اللغة العربية وغوصه على المعاني، وسعة اطلاعه على مخلفات التراث العربي القديم، وعلى ما ضمّت المكتبة العربية من طريف المؤلفات وحديثها. ويرى المتتبع لكتبه أنه كان أحرص على الفكرة منه على الأسلوب. أما أسلوبه في الإلقاء فقد أطاعت اللغة العربية لسانه على شكل لم يؤلف لدى رجال الدين في ذلك العصر، وكانت الألفاظ تنثال على لسانه في كثير من الانسجام والرقة والعذوبة. 7- ثقافته العامة: لم يكن لرجال الدين في عصر القاسمي أي اهتمام بغير كتب الفقه والآلة، أما القاسمي فقد صرف اهتمامه إلى جميع أنواع المعرفة التي أخذت في الانتشار، وعزم على أن يتعلم في شبابه وكهولته ما فاته تعلمه في طفولته. ولعل أوضح عنوان لثقافته العامة مؤلفاته الكثيرة المتعددة، ومكتبته الخاصة التي حوت كتبا شتى، لم يخل واحد منها من تصحيح أو تعليق. فإلى جانب كتب التفسير والحديث والفقه واللغة والتصوف والأدب والتاريخ، ترى كتب الفلسفة وكتب الاجتماع، وكتب الرياضيات وكتب الجغرافيا. ولم تخل مكتبته من كتب الفرق الإسلامية، وكتب الديانات الأخرى، كاليهودية والنصرانية. أضف إلى هذا أنه كان مواظبا على مطالعة المجلات الشهرية العلمية والتاريخية والأدبية التي كانت تصدر في زمانه كالمقتبس والمقتطف والهلال، ومن الآثار الواضحة لثقافته العامة، مؤلفاته العديدة. فقد ألّف في مواضيع نادرة ومتعددة، فإلى جانب مؤلفاته في التفسير والحديث والأصول، وضع كتابا في تاريخ دمشق، ورسالة في الجن، وكتيبا في الشاي والقهوة والدخان، ومقالة عن القلب. وإذا قرأت كتابه «دلائل التوحيد» رأيت فيه حصيلة حسنة من علوم الفلك والجغرافيا والحيوان والنبات والجيلوجيا. وفي كتابه «إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق» وضع خاتمة بعنوان «طرف تاريخية وطرائف أدبية» بحث فيها عن «التلغراف» ومعناه، واشتقاقه من اللغة اليونانية، وأول من استعمل الكهرباء في المخابرة عن بعد، وكذلك «التلفون» . ويحدث أن يصاب عام 1312 بمرض «البواسير» ، فيتألم، ويدفعه ألمه إلى البحث عن هذا المرض بحثا علميا، ويضع في ذلك رسالة سماها «ما قاله الأطباء المشاهير في علاج البواسير» ، ويعقد في كتابه «تعطير الشام في مآثر دمشق الشام» فصلا عن «الزراعة في الشام والذرائع لإصلاحها فتراه يشير الى السمادات الكيماوية وأنواعها: الفسفورية والبوتاسية وإلى ضرورة استعمال الآلات الميكانيكية في الحرث والحصاد، وإلى الآفات والأمراض والحشرات الزراعية وطرق مكافحتها. وقد أولع عام 1324- 1907 بفقه اللغات، (فيلولوجيا) ، وأخذ يبحث عن أصول بعض الألفاظ المعربة من لغاتها الأصلية: اليونانية والسريانية والعبرية والفارسية والقبطية والألمانية والفرنسية وغيرها. وعلى الجملة فقد كان آخذا بأطراف المعرفة من كل سبب، لم يمنعه عن ذلك مخالفة في الدين أو المذهب أو العقيدة أو الطريقة.
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم مقدّمة تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، ورقّاه في مراتب البلاغة إلى مقام لو اجتمعت الجن والإنس على معارضته لم يقدروا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. فسبحان من أوضح لنا به معالم الدين، وأبان بمشارق أنواره مناهج الأدلة للمجتهدين. أحمده سبحانه وتعالى وأشكره، وأستعينه وأستغفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، بملة حنيفية، وشرعة قويمة عليّة، وعلى آله وأصحابه الذين عرفوا مقاصد التنزيل فحصّلوه، وأسسوا قواعده وفصّلوه، وجالت أفكارهم في آياته، واعملوا الجد في تحقيق مبادئه وغاياته، وعلى من اقتفى أثرهم، ممن لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم. أما بعد، فإن أكرم ما تمتد إليه أعناق الهمم، وأعظم ما تتنافس فيه الأمم، العلم الذي هو حياة القلب، وصحة اللب وأجلّ أصنافه وأرفعها، وأكمل معالمه وأنفعها، هي العلوم الشرعية، والمعارف الدينية. إذ بها انتظام صلاح العباد، واغتنام الفلاح في المعاد. وعلم التفسير، من بينها، أعلاها شأنا، وأقواها برهانا، وأوثقها بنيانا، وأوضحها تبيانا. فإنه مأخذها وأساسها، وإليه يستند اقتناصها واقتباسها، بل هو، كما وصف به، رئيسها ورأسها. كيف لا وموضوعه، وهو الكتاب المجيد، كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر. وإنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه. فلا جرم، لزم من رام الاطلاع على كليات الشريعة الغراء، وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها النجباء، أن يتخذه سميره وأنيسه، ويجعله على المدى، نظرا وعملا، جليسه. فيوشك أن يفوز بالبغية، ويظفر بالطّلبة، ويجد نفسه من السابقين، وفي الرعيل الأول
المهتدين، ويشرق في قلبه نور الإيقان، وتطلع في بصيرته شمس العرفان، ويتبوأ في الدنيا والآخرة مكانا عليا، وتدرج النبوة بين جنبيه وإن لم يكن نبيا. وإني كنت حركت الهمة إلى تحصيل ما فيه من الفنون، والاكتحال بإثمد مطالبه لتنوير العيون، فأكببت على النظر فيه، وشغفت بتدبر لآلئ عقوده ودراريه. وتصفحت ما قدر لي من تفاسير السابقين، وتعرفت، حين درست، ما تخللها من الغث والسمين. ورأيت كلّا، بقدر وسعه، حام حول مقاصده. وبمقدار طاقته، جال في ميدان دلائله وشواهده. وبعد أن صرفت في الكشف عن حقائقه شطرا من عمري. ووقفت على الفحص عن دقائقه قدرا من دهري. أردت أن أنخرط في سلك مفسريه الأكابر. قبل أن تبلى السرائر وتفنى العناصر. وأكون بخدمته موسوما، وفي حملته منظوما. فشحذت كليل العزم، وأيقظت نائم الهم. واستخرت الله تعالى في تقرير قواعده، وتفسير مقاصده. في كتاب اسمه بعون الله الجليل: «محاسن التأويل» ، أودعه ما صفا من التحقيقات، وأوشّحه بمباحث هي المهمات. وأوضح فيه خزائن الأسرار. وأنقد فيه نتائج الأفكار، وأسوق إليه فوائد التقطتها من تفاسير السلف الغابر. وفرائد عثرت عليها في غضون الدفاتر. وزوائد استنبطتها بفكري القاصر. مما قادني الدليل إليه. وقوي اعتمادي عليه. وسيحمد السابح في لججه، والسانح في حججه، ما أودعته من نفائسه الغريبة البرهان، وأوردته من أحاديثه الصحاح والحسان، وبدائعه الباهرة للأذهان، فإنها لباب اللباب، ومهتدى أولي الألباب. ولم أطل ذيول الأبحاث بغرائب التدقيقات، بل اخترت حسن الإيجاز في حل المشكلات. اللهم إلا إذا قابلت فرسان مضمار الحق جولة الباطلات، فهنالك تصوّب أسنّة البراهين نحو نحور الشبهات. ولا يخفى أن من القضايا المسلمة، والمقدمات الضرورية، أنه مهما تأنق الخبير في تحبير دقائقه السميّة، فما هو إلا كالشرح لشذرة من معانيه الظاهرة، وكالكشف للمعة يسيرة من أنواره الباهرة، إذ لا قدرة لأحد على استيفاء جميع ما اشتمل عليه الكتاب، وما تضمنه من لباب اللباب، لأنه منطو على أسرار مصونة، وجواهر حكم مكنونة لا يكشفها بالتحقيق إلا من اجتباه مولاه، ولا تتبين حقائقها إلا بالتلقى عن خيرته ومصطفاه.
هذا وقد حليت طليعته بتمهيد خطير، في مصطلح التفسير. وهي قواعد فائقة، وفوائد شائقة، جعلتها مفتاحا لمغلق بابه، ومسلكا لتسهيل خوض عبابه، تعين المفسر على حقائقه، وتطلعه على بعض أسراره ودقائقه. فدونك أيها الباحث عن مطالب أعلى العلوم، التائق لأسنى نتائج الفهوم، المتعطش إلى أحلى موارده، المنقب عن مصادر مقاصده، ينبوعا لمعاني الفرقان، وعقدا ضمّ درر التبيان، وقف بك من الطريق السابلة على الظهر، وخطب لك عرائس الحكم ثم وهب لك المهر، فقدّم قدم عزمك فإذا أنت بحول الله قد وصلت، وأقبل على ما قبلك منه فها أنت قد فزت بما حصلت. وفارق وهد التقليد راقيا إلى يفاع الاستبصار، وتسنّم أوج التحقيق في مطالع الأنظار. والبس التقوى شعارا، والاتّصاف بالإنصاف دثارا. واجعل طلب الحق لك نحلة، والاعتراف به لأهله ملة. ولا ترد مشرع العصبية، ولا تأنف من الإذعان إذا لاح وجه القضية، أنفة ذوي النفوس العصية. فذلك مرعى لسوّامها وبيل، وصدود عن سواء السبيل. وكان شروعي في هذه النية الحميدة، بعد استخارته تعالى أياما عديدة في العشر الأول من شوال في الحول السادس عشر بعد الثلاثمائة وألف. نفعنا الله بما يجري منه على يدينا، ولا جعله حجة علينا، ونحن نستغفر الله مما تعاطيناه من الأمر العظيم، واقتحمناه من الخطر الجسيم، ونستعيذ به من الوقوع في حبائل العدوّ الرجيم، ونسأله توفيقا يقف بنا على جادة الاستقامة، ويصرفنا عن عمل ما يعقبه ملام أو ندامة، ونرجو من فضله تعالى حياة طيبة وعزما تنحط من دونه المصاعب، وعونا على إكمال هذا المأرب تبيضّ به وجوه المطالب. وهداية قدسية إلى الطريقة المثلى، وعناية لدنيّة نقوى بها على تأييد كلمة الحق الفضلى، فهو وليّ الأنعام، في البدء والختام.
تمهيد خطير في قواعد التفسير
تمهيد خطير في قواعد التفسير 1- قاعدة في أمهات مآخذه: للناظر في القرآن، لطلب التفسير، مآخذ كثيرة. أمهاتها أربعة: الأول- النقل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: وهذا هو الطراز المعلم. لكن يجب الحذر من الضعيف منه والموضوع، فإنه كثير. ولهذا قال أحمد: ثلاثة كتب لا أصل لها: المغازي، والملاحم، والتفسير. قال المحققون من أصحابه: مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة. وإلا فقد صح من ذلك كثير، كتفسير الظلم بالشرك في آية الأنعام. والحساب اليسير بالعرض، والقوة بالرمي في قوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: 60] . الثاني- الأخذ بقول الصحابيّ: فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، كما قاله الحاكم في مستدركه. وقال أبو الخطاب، من الحنابلة: يحتمل أن لا يرجع إليه إذا قلنا: إن قوله ليس بحجة. والصواب الأول، لأنه من باب الرواية لا الرأي. قلت: ما قاله الحاكم نازعه فيه ابن الصلاح وغيره من المتأخرين، بأن ذلك مخصوص بما فيه سبب النزول أو نحوه، مما لا مدخل للرأي فيه. ثم رأيت الحاكم نفسه صرح به في علوم الحديث فقال: ومن الموقوفات تفسير الصحابة. وأما من يقول إن تفسير الصحابة مسند، فإنما يقوله فيما فيه سبب النزول. فقد خصص هنا، وعمّم في المستدرك. فاعتمد الأول، والله أعلم. ثم قال الزركشي: وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان عن أحمد. واختار ابن عقيل المنع، وحكوه عن شعبة، لكن عمل المفسرين على خلافه. فقد حكوا في كتبهم أقوالهم لأن غالبها تلقوها من الصحابة. وربما يحكى عنهم عبارات مختلفة الألفاظ، فيظن من لا فهم عنده أن ذلك اختلاف محقق فيحكيه أقوالا، وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى من الآية لكونه أظهر عنده أو أليق بحال السائل. وقد يكون بعضهم يخبر عن
الشيء بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى واحد غالبا. فإن لم يمكن الجمع، فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم، إن استويا في الصحة عنه، وإلا فالصحيح المقدم. الثالث- الأخذ بمطلق اللغة: فإن القرآن نزل بلسان عربي، وهذا قد ذكره جماعة، ونص عليه أحمد في مواضع، لكن نقل الفضل بن زياد عنه أنه سئل عن القرآن يمثل له الرجل ببيت من الشعر؟ فقال: ما يعجبني. فقيل: ظاهره المنع. ولهذا قال بعضهم في جواز تفسير القرآن بمقتضى اللغة روايتان عن أحمد، وقيل: الكراهة تحمل على من صرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالبا إلا في الشعر ونحوه، ويكون المتبادر خلافها. وروى البيهقي في (الشّعب) عن مالك قال: لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا. الرابع- التفسير بالمقتضى من معنى الكلام، والمقتضب من قوة الشرع: وهذا هو الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس حيث قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» «1» ، والذي عناه عليّ بقوله: إلا فهما يؤتاه الرجل في القرآن . ومن هنا اختلف الصحابة في معنى الآية، فأخذ كل برأيه على منتهى نظره. ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل. قال تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: 36] . وقال: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: 169] . وقال: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44] . أضاف البيان إليه. وقال صلى الله عليه وسلم: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» أخرجه أبو داود «2» والترمذي والنسائي. وقال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» «3» أخرجه أبو داود «4» . وقال البيهقي في الحديث الأول: إن صح. أراد- والله أعلم- الرأي الذي
يغلب من غير دليل قام عليه، وأما الذي يشدّه برهان، فالقول به جائز. وقال في المدخل: في هذا الحديث نظر، وإن صح، فإنما أراد به- والله أعلم- فقد أخطأ الطريق، فسبيله أن يرجع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة. وفي معرفة ناسخه ومنسوخه، وسبب نزوله، وما يحتاج فيه إلى بيانه، إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا تنزيله، وأدّوا إلينا من السنن ما يكون بيانا لكتاب الله تعالى. قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 44] . فما ورد بيانه عن صاحب الشرع ففيه كفاية عن فكرة من بعده، وما لم يرد عنه بيانه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده، ليستدلوا بما ورد بيانه على ما لم يرد. قال: وقد يكون المراد به من قال فيه برأيه من غير معرفة منه بأصول العلم وفروعه، فيكون موافقته للصواب، إن وافقه، من حيث لا يعرفه، غير محمودة. وقال الماوردي: قد حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره، وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده، ولو صحبها الشواهد، ولم يعارض شواهدها نص صريح. وهذا عدول عما تعبّدنا بمعرفته من النظر في القرآن، واستنباط الأحكام، كما قال تعالى: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83] ولو صح ما ذهب إليه، لم يعلم شيء بالاستنباط، ولما فهم الأكثر من كتاب الله شيئا. وإن صح الحديث فتأويله أن من تكلم في القرآن بمجرد رأيه، ولم يعرج على سوى لفظه، وأصاب الحق، فقد أخطأ الطريق، وإصابته اتفاق. إذ الفرض أنه مجرد رأي لا شاهد له. وفي الحديث: «القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه» أخرجه أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس . فقوله «ذلول» يحتمل معنيين: أحدهما: أنه مطيع لحامليه تنطق به ألسنتهم. والثاني: أنه موضح لمعانيه حتى لا يقصر عنه أفهام المجتهدين. وقوله: «ذو وجوه» يحتمل معنيين: أحدهما: أن من ألفاظه ما يحتمل وجوها من التأويل. والثاني: قد جمع وجوها من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحريم. وقوله: «فاحملوه على أحسن وجوهه» يحتمل معنيين: أحدهما: الحمل على أحسن معانيه. والثاني: أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص، والعفو دون الانتقام
وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب الله تعالى- كذا أفاده الزركشي في البرهان. وقال أبو حيان: ذهب بعض من عاصرناه إلى أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني تركيبه، بالإسناد إلى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابهم. وأن فهم الآيات يتوقف على ذلك، قال: وليس كذلك. قال الزركشي- بعد حكاية ذلك-: الحق أن علم التفسير، منع ما يتوقف على النقل، كسبب النزول، والنسخ، وتعيين المبهم، وتبيين المجمل. ومنه ما لا يتوقف. ويكفي في تحصيله الثقة على الوجه المعتبر. قال: وكان السبب في اصطلاح كثير على التفرقة بين التفسير والتأويل، والتمييز بين المنقول والمستنبط، ليحيل على الاعتماد في المنقول وعلى النظر في المستنبط. قال: واعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد. والأول إما أن يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو رؤوس التابعين. فالأول يبحث فيه عن صحة السند، والثاني ينظر في تفسير الصحابي، فإن فسره من حيث اللغة، فهم أهل اللسان، فلا شك في اعتماده، أو بما شاهده من الأسباب والقرائن، فلا شك فيه. وإن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة، فإن أمكن الجمع فذاك، وإن تعذر قدّم ابن عباس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بذلك حيث قال: «اللهم علمه التأويل» . وقد رجّح الشافعي قول زيد في الفرائض لحديث «أفرضكم زيد» «1» . وأما ما ورد عن التابعين، فحيث جاز الاعتماد فيما سبق، فكذلك، وإلا وجب الاجتهاد. وأما ما لم يرد فيه نقل، فهو قليل، وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق. وقال الإمام ابن خلدون في مقدمة «العبر» في علوم القرآن: وأما التفسير: فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه، ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه، وكان ينزل جملا جملا،
وآيات آيات، لبيان التوحيد والفروض الدينية، بحسب الوقائع، ومنها ما هو في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدم، ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين المجمل، ويميز الناسخ من المنسوخ، ويعرّفه أصحابه، فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه، كما علم من قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «1» أنها نعي النبي صلى الله عليه وسلم، وأمثال ذلك. ونقل ذلك عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتداول ذلك التابعون من بعدهم، ونقل ذلك عنهم، ولم يزل ذلك متناقلا بين الصدر الأول والسلف، حتى صارت المعارف علوما، ودونت الكتب، فكتب الكثير من ذلك، ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصحابة والتابعين، وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي والثعالبي، وأمثال ذلك من المفسرين، فكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوه من الآثار ثم صارت علوم اللسان صناعية من الكلام في موضوعات اللغة، وأحكام الإعراب، والبلاغة في التراكيب فوضعت الدواوين في ذلك، بعد أن كانت ملكات للعرب، لا يرجع فيها إلى نقل ولا كتاب. فتنوسي ذلك، وصارت تتلقى من كتب أهل اللسان، فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن، لأنه بلسان العرب، وعلى منهاج بلاغتهم. وصار التفسير على صنفين: تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف، وهي معرفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، ومقاصد الآي. وكل ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين. وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود. والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات، وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية
2 - قاعدة في معرفة صحيح التفسير، وأصح التفاسير عند الاختلاف:
مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير، الذين أخذوا بدين اليهودية. فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلّق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم، وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام وأمثالهم. فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض، أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام، فيتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. ويتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملؤوا كتب التفسير بهذه المنقولات. وأصلها، كما قلنا، عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك. إلا أنهم بعد صيتهم، وعظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة. فتلقيت بالقبول من يومئذ. فلما رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص، وجاء أبو محمد بن عطية، من المتأخرين بالمغرب، فلخص تلك التفاسير كلها، وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها، ووضع ذلك في كتاب، متداول بين أهل المغرب الأندلس، حسن المنحى. وتبعه القرطبي في تلك الطريقة، على منهاج واحد في كتاب آخر مشهور، بالمشرق. والصنف الآخر من التفسير، وهو ما يرجع إلى اللسان من معرفة اللغة والإعراب، والبلاغة، وتأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب وهذا الصنف من التفسير قلّ أن ينفرد عن الأول إذ الأول هو المقصود بالذات، وإنما جاء هذا بعد أن صار اللسان وعلومه صناعة. انتهى. 2- قاعدة في معرفة صحيح التفسير، وأصح التفاسير عند الاختلاف: قال الإمام محمد بن المرتضى اليماني رضي الله عنه في كتابه «إيثار الحق على الخلق» : فصل في الإرشاد إلى طريق المعرفة لصحيح التفسير، وأصح التفاسير عند الاختلاف بطريق واضح لا يشك أهل الإنصاف في حسن التنبيه عليه والإرشاد إليه: «اعلم أن كتاب الله تعالى، لما كان مفزع الطالب للحق بعد الإيمان، وكان محفوظا كما وعد به الرحمن، دخل الشيطان على كثير من طريق تفسيره، وعدم
الفرق بين التفسير والتحريف والتأويل والتبديل، ولو كان لكل مبتدع أن يحمله على ما يوافق هواه، بطل كونه فرقا بين الحق والباطل. وقد ثبت أنه يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. وهذا لا يتم إلا بحراسته من دعاوى المبطلين في تصرفاتهم واحتيالهم على التشويش فيه، ولبس صوادعه وقواطعه بخوافيه، وهذه هذه فليهتم المعظم له بمعرفتها، ويتأملها حق التأمل، ويتعرف أسبابها ممن قد مارسها» وقد أوضحها رضي الله عنه في كتابه المذكور، وجوّد الكلام عليها ثم قال: فإذا عرفت ذلك فلا غنى عن معرفة مراتب المفسرين، حيث يكون التفسير راجعا إلى الرواية ثم مراتب التفسير، حيث يكون التفسير راجعا إلى الدراية. أما مراتب المفسرين: فخيرهم الصحابة رضي الله عنهم، لما ثبت من الثناء عليهم في الكتاب والسنة، ولأن القرآن أنزل على لغتهم، فالغلط أبعد عنهم من غيرهم، ولأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أشكل عليهم، وأكثرهم تفسيرا حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقد جمع عنه تفسير كامل، ولم يتفق مثل ذلك لغيره من الصدر الأول الذين عليهم في مثل ذلك المعوّل، ومتى صح الإسناد إليه كان تفسيره من أصح التفاسير، مقدما على كثير من الأئمة الجماهير، وذلك لوجوه: أولها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له بالفقه في الدين، وتعلّم التأويل أي التفسير، وصح ذلك واشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله طرق في مجمع الزوائد. وقال الحافظ أبو مسعود في أطرافه: إنه مما أخرجه البخاري ومسلم بكماله. وفيهما من غير طريق أبي مسعود عند سائر الرواة «اللهم علمه الكتاب والحكمة» ، وفي رواية «اللهم فقهه في الدين» . وفي رواية الترمذي: أنه رأى جبريل عليه السلام مرتين، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة مرتين. وينبغي معرفة سائر مناقبه مع ذلك في مواضعها، ولولا خوف الإطالة لذكرتها. وثانيها: أن الصحابة اتفقوا على تعظيمه في العلم عموما، وفي التفسير خصوصا، وسموه البحر والحبر وشاع ذلك فيهم من غير نكير، وظهرت إجابة الدعوة النبوية فيه، وقصة عمر معه، رضي الله عنهما، مشهورة، في سبب تقديمه وتفضيله على من هو أكبر منه من الصحابة، وامتحانه في ذلك «1» .
3 - قاعدة في أن غالب ما صح عن السلف من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد:
وثالثها: كونه من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة. ورابعها: أنه ثبت عنه أنه كان لا يستحل التأويل بالرأي. روي عنه أنه قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار. وفي رواية «بغير علم» رواه أبو داود في العلم، والنسائي في فضائل القرآن، والترمذي في التفسير، وقال: حديث حسن، وشرطه فيما قال فيه «حسن» أن يأتي من غير طريق. والخامس: أن الطرق إليه محفوظة غير منقطعة، فصح منها تفسير نافع، ممتع. ولذلك خصصته بالذكر، وإن كان غيره أكبر منه، وأقدم وأعلم وأفضل، مثل علي بن أبي طالب عليه السلام، من جنسه وأهله، وغيره من أكابر الصحابة رضي الله عنهم. لكن ثبوت التفسير عنهم قليل بالنظر إليه، رضي الله عنهم أجمعين. ثمّ المرتبة الثانية من المفسرين «التابعون» ومن أشهر ثقاتهم المصنفين في التفسير: مجاهد وعطاء وقتادة والحسن البصري وأبو العالية رفيع بن مهران ومحمد ابن كعب القرظي وزيد بن أسلم. ويلحق بهؤلاء عكرمة، ثم مقاتل بن حيان ومحمد ابن زيد، ثم علي بن أبي طلحة، ثم السدي الكبير. وتتمة هذا في الإيثار وفي الإتقان. قال ابن تيمية: أعلم الناس بالتفسير أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس وغيرهم. وكذلك في الكوفة أصحاب ابن مسعود. وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد، ومالك بن أنس. انتهى. 3- قاعدة في أن غالب ما صح عن السلف من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوّع، لا اختلاف تضادّ: قال ابن تيمية: يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لأصحابه معاني القرآن، كما بيّن لهم ألفاظه. فقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السّلمي: حدثنا الذين كانوا يقرءون القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.
وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ في أعيننا، رواه أحمد في مسنده. وأقام ابن عمر على حفظ البقرة ثمان سنين، أخرجه في الموطأ «1» . وذلك أن الله قال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ص: 29] . وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء: 82] وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن. وأيضا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم، كالطب والحساب ولا يستشرحونه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم؟ ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا. وهو، وإن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى ما بعدهم. ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة. وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال. والخلاف بين السلف في التفسير قليل. وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوّع لا اختلاف تضادّ، وذلك صنفان: أحدهما: أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى، كتفسيرهم الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ: بعض بالقرآن، أي اتباعه. وبعض بالإسلام. فالقولان متفقان. لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ صراط يشعر بوصف ثالث. وكذلك قول من قال: «هو السنة والجماعة» ، وقول من قال: «هو طريق العبودية» ، وقول من قال: «هو طاعة الله ورسوله» وأمثال ذلك. فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها. الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل. وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه. مثاله: ما نقل في قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا [فاطر: 32] الآية. فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات، والمنتهك للحرمات والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق، فتقرّب بالحسنات مع الواجبات. فالمقتصدون أصحاب اليمين، والسابقون
فصل
السابقون أولئك المقربون. ثم إن كلّا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار. أو يقول: السابق المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط، والظالم مانع الزكاة. قال: وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوّع التفسير، تارة لتنوّع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى، هو الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف. ومن التنازع الموجود منهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين، إما لكونه مشتركا في اللغة، كلفظ «القسورة» الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد ولفظ «عسعس» الذي يراد به إقبال الليل وإدباره. وإما لكونه متواطئا في الأصل، لكن المراد به أحد النوعين، أو أحد الشخصين، كالضمائر في قوله: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى [النجم: 8] الآية، وكلفظ وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: 1- 3] وأشباه ذلك. فمثل ذلك قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك. فالأول إما لكون الآية نزلت مرتين، فأريد بها هذا تارة، وهذا تارة. وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه وإما لكون اللفظ متواطئا، فيكون عاما إذا لم يكن لمخصصه موجب. فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني. ومن الأقوال الموجودة عنهم، ويجعلها بعض الناس اختلافا، أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة، كما إذا فسر بعضهم «تبسل» بتحبس، وبعضهم بترتهن، لأن كلّا منهما قريب من الآخر. فصل ثم قال: والاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك. والمنقول إما عن المعصوم أو غيره، ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من غيره، ومنه ما لا يمكن ذلك. وهذا القسم الذي لا يمكن معرفة صحيحه من
ضعيفه، عامته مما لا فائدة فيه، ولا حاجة بنا إلى معرفته. وذلك كاختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، واسمه، وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، وفي قدر سفينة نوح وخشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك. فهذه الأمور طريق العلم بها النقل، فما كان منه منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل. وما لا، بأن نقل عن أهل الكتاب، ككعب ووهب، وقف عن تصديقه وتكذيبه. لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» ، وكذا ما نقل عن بعض التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب. فمتى اختلف التابعون، لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل في ذلك عن الصحابة نقلا صحيحا، فالنفس إليه أسكن مما ينقل عن التابعين، لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين. ومع جزم الصحابيّ بما يقوله، كيف يقال إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم؟ وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه، فهذا موجود كثير ولله الحمد، وإن قال الإمام أحمد: ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم والمغازي، وذلك لأن الغالب عليها المراسيل. وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه من الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا، لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، مثل تفسير عبد الرزاق والفريابيّ ووكيع وعبد وإسحاق وأمثالهم. أخذها قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها. (والثاني) قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به، فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان. والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز أن يراد به العربيّ من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم، وسياق الكلام. ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن، كما يغلط في ذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق. والأولون صنفان: تارة
4 - قاعدة في معرفة النزول:
يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به. وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول. وقد يكون حقّا، فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول. فالذين أخطئوا فيهما، مثل طوائف من أهل البدع، اعتقدوا مذاهب باطلة، وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على رأيهم، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين، لا في رأيهم ولا في تفسيرهم. وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم. مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم والجبّائي وعبد الجبار والرمّاني والزمخشري وأمثالهم. وهؤلاء من يكون حسن العبارة يدس البدع في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف ونحوه. حتى إنه يروج على خلق كثير من أهل السنة تفاسيرهم الباطلة. وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة وأسلم من البدعة. ولو ذكر كلام السلف المأثور عنهم على وجهه لكان أحسن، فإنه كثيرا ما ينقل من تفسير ابن جرير الطبريّ، وهو من أجلّ التفاسير وأعظمها قدرا، ثم إنه يدع ما ينقله ابن جرير عن السلف ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة، لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه، فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في الآية تفسير، وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين، صار مشاركا للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا. وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك بل مبتدعا، لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله. وأما الذين أخطئوا في الدليل لا في المدلول كمثل كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء، يفسرون القرآن بمعان صحيحة في نفسها، لكن القرآن لا يدل عليها، مثل كثير مما ذكره السلميّ في الحقائق، فإن كان فيما ذكروه معان باطلة دخل في القسم الأول. انتهى. 4- قاعدة في معرفة النزول: قال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. وقد أشكل على مروان بن الحكم معنى قوله تعالى: لا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا [آل عمران: 188] الآية، وقال: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنعذبن أجمعون. حتى بيّن له ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبيّ صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه- أخرجه الشيخان «1» . وحكي عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معد يكرب أنهما كانا يقولان: الخمر مباحة، ويحتجان بقوله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا.. [المائدة: 93] الآية، ولو علما سبب نزولها لم يقولا ذلك. وهو أن ناسا قالوا، لما حرّمت الخمر: كيف بمن قتلوا في سبيل الله وماتوا وكانوا يشربون الخمر وهي رجس؟ فنزلت- أخرجه أحمد والنسائي «2» وغيرهما-. ومن ذلك قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق: 4] فقد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة حتى قال الظاهرية: بأن الآيسة لا عدة عليها إذا لم ترتب. وقد بين ذلك سبب النزول: وهو أنه لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد من النساء قالوا: قد بقي عدد من عدد النساء لم يذكرن- الصغار والكبار- أخرجه الحاكم عن أبيّ- فعلم بذلك أن الآية خطاب لمن لم يعلم ما حكمهن في العدة، وارتاب هل عليهن عدة أو لا، وهل عدتهن كاللاتي في سورة البقرة أو لا. فمعنى إِنِ ارْتَبْتُمْ إن أشكل عليكم حكمهن، وجهلتم كيف يعتدّون، فهذا حكمهن. ومن ذلك قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: 115] فإنا لو
تركنا ومدلول اللفظ لاقتضى أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا، وهو خلاف الإجماع. فلما عرف سبب نزولها علم أنها في نافلة السفر، أو فيمن صلى بالاجتهاد وبان له الخطأ، على اختلاف الروايات في ذلك. ومن ذلك قوله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ... «1» [البقرة: 158] الآية: فإن ظاهر لفظها لا يقتضي أن السعي فرض. وقد ذهب بعضهم إلى عدم فرضيته تمسكا بذلك. وقد ردت عائشة على عروة في فهمه ذلك بسبب نزولها، وهو أن الصحابة تأثموا من السعي بينهما، لأنه من عمل الجاهلية، فنزلت. ومنها رفع توهم الحصر. قال الشافعي ما معناه في قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ... [الأنعام: 145] الآية: إن الكفار لما حرموا ما أحل الله. وكانوا على المضادة والمحادة، فجاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلاوة، فتقول: لا آكل اليوم إلا الحلاوة، والغرض المضادة، لا النفي والإثبات على الحقيقة. فكأنه تعالى قال: لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل. قال إمام الحرمين: وهذا في غاية الحسن، ولولا سبق الشافعيّ إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية، وتعيين المبهم فيها. ولقد قال مروان في عبد الرحمن بن أبي بكر: إنه الذي أنزل فيه، وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما [الأحقاف: 17] حتى ردت عليه عائشة وبينت له سبب نزولها «2» .
وقال ابن تيمية أيضا: قد يجيء كثير من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصا، كقولهم، إن آية الظهار، نزلت في امرأة ثابت ابن قيس وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وإن قوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ [المائدة: 49] نزلت في بني قريظة والنضير، ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة أو في قوم من اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين. فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أنّ حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق. والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه، فلم يقل أحد إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال إنها تختص بنوع ذلك الشخص، فتعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ. والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرا أو نهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته. وإن كانت خبرا بمدح أو ذم، فإنها متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته. قال ابن تيمية أيضا: قولهم أنزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب، كما نقول عنى بهذه الآية كذا. وقد تنازع العلماء في قول الصحابيّ: نزلت هذه الآية في كذا، هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟ فالبخاريّ يدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه. وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح، كمسند أحمد، وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه، فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند. وقال الزركشيّ في البرهان: قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها. فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع. انتهى. وقال المحقق أبو إسحاق الشاطبيّ في الموافقات: معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن. والدليل على ذلك أمران: أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حال الخطاب من جهة نفس الخطاب أو المخاطب أو المخاطب أو الجميع. إذ الكلام الواحد
يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك. كالاستفهام لفظه واحد، ويدخله معان أخر، من تقرير وتوبيخ وغير ذلك. وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها. ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة. وعمدتها مقتضيات الأحوال. وليس كل حال ينقل، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول. وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة، فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه. ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بد. ومعنى معرفة السبب هو معنى معرفة مقتضى الحال. وينشأ عن هذا الوجه. الوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات، مورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال، حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع. ويوضح هذا المعنى ما روى أبو عبيد عن إبراهيم التيميّ، قال: خلا عمر ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟! فأرسل إلى ابن عباس فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟! فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إنّا أنزل القرآن علينا فقرأناه، وعلمنا فيم نزل. وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، اقتتلوا. قال فزجره عمر وانتهره! فانصرف ابن عباس. ونظر عمر فيما قال، فعرفه، فأرسل إليه فقال: أعد عليّ ما قلت. فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه. وما قاله صحيح في الاعتبار، ويتبين بما هو أقرب. فقد روى ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعا: كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: يراهم شرار خلق الله، إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين. فهذا معنى الرأي الذي نبه ابن عباس عليه، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن. ثم ساق الشاطبيّ نحو ما تقدم عن ابن تيمية مطولا، وقال في آخر البحث، وهذا شأن أسباب النزول في التعريف بمعاني المنزل، بحيث لو فقد ذكر السبب، لم يعرف من المنزل معناه على الخصوص، دون تطرق الاحتمالات، وتوجه الإشكالات. وقد قال عليه السلام: خذوا القرآن من أربعة، منهم عبد الله بن مسعود «1» . وقد قال
في خطبة خطبها: والله! لقد علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله. وقال في حديث آخر: والذي لا إله غيره! ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني، تبلغه الإبل، لركبت إليه «1» . وهذا يشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالما بالقرآن. وعن الحسن أنه قال: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت، وما أراد بها. وهو نص في الموضع مشير إلى التحريض على تعلم علم الأسباب. وعن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن شيء من القرآن، فقال: اتق الله وعليك بالسداد، فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن. وعلى الجملة فهو ظاهر بالمزاولة لعلم التفسير. انتهى. وقال ولي الله الدهلويّ في الفوز الكبير: ومن المواضع الصعبة معرفة أسباب النزول. ووجه الصعوبة فيها خلاف المتقدمين والمتأخرين. والذي يظهر من استقراء كلام الصحابة والتابعين، أنهم لا يستعملون «نزلت في كذا» لمحض قصة كانت في زمنه صلى الله عليه وسلم، وهي سبب نزول الآية. بل ربما يذكرون بعض ما صدقت عليه الآية مما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، أو بعده صلى الله عليه وسلم. ويقولون: «نزلت في كذا» ولا يلزم هناك انطباق جميع القيود، بل يكفي انطباق أصل الحكم فقط. وقد يقررون حادثة تحققت في تلك الأيام المباركة، واستنبط صلى الله عليه وسلم حكمها من آية، وتلاها في ذلك الباب، ويقولون: «نزلت في كذا» وربما يقولون: في هذه الصورة، فأنزل الله قوله كذا، فكأنه إشارة إلى أنه استنباطه صلى الله عليه وسلم. وإلقاؤها في تلك الساعة بخاطره المبارك أيضا، نوع من الوحي والنفث في الروع. فلذلك يمكن أن يقال: فأنزلت، ويمكن أن يعبر في هذه الصورة بتكرار النزول. ويذكر المحدثون في ذيل آيات القرآن كثيرا من الأشياء ليست من قسم سبب النزول في الحقيقة. مثل استشهاد الصحابة في مناظراتهم بآية، أو تمثيلهم بآية، أو تلاوته صلى الله عليه وسلم آية للاستشهاد في كلامه الشريف، أو رواية حديث وافق الآية في أصل الغرض، أو تعيين موضع النزول، أو تعيين أسماء
المذكورين بطريق الإبهام، أو بطريق التلفظ بكلمة قرآنية، أو فضل سور وآيات من القرآن، أو صورة امتثاله صلى الله عليه وسلم بأمر من أوامر القرآن ونحو ذلك. وليس شيء من هذا في الحقيقة من أسباب النزول، ولا يشترط إحاطة المفسر بهذه الأشياء، إنما شرط المفسر أمران: الأول: ما تعرض له الآيات من القصص، فلا يتيسر فهم الإيماء بتلك الآيات إلا بمعرفة تلك القصص. والثاني: ما يخصص العام من القصة، أو مثل ذلك من وجوه صرف الكلام عن الظاهر. فلا يتيسر فهم المقصود من الآيات بدونها. ومما ينبغي أن يعلم أن قصص الأنبياء السابقين لا تذكر في الحديث إلا على سبيل القلة، فالقصص الطويلة العريضة التي تكلف المفسرون روايتها، كلها منقولة عن علماء أهل الكتاب، إلا ما شاء الله تعالى. وقد جاء في صحيح البخاريّ مرفوعا: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم «1» . وليعلم أن الصحابة والتابعين ربما كانوا يذكرون قصصا جزئية لمذاهب المشركين واليهود وعاداتهم من الجهالات لتتضح تلك العقائد والعادات، ويقولون: نزلت الآية في كذا. ويريدون بذلك أنها نزلت في هذا القبيل، سواء كان هذا وما أشبهه، أو ما قاربه. ويقصدون إظهار تلك الصورة، لا بخصوصها، بل لأجل أن التصوير صالح لتلك الأمور الكلية. ولهذا تختلف أقوالهم في كثير من المواضع، وكلّ يجرّ الكلام إلى جانب. وفي الحقيقة، المطالب متحدة. وإلى هذه النكتة أشار أبو الدرداء حيث قال: لا يكون أحد فقيها حتى يحمل الآية على محامل متعددة. انتهى. وقال أيضا: من جملة الآثار المروية في كتب التفسير بيان سبب النزول. وسبب النزول على قسمين: الأول: أن تقع حادثة يظهر فيها إيمان المؤمنين، ونفاق المنافقين، كما وقع في أحد والأحزاب، أنزل الله تعالى مدح هؤلاء، وذم أولئك، ليكون فيصلا بين
5 - قاعدة في الناسخ والمنسوخ
الفريقين. وربما يقع في مثل هذا من التعريض بخصوصيات الحادثة ما يبلغ حدّ الكثرة. فيجب أن يذكر شرح الحادثة مختصرا ليتضح سوق الكلام على القارئ. القسم الثاني: أن يتم معنى الآية بعمومها من غير احتياج إلى العلم بالحادثة التي هي سبب النزول. والحكم لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقد ذكر قدماء المفسرين تلك الحادثة بقصد الإحاطة بالآثار المناسبة للآية، أو بقصد بيان ما صدق عليه العموم. وليس ذكر هذا القسم من الضروريات. وقد تحقق عند الفقير، أن الصحابة والتابعين كثيرا ما كانوا يقولون: نزلت الآية في كذا وكذا، وكان غرضهم تصوير ما صدقت عليه الآية، وذكر بعض الحوادث التي تشملها الآية بعمومها، سواء تقدمت القصة أو تأخرت، إسرائيليّا كان ذلك أو جاهليّا أو إسلاميّا، استوعبت جميع قيود الآية أو بعضها والله أعلم. فعلم من هذا التحقيق أن للاجتهاد في هذا القسم مدخلا، وللقصص المتعددة هنالك سعة. فمن استحضر هذه النكتة يتمكن من حل ما اختلف من سبب النزول بأدنى عناية، انتهى كلامه. 5- قاعدة في الناسخ والمنسوخ قد تقرر أن النسخ في الشرائع جائز، موافق للحكمة وواقع. فإن شرع موسى نسخ بعض الأحكام التي كان عليها إبراهيم. وشرع عيسى نسخ بعض أحكام التوراة. وشريعة الإسلام نسخت جميع الشرائع السابقة. لأن الأحكام العملية التي تقبل النسخ، إنما تشرع لمصلحة البشر. والمصلحة تختلف باختلاف الزمان، فالحكيم العليم يشرع لكل زمن ما يناسبه. وكما تنسخ شريعة بأخرى، يجوز أن تنسخ بعض أحكام شريعة بأحكام أخرى في تلك الشريعة. فالمسلمون كانوا يتوجهون إلى بيت المقدس في صلاتهم، فنسخ ذلك بالتوجه إلى الكعبة، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين. ولكنّ هناك خلافا في نسخ أحكام القرآن ولو بالقرآن. فقد قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهانيّ المفسر الشهير: ليس في القرآن آية منسوخة، وهو يخرّج كل ما قالوا إنه منسوخ على وجه صحيح بضرب من التخصيص أو التأويل. وظاهر أن مسألة القبلة ليس فيها نسخ للقرآن، وإنما هي نسخ لحكم، لا ندري
هل فعله النبيّ صلى الله عليه وسلم باجتهاده، أم بأمر من الله تعالى غير القرآن، فإن الوحي غير محصور في القرآن. ولكن الجمهور على أن القرآن ينسخ بالقرآن، بناء على أنه لا مانع من نسخ حكم آية مع بقائها في الكتاب، يعبد الله تعالى بتلاوتها، وتذكر نعمته، بالانتقال من حكم كان موافقا للمصلحة ولحال المسلمين في أول الإسلام، إلى حكم يوافق المصلحة في كل زمان ومكان. فإنه لا ينسخ حكم إلا بأمثل منه، كالتخفيف في تكليف المؤمنين بقتال عشرة أمثالهم، والاكتفاء بمقاتلة الضعف بأن تقاتل المائة مائتين. واتفقوا على أنه لا يقال بالنسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الآيتين من آيات الأحكام العملية، وعلم تاريخهما، فعند ذلك يقال: إن الثانية ناسخة للأولى. أما آيات العقائد والفضائل والأخبار فلا نسخ فيها. وقال الإمام شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى: مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة- وهو اصطلاح المتأخرين- ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد مطلق. وحمله على المقيد وتفسيره وتبيينه. حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخا، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد. فالنسخ، عندهم وفي لسانهم، هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه. ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر. انتهى. وقال وليّ الله الدهلويّ في الفوز الكبير: من المواضع الصعبة في فن التفسير التي ساحتها واسعة جدّا، والاختلاف فيها كثير، معرفة الناسخ والمنسوخ، وأقوى الوجوه الصعبة اختلاف اصطلاح المتقدمين والمتأخرين، وما علم في هذا الباب، من استقراء كلام الصحابة والتابعين، أنهم كانوا يستعملون النسخ بإزاء المعنى اللغويّ الذي هو إزالة شيء بشيء، لا بإزاء مصطلح الأصوليين. فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى، إما بانتهاء مدة العمل، أو بصرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا، أو تخصيص عام، أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس عليه ظاهرا، أو إزالة عادة الجاهلية، أو الشريعة السابقة، فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك، واتسعت دائرة الاختلاف. ولهذا بلغ عدد الآيات المنسوخة خمسمائة.
وإن تأملت، متعمقا، فهي غير محصورة. والمنسوخ باصطلاح المتأخرين عدد قليل. لا سيما بحسب ما اخترناه من التوجيه. انتهى. وقال الإمام الشاطبيّ في الموافقات: الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم، في الإطلاق، أعم منه في كلام الأصوليين. فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم، بدليل متصل أو منفصل، نسخا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعيّ، بدليل شرعيّ متأخر، نسخا. لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد. وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخرا، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به. وهذا المعنى جاء في تقييد المطلق. فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو المقيد، فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئا، فصار مثل الناسخ والمنسوخ. وكذلك العامّ مع الخاص. إذ كان ظاهر العام شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ. فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار، فأشبه الناسخ والمنسوخ. إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص، وبقي السائر على الحكم الأول، والمبين مع المبهم، كالمقيد مع المطلق. فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني، لرجوعها إلى شيء واحد. ولا بد من أمثلة تبين المراد: فقد روي عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء: 18] أنه ناسخ لقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها [الشورى: 20] وهذا، على التحقيق، تقييد لمطلق. إذ كان قوله نُؤْتِهِ مِنْها مطلقا ومعناه مقيد بالمشيئة، وهو قوله في الأخرى لِمَنْ نُرِيدُ وإلا فهو إخبار، والأخبار لا يدخلها النسخ. وقال في قوله وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ إلى قوله: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ [الشعراء: 224- 226] هو منسوخ بقوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً.. [الشعراء: 227] الآية، قال مكيّ- وقد ذكر عن ابن عباس، في أشياء كثيرة في القرآن فيها حرف الاستثناء، أنه قال: منسوخ- قال: وهو مجاز لا حقيقة. لأن المستثنى مرتبط بالمستثنى منه، بيّنه حرف الاستثناء أنه في بعض الأعيان الذين عمهم اللفظ الأول، والناسخ منفصل من المنسوخ، رافع
لحكمه، وهو بغير حرف. هذا ما قال. ومعنى ذلك: أنه تخصيص للعموم قبله، ولكنه أطلق عليه لفظ النسخ، إذ لم يعتبر فيه الاصطلاح الخاص. وقال في قوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها [النور: 27] أنه منسوخ بقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ.. [النور: 29] الآية. وليس من الناسخ والمنسوخ في شيء. غير أن قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ يثبت في الآية الأخرى أنما يراد بها المسكونة. وقال في قوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [التوبة: 41] ، أنه منسوخ بقوله: ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: 122] ، والآيتان في معنيين. ولكنه نبه على أن الحكم بعد غزوة تبوك أن لا يجب النفير على الجميع. وقال في قوله تعالى: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال: 1] منسوخ بقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.. [الأنفال: 41] الآية، وإنما ذلك بيان لمبهم في قوله: لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. وقال في قوله تعالى: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أنه منسوخ بقوله: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها.. الآية. وآية الأنعام خبر من الأخبار، والأخبار لا تنسخ ولا تنسخ. وقال في قوله: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ.. [النساء: 8] الآية: أنه منسوخ بآية المواريث. وقال مثله الضحاك والسدي وعكرمة. وقال الحسن: منسوخ بالزكاة. وقال ابن المسيّب: نسخه الميراث والوصية. والجمع بين الآيتين ممكن، لاحتمال حمل الآية على الندب، والمراد بأولي القربى من لا يرث. بدليل قوله: وَإِذا حَضَرَ كما ترى الرزق بالحضور، فإن المراد غير الوارثين. وبيّن الحسن أن المراد الندب أيضا بدليل آية الوصية والميراث فهو من بيان المجمل والمبهم. وقال هو وابن مسعود في قوله: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: 284] أنه منسوخ بقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: 286] بدليل أن ابن عباس فسر الآية بكتمان الشهادة، إذ تقدم قوله وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ثم قال: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
6 - قاعدة في القراءة الشاذة والمدرج:
يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ الآية. فحصل أن ذلك من باب تخصيص العموم أو بيان المجمل. وقال في قوله وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها [النور: 31] أنه منسوخ بقوله: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ [النور: 60] الآية، وليس بنسخ وإنما هو تخصيص لما تقدم من العموم. وعن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت في قوله تعالى: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة: 5] أنه ناسخ لقوله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: 121] فإن كان المراد أن طعام أهل الكتاب حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه فهو تخصيص للعموم. وإن كان المراد طعامهم حلال بشرط التسمية فهو أيضا من باب تخصيص. لكن آية الأنعام هي آية العموم المخصوص في الوجه الأول، وفي الثاني بالعكس. وقال عطاء في قوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ [الأنفال: 16] أنه منسوخ بقوله: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: 65] إلى آخر الآيتين، وإنما هو تخصيص وبيان لقوله وَمَنْ يُوَلِّهِمْ فكأنه على معنى وَمَنْ يُوَلِّهِمْ وكانوا مثلي عدد المؤمنين، فلا تعارض ولا نسخ بالإطلاق الأخير، والأمثلة كثيرة. انتهى. وسيأتي في تفسير قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ [البقرة: 106] زيادة على ما هنا بعونه تعالى. 6- قاعدة في القراءة الشاذة والمدرج: قال أبو عبيد في فضائل القرآن: المقصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها. كقراءة عائشة وحفصة «والصلاة الوسطى صلاة العصر» وقراءة ابن مسعود «فاقطعوا أيمانهما» وقراءة جابر «فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم» . قال: فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن. وقد كان يروى مثل هذا عن التابعين في التفسير فيستحسن. فكيف إذا روي عن كبار الصحابة، ثم صار في نفس القراءة، فهو أكثر من التفسير وأقوى؟ فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف
7 - قاعدة في قصص الأنبياء والاستشهاد بالإسرائيليات
معرفة صحة التأويل. انتهى. وقال القراب في الشافعي: التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة، وإنّما هو من جمع بعض المتأخرين فانتشر، وأوهم أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، وذلك لم يقل به أحد. انتهى. ومن القراآت ما يشبه من أنواع الحديث المدرج. وهو ما زيد في القراآت على وجه التفسير. كقراءة سعد بن أبي وقاص «وله أخ أو أخت من أم» أخرجها سعيد بن منصور، وقراءة ابن عباس «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج» «1» أخرجها البخاريّ، وقراءة ابن الزبير «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم» قال عمرو: فما أدري أكانت قراءته أم فسر- أخرجه سعيد بن منصور وأخرجه الأنباريّ، وجزم بأنه تفسير. وأخرج عن الحسن أنه كان يقرأ: «وإن منكم إلا واردها الورود الدخول» قال الأنباريّ: قوله: «الورود الدخول» تفسير من الحسن لمعنى الورود، وغلط فيه بعض الرواة فأدخله في القرآن. قال ابن الجزريّ في آخر كلامه: وربما كانوا يدخلون التفسير في القراآت إيضاحا وبيانا. لأنهم محققون لما تلقوه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرآنا. فهم آمنون من الالتباس. وربما كان بعضهم يكتبه معه، وأما من يقول: إن بعض الصحابة كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب وساء- كذا في الإتقان. 7- قاعدة في قصص الأنبياء والاستشهاد بالإسرائيليات قال الإمام أبو العباس أحمد بن زروق في قواعد التصوف: التأثير بالأخبار عن الوقائع أتم لسماعها من التأثير بغيرها. فمن ثم قيل: الحكايات جند من جنود الله يثبت الله بها قلوب العارفين. قيل: فهل تجد لذلك شاهدا من كتاب الله؟ قال: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود: 120] ، ووجه ذلك: أن شاهد الحقيقة بالفعل أظهر وأقوى في الانفعال من شاهدها اللغويّ، إذ مادة
الفاعل مستمرة في الفعل لغابر الدهر. وقال وليّ الله الدهلويّ، قدس سره، في أصول التفسير، في فصل الكلام على معرفة أسباب النزول: شرط المفسر أمران: الأول: ما تعرض له الآيات من القصص، فلا يتيسر فهم الإيماء بتلك الآيات إلا بمعرفة تلك القصص. والثاني: ما يخصص العام من القصة، أو مثل ذلك من وجوه صرف الكلام عن الظاهر، فلا يتيسر فهم المقصود من الآيات بدونها. ومما ينبغي أن يعلم أن قصص الأنبياء السالفين لا تذكر في الحديث إلا على سبيل القلة، فالقصص الطويلة العريضة التي تكلف المفسرون روايتها، كلها منقولة عن علماء أهل الكتاب إلا ما شاء الله تعالى. انتهى. فإذن، لا يخفى أن من وجوه التفسير معرفة القصص المجملة في غضون الآيات الكريمة، ثم ما كان منها غير إسرائيليّ. كالذي جرى في عهده صلى الله عليه وسلم، أو أخبر عنه. فهذا تكفّل ببيانه المحدثون. وقد رووه بالأسانيد المتصلة، فلا مغمز فيه. وأما ما كان إسرائيليا، وهو الذي أخذ جانبا وافرا من التنزيل العزيز، فقد تلقى السلف شرح قصصه، إما مما استفاض على الألسنة ودار من نبئهم، وإما من المشافهة عن الإسرائيليين الذين آمنوا. وهؤلاء كانوا تلقفوا أنباءها عن قادتهم. إذ الصحف كانت عزيزة لم تتبادلها الأيدي، كما هو في العصور الأخيرة. واشتهر ضنّ رؤسائهم بنشرها لدى عمومهم، إبقاء على زمام سيطرتهم، فيروون ما شاؤوا غير مؤاخذين ولا مناقشين. فذاع ما ذاع. ومع ذلك فلا مغمز على مفسرينا الأقدمين في ذلك، طابق أسفارهم أم لا، إذ لم يألوا جهدا في نشر العلم وإيضاح ما بلغهم وسمعوه. إما تحسينا للظن في رواة تلك الأنباء وأنهم لا يروون إلا الصحيح، وإما تعويلا على ما رواه الإمام أحمد والبخاريّ والترمذيّ عن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» «1» ورواه أبو داود أيضا بإسناد صحيح عن
أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» فترخصوا في روايتها كيفما كانت، ذهابا إلى أن القصد منها الاعتبار بالوقائع التي أحدثها الله تعالى لمن سلف لينهجوا منهج من أطاع فأثنى عليه وفاز. وينكبوا عن مهيع من عصى فحقت عليه كلمة العذاب وهلك. هذا ملحظهم رضي الله عنهم. وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يقول: إذا روينا في الأحكام شددنا، وإذا روينا في الفضائل تساهلنا، فبالأحرى القصص. وبالجملة فلا ينكر أن فيها الواهيات بمرة، والموضوعات، مما استبان لمحققي المتأخرين. وقد رأيت، ممن يدعي الفضل، الحط من كرامة الإمام الثعلبيّ، قدس الله سره العزيز، لروايته الإسرائيليات وهذا، وأيم الحق، من جحد مزايا ذوي الفضل ومعاداة العلم. على أنه، قدس سره، ناقل عن غيره، وراو ما حكاه بالأسانيد إلى أئمة الأخبار. وما ذنب مسبوق بقول نقله باللفظ وعزاه لصاحبه؟ فمعاذا بك، اللهم! من هضيمة السلف. وقد رأيت له في تاريخ القاضي ابن خلّكان ترجمة عالية أحببت إثباتها هنا، تعريفا بمقامه لدى الجاهل به. قال القاضي في حرف الهمزة: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبيّ النيسابوريّ المفسر المشهور: كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، وغير ذلك. ذكره السمعانيّ، وقال: يقال له الثعلبيّ، والثعالبيّ، وهو لقب له ليس بنسب، قاله بعض العلماء. وذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسيّ في كتاب سياق تاريخ نيسابور، وأثنى عليه، وقال: حدث عن أبي طاهر بن خزيمة والإمام أبي بكر بن مهران المقرئ، وكان كثير الحديث، كثير الشيوخ، توفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وقال غيره: توفي في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وقال غيره: توفي يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. رحمه الله تعالى. انتهى. والقصد أن الصالحين كانوا يتقبلون الروايات على علاتها للملاحظة المارة، لصفاء سريرتهم. فلا ينبغي إلا تفنيد الموضوع منها، لا الحط من مقامهم وقرض أعراضهم. كيف وقد تلقى الصحابة ومن بعدهم الإسرائيليات وحكوها، بل بعضهم
اقتنى أسفارها وأدمن مطالعتها، لما استبان له من البشائر النبوية، وتحقق تحريفهم. روى الحافظ الذهبيّ في تذكرة الحفاظ، في ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أنه أصاب جملة من كتب أهل الكتاب وأدمن النظر فيها ورأى فيها عجائب. وقال السيوطيّ في الإتقان في طبقات المفسرين: وورد عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أشياء تتعلق بالقصص وأخبار الفتن والآخرة، وما أشبهها بأن يكون مما تحمله عن أهل الكتاب. وقال أيضا، في آخر الإتقان: حديث الفتون طويل جدا، يتضمن شرح قصة موسى وتفسير آيات كثيرة تتعلق به، وقد نبه الحفاظ منهم المزيّ وابن كثير على أنه موقوف من كلام ابن عباس. قال ابن كثير: وكان ابن عباس تلقاه من الإسرائيليات. انتهى. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل كنيسة لليهود وسمع قراءة التوراة حتى أتوا على صفته. روى الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: إن الله عز وجل ابتعث نبيه لإدخال رجل الجنة، فدخل الكنيسة فإذا يهود، وإذا يهوديّ يقرأ عليهم التوراة. فلما أتوا على صفة النبي صلى الله عليه وسلم أمسكوا، وفي ناحيتها رجل مريض، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما لكم أمسكتم؟ فقال المريض: إنهم أتوا على صفة نبيّ فأمسكوا. ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة فقرأ حتى أتى على صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم وأمته. فقال: هذه صفتك وصفة أمتك. أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لوا أخاكم» «1» . وروى الإمام أحمد أيضا في مسنده عن أبي صخر العقيليّ قال: حدثني رجل من الأعراب قال: جلبت جلوبه إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما فرغت من بيعتي قلت لألقينّ هذا الرجل فلأسمعنّ منه، قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم في أقفائهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشرا التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه على ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالذي أنزل التوراة! هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟ فقال برأسه: هكذا، أي لا. فقال ابنه: إي والله الذي أنزل التوراة! إنا لنجد في كتابنا
صفتك ومخرجك، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله! فقال: أقيموا اليهودي عن أخيكم، ثم ولي دفنه وحنطه وصلى عليه «1» . وروى الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة عبد الله بن سلام الحبر رضي الله عنه: عن إبراهيم بن أبي يحيى، قال: حدثنا معاذ بن عبد الرحمن عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني قرأت القرآن والتوراة، فقال: اقرأ هذا ليلة وهذا ليلة . قال الذهبيّ: فهذا- إن صح- ففيه الرخصة في تكرير التوراة وتدبرها. انتهى. أي ليعلم المحرف فيها من سياق القرآن الكريم، وليتبصر فيما تقوم به الحجة على حملة أسفارها، وليزداد معرفة بمجادلتهم من معتقدهم، ولغير ذلك. قال الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره: غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدّي الكبير، في تفسيره، عن هذين الرجلين ابن مسعود وابن عباس. ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» . رواه البخاريّ عن عبد الله بن عمرو. ولهذا كان عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد، لا للاعتقاد. فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، ويجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني. انتهى. فحيث جازت حكايته، على ما قاله، فالأولى رواية ما كان من القسم الأول أو الثالث عن نص كتبهم، كما هو مذهب عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، كما نقله ابن كثير هنا، والذهبي والسيوطيّ كما تقدم.
وإنما كان الأولى، في رواية الإسرائيليات، ما ذكرنا دفعا لمناقشة بعضهم على الإسرائيليات المتداولة في التفاسير بأنها لم ترو في كتب الحديث المشهورة حتى تكون المرجع، ولم تؤخذ من أسفارهم حتى تتطابق معها، فارتأى النقل عنها لذلك، لا اعتقادا بسلامتها من التحريف المحقق، كلا. بل توسعا في باب الأخبار للاستشهاد والاعتبار. قياما بالحجة على الخصم من معتقده، وناهيك بذلك. قال ابن حزم في كتاب الملل والنحل، بعد ما أوضح البراهين العديدة على تحريفهم وتبديلهم: إن الله تعالى كما أطلق أيديهم في تبديل ما شاء رفعه من ذينك الكتابين، كفّ أيديهم عما شاء إبقاءه من ذينك الكتابين، حجة عليهم. وممن كان يرى جواز النقل عن كتبهم، من قدماء الشافعية، الإمام الماورديّ. كما تراه في مواضع من كتابه «أعلام النبوة» . وممن حقق هذا البحث الإمام برهان الدين البقاعيّ، ثم الدمشقي، في تفسيره «المناسبات» الذي قال عنه شيخ الإسلام القاضي زكريا: «ما ألف نظيره وجدير بأن يكتب بماء الذهب» كما حكاه عنه تلميذه الإمام الهيتميّ في آخر فتاويه الحديثية. وهاك ما قاله البقاعيّ، رحمه الله، في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: 34] ، ما نصه: فإن أنكر منكر الاستشهاد بالتوراة أو بالإنجيل، وعمي عن أن الأحسن في باب النظر أن يرد على الإنسان بما يعتقده، تلوت عليه قول الله تعالى استشهادا على كذب اليهود قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: 93] ، وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً [المائدة: 48] في آيات من أمثال ذلك كثيرة. وذكرته باستشهاد النبي صلى الله عليه وسلم بالتوراة في قصة الزاني «1» . وروى الشيخان «2» عن
أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تكون الأرض يوم القيامة خبزة نزلا لأهل الجنة. فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى. قال: تكون الأرض خبزة. كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنظر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه. وقريب من ذلك حديث الجساسة «1» في أشباهه. هذا فيما يصدقه كتابنا، وأما ما لا يصدقه ولا يكذبه، فقد روى البخاريّ عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ورواه مسلم والترمذيّ والنسائيّ عن أبي سعيد رضي الله عنه ، وهو معنى ما في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ الآية . فإن دلالة هذا على سنّية ذكر مثل ذلك أقرب من الدلالة على غيرها. ولذا أخذ كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن أهل الكتاب. فإن فهم أحد من الشافعية منع أئمتهم من قراءة شيء من الكتب القديمة مستندا إلى قول الإمام أبي القاسم الرافعيّ في شرحه: وكتب التوراة والإنجيل مما لا يحل الانتفاع به لأنهم بدلوا وغيروا وكذا قال غيره من الأصحاب. قيل له: هذا مخصوص بما علم تبديله. بدليل أن كل من قال ذلك علل بالتبديل. فدار الحكم معه. ونص الشافعيّ ظاهر في ذلك. قال المزنيّ عنه في مختصره، في باب جامع
السير: وما كان من كتبهم- أي الكفار- فيه طب وما لا مكروه فيه، بيع، وما كان فيه شرك بطل وانتفع بأوعيته. وقال في الأم في سير الواقديّ في باب ترجمة كتب الأعاجم، قال الشافعيّ: وما وجد من كتبهم فهو مغنم كله، وينبغي للإمام أن يدعو من يترجمه، فإن كان علما من طب أو غيره لا مكروه فيه، باعه كما يبيع ما سواه من المغانم. وإن كان كتاب شرك شقّوا الكتاب فانتفعوا بأوعيته وأداته فباعها، ولا وجه لتحريقه ولا دفنه قبل أن يعلم ما هو. انتهى. فقوله في الأم: «كتاب شرك» مفهم لأنه كله شرك، ولهذا عبر المزنيّ عن ذلك بقوله: وما كان فيه شرك، أي من أبواب الكتاب وفصوله. وأدل من ذلك قولهم في باب الأحداث: أن حكمها في مس المحدث حكم ما نسخت تلاوته من القرآن في أصح الوجهين: والتعبير «بالأصح» على ما اصطلحوا عليه، يدل على أن الوجه القائل بحرمة مس المحدث وحمله لها قويّ. وأدل من ذلك ما ذكره محرر المذهب، الشيخ محي الدين النوويّ رحمه الله في مسائل ألحقها في آخر باب الأحداث من شرح المهذّب وأقره، أن المتولي قال: فإن ظن أن فيها شيئا غير مبدل، كره مسه. انتهى. فكراهة المس للاحترام فرع جواز الإبقاء والانتفاع بالقراءة. وأصرح من ذلك كله قول الشافعي رحمه الله: أن ما لا مكروه فيه يباع. وكذا قول البغويّ في تهذيبه في آخر باب الوضوء: وكذلك لو تكلم- أي الجنب- بكلمة توافق نظم القرآن أو قرأ آية نسخت قراءتها أو قرأ التوراة والإنجيل أو ذكر الله سبحانه أو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، فجائز. قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه «1» . فإنه لا يتخيل أنه يجوز للجنب ما لا يجوز للمحدث، بل كل ما جاز للجنب قراءته من غير أمر ملجئ جاز للمحدث، ولا عكس.
وتعليله لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها دالّ على أن ذلك ذكر لله تعالى. ولا يجوز الحمل على العموم، لا سيما إذا لوحظ قول القاضي الحسين: أنه يجوز الاستنجاء بها، لأنه مبنيّ على الوجه القائل بأن الكل مبدل. وهو ضعيف أو محمول على المبدل منهما. لأنه لا يخفى على أحد أن مسلما، فضلا عن عالم، لا يقول أنه يستنجي بنحو قوله في العشر الكلمات التي صدرت بها الألواح: قال الله جميع هذه الآيات كلها. أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق لا يكونن لك آلهة غيري. لا تعملنّ شيئا من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق، وفي الأرض من تحت، ومما في الماء أسفل الأرض. لا تسجدن لها ولا تعبدنّها. لأني أنا الرب إلهك إله غيور. لا تقسم بالرب إلهك كذبا. لأن الرب لا يزكي من حلف باسمه كذبا. أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيكها الرب إلهك. لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على صاحبك شهادة زور. وقد أشبع الكلام في المسألة شيخنا حافظ عصره أبو الفضل ابن حجر في آخر شرحه للبخاريّ. وآخر ما حط عليه، التفرقة بين من رسخ قدمه في العلوم الشرعية، فيجوز له النظر في ذلك، فإنه يستخرج منه ما ينتفع به المهتدون. وبين غيره فلا يجوز له ذلك. وأيده بنظر الأئمة فيها قديما وحديثا، والرد على أهل الكتابين بما يستخرجونه منها. فلولا جواز ذلك ما أقدموا عليه. والله الموفق. وقد حررت هذه المسألة في فن المرفوع من حاشيتي على شرح ألفية الشيخ زين الدين العرافيّ. فراجعه إن شئت. والله الهادي. ثم صنفت في ذلك تصنيفا حسنا سميته، الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة، كلام البقاعيّ الدمشقيّ رحمه الله تعالى. وأما مسألة تحريف الكتابين، أعني التوراة والإنجيل، فقد نقل البخاريّ في أواخر صحيحه في باب قول الله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ عن ابن عباس: يحرفون يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل، ولكن يحرفونه يتأولونه عن غير تأويله. قال أبو الفضل ابن حجر في شرحه: قال شيخنا ابن الملقن في شرحه: هذا الذي قاله أحد القولين في تفسير هذه الآية، وهو مختاره. أي البخاريّ. ثم قال ابن حجر: اختلف في هذه المسألة على أقوال:
فصل في معنى ما نقل أن للقرآن ظاهرا وباطنا.
أحدها: أنها بدلت كلها. وهو مقتضى القول المحكيّ بجواز الامتهان، وهو إفراط. وينبغي حمل إطلاق من أطلقه على الأكثر، وإلا فهي مكابرة. والآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل. من ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: 157] الآية- ومن ذلك قصة رجم اليهوديين وفيه وجود آية الرجم. ويؤيده قوله تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: 93] . ثانيها: أن التبديل وقع ولكن في معظمها. وأدلته كثيرة. وينبغي حمل الأول عليه. ثالثها: وقع في اليسير منها. ومعظمها باق على حاله. ونصره الشيخ تقيّ الدين ابن تيمية في كتابه «الرد الصحيح على من بدل دين المسيح» . رابعها: إنما وقع التبديل والتغيير في المعاني لا في الألفاظ وهو المذكور هنا. وبالجملة فكتب الكتابيّين، كأقوالهم، لا يعتمد عليها كلها. لظهور الكذب والتناقض فيها إلى اليوم. ولظهور تلفيقها. فهي ككتب القصص عندنا. فيها شيء من القرآن والسنة، ولكنه ممزوج بالأكاذيب والآراء المقتبسة من الأمم. ثم إن موافقة القرآن الكريم أو الحديث الصحيح لبعض ما في كتبهم دون بعض، يدل على أن الله تعالى بيّن له حق كلامهم من باطله، وصدقه من كذبه. وهذا معنى قوله تعالى: وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة: 48] . قال بعضهم: لا شيء يعول عليه في صحة بعض أقوال كتب اليهود دون بعض، بعد ما طرأ عليها من الضياع والتحريف والخلط. إلا الوحي. وقد ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالدلائل الساطعة والآثار النافعة. انتهى. أي فعلى وحيه المعوّل فالحمد لله الذي وفقنا لاتباعه. فصل في معنى ما نقل أن للقرآن ظاهرا وباطنا. قال الشاطبيّ في الموافقات: من الناس من زعم أن للقرآن ظاهرا وباطنا، وربما نقلوا في ذلك بعض الأحاديث والآثار. فعن الحسن، مما أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ما أنزل الله آية إلا لها ظهر وبطن، بمعنى ظاهر وباطن، وكل حرف حد وكل
حد مطلع. وفسر بأن الظهر والظاهر هو ظاهر التلاوة، والباطن هو الفهم عن الله لمراده، لأن الله تعالى قال: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [النساء: 78] . والمعنى لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام. كيف وهو منزل بلسانهم؟ ولكن لم يحظوا بفهم مراد الله من الكلام، وكان هذا هو معنى ما روي عن علي أنه سئل هل عندكم كتاب؟ فقال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة «1» . الحديث. وإليه يرجع تفسير الحسن للحديث إذ قال: الظهر هو الظاهر والباطن هو السر. وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: 82] . فظاهر المعنى شيء، وهم عارفون به لأنهم عرب. والمراد شيء آخر، وهو الذي لا شك فيه أنه من عند الله. وإذا حصل التدبر لم يوجد في القرآن اختلاف البتة. فهذا الوجه الذي من جهته يفهم الاتفاق، وينزاح الاختلاف هو الباطن المشار إليه. ولما قالوا في الحسنة: هذا من عند الله، وفي السيئة: هذا من عند رسول الله، بيّن لهم أن كلا من عند الله، وأنهم لا يفقهون حديثا، لكن بين الوجه الذي يتنزل عليه أن كلا من عند الله بقوله: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ.. [النساء: 79] الآية. وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: 24] فالتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد. وذلك ظاهر أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن فلم يحصل منهم تدبر. قال بعضهم: الكلام في القرآن على ضربين: أحدهما يكون برواية، فليس يعتبر فيها إلا النقل. والآخر يقع بفهم فليس يكون إلا بلسان من الحق إظهار حكمة عن لسان العبد، وهذا الكلام يشير إلى معنى كلام عليّ.
وحاصل هذا الكلام أن المراد بالظاهر هو المفهوم العربيّ، والباطن هو مراد الله تعالى من كلامه وخطابه، فإن كان مراد من أطلق هذه العبارة ما فسر، فصحيح. ولا نزاع فيه. وإن أرادوا غير ذلك فهو إثبات أمر زائد على ما كان معلوما عند الصحابة ومن بعدهم، فلا بد من دليل قطعيّ يثبت هذه الدعوى. لأنها أصل يحكم به على تفسير الكتاب. فلا يكون ظنيا. وما استدل به إنما غايته، إذا صح سنده، أن ينتظم في سلك المراسيل وإذا تقرر هذا فليرجع إلى بيانهما على التفسير المذكور بحول الله. وله أمثلة تبين معناه بإطلاق. فعن ابن عباس: كان عمر يدخلني مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتدخله ولنا بنون مثله؟ فقال له عمر: إنه من حيث تعلم. فسألني عن هذه الآية: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فقلت: إنما هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه. وقرأ السورة إلى آخرها. فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تعلم. فظاهر هذه السورة أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسبح بحمد الله ويستغفره إذ نصره الله وفتح عليه. وباطنها أن الله نعى إليه نفسه. ولما نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... [المائدة: 3] فرح الصحابة، وبكى عمر وقال: ما بعد الكمال إلا النقصان. مستشعرا نعيه عليه السلام. فما عاش بعدها إلا أحدا وثمانين يوما. وقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ.. [العنكبوت: 41] الآية. قال الكفار: ما بال العنكبوت والذباب يذكر في القرآن. ما هذا الكلام لإله فنزل إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [البقرة: 26] فأخذوا بمجرد الظاهر، ولم ينظروا في المراد. فقال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ... الآية. ويشبه ما نحن فيه نظر الكفار للدنيا واعتدادهم منها بمجرد الظاهر الذي هو لهو ولعب، وظل زائل. وترك ما هو المقصود منها، وهو كونها مجازا ومعبرا لا محل سكنى. وهذا هو باطنها على ما تقدم من التفسير. ولما قال تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: 27 و 30] نظر الكفار إلى ظاهر العدد. فقال أبو جهل، فيما روي: لا يعجز كل عشر منكم أن يبطشوا برجل منهم. فبين الله تعالى باطن الأمر بقوله: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً ...
ثم قال الشاطبي: فصل
[المدثر: 31] ، إلى قوله: وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا. وقال: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: 8] فنظروا إلى ظاهر الحياة الدنيا. وقال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ... وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ.. [لقمان: 6] الآية. لما نزل القرآن، الذي هو الهدى للناس ورحمة للمحسنين ناظره الكافر النضر بن الحارث بأخبار فارس والجاهلية، أو بالغناء، فهذا هو عدم الاعتبار لباطن ما أنزل الله. وقال تعالى في المنافقين: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ.. [الحشر: 13] وهذا عدم فقه منهم. لأن من علم أن الله هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وأنه هو مصرف الأمور، فهو الفقيه. ولذلك قال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ. وكذلك قوله تعالى: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [التوبة: 127] ، لأنهم نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا. فاعلم أن الله تعالى إذا نفى الفقه أو العلم عن قوم فذلك لوقوفهم مع ظاهر الأمر وعدم اعتبارهم للمراد منه. وإذا ثبت ذلك فهو لفهمهم مراد الله من خطابه، وهو باطنه. ثم قال الشاطبيّ: فصل فكل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها فهو داخل تحت الظاهر. فالمسائل البيانية، والمنازع البلاغية لا معدل بها عن ظاهر القرآن، فإذا فهم الفرق بين ضيّق في قوله تعالى: يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ... [الأنعام: 125] وبين ضائق في قوله: وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ.. [هود: 12] والفرق بين النداء: «بيا أيها الذين آمنوا، ويا أيها الذين كفروا» وبين النداء «بيا أيها الناس، أو بيا بني آدم» والفرق بين ترك العطف في قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ... [البقرة: 6] والعطف في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ. [لقمان: 6]
وكلاهما قد تقدم عليه وصف المؤمنين. والفرق بين تركه أيضا في قوله: ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا.. [الشعراء: 154] وبين الآية الأخرى: وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [الشعراء: 186] . والفرق بين الرفع في قوله: قالَ سَلامٌ [هود: 69] والنصب فيما قبله من قوله: قالُوا سَلاماً [هود: 69] . والفرق بين الإتيان بالفعل في التذكر من قوله: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا [الأعراف: 201] وبين الإتيان باسم الفاعل في الإبصار من قوله: فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ.. أو فهم الفرق بين «إذا» «وإن» في قوله تعالى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ... [الأعراف: 131] وبين جاءتهم وتصبهم بالماضي مع إذا، والمستقبل مع إن وكذلك قوله: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ [يونس: 21] مع إتيانه بقوله: «فرحوا» بعد «إذا» و «يقنطون» بعد «إن» وأشباه ذلك من الأمور المعتبرة عند متأخري أهل البيان، فإذا حصل فهم ذلك كله على ترتيبه في اللسان العربي، فقد حصل فهم ظاهر القرآن. ومن هنا حصل إعجاز القرآن عند القائلين بأن إعجازه بالفصاحة. فقال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.. [البقرة: 23] الآية. وقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [هود: 13] وهو لائق أن يكون الإعجاز بالفصاحة لا بغيرها. إذ لم يؤتوا على هذا التقدير إلا من باب ما يستطيعون مثله في الجملة. ولأنهم دعوا وقلوبهم لاهية عن معناه الباطن الذي هو مراد الله من إنزاله. فإذا عرفوا عجزهم عنه عرفوا صدق الآتي به وحصل الإذعان، وهو باب التوفيق والفهم لمراد الله تعالى. وكل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب بوصف العبودية والإقرار لله بالربوبية، فذلك هو الباطن المراد والمقصود الذي أنزل القرآن لأجله. ويتبين ذلك بالشواهد المذكورة آنفا. ومن ذلك أنه لما نزل: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً.. [الحديد: 11] . قال أبو الدحداح: إن الله كريم استقرض منا ما أعطانا. هذا معنى الحديث. وقالت اليهود: إن الله فقير ونحن أغنياء. ففهم أبو الدحداح هو الفقه وهو الباطن المراد. وفي رواية قال أبو الدحداح: يستقرضنا وهو غنيّ. فقال عليه السلام: نعم
ليدخلكم الجنة. وفي الحديث قصة «1» . وفهم اليهود لم يزد على مجرد القول العربيّ الظاهر، ثم حمل استقراض الرب الغنيّ على استقراض العبد الفقير، عافانا الله من ذلك. من ذلك أن العبادات المأمور بها، بل المأمورات والمنهيات كلها، إنما طلب بها العبد شكرا لما أنعم الله به عليه، ألا ترى قوله: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: 78] وفي الأخرى: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ [السجدة: 9] والشكر ضد الكفر، فالأيمان وفروعه هو الشكر، فإذا دخل المكلف تحت أعباء التكليف بهذا القصد، فهو الذي فهم المراد من الخطاب، وحصل باطنه على التمام، وإن هو فهم من ذلك مقتضى عصمة ماله ودمه فقط. فهذا خارج عن المقصود وواقف مع ظاهر الخطاب. فإن الله قال: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ. [التوبة: 5] فالمنافق إنما فهم مجرد ظاهر الأمر من أن الدخول فيما دخل فيه المسلمون موجب لتخلية سبيلهم. فعملوا على الإحراز من عوادي الدنيا، وتركوا المقصود من ذلك، وهو الذي بينه القرآن من التعبد لله والوقوف على قدم الخدمة. فإذا كانت الصلاة تشعر بإلزام الشكر، بالخضوع لله والتعظيم لأمره فيمن دخلها عرّيا من ذلك كيف يعد ممن فهم باطن القرآن؟ وكذلك إذا كان له مال حال عليه الحول فوجب عليه شكر النعمة ببذل اليسير من الكثير عودا عليه بالمزيد، فوهبه عند رأس الحول فرارا من أدائها لا قصد له إلا ذلك، كيف يكون شاكرا للنعمة؟ وكذلك من يضارّ الزوجة لتنفك له من المهر على غير طيب النفس لا يعدّ عاملا بقوله تعالى:
8 - قاعدة في أن كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ... [البقرة: 229] حتى يجري على معنى قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [النساء: 4] . ويجري هنا مسائل الحيل أمثلة لهذا المعنى. لأن من فهم باطن ما خوطب به لم يحتل على أحكام الله حتى ينال منها بالتبديل والتغيير، ومن وقف مع مجرد الظاهر غير ملتفت إلى المعنى المقصود اقتحم هذه المتاهات البعيدة. وكذلك تجري مسائل المبتدعة أمثلة أيضا. وهم الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. كما قال الخوارج لعليّ: إنه حكّم الخلق في دين الله والله يقول: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: 57] . وقالوا: إنه محا نفسه من إمارة المؤمنين فهو إذا أمير الكافرين. وقالوا لابن عباس: لا تناظروه فإنه ممن قال الله فيهم: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: 58] . وكما زعم أهل التشبيه في صفة الباري، حين أخذوا بظاهر قوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [القمر: 13 و 14] مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا [يس: 71] وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الزمر: 67] . وحكموا مقتضاه بالقياس على المخلوقين فأسرفوا ما شاءوا. فلو نظر الخوارج أن الله تعالى قد حكم الخلق في دينه في قوله: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة: 95] وقوله: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها [النساء: 35] لعلموا أن قوله: إن الحكم إلا لله، غير مناف لما فعله عليّ، وأنه من جملة حكم الله. فإن تحكيم الرجال يرجع به الحكم لله وحده، فكذلك ما كان مثله مما فعله عليّ. ولو نظروا إلى أن محو الاسم من أمر لا يقتضي إثباته لضده، لما قالوا إنه أمير الكافرين. وهكذا المشبهة لو حققت معنى قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في الآيات المذكورة، لفهموا بواطنها، وإن الرب منزه عن سمات المخلوقين. وعلى الجملة فكل من زاغ ومال عن الصراط المستقيم، فبمقدار ما فاته من باطن القرآن فهما وعلما. وكل من أصاب الحق وصادف الصواب فعلى مقدار ما حصل له من فهم باطنه. 8- قاعدة في أن كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء قال الشاطبيّ: كون الظاهر هو المفهوم العربيّ مجردا، لا إشكال فيه. لأن
المؤالف والمخالف اتفقوا على أنه منزل بلسان عربيّ مبين. وقال سبحانه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ثم رد الحكاية عليهم بقوله: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: 103] . وهذا الرد على شرط الجواب في الجدل. لأنه أجابهم بما يعرفون من القرآن الذي هو بلسانهم. والبشر، هنا، حبر. وكان نصرانيا. فأسلم. أو سلمان، وقد كان فارسيا فأسلم. أو غيرهما ممن كان لسانه غير عربيّ باتفاق منهم. وقال تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [فصلت: 44] . وقد علم أنهم لم يقولوا شيئا من ذلك. فدل على أنه عندهم عربيّ. وإذا ثبت هذا فقد كانوا فهموا معنى ألفاظه من حيث هو عربيّ فقط، وإن لم يتفقوا على فهم المراد منه. فلا يشترط في ظاهره زيادة على الجريان على اللسان العربيّ. فإذا كل معنى مستنبط من القرآن، غير جار على اللسان العربيّ، فليس من علوم القرآن في شيء. لا مما يستفاد منه ولا مما يستفاد به. ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه مبطل. ومن أمثلة هذا الفصل ما ادعاه من لا خلاق له من أنه مسمّى في القرآن. كبيان ابن سمعان حيث زعم أنه المراد بقوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ.. [آل عمران: 138] الآية وهو من الترهات بمكان مكين، والسكوت على الجهل كان أولى به من هذا الافتراء البارد. ولو جرى له على اللسان العربي لعده الحمقى من جملتهم، ولكنه كشف عوار نفسه من كل وجه، عافانا الله، وحفظ علينا العقل والدين بمنه. وإذا كان (بيان) في الآية علما له فأي معنى لقوله: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ كما يقال هذا زيد للناس. ومثله في الفحش من تسمى بالكسف ثم زعم أنه المراد بقوله تعالى وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً [الطور: 44] الآية. فأي معنى يكون للآية على زعمه الفاسد كما تقول: وإن يروا رجلا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وبيان بن سمعان: هذا هو الذي تنسب إليه البيانية من الفرق. وهو، فيما زعم ابن قتيبة، أول من قال بخلق القرآن. والكسف هو أبو منصور الذي تنسب إليه المنصورية. وحكى بعض العلماء أن عبيد الله الشيعيّ المسمى بالمهديّ حين ملك أفريقية واستولى عليها، كان له صاحبان من كتامة ينتصر بهما على أمره. وكان أحدهما يسمى بنصر الله، والآخر بالفتح، وكان يقول لهما: أنتما اللذان ذكر كما
الله في كتابه. فقال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: 1] قالوا: وقد كان عمل ذلك في آيات من كتاب الله تعالى، فبدل قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. بقوله: كتامة خير أمة أخرجت للناس. ومن كان في عقله لا يقول مثل هذا لأن المتسمّيين بنصر الله والفتح المذكورين إنما وجدا بعد مائتين من السنين من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيصير المعنى إذا مت يا محمد، ثم خلق هذان، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ.. الآية، فأيّ تناقض وراء هذا الإفك الذي افتراه الشيعيّ. قاتله الله. ومن أرباب الكلام من ادعى جواز نكاح الرجل من تسع نسوة حرائر. مستدلا على ذلك بقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ.. [النساء: 3] ولا يقول مثل هذا من فهم وضع العرب في مثنى وثلاث ورباع. ومنهم من يرى شحم الخنزير وجلده حلالا لأن الله قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة: 3] فلم يحرم شيئا غير لحمه. ولفظ اللحم يتناول الشحم وغيره بخلاف العكس. ومنهم من فسر الكرسيّ في قوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [البقرة: 255] ، بالعلم مستدلين ببيت لا يعرف وهو: (ولا بكرسئ علم الله مخلوق) كأنه عندهم ولا بعلم علمه. وبكرسئ مهموز. والكرسيّ غير مهموز. ومنهم من فسر غوى في قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: 121] . إنه تخم من أكل الشجرة. من قول العرب غوي الفصيل يغوى غوى إذا بشم من شرب اللبن. وهو فاسد لأن غوي الفصيل فعل، والذي في القرآن على وزن فعل. ومنهم من قال في قوله: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [الأعراف: 179] أي ألقينا فيها. كأنه عندهم من قول الناس: ذرته الريح. وذرأ مهموز، وذرا غير مهموز. وفي قوله: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء: 125] ، أي فقيرا إلى رحمته. من الخلة بفتح الخاء. محتجين على ذلك بقول زهير (وإن أتاه خليل يوم مسألة) قال ابن قتيبة: أيّ فضيلة لإبراهيم في هذا القول؟ أما يعلمون أن الناس فقراء إلى الله؟ وهل «إبراهيم» في لفظ «خليل الله» إلا كما قيل «موسى كليم الله» ،
ثم قال الشاطبي: فصل
و «عيسى روح الله» . ويشهد له الحديث «1» : «لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، إن صاحبكم خليل الله» «2» . وهؤلاء من أهل الكلام هم النابذون للمنقولات اتباعا للرأي. وقد أدّاهم ذلك إلى تحريف كلام الله بما لا يشهد للفظه عربيّ، ولا لمعناه برهان، كما رأيت. وإنما أكثرت من الأمثلة، وإن كانت من الخروج عن مقصود العربية والمعنى على ما علمت، لتكون تنبيها على ما وراءها مما هو مثلها، أو قريب منها. ثم قال الشاطبيّ: فصل وكون الباطن هو المراد من الخطاب قد ظهر أيضا مما تقدم في المسألة قبلها، ولكن يشترط فيه شرطان: أحدهما: أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب ويجري على المقاصد العربية. والثاني: أن يكون له شاهد نصّا أو ظاهرا في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض. فأما الأول: فظاهر من قاعدة كون القرآن عربيّا. فإنه لو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيا بإطلاق. ولأنه مفهوم يلصق بالقرآن، ليس في ألفاظه ولا في معانيه ما يدل عليه. وما كان كذلك فلا يصح أن ينسب إليه أصلا إذ ليست نسبته إليه على أنه مدلوله أولى من نسبة ضده إليه، ولا مرجح يدل على أحدهما. فإثبات أحدهما تحكّم وتقوّل على القرآن ظاهر. وعند ذلك يدخل قائله تحت إثم من قال في كتاب الله بغير علم. والأدلة المذكورة، في أن القرآن عربيّ، جارية هنا.
وأما الثاني: فلأنه إن لم يكن له شاهد في محل آخر، أو كان له معارض، صار من جملة الدعاوى التي تدعى على القرآن. والدعوى المجردة غير مقبولة باتفاق العلماء. وبهذين الشرطين يتبين صحة ما تقدم إنه الباطن، لأنهما موفران فيه، بخلاف ما فسر به الباطنية، فإنه ليس من علم الباطن، كما أنه ليس من علم الظاهر، فقد قالوا في قوله تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [النمل: 16] أنه الإمام ورث النبيّ علمه، وقالوا في الجنابة: إن معناها مبادرة المستجيب بإفشاء السر قبل أن ينال رتبة الاستحقاق. ومعنى الغسل تجديد العهد على من فعل ذلك. ومعنى الطهور هو التبري والتنظف من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام. والتيمم الأخذ من المأذون إلى أن يشاهد الداعي أو الإمام. والصيام الإمساك عن كشف السر. والكعبة النبيّ. والباب عليّ. والصفا هو النبيّ. والمروة عليّ. والتلبية إجابة الداعي. والطواف سبعا هو الطواف بمحمد عليه السلام إلى تمام الأئمة السبعة. والصلوات الخمس أدلة على الأصول الأربعة وعلى الإمام. ونار إبراهيم هو غضب نمروذ لا النار الحقيقية. وذبح إسحاق هو أخذ العهد عليه. وعصا موسى حجته التي تلقفت شبه السحرة. وانفلاق البحر افتراق علم موسى عليه السلام فيهم. والبحر هو العالم. وتظليل الغمام نصب موسى الإمام لإرشادهم. والمنّ علم نزل من السماء. والسلوى داع من الدعاة. والجراد والقمل والضفادع سؤالات موسى وإلزاماته التي تسلطت عليهم. وتسبيح الجبال رجال شداد في الدين. والجن الذين ملكهم سليمان باطنية ذلك الزمان. والشياطين هم الظاهرية الذين كلفوا الأعمال الشاقة. إلى سائر ما نقل من خباطهم الذي هو عين الخبال، وضحكة السامع. نعوذ بالله من الخذلان. قال القتبي: وكان بعض أهل الأدب يقول: ما أشبه تفسير الروافض للقرآن إلا بتأويل رجل من أهل مكة للشعر. فإنه قال ذات يوم: ما سمعت بأكذب من بني تميم. زعموا أن قول القائل: بيت، زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل أنه في رجل منهم. قيل له: فما تقول أنت فيه. قال: البيت بيت الله، وزرارة الحج. قيل: فمجاشع؟ قال: زمزم جشعت بالماء. قيل: فأبو الفوارس؟ قال: أبو قبيس. قيل: فنهشل؟ قال: أشده. وصمت ساعة ثم قال: نعم نهشل مصباح الكعبة لأنه طويل أسود فذلك نهشل. انتهى ما حكاه.
ثم قال الشاطبي: فصل
ثم قال الشاطبيّ: فصل وقد وقعت في القرآن تفاسير مشكلة يمكن أن تكون من هذا القبيل أو من قبيل الباطن الصحيح. وهي منسوبة لأناس من أهل العلم، وربما نسب منها إلى السلف الصالح. فمن ذلك فواتح السور نحو: ألم، والمص، وحم، ونحوها. فسرت بأشياء. منها ما يظهر جريانه على مفهوم صحيح ومنها ما ليس كذلك. فينقلون عن ابن عباس أن «ألم» أن ألف الله. ولام جبريل. وميم محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا، إن صح في النقل، فمشكل. لأن هذا النمط من التصرف لم يثبت في كلام العرب هكذا مطلقا. وإنما أتى مثله إذا دل عليه الدليل اللفظيّ أو الحاليّ كما قال: (قلت لها قفي فقالت قاف) وقال: (قالوا جميعا كلهم بلى فا) وقال: (لا أريد الشهر إلا أن تا) والقول في «الم» ليس هكذا. وأيضا فلا دليل من خارج يدل عليه. إذ لو كان له دليل لاقتضت العادة نقله، لأنه من المسائل التي تتوفر الدواعي على نقلها لو صح أنه مما يفسر ويقصد تفهيم معناه. ولما لم يثبت شيء من ذلك دل على أنه من قبيل المتشابهات. فإن ثبت له دليل يدلّ عليه، صير إليه. وقد ذهب فريق إلى أن المراد الإشارة إلى حروف الهجاء، وأن القرآن منزل بجنس هذه الحروف وهي العربية. وهو أقرب من الأول. كما أنه نقل أن هذه الفواتح أسرار لا يعلم تأويلها إلا الله، وهو أظهر الأقوال فهي من قبيل المشابهات. وأشار جماعة إلى أن المراد بها أعدادها. تنبيها على مدة هذه الملة. وفي السير ما يدل على هذا المعنى. وهو قول يفتقر إلى أن العرب كانت تعهد في استعمالها الحروف المقطعة أن تدل بها على أعدادها. وربما لا يوجد مثل هذا، لها، البتة، وإنما كان أصله في اليهود حسبما ذكره أصحاب السير. فأنت ترى هذه الأقوال مشكلة إذا سبرناها بالمسبار المتقدم. وكذلك سائر الأقوال المذكورة في الفواتح مثلها في الإشكال وأعظم. ومع إشكالها فقد اتخذها جمع من المنتسبين إلى العلم، بل إلى الاطلاع والكشف على حقائق الأمور، حججا في دعا وادعوها على القرآن. وربما نسبوا شيئا من ذلك إلى عليّ بن أبي طالب، وزعموا أنها أصل العلوم، ومنبع المكاشفات على أحوال الدنيا والآخرة. وينسبون ذلك إلى أنه مراد الله تعالى في خطابه العرب الأمية التي لا تعرف شيئا من ذلك. وهو، إذا سلم أنه مراد في تلك الفواتح في الجملة، فما الدليل على
ثم قال الشاطبي: فصل
أنه مراد على كل حال من تركيبها على وجوه، وضرب بعضها ببعض، ونسبتها إلى الطبائع الأربع، وإلى أنها الفاعلة في الوجود، وأنها مجمل كل مفصل، وعنصر كل موجود. ويرتبون في ذلك ترتيبا جميعه دعا ومحالة على الكشف والاطلاع. ودعوى الكشف ليس بدليل في الشريعة على حال، كما أنه لا يعد دليلا في غيرها، كما سيأتي بحول الله. ثم قال الشاطبيّ: فصل ومن ذلك أنه نقل عن سهل بن عبد الله في فهم القرآن أشياء مما يعد من باطنه. فقد ذكر عنه أنه قال في قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [البقرة: 22] أي أضدادا. قال: وأكبر الأنداد النفس الأمارة بالسوء، الطواعة إلى حظوظها ومنهيها بغير هدى من الله. وهذا يشير إلى أن النفس الأمارة داخلة تحت عموم الأنداد، حتى لو فصل لكن المعنى: فلا تجعلوا لله أندادا لا صنما ولا شيطانا ولا النفس ولا كذا. وهذا مشكل الظاهر جدا، إذ كان مساق الآية ومحصول القرائن فيها يدل على أن الأنداد الأصنام أو غيرها مما كانوا يعبدون، ولم يكونوا يعبدون أنفسهم ولا يتخذونها أربابا. ولكن له وجه جار على الصحة، وذلك أنه لم يقل إن هذا هو تفسير الآية، ولكن أتى بما هو ندّ في الاعتبار الشرعيّ الذي شهد له القرآن من جهتين: إحداهما: أن الناظر قد يأخذ من معنى الآية معنى من باب الاعتبار، فيجريه له فيما لم تنزل فيه، لأنه يجامعه في القصد أو يقاربه، لأن حقيقة الندّ أنه المضاد لندّه، الجاري على مناقضته. والنفس الأمارة هذا شأنها، لأنها تأمر صاحبها بمراعاة حظوظها، لاهية أو صادّة عن مراعاة حقوق خالقها. وهذا هو الذي يعني به الندّ في نده. لأن الأصنام نصبوها لهذا المعنى بعينه. وشاهد صحة هذا الاعتبار قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: 31] وهم لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم ائتمروا بأوامرهم، وانتهوا عما نهوهم عنه كيف كان. فما حرموا عليهم حرموه، وما أباحوا لهم حللوه، فقال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وهذا شأن المتبع لهوى نفسه. والثانية: أن الآية: وإن نزلت في أهل الأصنام، فإن لأهل الإسلام فيها نظرا بالنسبة إليهم. ألا ترى أن عمر بن الخطاب قال لبعض من توسع في الدنيا من أهل
ثم قال الشاطبي: فصل
الإيمان: أين تذهب بكم هذه الآية أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [الأحقاف: 20] ؟ وكان هو يعتبر نفسه بها. وإنما أنزلت في الكفار لقوله: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ الآية، ولهذا المعنى تقرير في العموم والخصوص. فإذا كان كذلك، صح النزيل بالنسبة إلى النفس الأمارة في قوله: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً والله أعلم. ثم قال الشاطبيّ: فصل ومن المنقول عن سهل أيضا في قوله تعالى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [البقرة: 35] قال: لم يرد معنى الأكل في الحقيقة وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشيء هو غيره، أي لا تهتم بشيء هو غيري. قال: فآدم لم يعصم من الهمة والتدبير فلحقه ما لحقه. قال: وكذلك كل من ادعى ما ليس له، وساكن قلبه، ناظرا إلى هوى نفسه، لحقه الترك من الله، مع ما جبلت عليه نفسه فيه، إلا أن يرحمه الله فيعصمه من تدبيره، وينصره على عدوه وعليها. قال: وآدم لم يعصم عن مساكنة قلبه إلى تدبير نفسه للخلود لما أدخل الجنة، لأن البلاء في الفرع دخل عليه من أجل سكون القلب إلى ما وسوست به نفسه، فغلب الهوى والشهوة والعلم والعقل بسابق القدر، إلى آخر ما تكلم به. وهذا الذي ادعاه في الآية خلاف ما ذكره الناس من أن المراد النهي عن نفس الأكل، لا عن سكون الهمة لغير الله، وإن كان ذلك منهيّا عنه أيضا، ولكن له وجه يجري عليه لمن تأول، فإن النهي إنما وقع عن القرب لا غيره، ولم يرد النهي عن الأول تصريحا، فلا منافاة بين اللفظ وبين ما فسر به. وأيضا فلا يصح حمل النهي على نفس القرب مجردا. إذ لا مناسبة فيه تظهر، ولأنه لم يقل به أحد، وإنما النهي عن معنى القرب. وهو إما التناول والأكل، وإما غيره، وهو شيء ينشأ الأكل عنه، وذلك مساكنة الهمة، فإنه الأصل في تحصيل الأكل. ولا شك في أن السكون لغير الطلب نفع أو دفع، منهيّ عنه. فهذا التفسير له وجه ظاهر، فكأنه يقول: لم يقع النهي عن مجرد الأكل من حيث هو أكل، بل عما ينشأ عنه الأكل من السكون لغير الله، إذ لو انتهى لكان ساكنا لله وحده. فلما لم يفعل، وسكن إلى أمر في الشجرة غرّه به الشيطان، وذلك الخلد المدعى، أضاف
الله إليه لفظ العصيان، ثم تاب عليه إنه هو التواب الرحيم. ومن ذلك أنه قال في قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ... [آل عمران: 96] الآية- باطن البيت قلب محمد صلى الله عليه وسلم، يؤمن به من أثبت الله في قلبه التوحيد، واقتدى بهدايته. وهذا التفسير يحتاج إلى بيان. فإن هذا المعنى لا تعرفه العرب. ولا فيه من جهتها وضع مجازيّ مناسب، ولا يلائمه مساق بحال، فكيف هذا؟ والعذر عنه أنه لم يقع فيه ما يدل على أنه تفسير للقرآن. فزال الإشكال إذا. وبقي النظر في هذه الدعوى. ولا بد، إن شاء الله، من بيانها. ومنه قوله في تفسير قول الله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء: 51] قال: رأس الطواغيت كلها النفس الأمارة بالسوء إذا خلا العبد معها للمعصية. وهو أيضا من قبيل ما قبله. وإن فرض أنه تفسير فعلى ما مر في قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً. وقال في قوله تعالى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى ... [النساء: 36] الآية- أما باطنها فهو القلب، والجار الجنب النفس الطبيعي، والصاحب بالجنب العقل المقتدي بعمل الشرع، وابن السبيل الجوارح المطيعة لله عز وجل، وهو من المواضع المشكلة في كلامه. ولغيره مثل ذلك أيضا. وذلك أن الجاري على مفهوم كلام العرب في هذا الخطاب ما هو الظاهر من أن المراد بالجار ذي القربى وما ذكر معه ما يفهم منه ابتداء. وغير ذلك لا يعرفه العرب. لا من آمن منهم ولا من كفر. والدليل على ذلك أنه لم ينقل عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تفسير للقرآن يماثله أو يقاربه، ولو كان عندهم معروفا لنقل، لأنهم كانوا أحرى بفهم ظاهر القرآن وباطنه باتفاق الأئمة، ولا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا هم أعرف بالشريعة منهم. ولا، أيضا، ثمّ دليل يدل على صحة التفسير لا من مساق الآية، فإنه ينافيه، ولا من خارج، إذ لا دليل عليه كذلك. بل مثل هذا أقرب إلى ما ثبت رده ونفيه عن القرآن، من كلام الباطنية ومن أشبههم. وقال في قوله: رْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ [النمل: 44] الصرح نفس الطبع، والممرد الهوى. إذا كان غالبا ستر أنوار الهدى بالترك من الله تعالى العصمة لعبده. وفي قوله: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل: 52] أي قلوبهم عند
إقامتهم على ما نهوا عنه، وقد علموا أنهم مأمورون منهيون، والبيوت القلوب، فمنها عامرة بالذكر، ومنها خراب بالغفلة عن الذكر. وفي قوله تعالى: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [الروم: 50] قال: حياة القلوب بالذكر. وقال في قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الروم: 41] الآية- مثل الله القلب بالبحر، والجوارح بالبر. ومثله أيضا بالأرض التي تزهى بالنبات. هذا باطنه. وقد حمل بعضهم قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: 114] على أن المساجد القلوب، تمنع بالمعاصي من ذكر الله. ونقل في قوله تعالى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه: 12] أن باطن النعلين هو الكونان الدنيا والآخرة، فذكر عن الشبليّ أن معنى: «اخلع نعليك» اخلع الكل منك تصل إلينا بالكلية. وعن عطاء «اخلع نعليك» عن الكون، فلا تنظر إليه بعد هذا الخطاب. وقال: النعل النفس، والواد المقدس دين المرء، أي حان وقت خلوك من نفسك، والقيام معنا بدينك، وقيل غير ذلك مما يرجع إلى معنى لا يوجد في النقل عن السلف. وهذا كله، إن صح نقله، خارج عما تفهمه العرب، ودعوى ما لا دليل عليه في مراد الله بكلامه. ولقد قال الصديق: «أيّ سماء تظلني، وأيّ أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم» وفي الخبر: من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ. وما أشبه ذلك من التحذيرات. وإنما احتيج إلى هذا كله لجلالة من نقل عنهم ذلك من الفضلاء، وربما ألمّ الغزاليّ بشيء منه في الإحياء وغيره. وهو مزلة قدم لمن لم يعرف مقاصد القوم. فإن الناس، في أمثال هذه الأشياء، بين قائلين: منهم من يصدق به ويأخذه على ظاهره ويعتقد أن ذلك هو مراد الله تعالى من كتابه، وإذا عارضه ما ينقل في كتب التفسير على خلافه، فربما كذب به أو أشكل عليه. ومنهم من يكذب به على الإطلاق ويرى
المسألة العاشرة
أنه تقوّل وبهتان، مثل ما تقدم من تفسير الباطنية ومن حذا حذوهم. وكلا الطريقين فيه ميل عن الإنصاف. ولا بد قبل الخوض في رفع الإشكال من تقديم أصل مسلّم يتبين به ما جاء من هذا القبيل، وهي: المسألة العاشرة فنقول: إن الاعتبارات القرآنية الواردة على القلوب الظاهرة للبصائر، إذا صحت على كمال شروطها، فهي على ضربين: أحدهما: ما يكون أصل انفجاره من القرآن، ويتبعه سائر الموجودات، فإن الاعتبار الصحيح في الجملة هو الذي يخرق نور البصيرة فيه حجب الأكوان من غير توقف، فإن توقف فهو غير صحيح أو غير كامل حسبما بينه أهل التحقق بالسلوك. والثاني: يكون أصل انفجاره من الموجودات جزئيها أو كلّيها، ويتبعه الاعتبار في القرآن. فإن كان الأول، فذلك الاعتبار صحيح، وهو معتبر في فهم باطن القرآن من غير إشكال، لأن فهم القرآن إنما يرد على القلوب على وفق ما نزل له القرآن، وهو الهداية التامة، على ما يليق بكل واحد من المكلفين، وبحسب التكاليف وأحوالها، لا بإطلاق. وإذا كانت كذلك فالمشي على طريقها مشي على الصراط المستقيم، ولأن الاعتبار القرآنيّ قلما يجده إلا من كان من أهله عملا به على تقليد أو اجتهاد، فلا يخرجون عند الاعتبار فيه عن حدوده، كما لم يخرجوا في العمل به والتخلق بأخلاقه عن حدوده. بل تنفتح لهم أبواب الفهم فيه على توازي أحكامه. ويلزم من ذلك أن يكون معتدا به، لجريانه على مجاريه. والشاهد على ذلك ما نقل من فهم السلف الصالح فيه، فإنه كله جار على ما تقضي به العربية، وما تدل عليه الأدلة الشرعية حسبما تبين قبل. وإن كان الثاني فالتوقف عن اعتباره في فهم باطن القرآن لازم، وأخذه على إطلاقه فيه ممتنع، لأنه بخلاف الأول، فلا يصح إطلاق القول باعتباره في فهم القرآن، فنقول: إن تلك الأنظار الباطنة في الآيات المذكورة إذا لم يظهر جريانها على مقتضى الشروط المتقدمة فهي راجعة إلى الاعتبار غير القرآنيّ، وهو الوجوديّ. ويصح تنزيله على معاني القرآن، لأنه وجوديّ أيضا، فهو مشترك من تلك الجهة، غير خاص فلا
ثم قال الشاطبي: فصل
يطالب فيه المعتبر بشاهد موافق إلا ما يطالبه المربي، وهو أمر خاص، وعلم منفرد بنفسه، لا يختص بهذا الموضع، فلذلك يوقف على محله. فكون القلب جارا ذا قربى، والجار الجنب هو النفس الطبيعيّ، إلى سائر ما ذكر، يصح تنزيله اعتباريا مطلقا. فإن مقابلة الوجود بعضه ببعض في هذا النمط، صحيح وسهل جدا عند أربابه غير أنه مغرّر بمن ليس براسخ أو داخل تحت إيالة راسخ، وأيضا، فإن من ذكر عنه مثل ذلك من المعتبرين لم يصرح بأنه المعنى المقصود المخاطب به الخلق، بل أجراه مجراه، وسكت عن كونه هو المراد. وإن جاء شيء من ذلك وصرح صاحبه أنه هو المراد فهو من أرباب الأحوال الذين لا يفرقون بين الاعتبار القرآنيّ والوجوديّ. وأكثر ما يطرأ هذا لمن هو، بعد، في السلوك سائر على الطريق، لم يتحقق بمطلوبه. ولا اعتبار بقول من لم يثبت اعتبار قوله من الباطنية وغيرهم. وللغزالي في مشكاة الأنوار، وفي كتاب الشكر من الإحياء، وفي كتاب جواهر القرآن في الاعتبار القرآني وغيره، ما يتبين به لهذا الموضع أمثلة. فتأملها هناك والله الموفق. ثم قال الشاطبيّ: فصل وللسنة في هذا النمط مدخل. فإن كل واحد منهما قابل لذلك الاعتبار المتقدم الصحيح الشواهد، وقابل أيضا للاعتبار الوجوديّ، فقد فرضوا نحوه في قوله عليه السلام «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة» «1» إلى غير ذلك من الأحاديث. ولا فائدة في التكرار إذا وضح طريق الوصول إلى الحق والصواب. 9- قاعدة في أن الشريعة أمية، وأنه لا بد في فهمها من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم. قال الشاطبيّ في الموافقات: هذه الشريعة المباركة أمية، لأن أهلها كذلك، فهو أجرى على اعتبار المصالح. ويدل على ذلك أمور. أحدها: النصوص المتواترة اللفظ والمعنى كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: 2] .
وقوله: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ [الأعراف: 158] . وفي الحديث: «بعثت إلى أمة أمية» «1» ، لأنهم لم يكن لهم علم بعلوم الأقدمين. والأمي منسوب إلى الأم وهو الباقي على أصل ولادة الأم، لم يتعلم كتابا ولا غيره. فهو على أصل خلقته التي ولد عليها، وفي الحديث: «نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب. الشهر هكذا وهكذا وهكذا» «2» . وقد فسر معنى الأمية في الحديث: أي ليس لنا علم بالحساب، ولا الكتاب، ونحوه قوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: 48] . وما أشبه هذا من الأدلة المبثوثة في الكتاب والسنّة، الدالة على أن الشريعة موضوعة على وصف الأمية. لأن أهلها كذلك. والثاني: أن الشريعة التي بعث بها النبي الأميّ إلى العرب خصوصا، وإلى من سواهم عموما، إما أن تكون على نسبة ما هم عليه من وصف الأمية، أو لا. فإن كانت كذلك، فهو معنى كونها أمية أي منسوبة إلى الأميين، وإن لم تكن كذلك، لزم أن تكون على غير ما عهدوا. فلم تكن لتنتزل من أنفسهم منزلة ما تعهد، وذلك خلاف ما وضع عليه الأمر فيها. فلا بد أن تكون على ما يعهدون. والعرب لم تعهد إلا ما وصفه الله به من الأمية، فالشريعة إذا أمية. والثالث: أنه لو لم يكن على ما يعهدون لم يكن عندهم معجزا، ولكانوا يخرجون عن مقتضى التعجيز بقولهم: هذا على غير ما عهدنا. إذ ليس لنا عهد بمثل هذا الكلام، من حيث إن كلامنا معروف مفهوم عندنا، وهذا ليس بمفهوم ولا معروف. فلم تقم الحجة عليهم به. ولذلك قال سبحانه: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ، ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ.. [فصلت: 44] فجعل لهم الحجة على فرض كون القرآن أعجميا، ولما قالوا: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: 103] . ردّ الله عليهم بقوله: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
ثم قال الشاطبي: فصل
[النحل: 103] . لكنهم أذعنوا لظهور الحجة. فدل على أن ذلك لعلمهم به وعهدهم بمثله مع العجز عن مما ثلته. وأدلة هذا المعنى كثيرة. ثم قال الشاطبيّ: فصل واعلم أن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس، وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق، واتصاف بمحاسن شيم، فصحّحت الشريعة منها ما هو صحيح، وزادت عليه. وأبطلت ما هو باطل. وبينت منافع ما ينفع من ذلك، ومضار ما يضر منه، فمن علومها علم النجوم وما يختص بها من الاهتداء في البر والبحر واختلاف الأزمان باختلاف سيرها، وتعرّف منازل سير النيرين وما يتعلق بهذا المعنى. وهو معنى مقرر في أثناء القرآن في مواضع كثيرة. كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام: 97] . وقوله: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: 16] . وقوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ.. [يس: 39- 40] الآية. وقوله: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس: 5] . وقوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ، فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً.. [الإسراء: 12] الآية. وقوله: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الملك: 5] . وقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ... [البقرة: 189] وما أشبه ذلك. ومنها علوم الأنواء، وأوقات نزول الأمطار وإنشاء السحاب، وهبوب الرياح المثيرة لها، فبيّن الشرع حقها من باطلها، فقال تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ... [الرعد: 12- 13] الآية. قال: أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة: 68- 69] . وقال: وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً [النبأ: 14] . وقال: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: 82] . خرّج الترمذيّ «1» : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون، قال: شكركم. تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم كذا وكذا. وفي الحديث «1» : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ... الحديث في الأنواء. وفي الموطأ مما انفرد به: إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة «2» . وقال عمر بن الخطاب للعباس، وهو على المنبر، والناس تحته: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال له العباس: بقي من نوئها كذا وكذا. فمثل هذا مبيّن للحق من الباطل في أمر الأنواء والأمطار. قال تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ ... [الحجر: 22] الآية. وقال: اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [فاطر: 9] . إلى كثير من هذا. ومنها علم التاريخ وأخبار الأمم الماضية. وفي القرآن من ذلك ما هو كثير. وكذلك في السنّة. ولكن القرآن احتفل في ذلك. وأكثره من الإخبار بالغيوب التي لم يكن للعرب بها علم، لكنها من جنس ما كانوا ينتحلون. قال تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران: 44] الآية. وقال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا.. [هود: 49] وفي الحديث «3» قصة أبيهم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في بناء البيت. وغير ذلك مما جرى.
ومنها ما كان أكثره باطلا أو جميعه: علم العيافة والزجر والكهانة وخط الرمل والضرب بالحصى والطيرة، فأبطلت الشريعة من ذلك الباطل، ونهت عنه. كالكهانة والزجر وخط الرمل. وأقرت الفأل. لا من جهة تطلب الغيب. فإن الكهانة والزجر كذلك. وأكثر هذه الأمور تخرّص على علم الغيب من غير دليل. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بجهة من تعرف علم الغيب مما هو حق محض وهو الوحي والإلهام. وأبقى للناس من ذلك، بعد موته عليه السلام، جزءا من النبوءة وهو الرؤيا الصالحة، وأنموذج من غيره لبعض الخاصة وهو الإلهام والفراسة. ومنها علم الطب: فقد كان في العرب منه شيء، لا على ما عند الأوائل، بل مأخوذ من تجاريب الأميين، غير مبنيّ على علوم الطبيعة التي يقررها الأقدمون. وعلى ذلك المساق جاء في الشريعة، ولكن على وجه جامع شاف قليل، يطلع منه على كثير. فقال تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ... [الأعراف: 31] . وجاء في الحديث التعريف ببعض الأدوية لبعض الأدواء، وأبطل من ذلك ما هو باطل: كالتداوي بالخمر والرقي التي اشتملت على ما لا يجوز شرعا. ومنها التفنن في علم فنون البلاغة، والخوض في وجوه الفصاحة، والتصرف في أساليب الكلام، وهو أعظم منتحلاتهم، فجاءهم بما أعجزهم من القرآن الكريم. قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: 88] . ومنها ضرب الأمثال: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [الروم: 58] إلا ضربا واحدا، وهو الشعر، فإن الله نفاه وبرّأ الشريعة منه. قال تعالى في حكايته عن الكفار: وقالوا أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات: 36- 37] ، أي لم يأت بشعر، فإنه ليس بحق، ولذلك قال: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ ... [يس: 69] الآية. وبيّن معنى ذلك في قوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ [الشعراء: 224- 226] فظهر أن الشعر ليس مبنيّا على أصل، ولكنه هيمان على غير تحصيل، وقول لا يصدقه فعل، وهذا مضاد لما جاءت به الشريعة إلا ما استثنى الله تعالى. فهذا أنموذج ينبهك على ما نحن بسبيله بالنسبة إلى علوم العرب الأمية. وأما ما يرجع إلى الاتصاف بمكارم الأخلاق، وما ينضاف إليها، فهو أول ما خوطبوا به، وأكثر ما تجد ذلك في السور المكية من حيث كان آنس لهم، وأجرى على ما يتمدح به عندهم، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى.. [النحل: 90] إلى آخرها. وقوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الأنعام: 151] إلى انقضاء تلك الخصال. وقوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ [الأعراف: 32] وقوله: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف: 33] إلى غير ذلك من الآيات التي في هذا المعنى، لكن أدرج فيها ما هو أولى، من النهي عن الإشراك والتكذيب بأمور الآخرة، وشبه ذلك مما هو المقصود الأعظم، وأبطل لهم ما كانوا يعدونه كرما وأخلاقا حسنة، وليس كذلك. أو فيه من المفاسد ما يربى على المصالح التي توهموها، كما قال تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: 90] ثم بين ما فيها من المفاسد، خصوصا في الخمر والميسر من إيقاع العداوة والبغضاء، والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة. وهذا في الفساد أعظم مما ظنوه فيها صلاحا. لأن الخمر كانت عندهم تشجع الجبان، وتبعث البخيل على البذل، وتنشط الكسالى. والميسر كذلك كان عندهم محمودا لما كانوا يقصدون به من إطعام الفقراء والمساكين، والعطف على المحتاجين، وقد قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة: 219] . والشريعة إنما هي تخلّق بمكارم الأخلاق، ولهذا قال عليه السلام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» «1» . إلا أن مكارم الأخلاق على ضربين: أحدهما: ما كان مألوفا وقريبا من المعقول المقبول، كانوا في ابتداء الإسلام إنما خوطبوا به ثم لما رسخوا فيه. تمم لهم ما بقي، وهو: الضرب الثاني: وكان منه ما لا يفعل معناه من أول وهلة فأخّر حتى كان من آخره تحريم الربا وما أشبه ذلك، وجميع ذلك راجع إلى مكارم الأخلاق. وهو الذي كان معهودا عندهم على الجملة. ألا ترى أنه كان للعرب أحكام عندهم في الجاهلية أقرها الإسلام. كما قالوا في القراض، وتقدير الدية وضربها على العاقلة، وإلحاق الولد بالقافة، والوقوف بالمشعر الحرام، والحكم في الخنثى، وتوريث الولد، للذكر مثل حظ الأنثيين، والقسامة، وغير ذلك مما ذكره العلماء. ثم نقول: لم يكتف بذلك حتى خوطبوا بدلائل التوحيد فيما يعرفون من سماء وأرض وجبال وسحاب ونبات،
ثم قال الشاطبي: "المسألة الرابعة"
وبدلائل الآخرة والنبوة كذلك، ولما كان الباقي عندهم من شرائع الأنبياء شيء من شريعة إبراهيم عليه السلام، أبيهم، خوطبوا من تلك الجهة ودعوا إليها، وأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هي تلك بعينها كقوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا [الحج: 78] وقوله: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا.. [آل عمران: 67] الآية- غير أنهم غيروا جملة منها وزادوا واختلفوا. فجاء تقويمها من جهة محمد صلى الله عليه وسلم. وأخبروا بما أنعم الله عليهم مما هو لديهم وبين أيديهم، وأخبروا عن نعيم الجنة وأصنافه بما هو معهود في تنعماتهم في الدنيا، لكن مبرأ من الغوائل والآفات التي تلازم التنعيم الدنيويّ. كقوله: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ.... [الواقعة: 27- 30] إلى آخر الآيات- وبيّن من مأكولات الجنة ومشروباتها ما هو معلوم عندهم. كالماء واللبن والخمر والعسل والنخيل والأعناب وسائر ما هو عندهم مألوف، دون الجوز واللوز والتفاح والكمثرى وغير ذلك من فواكه الأرياف وبلاد العجم. بل أجمل ذلك في لفظ الفاكهة. وقال تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] فالقرآن كله حكمة، وقد كانوا عارفين بالحكمة، وكان فيهم حكماء، فأتاهم من الحكمة بما عجزوا عن مثله. وكان فيهم أهل وعظ وتذكير، كقس بن ساعدة وغيره. ولم يجادلهم إلا على طريقة ما يعرفون من الجدل. ومن تأمل القرآن وتأمل كلام العرب في هذه الأمور الثلاثة وجد الأمر سواء. إلا ما اختص به كلام الله من الخواص المعروفة. وسرّ في جميع ملابسات العرب هذا السير تجد الأمر كما تقرر. وإذا ثبت هذا وضح أن الشريعة أميّة لم تخرج عما ألفته العرب. ثم قال الشاطبيّ: «المسألة الرابعة» ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها، وهم العرب، ينبني عليه قواعد: منها- أن كثيرا من الناس تجاوزوا، على الدعوى في القرآن، الحدّ. فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم الطبيعيات والتعاليم والمنطق وعلم الحروف وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها. وهذا، إذا عرضناه على ما تقدم، لم يصح. إلى هذا، فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف
ثم قال الشاطبي: فصل
بالقرآن وبعلومه، وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدّعى، سوى ما تقدم، وما ثبت فيه من أحكام التكاليف وأحكام الآخرة وما يلي ذلك. ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة. إلا أن ذلك لم يكن. فدل على أنه غير موجود عندهم. وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا. نعم! تضمن علوما هي من جنس علوم العرب، أو ما ينبني على معهودها مما يتعجب منه أولو الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة، دون الاهتداء بأعلامه، والاستنارة بنوره. أمّا أن فيه ما ليس من ذلك فلا، وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 89] وقوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 38] ونحو ذلك، وبفواتح السور، وهي مما لم يعهد عند العرب، وبما نقل عن الناس فيها. وربما حكي من ذلك عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره أشياء. فأما الآيات فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد. أو المراد بالكتاب في قوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية. وأما فواتح السور فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدا كعدد الجمل الذي تعرّفوه من أهل الكتاب، حسبما ذكره أصحاب السير. أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى، وغير ذلك. وأما تفسيرها بما لا عهد به فلا يكون، ولم يدّعه أحد ممن تقدم، فلا دليل فيها على ما ادعوه. وما ينقل عن عليّ أو غيره في هذا لا يثبت، فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن ينكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار، في الاستعانة على فهمه، على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة. فيه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه، وتقول على الله ورسوله فيه، والله أعلم وبه التوفيق. ثم قال الشاطبيّ: فصل ومنها- أنه لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم. فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر، فلا يصح العدول عنه
في فهم الشريعة. وإن لم يكن ثمّ عرف، فلا يصح أن يجري في فهمها ما لا تعرفه. وهذا جار في المعاني والألفاظ والأساليب. مثال ذلك: أن معهود العرب أن لا ترى الألفاظ تعبدا عند محافظتها على المعاني، وإن كانت تراعيها أيضا، فليس أحد الأمرين عندها بملتزم، بل قد تبنى على أحدهما مرّة، وعلى الآخر أخرى، ولا يكون ذلك قادحا في صحة كلامها واستقامته. والدليل على ذلك أشياء: أحدها: خروجها في كثير من كلامها على أحكام القوانين المطّردة، والضوابط المستمرة، وجريانها في كثير من منثورها على طريق منظومها، وإن لم يكن بها حاجة، وتركها لما هو أولى في مراميها. ولا يعد ذلك قليلا في كلامها، ولا ضعيفا، بل هو كثير قويّ، وإن كان غيره أكثر منه. والثاني: أن من شأنها الاستغناء ببعض الألفاظ عما يرادفها أو يقاربها، ولا يعدّ ذلك اختلافا ولا اضطرابا إذا كان المعنى المقصود على استقامة. والكافي من ذلك نزول القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف. وفي هذا المعنى من الأحاديث وكلام السلف العارفين بالقرآن كثير. وقد استمر أهل القراآت على أن يعملوا بالروايات التي صحت عندهم، مما وافق المصحف، وأنهم في ذلك قارئون للقرآن من غير شك ولا إشكال، وإن كانت بين القراءتين ما يعده الناظر ببادي الرأي اختلافا في المعنى، لأن معنى الكلام من أوله إلى آخره على استقامة، لا تفاوت فيه، بحسب مقصود الخطاب: كمالك وملك، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يخادعون إلا أنفسهم. لنبوئنهم من الجنة غرفا لنبوئنهم من الجنة غرفا. إلى كثير من هذا، لأن جميع ذلك لا تفاوت فيه بحسب فهم ما أريد من الخطاب، وهذا كان عادة العرب. ألا ترى ما حكى ابن جنّيّ عن عيسى بن عمر، وحكى عن غيره أيضا، قال: سمعت ذا الرمة ينشد: وظاهر لها من يابس الشخت واستعن ... عليها الصبا واجعل يديك لها سترا فقلت: أنشدتني: من بائس، فقال: يابس وبائس واحد. فأنت ترى ذا الرمة لم يعبأ بالاختلاف بين البؤس واليبس، لمّا كان موضع البيت قائما على الوجهين، وصوابا على كلتا الطريقتين. وقد قال في رواية أبي العباس الأحول: البؤس واليبس واحد. يعني بحسب قصد الكلام، لا بحسب تفسير اللغة. وعن أحمد بن يحيى، قال: أنشدني ابن الأعرابيّ: وموضع زير لا أريد مبيته ... كأني به من شدة الروع آنس فقال له شيخ من أصحابه: ليس هكذا، أنشدتنا «وموضع ضيق» فقال: سبحا
ثم قال الشاطبي: فصل
الله! تصحبنا منذ كذا وكذا، ولا تعلم أن الزير والضيق واحد. وقد جاءت أشعارهم على روايات مختلفة، وبألفاظ متباينة، يعلم من مجموعها أنهم ما كانوا يلتزمون لفظا واحدا على الخصوص، بحيث يعد مرادفه أو مقاربه عيبا أو ضعفا. إلا في مواضع مخصوصة لا يكون ما سواها من المواضع محمولا عليها، وإنما معهودها الغالب ما تقدم. والثالث: أنها قد تهمل بعض أحكام اللفظ، وإن كانت تعتبره على الجملة، كما استقبحوا العطف على الضمير المرفوع المتصل مطلقا ولم يفرقوا بين ما له لفظ، وما ليس له لفظ، فقبح «قمت وزيد» ، كما قبح «قام وزيد» وجمعوا في الردف بين عمود ويعود، من غير استكراه. وواو عمود أقوى في المد. وجمعوا بين سعيد وعمود مع اختلافهما، وأشباه ذلك من الأحكام اللطيفة التي تقتضيها الألفاظ في قياسها النظريّ، لكنها تهملها وتوليها جانب الإعراض، وما ذاك إلا لعدم تعمقها في تنقيح لسانها. والرابع: أن الممدوح من كلام العرب، عند أرباب العربية، ما كان بعيدا عن تكلف الاصطناع. ولذلك، إذا اشتغل الشاعر العربيّ بالتنقيح اختلف في الأخذ عنه. فقد كان الأصمعيّ يعيب الحطيئة. واعتذر عن ذلك بأن قال: وجدت شعره كله جيدا، فدلني على أنه كان يصنعه، وليس هكذا الشاعر المطبوع. إنما الشاعر المطبوع الذي يرمي بالكلام على عواهنه، جيده ورديه. وما قاله هو الباب المنتهج، والطريق المهيع عند أهل اللسان. وعلى الجملة فالأدلة على هذا المعنى كثيرة، ومن زاول كلام العرب وقف من هذا على علم. وإذا كان كذلك، فلا يستقيم للمتكلم في كتاب الله أو سنة رسول الله أن يتكلف فيهما فوق ما يسعه لسان العرب، وليكن شأنه الاعتناء بما شأنه أن تعتني العرب به، والوقوف عند ما حدث. ثم قال الشاطبيّ: فصل ومنها- أنه إنما يصح في مسلك الأفهام والفهم، ما يكون عاما لجميع العرب، فلا يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه، بحسب الألفاظ والمعاني. فإن الناس في الفهم وتأتي التكليف فيه، ليسوا على وزان واحد ولا متقارب. إلا أنهم يتقاربون في الأمور الجمهوريّة وما والاها. وعلى ذلك جرت مصالحهم في الدنيا. ولم يكونوا
ثم قال الشاطبي: فصل
بحيث يتعمقون في كل مهم، ولا في أعمالهم إلا بمقدار ما لا يخل بمقاصدهم. اللهم إلا أن يقصدوا أمرا خاصّا، لأناس خاصة. فذاك كالكنايات الغامضة، والرموز البعيدة التي تخفى عن الجمهور، ولا تخفى عمن قصد بها. وإلا كان خارجا عن حكم معهودها. فكذلك يلزم أن ينزل فهم الكتاب والسنة بحيث تكون معانيه مشتركة لجميع العرب، ولذلك أنزل القرآن على سبعة أحرف، واشتركت فيه اللغات، حتى كانت قبائل العرب تفهمه. وأيضا فمقتضاه من التكليف لا يخرج عن هذا النمط. لأن الضعيف ليس كالقويّ، ولا الصغير كالكبير، ولا الأنثى كالذكر، بل كل له حد ينتهي إليه في العبارة الجارية. فأخذوا بما يشترك الجمهور في القدرة عليه، وألزموه ذلك من طريقهم بالحجة القائمة والموعظة الحسنة، ونحو ذلك، ولو شاء الله لألزمهم ما لا يطيقون، ولكلفهم بغير قيام حجة، ولا إتيان ببرهان، ولا وعظ ولا تذكير، ولطوّقهم فهم ما لا يفهم، وعلم ما لا يعلم، فلا حجر عليه في ذلك، فإن حجة الملك قائمة قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [الأنعام: 149] لكن الله سبحانه خاطبهم من حيث عهدوا، وكلفهم من حيث لهم القدرة على ما به كلفوا، وغدوا في أثناء ذلك بما يستقيم به منآدهم، ويقوى به ضعيفهم، وتنتهض به عزائمهم، من الوعد تارة، والوعيد أخرى، والموعظة الحسنة أخرى، وبيان مجاري العادات فيمن سلف من الأمم الماضية، والقرون الخالية، إلى غير ذلك مما في معناه. حتى يعلموا أنهم لم ينفردوا بهذا الأمر دون الخلق الماضين، بل هم مشتركون في مقتضاه، ولا يكونون مشتركين إلا فيما لهم منّة على تحمله. وزادهم تخفيفا دون الأولين، وأجرى فوقهم فضلا من الله ونعمة، والله عليم حكيم. وقد خرّج الترمذيّ، وصححه عن أبيّ بن كعب، قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال: يا جبريل! إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط، قال: يا محمد! إن القرآن أنزل على سبعة أحرف . فالحاصل أن الواجب في هذا المقام إجراء الفهم في الشريعة على وزان الاشتراك الجمهوريّ الذي يسع الأميين، كما يسع غيرهم. ثم قال الشاطبيّ: فصل ومنها- أن يكون الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم، بناء على أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني، وإنما أصلحت الألفاظ من
أجلها. وهذا الأصل معلوم عند أهل العربية، فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد. والمعنى هو المقصود. ولا أيضا كل المعاني. فإن المعنى الإفراديّ قد لا يعبأ به إذا كان المعنى التركيبيّ مفهوما دونه. كما لم يعبأ ذو الرمة ببائس ولا يابس، اتكالا منه على أن حاصل المعنى مفهوم. وأبين من هذا ما في جامع الإسماعيليّ المخرج على صحيح البخاريّ عن أنس بن مالك، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ «فاكهة وأبّا» «1» قال: ما الأبّ؟ ثم قال: ما كلفنا هذا. أو قال: ما أمرنا بهذا. وفيه أيضا عن أنس أن رجلا سأل عمر بن الخطاب عن قوله: «فاكهة وأبّا» ما الأبّ؟ فقال عمر: نهينا عن التعمق والتكلف. ومن المشهور «2» تأديبه لضبيع. حين كان يكثر السؤال عن المرسلات والعاصفات ونحوهما. وظاهر من هذا كله أنه إنما نهى عنه لأن المعنى التركيبيّ معلوم على الجملة، ولا ينبني على فهم هذه الأشياء حكم تكليفيّ، فرأى أن الاشتغال به عن غيره، مما هو أهم منه، تكلف. ولهذا أصل في الشريعة صحيح، نبّه عليه قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.. [البقرة: 177] إلى آخر الآية. فلو كان فهم اللفظ الإفراديّ يتوقف عليه فهم التركيبيّ لم يكن تكلفا، بل هو مضطر إليه. كما روي عن عمر نفسه في قوله تعالى: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ [النحل: 47] فإنه سأل عنه على المنبر. فقال له رجل من هذيل: التخوف عندنا التنقص. ثم أنشده: تخوّف الرّحل منها تامكا قردا ... كما تخوّف عود النّبعة السّفن فقال عمر: أيها الناس! تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم. فإن فيه تفسير كتابكم.
فصل في أن بيان الصحابة حجة إذا أجمعوا
فليس بين الخبرين تعارض. لأن هذا توقف فهم معنى الآية عليه، بخلاف الأول. فإذا كان الأمر هكذا فاللازم الاعتناء بفهم معنى الخطاب، لأنه المقصود والمراد. وعليه ينبني الخطاب ابتداء. وكثيرا ما يغفل هذا النظر بالنسبة للكتاب والسنة، فتلتمس غرائبه ومعانيه على غير الوجه الذي ينبغي، فتستبهم على الملتمس، وتستعجم على من لم يفهم مقاصد العرب، فيكون عمله في غير معمل، ومشيه على غير طريق. والله الواقي برحمته. فصل في أن بيان الصحابة حجة إذا أجمعوا قال الشاطبيّ في الموافقات: بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان صحيح لا إشكال في صحته. لأنه لذلك بعث. قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44] ، ولا خلاف فيه. وأما بيان الصحابة، فإن أجمعوا على ما بينوه، فلا إشكال في صحته أيضا. كما أجمعوا على الغسل من التقاء الختانين المبيّن لقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [المائدة: 6] ، وإن لم يجمعوا عليه، فهل يكون بيانهم حجة أم لا؟ هذا فيه نظر وتفصيل، ولكنهم يترجح الاعتماد عليهم في البيان من وجهين: أحدهما: معرفتهم باللسان العربيّ، فإنهم عرب فصحاء، لم تتغير ألسنتهم، ولم تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم، فهم أعرف في فهم الكتاب والسنة من غيرهم، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان، صح اعتماده من هذه الجهة. والثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة، فهم أقعد في فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك. والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعمل عليه صواب. هذا، إن لم ينقل عن أحد منهم خلاف في المسألة. فإن خالف بعضهم، فالمسألة اجتهادية. مثاله قوله عليه السلام: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر «1» ،
فهذا التعجيل يحتمل أن يقصد به إيقاعه قبل الصلاة، ويحتمل أن لا. فكان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان يصليان المغرب قبل أن يفطرا. ثم يفطران بعد الصلاة، بيانا أن هذا التعجيل لا يلزم أن يكون قبل الصلاة، بل إذا كان بعد الصلاة فهو تعجيل أيضا، وأن التأخير الذي يفعله أهل المشرق شيء آخر، داخل في التعمق المنهيّ عنه، وكذلك ذكر عن اليهود أنهم يؤخرون الإفطار فندب المسلمون إلى التعجيل. وكذلك قال عليه السلام: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه «1» ، احتمل أن تكون الرؤية مقيدة بالأكثر، وهو أن يرى بعد غروب الشمس. فبيّن عثمان أن ذلك غير لازم، فرأى الهلال في خلافته قبل الغروب، فلم يفطر حتى أمسى وغابت الشمس. وتأمل. فعادة مالك بن أنس في موطئه وغيره الإتيان بالآثار عن الصحابة. مبينا بها السنن، وما يعمل به منها، وما لا يعمل به. وما يقيّد به مطلقاتها. وهو دأبه ومذهبه لما تقدم ذكره. ومما بيّن كلامهم اللغة أيضا. كما نقل مالك في دلوك الشمس وغسق الليل كلام ابن عمر وابن عباس، وفي معنى السعي عن عمر بن الخطاب أعني قوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: 9] . وفي معنى الأخوة أن السنة قضت أن الأخوة اثنان فصاعدا. كما تبين بكلامهم معنى الكتاب والسنة. لا يقال: إن هذا المذهب راجع إلى تقليد الصحابيّ، وقد عرفت ما فيه من النزاع والخلاف. لأنا نقول: نعم. هو تقليد، ولكنه راجع إلى ما لا يمكن الاجتهاد فيه على وجهه، إلّا لهم، لما تقدم من أنهم عرب، وفرق بين من هو عربيّ الأصل والنحلة وبين من تعرّب: (غلب التطبع شيمة المطبوع) وأنهم شاهدوا من أسباب التكاليف وقرائن أحوالها ما لم يشاهد من بعدهم. ونقل قرائن الأحوال على ما هو عليه كالمتعذر، فلا بد من القول بأن فهمهم في الشريعة أتم وأحرى بالتقديم. فإذا جاء في القرآن أو في السنة من بيانهم ما هو موضوع موضع التفسير، بحيث لو فرضنا عدمه، لم يمكن تنزيل النص عليه على وجهه، انحتم الحكم بإعمال ذلك البيان، لما ذكر، ولما جاء في السنة من اتباعهم والجريان على سننهم. كما جاء في قوله
فصل في أن كل حكاية في القرآن لم يقع لها رد فهي صحيحة
عليه السلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ «1» ، وغير ذلك من الأحاديث فإنها عاضدة بهذا المعنى في الجملة. أما إذا علم أن الموضع موضع اجتهاد لا يفتقر إلى ذينك الأمرين فهم ومن سواهم فيه شرع، سواء. كمسألة العول والوضوء من النوم، وكثير من مسائل الربا التي قال فيها عمر بن الخطاب: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا آية الربا. فدعوا الربا والريبة. أو كما قال: فمثل هذه المسائل موضع اجتهاد للجميع، لا يختص به الصحابة دون غيرهم من المجتهدين. وفيه خلاف بين العلماء أيضا. فإن منهم من يجعل قول الصحابيّ ورأيه حجة يرجع إليها ويعمل عليها من غير نظر، كالأحاديث والاجتهادات النبوية. وهو مذكور في كتب الأصول. فلا يحتاج إلى ذكره هاهنا. فصل في أن كل حكاية في القرآن لم يقع لها ردّ فهي صحيحة قال الشاطبيّ: كل حكاية وقعت في القرآن، فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها، وهو الأكثر، ردّ لها أو لا، فإن وقع رد فلا إشكال في بطلان ذلك المحكيّ وكذبه. وإن لم يقع معها رد، فذلك دليل على صحة المحكيّ وصدقه. أما الأول فظاهر ولا يحتاج إلى برهان. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 91] فأعقب بقوله: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى [الأنعام: 91] الآية. وقال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً.. [الأنعام: 136] الآية، فوقع التنكيت على افتراء ما زعموا بقوله: بِزَعْمِهِمْ وبقوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ [الأنعام: 136] وقالوا: هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ [الأنعام: 138] إلى تمامه. وردّ بقوله: سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ [الأنعام: 138]
ثم قال: وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ ... [الأنعام: 139] الآية، فنبه على فساده بقوله: سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ [الأنعام: 139] ، زيادة على ذلك. وقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [الفرقان: 4] ، فرد عليهم بقوله: فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً [الفرقان: 4] ، ثم قال: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ... [الفرقان: 5- 6] الآية. فرد بقوله: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ ... [الفرقان: 5- 6] ، الآية. ثم قال: وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً [الفرقان: 8] ، ثم قال تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا [الفرقان: 9] ، وقال تعالى: وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إلى قوله: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا ثم رد عليهم بقوله: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي [ص: 4- 8] ، إلى آخر ما هنالك. وقال: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: 116] ، ثم ردّ عليهم بأوجه كثيرة ثبتت في أثناء القرآن كقوله: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء: 26] ، وقوله: بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [يونس: 68] وقوله: سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ ... [يونس: 68] الآية، وقوله: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ [يونس: 68] ، إلى آخره وأشباه ذلك. ومن قرأ القرآن وأحضره في ذهنه عرف هذا بيسر. وأما الثاني- فظاهر أيضا. ولكن الدليل على صحته من نفس الحكاية وإقرارها، فإن القرآن سمي فرقانا وهدى وبرهانا وبيانا وتبيانا لكل شيء، وهو حجة الله على الخلق، على الجملة والتفصيل، والإطلاق والعموم. وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق، ثم لا ينبّه عليه. وأيضا فإن جميع ما يحكى فيه من شرائع الأولين وأحكامهم ولم ينبه على إفسادهم وافترائهم فيه، فهو حق يجعل عمدة، عند طائفة، في شريعتنا. ويمنعه قوم، لا من جهة قدح فيه، ولكن من جهة أمر خارج عن ذلك، فقد اتفقوا على أنه حق وصدق كشريعتنا. ولا يفترق ما بينهما إلا بحكم النسخ فقط، ولو نبه على أمر فيه لكان في حكم التنبيه على الأول، كقوله تعالى: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ [البقرة: 75] الآية، وقوله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ ... [المائدة: 41] الآية، وكذلك قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ [النساء: 46] ،
ثم قال الشاطبي: فصل
فصار هذا من النمط الأول. ومن أمثلة هذا القسم جميع ما حكي عن المتقدمين من الأمم السالفة مما كان حقّا. كحكايته عن الأنبياء والأولياء. ومنه قصة ذي القرنين، وقصة الخضر مع موسى عليه السلام، وقصة أصحاب الكهف. وأشباه ذلك. ثم قال الشاطبيّ: فصل ولا طّراد هذا الأصل اعتمده النظار. فقد استدل جماعة من الأصوليين على أن الكفار مخاطبون بالفروع بقوله تعالى: قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ... [المدثر: 43- 44] الآية، إذ لو كان قولهم باطلا لردّ عند حكايته. واستدل على أن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم بأن الله تعالى لما حكى من قولهم إنهم ثلاثة رابعهم كلبهم وإنهم خمسة سادسهم كلبهم، أعقب ذلك بقوله رَجْماً بِالْغَيْبِ [الكهف: 22] ، أي ليس لهم دليل ولا علم غير اتباع الظن. ورجم الظنون لا يغني من الحق شيئا، ولما حكى قولهم سبعة وثامنهم كلبهم لم يتبعه بإبطال، بل قال: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [الكهف: 22] ، دلّ المساق على صحته دون القولين الأولين. وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم. ورأيت منقولا عن سهل بن عبد الله أنه سئل عن قول إبراهيم عليه السلام: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [البقرة: 260] ، فقيل له: أكان شاكّا حين سأل ربه أن يريه آية؟ فقال: لا، وإنما كان طلب زيادة إيمان إلى إيمان. ألا تراه قال: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى [البقرة: 260] ، فلو علم منه شكا لأظهر ذلك، فصح أن الطمانينة كانت على معنى الزيادة في الإيمان. بخلاف ما حكى الله عن قوم من الأعراب في قوله: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا [الحجرات: 14] فإن الله تعالى رد عليهم بقوله: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14] . ومن تتبع مجاري الحكايات في القرآن، عرف مداخلها وما هو منها حق مما هو باطل. فقد قال تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون: 1] ، إلى آخرها، فإن هذه الحكاية ممزوجة الحق بالباطل، فظاهرها حق وباطنها كذب، من حيث كان إخبارا عن المعتقد، وهو غير مطابق، فقال تعالى:
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [المنافقون: 1] تصحيحا لظاهر القول. وقال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ إبطالا لما قصدوا فيه. وقال تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الزمر: 67] الآية، وسبب نزولها ما خرجه الترمذيّ وصححه عن ابن عباس، قال: مر يهوديّ بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حدثنا يا يهودي! فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه والأرضين على ذه والماء على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه (وأشار الراوي بخنصره أولا ثم تابع حتى بلغ الإبهام) فأنزل الله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. وفي رواية أخرى: جاء يهودي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! إن الله يمسك السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. قال: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. وفي رواية فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا . والحديث الأول كأنه مفسر لهذا، وبمعناه يتبين معنى قوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ فإن الآية بينت أن كلام اليهوديّ حق في الجملة، وذلك قوله: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ وأشارت إلى أنه لم يتأدب مع الربوبية وذلك- والله أعلم- لأنه أشار إلى معنى الأصابع بأصابع نفسه، وذلك مخالف للتنزيه للباري سبحانه، فقال: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. وقال تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة: 61] أي يسمع الحق والباطل، فرد الله عليهم فيما هو باطل وأحق الحق، فقال: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [التوبة: 61] الآية، ولما قصدوا الأذيّة بذلك الكلام قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [التوبة: 61] . وقال تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ [يس: 47] فهذا منهم امتناع عن الإنفاق بحجة، قصدهم فيها الاستهزاء، فرد عليهم بقوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس: 47] لأن ذلك حيد عن امتثال الأمر. وجواب «أنفقوا» أن يقال: «نعم أو لا» وهو الامتثال أو العصيان. فلما رجعوا إلى الاحتجاج على الامتناع بالمشيئة المطلقة التي لا تعارض، انقلب عليهم من حيث لم يعرفوا. إذ حاصلهم أنهم اعترضوا على المشيئة المطلقة بالمشيئة المطلقة، لأن الله شاء أن يكلفهم الإنفاق، فكأنهم قالوا: كيف يشاء الطلب منا، ولو شاء أن يطعمهم لأطعمهم، وهذا عين الضلال في نفس الحجة. وقال تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ [الأنبياء: 78] إلى قوله: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً
وَعِلْماً فقوله: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ [الأنبياء: 79] تقرير لإصابته عليه السلام- في ذلك، الحكم-، وإيماء إلى خلاف ذلك في داود عليه السلام، لكن لما كان المجتهد معذورا مأجورا بعد بذله الوسع، قال: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء: 79] وهذا من البيان الخفيّ فيما نحن فيه. قال الحسن: والله! لولا ما ذكر الله من أمر هذين الرجلين لرأيت أن القضاة قد هلكوا. فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده. والنمط هنا يتسع، ويكفي منه ما ذكر، وبالله التوفيق. ثم اعلم أن قصص القرآن الكريم لا يراد بها سرد تاريخ الأمم أو الأشخاص، وإنما هي عبرة للناس. كما قال تعالى في سورة هود، بعد ما ذكر موجزا من سيرة الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ... [هود: 120] إلخ، ولذلك لا تذكر الوقائع والحوادث بالترتيب، ولا تستقصى فيذكر منها الطمّ والرمّ، ويؤتى فيها بالجرّة وأذن الجرة، كما في بعض الكتب، التي تسميها الملل الأخرى مقدسة. وللعبرة وجوه كثيرة. وفي تلك القصص فوائد عظيمة، وأفضل الفوائد وأهم العبر فيها التنبيه على سنن الله تعالى في الاجتماع البشريّ، وتأثير أعمال الخير والشر في الحياة الإنسانية. وقد نبه الله تعالى على ذلك في مواضع من كتابه كقوله: وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ [الحجر: 13] . وقوله: سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ [غافر: 85] . يذكر أمثال هذا بعد بيان أحوال الأمم في غمط الحق والإعراض عنه، والغرور بما أوتوا، ونحو ذلك. فالآية الأولى جاءت في سياق الكلام عن المعرضين عن الحق لا يلوون عليه ولا ينظرون في أدلته لانهماكهم في ترفهم وسرفهم، وجمودهم على عاداتهم وتقاليدهم. والآية الثانية: جاءت في سياق محاجّة الكافرين والتذكير بما كان من شأنهم مع الأنبياء. وبعد الأمر في السير في الأرض والنظر في عاقبة الأمم القوية ذات القوة والآثار في الأرض، وكيف هلكوا بعد ما دعوا إلى الحق والتهذيب فلم يستجيبوا، لما صرفهم من الغرور بما كانوا فيه، ولم ينفعهم إيمانهم عند ما نزل بهم بأس الله وحلّ بهم عذاب التفريط والاسترسال في الكفر وآثاره السوءى. وليس المراد، بنفي كون قصص القرآن تاريخا، أنّ التاريخ شيء باطل ضارّ ينزه القرآن عنه. كلا. إن قصصه شذور من التاريخ تعلم الناس كيف ينتفعون بالتاريخ. فمثل ما في القرآن من التاريخ البشري كمثل ما فيه من التاريخ الطبيعيّ م
10 - قاعدة الترغيب والترهيب في التنزيل الكريم
أحوال الحيوان والنبات والجماد، ومثل ما فيه من الكلام في الفلك، يراد بذلك كله التوجيه إلى العبرة والاستدلال على قدرة الصانع وحكمته لا تفصيل مسائل العلوم الطبيعية والفلكية التي مكن الله البشر من الوقوف عليها بالبحث والنظر والتجربة، وهداهم إلى ذلك بالفطرة وبالوحي معا. 10- قاعدة الترغيب والترهيب في التنزيل الكريم . قال الشاطبيّ: إذا ورد في القرآن الترغيب، قارنه الترهيب في لواحقه أو سوابقه أو قرائنه. وبالعكس. وكذلك الترجية مع التخويف وما يرجع إلى هذا المعنى، مثله. ومنه ذكر أهل الجنة يقارنه ذكر أهل النار وبالعكس. لأن في ذكر أهل الجنة بأعمالهم ترجية. وفي ذكر أهل النار بأعمالهم تخويفا. فهو راجع إلى الترجية والتخويف. ويدل على هذه الجملة عرض الآيات على النظر. فأنت ترى أن الله جعل الحمد فاتحة كتابه وقد وقع فيه اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: 6] إلى آخرها. فجيء بذكر الفريقين. ثم بدئت سورة البقرة بذكرهما أيضا. فقيل: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: 6] ثم ذكر بأثرهم المنافقون. وهم صنف من الكفار. فلما تم ذلك أعقب بالأمر بالتقوى ثم بالتخويف بالنار، وبعده بالترجية. فقال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ [البقرة: 24] إلى قوله: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا الآية ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: 26] الآية. ثم ذكر في قصة آدم مثل هذا. ولما ذكّر بنو إسرائيل بنعم الله عليهم ثم اعتدائهم وكفرهم، قيل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا [البقرة: 62] إلى قوله: هُمْ فِيها خالِدُونَ. ثم ذكر تفاصيل ذلك الاعتداء إلى أن ختم بقوله: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [البقرة: 102] . وهذا تخويف. ثم قال: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ [البقرة: 103] الآية وهو ترجية. ثم شرع في ذكر ما كان من شأن المخالفين في تحويل القبلة ثم قال: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [البقرة: 112] الآية. ثم ذكر من شأنهم الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [البقرة: 121] . ثم ذكر قصة إبراهيم علية السلام وبنيه. وذكر في أثنائها التخويف والترجية. وختمها بمثل ذلك، ولا يطول عليك زمان إنجاز الوعد في هذا الاقتران، فقد يكون بينهما أشياء معترضة في أثناء المقصود، والرجوع بعد إلى ما تقرر. وقال تعالى في سورة
ثم قال الشاطبي: فصل
الأنعام، وهي في المكيات نظير سورة البقرة في المدنيات: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ إلى قوله: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: 1] . وذكر البراهين التامة ثم أعقبها بكفرهم وتخويفهم بسببه، إلى أن قال: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ [الأنعام: 12] فأقسم بكتب الرحمة على إنفاذ الوعيد على من خالف. وذلك يعطي التخويف تصريحا، والترجية ضمنا. ثم قال: إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأنعام: 15] فهذا تخويف، وقال: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ [الأنعام: 16] الآية. وهذا ترجية، وكذا قوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ [الأنعام: 17] الآية. ثم مضى في ذكر التخويف حتى قال: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأنعام: 32] . ثم قال: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ [الأنعام: 36] ونظيره قوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ [الأنعام: 39] الآية. ثم ذكر ما يليق بالموطن إلى أن قال: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ [الأنعام: 48] الآية. واجر في النظر على هذا الترتيب يلح لك وجه الأصل المنبه عليه. ولولا الإطالة لبسط في ذلك كثير. ثم قال الشاطبيّ: فصل وقد يغلب أحد الطرفين بحسب المواطن ومقتضيات الأحوال. فيرد التخويف ويتسع مجاله. لكنه لا يخلو من الترجية. كما في سورة الأنعام. فإنها جاءت مقررة للخلق ومنكرة على من كفر بالله واخترع من تلقاء نفسه ما لا سلطان له عليه، وصدّ عن سبيله، وأنكر ما لا ينكر، ولدّ فيه وخاصم. وهذا المعنى يقتضي تأكيد التخويف من إطالة التأنيب والتعنيف. فكثرت مقدماته ولواحقه. ولم يخل، مع ذلك، من طرف الترجية. لأنهم بذلك مدعوون إلى الحق. وقد تقدم الدعاء. وإنما هو مزيد تكرار، إعذارا وإنذارا. ومواطن الاغترار يطلب فيها التخويف أكثر من طلب الترجية. لأن درء المفاسد آكد. وترد الترجية أيضا ويتسع مجالها. وذلك في مواطن القنوط ومظنته. كما في قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر: 53] الآية. فإن ناسا من أهل الشرك
كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا. فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا: أنّ لما عملنا كفارة. فنزلت. فهذا موطن خوف يخاف منه القنوط. فجيء فيه بالترجية غالبة. ومثل ذلك الآية الأخرى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: 114] . وانظر في سببها في الترمذيّ والنسائي وغيرهما. ولما كان جانب الإخلال من العباد أغلب، كان جانب التخويف أغلب. وذلك في مظانه الخاصة، لا على الإطلاق. فإنه إذا لم يكن هنالك مظنة هذا ولا هذا أتى الأمر معتدلا. فإن قيل: هذا لا يطرد. فقد ينفرد أحد الأمرين فلا يؤتى معه بالآخر، فيأتي التخويف من غير ترجية، وبالعكس. ألا ترى قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: 1] ، إلى آخرها، فإنها كلها تخويف. وقوله: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: 6- 7] ، إلى آخر السورة. وقوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ [الفيل: 1] ، إلى آخر السورة. ومن الآيات قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إلى قوله: فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً [الأحزاب: 57- 58] . وفي الطرف الآخر قوله تعالى: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى [الضحى: 1- 2] ، إلى آخرها. وقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: 1] ، إلى آخرها. ومن الآيات قوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى [النور: 22] الآية. وروى أبو عبيد عن ابن عباس أنه التقى هو وعبد الله بن عمرو. فقال ابن عباس: أي آية أرجى في كتاب الله؟ فقال عبد الله: قوله: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: 53] الآية. فقال ابن عباس: لكن قول الله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى، قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: 260] . قال ابن عباس: فرضي منه بقوله: بلى. قال: فهذا لما يعترض في الصدور مما يوسوس به الشيطان. وعن ابن مسعود قال: في القرآن آيتان ما قرأهما عبد مسلم عند ذنب إلا غفر الله له. وفسّر ذلك أبيّ بن كعب بقوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ [آل عمران: 135] ، إلى آخر الآية. وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: 110] .
وعن ابن مسعود: إن في النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها. ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها ما يعرفونها: قوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء: 31] الآية. وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [النساء: 40] الآية. وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: 48] الآية. وقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ [النساء: 64] الآية. وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: 110] . وأشياء من هذا القبيل كثيرة إذا تتبعت وجدت. فالقاعدة لا تطرد وإنما الذي يقال: إن كل موطن له ما يناسبه، ولكل مقام مقال، وهو الذي يطرد في علم البيان. أما هذا التخصيص فلا. فالجواب: أن ما اعترض به غير صادّ عن سبيل ما تقدم. وعنه جوابان: إجماليّ وتفصيليّ. فالإجماليّ: أن يقال: إن الأمر العام والقانون الشائع هو ما تقدم فلا تنقضه الأفراد الجزئية الأقلية. لأن الكلية إذا كانت أكثرية في الوضعيات انعقدت كلية، واعتمدت في الحكم بها. وعليها شاءت الأمور الهادية الجارية في الوجود. ولا شك أن ما اعترض به من ذلك قليل. يدل عليه الاستقراء. فليس بقادح فيما تأصّل. وأما التفصيليّ، فإن قوله: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ قضية عين في رجل معيّن من الكفار، بسبب أمر معيّن من همزه النبيّ عليه السلام وعيبه إياه. فهو إخبار عن جزائه على ذلك العمل القبيح. لا أنه أجري مجرى التخويف. فليس مما نحن فيه. وهذا الوجه جار في قوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى. وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة: 61] الآيتين، جار على ما ذكر. وكذلك سورة والضحى [الضحى: 1- 11] . وقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: 1] ، غير ما نحن فيه. بل هو أمر من الله للنبيّ عليه السلام بالشكر لأجل ما أعطاه من المنح. وقوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور: 22] ، قضية عين لأبي بكر الصديق، نفس بها من كربه فيما أصابه بسبب الإفك المتقوّل على بنته عائشة. فجاء هذا الكلام كالتأنيس له والحضّ على إتمام مكارم الأخلاق، وإدامتها، بالإنفاق على قريبه المتصف بالمسكنة والهجرة. ولم يكن ذلك واجبا على أبي بكر. ولكن أحبّ الله له معالي الأخلاق. وقوله: لا تَقْنَطُوا [الزمر: 53] ، وما ذكر معها في المذاكرة المتقدمة،
ليس مقصودهم، بذكر ذلك، النقض على ما نحن فيه، بل النظر في معاني آيات على استقلالها: ألا ترى أن قوله: لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، أعقب بقوله: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ [الزمر: 54] الآية. وفي هذا تخويف عظيم مهيج للفرار من وقوعه. وما تقدم من السبب في نزول الآية يبين المراد، وأن قوله: لا تقنطوا، ورافع لما تخوفوه من عدم الغفران لما سلف. وقوله: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [البقرة: 260] نظر في معنى آية في الجملة، وما يستنبط منها. وإلا فقوله: أو لم تؤمن، تقرير فيه إشارة إلى التخويف أو لا يكون مؤمنا. فلما قال: بلى. حصل المقصود. وقوله: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً [آل عمران: 135] ، كقوله: لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: 53] . وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [النساء: 110] داخل تحت أصلنا. لأنه جاء بعد قوله: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً [النساء: 105] . وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إلى قوله: فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [النساء: 107- 109] . وقوله إِنْ تَجْتَنِبُوا [النساء: 31] آت بعد الوعيد على الكبائر في أول السورة إلى هنالك. كأكل مال اليتيم والحيف في الوصية وغيرهما. فذلك مما يرجى به تقدم التخويف. وأما قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [النساء: 40] ، فقد أعقب بقوله يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الآية. وتقدم قبلها قوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، إلى قوله: عَذاباً مُهِيناً. بل قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، جمع التخويف مع الترجية. وكذلك قوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... [النساء: 64] الآية. تقدم قبلها وأتى بعدها تخويف عظيم. فهو مما نحن فيه. وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... [النساء: 48] الآية. جامع للتخويف والترجية من حيث قيد غفران ما سوى الشرك بالمشيئة. ولم يرد ابن مسعود بقوله: ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، أنها آيات ترجية خاصة. بل مراده، والله أعلم، أنها كليات في الشريعة محكمات. قد احتوت على علم كثير، وأحاطت بقواعد عظيمة في الدين. ولذلك قال: ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها ما يعرفونها.
ثم قال الشاطبي: فصل
وإذا ثبت هذا، فجميع ما تقدم جار على أن لكل موطن ما يناسبه إنزال القرآن، إجراؤه على البشارة والنذارة. وهو مقصوده الأصليّ، لأنّه أنزل لأحد الطرفين دون الآخر وهو المطلوب. وبالله التوفيق. ثم قال الشاطبيّ: فصل ومن هنا يتصور للعباد أن يكونوا دائرين بين الخوف والرجاء. لأن حقيقة الإيمان دائرة بينهما. وقد دل على ذلك الكتاب العزيز على الخصوص. فقال: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إلى قوله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون: 57- 60] . وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [البقرة: 218] . وقال: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ [الإسراء: 57] . وهذا على الجملة. فإن غلب عليه طرف الانحلال والمخالفة، فجانب الخوف عليه أقرب. وإن غلب عليه طرف التشديد والاحتياط فجانب الرجاء إليه أقرب. وبهذا كان عليه السلام يؤدب أصحابه. ولما غلب على قوم جانب الخوف قيل لهم: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ... [الزمر: 53] الآية. وغلب على قوم جانب الإهمال في بعض الأمور فخوّفوا وعوقبوا. كقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ... [الأحزاب: 57] الآية. فإذا ثبت هذا من ترتيب القرآن ومعاني آياته، فعلى المكلف العمل على وفق ذلك التأديب. فصل في أن الأحكام في التنزيل أكثرها كلية ولذا احتيج في الاستنباط منه إلى السنة قال الشاطبيّ: تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلّي لا جزئيّ. وحيث جاء جزئيّا فمأخذه على الكلية، إما بالاعتبار أو بمعنى الأصل إلا ما خصه الدليل. مثل خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. ويدل على هذا المعنى، بعد الاستقراء المعتبر، أنه محتاج
إلى كثير من البيان. فإن السنة، على كثرتها وكثرة مسائلها، إنما هي بيان للكتاب. كما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى. وقد قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44] . وفي الحديث: «ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ. فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «1» . وإنما الذي أعطي القرآن، وأما السنة فبيان له. وإذا كان كذلك فالقرآن على اختصاره جامع. ولا يكون جامعا إلا والمجموع فيه أمور كليات. لأن الشريعة تمت بتمام نزوله لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] الآية. وأنت تعلم أن الصلاة والزكاة والجهاد وأشباه ذلك لم يتبين جميع أحكامها في القرآن. وإنما بينتها السنة. وكذلك العاديات من الأنكحة والعقود والقصاص والحدود وغيرها. وأيضا فإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كلياتها المعنوية وجدناها قد تضمنها القرآن على الكمال، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات ومكمل كل واحد منها. وهذا كله ظاهر أيضا. فالخارج من الأدلة عن الكتاب هو السنة والإجماع والقياس. وجميع ذلك إنما نشأ عن القرآن. وقد عد الناس قوله تعالى: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [النساء: 105] ، متضمنا للقياس. وقوله: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر: 7] ، متضمنا للسنة. وقوله: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: 115] ، متضمنا للإجماع. وهذا أهم ما يكون. وفي الصحيح عن ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات «2» إلخ، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ
ثم قال الشاطبي: فصل
القرآن فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك، أنك لعنت كذا وكذا؟ فذكرته. فقال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه. قال الله عز وجل: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الحديث. وعبد الله من العالمين بالقرآن. ثم قال الشاطبيّ: فصل فعلى هذا لا ينبغي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في شرحه وبيانه، وهو السنة، لأنه إذا كان كليا وفيه أمور جلية، كما في شأن الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحوها، فلا محيص عن النظر في بيانه. وبعد ذلك ينظر في تفسير السلف الصالح له، إن أعوزته السنة، فإنهم أعرف به من غيرهم، وإلا فمطلق الفهم العربيّ لمن حصله يكفي فيها أعوز من ذلك. والله أعلم. ثم قال الشاطبيّ: فصل القرآن فيه بيان كل شيء على ذلك الترتيب المتقدم. فالعالم به على التحقيق عالم بجملة الشريعة لا يعوزه منها شيء. والدليل على ذلك أمور: منها النصوص القرآنية في قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] الآية. وقوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 38] . وقوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 38] . وقوله: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9] يعني الطريقة المستقيمة. ولو لم يكمل فيه جميع معانيها لما صح إطلاق هذا المعنى عليه حقيقة. وأشباه ذلك من الآيات الدالة على أنه هدى وشفاء لما في الصدور. ولا يكون شفاء لجميع ما في الصدور إلا وفيه تبيان كل شيء. ومنها ما جاء في الأحاديث والآثار المؤذنة بذلك كقوله عليه السلام «1» : إن هذا القرآن حبل الله وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا
يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد إلخ، فكونه حبل الله بإطلاق، والشفاء النافع، إلى تمامه، دليل على كمال الأمر فيه، ونحو هذا في حديث عليّ عن النبيّ عليه السلام «1» . وعن ابن مسعود، أن كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه. وأن أدب الله القرآن. وسئلت عائشة «2» عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، وصدق ذلك قوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] . وعن قتادة: ما جالس القرآن أحد إلا فارقه بزيادة أو نقصان. ثم قرأ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: 82] . وعن محمد بن كعب القرظيّ في قول الله تعالى: إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ [آل عمران: 193] . قال: هو القرآن. ليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث «3» : يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله. وما ذاك إلا أنه أعلم بأحكام الله . فالعالم بالقرآن عالم بجملة الشريعة. وعن عائشة أن من قرأ القرآن فليس فوقه أحد. وعن عبد الله قال: إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين. وعن عبد الله بن عمر قال: من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما، وقد أدرجت النبوة بين جنبيه، إلا أنه لا يوحى إليه. وفي رواية عنه: من قرأ القرآن فقد اضطربت النبوة بين جنبيه. وما ذاك إلا أنه جامع لمعاني النبوة. وأشباه هذا مما يدل على هذا المعنى. ومنها التجربة وهو أنه لا أحد من العلماء لجأ إلى القرآن في مسألة إلا وجد لها فيه أصلا. وأقرب الطوائف من إعواز المسائل النازلة أهل الظواهر
الذين ينكرون القياس. ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن الدليل في مسألة من المسائل. وقال ابن حزم الظاهريّ: كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل في الكتاب والسنة، نعلمه والحمد لله. حاشى القراض فما وجدنا له أصلا فيهما البتة. إلى آخر ما قال. وأنت تعلم أن القراض نوع من أنواع الإجارة. وأصل الإجارة في القرآن ثابت. وبيّن ذلك إقراره عليه السلام وعمل الصحابة به. ولقائل أن يقول: إن هذا غير صحيح. لما ثبت في الشريعة من المسائل والقواعد غير الموجودة في القرآن، وإنما وجدت في السنة. ويصدق ذلك ما في الصحيح من قوله عليه السلام «1» : لا ألفينّ أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري . ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه. وهذا ذم ومعناه اعتماد السنة أيضا. ويصححه قول الله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59] الآية. قال ميمون بن مهران: الرد إلى الله، إلى كتابه. والرد إلى الرسول، إذا كان حيا، فلما قبضه الله، فالرد إلى سنته. ومثله وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً [الأحزاب: 36] الآية. يقال إن السنة يؤخذ بها على أنها بيان لكتاب الله لقوله: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44] وهو جمع بين الأدلة. لأنا نقول: إن كانت السنة بيانا للكتاب، ففي أحد قسميها. فالقسم الآخر زيادة على حكم الكتاب، كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو على خالتها. وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع. وقيل «2» لعليّ بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا. إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة. قال قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر. وهذا، وإن كان فيه دليل على أنه لا شيء عندهم إلا كتاب الله، ففيه دليل على أن عندهم ما ليس في كتاب الله. وهو خلاف ما أصلت. والجواب عن ذلك مذكور في الدليل الثاني وهو السنة بحول الله.
ثم قال الشاطبي: فصل
ومن نوادر الاستدلال القرآنيّ ما نقل عن عليّ أنه قال: الحمل ستة أشهر. انتزاعا من قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف: 15] مع قوله: وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ [لقمان: 14] واستنباط مالك بن أنس أن من سب الصحابة فلا حظّ له في الفيء من قوله: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا [الحشر: 10] الآية. وقول من قال: الولد لا يملك. من قوله: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء: 26] . وقول ابن العربيّ: إن الإنسان قبل أن يكون علقة لا يسمى إنسانا. من قوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق: 2] . واستدلال منذر بن سعيد على أن العربيّ غير مطبوع على العربية بقوله: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [النحل: 78] وأغرب ذلك استدلال ابن الفخار القرطبيّ على أن الإيماء بالرؤوس إلى جانب عند الإباية، والإيماء بها سفلا عند الإجابة، أولى مما يفعله المشارقة من خلاف ذلك، بقوله تعالى: لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ [المنافقون: 5] الآية. وكان أبو بكر الشبليّ الصوفي إذا لبس شيئا خرق فيه موضعا. فقال له ابن مجاهد: أين في العلم إفساد ما ينتفع به؟ فقال: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ [ص: 33] . ثم قال الشبليّ: أين في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فسكت ابن مجاهد وقال له: قل. قال: قوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: 18] الآية. واستدل بعضهم على منع سماع المرأة بقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: 143] الآية. وفي بعض هذه الاستدلالات نظر. ثم قال الشاطبيّ: فصل وعلى هذا لا بد في كل مسألة، يراد تحصيل علمها على أكمل الوجوه، أن يلتفت إلى أصلها في القرآن. فإن وجدت منصوصا على عينها أو ذكر نوعها أو جنسها فذاك. وإلا فمراتب النظر فيها متعددة. وقد تقدم أن كل دليل شرعيّ فإما مقطوع به أو راجع إلى مقطوع به. وأعلى مراجع المقطوع به القرآن الكريم. فهو أول مرجوع إليه. أما إذا لم يرد في المسألة إلا العمل خاصة فيكفي الرجوع فيها إلى السنة
فصل في أقسام العلوم المضافة إلى القرآن
المنقولة بالآحاد. كما يكفي الرجوع فيها إلى قول المجتهد. وهو أضعف. وإنما يرجع فيها إلى أصلها في الكتاب لافتقاره إلى ذلك في جعلها أصلا يرجع إليه، أو دينا يدان الله به، فلا يكتفي بمجرد تلقيها من أخبار الآحاد كما تقدم. فصل في أقسام العلوم المضافة إلى القرآن قال الشاطبيّ: العلوم المضافة إلى القرآن تنقسم على أقسام: قسم هو كالأداة لفهمه واستخراج ما فيه من الفوائد والمعين على معرفة مراد الله تعالى منه، كعلوم اللغة العربية التي لا بد منها وعلم القراآت والناسخ والمنسوخ وقواعد أصول الفقه وما أشبه ذلك. فهذا لا نظر فيه هنا. ولكن قد يدعي فيما ليس بوسيلة أنه وسيلة إلى فهم القرآن وأنه مطلوب كطلب ما هو وسيلة بالحقيقة. فإن علم العربية أو علم الناسخ والمنسوخ وعلم الأسباب وعلم المكّي والمدنيّ وعلم القراآت وعلم أصول الفقه معلوم عند جميع العلماء أنها معينة على فهم القرآن. وأما غير ذلك فقد يعده بعض الناس وسيلة أيضا. ولا يكون كذلك. كما تقدم في حكاية الرازيّ في جعل علم الهيئة وسيلة إلى فهم قوله تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ [ق: 6] . وزعم ابن رشد الحكيم في كتابه الذي سماه ب (فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال) أن علوم الفلسفة مطلوبة. إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها. ولو قال قائل: إن الأمر بالضد مما قال لما بعد في المعارضة. وشاهد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم. هل كانوا آخذين فيها أم كانوا تاركين لها أو غافلين عنها؟ مع القطع. بتحققهم بفهم القرآن. يشهد لهم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والجم الغفير. فلينظر امرؤ أين يضع قدمه. وثمّ أنواع أخر يعرفها من زاول هذه الأمور ولا ينبئك مثل خبير. فأبو حامد ممن فتل هذه الأمور خبرة وصرح فيها بالبيان الشافي في مواضع من كتبه. وقسم هو مأخوذ من جملته، من حيث هو كلام، لا من حيث هو خطاب بأمر أو نهي أو غيرهما، بل من جهة ما هو هو. وذلك ما فيه من دلالة النبوة. وهو كونه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن هذا المعنى ليس مأخوذا من تفاصيل القرآن كما تؤخذ
منه الأحكام الشرعية. إذ لم تنص آياته وسوره على ذلك مثل نصها على الأحكام بالأمر والنهي وغيرهما. وإنما فيه التنبيه على التعجيز أن يأتوا بسورة مثله. وذلك لا يختص به شيء من القرآن دون شيء، ولا سورة دون سورة، ولا نمط منه دون آخر. بل ماهيته هي المعجزة له حسبما نبه عليه قوله عليه السلام: «ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر. وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ. فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» فهو بهيأته التي أنزله الله عليها دال على صدق الرسول عليه السلام. وفيها عجز الفصحاء اللسن والخصماء اللّدّ عن الإتيان بما يماثله أو يدانيه. ووجه كونه معجزا لا يحتاج إلى تقريره في هذا الموضع. لأنه كيما تصور الإعجاز به، فماهيته هي الدالة على ذلك. فإلى أي نحو منه ملت دلّك على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا القسم أيضا لا نظر فيه هنا وموضعه كتب الكلام. وقسم هو مأخوذ من عادة الله تعالى في إنزاله وخطاب الخلق به ومعاملته لهم بالرفق والحسنى، من جعله عربيا يدخل تحت نيل أفهامهم مع أنه المنزه القديم. وكونه تنزل لهم بالتقريب والملاطفة والتعليم في نفس المعاملة به قبل النظر إلى ما حواه من المعارف والخيرات. وهذا نظر خارج عما تضمنه القرآن من العلوم. وينبني صحة الأصل المذكور في كتاب الاجتهاد. وهو أصل التخلق بصفات الله والاقتداء بأفعاله. ويشتمل على أنواع من القواعد الأصلية والفوائد الفرعية والمحاسن الأدبية. فلنذكر منها أمثلة يستعان بها في فهم المراد. فمن ذلك عدم المؤاخذة قبل الإنذار. ودلّ على ذلك إخباره تعالى عن نفسه بقوله: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] فجرت عادته في خلقه أن لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل. فإذا قامت الحجة عليهم. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولكل جزاء مثله، ومنها الإبلاغ في إقامة الحجة على ما خاطب به الخلق. فإنه تعالى أنزل القرآن برهانا في نفسه على صحة ما فيه. وزاد على يدي رسوله عليه السلام من المعجزات ما فيه بعض الكفاية. ومنها ترك الأخذ من أول مرة بالذنب، والحلم عن تعجيل المعاندين بالعذاب، مع تماديهم على الإباية والجحود، بعد وضوح البرهان، وإن استعجلوا به. ومنها تحسين العبارة بالكناية ونحوها في المواطن التي يحتاج فيها إلى ذكر ما يستحي من ذكره في عادتنا. كقوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [النساء: 43] . وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ [التحريم: 12] . وقوله:
كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [المائدة: 75] حتى إذا وضح السبيل في مقطع الحق، وحضر وقت التصريح بما ينبغي التصريح به، فلا بد منه. وإليه الإشارة بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [البقرة: 26] وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب: 53] . ومنها التأني في الأمور والجري على مجرى التثبت والأخذ بالاحتياط، وهو المعهود في حقنا فلقد أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في عشرين سنة، حتى قال الكفار: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان: 32] . فقال الله: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ. وقال: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: 106] . وفي هذه المدة كان الإنذار يترادف والصراط يستوي بالنسبة إلى كل وجهة وإلى كل محتاج إليه. وحين أبى من أبى من الدخول في الإسلام بعد عشر سنين أو أكثر، بدءوا بالتغليظ بالدعاء. فشرع الجهاد لكن على تدريج أيضا. حكمة بالغة وترتيبا يقتضيه العدل والإحسان. حتى إذا كمل الدين ودخل الناس فيه أفواجا ولم يبق لقائل ما يقول، قبض الله نبيه إليه، وقد بانت الحجة ووضحت الحجة واشتد أسّ الدين وقوي عضده بأنصار الله. فلله الحمد كثيرا على ذلك. ومنها كيفية تأدب العباد إذا قصدوا باب رب الأرباب بالتضرع والدعاء. فقد بيّن مساق القرآن آدابا استقرئت منه. وإن لم ينص عليها بالعبارة، فقد أغنت إشارة التقرير عن التصريح بالتعبير. فأنت ترى أن نداء الله للعباد لم يأت في القرآن، في الغالب، إلا ب (يا) ، المشيرة إلى بعد المنادى. لأن صاحب النداء منزه عن مداناة العباد، موصوف بالتعالي عنهم والاستغناء. فإذا قرر نداء العباد للرب أتى بأمور تستدعي قرب الإجابة. منها إسقاط حرف النداء المشير إلى قرب المنادى وأنه حاضر مع المنادي غير غافل عنه، فدل على استشعار الراغب هذا المعنى إذ لم يأت في الغالب إلا: ربنا ربنا كقوله: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا [البقرة: 286] رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا [البقرة: 127] ، رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي [آل عمران: 35] ، رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [البقرة: 260] . ومنها: كثرة مجيء النداء باسم الرب المقتضى للقيام بأمور العباد وإصلاحها. فكان العبد متعلقا بمن شأنه التربية والرفق والإحسان قائلا: يا من هو المصلح لشئوننا على الإطلاق أتمّ لنا ذلك بكذا. وهو مقتضى ما يدعو به. وإنما أتى
(اللهم) في مواضع قليلة، ولمعان اقتضتها الأحوال. ومنها: تقديم الوسيلة بين يدي الطلب كقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: 5- 6] الآية رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا [آل عمران: 16] رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ [آل عمران: 53] رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ [آل عمران: 191] ، رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً [يونس: 88] الآية. رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ إلى قوله: وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً [نوح: 21] ، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا [البقرة: 127] إلى غير ذلك من الآداب التي تؤخذ من مجرد التقرير. والحاصل أن القرآن احتوى، من هذا النوع، من الفوائد والمحاسن التي تقتضيها القواعد الشرعية، على كثير يشهد بها شاهد الاعتبار، ويصححها نصوص الآيات والأخبار. وقسم هو المقصود الأول بالذكر، وهو الذي نبه عليه العلماء وعرفوه مأخوذا من نصوص الكتاب، منطوقها ومفهومها، على حسب ما أداه اللسان العربيّ فيه. وذلك أنه محتو من العلوم على ثلاثة أجناس هي المقصود الأول. أحدها- معرفة المتوجّه إليه وهو الله المعبود، سبحانه. والثاني- معرفة كيفية التوجه إليه. والثالث- معرفة مآل العبد ليخاف الله به ويرجوه. وهذه الأجناس الثلاثة داخلة تحت جنس واحد هو المقصود الذي عبر عنه قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] فالعبادة هي المطلوب الأول. غير أنه لا يمكن إلا بمعرفة المعبود. إذ المجهول لا يتوجّه إليه ولا يقصد بعبادة ولا بغيرها. فإذا عرف، ومن جملة المعرفة به أنه آمر وناه وطالب للعباد بقيامهم بحقه، توجه الطلب. إلا أنه لا يتأتى دون معرفة كيفية التعبد، فجيء بالجنس الثاني. ولما كانت النفوس من شأنها طلب النتائج والمآلات، وكان مآل الأعمال عائدا على العاملين بحسب ما كان منهم من طاعة أو معصية، وانجرّ، مع ذلك، التبشير والإنذار في ذكرها- أتى بالجنس الثالث موضحا لهذا الطرف، وأن الدنيا ليست بدار إقامة، وإنما الإقامة في الدار الآخرة. فالأول- يدخل تحته علم الذات والصفات والأفعال. ويتعلق بالنظر في
الصفات أو في الأفعال، النظر في النبوءات لأنها الوسائط بين المعبود والعباد، وفي كل أصل ثبت للدين علميا كان أو عمليا. ويتكمل بتقرير البراهين والمحاجة لمن جادل من خصماء المبطلين. والثاني- يشتمل على التعريف بأنواع التعبدات من العبادات والعادات والمعاملات وما يتبع كل واحد منها من المكملات. وهي أنواع فروض الكفايات. وجامعها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنظر فيمن يقوم به. والثالث- يدخل في ضمنه النظر في ثلاثة مواطن: الموت وما يليه، ويوم القيامة وما يحويه، والمنزل الذي يستقر فيه. ومكمل هذا الجنس الترغيب والترهيب. ومنه الإخبار عن الناجين والهالكين وأحوالهم وما أداهم إليه حاصل أعمالهم. وإذا تقرر هذا تلخص من مجموع العلوم الحاصلة في القرآن اثنا عشر علما. وقد حصرها الغزاليّ في ستة أقسام: ثلاثة منها هي السوابق والأصول المهمة. وثلاثة هي توابع ومتممة. فأما الثلاثة- فهي تعريف المدعوّ إليه، وهو شرح معرفة الله تعالى، ويشتمل على معرفة الذات والصفات والأفعال وتعريف طريق السلوك إلى الله تعالى على الصراط المستقيم، وذلك بالتحلية بالأخلاق الحميدة والتزكية عن الأخلاق الذميمة وتعريف الحال عند الوصول إليه. ويشتمل على ذكر حالي النعم (النعيم) والعذاب، وما يتقدم ذلك من أحوال القيامة. وأما الثلاثة الأخر- فهي تعريف أحوال المجيبين للدعوة. وذلك قصص الأنبياء والأولياء. وسرّه الترغيب. وأحوال الناكبين. وذلك قصص أعداء الله. وسرّه الترهيب. والتعريف بمحاجة الكفار بعد حكاية أقوالهم الزائفة. وتشتمل على ذكر الله بما ينزه عنه، وذكر النبيّ عليه السلام بما لا يليق به. وادّكار عاقبة الطاعة والمعصية. وسرّه في جنبة الباطل التحذير والإفضاح، وفي جنبة الحق التثبيت والإيضاح. والتعريف بعمارة منازل الطريق وكيفية أخذ الأهبة والزاد. ومعناه محصول ما ذكره الفقهاء في العبادات والعادات والمعاملات والجنايات. وهذه الأقسام الستة تتشعب إلى عشرة، وهي: ذكر الذات، والصفات، والأفعال، والمعاد، والصراط المستقيم، وهو جانب التحلية والتزكية، وأحوال الأنبياء، والأولياء، والأعداء، ومحاجة الكفار، وحدود الأحكام.
فصل"في أن المدني من السور منزل في الفهم على المكي"
فصل «في أن المدنيّ من السور منزل في الفهم على المكيّ» قال الشاطبيّ: المدنيّ من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكيّ، وكذلك المكيّ بعضه مع بعض. والمدنيّ بعضه مع بعض. على حسب ترتيبه في التنزيل. وإلا لم يصح. والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدنيّ، في الغالب، مبنيّ على المكيّ. كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبنيّ على متقدمه، دل على ذلك الاستقراء، وذلك إنما يكون ببيان مجمل، أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله. وأول شاهد على هذا أصل الشريعة: فإنها جاءت متممة لمكارم الأخلاق ومصلحة لما أفسد قبل من ملة إبراهيم عليه السلام. ويليه تنزيل سورة الأنعام. فإنها نزلت مبينة لقواعد العقائد وأصول الدين. وقد خرّج العلماء منها قواعد التوحيد التي صنف فيها المتكلمون من أول إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة. هذا ما قالوا. وإذا نظرت بالنظر المسوق في هذا الكتاب تبين به، من قرب، بيان القواعد الشرعية الكلية التي إذا انخرم منها كلي واحد انخرم نظام الشريعة، أو نقص منها أصل كلّي. ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان من أول ما نزل عليه سورة البقرة، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام. فإنها بينت من أقسام أفعال المكلفين جملتها، وإن تبيّن في غيرها تفاصيل لها. كالعبادات التي هي قواعد الإسلام. والعادات من أصل المأكول والمشروب وغيرهما. والمعاملات من البيوع والأنكحة وما دار بها. والجنايات من أحكام الدماء وما يليها. وأيضا، فإن حفظ الدين فيها وحفظ النفس والعقل والنسل والمال مضمن فيها. وما خرج عن المقرر فيها فبحكم التكميل. فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبنيّ عليها، كما كان غير الأنعام، من المكيّ المتأخر عنها، مبنيا عليها. وإذا تنزلت إلى سائر السور بعضها مع بعض في الترتيب وجدتها كذلك حذو القذة بالقذة. فلا يغيبنّ على الناظر في الكتاب هذا المعنى فإنه من أسرار علوم التفسير. وعلى حسب المعرفة به تحصل له المعرفة بكلام ربه سبحانه. ثم قال الشاطبيّ: فصل وللسنة هنا مدخل لأنها مبينة للكتاب. فلا تقع في التفسير إلا على وفقه.
فصل في الاعتدال في التفسير
وبحسب المعرفة بالتقديم والتأخير يحصل بيان الناسخ من المنسوخ في الحديث. كما يتبين ذلك في القرآن أيضا. ويقع في الأحاديث أشياء تقررت قبل تقرير كثير من المشروعات. فيأتي فيها إطلاقات أو عمومات ربما أو همت ففهم منها ما يفهم منها لو وردت بعد تقرير تلك المشروعات. كحديث «1» «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» . أو حديث «2» «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، صدقا من قلبه، إلا حرمه الله على النار» . وفي المعنى أحاديث كثيرة وقع من أجلها الخلاف بين الأئمة فيمن عصى الله من أهل الشهادتين. فذهبت المرجئة إلى القول بمقتضى هذه الظواهر على الإطلاق. وكأن ما عارضها مؤول عند هؤلاء. وذهب أهل السنة والجماعة إلى خلاف ما قالوه حسبما هو مذكور في كتبهم. وتأولوا هذه الظواهر. ومن جملة ذلك أن طائفة من السلف قالوا: إن هذه الأحاديث منزلة على الحالة الأولى للمسلمين. وذلك قبل أن تنزل الفرائض والأمر والنهي. ومعلوم أن من مات في ذلك الوقت ولم يصلّ أو لم يصم، مثلا، وفعل ما هو محرم في الشرع- لا حرج عليه. لأنه لم يكلف بشيء من ذلك بعد. فلم يضيع من أمر إسلامه شيئا. كما أن من مات والخمر في جوفه قبل أن تحرم فلا حرج عليه، لقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ [المائدة: 93] الآية. وكذلك من مات قبل أن تحوّل القبلة نحو الكعبة، لا حرج عليه في صلاته إلى بيت المقدس. لقوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: 143] إلى أشياء من هذا القبيل فيها بيان لما نحن فيه، وتصريح بأن اعتبار الترتيب في النزول مفيد في فهم الكتاب والسنة. فصل في الاعتدال في التفسير قال الشاطبيّ: ربما أخذ تفسير القرآن على التوسط والاعتدال. وعليه أكثر السلف المتقدمين. بل ذلك شأنهم وبه كانوا أفقه الناس فيه، وأعلم العلماء بمقاصده وبواطنه. وربما أخذ على أحد الطرفين الخارجين عن الاعتدال، إما على
الإفراط وإما على التفريط، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، فالذين أخذوه على التفريط قصروا في فهم اللسان الذي به جاء وهو العربية، فما قاموا في تفهم معانيه، ولا قعدوا. كما تقدم عن الباطنية وغيرها. ولا إشكال في اطّراح التعويل على هؤلاء. والذين أخذوه على الإفراط أيضا قصروا في فهم معانيه من جهة أخرى. وقد تقدم في كتاب المقاصد بيان أن الشريعة أمية. وأن ما لم يكن معهودا عند العرب فلا يعتبر فيها. ومرّ فيه أنها لا تقصد التدقيقات في كلامها. ولا تعتبر ألفاظها كل الاعتبار إلا من جهة ما تؤدي المعاني المركبة. فما وراء ذلك، إن كان مقصودا لها، فبالقصد الثاني. ومن جهة ما هو معين على إدراك المعنى المقصود. كالمجاز والاستعارة والكناية، وإذا كان كذلك فربما لا يحتاج فيه إلى فكر. فإن احتاج الناظر فيه إلى فكر خرج عن نمط الحسن إلى نمط القبح والتكلف. وذلك ليس من كلام العرب. فكذلك لا يليق بالقرآن من باب الأولى. وأيضا، فإنه حائل بين الإنسان وبين المقصود من الخطاب من التفهم لمعناه ثم التعبد بمقتضاه. وذلك أنه إعذار وإنذار وتبشير وتحذير وردّ إلى الصراط المستقيم. فكم بين من فهم معناه ورأى أنه مقصود العبارة فداخله من خوف الوعيد ورجاء الموعود ما صار به مشمّرا عن ساعد الجد والاجتهاد، باذلا غاية الطاقة في الموافقات، هاربا بالكلية عن المخالفات- وبين من أخذ في تحسين الإيراد والاشتغال بمآخذ العبارة ومدارجها، ولم اختلفت مع مرادفتها مع أن المعنى واحد. وتفريع التجنيس، ومحاسن الألفاظ، والمعنى في الخطاب، بمعزل عن النظر فيه. كل عاقل يعلم أن مقصود الخطاب ليس هو التفقه في العبارة، بل التفقه في المعبر عنه، وما المراد به. هذا لا يرتاب فيه عاقل. ولا يصح أن يقال: إن التمكن في التفقه في الألفاظ والعبارات وسيلة إلى التفقه في المعاني، بإجماع العلماء. فكيف يصح إنكار ما لا يمكن إنكاره؟ ولأن الاشتغال بالوسيلة والقيام بالفرض الواجب فيها، دون الاشتغال بالمعنى المقصود، لا ينكر في الجملة. وإلّا لزم ذم علم العربية بجميع أصنافه. وليس كذلك باتفاق العلماء. لأنا نقول: ما ذكرته في السؤال لا ينكر بإطلاق. كيف؟ وبالعربية فهمنا عن الله تعالى مراده من كتابه. وإنما المنكر الخروج في ذلك إلى حد الإفراط الذي يشكّ في كونه مراد المتكلم. أو يظن أنه غير مراد. أو يقطع به فيه. لأن العرب لم يفهم منها قصد مثله في كلامها. ولم يشتغل بالتفقه فيها سلف هذه الأمة. فما يؤمننا من سؤال الله تعالى لنا يوم القيامة: من أين فهمتم عني أني قصدت التجنيس الفلانيّ بما أنزلت من قولي: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
ثم قال الشاطبي: فصل
يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف: 104] ، أو قولي قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ [الشعراء: 168] ؟ فإن في دعوى مثل هذا على القرآن، وأنه مقصود للمتكلم به، خطرا. بل هو راجع إلى معنى قوله تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور: 15] ، وإلى أنه قول في كتاب الله بالرأي. وذلك بخلاف الكناية في قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [النساء: 43] ، وقوله: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [المائدة: 75] ، وما أشبه ذلك. فإنه شائع في كلام العرب، مفهوم من مساق الكلام، معلوم اعتباره عند أهل اللسان ضرورة. والتجنيس ونحوه ليس كذلك. وفرق ما بينهما خدمة المعنى المراد وعدمه. إذ ليس في التجنيس ذلك، والشاهد على ذلك ندوره في العرب الأجلاف البوّالين على أعقابهم (كما قال أبو عبيدة) ، ومن كان نحوهم. وشهرة الكناية وغيرها. ولا تكاد تجد ما هو نحو التجنيس إلا في كلام المولدين ومن لا يحتج به. فالحاصل أن لكل علم عدلا، وطرفا إفراط وتفريط. والطرفان هما المذمومان. والوسط هو المحمود. ثم قال الشاطبيّ: فصل إذا تعين أن العدل في الوسط فمأخذ الوسط ربما كان مجهولا. والإحالة على مجهول لا فائدة فيه. فلا بد من ضابط يعوّل عليه في مأخذ الفهم. والقول في ذلك، والله المستعان. إن المساقاة تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل. وهذا معلوم في علم المعاني والبيان. فالذي يكون على بال من المستمع المتفهم الالتفات إلى أول الكلام وآخره بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها. لا ينظر في أولها دون آخرها ولا في آخرها دون أولها. فإن القضية، وإن اشتملت على جمل، فبعضها متعلق بالبعض. لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد. فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره. وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف. فإن فرّق النظر، في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده. فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض إلا في موطن واحد. وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربيّ وما يقتضيه. لا بحسب مقصود المتكلم. فإذا صح له الظاهر على العربية رجع إلى نفس الكلام. فعمّا قريب يبدو له منه المعنى المراد. فعليه بالتعبد به، وقد يعينه على هذا المقصد النظر في أسباب التنزيل فإنها تبين كثيرا
من المواضع التي يختلف مغزاها على الناظر. غير أن الكلام المنظور فيه، تارة يكون واحدا بكل اعتبار، بمعنى أنه أنزل في قضية واحدة، طالت أو قصرت. وعليه أكثر سور المفصل. وتارة يكون متعددا في الاعتبار، بمعنى أنه أنزل في قضايا متعددة كسورة البقرة وآل عمران والنساء واقرأ باسم ربك وأشباهها. ولا علينا أنزلت السورة بكمالها دفعة واحدة، أم نزلت شيئا بعد شيء. ولكن هذا القسم له اعتباران: اعتبار من جهة تعدد القضايا فتكون كل قضية مختصة بنظرها. ومن هنالك يلتمس الفقه على وجه ظاهر لا كلام فيه، ويشترك مع هذا الاعتبار القسم الأول. فلا فرق بينهما في التماس العلم والفقه. واعتبار من جهة النظم الذي وجدنا عليه السورة. إذ هو ترتيب بالوحي لا مدخل فيه لآراء الرجال، ويشترك معه أيضا القسم الأول. لأنه نظم ألقي بالوحي، وكلاهما لا يلتمس منه فقه على وجه ظاهر. وإنما يلتمس منه ظهور بعض أوجه الإعجاز. وبعض مسائل نبه عليها في المسألة السابقة قبل. وجميع ذلك لا بد فيه من النظر في أول الكلام وآخره بحسب تلك الاعتبارات. فاعتبار جهة النظم، مثلا، في السورة لا يتم به فائدة إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر. فالاقتصار على بعضها فيه غير مفيد غاية المقصود. كما أن الاقتصار على بعض الآية في استفادة حكم ما، لا يفيد إلّا بعد كمال النظر في جميعها. فسورة البقرة مثلا كلام واحد باعتبار النظم. واحتوت على أنواع من الكلام بحسب ما بث فيها: منها ما هو كالمقدمات والتمهيدات بين يدي الأمر المطلوب. ومنها ما هو كالمؤكد والمتمم. ومنها ما هو المقصود في الإنزال. وذلك تقرير الأحكام على تفاصيل الأبواب. ومنها: الخواتم العائدة على ما قبلها بالتأكيد والتثبيت وما أشبه ذلك. ولا بد من تمثيل شيء من هذه الأقسام: فبه يبين ما تقدم. فقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 183] إلى قوله: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. كلام واحد وإن نزل في أوقات شتى. وحاصله بيان الصيام وأحكامه وكيفية آدابه، وقضائه وسائر ما يتعلق به من الجلائل التي لا بد منها، ولا ينبني إلا عليها. ثم جاء قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة: 188] الآية. كلاما آخر، بيّن أحكاما أخر. وقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: 189] . وانتهى الكلام على قول طائفة. وعند أخرى أن قوله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ
[البقرة: 189] . الآية، من تمام مسألة الأهلة. وإن انجرّ معه شيء آخر. كما انجرّ على القولين معا تذكير وتقديم لأحكام الحج في قوله: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ. وقوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: 1] . نازلة في قضية واحدة. وسورة اقرأ نازلة في قضيتين: الأولى إلى قوله: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 5] والأخرى ما بقي إلى آخر السورة. وسورة المؤمنين نازلة في قضية واحدة وإن اشتملت على معان كثيرة فإنها من المكيات. وغلب المكيّ أنه مقرر لثلاثة معان. أصلها معنى واحد. وهو الدعاء إلى عبادة الله تعالى: أحدها: تقرير الوحدانية لله الواحد الحق. غير أنه يأتي على وجوه. كنفي الشريك بإطلاق. أو نفيه، بقيد ما ادعاه الكفار في وقائع مختلفة من كونه مقرّبا إلى الله زلفى، أو كونه ولدا أو غير ذلك من أنواع الدعاوى الفاسدة. والثاني: تقرير النبوة للنبيّ محمد وأنه رسول الله إليهم جميعا، صادق فيما جاء به من عند الله. إلا أنه وارد على وجوه أيضا: كإثبات كونه رسولا حقا، ونفي ما ادعوه عليه من أنه كاذب أو ساحر أو مجنون أو يعلّمه بشر، أو ما أشبه ذلك من كفرهم وعنادهم. والثالث: إثبات أمر البعث والدار الآخرة، وإنه حق لا ريب فيه، بالأدلة الواضحة والرد على من أنكر ذلك بكل وجه يمكن الكافر إنكاره به. فرد بكل وجه يلزم الحجة ويبكت الخصم ويوضح الأمر. فهذه المعاني الثلاثة هي التي اشتمل عليها المنزل من القرآن بمكة. في عامة الأمر. وما ظهر ببادي الرأي خروجه عنها، فراجع إليها في محصول الأمر. ويتبع ذلك الرغيب والترهيب والأمثال والقصص وذكر الجنة والنار ووصف يوم القيامة وأشباه ذلك. فإذا تقرر هذا وعدنا إلى النظر في سورة المؤمنين مثلا، وجدنا فيها المعاني الثلاثة على أوضح الوجوه. إلا أنه غلب على نسقها ذكر إنكار الكفار للنبوءة التي هي المدخل للمعنيين الباقيين. وإنهم إنما أنكروا ذلك بوصف البشرية، ترفعا منهم أن يرسل إليهم من هو مثلهم أو ينال هذه الرتبة غيرهم، إن كانت. فجاءت السورة
تبين وصف البشرية وما تنازعوا فيه منها. وبأيّ وجه تكون على أكمل وجوهها، حتى تستحق الاصطفاء والاجتباء من الله تعالى، فافتتحت السورة بثلاث جمل: إحداها، وهي الآكد في المقام، بيان الأوصاف المكتسبة للعبد. التي إذا اتصف بها رفعه الله وأكرمه. وذلك قوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ إلى قوله: هُمْ فِيها خالِدُونَ [المؤمنون: 1- 11] والثانية بيان أصل التكوين للإنسان وتطويره الذي حصل له، جاريا على مجاري الاعتبار والاختيار. بحيث لا يجد الطاعن، إلى من هذا حاله، سبيلا. والثالثة. بيان وجوه الإمداد له من خارج بما يليق به في التربية والرفق والإعانة على إقامة الحياة. وإن ذلك له بتسخير السماوات والأرض وما بينهما. وكفى بهذا تشريفا وتكريما. ثم ذكرت قصص من تقدم مع أنبيائهم واستهزائهم بهم بأمور. منها كونهم من البشر. ففي قصة نوح مع قومه قولهم: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ [المؤمنون: 24] . ثم أجمل ذكر قوم آخرين أرسل فيهم رسولا منهم، أي من البشر، لا من الملائكة: فقالوا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ [المؤمنون: 33] الآية وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ [المؤمنون: 34] . ثم قالوا: إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [المؤمنون: 38] أي هو من البشر. ثم قال تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا، كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ [المؤمنون: 44] فقوله: رَسُولُها مشيرا إلى أن المراد رسولها الذي تعرفه منها. ثم ذكر موسى وهارون وردّ فرعون وملئه بقولهم: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا [المؤمنون: 47] إلخ. هذا كله حكاية عن الكفار الذين غضوا من رتبة النبوءة بوصف البشرية، تسلية لمحمد عليه السّلام. ثم بيّن أن وصف البشرية للأنبياء لا غضّ فيه، وأن جميع الرسل إنما كانوا من البشر، يأكلون ويشربون، كجميع الناس، والاختصاص أمر آخر من الله تعالى. فقال بعد تقرير رسالة موسى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: 50] وكانا مع ذلك يأكلان ويشربان. ثم قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [المؤمنون: 51] أي هذا من نعم الله عليكم، والعمل الصالح شكر تلك النعم، ومشرّف للعامل به. فهو الذي يوجب التخصيص، لا الأعمال السيئة. وقوله: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً [المؤمنون: 52] إشارة إلى التماثل بينهم وأنهم جميعا مصطفون من البشر. ثم ختم هذا المعنى بنحو مما به بدأ فقال: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إلى قوله: وَهُمْ لَها سابِقُونَ [المؤمنون: 57- 61] . وإذا تأمل هذا النمط من أول السورة إلى هنا، فهم أن ما ذكر من المعنى هو
المقصود مضافا إلى المعنى الآخر. وهو أنهم إنما قالوا ذلك وغضوا من الرسل بوصف البشرية استكبارا من أشرافهم وعتوّا على الله ورسوله. فإن الجملة الأولى من أول السورة تشعر بخلاف الاستكبار وهو التعبد لله بتلك الوجوه المذكورة. والجملة الثانية مؤذنة بأن الإنسان منقول في أطوار العدم وغاية الضعف. فإن التارات السبع أتت عليه. وهي كلها ضعف إلى ضعف. وأصله العدم. فلا يليق، بمن هذه صفته، الاستكبار. والجملة الثالثة مشعرة بالاحتياج إلى تلك الأشياء والافتقار إليها. ولولا خلقها لم يكن للإنسان بقاء بحكم العادة الجارية. فلا يليق بالفقير الاستكبار على من هو مثله في النشأة والخلق. فهذا كله كالتنكيت عليهم. والله أعلم. ثم ذكر القصص في قوم نوح فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ [المؤمنون: 24] ، والملأ هم الأشراف، وكذلك فيمن بعدهم وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ [المؤمنون: 33] الآية. وفي قصة موسى: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ [المؤمنون: 47] ومثل هذا الوصف يدل على أنهم، لشرفهم في قومهم، قالوا هذا الكلام. ثم قوله: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون: 54] إلى قوله: لا يَشْعُرُونَ رجوع إلى وصف أشراف قريش وأنهم إنما تشرفوا بالمال والبنين. فرد عليهم بأن الذي يجب له الشرف من كان على هذا الوصف، وهو قوله: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون: 57] ثم رجعت الآيات إلى وصفهم في ترفهم وحال مآلهم وذكر النعم عليهم والبراهين على صحة النبوءة، وأن ما قال عن الله حقّ من إثبات الوحدانية ونفي الشريك وأمور الدار الآخرة للمطيعين والعاصين، حسبما اقتضاه الحال والوصف للفريقين. فهذا النظر، إذا اعتبر كليا في السورة، وجد على أتم من هذا الوصف. لكن على منهاجه وطريقه. ومن أراد الاعتبار في سائر سور القرآن فالباب مفتوح. والتوفيق بيد الله. فسورة المؤمنين قصة واحدة في شيء واحد. وبالجملة، فحيث ذكر قصص الأنبياء، عليهم السّلام، كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهارون، فإنما ذلك تسلية لمحمد عليه السّلام وتثبيت لفؤاده، لما كان يلقى من عناد الكفار وتكذيبهم له على أنواع مختلفة. فتذكر القصة على النحو الذي يقع له مثله. وبذلك اختلف مساق القصة الواحدة بحسب اختلاف الأحوال. والجميع حق واقع لا إشكال في صحته.
فصل فيما جاء من إعمال الرأي في القرآن الكريم
وعلى حذو ما تقدم من الأمثلة يحتذي في النظر في القرآن لمن أراد فهم القرآن، والله المستعان. فصل فيما جاء من إعمال الرأي في القرآن الكريم قال الشاطبيّ: إعمال الرأي في القرآن جاء ذمه وجاء أيضا ما يقتضي إعماله. وحسبك من ذلك ما نقل عن الصدّيق. فإنه نقل عنه أنه قال، وقد سئل في شيء من القرآن: أيّ سماء تظلني وأيّ أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ وربما روى فيه: إذا قلت في كتاب الله برأيي. ثم سئل عن الكلالة المذكورة في القرآن فقال: أقول فيها برأيي. فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان: الكلالة كذا وكذا. فهذان قولان اقتضيا إعمال الرأي وتركه في القرآن، وهما لا يجتمعان: والقول فيه: إن الرأي ضربان: أحدهما جار على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسنة، فهذا لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما، لأمور: أحدها: أن الكتاب لا بد من القول فيه ببيان معنى واستنباط حكم وتفسير لفظ وفهم مراد. ولم يأت جميع ذلك عمن تقدم. فإما أن يتوقف دون ذلك فتتعطل الأحكام كلها أو أكثرها، وذلك غير ممكن. فلا بد من القول فيه بما يليق. والثاني: أنه لو كان كذلك للزم أن يكون الرسول صلّى الله عليه وسلّم مبيّنا ذلك كله بالتوقيف. فلا يكون لأحد فيه نظر ولا قول. والمعلوم أنه عليه السّلام لم يفعل ذلك. فدل على أنه لم يكلّف به على ذلك الوجه. بل بيّن منه ما لا يوصل إلى علمه إلا به. وترك كثيرا مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم. فلم يلزم في جميع تفسير القرآن التوقيف. والثالث: أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم. وقد علم أنهم فسروا القرآن على ما فهموا. ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه. والتوقيف ينافي هذا. فإطلاق القول بالتوقيف والمنع من الرأي، لا يصح. والرابع: أن هذا الفرض لا يمكن. لأن النظر في القرآن من جهتين: من جهة الأمور الشرعية، فقد يسلم القول بالتوقيف فيه وترك الرأي والنظر جدلا. ومن جهة
المآخذ العربية، وهذا لا يمكن فيه التوقيف. وإلا لزم ذلك في السلف الأولين. وهو باطل. فاللازم عنه مثله. بالجملة فهو أوضح من إطناب فيه. وأما الرأي غير الجاري على موافقة العربية أو الجاري على الأدلة الشرعية، فهذا هو الرأي المذموم من غير إشكال. كما كان مذموما في القياس أيضا. لأنه تقوّل على الله بغير برهان. فيرجع إلى الكذب على الله تعالى. وفي هذا القسم جاء من التشديد في القول بالرأي في القرآن ما جاء. كما روي عن ابن مسعود: ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم. فعليكم بالعلم. وإياكم التبدع. وإياكم والتنطع. وعليكم بالعتيق. وعن عمر بن الخطاب: إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس الملك على أخيه. وعن عمر أيضا: ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه. ولا من فاسق بيّن فسقه، ولكني أخاف عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله. والذي ذكر عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن قوله: وَفاكِهَةً وَأَبًّا فقال: أيّ سماء تظلني.. الحديث. وسأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال له ابن عباس: فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني. فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما. نكره أن نقول في كتاب الله ما لا نعلم. وعن سعيد بن المسيّب أنه كان إذا سئل عن شيء من القرآن قال: أنا لا أقول في القرآن شيئا. وسأله رجل عن آية؟ فقال: لا تسألني عن القرآن وسل عنه من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه (يعني عكرمة) . وكأن هذا الكلام مشعر بالإنكار على من يزعم ذلك. وقال ابن سيرين: سألت عبيدة عن شيء من القرآن؟ فقال: اتق الله وعليك بالسداد. فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن. وعن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله. وعن إبراهيم قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه. وعن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله. وإنما هذا كله توقّ وتحرز أن يقع الناظر فيه في الرأي المذموم والقول فيه من غير تثبت. وقد نقل عن الأصمعيّ، وجلالته في معرفة كلام العرب معلومة. أنه لم يفسر
قط آية من كتاب الله. وإذا سئل عن ذلك لم يجب. (انظر الحكاية عنه في الكامل) ثم قال الشاطبيّ: فالذي يستفاد من هذا الموضع أشياء. منها: التحفظ من القول في كتاب الله تعالى إلا على بينة. فإن الناس، في العلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير، ثلاث طبقات. إحداها: من بلغ في ذلك مبلغ الراسخين كالصحابة والتابعين ومن يليهم. وهؤلاء قالوا مع التوقي والتحفظ والهيبة والخوف من الهجوم. فنحن أولى بذلك منهم إن ظننّا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مثلهم. وهيهات. والثانية: من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبالغهم ولا داناهم. فهذا طرف لا إشكال في تحريم ذلك عليه. والثالثة: من شك في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد، أو ظن ذلك في بعض علومه دون بعض. فهذا أيضا داخل تحت حكم المنع من القول فيه. لأن الأصل عدم العلم. فعند ما يبقى له شك أو تردد في الدخول مدخل العلماء الراسخين، فانسحاب الحكم الأول عليه باق بلا إشكال. وكل أحد فقيه نفسه في هذا المجال. وربما تعدى بعض أصحاب هذه الطبقة طوره، فحسّن ظنه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع الراسخين. ومن هنا افترقت الفرق، وتباينت النحل، وظهر في تفسير القرآن الخلل. ومنها: أن من ترك النظر في القرآن، واعتمد في ذلك على من تقدمه، ووكل إليه النظر فيه، غير ملوم. وله في ذلك سعة. إلا فيما لا بد منه، وعلى حكم الضرورة. فإن النظر فيه يشبه النظر في القياس. وما زال السلف الصالح يتحرجون من القياس فيما لا نص فيه. وكذلك وجدناهم في القول في القرآن. فإن المحظور فيهما واحد. وهو خوف التقوّل على الله. بل القول في القرآن أشد. فإن القياس يرجع إلى نظر الناظر. والقول في القرآن يرجع إلى أن الله أراد كذا أو عنى كذا، بكلامه المنزل، وهذا عظيم الخطر. ومنها أن يكون على بال من الناظر، والمفسر، والمتكلم عليه، أن ما يقوله تقصيد منه للمتكلم. والقرآن كلام الله. فهو يقول بلسان بيانه: هذا مراد الله من هذا الكلام. فليتثبت أن يسأله الله تعالى: من أين قلت عني هذا؟ فلا يصح له ذلك إلا ببيان الشواهد. وإلا، فمجرد الاحتمال يكفي بأن يقول: يحتمل أن يكون المعنى كذا وكذا. بناء أيضا على صحة تلك الاحتمالات في صلب العلم. وإلّا، فالاحتمالات
فصل في أن الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول
التي لا ترجع إلى أصل غير معتبرة، فعلى كل تقدير، لا بد في كل قول، يجزم به أو يحتمل، من شاهد يشهد لأصله. وإلا كان باطلا. ودخل صاحبه تحت أهل الرأي المذموم، والله أعلم. فصل في أن الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول قال الشاطبيّ: الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول، والدليل على ذلك من وجوه: أحدها: أنها لو نافتها لم تكن أدلة للعباد على حكم شرعيّ ولا غيره، لكنها أدلة باتفاق العقلاء، فدلّ أنها جارية على قضايا العقول. وبيان ذلك أن الأدلة إنما نصبت في الشريعة لتتلقاها عقول المكلفين، حتى يعملوا بمقتضاها من الدخول تحت أحكام التكليف، ولو نافتها لم تتلقها، فضلا أن تعمل بمقتضاها. وهذا معنى كونها خارجة عن حكم الأدلة. ويستوي، في هذا، الأدلة المنصوبة على الأحكام الإلهية وعلى الأحكام التكليفية. والثاني: أنها لو نافتها لكان التكليف بمقتضاها تكليفا بما لا يطاق. وذلك من جهة التكليف بتصديق ما لا يصدقه العقل، ولا يتصوره. بل يتصور خلافه ويصدقه. فإذا كان كذلك امتنع على العقل التصديق، ضرورة. وقد فرضنا ورود التكليف المنافي التصديق، وهو معنى تكليف ما لا يطاق. وهو باطل حسبما هو مذكور في الأصول. والثالث: أن مورد التكليف هو العقل. وذلك ثابت قطعا بالاستقراء التام. حتى إذا فقد ارتفع التكليف رأسا. وعدّ فاقده كالبهيمة المهملة. وهذا واضح في اعتبار تصديق العقل بالأدلة في لزوم التكليف. فلو جاءت على خلاف ما يقتضيه لكان لزوم التكليف على العاقل أشد من لزومه على المعتوه والصبيّ والنائم. إذ لا عقل لهؤلاء يصدق أو لا يصدق. بخلاف العاقل الذي يأتيه ما لا يمكن تصديقه به. ولما كان التكليف ساقطا عن هؤلاء، لزم أن يكون ساقطا عن العقلاء أيضا. وذلك مناف لوضع الشريعة. فكان ما يؤدي إليه باطلا. والرابع: أنه لو كان كذلك لكان الكفار أولى من ردّ الشريعة به. لأنهم كانوا في غاية الحرص على ردّ ما جاء به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. حتى كانوا يفترون عليه وعليها. فتارة يقولون ساحر. وتارة مجنون. وتارة يكذبونه. كما كانوا يقولون في القرآن: سحر،
وشعر، وافتراء، وإنما يعلمه بشر، وأساطير الأولين. بل كان أولى ما يقولون: إن هذا لا يعقل، أو هو مخالف للعقول أو ما أشبه ذلك. فلما لم يكن من ذلك شيء، دلّ على أنهم عقلوا ما فيه وعرفوا جريانه على مقتضى العقول. إلا أنهم أبوا من اتباعه لأمور أخر، حتى كان من أمرهم ما كان، ولم يعترضه أحد بهذا المدّعى. فكان قاطعا في نفيه عنه. والخامس: إن الاستقراء دل على جريانها على مقتضى العقول بحيث تصدقها العقول الراجحة، وتنقاد لها طائعة أو كارهة. ولا كلام في عناد معاند ولا في تجاهل متعام. هو المعنى بكونها جارية على مقتضى العقول، لا أن العقول حاكمة عليها ولا محسّنة فيها ولا مقبحة. وبسط هذا الوجه مذكور في كتاب المقاصد في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام. فإن قيل: هذه دعوى عريضة يصده عن القول بها غير ما وجه: أحدها: أن في القرآن ما لا يعقل معناه أصلا. كفواتح السور. فإن الناس قالوا: إن في القرآن ما يعرفه الجمهور، وفيه ما لا يعرفه إلا العرب، وفيه ما لا يعرفه إلا العلماء بالشريعة وفيه ما لا يعرفه إلا الله. فأين جريان هذا القسم على مقتضى العقول؟ والثاني: أن في الشريعة متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس أو لا يعلمها إلا الله تعالى. كالمتشابهات الفروعية، وكالمتشابهات الأصولية. ولا معنى لاشتباهها إلا أنها تتشابه على العقول فلا تفهمها أصلا. ولا يفهمها إلا القليل. والمعظم مصدودون عن فهمها. فكيف يطلق القول بجريانها على فهم العقول. والثالث: أن فيها أشياء اختلفت على العقول حتى تفرّق الناس بها فرقا وتحزّبوا أحزابا. وصار كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم: 32] فقالوا فيها أقوالا كلّ على مقدار عقله ودينه. فمنهم من غلب عليه هواه حتى أدّاه ذلك إلى الهلكة. كنصارى نجران حين اتبعوا، في القول بالتثليث، قول الله تعالى: فعلنا، وقضينا، وخلقنا. ثم بعدهم من أهل الانتماء إلى الإسلام الطاعنين على الشريعة بالتناقض والاختلاف. ثم يليهم سائر الفرق الذين أخبر بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وكل ذلك ناشئ عن خطاب يزلّ به العقل. كما هو الواقع. فلو كانت الأدلة جارية على تعقلات العقول، لما وقع في الاعتياد هذا الاختلاف. فلما وقع فهم أنه من جهة ما له خروج عن المعقول، ولو بوجه ما. فالجواب عن الأول: إن فواتح السور، للناس في تفسيرها مقال. بناء على أنه
مما يعلمه العلماء. وإن قلنا: إنه مما لا يعلمه العلماء البتة، فليس مما يتعلق به تكليف على حال. فإذا خرج عن ذلك، خرج عن كونه دليلا على شيء من الأعمال، فليس مما نحن فيه. وإن سلم، فالقسم، الذي لا يعلمه إلا الله تعالى في الشريعة، نادر، والنادر لا حكم له، ولا تنخرم به الكلية المستدل عليها أيضا، لأنه مما لا يهتدي العقل إلى فهمه، وليس كلامنا فيه. إنما الكلام على ما يؤدي مفهوما، لكن على خلاف المعقول. وفواتح السور خارجة عن ذلك، لأنا نقطع أنها لو بينت لنا معانيها لم تكن إلا على مقتضى العقول، وهو المطلوب. وعن الثاني: إن المتشابهات ليست مما تعارض مقتضيات العقول وإن توهم بعض الناس فيها ذلك، لأن من توهم فيها ذلك فبناء على اتباع هواه. كما نصت عليه الآية قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: 7] لا أنه بناء على أمر صحيح: فإنه إن كان كذلك فالتأويل فيه راجع إلى معقول موافق لا إلى مخالف. وإن فرض أنه مما لا يعلمها أحد إلا الله، فالعقول عنها مصدودة لأمر خارجيّ، لا لمخالفته لها. وهذا كما يأتي في الجملة الواحدة، فكذلك يأتي في الكلام المحتوي على جمل كثيرة وأخبار بمعان كثيرة، ربما يتوهم القاصر النظر، فيها الاختلاف. وكذلك الأعجمي الطبع الذي يظن بنفسه العلم بما ينظر فيه وهو جاهل به. ومن هنا كان احتجاج نصارى نجران في التثليث، ودعوى الملحدين، على القرآن والسنة، التناقض والمخالفة للعقول. وضمّوا إلى ذلك جهلهم بحكم التشريع، فخاضوا حين لم يؤذن لهم في الخوض، وفيما لم يجز لهم الخوض فيه، فتاهوا. فإن القرآن والسنة، لمّا كانا عربيين، لم يكن لينظر فيهما إلا عربيّ. كما أنّ من لم يعرف مقاصدهما، لم يحلّ له أن يتكلم فيهما. إذ لا يصح له نظر حتى كون عالما بهما. فإنه إذا كان كذلك لم يختلف عليه شيء من الشريعة. ولذلك مثال يتبين به المقصود وهو: إن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس، فقال له: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، فقال: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [المؤمنون: 101] ، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [الصافات: 27] ، وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء: 42] ، رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.. [الأنعام: 23] فقد كتموا في هذه الآية. وقال: بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها.. إلى قوله: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات: 27- 30] فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض. ثم قال: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... [فصلت: 9] إلى أن قال: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [فصلت: 11] الآية
فصل في أن رتبة السنة التأخر عن الكتاب، وأنها تفصيل مجمله وقاضية عليه
فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء وقال: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: 96] ، عَزِيزاً حَكِيماً [النساء: 158] ، سَمِيعاً بَصِيراً ... [النساء: 134] ، فكأنه كان ثم مضى؟ فقال ابن عباس: لا أنساب بينهم في النفخة الأولى وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: 68] . فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون. ثم في النفخة الأخرى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ. وأما قوله: ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً. فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم. فقال المشركون: تعالوا نقول ما كنا مشركين. فختم على أفواههم فتنطق أيديهم. فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا. وعنده يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض. وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض، أي أخرج الماء والمرعى، وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين. فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام. وخلقت السموات في يومين. وكان الله غفورا رحيما. سمى نفسه ذلك وذلك قوله: أي لم أزل كذلك فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد. فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلّا من عند الله. هذا تمام ما قال في الجواب. وهو يبين أن جميع ذلك معقول إذا نزّل منزلته، وأتي من بابه. وهكذا سائر ما ذكر الطاعنون، وما أشكل على الطالبين، وما وقف فيه الراسخون، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: 82] . وقد ألّف الناس. في رفع التناقض والاختلاف عن القرآن والسنة، كثيرا، فمن تشوف إلى البسط ومدّ الباع وشفاء الغليل طلبه في مظانه. فصل في أن رتبة السنة التأخر عن الكتاب، وأنها تفصيل مجمله وقاضية عليه قال الشاطبيّ: رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار، والدليل على ذلك أمور: أحدها: أن الكتاب مقطوع به والسنة مظنونة. والقطع فيها إنما يصح في
الجملة لا في التفصيل. بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به في الجملة والتفصيل. والمقطوع به مقدم على المظنون. فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة. والثاني: أن السنة إما بيان للكتاب أو زيادة على ذلك. فإن كان بيانا فهو ثان على الوجه المبين في الاعتبار. إذ يلزم من سقوط المبيّن سقوط البيان، ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين. وما شأنه هذا فهو أولى في التقدم. وإن لم يكن بيانا فلا يعتبر إلا بعد أن لا يوجد في الكتاب. وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب. والثالث: ما دل على ذلك من الأخبار والآثار. كحديث معاذ: «بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي» «1» . الحديث. وعن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى شريح: «إذا أتاك أمر فاقض بما في كتاب الله. فإن أتاك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سنّ فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلخ» «2» . وفي رواية عنه: إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض فيه ولا تلتفت إلى غيره. وقد بيّن معنى هذا في رواية أخرى أنه قال له: انظر ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا. وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ومثل هذا عن ابن مسعود: «من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب لله، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه صلّى الله عليه وسلّم ... » «3» الحديث. وعن ابن عباس «4» أنه كان إذا سئل عن شيء، فإن كان في كتاب الله قال به وإن لم
مطلب في ملحظ تفرقة الحنفية بين الفرض والواجب
يكن في كتاب الله، وكان عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال به. وهو كثير في كلام السلف والعلماء. مطلب في ملحظ تفرقة الحنفية بين الفرض والواجب وما فرق به الحنفية بين الفرض والواجب راجع إلى تقدم اعتبار الكتاب على اعتبار السنة، وأن اعتبار الكتاب أقوى من اعتبار السنة. وقد لا يخالف غيرهم في معنى تلك التفرقة. والمقطوع به في المسألة أن السنّة ليست كالكتاب في مراتب الاعتبار. فإن قيل: هذا مخالف لما عليه المحققون. أما أولا: فإن السنة عند العلماء قاضية على الكتاب وليس الكتاب بقاض على السنة، لأن الكتاب يكون محتملا لأمرين فأكثر، فتأتي السنة بتعيين أحدهما فيرجع إلى السنة ويترك مقتضى الكتاب. وأيضا فقد يكون ظاهر الكتاب أمرا فتأتي السنة فتخرجه عن ظاهره. وهذا دليل على تقديم السنة. وحسبك أنها تقيّد مطلقه وتخصّ عمومه وتحمله على غير ظاهره حسبما هو مذكور في الأصول. فالقرآن آت بقطع كل سارق. فخصّت السنة من ذلك سارق النصاب المحرز. وأتى بأخذ الزكاة من جميع الأموال ظاهرا. فخصّته بأموال مخصوصة. وقال تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء: 24] ، فأخرجت من ذلك نكاح المرأة على عمتها أو خالتها. فكل هذا ترك لظواهر الكتاب وتقديم للسنة عليه. ومثل ذلك لا يحصى كثرة. وأما ثانيا: فإن الكتاب والسنة إذا تعارضا، فاختلف أهل الأصول: هل يقدم الكتاب على السنة، أم بالعكس، أم هما متعارضان؟ وقد تكلم الناس في حديث معاذ ورأوا أنه على خلاف الدليل. فإن كان ما في الكتاب لا يقدم على كل السنة فإن الأخبار المتواترة لا تضعف في الدلالة عن أدلة الكتاب. وأخبار الآحاد في محل الاجتهاد مع ظواهر الكتاب، ولذلك وقع الخلاف وتأولوا التقديم في الحديث على معنى البداية بالأسهل الأقرب، وهو الكتاب. فإذا كان الأمر على هذا فلا وجه لإطلاق القول بتقديم الكتاب، بل المتبع الدليل. فالجواب أن قضاء السنة على الكتاب ليس بمعنى تقديمها عليه واطراح الكتاب. بل إن ذلك المعبر في السنة هو المراد في الكتاب، فكأنّ السنة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب، ودل على ذلك قوله: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44] فإذا حصل بيان قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] بأن القطع من الكوع، وأن المسروق نصاب فأكثر من حرز مثله، فذلك هو المعنى المراد من الآية. لا أن نقول: إن السنة أثبتت هذه الأحكام دون الكتاب. كما إذا بين لنا مالك أو غيره من المفسرين معنى آية أو حديث، فعملنا بمقتضاه، فلا يصح لنا أن نقول: إنا عملنا بقول المفسر الفلانيّ، دون أن نقول: عملنا بقول الله أو قول رسوله عليه السلام، وهكذا سائر ما بينته السنة من كتاب الله تعالى. فمعنى كون السنة قاضية على الكتاب أنها مبيّنة له. فلا يوقف مع إجماله واحتماله. وقد بينت المقصود منه لا أنها مقدمة عليه. وأما خلاف الأصوليين في التعارض، فقد مر أن خبر الواحد إذا استند إلى قاعدة مقطوع بها فهو في العمل مقبول. وإلا فالتوقف. وكونه مستندا إلى مقطوع به راجع إلى أنه جزئي تحت معنى قرآنيّ كلّي. فإذا عرضنا هذا الموضع على تلك القاعدة وجدنا المعارضة في الآية والخبر معارضة أصلين قرآنيّين. فيرجع إلى ذلك. وخرج عن معارضة كتاب مع سنة. وعند ذلك لا يصح وقوع هذا التعارض إلا من تعارض قطعيّين. وأما إن لم يستند الخبر إلى قاعدة قطعية فلا بد من تقديم القرآن على الخبر بإطلاق. وأيضا فإن ما ذكر من تواتر الأخبار إنما غالبه فرض أمر جائز. ولعلك لا تجد في الأخبار النبوية ما يقضي بتواتره إلى زمان الواقعة. فالبحث المذكور في المسألة بحث في غير واقع. أو في نادر الوقوع. ولا كبير جدوى فيه. والله أعلم. ثم قال الشاطبيّ: السنة راجعة في معناها إلى الكتاب. فهي تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره. وذلك لأنها بيان له. وهو الذي دل عليه قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فلا تجد في السنة أمرا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية. وأيضا فكل ما دل على أن القرآن هو كلية الشريعة وينبوع لها، فهو دليل على ذلك. ولأن الله قال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] وفسرت عائشة ذلك بأن خلقه القرآن. واقتصرت في خلقه على ذلك. فدل على أن قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن، لأن الخلق محصور في هذه الأشياء. ولأن الله جعل القرآن تبيانا لكل شيء. فيلزم من ذلك أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة. لأن الأمر والنهي أول ما في الكتاب. ومثله قوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 38] ، وقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
[المائدة: 3] وهو يريد بإنزال القرآن. فالسنة إذا، في حصول الأمر، بيان لما فيه. وذلك معنى كونها راجعة إليه. وأيضا فالاستقراء التام دل على ذلك. حسبما يذكر بعد، بحول الله. وقد تقدم في أول كتاب الأدلة أن السنة راجعة إلى الكتاب وإلا وجب التوقف عن قبولها. وهو أصل كاف في هذا المقام. فإن قيل هذا غير صحيح من أوجه: أحدها أن الله تعالى قال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: 65] الآية. والآية نزلت في قضاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للزبير بالسقي قبل الأنصاريّ من شراج الحرّة. الحديث «1» مذكور في الموطأ، وذلك ليس في كتاب الله تعالى. ثم جاء في عدم الرضى به من الوعيد ما جاء. وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء: 59] والرد إلى الله هو الرد إلى الكتاب، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته، بعد موته. وقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا [المائدة: 92] وسائر ما قرن فيه طاعة الرسول بطاعة الله، فهو دال على أن طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه. وطاعة الرسول ما أمر به ونهى عنه مما جاء به مما ليس في القرآن. إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله. وقال: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [النور: 63] الآية، فقد اختص الرسول عليه السلام بشيء يطاع فيه، وذلك السنة التي لم تأت في القرآن. وقال: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: 80] ، وقال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] . وأدلة القرآن تدل على أن كل ما جاء به الرسول وكل ما أمر به ونهى فهو لاحق في الحكم بما جاء في القرآن، فلا بد أن يكون زائدا عليه. والثاني: الأحاديث الدالة على ذمّ ترك السنة واتباع الكتاب، إذ لو كان ما في السنة موجودا في الكتاب، لما كانت السنة متروكة على حال. كما روي أنه عليه
السلام، «يوشك بأحدكم أن يقول: هذا كتاب الله. ما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه. ألا من بلغه عني حديث فكذّب به فقد كذّب الله، ورسوله، والذي حدّثه» وعنه أنه قال «1» : «يوشك رجل منكم متكئا على أريكته يحدّث بحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله. فما وجدنا فيه من حلال استحللناه. وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإنّ ما حرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثل الذي حرم الله» وفي رواية «2» «لا ألفينّ أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري بما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري. ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» . وهذا دليل على أن في السنة ما ليس في الكتاب. والثالث- إن الاستقراء دل على أن في السنة أشياء لا تحصى كثرة لم ينص عليها في القرآن. كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها «3» ، وتحريم الحمر الأهلية «4» ، وكل ذي ناب من السباع «5» ، والعقل وفكاك الأسير «6» وأن لا يقتل مسلم بكافر. وهو الذي نبه عليه حديث علي بن أبي طالب حيث قال فيه: ما عندنا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، وما في هذه الصحيفة. وفي حديث آخر عن عليّ، أنه خطب وعليه سيف فيه صحيفة معلقة فقال: والله ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة. فنشرها فإذا فيها: أسنان الإبل. وإذا فيها: المدينة حرم من عير إلى كذا. فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وإذا فيها: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها
أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وإذا فيها: من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وجاء في حديث معاذ: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال فبسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . وما في معناه مما تقدم ذكره. وهو واضح في أن في السنة ما ليس في القرآن. وهو نحو قول من قال من العلماء: ترك الكتاب موضعا للسنة. وتركت السنة موضعا للقرآن. والرابع- إن الاقتصار على الكتاب رأي قوم لا خلاق لهم، خارجين عن السنة. إذ عوّلوا على ما بنيت عليه من أن الكتاب فيه بيان كل شيء. فاطّرحوا أحكام السنة. فأدّاهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة، وتأويل القرآن على غير ما أنزل الله. فقد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «إن أخوف ما أخاف على أمتي اثنتان: القرآن واللبن. فأما القرآن فيتعلمه المنافقون ليجادلوا به المؤمنين. وأما اللبن فيتبعون الريف. يتبعون الشهوات ويتركون الصلوات» «1» وفي بعض الأخبار «2» عن عمر بن الخطاب: سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنة أعلم بكتاب الله. وقال أبو الدرداء: إن مما أخشى عليكم زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن. وعن عمر «3» : ثلاث يهد من الدين: زلة العالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون. وعن ابن مسعود «4» : ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم. فعليكم بالعلم. وإياكم والتبدع. وإياكم والتنطع. وعليكم بالعتيق. وعن عمر: إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس الملك
على أخيه. وهنا آثار في هذا المعنى حملها العلماء على تأويل القرآن بالرأي مع طرح السنن. وعليه حمل كثير من العلماء قول النبي صلّى الله عليه وسلّم «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» «1» وما في معناه. فإن كثيرا من أهل البدع هكذا فعلوا. اطرحوا الأحاديث وتأولوا كتاب الله على غير تأويله فضلوا وأضلوا. وربما ذكروا حديثا يعطي أن الحديث لا يلتفت إليه إلا إذا وافق كتاب الله تعالى. وذلك ما روي أنه عليه السلام قال: «ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله. فإن وافق كتاب الله فأنا قلته وإن خالف كتاب الله فلم أقله أنا. وكيف أخالف كتاب الله وبه هداني الله؟» . قال عبد الرحمن بن مهديّ: الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث. قالوا: وهذه الألفاظ لا تصح عنه صلّى الله عليه وسلّم عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه. وقد عارض هذا الحديث قوم فقالوا: نحن نعرضه على كتاب الله قبل كل شيء ونعتمد على ذلك. قالوا: فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفا لكتاب الله. لأنا لم نجد في كتاب الله أن لا نقبل من حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسّي به والأمر بطاعته ويحذر من المخالفة عن أمره، جملة على كل حال. هذا مما يلزم القائل أن السنة راجعة إلى الكتاب. ولقد ضلت بهذه الطريقة طوائف من المتأخرين كما كان ذلك فيمن تقدم. فالقول بها، والميل إليها ميل عن الصراط المستقيم. أعاذنا الله من ذلك بمنه. فالجواب إن هذه الوجوه المذكورة لا حجة فيها على خلاف ما تقدم. أما الوجه الأول فلأنا إذا بنينا على أن السنة بيان للكتاب فلا بد أن تكون بيانا لما في الكتاب احتمال له ولغيره. فتبيّن السنة أحد الاحتمالين دون الآخر. فإذا عمل المكلف على وفق البيان أطاع الله فيما أراد بكلامه وأطاع رسوله في مقتضى بيانه. ولو عمل على مخالفة البيان عصى الله تعالى في عمله على مخالفة البيان. إذ صار
عمله على خلاف ما أراد بكلامه. وعصى رسوله في مقتضى بيانه. فلم يلزم من إفراد الطاعتين تباين المطاع فيه بإطلاق، وإذا لم يلزم ذلك لم يكن في الآيات دليل على أن ما في السنة ليس في الكتاب. بل قد يجتمعان في المعنى. ويقع العصيانان والطاعتان من جهتين. ولا محال فيه. ويبقى النظر في وجود ما حكم به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في القرآن. يأتي على أثر هذا بحول الله تعالى. وقوله في السؤال: فلا بد أن يكون زائدا عليه، مسلّم. ولكن هذا الزائد هل هو زيادة الشرح على المشروح إذا كان للشرح بيان ليس في المشروح، وإلا لم يكن شرحا. أم هو زيادة معنى آخر لا يوجد في الكتاب؟ هذا محل النزاع. وعلى هذا المعنى يتنزل الوجه الثاني. وأيضا فإذا كان الحكم في القرآن إجماليّا، وهو في السنة تفصيليّ فكأنه ليس إياه. فقوله: أَقِيمُوا الصَّلاةَ أجمل ما فيه معنى الصلاة وبيّنه عليه السلام. فظهر من البيان ما لم يظهر من المبيّن، وإن كان معنى البيان هو معنى المبين ولكنهما في الحكم يختلفان. ألا ترى أن الوجه في المجمل قبل البيان، التوقف، وفي البيان العمل بمقتضاه؟ فلما اختلفا حكما صار كاختلافهما معنى. فاعتبرت السنة اعتبار المفرد عن الكتاب. وأما الثالث فسيأتي الجواب عنه في المسألة بعد هذا إن شاء الله. وأما الرابع فإنما وقع الخروج عن السنة في أولئك لمكان إعمالهم الرأي واطراحهم السنن، لا من جهة أخرى. وذلك أن السنة، كما تبين، توضح المجمل وتقيّد المطلق وتخصص العموم. فتخرج كثيرا من الصيغ القرآنية عن ظاهر مفهومها في أصل اللغة. وتعلم بذلك أن بيان السنة هو مراد الله تعالى من تلك الصيغ. فإذا طرحت واتبع ظاهر الصيغ بمجرد الهوى صار صاحب هذا النظر ضالا في نظره، جاهلا بالكتاب، خابطا في عمياء، لا يهتدي إلى الصواب فيها. إذ ليس للعقول من إدراك المنافع والمضار في التصرفات الدنيوية إلا النزر اليسير. وهي في الأخروية أبعد على الجملة والتفصيل. وأمّا ما احتجوا به من الحديث، فإن لم يصح في النقل فلا حجة به لأحد من الفريقين. وإن صح أو جاء من طريق يقبل مثله فلا بد من النظر فيه. فإن الحديث إما وحي من الله صرف، وإمّا اجتهاد من الرسول عليه السلام معتبر بوحي صحيح من كتاب أو سنة. وعلى كلا التقديرين لا يمكن فيه التناقض مع كتاب الله. لأنه عليه
السلام ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وإذا فرع على القول بجواز الخطأ في حقه فلا يقره عليه البتة. فلا بد من الرجوع إلى الصواب. والتفريع على القول بنفي الخطأ أولى أن لا يحكم باجتهاده حكما يعارض كتاب الله تعالى ويخالفه. نعم. يجوز أن تأتي السنة بما ليس فيه مخالفة ولا موافقة. بل بما يكون مسكوتا عنه في القرآن إلا إذا قام البرهان على خلاف هذا الجائز. وهو الذي ترجم له في هذه المسألة. فحينئذ لا بد في كل حديث من الموافقة لكتاب الله. كما صرح به الحديث المذكور. فمعناه صحيح. صحّ سنده أو لا. وقد خرّج في معنى هذا الحديث الطحاويّ في كتابه في بيان مشكل الحديث عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاريّ، عن أبي حميد وأبي أسيد، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به. وإذا سمعتم بحديث عني تنكره قلوبكم وتندّ منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكر فأنا أبعدكم منه» . وروي أيضا عن عبد الملك المذكور عن عباس بن سهل أن أبيّ بن كعب كان في مجلس. فجعلوا يتحدثون عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمرخّص والمشدّد. وأبي بن كعب ساكت، فلما فرغوا قال: أي هؤلاء! ما حديث بلغكم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعرفه القلب ويلين له الجلد وترجون عنده، فصدّقوا بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يقول إلا الخير. وبيّن وجه ذلك الطحاويّ بأن الله تعالى قال في كتابه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: 2] الآية. وقال: مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر: 23] الآية. وقال: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ [المائدة: 83] الآية. فأخبر عن أهل الإيمان بما هم عليه عند سماع كلامه. وكان ما يحدثون به عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من جنس ذلك، لأنه كله من عند الله. ففي كونهم عند الحديث على ما يكونون عليه عند سماع القرآن دليل على صدق ذلك الحديث. وإن كانوا بخلاف ذلك وجب التوقف لمخالفته ما سواه. وما قاله يلزم منه أن يكون الحديث موافقا لا مخالفا في المعنى. إذ لو خالف لما اقشعرت الجلود ولا لانت القلوب. لأن الضد لا يلائم الضد ولا يوافقه. وخرّج الطحاويّ أيضا عن أبي هريرة عنه عليه السلام: إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به. قلته أو لم أقله. فإني أقول ما يعرف ولا ينكر. وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به. فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف. ووجه ذلك أن المرويّ إذا وافق كتاب الله وسنة نبيه، لوجود معناه في ذلك، وجب
قبوله. لأنه إن لم يثبت أنه قاله بذلك اللفظ فقد قال معناه بغير ذلك من الألفاظ. إذ يصح تفسير كلامه عليه السلام للأعجميّ بكلامه. وإذا كان الحديث مخالفا يكذّبه القرآن والسنة وجب أن يدفع ويعلم أنه لم يقله. وهذا مثل ما تقدم أيضا. والحاصل من الجميع صحة اعتبار الحديث بموافقة القرآن وعدم مخالفته وهو المطلوب على فرض صحة هذه المنقولات. وأمّا إن لم تصحّ فلا علينا إذ المعنى المقصود صحيح. وإذا ثبت هذا بقي النظر في الوجه الذي دل الكتاب به على السنة حتى صار متضمنا لكلّيتها في الجملة وإن كانت بيانا له في التفصيل، وهي: إن للناس في هذا المعنى مآخذ: منه ما هو عام جدا وكأنه جار مجرى أخذ الدليل من الكتاب على صحة العلم بالسنة ولزوم الاتباع لها. وهو في معنى أخذ الإجماع منه في نحو قوله: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: 115] الآية. وممن أخذ به عبد الله بن مسعود. فروى أن امرأة من بني أسد أتته فقالت له: بلغني أنك لعنت ذيت وذيت والواشمة والمستوشمة. وإنني قد قرأت ما بين اللوحين فلم أجد الذي تقول، فقال لها عبد الله: أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحشر: 7] ؟ قالت: بلى. قال: فهو ذاك. وفي رواية: قال عبد الله: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيّرات خلق الله. قال، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد فقالت: يا أبا عبد الرحمن! بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه. قال الله عزّ وجلّ: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] الحديث. فظاهر قوله لها: هو في كتاب الله، ثم فسر ذلك بقوله: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ دون قوله: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء: 119] أن تلك الآية تضمنت جميع ما جاء في الحديث النبويّ. ويشعر بذلك أيضا ما روي عن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرما عليه ثيابه فنهاه فقال: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي. فقرأ عليه: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ الآية. وروي أن طاوسا كان يصلي ركعتين بعد العصر. فقال له ابن عباس: اتركهما. فقال: إنما نهى عنهما أن تتّخذا سنة. فقال ابن عباس: قد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن
السنة تفصل ما أجمله الكتاب
صلاة بعد العصر . فلا أدري أتعذّب عليها أم تؤجر، لأن الله قال: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: 36] . وروي عن الحكم بن أبان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد؟ فقال: هن أحرار. قلت: بأي شيء؟ قال: بالقرآن. قلت: بأي شيء في القرآن؟ قال: قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59] . وكان عمر من أولي الأمر. قال: عتقت ولو بسقط. وهذا المأخذ يشبه الاستدلال على إعمال السنة أو هو هو. ولكنه أدخل مدخل المعاني التفصيلية التي يدل عليها الكتاب من السنة. السنة تفصل ما أجمله الكتاب ومنها الوجه المشهور عند العلماء. كالأحاديث الآتية في بيان ما أجمل ذكره من الأحكام. إما بحسب كيفيات العمل أو أسبابه أو شروطه أو موانعه أو لواحقه أو ما أشبه ذلك. كبيانها للصلوات على اختلافها: في مواقيتها وركوعها وسجودها وسائر أحكامها. وبيانها للزكاة: في مقاديرها وأوقاتها ونصب الأموال المزكاة وتعيين ما يزكى مما لا يزكى. وبيان أحكام الصوم وما فيه مما لم يقع النص عليه في الكتاب. وكذلك الطهارة الحدثية والخبثية. والحج والذبائح والصيد وما يؤكل مما لا يؤكل. والأنكحة وما يتعلق بها من الطلاق والرجعة والظهار واللعان والبيوع وأحكامها. والجنايات من القصاص وغيره. كل ذلك بيان لما وقع مجملا في القرآن. وهو الذي يظهر دخوله تحت الآية الكريمة وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44] . وقد روي عن عمران بن حصين أنه قال لرجل: إنك امرؤ أحمق. أتجد في كتاب الله الظهر أربعا، لا يجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدّد إليه الصلاة والزكاة ونحو هذا. ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسرا؟ إن كتاب الله أبهم هذا. وإن السنة تفسر ذلك. وقيل لمطرف بن عبد الله بن الشّخّير: لا تحدثونا إلا بالقرآن. فقال له مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلا. ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا. وروى الأوزاعيّ عن حسان بن عطية قال: كان الوحي ينزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويحضره جبريل بالسنّة التي تفسر ذلك. قال الأوزاعيّ: الكتاب أحوج إلى السنة م
السنة إلى الكتاب. قال ابن عبد البرّ: يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه. وسئل أحمد بن حنبل عن الحديث الذي روى أن السنة قاضية على الكتاب. فقال: ما أجسر على هذا أن أقوله. ولكني أقول: إن السنة تفسر الكتاب وتبيّنه. فهذا الوجه في التفصيل أقرب إلى المقصود وأشهر في استعمال العلماء في هذا المعنى. ومنها النظر إلى ما دل عليه الكتاب في الجملة وأنه موجود في السنة على الكمال، زيادة إلى ما فيها من البيان والشرح. وذلك أن القرآن الكريم أتى بالتعريف بمصالح الدارين جلبا لها والتعريف بمفاسدهما دفعا لها. وقد مرّ أن المصالح لا تعدو الثلاثة الأقسام: وهي الضروريات ويلحق بها مكملاتها. والحاجيات ويضاف مكملاتها. والتحسينيات ويليها مكملاتها. ولا زائد على هذه الثلاثة. وإذا نظرنا إلى السنة وجدناها لا تزيد على تقدير هذه الأمور. فالكتاب أتى بها أصولا يرجع إليها. والسنة أتت بها تفريعا على الكتاب وبيانا لما فيه منها. فلا تجد في السنة إلا ما هو راجع إلى تلك الأقسام. فالضروريات الخمس كما تأصلت في الكتاب تفصلت في السنة. فإن حفظ الدين حاصله في ثلاثة معان: وهي الإسلام والإيمان والإحسان. فأصلها في الكتاب وبيانها في السنة. ومكمله ثلاثة أشياء: وهي الدعاء إليه بالترغيب والترهيب، وجهاد من عانده أو رام إفساده، وتلافي النقصان الطارئ في أصله. وأصل هذه في الكتاب وبيانها في السنة على الكمال. وحفظ النفس حاصله في ثلاثة معان: وهي إقامة أصله بشرعية التناسل. وحفظ بقائه بعد خروجه من العدم إلى الوجود من جهة المأكل والمشرب. وذلك ما يحفظه من داخل. والملبس والمسكن. وذلك ما يحفظه من خارج. وجميع هذا مذكور أصله في القرآن ومبين في السنة. ومكمله ثلاثة أشياء: وذلك حفظه عن وضعه في حرام كالزنى، وذلك بأن يكون على النكاح الصحيح. ويلحق به كل ما هو من متعلقاته كالطلاق والخلع واللعان وغيرها. وحفظ ما يتغذى به أن يكون مما لا يضر أو يقتل أو يفسد. وإقامة ما لا تقوم هذه الأمور إلا به من الذبائح والصيد وشرعية الحدّ والقصاص ومراعاة العوارض اللاحقة وأشباه ذلك. وقد دخل حفظ النسل في هذا القسم. وأصوله في القرآن. والسنة بينتها. وحفظ المال راجع إلى مراعاة دخوله في الأملاك. وكتنميته أن لا يفي ومكمله دفع العوارض وتلافي الأصل
بالزجر والحد والضمان. وهو في القرآن والسنة. وحفظ العقل يتناول ما لا يفسده. وهو في القرآن. ومكمله شرعية الحدّ أو الزجر. وليس في القرآن له أصل على الخصوص. فلم يكن له في السنة حكم على الخصوص أيضا. فبقي الحكم فيه إلى اجتهاد الأمة. وإن ألحق بالضروريات حفظ العرض فله في الكتاب أصل شرحته السنة في اللعان والقذف. هذا وجه في الاعتبار في الضروريات. وإذا نظرت إلى الحاجيات اطرد النظر أيضا فيها على ذلك الترتيب أو نحوه. فإن الحاجيات دائرة على الضروريات. وكذلك التحسينيات. وقد كملت قواعد الشريعة في القرآن وفي السنة. فلم يتخلف عنهما شيء. والاستقراء يبيّن ذلك ويسهل على من هو عالم بالكتاب والسنة. ولما كان السلف الصالح كذلك، قالوا به ونصّوا عليه. حسبما تقدم عن بعضهم فيه. ومن تشوف إلى مزيد فإن دوران الحاجيات على التوسعة والتيسير ورفع الحرج والرفق. فبالنسبة إلى الدين يظهر في مواضع شرعية الرخص في الطهارة كالتيمم ورفع حكم النجاسة فيما إذا عسر إزالتها، وفي الصلاة بالقصر ورفع القضاء في الإغماء والجمع والصلاة قاعدا وعلى جنب. وفي الصوم بالفطر في السفر والمرض. وكذلك سائر العبادات. فالقرآن إن نص على بعض التفاصيل كالتيمم والقصر والفطر فذاك. وإلا فالنصوص على رفع الحرج فيه كافية. وللمجتهد إجراء القاعدة والترخص بحسبها. والسنة أول قائم بذلك. وبالنسبة إلى النفس أيضا فظهر في مواضع منها مواضع الرخص كالميتة للمضطر، وشرعية المواساة بالزكاة وغيرها، وإباحة الصيد، وإن لم يتأت فيه من إراقة الدم المحرم ما يتأتى بالذكاة الأصلية، وفي التناسل من العقد على البضع من غير تسمية صداق وإجازة بعض الجهالات فيه بناء على ترك المشاحّة، كما في البيوع. وجعل الطلاق ثلاثا دون ما هو أكثر. وإباحة الطلاق من أصله والخلع وأشباه ذلك. وبالنسبة إلى المال أيضا في الترخيص في الغرر اليسير والجهالة التي لا انفكاك عنها في الغالب ورخصة السلم والعرايا والقرض والشفعة والقراض والمساقاة ونحوها. ومنه التوسعة في ادخار الأموال وإمساك ما هو فوق الحاجة منها. والتمتع بالطيبات من الحلال على جهة القصد. من غير إسراف ولا إقتار. وبالنسبة إلى العقل في رفع الحرج عن المكره وعن المضطر، على قول من قال به، في الخوف على النفس عند الجوع والعطش والمرض وما أشبه ذلك. كل ذلك داخل تحت قاعدة رفع الحرج لأن أكثره اجتهاديّ.
وبينت السنة منه ما يحتذي حذوه فرجع إلى تفسير ما أجمل من الكتاب. وما فسّر من ذلك في الكتاب، فالسنة لا تعدوه ولا تخرج عنه. وقسم التحسينيات جار أيضا كجريان الحاجيات. فإنها راجعة إلى العمل بمكارم الأخلاق. وما يحسن في مجاري العادات كالطهارات بالنسبة إلى الصلوات، على رأي من رأى أنها من هذا القسم، وأخذ الزينة من اللباس ومحاسن الهيئات والطّيب وما أشبه ذلك. وانتخاب الأطيب والأعلى في الزكوات والإنفاقات وآداب الرفق في الصيام. وبالنسبة إلى النفوس كالرفق والإحسان. وآداب الأكل والشرب ونحو ذلك. وبالنسبة إلى النسل كالإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان من عدم التضييق على الزوجة وبسط الرفق في المعاشرة وما أشبه ذلك. وبالنسبة إلى المال كأخذه من غير إشراف نفس، والتورّع في كسبه واستعماله والبذل منه على المحتاج وبالنسبة إلى العقل كمباعدة الخمر ومجانبتها، وإن لم يقصد استعمالها، بناء على أن قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: 90] ، يراد به المجانبة بإطلاق. فجميع هذا له أصل في القرآن بيّنه الكتاب على إجمال أو تفصيل أو على الوجهين معا. وجاءت السنة قاضية على ذلك كله بما هو أوضح في الفهم وأشفى في الشرح. وإنما المقصود هنا التنبيه. والعاقل يتهدى منه لما لم يذكر مما أشير إليه وبالله التوفيق. ومنها النظر إلى مجال الاجتهاد الحاصل بين الطرفين الواضحين. ومجال القياس الدائر بين الأصول والفروع وهو المبين في دليل القياس. ولنبدأ بالأول: وذلك أنه يقع في الكتاب النص على طرفين مبينين فيه أو في السنة. كما تقدم في المأخذ الثاني. وتبقى الواسطة على اجتهاد. والتباين لمجاذبة الطرفين إياها، فربما كان وجه النظر فيها قريب المأخذ فيترك إلى أنظار المجتهدين. وربما يعد على الناظر أو كان محل تعبّد لا يجري على مسلك المناسبة. فيأتي من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيه البيان، وأنه لاحق بأحد الطرفين. أو آخذ من كل واحد منهما بوجه احتياطيّ أو غيره. وهذا هو المقصود هنا. ويتضح ذلك بأمثلة: أحدها أن الله تعالى أحل الطيبات وحرّم الخبائث. وبقي بين هذين الأصلين أشياء يمكن لحاقها بأحدهما. فبين عليه السلام في ذلك ما
اتضح به الأمر. فنهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ونهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية وقال: إنها رجس. وسئل ابن عمر عن القنفذ فقال: كل. وتلا: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ [الأنعام: 145] الآية. فقال له إنسان: إن أبا هريرة يرويه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ويقول: «هو خبيثة من الخبائث» «1» . فقال ابن عمر: إن قاله النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فهو كما قال. وخرّج أبو داود «2» : نهى عليه السّلام عن أكل الجلالة وألبانها . وذلك لما في لحمها ولبنها من أثر الجلة وهي العنهدة (كذا. ولم أدر ما معناها) . فهذا كله راجع إلى معنى الإلحاق بأصل الخبائث. كما ألحق عليه السلام الضب والحباري والأرنب وأشباهها بأصل الطيبات. والثاني: أن الله تعالى أحل من المشروبات ما ليس بمسكر كالماء واللبن والعسل وأشباهها. وحرّم الخمر من المشروبات لما فيها من إزالة العقل الموقع للعداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة. فوقع فيما بين الأصلين ما ليس بمسكر حقيقة ولكنه يوشك أن يسكر. وهو نبيذ الدبّاء والمزفّت والنّقير وغيرها. فنهى «3» عنها إلحاقا لها بالمسكرات تحقيقا. سدّا للذريعة. ثم رجع إلى تحقيق الأمر في أن الأصل الإباحة كالماء والعسل فقال عليه السلام «4» «كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا. وكل مسكر حرام» . وبقي في قليل المسكر على الأصل من
التحريم. فبيّن أن ما أسكر كثيره فقليله حرام «1» . وكذلك نهى عن الخليطين «2» للمعنى الذي نهى من أجله عن الانتباذ في الدبّاء والمزفّت وغيرها. فهذا ونحوه دائر في المعنى بين الأصلين. فكان البيان من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعيّن ما دار بينهما إلى أي جهة يضاف من الأصلين. والثالث: أن الله أباح من صيد الجارح المعلّم ما أمسك عليك. وعلم من ذلك أن ما لم يكن معلّما فصيده حرام إذ لم يمسك إلا على نفسه. فدار بين الأصلين ما كان معلما ولكنه أكل من صيده. فالتعليم يقتضي أنه أمسك عليك. والأكل يقتضي أنه اصطاد لنفسه لا لك. فتعارض الأصلان. فجاءت السنة ببيان ذلك. فقال عليه السلام «3» «فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه» وفي حديث آخر «4» «إذا قتله ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك» وجاء في حديث آخر «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل، وإن أكل منه..» الحديث. وجميع ذلك رجوع للأصلين الظاهرين. والرابع: أن النهي ورد على المحرم أن لا يقتل الصيد مطلقا. وجاء أن على من قتله عمدا الجزاء. وأبيح للحلال مطلقا. فمن قتله فلا شيء عليه. فبقي قتله خطأ في محل النظر. فجاءت السنة بالتسوية بين العمد والخطأ. قال الزهريّ: جاء القرآن بالجزاء على العامد وهو في الخطأ سنة. والزهريّ من أعلم الناس بالسنن. والخامس: أن الحلال والحرام من كل نوع قد بينه القرآن. وجاءت بينهما أمور ملتبسة لأخذها بطرف من الحلال والحرام. فبيّن صاحب السنة صلّى الله عليه وسلّم من ذلك على الجملة وعلى التفصيل.
فالأول: قوله «الحلال «1» بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ... » الحديث. ومن الثاني: قوله في حديث عبد الله بن زمعة «2» «واحتجبي منه يا سودة» لما رأى من شبهه بعتبة..» الحديث. وفي حديث عديّ بن حاتم في الصيد «فإن اختلط بكلابك كلب من غيرها فلا تأكل. لا تدري لعله قتله الذي ليس منها» وقال في بئر «3» بضاعة، وقد كانت تطرح فيها الحيض والعذرات «خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء» فحكم بأحد الطرفين وهو الطهارة. وجاء في الصيد «4» «كلّ ما أصميت ودع ما أنميت» وقال في حديث عقبة بن الحارث في الرضاع «5» ، إذ أخبرته المرأة السوداء بأنها أرضعته والمرأة التي أراد تزوجها. قال فيه «كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، دعها عنك» إلى أشياء من هذا القبيل كثيرة. والسادس: أن الله عزّ وجلّ حرم الزنى وأحل التزويج وملك اليمين. وسكت عن النكاح المخالف للمشروع، فإنه ليس بنكاح محض ولا سفاح محض. فجاء في السنة ما بيّن الحكم في بعض الوجوه حتى يكون محلا لاجتهاد العلماء في إلحاقه بأحد الأصلين مطلقا، أو في بعض الأحوال. وبالأصل الآخر في حال آخر، فجاء في
ا لحديث «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل. فإن دخل بها فلها المهر بما استحل منها» «1» وهكذا سائر ما جاء، في النكاح الفاسد، من السنة. والسابع: أن الله أحلّ صيد البحر فيما أحل من الطيبات وحرّم الميتة فيما حرم من الخبائث. فدارت ميتة البحر بين الطرفين فأشكل حكمها. فقال عليه السلام «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» «2» وروي في بعض الحديث «أحلت لنا ميتتان: الحيتان والجراد» » وأكل عليه السلام مما قذفه البحر «4» لما أتى به أبو عبيدة. والثامن: أن الله تعالى جعل النفس بالنفس وأقصّ من الأطراف بعضها من بعض في قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... [المائدة: 45] إلى آخر الآية، هذا في العمد. وأما الخطأ فالدية لقوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ [النساء: 92] . وبيّن عليه السلام دية الأطراف على النحو الذي يأتي بحول الله. فجاء طرفان أشكل بينهما الجنين إذا أسقطته أمه بالضربة ونحوها. فإنه يشبه جزء الإنسان كسائر الأطراف ويشبه الإنسان التام لخلقته. فبينت السنة فيه أن ديته الغرة وأن له حكم نفسه لعدم تمحض أحد الطرفين له. والتاسع: أن الله حرم الميتة وأباح المذكاة. فدار الجنين، الخارج من بطن المذكاة ميتا، بين الطرفين، فاحتملهما. فقال في الحديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه» «5» ترجيحا لجانب الجزئية على جانب الاستقلال. والعاشر: أن الله قال:
«فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء: 11] فبقيت البنتان مسكوتا عنهما. فنقل في السنة حكمهما. وهو إلحاقهما بما فوق البنتين. ذكره القاضي إسماعيل. فهذه أمثلة يستعان بها على ما سواها، فإنه أمر واضح لمن تأمل، وراجع إلى أحد الأصلين المنصوص عليهما أو إليهما معا، فيأخذ من كل منهما بطرف فلا يخرج عنهما ولا يعدوهما. وأما مجال القياس فإنه يقع في الكتاب العزيز أصول تشير إلى ما كان من نحوها أن حكمه حكمها، وتقرب إلى الفهم الحاصل من إطلاقها أن بعض المقيدات مثلها. فيجتزي بذلك الأصل عن تفريع الفروع اعتمادا على بيان السنة فيه. وهذا النحو بناء على أن المقيس عليه، وإن كان خاصا، في حكم العام معنى. فإذا كان كذلك ووجدنا في الكتاب أصلا وجاءت السنة بما في معناه، أو ما يلحق به، أو يشبهه، أو يدانيه فهو المعنى هاهنا. وسواء علينا أقلنا إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قاله بالقياس أو بالوحي، إلا أنه جار إفهامنا مجرى المقيس، والأصل الكتاب شامل له. وله أمثلة: أحدها: أن الله عزّ وجلّ حرم الربا، وربا الجاهلية الذي قالوا فيه إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [البقرة: 275] هو فسخ الدين في الدين. يقول الطالب: إما أن تقضي وإما أن تربي. وهو الذي دل عليه أيضا قوله تعالى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة: 279] فقال عليه السلام: «وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله» «1» وإذا كان كذلك، وكان المنع فيه، إنما هو من أجل كونه زيادة على غير عوض، ألحقت السنة به كل ما فيه زيادة بذلك المعنى، فقال عليه السلام «الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فمن زاد وازداد فقد أربى، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» «2» ، ثم زاد على ذلك بيع النّساء إذا اختلفت الأصناف. وعده من الربا لأن
النّساء في أحد العوضين يقتضي الزيادة ويدخل فيه بحكم المعنى «السلف يجر نفعا» . وذلك لأن بيع هذا الجنس بمثله في الجنس من باب بدل الشيء بنفسه. لتقارب المنافع فيما يراد منها. فالزيادة على ذلك من باب إعطاء عوض على غير شيء، وهو ممنوع. والأجل في أحد العوضين لا يكون عادة إلا عند مقارنة الزيادة به في القيمة. إذ لا يسلم الحاضر في الغائب إلا ابتغاء ما هو أعلى من الحاضر في القيمة. وهو الزيادة. ويبقى النظر: لم جاز مثل هذا في غير النقدين والمطعومات، ولم يجز فيهما؟ محل نظر. يخفى وجهه على المجتهدين. وهو من أخفى الأمور التي لم يتضح معناها إلى اليوم. فلذلك بينتها السنة. إذ لو كانت بينة لو كل في الغالب أمرها إلى المجتهدين، كما وكل إليهم النظر في كثير من محال الاجتهاد. فمثل هذا جار مجرى الأصل والفرع في القياس. فتأمله. والثاني: أن الله تعالى حرم الجمع بين الأم وابنتها في النكاح، وبين الأختين. وجاء في القرآن: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء: 24] ، فجاء نهيه عليه السلام عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من باب القياس، لأن المعنى الذي لأجله ذمّ الجمع بين أولئك موجود هنا. وقد يروى في هذا الحديث «فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» «1» . والتعليل يشعر بوجه القياس. والثالث: أن الله تعالى وصف الماء الطهور بأنه أنزله من السماء، وأنه أسكنه في الأرض ولم يأت مثل ذلك في ماء البحر. فجاءت السنة بإلحاق ماء البحر بغيره من المياه بأنه «الطهور ماؤه، الحلّ ميتته» «2» . والرابع: أن الدية في النفس، ذكرها الله تعالى في القرآن. ولم يذكر ديات الأطراف. وهي مما يشكل قياسها على العقول. فبيّن الحديث من دياتها ما وضح به السبيل وكأنه جار مجرى القياس الذي يشكل أمره. فلا بد من الرجوع إليه، ويحذى حذوه. والخامس: أن الله تعالى ذكر الفرائض المقدرة من النصف والربع والثمن والثلث والسدس. ولم يذكر ميراث العصبة إلا ما أشار إليه قوله في الأبوين: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [النساء: 11] الآية وقوله في الأولاد: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: 11]
وقوله في آية الكلالة: وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ [النساء: 176] . وقوله: وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: 176] فاقتضى أن ما بقي، بعد الفرائض المذكورة، فللعصبة. وبقي من ذلك ما كان من العصبة غير هؤلاء المذكورين، كالجدّ والعم وابن العم وأشباههم. فقال عليه السلام: «ألحقوا الفرائض بأهلها. فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» «1» : وفي رواية فلأولى عصبة ذكر. فأتى هذا على ما بقي مما يحتاج إليه، بعد ما نبه الكتاب على أصله. والسادس: أن الله تعالى ذكر من تحريم الرضاعة قوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ [النساء: 23] فألحق النبيّ عليه السلام، بهاتين، سائر القرابات من الرضاعة التي يحرمن من النسب. كالعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت وأشباه ذلك. وجهة إلحاقها هي جهة الإلحاق بالقياس إذ ذاك، من باب القياس بنفي الفارق. نصّت عليه السنة إذ كان لأهل الاجتهاد سوى النبيّ عليه السلام، في ذلك، نظر. وتردد بين الإلحاق والقصر على التعبد، فقال عليه الصلاة والسلام «إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب» «2» وسائر ما جاء في هذا المعنى. ثم ألحق بالإناث الذكور، لأن اللبن للفحل. ومن جهة درّ المرأة، فإذا كانت المرأة بالرضاع فالذي له اللبن أم بلا إشكال. والسابع: أن الله حرم مكة بدعاء إبراهيم. فقال: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [البقرة: 126] وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً [العنكبوت: 67] . وذلك حرم مكة، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ربه للمدينة بمثل ما دعا إبراهيم لمكة. ومثله معه. فأجابه الله. وحرم ما بين لابتيها فقال «إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها» «3» . وفي رواية «ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء» «4» . وفي حديث آخر «فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا يقبل
الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» «1» ومثله في صحيفة عليّ المتقدمة. فهذا نوع من الإلحاق بمكة في الحرمة. وقد جاء فيها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ إلى قوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الحج: 25] والإلحاد شامل لكل عدول عن الصواب إلى الظلم وارتكاب المنهيات على تنوعها. حسبما فسرته السنة. فالمدينة لاحقة في هذا المعنى. والثامن: أن الله تعالى قال: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ ... الآية [البقرة: 282] فحكم في الأموال بشهادة النساء، منضمة إلى شهادة رجل. وظهر به ضعف شهادتين. ونبّه على ذلك في قوله: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» «2» ، وفسر نقصان العقل بأن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل. وحين ثبت ذلك بالقرآن وقال فيه: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [البقرة: 282] . دلّ على انحطاطهن عن درجة الرجل. فألحقت السنة، بذلك، اليمين مع الشاهد. فقضى عليه السلام بذلك. لأن لليمين في اقتطاع الحقوق واقتضائها حكما قضى به قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا.. [آل عمران: 77] الآية فجرى الشاهد واليمين مجرى الشاهدين. أو الشاهد والمرأتين في القياس. إلا أنه يخفى. فبيّنته السنة. والتاسع: أن الله تعالى ذكر البيع في الرقاب وأحله. وذكر الإجارة في بعض الأشياء. كالجعل المشار إليه في قوله تعالى: وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [يوسف: 72] . والإجارة على القيام بمال اليتيم في قوله: وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: 6] . وفي العمال على الصدقة، كقوله تعالى: وَالْعامِلِينَ عَلَيْها [التوبة: 60] . وفي بعض منافع لا تأتي على سائرها. فأطلقت السنة فيها القول بالنسبة إلى سائر منافع الرقاب من الناس والدواب والدور والأرضين. فبين النبي صلّى الله عليه وسلّم من ذلك كثيرا. ووكل سائرها إلى أنظار المجتهدين. وهذا هو المجال القياسيّ في الشرع. ولا علينا: أقصد النبيّ عليه السلام القياس على الخصوص أم لا؟
لأن جميع ذلك يرجع إلى قصده بيان ما أنزل الله إليه، على أي وجه كان. والعاشر: أن الله تعالى أخبر عن إبراهيم. في شأن الرؤيا بما أخبر به من ذبح ولده. وعن رؤيا يوسف ورؤيا الفتيين. وكانت رؤيا صادقة. ولم يدل ذلك على صدق كل رؤيا. فبين النبي صلّى الله عليه وسلّم أحكام ذلك، وأن الرؤيا الصالحة «1» من الرجل الصالح جزء من أجزاء النبوءة. وأنها من المبشرات. وأنها على أقسام. إلى غير ذلك من أحكامها. فتضمن إلحاق غير أولئك المذكورين بهم. وهو المعنى الذي في القياس. والأمثلة في هذا المعنى كثيرة. ومنها النظر إلى ما يتألف من أدلة القرآن المتفرقة من معان مجتمعة، فإن الأدلة قد تأتي في معان مختلفة ولكن يشملها معنى واحد شبيه بالأمر في المصالح المرسلة والاستحسان. فتأتي السنة بمقتضى ذلك المعنى الواحد، فيعلم أو يظن أن ذلك المعنى مأخوذ من مجموع تلك الأفراد. بناء على صحة الدليل الدّال على أن السنة إنما جاءت مبينة الكتاب. ومثال هذا الوجه ما تقدم في أول كتاب الأدلة الشرعية، في طلب معنى قوله عليه السلام «لا ضرر ولا ضرار» «2» من الكتاب، ويدخل فيه ما في معنى هذا الحديث من الأحاديث. فلا معنى للإعادة. ومنها النظر إلى تفاصيل الأحاديث في تفاصيل القرآن. وإن كان في السنة بيان زائد. ولكن صاحب هذا المأخذ يتطلب أن يجد كل معنى في السنة مشارا إليه من حيث وضع اللغة، لا من جهة أخرى. أو منصوصا عليه في القرآن. ولنمثله ثم ننظر في صحته أو عدم صحته. وله أمثلة كثيرة: أحدها: حديث ابن عمر في تطليقه زوجه وهي حائض «3» . فقال عليه السلام لعمر «مره فليراجعها. ثم ليتركها حتى تطهر. ثم تحيض ثم تطهر. ثم، إن شاء، أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» . يعني أمره في قوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: 1] .
والثاني: حديث فاطمة «1» بنت قيس في أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، إذ طلقها البتة. وشأن المبتوتة أن لها السكنى وإن لم يكن لها نفقة. لأنها بذت على أهلها بلسانها. فكان ذلك تفسيرا لقوله: وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الطلاق: 1] . والثالث: حديث سبيعة الأسلمية «2» ، إذ ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر. فأخبرها عليه السلام أن قد حلّت. فبيّن الحديث أن قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [البقرة: 234] مخصوص في غير الحامل. وأن قوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: 4] عامّ في المطلقات وغيرهن. والرابع: حديث أبي هريرة في قوله: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة: 59] قالوا: حبة في شعرة «3» : يعني عوض قوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ. والخامس: حديث «4» جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حين قدم مكة. طاف بالبيت سبعا. فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: 125] . فصلى خلف المقام، ثم أتى الحجر فاستلمه. ثم قال: نبدأ بما بدأ الله به. وقرأ: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ. والسادس: حديث «5» النعمان بن بشير عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] . قال «الدعاء هو العبادة» وقرأ الآية إلى قوله. داخِرِينَ. والسابع: حديث «6» عديّ بن حاتم قال: لما نزلت: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ قال لي النبي صلّى الله عليه وسلّم «إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل» .
والثامن: حديث سمرة بن جندب، أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «صلاة الوسطى صلاة العصر» «1» ، وقال يوم الأحزاب: «اللهم! املأ قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس» «2» . والتاسع: حديث أبي هريرة قال عليه السّلام: «إن موضع سوط في الجنة لخير من الدنيا وما فيها» «3» . اقرءوا إن شئتم فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [آل عمران: 135] . والعاشر: حديث أنس في الكبائر. قال عليه السّلام، فيها «الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وقول الزور» «4» . وثمّ أحاديث أخر فيها ذكر الكبائر. وجميعها تفسير لقوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء: 31] الآية. وهذا النمط في السنة كثير. ولكن القرآن لا يفي بهذا المقصود على النص والإشارة العربية التي تستعلمها العرب أو نحوها. وأول شاهد في هذا، الصلاة والحج والزكاة والحيض والنفاس واللّقطة والقراض والمساقاة والديات والقسامات وأشباه ذلك من أمور لا تحصى. فالملتزم لهذا لا يفي بما ادعاه إلا أن يتكلف في ذلك مآخذ لا يقبلها كلام العرب ولا يوافق على مثلها السلف الصالح ولا العلماء الراسخون في العلم. ولقد رام بعض الناس فتح هذا الباب الذي شرع في التنبيه عليه، فلم يوف به إلا على التكلف المذكور، والرجوع إلى المآخذ الأول في مواضع كثيرة، لم يتأت له فيها نص ولا إشارة إلى خصوصات ما ورد في السنة. فكان ذلك نازلا بقصده الذي قصد. وهذا الرجل المشار إليه لم ينصب نفسه في هذا المقام إلا لاستخراج معاني الأحاديث التي خرّج مسلم بن الحجاج في كتابه «المسند الصحيح» دون ما سواها مما نقله الأئمة سواه. وهو من غرائب المعاني المصنفة في علوم القرآن والحديث. وأرجو أن يكون ما ذكر هنا من المآخذ موفيا بالغرض في الباب. والله الموفق للصواب.
ثم قال الشاطبي: فصل
ثم قال الشاطبيّ: فصل وقد ظهر، مما تقدم، الجواب عما أوردوا من الأحاديث التي قالوا: إن القرآن لم ينبه عليها. فقوله عليه السّلام «1» «يوشك رجل منكم متكئا على أريكته ... إلى آخره» لا يتناول ما نحن فيه. فإن الحديث إنما جاء فيمن يطرح السنة معتمدا على رأيه في فهم القرآن. وهذا لم ندّعه في مسألتنا هذه. بل هو رأي أولئك الخارجين عن الطريقة المثلى. وقوله: «ألا وإنّ ما حرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثل ما حرم الله» صحيح على الوجه المتقدم. إما بتحقيق المناط الدائر بين الطرفين الواضحين والحكم عليه، وإما بالطريقة القياسية، وإما بغيرها من المآخذ المتقدمة. ومرّ الجواب عن تحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها. وتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وعلى العقل. وأما فكاك الأسير فمأخوذ من قوله تعالى: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ [الأنفال: 72] وهذا فيمن لم يهاجر، إذا لم يقدر على الهجرة إلا بالانتصار بغيره، فعلى الغير النصر. والأسير في هذا المعنى أولى بالنصر. فهو مما يرجع إلى النظر القياسيّ. وأما أن «لا يقتل مسلم بكافر» «2» فقد انتزعها العلماء من الكتاب. كقوله: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: 141] وقوله: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ [الحشر: 20] وهذه الآية أبعد، ولكن الأظهر أنه لو كان حكمها موجودا في القرآن على التنصيص أو نحوه لم يجعلها عليّ خارجة عن القرآن حيث قال: ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة. إذ لو كان في القرآن لعدّ الثّنتين، دون قتل المسلم بالكافر. ويمكن أن يؤخذ حكم المسألة مأخذ القياس المتقدم. لأن الله قال: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ [البقرة: 178] فلم يقد من الحر العبد. والعبودية من آثار الكفر. فأولى أن لا يقاد من المسلم للكافر. وأما إخفار ذمة المسلم فهو من باب نقض العهد. وهو في القرآن. وأقرب الآيات إليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرعد: 25]
وفي الآية الأخرى: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [البقرة: 27] وقد مرّ تحريم المدينة وانتزاعه من القرآن. وأما من تولى قوما بغير إذن مواليه فداخل بالمعنى في قطع ما أمر الله به أن يوصل. وأيضا فإن الانتفاء من ولاء صاحب الولاء، الذي هو لحمة كلحمة النسب، كفر لنعمة ذلك الولاء. كما هو في الانتساب إلى غير الأب.. وقد قال تعالى فيها: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل: 72] وصدق هذا المعنى في الصحيح من قوله «أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم» «1» ، وفيه «إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة» «2» . وحديث معاذ ظاهر في أن ما لم يصرّح به في القرآن، ولا حصل بيانه فيه، فهو مبين في السنة. وإلا فالاجتهاد يقضي عليه. وليس فيه معارضة لما تقدم. ثم قال الشاطبيّ: حيث قلنا: إن الكتاب دال على السنة، وإن السنة، إنما جاءت مبيّنة له، فذلك بالنسبة إلى الأمر والنهي والإذن، أو ما يقتضي ذلك، وبالجملة ما يتعلق بأفعال المكلفين من جهة التكليف. وأما ما خرج عن ذلك من الإخبار عما كان أو ما يكون، مما لا يتعلق به أمر ولا نهي ولا إذن، فعلى ضربين: أحدهما: أن يقع في السنة موقع التفسير للقرآن. فهذا لا نظر في أنه بيان له. كما في قوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة: 58] قال: «دخلوا يزحفون على أوراكهم» وفي قوله فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة: 59] قال: قالوا حبة في شعرة. وفي قوله: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ... [البقرة: 143] الآية. قال» : يدعى نوح فيقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه. فيقال: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد. فيقال: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته. قال فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلّغ، فذلك قول الله: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.
وفي قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: 110] . قال «إنكم تتبعون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله» «1» . وفي قوله: بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169] ، «إن أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، إلى آخر الحديث» «2» . وقال: «ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل.... الآية: الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها» «3» . وفي قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف: 172] الآية. قال: «لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: رب! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك» «4» الحديث. وفي قوله: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود: 80] قال: «يرحم الله لوطا، كان يأوي إلى ركن شديد. فما بعث الله من بعده نبيّا إلا في ذروة من قومه» «5» . وقال: «الحمد لله أمّ القرآن وأمّ الكتاب والسبع المثاني» «6» . وفي رواية: «ما أنزل الله في التوراة والإنجيل مثل أمّ القرآن وهي السبع المثاني» «7» .
وسأله اليهود عن قول الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [الإسراء: 101] ففسرها لهم «1» . وحديث «2» موسى مع الخضر ثابت صحيح. وفي قوله تعالى: فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: 89] . قال: «لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث: قوله إني سقيم..» «3» الحديث. وقال: «إنكم محشورون إلى الله عراة غرلا» «4» . ثم قرأ: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ... [الأنبياء: 104] الآية. وفي قوله: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: 1] . قال: «ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار ... » «5» الحديث. وقال: «إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار» «6» . وأمثلة هذا الضرب كثيرة. والثاني: أن لا يقع موقع التفسير، ولا فيه معنى تكليف اعتقاديّ أو عمليّ. فلا يلزم أن يكون له أصل في القرآن. لأنه أمر زائد على موقع التكليف، وإنما أنزل القرآن
11 - قاعدة في أنه: هل في القرآن مجاز أم لا؟
لذلك. فالسنة إذا خرجت عن ذلك فلا حرج. وقد جاء من ذلك نمط صالح في الصحيح. كحديث «1» أبرص وأقرع وأعمى، وحديث «2» جريج العابد، ووفاة موسى «3» . وجمل من قصص الأنبياء، عليهم السلام، والأمم قبلنا، مما لا ينبني عليه عمل. ولكن في ذلك من الاعتبار نحو مما في القصص القرآنيّ. وهو نمط ربما رجع إلى الترغيب والترهيب. فهو خادم للأمر والنهي، ومعدود في المكملات لضرورة التشريع فلم يخرج بالكلية عن القسم الأول. والله أعلم. 11- قاعدة في أنه: هل في القرآن مجاز أم لا؟ قال شيخ الإسلام تقيّ الدين بن تيمية في كتاب «الإيمان» : فإن قيل: ما ذكر من تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد في كلام الله ورسوله وكلام كلّ أحد، بيّن ظاهر لا يمكن دفعه. لكن نقول: دلالة لفظ الإيمان على الأعمال مجاز، فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الإيمان بضع وستون- أو بضع وسبعون- شعبة. أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» مجاز. وقوله «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله ... إلى آخره» حقيقة. وهذا عمدة المرجئة، والجهمية، والكرامية، وكلّ من لم يدخل الأعمال في اسم الإيمان. ونحن نجيب بجوابين: أحدهما كلام عامّ في لفظ الحقيقة والمجاز، والثاني ما يختص بهذا الموضع. فبتقدير أن يكون أحدهما مجازا، ما هو الحقيقة من ذلك من المجاز؟ هل الحقيقة هو المطلق أو المقيّد؟ أو كلاهما حقيقة؟ حتى يعرف أنّ لفظ الإيمان إذا أطلق، على ماذا يحمل؟ فيقال أولا: تقسيم الألفاظ الدالة على معانيها إلى حقيقة ومجاز،
أو تقسيم دلالتها، أو المعاني المدلول عليها، إن استعمل لفظ الحقيقة والمجاز في المدلول أو في الدالة، فإنّ هذا كلّه قد يقع في كلام المتأخرين. ولكنّ المشهور أنّ الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ. وبكلّ حال، فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة. لم يتكلم به أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم: كمالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأبي حنيفة والشافعيّ، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو: كالخليل، وسيبويه، وأبي عمرو بن العلاء ... ونحوهم. وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز، أبو عبيدة معمر بن المثنّى في كتابه. ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى، بمجاز الآية، بما يعبّر به عن الآية. ولهذا، قال: من قال من الأصوليين كأبي الحسين البصريّ وأمثاله: إنه يعرف الحقيقة من المجاز بطرق: منها نص أهل اللغة على ذلك، بأن يقولوا: هذا حقيقة وهذا مجاز- فقد تكلم بلا علم. فإنه ظنّ أنّ أهل اللغة قالوا هذا. ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة ولا من سلف الأمة وعلمائها. وإنما هذا اصطلاح حادث، والغالب أنّه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين. فإنه لم يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف. وهذا الشافعي هو أول من جرّد الكلام في أصول الفقه، ولم يقسم هذا التقسيم، ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز. وكذلك محمد بن الحسن له في المسائل المبنيّة على العربية كلام معروف في الجامع الكبير وغيره، ولم يتكلم بلفظ الحقيقة، والمجاز. وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلّا في كلام أحمد بن حنبل، فإنه قال في كتاب «الردّ على الجهمية» في قوله: إنّا، ونحن، ونحو ذلك في القرآن: هذا من مجاز اللغة. يقول الرجل: إنا سنعطيك، إنا سنفعل، فذكر أن هذا من مجاز اللغة. وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال: إن في القرآن مجازا: كالقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي الخطاب، وغيرهم. وآخرون من أصحابه منعوا أن يكون في القرآن مجاز: كأبي الحسن الجزريّ، وأبي عبد الله بن حامد، وأبي الفضل التميميّ بن أبي الحسن التميميّ. وكذلك منع أن يكون في القرآن مجاز، محمد بن جرير مندار وغيره من المالكية، ومنع منه داود بن عليّ، وابنه أبو بكر، ومنذر بن سعيد البلّوطي وصنف فيه مصنفا. وحكى بعض الناس عن أحمد- في ذلك- روايتين. وأما سائر الأئمة فلم يقل أحد منهم، ولا من قدماء أصحاب أحمد: إنّ في القرآن مجازا- لا مالك ولا الشافعي ولا أبو حنيفة. فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجا
إنما اشتهر في المائة الرابعة وظهرت أوائله في المائة الثالثة، وما علمته موجودا في المائة الثانية. اللهم إلا أن يكون في أواخرها. والذين أنكروا أن يكون أحمد أو غيره نطقوا بهذا التقسيم قالوا: إن معنى قول أحمد «من مجاز اللغة» أي: مما يجوز في اللغة، أي يجوز في اللغة أن يقول الواحد العظيم الذي له أعوان: نحن فعلنا كذا أو نفعل كذا ونحو ذلك. قالوا: ولم يرد أحمد بذلك أنّ اللفظ استعمل في غير ما وضع له. وقد أنكر طائفة أن يكون في اللغة مجاز، لا في القرآن ولا غيره. كأبي إسحاق الأسفرائينيّ. وقال المنازعون له: النزاع معه لفظيّ، فإنه إذا سلم أن في اللغة لفظا مستعملا في غير ما وضع له لا يدل على معناه إلّا بقي منه. فهذا هو المجاز، وإن لم تسمه مجازا. فيقول من ينصره: إن الذين قسموا اللفظ إلى حقيقة ومجاز، قالوا: الحقيقة هو اللفظ المستعمل في ما وضع له، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له- كلفظ الأسد والحمار، إذا أريد بهما البهيمة، أو أريد بهما الشجاع والبليد- وهذا التقسيم والتحديد يستلزم أن يكون اللفظ قد وضع أولا لمعنى، ثم بعد ذلك قد يستعمل في موضوعه، وقد يستعمل في غير موضوعه. ولهذا كان المشهور عند أهل التقسيم، أن كلّ مجاز فلا بد له من حقيقة، وليس لكل حقيقة مجاز. فاعترض عليهم بعض متأخريهم، وقال: اللفظ الموضوع قبل للاستعمال لا حقيقة ولا مجاز. فإذا استعمل في غير موضوعه فهو مجاز لا حقيقة له. وهذا كله إنما يصح أنْ لو علم أن الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان، ثم بعد ذلك استعملت فيها، فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال. وهذا إنما صح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية، فيدّعي أن قوما من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا، وهكذا بكذا، ويجعل هذا عاما في جميع اللغات. وهذا القول لا نعرف أحدا من المسلمين قاله قبل أبي هاشم بن الجبائيّ. فإنه وأبا الحسن الأشعريّ، كلاهما قرأ على أبي علي الجبائي. لكن الأشعريّ رجع عن مذهب المعتزلة، وخالفهم في القدر والوعيد، وفي الأسماء والأحكام، وفي صفات الله تعالى. وبيّن من تناقضهم وفساد قولهم ما هو معروف عنه. فتنازع الأشعريّ وأبو هاشم. وقال الأشعريّ: هي توقيفية. ثم خاض الناس بعدهما في هذه المسألة، فقال آخرون: بعضها توقيفيّ، وبعضها اصطلاحيّ. وقال فريق رابع: بالوقف. «والمقصود هنا: أنه لا يمكن أحدا أن ينقل عن العرب، بل ولا عن أمة من الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة ثم استعملوها بعد الوضع. وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما
عنوه بها من المعاني. فإن ادعى مدّع أنه يعلم وضعا يتقدم ذلك فهو مبطل، فإن هذا لم ينقله أحد من الناس. ولا يقال نحن نعلم ذلك بالدليل، فإنه- إن لم يكن اصطلاح متقدم- لم يمكن الاستعمال. قيل: ليس الأمر كذلك، بل نحن نجد أن الله يلهم الحيوان من الأصوات ما به يعرف بعضها مراد بعض، وقد سمي ذلك منطقا وقولا في قول سليمان: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل: 16] ، وفي قوله: «قالَتْ نَمْلَةٌ: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [النمل: 18] ، وفي قوله: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبأ: 10] . وكذلك الآدميون، فالمولود إذا ظهر منه التمييز سمع أبويه، أو من يربيه، ينطق باللفظ، ويشير إلى المعنى، فصار يفهم أن ذلك اللفظ يستعمل في ذلك المعنى- أي أراد المتكلم به ذلك المعنى- ثم هذا يسمع لفظا بعد لفظ حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم من غير أن يكونوا قد اصطلحوا معه على وضع متقدم. بل ولا فقهوه على معاني الأسماء. وإن كان أحيانا قد يسأل عن مسمى بعض الأشياء فيوقف عليها. كما يترجم للرجل اللغة التي لا يعرفها فيوقف على معاني ألفاظها، وإن باشر أهلها مدة، علم ذلك بلا توقيف من أحد. نعم، قد يضع الناس الاسم لما يحدث، مما لم يكن من قبلهم يعرفه فيسميه، كما يولد لأحدهم فيسميه اسما إما منقولا أو مرتجلا. وقد يكون المسمّي واحدا لم يصطلح مع غيره. وقد يستوون فيما يسمونه. وكذلك قد يحدث الرجل آلة من صناعة، أو يصنّف كتابا، أو يبني مدينة. ونحو ذلك فيسميه باسم، لأنه ليس من الأجناس المعروفة حتى يكون له اسم في اللغة العامة. وقد قال تعالى: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ [الرحمن: 1- 4] ، قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: 21] ، وقال: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [الأعلى: 2- 3] وهو سبحانه يلهم الإنسان المنطق كما يلهم غيره. وهو سبحانه، إذا كان قد علّم آدم الأسماء كلها، وعرض المسميات على الملائكة- كما أخبر بذلك في كتابه-. فنحن نعلم أنه لم يعلّم آدم جميع اللغات التي يتكلم بها جميع الناس إلى يوم القيامة، وأن تلك اللغات اتصلت إلى أولاده فلا يتكلّمون إلا بها ... فإن دعوى هذا كذب ظاهر ... ! فإن آدم، عليه السلام، إنما ينقل عنه بنوه. وقد أغرق الله، عام الطوفان، جميع ذريته إلا من في السفينة. وأهل السفينة انقطعت ذريتهم إلا أولاد نوح. ولم يكونوا يتكلّمون بجميع ما تكلمت به الأمم بعدهم. فإن اللغة الواحدة: كالفارسية، والعربية، والرومية، والتركية.. فيها من الاختلاف والأنواع ما لا يحصيه إلا الله. والعرب أنفسهم، لكلّ قوم لغات لا يفهمها غيرهم. فكيف يتصور
أن ينقل هذا جميعه عن أولئك الذين كانوا في السفينة؟ وأولئك جميعهم لم يكن لهم نسل، وإنما النسل لنوح، وجميع الناس من أولاده، وهم ثلاثة: سام وحام ويافث. كما قال تعالى: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ [الصافات: 77] فلم يجعل باقيا إلا ذريته. وكما روي ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن أولاده ثلاثة» رواه أحمد وغيره. ومعلوم أن الثلاثة لا يمكن أن ينطقوا بهذا كله، ويمتنع نقل ذلك عنهم! فإن الذين يعرفون هذه اللغة لا يعرفون هذه. وإذا كان الناقل ثلاثة منهم قد علّموا أولادهم، وأولادهم قد علّموا أولادهم، ولو كان كذلك لاتصلت. ونحن نجد بني الأب الواحد يتكلم كل قبيلة منهم بلغة لا تعرفها الأخرى. والأب الواحد لا يقال إنه علم أحد ابنيه لغة، وابنه الآخر لغة، فإن الأب قد لا يكون له إلا ابنان، واللغات في أولاده أضعاف ذلك. والذي أجرى الله عليه عادة بني آدم، أنهم إنما يعلمون أولادهم لغتهم التي يخاطبونهم بها، أو يخاطبهم بها غيرهم. فأما لغات لم يخلق الله من يتكلم بها فلا يعلّمونها أولادهم، وأيضا فإنه يوجد بنو آدم يتكلمون بألفاظ ما سمعوها قط من غيرهم والعلماء من المفسرين وغيرهم لهم في الأسماء التي علمها آدم قولان معروفان عن السلف: أحدهما: أنه إنما علمه أسماء من يعقل، واحتجّوا بقوله: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ [البقرة: 31] قالوا: وهذا الضمير لا يكون إلا لمن يعقل. وما لا يعقل يقال فيها: علمها. ولهذا قال أبو العالية: «علّمه أسماء الملائكة لأنه لم يكن حينئذ من يعقل إلا الملائكة، ولم يكن له ذرية، ولا كان إبليس قد انفصل عن الملائكة ولا كان له ذرية» . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «علّمه أسماء ذريته» . وهذا يناسب الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن آدم سأل ربه أن يريه صور الأنبياء من ذريته، فرآهم، فرأى فيهم من يبص، فقال: يا ربّ! من هذا؟ قال: ابنك داود» «1» . فيكون قد أراه صور ذريته، أو بعضهم، أو أسماءهم. وهذه أسماء أعلام لا أجناس. الثاني: أنّ الله علمه أسماء كل شيء. وهذا قول الأكثرين كابن عباس وأصحابه. قال ابن عباس: «علمه حتى الفسوة والفسيّة والقصعة والقصيعة» أراد أسماء الأعراض والأعيان مكبّرها ومصغّرها. والدليل على ذلك، ما ثبت في
الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال في حديث الشفاعة «1» : «إن الناس يقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وعلمك أسماء كل شيء» . وأيضا قوله: «الأسماء كلّها» . لفظ عام مؤكد، فلا يجوز تخصيصه بالدعوى. وقوله: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ لأنه اجتمع من يعقل ومن لا يعقل، فغلب من يعقل. كما قال: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [النور: 45] . قال عكرمة: «علّمه أسماء الأجناس دون أنواعها، كقولك: إنسان، وجن، وملك، وطائر» . وقال مقاتل بن السائب. وابن قتيبة: «علّمه أسماء ما خلق في الأرض من: الدواب، والهوامّ، والطير» . ومما يدل على أن هذه اللغات ليست متلقّاة عن آدم، أن أكثر اللغات ناقصة عن اللغة العربية. ليس عندهم أسماء خاصة للأولاد والبيوت والأصوات وغير ذلك مما يضاف إلى الحيوان. بل إنما يستعملون في ذلك الإضافة. فلو كان آدم عليه السلام علمه الجميع لعلمها متناسبة. وأيضا، فكل أمة، ليس لها كتاب، ليس في لغتها أيام الأسبوع، إنما يوجد في لغتها اسم اليوم والشهر والسنة، لأن ذلك عرف بالحس والعقل، فوضعت له الأمم الأسماء، لأن التعبير يتبع التصوّر. وأما الأسبوع فلم يعرف إلا بالسمع، لم يعرف- أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش- إلا بأخبار الأنبياء الذين شرع لهم أن يجتمعوا في الأسبوع يوما يعبدون الله فيه، ويحفظون به الأسبوع الذي بدأ الله فيه خلق هذا العالم. ففي لغة العرب والعبرانيين ومن تلقى عنهم أيام الأسبوع، بخلاف الترك ونحوهم، فإنه ليس في لغتهم أيام الأسبوع لأنهم لم يعرفوا ذلك فلم يعبّروا عنه. فعلم أن الله تعالى ألهم النوع الإنسانيّ أن يعبّر عما يريده ويتصوّره بلفظه. وأن أول من علم ذلك أبوهم آدم، وهم علموا كما علّم، وإن اختلفت اللغات. وقد أوحى الله إلى موسى بالعبرانية، وإلى محمد بالعربية، والجميع كلام الله. وقد بيّن الله من ذلك ما أراد من خلقه وأمره، وإن كانت هذه اللغة ليست الأخرى، مع أن العبرانية من
أقرب اللغات إلى العربية، حتى إنها أقرب إليها من لغة بعض العجم إلى بعض. فبالجملة: نحن ليس غرضنا إقامة الدليل على عدم ذلك، بل يكفينا أن يقال: هذا غير معلوم وجوده، بل الإلهام كاف في النطق باللغات من غير مواضعة متقدمة. وإذا سمّي هذا توقيفا، فليسمّى توقيفا، وحينئذ فمن ادعى وضعا متقدما على استعمال جميع الأجناس، فقد قال ما لا علم به، وإنما المعلوم بلا ريب هو الاستعمال. ثم هؤلاء يقولون: تتميّز الحقيقة من المجاز بالاكتفاء باللفظ، فإذا دل اللفظ بمجرّده فهو حقيقة، وإذا لم يدل إلا مع القرينة فهو مجاز. وهذا أمر متعلق باستعمال اللفظ في المعنى لا بوضع متقدم. ثم يقال ثانيا: هذا التقسيم لا حقيقة له، وليس لمن فرّق بينهما حدّ صحيح يميز به بين هذا وهذا. فعلم أن هذا التقسيم باطل، وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول: بل يتكلم بلا علم، فهم مبتدعة في الشرع، مخالفون للعقل. وذلك أنهم قالوا: الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز هو المستعمل في غير ما وضع له، احتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال. وهذا يتعذّر. ثم هم يقسمون الحقيقة إلى: لغوية وعرفية، وأكثرهم يقسمها إلى ثلاث: لغوية وشرعية وعرفية. فالحقيقة هي ما صار اللفظ فيها دالا على المعنى بالعرف لا باللغة. وذلك المعنى يكون تارة أعمّ من اللغويّ، وتارة أخصّ، وتارة لا يكون مباينا له، لكن بينهما علاقة استعمل لأجلها. (فالأول) مثل لفظ: الرقبة والرأس ونحوهما. كان يستعمل في العضو المخصوص، ثم صار يستعمل في جميع البدن. (والثاني) مثل: الدابة ونحوها. كان يستعمل في كل ما دبّ، ثم صار يستعمل، في عرف بعض الناس، في ذوات الأربع. وفي عرف بعض الناس، في الفرس. وفي عرف بعضهم، في الحمار. و (الثالث) مثل لفظ: الغائط، والظعينة، والراوية، والمزادة. فإن الغائط- في اللغة- هو المكان المنخفض من الأرض. فلما كانوا ينتابونه لقضاء حوائجهم، سمّوا ما يخرج من الإنسان باسم محلّه. والظعينة اسم للدابة، ثم سموا المرأة التي تركبها باسمها، ونظائر ذلك. والمقصود: أن هذه الحقيقة العرفية لم تصر حقيقة لجماعة تواطؤوا على نقلها، ولكن تكلم بها بعض الناس وأراد بها ذلك المعنى العرفيّ. ثمّ شاع الاستعمال فصارت حقيقة عرفية بهذا الاستعمال. ولهذا زاد، من زاد منهم، في حد الحقيقة: في اللغة التي بها التخاطب، ثم هم يعلمون ويقولون: إنه قد يغلب
الاستعمال على بعض الألفاظ، فيصير المعنى أشهر فيه، ولا يدل عند الإطلاق إلا عليه، فتصير الحقيقة العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية. واللفظ مستعمل في هذا الاستعمال الحادث العرفيّ، وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك تقدم وضع. فعلم أن تفسير الحقيقة بهذا لا يصح، وإن قالوا: يعني، بما وضع له، ما استعملت فيه أولا. فيقال: من أين يعلم أن هذه الألفاظ التي كانت العرب تتخاطب بها عند نزول القرآن وقبله، لم تستعمل قبل ذلك في معنى شيء آخر؟ وإذا لم يعلموا هذا النفي، فلا تعلم أنها حقيقة، وهذا خلاف ما اتفقوا عليه. وأيضا فيلزم من هذا أن لا يقطع بشيء من الألفاظ أنه حقيقة، وهذا لا يقوله عاقل. ثم هؤلاء الذين يقولون هذا نجد أحدهم يأتي إلى ألفاظ لم يعلم أنها استعملت إلّا مقيّدة، فينطق بها مجردة عن جميع القيود، ثمّ يدعي أنّ ذلك هو حقيقتها من غير أن يعلم أنها نطق بها مجرّدة، ولا وضعت مجرّدة. مثل أن يكون حقيقة العين هو العضو المبصر، ثم سميت به عين الشمس، والعين النابعة، والعين الذهب، للمشابهة. لكنّ أكثرهم يقولون: إنّ هذا من باب المشترك، لا من باب الحقيقة والمجاز، فيمثل بغيره مثل لفظ الرأس. يقولون: هو حقيقة في رأس الإنسان. ثم قالوا: رأس الدرب- لأوّله-، ورأس العين- لمنبعها-، ورأس القوم- لسيدهم-، ورأس الأمر- لأوله-، ورأس الشهر، ورأس الحول ... وأمثال ذلك على طريق المجاز. وهم لا يجدون قط أنّ لفظ الرأس استعمل مجردا، بل يجدون أنه استعمل بالقيود في رأس الإنسان، كقوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6] ، ونحوه. وهذا القيد يمنع أن يدخل فيه تلك المعاني. فإذا قيل: رأس العين، ورأس الدرب، ورأس الناس، ورأس الأمر....، فهذا المقيد غير ذاك المقيد، ومجموع اللفظ الدال هنا غير مجموع اللفظ الدال هناك، لكن اشتركا في بعض اللفظ كاشتراك كل الأسماء المعرّفة في لام التعريف. ولو قدر أن الناطق باللغة نطق بلفظ رأس الإنسان أولا، لأن الإنسان يتصور رأسه قبل غيره، والتعبير أولا هو عما يتصوره أولا. فالنطق بهذا المضاف أولا لا يمنع أن ينطق بمضاف إلى غيره ثانيا، ولا يكون هذا من المجاز كما في سائر المضافات. فإذا قيل: ابن آدم، أولا، لم يكن قولنا، ابن الفرس وابن الحمار، مجازا. وكذلك إذا قيل: بنت الإنسان، لم يكن قولنا بنت الفرس- مجازا. وكذلك إذا قيل: رأس الإنسان أولا، لم يكن قولنا رأس الفرس- مجازا. وكذلك في سائر المضافات، إذا قيل: يده أو رجله. فإذا قيل: هو حقيقة فيما أضيف إلى الحيوان. قيل: ليس جعل هذا هو الحقيقة بأولى من أن يجعل ما أضيف إلى رأس الإنسان، ثم يضاف
إلى ما يتصوره أكثر الناس من الحيوانات الصغار التي لم يخطر ببال عامّة الناطقين باللغة. فإذا قيل: إنه حقيقة في هذا، فلماذا لا يكون حقيقة في رأس الجبل، والطريق، والعين؟ وكذلك سائر ما يضاف إلى الإنسان من أعضائه وأولاده ومساكنه، يضاف مثله إلى غيره، ويضاف ذلك إلى الجمادات، فيقال: رأس الجبل، ورأس العين، وخطم الجبل- أي أنفه- وفم الوادي، وبطن الوادي، وظهر الجبل، وبطن الأرض وظهرها، ويستعمل مع الأنف، وهو لفظ الظاهر والباطن في أمور كثرة. والمعنى في الجميع: أنّ الظاهر لما ظهر فتبيّن، والباطن لما بطن فخفي. وسمي ظهر الإنسان ظهرا لظهوره، وبطن الإنسان بطنا لبطونه، فإذا قيل: إن هذه حقيقة، وذاك مجاز، لم يكن هذا أولى من العكس. وأيضا من الأسماء ما تكلم به أهل اللغة مفردا، كلفظ الإنسان ونحوه. ثم قد يستعمل مقيدا بالإضافة- كقولهم: إنسان العين، وإبرة الذراع، ونحو ذلك- وبتقدير أن يكون في اللغة حقيقة ومجاز، فقد ادعى بعضهم أن هذا من المجاز، وهو غلط، فإن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا، وهذا لم يستعمل اللفظ بل ركب مع لفظ آخر، فصار وضعا آخر بالإضافة، فلو استعمل مضافا في معنى، ثم استعمل بتلك الإضافة في غيره، كان مجازا. بل إذا كان (بعلبك وحضرموت ونحوهما) مما يركب تركيب مزج- بعد أن كان الأصل فيه الإضافة- لا يقال: إنه مجاز، فما لم ينطق به إلّا مضافا أولى أن لا يكون مجازا. وأما من فرّق بين الحقيقة والمجاز، بأن الحقيقة: ما يفيد المعنى مجردا عن القرائن، والمجاز: ما لا يفيد ذلك المعنى إلا مع قرينة أو قال: الحقيقة ما يفيده اللفظ المطلق، والمجاز ما لا يفيد إلا مع التقييد. أو قال: الحقيقة هو المعنى الذي يسبق إلى الذهن عند الإطلاق، والمجاز ما لا يسبق إلى الذهن. أو يقال: المجاز ما صح نفيه، والحقيقة ما لم يصح نفيها. فإنه يقال: ما تعني بالتجريد عن القرائن، والاقتران بالقرائن؟ إن عنى بذلك: القرائن اللفظية، مثل كون الاسم يستعمل مقرونا بالإضافة، أو لام التعريف، ويقيد بكونه فاعلا ومفعولا ومبتدأ وخبرا، فلا يوجد قط في الكلام المؤلف اسم إلا مقيدا. وكذلك الفعل، إن عنى بتقييده أنه لا بد له من فاعل. وقد يقيد بالمفعول به، وظرفي الزمان والمكان، والمفعول له ومعه، والحال، فالفعل لا يستعمل قط إلا مقيدا، وأما الحرف فأبلغ، فإن الحرف أتى به لمعننى في غيره. ففي الجملة لا يوجد قط- في كلام تام- اسم ولا فعل ولا حرف إلا مقيدا بقيود تزيل عنه الإطلاق. فإن كانت القرينة ما يمنع الإطلاق عن كل قيد، فليس في الكلام الذي يتكلم به جميع الناس لفظ مطلق عن كل قيد، سواء كانت
الجملة اسمية أو فعلية. فلهذا كان لفظ الكلام والكلمة في لغة العرب- بل وفي لغة غيرهم- لا تستعمل إلا في المقيد وهو الجملة التامة- اسميّة كانت أو فعلية أو ندائية- إن قيل إنها قسم ثالث. فأما مجرّد الاسم والفعل أو الحرف الذي جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، فهذا لا يسمي في كلام العرب قط كلمة، وإنما تسمية هذا (كلمة) اصطلاح نحويّ- كما سمّوا بعض الألفاظ (فعلا) وقسّموه إلى فعل ماض ومضارع وأمر- والعرب لم تسمّ قط اللفظ فعلا، بل النحاة اصطلحوا على هذا فسمّوا اللفظ باسم مدلوله: فاللفظ الدال على حدوث فعل في زمن ماض سمّوه فعلا ماضيا ... وكذلك سائرها. وكذلك حيث وجد في الكتاب والسنة، بل وفي كلام العرب- نظمه ونثره- لفظ كلمة، فإنما يراد به المفيد التي تسمّيها النحاة جملة تامة، لقوله تعالى: وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [الكهف: 4- 5] ، وقوله تعالى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا [التوبة: 40] ، وقوله تعالى: تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران: 64] ، وقوله وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ [الزخرف: 28] ، وقوله: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها [الفتح: 26] . وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل» «1» ، وقوله: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» «2» ، وقوله: «إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظنّ أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظنّ أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه» «3» ، وقوله: «لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلته منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» «4» . وإذا كان كل اسم وفعل وحرف يوجد في الكلام فإنه مقيّد لا مطلق لم يجز أن يقال: اللفظ الحقيقة ما دلّ مع الإطلاق والتجرّد عن كل قرينة تقارنه.
فإن قيل: أريد بعض القرائن دون بعض. قيل له: اذكر الفصل بين القرينة التي يكون معها حقيقة، والقرينة التي يكون معها مجاز، ولن تجد إلى ذلك سبيلا تقديره على تقسيم صحيح معقول. ومما يدلّ على ذلك، أن الناس اختلفوا في العام إذا خصّ هل يكون استعماله فيما بقي حقيقة أو مجازا؟ وكذلك لفظ الأمر إذا أريد به الندب هل يكون حقيقة أو مجازا؟ وفي ذلك قولان لأكثر الطوائف: لأصحاب أحمد قولان، ولأصحاب الشافعيّ قولان، ولأصحاب مالك قولان. ومن الناس من ظنّ أنّ هذا الخلاف يطرد في التخصيص المتصل- كالصفة والشرط والغاية والبدل- وجعل يحكي في ذلك أقوال من يفصل، كما يوجد في كلام طائفة من المصنّفين في أصول الفقه، وهذا مما لم يعرف أن أحدا قاله، فجعل اللفظ العام المقيد في الصفات والغايات والشروط مجازا. بل لما أطلق بعض المصنفين أن اللفظ العام إذا خصّ يصير مجازا، ظنّ هذا الناقل أنه عنى التخصيص المتصل، وأولئك لم يكن في اصطلاحهم عام مخصوص إلّا إذا خصّ بمنفصل، وأما المتّصل فلا يسمّون اللفظ عاما مخصوصا، فإنه لم يدلّ إلّا متصلا، والاتصال منعه العموم. وهذا اصطلاح كثير من الأصولين، وهو الصواب. لا يقال لما قيد بالشرط والصفة ونحوهما: أنه داخل فيما خصّ من العموم، ولا في العام المخصوص، لكن يقيد، فيقال: تخصيص متصل، وهذا المقيّد لا يدخل في التخصيص المطلق. وبالجملة فيقال: إذا كان هذا مجازا فيكون تقييد الفعل المطلق بالمفعول به، وبظرف الزمان والمكان- مجازا. وكذلك بالحال، وكذلك كلّ ما قيّد بقيد، فيلزم أن يكون الكلام كلّه مجازا، فأين الحقيقة؟ فإن قيل: يفرق بين القرائن المتصلة والمنفصلة، فما كان مع القرينة المتصلة فهو حقيقة، وما كان من المنفصلة كان مجازا. قيل: تعني بالمتصل ما كان في اللفظ أو ما كان موجودا حين الخطاب؟ فإن عنيت الأول أن يكون ما علم من حال المتكلم أو المستمع أولا- قرينة منفصلة. فما استعمل بلام التعريف لما يعرفانه كما يقول: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم. وهو عند المسلمين رسول الله، أو قال الصديق وهو عندهم أبو بكر. وإذا قال الرجل لصاحبه: اذهب إلى الأمير أو القاضي أو الوالي- يريد ما يعرفانه أن يكون مجازا. وكذلك الضمير يعود إلى معلوم غير مذكور كقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ [الدخان: 3] وقوله حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: 32] وأمثال ذلك- أن يكون هذا مجازا. وهذا لا يقوله أحد.
وأيضا فإذا قال لشجاع: هذا الأسد فعل اليوم كذا. أو لبليد: هذا الحمار قال اليوم كذا. أو لعالم، أو جواد: هذا البحر جرى منه اليوم كذا- أن يكون حقيقة، لأن قوله هذا قرينة لفظية، فلا يبقى قط مجازا. وإن قال: المتصل أعم من ذلك. وهو ما كان موجودا حين الخطاب. قيل له: فهذا أشد عليك من الأول. فإن كلّ متكلم بالمجاز لا بد أن يقترن به حال الخطاب ما بيّن مراده، وإلا لم يجز التكلم به. فإن قيل: أنا أجوّز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقف الحاجة. قيل: أكثر الناس لا يجوزون أن يتكلم بلفظ يدل على معنى، وهو لا يريد ذلك المعنى إلّا إذا بيّن. وإنما يجوزون تأخير بيان ما لم يدل اللفظ عليه كالمجملات. ثم نقول: إذا جوزت تأخير البيان، فالبيان قد يحصل بجملة تامة، وبأفعال من الرسول وبغير ذلك. ولا يكون البيان المتأخر إلا مستقلا بنفسه. لا يكون مما يجب اقترانه بغيره. فإن جعلت هذا مجازا لزم أن يكون ما يحتاج في العمل إلى بيان مجازا. كقوله: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التوبة: 103] ، ثم يقال: هب أن هذا جائز عقلا، لكن ليس واقعا في الشريعة أصلا، وجميع ما يذكر من ذلك باطل كما قد بسط في موضعه. فإن الذين قالوا: الظاهر الذي لم يرد به ما يدل عليه ظاهره قد يؤخر بيانه، احتجوا بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة: 67] ، وادعوا أنها كانت معيّنة، وأخّر بيان التعيين. وهذا خلاف ما استفاض عن السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من أنهم أمروا ببقرة مطلقة. فلو أخذوا بقرة من البقر فذبحوها أجزأ عنهم. ولكن شددوا فشدد الله عليهم. والآية نكرة في سياق الإثبات، فهي مطلقة. والقرآن يدل سياقه على أن الله ذمّهم على السؤال بما هي؟ ولو كان المأمور به معينا لما كانوا ملومين. ثم إن مثل هذا لم يقطع قط في أمر الله ورسوله أن يأمر عباده بشيء معين ويبهمه عليهم مرة بعد مرة، ولا يذكره بصفات تختص به ابتداء. واحتجوا بأن الله أخر بيان لفظ الصلاة والزكاة والحج. وأن هذه ألفاظ لها معاني في اللغة. بخلاف الشرع. وهذا غلط. فإن الله إنما أمرهم بالصلاة بعد أن عرفوا ما المأمور به. وكذلك الصيام. وكذلك الحج. ولم يؤخر الله قط بيان شيء من هذه المأمورات. ولبسط هذه المسألة موضع آخر. وأما قول من يقول: إن الحقيقة ما يسبق إلى الذهن عند الإطلاق، فمن أفسد الأقوال. فإنه لا يقال: إذا كان اللفظ لم ينطق به إلا مقيدا فإنه يسبق إلى الذهن في كل موضع منه ما دل عليه ذلك الموضع. وأما إذا أطلق فهو لا يستعمل في الكلام مطلقا قط. فلم يبق له حال إطلاق محض، حتى يقال: إن الذهن يسبق إليه أم لا. وأيضا، فأي ذهن؟ فإن العربيّ الذي يفهم
كلام العرب يسبق إلى ذهنه من اللفظ ما لا يسبق إلى ذهن النبطيّ الذي صار يستعمل الألفاظ في غير معانيها. ومن هنا غلط كثير من الناس. فإنهم قد تعودوا ما اعتادوه. إما من خطاب عامتهم، وإما من خطاب علمائهم، باستعمال اللفظ في معنى. فإذا سمعوه في القرآن والحديث ظنوا أنه مستعمل في ذلك المعنى، فيحملون كلام الله ورسوله على لغتهم النبطية وعادتهم الحادثة. وهذا مما دخل به الغلط على طوائف. بل الواجب أن يعرف اللغة والعادة والعرف الذي نزل به القرآن والسنة، وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ. فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله. لا بما حدث بعد ذلك. وأيضا، فقد بيّنا في غير هذا الموضع أن الله ورسوله لم يدع شيئا من القرآن والحديث إلا بين معناه للمخاطبين ولم يحوجهم إلى شيء آخر. كما قد بسطنا القول فيه في غير هذا الموضع. فقد بين أن ما يدعيه هؤلاء من اللفظ المطلق من جميع القيود لا يوجد إلا مقدّرا في اللسان. لا موجودا في الكلام المستعمل. كما أن ما يدعيه المنطقيون من المعنى المطلق من جميع القيود، لا يوجد إلا مقدّرا في الذهن. لا يوجد في الخارج شيء موجود خارج عن كل قيد. ولهذا كان ما يدعونه من تقسيم العلم إلى تصور وتصديق وإن التصور هو تصور المعنى الساذج الحالي عن كل قيد- لا يوجد. وكذلك ما يدعونه من البسائط التي تتركب منها الأنواع. وأنها أمور مطلقة عن كل قيد- لا توجد. وما يدعونه من أن واجب الوجود هو وجود مطلق عن كل أمر ثبوتيّ- لا يوجد. فهذه الصفات المطلقات عن جميع القيود ينبغي معرفتها لمن ينظر في هذه العلوم. فإنه بسبب ظن وجودها ضلّ طوائف في العقليات والسمعيات. بل إذا قال العلماء: مطلق ومقيّد، إنما يعنون به مطلق من ذلك القيد ومقيّد بذلك القيد. كما يقولون: «الرقبة» مطلقة في آية كفارة اليمين، ومقيدة في آية القتل. أي مطلقة عن قيد الإيمان. وإلا فقد قيل فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المجادلة: 3] ، فقيدت بأنها رقبة واحدة. وأنها هي موجودة. وأنها تقبل التحرير. والذين يقولون بالمطلق المحض يقولون هو الذي لا يتصف بوحدة ولا كثرة، ولا وجود ولا عدم، ولا غير ذلك. بل هو الحقيقة من حيث هي هي. كما يذكره الرازيّ تلقيا له عن ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة. وقد بسطنا الكلام في هذا الإطلاق والتقييد والكليات والجزئيات في مواضع غير هذا. وبينا من غلط هؤلاء في ذلك ما ليس هذا موضعه. وإنما المقصود هنا الإطلاق اللفظيّ. وهو أن يتكلم باللفظ مطلقا عن كل قيد. وهذا لا وجود له. وحينئذ فلا يتكلم أحد إلا بكلام مؤلف مقيد مرتبط بعضه ببعض.
فتكون تلك القيود ممتنعة الإطلاق. فتبين أنه ليس لمن فرق بين الحقيقة والمجاز فرق معقول يمكن التمييز بين نوعين. فعلم أن هذا التقسيم باطل. وحينئذ فكل لفظ موجود في كتاب الله ورسوله، فإنه مقيّد بما يبين معناه. فليس في شيء من ذلك مجاز. بل كله حقيقة. ولهذا لما ادعى كثير من المتأخرين أن في القرآن مجازا، وذكروا ما يشهد لهم، رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه. فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: 77] ، قالوا: والجدار ليس بحيوان والإرادة إنما تكون للحيوان. فاستعمالها في ميل الجدار مجاز. فقيل لهم: لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور. وهو ميل الحيّ. وفي الميل الذي لا شعور فيه. وهو ميل الجماد. وهو من مشهور اللغة. يقال: هذا السقف يريد أن يقع. وهذه الأرض تريد أن تحرث. وهذا الزرع يريد أن يسقى. وهذا الثمر يريد أن يقطف وهذا الثوب يريد أن يغسل. وأمثال ذلك. واللفظ إذا استعمل في معنيين فصاعدا، فإما أن يجعل حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر، أو حقيقة فيما يختص به كل منهما فيكون مشتركا اشتراكا لفظيا، أو حقيقة في القدر المشترك بينهما. وهي الأسماء المتواطئة وهي الأسماء العامة كلها. وعلى الأول يلزم المجاز. وعلى الثاني يلزم الاشتراك. وكلاهما خلاف الأصل. فوجب أن يجعل من المتواطئة. وبهذا يعرف عموم الأسماء العامة كلها. وإلا فلو قال قائل في ميل الجماد: حقيقة، وفي ميل الحيوان: مجاز، لم يكن بين الدعويين فرق، إلا كثرة الاستعمال في ميل الحيوان. لكن يستعمل مقيدا بما يبين أنه أريد ميل الجماد. والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة أمر كلّي عام. لا يوجد كليّا عاما إلا في الذهن. وهو مورد التقسيم بين الأنواع. لكن ذلك المعنى العام الكليّ كان أهل اللغة لا يحتاجون إلى التعبير عنه. لأنهم إنما يحتاجون إلى ما يوجد في الخارج. وإلى ما يوجد في القلوب في العادة. وما لا يكون في الخارج إلا مضافا إلى غيره، لا يوجد في الذهن مجردا. بخلاف لفظ الإنسان والفرس، فإنه لما كان يوجد في الخارج غير مضاف تعودت الأذهان، ومسمى الفرس بخلاف تصور مسمى الإرادة، ومسمى العلم ومسمى القدرة ومسمى الوجود المطلق العام. فإن هذا لا يوجد في اللغة لفظ مطلق يدل عليه. بل لا يوجد لفظ الإرادة إلا مقيدا بالمريد. ولا لفظ العلم إلا مقيدا بالعالم، ولا لفظ القدرة إلا مقيدا بالقادر. بل وهكذا سائر الأعراض، لمّا لم توجد إلا في محالها مقيدة بها، لم يكن في اللغة لفظ إلا كذلك. فلا يوجد في اللغة لفظ
السواد والبياض والطول والقصر إلا مقيدا بالأسود والأبيض والطويل والقصير. ونحو ذلك. لا مجردا عن كل قيد. وإنما يوجد مجردا في كلام المصنفين في اللغة. لأنهم فهموا من كلام أهل اللغة ما يريدون به من القدر المشترك. ومنه قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: 112] ، فإن من الناس من يقول: الذوق حقيقة في الذوق بالفم. واللباس مما يلبس على البدن. وإنما استعير هذا وهذا. وليس كذلك بل قال الخليل: الذوق في لغة العرب هو وجود طعم الشيء. والاستعمال يدل على ذلك. قال تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ [السجدة: 21] ، وقال ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: 49] ، وقال: فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها [الطلاق: 9] ، وقال: قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [الأنعام: 30] ، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ [القمر: 37] ، لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [الدخان: 56] ، لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً [النبأ: 24- 25] ، وقال النبي: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا» «1» وفي بعض الأدعية: أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك. فلفظ الذوق يستعمل في كل ما يحس به ويجد ألمه أو لذته، فدعوى المدعى اختصاص لفظ الذوق بما يكون بالفم- تحكم منه. لكن ذاك مقيد. فيقال: ذقت الطعام وذقت هذا الشراب. فيكون معه من القيود ما يدل على أنه ذوق بالفم. وإذا كان الذوق مستعملا فيما يحسّه الإنسان بباطنه أو بظاهره، حتى الماء الحميم، يقال: ذاقه. فالثوب إذا كان باردا أو حارا، يقال: ذقت حره وبرده. وأما لفظ اللباس، وهو مستعمل في كل ما يغشى الإنسان فيلتبس به. قال تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً [النبأ: 10] ، وقال: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: 26] ، وقال: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [البقرة: 187] . ومنه يقال: لبس الحق بالباطل، إذا خلط به حتى غشاه فلم يتميز. فالجوع الذي يشمل ألمه جميع الجائع، نفسه وبدنه، وكذلك الخوف الذي يلبس البدن، لو قيل: فأذاقها الله الجوع والخوف، لم يدل ذلك على أنه شامل بجميع أجزاء الجائع. بخلاف ما إذا قيل: لباس الجوع والخوف. ولو قال: فألبسهم- لم يكن فيه ما يدل على أنهم ذاقوا ما يؤلمهم، إلا بالعقل. من حيث إنه يعرف الجائع الخائف يألم. بخلاف لفظ ذوق الجوع والخوف. فإن هذا اللفظ يدل على الإحساس بالمؤلم. وإذا أضيف إلى الملذ دلّ على
الإحساس به. كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيّا» . فإن قيل: فلم لم يصف نعيم الجنة بالذوق؟ قيل: لأن الذوق يدل على جنس الإحساس. ويقال: ذاق الطعام لمن وجد طعمه وإن لم يأكله. وأهل الجنة نعيمهم كامل تام لا يقتصر فيه على الذوق. بل استعمل لفظ الذوق في النفي. كما قال عن أهل النار: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً [النبأ: 24] أي لا يحصل لهم من ذلك ولا ذوق. وقال عن أهل الجنة: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [الدخان: 56] . وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن: لفظ المكر والاستهزاء والسخرية المضاف إلى الله. وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله، عن طريق المجاز. وليس كذلك. بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلما له. وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجنيّ عليه، عقوبة بمثل فعله- كانت عدلا. كما قال تعالى: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ [يوسف: 76] ، فكاد له كما كادت إخوته، لما قال له أبوه: لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً [يوسف: 5] . وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً [الطارق: 15- 16] ، وقال: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ [النمل: 50- 51] ، وقال: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة: 79] . ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلا يستحق هذا الاسم. كما روي عن ابن عباس: أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار فيسرعون إليه فيغلق. ثم يفتح لهم باب آخر فيسرعون إليه فيغلق. فيضحك منهم المؤمنون. قال تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: 34- 36] . وعن الحسن البصريّ: إذا كان يوم القيامة خمدت النار لهم كما تخمد الإهالة. فيمشون. فيخسف بهم. وعن مقاتل: إذا ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب فيبقون في الظلمة. فيقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا. وقال بعضهم: استهزاؤه استدراجه لهم. وقيل: إيقاع استهزاء بهم وردّ خداعهم ومكرهم عليهم. وقيل: إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة. وقيل: هو تجهيلهم وتخطئتهم فيما فعلوه. وهذا كله حق. وهو استهزاء بهم حقيقة. وفي بعض الآثار: أن الله سبحانه يأمر بناس من الناس إلى الجنة، حتى إذا رأوها وشاهدوا ما فيها من الكرامة، قال الله لملائكته: اصرفوهم عنها. لا
حظّ لهم فيها. قالوا: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون في عذابنا. قال الله: ذلك أردت بكم. إذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين متواضعين، وإذا خلوتم بارزتموني بالعظائم. أجللتم الناس ولم تجلّوني. وعظمتم الناس ولم تعظموني. وخفتم الناس ولم تخافوني. فاليوم أذيقكم أليم عذابي كما حرمتكم جزيل ثوابي. ذكره ابن أبي الدنيا وغيره. ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز في القرآن: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] المراد به أهلها. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. فقيل لهم: لفظ القرية والمدينة والنهر والميراث وأمثال هذه الأمور التي فيها الحال والمحل، وكلاهما داخل في الاسم، ثم قد يعود الحكم على الحال، وهو السكان. وتارة على المحل، وهو المكان، وكذلك في النهر يقال: حفرت النهر، وهو المحل. وجرى النهر، وهو الماء. ووضعت الميزاب، وهو المحل. وجرى الميزاب، وهو الماء. وكذلك القرية. قال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً [النحل: 112] وقوله: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ [الأعراف: 4- 5] ، وقال في آية أخرى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ [الأعراف: 97] فجعل القرى هم السكان. وقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ [محمد: 13] ، وهم السكان. وكذلك قوله: وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [الكهف: 59] ، وقال تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [البقرة: 259] ، فهذا المكان، لا السكان. لكن لا بد أن يلحظ أنه كان مسكونا. فلا يسمى قرية إلا إذا كان قد عمر للسكنى. فمأخوذ من القرى وهو الجمع. ومنه قولهم: قريت الماء في الحوض، إذا جمعته فيه. ونظير ذلك لفظ الإنسان يتناول الجسد والروح. ثم الأحكام يتناول هذا تارة وهذا تارة لتلازمهما. فكذلك القرية، إذا عذب أهلها خربت. وإذا خربت كان عذابا لأهلها. فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر. كما ينال البدن والروح ما يصيب أحدهما. فقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] ، مثل قوله: قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً [النحل: 112] ، فاللفظ هنا يراد (به) السكان من غير إضمار ولا حذف. فهذا بتقدير أن يكون في اللغة مجاز، فلا مجاز في القرآن. بل وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث. لم ينطق به السلف. والخلف فيه على قولين. وليس النزاع فيه لفظيا. بل يقال نفس هذا التقسيم باطل.
لا يتميز هذا عن هذا. ولهذا كان كل ما يذكرونه من الفروق يبين أنها فروق باطلة. وكلما ذكر بعضهم فرقا أبطله الثاني. كما يدعي المنطقيون أن الصفات القائمة بالموصوفات تنقسم اللازمة لها إلى داخل في ماهيتها الثابتة في الخارج وإلى خارج عنها لازم للماهية ولازم خارج للوجود. وذكروا ثلاثة فروق كلها باطلة. لأن هذا التقسيم باطل لا حقيقة له. بل ما يجعلونه داخلا يمكن جعله خارجا وبالعكس. كما قد بسط في موضعه. وقولهم: اللفظ إن دل بلا قرينة فهو حقيقة، وإن لم يدل إلا معها فهو مجاز- قد تبين بطلانه، وأنه ليس في الألفاظ الدالة ما يدل مجردا عن جميع القرائن. ولا فيها ما يحتاج إلى جميع القرائن. وأشهر أمثلة المجاز لفظ الأسد والحمار والبحر ونحو ذلك، مما يقولون: إنه استعير للشجاع والبليد والجواد. وهذه لا تستعمل إلا مؤلفة مركبة مقيدة بقيود لفظية. كما تستعمل الحقيقة. كقول أبي بكر الصديق عن أبي قتادة «1» ، لما طلب غيره سلب القتيل: لاها الله، إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلبه. فقوله: تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، وصف له بالقوة بالجهاد في سبيله. وقد عيّنه تعينا أزال اللبس. وكذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن خالدا سيف من سيوف الله، سلّه الله على المشركين» «2» وأمثال ذلك. وإن قال القائل: القرائن اللفظية موضوعة، ودلالتها على المعنى حقيقة، لكن القرائن الحالية مجاز. قيل: اللفظ لا يستعمل قط إلا مقيدا بقيود لفظية موضوعة والحال حال المتكلم والمستمع، لا بد من اعتباره في جميع الكلام. فإنه إذا عرف المتكلم، فهم من معنى كلامه ما لا يفهم إذا لم يعرف. لأنه بذلك يعرف عادته في خطابه. واللفظ إنما يدل إذا عرف لغة المتكلم التي بها يتكلم. وهي عادته وعرفه التي يعتادها في خطابه. ودلالة اللفظ على المعنى دلالة قصدية إرادة اختيارية. فالمتكلم يريد دلالة اللفظ على المعنى. فإذا اعتاد أن يعبر باللفظ عن المعنى كانت تلك لغة. ولهذا كل من كان له عناية بألفاظ الرسول ومراده بها، عرف عادته في خطابه. وتبين له من مراده ما لا يتبين لغيره. ولهذا ينبغي أن يقصد، إذا ذكر لفظ من القرآن والحديث، أن يذكر نظائر ذلك اللفظ ماذا عنى بها
الله ورسوله. فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ورسوله التي يخاطب بها عباده. وهي العادة المعروفة من كلامه. ثم إذا كان لذلك نظائر في كلام غيره، وكانت النظائر كثيرة، عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة عامة. لا يختص بها هو صلّى الله عليه وسلّم. بل هي لغة قومه. ولا يجوز أن يحمل كلامه على عادات حدثت بعده في الخطاب، لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه. كما يفعله كثير من الناس. وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه. ولهذا كان استعمال القياس في اللغة، وإن جاز في الاستعمال، فإنه لا يجوز في الاستدلال. فإنه قد يجوز للإنسان أن يستعمل هو اللفظ في نظير المعنى الذي استعملوه فيه، مع بيان ذلك، على ما فيه من النزاع. لكن لا يجوز أن يعمد إلى ألفاظ قد عرف استعمالها في معاني فيحملها إلى غير تلك المعاني، ويقول: إنهم أرادوا تلك بالقياس على تلك. بل هذا تبديل وتحريف. فإذا قال: «الجار أحق بسقبه» «1» فالجار هو الجار. ليس هو الشريك. فإن هذا لا يعرف في لغتهم، لكن ليس في اللفظ ما يقتضي أنه يستحق الشفعة. لكن يدل على أن البيع له أولى. وأما الخمر فقد ثبت بالنصوص الكثيرة والنقول الصحيحة أنها كانت اسما لكل مسكر. لم يسم النبيذ خمرا بالقياس. وكذلك النباش كانوا يسمونه سارقا. كما قالت عائشة: سارق موتانا كسارق أحيانا. واللائط عندهم كانوا أغلظ من الزاني بالمرأة. ولا بد، في تفسير القرآن والحديث، من أن يعرف ما يدل على مراد الله ورسوله من الألفاظ. وكيف يفهم كلامه. فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه. وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني. فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب. فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دالّ عليه. ولا يكون الأمر كذلك. ويجعلون هذه الدلالة حقيقة وهذه مجازا. كما أخطأ المرجئة في اسم الإيمان. جعلوا لفظ الإيمان حقيقة في مجرد التصديق. وتناوله للأعمال مجازا. فيقال: إن لم يصح التقسيم إلى حقيقة ومجاز، فلا حاجة إلى هذا. وإن صح فهذا لا ينفعكم. بل هو عليكم لا لكم. لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة. والمجاز إنما يدل بقرينة. وقد تبين أن لفظ الإيمان، حيث أطلق في الكتاب والسنة. دخلت فيه الأعمال. وإنما يدعى خروجها منه عند التقييد. وهذا يدل على أن
الحقيقة قوله: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» «1» وأما حديث «2» جبريل فإن كان أراد بالإيمان ما ذكر مع الإسلام فهو كذلك. وهذا هو الذي أراده النبي صلّى الله عليه وسلّم قطعا. كما أنه لما ذكر الإحسان، أراد الإحسان مع الإيمان والإسلام. لم يرد أن الإحسان مجرد عن إيمان وإسلام. ولو قدّر أنه أريد بلفظ الإيمان مجرد التصديق، فلم يقع ذلك إلا مع قرينة. فيلزم أن يكون مجازا. وهذا معلوم بالضرورة. لا يمكننا المنازعة فيه بعد تدبر القرآن والحديث. بخلاف كون لفظ الإيمان في اللغة مرادفا للتصديق. ودعوى أن الشارع لم يغيره ولم ينقله، بل أراد به ما كان يريده أهل اللغة بلا تخصيص ولا تقييد- فإن هاتين المقدمتين لا يمكن الجزم بواحدة منهما. فلا يعارض اليقين. كيف؟ وقد عرف فساد كل واحدة من المقدمتين وأنها من أفسد الكلام. وأيضا. فليس لفظ الإيمان في دلالته على الأعمال المأمور بها، بدون لفظ الصلاة والصيام والزكاة والحج، وفي دلالته على الصلاة الشرعية والصيام الشرعيّ والحج الشرعيّ- سواء. قيل: إن الشارع نقله، أو زاد الحكم دون الاسم. أو زاد الاسم وتصرف فيه تصرف أهل العرف أو خاطب الاسم مقيدا لا مطلقا. فإن قيل: الصلاة والحج ونحوهما، لو ترك بعضها بطلت. بخلاف الإيمان فإنه لا يبطل عند الصحابة وأهل السنة والجماعة بمجرد الذنب. قيل: إن أراد بالبطلان أنه لا تبرأ الذمة منها كلها فكذلك الإيمان الواجب، إذا ترك منه شيئا لم تبرأ الذمة منه كله. وإن أريد به وجوب الإعادة فهذا ليس على الإطلاق. فإن في الحج واجبات، إذا تركها لم يعد. بل تجبر بدم. وكذلك في الصلاة عند أكثر العلماء إذا تركها سهوا أو مطلقا وجبت الإعادة. فإنما يجب إذا أمكنت الإعادة. وإلا فما تعذرت إعادته مطالبا به كالجمعة ونحوها. وإن أريد بذلك أنه لا يثاب على ما فعله، فليس كذلك. بل قد بيّن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث المسيء في صلاته أنه إذا لم يتمها يثاب على ما فعل، ولا يكون بمنزلة من لم يصلّ. وفي عدة أحاديث أن الفرائض تكمل يوم القيامة من النوافل. فإذا كانت الفرائض مجبورة بثواب النوافل دل على أنه يعتدّ له بما فعل منها. فكذلك الإيمان، إذا ترك منه شيئا كان عليه فعله. إن كان محرّما تاب منه. وإن كان واجبا فعله. فإذا لم يفعله لم تبرأ ذمته منه. وأثيب على ما فعله كسائر العبادات. وقد دلت النصوص
فصل في أنه هل في اللغة أسماء شرعية نقلها الشارع عن مسماها في اللغة؟ أو أنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة؟
على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. وقد عدلت المرجئة، في هذا الأصل، عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، واعتمدوا على رأيهم، وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة. وهذه طريقة أهل البدع. ولهذا كان الإمام أحمد يقول: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس. ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة الرافضة وغيرهم، من أهل البدع، يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم وما تأولوه من اللغة. ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين. فلا يتعمدون لا على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم. وإنما يعتمدون على العقل واللغة. وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف. وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رؤوسهم. وهذه طريقة الملاحدة أيضا. إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة وكتب الأدب واللغة. وأما كتب القرآن والحديث والآثار فلا يلتفتون إليها. هؤلاء يعرضون عن نصوص الأنبياء، إذ هي عندهم لا تفيد العلم، وأولئك يتأولون القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه. وقد ذكرنا كلام أحمد وغيره في إنكار هذا وجعله طريقة أهل البدع. وإذا تدبرت حججهم، وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل» انتهى. فصل في أنه هل في اللغة أسماء شرعية نقلها الشارع عن مسماها في اللغة؟ أو أنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة؟ قال شيخ الإسلام تقيّ الدين بن تيمية في «كتاب الإيمان» أيضا ما نصه: «وبسبب الكلام في مسألة الإيمان، تنازع الناس: هل في اللغة أسماء شرعية نقلها الشارع عن مسماها في اللغة، أو أنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة؟ فذهب الخوارج والمعتزلة إلى أنها منقولة. وذهبت المرجئة إلى أنها باقية على ما كانت عليه في اللغة، لكنّ الشارع زاد في أحكامها، لا في معنى الأسماء. وهكذا قالوا في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج: أنها باقية في كلام الشارع على معناها اللغويّ، لكن زاد في أحكامها. ومقصودهم: أن الإيمان هو مجرد التصديق، وذلك يحصل بالقلب واللسان. وذهبت طائفة ثالثة إلى أن الشارع تصرف فيها تصرف أهل العرف، فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة.
«والتحقيق أنّ الشارع لم ينقلها، ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة، كما يستعمل نظائرها، كقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: 97] ، فذكر حجّا خاصّا وهو حج البيت، وكذلك قوله: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ... [البقرة: 158] ، فلم يكن لفظ الحج متناولا لكل قصد، بل لقصد مخصوص دلّ عليه اللفظ نفسه من غير تغيير اللغة. والشاعر إذا قال: وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سبّ الزّبرقان المزعفرا كان متكلما باللغة، وقد قيل: لفظه يحجّ سب الزبرقان المزعفرا. ومعلوم أنّ ذلك الحج المخصوص الذي أمر الله به دلت عليه الإضافة أو التعريف باللام. فإذا قيل: الحج فرض عليك، كانت لام العهد تبيّن أنه حجّ البيت. وكذلك الزكاة. هي اسم لما تزكو به النفس. وزكاة النفس زيادة خيرها، وذهاب شرها. والإحسان إلى الناس من أعظم ما تزكو به النفس، كما قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التوبة: 103] ، وكذلك ترك الفواحش مما تزكو به، قال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [النور: 21] . وأصل زكاتها بالتوحيد وإخلاص الدين لله، قال تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ [فصلت: 6- 7] . وهي عند المفسّرين التوحيد. وقد بيّن النبي صلّى الله عليه وسلّم مقدار الواجب وسماها الزكاة المفروضة. فصار لفظ الزكاة- إذا عرّف باللام- ينصرف إليها، لأجل العهد. ومن الأسماء ما يكون أهل العرف نقلوه، وينسبون ذلك إلى الشارع، مثل لفظ (التيمّم) فإنّ الله تعالى قال: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة: 6] . فلفظ التيمم استعمل في معناه المعروف في اللغة، فإنه أمر بتيمم الصعيد، ثم أمر بمسح الوجوه والأيدي منه، فصار لفظ التيمم، في عرف الفقهاء، يدخل في هذا المسح، وليس هو لغة الشارع، بل الشارع فرّق بين تيمّم الصعيد وبين المسح الذي يكون بعده. ولفظ (الإيمان) أمر به مقيدا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. وكذلك لفظ (الإسلام) بالاستسلام لله رب العالمين. وكذلك لفظ (الكفر) مقيدا. ولكن لفظ (النفاق) قد قيل: إنه لم تكن العرب تكلمت به، لكنه مأخوذ من كلامهم. فإنّ (نفق) يشبه خرج، ومنه: نفقت الدابة إذا ماتت، ومنه نافق اليربوع. والنفق ف
الأرض، قال تعالى: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ [الأنعام: 35] فالمنافق هو الذي خرج من الإيمان باطنا بعد دخوله فيه ظاهرا. وقيّد النفاق بأنه نفاق من الإيمان. ومن الناس من يسمي من خرج عن طاعة الملك منافقا عليه. لكن المنافق- الذي في القرآن- هو النفاق على الرسول، فخطاب الله ورسوله الناس بهذه الأسماء كخطاب الناس بغيرها، وهو خطاب مقيّد خاص، لا مطلق يحتمل أنواعا: وقد بين الرسول تلك الخصائص. والاسم دلّ عليها، فلا يقال: إنها منقولة، ولا أنه زيد في الحكم دون الاسم، بل الاسم إنما استعمل على وجه يختص بمراد الشارع، لم يستعمل مطلقا. وهو إنما قال: أَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة: 43] ، بعد أن عرفهم الصلاة المأمور بها، فكان التعريف منصرفا إلى الصلاة التي يعرفونها. لم ينزل لفظ الصلاة وهم لا يعرفون معناه. ولهذا قال من قال في لفظ الصلاة: إنه عام للمعنى اللغويّ، وأنه مجمل لتردده بين المعنى اللغويّ والشرعيّ، ونحو ذلك، فأقوالهم ضعيفة. فإن هذا اللفظ إنما ورد خبرا أو أمرا. فالخبر كقوله: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى [العلق: 9- 10] ، وسورة (اقرأ) من أول ما نزل من القرآن، وكان بعض الكفار- إمّا أبو جهل أو غيره- قد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الصلاة، وقال «1» : لئن رأيته يصلي لأطأنّ عنقه، فلما رآه ساجدا رأى من الهول ما أوجب نكوصه على عقبيه . فإذا قيل: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى فقد علمت تلك الصلاة الواقعة بلا إجمال في اللفظ ولا عموم. ثم إنه لما فرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج، أقام النبي صلّى الله عليه وسلّم لهم الصلوات بمواقيتها صبيحة ذلك اليوم، وكان جبريل يؤمّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، والمسلمون يأتمون بالنبي صلّى الله عليه وسلّم. فإذا قيل لهم: أَقِيمُوا الصَّلاةَ عرفوا أنها تلك الصلاة. وقيل: إنه قبل ذلك كانت له صلاتان في طرفي النهار، فكانت أيضا. فلم يخاطبوا باسم من هذه الأسماء إلّا ومسماه معلوم عندهم، فلا إجمال في ذلك ولا يتناول كلّ ما يسمى: حجّا، ودعاء، وصوما، فإنّ هذا إنما يكون إذا كان اللفظ مطلقا، وذلك لم يرد. وكذلك الإيمان والإسلام، وقد كان معنى ذلك عندهم من أظهر الأمور. وإنما سأل جبرئيل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك وهم يسمعون، وقال «2» :
ذكر مجمل مقاصد التنزيل الكريم وضروب التفسير
«هذا جبرئيل جاءكم يعلمكم دينكم» ليبيّن لهم كمال هذه الأسماء وحقائقها التي ينبغي أن تقصد لئلا يقتصروا على أدنى مسمياتها. وهذا كما في الحديث الصحيح أنه قال: «ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان. ولكن المسكين الذي لا يجد غنيّ يغنيه ولا يفطن له فيتصدّق عليه ولا يسأل الناس إلحافا» «1» . فهم كانوا يعرفون المسكين وأنه المحتاج. وكان ذلك مشهورا عندهم فيمن يظهر حاجته في السؤال، فبيّن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّ الذي يظهر حاجته بالسؤال والناس يعطونه- تزول مسكنته بإعطاء الناس له. والسؤال له بمنزلة الحرفة. وهو، وإن كان مسكينا، يستحق من الزكاة إذا لم يعط من غيرها كفايته، فهو إذا وجد من يعطيه كفايته لم يبق مسكينا، وإنما المسكين المحتاج الذي لا يسأل ولا يعرف فيعطى، فهذا هو الذي يجب أن يقدم في العطاء، فإنه مسكين قطعا. وذاك، مسكنته تندفع بعطاء من يسأله. وكذلك قوله: «الإسلام هو الخمس» يريد أن هذا كلّه واجب في الإسلام. فليس للإنسان أن يكتفي بالإقرار بالشهادتين. وكذلك الإيمان يجب أن يكون على هذا الوجه المفصل، لا يكتفى فيه بالإيمان بالمجمل، ولهذا لما وصف الإسلام بهذا» . انتهى. ذكر مجمل مقاصد التنزيل الكريم وضروب التفسير قال الإمام عز الدين بن عبد السلام في كتابه «الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز» في أواخره ما نصه: «وعلى الجملة فمقاصد القرآن أنواع: أحدها: الطلب وهو أربعة أضرب. النوع الثاني: الإذن والإطلاق: النوع الثالث: النداء. والنداء تنبيه للمنادى ليسمع ما يلقى إليه بعد النداء من الكلام ليعمل بمقتضاه، ولذلك كثر النداء في القرآن. وأما وصف المنادى فأربعة أقسام: (أحدها) ما لا حثّ فيه، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ... (الثاني) فيه حثّ، كالوصف بالإيمان، وله فائدتان: (إحداهما)
مطلب في سر التكرير
الحثّ على ما يأمر به وينهى عنه بعد النداء، فإنّ الإيمان موجب للطاعة والإذعان. (الفائدة الثانية) : إكرام المؤمنين بندائهم بأشرف أوصافهم وأحبّها، فيحثّهم ذلك الإكرام على لزوم الطاعة والإذعان. (القسم الثالث) نداء النبيّ بالنبوّة، وفيه فائدة التفخيم والإكرام، والحث على الطاعة والإذعان، شكرا لنعمة النبوّة. (القسم الرابع) النداء بالرسالة، وفيه الفائدتان المذكورتان في النداء بالنبوّة، مع التأكيد بذكر الرسالة، وهي من النعم الجسام لأنها: تستلزم النبوّة، وتحثّ على تبليغ الرسالة. فما أحسن قوله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: 67] . النوع الرابع: مدح الأفعال. النوع الخامس: مدح الفاعلين لأجل الفعل الذي وصفوا به. النوع السادس: ذمّ الأفعال. النوع السابع: ذم الفاعلين لأجل الفعل الذي وصفوا به. النوع الثامن: الوعد بالخير العاجل. النوع التاسع: الوعد بالخير الآجل. النوع العاشر: الوعيد بالشر العاجل. النوع الحادي عشر: الوعيد بالشر الآجل. وكل هذه الأخبار تابعة للأحكام مؤكدة لها، إمّا بالترغيب فيها، وإن كانت قربة، أو بالترهيب منها إن كانت معصية. النوع الثاني عشر: الأمثال: وهي مؤكدة للأحكام: ترغيبا أو ترهيبا أو تقبيحا أو تحسينا. النوع الثالث عشر: التكرير: وهو دال على الاعتناء والاهتمام بالمكرر. مطلب في سر التكرير فتكرير صفات الله دالّ على الاعتناء بمعرفتها، والعمل بموجبها. وتكرير القصص دالّ على الاهتمام بالوعظ للإيقاظ والاعتبار. وفائدة تكرير القصص تطرئة المواعظ وتشديدها، لأن منها: ما يحث على الطاعة والإيمان، ومنها ما يزجر عن الكفر والعصيان.
وكذلك تكرير الوعد والوعيد، وكذلك تكرير ذكر الأحكام، وكذلك تكرير المدح والذم، وما يترتب على المأمورات والمنهيات من المؤكدات المذكورات. فتكرير الوعد يدل على الاهتمام بفعل الطاعات ترغيبا في ثوابها. وتكرير الوعيد يدلّ على الاهتمام بترك المخالفات ترهيبا من عقابها. وتكرير القرآن بين الوعد والوعيد يدلّ على الاهتمام بوقوف العباد بين الخوف والرجاء، فلا يقنطوا من رحمة الله وأفضاله، ولا يغترّوا بحلمه وإمهاله. وتكرير الأحكام يدلّ على الاعتناء بفعل الطاعات واجتناب المخالفات. وتكرير الأمثال يدلّ على الإيضاح والبيان. وتكرير تذكير النعم يدلّ على الاعتناء بشكرها. واعلم أنه لا تؤكد العرب إلا ما تهتم به، فإن من اهتم بشيء أكثر ذكره. وكلما عظم الاهتمام كثر التأكيد. وكلما خفّ، خفّ التأكيد. وإن توسط الاهتمام، توسط التأكيد. فإذا قال القائل: زيد قائم، فقد أخبر بقيامه. فإن أراد تأكيد ذلك، عند من شك فيه، أو يكذبه، أو ينازعه فيه، أكّده فقال: إن زيدا قائم. فإذا جاء ب (إن) فكأنه قال: زيد قائم، زيد قائم. فإن زاد في التأكيد قال: إن زيدا لقائم، فيصير بمثابة ما لو قال: زيد قائم، ثلاث مرات. أمثلة ذلك: قوله: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ [الكافرون: 1- 4] ، تأكيد لقوله تعالى: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وقوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ تأكيد لقوله وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ. لمّا وقع الاهتمام بأنه لا يوافقهم على عبادة الأصنام، وبأن الله قد حرمهم أن يدخلوا في دين الإسلام- أكّد ذينك لشدة الاهتمام بهما. فهذا تأكيد واحد لكل واحد من الخبرين. وعلى الجملة: فقد أكد نفي عبادته لأصنامهم بقوله: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وأكّد نفي عبادتهم لمعبوده بقوله وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ وإن حمل ذلك على وقتين مختلفين، فلا تأكيد إذن. ومثال تكرير التأكيد قوله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ كَلَّا ... [التكاثر: 1- 4] المعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد عن الاستعداد للمعاد، ثم زجرهم عن التكاثر بقوله كَلَّا ثم هددهم بقوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثم أكد الزجر الأول ب كَلَّا الثانية، ثم أكد التهديد ب سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثم أكد الزجر ب «كلّا الثالثة» فزجرهم ثلاث مرات للاهتمام بزجرهم عن ذلك. وهددهم على ذلك مرتين للاهتمام بالاستعداد للمعاد.
ومثل هذا قوله تعالى: عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ... [النبأ: 1- 5] ، زجرهم ب «كلا» الأولى عن التساؤل والاختلاف، ثم أكد كلّا الأولى بكلّا الثانية وتهددهم فيما بينهما بقوله بعد: سَيَعْلَمُونَ ثم أكد هذا التهديد بقوله بعد: (كلا) الثانية سَيَعْلَمُونَ. وأما تكرير قوله: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات: 19- 24- 28] ، فيجوز أن يكون ما عدا الكلمة الأولى تأكيدا لها، وأن تتكرر العدة بالويل على من كذب، بقوله: إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ. ويجوز أن يريد بكلّ عدة من عذاب الويل من كذب بما بين عدتي كل ويل. وأما قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [الرحمن: 13- 16- 18] فيجوز أن تكون مكررة على جميع أنعمه، ويجوز أن يراد بكل واحدة منهنّ ما وقع بينها وبين التي قبلها من نعمة، ويجوز أن يراد بالأولى ما تقدمها من النعم، وبالثانية ما تقدّمها، وبالثالثة ما تقدم على الأولى والثانية، وبالرابعة ما تقدم على الأولى والثانية والثالثة ... وهكذا إلى آخر السورة. فإن قيل: كيف يكون قوله سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ [الرحمن: 31] نعمة، وقوله: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ [الرحمن: 41] نعمة؟ وكذلك قوله: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ [الرحمن: 43] ، وقوله: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ [الرحمن: 35] ، وقوله يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ؟ قلنا: هذه كلها نعم جسام، لأن الله هدد العباد بها استصلاحا لهم ليخرجوا من حيز الكفر والطغيان والفسوق والعصيان، إلى حيّز الطاعة والإيمان والانقياد والإذعان، فإن من حذّر من طرق الردى وبيّن ما فيها من الأذى، وحثّ على طرق السلامة الموصلة إلى المثوبة والكرامة، كان منعما غاية الإنعام، ومحسنا غاية الإحسان. ومثل ذلك قوله: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ [يس: 52] ، وعلى هذا تصلح فيه مناسبة الربط بذكر صفة الرحمة في ذلك المقام. وأما قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [الرحمن: 26] فإنه تذكير بالموت والفناء للترغيب في الإقبال على العمل لدار البقاء، وفي الإعراض عن دار الفناء. وأما قوله: وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ
[الروم: 49] ، فإن تقديره عند بعضهم: وإن كانوا من قبل إنزال القطر عليهم، من قبل إنزاله، لمبلسين. فأكد قَبْلِ الأولى ب قَبْلِ الثانية. وهذا لا اهتمام فيه، فإنه معلوم أن اليأس من نزول المطر كان محققا قبل الإنزال، فلا حاجة- في مثل هذا- إلى التأكيد. وقدّر آخرون: وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبل إرسال الرياح، أو من قبل إثارة السحاب لمبلسين، فعلى هذا لا يكون تكريرا ولا تأكيدا. وعود الضمائر إلى المصادر التي دلت عليها الأفعال، ولم تذكر معها- كثير في القرآن وفصيح الكلام. مثاله: قوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: 8] فعاد الضمير إلى العدل الذي دلّ عليه اعْدِلُوا. ومثله قوله: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً [المائدة: 106] ، أي: لا نشتري بالقسم الذي دلّ عليه قوله: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ. وأما قوله: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى [الليل: 12] ، ففيه ثلاث تأكيدات: (أحدها) إنّ، و (الثاني) اللام في للهدى، و (الثالث) تقديم الخبر، فإن العرب لا يقدمون إلا ما يعتنون به ويهتمون. ومثله قوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ [الأنعام: 99] ، وقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً [النازعات: 26] ، أكد ب (إنّ واللام وتقديم الخبر) . وقد يتوهم التأكيد فيما ليس بتأكيد في مثل قوله تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [البقرة: 196] ، فإنه لم يرد كمالها في العدد، ولو أراده لكان تأكيدا، وإنما أراد كمالها في صفتها، فإن كمال الصيام في تتابعه. بدليل وجوب المتابعة حيث أمرنا بها فيه، فلما تقرر في الشريعة أن متابعة الصوم أفضل من تفريقه، وقيدت هذه الأيام بالتفريق، فقد يظن ظانّ أنها ناقصة لتفريقها، وأن كمالها في تتابعها- أخبر أن كمال هذه الأيام في تفريقها لا في تتابعها. ويحتمل أن يريد، بالكاملة، كمال الصوم بترك الرفث والفسوق، وترك المشاتمة، وغير ذلك مما يكون اجتنابه أو فعله مكملا للصوم، فإن العبادات تنقسم إلى كاملة وناقصة. فالناقصة ما اقتصر فيها على أركانها وشرائطها، والكاملة ما أتى فيها بالأركان والشرائط والسنن. وأعلم أن للتفسير أحكاما وضروبا، فمن ذلك: فهم معنى اللفظ: وهو منقسم إلى ثلاثة أقسام: (أحدها) ما يعرفه العامة والخاصة كالأرض والسماء والجبال والأشجار والأمطار. (القسم الثاني) ما يعرفه معظم الخاصة كالمعاد والملاذ. (القسم الثالث) ما يعرفه القليل من الخاصة كالرفرف والصفصف.
ومن ضروب التفسير ما يتردد بين محملين: أحدهما أظهر عند النزول فيرجع فيه إلى الصحابة والتابعين، ويحمل على ظاهره حينئذ. ومنه ما يحمل على أخفى محمليه لدليل يقوم عليه. ومنه ما يتساوى فيه الأمران فيخص أحدهما بالسبب الذي نزل لأجله. ومنه ما يتساوى من غير ترجيح عندنا وهو راجح في نفس الأمر، لأن الرسول عليه السلام قد بيّن للناس ما نزل إليهم، فبعض المتأخرين يحمله على جميع محامله. والوقف أولى به. وقد يتردد بين محامل كثيرة يتساوى بعضها مع بعض، يترجح بعضها على بعض. وأولى الأقوال: ما دلّ عليه الكتاب في موضع آخر، أو السنة، أو إجماع الأمة، أو سياق الكلام، وإذا احتمل الكلام معنيين وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق- كان الحمل عليه أولى. وقد يقدر بعض النحاة ما يقتضيه علم النحو. لكن يمنع منه أدلّة شرعية، فيترك ذلك التقدير، ويقدر تقدير آخر يليق بالشرع. وقد يعبّر النحاة والمفسرون وغيرهم بالعام ويريدون به الخاص فيجهله كثير من الناس. وعلى الجملة: فالقاعدة في ذلك أن يحمل القرآن على أصح المعاني وأفصح الأقوال، فلا يحمل على معنى ضعيف، ولا على لفظ ركيك. وكذلك لا يقدر فيه من المحذوفات إلا أحسنها وأشدها موافقة وملائمة للسياق. وإذا كان للاسم الواحد معان ك الْعَزِيزُ بمعنى القاهر، وبمعنى الممتنع، وبمعنى الذي لا نظير له، حمل في كل موضع على ما يقتضيه ذلك السياق كيلا ينبتر الكلام وينخرم النظام. وإذا اتحد معنى القراءتين- كالسراط والصراط- فهذا ظاهر. وإن اختلف معناهما وجب القطع بأنهما مرادتان. مثال ذلك قوله: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ ويَكْذِبُونَ [البقرة: 10] ، أخبر بأنهم يعذبون بالتكذيب والكذب، وهذا اختصار في صورة الخط، دون اللفظ. ومن ضروب التفسير وأحكامه: بيان كون اللفظ حقيقة أو مجازا. ومنه: بيان رجحان إحدى الحقيقتين على الأخرى. ومنه: بيان رجحان أحد المجازين على الآخر. ومنه: بيان ترجيح الحقيقة على المجاز. ومنه: بيان ترجيح ما يناسب الكلام ويطابقه على ما ليس كذلك. ومنه: ترجيح بعض الإعراب على بعض. ومنه: بيان التقديم والتأخير. ومنه: بيان مظان الإطالة. ومنه: بيان مظان الاختصار. وفائدة الاختصار، سهولته على المتكلم، وإيصال المعنى على الفور إلى المخاطب. كقوله
سر تكرير قصة موسى مع فرعون
تعالى: فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس: 106] . ومنه: الحذف وهو أنواع وقد تقدمت في أول هذا الكتاب- يعني كتابه- ومن ضروب التفسير وأحكامه: تعين المضاف المحذوف. ومنه: ترجيح بعض المضافات المحذوفة على بعض. ومنه: استواء المضافات المحذوفة من غير ترجيح. ومنه: ترجيح بعض المفاعيل المحذوفة على بعض. ومنه: استواؤها. ومنه: تعين بعضها. ومنه: ترجيح بعض ما تصح الإشارة إليه بذلك على بعض. ومنه: تعين ما يشار إليه بذلك. ومنه: عود الإشارة بذلك إلى ما ليس بمذكور. ومنه: ترجيح بعض الموصوفات على بعض. ومنه تعين بعض الموصوفات المحذوفة. ومنه ترجيح ما تعود إليه الضمائر. ومنع: تردد ما تعود إليه الضمائر. ومنه: عود الضمائر إلى ما ليس بمذكور. ومنه: عود الضمائر إلى ما دل عليه اللفظ وليس بمذكور، انتهى. سر تكرير قصة موسى مع فرعون ذكرنا قبل ما قاله العز بن عبد السلام- في التكرير- من الأسرار الباهرة التي تشمل قصة موسى مع فرعون. ثم رأيت كلاما- في ذلك- لشيخ الإسلام تقيّ الدين بن تيمية- في خلال رسالة له- يقول رحمه الله: «وثنّى في القرآن قصة موسى مع فرعون لأنهما في طرفي نقيض، في الحق والباطل. فإن فرعون في غاية الكفر والباطل، حيث كفر بالربوبية وبالرسالة. وموسى في غاية الحق والإيمان من جهة أن الله كلمه تكليما لم يجعل الله بينه وبين خلقه واسطة من خلقه، فهو مثبت لكمال الرسالة، وكمال التكليم، ومثبت لرب العالمين بما استحقه من النعوت، وهذا بخلاف أكثر الأنبياء مع الكفار، فإن الكفار أكثرهم لا يجحدون وجود الله، ولم يكن أيضا للرسل- من التكليم- ما لموسى. فصارت قصة موسى وفرعون أعظم القصص، وأعظمها اعتبارا لأهل الإيمان ولأهل الكفر. ولهذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقص على أمته عامة ليله عن بني إسرائيل، وكان يتأسّى بموسى في أمور كثيرة، ولما بشّر بقتل أبي جهل يوم بدر قال: «هذا فرعون هذه الأمة» . وكان فرعون وقومه من الصابئة المشركين الكفار، ولهذا كان يعبد آلهة من دون الله، كما أخبر عنه بقوله: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف: 127] وإن كان عالما بما جاء به موسى. مستيقنا له، لكنه كان جاحدا مثبورا، كما أخبر الله بذلك في قوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً
ما اقتضته الحكمة الربانية في التنزيل الكريم
وَعُلُوًّا ... [النمل: 13- 14] الآية. وقال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ....- إلى قوله- لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ.... [الإسراء: 101- 102] الآية. ما اقتضته الحكمة الربانية في التنزيل الكريم قال الشيخ وليّ الله الدهلويّ- قدس سره- في الفوز الكبير: ليعلم أن المقصود من نزول القرآن تهذيب طوائف الناس من العرب والعجم، والحضر والبدو. فاقتضت الحكمة الإلهية أن لا يخاطب، في التذكير بآلاء الله، بأكثر مما يعلمه أكثر أفراد بني آدم. ولم يبالغ في البحث والتفتيش مبالغة زائدة، وسيق الكلام في أسماء الله وصفاته عز وجل بوجه يمكن فهمه والإحاطة به بإدراك وفطانة، خلقت أفراد الإنسان، في أصل الفطرة عليها. بدون ممارسة الحكمة الإلهية، وبدون مزاولة علم الكلام، فأثبت ذات المبدأ إجمالا، لأن هذا العلم سار في جميع أفراد بني آدم، لا ترى طائفة منهم في الأقاليم الصالحة والأمكنة القريبة من الاعتدال، ينكرون ذلك. ولما امتنع، بالنسبة إليه، إثبات الصفات بطريق تحقيق الحقائق، مع أنهم إن لم يطلعوا على الصفات الإلهية لم ينالوا معرفة الربوبية التي هي أنفع الأشياء في تهذيب النفوس- اقتضت الحكمة الإلهية أن يختار شيء من الصفات البشرية الكاملة مما يعلمونها، ويجري التمدح بها فيها بينهم، فتستعمل بإزاء المعاني الغامضة التي لا مدخل للعقول البشرية في ساحة جلالها، وجعل نكتة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] ، ترياقا للداء العضال من الجهل المركب، ومنع من الصفات البشرية التي تثير الأوهام بجانب العقائد الباطلة في إثبات مثلها. كإثبات الولد والبكاء والجزع. وإن تأملت بتعمق النظر، وجدت الجريان على مسطر العلوم الإنسانية غير المكتسبة، وميزت صفات يمكن إثباتها، ولا يقع بها خلل من الصفات التي تثيرها الأوهام الباطلة أمرا دقيقا لا تدركه أذهان العامة. لا جرم كان هذا العلم توقيفيا، ولم يؤذن لهم في التكلم بكل ما يشتهون، واختار سبحانه وتعالى من آلائه وآيات قدرته، جل وعلا، ما تساوت في فهمه الحضر والبدو والعرب والعجم، ولهذا لم يذكر النعم النفسانية المخصوصة بالأولياء والعلماء، ولم يخبر بالنعم الارتفاقية المخصوصة بالملوك. وإنما ذكر سبحانه وتعالى ما ينبغي ذكره. كخلق السموات والأرضين، وإنزال الماء من السحاب، وإجرائها من الأرض، وإخراج أنواع الثمار والحبوب والأزهار بواسطة الماء، وإلهام الصناعات الضرورية والقدرة على فعلها. وقد
قرر في مواضع كثيرة من التنبيه على اختلاف أحوال الناس عند هجوم المصائب وانكشافها، ما كان كثير الوقوع من الأمراض النفسانية. واختار من أيام الله- يعني الوقائع التي أحدثها الله سبحانه وتعالى كتنعيم المطيعين، وتعذيب العصاة- ما قرع سمعهم. وذكر لهم إجمالا مثل قصص قوم نوح وعاد وثمود. وكان العرب تتلقاها أبا عن جدّ. ومثل قصص إبراهيم وأنبياء بني إسرائيل عليهم السلام، فإنها كانت مألوفة لأسماعهم لمخالطة اليهود والعرب في قرون كثيرة. لا القصص الشاذة غير المألوفة. ولا أخبار المجازاة بين فارس والهنود. وانتزع من القصص المشهورة جملا تنفع في تذكيرهم. ولم يسرد القصص بتمامها مع جميع خصوصياتها. والحكمة في ذلك أن العوام إذا سمعوا القصص النادرة غاية الندرة، أو استقصى بين أيديهم ذكر الخصوصيات- يميلون إلى القصص نفسها، ويفوتهم التذكر الذي هو الغرض الأصليّ فيها. ونظير هذا الكلام ما قاله بعض العارفين: إن الناس لما حفظوا قواعد التجويد شغلوا عن الخشوع في التلاوة. ولما ساق المفسرون الوجوه البعيدة في التفسير صار علم التفسير نادرا كالمعدوم. ومما تكرر من القصص قصة خلق آدم من الأرض وسجود الملائكة له وامتناع الشيطان منه وكونه ملعونا. وسعيه بعد ذلك في إغواء بني آدم. وقصة مخاصمة نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب عليهم السلام وأقوامهم، في باب التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وامتناع الأقوام من الامتثال بشبهات ركيكة، مع ذكر جواب الأنبياء. وابتلاء الأقوام بالعقوبة الإلهية. وظهور نصرته عز وجل للأنبياء وتابعيهم، وقصة موسى مع فرعون وقومه، ومع سفهاء بني إسرائيل، ومكابرة هذه الجماعة حضرته عليه الصلاة والسلام. وقيام الله سبحانه وتعالى بعقوبة الأشقياء. وظهور نصرة نبيه مرة بعد مرة، وقصة خلافة داود وسليمان وآياتهما وكراماتهما. ومحنة أيوب ويونس، وظهور رحمة الله سبحانه لهما، واستجابة دعاء زكريا. وقصص سيدنا عيسى العجيبة: من تولده بلا أب، وتكلمه في المهد، وظهور الخوارق منه. فذكرت هذه القصص بأطوار مختلفة إجمالا وتفصيلا بحسب ما اقتضاه أسلوب السور. ومن القصص التي ذكرت مرة أو مرتين فقط رفع سيدنا إدريس، ومناظرة سيدنا إبراهيم لنمروذ ورؤيته إحياء الطير، وذبح ولده. وقصة سيدنا يوسف، وقصة ولادة
سيدنا موسى وإلقائه في اليم، وقتله القبطيّ، وخروجه إلى مدين وتزوجه هناك. ورؤية النار على الشجرة. وسماع الكلام منها. وقصة ذبح البقرة. وقصة التقاء موسى والخضر. وقصة طالوت وجالوت. وقصة بلقيس. وقصة ذي القرنين. وقصة أصحاب الكهف. وقصة رجلين تحاورا فيما بينهما. وقصة أصحاب الجنة. وقصة رسل عيسى الثلاثة. والمؤمن الذي قتله الكفار شهيدا. وقصة أصحاب الفيل. فليس المقصود من هذه القصص معرفتها بأنفسها، بل المقصود انتقال ذهن السامع إلى وخامة الشرك والمعاصي، وعقوبة الله عليها، واطمئنان المخلصين بنصرة الله تعالى، وظهور عنايته عز وجل بهم. وقد ذكر جل شأنه من الموت وما بعده كيفية موت الإنسان، وعجزه في تلك الساعة، وعرض الجنة والنار عليه بعد الموت، وظهور ملائكة العذاب. وقد ذكر أشراط الساعة من نزول عيسى، وخروج دابة الأرض، وخروج يأجوج ومأجوج، ونفخة الصعق، ونفخة القيام، والحشر والنشر، والسؤال والجواب، والميزان، وأخذ صحف الأعمال باليمين والشمال، ودخول المؤمنين الجنة، ودخول الكفار النار، واختصام أهل النار من التابعين والمتبوعين فيما بينهم، وإنكار بعضهم على بعض، ولعن بعضهم بعضا، واختصاص أهل الإيمان برؤية الله عز وجل، وتلوّن أنواع التعذيب من السلاسل والأغلال والحميم والغسّاق والزقوم. وأنواع التنعيم من الحور والقصور، والأنهار والمطاعم الهنيئة، والملابس الناعمة، والنساء الجميلة، وصحبة أهل الجنة فيما بينهم صحبة طيبة مفرحة للقلوب. فتفرقت هذه القصص في سور مختلفة بإجمال وتفصيل بحسب اقتضاء أسلوبها. والكلية في مباحث الأحكام أنه صلّى الله عليه وسلّم بعث بالملة الحنيفية. فلزم بقاء شرائه تلك الملة، وعدم التغيير في أمهات تلك المسائل، سوى تخصيص العموم، وزيادة التوقيعات والتحديدات ونحوها. وأراد الله سبحانه وتعالى أن يزكي العرب بحضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم ويزكي سائر الأقاليم بالعرب. فلزم أن تكون مادة شريعته صلّى الله عليه وسلّم على رسوم العرب وعاداتهم. وإذا نظرت إلى مجموع شرائع الملة الحنيفية، ولاحظت رسوم العرب وعاداتهم، وتأملت تشريعه صلّى الله عليه وسلّم الذي بمنزلة الإصلاح والتسوية- تحققت لكل حكم سببا، وعلمت لكل أمر
ونهي مصلحة. وتفصيل الكلام الطويل. وبالجملة، فقد كان وقع في العبادات من الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج فتور عظيم من التساهل في إقامتها، واختلاف الناس فيها، بسبب عدم التوقيت في أكثرها، ودخول تحريفات أهل الجاهلية فيها، فأسقط القرآن عدم النسق منها، وسواها حتى استقام أمرها. وأما تدبير المنزل فقد كان وقع فيها رسوم ضارة وأنواع تعدّ وعتوّ. وكذلك أحكام السياسة المدنية كانت مختلة، فضبط القرآن العظيم أصولها، وحدودها، ووقتها. وذكر من هذا الباب أنواع الكبائر، وكثيرا من الصغائر، وذكرت مسائل الصلاة بطريق الإجمال. وذكر فيها لفظ إقامة الصلاة. ففصّلها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالأذان وبناء المساجد والجماعة والأوقات وذكرت مسائل الزكاة أيضا بالاختصار، ففصلها صلّى الله عليه وسلّم تفصيلا. وذكر الصوم في سورة البقرة. والحج فيها وفي سورة الحج. والجهاد في سورة البقرة والأنفال، وفي مواضع متفرقة. والحدود في المائدة والنور. والميراث والنكاح والطلاق في سورة البقرة والنساء والطلاق، وغيرها. وإذا عرفت القسم الذي تعم فائدته جميع الأمة، فهنالك قسم آخر. وذلك مثل أنه كان يعرض عليه صلّى الله عليه وسلّم سؤال فيجيب، أو بذل النفس والأموال من أهل الإيمان في حادثة، وإمساك المنافقين واتباعهم الهوى- فمدح الله سبحانه المؤمنين، وذم المنافقين مع تهديدهم. أو وقعت حادثة من قبيل نصرة على الأعداء وكفّ ضررهم- فمنّ الله سبحانه وتعالى على المؤمنين، وذكرهم بتلك النعمة. أو عرضت حاجة تحتاج إلى تنبيه وزجر أو تعريض أو إيماء أو أمر أو نهي- فأنزل الله سبحانه في ذلك الباب. فما كان من هذا القبيل فلا بد للمفسر من ذكر تلك القصص بطريق الإجمال. وقد جاءت تعريضات في قصة بدر في الأنفال. وبقصة أحد في آل عمران. وبالخندق في الأحزاب. وبالحديبية في الفتح. وبني النضير في الحشر. وجاء الحث على فتح مكة وغزوة تبوك في براءة. والإشارة إلى حجة الوداع في المائدة. والإشارة إلى قصة نكاح زينب في الأحزاب. وتحريم السريّة في سورة التحريم «1» . وقصة
ذكر بديع أسلوب القرآن الكريم
الإفك في سورة النور. واستماع الجن تلاوته صلّى الله عليه وسلّم في سورة الجن والأحقاف. ومسجد الضرار في براءة. وأشير إلى قصة الإسراء في أول بني إسرائيل. وهذا القسم أيضا في الحقيقة من باب التذكير بأيام الله. ولكن لما توقف حل التعريضات فيه على سماع القصة- ميّز من سائر الأقسام. ذكر بديع أسلوب القرآن الكريم قال الإمام الدهلويّ في كتابه المنوه به قبل: ولنبين هذا البحث في فصول: الفصل الأول لم يجعل القرآن مبوبا مفصلا ليطلب كل مطلب منه في باب أو فصل، بل كان كمجموع المكتوبات فرضا، كما يكتب الملوك إلى رعاياهم، بحسب اقتضاء الحال، مثالا، وبعد زمان يكتبون مثالا آخر، وعلى هذا القياس. حتى تجتمع أمثلة كثيرة، فيدونها شخص حتى يصير مجموعا مرتبا. كذلك نزل الملك على الإطلاق جل شأنه على نبيه صلّى الله عليه وسلّم لهداية عباده، سورة بعد سورة بحسب اقتضاء الحال. وكان في زمانه صلّى الله عليه وسلّم كل سورة محفوظة ومضبوطة على حدة، من غير تدوين السور، ثم رتبت السور في مجلد بترتيب خاص في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وسمي هذا المجموع بالمصحف، وقد كانت السور مقسومة عند الصحابة إلى أربعة أقسام: القسم الأول: السبع الطوال التي هي أطول السور، والقسم الثاني: سور في كل منها مائة آية وتزيد شيئا قليلا، والقسم الثالث. ما فيه أقل من المائة وهي المثاني، والقسم الرابع: المفصّل. وقد أدخل في ترتيب المصحف سورتان أو ثلاث من عداد المثاني، في المئين. لمناسبة سياقها بسياق المئين. وعلى هذا القياس ربما وقع في بعض الأقسام
أيضا تصرف. واستنسخ عثمان رضي الله عنه، من ذلك المصحف، مصاحف أرسل بها إلى الآفاق ليستفيدوا منها، ولا يميلوا إلى ترتيب آخر. ولما كان بين أسلوب السور، وأسلوب أمثلة الملوك مناسبة تامة، روعي في الابتداء والانتهاء طريق المكاتيب، كما يبتدئون في بعض المكاتيب بحمد الله عز وجل، والبعض الآخر ببيان غرض الإملاء، والبعض الآخر باسم المرسل والمرسل إليه. ومنها ما يكون رقعة وشقة بغير عنوان، وبعضها يكون مطولا وبعضها يكون مختصرا كذلك سبحانه وتعالى صدّر بعض السور بالحمد والتسبيح، وبعضها ببيان غرض الإملاء، كما قال عز وجل: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] ، سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها [النور: 1] ، وهذا القسم يشبه ما يكتب «هذا ما صالح فلان وفلان» و «هذا ما أوصى به فلان» . وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم كتب في واقعة الحديبية: «هذا ما قاضى عليه محمد صلّى الله عليه وسلّم» «1» . وبعضها يذكر المرسل والمرسل إليه كما قال: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر: 1] ، كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: 1] ، وهذا القسم يشبه ما يكتبون: «صدر الحكم من حضرة الخلافة» ، أو يكتبون: «هذا إعلام لسكنة البلدة الفلانية من حضرة الخلافة» . وقد كان كتب صلّى الله عليه وسلّم: «من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم» . وبعضها على أسلوب الرقاع والشقق بغير عنوان، كما قال عز وجل: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ [المنافقون: 1] ، قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [المجادلة: 1] ، يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ [التحريم: 1] . ولما كانت للقصائد في فصاحة الكلام شهرة عند العرب، وكان من عاداتهم في مبدأ القصائد التشبيب بذكر مواضع عجيبة، ووقائع هائلة- اختار الله عز وجل هذا الأسلوب في بعض السور، كما قال: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً [الصافات: 1- 2] ، وَالذَّارِياتِ ذَرْواً فَالْحامِلاتِ وِقْراً [الذاريات: 1- 2] ، إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [التكوير: 1- 2] . وكما كانوا يختمون المكاتيب بجوامع الكلم، ونوادر الوصايا، وتأكيد
الفصل الثاني
الأحكام السابقة، وتهديد من يخالفها- كذلك الله سبحانه ختم أواخر السور بجوامع الكلم ومنابع الحكم، والتأكيد البليغ، والتهديد العظيم. وقد يصدر في أثناء السور الكلام البليغ، العظيم الفائدة، البديع الأسلوب، بنوع من الحمد والتسبيح، أو بنوع من بيان النعم والامتنان. كما صدر بيان التباين بين مرتبة الخالق والمخلوق ب قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى، آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: 59] ، ثم بين هذا المدعى في خمس آيات بأبلغ وجه، وأبدع أسلوب. كما صدر مخاصمة بني إسرائيل في أثناء سورة البقرة ب يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا ... ثم ختمها بهذه الكلمة أيضا. وابتداء المخاصمة بهذا الكلام وانتهاؤه به محل عظيم في البلاغة. وكذلك صدر مخاصمة أهل الكتابين في آل عمران بآية إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: 19] ليتصور محل النزاع ويتوارد القيل والقال على ذلك المدعى، والله أعلم بحقيقة الحال. الفصل الثاني قد جرت سنة الله عز وجل في أكثر السور بتقسيمها إلى الآيات. كما كانوا يقسمون القصائد إلى الأبيات. غاية الأمر أن بين الآيات والأبيات فرقا. كل منهما ينشد لالتذاذ نفس المتكلم والسامع. إلا أن الأبيات مقيدة بالعروض والقافية التي دوّنها الخليل وحفظها الشعراء. وبناء الآيات على وزن وقافية إجماليين يشبهان أمرا طبيعيا، لا على أفاعيل العروضيين وتفاعيلهم وقوافيهم المعينة التي هي أمر صناعيّ واصطلاحيّ، وتنقيح ما وقع من الأمر المشترك بين الأبيات والآيات. وتطلق النشائد بإزاء ذلك الأمر العام. ثم ضبط أمور وقع في الآيات التزامها، وذلك بمنزلة الفصل يحتاج إلى التفصيل. والله وليّ التوفيق. تفصيل هذا الإجمال، أن الفطرة السليمة تدرك في القصائد الموزونة المقفاة والأراجيز الرائقة وأمثالها، لطفا وحلاوة بالذوق. وإذا تأملت سبب إدراك اللطف المذكور، فليكن ورود كلام بعض أجزائه يوافق بعضا مفيدا للذة في نفس المخاطب مع انتظار مثله. حتى إذا وقع في نفسه بيت آخر بتوافق الأجزاء المعلوم، وتحقق الأمر المنتظر، تضاعفت اللذة عنده، فحسب كأن البيتين بينهما اشتراك في القافية.
فتضاعفت اللذة ثالثة. فالالتذاذ بالأبيات بهذا السر فطرة قديمة للناس. والأمزجة السليمة من أهل الأقاليم المعتدلة متفقة على ذلك. ثم وقعت في توافق الأجزاء من كل بيت، وفي شرط القافية المشتركة بين الأبيات، مذاهب مختلفة ورسوم متباينة، فاختار العرب قانونا وضعه الخليل وأوضحه إيضاحا. والهنود يتبعون رسما يحكم به ذوقهم وقريحتهم، وكذلك اختار أهل كل زمان وضعا وسلكوا طريقا. فإذا انتزعنا من هذه الرسوم والمذاهب المختلفة أمرا جامعا، وتأملنا سرّا منتشرا، وجدنا الموافقة أمرا تخمينيا لا غير. مثلا، يذكر العرب مقام مستفعلن مفاعلن ومفتعلن، ويعدون مقام فاعلاتن فعلاتن وفاعلتن على القاعدة، ويجعلون موافقة ضرب بيت بضرب بيت آخر، وموافقة عروض بيت لعروض بيت آخر- من المهمات. ويجوّزون في الحشو كثيرا من الزحافات. بخلاف شعراء الفرس. فإن الزحافات عندهم مستهجنة. وكذلك تستحسن العرب إن كانت القافية في بيت «قبور» أن يكون في بيت آخر «مثير» بخلاف شعراء العجم. وكذلك شعراء العرب يعدون «حاصل» و «داخل» و «نازل» من قسم واحد بخلاف شعراء العجم. وكذلك وقوع كلمة في المصراعين، بحيث يكون نصفها في مصراع ونصفها الآخر في مصراع آخر عند العرب لا عند العجم. وبالجملة فإن موافقة الأمر المشترك موافقة تخمينية، لا موافقة حقيقية. ومبنى أوزان الأشعار عند الهند على عدد الحروف. بغير ملاحظة الحركات والسكنات، وهو أيضا مما يتلذذ به. وقد سمعنا بعض أهل البدو، ممن يتلذذ بتغريداته، يختارون كلاما متوافقا بتوافق تخمينيّ، برديف يكون تارة كلمة واحدة وأخرى يزيد عليها. وينشدون تغريداتهم مثل القصائد. فيتلذذون بها. ولكل قوم أسلوب خاص في نظمهم. وعلى هذا القياس وقع اتفاق الأمم على الالتذاذ بألحان ونغمات واختلافهم في رسوم التغريد والقواعد محقق. وقد استنبط اليونانيون أوزانا سموها بالمقامات واستخرجوا منها شعبا دوّنوا لهم فنا شديد التفصيل. وأهل الهند تفطنوا لستّ نغمات وفرّعوا منها نغيمات. وقد رأينا أهل البدو تباعدوا عن هذين الاصطلاحين، وتفطنوا بحسب سليقتهم للتأليف والإيقاع، فهذبوا لهم أوزانا معدودة بغير ضبط الكليات وحصر الجزئيات. فإذا نظرنا بعد هذه الملاحظات إلى حكم الحدس لم نجد هاهنا أمرا مشتركا سوى الموافقة التخمينية. ولا يتعلق تخمين العقل إلا بذلك المنتزع الإجماليّ. لا بتفصيل القوافي
المردفة الموصلة، ولا يحب الذوق السليم إلا تلك الحلاوة المحضة، لا الطويل والمديد من البحور. لما أراد حضرة الخلّاق أن يكلم الإنسان، الذي هو قبضة من التراب، نظر إلى ذلك الحسن الإجماليّ لا إلى قوالب مستحسنة عند قوم دون قوم، ولما أراد مالك الملك أن يتكلم على منهج الآدميين، ضبط ذلك الأصل البسيط، لا هذه القوانين المتغيرة بتغير الأدوار والأطوار. ومنشأ التمسك بالقوانين المصطلح عليها هو العجز والجهل، وتحصيل الحسن الإجماليّ، بلا توسط تلك القواعد بحيث لا يفوت في الأغوار والأنجاد من البيان شيء، ولا يضيع في كل سهل وجبل من الكلام معجز ومفحم. وأنا أنتزع هنا من جريان الحق سبحانه وتعالى على ذلك السنن أصلا. وأنتقل إلى قاعدة. وتلك القاعدة أنه اعتبر في أكثر السور امتداد الصوت، لا الطويل والمديد من البحور مثلا، واعتبر في الفواصل انقطاع النفس بالمدة، وما تعتمد عليه المدة، لا قواعد فن القوافي، وهذه الكلمة أيضا تقتضي بسطا. فاستمع لما أقول: تردّد النّفس في قصبة العنق من جبلة الإنسان. وإن كان تطويل النفس وتقصيره من مقدور البشر. لكن إذا خلّي وطبعه فلا بد من امتداد محدود. فيحصل في أول خروج النفس نشاط، ثم يضمحل ذلك النشاط تدريجا حتى ينقطع في آخر الأمر. فيحتاج إلى إعادة نفس جديد. وهذا الامتداد أمر محدود بحدّ مبهم. ومقدر بمقدار منتشر لا يتجاوز نقصانه كلمتين، بل لا يتجاوز الثلث والربع، والزيادة لا تتجاوز كلمتين، بل لا تتجاوز الثلث والربع من ذلك الحد. ويسع ذلك اختلاف عدد الأوتاد والأسباب وتقدم بعض الأركان على بعض، فجعل لامتداد النفس وزن معلوم. وقسم ذلك على ثلاثة أقسام: طويل ومتوسط وقصير. أما الطويل فنحو سورة النساء، وأما المتوسط فنحو سورة الأعراف والأنعام، وأما القصير فنحو سورة الشعراء وسورة الدخان.. وتمام النفس يعتمد على مدة معتمدة على حرف قافية متسعة يوافقها ذوق الطبع، ويتلذذ من إعادتها مرة بعد أخرى، وإن كانت المدة، في موضع، ألفا، وفي موضع آخر، واوا أو ياء. وسواء كان ذلك الحرف الأخير باء في موضع، أو جيما. أو قافا في موضع آخر، فَيَعْلَمُونَ ومُؤْمِنِينَ ومُسْتَقِيمٍ متوافقة. وخُرُوجٍ ومَرِيجٍ وتَحِيدُ و (تبار) وفَواقٍ وعُجابٌ كلها على قاعدة. وكذلك لحوق الألف في آخر الكلام قافية متسعة، في إعادتها لذة. وإن كان حرف
الرويّ مختلفا فيقولون: في موضع كَرِيماً، وفي موضع آخر، حَدِيثاً، وفي موضع ثالث بَصِيراً فإن التزم في هذه الصورة موافقة الرويّ، كان من قبيل التزام ما لا يلزم. كما وقع في أوائل سورة مريم وسورة الفرقان. وكذلك توافق الآيات بحرف قبل الميم في سورة القتال: (سورة محمد صلّى الله عليه وسلّم) والنون في سورة الرحمن يفيد لذة كما لا يخفى. وكذلك إعادة جملة بعد طائفة تفيد لذة. كما وقع في سورة الشعراء وسورة القمر وسورة الرحمن وسورة المرسلات، وقد تخالف فواصل آخر السورة أولها لتطريب ذهن السامع وللإشعار بلطافة ذلك الكلام مثل إِدًّا وهَدًّا في آخر سورة مريم، ومثل سَلاماً وكِراماً في آخر سورة الفرقان، وطِينٍ وساجِدِينَ والْمُنْظَرِينَ في آخر سورة ص. مع أن أوائل هذه السور مبنية على فاصلة أخرى كما لا يخفى. فجعل الوزن والقافية المذكوران في أكثر السور من المهمات. إن كان اللفظ الأخير من الآية صالحا للقافية فيها. وإلّا وصل بجملة فيها وبين آلاء الله أو تنبيه للمخاطب. كما يقول وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً، وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، (إن في ذلك لآيات لأولي الألباب) ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وقد أطنب في مثل هذه المواضع أحيانا مثل فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً، ويستعمل التقديم والتأخير مرة، والقلب والزيادة أخرى. مثل إِلْ ياسِينَ في إلياس، وطُورِ سِينِينَ في سيناء. وليعلم هاهنا أن انسجام الكلام وسهولته على اللسان لكونه مثلا سائرا، أو لتكرر ذكره في الآية- ربما يجعل الكلام الطويل موزونا مع الكلام القصير. وقد تكون الفقر الأول أقصر من الفقر التالية، وهو يفيد عذوبة في الكلام. خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة: 30- 32] ، كأن المتكلم يقدر في مثل هذا الكلام أن الفقرة الأولى والثانية، من حيث المجموع، في كفّة، والثالثة، وحدها، في كفة. وربما تكون الآية ذات قوائم ثلاث نحو: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ [آل عمران: 106] ، الآية. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ... [آل عمران: 107] الآية. والعامة يصلون الأول بالثاني فيحسبون الآية طويلة. وقد تجيء في آية فاصلتان كما يكون في البيت أيضا مثل: كالزهر في ترف، والبدر في شرف ... والبحر في كرم، والدهر في همم وقد تكون الآية من سائر الآيات. والسر هاهنا إذا جعل حسن الكلام الناشئ من
تقارب الوزن ووجد أن الأمر المنتظر وهو القافية في كفة، وجعل حسن الكلام الناشئ من سهولة الأداء وموافقة طبع الكلام وعدم لحوق التغيير فيه في كفة أخرى- ترجح الفطرة السليمة جانب المعنى، فيترك أحد الانتظارين مهملا، ويوفى الحق في الانتظار الثاني. وإنما قلنا في صدر البحث: قد جرت سنة الله عز وجل على هذا في أكثر السور، لأنه ما ظهرت في بعض السور رعاية هذا القسم من الوزن والقافية. فوقعت طائفة من الكلام على نهج خطب الخطباء وأمثال أهل النكت. ألم تسمع «1» مسامرة النساء المروية عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها فانظر في قوافيها. وفي بعض السور وقع الكلام على منهج كتب العرب بلا رعاية شيء. كمحاورة بعض الناس لبعض. إلا أنه يختم كل كلام بشيء يكون مبنيا على الاختتام. والسر هاهنا أن الأصل في لغة العرب الوقف في موضع ينتهي فيه النفس ويفنى نشاط الكلام. والمستحسن في محل الوقف انتهاء النفس على المدة، هذا هو الوجه في ظهور صورة الآيات. هذا ما فتح الله على الفقير والله أعلم. إن سألوا. لما تكررت مطالب الفنون الخمسة (أعني علم الأحكام، وعلم الرد على الفرق الضالة، وعلم التذكير بآلاء الله من نحو بيان خلق السموات، وعلم التذكير بأيام الله كالوقائع التي أوجدها من جنس تنعيم المطيعين وتعذيب المجرمين، وعلم التذكير بالموت وما بعده) في القرآن العظيم، ولم لم يكتف بموضع واحد؟ قلنا: الذي نريد إفادته للسامع ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يكون المقصود هناك مجرد تعليم ما لا يعلم، فالمخاطب لم يكن عالما بالحكم، وما كان ذهنه مدركا له، فيعلم ذلك المجهول باستماع الكلام ويصير المجهول معلوما. والثاني: أن يكون المقصود استحضار صورة ذلك العلم في المدركة ليتلذذ به لذة تامة وتفنى القوى القلبية والإدراكية في ذلك العلم، ويغلب القوى كلها حتى تنصبغ بذلك العلم، كما نكرر أحيانا معنى شعر علمناه، وندرك منه لذة في كل مرة، ونحب التكرار لتلك اللذة، والقرآن العظيم أراد من قسمي الإفادة بالنسبة إلى كل واحد من مطالب الفنون الخمسة- تعليم ما لا يعلم بالنسبة إلى الجاهل، وصبغ النفوس بتلك العلوم من التكرار بالنسبة إلى العالم. إلا أن أكثر مباحث الأحكام لم يحصل تكرارها. لأن الإفادة الثانية غير مطلوبة فيها. ولذا أمر بتكرار التلاوة في
الشريعة، ولم يكتف بمجرد الفهم ولكن الفرق أنهم اختاروا في أكثر الأحوال تكرار تلك المسائل بعبارة جديدة وأسلوب غريب ليكون أوقع في النفس وألذّ في الأذهان دون التكرار بلفظ واحد. والذهن يخوض في صورة اختلاف التعبيرات وتغاير الأسلوب، ويتعمق الخاطر بأسره. إن سألوا: لم نشر هذه المطالب في سورة القرآن، ولم يراع الترتيب فيذكر آلاء الله أولا، ويستوفي حقها، ثم يذكر أيام الله، ثم مخاصمة الكفار؟ قلنا: وإن كانت القدرة الإلهية شاملة للممكنات كلها، ولكن الحاكم في هذه الأبواب الحكمة. والحكمة موافقة المبعوث إليهم في اللسان، وأسلوب البيان، وأشير إلى هذا المعنى في آية: لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ، ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ... [فصلت: 44] ، وما كان في العرب في وقت نزول القرآن كتاب، لا من الكتب الإلهية، ولا من مؤلف البشر. وما كان العرب يعلمون ما اخترع المصنفون الآن من الترتيب. فإن كنت في شك من هذا فتأمل قصائد الشعراء المخضرمين، وأقرا رسائل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ومكاتيب عمر الفاروق رضي الله عنه ليتضح هذا المعنى. فلو قيل بخلاف طورهم، لبقوا في حيرة حين يصل إلى سمعهم شيء غير معهود، فيشوش فهمهم. وأيضا ليس المقصود مجرد الإفادة، بل الإفادة مع الاستحضار والتكرار، وهذا المعنى، في غير المرتب، أقوى وأتم. إن سألوا لمَ لم يختر وزنا وقافية. يعتبران عند الشعراء، فإنهما ألذّ من هذا الوزن والقافية؟ قلنا: كونهما ألذّ، يختلف باختلاف الأقوام والأذهان. وعلى التسليم، فإبداع طور من الوزن والقيافة على لسان حضرة نبينا صلّى الله عليه وسلّم، وهو أميّ، آية ظاهرة على نبوته صلّى الله عليه وسلّم. ولو نزل القرآن على وزن الشعراء وقافيتهم لحسب الكفار أنه هو الشعر المشهور المعروف في العرب، ولم يأخذوا من ذلك الحسبان فائدة، كما إذا أراد البلغاء من أهل النظم والنثر أن يثبتوا مزيتهم ورجحانهم على المعاصرين على رؤوس الأشهاد، استنبطوا صناعة غريبة، وقالوا: هل يستطيع أحد أن يقول شعرا أو غزلا على هذا الطور؟ أو يكتب كتابا على هذا النمط؟ ولو كان إنشاؤهم على الطور القديم لما ظهرت براعتهم إلا عند المحققين. إن سألوا عن إعجاز القرآن: من أي وجه هو:؟ قلنا: المحقق عندنا أنه لوجوه كثيرة: منها الأسلوب البديع. لأن العرب كانت لهم ميادين معلومة يركضون فيها
جواد البلاغة ويحرزون قصبات السبق في مسابقة الأقران بالقصائد والخطب، والرسائل والمحاورات. وما كانوا يعرفون أسلوبا غير هذه الأوضاع الأربعة، ولا يتمكنون من إبداعه. فإبداع أسلوب غير أساليبهم على لسان حضرته صلّى الله عليه وسلّم، وهو أمّيّ، عين الإعجاز. ومنها الإخبار بالقصص والأحكام والملل السابقة، بحيث كان مصدقا للكتب السابقة. ومنها الإخبار بأحوال مستقبلة، فكلما وجد شيء على طبق ذلك الإخبار ظهر إعجاز جديد. ومنها الدرجة العليا في البلاغة مما ليس مقدورا للبشر. ونحن لما جئنا بعد العرب الأول، ما كنا لنصل إلى كنه ذلك، ولكن القدر الذي علمناه أن استعمال الكلمات والتركيبات العذبة الجزلة مع اللطافة وعدم التكلف في القرآن العظيم- أكثر منه في قصائد المتقدمين والمتأخرين. فإنا لا نجد من ذلك فيها قدر ما نجده في القرآن، وهذا أمر ذوقي يتمكن من معرفته المهرة من الشعراء، وليس للعامة من الناس ذائقة في هذا الأمر. وأيضا نعلم من الغرابة فيه إنه يلبس المعاني من أنواع التذكير والمخاصمة في كل موضع لباسا يناسب أسلوب السورة، وتقصر يد المتطاول عن نيله، وإن كان أحد لا يفهم هذا الكلام فليتأمل إيراد قصص الأنبياء، في سورة الأعراف، وهود والشعراء، ثم لينظر تلك القصص في الصافات، ثم في الذاريات ليظهر له الفرق. وكذلك تعذيب العصاة وتنعيم المطيعين فإنه يذكر في كل مقام بأسلوب جديد. ويذكر مخاصمة أهل النار في كل مقام بصورة على حدة. والكلام في هذا يطول. وأيضا نعلم إنه لا يتصور رعاية مقتضى المقام، الذي تفصيله في فن المعاني، والاستعارات، والكنايات، التي تكفل بها فن البيان مع رعاية حال المخاطبين الأميين الذين لا يعرفون هذه الصناعات- أحسن مما يوجد في القرآن العظيم. فإن المطلوب هاهنا أن يذكر في المخاطبات المعروفة التي يعرفها كل من الناس نكتة رائقة للعامة، مرضية عند الخاصة، وهذا المعنى كالجمع بين النقيضين. يزيدك وجه حسنا ... إذا ما زدته نظرا ومن جملة وجوه الإعجاز ما لا يتيسر فهمه لغير المتدبرين في أسرار الشرائع. وذلك أن العلوم الخمسة نفسها. تدل على أن القرآن نازل من عند الله لهداية بني
الرخصة بقراءة القرآن على سبعة أحرف في العهد النبوي
آدم، كما أن عالم الطب إذا نظر في القانون ولا حظ تحقيقه وتدقيقه في بيان أسباب الأمراض وعلاماتها، ووصف الأدوية- لا يشك أن المؤلف كامل في صناعة الطب. كذلك إذا علم عالم أسرار الشرائع ما ينبغي إلقاؤه على أفراد الناس في تهذيب النفوس، ثم يتأمل في الفنون الخمسة- يتحقق أن هذه الفنون قد وقعت موقعها بوجه لا يتصور أحسن منه. والنور يدل نفسه على نفسه. انتهى المنقول من الفوز الكبير. الرخصة بقراءة القرآن على سبعة أحرف في العهد النبويّ ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، من رواية جمع من الصحابة أنافوا على العشرين- كما في الإتقان- وعدّ أبو عبيد الحديث المرويّ فيه متواترا: «1» أن القرآن أنزل على سبعة أحرف. ومما خرجه رواة الصحاح من طرقه: ما وقع لعمر بن الخطاب رضي الله عنه «2» وتلبيبه هشام بن حكيم برادئه، وانطلاقه به يقوده إلى رسول الله صلوات الله عليه وقوله: يا رسول الله سمعت هشاما يقرأ على حرف لم تقرئنيه. فاستقرأه عليه السلام فقرأ عليه. فقال: «كذلك أنزلت» . ثم استقرأ عمر فقرأ. فقال له عليه السلام: «كذلك أنزلت» . ثم قال صلوات الله عليه: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه.» زيد في رواية: «كلها شاف كاف» «3» ، وفي رواية أم أيوب
رضي الله عنها: «أيها قرأت أصبت» «1» وصح من رواية أبيّ بن كعب، أن النبيّ عليه السلام استزاد جبريل لما قرأه على حرف حتى بلغ سبعة أحرف، وفي رواية لأبيّ قال: قال النبيّ لجبريل عليهما السلام: «إني بعثت إلى أمة أميين. منهم الغلام والخادم والشيخ الفاني والعجوز» «2» فقال جبريل: فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف. زاد في رواية: فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا. أخرج ابن جرير عن الأعمش قال: قرأ أنس هذه الآية: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة! إنما هي أقوم. فقال: أقوم وأصوب وأهنأ واحد. وعن شقيق قال: قال عبد الله بن مسعود: إني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرؤوا كما علمتم. وإياكم والتنطع. فإنما هو كقول أحدكم: هلمّ وتعال. وقال ابن سيرين: لا تختلف السبع في حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي: هو كقولك: تعال وهلمّ وأقبل. كذا في ابن جرير. قال الإمام ابن قتيبة في كتاب المشكل: كان من تيسير الله تعالى أن أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقرئ كل أمة بلغتهم وما جرى عليه عادتهم، فالهذلي يقرأ: (عتى حين) يريد حتى كذا يلفظ بها ويستعملها، والنميميّ يهمز. والقرشيّ لا يهمز. والآخر يقرأ: (قيل وغيض) بإشمام الضم مع الكسر، بِضاعَتُنا رُدَّتْ بإشمام الكسر مع الضم. ولو أراد كل فريق من هؤلاء أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا- لاشتد ذلك عليه وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان وقطع للعادة. فأراد الله، برحمته ولطفه، أن يجعل لهم متّسعا في اللغات ومتصرّفا في الحركات، كتيسيره عليهم في الدين. قال أبو شامة: معنى قول كثير من الصحابة والتابعين: القراءة سنة يأخذها
معنى السبع في حديث"أنزل على سبعة أحرف"
الآخر عن الأول، فاقرؤوا كما علمتم. هو أن السنة المشار إليها ما ثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأه، أو أذن فيه على ما صح عنه «أن القرآن أنزل على سبعة أحرف» فلأجل ذلك كثر الاختلاف في القراءة في زمانه وبعده. إلى أن كان ما كان في عهد عثمان وجمعهم على حرف واحد- كما سيأتي بيانه مفصّلا. معنى السبع في حديث «أنزل على سبعة أحرف» ليس المراد بالسبع حقيقة العدد المعلوم. بل كثرة الأوجه التي تقرأ بها الكلمة، على سبيل التيسير والتسهيل والسعة. ولفظ السبعة يطلق على الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات، والسبعمائة في المئين، ولا يراد العدد المعين. كذا في الإتقان. وحمل بعضهم العدد على ألسن سبعة. وحمل ابن قتيبة وغيره العدد المذكور في الحديث على الوجوه التي يقع بها التغاير. كتغير الحركة مع بقاء المعنى والصورة. وتغير الفعل ماضيا أو أمرا. وتغير بإعجام حرف أو إهماله. وتغير بإبدال حرف قريب من مخرج حرف آخر. وتغير بالتقديم والتأخير، وتغير بزيادة كلمة أو نقصانها، وتغير بإبدال كلمة بكلمة ترادفها. والأظهر ما ذكرنا من إرادة الكثرة من السبعة، لا التحديد. فيشمل ما ذكره ابن قتيبة وغيره من تغير بإدغام أو إظهار أو تفخيم أو إشمام أو غيرها. وقال ابن جرير: فإن قال لنا قائل: فهل لك من علم بالألسن السبعة التي نزل بها القرآن؟ وأي الألسن هي من ألسن العرب؟ قلنا: أما الألسن التي قد نزلت القراءة بها فلا حاجة بنا إلى معرفتها. لأنا لو عرفناها لم نقرأ اليوم بها مع الأسباب المتقدمة- يعني في كلامه من سبب الاقتصار على حرف واحد كما ستراه قريبا- وقد قيل إن خمسة منها لعجز هوازن واثنين منها لقريش وخزاعة. وروي ذلك عن ابن عباس. وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله. قال ابن جرير: العجز من هوازن سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية وثقيف. ثم قال ابن جرير: أما معنى قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: إذا ذكر نزول القرآن على سبعة أحرف «إن كلها شاف كاف» فإنه كما قال جل ثناؤه في وصفه القرآن: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: 57] ، شفاء
معنى الأحرف في الحديث
يستشفون بمواعظه من الأدواء العارضة لصدورهم من وساوس الشيطان وخطراته، فيكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته. وقال الإمام أبو شامة: إن القرآن نزل أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن تقرأه بلغاتهم التي جزت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب. قال الطحاويّ: إنما كان ذلك رخصة لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد. لعدم علمهم بالكتابة والضبط، وإتقان الحفظ، ثم نسخ بزوال العذر وتيسير الكتابة والحفظ يعني بالنسخ ما أقره عثمان في المصاحف التي كتبها كما سيأتي: معنى الأحرف في الحديث قال الداني: الأحرف الأوجه. أي أن القرآن أنزل على سبعة أوجه من اللغات. لأن الأحرف جمع في القليل. كفلس وأفلس. والحرف قد يراد به الوجه بدليل قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ... [الحج: 11] الآية. فالمراد بالحرف الوجه. أي على النعمة والخير وإجابة السؤال والعافية. فإذا استقامت له هذه الأحوال اطمأنّ وعبد الله. وإذا تغيرت عليه وامتحنه الله بالشدة والضر ترك العبادة وكفر. فهذا عبد الله على وجه واحد. فلهذا سمّى النبي صلّى الله عليه وسلّم هذه الأوجه المختلفة من القراءات والمتغايرة من اللغات، أحرفا. على معنى أن كل شيء منها وجه. وذكر الإمام ابن جرير في قول ابن مسعود: من قرأ القرآن على حرف فلا يتحولن منه إلى غيره- أنه عنى، رضى الله عنه، أن من قرأ بحرفه، وحرفه قراءته. قال: وكذلك تقول العرب لقراءة رجل: حرف فلان. وتقول للحرف من حروف الهجاء المقطعة: حرف. كما تقول لقصيدة من قصائد الشاعر: كلمة فلان. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في تحقيق أن المراد بالحرف الكلمة، فيما نقله عنه الحافظ ابن الجزريّ، في أواخر النشر، ما مثاله: وأما تسمية الاسم وحده كلمة والفعل وحده كلمة، والحرف وحده كلمة مثل: هل وبل، فهذا اصطلاح محض لبعض النحاة. ليس هذا من لغة العرب أصلا. وإنما سمى العرب هذه المفردات حروفا. ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم «1» : «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات. أما
الرد على من توهم أن بعض الصحابة يجوز التلاوة بالمعنى
إني لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» والذي عليه محققو العلماء أن المراد بالحرف الاسم وحده، والفعل وحده، وحرف المعنى وحده. لقوله: ألف حرف، وهذا اسم. ولهذا، لما سأل الخليل أصحابه عن النطق بالزاي من زيد فقالوا: زاي. فقال: نطقتم بالاسم. وإنما الحرف زه. الرد على من توهم أن بعض الصحابة يجوّز التلاوة بالمعنى قال ابن الجزريّ في النشر: أما من يقول بأن بعض الصحابة، كابن مسعود، كان يجيز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه. إنما قال: نظرت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرؤوا كما علمتم. نعم كانوا ربما يدخلون التفسير في القراءة إيضاحا وبيانا، لأنهم محقّقون لما تلقّوه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قرآنا. فهم آمنون من الالتباس. وربما كان بعضهم يكتبه معه. لكن ابن مسعود رضي الله عنه كان يكره ذلك ويمنع منه. رواه عنه مسروق. وروي عنه: جرّدوا القرآن، ولا تلبسوا به ما ليس منه. اقتصار عثمان رضي الله عنه في جمعه، على الحرف المتواتر قال ابن الجزريّ في النشر: لما كان في حدود سنة ثلاثين من الهجرة، في خلافة عثمان رضي الله عنه، حضر حذيفة بن اليمان فتح إرمينية وأذربيجان، فرأى الناس يختلفون في القرآن. ويقول أحدهم: قراءتي أصح من قراءتك. فأفزعه ذلك. وقدم على عثمان وأشار إليه بأن يتدارك هذا الأمر. فأمر بالصحف الموجودة أن تنسخ في المصاحف. وأشار أن يكتب بلسان قريش لأنه أنزل بلسانهم. فكتب منها عدة مصاحف. فوجه منها إلى مكة واليمن والبحرين والبصرة والكوفة والشام. وترك بالمدينة مصحفا. وأمسك لنفسه مصحفا (الذي يقال له الإمام) وأجمعت الأمة على ما تضمنته هذه المصاحف، وترك ما خالفها من زيادة ونقص وإبدال كلمة بأخرى. مما كان مأذونا فيه، توسعة عليهم، ولم يثبت عندهم ثبوتا مستفيضا أنه من القرآن. وقال ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي. كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ضعوا آية كذا في موضع كذا» وقد حصل اليقين من النقل المتواتر، بهذا الترتيب، من تلاوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف.
وقال الحارث المحاسبيّ: إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد، على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لمّا خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراآت. فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن. فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق. وقال ابن التين: اقتصر عثمان، من سائر اللغات، على لغة قريش. محتجا بأنه نزل بلغتهم. وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر. فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت. فاقتصر على لغة واحدة. وقال القاضي أبو بكر، في الانتصار: لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإلغاء ما ليس كذلك. وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته، كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة، على ما يأتي بعد. ينتج عن ذلك مسألة وهي: هل الأحرف السبعة موجودة في المصحف اليوم؟ جوابه ما قاله ابن جرير: إنا لم ندّع أن ذلك موجود اليوم. وإنما أخبرنا أن معنى قول النبي صلّى الله عليه وسلّم «أنزل القرآن على سبعة أحرف» على نحو ما جاءت به الأخبار التي تقدم ذكرها (يعني عن ابن مسعود وغيره) . ثم قال ابن جرير: فإن قال: فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة وقد أقرأهن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه، وأمر بالقراءة. بهن وأنزلهن الله من عنده على نبيه صلّى الله عليه وسلّم: أنسخت فرفعت؟ فما الدلالة على نسخها ورفعها؟ أم نسيتهن الأمة؟ فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه. أم ما القصة في ذلك؟ قيل له: لم تنسخ فترفع، ولا ضيعتها الأمة، وهي مأمورة بحفظها، ولكن الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخيّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت. كما أمرت، إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة، أن تكفّر بأي الكفارات الثلاث شاءت. إما بعتق أو إطعام، أو كسوة. فلو أجمع جميعها على التكفير بواحدة من الكفارات الثلاث دون حظرها التكفير بأي الثلاث شاء المكفر، كانت مصيبة حكم الله، مؤدّية، في ذلك، الواجب عليها من حق الله. فكذلك الأمة. أمرت بحفظ
بيان أن اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه ونحوه ليس من السبعة الأحرف
القرآن وقراءته. وخيرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت، فرأت، لعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد، قراءته بحرف واحد. ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية. ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن له في قراءته به. يعني ممن كان في عهد النبوة متلقيا لذلك من الحضرة النبوية. ثم قال ابن جرير: لما جمع إمام المسلمين وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه على تلاوة القرآن بحرف واحد في مصحف واحد، رأت الأمة أن فيما فعل الرّشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة حتى درست من الأمة معرفتها، وتعفت آثارها. فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها، لدثورها، وعفوّ آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منها صحتها وصحة شيء منها، فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية. فإن قال بعض من ضعفت معرفته: كيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها الرسول صلوات الله عليه وأمرهم بقراءتها؟ قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة، لأن القراءة بها، لو كانت فرضا عليهم، لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة، عند من تقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر، ويزيل الشك من قراءة الأمة. وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجيب بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة. وإذ كان ذلك كذلك، لم يكن القوم بتركهم نقل جميع القراءات السبع، تاركين ما كان عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا إذ كان الذي فعلوا من ذلك، كان كان هو النظر للإسلام وأهله. فكان القيام بفعل الواجب عليهم، بهم أولى من فعل ما لو فعلوه كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة، من ذلك. (أي من الجناية على الإسلام) . بيان أن اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه ونحوه ليس من السبعة الأحرف قال ابن جرير: وأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه،
سبب الاقتصار على قراءات الأئمة المشهورين
وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة-. فمن معنى قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف» بمعزل. لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن- مما اختلفت القراء في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر الممارى به، في قول أحد من علماء الأمة. وقد أوجب عليه الصلاة والسلم بالمراء فيه الكفر من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه، وتظاهرت عنه بذلك الرواية. سبب الاقتصار على قراءات الأئمة المشهورين لما جمع عثمان رضي الله عنه الناس على حرف واحد، وأمر بأن يرسل للآفاق مصاحف على ما جمعه، كما تقدم، وكانت كتابتها مجردة من الشكل والنقط، فقرأ أهل كل مصر بما في مصحفهم، وتلقوا ما فيه عن الصحابة الذين تلقوه من في النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وأول من نقط المصحف وشكله الحجاج، بأمر عبد الملك بن مروان. وقيل أبو الأسود الدؤليّ. وقيل الحسن البصريّ ويحيى بن يعمر. ثم لما كثر الاختلاف فيما يحتمله الرسم، وقرأ أهل البدع والأهواء بما لا يحل لأحد تلاوته وفاقا لبدعهم. كمن قال من المعتزلة: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء: 164] ، بنصب الهاء- رأى المسلمون أن يجمعوا على قراءات أئمة ثقات تجردوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم. فاختاروا من كل مصر، وجّه إليه مصحف، أئمة مشهورين بالثقة والأمانة بالنقل وحسن كمال الدين، وكمال العلم. أفنوا عمرهم في القراءة والإقراء، واشتهر أمرهم وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم فيما نقلوا، والثقة بهم فيما قرءوا، ولم تخرج قراءاتهم عن خط مصحفهم. فمنهم بالمدينة أبو جعفر وشيبة، ونافع. وبمكة عبد الله بن كثير وابن محيصن والأعرج. وبالكوفة يحيى بن وثاب وعاصم بن أبي النجود، والأعمش، وحمزة، والكسائيّ، وبالشام عبد الله بن عامر، وعطية بن قيس الكلابيّ، ويحيى بن الحارث الزماريّ. وبالبصرة عبد الله بن أبي إسحاق، وأبو عمرو ابن العلاء، وعاصم الجحدريّ، ويعقوب الحضرميّ. ثم إن القراء بعد ذلك تفرقوا في البلاد وخلفهم أمم بعد أمم. إلا أنهم كان فيهم المتفق وغيره، فلذا كثر الاختلاف وعسر الضبط، وشق الائتلاف. وظهر التخليط، وانتشر التفريط، واشتبه متواتر القراءات بفاذّها، ومشهورها بشاذها. فمن ثمّ وضع الأئمة لذلك ميزانا يرجع إليه، ومعيارا يعول عليه، وهو السند والرسم والعربية. فكل ما صح سنده واستقام وجهه في العربية، وأوفق لفظه خط مصحف الإمام فهو من
ورود القراءات عن أئمة الأمصار على موافقة مصاحفهم العثمانية
السبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل بني قبول القراءات على سبعة، كانوا لولاه سبعة آلاف، ومتى سقط شرط من هذه الثلاثة فهو شاذ. هذا لفظ الكواشيّ في أول تفسيره. إلا أن بعضهم لم يكتف بصحة السند فقط، بل اشترط معها التواتر. ذاهبا إلى أن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، وقوّاه أبو القاسم النويريّ بأن عدم اشتراط التواتر قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم، لأن القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلا متواترا. وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر. ثم قال النويريّ: ولم يخالف من المتأخرين إلا مكيّ، وتبعه بعض المتأخرين: يعني في الاكتفاء بالمعيار الذي ذكره الكواشيّ. قال القسطلاني في اللطائف: وها (يعني اشتراط التواتر) بالنظر لمجموع القرآن. وإلا فلو اشترطنا التواتر في كل فرد فرد من أحرف الخلاف انتفى كثير من القراءات الثابتة عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم. كذا في اللطائف للقسطلانيّ. ورود القراءات عن أئمة الأمصار على موافقة مصاحفهم العثمانية ثبتت أحرف في بعض المصاحف العثمانية المرسلة إلى البلاد المتقدمة لم توجد في البقية. فاتبع أئمة كل مصر منها مصحفهم، فمن ذلك قراءة ابن عمر قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: 116] ، بغير واو، في البقرة: وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ [آل عمران: 184] ، بزيادة الباء في الاسمين. ونحو ذلك. فإن ذلك ثابت في المصحف الشاميّ. وكقراءة ابن كثير جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [الحديد: 24] ، في الموضع الأخير من سورة براءة بزيادة (من) فإن ذلك ثابت في المصحف المكيّ. وكذلك إن اللَّهُ الْغَنِيُّ [الحديد: 24] ، في سورة الحديد بحذف (هو) ، وكذا سارِعُوا [آل عمران: 133] ، بحذف (الواو) وكذا مِنْها مُنْقَلَباً [الكهف: 36] ، بالتثنية في الكهف. إلى غير ذلك في مواضع كثيرة في القرآن. اختلفت المصاحف فيها فوردت القراءة عن أئمة تلك الأمصار في موافقة مصحفهم. كذا في النشر.
موافقة القراءات لرسم المصحف العثماني تحقيقا أو تقديرا
موافقة القراءات لرسم المصحف العثمانيّ تحقيقا أو تقديرا قال ابن الجزريّ، في النشر: موافقة الرسم قد تكون تحقيقا وهي الموافقة الصريحة، وقد تكون تقديرا، وهي الموافقة احتمالا. فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعا نحو السَّماواتِ، والرِّبَوا ونحو لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس: 14] ، وَجِيءَ [الزمر: 69] ، حيث كتب بنون واحدة، وبألف بعد الجيم في بعض المصاحف. وقد توافق بعض القراءات الرسم تحقيقا، وتوافق بعضها تقديرا نحو ملك يوم الدين [الفاتحة: 4] ، فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف. فقراءة الحذف تحتمله تحقيقا كما كتب مَلِكِ النَّاسِ [الناس: 2] ، وقراءة الألف تحتمله تقديرا كما كتب مالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: 26] ، فتكون الألف حذفت اختصارا. وكذلك النَّشْأَةَ [العنكبوت: 20] ، حيث كتبت بالألف وافقت قراءة المد تحقيقا ووافقت قراءة القصر تقديرا، إذ يحتمل أن تكون الألف صورة الهمزة على غير قياس. وقد يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقا نحو يَغْفِرْ لَكُمْ [آل عمران: 31] ، وتَعْمَلُونَ، وهَيْتَ لَكَ [يوسف: 23] . مما يدل تجرده عن النقط والشكل وحذفه وإثباته- على فضل عظيم للصحابة رضي الله عنهم في علم الهجاء خاصة، وفهم ثاقب في تحقيق كل علم. وقال أيضا بعد أوراق: ثم إن الصحابة رضي الله عنهم لم يكن بينهم فيها إلا الخلاف اليسير المحفوظ بين القراء، ثم إنهم لمّا كتبوا تلك المصاحف جردوها من النقط والشكل ليحتمله ما لم يكن في العرضة الأخيرة مما صح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوّين- شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين. فإن الصحابة، رضوان الله عليهم، تلقوا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما أمره الله تعالى بتبليغه إليهم من القرآن، لفظه ومعناه جميعا، ولم يكونوا ليسقطوا شيئا من القرآن الثابت عنه صلّى الله عليه وسلّم، ولا يمنعوا من القراءة به. ما لا يعد مخالفا لصريح الرسم من القراءات الثابتة قال في النشر بعد ما تقدم: على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفا إذا ثبتت القراءة به ووردت
مدار القراءات على صحة النقل لا على الأقيس، عربية
مشهورة مستفاضة. ألا ترى أنهم لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء تَسْئَلْنِي [الكهف: 70] ، في الكهف: وقراءة (وأكون من الصالحين) والظاء من بِضَنِينٍ [التكوير: 24] ونحو ذلك، من مخالف الرسم المردود. فإن الخلاف في ذلك يغتفر، إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد، وتمشية صحة القراءة وشهرتها وتلقيتها بالقبول- وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى لو كانت حرفا من حروف المعاني، فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه. وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته. مدار القراءات على صحة النقل لا على الأقيس، عربية قال الداني في جامع البيان: أئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية. بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل والرواية. إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشوّ لغة. لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها. ذكر من ذهب إلى أن مرجع القراءات ليس هو السماع بل الاجتهاد يفهم من مواضع من الكشاف اعتماده أن مرجع القراءات اجتهاد الأئمة القارئين. ولذلك جاء في سورة الكهف عند آية هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الكهف: 44] ما مثاله: وقرأ عمرو بن عبيد بالنصب على التأكيد كقولك: هذا عبد الله الحقّ لا الباطل. وهي قراءة سنة فصيحة، وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم. فكتب الناصر في الانتصاف يتعقبه ما مثاله: قد تقدم الإنكار عليه في مثل هذا القول، فإنه يوهم أن القراءات موكولة إلى رأي الفصحاء واجتهاد البلغاء، فتتفاوت في الفصاحة لتفاوتهم فيها، وهذا منكر شنيع. والحق أنه لا يجوز لأحد أن يقرأ إلا بما سمعه فوعاه متصلا بفلق فيه صلّى الله عليه وسلّم، منزلا كذلك من السماء، فلا وقع لفصاحة الفصيح. وإنما هو ناقل كغيره. ولكن الزمخشري لا يفوته الثناء على رأس البدعة ومعدن الفتنة. فإن عمرو بن عبيد أول مصمم على إنكار القدر وهلم جرّا إلى سائر البدع الاعتزالية. فمن ثم أثنى عليه. يعني بما تقدم له، ما ذكره في سورة الأنعام في آية وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [الأنعام: 137] ، وذلك أن الزمخشري قال هناك: وأما قراءة ابن عامر: قتل أولادهم شركائهم. برفع القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء
بحث أسانيد الأئمة السبعة هل هي متواترة أم آحاد
والفصل بينهما بغير الظرف- فشيء لو كان في مكان الضرورات، وهو الشعر، لكان سمجا مردودا كما سمج وردّ: زجّ القلوص أبي مزادة فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته؟ والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف شُرَكائِهِمْ مكتوبا بالياء. فكتب الناصر عليه ما ملخصه: إن الزمخشريّ ركب متن عمياء، فإنه تخيل أن القرء، أئمة الوجوه السبعة، اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا، لا نقلا وسماعا. فلذلك غلّط ابن عامر في قراءته هذه. وأخذ يبين أن وجه غلطه رؤيته الياء ثابتة في شركائهم، فاستدل بذلك على أنه مجرور، وتعين عنده نصب أولادهم بالقياس، إذ لا يضاف المصدر إلى أمرين معا. فقرأه منصوبا- إلى أن قال- فهذا كله كما ترى ظنّ من الزمخشريّ أن ابن عامر قرأ قراءته هذه رأيا منه، وكان الصواب خلافه، والفصيح سواه. ولم يعلم الزمخشريّ أن هذه القراءة، بنصب الأولاد، والفصل بين المضاف والمضاف إليه، بها يعلم ضرورة أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قرأها على جبريل كما أنزلها عليه كذلك ثم تلاها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على عدد التواتر من الأئمة، ولم يزل عدد التواتر يتناقلونها ويقرءون بها خلفا عن سلف. إلى أن انتهت إلى ابن عامر فقرأها أيضا كما سمعها. فهذا معتقد أهل الحق في جميع الوجوه السبعة أنها متواترة، جملة وتفصيلا، عن أفصح من نطق بالضاد صلّى الله عليه وسلّم. فإذا علمت العقيدة الصحيحة فلا مبالاة بعدها بقول الزمخشريّ ولا بقول أمثاله، ممن لحن ابن عامر، وظن أن القراءة تثبت بالرأي، غير موقوفة على النقل. والحامل هو التغالي في اعتقاد اطراد الأقيسة النحوية. فظنها قطعية حتى يرد ما خالفها. انتهى. فتأمل. والأمر يحتاج إلى كلام من خالف بحروفه وتمحيص بالنظر في أطرافه وما برهنوا عليه. ثم رأيت في «مفاتيح الأصول في علم الأصول» للسيد الطباطبائيّ بحثا مسهبا في بيان تواتر القراءات وعدمه. سأذكره بعد ورقات. بحث أسانيد الأئمة السبعة هل هي متواترة أم آحاد قال الزركشيّ، في البرهان: القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان. فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد صلّى الله عليه وسلّم للبيان والإعجاز. والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي
رأي الإمام أبي شامة في تواتر ما أجمع عليه من غير نكير
المذكور في الحروف وكيفيتها، من تخفيف وتشديد وغيرهما. والقراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل بل هي مشهورة، ثم قال الزركشيّ: والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة. أما تواترها عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ففيه نظر، فإن إسنادهم بهذه القراءات السبعة موجود في كتب القراءات. وهي نقل الواحد عن الواحد. نقله في الإتقان. ونقل السروجيّ الحنفيّ في «باب الصوم» من كتاب «الغاية شرح الهداية» : عن المعتزلة، أن السبع آحاد. وعن جميع أهل السنة، أنها متواترة. ومراده بالجميع المجموع. وإلا فقد اختار صاحب البدائع، من متأخري الحنفية، فيما نقله الكمال ابن أبي شريف، أن السبع مشهورة. حكاه القسطانيّ في اللطائف. ثم قال: (فإن قلت:) الأسانيد إلى الأئمة السبعة وأسانيدهم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، على ما في كتب القراءات، آحاد. لا يبلغ عدد التواتر. فمن أين جاء التواتر؟ (أجيب) بأن انحصار الأسانيد المذكورة في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم. وإنما نسبت القراءات إلى الأئمة. ومن ذكر في أسانيدهم، والأسانيد إليهم، لتصدّيهم لضبط الحروف وحفظ شيوخهم فيها. ومع كل منهم في طبقته ما يبلغها عدد التواتر. لأن القرآن قد تلقاه من أهل كل بلد، بقراءة إمامهم، الجمّ الغفير عن مثلهم. وكذلك دائما، مع تلقي الأمة لقراءة كل منهم بالقبول. وقال السخاويّ ولا يقدح في تواتر القراءات السبع إذا أسندت من طريق الآحاد كما لو قلت: أخبرني فلان عن فلان أنه رأى مدينة سمرقند، (وقد علم وجودها بطريق التواتر) - لم يقدح ذلك فيما سبق من العلم بها. فقراءة السبع كلها متواترة. رأي الإمام أبي شامة في تواتر ما أجمع عليه من غير نكير نقل ابن الجزريّ في النشر: عن الإمام الكبير أبي شامة، في مرشده، أنه قال: قد شاع عن ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين، أن القراءات السبع كلها متواترة. أي كل فرد فرد مما روى عن هؤلاء الأئمة السبعة، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب. ونحن بهذا نقول. ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، واتفقت عليه الفرق من غير نكير له. مع أنه شاع واشتهر واستفاض. فلا أقل من اشتراط ذلك إذ لم يتفق التواتر في بعضها.
رأي ابن الحاجب وغيره في تواتر ما ليس من قبل الأداء
رأي ابن الحاجب وغيره في تواتر ما ليس من قبل الأداء قال ابن الحاجب: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبل الأداء. كالمد والإمالة وتحقيق الهمزة ونحوه. أي فإنه غير متواتر. (قالوا) : ليس المراد من قوله: كالمد، أصل المد فإنه متواتر. بل مقدار المزيد فيه على أصله. هل يقتصر فيه على مقدار ألف ونصف، كما قدّر به مدّ الكسائيّ؟ أو ثلاثة كما قدر به مد ورش وحمزة؟ وكل هذه الهيئات غير متواترة عند ابن الحاجب وأبي حنيفة. كما صرح به غير واحد من أئمة التحقيق (كذا في اللطائف) . وقال القاضي ابن خلدون في مقدمة تاريخه، في بحث علوم القرآن من التفسير والقراءات، ما مثاله: القرآن كلام الله المنزل على نبيّه، المكتوب بين دفتي المصحف، وهو متواتر بين الأمة. إلا أن الصحابة رووه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على طرق مختلفة في بعض ألفاظه، وكيفيات الحروف في أدائها. وتنوقل ذلك واشتهر. إلى أن استقرت منها سبع طرق معينة. تواتر نقلها أيضا بأدائها. واختصت بالانتساب إلى من اشتهر بروايتها من الجم الغفير. فصارت هذه القراءات السبع أصولا للقراءة، وربما زيد بعد ذلك قراءات أخر لحقت بالسبع. إلا أنها عند أئمة القراءة لا تقوى قوتها في النقل. وهذه القراءات السبع معروفة في كتبها. وقد خالف بعض الناس في تواتر طرقها لأنها عندهم كيفيات للأداء، وهو غير منضبط. وليس ذلك عندهم بقادح في تواتر القرآن. وأباه الأكثر. وقالوا بتواترها. وقال آخرون بتواتر غير الأداء منها، كالمدّ والتسهيل. لعدم الوقوف على كيفيته بالسمع. وهو الصحيح. بحث القراءات الشاذة قال الحافظ ابن الجزريّ في النشر: قال الإمام أبو محمد مكيّ: إن جميع ما روي في القرآن على ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به اليوم. وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال. وهي أن ينقل عن الثقات عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن سائغا، ويكون موافقا لخط المصحف- فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثالث قرئ به وقطع على مغيّبه وصحته وصدقه. لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقة خط المصحف. وكفر من جحده.
القسم الثاني:
القسم الثاني: ما صح نقله عن الآحاد، وصح وجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف. فهذا يقبل ولا يقرأ به. لعلتين: إحداهما: أنه لم يؤخذ بإجماع، إنما أخذ بأخبار الآحاد. ولا يثبت قرآن، يقرأ به، بخبر الواحد. والعلة الثانية: أنه مخالف لما قد أجمع على مغيّبه وصحته. وما لم يقطع على صحته لا تجوز القراءة به ولا كفر من جحده. ولبئس ما صنع، إذا جحده. القسم الثالث: هو ما نقله غير ثقة، أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية، فهذا لا يقبل، وإن وافق خط المصحف. قال ابن الجزريّ: مثال القسم الأول: مالك، وملك. يخدعون، ويخادعون. وأوصى، ووصى. وتطوع، ويطوع. ونحو ذلك من القراءات المشهورة. ومثال القسم الثاني: قراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء (والذكر والأنثى) في وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى وقراءة ابن عباس: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) ، (وأما الغلام فكان كافرا) ونحو ذلك مما ثبت برواية الثقات. واختلف العلماء في جواز القراءة بذلك في الصلاة. فأجازها بعضهم. لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بهذه الحروف في الصلاة. وهذا أحد القولين لأصحاب الشافعيّ وأبي حنيفة. وإحدى الروايتين عن مالك وأحمد. وأكثر العلماء على عدم الجواز. لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. وإن ثبتت بالنقل، فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة، أو بإجماع الصحابة على المصحف العثمانيّ. أو أنها لم تنقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن. أو أنها لم تكن من الأحرف السبعة. ومقال القسم الثالث، مما نقله غير ثقة: كثير مما في كتب الشواذ مما غالبه إسناده ضعيف. كقراءة ابن السّميفع وأبي السمال وغيرهما في نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ننحيك بالحاء المهملة. وكالقراءة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه التي جمعها أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعيّ ونقلها عنه أبو القاسم الهذليّ وغيره فإنها لا أصل لها. ومنها إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ برفع الهاء ونصب الهمزة. وقد راج ذلك على أكثر المفسرين ونسبها إليه وتكلف توجيهها. قال ابن الجزريّ: وإن أبا حنيفة لبريء منها. ومثال ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية، ولا يصدر مثله إلا على وجه السهو
والغلط، وعدم الضبط. يعرفه الأئمة المحققون، والحفاظ الضابطون، وهو قليل جدا، بل لا يكاد يوجد، وقد جعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع (ومعائش) - بالهمزة- وما رواه ابن بكار عن أيوب عن يحيى عن ابن عامر من فتح ياء أَدْرِي أَقَرِيبٌ، مع إثبات الهمزة، وهي رواية زيد وأبي حاتم عن يعقوب، وما رواه أبو عليّ العطار عن العباس عن أبي عمرو ساحران تظاهرا بتشديد الظاء، والنظر في ذلك لا يخفى. ثم قال ابن الجزريّ: وبقي قسم مردود أيضا، وهو ما وافق العربية والرسم، ولم ينقل البتة، فهذا رده أحق، ومنعه أشد. وقد ذكر جواز ذلك عن أبي بكر محمد بن الحسن بن مقسم البغداديّ المقري النحويّ، وكان بعد الثلاثمائة. قال الإمام أبو طاهر بن أبي هاشم في كتابه «البيان» وقد نبغ نابغ في عصرنا فزعم أن كل من صح عنده وجه في العربية بحرف من القرآن يوافق المصحف، فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها. فابتدع بدعة ضل بها عن قصد السبيل. (قلت) وقد عقد له بسبب ذلك مجلس ببغداد، حضره الفقهاء والقراء، وأجمعوا على منعه، وأوقف للضرب فتاب ورجع، وكتب عليه بذلك محضر، كما ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد. قلت: ونقله القاضي أبو بكر في الانتصار، ورده. وعبارته: وقال قوم من المتكلمين: إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات قراءة وأوجه وأحرف، إذا كانت تلك الأوجه صوابا في العربية وإن لم يثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قرأ بها. قال: وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه وخطؤوا من قال به. قال ابن الجزريّ: ومن ثمّ امتنعت القراءة بالقياس المطلق، وهو الذي ليس له أصل في القراءة يرجع إليه، ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه، كما روينا عن عمر ابن الخطاب وزيد بن ثابت وكثير من التابعين أنهم قالوا: القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول، فاقرأوا كما علمتوه. ثم قال ابن الجزريّ: أما إذا كان القياس على إجماع انعقد، أو عن أصل يعتمد، فيصار إليه عند عدم النص، وغموض وجه الأداء، فإنه مما يسوغ قبوله، ولا ينبغي رده، لا سيما فيما
بيان أن كل قراءة صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب قبولها والإيمان بها
تدعو إليه الضرورة، وتمس الحاجة، كمثل ما اختير في تخفيف بعض الهمزات لأهل الأداء، وفي إثبات البسملة وعدمها لبعض القراء، ونقل «كتابيه أني» وإدغام «ماليه هلك» قياسا عليه، وكذلك قياس «قال رجلان، وقال رجل» على «قال رب» في الإدغام» ، كما ذكره الداني وغيره. ونحو ذلك مما لا يخالف نصا، ولا يرد إجماعا ولا أصلا، مع أنه قليل جدا وإلى ذلك أشار مكيّ بن أبي طالب رحمه الله في كتابه «التبصرة» حيث قال: فجميع ما ذكرنا في هذا الكتاب ينقسم ثلاثة أقسام: قسم قرأت به ونقلته وهو منصوص في الكتب موجود، وقسم قرأت به وأخذته لفظا أو سماعا وهو غير موجود في الكتب، وقسم لم أقرأ به ولا وجدته في الكتب، ولكن قسته على ما قرأت به، إذ لا يمكن فيه إلا ذلك عند عدم الرؤية في النقل والنص، وهو الأقل. وقال ابن الجزريّ: وقد زلّ بسبب ذلك قوم وأطلقوا قياس ما لا يروى على ما روي، وما له وجه ضعيف على الوجه القويّ، كأخذ بعض الأغبياء بإظهار الميم المقلوبة من النون والتنوين. بيان أن كل قراءة صحت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وجب قبولها والإيمان بها قال الحافظ ابن الجزريّ في النشر: كل ما صح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من القراءات، فقد وجب قبوله، ولم يسع أحدا من الأمة رده، ولزم الإيمان به، وأنّ كله منزل من عند الله، إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية، يجب الإيمان بها كلها، واتباع ما تضمنته من المعنى علما وعملا، لا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ظنا أن ذلك تعارض، وإلى ذلك أشار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله: «لا تختلفوا في القرآن ولا تتنازعوا فيه، فإنه لا يختلف ولا يتساقط، ألا ترون أن شريعة الإسلام فيه واحدة حدودها وقراءتها وأمر الله فيها واحد، ولو كان من الحرفين حرف يأمر بشيء ينهى عنه الآخر، كان ذلك الاختلاف. ولكنه جامع ذلك كله، ومن قرأ على قراءة فلا يدعها رغبة عنها، فإنه من كفر بحرف منه كفر به كله» . قال ابن الجزريّ: قلت: وإلى ذلك أشار النبي صلّى الله عليه وسلّم حيث قال لأحد المختلفين «أحسنت» وفي الحديث الآخر «أصبت» وفي الآخر «هكذا أنزلت» فصوّب النبيّ
افتراق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء
صلّى الله عليه وسلّم قراءة كل من المختلفين وقطع بأنها كذلك أنزلت من عند الله. افتراق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء قال ابن الجزريّ، بعد ما تقدم: وبهذا افترق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء، فإن اختلاف القراء كله حق وصواب نزل من عند اللَّه وهو كلامه لا شك فيه. واختلاف الفقهاء اختلاف اجتهاديّ، والحق في نفس الأمر واحد، فكل مذهب بالنسبة إلى الآخر صواب يحتمل الخطأ، وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق وصواب في نفس الأمر، نقطع بذلك ونؤمن به. معنى إضافة القراءة إلى من قرأ بها ثم قال ابن الجزريّ، بعد ما تقدم: ونعتقد أن معنى إضافة كل حرف من حروف الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم إنما هو من حيث إنه كان أضبط له وأكثر قراءة وإقراء به وملازمة له وميلا إليه، لا غير ذلك. وكذلك إضافة الحروف والقراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم. المراد بها أن ذلك القارئ، وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة حسبما قرأ به. فآثره على غيره وداوم عليه ولزمه حتى اشتهر وعرف به، وقصد فيه وأخذ عنه، فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد. ثمرة اختلاف القراءات وتنوّعها قال في النشر: «وأما فائدة اختلاف القراءات وتنوعها فإن في ذلك فوائد غير ما قدمنا من سبب التهوين والتسهيل والتخفيف على الأمة. فمنها: ما في ذلك من نهاية البلاغة وكمال الإعجاز، وغاية الاختصار وجمال الإيجاز، لأنّ كلّ قراءة بمنزلة الآية، إذ كان تنوع اللفظ بكلمة تقوم مقام آيات. ومنها: ما في ذلك من عظيم البرهان وواضح الدلالة، إذ هو مع كثرة هذا الاختلاف وتنوعه لم يتطرق إليه تضادّ ولا تناقض ولا تخالف، بل كله يصدق بعضه بعضا، ويبيّن بعضه بعضا، ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد وأسلوب واحد، وما ذلك إلا آية بالغة وبرهان قاطع على صدق من جاء به صلّى الله عليه وسلّم. ومنها: سهولة حفظه، وتيسير نقله على هذه الأمة، إذ هو على هذه الصفة من البلاغة والوجازة. فإنه من يحفظ كلمة ذات أوجه أسهل عليه وأقرب إلى فهمه، وأدعى لقبوله من حفظه جملا من الكلام تؤدّي معاني تلك القراءات المختلفات، لا سيما في ما كان خطه واحدا، فإن ذلك أسهل حفظا، وأيسر لفظا.
إجمال المباحث المتقدمة في تواتر القراءات وعدمها
ومنها: إعظام أجور هذه الأمة- من حيث إنهم يفرغون جهدهم ليبلغوا قصدهم- في تتبع معاني ذلك، واستنباط الحكم والأحكام: من دلالة كلّ لفظ، واستخراج كمين أسراره، وخفيّ إشاراته بقدر ما يبلغ غاية علمهم، ويصل إليه نهاية فهمهم، والأجر على قدر المشقّة. ومنها: بيان فضل هذه الأمة وشرفه على سائر الأمم من حيث تلقّيهم كتاب ربهم هذا التلقّي، وإقبالهم عليه هذا الإقبال، والبحث عن لفظة لفظة، والكشف عن صيغة صيغة، وتحرير تصحيحه، وإتقان تجويده، حتى حموه من خلل التحريف، وحفظوه من الطغيان والتطفيف، فلم يهملوا تحريكا ولا تسكينا ولا تفخيما ولا ترقيقا، حتى ضبطوا مقادير المدات، وتفاوت الإمالات، وميّزوا بين الحروف بالصفات، مما لم يهتد إليه فكر أمّة من الأمم، ولا يوصل إليه إلا بإلهام بارئ النسم. ومنها: ما ذخره الله تعالى من المنقبة العظيمة، والنعمة الجليلة الجسيمة لهذه الأمة، من إسنادها كتاب ربها واتصال هذا السبب الإلهيّ بسببها، فكلّ قارئ يوصل حرفه بالنقل إلى أصله، ويرفع ارتياب الملحد قطعا بوصله. ومنها: ظهور سر الله تعالى في تولّيه حفظ كتابه العزيز، وصيانة كلامه المنزل بأوفى البيان والتمييز، فإنه تعالى لم يخل عصرا من الأعصار، ولو في قطر من الأقطار، من إمام حجة قائم بنقل كتاب الله تعالى وإتقان حروفه ورواياته، وتصحيح وجوهه وقراءاته، يكون وجوده سببا لوجود هذا السبب القويم على ممر الدهور، وبقاؤه دليلا على بقاء القرآن العظيم في المصحف والصدور» انتهى. إجمال المباحث المتقدمة في تواتر القراءات وعدمها قال السيد محمد الطباطبائيّ- أحد أعلام الإمامية- في كتابه «مفاتيح الأصول» في: باب أدلّة الأحكام في القول في الكتاب الكريم. ما مثاله: اختلفوا في أنّ القراءات السبع المشهورة، هل هي متواترة، أو لا؟ على أقوال: الأول: إنها متواترة مطلقا، وإن الكلّ مما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين. هو للعلامة ابن المطهر، وابن فهد، والمحقق الثاني في المعالم، والشهيد الثاني في المقاصد العلية، والمحدث الحر العامليّ، والمحكيّ عن الفاضل الجواد، وفي شرح الوافية للسيد صدر الدين، معظم المجتهدين من أصحابنا حكموا بتواتر القراءات السبع. وفي التفسير الكبير للرازيّ: ذهب إليه الأكثرون. الثاني: إن القراءات السبع منها ما هو من قبيل الهيئة كالمدة واللين وتخفيف
الهمزة والإمالة ونحوها، وذلك لا يجب تواتره وغير متواتر. ومنها: ما هو من جوهر اللفظ كملك ومالك وهذا متواتر. وهذا للفاضل البهائيّ، وابن الحاجب في مختصره، والعضديّ في شرحه. الثالث: إنها ليست بمتواترة مطلقا لو كانت من جوهر اللفظ، وهو للشيخ في «التبيان» ونجم الأئمة في «شرح الكافية» ، وجمال الدين الخونساريّ، والسيد نعمة الله الجزائريّ، والشيخ يوسف البحرانيّ، والسيد صدر الدين، والمحكيّ عن ابن طاوس في كتاب «سعد السعود» ، والرازيّ، والزمخشريّ، وإليه يميل كلام الحرفوشيّ. للقول الأول وجوه: منها: تضمن جملة من العبارات الإجماع على تواتر السبع: وقد يناقش فيه: أولا: بأنّ غاية ما يستفاد- مما ذكر- الظن بتواتر السبعة، ومحل الكلام حصول العلم به. وثانيا: باحتمال أن يريدوا ما ذكره الشهيد الثاني في «المقاصد العلية» وولد الشيخ البهائي فقالا: «ليس المراد أن كل ما ورد من هذه القراءات متواتر، بل المراد انحصار المتواتر الآن فيما نقل من هذه القراءات، فإن بعض ما نقل عن السبعة شاذّ فضلا عن غيرهم» انتهى. وباحتمال أن يريدوا جواز القراءة بالسبعة. وفي هذين الاحتمالين نظر لبعدهما عن ظاهر العبارة فتأمل! وثالثا: بالمعارضة بما ذكره الشيخ في «التبيان» من أن المعروف من مذهب الإمامية، والتطلّع في أخبارهم ورواياتهم، أن القرآن نزل بحرف واحد على نبيّ واحد. فتأمل!. ومنها: ما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف واف» فإن المراد من الأحرف القراءات. وقد يناقش فيه: أولا: بضعف السند. سلمنا الصحة. ولكنه خبر واحد، فلا يفيد العلم بالمدّعى. وثانيا: بضعف الدلالة، لعدم الدليل على إرادة القراءات من الأحرف. وقد اختلفوا في تفسيرها. ومنها: أن القراءات السبع لو لم تكن متواترة، ومن القرآن المنزل، لوجب أن يتواتر ذلك، ويعلم عدم كونها منه، والتالي باطل فالمقدّم مثله. أما الملازمة فلأن العادة قاضية بأنه يجب أن يكون ما ليس بقرآن معلوما أنه ليس بقرآن لتوفر الدواعي
على تمييز القرآن عن غيره، وهو مستلزم لذلك. وفيه نظر. ومنها: ما تمسك به العلامة في «نهاية الأصول» ، والحاجبيّ في «مختصره» ، والعضديّ في «شرحه» من أن القراءات السبع «لو لم تكن متواترة لخرج بعض القرآن عن كونه متواترا- كما لك وملك وأشباههما- والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الشرطية أنهما وردا عن القراء السبعة، وليس تواتر أحدهما أولى من تواتر الآخر، فإمّا أن يكونا متواترين وهو المطلوب، أو لا يكون شيء منهما بمتواتر وهو باطل، وإلّا يخرج عن كونه قرآنا، وهذا خلف» . وأورد عليه جمال الدين الخونساريّ فقال: «لا يخفى أن دليل وجوب تواتر القرآن- وهو توفر الدواعي على نقله- لو تم إنّما يدل على وجوب تواتره إلى زمان الجمع. وأمّا بعده، فالظاهر أنهم اكتفوا فيه بتكثير نسخ هذا الكتاب الذي جمع، بحيث يصير متواترا في كل زمان، واستغنوا به عن جعل أصل القرآن المنزل متواترا بالحفظ من خارج، كيف وقد عرفت أن الظاهر أنه لم يقع التواتر في كثير من أبعاض القرآن إلّا بهذا الوجه، وهو وجوده في هذا الكتاب المتواتر، على هذا، فالاستدلال على تواتر القراءات السبع بما ذكره العضديّ ضعيف جدا، إذ بتواتر ذلك الكتاب- على الوجه المذكور- لا يعلم إلّا تواتر إحدى القراءات لا بعينها. لا خصوص بعضها ولا جميعها. فالظاهر أنه لا بد- في إثبات تواترها- من التفحص والتفتيش في نقلتها ورواتها، فإن ظهر بلوغهم إلى حد التواتر فهو متواتر وإلّا فلا. والذي ظهر لنا من خارج، شهرة القراءات السبع دون ما عداها، وأما بلوغ الجميع أو بعضها حد التواتر فكأنه لا يظهر في هذه الأعصار. وللقول الثاني: على تواتر ما هو من جوهر اللفظ، الوجه الأخير الذي تمسّك به الجماعة المتقدم إليهم الإشارة لإثبات تواتر السبع، وعلى عدم تواتر ما هو من قبيل الهيأة- كالمدّ واللين والإمالة وغيرها- ما ذكره بعض من أنّ القرآن هو الكلام، وصفات الألفاظ- أعني الهيأة- ليست كلاما. وأورد عليه الباغنويّ فقال: «هاهنا بحث، وهو أنه لا شك أن القرآن هاهنا عبارة عن اللفظ. وكما أنّ الجوهر جزء ماديّ له، كذلك الهيأة جزء صوريّ له. فإذا ثبت أن القرآن لا بد أن يكون متواترا ثبت أن الهيأة لا بدّ أن تكون متواترة أيضا. ولو سلم أنّ الهيأة ليست جزءا للفظ فلا شك أنها من لوازمه. ولا يمكن نقله بدون نقلها، فإذا تواتر نقله تواتر نقلها. فإن قلت: نقله لا يستلزم نقلها بخصوصها بل إنما يستلزم نقل إحداهما لا بعينها، فاللازم تواتر القدر المشترك بين الهيئات، والظاهر أنّ الهيئات المخصوصة لا يوجب تواترها، فلا منافاة. قلت: ما ذكر من توفر الدواعي على نقل القرآن لا يجري في الجواهر المخصوصة
أيضا، إذ كما أن اختلاف بعض الهيئات لا يؤثر في صلاحية كون القرآن متحدى به، وفي كونه من أصول الأحكام، كذلك اختلاف بعض الجواهر لا يؤثر في ذلك، فلم يلزم أن كلّ ما هو من قبيل الجوهر لا بدّ أن يكون متواترا، فليتأمّل ... !» انتهى. واعترض عليه جمال الدين الخونساري فقال- بعد الإشارة إليه-: «لا يخفى أن ما ذكر من دليل وجوب تواتر القرآن- وهو توفّر الدواعي على نقله للتحدي به ولكونه أصل سائر الأحكام- لا يدل إلا على وجوب تواتر مادته وهيأته التي يختلف باختلافها المعنى والفصاحة والبلاغة. وأمّا ما يكون من قبيل الأداء بالمعنى الذي ذكر، فلا يدلّ على وجوب تواتره، إذ لا مدخل له فيما هو مناط توفّر الدوعي. أمّا استنباط الأحكام فظاهر. وأمّا التحدي والإعجاز فلأنهما لا يوجبان إلا نقل أصل الكلام الذي وقعا به من مادّته وصورته التي لهما مدخل فيهما. وأمّا الهيأة التي لا مدخل لها في ذلك- كالمدّ واللين مثلا- فلا حاجة إلى تواترهما. بل يكفي فيهما الحوالة إلى ما هو دأب العرب في كلامهم في المد في مواضعه، واللين في مواقعه، وكذا في أمثالهما» . ثمّ قال: «لا يخفى أنه إذا جوز تغيير بعض الجواهر، مما يكون من هذا القبيل، فقد يؤدي خطأ إلى تغيير ما يختلف ويختل به المعنى والفصاحة والبلاغة، فلا بد من سد ذلك الباب بالكلية، حذرا من أن ينتهي إلى ذلك، وأما تحريف النقلة في المد واللين وأمثالهما فلا يخل بشيء، إذ يكفي فيهما الرجوع إلى قوانين العرب فيهما. فإذا نقل إلينا متواترا جوهر الكلام وهيأته التي لها دخل في المعنى والفصاحة والبلاغة، فلنرجع في المد واللين وأمثالهما إلى قوانين العرب، ولا حاجة إلى أن يتواتر عندنا أنّه في أيّ موضع مدّ، وفي أيّ موضع قصر، وهو ظاهر» . وللقول الثالث وجوه: منها: خبر الفضيل بن يسار قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّ الناس يقولون: نزل القرآن على سبعة أحرف، فقال: بل نزل على حرف واحد من عند واحد» . ويؤيّده خبر زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إنّ القرآن واحد نزل من عند الواحد» ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة. ومنها: ما ذكره السيد نعمة الله من أنّ كتب القراءة والتفسير مشحونة من قولهم: قرأ حفص وعاصم كذا، وفي قراءة عليّ بن أبي طالب وأهل البيت عليهم
السلام كذا، بل ربما قالوا: وفي قراءة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كذا، يظهر من الاختلاف المذكور في قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين. والحاصل أنهم يجعلون قراءة القراء قسيمة لقراءة المعصومين. فكيف تكون القراءات السبع متواترة عن الشارع تواترا يكون حجة على الناس؟ ومنها: ما ذكره السيد المذكور أيضا من أن قراءات السبع استندوا بالقراءات بآرائهم، وإن أسندوا بعض قراءاتهم الى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلا يجوز أن يدعي تواتر قراءاتهم. وذلك لأن المصحف الذي وقع إليهم خال من الإعراب والنقط. كما هو الآن موجود في المصاحف التي هي بخط مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده. وقد شاهدنا عدة منها في خزانة الرضا عليه السلام. نعم ذكر جمال الدين السيوطيّ في كتابه الموسوم ب «المطالع السعيدة» : أن أبا الأسود الدؤلي أعرب مصحفا واحدا في خلافة معاوية. وبالجملة: لما وقعت إليهم المصاحف على ذلك الحال تصرفوا في إعرابها ونقطها وإدغامها وإمالتها ونحو ذلك من القوانين المختلفة بينهم على ما يوافق مذهبهم في اللغة والعربية، كما تصرفوا في النحو، وصاروا إلى ما دوّنوه من القواعد المختلفة. قال محمد بن بحر الرهنيّ: «إن كل واحد من القراء قبل أن يتجدد القارئ الذي بعده كانوا لا يجيزون إلا قراءته، ثم لما جاء القارئ الثاني انتقلوا عن ذلك المنع إلى جواز قراءة الثاني، وكذلك في القراءات السبع، فاشتمل كلّ واحد على إنكار قراءته، ثم عادوا إلى خلاف ما أنكروه، ثم اقتصروا على هؤلاء السبعة، مع أنه قد حصل في علماء المسلمين والعالمين بالقرآن أرجح منهم، مع أنّ في زمان الصحابة ما كان هؤلاء السبعة ... إلخ» . ومنها: ما ذكره الرازيّ في تفسيره الكبير فإنّه قال: «اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة بالتواتر، وفيه إشكال، وذلك لأنا نقول هذه القراءات، إمّا أن تكون منقولة بالنقل المتواتر، أو لا تكون، فإن كان الأول فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أنّ الله قد خيّر المكلفين بين هذه القراءات وسوّى بينها بالجواز، وإذا كان كذلك كان ترجيح بعضها على بعض واقعا، على خلاف الحكم الثالث بالتواتر، فيجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للفسق إن لم يلزمهم الكفر، كما ترى أنّ كلّ واحد من هؤلاء القراء يختصّ بنوع معين من القراءة، ويحمل الناس عليه ويمنعهم عن غيره. وأمّا إن قلنا: إنّ هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر، بل بطريق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع وذلك باطل بالإجماع» . ثمّ قال: «ولقائل أن يجيب عنه
فيقول: بعضها متواتر، ولا خلاف بين الأمة فيه، وفي تجويز القراءة بكل واحد منها. وبعضها من باب الآحاد، وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بالكلية عن كونه قطعيا» انتهى. ومنها: أنها لو كانت متواترة لكان ترك البسملة من أوائل السور، عدا الحمد، متواترا. لأنه من قراءة بعض السبعة، فيلزم جواز تركها في الصلاة، وهو باطل للأدلة الدالة على عدمه، وقد بيّناها في المصابيح. ومنها: ما ذكره العلامة الشيرازيّ- فيما حكى عنه- من: «إن الذين يستند إليهم القراء سبعة. والتواتر لا يحصل بسبعة فضلا فيما اختلفوا فيه- ثم قال- أجيب عنه أولا: بأنا لا نسلم أن التواتر لا يحصل بسبعة لأنه لا يتوقف على حصول عدد معيّن، بل المعتبر فيه حصول اليقين. وثانيا: بأن التواتر ما حصل من هؤلاء السبعة لأن القارئين لكل واحدة من القراءات السبع كانوا بالغين حدّ التواتر، إلّا أنهم استندوا- كل واحد منهم- إلى واحد منهم، إما لتجرده بهذه القراءة، أو لكثرة مباشرته بها، ثم أسندوا الرواية عن كل واحد منهم إلى اثنين لتجردهما لروايتها» انتهى. وفي جميع الوجوه المذكورة نظر. والتحقيق أن يقال: إنه لم يظهر دليل قاطع على أحد الأقوال في المسألة. نعم يمكن استظهار القول الأول للإجماعات المحكية المعتضدة بالشهرة العظيمة بين الخاصة والعامة والمؤيدة بالمرويّ عن الخصال- كذا- المتقدم إليه الإشارة وغيره مما ذكره حجة عليه. ولا يعارضها خبر الفضيل وزرارة لقصور دلالتهما جدا. فإن المناقشة في حديث «نزل القرآن على سبعة أحرف» جار فيهما كما لا يخفى. ولا يقدح فيها ما ذكره السيد نعمة الله والرازيّ وغيرهما مما ذكر، حجة على القول الثالث، كما لا يخفى على المتدبر. وينبغي التنبيه على أمور: الأول: قال العلامة الشيرازيّ فيما حكي عنه: «السبع متواترة بشرط صحة إسنادها إليهم، واستقامة وجهها في العربية، وموافقة لفظها خط المصحف المنسوب إلى صاحبها كذلك- كمالك بالألف، وملك بغير الألف- المنسوب أولهما إلى الكسائي وعاصم بإسناد صحيح، مع كونه مكتوبا بالألف في مصحفهما، واستقامة وجهه في العربية» . ثم قال: «وفيه نظر، لأنّ المتواتر ما يفيد العلم، فإذا حصل ثبت أنه قرآن، والعربية ينبغي أن تكون متبعة بالقرآن دون العكس، ثم إنه لا
فصل في ذكر ملخص وجوه التفسير ومراتبه
مدخل لموافقة الخط وعدمها عند ثبوت التواتر. الثاني: اعلم أنه إذا قلنا بأنّ القراءات السبع كلها متواترة يقينا، فيتفرع عليه أمور: منها: جواز استفادة الأحكام الشرعية من كل منها، ومنها: وجوب الاجتناب من كل منها أصالة إذا كان محدثا. ومنها: لزوم الجمع بين القراءات عند تعارضها، كما يجب الجمع بين الآيات عند تعارضها. وإن قلنا بأنّ تواترها غير ثابت يقينا، فيتفرع عليه أمور منها: عدم وجوب الاجتناب عن جميع القراءات أصالة إذا كان محدثا، بل يجب من باب المقدمة على القول بأنّ المنهي عنه- إذا كان مشتبها بغيره وكان محصورا- وجب الاجتناب عن الجميع. وأمّا على القول بعدم وجوب ذلك فلا يجب الاجتناب- عمّا ذكر- لا أصالة ولا مقدّمة. ومنها: عدم جواز الاستدلال بشيء من القراءات، ولزوم الجمع بينها عند التعارض. لكنّ هذا إنّما يصحّ إذا منعنا الظنّ بتواترها، وأمّا إذا قلنا به، فيجوز الاستدلال بكلّ منها، ويجب الجمع بينها، كما إذا علم به، بناء على أنّ الأصل في كل ظن الحجية، فإن منع منه، ففي الأمرين نظر ... !» انتهى بحروفه ملخصا. فصل في ذكر ملخص وجوه التفسير ومراتبه هذا الفصل ننقله عن مقدّمة التفسير الذي شرع فيه، في هذا العهد، الأستاذ النحرير الشيخ محمد عبده مفتي مصر. قال- حرسه الله وأيّده ورعاه-: «التكلم في تفسير القرآن ليس بالأمر السهل، وربما كان من أصعب الأمور وأهمّها، وما كل صعب يترك. ولذلك لا ينبغي أن يمتنع الناس عن طلبه. ووجوه الصعوبة كثيرة، أهمّها: أنّ القرآن كلام سماويّ تنزّل من حضرة الربوبية، التي لا يكتنه كنهها، على قلب أكمل الأنبياء، وهو يشتمل على معارف عالية، ومطالب سامية، لا يشرف عليها إلا أصحاب النفوس الزاكية والعقول الصافية، وأنّ الطالب له يجد أمامه من الهيبة والجلال، الفائضين من حضرة الكمال، ما يأخذ بتلبيبه، ويكاد يحول دون مطلوبه. ولكن الله تعالى خفف علينا الأمر بأن أمرنا بالفهم والتعقّل لكلامه، لأنه إنما أنزل الكتاب نورا وهدى مبينا للناس شرائعه وأحكامه، ولا يكون كذلك إلا إذا كانوا يفهمونه. والتفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا، وحياتهم الآخرة. فإنّ هذا هو
المقصد الأعلى منه، وما وراء هذا من المباحث تابع له، أو وسيلة لتحصيله. التفسير له وجوه شتّى: أحدها: النظر في أساليب الكتاب ومعانيه وما اشتمل عليه من أنواع البلاغة ليعرف به علوّ الكتاب، وامتيازه على غيره من القول. سلك هذا المسلك الزمخشريّ، وقد ألمّ بشيء من المقاصد الأخرى، ونحا نحوه آخرون. ثانيها: الإعراب، وقد اعتنى بهذا أقوام توسّعوا في بيان وجوهه، وما تحتمله الألفاظ منها. ثالثها: تتبّع القصص، وقد سلك هذا المسلك أقوام زادوا في قصص القرآن ما شاؤوا من كتب التاريخ، والإسرائيليات، ولم يعتمدوا على التوراة والإنجيل والكتب المعتمدة عند أهل الكتاب وغيرهم، بل أخذوا جميع ما سمعوه عنهم من غير تفريق بين غث وسمين، ولا تنقيح لما يخالف الشرع ولا يطابق العقل. رابعها: غريب القرآن. خامسها: الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات، والاستنباط منها. سادسها: الكلام في أصول العقائد، ومقارعة الزائغين، ومحاجّة المختلفين. وللإمام الرازيّ العناية الكبرى بهذا النوع. سابعها: المواعظ والرقائق، وقد مزجها، الذين ولعوا بها، بحكايات المتصوفة والعبّاد. وخرجوا ببعض ذلك عن حدود الفضائل والآداب التي وضعها القرآن. ثامنها: ما يسمّونه بالإشارة، وقد اشتبه على الناس فيه كلام الباطنية بكلام الصوفية. وقد عرفت أنّ الإكثار في مقصد خاص من هذه المقاصد يخرج بالكثيرين عن المقصود من الكتاب الإلهيّ، ويذهب بهم في مذاهب تنسيهم معناه الحقيقيّ. لهذا كان الذي نعنى به من التفسير هو ما سبق ذكره، ويتبعه بلا ريب بيان وجوه البلاغة بقدر ما يحتمله المعنى، وتحقيق الإعراب على الوجه الذي يليق بفصاحة القرآن وبلاغته. ويمكن أن يقول بعض أهل هذا العصر: لا حاجة إلى التفسير والنظر في القرآن، لأن الأئمة السابقين نظروا في الكتاب والسنة، واستنبطوا الأحكام منهما، فما
علينا إلّا أن ننظر في كتبهم، ونستغني بها..! هكذا زعم بعضهم!! ولو صحّ هذا الزعم، لكان طلب التفسير عبثا يضيع به الوقت سدى، وهو- على ما فيه من تعظيم شأن الفقه- مخالف لإجماع الأمة، من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى آخر واحد من المؤمنين ... ! ولا أدري كيف يخطر هذا على بال مسلم ... ؟! الأحكام العملية التي جرى الاصطلاح على تسميتها فقها هي أقلّ ما جاء في القرآن. وإن فيه من التهذيب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها، ورفعه من حضيض الجهالة إلى أوج المعرفة، وإرشادها إلى طريقة الحياة الاجتماعية، ما لا يستغني عنه من يؤمن بالله واليوم الآخر، وما هو أجدر بالدخول في الفقه الحقيقيّ، ولا يوجد هذا الإرشاد إلا في القرآن. وفيما أخذ منه، كإحياء العلوم، حظّ عظيم من علم التهذيب. ولكن سلطان القرآن على نفوس الذين يفهمونه، وتأثيره في قلوب الذين يتلونه حقّ تلاوته لا يساهمه فيه كلام، كما أنّ الكثير من حكمه ومعارفه لم يكشف عنها اللثام، ولم يفصح عنها عالم ولا إمام. ثمّ إنّ أئمة الدين قالوا: إن القرآن سيبقى حجّة على كل فرد من أفراد البشر إلى يوم القيامة لحديث: «والقرآن حجة لك أو عليك» . (أول حديث في كتاب الطهارة من صحيح مسلم. عن أبي مالك الأشعريّ) ولا يعقل هذا إلّا بفهمه والإصابة من حكمته وحكمه. خاطب الله بالقرآن من كان في زمن التنزيل، ولم يوجه الخطاب إليهم لخصوصية في أشخاصهم، بل لأنهم من أفراد النوع الإنسانيّ الذي أنزل القرآن لهدايته، يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء: 1] ، فهل يعقل أنه يرضى منا بأن لا نفهم قوله هذا ونكتفي بالنظر في قول نظر ناظر فيه، ولم يأتنا من الله وحي بوجوب اتباعه، لا جملة ولا تفصيلا ... ؟ كلا. إنه يجب على كل واحد من الناس أن يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته، لا فرق بين عالم وجاهل، يكفي العاميّ من فهم قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ... إلخ [المؤمنون: 1- 6] ، ما يعطيه الظاهر من الآيات، وأن الذين جمعت أوصافهم في الآيات الكريمة لهم الفوز والفلاح عند الله تعالى، ويكفي في معرفة الأوصاف أن يعرف معنى الخشوع، والإعراض عن اللغو، وما لا خير فيه، والإقبال على ما فيه فائدة له دنيوية أو أخروية، وبذل المال في الزكاة، والوفاء بالعهد، وصدق الوعد، والعفة عن إتيان الفاحشة. وأنّ من فارق، هذه الأوصاف إلى أضدادها فهو المتعدي حدود
الله، المتعرض لغضبه. وفهم هذه المعاني مما يسهل على المؤمن من أي طبقة كان، ومن أهل أيّ لغة كان. ومن الممكن أن يتناول كلّ أحد من القرآن بقدر ما يجذب نفسه إلى الخير، ويصرفها عن الشر، فإنّ الله تعالى أنزله لهدايتنا، وهو يعلم منّا كلّ أنواع الضعف الذي نحن عليه. وهناك مرتبة تعلو على هذه وهي من فروض الكفاية. للتفسير مراتب: أدناها أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله تعالى وتنزيهه، ويصرف النفس عن الشرّ ويجذبها إلى الخير، وهذه هي التي قلنا إنها متيسرة لكلّ أحد وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: 17] وأما المرتبة العليا فإنها لا تتم إلا بأمور. أحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن، بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة، غير مكتف بقول فلان، وفهم فلان، فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد، من ذلك لفظ التأويل. اشتهر بمعنى التفسير مطلقا أو على وجه مخصوص. ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى، كقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ [الأعراف: 53] فما هذا التأويل؟ يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة ليفرق بينها وبين ما ورد في الكتاب. فكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بالاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى. فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله. والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه. بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه، وينظر فيه. فربما استعمل بمعان مختلفة. كلفظ «الهداية» - سيأتي تفسيره في الفاتحة- وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه، وقد قالوا: إنّ القرآن يفسّر بعضه ببعض. وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ: موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته. ثانيها: الأساليب: فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته، مع التفطن لنكته ومحاسنه
والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه. نعم، إننا لا نتسامى إلى فهم مراد الله تعالى كلّه على وجه الكمال والتمام، ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة، ويحتاج في هذا إلى علم الإعراب وعلم الأساليب- المعاني والبيان- ولكن مجرّد العلم بهذه الفنون، وفهم مسائلها، وحفظ أحكامها، لا يفيد المطلوب. ترون في كتب العربيّة أنّ العرب كانوا مسدّدين في النطق يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع! أتحسبون أنّ ذلك كان طبيعيا لهم؟ كلا! وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة، ولذلك صار أبناء العرب أشدّ عجمة من العجم عند ما اختلطوا بهم، ولو كان طبيعيا ذاتيا لهم لما فقدوه في مدّة خمسين سنة من بعد الهجرة ... ! ثالثها: علم أحوال البشر: فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب وبيّن فيه ما لم يبيّنه في غيره. بيّن فيه كثيرا من أحوال الخلق وطبائعه، والسنن الإلهية في البشر، وقصّ علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته فيها، فلا بدّ للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم، وأدوارهم، ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوّة وضعف، وعزّ وذلّ، وعلم وجهل، وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالم الكبير علويّة وسفليّة، ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمّها: التاريخ بأنواعه. أجمل القرآن الكلام عن الأمم، وعن السنن الإلهية، وعن آياته في السموات والأرض وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عمّن أحاط بكل شيء علما، وأمرنا بالنظر والتفكّر والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا ... ! ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره، لكنّا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده، لا بما حواه من علم وحكمة ... ! رابعها: العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن. فيجب على المفسّر القائم بهذا الفرض الكفائيّ أن يعلم بما كان عليه الناس في عصر النبوّة من العرب وغيرهم، لأن القرآن ينادي بأنّ الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال، وأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعث لهدايتهم وإسعادهم..! وكيف يفهم المفسّر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة- أو ما يقرب منها- إذا لم يكن عارفا بأحوالهم وما كانوا عليه. هل يكتفي من علماء القرآن- دعاة الدين والمناضلين عنه- بالتقليد بأن يقولوا- تقليدا لغيرهم- إنّ الناس كانوا على باطل، وإن القرآن دحض أباطيلهم في الجملة؟ كلا ... ! خامسها: العلم بسيرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، وما كانوا عليه من علم وعمل، وتصرّف في الشؤون دنيويّها وأخرويّها.
فعلم- مما ذكرنا- أنّ التفسير قسمان: أحدهما: جافّ مبعد عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به: حلّ الألفاظ، وإعراب الجمل، وبيان ما ترمي إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية. وهذا لا ينبغي أن يسمّى تفسيرا، وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون كالنحو والمعاني وغيرهما. وثانيهما: (وهو التفسير الذي قلنا إنه يجب على الناس على أنه فرض كفاية) هو الذي يستجمع تلك الشروط لأجل أن تستعمل لغايتها، وهو ذهاب المفسّر إلى فهم مراد القائل من القول وحكمة التشريع في العقائد والأخلاق والأحكام على الوجه الذي يجذب الأرواح ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام، ليتحقق فيه معنى قوله: هُدىً وَرَحْمَةً ونحوهما من الأوصاف. فالمقصد الحقيقيّ وراء كل تلك الشروط والفنون، وهو الاهتداء بالقرآن. وهذا هو الغرض الأول الذي أرمي إليه في قراءة التفسير» ثم تكلم عن التفسير والتأويل في اصطلاح العلماء، وبيّن عظم شأن التفسير وفهمه بما مثاله: «مثل الناطقين بالعربية الآن- من العراق إلى نهاية بلاد مرّاكش- بالنسبة إلى العرب في لغتهم، كمثل قوم من الأعاجم- مخالطين للعرب- وجد في كلامهم- بسبب المخالطة- مفردات كثيرة من العربية. فهؤلاء الأقوام أشدّ حاجة إلى التفسير وفهم القرآن من المسلمين الأوّلين، لا سيما من كانوا في القرن الثالث حيث بدئ بكتابة التفسير وأحسّ المسلمون بشدّة حاجتهم إليه. ولا شك أن من يأتي بعدنا يكون أحوج منّا إلى ذلك، إذا بقينا على تقهقرنا، ولكن إذا يسّر الله لنا نهضة لإحياء لغتنا وديننا فربما يكون من بعدنا أحسن حالا منا ... ! التفسير عند قومنا- اليوم ومن قبل اليوم بقرون- هو عبارة عن الاطلاع على ما قاله بعض العلماء في كتب التفسير، على ما في كلامهم من اختلاف يتنزه عنه القرآن وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: 82] ، وليت أهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير- يطلبون لأنفسهم معنى تستقر عليه أفهامهم في العلم بمعاني الكتاب، ثم يبثونه في الناس ويحملونهم عليه- لم يطلبوا ذلك، وإنما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها، ويمارون فيها من يباريهم في طلبها،
ولا يخرجون- لإظهار البراعة في تحصيلها- عن حدّ الإكثار من القول، واختراع الوجوه من التأويل، والإغراب في الإبعاد عن مقاصد التنزيل. إن الله تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس، وما فهموه، وإنما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا، وعن سنة نبيه الذي بيّن لنا ما نزل إلينا وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44] . يسألنا: هل بلغتكم الرسالة؟ هل تدبّرتم ما بلّغتم؟ هل عقلتم ما عنه نهيتم وما به أمرتم؟ وهل عملتم بإرشاد القرآن. واهتديتم بهدي النبيّ، واتبعتم سنته؟ عجبا لنا! ننتظر هذا السؤال، ونحن في هذا الإعراض عن القرآن وهديه ... ! فيا للغفلة والغرور. معرفتنا بالقرآن كمعرفتنا بالله تعالى. أول ما يلقّن الوليد عندنا من معرفة الله تعالى هو اسم «الله» تبارك وتعالى، يتعلمه بالأيمان الكاذبة، كقوله: والله لقد فعلت كذا وكذا، والله ما فعلت كذا ... وكذلك القرآن! يسمع الصبيّ ممن يعيش معهم: أنه كلام الله تعالى، ولا يعقل معنى ذلك، ثم لا يعرف من تعظيم القرآن إلا ما يعظمه به سائر المسلمين الذين يتربّى بينهم، وذلك بأمرين: أحدهما: اعتقاد أنّ آية كذا إذا كتبت ومحيت بماء وشربه صاحب مرض كذا، يشفى! وأنّ من حمل القرآن لا يقربه جنّ ولا شيطان! ويبارك له في كذا وكذا ... إلى غير ذلك مما هو مشهور ومعروف للعامة أكثر مما هو معروف للخاصة ... ! ومع صرف النظر عن صحة هذا وعدم صحته، نقول: إنّ فيه مبالغة في التعظيم عظيمة جدا، ولكنها- ويا للأسف ... ! - لا تزيد عن تعظيم التراب الذي يؤخذ من بعض الأضرحة ابتغاء هذه المنافع والفوائد نفسها..! ونحو هذا ما يعلق على الأطفال من التعاويذ والتناجيس: كالخرق، والعظام، والتمائم المشتملة على الطلسمات والكلمات الأعجمية المنقولة عن بعض الأمم الوثنية ... ! هذا الضرب من تعظيم القرآن نسميه- إذا جرينا على سنة القرآن- عبادة للقرآن لا عبادة لله به! ثانيهما: الهمزة، والحركة المخصوصة، والكلمات المعلومة.... التي تصدر ممن يسمعون القرآن إذا كان القارئ رخيم الصوت، حسن الأداء، عارفا بالتطريب على أصول النغم.. والسبب في هذه اللذة والنشوة هي حسن الصوت والنغم، بل أقوى سب
لذلك هو بعد السامع عن فهم القرآن ... ! وأعني بالفهم: ما يكون عن ذوق سليم تصيب أساليب القرآن بعجائبها، وتملكه مواعظها، فتشغله عمّا بين يديه مما سواه. لا أريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذا جافا، لم يصحبه ذلك الذوق وما يتبعه من رقّة الشعور ولطف الوجدان اللذين هما مدار التعقل والتأثر والفهم والتدبر ... لهذا كلّه، يمكننا أن نقول: إن الجاهلية اليوم أشدّ من الجاهلية والضالين في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم، لأن من أولئك من قال الله تعالى فيهم: يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [البقرة: 146] ، ومعرفة الحقّ أمرّ عظيم شريف ... ! نعم، ربما كان إثم صاحبها مع الجحود أشد، ولكنه يكون دائما ملوما من نفسه على الإعراض عن الحقّ. وهذا اللوم يزلزل ما في نفسه من الإصرار على الباطل. كان البدويّ راعي الغنم يسمع القرآن فيخرّ له ساجدا لما عنده من رقّة الإحساس ولطف الشعور ... ! فهل يقاس هذا بأيّ متعلم اليوم؟ أرأيت أهل جزيرة العرب كيف انضووا إلى الإسلام بجاذبية القرآن لما كان لهم من دقّة الفهم التي كانت سبب الانجذاب إلى الحقّ..! - وأشار الأستاذ هنا إلى البنت الأعرابية التي فطنت لاشتمال الآية على أمرين ونهيين وبشارتين- ومجمل الخبر: أنّ الأصمعي قال: سمعت بنتا من الأعراب خماسية أو سداسية تنشد: أستغفر الله لذنبي كلّه ... قتلت إنسانا بغير حلّه مثل غزال ناعم في دلّه ... وانتصف الليل ولم أصلّه فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: ويحك! أيعدّ هذا فصاحة مع قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ، فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: 7] فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وبشارتين ... ! لما رأى علماء المسلمين في الصدر الأول تأثير القرآن في جذب قلوب الناس إلى الإسلام، وأنّ الإسلام لا يحفظ إلّا به، ولما كان العرب قد اختلطوا بالعجم، وفهم من دخل في الإسلام من الأعاجم ما فهمه علماء العرب، أجمع كلّ على وجوب حفظ اللغة العربية، ودوّنوا لها الدواوين، ووضعوا لها الفنون.
فصل في بيان دقائق المسائل العلمية الفلكية الواردة في القرآن الكريم
نعم: إنّ الاشتغال بلغة الأمة وآدابها فضيلة في نفسه، ومدّة من موادّ حياتها، ولا حياة لأمة ماتت لغتها. ولكن لم يكن هذا وحده هو الحامل لسلف الأمة على حفظ اللغة بمفرداتها وأساليبها وآدابها، وإنّما الحامل لهم على ذلك ما ذكرنا. ألّف العلّامة الأسفراييني كتابا في الفرق، ختمه بذكر أهل السنّة ومزاياهم، وعدّ من فضائلهم- التي امتازوا بها على سائر الفرق- التبريز في اللغة وآدابها، وبيّن ذلك بأجلى بيان. فزين هذه المزايا؟ وأين آثارها في فهم القرآن؟ بل وفهم ما دونه من الكلام البليغ ... ؟ وقد بينّا وجه الحاجة في التفسير إلى تحصيل ملكة الذوق العربيّ، وإلى غير ذلك من الأمور التي يتوقف عليها القرآن» انتهى. فصل في بيان دقائق المسائل العلمية الفلكية الواردة في القرآن الكريم قال بعض علماء الفلك ما مثاله: إنّ القرآن الكريم قد أتى في هذا الباب بمسائل علمية دقيقة لم تكن معروفة في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم. وهذه المسائل تعتبر من معجزات القرآن العلمية الخالدة. وهاكها ملخصة: المسألة الأولى-: الأرض كوكب كباقي الكواكب السيارة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: 12] ، وهما من مادة واحدة كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [الأنبياء: 30] . وهي تدور حول الشمس وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: 88] . المسألة الثانية: السيارات الأخرى مسكونة بالحيوانات وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ [الشورى: 29] ، تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [الإسراء: 44] يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الرحمن: 29] ، ومجموع هذه الآيات يدلّ على أنّ في السموات حيوانات عاقلة كالإنسان، لا كما كان يزعم القدماء: أنّ الكواكب كلها أجرام فارغة خلقت ليتلذذ بمنظرها الإنسان ... ! المسألة الثالثة: ليس القمر خاصا بالأرض، بل للسيارات الأخرى أقمار وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نوح: 16] فالألف واللام في الْقَمَرَ للجنس لا للعهد، كما
في قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: 4] . المسألة الرابعة: ليست السيارات مضيئة بذاتها، بل إن الشمس هي مصباحها جميعا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [نوح: 16] أي لهن، كما يدلّ عليه السياق، فالنور الذي نشاهده فيها منعكس عليها من الشمس. المسألة الخامسة: السماوات والسيارات السبع شيء، والشمس والقمر شيء آخر، فهما ليسا من السيارات كما كان يتوهم القدماء وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ... [العنكبوت: 61] الآية وغيرها كثير. المسألة السادسة: العوالم متعدّدة: ولذلك يقول القرآن في كثير من المواضع: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة: 2] ، والعوالم هي منظومات من الكواكب المتجاذبة وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ [الذاريات: 7] . لا كما كان يتوهم القدماء: أن العالم واحد وأنّ الإنسان أشرف الموجودات ... ! المسألة السابعة- ليست جميع العوالم مخلوقة لأجل هذا الإنسان: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر: 57] ، أي الناس المعهودين على وجه الأرض. والإنسان الأرضيّ أفضل من بعض المخلوقات لا كلّها وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [الإسراء: 70] . ولا ينافي ذلك قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [الجاثية: 13] ، إذ لا يلزم من هذا القول أنها غير مسخرة لغيرنا من الأحياء، فالبحر مثلا، قال الله تعالى فيه: سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ [الجاثية: 12] ، مع أنه مسخّر لغيرنا من الحيوانات البحرية تسخيرا أتمّ وأعمّ، فمنه تأكل وتشرب وتتنفس، وفيه تسكن وتحيى وتموت. فما هو مسخّر لبعض الحيوانات تسخيرا جزئيا قد يكون مسخرا لغيرها تسخيرا كلّيا. فكذلك النجوم مسخرة لنا- لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر- مع أنها لغيرنا شموس عليها قوام حياتهم، كما إن شمسنا عليها قوام حياتنا وهي- بالنسبة لهم- نجم من نجوم الثوابت. وبالجملة: فإن جميع العوالم- بما بينها من الارتباط العام والتجاذب الذي بينها- مسخرة بعضها لبعض بالنفع الكلّي أو الجزئيّ. المسألة الثامنة-: كان القدماء يعتقدون أن جميع الثوابت مركوزة في كرة مجوّفة يسمونها كرة الثوابت- أو فلك الثوابت- وبحركة هذه الكرة تتحرك الكواكب كما تقدم. ومعنى ذلك: أن الكواكب لا حركة لها بذاتها، وأن فلك
جميع الثوابت واحد وأنه جسم صلب. والحقيقة خلاف ذلك. فإن لكل كوكب فلكا يجري فيه وحده، وكل كوكب يتحرك بذاته لا بحركة غيره، والكواكب جميعا سابحة في الفضاء، أو بعبارة أصحّ في الأثير- مادّة العالم الأصلية- غير مركوزة في شيء مما يتوهمون. وبهذه الحقائق جاء الكتاب الحكيم والناس في الظلمات والأوهام يتخبطون..! قال الله تعالى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: 33] ، والتنوين في لفظ «كلّ» عوض عن الإضافة. والمعنى: كل واحد من الكواكب في فلك خاصّ به يسبح بذاته. وفي قوله يَسْبَحُونَ إشارة إلى مادة العالم الأصلية- الأثير- التي تسبح فيها الكواكب كما تسبح الأسماك في الماء. فليست الأفلاك أجساما صلبة تدور بالكواكب كما كانوا يزعمون.....! المسألة التاسعة: نصّ الكتاب العزيز على جود الجذب العام للكواكب كافّة من جميع جهاتها، فقال: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ [الذاريات: 7] ، أَمِ السَّماءُ بَناها [النازعات: 27] ، هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الملك: 3] ، فالكون كله: كالجسم الواحد الكبير، محكم البناء، لا خلل فيه، كما قال: وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ويتخلّله الأثير كما يتخلل ذرات الجسم الصغير فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: 14] . المسألة العاشرة: كان الناس في سالف الأزمان لا يدرون من أين يأتى ماء المطر، ولهم في السحاب أوهام عجيبة، كما كانت لهم في كل شيء سخافات وخرافات..! ولكن القرآن الشريف تنزّه عن الجهل والخطأ فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً- إلى قوله: فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [النور: 43] . وقال: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ [الزمر: 21] . ومقتضى الآيتين: أنّ الماء العذب الذي نشربه ونسقي به الأرض- سواء كان من الينابيع أو من الأنهار- هو من الأمطار الناشئة من السحاب، ومن أين يأتي السحاب؟ هو بخار من بحار هذه الأرض! أي: أنّ السحاب هو من الأرض، وهو عين قوله تعالى: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها [النازعات: 31] ، أي: أن الماء جميعه أصله من الأرض وإن شوهد أنه ينزل من السحاب ... ! فهذه كلها آيات بيّنات، ومعجزات باهرات، دالّة على صدق النبي صلّى الله عليه وسلّم، وصحة القرآن» . كلامه بحروفه. وقال أيضا: «من عجيب أمر هذا القرآن أن يذكر أمثال هذه الدقائق العلمية العالية، التي
بيان أن الصواب في آيات الصفات هو مذهب السلف
كانت جميع الأمم تجهلها، بطريقة لا تقف عثرة في سبيل إيمان أحد به، في أيّ زمن كان، مهما كانت معلوماته. فالناس قديما فهموا أمثال هذه الآية بما يوافق علومهم، حتى إذا كشف العلم الصحيح عن حقائق الأشياء، علمنا أنهم كانوا واهمين، وفهمنا معناها الصحيح. فكأنّ هذه الآيات جعلت في القرآن معجزات للمتأخرين، تظهر لهم كلما تقدّمت علومهم ... ! وأمّا المعاصرون للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فمعجزته لهم: إتيانه بأخبار الأوّلين، وبالشرائع التي أتى بها، وبالمغيّبات التي تحقّقت في زمنه ... وغير ذلك، مع علمهم بصدقه وحاله، وبعده عن العلم، والتعلم بالمشاهدة والعيان. فآيات القرآن- بالنسبة لهم- بعضها معناه صريح لا يقبل التأويل، وفيها بيان كلّ شيء مما يحتاجون إليه، والبعض الآخر يقبل التأويل، وتتشابه عليهم معانيه لنقص علومهم. وهذا القسم لا يهمهم كثيرا، فإنه خاصّ بعلوم لم يكونوا وصلوا إليها، وهو معجزات للمتأخرين يشاهدونها، وتتجلّى لهم كلما تقدّموا في العلم الصحيح. قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران: 7] ، أي: لها معان كثيرة يشبه بعضها بعضا، وتتشابه عليهم في ذلك الزمن، فلا يمكنهم الجزم بالصحيح منها: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ بتشكيك الناس في دينهم بسببه وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ في زمنهم لنقص علمهم وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85] . وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ... إلخ، فإذا جعل قوله تعالى وَالرَّاسِخُونَ معطوفا على لفظ الجلالة كان المعنى: أنّ تأويله لا يعلمه أحد في جميع الأزمنة إلا الله والراسخون في العلم يعلمونه، وإذا كان لفظ وَالرَّاسِخُونَ مستأنفا كان المعنى: أنّ الراسخين في العلم في زمنهم لا يعلمون تأويله- كما قلنا- وإنما يؤمنون به لظهور الدلائل الأخرى لهم على صدق النبيّ، ويفوّضون علم هذه الأشياء إلى المستقبل من الزمان، كما نفوض الآن نحن، مسألة رجم الشياطين بالشهب، للمستقبل ونؤمن بالقرآن لثبوت صدقه بالدلائل الأخرى القطعية» بحروفه. بيان أن الصواب في آيات الصفات هو مذهب السلف قد بسط الكلام في أنّ مذهب السلف هو الحق غير واحد من الأئمة الأعلام. وهو، وإن كان غنيا في نفسه عن إقامة البرهان، فقد رأينا أن نورد شذرة مما يؤيد
ذلك، تنبيها للغبيّ، وتأييدا للألمعيّ. فنقول: قال حجّة الإسلام الغزاليّ قدّس الله روحه في كتابه «إلجام العوام عن علم الكلام» . الباب الثاني في إقامة البرهان على أن الحق مذهب السلف، وعليه برهانان عقليّ وسمعيّ: «أمّا العقليّ فاثنان: كلّي وتفصيليّ. أما البرهان الكليّ على أنّ الحق مذهب السلف، فينكشف بتسليم أربعة أصول هي مسلّمة عند كل عاقل: الأول: أنّ أعرف الخلق بصلاح أحوال العباد، بالإضافة إلى حسن المعاد هو النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإن ما ينتفع به في الآخرة- أو يضر، - لا سبيل إلى معرفته بالتجربة- كما عرف الطبيب- إذ لا مجال للعلوم التجريبية إلا بما يشاهد على سبيل التكرر، ومن الذي رجع من ذلك العالم فأدرك بالمشاهدة ما نفع وضرّ، وأخبر عنه؟ ولا يدرك بقياس العقل، فإن العقول قاصرة عن ذلك، والعقلاء بأجمعهم معترفون بأنّ العقل لا يهتدي إلى ما بعد الموت، ولا يرشد إلى وجه ضرر المعاصي ونفع الطاعات، لا سيما على سبيل التفصيل والتحديد- كما وردت به الشرائع- بل أقرّوا بجملتهم: أن ذلك لا يدرك إلا بنور النبوّة، وهي قوة وراء قوة العقل، يدرك بها من أمر الغيب في الماضي والمستقبل أمور لا على طريق التعريف بالأسباب العقلية. وهذا مما اتفق عليه الأوائل من الحكماء، فضلا عن الأولياء والعلماء الراسخين، القاصرين نظرهم على الاقتباس من حضرة النبوّة، المقرّين بقصور كل قوّة سوى هذه القوة. الأصل الثاني: أنه صلّى الله عليه وسلّم أفاض إلى الخلق ما أوحي إليه من صلاح العباد في معادهم ومعاشهم، وأنه ما كتم شيئا من الوحي وأخفاه وطواه عن الخلق، فإنه لم يبعث إلا لذلك، ولذلك كان رحمة للعالمين، فلم يكن متهما فيه، وعرف ذلك علما ضروريا من قرائن أحواله في حرصه على إصلاح الخلق، وشغفه بإرشادهم إلى صلاح معاشهم ومعادهم، فما ترك شيئا مما يقرب الخلق إلى الجنة ورضاء الخالق إلّا دلّهم عليه، وأمرهم به، وحثّهم عليه، ولا شيئا مما يقرّبهم إلى النار وإلى سخط الله إلا حذّرهم منه ونهاهم عنه، وذلك في العلم والعمل جميعا. الأصل الثالث: أن أعرف الناس بمعاني كلامه، وأحراهم بالوقوف على كنهه ودرك أسراره، الذين شاهدوا الوحي والتنزيل، وعاصروه، وصاحبوه، بل لازموه آناء الليل والنهار، متشمّرين لفهم معاني كلامه وتلقيه بالقبول: للعلم به أولا، وللنقل إلى من بعدهم ثانيا، وللتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بسماعه وفهمه وحفظه ونشره.
وهم الذين حثهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على السماع والفهم والحفظ والأداء فقال: «نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها ... » «1» الحديث. فليت شعري أيتّهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بإخفائه وكتمانه عنهم؟! حاشا منصب النبوة عن ذلك..! أو يتهم أولئك الأكابر في فهم كلامه وإدراك مقاصده..؟ أو يتهمون في إخفائه وإسراره بعد الفهم؟ أو يتهمون في معاندته من حيث العمل ومخالفته على سبيل المكابرة، مع الاعتراف بتفهيمه وتكليفه؟ فهذه أمور لا يتسع لتقديرها عقل عاقل..! الأصل الرابع: أنهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى البحث والتفتيش والتفسير والتأويل والتعرّض لمثل هذه الأمور. بل بالغوا في زجر من خاض فيه، وسأل عنه، وتكلّم به على ما سنحكيه عنهم، فلو كان ذلك من الدين أو كان من مدارك الأحكام وعلم الدين لأقبلوا عليه ليلا ونهارا، ودعوا إليه أولادهم وأهليهم، وتشمّروا عن ساق الجدّ في تأسيس أصوله، وشرح قوانينه تشمرا أبلغ من تشمّرهم في تمهيد قواعد الفرائض والمواريث. فنعلم- بالقطع من هذه الأصول- أنّ الحقّ ما قالوه، والصواب ما رأوه.، وقد أثنى عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم» «2» وقال صلّى الله عليه وسلّم: «ستفترق أمتي نيّفاً وسبعين فرقة، الناجية منهم واحدة» «3» فقيل: من هم؟ فقال: «ما أنا عليه الآن وأصحابي» . البرهان الثاني، وهو التفصيليّ: فنقول:
ادعينا أنّ الحق هو مذهب السلف، وأنّ مذهب السلف هو: توظيف الوظائف السبع على عوامّ الخلق في ظواهر الأخبار المتشابهة. وقد ذكرنا برهان كلّ وظيفة معها فهو برهان كونه حقا، فمن يخالف- ليت شعري! - أيخالف في قولنا الأول: إنه يجب على العاميّ التقديس للحقّ عن التشبيه ومشابهة الأجسام. أو في قولنا الثاني: إنه يجب عليه التصديق والإيمان بما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام بالمعنى الذي أراده. أو في قولنا الثالث: إنه يجب عليه الاعتراف بالعجز عن درك حقيقة تلك المعاني. أو في قولنا الرابع: إنه يجب عليه السكوت عن السؤال والخوض فيما هو وراء طاقته. أو في قولنا الخامس: إنه يجب عليه إمساك اللسان عن تغيير الظواهر بالزيادة والنقصان والجمع والتفريق. أو في قولنا السادس: إنه يجب عليه كف القلب عن التذكر فيه والفكر مع عجزه عنه، وقد قيل لهم: تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق. أو في قولنا السابع: إنه يجب عليه التسليم لأهل المعرفة من الأنبياء والأولياء والعلماء الراسخين. فهذه أمور بيانها برهانها، ولا يقدر أحد على جحدها وإنكارها، إن كان من أهل التمييز، فضلا عن العلماء والعقلاء. فهذه هي البراهين العقلية! النمط الثاني: البرهان السمعيّ على ذلك. وطريقه أن نقول: الدليل على أن الحق مذهب السلف أن نقيضه بدعة- والبدعة مذمومة وضلالة- والخوض من جهة العوام في التأويل، والخوض فيه من جهة العلماء بدعة مذمومة، وكان نقيضه- وهو الكف عن ذلك- سنة محمودة. فهاهنا ثلاثة أصول: أحدها: إن البحث والتفتيش والسؤال عن هذه الأمور بدعة. والثاني: أن كلّ بدعة فهي مذمومة. والثالث: أن البدعة إذا كانت مذمومة كان نقيضها، وهي السنة القديمة، محمودة. ولا يمكن النزاع في شيء من هذه الأصول، فإذا سلم ذلك، ينتج: أن الحق مذهب السلف. ثم أطال- قدّس سرّه- في إيضاح هذه الأصول وأطاب، فارجع إليه إن شئت. والقول الشامل في هذا الباب ما قاله الإمام أحمد رضي الله عنه: «لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث. ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حقّ ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل
معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه. وهو سبحانه، مع ذلك، ليس كمثله شيء في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله. فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله منزّه عنه حقيقة، وأنه سبحانه مستحق الكمال الذي لا غاية فوقه، وممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم. ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل. فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، فيعطلون أسماءه الحسنى وصفاته العليا، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويلحدون في أسماء الله وآياته» . روى البيهقي في كتاب «الأسماء والصفات» بإسناد صحيح عن الأوزاعيّ، قال: «كنّا- والتابعون متوافرون- نقول: إنّ الله، تعالى ذكره، فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته. فقد حكى الأوزاعيّ- وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين الذين هم: مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعيّ إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوريّ إمام أهل العراق- حكى شهرة هذا القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله فوق العرش، وبصفاته السمعية، وإنما قال الأوزاعيّ هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف كان بخلاف هذا. وروى أبو بكر الخلال في كتاب «السنّة» عن الأوزاعيّ، قال: «سئل مكحول والزهريّ عن تفسير الأحاديث فقالا: أمرّوها كما جاءت» . وروي أيضا عن الوليد بن مسلم قال: «سألت مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، والليث بن سعد، والأوزاعيّ عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمرّوها كما جاءت» . وفي رواية، فقالوا: «أمرّوها كما جاءت بلا كيف» . فقولهم رضي الله عنهم «أمرّوها كما جاءت» ردّ على المعطلة، وقولهم «بلا كيف» ردّ على الممثّلة. والزهريّ ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم. والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين- أفاده شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه. وقال تلميذه الإمام شمس الدين بن القيّم الدمشقيّ في كتابه «طريق الهجرتين»
في شرح حديث «فرح الله بتوبة عبده» ما صورته، بعد جمل: «وتحت هذا سر عظيم يختص الله بفهمه من يشاء، فإن كنت ممن غلظ حجابه وكثفت نفسه وطباعه فعليك بوادي الخفا، وهو وادي المحرفين للكلم عن مواضعه، الواضعين له على غير المراد منه، فهو واد قد سلكه خلق، وتفرّقوا في شعابه وطرقه ومتاهاته، ولم يستقر لهم فيه قدم، ولا لجئوا منه إلى ركن وثيق، بل هم كحاطب الليل، وحاطم السيل. وإن نجاك الله من هذا الوادي، فتأمّل هذه الألفاظ النبوية المعصومة التي مقصود المتكلم بها غاية البيان، مع مصدرها عن كمال العلم بالله، وكمال النصيحة للأمة، ومع هذه المقامات الثلاث- أعني كمال بيان المتكلم وفصاحته وحسن تعبيره عن المعاني، وكمال معرفته وعلمه بما يعبر عنه، وكمال نصحه وإرادته لهداية الخلائق- يستحيل عليه أن يخاطبهم بشيء، وهو لا يريد منهم ما يدل عليه خطابه، بل يريد منهم أمرا بعيدا عن ذلك الخطاب، إنما يدل عليه- كدلالة الألغاز والأحاجي- مع قدرته على التعبير عن ذلك المعنى بأحسن عبارة وأوجزها، فكيف يليق به أن يعدل عن مقتضى البيان الرافع للإشكال المزيل للإجمال، ويوقع الأمة في أودية التأويلات وشعاب الاحتمالات والتجويزات. سبحانك هذا بهتان عظيم. وهل قدر الرسول حق قدره، أو مرسله حقّ قدره من نسب كلامه سبحانه، أو كلام رسوله إلى مثل ذلك؟ ففصاحة الرسول وبيانه وعلمه ومعرفته ونصحه وشفقته يحيل عليه أن يكون مراده من كلامه ما يحمله عليه المحرفون للكلم عن مواضعه، المتأوّلون له غير تأويله، وأن يكون كلامه من جنس الألغاز والأحاجي. والحمد لله رب العالمين. فإن قلت: فهل من مسلك غير هذا الوادي الذي ذممته فنسلك فيه، أو من طريق يستقيم عليه السالك؟ قلت: نعم. بحمد الله، الطريق واضحة المنار، بيّنة الأعلام، مضيئة للسالكين، وأولها: أن تحذف خصائص المخلوقين عن إضافتها إلى صفات ربّ العالمين، فإنّ هذه العقدة هي أصل بلاء الناس. من حلها، فما بعدها أيسر منها. ومن هلك بها، فما بعدها أشدّ منها. وهل نفى أحد ما نفى من صفات الرب ونعوت جلاله إلّا لسبق نظره الضعيف إليها، واحتجابه بها عن أصل الصفة، وتجرّدها عن خصائص المحدث؟ فإن الصفة يلزمها لوازم باختلاف محلها، فيظنّ القاصر، إذا رأى ذلك اللازم في المحل المحدث، أنه لزم لتلك الصفة مطلقا، فهو يفرّ من إثباتها للخالق سبحانه، حيث لم يتجرّد في ظنه عن ذلك اللازم. وهذا كما فعل من نفى عنه سبحانه الفرح والمحبّة والرضى والغضب والكراهة والمقت والبغض، وردّها كلّها إلى الإرادة. فإنه فهم فرحا مستلزما لخصائص المخلوق من انبساط دم
القلب، وحصول ما ينفعه، وكذلك فهم غضبا هو غليان دم القلب طلبا للانتقام، وكذلك فهم محبة ورضى وكراهة ورحمة مقرونة بخصائص المخلوقين، فإن ذلك هو السابق إلى فهمه. وهو المشهود في علمه الذي لم تصل معرفته إلى سواه، ولم يحط علمه بغيره، ولما كان هو السابق إلى فهمه لم يجد بدّا من نفيه عن الخالق والصفة لم تتجرد في عقله عن هذا اللازم، فلم يجد بدّا من نفيها. ثم لأصحاب هذا الطريق مسلكان: أحدهما: مسلك التناقض البيّن وهو إثبات كثير من الصفات. ولا يلتفت فيها إلى هذا الخيال، بل يثبتها مجردة عن خصائص المخلوق- كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغيرها- فإن كان إثبات تلك الصفات التي نفاها يستلزم المحذور الذي فرّ منه، فكيف لم يستلزمه إثبات ما أثبته؟ وإن كان إثبات لا يستلزم محذورا، فكيف يستلزمه إثبات ما نفاه؟ وهل في التناقض أعجب من هذا..؟ المسلك الثاني: مسلك النفي العام والتعطيل المحض هربا من التناقض، والتزاما لأعظم الباطل وأمحل المحال، فإذا، الحق المحض في الإثبات المحض الذي أثبته الله لنفسه في كلامه، وعلى لسانه رسوله، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تبديل، ومنشأ غلط المحرفين إنما هو ظنهم أن ما يلزم الصفة في المحلّ المعين يلزمها لذاتها، فينفون ذلك اللازم عن الله، فيضطرون، في نفيه، إلى نفي الصفة. ولا ريب أنّ الأمور ثلاثة: أمر يلزم الصفة لذاتها من حيث هي، فهذا لا يجب بل لا يجوز نفيه كما يلزم العلم والسمع والبصر من تعلقها بمعلوم ومسموع ومبصر، فلا يجوز نفي هذه التعلقات عن هذه الصفات إذ لا تحقق لها بدونها. وكذلك الإرادة، مثلا، تستلزم العلم لذاتها فلا يجوز نفي لازمها عنها. وكذلك السمع والبصر والعلم يستلزم الحياة فلا يجوز نفي لوازمها. وكذلك كون المرئيّ مرئياَّ حقيقة له لوازم لا ينفكّ عنها. ولا سبيل إلى نفي تلك اللوازم إلّا بنفي الرؤية. وكذلك الفعل الاختياري له لوازم لا بدّ منها، فمن نفى لوازمه نفى الفعل الاختياريّ ولا بدّ. من هنا كان أهل الكلام أكثر الناس تناقضا واضطرابا، فإنهم ينفون الشيء، ويثبتون ملزومه، ويثبتون الشيء، وينفون لازمه، فتناقض أقوالهم وأدلّتهم، ويقع السالك خلفهم في الحيرة والشك. ولهذا يكون نهاية أمر أكثرهم الشك والحيرة، حاشا من هو في خفارة بلادته منهم، أو من قد خرق تلك الخيالات وقطع تلك
الشبهات وحكم الفطرة والشرعة والعقل المؤيد بنور الوحي عليها فنقدها نقد الصيارف، فنفى زغلها، وعلم أن الصحيح منها: إمّا أن يكون قد تولت النصوص بيانه، وإمّا أن يكون فيها غنية عنه، بما هو خير منه، وأقرب طريقا، وأسهل تناولا لا يستفيد المؤمن البصير، بما جاء به الرسول العارف به، من المتكلمين سوى مناقضة بعضهم بعضا، ومعارضته وإبداء بعضهم عوار بعض ومحاربة بعضهم بعضا، فيتولى بعضهم محاربة بعض، ويسلم ما جاء به الرسول. فإذا رأى المؤمن العالم الناصح لله ولرسوله أحدهم قد تعدى إلى ما جاء به الرسول، يناقضه أو يعارضه. فليعلم أنهم لا طريق لهم إلى ذلك أبدا، ولا يقع ردّهم إلّا على آراء أمثالهم وأشباههم. وأمّا ما جاء به الرسول فمحفوظ محروس مصون من تطرّق المعارضة والمناقضة إليه. فإن وجدت شيئا من ذلك في كلامهم، فبدار بدار إلى إبداء فضائحهم، وكشف تلبيسهم ومحالهم وتناقضهم وتبيّن كذبهم على العقل والوحي فإنهم لا يردون شيئا مما جاء به الرسول إلّا بزخرف من القول يغترّ به ضعيف العقل والإيمان. فاكشفه ولا تهنه تجده كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ [النور: 39] . ولولا أن كلّ مسائل القوم وشبههم، التي خالفوا فيها النصوص، بهذه المثابة لذكرنا من أمثلة ذلك ما تقرّ به عيون أهل الإيمان السائرين إلى الله على طريق الرسول وأصحابه. وإن وفّق الله سبحانه جرّدنا لذلك كتابا مفردا. وقد كفانا شيخ الإسلام ابن تيميّة هذا المقصد في عامة كتبه، لا سيما كتابه الذي وسمه ببيان «موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح» ، فمزّق فيه شملهم كلّ ممزّق، وكشف أسرارهم، وهتك أستارهم، فجزاه الله عن الإسلام وأهله من أفضل الجزاء. واعلم أنه لا ترد شبهة صحيحة على ما جاء به الرسول، بل الشبهة التي توردها أهل البدع والضلال على أهل السنة لا تخلو من قسمين: إمّا أن يكون القول الذي أوردت عليه ليس من أقوال الرسول، بل يكون نسبته إليه غلطا، وهذا لا يكون متفقا عليه بين أهل السنة أبدا. بل يكون قد قاله بعضهم، وغلط فيه، فإنّ العصمة إنما هي لمجموع الأمة، لا لطائفة معينة منها. وإما أن يكون القول الذي أوردت عليه قولا صحيحا، لكن لا ترد تلك الشبهة عليه، وحينئذ فلا بد لها من أحد أمرين: إما أن تكون لازمة، وإما أن لا تكون لازمة، فإن كانت لازمة لما جاء به الرسول، فهي حق لا شبهة، إذ لازم الحق حق، ولا ينبغي
ذكر انطواء القرآن على البراهين والأدلة
الفرار منها، كما يفعل الضعفاء من المنتسبين إلى السنة، بل كل ما لزم من الحق فهو حق يتعين القول به كائنا ما كان. وهل تسلط أهل البدع والضلال على المنتسبين للسنة إلّا بهذه الطريق؟ ألزموهم بلوازم تلزم الحق فلم يلتزموهم ودفعوها وأثبتوا ملزوماتها، فتسطلوا عليهم بما أنكروه لا بما أثبتوه. فلو أثبتوا لوازم الحق ولم يفروا منها لم يجد أعداؤهم إليهم سبيلا. وإن لم تكن لازمة لهم، فإلزامهم إياها باطل، وعلى النقدين، فلا طريق لهم إلى رد أقوالهم. وحينئذ فلهم جوابان: مركّب مجمل، ومفرد مفصّل أما الأول، فيقولون لهم: هذه اللوازم التي تلزمونا بها، إمّا أن تكون لازمة في نفس الأمر، وإمّا أن لا تكون لازمة. فإن كانت لازمة فهي حقّ، إذ قد ثبت أن ما جاء به الرسول فهو الحق الصريح، ولازم الحقّ حق. وإن لم تكن لازمة فهي مندفعة، ولا يجوز إلزامها ولا التزامها. وأما الجواب المفصّل فيفردون كلّ إلزام بجواب، ولا يردونه مطلقا، بل ينظرون إلى ألفاظ ذلك الإلزام ومعانيه، فإن كان لفظها موافقا لما جاء به الرسول يتضمن إثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، فلا يكون المعنى إلا حقا، فيقبلون ذلك الإلزام. وإن كان مخالفا لما جاء به الرسول متضمّنا لنفي ما أثبته، أو إثبات ما نفاه كان باطلا لفظا ومعنى، فيقابلونه بالردّ، وإن كان لفظا مجملا محتملا لحقّ وباطل لم يقبلوه مطلقا، ولم يردوه مطلقا، حتى يستفسروا قائله: ماذا أراد به؟ فإن أراد معنى صحيحا مطابقا لما جاء به الرسول قبلوه، ولم يطلقوا اللفظ المحتمل إطلاقا. وإن أراد معنى باطلا ردّوه ولم يطلقوا نفي اللفظ المحتمل أيضا. فهذه قاعدتهم التي يعتصمون، وعليها يعولون، وبسط هذه الكلمات يستدعي أسفارا لا سفرا واحدا، ومن لا ضياء له لا ينتفع بها، ولا بغيرها، فلنقتصر عليها» انتهى بحروفه. ذكر انطواء القرآن على البراهين والأدلة قال الإمام الراغب الأصفهانيّ رحمه الله في مقدّمة تفسيره: «ما من برهان ولا دلالة وتقسيم وتحديد مبنيّ على كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله تعالى قد نطق به. لكن أورده تعالى على عادة العرب، دون دقائق طرق الحكماء والمتكلمين لأمرين: أحدهما بسبب ما قاله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ... [إبراهيم: 4] الآية. والثاني: إن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليّ من الكلام. فإنّ من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلّا الأقلون ما لم يكن ملغزا. فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجلّ صورة تشتمل
شرف علم التفسير
على أدقّ دقيق لتفهم العامة من جليّها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة، ويفهم الخواصّ من أثنائها ما يوفي على ما أدركه فهم الحكماء. وعلى هذا النحو قال عليه السلام «إنّ لكلّ آية ظهرا وبطنا ولكلّ حرف حدا ومطلعا» «1» ، لا على ما ذهب إليه الباطنية. ومن هذا الوجه كل من كان حظه في العلوم أوفر، كان نصيبه من علم القرآن أكثر. ولذلك، إذا ذكر تعالى حجة إلى ربوبيته ووحدانيته أتبعها مرة بإضافتها إلى أولي العقل، ومرّة إلى أولي العلم، ومرّة إلى السامعين ومرّة إلى المفكرين، ومرّة إلى المتذكرين تنبيها على أن بكلّ قوة من هذه القوى يمكن إدراك حقيقة منها، وذلك نحو قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: 4] وغيرها من الآيات. شرف علم التفسير قال الإمام الراغب الأصفهانيّ في مقدّمة تفسيره: «أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن وتأويله. وذلك أن الصناعات الحقيقية إنما تشرف بأحد ثلاثة أشياء: إمّا بشرف موضوعاتها، وهي المعمول فيها، نحو أن يقال: الصياغة أشرف من الدباغة لأنّ موضوعها- وهو الذهب والفضة- أشرف من جلد الميتة- الذي هو موضوع الدباغة- وإمّا بشرف صورها، نحو أن يقال: طبع السيوف أشرف من طبع القيود. وإمّا بشرف أغراضها وكمالها، كصناعة الطب- التي غرضها إفادة الصحة- فإنها أشرف من الكناسة- التي غرضها تنظيف المستراح «فإذا ثبت ذلك، فصناعة التفسير قد حصل لها الشرف من الجهات الثلاث، وهو أنّ موضوع التفسير كلام الله تعالى: الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة، وصورة فعله: إظهار خفيات ما أودعه منزله من أسراره ليدّبروا آياته وليتذكر أولو الألباب، وغرضه التمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا فناء لها. ولهذا عظّم الله محله بقوله: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: 269] قيل: هو تفسير القرآن» انتهى.
سورة فاتحة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم سورة فاتحة الكتاب فاتحة الشيء: أوله وابتداؤه. ولمّا افتتح التنزيل الكريم بها، إمّا بتوقيف من النبيّ صلى الله عليه وسلّم، أو باجتهاد من الصحابة- كما حكى القولين القاضي الباقلانيّ في ترتيب التنزيل- سمّيت بذلك قال السيد الجرجانيّ: فاتحة الكتاب صارت علما بالغلبة لسورة الحمد، وقد يطلق عليها «الفاتحة» وحدها، فإما أن يكون علما آخر بالغلبة أيضا، لكون اللام لازمة، وإما أن يكون اختصارا، واللام كالعوض عن الإضافة إلى الكتاب، مع لمح الوصفية الأصلية. وقال ابن جرير: سميت «فاتحة الكتاب» : لأنها يفتتح بكتابتها المصاحف، ويقرأ بها في الصلوات. فهي فواتح لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة. وتسمّى «أم القرآن» : لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، وتأخّر ما سواها خلفها في القراءة والكتابة تقدّم الأمّ والأصل، أو لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله بما هو أهله، والتعبّد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الحكم النظرية، والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم، والاطلاع على معارج السعداء، ومنازل الأشقياء. والعرب تسمي كلّ أمر جامع أمورا، وكلّ مقدم له توابع تتبعه «أمّا» - فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ «أمّ الرأس» وتسمي لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها «أما» وتسمى «السبع المثاني» - جمع مثنى كمفعل اسم مكان، أو مثنّى بالتشديد من التثنية على غير قياس- لأنها سبع آيات تثنّى في الصلاة أي تكرر فيها.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 1]
والأكثرون على أن الفاتحة مكية، وأنها سبع آيات. وأصل معنى «السورة» لغة: المنزلة من منازل الارتفاع. ومن ذلك سور المدينة للحائط الذي يحويها، وذلك لارتفاعه على ما يحويه. ومنه قول نابغة بني ذبيان: ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب أي منزلة من منازل الشرف التي قصرت عنها منازل الملوك. وأما «الآية» فإمّا بمعنى: العلامة- لأنها علامة يعرف بها تمام ما قبلها وابتداؤها، كالآية التي تكون دلالة على الشيء يستدلّ به عليه- وإمّا بمعنى: القصّة- كما قال كعب بن زهير: ألا أبلغا هذا المعرّض آية: ... أيقظان قال القول، إذ قال، أم حلم أي رسالة مني، وخبرا عني- فيكون معنى الآيات «القصص» قصة تتلو قصة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) قال الإمام ابن جرير: إن الله، تعالى ذكره، وتقدست أسماؤه، أدّب نبيه محمدا صلى الله عليه وسلّم: بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وتقدم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته، وجعل- ما أدّبه به من ذلك، وعلّمه إياه- منه لجميع خلقه: سنّة يستنّون بها، وسبيلا يتبعونه عليها، فبه افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم، حتى أغنت دلالة ما ظهر، من قول القائل: بسم الله، على ما بطن من مراده الذي هو محذوف. وذلك أن الباء مقتضية فعلا يكون لها جالبا، فإذا كان محذوفا يقدّر بما جعلت التسمية مبدأ له. والاسم هنا بمعنى التسمية- كالكلام بمعنى التكليم، والعطاء بمعنى الإعطاء- والمعنى: أقرأ بتسمية الله وذكره، وأفتتح القراءة بتسمية الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. واللَّهِ علم على ذاته، تعالى وتقدس. قال ابن عباس: هو الذي يألهه كلّ شيء ويعبده وأصله «إلاه» بمعني مألوه أي معبود، فلما أدخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفا لكثرته في الكلام، وبعد الإدغام فخّمت تعظيما- هذا تحقيق اللغويين.
والرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الجوهريّ: هما اسمان مشتقان من الرحمة. ونظيرهما في اللغة «نديم وندمان» وهما بمعنى. ويجوز تكرير الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما على جهة التوكيد، كما يقال: جادّ مجدّ إلّا أن الرَّحْمنِ اسم مخصص بالله لا يجوز أن يسمى به غيره. ألا ترى أنه قال: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: 110] فعادل به الاسم الذي لا يشركه فيه غيره. وقد ناقش في كون الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بمعنى واحد، العلّامة الشيخ محمد عبده المصريّ في مباحثه التفسيرية قائلا: إن ذلك غفلة نسأل الله أن يسامح صاحبها- ثم قال: - وأنا لا أجير لمسلم أن يقول، في نفسه أو بلسانه: إن في القرآن كلمة جاءت لتأكيد غيرها ولا معنى لها في نفسها، بل ليس في القرآن حرف جاء لغير معنى مقصود. والجمهور: على أن معنى الرحمن المنعم بجلائل النعم، ومعنى الرحيم المنعم بدقائقها. وبعضهم يقول: إن الرحمن هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم، والرحيم المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين. وكل هذا تحكم باللغة مبنيّ على أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. ولكن الزيادة تدل على الوصف مطلقا، فصيغة الرَّحْمنِ تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه، سواء كان جليلا أو دقيقا. وأما كون أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأكثر حروفا أعظم من أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفا، فهو غير معنيّ ولا مراد، وقد قارب من قال: إن معنى الرَّحْمنِ المحسن بالإحسان العام. ولكنه أخطأ في تخصيص مدلول الرحيم بالمؤمنين، ولعل الذي حمل من قال: إن الثاني مؤكد للأول- على قوله هذا- هو عدم الاقتناع بما قالوه من التفرقة، مع عدم التفطّن لما هو أحسن منه، ثم قال: والذي أقول: إن لفظ «رحمن» وصف فعليّ فيه معنى المبالغة- كفعّال- ويدل في استعمال اللغة على الصفات العارضة- كعطشان وغرثان وغضبان- وأما لفظ «رحيم» فإنه يدل في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا في الناس- كعليم وحكيم وحليم وجميل- والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربيّ البليغ في الحكاية عن صفات الله عز وجل التي تعلو عن مماثله صفات المخلوقين، فلفظ الرَّحْمنِ يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل وهي إفاضة النعم والإحسان، ولفظ الرَّحِيمِ يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان، وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة، وبهذا المعنى لا يستغنى بأحد الوصفين عن الآخر، ولا يكون الثاني مؤكّدا للأول. فإذا سمع العربيّ وصف الله جلّ ثناؤه ب الرَّحْمنِ، وفهم منه أنه المفيض للنعم فعلا، لا يعتقد منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائما- لأن الفعل قد
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 2]
ينقطع إذا كان عارضا لم ينشأ عن صفة لازمة ثابتة- فعند ما يسمع لفظ الرَّحِيمِ يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بالله تعالى ويرضيه سبحانه. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 2] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) الْحَمْدُ لِلَّهِ أي الثناء بالجميل، والمدح بالكمال ثابت لله دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه. واللام في الْحَمْدُ للاستغراق أي استغراق جميع أجناس الحمد وثبوتها لله تعالى تعظيما وتمجيدا- كما في الحديث: «اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله» . قال الإمام ابن القيّم في «طريق الهجرتين» : الملك والحمد في حقه تعالى متلازمان. فكل ما شمله ملكه وقدرته شمله حمده، فهو محمود في ملكه، وله الملك والقدرة مع حمده. فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته، يستحيل خروجها عن حمده وحكمته. ولهذا يحمد سبحانه نفسه عند خلقه وأمره لينبّه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده. فهو محمود على كل ما خلقه وأمر به حمد شكر وعبودية وحمد ثناء ومدح، ويجمعهما التبارك، فَتَبارَكَ اللَّهُ يشمل ذلك كله. ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [الأعراف: 54] . فالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح. والطرق إلى العلم به في غاية الكثرة، والسبيل إلى اعتباره في ذرات العالم وجزئياته، وتفاصيل الأمر والنهي واسعة جدا، لأن جميع أسمائه، تبارك وتعالى، حمد، وصفاته حمد، وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله حمد، وانتقامه من أعدائه حمد، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد، والخلق والأمر إنما قام بحمده، ووجد بحمده، وظهر بحمده، وكان الغاية هي حمده، فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله. فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيء بحمده، وسريان حمده في الموجودات، وظهور آثاره فيه أمر مشهود بالأبصار والبصائر. - ثم قال-: وبالجملة فكل صفة علياء، واسم حسن، وثناء جميل، وكل حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله عزّ وجلّ على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، وجميع ما يوصف به، ويذكر به، ويخبر عنه به فهو محامد له وثناء وتسبيح وتقديس، فسبحانه وبحمده لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه. رَبِّ الْعالَمِينَ الرب يطلق على السيد المطاع وعلى المصلح وعلى المالك. -
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 3]
تقول: ربّه يربّه فهو ربّ كما تقول: نمّ عليه ينمّ فهو نمّ- فهو صفة مشبهة، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى التربية وهي: تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا. وصف به الفاعل مبالغة كما وصف بالعدل. والرب- باللام- لا يقال إلا لله عزّ وجلّ. وهو في غيره على التقييد بالإضافة- كربّ الدار- ومنه قوله تعالى: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: 50] إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف: 23] . والْعالَمِينَ جمع عالم وهو: الخلق كله وكل صنف منه. وإيثار صيغة الجمع لبيان شمول ربوبيته تعالى لجميع الأجناس. والتعريف لاستغراق أفراد كل منها بأسرها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 3] الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) إيرادهما عقد وصف الربوبية من باب قرن الترغيب بالترهيب الذي هو أسلوب التنزيل الحكيم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 4] مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) قرأ عاصم والكسائيّ بإثبات ألف مالِكِ والباقون بحذفها. قال الزمخشريّ: ورجحت قراءة (ملك) لأنه قراءة أهل الحرمين، وهم أولى الناس بأن يقرءوا القرآن غضا طريا كما أنزل، وقراؤهم الأعلون رواية وفصاحة. ولقوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] فقد وصف ذاته بأنه الملك يوم القيامة. والقرآن يتعاضد بعضه ببعض، وتتناسب معانيه في المواد. وثمة مرجحات أخرى. وقال بعضهم: إن قراءة مالِكِ أبلغ، لأن الملك هو الذي يدبر أعمال رعيته العامة، ولا تصرّف له بشيء من شؤونهم الخاصة. وتظهر التفرقة في عبد مملوك في مملكة لها سلطان، فلا ريب أن مالكه هو الذي يتولى جميع شؤونه دون سلطانه. ومن وجوه تفضيلها: إنها تزيد بحرف، ولقارئ القرآن بكل «1» حرف عشر حسنات
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 5]
- كما رواه الترمذيّ عن ابن مسعود بإسناد صحيح- وكلاهما صحيح متواتر في السبع. والدِّينِ الحساب والمجازاة بالأعمال. ومنه: «كما تدين تدان» أي: مالك أمور العالمين كلها في يوم الدين. وتخصيصه بالإضافة إمّا لتعظيمه وتهويله، أو لبيان تفرده تعالى بإجراء الأمر وفصل القضاء فيه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 5] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) قال الطبريّ: أي لك، اللهم، نخشع ونذلّ ونستكين. إقرارا لك بالربوبية لا لغيرك- قال- والعبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمّي الطريق المذلل الذي قد وطئته الأقدام، وذلّلته السابلة «معبّدا» ومنه قيل للبعير المذلل بالركوب في الحوائج «معبّد» ومنه سمي العبد «عبدا» لذلّته لمولاه انتهى. وفيه إعلام بما صدع به الإسلام من تحرير الأنفس لله تعالى وتخليصها لعبادته وحده. أعني: أن لا يشرك شيئا ما معه، لا في محبته كمحبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب، فإن كل ذلك إنما يستحقه فاطر الأرض والسموات وحده. وذلك أن لفظ العبادة يتضمن كمال الذّل بكمال الحب. فلا بد أن يكون العابد محبّا للإله المعبود كمال الحب، ولا بد أن يكون ذليلا له كمال الذل، وهما لا يصلحان إلا لله وحده. فهو الإله المستحق للعبادة، الذي لا يستحقها إلّا هو، وهي كمال الحب والذل والإجلال والتوكل والدعاء بما لا يقدر عليه إلّا هو، تعالى. وقد أشار لذلك تقديم المفعول، فإن فيه تنبيها على ما يجب للعبد من تخصيصه ربّه بالعبادة، وإسلامه وجهه لله وحده، لا كما كان عليه المشركون الذين ظهر النبي صلى الله عليه وسلّم عليهم، فقد كانوا متفرقين في عبادتهم، متشاكسين في وجهتهم: منهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الأحبار والرهبان، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار ... إلى غير ذلك، كما بينه القرآن الكريم في قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ [فصلت: 37] الآية. وفي قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا
سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ: 40- 41] . وفي قوله تعالى: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ [المائدة: 116] الآية. وقوله تعالى: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً [آل عمران: 80] الآية. وفي قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: 19- 20] . وحديث «1» أبي واقد الليثيّ قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها «ذات أنواط» فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «الله أكبر، إنها السنن، قلتم- والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ- إلى قوله: وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [الأعراف: 138- 140] رواه الترمذيّ وصححه. وأما عبادتهم للأحبار والرهبان ففي قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: 31] ، فروى الإمام أحمد والترمذي «2» عن عديّ بن حاتم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلّم يقرأ هذه الآية اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: «أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمون، ويحلّون ما حرّم الله فتحلّونه؟» فقلت: بلى قال: «فتلك عبادتهم» . فالعبادة أنواع وأصناف، ولا يتم الإيمان إلّا بتوحيدها كلها لله سبحانه. وقد بينت السنة أن الدعاء هو العبادة. أي ركنها المهم الأعظم. وأصله من التنزيل الكريم قوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 6]
[غافر: 60] ، فسماه عبادة. وفي الخبر: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل» «1» . قال شمس الدين بن القيم: ولهذا كان العبد مأمورا في كل صلاة أن يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ والشيطان يأمر بالشرك، والنفس تطيعه في ذلك، فلا تزال النفس تلتفت إلى غير الله، إما خوفا منه، أو رجاء له، فلا يزال العبد مفتقرا إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك، ولذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه، وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدلا وندا يحبه، ويخافه، ويرجوه، يذل ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته، والمؤثر لا يرضى بإيثاره انتهى. (فائدة) قال بعض السلف: الفاتحة سرّ القرآن، وسرّها هذه الكلمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: فالأول تبرّؤ من الشرك، والثاني تبرّؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله عزّ وجلّ. وهذا المعنى في غير آية من القرآن كما قال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: 123] ، قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا [الملك: 29] ، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل: 9] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 6] اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) أي ألهمنا الطريق الهادي، وأرشدنا إليه، ووفقنا له. قال الإمام الراغب في تفسيره: «الهداية دلالة بلطف. ومنه الهدية، وهوادي الوحش وهي متقدّماتها لكونها هادية لسائرها. وخص ما كان دلالة بفعلت نحو: هديته الطريق، وما كان من الإعطاء بأفعلت نحو أهديت الهدية، ولما يصور العروس على وجهين: قيل فيه: هديت وأهديت. فإن قيل: كيف جعلت الهدى دلالة بلطف وقد قال تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات: 23] وقال تعالى: كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ [الحج: 4] قيل:
إن ذلك حسب استعمالهم اللفظ على التهكم كما قال: وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحيّة بينهم ضرب وجيع! والهداية هي الإرشاد إلى الخيرات قولا وفعلا، وهي من الله تعالى على منازل بعضها يترتب على بعض، لا يصح حصول الثاني إلّا بعد الأول، ولا الثالث إلّا بعد الثاني. فأول المنازل إعطاؤه العبد القوى التي بها يهتدي إلى مصالحه إما تسخيرا وإما طوعا- كالمشاعر الخمسة والقوة الفكرية، وبعض ذلك قد أعطاه الحيوانات، وبعض خصّ به الإنسان، وعلى ذلك دلّ قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: 50] ، وقوله تعالى: الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [الأعلى: 3] ، وهذه الهداية إما تسخير وإما تعليم، وإلى نحوه أشار بقوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل: 68] ، وقوله تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة: 5] ، وقال في الإنسان، بما أعطاه من العقل، وعرفه من الرشد: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ [الإنسان: 3] وقال: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: 10] ، وقال في ثمود: فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فصلت: 17] ، وثانيهما الهداية بالدعاء وبعثه الأنبياء عليهم السلام. وإياها عنى بقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [السجدة: 24] . وبقوله: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: 7] ، وهذه الهداية تنسب تارة إلى الله عز وجل، وتارة إلى النبيّ عليه السّلام، وتارة إلى القرآن. قال الله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9] . وثالثها هداية يوليها صالحي عباده بما اكتسبوه من الخيرات، وهي الهداية المذكورة في قوله عز وجل: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ، وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ [الحج: 24] . وقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90] وقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: 69] . وهذه الهداية هي المعنيّة بقوله: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ [الحديد: 28] . ويصح أن ننسب هذه الهداية إلى الله عز وجل فيقال: هو آثرهم بها من حيث إنه هو السبب في وصولهم إليها. ويصح أن يقال: اكتسبوها من حيث أنهم توصلوا إليها باجتهادهم. فمن قصد سلطانا مسترفدا فأعطاه، يصح أن يقال: إن السلطان خوّله. ويصح أن يقال: فلان اكتسب بسعيه، ولانطواء ذلك على الأمرين، قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد: 17] ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ [يونس: 9] . فنبه أن ذلك بجهدهم وبفضله جميعا.
وهذه الهداية يصح أن يقال: هي مباحة للعقلاء كلهم، ويصح أن يقال: هي محظورة إلّا على أوليائه، لما كان في إمكان جميع العقلاء أن يترشحوا لتناولها. ومن ذلك قيل: إنها لا يسهل تناولها قبل أن يتشكل الإنسان بشكل مخصوص، بتقديم عبادات. وقد قال بعض المحققين: الهدى من الله كثير، ولا يبصره إلّا البصير، ولا يعمل به إلّا اليسير. ألا ترى إلى نجوم السماء ما أكثرها ولا يهتدي بها إلا العلماء. وقال بعض الأولياء: إن مثل هداية الله مع الناس كمثل سيل مرّ على قلات وغدران، فيتناول كلّ قلت منها بقدر سعته- ثم تلا قوله- أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [الرعد: 17] وقال بعضهم: هي كمطر أتى على أرضين فينتفع كل أرض بقدر ترشيحها للانتفاع به. (والمنزلة الرابعة) من الهداية التمكين من مجاورته في دار الخلد، وإياها عنى الله بقوله وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف: 43] . فإذا ثبت ذلك فمن الهداية ما لا ينفى عن أحد بوجه. ومنها ما ينفى عن بعض ويثبت لبعض، ومن هذا الوجه قال تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلّم: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: 56] . وقال: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [البقرة: 272] ، وقال: وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ [الروم: 53] . فإنّه عنى الهداية- التي هي التوفيق وإدخال الجنة- دون التي هي الدعاء لقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] . وقال في الأنبياء: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء: 73] . فقوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فسّر على وجوه بحسب أنظار مختلفة إلى الوجوه المذكورة: (الأول) أنه عنى الهداية العامة، وأمر أن ندعو بذلك- وإن كان هو قد فعله لا محالة- ليزيدنا ثوابا بالدعاء، كما أمرنا أن نقول: اللهم صلّ على محمد. (الثاني) قيل: وفقنا لطريقة الشرع. (الثالث) احرسنا عن استغواء الغواة واستهواء الشهوات، واعصمنا من الشبهات. (الرابع) زدنا هدى استنجاحا لما وعدت بقولك: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن: 11] . وقولك: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [محمد: 17] . (الخامس) قيل: علمنا العلم الحقيقيّ فذلك سبب الخلاص، وهو المعبّر عنه بالنور في قوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [النور: 35] (السادس) قيل: هو سؤال الجنة، لقوله تعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ [محمد: 4- 5] . وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ [يونس: 9] الآية. فهذه الأقاويل اختلفت
باختلاف أنظارهم إلى أبعاض الهداية وجزئياتها، والجميع يصح أن يكون مرادا بالآية- إذ لا تنافي بينها- وبالله التوفيق» كلام الراغب. وبه يعلم تحقيق معنى الهداية في سائر مواقعها في التنزيل الكريم، وأن الوجوه المأثورة في آية ما- إذا لم تتناف- صح إرادتها كلها، ومثل هذا يسمى: اختلاف تنوّع لا اختلاف تضادّ. كما أشار لذلك شيخ الإسلام تقيّ الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في مبحث له مهم، نأثره عنه هنا، لما فيه من الفوائد الجليلة. قال رحمه الله: ينبغي أن يعلم أن الاختلاف الواقع من المفسرين وغيرهم على وجهين: أحدهما ليس فيه تضادّ وتناقض، بل يمكن أن يكون كل منهما حقا، وإنما هو اختلاف تنوع أو اختلاف في الصفات أو العبارات. وعامة الاختلاف الثابت عن مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب. فإن الله سبحانه إذا ذكر في القرآن اسما مثل قوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فكل من المفسرين يعبّر عن الصراط المستقيم بعبارة تدلّ بها على بعض صفاته، وكل ذلك حق بمنزلة ما يسمى الله ورسوله وكتابه بأسماء، كل اسم منها يدل على صفة من صفاته. فيقول بعضهم: الصراط المستقيم كتاب الله أو اتباع كتاب الله. ويقول الآخر: الصراط المستقيم هو الإسلام أو دين الإسلام. ويقول الآخر: الصراط المستقيم هو السنّة والجماعة. ويقول الآخر: الصراط المستقيم طريق العبودية، أو طريق الخوف والرضا والحب، وامتثال المأمور، واجتناب المحظور، أو متابعة الكتاب والسنّة، أو العمل بطاعة الله، أو نحو هذه الأسماء والعبارات. ومعلوم أن المسمى هو واحد، وإن تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته، وكثير من التفسير والترجمة تكون من هذا الوجه. ومنه قسم آخر وهو أن يذكر المفسر والمترجم معنى اللفظ على سبيل التمثيل لا على سبيل الحدّ والحصر- مثل أن يقول قائل من العجم: ما معنى الخبز؟ فيشار له إلى رغيف- وليس المقصود مجرد عينه، وإنما الإشارة إلى تعيين هذا الشخص تمثيلا. وهذا كما إذا سئلوا عن قوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [فاطر: 32] . أو عن قوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: 128] . أو عن الصالحين أو الظالمين، ونحو ذلك من الأسماء العامة الجامعة التي قد يتعسّر أو يتعذّر على المستمع أو المتكلم ضبط مجموع معناه، إذ لا يكون محتاجا إلى ذلك فيذكر له من أنواعه وأشخاصه ما يحصل به غرضه، وقد يستدلّ به على نظائره. فإن الظالم لنفسه هو تارك المأمور فاعل المحظور. والمقتصد هو فاعل الواجب وتارك المحرّم. والسابق هو فاعل الواجب والمستحب وتارك المحرم والمكروه. فيقول المجيب بحسب حاجة السائل: الظالم الذي يفوّت الصلاة، أو
الذي لا يسبغ الوضوء، أو الذي لا يتمّ الأركان ونحو ذلك. والمقتصد الذي يصلي في الوقت- كما أمر- والسابق بالخيرات الذي يصلي الصلاة بواجباتها ومستحباتها ويأتي بالنوافل المستحبة معها. وكذلك يقول مثل هذا في الزكاة والصوم والحج وسائر الواجبات. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلّا الله، فمن ادعى علمه فهو كاذب. والصحابة أخذوا عن الرسول لفظ القرآن ومعناه كما أخذوا عنه السنة، وإن كان من الناس من غيّر السنة، فمن الناس من غير بعض معاني القرآن- إذ لم يتمكن من تغيير لفظه. وأيضا فقد يخفى على بعض العلماء بعض معاني القرآن، كما خفي عليه بعض السنة، فيقع خطأ المجتهدين من هذا الباب والله أعلم. وتقدم في مقدمة الكتاب بسط لهذا البحث فارجع إليه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضا في تحقيق هذه الآية: «كل عبد مضطر دائما إلى مقصود هذا الدعاء وهو هداية الصراط المستقيم. فإنه لا نجاة من العذاب إلّا بهذه الهداية، ولا وصول إلى السعادة إلّا به، فمن فاته هذا الهدى فهو: إما من المغضوب عليهم، وإما من الضالين، وهذا الاهتداء لا يحصل إلّا بهدى الله مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [الكهف: 17] . فإن الصراط المستقيم: أن تفعل في كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل، ولا تفعل ما نهيت عنه. وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن تعلم: ما أمر به في ذلك الوقت، وما نهى عنه، وإلى أن يحصل لك إرادة جازمة لفعل المأمور، وكراهة لترك المحظور. والصراط المستقيم قد فسّر بالقرآن والإسلام وطريق العبودية، وكل هذا حق، فهو موصوف بهذا وبغيره، فحاجته إلى هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجاته، بخلاف الحاجة إلى الرزق والنصر، فإن الله يرزقه، وإن انقطع رزقه مات- والموت لا بدّ منه- فإن كان من أهل الهداية، كان سعيدا بعد الموت، وكان الموت موصلا له إلى السعادة الدائمة الأبدية، فيكون رحمة في حقه. وكذلك النصر- إذا قدّر أنه قهر وغلب حتى قتل- فإذا كان من أهل الهداية إلى الاستقامة مات شهيدا، وكان القتل من تمام نعمة الله عليه. فتبين أن حاجة العباد إلى الهدى أعظم من حاجتهم إلى الرزق والنصر، بل لا نسبة بينهما، فلهذا كان هذا الدعاء مفروضا عليهم في الصلاة- فرضها ونفلها- وأيضا فإن هذا الدعاء يتضمن الرزق والنصر:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 7]
لأنه إذا هدي الصراط المستقيم كان من المتقين وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2- 3] وكان من المتوكلين وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ [الطلاق: 3] ، وكان ممن ينصره الله ورسوله ومن ينصر الله ينصره وكان من جند الله، وجند الله هم الغالبون. فالهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر. فتبين أن هذا الدعاء هو الجامع لكل مطلوب تحصل به كل منفعة، وتندفع به كل مضرة. (فائدة) الصراط المستقيم أصله الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ويستعار لكل قول أو عمل يبلغ به صاحبه الغاية الحميدة. فالطريق الواضح للحسّ، كالحق للعقل، في أنه: إذا سير بهما أبلغا السالك النهاية الحسنى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الفاتحة (1) : آية 7] صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7) أي: بطاعتك وعبادتك، وهم المذكورون في قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: 69] . غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قال الأصفهانيّ: وإنما ذكر تعالى هذه الجملة لأن الكفار قد شاركوا المؤمنين في إنعام كثير عليهم، فبين بالوصف أن المراد بالدعاء ليس هو النعم العامة، بل ذلك نعمة خاصة. ثم إن المراد بالمغضوب عليهم والضالين: كلّ من حاد عن جادة الإسلام من أيّ فرقة ونحلة. وتعيين بعض المفسرين فرقة منهم من باب تمثيل العام بأوضح أفراده وأشهرها، وهذا هو المراد بقول ابن أبي حاتم: لا أعلم بين المفسرين اختلافا في أن المغضوب عليهم اليهود، والضالين النصارى. (فوائد) الأولى: يستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها: «آمين» ومعناه: اللهم استجب، أو كذلك فليكن، أو كذلك فافعل. وليس من القرآن. بدليل أنه لم يثبت في المصاحف. والدليل على استحباب التأمين ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ «1» عن وائل بن حجر قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلّم قرأ غير المغضوب عليهم
ولا الضالين فقال: «آمين» مدّ بها صوته» . ولأبي داود: رفع بها صوته. قال الترمذيّ: هذا حديث حسن، وفي الباب عن عليّ وأبي هريرة، وروي عن عليّ وابن مسعود وغيرهم. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا تلا غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قال «آمين» حتى يسمع من يليه من الصف الأول» «1» . رواه أبو داود. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «إذا أمّن الإمام فأمّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه» «2» . وفي صحيح مسلم عن أبي موسى مرفوعا: «إذا قال- يعني الإمام- ولا الضالين فقولوا: آمين، يجبكم الله» «3» . الثانية: في ذكر ما اشتملت عليه هذه السورة من العلوم: اعلم أن هذه السورة الكريمة قد اشتملت- وهي سبع آيات- على حمد الله تعالى، وتمجيده، والثناء عليه: بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرّع إليه والتبرؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له، وتوحيده بالألوهية، تبارك وتعالى، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم- وهو الدين القويم- وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين. واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون. قال العلامة الشيخ محمد عبده في تفسيره:
الفاتحة مشتملة على مجمل ما في القرآن. وكل ما فيه تفصيل للأصول التي وضعت فيها. ولست أعني بهذا ما يعبرون عنه بالإشارة ودلالة الحروف كقولهم: إن أسرار القرآن في الفاتحة، وأسرار الفاتحة في البسملة، وأسرار البسملة في الباء، وأسرار الباء في نقطتها! فإن هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه عليهم الرضوان، ولا هو معقول في نفسه. وإنما هو من مخترعات الغلاة الذين ذهب بهم الغلوّ إلى إعدام القرآن خاصته، وهي البيان. - قال-: وبيان ما أريد: أن ما نزل القرآن لأجله أمور: أحدها التوحيد: لأن الناس كانوا كلهم وثنيين- وإن كان بعضهم يدّعى التوحيد- ثانيها وعد من أخذ به، وتبشيره بحسن المثوبة، ووعيد من لم يأخذ به، وإنذاره بسوء العقوبة. والوعد يشمل ما للأمة وما للأفراد، فيعم نعم الدنيا والآخرة وسعادتهما. والوعيد- كذلك- يشمل نقمهما وشقاءهما. فقد وعد الله المؤمنين: بالاستخلاف في الأرض، والعزّة، والسلطان، والسيادة. وأوعد المخالفين، بالخزي والشقاء في الدنيا. كما وعد في الآخرة بالجنة والنعيم وأوعد بنار الجحيم. ثالثها العبادة التي تحيي التوحيد في القلوب وتثبته في النفوس. رابعها بيان سبيل السعادة وكيفية السير فيه الموصل إلى نعم الدنيا والآخرة. خامسها قصص من وقف عند حدود الله تعالى وأخذ بأحكام دينه، وأخبار الذين تعدوا حدوده ونبذوا أحكام دينه ظهريا لأجل الاعتبار، واختيار طريق المحسنين. هذه هي الأمور التي احتوى عليها القرآن، وفيها حياة الناس وسعادتهم الدنيوية والأخروية، والفاتحة مشتملة عليها إجمالا بغير ما شك ولا ريب. فأمّا التوحيد ففي قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لأنه ناطق بأن كل حمد وثناء يصدر عن نعمة ما فهو له تعالى، ولا يصح ذلك إلّا إذا كان سبحانه مصدر كلّ نعمة في الكون تستوجب الحمد، ومنها نعمة الخلق والإيجاد والتربية والتنمية. ولم يكتف باستلزام العبارة لهذا المعنى فصرّح به بقوله: رَبِّ الْعالَمِينَ. ولفظ «رب» ليس معناه المالك والسيد فقط، بل فيه معنى التربية والإنماء. وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان في نفسه وفي الآفاق منه عزّ وجلّ. فليس في الكون متصرف
بالإيجاد، والإشقاء، والإسعاد سواه. ثم إن التوحيد أهم ما جاء لأجله الدين. ولذلك لم يكتف في الفاتحة بمجرد الإشارة إليه، بل استكمله وبقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فاجتث بذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في جميع الأمم، وهي اتخاذ أولياء من دون الله تعتقد لهم السلطة الغيبية، يدعون لذلك من دون الله، ويستعان بهم على قضاء الحوائج في الدنيا، ويتقرب بهم إلى الله زلفى. وجميع ما في القرآن من آيات التوحيد ومقارعة المشركين هو تفصيل لهذا الإجمال. «وأما الوعد والوعيد: فالأول منهما مطويّ في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فذكر الرحمة في أول الكتاب، وهي التي وسعت كل شيء. وعد بالإحسان- لا سيما وقد كررها مرة ثانية- تنبيها لنا على أن أمره إيانا بتوحيده وعبادته رحمة منه سبحانه بنا، لأنه لمصلحتنا ومنفعتنا. وقوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يتضمن الوعد والوعيد معا، لأن معنى الدين الخضوع، أي: إن له تعالى في ذلك اليوم السلطان المطلق والسيادة التي لا نزاع فيها، لا حقيقة ولا ادعاء، وإن العالم كله يكون فيه خاضعا لعظمته- ظاهرا وباطنا- يرجو رحمته، ويخشى عذابه، وهذا يتضمن الوعد والوعيد. أو معنى الدين الجزاء وهو: إما ثواب للمحسن، وإما عقاب للمسيء، وذلك وعد ووعيد. وزد على ذلك أنه ذكر بعد ذلك الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو الذي من سلكه فاز، ومن تنكبه هلك. وذلك يستلزم الوعد والوعيد. وأما العبادة، فبعد أن ذكرت في مقام التوحيد بقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، أوضح معناها بعض الإيضاح بقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي: إنه قد وضع لنا صراطا سيبيّنه ويحدده. ويكون مناط السعادة في الاستقامة عليه، والشقاء في الانحراف عنه. وهذه الاستقامة عليه هي روح العبادة. ويشبه هذا قوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 1- 3] . فالتواصي بالحق والصبر هو كمال العبادة بعد التوحيد. والفاتحة بجملتها تنفخ روح العبادة في المتدبر لها. وروح العبادة هي إشراب القلوب خشية الله، وهيبته، والرجاء لفضله، لا الأعمال المعروفة من فعل وكفّ وحركات اللسان والأعضاء. فقد ذكرت العبادة في الفاتحة قبل ذكر الصلاة وأحكامها، والصيام وأيامه، وكانت هذه الروح في المسلمين قبل أن يكلفوا بهذه الأعمال البدنية، وقبل نزول أحكامها التي فصلت في القرآن تفصيلا ما، وإنما الحركات والأعمال مما يتوسل به إلى حقيقة العبادة. ومخ العبادة الفكر والعبرة، وأما الأخبار والقصص ففي قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ تصريح بأن هنالك قوما تقدموا وقد شرع الله شرائع لهدايتهم، وصائح يصيح: ألا فانظروا في الشؤون
العامة التي كانوا عليها واعتبروا بها، كما قال تعالى لنبيه يدعوه إلى الاقتداء بمن كان قبله من الأنبياء: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90] حيث بيّن أن القصص إنما هو للعظة والاعتبار. وفي قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ تصريح بأن من دون المنعم عليهم فريقان: فريق ضل عن صراط الله، وفريق جاحده، وعاند من يدعو إليه، فكان محفوفا بالغضب الإلهيّ، والخزي في هذه الحياة الدنيا. وباقي القرآن يفصل لنا في أخبار الأمم هذا الإجمال على الوجه الذي يفيد العبرة، فيشرح حال الظالمين الذين قاوموا الحق، وحال الذين حافظوا عليه وصبروا على ما أصابهم في سبيله. فتبين من مجموع ما تقدم: أن الفاتحة قد اشتملت إجمالا على الأصول التي يفصلها القرآن تفصيلا. فكان إنزالها أولا موافقا لسنة الله تعالى في الإبداع، وعلى هذا تكون الفاتحة جديرة بأن تسمى «أم الكتاب» . الثالثة: مما صح في فضلها من الأخبار: ما رواه البخاريّ في صحيحه عن أبي سعيد بن المعلّى رضي الله عنه قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني النبي صلى الله عليه وسلّم فلم أجبه. فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي. فقال: ألم يقل الله اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ؟ - ثم قال لي: «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟» ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن نخرج، قلت: يا رسول الله ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن. قال: «الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» «1» . وروى الإمام أحمد والترمذيّ بإسناد حسن صحيح عن أبي هريرة، نحوه، غير أن القصة مع أبيّ بن كعب، وفي آخره: «والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، إنها السبع المثاني» «2» . واستدل بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض، كما هو المحكي عن كثير من العلماء منهم: إسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن العربيّ وابن الحضار من المالكية، وذلك بيّن واضح.
وروى البخاريّ عن أبي سعيد الخدريّ قال: كنا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحيّ سليم، وإن نفرنا غيب، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية. فرقاه، فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقى؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب. قلنا: لا تحدثوا شيئا حتى نأتي، أو نسأل، النبي صلى الله عليه وسلّم. فلما قدمنا المدينة، ذكرناه للنبي صلى الله عليه وسلّم فقال: «وما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم» «1» . وهكذا رواه مسلم وأبو داود. وفي بعض روايات مسلم: أن أبا سعيد الخدريّ هو الذي رقى ذلك السليم- يعني اللديغ، يسمونه بذلك تفاؤلا-. وروى مسلم والنسائيّ عن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلّم سمع نقيضا من فوقه، فرفع فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم. فنزل منه ملك. فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم. فسلّم وقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبيّ قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته «2» . وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (ثلاثا) غير تمام» «3» فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام. فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله، حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال مجدني عبدي- وقال مرّة فوّض إليّ عبدي- فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل» . ويكفي من شرح الفاتحة هذا المقدار الجليل، والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل.
سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم سورة البقرة جميعها مدنيّ بلا خلاف. وآيها مائتان وست وثمانون. وقد صح في فضلها عدة أخبار: منها ما في مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذيّ والنسائيّ عن أبي هريرة رضى الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» «1» . وقال الترمذيّ: حسن صحيح. وروى ابن حبان في صحيحه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم. «إن لكل شيء سناما، وإن سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها في بيته ليلة لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام» . وروى مسلم عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صوافّ تحاجّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة» «2» . (وقوله الزهراوين: أي المنيرتين- في الإعجاز أو في وفرة الأحكام- والغياية: ما أظلك من فوقك. والفرق: القطعة من الشيء. والصواف: المصطفة. والبطلة: السحرة. ومعنى لا تستطيعها: لا تستطيع النفوذ في قارئها، أو لا يمكنهم حفظها. والله أعلم) .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 1]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) أعلم أن للناس في هذا وما يجرى مجراه من الفواتح مذهبين: الأول أن هذا علم مستور، وسرّ محجوب، أستأثر الله تبارك وتعالى به فهو من المتشابه. ولم يرتض هذا كثير من المحققين وقالوا: لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق. واحتجوا بأدله عقلية ونقلية، بسطها العلامة الفخر. (المذهب الثاني) مذهب من فسرها، وتكلم فيما يصح أن يكون مرادا منها، وهو ما للجمهور. وفيه وجهان: (الأول) وعليه الأكثر: أنها أسماء للسور. (الثاني) أن يكون ورود الأسماء هكذا مسرودة على نمط التعديد: كالإيقاظ وقرع العصا لمن تحدّى بالقرآن وبغرابة نظمه، وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلوّ عليهم- وقد عجزوا عنه عن آخرهم- كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أن لم تتساقط مقدرتهم دونه، ولم تظهر معجزتهم عن أن يأتوا بمثله- بعد المراجعات المتطاولة- وهم أمراء الكلام، وزعماء الحوار، وهم الحراص على التساجل في اقتضاب الخطب، والمتهالكون على الافتنان في القصيد والرجز، ولم يبلغ من الجزالة وحسن النظم المبالغ التي بزت بلاغة كلّ ناطق، وشقت غبار كلّ سابق، ولم يتجاوز الحدّ الخارج من قوى الفصحاء، ولم يقع وراء مطامح أعين البصراء إلّا لأنه ليس بكلام البشر، وإنه كلام خالق القوى والقدر. قاله الزمخشريّ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 2] ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) أي: هذا القرآن لا شك أنه من عند الله تعالى كما قال تعالى في السجدة الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [السجدة: 1- 2] . قال بعض المحققين: اختصاص ذلك بالإشارة للبعيد حكم عرفيّ لا وضعيّ، فإن العرب تعارض بين اسمي الإشارة. فيستعملون كلا منهما مكان الآخر، وهذا معروف في كلامهم. وفي التنزيل من ذلك آيات كثيرة. ومن جرى على أن ذلك إشارة للبعيد يقول: إنما
صحت الإشارة بذلك، هنا إلى ما ليس ببعيد، لتعظيم المشار إليه، ذهابا إلى بعد درجته وعلوّ مرتبته ومنزلته في الهداية والشرف. والريب في الأصل: مصدر رابني إذا حصل فيك الريبة. وحقيقتها: قلق النفس واضطرابها. ثم استعمل في معنى الشك مطلقا، أو مع تهمة. لأنه يقلق لنفس ويزيل الطمأنينة. وفي الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» «1» . ومعنى نفيه عن الكتاب. أنه في علوّ الشأن، وسطوع البرهان، بحيث ليس فيه مظنة أن يرتاب في حقيقته، وكونه وحيا منزلا من عند الله تعالى. والأمر كذلك، لأن العرب، مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية، عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن. وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه، لا أنه لا يرتاب فيه أحد أصلا. هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أي: هاد لهم ودالّ على الدين القويم المفضي إلى سعادتي الدارين. قال الناصر في الانتصاف: الهدى يطلق في القرآن على معنيين (أحدهما) الإرشاد وإيضاح سبيل الحق. ومنه قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فصلت: 17] . وعلى هذا يكون الهدى للضالّ باعتبار أنه رشد إلى الحق، سواء حصل له الاهتداء أو لا. و (الآخر) خلق الله تعالى الاهتداء في قلب العبد، ومنه أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90] . فإذا ثبت وروده على المعنيين فهو في هذه الآية يحتمل أن يراد به المعنيان جميعا. وعلى الأول، فتخصيص الهدى بالمتقين للتنويه بمدحهم حتى يتبيّن أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به، كما قال تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النازعات: 45] . وقال إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [يس: 11] . وقد كان، صلى الله عليه وآله وسلّم، منذرا لكل الناس، فذكر هؤلاء لأجل أنهم هم الذين انتفعوا بإنذاره. وهذه الآية نظير آية: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: 44] ، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: 82] . وكقوله
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 3]
تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: 57] . إلى غير ذلك، مما دلّ على أن النفع به لا يناله إلا الإبرار. والمراد بالمتقين- هنا- من نعتهم الله تعالى بقوله القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 3] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ، أي يصدقون بِالْغَيْبِ، الغيب في الأصل مصدر غاب. بمعنى استتر واحتجب وخفي. وهو بمعنى الفاعل- كالزور للزائر- أطلق عليه مبالغة، والمراد به ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بداية العقول، وإنما يعلم بخبر الأنبياء عليهم السلام. والمعنى يؤمنون بما لا يتناوله حسّهم. كذاته تعالى، وملائكته، والجنّة، والنار، والعرش والكرسيّ، واللوح ونحوها. وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ، أي يؤدونها بحدودها وفروضها الظاهرة والباطنة. كالخشوع والمراقبة وتدبر المتلوّ والمقروء. قال الراغب: إقامة الصلاة توفية حدودها، وإدامتها. وتخصيص الإقامة تنبيه على أنه لم يرد إيقاعها فقط. لهذا، لم يأمر بالصلاة ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة نحو أَقِمِ الصَّلاةَ [هود: 114] ، وقوله وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [الإسراء: 78] ، والَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [المائدة: 55] . ولم يقل: المصلي، إلا في المنافقين: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [الماعون: 4- 5] ، وذلك تنبيه على أن المصلين كثير والمقيمين لها قليل- كما قال عمر رضي الله عنه: الحاجّ قليل والركب كثير- ولهذا قال عليه السلام «من صلى ركعتين مقبلا بقلبه على ربه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه» . فذكر مع قوله «صلّى» الإقبال بقلبه على الله تنبيها على معنى الإقامة، وبذلك عظم ثوابه. وكثير من الأفعال التي حث تعالى على توفية حقه، ذكره بلفظ الإقامة، نحو وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [المائدة: 66] ، ونحو وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ [الرحمن: 9] تنبيها على المحافظة على تعديله. انتهى. فالإقامة من أقام العود إذا قوّمه. و «الصلاة» فعلة من صلّى إذا دعا، ك «الزكاة» من زكى- وإنما كتبتا بالواو مراعاة للفظ المفخّم- وإنما سمي الفعل المخصوص بها لاشتماله على الدعاء.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 4]
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي يؤتون مما رزقناهم من الأموال من شرع لهم إيتاؤه والإنفاق عليه من الفقراء والمساكين وذوي القربى واليتامى وأمثالهم، على ما بيّن في آيات كثيرة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 4] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ والمراد بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ الكتاب المنزل كله، وإنما عبر عنه بلفظ الماضي- وإن كان بعضه مترقبا- تغليبا للموجود على ما لم يوجد. كما أن المراد من قوله وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ الكتب الإلهية السالفة كلها. وهذا كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء: 136] الآية. والإنزال النقل من الأعلى إلى الأسفل. فنزول الكتب الإلهية إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام بأن يتلقاها جبريل من جنابه عزّ وجلّ فينزل بها إلى الرسل عليهم السلام. ولهذا يقال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، منه بدأ. أي تكلم به حقيقة لا مجازا. قال الإمام أحمد وغيره: وإليه يعود أي لا يبقى له أثر في الوجود أي هو المتكلم به قال تعالى وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام: 114] . وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل: 102] . وقال تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر: 1] . وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ الآخرة في الأصل: تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول وهي صفة الدار، بدليل قوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ [القصص: 83] . سميت بذلك لأنها متأخرة عن الدنيا. وقيل للدنيا: دنيا، لأنها أدنى من الآخرة. وهما من الصفات الغالبة. ومع ذلك فقد جريا مجرى الأسماء. إذ قد غلب ترك ذكر اسم موصوفهما معهما، كأنهما ليسا من الصفات. والإيقان إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. وفي تقديم الآخرة وبناء يُوقِنُونَ على هُمْ تعريض بأهل الكتاب، وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته. كزعمهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، وأن النار لن تمسّهم إلا أياما معدودة، واختلافهم في أن نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا أو لا؟ وهل هو دائم أو لا؟ فاعتقادهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة، فضلا عن الوصول إلى مرتبة اليقين!.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 5]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 5] أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) أُولئِكَ أي: المتصفون بما تقدّم. عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ أي على نور من ربّهم، وبرهان، واستقامة، وسداد- بتسديده إياهم وتوفيقه لهم-. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي المنجحون، المدركون ما طلبوا عند الله- بإيمانهم- من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعدّ الله لأعدائه من العقاب. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 6] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) لمّا بيّن تعالى نعوت المؤمنين قبل، شرح أحوال مقابليهم وهم الكفرة المردة بأنهم: تناهوا في الغواية والضلال إلى حيث لا يجديهم الإنذار والتذكير، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ [يونس: 96- 97] . وكقوله سبحانه في المعاندين الكتابيين وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [البقرة: 145] الآية. وسَواءٌ اسم بمعنى: الاستواء، وصف به، كما يوصف بالمصادر، مبالغة، ومنه قوله تعالى: تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ بمعنى: مستوية. و (الإنذار) الإعلام مع تخويف. والمراد هنا: التخويف من عذابه تعالى، وانتقامه، والاقتصار عليه لما أنهم ليسوا أهلا للبشارة، ولأن الإنذار أوقع في القلوب، ومن لم يتأثر به فلأن لا يرفع للبشارة رأسا- أولى. وقوله لا يُؤْمِنُونَ جملة مستقلّة، مؤكّدة لما قبلها، مبيّنة لما فيه من إجمال ما فيه الاستواء. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 7] خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7) استئناف معلّل لما سبق من الحكم، أو بيان وتأكيد له. والختم على الشيء: الاستيثاق منه بضرب الخاتم عليه. والمراد: إحداث حالة تجعلها- بسبب تماديهم
في الغيّ، وانهماكهم في التقليد، وإعراضهم عن منهاج النظر الصحيح- بحيث لا يؤثر فيها الإنذار، ولا ينفذ فيها الحق أصلا. قال أبو السعود: وإسناد إحداث تلك الحالة في قلوبهم إلى الله تعالى، لاستناد جميع الحوادث عندنا- من حيث الخلق- إليه سبحانه. وورود الآية الكريمة ناعية عليهم سوء صنيعهم، ووخامة عاقبتهم، لكون أفعالهم- من حيث الكسب- مستندة إليهم. فإنّ خلقها منه سبحانه ليس بطريق الجبر، بل بطريق الترتيب- على ما اقترفوه من القبائح- كما يعرب عنه قوله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [النساء: 155] ونحو ذلك، يعني كقوله تعالى: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وقوله: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: 110] . وأما المعتزلة فقد سلكوا مسلك التأويل، وذكروا في ذلك عدة من الأقاويل. منها: أنّ القوم لما أعرضوا عن الحق، وتمكّن ذلك في قلوبهم، حتى صار كالطبيعة لهم، شبه بالوصف الخلقيّ المجبول عليه. ومنها: أن المراد به تمثيل قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خالية عن الفطن، أو بقلوب قدّر ختم الله تعالى عليها. كما في: سال به الوادي- إذا هلك- وطارت به العنقاء- إذا طالت غيبته-. ومنها: أن أعراقهم لما رسخت في الكفر، واستحكمت، بحيث لم يبق إلى تحصيل إيمانهم طريق سوى الإلجاء والقسر، ثم لم يفعل ذلك محافظة على حكمة التكليف، عبرّ عن ذلك بالختم، لأنه سدّ لطريق إيمانهم بالكلية. وفيه إشعار بترامي أمرهم في الغيّ والعناد. ومنها: أن ذلك حكاية لما كانت الكفرة يقولونه. مثل قولهم: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فصلت: 5] . تهكّما بهم. ومنها: أن ذلك في الآخرة، وإنما أخبر عنه بالماضي لتحقّق وقوعه. ويعضده قوله تعالى: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً [الإسراء: 97] . انتهى ملخصا. (فائدة) قال الراغب: المراد بالقلب في كثير من الآيات: العقل والمعرفة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 8]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 8] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) أصل ناس أناس، حذفت همزته تخفيفا، وحذفها مع لام التعريف كاللازم. ويشهد لأصله إنسان، وأناس، وأناسيّ، وإنس. وسموا لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون- كما سمي الجن لاجتنانهم- ولذلك سموا بشرا. وقيل: اشتقاقه من الأنس- ضدّ الوحشة- لأن الإنسان مدنيّ بالطبع. والأوّل أظهر. واعلم أن صفات المنافقين إنما نزلت في السور المدنية. لأن مكّة لم يكن فيها نفاق، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب. وبها اليهود- من أهل الكتاب- وهم ثلاث قبائل: بنو قينقاع- حلفاء الخزرج- وبنو النّضير وبنو قريظة- حلفاء الأوس- فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقلّ من أسلم من اليهود- إلا عبد الله بن سلام رضي الله عنه- ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضا، لأنه لم يكن للمسلمين، بعد، شوكة تخاف، بل قد كان عليه الصلاة والسلام وادع اليهود وقبائل كثيرة- من أحياء العرب حوالي المدينة-. فلما كانت وقعة بدر العظمى، وأظهر الله كلمته، وأعزّ الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبيّ بن سلول- وكان رأسا في المدينة، وهو من الخزرج، وكان ابن سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملّكوه عليهم، فجاءهم الخبر، وأسلموا، واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله. فلما كانت وقعة بدر، قال: هذا أمر قد توجّه. فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف- ممن هو على طريقته ونحلته- وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثمّ وجد النفاق في أهل المدينة، ومن حولها من الأعراب. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 9] يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (9) قال القاشانيّ: المخادعة استعمال الخدع من الجانبين، وهو إظهار الخير، واستبطان الشر. ومخادعة الله مخادعة رسوله، لقوله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: 80] . فخداعهم لله وللمؤمنين إظهار الإيمان والمحبة، واستبطان
الكفر والعداوة. وخداع الله والمؤمنين إياهم مسالمتهم، وإجراء أحكام الإسلام عليهم. بحقن الدماء وحصن الأمول وغير ذلك. وادّخار العذاب الأليم، والمآل الوخيم، وسوء المغبّة لهم، وخزيهم في الدنيا لافتضاحهم بإخباره تعالى وبالوحي عن حالهم. لكن الفرق بين الخداعين: أن خداعهم لا ينجح إلّا في أنفسهم. بإهلاكها، وتحسيرها، وإيراثها الوبال والنكال- بازدياد الظلمة، والكفر، والنفاق، واجتماع أسباب الهلكة، والبعد والشقاء، عليها- وخداع الله يؤثر فيهم أبلغ تأثير، ويوبقهم أشد إيباق، كقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [آل عمران: 54] ، وهم- من غاية تعمّقهم في جهلهم- لا يحسون بذلك الأمر الظاهر. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو (وما يخادعون) بالألف. قال ابن كثير: نبه الله سبحانه على صفات المنافقين، لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض- من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفّار في نفس الأمر- وهذا من المحذورات: أن يظنّ بأهل الفجور خير. ثم إن قول من قال: كان عليه الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين- إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان «1» في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقا- في غزوة تبوك- الذين همّوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلّم في ظلماء الليل عند عقبة هناك، عزموا على أن ينفّروا به الناقة، ليسقط عنها، فأوحى الله إليه أمرهم، فأطلع على ذلك حذيفة. فأما غير هؤلاء، فقد قال الله تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ [التوبة: 101] الآية. وقال تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا ففيها دليل على أنه لم يغربهم ولم يدرك على أعيانهم، وإنما كان تذكر له صفاتهم، فيتوسمها في بعضهم، كما قال تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ [محمد: 30] . وقد كان من أشهرهم بالنفاق، عبد الله بن أبيّ بن سلول. واستند- غير واحد من الأئمة- في الحكمة عن كفّه صلى الله عليه وسلّم عن قتل المنافقين، بما ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلّم قال لعمر رضي الله عنه «أكره أن يتحدّث العرب أنّ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 10]
محمدا يقتل أصحابه» «1» . ومعناه خشية أن يقع بسبب ذلك تنفير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام، ولا يعلمون حكمة قتلهم- بأنّه لأجل كفرهم- فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم، فيقولون: إن محمدا يقتل أصحابه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 10] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (10) المرض: السقم، وهو نقيض الصحة، بسبب ما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفاعيله، استعير هاهنا لعدم صحة يقينهم، وضعف دينهم- وكذا توصف قلوب المؤمنين بالسلامة التي هي صحة اليقين، وعدم ضعفه، كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 89] أي: غير مريض بما ذكرنا- أو استعير لشكّهم، لأن الشك تردّد بين الأمرين، والمنافق متردّد، كما في الحديث «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين» «2» والمريض متردّد بين الحياة والموت. فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً بأن طبع على قلوبهم، لعلمه تعالى بأنّه لا يؤثر فيها التذكير والإنذار. وقال القاشانيّ: أي مرضا آخر- حقدا وحسدا وغلا- بإعلاء كلمة الدين، ونصرة الرسول والمؤمنين- ثم قال: والرذائل كلها أمراض القلوب، لأنها أسباب ضعفها وآفتها في أفعالها الخاصة، وهلاكها في العاقبة. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي: مؤلم- بكسر اللام- فعيل بمعنى فاعل- كسميع- وبصير- قال في المحكم: الأليم من العذاب الذي يبلغ إيجاعه غاية البلوغ. ومنه. يعلم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 11 إلى 12]
وجه إيثاره في عذاب المنافقين- على «العظم» المتقدم في وصف عذاب الكافرين- ويؤيده: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً [النساء: 145] . بِما كانُوا يَكْذِبُونَ الباء للسببيّة أو للمقابلة- أي بسبب كذبهم أو بمقابلته- وهو قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وهم غير مؤمنين. وفيه رمز إلى قبح الكذب، وسماجته، وتخييل أن العذاب الأليم لا حق بهم من أجل كذبهم- مع إحاطة علم السامع بأنّ لحوق العذاب بهم من جهات شتى- ونحوه قوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا [نوح: 25]- والقوم كفرة- وإنما خصّت الخطيئات استعظاما لها، وتنفيرا عن ارتكابها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 11 الى 12] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) شروع في تعديد بعض من مساوئهم المتفرّعة- على ما حكى عنهم من الكفر والنفاق- و «الفساد» خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به. ونقيضه «الصلاح» وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض: تهييج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض، وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس، والزروع، والمنافع الدينية والدنيوية. قال الله تعالى: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [البقرة: 205] . أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [البقرة: 30]- ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد-. وكان إفساد المنافقين في الأرض أنهم كانوا يمالئون الكفار على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم، وإغرائهم عليهم، واتخاذهم أولياء، مع ما يدعون في السرّ إلى: تكذيب النبي صلى الله عليه وسلّم وجحد الإسلام، وإلقاء الشبه، وذلك مما يجرئ الكفرة على إظهار عداوة النبي صلى الله عليه وسلّم، ونصب الحرب له، وطمعهم في الغلبة، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤدّيا إلى الفساد- بتهييج الفتن بينهم- قيل لهم: لا تفسدوا- كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته- وقد قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 13]
وَفَسادٌ كَبِيرٌ [الأنفال: 73] ، فأخبر أن موالاة الكافرين تؤدّي إلى الفتنة والفساد، لما تقدّم. وقولهم: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أي: بين المؤمنين وأهل الكتاب. نداري الفريقين ونريد الإصلاح بينهما كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً [النساء: 62] . أو معناه: إنما نحن مصلحون في الأرض بالطاعة والانقياد. قال الراغب: تصوّروا إفسادهم بصورة الإصلاح- لما في قلوبهم من المرض- كما قال أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [فاطر: 8] وقوله: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 43] وقوله: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف: 104] . وقال القاشانيّ كانوا يرون الصلاح في تحصيل المعاش، وتيسير أسبابه، وتنظيم أمور الدنيا- لأنفسهم خاصة- لتوغّلهم في محبّة الدنيا، وانهماكهم في اللذات البدنية، واحتجابهم- بالمنافع الجزئية، والملاذّ الحسية- عن المصالح العامة الكلّية، واللذات العقلية، وبذلك يتيسر مرادهم، ويتسهل مطلوبهم، وهم لا يحسون بإفسادهم المدرك بالحسّ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 13] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ بطريق الأمر بالمعروف، إثر نهيهم عن المنكر- إتماما للنّصح، وإكمالا للإرشاد- آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ أي: الكاملون في الإنسانية، فإنّ المؤمنين هم الناس في الحقيقة لجمعهم ما يعدّ من خواصّ الإنسان وفضائله- قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ استفهام في معنى الإنكار. و (السفه) خفّة وسخافة رأي يورثهما: قصور العقل، وقلّة المعرفة بمواضع المصالح والمضار. ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً [النساء: 5] . وإنما سفّهوهم- مع أنهم العقلاء المراجيح- لأنهم: لجهلهم، وإخلالهم بالنظر وإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أنّ ما هم فيه هو الحقّ، وأنّ ما عداه باطل- ومن
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 14]
ركب متن الباطل كان سفيها- ولأنهم كانوا في رئاسة في قومهم، ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء، ومنهم موال- كصهيب، وبلال، وخبّاب- فدعوهم سفهاء تحقيرا لشأنهم! أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 14] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا أي: أظهروا لهم الإيمان، والموالاة، والمصافاة- نفاقا، ومصانعة، وتقيّة وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم-. واعلم أنّ مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أوّل قصة المنافقين، فليس بتكرير. لأنّ تلك في بيان مذهبهم، والترجمة عن نفاقهم، وهذه لبيان تباين أحوالهم، وتناقض أقوالهم- في أثناء المعاملة والمخاطبة- حسب تباين المخاطبين! وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ يقال: خلوت بفلان وإليه أي: انفردت معه، ويجوز أن يكون من خلا بمعنى: مضى، ومنه: القرون الخالية. والمراد ب شَياطِينِهِمْ: أصحابهم أولو التمرّد والعناد، والشيطان يكون من الإنس والجنّ، كما قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام: 112] . وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر. واشتقاق شيطان من شطن، إذا بعد، لبعده من الصلاح والخير. ومعنى إِنَّا مَعَكُمْ أي في الاعتقاد على مثل ما أنتم عليه، إنّما نحن في إظهار الإيمان عند المؤمنين مستهزئون ساخرون بهم. والاستهزاء بالشيء السخرية منه. يقال: هزأت واستهزأت بمعنى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 15] اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ يسخر بهم للنقمة منهم- هكذا فسره ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه الضحّاك- وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ يزيدهم على وجه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 16]
الإملاء، والترك لهم في عتوّهم وتمرّدهم، كما قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: 110] . و (الطغيان) المراد به هنا: الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتوّ. وأصل المادة هو المجاوزة في الشيء، كما قال تعالى إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ [الحاقة: 11] . (والعمه) مثل العمى- إلّا أنّ العمى عامّ في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة- وهو التحيّر والتردد، لا يدري أين يتوجه. أي في ضلالهم وكفرهم- الذي غمرهم دنسه، وعلاهم رجسه- يتردّدون حيارى، ضلالا، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا. والمشهور فتح الياء من «يمدّهم» ، وقرئ- شاذا- بضمها، وهما بمعنى واحد. يقال: مدّ الجيش وأمده- إذا زاده، وألحق به ما يقوّيه ويكثره- وكذلك مدّ الدواة وأمدها زادها ما يصلحها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 16] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (16) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما ذكر من الصفات الشنيعة المميّزة لهم عمن عداهم أكمل تمييز، بحيث صاروا كأنّهم حضّار مشاهدون على ما هم عليه. وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الشرّ وسوء الحال، ومحلّه الرفع على الابتداء، خبره قوله تعالى: الَّذِينَ اشْتَرَوُا إلخ. والجملة مسوقة لتقرير ما قبلها، وبيان لكمال جهالتهم- فيما حكي عنهم من الأقوال والأفعال- بإظهار غاية سماجتها، وتصويرها بصورة ما لا يكاد يتعاطاه من له أدنى تمييز- فضلا عن العقلاء-. والضَّلالَةَ الجور عن القصد، وبِالْهُدى التوجّه إليه. وقد استعير الأول: للعدول عن الصواب في الدين، والثاني: للاستقامة عليه. و «الاشتراء» استبدال السلعة بالثمن- أي أخذها به- فاشتراء الضلالة بالهدى مستعار لأخذها بدلا منه أخذا منوطا بالرغبة فيها والإعراض عنه. فإن قيل: كيف اشتروا الضلالة بالهدى، وما كانوا على هدى؟ قلت: جعلوا لتمكّنهم منه- بتيسير أسبابه- كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى
الضلالة قد عطّلوه، واستبدلوها به، فاستعير ثبوته لتمكّنهم بجامع المشاركة في استتباع الجدوى ولا مرية في أنّ هذه المرتبة- من التمكّن- كانت حاصلة لهم بما شاهدوه- من الآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة- من جهة النبي صلى الله عليه وسلّم. فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ عطف على الصلة داخل في حيزها. والفاء للدلالة على ترتّب مضمونه عليها. والتجارة صناعة التجار، وهو التصدّي للبيع والشراء، لتحصيل الربح وهو الفضل على رأس المال، وإسناد عدمه- الذي هو عبارة عن الخسران- إليها، وهو لأصحابها، من الإسناد المجازيّ وهو: أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له- كما تلبست التجارة بالمشترين- وفائدته: المبالغة في تخسيرهم، لما فيه من الإشعار بكثرة الخسار، وعمومه المستتبع، لسرايته إلى ما يلابسهم. فإن قلت: هب أنّ شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح، والتجارة كأنّ ثمّ مبايعة على الحقيقة؟ قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفّى بأشكال لها، وأخوات- إذا تلاحقن- لم تر كلاما أحسن منه ديباجة، وأكثر ماء ورونقا، وهو المجاز المرشّح، فإيرادهما- إثر الاشتراء- تصوير لما فاتهم من فوائد الهدى بصورة خسار التجارة- الذي يتحاشى عنه كل أحد- للإشباع في التخسير والتحسير. وهذا النوع قريب من التتميم الذي يمثله أهل صناعة البديع بقول الخنساء: وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار..! لمّا شبّهته- في الاهتداء به- بالعلم المرتفع، أتبعت ذلك ما يناسبه ويحقّقه، فلم تقنع بظهور الارتفاع حتى أضافت إلى ذلك ظهورا آخر، باشتعال النار في رأسه. وقوله: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ أي: لزوال استعدادهم، وتكدير قلوبهم بالرّين الموجب للحجاب والحرمان الأبديّ. قال الزمخشريّ: فإن قيل: لم عطف بالواو عدم اهتدائهم على انتفاء ربح تجارتهم، ورتّبا معا بالفاء على اشتراء الضلالة بالهدى؟ وما وجه الجمع بينهما- مع ذلك الترتيب- على أن عدم الاهتداء قد فهم من استبدال الضلالة بالهدى، فيكون تكرارا لما مضى؟
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 17]
فالجواب: أن رأس مالهم هو الهدى، فلمّا استبدلوا به ما يضادّه- ولا يجامعه أصلا- انتفى رأس المال بالكلية، وحين لم يبق في أيديهم إلا ذلك الضد- أعنى الضلالة- وصفوا بانتفاء الربح والخسارة. لأنّ الضالّ في دينه خاسر هالك- وإن أصاب فوائد دنيوية- ولأنّ من لم يسلم له رأس ماله لم يوصف بالريح، بل بانتفائه، فقد أضاعوا سلامة رأس المال بالاستبدال، وترتّب على ذلك إضاعة الربح. وأما قوله: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ فليس معناه عدم اهتدائهم في الدين- فيكون تكرارا لما سبق- بل لما وصفوا بالخسارة في هذه التجارة أشير إلى عدم اهتدائهم لطرق التجارة- كما يهتدي إليه التجار البصراء بالأمور التي يربح فيها ويخسر- فهذا راجع إلى الترشيح. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 17] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) ولما جاء بحقيقة صفتهم، عقّبها بضرب المثل- زيادة في الكشف، وتتميما للبيان- فقال تعالى: مَثَلُهُمْ أي: مثالهم في نفاقهم، وحالهم فيه كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ أي أوقد ناراً في ظلمة- والتنكير للتعظيم- فَلَمَّا أَضاءَتْ أي: أنارت النار ما حَوْلَهُ فأبصر، واستدفأ، وأمن مما يخافه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ أي: أطفأ الله نارهم- التي هي مدار نورهم- فبقوا في ظلمة وخوف- وجمع الضمير مراعاة لمعنى الذي كقوله وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا [التوبة: 69] . وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ما حولهم- متحيّرين عن الطريق، خائفين- فكذلك هؤلاء استضاءوا قليلا بالانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، حيث أمنوا على أنفسهم وما يتبعها. ثم وراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة- ظلمة النفاق- التي ترمي بهم إلى ظلمة سخط الله، وظلمة العقاب السرمد، ومحصوله: أنهم انتفعوا بهذه الكلمة مدّة حياتهم القليلة، ثم قطعه الله تعالى بالموت. ونقل- عن كثير من السلف- تفسير آخر، وهو: تمثيل إيمانهم أوّلا، ثم كفرهم ثانيا. فيكون إذهاب النور في الدنيا، كما قال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [المنافقون: 3] الآية، فلمّا آمنوا أضاء الإيمان في قلوبهم- كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا نارا- ثمّ لمّا كفروا، ذهب الله بنورهم: انتزعه- كما ذهب
بضوء هذه النار- وعلى هذا فالتمثيل مرتبط بما قبله. فإنهم- لمّا وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى- مثّل هداهم- الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد- والضلالة- التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم- بذهاب الله بنورهم، وتركه إيّاهم في الظلمات. قال الزمخشريّ في الكشف: ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيّات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيّل في صورة المحقّق، والمتوهّم في معرض المتيقّن، والغائب كأنّه مشاهد- وفيه تبكيت للخصم الألدّ، وقمع لسورة الجامح الأبيّ. ولأمر ما، أكثر الله- في كتابه المبين، وفي سائر كتبه- أمثاله، وفشت في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكلام الأنبياء والحكماء. قال الله تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: 43] . و (والمثل) في أصل كلامهم بمعنى: المثل وهو النظير. يقال: مثل، ومثل، ومثيل- كشبه وشبه وشبيه- ثم قيل للقول السائر الممثّل مضربه بمورده: مثل. ولم يضربوا مثلا، ولا رأوه أهلا للتسيير ولا جديرا بالتداول والقبول، إلّا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه. ومن ثمّ حوفظ عليه، وحمي من التغيير. فإنه- لو غير- لربّما انتفى الدلالة على تلك الغرابة. وقيل: إن المحافظة على المثل إنّما هي بسبب كونه استعارة. فوجب لذلك أن يكون هو بعينه لفظ المشبه به. فإن وقع تغيير، لم يكن مثلا، بل مأخوذا منه، وإشارة إليه- كما في قولك: بالصيف ضيعت اللبن بالتذكير. وقال بعضهم: قد استعير المثل للحال، أو القصّة، أو الصّفة- إذا كان لها شأن، وفيها غرابة- كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا. وكذلك قوله مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: 35] أي- فيما قصصنا عليك من العجائب- قصة الجنّة العجيبة الشأن، ثمّ أخذ في بيان عجائبها وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى [النحل: 60] أي: الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة. مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ [الفتح: 29] أي: صفتهم وشأنهم المتعجّب منه. ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقّوا منه صفة للعجيب الشأن.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 18]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 18] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ الصمم: آفة مانعة من السماع، سمّى به فقدان حاسّة السمع، لما أنّ سببه اكتناز باطن الصّماخ، وانسداد منافذه، بحيث لا يكاد يدخله هواء يحصل الصوت بتموّجه. والبكم: الخرس. والعمى: عدم البصر عمّا من شأنه أن يبصر. وصفوا بذلك- مع سلامة حواسّهم المذكورة- لما أنّهم سدّوا عن الإصاخة إلى الحقّ مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصّروا بعيونهم، فجعلوا كأنما أصيب بآفة مشاعرهم- كقوله-: صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا وكقوله: أصمّ عن الشيء الذي لا أريده ... وأسمع خلق الله حين أريد فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أي- بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة- لا يعودون إلى الهدى- بعد أن باعوه. أو عن الضلالة- بعد أن اشتروها. فالآية الكريمة تتمّة للتمثيل بأنّ ما أصابهم، ليس مجرّد انطفاء نارهم، وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة- مع بقاء حاسة البصر بحالها- بل اختلّت مشاعرهم جميعا، واتصفوا بتلك الصفات فبقوا جامدين في مكانهم لا يرجعون، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخّرون؟ وكيف يرجعون إلى ما ابتدءوا منه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 19] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ تمثيل لحالهم إثر تمثيل، ليعمّ البيان منها كلّ دقيق وجليل، ويوفي حقّها من التفظيع والتهويل. فإنه تفنّنهم في فنون الكفر والضلال حقيق بأن يضرب في شأنه الأمثال. وكما يجب على البليغ- في مظانّ الإجمال والإيجاز- أن يجمل ويوجز، فكذلك الواجب عليه- في موارد التفصيل والإشباع- أن يفصّل ويشبع.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 20]
(والصيب) السحاب ذو الصوب. والصوب المطر. والمراد بالسماء: السحاب، كما قال تعالى: أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة: 69] . وهي في الأصل: كل ما علاك من سقف ونحوه. فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ التنوين في الكلّ للتفخيم والتهويل- كأنّه قيل: فيه ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق خاطف- يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ الصاعقة: الصوت الشديد من الرعدة يسقط معها قطعة نار تنقدح من السحاب- إذا اصطكّت أجرامه- لا تأتي على شيء إلا أحرقته حَذَرَ- أي خوف- الْمَوْتِ- من سماعها- وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ علما وقدرة فلا يفوتونه. والجملة اعتراضية منبّهة على أنّ ما صنعوا- من سدّ الآذان بالأصابع- لا يغني عنهم شيئا، فإنّ القدر لا يدافعه الحذر، والحيل لا تردّ بأس الله عزّ وجلّ. وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير- الراجع إلى أصحاب الصيّب- الإيذان بأنّ ما دهمهم- من الأمور الهائلة المحكيّة- بسبب كفرهم، فيظهر استحقاقهم شدّة الأمر عليهم، على طريقة قوله تعالى: صابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا [آل عمران: 117] فإن الإهلاك الناشئ عن السخط أشد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 20] يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ استئناف آخر وقع جوابا عن سؤال مقدّر- كأنه قيل: فكيف حالهم مع ذلك البرق؟ فقيل: يكاد يخطف أبصارهم، أي: يأخذها بسرعة كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ أي: في ضوئه وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أي: وقفوا، وثبتوا في مكانهم- ومنه: قامت السوق، إذا ركدت وكسدت. وقام الماء، جمد- وهذا تمثيل لشدّة الأمر على المنافقين: بشدّته على أصحاب الصيّب، وما هم فيه من غاية التحيّر والجهل- بما يأتون وما يذرون- إذا صادفوا من البرق خفقة- مع خوف أن يخطف أبصارهم- انتهزوا تلك الخفقة فرصة، فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفي، وفتر لمعانه، بقوا واقفين متقيدين عن الحركة وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ أي: لزاد في قصيف الرعد فأصمّهم، أو في ضوء البرق فأعماهم. ومفعول «شاء» محذوف، لأنّ الجواب يدلّ عليه. والمعنى: ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها. ولقد تكاثر هذا الحذف في «شاء» و «أراد» . لا
تنبيهات:
يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب- كنحو قوله: فلو شئت أن أبكي دما لبكيته، وقوله تعالى: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا [الأنبياء: 17] . إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تعليل للشرطيّة، وتقرير لمضمونها الناطق بقدرته تعالى على إزالة مشاعرهم بالطريق البرهانيّ. تنبيهات: الأول: محصول التمثيلين- غبّ وصف أربابهما بوقوعهم في ضلالتهم التي استبدلوها بالهدى- هو أنه شبّه، في الأول، حيرتهم وشدّة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل. وفي الثاني: شبّه حالهم بحال من أخذتهم السماء في ليلة تكاثف ظلماتها- بتراكم السحب، وانتساج قطراتها، وتواتر فيها الرعود الهائلة، والبروف المخيفة، والصواعق المختلفة المهلكة، وهم في أثناء ذلك يزاولون غمرات الموت. وبذلك يعلم أنّ التمثيلين جميعا من جملة التمثيلات المركبة، وهو الذي تقتضيه جزالة المعاني- لأنه يحصل في النفس من تشبيه الهيئات المركبة ما لا يحصل من تشبيه مفرداتها. فإنك إذا تصورت حال من طفئت ناره بعد إيقادها.... إلخ. وحال من أخذتهم السماء ... إلخ. حصل في نفسك هيئة عجيبة توصلك إلى معرفة حال المنافقين، على وجه يتقاصر عنه تشبيه المنافق- في التمثيل الأول- بالمستوقد نارا، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانتفاء النار وتشبيه دين الإسلام- في الثاني- بالصيّب، وما يتعلق به- من شبه الكفار- بالظلمات، وما فيه- من الوعد والوعيد- بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة- من الإفزاع والبلايا والفتن- من جهة أهل الإسلام بالصواعق. وأيضا في تشبيه المفردات، وطيّ ذكر المشبهات تكلّف ظاهر. وأيضا في لفظ (المثل) نوع إنباء عن التركيب، إذ المتبادر منه القصة التي هي في غرابتها كالمثل السائر، وهي في الهيئة المركبة دون كل واحد من مفرداتها. وأيضا في التمثيل المركب اشتمال على التشبيه في المفردات إجمالا، مع أمر زائد: هو تشبيه الهيئة بالهيئة، وإيذانه بأن اجتماع تلك المفردات مستتبع لهيئة عجيبة حقيقة بأن تكون مثلا في الغرابة. التنبيه الثاني: قال الإمام العلامة «ابن القيّم» في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية) «في هذه الآية، شبّه، سبحانه، أعداءه المنافقين، بقوم أوقدوا نارا لتضيء لهم،
وينتفعوا بها، فلمّا أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوئها ما ينفعهم ويضرهم، وأبصروا الطريق- بعد أن كانوا حيارى تائهين- فهم كقوم سفر ضلّوا عن الطريق، فأوقدوا النار لتضيء لهم الطريق، فلما أضاءت لهم- فأبصروا وعرفوا- طفئت تلك الأنوار، وبقوا في الظلمات لا يبصرون، قد سدت عليهم أبواب الهدى الثلاث- فإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب: مما يسمعه بإذنه، ويراه بعينه، ويعقل بقلبه، وهؤلاء قد سدّت عليهم أبواب الهدى: فلا تسمع قلوبهم شيئا، ولا تبصره، ولا تعقل ما ينفعها. وقيل: لما لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم نزلوا بمنزلة من لا سمع له، ولا بصر، ولا عقل. والقولان متلازمان. وقال في صفتهم فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ لأنهم قد رأوا في ضوء النار، وأبصروا الهدى، فلمّا طفئت عنهم لم يرجعوا إلى ما رأوا وأبصروا. وقال سبحانه وتعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ولم يقل: ذهب نورهم، وفيه سرّ بديع: وهو انقطاع سر تلك المعيّة الخاصة- التي هي للمؤمنين- من الله تعالى، وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: 19] ، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 153] ، وإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: 128] . فذهاب الله بذلك النور: انقطاع المعيّة- التي خصّ بها أولياءه- فقطعها بينه وبين المنافقين، فلم يبق عندهم- بعد ذهاب نورهم-، ولا معهم، فليس لهم نصيب من قوله لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: 40] ، ولا من كَلَّا، إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: 62] . وتأمل قوله تعالى: أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ كيف جعل ضوءها خارجا عنه، منفصلا، ولو اتصل ضوؤها به، ولابسه، لم يذهب، ولكنه كان ضوء مجاورة لا ملابسة ومخالطة، وكان الضوء عارضا والظلمة أصلية، فرجع الضوء إلى معدنه، وبقيت الظلمة في معدنها، فرجع كلّ منهما إلى أصله اللائق به: حجة من الله قائمة، وحكمة بالغة، تعرّف بها إلى أولي الألباب من عباده. وتأمّل قوله تعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ولم يقل بنارهم، ليطابق أول الآية، فإن النار فيها إشراق وإحراق: فذهب ما فيها من الإشراق- وهو النور- وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق- وهو النارية- وتأمّل كيف قال بِنُورِهِمْ ولم يقل: بضوئهم- مع قوله فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ- لأن الضوء هي زيادة في النور، فلو قيل: ذهب الله بضوئهم، لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل، فلما كان النور أصل الضوء، كان الذهاب به ذهابا بالشيء وزيادته، وأيضا فإنه أبلغ في النفي عنهم، وأنهم
من أهل الظلمات الذين لا نور لهم، وأيضا فإن الله تعالى سمّى كتابه (نورا) ، ورسوله صلى الله عليه وسلّم (نورا) ، ودينه (نورا) ، وهداه (نورا) ، ومن أسمائه (النور) ، والصلاة (نور) ، فذهابه سبحانه بهم: ذهاب بهذا كله. وتأمل مطابقة هذا المثل- لما تقدمه من قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة: 16] كيف طابق هذه التجارة الخاسرة التي تضمّنت هول الضلالة والرضاء بها، وبدّل الهدى في مقابلتها، وهول الظلمات- التي هي الضلالة والرضاء بها- بدلا عن النور- الذي هو الهدى والنور- فبدّلوا الهدى والنور، وتعوّضوا عنه بالظلمة والضلالة. فيا لها من تجارة ما أخسرها، وصفقة ما أشدّ غبنها. وتأمّل كيف قال تعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ فوحّده ثم قال: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ فجمعها. فإن الحقّ واحد: هو صراط الله المستقيم- الذي لا صراط يوصل إليه سواه- وهو عبادته وحده لا شريك له، بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلّم، لا بالأهواء، والبدع، وطرق الخارجين عن ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلّم- من الهدى ودين الحق- بخلاف طرق الباطل فإنها متعدّدة متشعّبة. ولهذا، يفرد، سبحانه، الحق، ويجمع الباطل، كقوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ [البقرة: 257] وقال تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] ، فجمع سبل الباطل، ووحّد سبيل الحق. ولا يناقض هذا قوله يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ [المائدة: 16] فإنّ تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم، إنّ طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد، وسبيل واحد، وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلّا منها. وقد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم أنه خط خطا مستقيما، وقال: «هذا سبيل الله» «1» . ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال «هذه سبل، على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه» ثم قرأ قوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وقد قيل: إنّ هذا مثل للمنافقين، وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين
فصل
أهل الإسلام، ويكون بمنزلة قول الله تعالى: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [المائدة: 64] . ويكون قوله تعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ مطابقا لقوله تعالى: أَطْفَأَهَا اللَّهُ ويكون تخييبهم، وإبطال ما راموه، هو: تركهم في ظلمات الحيرة، لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه، ولا يبصرون سبيلا، بل هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ. هذا التقدير- وإن كان حقا- ففي كونه مراد بالآية نظر، فإنّ السياق إنما قصد لغيره، ويأباه قوله تعالى: فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدا. ويأباه قوله تعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وموقد نار الحرب لا نور له، ويأباه قوله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة، إلى ظلمة الشك والكفر. قال الحسن رحمه الله: هو المنافق أبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر. ولهذا قال فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أي لا يرجعون إلى النور الذي فارقوه. وقال تعالى في حقّ الكفار صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ فسلب العقل عن الكفار- إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان- وسلب الرجوع عن المنافقين- لأنهم آمنوا ثمّ كفروا- فلم يرجعوا إلى الإيمان. فصل ثم ضرب الله، سبحانه، لهم مثلا آخر مائيا، فقال تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ. فشبه نصيبهم- مما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلّم- من النور والحياة بنصيب المستوقد النار التي طفئت عنه أحوج ما كان إليها، وذهب نوره. وبقي في الظلمات حائرا، تائها، لا يهتدي سبيلا، ولا يعرف طريقا، وبنصيب أصحاب الصيّب- وهو المطر الذي يصوّب (أي ينزل) من علوّ إلى أسفل- فشبّه الهدى- الذي هدى به عباده- بالصيّب، لأن القلوب تحيى به حياة الأرض بالمطر. ونصيب المنافقين من هذا الهدى، بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيّب إلّا ظلمات ورعد وبرق، ولا نصيب له- فيما وراء ذلك- مما هو المقصود بالصيّب- من حياة البلاد، والعباد، والشجر، والدوابّ، وأن تلك الظلمات التي فيه، وذلك الرعد، والبرق، مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيّب. فالجاهل- لفرط جهله- يقتصر على الإحساس بما في الصيّب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من برد شديد، وتعطيل المسافر عن سفره، وصانع عن صنعته ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيّب من الحياة والنفع العام. وهكذا شأن كلّ
التنبيه الثالث:
قاصر النظر، ضعيف العقل، لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كلّ محبوب. وهذه حال أكثر الخلق، إلّا من صحت بصيرته- فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من التعب، والمشاقّ، والتعرّض لإتلاف المنهجة، والجراحات الشديدة، وملامة اللوّام، ومعاداة من يخاف معاداته- لم يقدم عليه، لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة، والغايات التي إليها تسابق المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون. وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت الحرام، فلم يعلم- من سفره ذلك- إلا مشقّة السفر، ومفارقة الأهل والوطن، ومقاساة الشدائد، وفراق المألوفات، ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر هذا السفر، ومآله، وعاقبته- فإنه لا يخرج إليه، ولا يعزم عليه. وحال هؤلاء، حال الضعيف البصيرة والإيمان، الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد، والزواجر والنواهي، والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات- والفطام على الصبيّ أصعب شيء، وأشقّه- والناس كلهم صبيان العقول، إلا من بلغ مبالغ الرجال العقلاء الألباء، وأدرك الحقّ علما، وعملا، ومعرفة، فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيّب، وما فيه- من الرعد والبرق والصواعق- ويعلم أنّه حياة الوجود. التنبيه الثالث: قال القاشانيّ: «إنّما بولغ في ذكر فريق المنافقين، وذمّهم، وتعييرهم، وتقبيح صورة حالهم، وتهديدهم، وإيعادهم، وتهجين سيرهم وعاداتهم: لإمكان قبولهم للهداية، وزوال مرضهم العارض. عسى التقريع يكسر أعواد شكائمهم، والتوبيخ يقلع أصول رذائلهم، فتتزكّى بواطنهم، وتتنوّر قلوبهم، فيسلكوا طريق الحقّ. ولعلّ موادعة المؤمنين، وملاطفتهم إيّاهم، ومجالستهم معهم- تستميل طباعهم، فتهيج فيهم محبّة ما، وشوقا تلين به قلوبهم إلى ذكر لله، وتنقاد به نفوسهم لأمر الله، فيتوبوا ويصلحوا، كما قال تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً [النساء: 145- 146] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 21] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ لمّا ذكر الله علوّ طبقة كتابه الكريم، وتحزّب الناس في شأنه إلى ثلاث فرق، مؤمنة به محافظة على ما فيه من الشرائع والأحكام،
وكافرة قد نبذته وراء ظهرها بالمجاهرة والشقاق، وأخرى مذبذبة بينهما بالمخادعة والنفاق، وما اختصت به كلّ فرقة مما يسعدها ويشقيها، ويحظيها عند الله ويرديها، أقبل عليهم بالخطاب- وهو من الالتفات المذكور عند قوله جلّ ذكره إِيَّاكَ نَعْبُدُ- وهو فنّ من الكلام جزل، فيه هزّ وتحريك من السامع- كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث لكما: إنّ فلانا من قصته كيت وكيت، فقصصت عليه ما فرط منه، ثم عدلت بخطابك إلى الثالث، فقلت: يا فلان! من حقّك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجاري أمورك، وتستوي على جادّة السّداد في مصادرك ومواردك- نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبه، واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة استدعاء، وأوجدته، بالانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازّا من طبعه، ما لا يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة. وهكذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من صنف إلى صنف، يستفتح الآذان للاستماع، ويستهش الأنفس للقبول. وإنما كثر النداء في كتابه تعالى على طريقة يا أَيُّهَا النَّاسُ لاستقلاله بأوجه من التأكيد، وأسباب من المبالغة. كالإيضاح بعد الإبهام، واختيار لفظ البعيد وتأكيد معناه بحرف التنبيه. ومعلوم أنّ كل ما نادى الله له عباده: من أوامره، ونواهيه، وعظاته، وزواجره، ووعده، ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم، وغير ذلك ... مما أنطق به كتابه- أمور عظام، وخطوب جسام، ومعان علّمهم أن يتيقّظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها وهم عنها غافلون. فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ- أفاده الزمخشريّ-. والمراد بالناس: كافّة المكلّفين- مؤمنهم وكافرهم- فطلب العبادة من المؤمنين طلب الزيادة فيها، والثبات عليها، ومن الكافرين، ابتداؤها. الَّذِي خَلَقَكُمْ أنعم عليكم بإخراجكم من العدم إلى الوجود «و» - خلق- الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي كي تتقون، كقوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] ، وقوله سبحانه الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: 2] . وفي إيراد «لعلّ» تشبه طلبه تعالى برجاء الراجي من المرجوّ منه أمرا هيّن الحصول. فإنّه تعالى لما وضع في أيدي المكلفين زمام الاختيار، وطلب منهم الطاعة، ونصب لهم أدلّة عقليّة ونقليّة داعية إليها، ووعد، وأوعد، وألطف بما لا يحصى كثرة، لم يبق للمكلف عذر، وصار حاله في رجحان اختياره للطاعة مع تمكنه من المعصية كحال المترجي منه في رجحان اختياره لما يرتجي منه- مع تمكّنه من خلافه- وصار طلب الله تعالى لعبادته واتّقائه بمنزلة الترجّي- فيما ذكرناه-.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 22]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 22] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) الَّذِي جَعَلَ- خلق- لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً بساطا ومهادا غير حزنة، وَالسَّماءَ بِناءً البناء، في الأصل، مصدر سمي به المبنيّ- بيتا كان، أو قبّة، أو خباء. قال بعض علماء الفلك في معنى الآية: أي كالبنيان يشدّ بعضه بعضا. والسَّماءَ يراد بها الجنس كالسماوات، والمعني بها الكواكب السيارات- قال: فجميع السموات أو الكواكب كالبناء المرتبط بعضه ببعض من كلّ جهة، المتماسك كأجزاء الجسم الواحد بالجاذبية التي تحفظ نظامها في مداراتها، وهو جذب الشمس لها. وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي: السحاب ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً النهي متفرع على مضمون ذلك الأمر، كأنّه قيل: إذا أمرتم بعبادة من هذا شأنه- من التفرد بهذه الأفعال الجليلة- فلا تجعلو له أندادا شركاء في العبادة، أي أمثالا تعبدونهم كعبادته- جمع ندّ. وهو المثل، ولا يقال إلّا للمثل المخالف المناوئ- فإن قيل: كيف صلح تسميتها أندادا وهم ما كانوا يزعمون أنها تخالفه وتناوئه، بل كانوا يجعلونها شفعاء عنده؟ أجيب: بأنّهم لما تقرّبوا إليها، وعظموها، وسمّوها آلهة- أشبهت حالهم حال من يعتقد أنّها آلهة مثله قادرة على مخالفته، ومضادّته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكّم. وكما تهكّم بهم بلفظ الندّ شنّع عليهم، واستفظع شأنهم، بأن جعلوا أندادا كثيرة لمن لا يصحّ أن يكون له ندّ قط. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما بينه وبينها من التفاوت، وأنها لا تفعل مثل أفعاله، كقوله هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ [الروم: 40] أو وأنتم من أهل العلم والمعرفة- والتوبيخ فيه آكد- أي أنتم العرافون المميزون، ثمّ ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أندادا- هو غاية الجهل، ونهاية سخافة العقل. ومما ينبغي التفطّن له- في الاعتبار بهذه الآية- ما قاله الزمخشريّ: من أنّه سبحانه وتعالى قدّم من موجبات عبادته، وملزمات حقّ الشكر له: خلقهم أحياء
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 23]
قادرين أوّلا- لأنه سابقة أصول النعم، ومقدّمتها، والسبب في التمكّن من العبادة والشكر وغيرهما-، ثمّ خلق الأرض- التي هي مكانهم، ومستقرّهم الذي لا بدّ لهم منه- وهي بمنزلة عرصة المسكن، ومتقلّبه، ومفترشه، ثمّ خلق السماء- التي هي كالقبّة المضروبة، والخيمة المطنّبة- على هذا القرار، ثمّ ما سوّاه عزّ وجلّ من شبه عقد النكاح بين المقلّة والمظلّة بإنزال الماء منها عليها، والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان- من ألوان الثمار- رزقا لبني آدم، ليكون لهم ذلك معتبرا، ومتسلقا إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف، ونعمة يتعرّفونها فيقابلونها بلازم الشكر، ويتفكّرون في خلق أنفسهم، وخلق ما فوقهم وتحتهم، وأنّ شيئا من هذه المخلوقات كلّها لا يقدر على إيجاد شيء منها، فيتيقّنوا- عند ذلك- أن لا بدّ لها من خالق- ليس كمثلها- حتى لا يجعلوا المخلوقات له أندادا، وهم يعلمون أنها تقدر على نحو ما هو عليه قادر. ونظير هذه الآية قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [غافر: 64] . فمضمونه أنّه الخالق، الرازق، مالك الدار وساكنيها، ورازقهم. فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره. ولمّا احتج عليهم بما يثبت الوحدانية، ويحققها. ويبطل الإشراك، ويهدمه، وعلم الطريق إلى إثبات ذلك، وتصحيحه. وعرّفهم أن من أشرك فقد كابر عقله، وغطى على ما أنعم عليه من معرفته وتمييزه- عطف على ذلك ما هو الحجّة على إثبات نبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وما يدحض الشبهة في كون القرآن معجزة، وأراهم كيف يتعرّفون: أهو من عند الله- كما يدّعي- أم هو من عند نفسه- كما يدّعون-؟ بإرشادهم إلى أن يحزروا أنفسهم، ويذوقوا طباعهم، وهم أبناء جنسه، وأهل جلدته. فقال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 23] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا- أي من القرآن الذي نزّلناه- عَلى عَبْدِنا
محمد صلّى الله عليه وسلّم أنه من عند الله تعالى، والتعبير عن اعتقادهم في حقّه بالريب- مع أنهم جازمون بكونه من كلام البشر- كما يعرب عنه قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إمّا للإيذان بأنّ أقصى ما يمكن صدوره عنهم- وإن كانوا في غاية ما يكون من المكابرة والعناد- هو الارتياب في شأنه (وأما الجزم المذكور فخارج من دائرة الاحتمال، كما أنّ تنكيره وتصديره بكلمة الشك للإشعار بأن حقّه أن يكون ضعيفا مشكوك الوقوع) وإمّا للتنبيه على أن جزمهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح دلائل الإعجاز، ونهاية قوّتها. وإنّما لم يقل: (وإن ارتبتم فيما نزلنا....) إلخ، لما أشير إليه- فيما سلف- من المبالغة في تنزيه ساحة التنزيل عن شائبة وقوع الريب فيه- حسبما نطق به قوله تعالى لا رَيْبَ فِيهِ- والإشعار بأن ذلك- إن وقع- فمن جهتهم لا من جهته العالية. واعتبار استقرارهم فيه، وإحاطته بهم، لا ينافي اعتبار ضعفه وقلّته: لما أنّ ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به، لا قلته ولا كثرته. وفي ذكره صلّى الله عليه وسلّم بعنوان العبودية، مع الإضافة إلى ضمير الجلالة- من التشريف، والتنويه، والتنبيه على اختصاصه به عزّ وجلّ، وانقياده لأوامره تعالى- ما لا يخفى. والأمر في قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ من باب التعجيز وإلقام الحجر، كما في قوله تعالى: فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: 258] ، أو من باب المجاراة معهم- بحسب حسبانهم- حيث كانوا يقولون: لو نشاء لقلنا مثل هذا. و «السورة» الطائفة من القرآن العظيم المترجمة، وأقلها ثلاث آيات، وواوها أصلية، منقولة من سور البلد- لأنها محيطة بطائفة من القرآن مفرزة، محوزة. أو محتوية على فنون رائقة من العلوم، احتواء سور المدينة على ما فيها. أو من السورة التي هي الرتبة. فإن سور القرآن مع كونها في أنفسها رتبا- من حيث الفضل والشرف، أو من حيث الطول والقصر- فهي من حيث انتظامها مع أخواتها في المصحف: مراتب يرتقي إليها القارئ شيئا فشيئا. و «من» في قوله تعالى: مِنْ مِثْلِهِ بيانيّة متعلقة بمحذوف صفة لسورة، والضمير «لما نزلنا» أي بسورة كائنة من مثله في علو الرتبة، وسموّ الطبقة، والنظم الرائق، والبيان البديع، وحيازة سائر نعوت الإعجاز، وقيل «من» زائدة- على ما هو رأي الأخفش- بدليل قوله تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس: 38] بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ [هود: 13] . وقوله تعالى: وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إرشاد لهم إلى إنهاض أمّة جمّة ليحتشدوا في حلبة المعارضة بخيلهم ورجلهم، ويتعاونوا على الإتيان بقدر يسير مماثل في صفات الكمال لما أتى بجملته واحد من أبناء جنسهم. وهذا كقوله
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 24]
تعالى في سورة هود أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [هود: 13] ، و «الشهداء» جمع شهيد، بمعنى: الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر. و «من» لابتداء الغاية متعلّقة ب «ادعوا» والظرف مستقرّ. والمعنى: ادعوا، متجاوزين الله تعالى للاستظهار، من حضركم- كائنا من كان- أو الحاضرين في مشاهدكم ومحاضركم من رؤسائكم وأشرافكم- الذين تفزعون إليهم في الملمات، وتعوّلون عليهم في المهمّات- أو القائمين بشهاداتكم الجارية فيما بينكم- من أمنائكم المتولّين لاستخلاص الحقوق، بتنفيذ القول عند الولاة- أو القائمين بنصرتكم- حقيقة أو زعما- من الإنس والجن ليعينوكم. وإخراجه، سبحانه وتعالى، من حكم الدعاء في الأول- مع اندراجه في الحضور- لتأكيد تناوله لجميع ما عداه، لا لبيان استبداده تعالى بالقدرة على ما كلفوه، فإنّ ذلك مما يوهم أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه. وأمّا في سائر الوجوه: فللتصريح من أوّل الأمر ببراءتهم منه تعالى، وكونهم في عدوة المحادّة والمشاقة له، قاصرين استظهارهم على ما سواه، والالتفات لإدخال الروعة، وتربية المهابة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي: في زعمكم أنه من كلامه صلّى الله عليه وسلّم، واستلزام المقدّم للتالي من حيث إنّ صدقهم في ذلك الزعم يستدعي قدرتهم على الإتيان بمثله، بقضية مشاركتهم له صلّى الله عليه وسلّم في البشرية والعربية، مع ما بهم من طول الممارسة للخطب والأشعار، وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر، والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام، لا سيما عند المظاهرة والتعاون- ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به، ودواعي الأمر به-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 24] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (24) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أي: ما أمرتم به من الإتيان بالمثل، بعد ما بذلتم في السعي غاية المجهود وَلَنْ تَفْعَلُوا اعتراض بين جزأي الشرطية، مقرر لمضمون مقدمها، ومؤكد لإيجاب العمل بتاليها، وهي معجزة باهرة: حيث أخبر بالغيب الخاص- علمه به عز وجل- وقد وقع الأمر كذلك فَاتَّقُوا النَّارَ جواب الشرط، على أن اتقاء النار كناية عن الاحتراز من العناد، إذ- بذلك- يتحقّق تسبّبه عنه، وترتبه عليه،
كأنه قيل: فإذا عجزتم عن الإتيان بمثله- كما هو المقرر- فاحترزوا من إنكار كونه منزلا من عند الله سبحانه، فإنه مستوجب للعقاب بالنار، لكن أوثر عليه الكناية المذكورة المبنيّة على تصوير العناد بصورة النار، وجعل الاتصاف به عين الملابسة بها، للمبالغة في تهويل شأنه، وتفظيع أمره، وإظهار كمال العناية- بتحذير المخاطبين منه، وتنفيرهم عنه، وحثّهم على الجدّ في تحقيق المكنيّ به- وفيه من الإيجاز البديع ما لا يخفى. حيث كان الأصل: فإن لم تفعلوا فقد صحّ صدقه عندكم، وإذا صحّ ذلك كان لزومكم العناد، وترككم الإيمان به، سببا لاستحقاقكم العقاب بالنار، فاحترزوا منه واتّقوا النار الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ صفة للنار مورثة لها زيادة هول وفظاعة- أعاذنا الله منها برحمته الواسعة- و «الوقود» ما توقد به النار، وترفع من الحطب. وقرئ بضمّ الواو، وهو مصدر سمي به المفعول مبالغة- كما يقال: فلان فخر قومه، وزين بلده- فإن قيل: صلة الذي والتي يجب أن تكون قصة معلومة للمخاطب، فكيف علم أولئك أنّ نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ قلت: لا يمتنع أن يتقدّم لهم بذلك سماع من آيات التنزيل المتقدمة عليها، أو من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو من أهل الكتاب. والمراد بالحجارة الأصنام، وبالناس أنفسهم- حسبما ورد في قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: 98] فإنها مفسّرة لما نحن فيه- وحكمة اقترانهم مع الحجارة في الوقود: أنهم لمّا اعتقدوا في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستنفعون بهم، ويستدفعون المضارّ عن أنفسهم بمكانهم، جعلها الله عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم- إبلاغا في إيلامهم، وإغراقا في تحسيرهم. ونحوه ما يفعله بالكانزين الذين جعلوا ذهبهم وفضّتهم عدة وذخيرة، فشحّوا بها، ومنعوها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنّم. فتكوى جباههم وجنوبهم أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ هيّئت لهم، وجعلت عدة لعذابهم، والمراد: إما جنس الكفّار- والمخاطبون داخلون فيهم دخولا أوليّا، - وإمّا هم خاصة، ووضع الكافرين موضع ضميرهم لذمّهم، وتعليل الحكم بكفرهم- والجملة مستأنفة مقرّرة لمضمون ما قبلها. ومبيّنة لمن أريد بالناس، دافعة لاحتمال العموم. (تنبيه) هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التي صدعت بتحدّي الكافرين بالتنزيل الكريم. وقد تحدّاهم الله تعالى في غير موضع منه، فقال في سورة القصص قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[القصص: 49] . وقال في سورة الإسراء قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: 88] . وقال في سورة هود: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [هود: 13] . وقال في سورة يونس: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: 38- 38] . وكل هذه الآيات مكيّة. ثمّ تحدّاهم أيضا في المدينة بقوله وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ.. [البقرة: 23] ، إلى آخر هذه الآية فعجزوا عن آخرهم: - وهم فرسان الكلام، وأرباب النظام، وقد خصوا من البلاغة والحكم، ما لم يخص به غيرهم من الأمم، وأوتو من ذرابة اللسان، ما لم يؤت إنسان. ومن فصل الخطاب، ما يقيّد الألباب. جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة، وفيهم غريزة وقوّة. يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون بديها في المقامات وشديد الخطب، ويرتجزون به بين الطعن والضرب. ويمدحون، ويقدحون، ويتوسلون، ويتوصّلون، ويرفعون، ويضعون، فيأتون بالسحر الحلال. ويطوّقون من أوصافهم أجمل من سمط اللئال. فيخدعون الألباب، ويذللون الصعاب، ويذهبون الإحن، ويهيجون الدّمن، ويجرّئون الجبان، ويبسطون يد الجعد البنان. ويصيّرون الناقص كاملا، ويتركون النبيه خاملا، منهم البدويّ: ذو اللفظ الجزل، والقول الفصل، والكلام الفخم، والطبع الجوهريّ، والمنزع القويّ. ومنهم الحضريّ: ذو البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة، والطبع السهل، والتصرّف في القول القليل الكلفة، الكثير الرونق، الرقيق الحاشية، وكلا البابين فلهما- في البلاغة- الحجّة البالغة، والقوّة الدامغة، والقدح الفالج، والمهبع الناهج. لا يشكون أنّ الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، قدحوا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كلّ باب من أبوابها، وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها، فقالوا في الخطير والمهين، وتفنّنوا في الغثّ والسمين، وتقاولوا في القلّ والكثر، وتساجلوا في النظم والنثر- ومع هذا- فلم يتصد للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم، ولم ينهض- لمقدار أقصر سورة منه- ناهض من بلغائهم، على أنّهم كانوا أكثر من حصى البطحاء، وأوفر عددا من رمال الدهناء، ولم ينبض منهم عرق العصبيّة مع اشتهارهم بالإفراط في المضادّة والمضارّة، وإلقائهم
الشراشر على المعازّة والمعارّة، ولقائهم دون المناضلة عن أحسابهم الخطط، وركوبهم في كل ما يرومونه الشطط: إن أتاهم أحد بمفخرة أتوه بمفاخر، وإن رماهم بمأثرة رموه بمآثر. وقد جرّد لهم الحجّة أولا، والسيف آخرا، فلم يعارضوا إلا السيف وحده. فما أعرضوا عن معارضة الحجّة إلا لعلمهم أنّ البحر قد زخر فطمّ على الكواكب، وأن الشمس قد أشرقت فطمست نور الكواكب، وبذلك يظهر أنّ في قوله تعالى: وَلَنْ تَفْعَلُوا معجزة أخرى، فإنهم ما فعلوا، وما قدروا، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم- كمسيلمة- كشف عواره لجميعهم. قال الحافظ ابن كثير: ذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ فقال: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ. ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل علي مثلها. قال: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر! إنما أنت أذنان وصدر. وسائرك حفر نقر- ثم قال-: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم إني أعلم أنك تكذب! .. وحيث عجز عرب ذلك العصر، فما سواهم أعجز في هذا الأمر ... ! وقد مضى- إلى الآن- أكثر من ألف وثلاثمائة عام، ولم يوجد أحد من معاديه البلغاء إلا وهو مسلم، أو ذو استسلام، فدلّ على أنّه ليس من كلام البشر، بل كلام خالق القوى والقدر، أنزله تصديقا لرسوله، وتحقيقا لمقوله. وهذا الوجه- أعني بلوغه في الفصاحة والبلاغة إلى حدّ خرج عن طوق البشر- كاف وحده في الإعجاز، وقد انضمّ إليه أوجه: (منها) إخباره عن أمور مغيبة ظهرت كما أخبر. و (منها) كونه لا يملّه السمع مهما تكرر. و (منها) جمعه لعلوم لم تكن معهودة، عند العرب والعجم. و (منها) إنباؤه عن الوقائع الخالية، وأحوال الأمم. والحال أنّ من أنزل عليه، صلّى الله عليه وسلّم كان أميّا لا يكتب ولا يقرأ، لاستغنائه بالوحي، وليكون وجه الإعجاز بالقبول أحرى. وبذلك يعلم أنّ القرآن أعظم المعجزات، فإنّه آية باقية مدى الدهر، يشاهدها- كلّ حين بعين الفكر- كلّ ذي حجر. وسواه- من المعجزات- انقضت بانقضاء وقتها، فلم يبق منها إلا الخبر. وقد ذهب بعض علماء الشيعة- في وجه إعجازه- إلى: كونه قاهرا لمن
يقاومه، وغالبا على من يغالبه، ونافذا في إزهاق ما يخالفه. وكونه مؤثرا في إيجاد الأمة، وبقاء الشريعة، ونفوذ الحكم، وثبوت الكلمة، لما جعل الله فيه من النور، والهداية، والرحمة. وعبارته: إنّ كلام الله تعالى يمتاز عن غيره بالنفوذ، والغلبة في هداية الخلق، وإنشاء أمة مستقلّة، وإبقاء شريعة جديدة. وهي علامة كافية في معرفة الكلمات الإلهية، والآيات السماوية. ثم قال: وخلاصة تقرير الدليل أن الكلام- الذي يتحدّى الداعي به، وينسبه إلى الله- إذا ظهر منه التأثير التام في هداية النفوس المستعدة الطالبة، وقهر الأمم المنكرة المانعة، فأوجد أمة مستقلة نامية، وشريعة جديدة باقية، فلا يبقى ثمّة شك أنه هو كلام الله النازل من السماء، والقدرة الظاهرة منه هي القدرة التي منذ القديم ظهرت من المرسلين والأنبياء. وإلى هذه النكتة أشير في قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ [الأنفال: 7] وقال تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ [الشورى: 16] وهذه العلامة لا توجد إلّا في كتب الله تعالى. ويتمكن كل إنسان أن يدركها ويفهمها منها. سواء كان عالما، أو أميا، أو عجميا. شرقيا، أو غربيا ... ! فمن الذي يشك أن بني إسرائيل ما خرجوا عن ظلمات الجهل إلى نور الإيمان، وعن ذلّة العبودية إلى عزّ الاستقلال إلا بسبب التوراة ... ؟! ومن الذي يجهل أن الأمم الأوروبية ما وصلوا إلى عبادة الله تعالى- بعد عبادة الأوثان- إلّا بواسطة الإنجيل ... ؟! ومن الذي لا يعرف أن الأمم الكبرى- من حدود الشرق الأقصى إلى أقاصى إفريقيّة- ما خرجوا عن ربقة الوثنية، وعبادة النار إلى التوحيد وعبادة الله إلّا بهداية القرآن العظيم؟ وما تحروا عن أغلال العقائد الفاسدة، والأعمال القبيحة، وما وصلوا إلى الأخلاق الفاضلة، والعقائد الصحيحة إلّا بنور هذا السّفر الكريم ... ؟! ثم قال: والخلاصة إن هذه العلامة وهي هداية النفوس، وإيجاد الديانة الجديدة- بقهر الأديان القديمة، وتبديل العوائد العتيقة- هي العلامة الظاهرة المميّزة بين الكلمات الإلهية! والمصنّفات البشرية. حتى أن أول نفس أذعنت بحقيقة رسالة رسول، وصدق شريعته، لو لم تعرف في نفسها هذه الهداية، ولم تشعر في ذاتها بهذه المغلوبية لما كانت أول من صدّقه ولبّاه، واتبعه وآساه، فإن محبّة الدين القديم الموروث راسخة في جميع النفوس. والخوف من تبديل أركانه وآدابه متمكّن في أعماق القلوب.
فالهداية أظهر علامة في صدق النبوة والرسالة، إذ هي صفة الفعل، ومرتبطة بالدعوة- كالإبراء للطب، ومعرفة السطوح للهندسة، والبيع والشراء للتجارة، وصنع الأسرّة والأبواب وغيرها للنجارة- ثم قال: وإذا تصفّحت القرآن المجيد، تجد أن الله تعالى استدلّ بها في مواضع متعدّدة، ووصف القرآن بأنه حجّة- بما أودع فيه من الهداية والرحمة- ولا ترى موضعا واحدا وصفه بأنه أفصح الكتب وأبلغ الصحف، فانظر في قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [القصص: 48- 49] . أترى أن الله تعالى أفحمهم بقوله: فأتوا بكتاب من عند الله هو أفصح منهما أو أبلغ منهما؟ وكذلك لما انتقدوا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعدم صدور معجزة منه كالمعجزات السالفة، فقال تعالى: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: 50] ، فبين الله تعالى مزية القرآن على سائر المعجزات، وكفايته عن غيره بأن فيه الذكرى والرحمة. وقال تعالى في أول هذه السورة الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وما قال فيه فصاحة وبلاغة يعجز عن مثلها جميع العالمين. وذلك لأن الفصاحة والبلاغة من الأوصاف الخفية الغامضة الدقيقة- التي تختلف فيها الأذواق، وتتشعّب فيها الآراء والأنظار- ولكن ما ظهر من الرسول عليه السلام- بسبب نزول القرآن عليه- من العلم والقدرة على هداية الأمم، وإزالة أسقام أهل العالم، وتأسيس الشريعة الإلهامية، وإيجاد الأمة الإسلامية رغما للأمم الكبرى، ومباينا للديانات العظمى: أمر ظاهر محسوس، تصعب فيه المناقشة، ولا تفيد معه المغالطة. فمن الذي يمكنه أن ينكر أن الأمم العظيمة- كالعرب والفرس، والخزر، والترك، والهنود، والصينيين، وأهالي إفريقيّة- خرجوا من ظلمات الشرك، وعبادة النار والأوثان، وإنكار الأنبياء، ودخلوا في نور التوحيد، وعبادة الله وحده، والإيمان بأنبيائه ورسله وكتبه، بنور الكتاب المبين ... ! - كذا في كتاب (الدرر البهية) لأبي الفضائل الإيرانيّ- ولا يخفى أن ما ذكره هو وجه متين، ولكن لا يسوغ نفي ما عداه لأجله، بل يجدر أن يضم إليها، ويكون في مقدمتها والله أعلم. ثم إن من عادته تعالى، في كتابه، أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 25]
البشارة بالإنذار. وهذا معنى تسمية القرآن مثاني- على الأصح- وهو أن يذكر الإيمان ويتبع بذكر الكفر- أو عكسه- أو حال السعداء ثم الأشقياء- أو عكسه- وحاصله ذكر الشيء ومقابله. والحكمة في ذلك: هي إرادة التنشيط لاكتساب ما يزلف، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. فلما ذكر الكفار وأعمالهم، وأوعدهم بالعقاب، قفّاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي- فقال عز وجلّ: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 25] وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (25) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (البشارة) : الإخبار بما يظهر سرور المخبر به. ومنه البشرة: لظاهر الجلد. وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه. وأمّا فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء- الزائد في غيظ المستهزأ به، وتألّمه، واغتمامه- ففيه استعارة أحد الضدّين للآخر تهكّما وسخرية. والصَّالِحاتِ ما استقام من الأعمال أي صلح لترتب الثواب عليه. وقد أجمع السلف على أنّ الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص. ثم إنه إذا أطلق دخلت فيه الأعمال، لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الإيمان بضع وستون شعبة- أو بضع وسبعون شعبة- أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» «1» . وإذا عطف عليه- كما في هذه الآية- فهنا، قد يقال: الأعمال دخلت فيه، وعطفت عطف الخاص على العام. وقد يقال: لم تدخل فيه، ولكن مع العطف- كما في اسم الفقير والمسكين. إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا عطف أحدهما
على الآخر فهما صنفان- وهذا التفصيل في الإيمان هو كذلك في لفظ البرّ، والتقوى، والمعروف. وفي الإثم، والعدوان، والمنكر. تختلف دلالتها في الإفراد والاقتران لمن تدبّر القرآن. وقد بيّن حديث جبريل أنّ الإيمان أصله في القلب، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله- كما في المسند عن النبي صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: «الإسلام علانية والإيمان في القلب» «1» . وقد قال صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «ألا إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» «2» . فإذا كان الإيمان في القلب، فقد صلح القلب. فيجب أن يصلح سائر الجسد، فلذلك هو ثمرة ما في القلب. فلهذا قال بعضهم: الأعمال ثمرة الإيمان. وصحته، لما كانت لازمة لصلاح القلب، دخلت في الاسم. كما نطق بذلك الكتاب والسنة في غير موضع، هذا ما أفاده الإمام ابن تيميّة رحمه الله. وقوله تعالى: أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ جمع (جنّة) : وهي البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلّل بالتفاف أغصانه. وإنما سميت «دار الثواب» بها مع أنّ فيها ما لا يوصف من الغرفات والقصور، لما أنّها مناط نعيمها، ومعظم ملاذّها. وجمعها مع التنكير: لاشتمالها على جنان كثيرة في كلّ منها مراتب ودرجات متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال وأصحابها. وقوله تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ صفة جنّات، ثم إن أريد بها الأشجار، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها، فلا بدّ من تقدير مضاف- أي من تحت أشجارها- وإن أريد بها مجموع الأرض والأشجار، فاعتبار التحتيّة بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحّح لإطلاق اسم الجنّة على
الكل، وإنما جيء ذكر الجنات- مشفوعا بذكر الأنهار الجارية- لما أنّ أنزه البساتين، وأكرمها منظرا، ما كانت أشجاره مظلّلة، والأنهار في خلالها مطّردة، وفي ذلك النعمة العظمى واللذة الكبرى. واللام في الأنهار: للجنس: كما في قولك: لفلان بستان فيه الماء الجاري- أو للعهد. والإشارة إلى ما ذكر في قوله تعالى: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ... [محمد: 15] الآية. كُلَّما رُزِقُوا مِنْها- أي: أطعموا من تلك الجنات- مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ- أي: مثل الذي رزقناه من قبل هذا الذي أحضر إلينا- فالإشارة إلى المرزوق في الجنّة لتشابه ثمارها. بقرينة قوله وَأُتُوا بِهِ- أي: أتتهم الملائكة والولدان برزق الجنة- مُتَشابِهاً يشبه بعضه بعضا لونا، ويختلف طعما، وذلك أجلب للسرور، وأزيد في التعجّب، وأظهر للمزّية، وأبين للفضل. وترديدهم هذا القول، ونطقهم به- عند كل ثمرة يرزقونها- دليل على تناهي الأمر في استحكام الشّبه، وأنّه الذي يستملي تعجّبهم، ويستدعي استغرابهم، ويفرط ابتهاجهم. فإن قيل: كيف موقع قوله وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً من نظم الكلام؟ قلت: هو كقولك: فلان أحسن بفلان، ونعم ما فعل. ورأى من الرأي كذا، وكان صوابا. ومنه قوله تعالى: وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: 34] . وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير. وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الحيض والاستحاضة وما لا يختص بهنّ من الأقذار والأدناس- ويجوز لمجيئه مطلقا، أن يدخل تحته الطهر من دنس الطباع، وسوء الأخلاق وسائر مثالبهنّ وكيدهنّ. وقوله تعالى: وَهُمْ فِيها خالِدُونَ هذا هو تمام السعادة، فإنّهم- مع هذا النعيم- في مقام أمين من الموت والانقطاع، فلا آخر له ولا انقضاء. بل في نعيم سرمديّ أبديّ على الدوام. والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم. إنه البر الرحيم. ولمّا ضرب تعالى- فيما تقدم- للمنافقين مثلين: في قوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ... إلخ. وقوله أَوْ كَصَيِّبٍ ... إلخ. إلى أمثال أخرى تقدّمت على نزول هذه السورة، من السّور المكية، ضربت للمشركين- نبّه تعالى إلى موضع العبرة بها، والحكمة منها، وتضليل من لا يقدّرها قدرها- ممّن يتجاهل عن سرّها، ويتعامى عن نورها، ويحول دون الاهتداء بها، والأخذ بسببها- فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 26]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 26] إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (26) إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها أي: يذكر مثلا ما. يقال: ضرب مثلا، ذكره، فيتعدّى لمفعول واحد. أو صيّر، فلمفعولين. قال أبو إسحاق في قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا [الكهف: 32] أي: اذكر لهم. وعبارة الجوهريّ: ضرب الله مثلا أي وصف وبيّن. وفي شرح نظم الفصيح: ضرب المثل: إيراده ليمتثل به، ويتصوّر ما أراد المتكلم بيانه للمخاطب. يقال: ضرب الشيء مثلا، وضرب به، وتمثّله، وتمثّل به. ثم قال: وهذا معنى قول بعضهم: ضرب المثل اعتبار الشيء بغيره، وتمثيله به. و «ما» هذه اسميّة إبهاميّة، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاما، وزادته شياعا وعموما- كقولك: أعطني كتابا مّا، تريد أيّ كتاب كان- كأنه قيل: مثلا ما من الأمثال أيّ مثل كان. فهي صفة لما قبلها. أو حرفية مزيدة لتقوية النسبة وتوكيدها- كما في قوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [النساء: 155]- كأنه قيل: لا يستحيي أن يضرب مثلا حقّا، أو البتّة. وبَعُوضَةً بدل من مَثَلًا. أو هما مفعولا «يضرب» لتضمنّه معنى الجعل والتصيير. ومعنى الآية: إنه تعالى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة، ترك من يستحيي أن يتمثّل بها لحقارتها. أي لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا- ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة- كما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها، كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: 73] ، وقال: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ، اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: 41] ، وغير ذلك من أمثال الكتاب العزيز. فما استنكره السّفهاء وأهل العناد والمراء، واستغربوه من أن
تكون المحقرات من الأشياء ومضروبا بها المثل- ليس بموضع للاستنكار والاستغراب. من قبل أن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى، ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب. وإدناء المتوهّم من المشاهد. فإن كان المتمثّل له عظيما، كان المتمثّل به مثله. وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك. فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذا، إلّا أمرا تستدعيه حال المتمثّل له وتستجرّه إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضيّة. ألا ترى إلى الحقّ لما كان واضحا، جليا أبلج. كيف تمثّل له بالضياء والنور؟ وإلى الباطل لما كان بضدّ صفته، كيف تمثل له بالظلمة؟ أفاده الزمخشريّ. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا شروع في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحكم إثر تحقيق حقية صدوره عنه تعالى- أي: فأمّا المؤمنون فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ- كسائر ما ورد منه تعالى- والحق هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. وذلك لأن التمثل به مسوق على قضيّة مضربه، ومحتذى على مثال ما يستدعيه- كما جعل بيت العنكبوت مثل الآلهة التي جعلها الكفّار أندادا لله تعالى- وجعلت أقل من الذباب، وأخسّ قدرا. وضربت لها البعوضة فما دونها مثلا، لأنه لا حال أحقر من تلك الأنداد وأقلّ ... ! فالمؤمنون- الذين عادتهم الإنصاف، والعمل على العدل والتسوية، والنظر في الأمور بناظر العقل- إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحقّ الذي لا تمرّ الشبهة بساحته، والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ممّن غلبهم الجهل على عقولهم، وغشيهم على بصائرهم- فلا يتفطّنون، ولا يلقون أذهانهم. أو عرفوا أنّه الحق، إلّا أنّ حب الرياسة، وهوى الإلف والعادة، لا يخليهم أن ينصفوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا أي: فإذا سمعوه عاندوا، وكابروا، وقضوا عليه بالبطلان، وقابلوه بالإنكار. ولا خفاء في أنّ التمثيل بالبعوضة وبأحقر منها- مما لا تخفى استقامته وصحته على من به أدنى مسكة. ولكنّ ديدن المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل، ولا متشبّث بأمارة ولا إقناع، أن يرمي لفرط الحيرة، والعجز عن إعمال الحيلة، بدفع الواضح، وإنكار المستقيم، والتعويل على المكابرة والمغالطة- إذا لم يجد سوى ذلك معوّلا. يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً جواب عن تلك المقالة الباطلة، وردّ لها ببيان أنه مشتمل على حكمة جليلة، وغاية جميلة، هي كونه ذريعة إلى هداية المستعدّين للهداية،
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 27]
وإضلال المنهمكين في الغواية. وقدّم الإضلال على الهداية- مع تقدّم حال المهتدين على حال الضالين فيما قبله، ليكون أول ما يقرع أسماعهم من الجواب أمرا فظيعا يسوؤهم، ويفت في أعضادهم، وهو السرّ في تخصيص هذه الفائدة بالذكر وَما يُضِلُّ بِهِ أي بالمثل أو بضربه إِلَّا الْفاسِقِينَ تكملة للجواب والردّ، وزيادة تعيين لمن أريد إضلالهم، ببيان صفاتهم القبيحة المستتبعة له. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 27] الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ صفة للفاسقين، للذم. و (العهد) الذي وصفوا بنقضه: هو وصيّة الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عمّا نهاهم عنه من معصيته- في كتبه، وعلى لسان رسله- ونقضهم ذلك هو تركهم العمل به وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ عامّ في كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى: كقطع الرحم، والإعراض عن موالاة المؤمنين، والتفرقة بين الأنبياء عليهم السلام والكتب في التصديق، وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شرّ، فإنه يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد من الوصلة التي هي المقصودة بالذات من كلّ وصل وفصل وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمنع عن الإيمان، والاستهزاء بالحقّ، وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ لأنّهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح، وعقابها بثوابها. وهذه الصفات المسوقة في الآية صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى، إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ [الرعد: 19- 20- 21] الآيات- إلى أن قال-: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرعد: 25] القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 28] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 29]
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ التفات إلى خطاب المذكورين، مبنيّ على إيراث ما عدّد من قبائحهم السابقة، لتزايد السخط الموجب للمشافهة بالتوبيخ والتقريع. والاستفهام إنكاريّ بمعنى إنكار الواقع. واستبعاده، والتعجيب منه، لأن معهم ما يصرف عن الكفر، ويدعو إلى الإيمان وَكُنْتُمْ أَمْواتاً أجساما لا حياة لها عناصر، وأغذية، ونطفا، ومضغا مخلّقة وغير مخلّقة- وإطلاق الأموات على تلك الأجسام الجمادية، إمّا حقيقة- بناء على أنّ الميت عادم الحياة مطلقا. كما في قوله تعالى: بَلْدَةً مَيْتاً [الفرقان: 49] ووَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ [يس: 33] . أو استعارة، جريا على أن إطلاق الميت فيما تصح فيه الحياة، لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس. فَأَحْياكُمْ بخلق الأرواح، ونفخها فيكم. وإنما عطفه بالفاء لأنه متصل بما عطف عليه، غير متراخ عنه، بخلاف البواقي ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند ما تقضى آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بالنشور، والبعث، للحساب والجزاء ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ- بعد الحشر- فيجازيكم بأعمالكم: إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ. فما أعجب كفركم مع علمكم بحالتكم هذه ... ! فإن قيل: إن علموا أنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم، لم يعلموا أنّه يحييهم ثم إليه يرجعون، فيكف نظم ما ينكرونه، من الإحياء الأخير والرجع، في سلك ما يعترفون به من الإحياء الأول والإماتة ... ؟ قلت: تمكّنهم من العلم بهما- لما نصب لهم من الدلائل- منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر. سيّما وفي الآية تنبيه على ما يدلّ على صحتهما. وهو أنّه تعالى لما قدر على إحيائهم أولا، قدر على أن يحييهم ثانيا. فإنّ بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته..! أو الخطاب، مع أهل الكتابين. وإنكار اجتماع الكفر- مع القصة التي ذكرها الله تعالى- إمّا لأنها مشتملة على آيات بيّنات تصرفهم عن الكفر، أو على نعم جسام حقّها أن تشكر ولا تكفر. أو لإرادة الأمرين جميعا. فإنّ ما عدّده آيات، وهي- مع كونها آيات- من أعظم النعم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 29] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى، فإنّها خلقهم أحياء قادرين مرّة بعد أخرى. وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم، ويتمّ به معاشهم. ومعنى لَكُمْ لأجلكم، ولانتفاعكم. وفيه دليل على أنّ الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل. ولا فرق بين الحيوانات وغيرها. مما ينتفع به من غير ضرر. وفي التأكيد بقوله جَمِيعاً أقوى دلالة على هذا. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قال أبو العالية الرياحي: استوى إلى السماء أي: ارتفع. نقله عنه البخاريّ في صحيحه «1» ، ورواه محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن الربيع بن أنس. وقال البغويّ: قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: ارتفع إلى السماء. وقال الخليل ابن أحمد في ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: ارتفع. رواه أبو عمرو ابن عبد البر في شرح الموطأ، نقله الذهبيّ في كتاب العلوّ-. وقد استدل بقوله: ثُمَّ اسْتَوى على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء، وكذلك الآية التي في (حم السجدة) . وقوله تعالى في سورة (والنازعات) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات: 30] إنما يفيد تأخّر دحوّها، لا خلق جرمها، فإنّ خلق الأرض وتهيئتها- لما يراد منها- قبل خلق السماء. ودحوّها بعد خلق السماء. والدحوّ هو البسط، وإنبات العشب منها، وغير ذلك. مما فسّره قوله تعالى أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها [النازعات: 31] الآية- وكانت قبل ذلك خربة وخالية. على أنّ «بعد» تأتى بمعنى «مع» كقوله «عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [القلم: 13] أي: مع ذلك، فلا إشكال. وتقديم الأرض- هنا- لأنها أدل لشدّة الملابسة والمباشرة. فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ أي: صيّرهن، كما في آية أخرى فَقَضاهُنَّ [فصلت: 12] . (تنبيه) قال بعض علماء الفلك: السموات السبع- المذكورة كثيرا في القرآن- هي هذه السيارات السبع. وإنما خصّت بالذكر- مع أن السيارات أكثر من ذلك- لأنها أكبر السيارات وأعظمها، على أنّ القرآن الكريم لم يذكرها في موضع واحد- على سبيل الحصر- فلا ينافي ذلك أنها أكثر من سبع. وقال بعض علماء اللغة: إن العرب تستعمل لفظ سبع، وسبعين، وسبعمائة للمبالغة في الكثرة. فالعدد إذن غير مراد. ومنه آية سَبْعَ سَنابِلَ [البقرة: 261] وآية وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [لقمان: 27] وآية سَبْعِينَ مَرَّةً [التوبة: 80]
والله أعلم. وذهب بعض علماء الفلك إلى أن الحصر في السبع حقيقيّ، وأن المراد به العالم الشمسيّ وحده دون غيره. وعبارته: إن قيل: إن كلّ ما يعلو الأرض- من الشمس والقمر والكواكب- هو سماء، فلماذا خصّص تعالى عددا هو سبع؟ فالجواب: لا شكّ أنه يشير إلى العالم الشمسيّ- الذي أحطنا الآن به علما- وأنّ حصر العدد لا يدل على احتمال وجود زيادة عن سبع، لأن القول بذلك، يخرج تطبيق القرآن على الفلك، لأنّ العلم أثبتها سبعا كالقرآن الذي لم يوجد فيه احتمال الزيادة- لأن الجمع يدخل فيه جميع العوالم التي لا نهاية لها- حتى يمكن أن يقال: إنّ سبعا للمبالغة- كسبعين وسبعمائة- ولا يصحّ أن يكون العدد سبعة للمبالغة لأنه قليل جدا بالنسبة إلى العوالم التي تعد بالملايين- مثل العالم الشمسيّ- ويؤيد الحصر في هذا العدد آية أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [نوح: 15- 16] فأخرج الشمس لأنها مركز وأخرج القمر لأنه تابع للأرض، ولم يبق بعد ذلك إلا سبع..! قال: وبذلك تتجلّى الآن معجزة واضحة جليّة. لأنه في عصر التقدّم والمدنية العربية، حينما كان العلم ساطعا على الأرض بعلماء الإسلام، كان علماء الفلك لا يعرفون من السيارات إلّا خمسا- بأسمائها العربية إلى اليوم- وهي: عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، زحل. وكانوا يفّسرونها بأنها هي السموات المذكورة في القرآن. ولمّا لم يمكنهم التوفيق بين السبع والخمس، أضافوا الشمس والقمر لتمام العدد. مع أنّ القرآن يصرّح بأنّ السموات السبع غير الشمس والقمر. وذلك في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [الرعد: 2] ، فلفظ «وسخر» دليل يفصل تعداد الشمس والقمر عن السبع السموات. ولذلك كان المفسّرون- الذين لا يعرفون الهيئة- لا يرون أن تعدّ الشمس سماء، ولا القمر، لعلمهم أن السموات السبع مسكونة. وأمّا الشمس فنار محرقة. فذهبوا- في تفسير السموات- على تلك الظنون. ولمّا اكتشف بعد (بالتلسكوب) سيّار لم يكن معلوما، دعوه «أورانوس» ثم سيّر آخر سمّوه «نبتون» - صارت مجاميع السيارات سبعا، فهذا الاكتشاف- الذي ظهر بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم بألف ومائتي سنة- دلّ على معجزة القرآن، ونبوّة المنزل عليه صلّى الله عليه وسلّم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 30]
ثم قال: وأمّا كون السموات هي السيارات السبع بدون توابعها، فلا يفهم من الآية، لأن الأقمار التي نثبتها، والنجوم الصغيرة التي مع المريخ، يلزم أن تكون تابعة للسموات السبع- لأنها تعلونا- وهي في العالم الشمسيّ. وحينئذ، فالسماوات السبع هي مجاميع السيارات السبع. بمعنى: أن مجموعة زحل- بما فيها هو نفسه أي مع أقماره الثمانية- تعد سماء، لأن فلكها طبقة فوق طبقة فلك مجموعة المشتري. ويدل على هذا التطبيق قوله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ، وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ [الملك: 5] يشير إلى أن السماء الدنيا- أي السماء التي تلي الأرض- فلك المرّيخ. فهو وما حوله من النجوم العديدة التي تسمى مصابيح، وتعتبر كلها سماء وليس السيّار نفسه ... ! انتهى. وقوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ اعتراض تذييليّ مقرر لما قبله، من خلق السموات والأرض وما فيها- على هذا النمط البديع المنطوي على الحكم الفائقة، والمصالح اللائقة. فإن علمه عز وجل بجميع الأشياء يستدعي أن يخلق كل ما يخلقه على الوجه الرائق. ولما ذكر تعالى الحياة والموت- المشاهدين- تنبيها على القدرة على ما اتبعهما به من البعث، ثم دل على ذلك أيضا بخلق هذا الكون كله على هذا النظام البديع، وختم ذلك بصفة العلم- ذكر ابتداء خلق هذا النوع البشريّ- المودع من صفة العلم- ما ظهر به فضله بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 30] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أي قوما يخلف بعضهم بعضا، قرنا بعد قرن. كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ [الأنعام: 165] وقال وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ [النمل: 62] وقال: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف: 60] وقال فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ [مريم: 59] . ويجوز أن يراد: خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان
الأرض، فخلفهم فيها آدم وذريّته، وأن يراد: خليفة مني، لأن آدم كان خليفة الله في أرضه. وكذلك كل نبيّ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ص: 26] والغرض من إخبار الملائكة بذلك، هو أن يسألوا ذلك السؤال، ويجابوا بما أجيبوا به، فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم، أو الحكمة: تعليم العباد المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم- وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيّا عن المشاورة- أو تعظيم شأن المجعول، وإظهار فضله، بأن بشّر بوجود سكّان ملكوته، ونوّه بذكره في الملأ الأعلى قبل إيجاده، ولقّبه بالخليفة. قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ هذا تعجب من أن يستخلف- لعمارة الأرض وإصلاحها- من يفسد فيها، واستعلام عن الحكمة في ذلك. أي: كيف تستخلف هؤلاء، مع أنّ منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبّح بحمدك، ونقدّس لك- أي ولا يصدر عنا شيء من ذلك- وهلّا وقع الاقتصار علينا ... ؟ فقال تعالى مجيبا لهم إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ أي: إنّ لي حكمة- في خلق الخليفة- لا تعلمونها. فإن قلت: من أين عرف الملائكة ذلك حتى تعجّبوا منه، وإنما هو غيب؟ أجيب: بأنهم عرفوه: إما بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية. فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر: 26] أو فهموا من «الخليفة» أنه الذي يفصل بين الناس، ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن المحارم والمآثم. قال العلّامة برهان الدين البقاعيّ في تفسيره: وما يقال من أنّه كان قبل آدم، عليه السلام، في الأرض خلق يعصون، قاس عليهم الملائكة حال آدم عليه السلام- كلام لا أصل له. بل آدم أوّل ساكنيها بنفسه. انتهى. وقوله تعالى: نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ أي: ننزّهك عن كل ما لا يليق بشأنك، ملتبسين بحمدك- على ما أنعمت به علينا من فنون النعم التي من جملتها توفيقنا لهذه العبادة. وقوله نُقَدِّسُ لَكَ أي: نصفك بما يليق بك- من العلوّ والعزّة- وننزّهك عمّا لا يليق بك. وقيل: المعنى نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك. كأنهم قابلوا
تنبيهات في وجوه فوائد من الآية
الفساد، الذي أعظمه الإشراك، بالتسبيح. وسفك الدماء، الذي هو تلويث النفس بأقبح الجرائم، بتطهير النفس عن الآثام. لا تمدحا بذلك، ولا إظهارا للمنّة، بل بيانا للواقع. تنبيهات في وجوه فوائد من الآية الأول: دلت الآية على أن الله تعالى- في عظمته وجلاله- يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعته، وما يخفى عليهم من أسراره في خلقه، لا سيما عند الحيرة. والسؤال يكون بالمقال، ويكون بالحال، والتوجّه إلى الله تعالى في إفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها- كالبحث العلميّ، والاستدلال العقليّ، والإلهام الإلهيّ-. الثاني: إذا كان من أسرار الله تعالى، وحكمه، ما يخفى على الملائكة، فنحن أولى بأن يخفى علينا، فلا مطمع للإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها، لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلا ... ! الثالث: إنّ الله تعالى هدى الملائكة في حيرتهم، وأجابهم عن سؤالهم بإقامة الدليل- بعد الإرشاد- إلى الخضوع والتسليم. وذلك أنه- بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون- علّم آدم الأسماء، ثم عرضهم على الملائكة، كما سيأتي بيانه. الرابع: تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم، عن تكذيب الناس، ومحاجتهم في النبوة بغير برهان، على إنكار ما أنكروا، وبطلان ما جحدوا. فإذا كان الملأ الأعلى قد مثّلوا على أنهم يختصمون، ويطلبون البيان والبرهان، فيما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين. أي فعليك يا محمد أن تصبر على هؤلاء المكذبين، وترشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين. وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها. وكون الكلام لا يزال في موضوع الكتاب، وكونه لا ريب فيه، والرسول، وكونه يبلغ وحي الله تعالى، ويهدي به عباده، واختلاف الناس فيها. ومن خواص القرآن الحكيم الانتقال من مسألة إلى أخرى مباينة لها أو قريبة منها. مع كون الجميع في سياق موضوع واحد. - كذا في تفسير مفتي مصر-.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 31]
ولما بين سبحانه وتعالى لهم أولا على وجه الإجمال والإبهام. أن في الخليفة فضائل غائبة عنهم، ليستشرفوا إليها، أبرز لهم طرفا منها، ليعاينوه جهرة، ويظهر لهم بديع صنعه وحكمته، وتنزاح شبهتهم بالكلية، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 31] وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها إما بخلق علم ضروريّ بها فيه. أو إلقاء في روعه. وآدم اسم عبرانيّ مشتق من أدمه، وهي لفظة عبرانية معناها التراب، لأنه جبل من تراب الأرض. كما أن حوّاء كلمة عبرانية معناها «حيّ» ، وسميت بذلك لأنها تكون أم الأحياء. والمراد بالأسماء، أسماء كل شيء. قال ابن عباس: هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. وفي التوراة مصداق الآية: وهو أنه تعالى صوّر من الأرض كل حيوانات البر، وكل طيور السماء، وأحضرها إلى آدم، لينظر ما يسميها، وكل ما سماه آدم من نفس حية، فهو اسمه. وسمى آدم جميع الحيوانات بأساميها وجميع طيور السماء، وجميع وحوش الأرض. قال ابن جرير: وفي هذه الآيات العبرة لمن اعتبر، والذكرى لمن ادّكر، والبيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، عما أودع الله عز وجل في هذا القرآن، من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن. وذلك أن الله جل ثناؤه، احتج فيه لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم، على من كان بين ظهرانيّه، من يهود بني إسرائيل، بإطلاعه إياه من علوم الغيب، التي لم يكن تعالى أطلع من خلقه إلّا خاصّا، ولم يكن مدركا علمه إلا بالأنباء والأخبار، لتتقرر عندهم صحة نبوته، ويعلموا أن ما آتاهم به فمن عنده. قال الحافظ ابن كثير: وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدم هذا الفصل على ذاك، لمناسبة ما بين هذا المقام، وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة، حين سألوا عن ذلك. فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون، ولهذا ذكر الله هذا المقام، عقيب هذا، ليبين لهم شرف آدم بما فضل عليهم في العلم ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ أي عرض أهل الأسماء، فالضمير للمسميات المدلول عليها ضمنا فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 32]
هؤُلاءِ أي التي علمتها آدم. وإنما استنبأهم، وقد علم عجزهم عن الإنباء، تبكيتا لهم، وإظهارا لعجزهم عن إقامة ما علقوا به رجاءهم من أمر الخلافة. فإن التصرف والتدبير، وإقامة المعدلة، بغير وقوف على مراتب الاستعدادات، ومقادير الحقوق، مما لا يكاد يمكن إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في زعمكم أنكم أحقاء بالخلافة ممن استخلفته، كما ينبئ عنه مقالكم. والتصديق كما يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه، قد يتطرق إليه باعتبار ما يلزمه من الأخبار. فإن أدنى مراتب الاستحقاق، هو الوقوف على أسماء ما في الأرض. ولما اتضح لهم موضع خطأ قيلهم، وبدت لهم هفوة زلتهم، أنابوا إلى الله تعالى بالتوبة، وذلك ما أفاده قوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 32] قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه، إلا بما شاء. وأن يعلموا شيئا إلا ما علمهم الله تعالى. واعتراف منهم بالعجز والقصور عما كلفوه. وأنه العالم بكل المعلومات التي من جملتها استعداد آدم عليه السلام، لما نحن بمعزل من الاستعداد له، من العلوم الخفية المتعلقة بما في الأرض من أنواع المخلوقات التي عليها يدور فلك خلافة الحكيم الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة. ومن جملته تعليم آدم عليه السلام ما هو قابل له من العلوم الكلية، والمعارف الجزئية، المتعلقة بالأحكام الواردة على ما في الأرض، وبناء أمر الخلافة عليها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 33] قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ أي أعلمهم بِأَسْمائِهِمْ التي عجزوا عن علمها فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ عز وجل تقريرا لما مر من الجواب الإجماليّ واستحضارا له أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إيراد ما لا تعلمون بعنوان الغيب مضافا إلى السموات والأرض للمبالغة في بيان كمال شمول علمه المحيط، وغاية سعته مع الإيذان بأن ما ظهر من عجزهم، وعلم آدم عليه السلام، من الأمور المتعلقة بأهل السموات والأرض. وهذا دليل واضح على أن المراد بما لا تعلمون، فيما سبق، ما
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 34]
أشير إليه هناك، كأنه قيل: ألم أقل لكم إني أعلم فيه من دواعي الخلافة ما لا تعلمونه فيه، هو هذا الذي عاينتموه. وفي الآية تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى، وهو أن يتوقفوا مترصدين لأن يبين لهم وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ عطف على جملة أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لا على أَعْلَمُ، إذ هو غير داخل تحت القول. أي ما تظهرونه بألسنتكم، وما كنتم تخفون في أنفسكم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 34] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ لما أنبأهم بأسماء، وعلمهم ما لا يعلموا، أمرهم بالسجود له، على وجه التحية والتكرمة تعظيما له، واعترافا بفضله، واعتذارا عما قالوا فيه. وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم عليه السلام فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أي امتنع عن السجود «وَاسْتَكْبَرَ أي تكبر وقال: أنا خير منه، فالسين للمبالغة وَكانَ في سابق علم الله أو صار مِنَ الْكافِرِينَ. تنبيهات: الأول: للناس في هذا السجود أقوال: أحدها أنه تكريم لآدم، وطاعة لله، ولم يكن عبادة لآدم. وقيل: السجود لله، وآدم قبلة، أو السجود لآدم تحية، أو السجود لآدم عبادة بأمر الله، وفرضه عليهم. ذكر ابن الأنباريّ عن الفرّاء وجماعة من الأئمة، أن سجود الملائكة لآدم، كان تحية، ولم يكن عبادة. وكان سجود تعظيم وتسليم وتحية، لا سجود صلاة وعبادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال أهل العلم: السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه. وعلى هذا إجماع كل من يسمع قوله. فإن الله تعالى قال اسْجُدُوا لِآدَمَ ولم يقل: إلى آدم. وكل حرف له معنى. وفرق بين «سجدت له» وبين «سجدت إليه» قال تعالى: لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [فصلت: 37] وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الرعد: 15] أجمع المسلمون على أن السجود للأحجار والأشجار والدواب محرّم. وأما الكعبة، فيقال: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يصلي إلى بيت المقدس، ثم صلى إلى الكعبة، ولا يقال صلى لبيت المقدس، ولا للكعبة. والصواب أن الخضوع بالقلوب، والاعتراف بالعبودية، لا يصلى على الإطلاق إلّا لله سبحانه. وأما السجود فشريعة من الشرائع يتبع الأمر. فلو أمرنا سبحانه أن نسجد لأحد من خلقه، لسجدنا طاعة واتباعا لأمره. فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة وقربة يتقربون بها إليه. وهو لآدم تشريف
وتعظيم وتكريم. وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام. ولم يأت أن آدم سجد للملائكة. بل لم يؤمر بالسجود إلا لله رب العالمين. وبالجملة، أهل السنة قالوا: إنه سجود تعظيم وتكريم وتحية له. وقالت المعتزلة: كان آدم كالقبلة يسجد إليه، ولم يسجدوا له. قالوا ذلك هربا من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم. فإن أهل السنة قالوا: إبليس من الملائكة، وصالح البشر أفضل من الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم. وخالفت المعتزلة في ذلك وقالت: الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة، ويبطله ما حكى الله سبحانه عن إبليس قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 62] . الثاني: اختلفوا في الملائكة الذين أمروا بالسجود، فقيل: هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض. قال تقي الدين بن تيمية: هذا القول ليس من أقوال المسلمين واليهود النصارى. وقيل: هم جميع الملائكة، حتى جبريل وميكائيل. وهذا قول العامة من أهل العلم بالكتاب والسنة. قال ابن تيمية: ومن قال خلافه فقد ردّ القرآن بالكذب والبهتان، لأنه سبحانه قال فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: 30] ، وهذا تأكيد للعموم. الثالث: للعلماء في إبليس، هل كان من الملائكة أم لا؟ قولان: أحدهما أنه كان من الملائكة. قاله ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن المسيّب، واختاره الشيخ موفق الدين والشيخ أبو الحسن الأشعريّ وأئمة المالكية وابن جرير الطبريّ. قال البغويّ: هذا قول أكثر المفسرين، لأنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم. قال تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ فلولا أنه من الملائكة، لما توجه الأمر إليه بالسجود، ولو لم يتوجه الأمر إليه بالسجود لم يكن عاصيا، ولما استحق الخزي والنكال. والقول الثاني أنه كان من الجن، ولم يكن من الملائكة. قاله ابن عباس، في رواية، والحسن وقتادة، واختاره الزمخشريّ وأبو البقاء العكبري والكواشيّ في تفسيره. لقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: 50] ، فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأن له ذرية، ولا ذرية للملائكة. قال في الكشاف: إنما تناوله الأمر، وهو للملائكة خاصة، لأن إبليس كان في صحبتهم، وكان يعبد الله عبادتهم، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له،
كان الجنيّ الذي معهم أجدر بأن يتواضع. والقول الأول هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وصححه البغوي. وأجابوا عن قوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة. قال ابن القيم: الصواب التفصيل في هذه المسألة، وأن القولين في الحقيقة قول وحد. فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله. كان أصله من نار، وأصل الملائكة من نور. فالنافي كونه من الملائكة، والمثبت، لم يتواردا على محل واحد. وكذلك قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في الفتاوي المصرية: وقيل إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار. سموا «جنّا» ، لاستتارهم عن الأعين، فإبليس كان منهم. والدليل على ذلك قوله تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصافات: 158] ، وهو قولهم: الملائكة بنات الله، ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية. سئل الشعبيّ: هل لإبليس زوجة؟ قال: ذلك عرس لم أشهده! قال: ثم قرأت هذه الآية، فعلمت أنه لا يكون له ذرية إلا من زوجة. فقلت: نعم. وقال قوم: ليس له ذرية ولا أولاد، وذريته أعوانه من الشياطين. الرابع: في قوله تعالى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ قولان: أحدهما أنه وقت العبادة كان منافقا، والثاني أنه كان مؤمنا ثم كفر، وهذا قول الأكثرين. فقيل في معنى الآية وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ في علم الله، أي كان عالما في الأزل أنه سيكفر. والذي عليه الأكثرون أن إبليس أول كافر بالله. أو يقال: معنى الآية أنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك. واختلف الناس بأي سبب كفر إبليس، لعنه لله. فقالت الخوارج: إنما كفر بمعصية الله، وكل معصية كفر، وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. وقال آخرون: كفر بترك السجود لآدم ومخالفته أمر الله. وقال آخرون: كفر لأنه خالف الأمر الشفاهي من الله، فإن الله خاطب الملائكة وأمرهم بالسجود. ومخالفة الأمر الشفاهي أشد قبحا. وقال جمهور الناس: كفر إبليس لأنه أبى السجود واستكبر وعاند وطعن واعتقد أنه محق في تمرده، واستدل ب أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: 12] كما يأتي. فكأنه ترك السجود لآدم. تسفيها لأمر الله وحكمته. وهذا الكبر عبر عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» «1» كذا في
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 35]
كتاب الاستعاذة للإمام مفلح الحنبليّ رحمه الله تعالى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 35] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام وخلق له زوجة وأقرهما في الجنة، أباحهما الأكل منها بقوله وَكُلا مِنْها رَغَداً أي أكلا واسعا. و «حيث» للمكان المبهم، أي أيّ مكان من الجنة شئتما. أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة المزيحة للعلة. حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة. حتى لا يبقى لهما عذر في التناول مما منعا منه بقوله وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ أي هذه الحاضرة من الشجر، أي لا تأكلا منها، وإنما علق النهي بالقربان منها، مبالغة في تحريم الأكل، ووجوب الاجتناب عنه، لأن القرب من الشيء مقتضى الألفة. والألفة داعية للمحبة. ومحبة الشيء تعمي وتصمّ. فلا يرى قبيحا، ولا يسمع نهيا، فيقع. والسبب الداعي إلى الشرّ منهيّ عنه. كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به. وعلى ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم «1» «العينان تزنيان» لما كان النظر داعيا إلى الألفة، والألفة إلى المحبة، وذلك مفض لارتكابه، فصار النظر مبدأ الزنا. وعلى هذا قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى [الإسراء: 32] ، وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: 152] . قال ابن العربيّ: سمعت الشاشي في مجلس النظر يقول: إذا قيل: لا تقرب، بفتح الراء، كان معناه لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء، معناه لا تدن، نقله ابن مفلح في كتاب الاستعاذة. ونقل الفرق المذكور بينهما أيضا السيد مرتضى في شرح القاموس عن شيخه العلامة الفاسي. قال: إن أرباب الأفعال نصوا عليه، وظاهر
لطيفة:
القاموس أنهما مترادفان، فإنه قال: قرب منه، ككرم، وقربه كسمع قربا وقربانا وقربانا دنا، فهو قريب. للواحد والجمع. انتهى. لطيفة: جاء في آية الأعراف فَكُلا [الأعراف: 19] وهنا بالواو، لأن كل فعل عطف عليه شيء، وكان ذلك الفعل كالشرط، وذكر الشيء كالجزاء، عطف بالفاء دون الواو، كقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً [البقرة: 58] لما كان وجود الأكل منها متعلقا بدخولها ذكر بالفاء، كأنه قال: إن دخلتموها أكلتم منها، فالأكل يتعلق وجوده بوجود الدخول. وقوله في الأعراف اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها [الأعراف: 161] بالواو دون الفاء، لأنه من السكنى، وهو في المقام مع اللبث الطويل، والأكل لا يختص وجوده بوجوده، لأن من دخل بستانا قد يأكل منه، وإن كان مجتازا، فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط، عطف بالواو. وإذا ثبت هذا فنقول: قد يراد ب اسْكُنْ الزم مكانا دخلته، ولا تنتقل عنه، وقد يراد ادخله واسكن فيه. ففي البقرة، ورد الأمر، بعد أن كان آدم في الجنة، فكان المراد المكث، والأكل لا يتعلق به، فجيء بالواو. وفي الأعراف ورد قبل أن دخل الجنة. والمراد الدخول والأكل متعلق به، فورد بالفاء. تنبيه: لم يرد في القرآن المجيد، ولا في السنة الصحيحة تعيين هذه الشجرة، إذ لا حاجة إليه، لأنه ليس المقصود تعرف عين تلك الشجرة. وما لا يكون مقصودا، لا يجب بيانه. وقوله: مِنَ الظَّالِمِينَ أي من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله تعالى. قال ابن مفلح الحنبليّ في كتاب الاستعاذة: قال ابن حزم: حمل الأمر على الندب، والنّهي على الكراهة، يقع في الفقهاء والأفاضل كثيرا، وهو الذي يقع من الأنبياء عليهم السلام، ولا يؤاخذون به، وعلى السبيل أكل آدم من الشجرة. ومعنى قوله: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ أي ظالمين لأنفسكما، والظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه، فمن وضع الأمر والنهي في موضع الندب والكراهة، فقد وضع الشيء في غير موضعه. انتهى ثم قال: وقال أبو محمد بن حزم في الملل والنحل: لا براءة من المعصية أعظم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 36]
من حال من ظن أن أحدا لا يحلف حانثا. وهكذا فعل آدم عليه السلام، فإنه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ناسيا لنص القرآن، ومتأولا وقاصدا إلى الخير، لأنه قدّر أنه يزداد حظوة عند الله فيكون ملكا مقربا أو خالدا فيما هو فيه أبدا. فأداه ذلك إلى خلاف ما أمره الله به، وكان الواجب أن يحمل أمر ربه على ظاهره، لكن تأول وأراد الخير فلم يصبه. ولو فعل هذا عالم من علماء المسلمين لكان مأجورا، ولكن آدم لما فعل وأخرج عن الجنة إلى الدنيا، كان بذلك ظالما لنفسه. وقد سمى الله تعالى قاتل الخطأ قاتلا، كما سمى العامد. والمخطئ لم يعمد معصية. وجعل في مثل الخطأ عتق رقبة، وهو لم يعمد ذنبا. انتهى. وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية وجماعة من المتأخرين: الصواب أن آدم عليه السلام، لما قاسمه عدو الله أنه ناصح، وأكد كلامه بأنواع من التأكيدات: أحدها القسم. والثاني الإتيان بجملة اسمية لا فعلية. والثالث تصديرها بأداة التأكيد. الرابع الإتيان بلام التأكيد في الخبر. الخامس الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على الحدث. السادس تقدم المعمول على القليل فيه. ولم يظن آدم أن أحدا يحلف بالله كاذبا يمين غموس، فظن صدقه، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة، ورأى أن الأكل، وإن كان فيه مفسدة، فمصلحة الخلود أرجح، ولعله يتأتى له استدراك مفسدة اليمين في أثناء ذلك باعتذار أو توبة، كما تجد هذا التأويل في نفس كل مؤمن أقدم على معصية. قال ابن مفلح: فآدم عليه السلام لم يخرج من الجنة إلا بالتأويل، فالتأويل لنص الله أخرجه، وإلا فهو لم يقصد المعصية، والمخالفة، وأن يكون ظالما مستحقا للشفاء. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 36] فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (36) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها أي أذهبهما عن الجنة، وأبعدهما. يقال: زلّ عن مرتبته، وزل عني ذاك، إذا ذهب عنك، وزلّ من الشهر كذا. وقال ابن جرير: فأزلهما، بتشديد اللام، بمعنى استزلهما، من قولك زل الرجل في دينه، إذا هفا فيه وأخطأ، فأتى ما ليس له إتيان فيه، وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 37]
دنياه. وقرئ «فأزالهما» بالألف، من التنحية فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ من الرغد والنعيم والكرامة وَقُلْنَا اهْبِطُوا أي انزلوا إلى الأرض، خطاب لآدم وحواء والشيطان. أو خطاب لآدم وحواء خاصة، لقوله في الآية الأخرى قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً [طه: 123] ، وجمع الضمير لأنهما أصلا الإنس، فكأنهما الإنس كلهم بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ متعادين يبغي بعضكم على بعض وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ منزل وموضع استقرار وَمَتاعٌ تمتع بالعيش إِلى حِينٍ أي إلى الموت. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 37] فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ استقبلها بالأخذ والقبول، والعمل بها حين علمها. قال ابن جرير: وهي الكلمات التي أخبر عنه أنه قالها متنصلا بقيلها إلى ربه، معترفا بذنبه، وهو قوله: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: 23] الآية، فدعا بها لكي تكون عنوانا له ولأولاده على التوبة فَتابَ عَلَيْهِ فرجع عليه بالرحمة والقبول، وتجاوز عنه، وقوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ في الجمع بين الاسمين وعد للتائب بالإحسان مع العفو. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 38] قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) قُلْنَا لآدم وحواء اهْبِطُوا مِنْها من الجنة جَمِيعاً ثم ذكر ذرية آدم فقال فَإِمَّا بإدغام نون «إن» الشرطية في «ما» الزائدة يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً كتاب أنزله عليكم، ورسول أبعثه إليكم فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ أقبل على الهدى وقبل فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ في الآخرة بأن يدخلوا الجنة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 39] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا بالكتاب والرسول أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لا يموتون ولا يخرجون.
تنبيه:
تنبيه: إنما كرر الأمر بالهبوط للتأكد والإيذان بتحتم مقتضاه، وتحققه لا محالة. أو لاختلاف المقصود. فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون. والثاني أشعر بأنهم اهبطوا للتكليف. فمن اتبع الهدى نجا. ومن ضله هلك. «فوائد» الأولى: ذهب كثيرون إلى أن الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام، كانت في الأرض. قال بعضهم: هي على رأس جبل بالمشرق تحت خط الاستواء. وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً [البقرة: 61] ، واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: أن هذه الجنة: لو كانت هي دار الثواب، لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد، لما لحقه الغرور من الشيطان بقوله: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى [طه: 120] ، ولما صح قوله: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ، إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [الأعراف: 20] . وثانيها: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [الحجر: 48] . وثالثها: لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض، ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء، لكان ذلك أولى بالذكر، لأن نقله من الأرض إلى السماء، من أعظم النعم. فدل ذلك على أنه لم يحصل. وذلك يوجب أن المراد من الجنة غير جنة الخلد. ورابعها: روى مسلّم «1» في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال «سيحان وجيحان والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة» . قال ابن مفلح: أكثر الناس على أن المراد بالجنة التي أسكنها آدم جنة الخلد، دار الثواب. ثم قال: قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية: وهذا قول أهل السنة والجماعة، ومن قال إنها جنة في الأرض بالهند أو جدّة، أو غير ذلك، فهو من
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 40]
الملحدة المبتدعين. والكتاب والسنة يرد هذا القول. وقد استوفى الكلام فيها في «مفتاح دار السعادة» وكتاب «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» . الفائدة الثانية: اتفق الناس أن الشيطان كان متوليا إغواء آدم. واختلف في الكيفية. فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى [طه: 120] ، وقوله: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [الأعراف: 20] ، ومقاسمته لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: 21] . والمقاسمة ظاهرها المشافهة، ومنهم من قال: كان ذلك بالوسوسة، كما قال: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ [الأعراف: 20] ، فإغواؤه إغراؤه بوسواسه وسلطانه الذي جعل له، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» «1» . وزعموا أن الشيطان لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها. والوسوسة، لغة، حديث النفس والأفكار. وحديث الشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، والكلام الخفيّ. وظاهر الآيات يؤيد القول الأول. الفائدة الثالثة: لم يسمّ الشيطان في الآية، إذ لا حاجة ماسة إلى اسمه، كما تقدم في الشجرة. ولما قدم الله تعالى دعوة الناس عموما، وذكر مبدأهم- دعا بني إسرائيل خصوصا، وهم اليهود، لأنهم كانوا أولى الناس بالإيمان بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، وقد جرى الكلام معهم (من هنا إلى الآية رقم 142) فتارة دعاهم بالملاطفة، وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم. وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر عقوباتهم التي عاقبهم بها، كما سيأتي تفصيله، فقال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 40] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) يا بَنِي إِسْرائِيلَ أي أولاد يعقوب. وقد هيجهم تعالى بذكر أبيهم إسرائيل،
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 41]
كأنه قيل: يا بني العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم، كما تقول: يا ابن الكريم، افعل كذا، ويا ابن العالم، اطلب العلم، اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ قال ابن جرير: نعمه التي أنعم بها على بني إسرائيل: اصطفاؤه منهم الرسل، وإنزاله عليهم الكتب، واستنقاذه إياهم مما كانوا فيه من البلاء والضراء من فرعون وقومه، إلى التمكين لهم في الأرض، وتفجير عيون الماء من الحجر، وإطعام المنّ والسلوى. فأمر، جل ثناؤه، أعقابهم أن يكون ما سلف منه إلى آبائهم على ذكر، وأن لا ينسوا صنيعه إلى أسلافهم وآبائهم، فيحل بهم من النقم، ما أحل بمن نسي نعمه عنده منهم وكفرها، وجحد صنائعه عنده. وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ العهد هو الميثاق، وقد أشير إليه في قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً، وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ، لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [المائدة: 12] ، الآية. فعهد الله هو وصيته لهم، بما ذكر في الآية. ومنها: الإيمان برسله المتناول لخاتمهم عليه السلام، لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة. وعهده تعالى إياهم، هو أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة، وقوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ قال ابن جرير: أي اخشوني واتقوا، أيها المضيعون عهدي من بني إسرائيل، والمكذبون رسولي الذي أخذت ميثاقكم فيما أنزلت على أنبيائي أن تؤمنوا به وتتبعوه، أن أحل بكم من عقوبتي إن لم تتوبوا إليّ باتباعه والإقرار بما أنزلت إليه، ما أحللت بمن خالف أمري، وكذب رسلي من أسلافكم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 41] وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ أي من القرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أي موافقا بالتوحيد، وصفة محمد صلّى الله عليه وسلّم ونعته، وبعض الشرائع، لما معكم من الكتاب- كما في التنوير- قال ابن جرير: أمرهم بالتصديق بالقرآن، وأخبرهم أن في تصديقهم بالقرآن تصديقا منهم للتوراة، لأن الذي في القرآن من الأمر بالإقرار بنبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وتصديقه واتباعه، نظير الذي من ذلك في الإنجيل والتوراة. ففي تصديقهم بما أنزل على محمد، تصديق منهم لما معهم من التوراة. وفي تكذيبهم به تكذيب منهم لما
تنبيه:
معهم من التوراة. انتهى. وتقييد المنزل بكونه مصدقا لما معهم، لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر، فإن إيمانهم بما معهم مما يقتضي الإيمان بما يصدقه قطعا. تنبيه: كثيرا ما يستدل مجادلة أهل الكتاب على عدم تحريف كتبهم بهذه الآية وأمثالها، كآية: وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ [البقرة: 89] ، وآية وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [يونس: 37] وغيرهما. مع أنه ثبت بالبراهين القاطعة ذهاب قدر كبير من كتبهم، واختلاط حقها بباطلها فيما بقي، كما صنفت في ذلك مصنفات عدة. وقد ردّ استدلالهم بهذه الآية وأمثالها على ما ادعوه، بأن معنى كون القرآن مصدقا لما معهم، ما ذكرناه قبل في تأويلها. وحاصله أن ما أنزل عليه صلّى الله عليه وسلّم هو طبق ما عندهم من حقية نبوته، وصحة البشائر عنه، كما قال تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ أي أنه عليه السلام جاء طبق ما عندهم عنه في التوراة والإنجيل، بمعنى أن أحواله جميعا توافق البشائر وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ يعني من جنسكم أهل الكتاب، بعد سماعكم بمبعثه. فالأولية نسبية، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، أو هو تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه، والمستفتحين على الذين كفروا به، وكانوا يعدون أتباعه أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم على العكس، لقوله فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ. وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أي لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي، بالدنيا وشهواتها، فإنها قليلة فانية، فالاشتراء استعارة للاستبدال. وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ بالإيمان واتباع الحق، والإعراض عن حطام الدنيا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 42 الى 43] وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 44]
وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ اللبس الخلط، وقد يلزمه الاشتباه بين المختلطين. والمعنى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذي يخترعونه أو يذكرونه في تأويله حتى يشتبه أحدهما بالآخر، وقوله وَتَكْتُمُوا مجزوم داخل تحت حكم النهي. وتكرير الحق، لزيادة تقبيح المنهيّ عنه، إذ في التصريح باسم الحق، ما ليس في ضميره، والتقييد بقوله وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ لزيادة تقبيح حالهم، إذ الجاهل عسى يعذر، وقوله وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ الآية، أمر بلزوم الشرائع عليهم بعد الإيمان. وذلك إقامة الصلاة بأدائها بفروضها، والمحافظة عليها. وإعطاء الصدقة المفروضة، والركوع لله، أي الخضوع لأوامره بإطاعتها. قال ابن جرير: هذا أمر من الله، جل ثناؤه، لمن ذكر من أحبار بني إسرائيل ومنافقيها بالإنابة والتوبة إليه، وبإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والدخول مع المسلمين في الإسلام والخضوع له بالطاعة. ونهي منه لهم عن كتمان ما قد علموه من نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، بعد تظاهر حججه عليهم، وبعد الإعذار لهم والإنذار. وبعد تذكيره نعمه إليهم وإلى أسلافهم تعطفا منه بذلك عليهم، وإبلاغا إليهم في المقدرة. وقد قيل في قوله: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ حث على إقامة الصلاة في الجماعة لما فيها من تظاهر النفوس في المناجاة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 44] أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ أي بما فيه لله رضا من القول أو الفعل. وجماع البر كل ما فيه طاعة لله تعالى. والهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ أي تتركونها من البر كالمنسيات. والمعنى تخالفون ما تأمرون به من ذلك إلى غيره. وقوله وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ تبكيت مثل قوله وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني تتلون التوراة وفيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل. أَفَلا تَعْقِلُونَ توبيخ عظيم بمعنى أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول، لأن العقول تأباه وتدفعه. روى الحافظ ابن كثير الدمشقيّ في تفسيره عن إبراهيم النخعيّ قال: إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 45]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ [الصف: 2- 3] ، وقوله إخبارا عن شعيب: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: 88] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 45] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ أي على الوفاء بالعهد وَالصَّلاةِ أي التي سرها خشوع القلب للرب. فإنها من أكبر العون على الثبات في الأمر. قال ابن جرير: أي استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم من طاعتي واتباع أمري وترك ما تهوونه من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري واتباع رسولي محمد صلّى الله عليه وسلّم بالصبر عليه والصلاة. فالآية متصلة بما قبلها. كأنهم لما أمروا بما شق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة والإعراض عن المال عولجوا بذلك. وَإِنَّها الضمير للصلاة. وتخصيصها برد الضمير إليها لعظم شأنها واشتمالها على ضروب من الصبر، وجوّز عود الضمير على الاستعانة بهما لَكَبِيرَةٌ لشاقة ثقيلة كقوله تعالى: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى: 13] إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 46] الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ أي محشورون إليه يوم القيامة للجزاء. والظنّ هنا بمعنى اليقين ومثله إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [الحاقة: 20] . قال ابن جرير: العرب قد تسمي اليقين ظنا نظير تسميتهم الظلمة سدفة والضياء سدفة والمغيث صارخا والمستغيث صارخا وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده. والشواهد على ذلك من أشعار العرب أكثر من أن تحصر وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ أي بعد الموت فيجازيهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 47] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47)
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 48]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ كرر التذكير للتأكيد ولربط ما بعده من الوعيد الشديد به وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عطف على نعمتي، عطف الخاص على العام لكماله. أي فضلت آباءكم عَلَى الْعالَمِينَ أي عالمي زمانهم بإنزال الكتاب عليهم وإرسال الرسل فيهم وجعلهم ملوكا، وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى عليه السّلام وبعده قبل أن يغيروا. وتفضيل الآباء شرف الأبناء. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 48] وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) وَاتَّقُوا يَوْماً يريد يوم القيامة أي حسابه أو عذابه لا تَجْزِي فيه نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً أي لا تقضي عنها شيئا من الحقوق. فانتصاب شَيْئاً على المفعولية. أو شيئا من الجزاء فيكون نصبه على المصدرية. وإيراده منكرا مع تنكير النفس للتعميم والإقناط الكليّ وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ لا يقبل مِنْها عَدْلٌ أي فدية وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يمنعون من عذاب الله. وجمع لدلالة النفس المنكرة على النفوس الكثيرة وذكر لمعنى العباد أو الأناسيّ. (تنبيه) تمسكت المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع. فعلم أنها لا تقبل للعصاة. والجواب: أنها خاصة بالكفار. ويؤيده أن الخطاب معهم كما قال: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48] ، وكما قال عن أهل النار فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: 100- 101] فمعنى الآية أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ ولا يخلص منه أحد. وفي الانتصاف: من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها. وأما من آمن بها وصدقها، وهم أهل السنة والجماعة، فأولئك يرجون رحمة الله، ومعتقدهم أنها تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادخرت لهم. وليس في الآية دليل لمنكريها، لأن قوله يَوْماً أخرجه منكرا. ولا شك أن في القيامة مواطن. ويومها معدود بخمسين ألف سنة. فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة. وبعضها هو الوقت الموعود، وفيه المقام المحمود لسيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد وردت آي كثيرة ترشد إلى
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 49]
تعدد أيامها واختلاف أوقاتها. منها قوله تعالى: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [المؤمنون: 101] ، مع قوله: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [الصافات: 27] فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين ووقتين متغايرين: أحدهما محل للتناول والآخر ليس محلا له، وكذلك الشفاعة. وأدلة ثبوتها لا تحصى كثرة، رزقنا الله الشفاعة. وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 49] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ تذكير لتفاصيل ما أجمل في قوله تعالى: نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ من فنون النعماء. أي واذكروا وقت تنجيتنا إياكم، أي آباءكم. فإن تنجيتهم تنجية لأعقابهم. والمراد بالآل، فرعون وأتباعه، فإن الآل يطلق على الشخص نفسه وعلى أهله وأتباعه وأوليائه (قاله في القاموس) . ثم بين ما أنجاهم منه بقوله يَسُومُونَكُمْ أي يبغونكم سُوءَ الْعَذابِ أي أفظعه وأشده يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ أي يتركونهم أحياء وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ البلاء إما المحنة، إن أشير بذلكم إلى صنيع فرعون، أو النعمة، إن أشير به إلى الإنجاء. قال ابن جرير: العرب تسمي الخير بلاء والشر بلاء. فائدة: فرعون لقب لمن ملك مصر كافرا. ككسرى لملك الفرس. وقيصر لملك الروم. وتبّع لمن ملك اليمن كافرا. والنجاشي لمن ملك الحبشة، وخاقان لملك الترك. ولعتوّه اشتق منه: تفرعن الرجل، إذا عتا وتمرد. وسبب سومه بني إسرائيل سوء العذاب من تذبيح أبنائهم (على ما روي في التوراة) خوفه من نموّهم وكثرة توالدهم. وكانت أرض مصر امتلأت منهم. فإن يوسف، عليه السلام، لما استقدم أباه وإخوته وأهلهم من أرض كنعان إلى مصر، أعطاهم ملكا في أرض مصر في أفضل الأرض كما أمره ملك مصر. وكان لهم في مصر مقام عظيم بسبب يوسف عليه السّلام. فتكاثروا وتناسلوا. ولما توفي يوسف عليه السّلام والملك الذي اتخذه وزيرا عنده، انقطع ذلك الاحترام عن بني إسرائيل. إلى أن قام على مصر أحد ملوكها الفراعنة. فرأى غوّ الإسرائيليين. فقال لقومه: أضحى بنو إسرائيل شعبا أكثر منا وأعظم. فهلمّ نحتال لهم لئلا ينموا. فيكون، إذا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 50]
حدثت حرب، أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا. ويخرجون من أرضنا. فسلط عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم. وكانوا كلما أشتد تعبدهم ازدادوا كثرة وشدة. فشق على المصريين كثرتهم واختشوا منهم. فجعل أهل مصر يستعبدونهم جورا ويمرّرون عليهم حياتهم بالعمل الشديد بالطين واللّبن، وكل فلاحة الأرض، وكل الأفعال التي استعبدوهم بها بالمشقّة. وأمر فرعون بذبح أبنائهم كما قصه الله تعالى. ولم يزل الأمر في هذه الشدة عليهم حتى نجاهم سبحانه بإرسال موسى عليه السلام. وقوله جل ذكره. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 50] وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ بيان لسبب التنجية، وتصوير لكيفيتها، إثر تذكيرها وبيان عظمها وهولها. وقد بين في تضاعيف ذلك نعمة جليلة أخرى هي الإنجاء من الغرق. أي واذكروا إذ فلقناه بسلوككم أو ملتبسا بكم أو بسبب إنجائكم. وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت مسالك. فالباء على الأول استعانة. مثلها في: كتبت بالقلم. وعلى الثاني للمصاحبة. مثلها في: أسندت ظهري بالحائط. وعلى الثالث للسببية. والوجه الأول ضعيف من حيث إن مقتضاه أن تفريق البحر وقع ببني إسرائيل والمنصوص عليه في التنزيل أن البحر إنما انفرق بعصا موسى. قال تعالى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ، فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء: 63] فآلة التفريق العصا لا بنو إسرائيل فَأَنْجَيْناكُمْ أي من الغرق بإخراجكم إلى الساحل وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ أريد فرعون وقومه. وإنما اقتصر على ذكرهم للعلم بأنه أولى به منهم وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي إلى ذلك وتشاهدونه لا تشكون فيه. ليكون ذلك أشفى لصدوركم وأبلغ في إهانة عدوكم. وكانت قصة إغراق آل فرعون المشار لها في هذه الآية، على ما روي، أن الحق تعالى لما شاء إخراج بني إسرائيل من مصر من بيت العبودية، أوقع في نفس فرعون أن يطلقهم من مصر. بعد إباء شديد منه ورؤية آيات إلهية كادت تحل به وبقومه البوار. فدعا موسى وهارون وقال: اخرجوا من بين شعبي أنتما وبنو إسرائيل جميعا. واذهبوا اعبدوا الرب كما تكلمتم. فلما ارتحلوا وأخبر فرعون أن الشعب قد هرب، تغير قلبه عليهم، وقال: ماذا فعلنا حتى أطلقناهم من خدمتنا؟ فشد مركبته وأخذ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 51]
قومه معه وسعى وراءهم وأدركهم وهم نازلون عند بحر القلزم. وهو المشهور ببحر السويس. فلما رأت بنو إسرائيل عسكر فرعون وراءهم قالوا: يا موسى أين ما وعدتنا من النصر والظفر؟ فلو بقينا على خدمة المصريين لكان خيرا لنا من أن نهلك في هذه البرية قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا، إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: 128] وقال عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [الأعراف: 129] . وأوحى الله إلى موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق وأيبس قعره. فدخل بنو إسرائيل فيه. فتبعهم فرعون وجنوده. فخرج موسى وقومه من الجهة الثانية. وانطبق البحر على فرعون ومن معه فغرقوا كلهم. وسيأتي الإشارة إلى هذه القصة في مواضع من التنزيل. ومن أبسطها فيه سورة الشعراء. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 51] وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (51) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أي بعد فراغه من مقاومة آل فرعون وإهلاكهم أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أي لنعطيه عند انقضائها التوراة لتعملوا بها. وقد روي في ترجمة التوراة أنه تعالى قال لموسى: اصعد إلى الجبل وكن هناك فأعطيك ألواحا من حجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعلمهم. فصعد موسى إلى الجبل وبقي هناك أربعين يوما وأربعين ليلة. وموسى كلمة عبرانية معناها منشول من الماء ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ أي إلها ومعبودا مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد مضيّه للميقات وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ أي بوضع العبادة في غير موضعها. وهو حال من ضمير اتخذتم. أو اعتراض تذييليّ. أي وأنتم قوم عادتكم الظلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 52] ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ أي محونا ذنوبكم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي الاتخاذ والظلم القبيح لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لكي تشكروا نعمة العفو وتستمروا بعد ذلك على الطاعة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 53] وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 54]
وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ يعني الجامع بين كونه كتابا منزلا وفرقانا يفرق بين الحق والباطل. يعني التوراة. كقولك: رأيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة. ونحوه قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ [الأنبياء: 48] يعني الكتاب الجامع بين كونه فرقانا وضياء وذكرا. أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات. أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام. وقيل: الفرقان انفراق البحر. وقيل: النصر الذي فرق بينه وبين عدوه، كقوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقانِ [الأنفال: 41] يريد به يوم بدر لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي لكي تهتدوا بالعمل فيه من الضلال. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 54] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ هذه الآية بيان لكيفية وقوع العفو المذكور في الآية قبل، روى أن موسى عليه السلام لما رجع من الميقات ورأى ما صنع قومه بعده من عبادة العجل، غضب ورمى باللوحين من يده. فكسرهما في أسفل الجبل. ثم أحرق العجل الذي صنعوه. ثم قال: من كان من حزب الرب فليقبل إليّ. فاجتمع إليه جميع بني لاوى. وقال لهم: هذا ما يقول الرب إله إسرائيل: ليتقلد كل رجل منكم سيفه. فجوزوا في وسط المحلة من باب إلى باب وارجعوا. وليقتل الرجل منكم أخاه وصاحبه وقريبه. فصنع بنو لاوى كما أمرهم موسى فقتلوا في ذلك اليوم من الشعب نحو ثلاثة وعشرين ألف رجل (وفي رواية نحو ثلاثة آلاف رجل) وفي غد ذلك اليوم كلم موسى الشعب وقال لهم: أنتم قد أخطأتم خطيئة عظيمة. وإني الآن أصعد إلى الرب فأتضرع إليه من أجل خطيئتكم. فصعد موسى وتضرع للرب وسأل المغفرة لقومه. ولاوي، ثالث مولود ليعقوب عليه السلام من أولاده الاثني عشر، معناه في العربية ملتصق أو متصل.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 55 إلى 56]
والأحبار اللاويّون ينسبون إليه. وقد اختارهم تعالى من بني إسرائيل على لسان موسى عليه السلام للخدمة المقدسة. وجعلهم من المقربين لديه. وبما سقناه يعلم أن قوله تعالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أمر لمن لم يعبد العجل، أعني اللاويين، أن يقتلوا العبدة. لا كما فهمه بعضهم من قتل بعضهم بعضا مطلقا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 55 الى 56] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق. إذ سألتم رؤيتي عيانا مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم في دار الدنيا. وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن القائلين لموسى ذلك هم السبعون المختارون. ويؤيده آية الأعراف: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ [الأعراف: 155] الآية. وقد غلط أهل الكتاب في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله عز وجل فإن موسى الكليم عليه السلام قد سأل ذلك. فمنع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون؟ أفاده ابن كثير. وقد رأيت دعواهم المذكورة في الفصل الرابع والعشرين في سفر الخروج. وهذا من المواضع المحقق تحريفها. ويدل عليه ما في الفصل الثالث والثلاثين من السفر المذكور أنه تعالى قال لموسى: لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش. وجهرة، في الأصل، مصدر قولك جهرت بالقراءة. استعيرت للمعاينة، لما بينهما من الاتحاد. في الوضوح والانكشاف. إلا أن الأول في المسموعات، والثاني في المبصرات. ونصبها على المصدر لأنها نوع من الرؤية. فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس. أو على الحال من الفاعل أو المفعول. قال ابن جرير: وأصل الصاعقة كل أمر هائل رآه أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وإلى ذهاب عقل وغمور فهم، أو فقد بعض
آلات الجسم. صوتا كان ذلك أو نارا. أو زلزلة أو رجفا (قال) ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقا وهو حيّ غير ميت قول الله عز وجل وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً يعني مغشيا عليه. ومنه قول جرير: وهل كان الفرزدق غير قرد ... أصابته الصّواعق فاستدارا فقد علم أن موسى لم يكن، حين غشي عليه وصعق، ميتا. لأن الله، جل وعز، أخبر عنه أنه لما أفاق قال: تبت إليك. ولا شبّه جرير الفرزدق، وهو حيّ، بالقرد ميتا، ولكن معنى ذلك ما وصفناه. وقوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي إلى تلك الصاعقة. وقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ قال الراغب الأصبهانيّ في تفسيره: البعث إرسال المبعوث من المكان الذي فيه. لكن فرق بين تفاسيره بحسب اختلاف المعلق به، فقيل: بعثت البعير من مبركه أي أثرته. وبعثته في السير أي هيجته، وبعث الله الميت أحياه. وضرب البعث على الجند إذا أمروا بالارتحال. وكل ذلك واحد في الحقيقة، وإنما اختلف لاختلاف صور المبعوثات (ثم قال) والموت حمل على المعروف، وحمل أيضا على الأحوال الشاقة الجارية مجرى الموت، وليس يقتضى قوله فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ أنهم ماتوا. ألا ترى إلى قوله: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً لكن الآية تحتمل الأمرين، وحقيقة ما كان إنما يعتمد فيها على السمع المتعدي عن الاحتمالات. انتهى. وقد يؤيد الثاني آية الأعراف المذكورة وهي وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا، فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ [الأعراف: 155] ، فالرجفة هي المسماة بالصاعقة هنا، والتنزيل يفسر بعضه بعضا، والأصل توافق الآي. وقد ذكر ابن إسحاق والسدّي أن الذين أخذتهم الرجفة هم الذين سألوا موسى رؤية الله جهرة، وسيأتي في الأعراف بسط ذلك إن شاء الله. دلت الآية على أن طلب رؤيته تعالى في الدنيا مستنكر غير جائز، ولذا لم يذكر، سبحانه وتعالى، سؤال الرؤية إلا استعظمه. وذلك في آيات. منها هذه. ومنها قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [النساء: 153] ومنها قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا، لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [الفرقان: 21] فدلت هذه التهويلات الفظيعة الواردة لطالبيها في الدنيا على امتناعها فيها. وكما
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 57]
أخبر تعالى بأنه لا يرى في الدنيا فقد وعد الوعد الصادق عز وجل برؤيته في الدار الآخرة في آيات عديدة، كما تواترت الأحاديث الصحيحة بذلك، وهي قطعية الدلالة. لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة وزعموا أن العقل قد حكم بها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 57] وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم شرع يذكرهم أيضا بما أسبغ عليهم من النعم، فمنها تظليل الغمام عليهم. وذلك أنهم كانت تظلهم سحابة إذا ارتحلوا. لئلا تؤذيهم حرارة الشمس. وقد ذكر تفصيل شأنها في توراتهم في الفصل التاسع من سفر العدد. ومنها إنزال المنّ. وقد روي في التوراة أنهم لما ارتحلوا من إيليم وأتوا إلى برّية سين، الت بين إيليم وسيناء، في منتصف الشهر الثاني بعد خروجهم من مصر، تذمروا على موسى وهارون في البرية، وقالوا لهما: ليتنا متنا في أرض مصر إذ كنا نأكل خبزا ولحما. فأخرجتمانا إلى هذه البرية لتهلكا هذا الجمع بالجوع. فأوحى تعالى لموسى عليه السلام إني أمطر عليكم خبزا من السماء. فليخرج الشعب، ويلتقطون حاجة اليوم بيومها طعامهم من أجل أني أمتحنهم، هل يمشون في شريعتي أم لا، وليكونوا في اليوم السادس أنهم يهيئون ضعف ما يلتقطونه يوما فيوما. لأن اليوم السابع يوم عيد لا يشخص فيه لأمر المعيشة ولا لطلبة شيء. فقال لهم موسى: إن الرب تعالى يعطيكم عند المساء لحما تأكلون. وبالغداة تشبعون خبزا. فكان في المساء أن السلوى صعدت وغطت المحلة، وبالغداة أيضا وقع الندى حول المحلة. ولما غطى وجه الأرض تباين في البرية شيء رقيق كأنه مدقوق بالمدقة. يشبه الجليد على الأرض. فلما نظر إليه بنو إسرائيل قالوا: ما هذا؟ لأنهم لم يعرفوه. فقال لهم موسى: هذا هو الخبز الذي أعطاكم الرب لتأكلوا. وقد أمركم أن يلقط كل واحد على قدر ما في بيته، وقدر مأكله. ففعل بنو إسرائيل كذلك ولقطوا ما بين مكثّر ومقلّل، وقال لهم موسى: لا تبقوا منه شيئا إلى الغد. فلم
يطيعوا موسى. واستفضل منه رجال إلى الغد، فضرب فيه الدود ونتن. فغضب عليهم موسى. وكانوا يلقطون غدوة. كل إنسان يلقط على قدر ما يأكل. فإذا أصابه حر الشمس ذاب. وقد أعطوا في اليوم السادس خبز يومين ليجلس كل رجل منهم في مكانه في اليوم السابع. راحة وتقديسا له. وكان إذا خرج بعض الشعب ليلتقط، يوم السابع، لا يجد في الأرض منه شيئا. ودعا آل إسرائيل اسمه المنّ. وكان مثل حب الكزبرة أبيض، وطعمه كرقاق بعسل، وأكل بنو إسرائيل المنّ أربعين سنة حتى أتوا إلى الأرض العامرة ودنوا من تخوم أرض كنعان. وروي في ترجمة التوراة أيضا أن المنّ كان يشبه لون للؤلؤ. وكان يطوف الشعب ويلتقطونه ويطحنونه بالرحى. ويدقونه في الهاون ويطبخونه في القدور. ويعملون منه رغفا طعمها كالخبز المعجون بالدهن. ومتى نزل الندى على المحلّة ليلا كان ينزل المن معه. هذا ما كان من أمر المن. وأما السلوى فروي أيضا: أن جماعة ممن صعد مع بني إسرائيل من مصر تاقت أنفسهم للحم وجلسوا يبكون. ووافقهم بنو إسرائيل على اشتهائه أيضا. وقالوا: من يطعمنا لحما لنأكل؟ قد تذكرنا السمك الذي كنا نأكله بمصر من غير ثمن. والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم. والآن قد يبست نفوسنا ولا تنظر عيوننا إلا المنّ. فلما سمع موسى الشعب يبكون بعشائرهم، وعلم غضب الرب عليهم، لذلك، ابتهل إلى ربه وقال: من أين لي لحم أطعم منه هذا الجمع وهم يبكون عليّ ويقولون أعطنا لحما لنأكل؟ فأوحى إليه ربه أن يجمع سبعين رجلا من شيوخ شعبه وعرفائه. ويقبل بهم إلى خيمة الاجتماع فيكونوا معه. ثم كلمه ربه ووعده أن يعطيه لحما يأكلون منه شهرا حتى يأنفوا منه. فأخبر موسى الشعب بذلك. ثم انحاز إلى المحلة هو وشيوخ قومه. فخرجت ريح وحملت السلوى من البحر وألقتها على المحلة مسيرة يوم حول المحلة من كل جانب، وكانت تطير بالجوّ ذراعين على الأرض وقام الشعب يومهم ذلك كله، والليل. وفي غد اليوم الثاني. فجمعوا السلوى أقل من جمع عشرة أكرار. سطحوه سطيحا ويبسوه حول المحلة. وقبل أن ينقطع اللحم من عندهم غضب الرب تعالى على الشعب. فضربه ضربة عظيمة جدا. ودعي اسم ذلك الموضع قبول الشهوة. لأنهم هناك دفنوا القوم الذين اشتهوا. ثم خرجوا من قبور الشهوة وارتحلوا لغيره. انتهى. وقوله تعالى: كُلُوا على إرادة القول أي قائلين لهم أو قيل لهم كلوا. وقوله وَما ظَلَمُونا كلام عدل به عن نهج الخطاب السابق للإيذان باقتضاء جنايات المخاطبين للإعراض عنهم وتعداد قبائحهم عند غيرهم على طريق المباثة. معطوف
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 58 إلى 59]
على مضمر قد حذف للإيجاز، والإشعار بأنه أمر محقق غنيّ عن التصريح به. أي فظلموا بأن أكثروا من التضجر والتذمر على ربهم وشكوى سكناهم في البرية وفراقهم مصر. وما ظلمونا بذلك، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، بالعصيان. إذ لا يتخطاهم ضرره وبذلك حق عليهم العذاب الذي ضربوا به كما ذكرناه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 58 الى 59] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. هذا إشارة إلى ما حلّ ببني إسرائيل- لما نكلوا عن الجهاد- ودخولهم الأرض المقدسة- أرض كنعان- لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى عليه السلام، وإنما أطلق على الأرض المذكورة قرية، لأنّ القرية: كل مكان اتصلت به الأبنية واتّخذ قرارا. وتقع على المدن وغيرها- كذا في كفاية المتحفظ- ثم إنّ ما قصّ- هنا- ذكر في سورة المائدة في قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ [المائدة: 20] الآيات: وقوله تعالى: ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً في التأويلات: يحتمل المراد من الباب حقيقة الباب، وهو باب القرية التي أمروا بالدخول فيها. ويحتمل من الباب القرية نفسها، لا حقيقة الباب- كقوله وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ذكر القرية ولم يذكر الباب- وذلك في اللغة جائز. (ويقال: فلان دخل في باب كذا، لا يعنون حقيقة الباب، ولكن كونه في أمر هو فيه) . وقوله سُجَّداً يحتمل المراد من السجود: حقيقة السجود. فيخرّج على
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 60]
وجوه: على التحية لذلك المكان، ويحتمل على الشكر له لما أهلك أعداءهم الجبارين، ويحتمل الكناية عن الصلاة- إذ العرب قد تسمّي السجود (صلاة) - كأنّهم أمروا بالصلاة فيها، ويحتمل أن الأمر بالسجود- لا على حقيقة السجود والصلاة- ولكن أمر بالخضوع له والطاعة والشكر على أياديه، والله أعلم. وقوله تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ خبر محذوف، أي مسألتنا حطة- والأصل النصب- بمعنى: حطّ عنّا ذنوبنا حطّة، وإنّما رفعت لتعطي معنى الثبات. وقوله سبحانه فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ أي: بدّلوا أمره تعالى لهم- بدخول الأرض مجاهدين- بالإحجام عنه، وتثبيط الناس. ولذا قال أبو مسلم «قوله تعالى: فَبَدَّلَ يدلّ على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به، لا على أنهم أتوا له ببدل. والدليل عليه: أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة. قال تعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ- إلى قوله- يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الفتح: 15] ولم يكن تبديلهم إلّا الخلاف في الفعل لا في القول. فكذا هنا، فيكون المعنى: إنهم لما أمروا بدخول الأرض- وما ذكر معه- لم يمتثلوا أمر الله، ولم يلتفتوا إليه» . وفي تكرير الَّذِينَ ظَلَمُوا زيادة في تقبيح أمرهم، وإيذان بأنّ إنزال الرجز عليهم لظلمهم. و (الرجز) : هو الموت بغتة، كما تقدّم. قال الراغب: وتخصيص قوله رِجْزاً مِنَ السَّماءِ هو أنّ العذاب ضربان: ضرب قد يمكن- على بعض الوجوه- دفاعه، أو يظنّ أنه يمكن فيه ذلك، وهو كلّ عذاب على يد آدميّ، أو من جهة المخلوقات كالهدم والغرق. وضرب لا يمكن- ولا يظنّ- دفاعه بقوّة آدميّ- كالطاعون، والصاعقة، والموت- وهو المعنيّ بقوله: رِجْزاً مِنَ السَّماءِ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 60] وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) هذا تذكير لنعمة أخرى كفروها. وروي في توراتهم أنه ارتحلت كل جماعة بني إسرائيل من برية سينا بأمره تعالى، وحلوا في رقادين، ولم يكن هناك ماء
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 61]
ليشربوا، فخاصموا موسى، وقالوا له أعطنا ماء لنشرب، أخرجتنا من مصر لتقتلنا نحن وأولادنا، ودوابنا بالعطش؟ فابتهل موسى إلى ربه في السقيا، فأوحى إليه أن أمض أمام الشعب، وخذ معك من شيوخ إسرائيل. والعصا التي ضربت بها النهر خذها بيدك. واذهب إلى صخرة حوريب، فاضربها فيخرج منها ماء ليشرب الشعب. ففعل موسى كذلك أمام شيوخ إسرائيل. انتهى. وقوله تعالى: اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً أي عدد أسباط يعقوب الاثني عشر، لكل سبط منهم عين قد عرفوها. قال الراغب: وأنكر ذلك بعض الطبيعيين واستبعده، وهذا المنكر، مع أنه لم يتصور قدرة الله تعالى في تغيير الطبائع والاستحالات الخارجة عن العادات، فقد ترك النظر على طريقته. إذ قد تقرر عندهم أن حجر المغناطيس يجر الحديد، وأن الحجر المنفر للنحل ينفره، والحجر الحلاق يحلق الشعر، وذلك كله عندهم من أسرار الطبيعة. وإذا لم يكن مثل ذلك منكرا عندهم، فغير ممتنع أن يخلق الله حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الأرض. وقوله: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أي لا تمشوا في الأرض بالفساد، وخلاف أمر موسى. قال الراغب: فإن قيل: فما فائدة قوله مُفْسِدِينَ والعثوّ ضرب من الإفساد؟ قيل: قد قال بعض النحويين: إن ذلك حال مؤكدة، وذكر ألفاظا مما يشبه. وقال بعض المحققين: إن العثو، وإن اقتضى الفساد، فليس بموضوع له، بل هو كالاعتداء، وقد يوجد في الاعتداء ما ليس بفساد، وهو مقابلة المعتدي بفعله نحو فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة: 194] ، وهذا الاعتداء ليس بإفساد، بل هو، بالإضافة إلى ما قوبل به، عدل. ولولا كونه جزاء لكن إفسادا. فبين تعالى أن العثو المنهي عنه، هو المقصود به الإفساد. فالإفساد مكروه على الإطلاق، ولهذا قال: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها [الأعراف: 56] ، وقد يكون في صورة العثو والتعدي ما هو صلاح وعدل، كما تقدم. وهذا ظاهر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 61] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (61)
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ قال قتادة: لما ملّوا طعامهم وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك، قالوا ذلك. قال الراغب: إن قيل: كيف قال لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ وكان لهم المن والسلوى، قيل: إن ذلك إشارة إلى مساواته في الأزمنة المختلفة، كقولك: فلان يفعل فعلا واحدا في كل يوم، وإن كثرت أفعاله، إذا تحرى طريقة واحدة وداوم عليها. وهذا المعنى في إنكار الطعام أبلغ. لأنهم لم يكتفوا في إنكاره بقولهم لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ، حتى أكدوا بقولهم واحِدٍ أو أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها هو الثوم لقراءة ابن مسعود «وثومها» وللتصريح به في التوراة في هذه القصة. وقد ذكر ابن جرير شواهد لإبدال الثاء فاء لتقارب مخرجيهما كقولهم للأثافي «أثاثي» ، وقولهم وقعوا في عاثور شر وعافور شر، وللمغافير «مغاثير» وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى أي أدون قدرا، وأصل الدنوّ القرب في المكان، فاستعير للخسة، كما استعير البعد للشرف والرفعة، فقيل: بعيد الهمة. بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ أي بمقابلة ما هو خير، أي أرفع وأجل، وهو المنّ الذي فيه الحلاوة التي تألفها أغلب الطباع البشرية، والسلوى من أطيب لحوم الطير، وفي مجموعهما غذاء تقوم به البنية. وليس فيما طلبوه ما يساويهما لذة ولا تغذية اهْبِطُوا مِصْراً هكذا هو منوّن مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور، بالصرف. قال ابن جرير: ولا أستجيز القراءة بغير ذلك، لإجماع المصحف على ذلك، أي من الأمصار، أي انحدروا إليه فَإِنَّ لَكُمْ فيها ما سَأَلْتُمْ أي فإن الذي سألتم يكون في الأمصار لا في القفار، والمعنى أن هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير، في أي بلد دخلتموها وجدتموه. فليس يساوي مع دناءته، وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه. ولما حكى الله تعالى إنكار موسى عليه السلام على اليهود استبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، بعد تعداد النعم، جاء بحكاية سوء صنيعهم بالأنبياء، وكفرهم، واعتدائهم، وضرب الذلة عليهم لذلك، استطرادا فقال: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ فمن هنا إلى قوله وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ معترض في خلال القصص المتعلقة بحكاية أحوال بني إسرائيل الذين
كانوا في عهد موسى، يدل على هذا قوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ فإن قتل الأنبياء إنما كان من فروعهم وذريتهم. والذلة بالكسر الصغار والهوان والحقارة. والذل بالضم ضد العز. والمسكنة مفعلة من السكون، لأن المسكين قليل الحركة والنهوض، لما به من الفقر. والمسكين مفعيل منه- كذا في السمين- وفي الذلة استعارة بالكناية حيث شبهت بالقبة في الشمول والإحاطة، أو شبهت الذلة بهم بلصوق الطين بالحائط في عدم الانفكاك. وهذا الخبر الذي أخبر الله تعالى به هو معلوم في جميع الأزمنة، فإن اليهود أذل الفرق، وأشدهم مسكنة، وأكثرهم تصاغرا، لم ينتظم لهم جمع، ولا خفقت على رؤوسهم راية، ولا ثبتت له ولاية، بل ما زالوا عبيد العصى في كل زمن، وطروقة كل فحل في كل عصر، ومن تمسك منهم بنصيب من المال، وإن بلغ في الكثرة أي مبلغ، فهو مرتد بأثواب المسكنة. وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي رجعوا به، أي صار عليهم، أو صاروا أحقاء به. من قولهم. باء فلان بفلان، أي صار حقيقا أن يقتل بمقابلته. فالباء على التقديرين صلة باؤوا، لا للملابسة. وإلا لاحتيج اعتبار المرجوع إليه، ولا دلالة في الكلام عليه ذلِكَ إشارة إلى ما سلف من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم بِأَنَّهُمْ بسبب أنهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ الباهرة التي ظهرت على يدي عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ كزكريا ويحيى عليهما السلام. وقتل الأنبياء في بني إسرائيل كان ظاهرا، ولم يذكر قتل رسول من الرسل. وذلك- والله أعلم- لقوله إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [غافر: 51] وقوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [الصافات: 172] وقال قوم: لم يقتل أحد من الرسل، وإنما قتل الأنبياء، أو رسل الرسل، والله أعلم. كذا في التأويلات. وقوله بِغَيْرِ الْحَقِّ لم يخرج مخرج التقييد، حتى يقال إنه لا يكون قتل الأنبياء بحق في حال من الأحوال، لمكان العصمة. بل المراد نعي هذا الأمر عليهم، وتعظيمه، وأنه ظلم بحت في نفس الأمر، حملهم عليه اتباع الهوى وحب الدنيا، والغلوّ في العصيان، والاعتداء، كما يفصح عنه قوله تعالى: ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ أي جرّهم العصيان والتمادي في العدوان إلى ما ذكر من الكفر، وقتل الأنبياء عليهم السلام. وقيل: كررت الإشارة للدلالة على أن ما لحقهم، كما أنه بسبب الكفر والقتل، فهو بسبب ارتكابهم المعاصي، واعتدائهم حدود الله تعالى. وعليه فيكون ذكر علل إنزال العقوبة بهم في نهاية حسن الترتيب. إذ بدئ أولا بما فعلوه في حق الله تعالى وهو كفرهم بآياته. ثم ثنّي بما يتلوه في العظم، وهو قتل
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 62]
الأنبياء. ثم بما يكون منهم من المعاصي التي تخصهم. ثم بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير، مثل الاعتداء. وهذا من لطائف أسلوب التنزيل. ثم أعلم تعالى بأن باب التوبة مفتوح على الوجه العامّ لليهود وغيرهم. وأن من ارتكب كبائر الذنوب التي تستوجب الغضب الإلهيّ، وضرب الذلة والمسكنة، كما حل باليهود، إذا آمن وتاب فله في الدنيا والآخرة ما للمؤمنين. وعادة التنزيل جارية بأنه متى ذكر وعد أو وعيد، عقب بضده ليكون الكلام تاما فقيل: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 62] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) أي إن الذين آمنوا بما دعا إليه محمد صلّى الله عليه وسلّم، وصاروا من جملة أتباعه. قال في فتح البيان: كأنه سبحانه أراد أن يبين أن حال هذه الملة الإسلامية، وحال من قبلها من سائر الملل، يرجع إلى شيء واحد، وهو أن من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا استحق ما ذكره الله من الأجر. ومن فاته ذلك فاته الخير كله، والأجر دقه وجله. والمراد بالإيمان هاهنا هو ما بينه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قوله، لما سأله جبريل عليه السّلام عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره» «1» . ولا يتصف بهذا الإيمان إلا من دخل في الملة الإسلامية. فمن لم يؤمن بمحمد صلّى الله عليه وسلّم ولا بالقرآن، فليس بمؤمن. ومن آمن بهما صار مسلما مؤمنا، ولم يبق يهوديّا ولا نصرانيّا ولا مجوسيّا. انتهى. قال الراغب في تفسيره: تقدم أن الإيمان يستعمل على وجهين: أحدهما الإقرار بالشهادتين، الذي يؤمن نفس الإنسان، وماله عن الإباحة إلا بحق، وذلك بعد استقرار هذا الدين مختص به كالإسلام. والثاني تحري اليقين فيما يتعاطاه الإنسان من أمر دينه. فقوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا عنى به المتدين بدين محمد صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عنى به المتحري للاعتقاد اليقينيّ، فهو غير الأول. ولما كانت
تنبيه:
مشاهير الأديان هذه الأربع، بيّن تعالى أن كل من تعاطى دينا من هذه الأديان في وقت شرعه، وقبل أن ينسخ، فتحرى في ذلك الاعتقاد اليقينيّ، وأتبع اعتقاده بالأعمال الصالحة، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ثم قال: وقول ابن عباس: إن هذا منسوخ بقوله وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: 85] ، يعنون أن هذه الأديان كلها منسوخة بدين الإسلام، وأن الله عز وجل جعل لهم الأجر قبل وقت النبيّ عليه السلام. فأمّا في وقته، فالأديان كلها منسوخة بدينه. أي فليس مراد ابن عباس، ومن وافقه، أنه تعالى كان وعد من عمل صالحا من اليهود، ومن ذكر معهم، على عمله، في الآخرة الجنّة، ثم نسخه بآية وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ بل مراده ما ذكر الراغب. وهذا ما لا شبهة فيه. ولذا قال ابن جرير: ظاهر التنزيل يدل على أنه تعالى لم يخصص بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان، بعض خلقه دون بعض منهم، والخبر بقوله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ عن جميع ما ذكر في أول الآية. تنبيه: ظاهر هذه الآية، مع تفسير الراغب مَنْ آمَنَ بالمتحري للاعتقاد اليقينيّ، مما قد يستدل به العنبريّ لمذهبه. فقد نقل الأصوليون في باب الاجتهاد والتقليد أن العنبريّ ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب، حتى في الأصول، ووافقه الجاحظ. قال الغزاليّ في المستصفى: ذهب الجاحظ إلى أن مخالف ملة الإسلام من اليهود والنصارى والدهرية، إن كان معاندا على خلاف اعتقاده، فهو آثم. وإن نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم. وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر، فهو أيضا معذور. وإنما الآثم المعذب، المعاند فقط. لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. وهؤلاء قد عجزوا عن درك الحق، ولزموا عقائدهم خوفا من الله تعالى، إذ استد عليهم طريق المعرفة. ثم ردّه الغزاليّ بأدلة سمعية ضرورية، وذلك مثل معرفتنا ضرورة أمره عليه السلام اليهود والنصارى بالإيمان به، وذمهم على إصرارهم على عقائدهم، وذلك لا ينحصر في الكتاب والسنة. ثم قال الغزاليّ: وأما قوله- أي الجاحظ-: كيف يكلفهم ما لا يطيقون؟ قلنا: نعلم ضرورة أنه كلفهم، أما أنهم يطيقون أو لا يطيقون، فلننظر فيه، بل نبه الله تعالى على أنه أقدرهم عليه بما رزقهم من العقل، ونصب من الأدلة، وبعث من الرسل المؤيدين بالمعجزات، الذين نبّهوا العقول، وحركوا دواعي النظر، حتى لم يبق على الله لأحد حجة بعد الرسل.
وقوله وَالَّذِينَ هادُوا أي تهودوا. يقال: هاد يهود، وتهوّد، إذا دخل في اليهودية. هو هائد، والجمع هود. وهم أمة موسى عليه السلام، وإنما لزمهم هذا الاسم، لأن الإسرائيليين الذين رجعوا من جلاء سبعين سنة، ومن سبي بابل إلى وطنهم القديم، كان أكثرهم من نسل يهوذا بن يعقوب (بالذال المعجمة- فقلبتها العرب دالا مهملة) . وقوله تعالى: وَالنَّصارى جمع نصران، كندامى جمع ندمان، يقال: رجل نصران، وامرأة نصرانة، والياء في نصرانيّ للمبالغة، كما في أحمريّ، سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح عليه السلام- كذا في الكشاف- أو هو جمع نصرانيّ، مغيّر عن ناصريّ، نسبة إلى ناصرة- القرية المعروفة- وقد نسب إليها المسيح عليه السلام، لأنه ربّي بها. وجاء في الإنجيل «يسوع الناصريّ» . وقوله تعالى: وَالصَّابِئِينَ جمع صابئ، ويقال لهم الصابئة. قال ابن جرير: الصابئ هو المستحدث، سوى دينه، دينا، كالمرتدّ من أهل الإسلام عن دينه. وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره تسميه العرب «صابئا» يقال منه: صبا فلان يصبو صباء، ويقال: صبأت النجوم إذا طلعت. وقد اختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم، من أهل الملل. فقال بعضهم: يلزم ذلك كل من خرج من دين إلى غير دين. وقالوا: الذي عنى الله بهذا الاسم قوما لا دين لهم. فعن مجاهد: الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى، ولا دين لهم. وعن ابن زيد: الصابئون دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل، يقولون لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبيّ. وعن قتادة: أنهم قوم يعبدون الملائكة. وقال الإمام الشهرستانيّ، في الكلام عن الصابئة ما مثاله: والصبوة في مقابلة الحنيفية. وفي اللغة: صبا الرجل إذا مال وزاغ. فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم: الصابئة. وهم يقولون: الصبوة هو الانحلال عن قيد الرجال. وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين، كما أن مدار مذهب الحنفاء هو التعصب للبشر الجسمانيين. والصابئة تدعي أن مذهبها هو الاكتساب، الحنفاء تدعي أن مذهبها هو الفطرة. فدعوة الصابئة إلى الاكتساب، ودعوة الحنفاء إلى الفطرة. فالصابئة قوم يقولون بحدود وأحكام عقلية، ولا يقولون بالشريعة والإسلام. فيقابلون أرباب الديانات تقابل التضاد. والصابئة الأولى الذين قالوا بعاذيمون وهرمس، وهما شيت وإدريس، ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء. وهم أصحاب الروحانيات. فيعتقدون أن للعالم صانعا حكيما مقدّسا عن سمات الحدثان.
والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه، وهم الروحانيون المطهرون المقدسون جوهرا وفعلا وحالة. أما الجوهر فهم المقدسون عن المواد الجسمانية، الذين جبلوا على الطهارة، وفطروا على التقديس والتسبيح، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. قالوا فنحن نتقرب إليهم ونتوكّل عليهم، منهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند الله، وهو رب الأرباب. وأما الفعل، فقالوا: الروحانيات هم الأسباب المتوسطون في الاختراع وتصريف الأمور من حال إلى حال، يستمدون القوة من الحضرة الإلهية، ويفيضون الفيض على الموجودات السفلية، فمنها مدبرات الكواكب السبع السيارة في أفلاكها وهي هياكلها. ولكل روحانيّ هيكل، ولكل هيكل فلك، ونسبة الروحانيّ إلى ذلك الهيكل الذي اختصّ به نسبة الروح إلى الجسد، فهو ربه ومدبره. وكانوا يسمون الهياكل أربابا، وربما يسمونها آباء، والعناصر أمهات. ففعل الروحانيات: تحريكها على قدر مخصوص ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر، فيحصل من ذلك تركيبات وامتزاجات في المركبات، فيتبعها قوى جسمانية ويركب عليها نفوس روحانية: مثل أنواع النبات وأنواع الحيوان. ثم قد تكون التأثيرات كلّية صادرة عن روحانيّ كلّي، وقد تكون جزئية صادرة عن روحانيّ جزئيّ. فمع جنس المطر ملك، ومع كل قطرة ملك. ومنها مدبرات الآثار العلوية الظاهرة في الجوّ مما يصعد من الأرض فينزل، مثل الأمطار والثلوج والبرد والرياح، وما ينزل من السماء: مثل الصواعق والشهب، وما يحدث في الجو من الرعد والبرق والسحاب والضباب وقوس قزح وذوات الأذناب والهالة والمجرة، وما يحدث في الأرض من الزلازل والمياه والأبخرة، إلى غير ذلك. قالوا: وأما الحالة، فأحوال الروحانيات من الروح والريحان والنعمة واللذة والسرور في جوار رب الأرباب كيف يخفى؟ هذا ملخص ما أفاده العلامة الشهرستانيّ في كتاب- الملل والنحل- ثم ساق مناظرات ومحاورات بين الصابئة والحنفاء جرت في المفاضلة بين الروحاني المحض والبشرية النبوية. وأوردها على شكل سؤال وجواب. فلتنظر ثمّ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه- في الرد على المنطقيين- إن حرّان كانت دار هؤلاء الصابئة، وفيها ولد إبراهيم عليه السلام (أو انتقل إليها من العراق. على اختلاف القولين) وكان بها هيكل العلّة الأولى. هيكل العقل الأول، هيكل النفس الكلية، هيكل زحل. هيكل المشتري. هيكل المريخ، هيكل الشمس. وكذلك الزهرة وعطارد والقمر. وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم. ثم
ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين، حتى جاء الإسلام. ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت. ومنهم الصابئة الذين كانوا ببغداد وغيرها، أطباء وكتابا، وبعضهم لم يسلم. وكذلك كان دين أهل دمشق وغيرها قبل ظهور النصرانية. وكانوا يصلّون إلى القطب الشماليّ. وتحت جامع دمشق معبد كبير له قبلة إلى القطب الشماليّ كان لهؤلاء. فإن الصابئة نوعان: صابئة حنفاء موحّدون، وصابئة مشركون. فالأول هم الذين أثنى الله عليهم بهذه الآية. فأثنى على من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا. من هذه الملل الأربع: المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين. فهؤلاء كانوا يدينون بالتوراة قبل النسخ والتبديل، وكذلك الذين دانوا بالإنجيل قبل النسخ والتبديل. والصابئون الذين كانوا قبل هؤلاء كالمتبعين ملة إبراهيم إمام الحنفاء قبل نزول التوراة والإنجيل. وهذا بخلاف المجوس والمشركين، فإنه ليس فيهم مؤمن. فلهذا قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الحج: 17] ، فذكر الملل الست هؤلاء، وأخبر أنه يفصل بينهم يوم القيامة. لم يذكر في الست من كان مؤمنا، وإنما ذكر ذلك في الأربعة فقط. ثم إن الصابئين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين. والفلاسفة المشركون من هؤلاء المشركين. وأما قدماء الفلاسفة الذين كانوا يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئا، ويؤمنون بأن الله محدث لهذا العالم، ويقرون بمعاد الأبدان، فأولئك من الصابئة الحنفاء الذين أثنى الله عليهم. ثم المشركون من الصابئة كانوا يقرّون بحدوث هذا العالم كما كان المشركون من العرب يقرون بحدوثه. وكذلك المشركون من الهند. وقد ذكر أهل المقالات أن أول من ظهر عنه القول بقدمه من هؤلاء الفلاسفة المشركين، هو أرسطو. انتهى. وما قرره الإمام ابن تيمية، يؤيد ما ذهب إليه كثير من المفسرين، من أن معنى قوله تعالى مَنْ آمَنَ من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ، مصدقا بقلبه بالمبدأ والمعاد، عاملا بمقتضى شرعه، وذلك كأهل الكتابين أو كان من الصابئة الموحدين. وذهب آخرون إلى أن معنى قوله مَنْ آمَنَ من أحدث من هذه الطوائف، إيمانا خالصا بما ذكر. قالوا: لأن مقتضى المقام هو الترغيب في دين الإسلام. وأما بيان حال من مضى على دين آخر قبل انتساخه، فلا ملابسة له بالمقام، والصابئون ليس لهم دين يجوز رعايته في وقت من الأوقات. فليتأمل. وقوله تعالى فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ أي: الذي وعدوه على تلك الأعمال المشروطة
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 63]
بالإيمان، وهو في الأصل جعل العامل على عمله. وفي قوله عِنْدَ رَبِّهِمْ مزيد لطف بهم وإيذان بأن أجرهم متيقن الثبوت، مأمون من الفوات. وقوله تعالى: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي حين يخاف الكفار العقاب ويحزنون على تفويت الثواب. (تنبيه) قال العلامة البقاعيّ في تفسيره: وحسَّن وضع هذه الآية، في أثناء قصصهم، أنهم كانوا مأمورين بقتل كل ذكر ممن عداهم. وربما أمروا بقتل النساء أيضا. فربما ظن من ذلك أن من آمن من غيرهم لا يقبل. وقد ذكر منه في سورة المائدة، وفي وضعها أيضا في أثناء قصصهم، إشارة إلى تكذيبهم في قولهم لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران: 75] وأن المدار في عصمة الدم والمال إنما هو الإيمان والاستقامة. وذلك موجود في نصّ التوراة في غير موضع. وفيها تهديدهم على المخالفة في ذلك بالذل والمسكنة. وسيأتي بعض ذلك عند قوله لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [البقرة: 83] الآية. بل وفيها ما يقتضي المنع من مال المخالف في الدين، فإنه قال في وسط السفر الثاني: وإذا لقيت ثور عدوّك أو حماره وعليه حمولة فارددها إليه. وإذا رأيت حمار عدوك جاثما تحت حمله فهممت أن لا توازره فوازره وساعده. ثم رجع إلى قصصهم على أحسن وجه فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 63] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ تذكيرا لجناية أخرى لأسلافهم، أي واذكروا وقت أخذنا لميثاقكم بالمحافظة على ما في التوراة، وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ترهيبا لكم لتقبلوا الميثاق. وذلك أن الطور اقتلع من أصله، ورفع وظلل فوقهم. والطور هو الجبل. وقيل لهم وهو مطلّ فوقهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ من الكتاب بِقُوَّةٍ أي بجد واجتهاد، وَاذْكُرُوا ما فِيهِ واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكي تتقوا المعاصي، أو رجاء منكم أن تنتظموا في سلك المتقين، أو طلبا لذلك. وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الأعراف: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأعراف: 171] . قال الراغب: إن قيل إن هذا يكون إلجاء ولا يستحق به الثواب، قيل: لم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 64]
يستحقوا الثواب بالالتزام وإنما استحقوه بالعمل بها من بعد. فأما في التزامها فمضطرون، وقال بعض الناس: عنى بالطور تشديد الأمر عليهم، وجعل ذلك مثلا. وذلك بعيد. ومثله قول القاشانيّ: طور الدماغ للتمكن من فهم المعاني وقبولها. فإنه بعيد يأباه ظاهر الآية الأخرى. وإن كان الإطلاق في اللغة لا ينحصر في الحقيقة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 64] ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (64) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد أخذ ذلك الميثاق المؤكد فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ أي لكم بتوفيقكم للتوبة، أو تأخير العذاب، لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ أي الهالكين بالعقوبة. قال الراغب: الخاسر المطلق، في القرآن، هو الذي خسر أعظم ما يقتني، وذلك نعيم الأبد، وهو المذكور في قوله قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الزمر: 15] . وقال القفال: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور، تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا كلمها عن مواضعه. وتركوا العلم بها، وقتلوا الأنبياء، وكفروا بهم، وعصوا أمرهم. ومنها ما عمله أوائلهم، ومنها ما فعله متأخروهم، ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلا ونهارا يخالفون موسى ويعترضون عليه، ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك. حتى لقد خسف ببعضهم، وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون. وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرون بها، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به. حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفروا بالمسيح، وهموا بقتله. والقرآن، وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة، فالجملة معروفة، وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم. فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الكتاب، وجحودهم لحقه. وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر. والله أعلم. ثم ذكّرهم تعالى بالإيقاع بمن نقض ميثاقه وفيما أخذه عليهم من تعظيم السبت بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 65]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 65] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (65) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا أي تعمدوا العدوان مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ بأن استحلوه وتحيّلوا على اصطياد الحيتان فيه. وذلك أن الله ابتلاهم، فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى تفرقت كما قال: تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً، وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ، كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ [الأعراف: 163] ، فحفروا حياضا عند البحر، وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد. فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم. فتسبب عن اعتدائهم المذكور ما ذكره تعالى بقوله فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أي صاغرين مطرودين مبعدين من الخير، أذلاء. وقد روي عن الضحاك وقتادة: أنهم مسخوا قردة، لها أذناب تعاوى، بعد ما كانوا رجالا ونساء. وأما مجاهد فقال: مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة. وإنما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الحمار يحمل أسفارا. رواه ابن جرير. وهكذا قال القاشانيّ: كُونُوا قِرَدَةً أي مشابهين الناس في الصورة وليسوا بهم. ثم قال: والمسخ بالحقيقة حق غير منكر في الدنيا والآخرة. وردت به الآيات والأحاديث. وفي أثر: عدّ المسوخ ثلاثة عشر، وبيان أعمالهم ومعاصيهم وموجبات مسخهم. والحاصل أن من غلب عليه وصف من أوصاف الحيوانات، ورسخ فيه بحيث زال استعداده، وتمكن في طبعه، وصار صورة ذاتية له، صار طبعه طبع ذلك الحيوان. ونفسه نفسه، فصارت صفته صورته. وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف حيث يقول تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف: 163] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 66] فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) فَجَعَلْناها أي المسخة والعقوبة نَكالًا عبرة تنكل المعتبر بها، أي تمنعه وتردعه. ومنه النكل للقيد لِما بَيْنَ يَدَيْها من المعاصي من أهل عالمها
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 67]
الشاهدين لها وَما خَلْفَها ممن جاء بعدهم، أو لأهل تلك القرية وما حواليها، أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ من قومهم، أو لكل متق سمعها. وأشعر هذا أن التقوى عصمة من كل محذور، وأن النقم تقع في غيرهم، وعظا لهم. (تنبيه) : أفادت هذه الآية التنويه بشأن يوم السبت عند الإسرائيليين، إذ مستحلوه منهم مسخوا قردة. وفي ترجمة التوراة ما نصه: وكلم الرب موسى قائلا: كلم بني إسرائيل، تحفظون السبت لأنه مقدس لكم، من دنّسه يقتل، ومن صنع فيه عملا يقطع من بين شعبه. في ستة أيام تصنع الأعمال، وأما اليوم السابع ففيه سبت راحة، وليحفظ بنو إسرائيل السبت، وليتخذوه عيدا بأجيالهم. لأن الرب خلق السماء والأرض في ستة أيام، وفرغ يوم السابع. وفيها أيضا ما نصه: في ستة أيام تعمل عملك، وأما اليوم السابع ففيه تستريح، لكي يستريح ثورك وحمارك ويتنفس ابن أمتك والغريب. انتهى. وقد حرم على اليهود فيه أن يعدّوا طعامهم. بل حرم عليهم أن يوقدوا نارا. وفي سفر نحميا- في الفصل الثالث عشر- ما نصه: وفي تلك الأيام رأيت في يهوذا قوما يدوسون في المعاصر في السبت ويأتون بأكداسها يحملونها على الحمير، وبخمر أيضا، وعنب وتين، وكل حمل مما كانوا يأتون به إلى أورشليم في يوم السبت. فأشهدت عليهم يوم بيعهم الطعام. وكان الصوريون المقيمون بها يأتون بالسمك. وكل نوع من المبيعات، ويبيعون في يوم السبت لبني يهوذا وفي أورشليم. فخاصمت عظماء يهوذا، وقلت لهم: ما هذا الشرّ الذي تفعلونه وتدنّسون يوم السبت؟ ألم تفعل آباؤكم هكذا؟ فجلب إلهنا كل هذا الشر علينا وعلى هذه المدينة، وأنتم تزيدون الغضب على بني إسرائيل بتدنيسكم السبت، إلى آخره. ولما بيّن تعالى قساوتهم في حقوقه العلية، أتبعه ببيان قساوتهم في مصالح أنفسهم توبيخا لأخلاقهم. مع الإشارة إلى نعمته عليهم في خرق العادة في شأن البقرة، وبيان من هو القاتل بسببها، وإحياء الله تعالى المقتول، ونصه على من قتله منهم، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 67] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (67)
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 68]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ بني إسرائيل إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً وذلك أنه وجد قتيل فيهم، وكانوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله بذبح بقرة وأن يضربوه ببعضها ليحيى ويخبر بقاتله قالُوا استئناف وقع جوابا عما ينساق إليه الكلام، كأنه قيل: فماذا صنعوا؟ هل سارعوا إلى الامتثال أو لا. فقيل: قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً بضم الزاي وقلب الهمزة واوا، وقرئ بالهمزة مع الضم والسكون. أي أتجعلنا مكان هزو، أو أهل هزو، أو مهزوّا بنا، أو نفس الهزو، للمبالغة. وأشعر جوابهم ما ثبت من فظاظتهم، إذ فيه سوء الأدب على من ثبتت رسالته وقد علموها قالَ استئناف كما سبق أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ لأن الهزو في أثناء تبليغ أمر الله، سبحانه، جهل وسفه. نفى عنه، عليه السلام، ما توهموه من قبله على أبلغ وجه، وآكده، بإخراجه مخرج ما لا مكروه وراءه بالاستعاذة منه، استفظاعا له، واستعظاما لما أقدموا عليه من العظيمة التي شافهوه، عليه السلام، بها. والعوذ: اللّجأ من متخوّف لكاف يكفيه. والجهل: التقدم في الأمور بغير علم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 68] قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (68) قالُوا تماديا في الغلظة ادْعُ لَنا أي لأجلنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ما حالها، وصفتها. وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيى. فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن. الخارجة عما عليه البقر، وما وإن شاعت في طلب مفهوم الحقيقة، لكنها قد يطلب بها الصفة والحال. تقول: ما زيد؟ فيقال: طبيب أو عالم. قالَ أي موسى عليه السلام، بعد ما دعا ربه عز وجل بالبيان، وأتاه الوحي. إِنَّهُ تعالى يَقُولُ إِنَّها أي البقرة المأمور بذبحها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ أي لا مسنّة. وقد فرضت فروضا، فهي فارض، أي أسنّت. من الفرض بمعنى القطع. كأنها قطعت سنّها وبلغت آخرها. وَلا بِكْرٌ أي لا فتيّة صغيرة لم يلقّحها الفحل. عَوانٌ أي نصف بَيْنَ ذلِكَ أي سنّي الفارض والبكر فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ هذا أمر من جهة موسى عليه السلام متفرع على ما قبله من بيان صفة المأمور به. وفيه حثّ على الامتثال، وزجر عن المراجعة. ومع ذلك لم يفعلوا، بل سألوا بيان اللون بعد بيان السنّ بأن:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 69]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 69] قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها، قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها شديد الصفرة، يقال في التوكيد: أصفر فاقع ووارس، كما يقال: أسود حالك وأبيض يقق، وأحمر قانئ، وأخضر ناضر ومدهامّ. وفي إسناد الفقوع إلى اللون- مع كونه من أحوال الملوّن لملابسته به- ما لا يخفى من فضل تأكيد. كأنه قيل: صفراء شديدة الصفرة صفرتها كما في: جدّ جدّه. تَسُرُّ النَّاظِرِينَ أي تبهج نفوسهم. روى ابن جرير بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد عليهم. وقد رواه غير واحد عن ابن عباس، ورفعه ابن جريج والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 70] قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ زيادة استكشاف عن حالها لتمتاز عما يشاركها في التعوين والصفرة. ولذلك عللوا تكرير سؤالهم بقولهم إِنَّ الْبَقَرَ الموصوف بما تقدم تَشابَهَ عَلَيْنا لكثرته، أي اشتبه علينا أيّها نذبح. قال البقاعيّ: وذكّر الفعل، لأن كل جمع حروفه أقل من حروف واحده، فإن العرب تذكره. نقل عن سيبويه. وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ إلى البقرة المراد ذبحها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 71] قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (71) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ. أي لم تذلل لإثارة الأرض وسقي الحرث. ولا ذَلُولٌ صفة لبقرة. بمعنى غير ذلول. ولا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 72]
الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى. لأن المعنى: لا ذلول تثير وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية، والمقصود: إنها مكرمة ليست مذللة بالحراثة، ولا معدة للسقي في السانية. مُسَلَّمَةٌ، سلمها الله من العيوب، أو معفاة من العلم، سلمها أهلها منه، أو مخلصة اللون لم يشب صفرتها شيء من الألوان. من: سلم له كذا، إذا خلص له لا شِيَةَ فِيها، أي لا لون فيها يخالف لون جلدها من بياض وسواد وحمرة، فهي صفراء كلها، وهي في الأصل مصدر: وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لونا آخر. في الصحاح: الشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره. والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله. والجمع: شيات. يقال: ثور أشيه، كما يقال: فرس أبلق. قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ أي بحقيقة وصف البقرة بحيث ميزتها عن جميع ما عداها، ولم يبق لنا في شأنها اشتباه أصلا. بخلاف المرتين الأوليين، فإن ما جئت به فيهما لم يكن في التعيين بهذه المرتبة فَذَبَحُوها، الفاء فصيحة، كما في فَانْفَجَرَتْ، أي فحصلوا البقرة فذبحوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ كاد من أفعال المقاربة، وضع لدنوّ الخبر من الحصول، والجملة حال من ضمير ذبحوا، أي فذبحوها والحال أنهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه. اعتراض تذييليّ. ومآله استثقال استقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لفرط تطويلهم وكثرة مراجعاتهم ما كاد ينتهي خيط إسهابهم فيها. (تنبيه) قال الراغب: قال بعض الناس: في هذه الآية دلالة على نسخ الشيء قبل فعله. فإن في الأول أمروا بذبح بقرة غير معينة، وكان لهم أن يذبحوا أي بقرة شاؤوا. وفي الثاني والثالث أمروا بذبح بقرة مخصوصة. فكأنهم نهوا عما كانوا أمروا به من قبل. وليس كذلك، فإن الأول أمر مطلق، والثاني والثالث كالبيان له، لمّا راجعوا، ولم يسقط عنهم ذبح البقرة. بل زيد في أوصافها وكشف عن المراد بالأمر الأول. وفي الآية دلالة على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 72] وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها أي اختلفتم واختصمتم في شأنها، إذ كل واحد من الخصماء يدافع الآخر وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ مظهر، لا محالة، ما كتمتم من أمر القتيل، لا يتركه مكتوما.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 73]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 73] فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ أي المقتول بِبَعْضِها أي البقرة. يعني فضربوه فحيي وأخبر بقاتله. كما دل عليه قوله كَذلِكَ أي مثل هذا الإحياء العظيم على هذه الهيئة الغريبة يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى يوم القيامة وَيُرِيكُمْ آياتِهِ أي دلائله الدالة على أنه تعالى على كل شيء قدير. ويجوز أن يراد بالآيات هذا الإحياء. والتعبير عنه بالجمع لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على عضو ميت. وإخباره بقاتله، وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادة لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لتكونوا برؤية تلك الآيات على رجاء من أن يحصل لكم عقل، فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره، مما تخبر به الرسل عن الله تعالى. قال الراغب: وقوله كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى قيل هو حكاية عن قول موسى عليه السلام لقومه، وقيل بل هو خطاب من الله تعالى لهذه الأمة، تنبيها على الاعتبار بإحيائه الموتى. تنبيهات: (الأول) قال الزمخشري: (فإن قلت) فما للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها؟ فيقال: (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها، فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها) ؟ (أجيب) بأن كل ما قص من قصص بني إسرائيل، إنما قص تعديدا لما وجد منهم من الجنايات، وتقريعا لهم عليها، ولما جدد فيهم من الآيات العظام. وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين. فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء، وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك. والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة وما يتبعه من الآية العظيمة. وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل، لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع. ولقد روعيت نكتة، بعد ما استؤنفت الثانية، استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: اضربوه ببعضها، حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع، وتثنيته
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 74]
بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها. وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة. وقال الحراليّ: قدم نبأ قول موسى عليه السّلام على ذكر ندائهم في القتيل، ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع الذي هو القائم على أفعال الاعتداء وأقوال الخصومة. والله أعلم. (التنبيه الثاني) قال الراغب: قد استبعد بعض الناس ذلك وما حكاه الله منه، وأنكر حصول ذلك الفعل على الحقيقة وقال: ذلك ممتنع من حيث الطبيعة، وأيضا فإن ذلك لا يعرف فيه حكمة إلهية. فأما استبعاده ذلك من حيث الطبيعة فإنما هو استبعاد للإحياء والنشور، ولذلك موضع لا يختص بالتفسير. ومن كان ذلك طريقته فلا خوض معه في تفسير القرآن. وأما الحكمة فيه فظاهرة إذ هو من المعجزات المحسوسة الباهرة للعقول. وأما تخصيص البقرة، فإن كثيرا من حكمة الله تعالى لا يمكن للبشر الوقوف عليه. ولو لم يكن في تخصيص بقرة على وصف مخصوص إلّا توافر المأمورين بذلك على طلبها، واستيجاب الثواب في بذل ثمنها، وجلب نفع توفر إلى صاحبها- لكان في ذلك حكمة عظيمة. وفي الآية تنبيه على أن الجماعة التي حكمهم واحد يجوز أن ينسب الفعل إليهم وإن كان واقعا من بعضهم، ولا يكون ذلك كذبا. كأن الجملة المركبة من شخص واحد يصح أن ينسب إليها ما وقع من عضو منها. وقد ذكر أكثر المفسرين قصة البقرة وصاحبها بروايات مختلفة لم نورد شيئا منها لأنه لم يرو بسند صحيح إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولا يتعلق به كبير فائدة. كما أن البعض من البقرة لم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه. فنحن نبهمه كما أبهمه الله تعالى. إذ ليس في تعيينه لنا فائدة دينية ولا دنيوية. وإن كان معيّنا في نفس الأمر. وأيّا كان فالمعجزة حاصلة به. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 74] ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ المخاطبون إما أهل الكتاب الذين كانوا في زمنه صلّى الله عليه وسلّم، أي اشتدت قلوبكم وقست وصلبت من بعد البينات التي جاءت أوائلكم، والأمور التي جرت عليهم، والعقاب الذي نزل بمن أصرّ على المعصية منهم، والآيات التي جاءهم بها أنبياؤهم، والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم، وعلى كل من دان بالتوراة ممن سواهم. فأخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب. وهذا أولى. لأن قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ، خطاب مشافهة. فحمله على الحاضرين أولى. وأما أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصا، أو من قبل المخاطبين من سلفهم. والله أعلم. فَهِيَ كَالْحِجارَةِ في القساوة أَوْ أَشَدُّ منها قَسْوَةً أي هي في القسوة مثل الحجارة أو زائد عليها فيها. وأَوْ للتخيير أو للترديد. بمعنى أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بما هو أقسى كالحديد. أو من عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، وترك ضمير المفضل عليه للأمن من الالتباس وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ أي يتفتح بالسعة والكثرة مِنْهُ الْأَنْهارُ بيان لأشديّة قلوبهم من الحجارة في القساوة وعدم التأثر بالعظات والقوارع التي تميع منها الجبال وتلين بها الصخور، يعني أن الحجارة ربما تتأثر حيث يكون منها ما يتفجر منه المياه العظيمة وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ أي يتشقق فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ أي العيون الي هي دون الأنهار وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أي يتردّى من رأس الجبل من خشية الله، انقيادا لما سخره له من الميل إلى المركز بالسلاسة، قاله القاشانيّ. وقد ذهب بعض المفسرين إلى الاستدلال بظاهر الآية على خلق التمييز في الجماد حتى يخشى ويسبح. والمحققون على أن هذه الآية وأمثالها من المجاز البليغ. وأن الإطلاق لا ينحصر في الحقيقة. لا سيما وأن المجاز أكثر في اللسان منها، كما بسط في مطولات البيان. وقد رد الإمام ابن حزم، في أول كتابه «الفصل» على من زعم أن للحيوان والجماد تمييزا، ردا مسهبا. وقال: من ادعى ذلك أكذبه العيان. ثم استثنى ما كان معجزة للأنبياء عليهم السلام. (قال) ولعل معترضا يعترض بقوله تعالى يصف الحجارة وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فقد علمنا بالضرورة أن الحجارة لم تؤمر بشريعة ولا بعقل ولا بعث
إليها نبيّ. فإذ لا شك في هذا، فإن القول منه تعالى يخرج على أحد ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون الضمير في قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ راجع إلى القلوب المذكورة في أول الآية في قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً فذكر تعالى أن من تلك القلوب القاسية ما يقبل الإيمان يوما ما، فيهبط عن القسوة إلى اللين من خشية الله تعالى، وهذا أمر يشاهد بالعيان، فقد تلين القلوب القاسية بلطف الله تعالى، ويخشى العاصي. وقد أخبر عز وجلّ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ [آل عمران: 199] ، وكما أخبر تعالى أن مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [التوبة: 99] من بعد أن أخبر أن الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً [التوبة: 97] . (قال) فهذا وجه ظاهر متيقن الصحة. والوجه الثاني أن الخشية المذكورة في الآية إنما هي التصرف بحكم الله تعالى وجري أقداره، كما قلنا في قوله تعالى حاكيا عن السماء والأرض قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: 11] . والوجه الثالث أن يكون الله تعالى عنى بقوله وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ الجبل الذي صار دكّا، إذ تجلى الله تعالى له يوم سأله كليمه عليه السلام الرؤية، فذلك الجبل بلا شك من جملة الحجارة وقد هبط عن مكانه من خشية الله تعالى، وهذه معجزة وآية وإحالة طبيعة في ذلك الجبل خاصة. ويكون يَهْبِطُ بمعنى «هبط» كقوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال: 30] معناه: وإذ مكر، وبين قوله تعالى، مصدقا إبراهيم خليله صلّى الله عليه وسلّم في إنكاره على أبيه عبادة الحجارة لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ [مريم: 42] وقوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ، قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ [الزمر: 43] فصح بهذا، صحة لا مجال للشك فيها، أن الحجارة لا تعقل. وإذ تيقن ذلك بالنص وبالضرورة والمشاهدة فقد انتفى عنها النطق والتمييز والخشية، المعهود كل ذلك عندنا. وأما الأحاديث المأثورة في أن الحجر له لسان وشفتان، والكعبة كذلك، وأن الجبال تطاولت، وخشع جبل كذا، فخرافات موضوعة نقلها كل كذاب وضعيف، لا يصح منها شيء من طريق الإسناد أصلا. ويكفي من التطويل في ذلك أنه لم يدخل شيئا منها من انتدب من الأئمة لتصنيف الصحيح من الحديث، أو ما يستجاز روايته، مما يقارب الصحة (انتهى كلام ابن حزم) . وقال ابن جرير: اختلف أهل النحو في معنى الهبوط- ما هبط من الأحجار من خشية الله- فقال بعضهم: إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيّؤ ظلاله. وقال
آخرون: ذلك الجبل الذي صار دكا إذ تجلى له ربه. وقال آخرون: قوله يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ كقوله جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: 77] ولا إرادة له. قالوا: وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله يرى كأنه هابط خاشع من ذلّ خشية الله. قال زيد الخيل: بجمع تضلّ البلق في حجراته ... ترى الأكم منه سجّدا للحوافر وكما قال سويد بن أبي كاهل، يصف عدوّا له: ساجد المنخر لا يرفعه ... خاشع الطّرف أصمّ المستمع يريد أنه ذليل. وكما قال جرير بن عطية: لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشّع وقال آخرون: معنى قوله يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أي يوجب الخشية لغيره بدلالته على صانعه. كما قيل: ناقة تاجرة إذا كانت، من نجابتها وفراهتها، تدعو الناس إلى الرغبة فيها، كما قال جرير بن عطية: وأعور من نبهان، أمّا نهاره ... فأعمى، وأمّا ليله فبصير فجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهانيّ الذي يهجوه. من أجل أنه فيهما كان ما وصفه به. ثم اختار ابن جرير ما يقتضيه ظاهر الآية. وتقدم رد ابن حزم له مبرهنا عليه. ثم رأيت الإمام الراغب حاول هنا تقريب ما نقل من الوقوف على ظاهرها بتأويله. وعبارته: قال مجاهد وابن جريج: كل حجر تردى من رأس جبل فخشية الله نزلت به، وقال الزجاج: الهابط منها قد جعل له معرفة، قال ويدل على ذلك قوله لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر: 21] ، وقال أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الحج: 18] ، إلى قوله: وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ [الحج: 18] ، وقد روي مثل هذا عن السلف، ولا بد في معرفة ذلك من مقدمة تكشف عن وجه هذا القول، وحقيقته. فإن قوما استسلموا لما حكي لهم من هذا النحو، فانطووا على شبهة. وقوما استبعدوا ذلك واستخفوا عقل رواته وقائليه، فيقال وبالله التوفيق: إن قوما من المتقدمين ذكروا أن جميع المعارف على أضرب: الأول المعرفة التامة التي هي العلم التام.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 75]
وذلك لعلّام الغيوب الذي أحاط بكل شيء علما. والثاني معرفة متزايدة، وهي للإنسان. وذاك أن الله تعالى جعل له معرفة غريزية. وجعل له بذلك سبيلا إلى تعريف كثير مما لم يعرفه. وليس ذلك إلا للإنسان. والثالث معرفة دون ذلك، وهي معرفة الحيوانات التي سخرها لإيثار أشياء نافعة لها والسعي إليها. واسترذال أشياء هي ضارة لها وتجنبها، ودفع مضار عن أنفسها. والرابع: معرفة الناميات من الأشجار والنبات، وهي دون ما للحيوانات، وليس ذلك إلا في استجلاب المنافع وما ينميها. والخامس: معرفة العناصر. فإن كل واحد منها مسخر لأن يشغل المكان المختص به كالحجر في طلب السفل، والنار في طلب العلوّ، وذلك بتسخير الله تعالى، بلا اختيار منه. قالوا: والدلالة على ذلك أن كل واحد من هذه العناصر إذا نقل من مركزه قهرا، أبى إلا العود إليه طوعا. قالوا ويوضح ذلك أن السراج يجتذب الأدهان التي تبقيه. ويأبى الماء الذي يطفيه. وأن المغناطيس يجر الحديد ولا يجر غيره. هذا ما حكوه. فعلى هذا إذا قيل: لهذه الأشياء معرفة، فليس ببعيد، متى سلم لهم أن هذه القوى تسمى معرفة. فأما إذا قيل إن للجمادات معارف الإنسان في أنها تميز وتختار وتريد، فهذا مما تعافه العقول. (انتهى قول الراغب) وهو تأويل حسن، ومبناه على أن اصطلاح السلف في كثير من الإطلاقات غير اصطلاحات الخلف. وهو مسلم في كثير من الإطلاقات. وقوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فيه من التهديد وتشديد الوعيد ما لا يخفى. فإن الله عز وجل إذا كان عالما بما يعملونه، مطلعا عليه غير غافل عنه، كان لمجازاتهم بالمرصاد. ولما بيّن سبحانه وتعالى قساوة قلوبهم، تسبب عن ذلك بعدهم عن الإيمان، فالتفت إلى المؤمنين يؤيسهم من فلاحهم تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم عما كان يشتد حرصه عليه من طلب إيمانهم في معرض التنكيت عليهم، والتبكيت لهم، منكرا للطمع في إيمانهم فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 75] أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) أَفَتَطْمَعُونَ أيها المؤمنون بعد أن علمتم تفاصيل شؤون أسلافهم المؤيسة
عنهم أَنْ يُؤْمِنُوا أي هؤلاء اليهود الذين بين أظهركم وهم متماثلون في الأخلاق الذميمة، لا يأتي من أخلافهم إلا مثل ما أتى. من أسلافهم، (واللام في قوله) لَكُمْ لتضمين معنى الاستجابة. كما في قوله عز وجل فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: 26] ، أي في إيمانهم مستجيبين لكم. أو للتعليل أي في أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ أي طائفة فيمن سلف منهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ وهو ما يتلونه من التوراة ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ قال ابن كثير: أي يتأولونه على غير تأويله. وقال ابن جرير: يعني بقوله يُحَرِّفُونَهُ يبدلون معناه وتأويله ويغيّرونه، وأصله من انحراف الشيء عن جهته وهو ميله عنها إلى غيرها. فكذلك قوله يُحَرِّفُونَهُ أي يميلونه عن وجهه، ومعناه الذي هو معناه، إلى غيره. مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ أي فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله. قال ابن جرير: هذا إخبار عن إقدامهم على البهت ومناصبتهم العداوة له ولرسوله موسى عليه السّلام. وأن بقاياهم في العصر المحمديّ على مثل ما كان عليه أوائلهم في العصر الموسويّ بغيا وحسدا. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [المائدة: 13] ، والظاهر أن المراد، بالفريق منهم، أحبارهم، وإنما فعلوا ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه الله تعالى، من بعد، في قوله تعالى: وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا [آل عمران: 187] ، وقال يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [البقرة: 146] . ولقائل أن يقول، كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول اليأس من إيمان الباقين، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين. وأجاب القفال عنه فقال: يحتمل أن يكون المعنى: كيف يؤمن هؤلاء، وهم إنما يأخذون دينهم، ويتعلمونه من قوم هم يتعمدون التحريف عنادا، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وغيّروه عن وجهه، والمقلدة لا يقبلون إلا ذلك، ولا يلتفتون إلى أقوال أهل الحق، وهو قولك للرجل كيف تفلح، وأستاذك فلان؟ أي وأنت عنه تأخذ، ولا تأخذ عن غيره. ونحوه قول الراغب: لما كان الإيمان هو العلم الحقيقيّ مع العمل بمقتضاه، فمتى لم يتحر ذلك من حصل له بعض العلوم، فحقيق أن لا يحصل لمن غبي عن كل العلوم. فذكر ذلك تبعيدا لإيمانهم لا يأسا للحكم بذلك، إذ ليس كل ما لا يطمع فيه كان مأيوسا (ثم قال الراغب) وفي الآية تنبيه أن ليس المانع للإنسان من تحري الإيمان الجهل به فقط، بل يكون عنادا وغلبة شهوة.
(تنبيه) ما نقلناه عن ابن جرير وابن كثير في تفسير ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ هو الأنسب باعتبار سوق الآية الكريمة، ولا يتوهم من ذلك دفع تحريفهم اللفظيّ عن التوراة، فإنه واقع بلا ريب، فقد بدلوا بعضا منها وحرفوا لفظه، وأوّلوا بعضا منها بغير المراد منه، وكذا يقال في الإنجيل. ويشهد لذلك كلام أحبارهم، فقد نقل العلامة الجليل الشيخ رحمه الله الهنديّ في كتابه (إظهار الحق) : أن أهل الكتاب سلفا وخلفا، عادتهم جارية بأنهم يترجمون غالبا الأسماء في تراجمهم، ويوردون بدلها معانيها، وهذا خبط عظيم ومنشأ للفساد، وأنهم يزيدون تارة شيئا بطريق التفسير في الكلام، الذي هو كلام الله في زعمهم، ولا يشيرون إلى الامتياز، وهذان الأمران بمنزلة الأمور العادية عندهم. ومن تأمل في تراجمهم المتداولة بألسنة مختلفة وجد شواهد تلك الأمور كثيرة. ثم ساق بعضا منها فانظره. وفي ذخيرة الألباب، لأحد علماء النصارى، ما مثاله: إن بعضهم ذهب إلى أن الروح القدس لم يق الكتبة عثرة الخطأ الطفيف، ولا كفاهم زلة القدم حتى لم يستحل أنهم خلطوا البشريات بالإلهيات. وفيه أيضا: إن بين النسخة العبرانية والسامرية واليونانية من الأسفار الخمسة خلافا عظيما في أمر التاريخ. فإذا تحريف الأسفار الخمسة أمر بيّن. وفيه أيضا في الفصل (31) : أن بعض علمائهم زعم أنه وجد في الترجمة اللاتينية العامية للعهدين العتيق والجديد نيفا وأربعة آلاف غلطة، ورأى آخر فيها ما يزيد على الثمانية آلاف خطأ. انتهى. فثبت من شهادتهم وقوع التحريف اللفظيّ فيها. وهو المقصود. وأما القول بتحريف الأسفار كلها أو جلها، فهو إفراط. قال الحافظ ابن حجر في أواخر شرح الصحيح في باب قول الله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ [البروج: 21] : إن القول بأنها بدلت كلها مكابرة. والآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل. من ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: 157] الآية. ومن ذلك قصة رجم اليهوديين «1» وفيه وجود آية الرجم ويؤيده قوله تعالى
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 76]
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: 93] . وقد أسلفنا تتمة هذا البحث في مقدمة التفسير في الكلام على الإسرائيليات. فارجع إليه. ثم أخبر تعالى، عن تخلق أولئك المأيوس من إيمانهم من اليهود بأخلاق المنافقين وسلوكهم منهاجهم، بقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 76] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا أي بالله ورسوله من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم قالُوا آمَنَّا أي بأنكم على الحق، وأن محمدا هو الرسول المبشر به، وكأنهم يقولون ذلك إرضاء لحلفائهم من الأوس والخزرج، أو جهرا بحقيقة لا يسعهم، أمام حلفائهم، السكوت عنها. وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ يعني الذين لم ينافقوا إِلى بَعْضٍ أي الذين نافقوا قالُوا أي عاتبين عليهم أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي بما بيّن لكم في التوراة من البشارة بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والإيمان بالنبيّ الذي يجيئكم مصدقا لما معكم، ونصره. قال ابن إسحاق: أي أتقرّون بأنه نبيّ، وقد علمتم أنه أخذ له الميثاق عليكم باتّباعه، وهو يخبرهم أنه النبيّ الذي نجده في كتابنا، اجحدوه ولا تقرّوا به. قال ابن جرير: أصل الفتح في كلام العرب القضاء والحكم. والمعنى: أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاه فيكم؟ ومن حكمه تعالى وقضائه فيهم، ما أخذ به ميثاقهم من الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وبما جاء به في التوراة. لِيُحَاجُّوكُمْ متعلقة بالتحديث، دون الفتح، أي ليقيم المؤمنون به عليكم الحجة بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أي لتكون الحجة للمؤمنين عليكم في الآخرة، فيقولون: ألم تحدثونا بما في كتابكم، في الدنيا، من حقيّة ديننا، وصدق نبينا؟ فيكون ذلك زائدا في ظهور فضيحتكم، وتوبيخكم على رؤوس الخلائق، في الموقف. لأنه ليس من اعترف بالحق، ثم كتم، كمن ثبت على الإنكار.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 77]
وتأول الراغب الأصفهانيّ قوله تعالى: عِنْدَ رَبِّكُمْ أي في حكمه وكتابه، كما هو وجه في آية فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ، فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ [النور: 13] أي في حكم الله وقضائه، وهو وجه جيد، وقوله أَفَلا تَعْقِلُونَ من تمام التوبيخ والعتاب، فهو من جملة الحكاية عنهم على سبيل إنكار بعضهم على بعض. قال الراغب: ويصح أن تكون استئناف إنكار من الله عز وجل، على سبيل ما يسمى في البلاغة «الالتفات» . ويصح أن يكون ذلك خطابا للمؤمنين، تنبيها على ما يفعله الكفار والمنافقون. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 77] أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (77) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ أي يخفون من قولهم لأصحابهم، ومن غيره وَما يُعْلِنُونَ أي يظهرون من ذلك، فيخبر به أولياءه. قال الراغب: هذا تبكيت لهم، وإنكار لما يتعاطونه، مع علمهم بأن الله لا يخفى عليه خافية. ولما ذكر العلماء من اليهود الذين عاندوا بالتحريف، مع العلم والاستيقان، ذكر العوامّ الذين قلدوهم، ونبّه على أنهم في الضلال سواء. لأن العالم عليه أن يعمل بعلمه، وعلى العامّيّ أن لا يرضى بالتقليد والظن، وهو متمكن من العلم، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 78] وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ أي لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها من دلائل النبوة، فيؤمنوا. لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ أي التوراة، أي لا يدرون ما فيها من حدود وأحكام ومواثيق إِلَّا أَمانِيَّ بالتشديد جمع أمنية، أصلها أمنوية «أفعولة» فأعلّت إعلال سيّد، وميّت. مأخوذة من تمنى الشيء: قدّره وأحب أن يصير إليه. أو من تمنّى: كذب. أو من تمنى الكتاب: قرأه. وعلى كل فالاستثناء منقطع، إذ ليس ما يتمنى، وما يختلق وما يتلى، من جنس علم الكتاب أي لا يعلمون الكتاب. لكن يتمنون أمانيّ حسبما منّتهم أحبارهم من أن الله سبحانه يعفو عنهم. وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم. وغير ذلك من أمانيهم الفارغة. المستندة إلى الكتاب، على
زعم رؤسائهم. أو لا يعلمون الكتاب، لكن أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم. فتقبلوها على التقليد. أو لا يعلمون الكتاب لكن يتلقونه قدر ما يتلى عليهم. فيقبلونه من غير أن يتمكنوا من التدبر والتأمل فيه. قال ابن جرير: وأولى ما روينا في تأويل قوله إِلَّا أَمانِيَّ أن هؤلاء الأميين لا يفقهون، من الكتاب الذي أنزله الله، شيئا. ولكنهم يتخرصون الكذب ويتقوّلون الأباطيل كذبا وزورا. والتمني في هذا الموضع هو تخلّق الكذب وتخرّصه وافتعاله. بدليل قوله تعالى بعد وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فأخبر عنهم أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ظنا منهم، لا يقينا. وقال أبو مسلم الأصفهانيّ: حمله على تمني القلب أولى. بدليل قوله تعالى وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ [البقرة: 111] أي تمنيهم. وقال الله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء: 123] ، وقال تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ [البقرة: 111] ، وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ، وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ، إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: 24] بمعنى يقدّرون ويخرصون. ورجح كثيرون حمله على القراءة، كقوله تعالى: إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: 52] ، إذ في الاستثناء، حينئذ، نوع تعلق بما قبله. فيكون أليق في طريقة الاستثناء. وإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ما هم إلّا قوم قصارى أمرهم الظن والتقليد، من غير أن يصلوا إلى رتبة العلم. فأنى يرجى منهم الإيمان المؤسس على قواعد اليقين؟ (تنبيه) قال الراغب: قد أنبأ الله عن جهل الأميين وذمهم والمبالغة في ذم علمائهم وأحبارهم. فإن الأميين لم يعرفوا إلا مجرد التلاوة. واعتمدوا على زعمائهم وأحبارهم. وهم قد ضلوا وأضلوا. ونبهنا الله تعالى بذم الأميين، على اكتساب المعارف لئلا يحتاج إلى التقليد والاعتماد على من لا يؤمن كذبه. وبذم زعمائهم، على تحرّي الصدق وتجنب الإضلال. إذ هو أعظم من الضلال. ولما بين حال هؤلاء في تمسكهم بحبال الأمانيّ واتباع الظن، عقب ببيان حال الذين أوقعوهم في تلك الورطة، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل. فقيل على وجه الدعاء عليهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 79]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 79] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) فَوَيْلٌ فإن أضيف، نصب. نحو: ويلك وويحك- وإذا فصل عن الإضافة، رفع. نحو: ويل له. الويل: الهلاك وشدة العذاب لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ أي المحرّف. أو ما كتبوه من التأويلات الزائفة بِأَيْدِيهِمْ تأكيد لدفع توهم المجاز. كقولك: كتبته بيميني. وقد يقال في مثل هذا: إن فائدته تصوير الحالة في النفس كما وقعت حتى يكاد السامع لذلك أن يكون مشاهدا للهيئة ثُمَّ يَقُولُونَ لما كتبوه، كذبا وبهتانا هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ أي يأخذوا لأنفسهم بمقابلته ثَمَناً قَلِيلًا أي عرضا يسيرا. ويجوز في الآية معنى آخر. أي: فويل للذين يكتبون كتاب التوراة بأيديهم ثم يقولون: هذا من عند الله، فيشهدون بذلك، وكان من مقتضى كتابتهم بأيديهم التي تقفهم من الكتاب على ما لا يقفون عليه، لو كان كتابة غيرهم، ومقتضى قولهم وإقرارهم بأنه من عند الله- الوقوف مع عهوده ومواثيقه، إجلالا لمنزله وموحيه، ودعوى الناس إلى ظواهره وخوافيه. ولكن لم يكن ذلك منهم. بل كان أن حرّفوا كلمه عن مواضعه ليشتروا به ثمنا قليلا. وحاصل هذا الوجه إبقاء الكتاب المكتوب على أصله، وصدقهم في قولهم: هذا من عند الله. ثم مخالفتهم لذلك. فيكون قوله تعالى لِيَشْتَرُوا بِهِ تعليلا لمحذوف دل عليه السياق. أي ثم بعد ذلك يحرفونه ليشتروا به. وهو وجه جيد يوافق آية يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وربما يشير إلى هذا الوجه قول مجاهد فيما رواه ابن جرير: هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله يحرفونه فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ أي: فشدّة العذاب لهم مما غيرت أيديهم وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ يصيبون من الحرام والسحت. قال الراغب: إن قيل: لم ذكر يَكْسِبُونَ بلفظ المستقبل وكَتَبَتْ بلفظ الماضي؟ قيل: تنبيها على ما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم «من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» «1» فنبه بالآية أن ما أضلّوه وأثبتوه من التأويلات
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 80]
الفاسدة، التي يعتمدها الجهلة، هو اكتساب وزر يكتسبونه حالا فحالا (إن قيل) لم ذكر الكتابة دون القول (قيل) لمّا كانت الكتابة متضمنة للقول وزائدة عليه، إذ هو كذب باللسان واليد، صار أبلغ. لأن كلام اليد يبقى رسمه والقول يضمحل أثره. (إن قيل) : ما الذي كانوا يكتبونه؟ (قيل) : روي عن بعض السلف أن رؤساء اليهود كانوا يغيرون من التوراة نعت النبي صلّى الله عليه وسلّم. ثم يقولون هذا من عند الله. وهذا فصل يحتاج إلى فضل شرح. وهو أنه يجب أن يتصور أن كل نبيّ أتى بوصف لنبيّ بعده، فإنه أتى بلفظة معرّضة وإشارة مدرجة، لا يعرفها إلا الراسخون في العلم. وقد قال العلماء: ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبي صلّى الله عليه وسلّم. لكن بإشارات. ولو كان ذلك متجليا للعوامّ لما عوتب علماؤهم في كتمانه. ثم ازداد ذلك غموضا بنقله من لسان إلى لسان: من العبرانيّ إلى السريانيّ إلى العربيّ. وقد ذكر المحصلة ألفاظا من التوراة والإنجيل، إذا اعتبرت وجدت دالة على صحة نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم بتعريض. هو عند الراسخين في العلم جليّ وعند العامة خفيّ. فبان بهذه الجملة أن ما كتبت أيديهم كانت تأويلات محرّفة. وقد نبه الله تعالى بالآية على التحذير من تغيير أحكامه، وتبديل آياته، وكتمان الحق عن أهله، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طمعا في عرض الدنيا. وقد تقدم أنه عنى بالثمن القليل، أعراض الدنيا وإن كثرت. لقوله تعالى: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [النساء: 77] ، كلام الراغب رحمه الله. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 80] وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (80) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً بيان لبعض آخر من جناياتهم فيما ادّعوا لأنفسهم من أنهم لا تمسهم النار في الآخرة إلّا مدة يسيرة. ومرادهم بذلك أنهم لا يخلدون فيها. لأن كل معدود منقض. قال مجاهد: كانت اليهود تقول: إنما الدنيا سبعة آلاف سنة. فإنما نعذّب، مكان كل ألف سنة، يوما. ثم ينقطع العذاب. وروي ذلك عن ابن عباس. وعنه أن اليهود قالوا: لن ندخل النار إلا الأيام التي عبدنا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 81]
فيها العجل، أربعين، فإذا انقضت انقطع عنا العذاب. ثم بين تعالى إفكهم. لأن العقل لا طريق له إلى معرفة ذلك، وإنما سبيل معرفته الإخبار منه تعالى، وهو منتف. فقال سبحانه قُلْ منكرا لقولهم وموبّخا لهم أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً أي عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أي فتقولوا لن يخلف الله عهده. وجعل بعضهم الفاء فصيحة معربة عن شرط مقدر. أي: إن كان الأمر كذلك فلن يخلفه أَمْ تَقُولُونَ أي: أم لم يكن ذلك فأنتم تقولون مفترين عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي وقوعه جهلا وجراءة. وقولهم المحكيّ، وإن لم يكن تصريحا بالافتراء عليه سبحانه، لكنه مستلزم له. لأن ذلك الجزم لا يكون إلا بإسناد سببه إليه تعالى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 81] بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (81) بَلى إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ أي بلى تمسكم أبدا. بدليل قوله هُمْ فِيها خالِدُونَ، مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً أي عملها وهي والسيء عملان قبيحان أصلها سيوءة. من: ساءه يسوه. فأعلّت إعلال سيد. ثم أوضح سبحانه أن مجرد كسب السيئة لا يوجب الخلود في النار، بل لا بد أن يكون سببه محيطا به فقال وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ أي غمرته من جميع جوانبه فلا تبقي له حسنة. وسدت عليه مسالك النجاة. بأن عمل مثل عملكم أيها اليهود. وكفر بما كفرتم به حتى يحيط كفره بما له من حسنة فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. (تنبيه) ذهب أهل السنة والجماعة إلى أنّ الخلود في النار إنما هو للكفار والمشركين لما ثبت في السنة، تواترا، من خروج عصاة الموحدين من النار. فيتعين تفسير السيئة والخطيئة، في هذه الآية، بالكفر والشرك. ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 82] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ من عادة
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 83]
التنزيل العزيز أنه لا يذكر فيه آية في الوعيد إلا ويتلوها آية في الوعد. وذلك لفوائد: منها، ليظهر بذلك عدله سبحانه. لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرّين على الكفر، وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرّين على الإيمان. ومنها، أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه. وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق. ومنها، أنه يظهر بوعده كمال رحمته، وبوعيده كمال حكمته، فيصير ذلك سببا للعرفان. وقد قدمنا عند قوله تعالى وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [البقرة: 25] أن السلف أجمعوا على أن الإيمان قول وعمل. فإذا عطف عليه العمل، فإما أن يكون من عطف الخاص على العام. أو يقال: لم يدخل فيه ولكن مع العطف. كما في اسم الفقير والمسكين. فتذكر. قال الراغب: في هذه الآية دليل على أن قوله تعالى من قبل: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً هو الكفر، وإحاطة الخطيئة به، الأعمال السيئة، وذلك لما قابله به من الإيمان والأعمال الصالحة. ثم شرع، سبحانه، يقيم الدليل على أنهم ممن أحاطت به خطيئته فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 83] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ثم بيّن الميثاق بقوله تعالى: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وهو إخبار في معنى النهي، كقوله تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة: 282] ، وكما تقول: تذهب إلى فلان وتقول له كذا، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي. وقد بدئ بأعلى الحقوق وأعظمها. وهو حق الله تبارك وتعالى. أن يعبد وحده ولا يشرك به شيئا. وبهذا أمر جميع خلقه. ولذلك خلقهم. كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] . وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36] . وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً والإحسان نهاية البر، فيدخل فيه جميع ما يجب من الرعاية والعناية، وقد أكد الله الأمر بإكرام الوالدين. حتى قرن
تعالى الأمر بالإحسان إليهما، بعبادته التي هي توحيده، والبراءة عن الشرك، اهتماما به وتعظيما له. قال حكيم مصر في تفسيره: العلة الصحيحة في وجوب هذا الإحسان على الولد، هي العناية الصادقة التي بذلاها في تربيته والقيام بشئونه أيام كان ضعيفا عاجزا جاهلا. لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضررا. وكانا يحوطانه بالعناية والرعاية. ويكفلانه، حتى يقدر على الاستقلال والقيام بشأن نفسه. فهذا هو الإحسان الذي يكون منهما، عن علم واختيار، بل مع الشغف الصحيح والحنان العظيم، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان. وإذا وجب على الإنسان أن يشكر، لكل من يساعده على أمر عسير، فضله، ويكافئه بما يليق به على حسب الحال في المساعد، وما كانت به المساعدة، فكيف لا يجب أن يكون الشكر للوالدين بعد الشكر لله تعالى، وهما اللذان كانا يسعدانه على كل شيء، أيام كان يتعذر عليه كل شيء وَذِي الْقُرْبى أي القرابة. قال الأستاذ الحكيم «الإحسان هو الذي يقوي غرائز الفطرة، ويوثق الروابط الطبيعية، حتى تبلغ البيوت، في وحدة المصلحة، درجة الكمال. والأمة تتألف من البيوت، أي العائلات. فصلاحها صلاحها. ومن لم يكن له بيت لا تكون له أمة. وذلك أن عاطفة التراحم وداعية التعاون إنما تكونان على أشدّهما وأكملهما في الفطرة بين الوالدين والأولاد. ثم بين سائر الأقربين. فمن فسدت فطرته حتى لا خير فيه لأهله، فأي خير يرجى منه للبعداء والأبعدين؟ ومن لا خير فيه للناس لا يصلح أن يكون جزءا من بنية أمته. لأنه لم تنفع فيه اللحمة النسبية التي هي أقوى لحمة طبيعية تصل بين الناس. فأي لحمة بعدها تصله بغير الأهل فتجعله جزءا منهم، يسره ما يسرهم ويؤلمه ما يؤلمهم ويرى منفعتهم عين منفعته، ومضرتهم عين مضرته؟ قضى نظام الفطرة بأن تكون نعرة القرابة أقوى من كل نعرة، وصلتها أمتن من كل صلة. فجاء الدين يقدّم حقوق الأقربين على سائر الحقوق. وجعل حقوقهم على حسب قربهم من الشخص. ثم ذكر تعالى حقوق أهل الحاجة من سائر الناس فقال سبحانه وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ. اليتامى جمع يتيم. وهو من مات أبوه وهو صغير. قدم تعالى الوصية به على الوصية بالمسكين، ولم يقيدها بفقر ولا مسكنة. فعلم أنها مقصودة لذاتها. وقد أكد تعالى في الوحي الوصية باليتيم. وفي القرآن والسنة كثير من هذه الوصايا. وحسبك أن القرآن نهى
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 84]
عن قهر اليتيم وشدد الوعيد على أكل ماله تشديدا خاصا. والسرّ في ذلك هو كون اليتيم لا يجد، في الغالب، من تبعثه عاطفة الرحمة الفطرية على العناية بتربيته والقيام بحفظ حقوقه والعناية بأموره الدينية والدنيوية. فإن الأم، إن وجدت، تكون في الأغلب عاجزة. لا سيما إذا تزوجت بعد أبيه. فأراد الله تعالى، وهو أرحم الراحمين، بما أكد من الوصية بالأيتام، أن يكونوا من الناس بمنزلة أبنائهم. يربونهم تربية دينية دنيوية، لئلا يفسدوا ويفسد بهم غيرهم، فينتشر الفساد في الأمة فتنحل انحلالا. فالعناية بتربية اليتامى هي الذريعة لمنع كونهم قدوة سيئة لسائر الأولاد. والتربية لا تتيسر مع وجود هذه القدوة. فإهمال اليتامى إهمال لسائر أولاد الأمة. وأما المساكين فلا يراد بهم هؤلاء السائلون الشحاذون الملحفون الذين يقدرون على كسب ما يفي بحاجاتهم، أو يجدون ما ينفقون ولو لم يكتسبوا. إلا أنهم قد اتخذوا السؤال حرفة يبتغون بها الثروة من حيث لا يعملون عملا ينفع الناس. ولكن المسكين من يعجز عن كسب ما يكفيه. وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً أي قولا حسنا. أي: كلموهم طيبا ولينوا لهم جانبا. وفيه من التأكيد والتحضيض على إحسان مقاولة الناس، أنه وضع المصدر فيه موضع الاسم، وهذا إنما يستعمل للمبالغة في تأكيد الوصف، كرجل عدل وصوم وفطر. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ خطاب لبني إسرائيل. فالمراد الصلاة التي كانوا يصلونها والزكاة التي كانوا يخرجونها. ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أي أعرضتم عن المضيّ على مقتضى الميثاق الذي فيه سعادتكم ورفضتموه. وقوله إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ استثناء لبعض من كانوا في زمن سيدنا موسى عليه السلام، أو في كل زمن. فإنه لا تخلو أمة من الأمم، من المخلصين الذين يحافظون على الحق بحسب معرفتهم وقدر طاقتهم. والحكمة في ذكر هذا الاستثناء عدم بخس المحسنين حقهم، وبيان أن وجود قليل من الصالحين في الأمة لا يمنع عنها العقاب الإلهيّ إذا فشا فيها المنكر، وقلّ المعروف. وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ عادتكم الإعراض عن الطاعة ومراعاة حقوق الميثاق. ثم نعى عليهم أيضا إخلالهم بواجب الميثاق المأخوذ عليهم في حقوق العباد بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 84] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ إخبار
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 85]
في معنى النهي. والمراد به النهي الشديد عن تعرض بعض بني إسرائيل لبعض بالقتل والإجلاء. أن لا يقتل بعضكم بعضا ولا يخرجه من منزله ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ أي أظهرتم الالتزام بموجب المحافظة على الميثاق المذكور وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ بلزومه. فهو توكيد للإقرار، كقولك: أقر فلان، شاهدا على نفسه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 85] ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ خطاب خاص للحاضرين، فيه توبيخ شديد تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ من غير التفات إلى هذا العهد الوثيق تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ أي تتعاونون عليهم بِالْإِثْمِ وهو الفعل الذي يستحق فاعله الذم واللوم وَالْعُدْوانِ وهو التجاوز في الظلم وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أي هؤلاء الذين تعاونتم أو عاونتم عليهم أُسارى بضم الهمزة، وفتح السين، والألف بعدها. وقرأ حمزة (أسرى) بفتح الهمزة، وسكون السين كقتلى، جمع أسير، وأصله المشدود بالأسر، وهو القدّ، وهو ما يقدّ أي يقطع من السير تُفادُوهُمْ بضم التاء وفتح الفاء. وقرئ تفدوهم بفتح التاء وسكون الفاء، أي تخلصوهم بالمال من الفداء. وهو الفكاك بعوض وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ الجملة حال من الضمير في تُخْرِجُونَ أو من فَرِيقاً أو منهما. وتخصيص بيان الحرمة هاهنا بالإخراج، مع كونه قرينا للقتل عند أخذ الميثاق، لكونه مظنة للمساهلة في أمره، بسبب قلة خطره بالنسبة إلى القتل. ولأن مساق الكلام لذمهم وتوبيخهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم معا. وذلك مختص بصورة الإخراج حيث لم ينقل عنهم تدارك القتلى بشيء من دية أو قصاص. وهو السرّ في تخصيص التظاهر به فيما سبق. ثم أنكر عليهم التفرقة بين الأحكام فقال أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ أي: التوراة وهو الموجب للمفاداة وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وهو المحرّم للقتل والإخراج. ثم اعلم أن ما ذكرناه في قوله تعالى تُفادُوهُمْ وفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ هو ما ذهب إليه جمهور المفسرين
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 86]
من أن ذلك وصف لهم بما هو طاعة، وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره، والإيمان بذلك. وذكر أبو مسلم أنه ضد ذلك. والمراد أنكم، مع القتل والإخراج، إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال وإن كان ذلك محرما عليكم، ثم عنده تخرجونه من الأسر. قال أبو مسلم: والمفسرون، إنما أتوا من جهة قوله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وهذا ضعيف لأن هذا القول راجع إلى ما تقدم من ذكر النبي صلّى الله عليه وسلّم وما أنزل عليهم. والمراد أنه إذا كان في الكتاب الذي معكم نبأ محمد فجحدتموه فقد آمنتم ببعض الكتب وكفرتم ببعض. وكلا القولين يحتمله لفظ المفاداة، لأن الباذل عن الأسير يوصف بأنه فاداه. والآخذ منه للتخليص يوصف أيضا بذلك. إلا أن الذي أجمع المفسرون عليه أقرب. لأن عود قوله أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية. أولى من عوده إلى أمور تقدم ذكرها بعد آيات. أفاده الرازيّ. فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إشارة إلى الكفر ببعض الكتاب مع الإيمان ببعض. أو إلى ما فعلوا من القتل والإجلاء مع مفاداة الأسارى إِلَّا خِزْيٌ ذلّ وهوان مع الفضيحة. والتنكير للتفخيم. فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وقد فعل سبحانه ذلك، فقتلت بنو قريظة وأجليت بنو النضير إلى أذرعات وأريحا من الشام. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ يعني النار وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 86] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا أي آثروا الْحَياةَ الدُّنْيا على خساستها. واستبدلوها بِالْآخِرَةِ مع نفاستها. فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ في واحدة من الدارين. وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: أنكر تعالى على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، في المدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج وهم الأنصار كانوا في الجاهلية عبّاد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، حلفاء الخزرج، وبنو نضير وبنو قريظة حلفاء الأوس فكانوا، إذا كانت بين الأوس والخزرج
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 87]
حرب، خرجت بنو قينقاع مع الخزرج وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه. فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها، ويسفكون دماءهم، وبأيديهم التوراة. يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان ولا يعرفون جنة ولا نارا ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حلالا ولا حراما، فإذا وضعت الحرب أوزارها وأسر الرجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم. فإذا عيرتهم العرب بذلك وقالوا: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا إنا أمرنا أن نفديهم وحرّم علينا قتالهم. فيقال: لم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن تستذلّ حلفاؤنا. فلذلك حين عيرهم عز وجل فقال: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ أي تفادوهم بحكم التوراة وتقتلونهم. وفي حكم التوراة أن لا يقتل ولا يخرج من داره ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا. هذا ملخص ما ساقه ابن كثير عن محمد بن إسحاق بسنده إلى ابن عباس. ورواه أيضا عن السدّيّ. فليحقق تصحيح هذه القصة. وفي الآية تفسير آخر. أي لا تقتلوا أنفسكم لشدة تصيبكم بسكّين أو خنق أو بارتكاب ما يوجب ذلك. كالارتداد والزنى بعد الإحصان. وقتل النفس بغير الحق نحو ذلك. ولا تسيئوا جوار من جاوركم فيضطرون إلى الخروج من دياركم. أو: لا تفسدوا فتكونوا سببا لإخراجكم أنفسكم. والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 87] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ شروع في بيان بعض آخر من جناياتهم. وتصديره بالجملة القسمية لإظهار كمال الاعتناء به. والمراد بالكتاب التوراة. وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ يقال: قفّاه به أتبعه إياه، من التقفية وهي متابعة شيء شيئا. كأنه يتلو قفاه، وقفا الصورة منها، خلفها المقابل للوجه. والمعنى لم نقتصر على الضبط بالكتاب الذي تركه فيكم موسى، بل أرسلنا من بعده الرسل تترى، ليجددوا لكم أمر الدين ويؤكدوا عليكم العهود. وَآتَيْنا عِيسَى اسم معرّب أصله يسوع. لفظة يونانية بمعنى مخلص. ومثله يشوع، بالمعجمة، في اللغة العبرانية ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 88]
المعجزات الواضحات التي لا مرية فيها لذي عقل. كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وَأَيَّدْناهُ أي قويناه على ذلك كله بِرُوحِ الْقُدُسِ بالروح المقدسة كما تقول: حاتم الجود ورجل صدق. وهي الروح الطاهرة التي نفخها الله فيه وميزه بها عن غيره ممن خلق. قال تعالى: وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء: 171] ، ولذا كان له، عليه الصلاة والسلام، بالروح مزيد اختصاص لكثرة ما أحيى من الموتى. وعن الحسن البصري: القدس هو الله. وروحه جبريل. والإضافة للتشريف. والمعنى أعنّاه بجبريل. قال الرازيّ: والذي يدل على أن روح القدس جبريل قوله تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ [النحل: 102] ، والله أعلم. وتخصيصه من بين الرسل عليهم السلام بالذكر ووصفه بما ذكر من إيتاء البينات والتأييد بروح القدس لحسم مادة اعتقادهم الباطل في حقه عليه السلام، ببيان حقيته وإظهار نهاية قبح ما فعلوا به عليه السلام أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ من الحق، أي لا تحبه. من هوى كفرح، إذا أحب اسْتَكْبَرْتُمْ عن الاتباع له والإيمان بما جاء به من عند الله تعالى فَفَرِيقاً منهم كَذَّبْتُمْ إذ لم تنل أيديكم مضرّته وَفَرِيقاً آخر منهم تَقْتُلُونَ غير مكتفين بتكذيبهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 88] وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (88) وَقالُوا بيان لنوع آخر من مخازيهم. والقائلون المعاصرون للنبيّ عليه السلام قُلُوبُنا غُلْفٌ هذا كقوله تعالى: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [فصلت: 5] ، أي هي مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها. فلا تفقهه. مستعار من الأغلف الذي لم يختن بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ رد الله أن تكون قلوبهم كذلك لأنها متمكنة من قبول الحق. وإنما طردهم عن رحمته بسبب كفرهم وزيغهم. وهذا كما قال في سورة النساء: وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: 155] . وقوله: فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ «ما» مزيدة للمبالغة أي فإيمانا قليلا يؤمنون. وهو إيمانهم ببعض الكتاب. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 89] وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ هو القرآن الكريم الذي مقصود هذه السورة. وصفه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 90]
بالهدى. وتنكيره للتفخيم. ونعته بقوله مِنْ عِنْدِ اللَّهِ للتشريف مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من التوراة. وجواب «لما» محذوف دل عليه جواب «لما» الثانية. وعليه، فقوله تعالى: وَكانُوا إلخ.. جملة معطوفة على الشرطية، عطف القصة على القصة. وقيل: جوابها كفروا. ولمّا الثانية تكرار للأولى، فلا تحتاج إلى جواب. وقيل: كفروا جواب للأولى والثانية لأن مقتضاهما واحد. وعلى الوجهين فجملة قوله وَكانُوا مِنْ قَبْلُ أي قبل مجيئه يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا جملة حالية مفيدة لكمال مكابرتهم وعنادهم. والاستفتاح: الاستنصار أي طلب النصر، أي يطلبون من الله النصر على المشركين لما أنهم كانوا مستذلين في جزيرة العرب، ولذا كانوا يحالفون بعض القبائل تعزّزا بهم على ما تقدم فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا صحته وصدقه. كان من حقهم أن يسارعوا إلى الإيمان به لظفرهم بأمنيتهم حينئذ، وهو انتصارهم على المشركين وحصول العزة لهم مع المؤمنين. ولكن كَفَرُوا بِهِ أي امتنعوا من الإيمان به خوفا من زوال رئاستهم وأموالهم. وأصرّوا على الإنكار مع علمهم بحقيقة نبوته. ولذا قال عبد الله بن سلام في قصة إسلامه «1» : يا معشر اليهود اتقوا الله. فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق. رواه البخاريّ في الهجرة. وروى أيضا أن عبد الله بن سلام لما بلغه مقدم النبي صلّى الله عليه وسلّم أتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ. فلما أجابه عنها قال: أشهد أنك رسول الله. وسنذكر الحديث بتمامه عند قوله تعالى مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [البقرة: 97] الآية إن شاء الله تعالى. وقوله فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ اللام فيه للعهد أي عليهم، ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم بسبب كفرهم، كما أن الفاء للإيذان بترتبها عليه. أو للجنس وهم داخلون في الحكم دخولا أوليّا. إذ الكلام فيهم. وأيّا ما كان فهو محقق لمضمون قوله تعالى: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 90] بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ «ما» نكرة موصوفة بما بعدها، منصوبة على التمييز، مفسرة لفاعل بئس. أي بئس شيئا باعوا به أنفسهم واعتاضوا لها، فرضوا به
وعدلوا إليه. والمخصوص بالذم قوله تعالى: أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي كفرهم بالكتاب المصدق لما معهم بعد الوقوف على حقيقته بَغْياً حسدا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ لأن ينزل، أو على أن ينزل. أي حسدوه على أن ينزل الله مِنْ فَضْلِهِ الذي هو الوحي عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي يشاؤه ويصطفيه للرسالة فَباؤُ بِغَضَبٍ أي رجعوا لأجل ذلك بغضب، في حسدهم لهذا النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى كفروا به عَلى غَضَبٍ كانوا استحقوه قبل بعثته صلّى الله عليه وسلّم من أجل تحريفهم الكلم، وتضييعهم بعض أحكام التوراة، وكفرهم بعيسى عليه السلام. قال الرازيّ: إن غضبه تعالى يتزايد ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته في العذاب، فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة، كغضبه على من كفر بخصال كثيرة. قلت: وفي الصحيحين عن أبي هريرة: «اشتد غضب الله على من زعم أنه ملك الأملاك لا ملك إلا الله» «1» . والروايات في توصيف غضبه تعالى بالشدة على بعض المنكرات متوافرة. انظر الجامع الصغير. ويحتمل المعنى. فصاروا أحقاء بغضب مترادف، فلا يكون القصد إثبات غضبين لأمرين متنوعين أو أمور، بل المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر، وإن كان واحدا، إلا أنه عظيم. والله أعلم. وقد قدمنا في تفسير قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ أن الغضب صفة وصف الله تعالى نفسه بها. وليس غضبه كغضبنا. كما أن ذاته ليست مثل ذواتنا، فليس هو مماثلا لأبداننا ولا لأرواحنا، وصفاته كذاته. وما قيل: إن الغضب من الانفعالات النفسانية فيقال نحن وذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات فينا لا يجب أن يكون الله منفعلا بها. كما أن نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين. فصفاته كذلك ليست كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه. وليس المنسوب كالمنسوب والمنسوب إليه كالمنسوب إليه. كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر» «2» فشبه الرؤية بالرؤية لا المرئيّ بالمرئيّ. وهذا يتبيّن بقاعدة: وهي أن كثيرا من الناس يتوهم، في بعض
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 91]
الصفات أو كثير منها أو أكثرها أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين. ثم يريد نفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير: أحدها كونه مثّل ما فهمه من النصوص لصفات المخلوقين. وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل. الثاني أنه إذ جعل ذلك هو مفهومها وعطّله فبقيت النصوص معطلة. عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله فيبقى مع جناية على النصوص، وظنه السّيئ الذي ظنه بالله ورسوله، حيث خلاف الذي يفهم من كلامهما، من إثبات صفات الله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى. الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير دليل. فيكون معطّلا عما يستحقه الرب تبارك وتعالى. الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الموات والجمادات وصفات المعدومات. فيكون قد عطل صفات الكمال التي يستحقها الرب. ومثّله بالمنقوصات والمعدومات. وعطّل النصوص عما دلت عليه من الصفات. وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات. فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل. سبحانه وتعالى عما يقول الظّالمون علوّا كبيرا. أفاده الإمام ابن تيمية. عليه الرحمة، في القاعدة التدمرية. وَلِلْكافِرِينَ أي لهم. والإظهار في موضع الإضمار للإشعار بعلّية كفرهم لما حاق بهم عَذابٌ مُهِينٌ يراد به إهانتهم. أي إذلالهم. فإن كفرهم، لما كان سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الآخرة كما قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر: 60] أي صاغرين حقيرين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 91] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي لليهود آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ على محمد صلّى الله عليه وسلّم وصدّقوه واتبعوه قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا من التوراة، ولا نقرّ إلا بها وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ حال من ضمير «قالوا» بتقدير مبتدأ. أي قالوا ما قالوا وهم يكفرون بما بعده وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ منها غير مخالف له. وفيه ردّ لمقالتهم. لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها قُلْ تبكيتا لهم ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي إن كنتم صادقين في دعواكم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 92]
الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم وأنتم تعلمون صدقهم. قتلتموهم بغيا وعنادا، واستكبارا على رسل الله. فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي كما قال تعالى أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ [البقرة: 87] والخطاب للحاضرين من اليهود والماضين، على طريق التغليب، وحيث كانوا مشاركين في العقد والعمل، كان الاعتراض على أسلافهم اعتراضا على أخلافهم. ودلت الآية على أن المجادلة في الدين من عرف الأنبياء عليهم السلام، وإن إيراد المناقضة على الخصم جائز. ولما دل على كذبهم في دعوى الإيمان بما فعلوا بعد موسى، أقام دليلا آخر أقوى مما تقدمه. فإنه لم يعهد إليهم في التوراة ما عهد إليهم في التوحيد والبعد عن الإشراك. وهو في النّسخ الموجودة بين أظهرهم الآن. وقد نقضوا جميع ذلك باتخاذ العجل في أيام موسى، وبحضرة هارون عليهما السلام. فقال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 92] وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (92) وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ من الآيات كفلق البحر وإنزال المنّ والسلوى وغير ذلك من الدلائل القاطعات على أنه رسول الله وأنه لا إله إلا الله ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ معبودا من دون الله مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد ما ذهب موسى عنكم إلى الطور لمناجاة الله عز وجل. كما قال تعالى وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [الأعراف: 148] وقوله تعالى: وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ أي بعبادته. واضعين لها في غير موضعها. أو بالإخلال بحقوق آيات الله تعالى. أو هو اعتراض. أي وأنتم قوم عادتكم الظلم. ثم ذكر أمرا آخر هو أبين في عنادهم وأنهم مع الهوى فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 93] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 94]
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ على الإيمان والطاعة. وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ قائلين خُذُوا ما آتَيْناكُمْ أي ما أمرتم به في التوراة بِقُوَّةٍ بجد وَاسْمَعُوا أطيعوا قالُوا سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك. وظاهر السوق يقتضي أنهم قالوا ذلك حقيقة. قال أبو مسلم: وجائز أن يكون المعنى: سمعوه فتلقوه بالعصيان. فعبّر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه: كقوله تعالى أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] . وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أي حبّه على حذف المضاف. وإقامة المضاف مقامه للمبالغة. أو العجل مجاز عن صورته. فلا يحتاج إلى حذف المضاف. وعلى كلّ، فأشربوا استعارة تبعية. إما من إشراب الثوب الصبغ- أي تداخله فيه- أو من إشراب الماء- أي تداخله أعماق البدن- والجامع السراية في كل جزء. وإسناد الفعل إليهم إيهام لمكان الإشراب. ثم بيّن بقوله فِي قُلُوبِهِمُ للمبالغة، فظهر وجه العدول عن مقتضى الظاهر وهو: وأشرب قلوبهم العجل. بِكُفْرِهِمْ بسبب كفرهم قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي كما زعمتم، بالتوراة. وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما في قصة شعيب أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ [هود: 87] وكذا إضافة الإيمان إليهم. وقوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قدح في صحة دعواهم. فإن الإيمان إنما يأمر بعباده الله وحده لا بشركة العبادة لما هو في غاية البلادة. فهو غاية الاستهزاء. وحاصل الكلام: إن كنتم مؤمنين بها عاملين، فيما ذكر من القول والعمل، بما فيها، فبئسما يأمركم به إيمانكم بها. وإذ لا يسوغ الإيمان بها مثل تلك القبائح فلستم بمؤمنين بها قطعا. فجواب الشرط محذوف، كما ترى، لدلالة ما سبق عليه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 94] قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) قُلْ كرر الأمر بتبكيتهم لإظهار نوع آخر من أباطيلهم. وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس. لكنه لم يحك عنهم قبل الأمر بإبطاله، بل اكتفى بالإشارة إليه في تضاعيف الكلام بقوله إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً نصب على الحال من الدار الآخرة. والمراد الجنة. أي سالمة لكم، خاصة بكم، ليس لأحد سواكم فيها حق كما تقولون لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 95]
[البقرة: 111] . مِنْ دُونِ النَّاسِ اللام للجنس أو للعهد وهم المسلمون فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فسلوا الموت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الأكدار، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالموت. والذي يتوقف عليه المطلوب لا بد وأن يكون مطلوبا، نظرا إلى كونه وسيلة إلى ذلك المطلوب. والمراد بالتمني هنا هو التلفظ بما يدل عليه كما أشرنا إليه، لا مجرد خطوره بالقلب وميل النفس إليه، فإن ذلك لا يراد في مقام المحاجّة ومواطن الخصومة ومواقف التحدي لأنه من ضمائر القلوب. وثمّ تفسير آخر للتمني بأن يدعوا إلى المباهلة والدعاء بالموت. وإليه ذهب ابن جرير. والأول أقرب إلى موافقة اللفظ. وقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 95] وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً من المعجزات لأنه إخبار بالغيب. وكان كما أخبر به. كقوله وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: 24] . بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ بما أسلفوا من أنواع العصيان. واليد مجاز عن النفس. عبّر بها عنها، لأنها من بين جوارح الإنسان، مناط عامة صنائعه. ولذا كانت الجنايات بها أكثر من غيرها. ولم يجعل المجاز في الإسناد، فيكون المعنى بما قدموا بأيديهم، ليشمل ما قدموا بسائر الأعضاء وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ أي بهم. تذييل للتهديد. والتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم، ونفيه عمن سواهم. ونظير هذه الآية في سورة الجمعة قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [الجمعة: 6- 7] . وقد تلطف الغزاليّ في توجيه الإتيان ب «لن» هنا و «لا» في سورة الجمعة بأن الدعوى هنا أعظم من الثانية، إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب، وأما مرتبة الولاية فهي، وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة. فلما كانت الدعوى الأولى أعظم، لا جرم بيّن تعالى فساد قولهم بلفظ «لن» لأنها أقوى الألفاظ النافية. ولما كانت الدعوى الثانية ليست في غاية العظمة اكتفى في إبطالها بلفظ «لا» لأنه ليس في نهاية القوة، في إفادة معنى النفي. والله أعلم. ولما أخبر تعالى عنهم أنهم لا يتمنون الموت، أتبعه بأنهم في غاية الحرص على الحياة بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 96]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 96] وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ التنكير يدل على أن المراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، ولذا كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي: على الحياة. وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا عطف على ما قبله بحسب المعنى، كأنه قيل: أحرص من الناس ومن الذين أشركوا. وإفرادهم بالذكر، مع دخولهم في الناس، للإيذان بامتيازهم من بينهم بشدة الحرص. للمبالغة في توبيخ اليهود. فإن حرصهم، وهم معترفون بالجزاء، لمّا كان أشد من حرص المشركين المنكرين له، دلّ ذلك على جزمهم بمصيرهم إلى النار. ويجوز أن يحمل على حذف المعطوف ثقة بإنباء المعطوف عليه، عنه، أي وأحرص من الذين أشركوا. وأما تجويز كون الواو للاستئناف وقد تم الكلام عند قوله: عَلى حَياةٍ تقديره وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ناس يود أحدهم، على حذف الموصوف، وقول أبو مسلم: إن في الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، ثم فسر هذه المحبة بقوله: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ- فلا يخفى بعده. لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر، أن يكون المراد: ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا، ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم: إن الدار الآخرة لنا، لا لغيرنا والله أعلم. يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ بيان لزيادة حرصهم، على طريق الاستئناف. ولَوْ مصدرية، بمعنى «أن» مؤوّل ما بعدها بمصدر، مفعول يود. أي يود أحدهم تعمير ألف سنة وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ما حجازية، والضمير العائد على أحدهم اسمها، وبمزحزحه خبرها، والباء زائدة، وأن يعمر فاعل مزحزحه، أي وما أحدهم المتمني بمن يزحزحه، أي يبعده وينجيه، من العذاب، تعميره. قال القاضي:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 97 إلى 98]
والمراد أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير، ولو قال تعالى: وما هو بمبعده وبمنجيه لم يدل على قلة التأثير كدلالة هذا القول وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ فسوف يجازيهم عليه. وما ذكره بعض المفسرين من أن البصير في اللّغة بمعنى العليم لا يخفى فساده، فإن العليم والبصير اسمان متباينا المعنى لغة. نعم! لو حمل أحدهما على الآخر مجازا لم يبعد، ولا ضرورة إليه هنا. ودعوى أن بعض الأعمال مما لا يصح أن يرى، فلذا حمل هذا البصر على العلم- هو من باب قياس الغائب على الشاهد، وهو بديهيّ البطلان. قال شمس الدين ابن القيم الدمشقيّ في كتاب الكافية الشافية. وهو البصير يرى دبيب النملة السّوداء تحت الصخر والصّوّان ويرى مجاري القوت في أعضائها ... ويرى عروق بياضها بعيان ويرى خيانات العيون بلحظها ... ويرى، كذاك، تقلّب الأجفان وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 97 الى 98] قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ. روى البخاريّ في صحيحه في كتاب التفسير عن أنس قال «1» : سمع عبد الله ابن سلام بقدوم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وهو في أرض يخترف، فأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: إنّي سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إلا نبيّ. فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: «أخبرني بهن جبريل آنفا» ، قال: جبريل؟ قال «نعم» قال: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ. «أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام أهل الجنّة، فزيادة كبد حوت. وإذا سبق ماء
الرجل ماء المرأة، نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت» قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني. فجاءت اليهود، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «أيّ رجل عبد الله فيكم» ؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال «أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام» ؟ فقالوا: أعاذه الله من ذلك! فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فقالوا: شرّنا وابن شرنا. وانتقصوه. قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. وروى الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال «1» : حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبيّ. وساق نحوا مما تقدم. وتتمته قالوا: أنت الآن، فحدثنا من وليّك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك، قال: فإن ولي جبريل، ولم يبعث الله نبيّا قط، إلا وهو وليه. قالوا: فعندها نفارقك. ولو كان وليّك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال: فما منعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدوّنا، فأنزل الله عز وجل قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ إلى قوله لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ فعندها باؤوا بغضب على غضب. وفي رواية للإمام أحمد والترمذيّ والنسائيّ في القصة: فأخبرنا من صاحبك؟ قال جبريل عليه السلام. قالوا: جبريل! ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب، عدونا. لو قلت «ميكائيل» الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان! فأنزل الله تعالى قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ إلى آخر الآية. ويؤخذ من روايات أخر أن سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين عمر بن الخطاب في أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم. فقد روى ابن جرير عن الشعبيّ قال: نزل عمر الرّوحاء، فرأى رجالا يبتدرون أحجارا يصلّون إليها. فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلى هاهنا. قال فكره ذلك، وقال: أيما؟ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أدركته الصلاة بواد فصلى، ثم ارتحل فتركه. ثم أنشأ يحدثهم، فقال: كنت أشهد اليهود يوم مدراسهم، فأعجب من التوراة كيف تصدّق الفرقان، ومن الفرقان كيف يصدّق التوراة! فبينما أنا عندهم ذات يوم، قالوا: يا ابن الخطاب! ما من أصحابك أحد أحبّ إلينا منك. قلت: ولم ذلك؟ قالوا: إنك تغشانا وتأتينا. قال قلت: إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان قال، ومرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا
ابن الخطاب! ذاك صاحبكم فالحق به. قال: فقلت لهم عند ذلك: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه، وما استودعكم من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا. قال: فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد عظّم عليكم فأجيبوه. قالوا: أنت عالمنا وسيدنا، فأجبه أنت. قال: أمّا إذ نشدتنا به. فإنا نعلم أنه رسول الله. قال: قلت ويحكم، إذا هلكتم. قالوا: إنا لم نهلك. قال: قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ثم لا تتبعونه ولا تصدقونه؟ قالوا: إن لنا عدوّا من الملائكة وسلما من الملائكة. وإنه قرن به عدونا من الملائكة. قال: قلت: ومن عدوكم، ومن سلمكم. قالوا: عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل. قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل؟ وفيم سالمتم ميكائيل؟ قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار، والتشديد والعذاب، ونحو هذا. وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف، ونحو هذا. قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما؟ قالوا: أحدهما عن يمنيه والآخر عن يساره، قال: قلت: فو الله الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدوّ لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما، ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدوّ ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدوّ جبريل. قال: ثم قمت فاتبعت النبي صلّى الله عليه وسلّم فلحقته وهو خارج من مخرفة لبني فلان. فقال لي: يا ابن الخطاب، ألا أقرئك آيات نزلن؟ فقرأ عليّ قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ حتى قرأ الآيات. قال: قلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك بالخبر، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر. ورواه مختصرا ابن أبي حاتم أيضا، وفيه انقطاع، فإن الشعبيّ لم يدرك زمان عمر رضي الله عنه. كذا قاله الحافظ ابن كثير، وساقه أيضا الواحديّ، وزاد في آخره: قال عمر: فلقد رأيتني في دين الله أشد من حجر. قال العلامة البقاعيّ: وقد روى هذا الحديث أيضا إسحاق بن راهويه في مسنده عن الشعبيّ، عن عمر رضي الله عنه. قال شيخنا البوصيريّ: وهو مرسل صحيح الإسناد، انتهى. وثمّ روايات متنوعات ساقها ابن كثير في تفسيره، لا نطوّل كتابنا بسردها، ومرجعها واحد. فإن قيل: بين رواية البخاريّ الأولى وما بعدها تناف. فالجواب: لا منافاة، لأن قراءته صلّى الله عليه وسلّم لها في محاورة عبد الله بن سلام، ردّا لقول اليهود، لا يستلزم نزولها حينئذ. فإن المعتمد في سبب نزولها غير قصة عبد الله بن سلام مما سلف
من الروايات. فإن طرقها يقوي بعضها بعضا، وكأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما قال له عبد الله بن سلام: إن جبريل عدو لليهود، تلا عليه الآية، مذكّرا له سبب نزولها- كذا قاله الحافظ ابن حجر في الفتح. وقد أشار إلى ذلك السيوطيّ في «الإتقان» حيث قال (تنبيه) قد يكون في إحدى القصتين، (فتلا) فيهم الراوي، فيقول (فينزل) . وقال العلامة ولي الله الدهلويّ قدس سره في كتابه «أصول التفسير» وقد تحقق عند الفقير أن الصحابة والتابعين كثيرا ما كانوا يقولون: نزلت الآية في كذا وكذا، وكأن غرضهم تصوير ما صدقت عليه الآية وذكر بعض الحوادث التي تشملها الآية بعمومها. سواء تقدمت القصة أو تأخرت. إسرائيليا كان ذلك أو جاهليا أو إسلاميا. استوعبت جميع قيود الآية أو بعضها، والله أعلم. فعلم من هذا التحقيق أن للاجتهاد في هذا القسم مدخلا. وللقصص المتعددة هنالك سعة. فمن استحضر هذه النكتة يتمكن من حل ما اختلف من سبب النزول بأدنى عناية. انتهى. وقوله تعالى لِجِبْرِيلَ قرئ في السبع بكسر الجيم والراء بلا همز، وبفتح الجيم بدونها أيضا، وبفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة ثم ياء وبدونها. قال ابن جنيّ: العرب إذا نطقت بالأعجميّ خلطت فيه. وقوله فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ تعليل لجواب الشرط قائم مقامه، والبارز الأول لجبريل عليه السلام، والثاني للقرآن، أضمر من غير سبق ذكر، إيذانا بفخامة شأنه، واستغنائه عن الذكر، لكمال شهرته ونباهته، لا سيما عند ذكر شيء من صفاته. وقوله عَلى قَلْبِكَ زيادة تقرير للتنزيل، ببيان محل الوحي، فإنه القابل الأول له، إن أريد به الروح. ومدار الفهم والحفظ إن أريد به العضو، وهذا كقوله نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [الشعراء: 193- 194] ، وكان حق الكلام أن يقال (على قلبي) لأنه المطابق لقل، ولكن جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به تحقيقا لكونه كلام الله. وأنه أمر بإبلاغه. وقوله بِإِذْنِ اللَّهِ أي بأمره. وقوله مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي من التوراة وبقية الصحف المنزلة. وقوله وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي يهدي للرشد وبشرى لهم بالجنة، كما قال تعالى قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ [فصلت: 44] الآية. وقال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: 82] ، وفيه رد على اليهود، حيث قالوا: إن جبريل ينزل بالحرب والشدة
كما تقدم، فقيل: فإنه ينزل بالهدى والبشرى أيضا. فإن قيل: من شأن الشرط والجزاء الاتصال بالسببية والترتب، فكيف استقام قوله فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ جزاء للشرط؟ أجيب بأن قوله فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ تعليل لجواب الشرط، كما أسلفنا. والمعنى: من عادى جبريل من أهل الكتاب، فلا وجه لمعاداته، بل يجب عليه محبته، فإنه نزل عليك كتابا مصدقا لكتبهم. فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه، في إنزاله ما ينفعهم، ويصحح المنزل عليهم. وقيل: الجواب محذوف تقديره «فليمت غيظا» . وعليه فلا يكون فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ نائبا عنه. ووجهه أن يقدر الجواب مؤخرا عن قوله فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ ويكون هو تعليلا وبيانا لسبب العداوة، كأنه قيل: من عاداه، لأنه نزل على قلبك فليمت غيظا. قال الرضى: كثيرا ما يدخل الفاء على السبب ويكون بمعنى اللام، قال الله تعالى فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الحجر: 34] ، وقيل تقديره: فهو عدو لي وأنا عدوه، بقرينة الجملة المعترضة المذكورة بعده في وعيدهم، وهي قوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ أي من كان عدوا لله لإنزاله فضله على من يشاء أو لأمر آخر. وأفادت الآية غضب الله تعالى لجبريل على من عاداه. وقد روى البخاريّ في صحيحه، عن أبي هريرة حديثا قدسيا «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» «1» . وصدّر الكلام بذكر الجليل تفخيما لشأنهم وإيذانا بأن عداوتهم عداوته عز وعلا. وقدم الملائكة على الرسل، كما قدم الله على الجميع، لأن عداوة الرسل بسبب نزول الوحي، ونزوله بتنزيل الملائكة، وتنزيلهم لها بأمر الله، فذكر الله تعالى ومن بعده على هذا الترتيب، وإنما خص جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة لقصد التشريف لهما، والدلالة على فضلهما، وإنهما، وإن كانا من الملائكة، فقد صارا باعتبار ما لهما من المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة، تنزيلا للتغاير الوصفيّ، منزلة التغاير الذاتيّ، وللتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر، واستجلاب العداوة من الله تعالى، وإن من عادى أحدهم فكأنه عادى الجميع، إذ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 99]
الموجب لمحبتهم وعداوتهم على الحقيقة واحد، ولأن المحاجة كانت فيهما. ووضع «الكافرين» موضع «لهم» ، ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر. وقد قرئ في السبع «ميكال» كميزان، و «ميكائل» بهمزة مكسورة بعد الألف بدون ياء و «ميكائيل» بالهمزة والياء. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 99] وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (99) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ أي أنزلنا إليك علامات واضحات دالات على نبوتك. وتلك الآيات هي ما حواه القرآن من خفايا علوم اليهود ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرّفه أوائلهم وأواخرهم، وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة، فأطلعها الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف من نفسه ولم يدعه إلى إهلاكها الحسد والبغي. إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة، تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم من الآيات البينات التي وصفت، من غير تعلم تعلمه من بشر، ولا أخذ شيء منه عن آدميّ. وحمل الآيات على ما ذكرناه من آيات القرآن المجيد أولى من حملها على سائر المعجزات المأثورة. لأن الآيات إذا قرنت إلى التنزيل، كانت أخص بالقرآن. وقوله وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ أي المتمردون من الكفرة، واللام للعهد، أي الفاسقون المعهودون، وهم اليهود. أو للجنس، وهم داخلون فيه دخولا أوليّا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 100] أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف يقتضيه المقام، أي كفروا بالآيات بالبينات، أَوَكُلَّما عاهَدُوا إلخ. أو أينكرون فسقهم وكلما إلخ، وقيل: الواو زائدة، وقيل هي «أو» التي لأحد الشيئين. حركت بالفتح. وقد قرئ شاذا بسكونها. فتكون بمعنى بل. دلت عليه القرينة. أعني قوله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ترقيا إلى الأغلظ فالأغلظ. قال ابن: جنيّ: «أو» هذه هي التي بمعنى «أم» المنقطعة، وكلتاهما بمعنى «بل» -
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 101]
موجود في الكلام كثيرا. أنشد الفراء لذي الرمة: بدت مثل قرن الشّمس في رونق الضّحى ... وصورتها. أو أنت في العين أملح وكذا قال في قوله تعالى وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وعلى الوجه الأول، فالمقصود من هذا الاستفهام الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه، لأن مثل ذلك، إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التنكير والتبكيت. ودل بقوله أَوَكُلَّما عاهَدُوا على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه. بل يدل على أن ذلك كالعادة فيهم. فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات، بأن ذلك ليس ببدع منهم بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم. على ما بيّنه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالا بعد حال. لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته، كصعوبة من لم تجر عادته بذلك. قال العلامة: واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم، ومن آبائهم، فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يفوا الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ [الأنفال: 56] ، والنبذ الرمي بالذمام، ورفضه. وإسناده إلى فريق منهم، لأن منهم من لم ينبذه. وفي قوله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ دفع لما يتوهم من أن النابذين هم الأقلون. قوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 101] وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ تصريح بما طوى قبل. فإن نبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها، أعقبهم التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: 157] الآية، فتنكير رسول للتفخيم. والجار بعده متعلق بجاء، أو بمحذوف وقع صفة لرسول، لإفادة مزيد تعظيمه بتأكيد ما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية وقوله كِتابَ اللَّهِ يعني التوراة، لأنهم بكفرهم برسول الله، المصدق لما معهم، كافرون بها، نابذون لها. وقيل كِتابَ اللَّهِ القرآن نبذوه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 102]
بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول. وقوله وَراءَ ظُهُورِهِمْ مثل لتركهم وإعراضهم عنه، مثّل بما يرمي به وراء الظهر استغناء عنه، وقلة التفاوت إليه. وقوله كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ جملة حالية، أي نبذوه وراء ظهورهم، مشبّهين بمن لا يعلمه. فإن أريد بهم أحبارهم، فالمعنى كأنهم لا يعلمونه على وجه الإيقان، ولا يعرفون ما فيه من دلائل نبوته صلّى الله عليه وسلّم. ففيه إيذان بأن علمهم به رصين، لكنهم يتجاهلون. أو كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، أو لا يعلمونه أصلا، كما إذا أريد بهم الكل. وفي هذين الوجهين، زيادة مبالغة في إعراضهم عما في التوراة من دلائل النبوة. وهذا، وإن أريد بما نبذوه من كتاب الله القرآن، فالمراد بالعلم المنفيّ في كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ هو العلم بأنه كتاب الله، ففيه ما في الوجه الأول من الإشعار بأنهم متيقنون في ذلك، وإنما يكفرون به مكابرة وعنادا، وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 102] وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ هو حكاية لفن آخر من زيغهم وضلالهم، إثر نبذهم كتاب الله والعمل بما بين أيديهم. وهو اتباعهم لما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر والكفر، وإنه إنما نال ذلك الملك بسبب معرفته السحر. وزادوا على ذلك فنسبوه إلى الردة والكفر لأسباب افتروها عليه، فبرأه الله تعالى من هذا الافتراء والاختلاق، وألصق الكفر بأولئك الشياطين الذين يضللون العقول والأفهام بتعليم السحر والشعبذة، وإسناد التأثير إلى غير الخالق، سبحانه، والصد عن سبيل الحق، وابتغائهم إياها عوجا وتَتْلُوا بمعنى تقصّ وتحدث. من التلاوة، وهي القراءة. أو بمعنى تكذب وتختلق، وهو قول أبي مسلم، قال: يقال تلا عليه، إذا
كذب، وتلا عنه إذا صدق. وهكذا قال الراغب في تفسيره: تلا عليه كذب، نحو روى عليه، وقال عليه وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [آل عمران: 75] . وقال: الآية معطوفة على ما تقدم من ذكر اليهود، وهي منطوية على أمرين: ذم اليهود في تحري السحر وإيثاره، وتبرئة لسليمان عليه السلام مما نسبوه إليه، وتخرصوه عليه. وذلك أنهم زعموا أن سليمان عليه السلام ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام، وبني لها المعابد، كما تراه في الفصل الحادي عشر من سفر الملوك الثالث. فانظر إلى هذه الجرأة العظيمة والقحة الكبيرة، ولما تنبه عقلاء أهل الكتاب المتأخرون لمثل هذه الفري، اعترفوا بأنه ليس كل قول من الأقوال المندرجة في كتبهم المقدسة إلهاميا، بل بعضها كتب على طريقة المؤرخين، يعني بلا إلهام، كما في «إظهار الحق» . والمراد بالشياطين شياطين الإنس، وهم المتمردة العصاة الأشرار الأقوياء، الدعاة إلى الباطل. وقوله عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ أي على عهد ملكه من تلك الأقاصيص المختلقة عليه. وقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ تنزيه لساحته عليه السلام من الردة والشرك وعبادة الأوثان التي نسبوها إليه، وتكذيب لمن تقولها، وقال كثيرون: هذا تبرئة من السحر، وأنه تعالى كنى عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفر، وأن من كان نبيا كان معصوما عنه. وإنما كان كفرا لكونه يكون بالتوجه إلى الأفلاك والشياطين وعبادتها، وزعم أنها مؤثرة دونه تعالى. والمعنى الأول أصرح وأوضح. وقوله تعالى: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ عنى بالشياطين من ذكرناهم قبل وهم خبثاء الإنس وأشرارهم. كما في قوله تعالى وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة: 14] وقوله شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ [الأنعام: 112] والذي يعيّن هذا المعنى قوله تَتْلُوا لأن تلاوة شياطين الجن، لا يسمعها أحد. ومعنى «تتلو» تقص كما تقدم. وقوله: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ يعيّن هذا المعنى أيضا، إذ لا يتعلم أحد السحر إلا من شياطين الإنس. والمراد بقوله كَفَرُوا كفرهم بآيات الله المنزلة، أو عبادتهم غيره تعالى، أو كفرهم باستعمال السحر والشغودة، تعمية على الحق، وتغشية للبصائر. وجملة قوله يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ حالية من ضمير كَفَرُوا، أو خبر ثان ل لكِنَّ، أو مستأنفة. هذا على تقدير كون الضمير للشياطين. وأما على تقدير رجوعه إلى فاعل اتَّبَعُوا فهي إما حال منه أو استئنافية. وقوله تعالى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما
هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . اعلم أن للعلماء في هذه الآية وجوها كثيرة، وأقوالا عديدة، فمنهم من ذهب فيها مذهب الأخبار بين نقلة الغث والسمين، ومنهم من وقف مع ظاهرها البحث وتمحّل لما اعترضه، بما المعنى الصحيح في غنى عنه. ومنهم من ادعى فيها التقديم والتأخير وردّ آخرها على أولها، بما جعلها أشبه بالألغاز والمعميات، التي يتنزه عنها بيان أبلغ كلام. إلى غير ذلك مما يراه المتتبع لما كتب فيها. والذي ذهب إليه المحققون أن هاروت وماروت كانا رجلين متظاهرين بالصلاح والتقوى في بابل- وهي مدينة بالعراق على نهر الفرات- وكانا يعلمان الناس السحر. وبلغ حسن اعتقاد الناس بهما أن ظنوا أنهما ملكان من السماء، وما يعلمانه للناس هو بوحي من الله. وبلغ مكر هذين الرجلين، ومحافظتهما على اعتقاد الناس بالحسن فيهما أنهما صارا يقولان لكل من أراد أن يتعلم منهما إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ، أي إنما نحن أولو فتنة نبلوك ونختبرك، أتشكر أم تكفر، وننصح لك أن لا تكفر. يقولان ذلك ليوهما الناس أن علومهما إلهية، وصناعتهما روحانية، وأنهما لا يقصدان إلا الخير. كما يفعل ذلك دجاجة هذا الزمان، قائلين لم يعلمونهم الكتابة للمحبة والبغض على زعمهم: نوصيك بأن لا تكتب لجلب امرأة متزوجة إلى رجل غير زوجها، إلى غير ذلك من الأوهام والافتراء. ولليهود في ذلك خرافات كثيرة. حتى إنهم يعتقدون أن السحر نزل عليهما من الله. وأنهما ملكان جاءا لتعليمه للناس. فجاء القرآن مكذبا لهم في دعواهم نزوله من السماء، وفي ذم السحر ومن يتعلمه أو يعلمه، فقال يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ الآية، ف «ما» هنا نافية، على أصح الأقوال، ولفظ «الملكين» هنا وارد حسب العرف الجاري بين الناس في ذلك الوقت، كما يرد ذكر آلهة الخير والشر في كتابات المؤلفين عن تاريخ اليونان والمصريين وغيرهم، وكما يرد في كلام المسلم، في الرد على المسيحيين، ذكر تجسد الإله وصلبه، وإن كان لا يعتقد ذلك. وقوله تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ من قبيل التمثيل، وإظهار الأمر في أقبح صورة، أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من ضروب الحيل، وطرق الإفساد، أن يتمكنوا به من التفريق بين أعظم مجتمع: كالمرء وزوجه. والخلاصة: أن معنى الآية من أولها إلى آخرها هكذا: أن اليهود كذبوا القرآن ونبذوه وراء ظهورهم، واعتاضوا عنه بالأقاصيص والخرافات التي يسمعونها من خبثائهم عن سليمان وملكه. وزعموا أنه كفر، وهو لم يكفر.
ولكن شياطينهم هم الذين كفروا، وصاروا يعلمون الناس السحر، ويدعون أنه أنزل على هاروت وماروت، اللذين سمّوهما ملكين، ولم ينزل عليهما شيء، وإنما كانا رجلين يدّعيان الصلاح لدرجة أنهما كانا يوهمان الناس أنهما لا يقصدان إلا الخير، ويحذرانهم من الكفر، وبلغ من أمر ما يتعلمونه منهما من طرق الحيل والدهاء أنهم يفرقون به بين المجتمعين، ويحلون به عقد المتحدين. فأنت ترى من هذا المقام كله للذم، فلا يصح أن يرد فيه مدح هاروت وماروت. والذي يدل على صحة ما قلناه فيهما أن القرآن أنكر نزول أي ملك إلى الأرض ليعلم الناس شيئا من عند الله، غير الوحي إلى الأنبياء، ونص نصّا صريحا أن الله لم يرسل إلا الإنس لتعليم بني نوعهم فقال وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ، فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء: 7] ، وقال منكرا على من طلب إنزال الملك وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ [الأنعام: 8] ، وقال في سورة الفرقان وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً- إلى قوله- فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الفرقان: 7- 9] . وللقصاص في هاروت وماروت في أحاديث عجيبة. فزعموا أنهما كان ملكين من الملائكة، وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي، أنكرا ذلك وأكبراه ودعوا على أهل الأرض. فأوحى الله إليهما: إني لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني، فقالا: يا رب، لو ابتليتنا لم نفعل، فجرّبنا. فأهبطهما إلى الأرض، وابتلاهما الله بشهوات بني آدم، فمكثا في بلدة كانت فيها فاجرة تسمى «الزهرة» فدعواها إلى الفاحشة وواقعاها بعد أن شربا الخمر، وقتلا النفس وسجدا للصّنم، وعلماها الاسم الأعظم، الذي كانا به يعرجان إلى السماء، فتكلمت المرأة بذلك الاسم، وعرجت إلى السماء، فمسخها الله تعالى، وصيرها هذا الكوكب المسمى بالزهرة. ثم إن الله تعالى عرّف هاروت وماروت قبيح ما فيه وقعا، ثم خيّرهما بين عذاب الآخرة آجلا، وبين عذاب الدنيا عاجلا، فاختارا عذاب الدنيا، فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة، وهما يعلّمان الناس السحر، ويدعوان إليه، ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر خاصة. وهذه القصة من اختلاق اليهود وتقولاتهم. ولم يقل بها القرآن قط، وإنما ذكرها التلمود، كما يعلم من مراجعة «مدارس يدكوت» في الإصحاح الثالث والثلاثين، وجاراه جهلة القصاص من المسلمين، فأخذوها منه. قال الرازيّ في تفسيره: إن القصة التي ذكروها باطلة من وجوه:
أحدها: أنهم ذكروا في القصة أن الله تعالى قال لهما (أي لهاروت وماروت) : لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني، فقالا: لو فعلت ذلك بنا يا رب لما عصيناك، وهذا منهم تكذيب لله تعالى. وتجهيل له، وذلك من صريح الكفر. وثانيها: أنهما خيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك فاسد، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة وبين العذاب، والله تعالى خيّر بينهما من أشرك به طول عمره، وبالغ في إيذاء أنبيائه. وثالثها: أن من أعجب الأمور قولهم: إنهما يعلمان السحر، في حال كونهما معذبين ويدعوان إليه، وهما يعاقبان. وهكذا، الإمام أبو مسلم احتج على بطلان نزول السحر عليهما أيضا بوجوه: الأول: أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزّله هو الله، وذلك غير جائز، لأن السحر كفر وعبث لا يليق بالله تعالى إنزال ذلك. الثاني: أن قوله وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ يدل على أن تعليم السحر كفر. فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر. وذلك باطل. الثالث: كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر، فكذلك في الملائكة بطريق الأولى. الرابع: إن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة، وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب؟ وهل السحر إلا الباطل المموه؟ وقد جرت عادة الله بإبطاله، كما قال في قصة موسى عليه السلام ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ [يونس: 81] انتهى. وقد ساق الرازيّ ما ارتآه أبو مسلم في تفسير هذه الآية. ولم نشأ نقله لبعده عن الصواب. وهكذا ما ذكره الإمام ابن حزم في كتابه «الفصل» في بحث «عصمة الملائكة» ففيه تكلف وتمحل غريب، كما يعلم بمراجعتهما. وللراغب الأصفهاني احتمالات في تصحيح القصة، وتجويزات عجيبة تنبو عن الحق الصراح الذي آثرنا نقله أولا عن بعض المحققين. والله أعلم. واعلم أن لفظ السحر، في عرف الشرع، مختص بكل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، ومتى أطلق ولم يقيد، أفاد ذم
فاعله، قال تعالى سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [الأعراف: 116] ، يعني موّهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيّهم تسعى. وقد يستعمل مقيدا: فيما يمدح ويحمد، كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعمرو بن أهتم: «إن من البيان لسحرا» «1» ، لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه، وبليغ عبارته. وبالجملة، فالسحر المطلق إنما هو تخييل بشعوذة صارفة للأبصار، أو تمتمة مزخرفة عائقة للأسماع، فلا يغير حقائق الأشياء، ولا ينقل الصور. وقوله تعالى: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال الراغب: الإذن قد يقال في الإعلام بالرخصة، ويقال للعلم، ومنه آذنته بكذا، ويقال للأمر الحتم. وينبغي أن يعلم أن الإذن في الشيء من الله تعالى ضربان: أحدهما: الإذن لقاصد الفعل في مباشرته. نحو قولك: أذن الله لك أن تصل الرحم. والثاني: الإذن في تسخير الشيء على وجه تسخير السم في قتله من يتناوله، والترياق في تخليصه من أذيته. فإذن الله تعالى وقوع التسخير وتأثيره من القبيل الثاني، وذلك هو المشار إليه بالقضاء، وعلى هذا يقال: «الأشياء كلها بإذن الله وقضائه» ولا يقال: الأشياء كلها بأمره ورضاه وقوله تعالى: وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ إرشاد إلى أن ليس في تعلم السحر إلا المضرة، لما فيه من التلبيس والتمويه، وإيهام الباطل حقا، والتوصل به إلى المفاسد والشرور. وقوله سبحانه وَلا يَنْفَعُهُمْ صرح به إيذانا بأنه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضرر، بل هو شر بحت، وضرر محض. وقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا أي اليهود الذي حكيت ضلالاتهم. وقوله لَمَنِ اشْتَراهُ أي استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله، والحق الذي أنزله. وقوله ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي نصيب، لإقباله على التمويه والكذب، واستعمال ذلك في اكتساب حطام الدنيا وتمتعاتها. وفيه إشارة إلى أن اختيارهم للسحر، ليس من جهلهم بضرره، بل أتوا ما أتوا عن علم بعاقبته السوأى. وقوله تعالى: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أي ما باعوا به حظهم الأخرويّ، حتى كأنهم أتلفوا أنفسهم، وإنما نفى عنهم العلم بقوله لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ مع إثباته لهم على سبيل التوكيد القسميّ بقوله وَلَقَدْ عَلِمُوا- لأن معناه لو كانوا يعلمون بعلمهم. فجعلهم غير عالمين، لعدم عملهم بموجب علمهم. ولما بين سبحانه ما عليهم فيما ارتكبوا من المضار
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 103]
أتبعه ما في الإعراض عنه من المنافع فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 103] وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا أي بما دعوا إليه من القرآن الحكيم وَاتَّقَوْا أي ما يؤثمهم، ومنه السحر والتمويه وقوله لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ جواب «لو» وأصله: لأثيبوا مثوبة من عند الله خيرا مما شروا به أنفسهم. فحذف الفعل وغيّر السبك إلى ما عليه النظم الكريم، دلالة على ثبات المثوبة لهم والجزم بخيريتها، وحذف المفضل عليه إجلالا للمفضل من أن ينسب إليه، وقوله تعالى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي أن ثواب الله خير. وإنما نسبوا إلى الجهل لعدم العمل بموجب العلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 104] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم راعِنا التي تقصدون بها الرعاية والمراقبة لمقصد الحير وحفظ الجانب، فاغتنمها اليهود لموافقة كلمة سيئة عندهم فصاروا يلوون بها ألسنتهم، ويقصدون بها الرعونة، وهي إفراط الجهالة، فنهاهم عن موافقتهم في القول، منعا للصحيح الموافق في الصورة لشبهه من القبيح، وعوضهم منها ما لا يتطرق إليه فساد فقال وَقُولُوا انْظُرْنا فأبقى المعنى وصرف اللفظ. أي أنظر إلينا. بالحذف والإيصال. أو انتظرنا. على أنه من نظره إذا انتظره، وقرئ انظرنا من النظرة أي أمهلنا حتى نحفظ. وقرئ راعونا على صيغة الجمع للتوقير. وراعنا على صيغة الفاعل أي قولا ذا رعن، كدارع ولابن، لأنه لما أشبه قولهم راعينا وكان سببا للسب بالرعن اتصف به وَاسْمَعُوا أي قولوا ما أمرتكم به، وامتثلوا جميع أوامري، ولا تكونوا كاليهود، حيث قالوا سمعنا وعصينا وَلِلْكافِرِينَ أي اليهود الذي توسلوا بقولكم المذكور إلى التهاون بمقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَذابٌ أَلِيمٌ لما اجترءوا عليه من العظيمة، وهو تذييل لما سبق، فيه وعيد شديد لهم، ونوع تحذير للمخاطبين عما نهوا عنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة النساء مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 105]
لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: 46] ، ومن ليّهم ما جاء في الحديث أنهم كانوا إذا سلموا يقولون «السام عليكم» «1» والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نزد عليهم ب «وعليكم» ، وإنما يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 105] ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ بيان لشدة عداوة الكافرين من القبيلين للمؤمنين، حسدا وبغيا. ليقطع التشبه بهم. فإن مخالفة الأعداء من الأغراض العظيمة للمتمكنين في الأخلاق الفاضلة. ثم بين أن الحسد لا يؤثر في زوال ذلك بقوله وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ و (الاختصاص) عناية تعيّن المختص لمرتبة ينفرد بها دون غيره، وفيه تنبيه على ما أنعم به على المؤمنين، من الشرع التام الكامل الذي شرعه لهم. ولمّا أنكرت اليهود أن يقع شيء من النسخ لآيات الله، توصلا بذلك إلى إنكار آيات القرآن، وتأييد تأبيد التوراة، ردّ عليهم سبحانه- بعد تحقيق حقية الوحي- بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 106] ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أي: ما نبدّل من آية بغيرها- كنسخنا آيات التوراة بآيات
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 107]
القرآن- أَوْ نُنْسِها أي: نذهبها من القلوب- كما أخبر بقوله وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة: 13]- وقرئ (أو ننسأها) أي نؤخرها ونتركها بلا نسخ، كما أبقى كثيرا من أحكام التوراة في القرآن. وعلى هذه القراءة، فقد نشر على ترتيب هذا اللف قوله نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أي: من المنسوخة المبدلة- كما فعل في الآيات التي شرعت في الملّة الحنيفية ما فيه اليسر، ورفع الحرج، والعنت- فكانت خيرا من تلك الآصار والأغلال. وقوله أَوْ مِثْلِها أي: مثل تلك الآيات الموحاة قبل، كما يرى في كثير من الآيات في القرآن الموافقة لما بين يديها مما اقتضت الحكمة بقاءه واستمراره. قال الراغب: فإن قيل: إن الذي ترك ولم ينسخ ليس مثله بل هو هو، فكيف قال «بمثلها» ؟ قيل: الحكم الذي أنزل في القرآن- وكان ثابتا في الشرع الذي قبلنا- يصحّ أن يقال هو هو، إذا اعتبر بنفسه ولم يعتبر بكسوته- التي هي اللفظ. ويصح أن يقال هو مثله إذا لم يعتبر بنفسه فقط بل اعتبر باللفظ. ونحو ذلك أن يقال: ماء البئر هو ماء النهر- إذا اعتبر جنس الماء، وتارة يقال: مثل ماء النهر- إذا اعتبر قرار الماء. على أنّ إرادة العين بالمثل شائعة- كما في قولهم: مثلك لا يبخل- أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو يقدر على الخير، وما هو خير منه، وعلى مثله في الخير. قال الراغب: أي لا تحسبنّ أنّ تغييري لحكم، حالا فحالا، وأني لم آت بالثاني في الابتداء- هو العجز، فإنّ من علم قدرته على كل شيء لا يظنّ ذلك. وإنما تغيّر ذلك يرجع إلى مصلحة العباد، وأنّ الأليق بهم، في الوقت المتقدّم، الحكم المتقدّم. وفي الوقت المتأخّر، الحكم المتأخّر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 107] أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (107) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فهو يملك أموركم ويدبّرها، وهو أعلم بما يتعبّدكم به من ناسخ أو منسوخ. وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يلي أموركم وَلا نَصِيرٍ ناصر يمنعكم من العذاب. وقضيّة العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة، هو الجزم والإيقان بأنّه تعالى لا يفعل
تنبيهان:
بهم- في أمر من أمور دينهم أو دنياهم- إلّا ما هو خير لهم، والعمل بموجبه- من الثقة به، والتوكّل عليه، وتفويض الأمر إليه. من غير إصغاء إلى أقاويل اليهود، وتشكيكاتها التي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ، حيث أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوّة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، لمجيئهما بما جاء به من عند الله بتغيير ما غيّر الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أنّ له ملك السموات والأرض وسلطانهما، وأنّ الخلق أهل مملكته وطاعته. عليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأنّ له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عمّا يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء. والذي حمل اليهود على منع النسخ إنما هو الكفر والعناد، وإلا فقد وجد في شريعتهم النسخ بكثرة. وقد ذكر العلامة الشيخ رحمه الله الهنديّ في (إظهار الحقّ) أمثلة وافرة مما وقع من ذلك في التوراة والإنجيل. فارجع إليها في الباب الثالث منه. تنبيهان: الأول: قال بعض الفضلاء: نزلت هذه الآية لمّا قال المشركون أو اليهود: إنّ محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. وفي الآية ردّ عليهم بأنّ المقصود من نسخ الحكم السابق: تهيّؤ النفوس لأرقى منه. وهو معنى قوله تعالى: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها لأنّ الخالق تعالى ربّى الأمّة العربية في ثلاث وعشرين سنة تربية تدريجية لا تتم لغيرها- بواسطة الفواعل الاجتماعية- إلّا في قرون عديدة. لذلك كانت عليها الأحكام على حسب قابليّتها، ومتى ارتقت قابليتها بدّل الله لها ذلك الحكم بغيره. وهذه سنّة الخالق في الأفراد والأمم على حدّ سواء. فإنّك لو نظرت في الكائنات الحية- من أوّل الخلية النباتية إلى أرقى شكل من أشكال الأشجار، ومن أوّل رتبة من رتب الحيوانات إلى الإنسان- لرأيت أن النسخ ناموس طبيعيّ محسوس في الأمور المادّية. والأدبية معا ... ! فإنّ انتقال الخلية الإنسانية إلى جنين، ثم إلى طفل، فيافع، فشاب، فكهل، فشيخ، وما يتبع كل دور من هذه الأدوار- من الأحوال الناسخة للأحوال التي قبلها- يريك بأجلى دليل: أنّ التبدّل في الكائنات ناموس طبيعيّ محقق. وإذا كان هذا النسخ ليس بمستنكر في الكائنات، فكيف يستنكر نسخ حكم وإبداله بحكم آخر في الأمة، وهي في حالة نمو وتدرج من أدنى إلى أرقى؟ هل يرى إنسان له مسكة من عقل أن من الحكمة تكليف العرب- وهم في مبدإ أمرهم- بما يلزم أن يتصفوا به وهم في نهاية الرقيّ الإنسانيّ، وغاية الكمال البشريّ ... ؟! وإذا كان هذا يصح، وجب أن الشرائع تكلف الأطفال بما تكلف به الرجال، وهذا لم يقل به عاقل في الوجود ... ! وإذا كان هذا لا يقول به عاقل في
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 108]
الوجود، فكيف يجوز على الله- وهو أحكم الحاكمين- بأن يكلف الأمة- وهي في دور طفوليتها- بما لا تتحمله إلّا في دور شبوبيتها وكهولتها ... ؟ وأي الأمرين أفضل: أشرعنا الذي سنّ الله لنا حدوده بنفسه، ونسخ منه ما أراد بعلمه، وأتمه- بحيث لا يستطيع الإنس والجن أن ينقضوا حرفا منه- لانطباقه على كل زمان ومكان، وعدم مجافاته لأي حالة من حالات الإنسان..؟! أم شرائع دينية أخرى، حرّفها كهانها، ونسخ الوجود أحكامها- بحيث يستحيل العمل بها- لمنافاتها لمقتضيات الحياة البشرية من كل وجه ... ؟! الثاني: أسلفنا- في مقدمة التفسير- إلى أن النسخ باصطلاح السلف أعم منه في اصطلاح الخلف، بما ينبغي مراجعته.. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 108] أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (108) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ أَمْ هنا، إما متصلة معادلة للهمزة في أَلَمْ تَعْلَمْ أي ألم تعلموا أنه مالك الأمور، قادر على الأشياء كلها، يأمر وينهى كما أراد ... أم تعلموا وتقترحون بالسؤال- كلما اقترحت اليهود على موسى عليه السّلام؟ وإما منقطعة- بمعنى بل- للإضراب والانتقال عن حملهم على العمل بموجب علمهم بما ذكر عند ظهور بعض مخايل المساهلة منهم في ذلك، وأمارات التأثّر من أقاويل الكفرة، إلى التحذير من ذلك. ومعنى (الهمزة) إنكار وقوع الإرادة منهم، واستبعاده. لما أن قضيّة الإيمان وازعة عنها. وتوجيه الإنكار إلى الإرادة- دون متعلّقها- للمبالغة في إنكاره واستبعاده، ببيان أنه مما لا يصدر عن العاقل إرادته. فضلا عن صدور نفسه، وقوله وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ أي: يختره، ويأخذه لنفسه بِالْإِيمانِ. بمقابلته بدلا منه فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي عدل عن الصراط المستقيم. جملة مستقلة مشتملة على حكم كلّي أخرجت مخرج المثل جيء بها لتأكيد النهي عن الاقتراح المفهوم من قوله أَمْ تُرِيدُونَ إلخ، معطوفة عليه. ومعنى الآية لا تقترحوا فتضلوا وسط السبيل ويؤدي بكم الضلال إلى البعد عن المقصد وتبديل الكفر بالإيمان. فظهر وجه ذكر قوله أَمْ تُرِيدُونَ إلخ بعد قوله تعالى ما نَنْسَخْ. فإن المقصود من كل منهما تثبيتهم على الآيات وتوصيتهم بالثقة بها.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 109]
قال الراغب: فإن قيل ما فائدة قوله وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ إلخ ومعلوم أنه بدون الكفر يضل الإنسان سواء السبيل فكيف بالكفر؟ وقيل معنى ذلك من يتبدل الكفر بالإيمان يعلم أنه قد ضل، قبل، سواء السبيل، وفي ذلك تنبيه أن ضلاله سواء السبيل قاده إلى الكفر بعد الإيمان، ومعناه لا تسألوا رسولكم كما سئل موسى فتضلوا سواء السبيل فيؤدي بكم إلى تبديل الكفر بالإيمان. فمبدأ ذلك، الضلال عن سواء السبيل، ووجه آخر وهو أنه سمى معاندة الأنبياء عليهم السلام، بعد حصول ما تسكن النفس إليه، كفرا. إذ هي مؤدية إليه. كتسمية العصير خمرا. فقال: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ أي يطلب تبديل الكفر، أي المعاندة التي هي مبدأ الكفر، بالإيمان أي بما حصل له من الدلالة المقتضية لسكون النفس، فقد ضل سواء السبيل. ووجه ثالث وهو أن ذلك نهاية التبكيت لمن ظهر له الحق فعدل عنه إلى الباطل. وأنه كمن كان على وضح الطريق فتاه فيه. ووجه رابع وهو أن سَواءَ السَّبِيلِ إشارة إلى الفطرة التي فطر الناس عليها. والإيمان إشارة إلى المكتسب من جهة الشرائع فقال وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ أي بالإيمان المكتسب فقد أبطله، وضيّع الفطرة التي فطر الناس عليها فلا يرجى له نزوع عما هو عليه بعد ذلك. هذا. وما قررناه في الآية من أن الخطاب للمسلمين هو ما يترجح ويكون كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: 101] . ويرشحه قوله وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فإن موقع خطابه إنما يتضح مع المؤمنين. ورجّح الرازيّ كون الخطاب مع اليهود قال: لأن هذه السورة من أول قوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ حكاية عنهم ومحاجة معهم ولأنه لم يجر ذكر غيرهم في السياق، وقد قص تعالى عنهم سؤال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقوله يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً الآية، وحينئذ فمعنى تبدل الكفر بالإيمان. وهم بمعزل من الإيمان، إعراضهم عنه، مع تمكنهم منه، وإيثارهم للكفر عليه. كما أن إضافة الرسول إليهم باعتبار أنهم من أمة الدعوة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 109] وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً علة ودّ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 110]
مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ من صحة رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم بشهادة ما طابقه من التوراة فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا أي أعرضوا عما يكون منهم من الجهل والعداوة فلا تجازوهم حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وهو الإذن في قتالهم وإجلائهم إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فينتقم منهم إذا آن أوانه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 110] وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ أي ثوابه عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فلا يضيع عنده عمل عامل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 111] وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111) وَقالُوا أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى نشر لما لفّته الواو في وَقالُوا، واليهود جمع هائد، كعوذ جمع عائذ. وقرئ (إلا من كان يهوديا أو نصرانيا) . تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ جملة معترضة مبينة لبطلان ما قالوا. والأمانيّ جمع أمنية وهي ما يتمنى. كالأعجوبة والأضحوكة. فإن قيل: قوله لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أمنية واحدة، فلم قال: أمانيهم؟ أجيب: بأن الجمع باعتبار صدوره عن الجميع. وأجاب صاحب الانتصاف بأنهم لشدة تمنيهم لهذه الأمنية ومعاودتهم لها وتأكدها في نفوسهم، جمعت. ليفيد جمعها أنها متأكدة في قلوبهم، بالغة منهم كل مبلغ، والجمع يفيد ذلك، وإن كان مؤداه واحدا. ونظيره قوله: معى جياع. فجمعوا الصفة. ومؤداها واحد، لأن موصوفها واحد، تأكيد لثبوتها وتمكنها. وهذا المعنى أحد ما روي في قوله تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء: 54] فإنه جمع (قليلا) وقد كان الأصل إفراده فيقال (لشرذمة قليلة) كقوله تعالى كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ [البقرة: 249] لولا ما قصد إليه من تأكيد معنى القلة بجمعها. ووجه إفادة الجمع في مثل هذا للتأكيد، أن الجمع يفيد بوضعه الزيادة في الآحاد، فنقل إلى تأكيد الواحد، وإبانة زيادته على نظرائه، نقلا مجازيا بديعا، فتدبر هذا الفصل فإنه من نفائس صناعة البيان. والله الموفق قُلْ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 112]
هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم. قال الرازيّ: دلت الآية على أن المدعي سواء ادعى نفيا أو إثباتا، فلا بد له من الدليل والبرهان. وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد، قال الشاعر: من ادّعى شيئا بلا شاهد ... لا بد أن تبطل دعواه انتهى كلام الرازيّ. وسبقه إلى ذلك الزمخشريّ حيث قال: وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وإن كل قول لا دليل عليه، فهو باطل غير ثابت. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 112] بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) بَلى إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنّة مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره. وإنما عبر عن النفس بالوجه، لأنه أشرف الأعضاء، ومجمع المشاعر، وموضع السجود، ومظهر آثار الخضوع. أو المعنى: من أخلص توجهه وقصده، بحيث لا يلوي عزيمته إلى شيء غيره وَهُوَ مُحْسِنٌ في عمله، موافق لهديه صلّى الله عليه وسلّم، وإلا لم يقبل، ولذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» «1» رواه مسلم فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وهو عبارة عن دخول الجنة، وتصويره بصورة الأجر للإيذان بقوة ارتباطه بالعمل. وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من لحوق مكروه وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ من فوات مطلوب. والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 113] وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ
بيان لتضليل كل فريق صاحبه بخصوصه، إثر بيان تضليله كلّ من عداه على وجه العموم. ومعنى عَلى شَيْءٍ أيّ أمر يعتد به من الدين وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ الواو للحال. والكتاب للجنس. أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب. وحق من حمل التوراة أو الإنجيل، أو غيرهما من كتب الله، وآمن به، أن لا يكفر بالباقي. لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني، شاهد بصحته. وكذلك كتب الله جميعا متواردة على تصديق بعضها بعضا كَذلِكَ أي مثل الذي سمعت به على ذلك المنهاج قالَ الجهلة الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لا علم عندهم ولا كتاب. كعبدة الأصنام. قالوا لأهل كل دين مِثْلَ قَوْلِهِمْ ليسوا على شيء. وهذا توبيخ عظيم، حيث نظموا أنفسهم، مع علمهم، في سلك من لا يعلم فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي يفصل بينهم بقضائه العدل، فيحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الحج: 17] وكما قال تعالى: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [سبأ: 26] . قال الرازيّ: وأعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فإن كل طائفة تكفّر الأخرى. مع اتفاقهم على تلاوة القرآن. انتهى. فهاهنا تسكب العبرات بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر، لا بسنّة ولا قرآن، ولا لبيان من الله ولا لبرهان، بل لمّا غلت مراحل العصبية في الدين، تمكن الشيطان من تفريق كلمة المسلمين، يأبى الفتح إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح مع أن الله تعالى أمر بالجماعة والائتلاف. ونهى عن الفرقة والاختلاف. فقال تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103] . وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: 159] . وقال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ [آل عمران: 105] . وقال تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] . وقد امتاز أهل الحق، من هذه الأمة بالسنة والجماعة، عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعما مضت عليه جماعة المسلمين.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 114]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 114] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (114) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها إنكار واستبعاد لأن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك، ولما وجّه تعالى الذم فيما سبق في حق اليهود والنصارى، ذيّله بذم المشركين في قوله: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. ثم وجهه بهذه الآية أيضا للمشركين الذين أخرجوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وصدوهم أيضا عنه، حين «1» ذهب إليه النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه من المدينة عام الحديبية، وكل هذا تخريب للمسجد الحرام، لأن منع الناس من إقامة شعائر العبادة فيه، سعى في تخريبه. وأيّ خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه. واستحوذوا عليه بأصنامهم وأندادهم وشركهم، كما قال تعالى: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ، إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الأنفال: 34] ، وقال تعالى: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ، أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة: 17- 18] ، وقال تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الفتح: 25] ، فإذا كان من آمن بالله واليوم الآخر.. إلخ مصدودا عنه، مطرودا منه، فأي خراب له أعظم من ذلك، والعمارة إحياء المكان وشغله بما وضع له. وليس المراد بعمارته. زخرفته وإقامة صورته فقط، إنّما عمارته بذكر الله فيه وإقامة شرعه
فيه ورفعه عن الدنس والشرك. وإنما أوقع المنع على المساجد، وإن كان الممنوع هو الناس لما أن المآل عائد لها. ولا يقال: كيف قيل مساجد والمراد المسجد الحرام فقط؟ لأنه لا بأس أن يجيء الحكم عاما وإن كان السبب خاصّا، كما تقول، لمن آذى صالحا واحدا: ومن أظلم ممن آذى الصالحين؟ وكما قال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: 1] ، والمنزول فيه واحد. وقوله أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام، ويذلّ لهم المشركين، حتى لا يدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفا. يخاف أن يؤخذ فيعاقب. أو يقتل إن لم يسلم. وقد أنجز الله صدق هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام. ونادى فيهم عام حجّ أبو بكر رضي الله عنه «ألا لا يحجن بعد العام مشرك» . فحج النبي صلّى الله عليه وسلّم من العام الثاني ظاهرا على المسجد الحرام، لا يجترئ أحد من المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام. وهذا هو الخزي لهم في الدنيا، المشار إليه بقوله تعالى لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ لأن الجزاء من جنس العمل. فكما صدوا المؤمنين صدّوا عنه وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ وهو عذاب النار لما انتهكوا من حرمة البيت وامتهنوه، من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله، والطواف به عريا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله، وفي الآية وجه آخر وهو أن الآية في ذم اليهود، تبعا للسابق واللاحق، وما جنوه بكفرهم على بيت المقدس من خرابه وتسليط عدوّهم عليهم حتى خربه ودمر مدينتهم، وقتل وسبى منهم وأسرهم وبقوا في الأسر البابليّ سبعين سنة، كل ذلك كان برفضهم كتاب الله والعمل بشريعته. وفي قوله تعالى: أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ إشارة إلى رجوعهم إليه بعد الأسر على تخوف من العدوّ ومذلة لصقت بهم. وهو وجه وجيه. لأن لفظ «سعى» يرشد إلى ذلك. كما أن مفهومها يشعر بذم القائمين على الخراب بالأولى وهم النصارى، حينما تمكنت سلطتهم انتقاما من أعدائهم اليهود. روى ابن جرير عن مجاهد، قال في الآية: هم النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى. ويمنعون الناس أن يصلوا فيه. وقال قتادة: حملهم بعض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابليّ المجوسيّ على تخريب بيت المقدس. وتدل على أن أماكن العبادة تصان وتحترم، لأنها المدرسة العامة التي تتلى فيها الحكم والأحكام والإرشاد إلى سبل السلام. وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، فيما رواه الإمام أحمد عن بسر بن أرطاة قال كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدعو: اللهم أحسن عاقبتنا في
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 115]
الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. قال الحافظ ابن كثير: وهذا حديث حسن وليس في شيء من الكتب الستة، وليس لصحابيّه، وهو بسر بن أرطاة (ويقال ابن أبي أرطاة) حديث سواه، وسوى حديث: لا تقطع الأيدي في الغزو. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 115] وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (115) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ بيان لشمول ملكوته لجميع الآفاق، المتسبب عنه سعة علمه. وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ نظير قوله: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ [الرحمن: 33] ، وكقوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد: 4] وقوله ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [المجادلة: 7] ، وقوله: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً [غافر: 7] ، أي عمّ كل شيء بعلمه وتدبيره وإحاطته به وعلوّه عليه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 116] وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (116) وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، سُبْحانَهُ، بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يريد الذين قالوا المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، والملائكة بنات الله. فأكذب الله تعالى جميعهم في دعواهم وقولهم: إنّ لله ولدا. فقال سُبْحانَهُ أي تقدس وتنزه عما زعموا تنزها بليغا. وكلمة بَلْ للإضراب عما تقتضيه مقالتهم الباطلة من مجانسته سبحانه وتعالى لشيء من المخلوقات. أي ليس الأمر كما زعموا، بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة، والتنوين في كُلٌّ عوض عن المضاف إليه. أي كل ما فيهما، كائنا ما كان من أولي العلم وغيرهم لَهُ قانِتُونَ منقادون، لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره
ومشيئته، ومن كان هذا شأنه لم يتصور مجانسته لشيء. ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد. قال الراغب في تفسيره: نبه على أقوى حجة على نفي ذلك. وبيانها: هو أن لكل موجود في العالم، مخلوقا طبيعيا، أو معمولا صناعيا، غرضا وكمالا أوجد لأجله. وإن كان قد يصلح لغيره على سبيل العرض، كاليد للبطش، والرجل للمشي، والسكين لقطع مخصوص، والمنشار للنشر، وإن كانت اليد قد تصلح للمشي في حال، والرّجل للتناول، لكن ليس على التمام. والغرض في الولد للإنسان إنما هو لأن يبقى به نوعه، وجزء منه، لمّا لم يجعل الله له سبيلا إلى بقائه بشخصه، فجعل له بذرا لحفظ نوعه. ويقوي ذلك، أنه لم يجعل للشمس والقمر وسائر الأجرام السماوية بذرا واستخلافا، لمّا لم يجعل لها فناء النبات والحيوان. ولما كان الله تعالى هو الباقي الدائم، بلا ابتداء ولا انتهاء، لم يكن لاتخاذه الولد لنفسه معنى. ولهذا قال سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ أي هو منزه عن السبب المقتضي للولد. ثم لما كان اقتناء الولد لفقر ما، وذلك لما تقدم، أن الإنسان افتقر إلى نسل يخلفه لكونه غير كامل إلى نفسه- بيّن تعالى بقوله لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أنه لا يتوهم له فقر، فيحتاج إلى اتخاذ ما هو سدّ لفقره، فصار في قوله لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ دلالة ثانية. ثم زاد حجة بقوله قانِتُونَ وهو أنه لما كان الولد يعتقد فيه خدمة الأب ومظاهرته كما قال وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل: 72] ، بيّن أن كل ما في السموات والأرض، مع كونه ملكا له، قانت أيضا، إما طائعا، وإما كارها، وإما مسخرا. كقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [الرعد: 15] ، وقوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44] وهذا أبلغ حجة لمن هو على المحجة. ثم قال الراغب: إن قيل من أين وقع لهم الشبهة في نسبة الولد إلى الله تعالى؟ قيل قد ذكر في الشرائع المتقدمة: كانوا يطلقون على البارئ تعالى اسم الأب وعلى الكبير منهم اسم الإله، حتى إنهم قالوا: إن الأب هو الرب الأصغر وإن الله هو الأب الأكبر، وكانوا يريدون بذلك أنه تعالى هو السبب الأول في وجود الإنسان، وإن الأب هو السبب الأخير في وجوده وإن الأب هو معبود الابن من وجه أي مخدومه. وكانوا يقولون للملائكة: آلهة. كما قالت العرب للشمس: إلاهة. وكانوا يقصدون معنى صحيحا كما يقصد
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 117]
علماؤنا بقولهم: الله محب ومحبوب، ومريد ومراد ونحو ذلك من الألفاظ. كما يقال للسلطان: الملك. وقول الناس: رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، مما يكشف عن تقدم ذلك التعارف، ويقوي ذلك ما يروى أن يعقوب كان يقال له بكر الله، وأن عيسى كان يقول: أنا ذاهب إلى أبي. ونحو ذلك من الألفاظ. ثم تصور الجهلة منهم، بأخرة، معنى الولادة الطبيعية. فصار ذلك منهيا عن التفوه به في شرعنا، تنزها عن هذا الاعتقاد، حتى صار إطلاقه، وإن قصد به ما قصده هؤلاء، قرين الكفر، كلام الراغب رحمه الله. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 117] بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مبدعهما وخالقهما على غير مثال سبق. وكل من فعل ما لم يسبق إليه يقال له: أبدعت. ولهذا قيل لمن خالف السنة والجماعة: مبتدع، لأنه يأتي في دين الإسلام، ما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم، وهذه الجملة حجة أخرى لدفع تشبثهم في ولادة عيسى بلا أب. وعلم عزير بالتوراة بلا تعلم. وتقرير الحجة: إن الله سبحانه مبدع الأشياء كلها. فلا يبعد أن يوجد أحدا بلا أب، أو يعلم بلا واسطة بشر. وقال الراغب: ذكر تعالى في هذه الآية حجة رابعة: شرحها: إن الأب هو عنصر للابن. منه تكوّن. والله مبدع الأشياء كلها، فلا يكون عنصرا للولد، فمن المحال أن يكون المنفعل فاعلا. وقوله تعالى: وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي إذا أراد أمرا. والقضاء إنفاذ المقدّر. والمقدر ما حدّ من مطلق المعلوم. قال الراغب: القضاء إتمام الشيء قولا أو فعلا، فمن القول آية وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 23] ، وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ [الإسراء: 4] ، ومن الفعل قوله فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: 12] وقضى فلان دينه، وقضى نحبه، وانقضى الأمر. (ثم قال) ونبه بقوله وَإِذا قَضى أَمْراً على حجة خامسة وهو أن الولد يكون بنشوء وتركيب. حالا بعد حال. وهو إذا أراد شيئا، فقد فعل بلا مهلة. ولم يرد ب إِذا حقيقة الزمان، إذ كان ذلك إشارة إلى ما قبل وجود الزمان. ولم يرد أيضا ب كُنْ حقيقة اللفظ، ولا بالفاء التعقيب الزمانيّ. بل استعير كل ذلك لأنه أقرب ما يتراءى لنا به سرعة الفعل وتمامه. وذكر لفظ القضاء إذ هو لإتمام الفعل، والأمر لكونه منطويا على اللفظ والفعل،
والقول إذ هو أخف موجد منا وأسرعه إيجادا، ولفظ كُنْ لعموم معناه واختصار لفظه، ثم قال فَيَكُونُ تنبيها لأنه لا يمتنع عليه شيء يريد إيجاده، وكُنْ فَيَكُونُ وإن كان مخرجها مخرج شيئين، أحدهما مبني على الآخر، فهو في الحقيقة شيء واحد. انتهى. والذين ذهبوا إلى أن المراد ب كُنْ حقيقة اللفظ، ورد عليهم سؤال مشهور، وهو: إن كُنْ لفظ أمر، والأمر لا يكون إلا لموجود. فبعض أجاب بأنه أمر للشيء في حال تكونه لا قبله ولا بعده. وبعض قال: هو أمر لمعلوم له، وذلك في حكم الموجود وإن كان معدوم الذات. وبعض قال: هو أمر للمعدوم. قال ويصح أمر المعدوم كما يصح أمر الموجود. ولهم أجوبة أكثر تكلفا وتمحلا. وقد سئل شيخ الإسلام تقيّ الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذا بأنه إن كان المخاطب ب كُنْ موجودا، فتحصيل الحاصل محال. وإن كان معدوما، فكيف يتصور خطاب المعدوم؟ فأجاب بقوله: هذه المسألة مبنية على أصلين: أحدهما الفرق بين خطاب التكوين الذي لا يطلب به سبحانه فعلا من المخاطب، بل هو الذي يكوّن المخاطب به، ويخلقه بدون فعل من المخاطب، أو قدرة أو إرادة أو وجود له. وبين خطاب التكليف الذي يطلب به من المأمور فعلا أو تركا يفعله بقدرة وإرادة. وإن كان ذلك جميعه بحول الله وقوته. إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا الخطاب قد تنازع فيه الناس. هل يصح أن يخاطب به المعدوم بشرط وجوده أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده؟ لا نزاع بينهم أنه لا يتعلق به حكم الخطاب إلا بعد وجوده. وكذلك تنازعوا في الأول هل هو خطاب حقيقيّ؟ أم هو عبارة عن الاقتدار وسرعة التكوين بالقدرة؟. والأول هو المشهور عند المنتسبين إلى السنة. والأصل الثاني أن المعدوم في حال عدمه، هل هو شيء أم لا؟ فإنه قد ذهب طوائف من متكلمة المعتزلة والشيعة إلى أنه شيء في الخارج وذات وعين، وزعموا أن الماهيات غير مجعولة ولا مخلوقة، وأن وجودها زائد على حقيقتها. وكذلك ذهب إلى هذا طوائف من المتفلسفة والاتحادية وغيرهم من الملاحدة. والذي عليه جماهير الناس، وهو قول متكلمة أهل الإثبات والمنتسبين إلى السنة والجماعة، إنه في الخارج عن الذهن قبل وجوده ليس بشيء أصلا ولا ذات ولا عين، وإنه ليس في الخارج شيئان أحدهما حقيقة، والآخر وجوده الزائد على حقيقته. فإن الله أبدع الذوات التي هي الماهيات. فكل ما سواه سبحانه مخلوق ومجعول ومبدع ومبدوء له
سبحانه وتعالى. ولكن في هؤلاء من يقول: المعدوم ليس بشيء أصلا، وإن سمي شيئا باعتبار ثبوته في العلم، كان مجازا. ومنهم من يقول: لا ريب أن له ثبوتا في العلم ووجودا فيه، فهو باعتبار هذا الثبوت والوجود هو شيء وذات. وهؤلاء لا يفرقون بين الوجود والثبوت. كما فرق من قال: المعدوم شيء. ولا يفرقون في كون المعدوم ليس بشيء بين الممكن والممتنع، كما فرق أولئك. إذ قد اتفقوا على أن الممتنع ليس بشيء وإنما النزاع في الممكن. وعمدة من جعله شيئا، إنما هو لأنه ثابت في العلم، وباعتبار ذلك صح أن يخص بالقصد والخلق والخبر عنه والأمر به والنهي عنه، وغير ذلك. قالوا: وهذه التخصيصات تمتنع أن تتعلق بالعدم المحض. فإن خصّ الفرق بين الوجود الذي هو الثبوت العينيّ، وبين الوجود الذي هو الثبوت العلميّ، زالت الشبهة في هذا الباب. وقوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40] ذلك الشيء هو معلوم قبل إبداعه وقيل توجيه هذا الخطاب إليه. وبذلك كان مقدرا مقضيا. فإن الله سبحانه وتعالى يقول ويكتب مما يعلمه ما شاء. كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» «1» . قال: وعرشه على الماء. وفي صحيح البخاريّ عن عمران بن حصين عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض» «2» . وفي سنن أبي داود «3» وغيره عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: إن أول ما خلق الله القلم، فقال
له: اكتب قال: ربّ، وماذا اكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. إلى أمثال ذلك من النصوص التي تبين أن المخلوق قبل أن يخلق كان معلوما مخبرا عنه، مكتوبا، فهو شيء باعتبار وجوده العلميّ الكلاميّ الكتابيّ، وإن كانت حقيقته التي هي وجوده العينيّ ليس ثابتا في الخارج. بل هو عدم محض ونفي صرف. وهذه المراتب الأربعة المشهورة موجودات. وقد ذكرها الله سبحانه في أول سورة أنزلها على نبيّه في قوله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 1- 4] وقد بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع، وإذا كان كذلك كان الخطاب موجها إلى من توجهت إليه الإرادة، وتعلقت به القدرة، وخلق وكوّن كما قال إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40] فالذي يقال له كُنْ هو الذي يراد، وهو، حين يراد قبل أن يخلق، له ثبوت وتميز في العلم والتقدير. ولولا ذلك لما تميز المراد المخلوق من غيره، وبهذا يحصل الجواب عن التقسيم. فإن قول السائل: إن كان المخاطب موجودا، فتحصيل الحاصل محال. يقال له هذا إذا كان موجودا في الخارج وجوده الذي هو وجوده. ولا ريب أن المعدوم ليس موجودا، ولا هو في نفسه ثابت. وأما ما علم وأريد وكان شيئا في العلم والإرادة والتقدير فليس وجوده في الخارج محالا، بل جميع المخلوقات لا توجد إلا بعد وجودها في العلم والإرادة. وقول السائل: إن كان معدوما فكيف يتصور خطاب المعدوم؟ يقال له: أما إذا قصد أن يخاطب المعدوم بخطاب يفهمه ويمتثله فهذا محال، إذ من شرط المخاطب أن يتمكن من الفهم والفعل. والمعدوم لا يتصور أن يفهم ويفعل. فيمتنع خطاب التكليف له حال عدمه بمعنى أنه مطلوب منه حين عدمه أن يفهم ويفعل، ولذلك أيضا يمتنع أن يخاطب المعدوم في الخارج خطاب تكوين. بمعنى أن يعتقد أنه شيء ثابت في الخارج وأنه يخاطب بأن يكون. وأما الشيء المعلوم المذكور المكتوب إذا كان توجيه خطاب التكوين إليه مثل توجيه الإرادة إليه، فليس ذلك محالا. بل هو أمر ممكن. بل مثل ذلك يجده الإنسان في نفسه، فيقدر أمرا في نفسه يريد أن يفعله ويوجه إرادته وطلبه إلى ذلك المراد المطلوب، الذي قدره في نفسه، ويكون حصول المراد المطلوب بحسب قدرته. فإن كان قادرا على حصوله حصل مع الإرادة والطلب الجازم. وإن كان عاجزا، لم يحصل. وقد يقول الإنسان: ليكن كذا ونحو ذلك من صيغ الطلب. فيكون المطلوب بحسب قدرته عليه. والله سبحانه على كل شيء قدير. وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإن أمره إذا أراد شيئا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 118]
أن يقول له كن فيكون. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 118] وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ من المشركين أو من أهل الكتاب وهو الأظهر. لأن ما تقدم، كلّه في حوارهم وردّ أضاليلهم، ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلم موسى؟ استكبارا منهم وعتوا أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ جحودا لأن يكون ما أتاهم من آيات الله، آيات، واستهانة بها كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ أي هذا الباطل الشنيع فقالوا: أرنا الله جهرة. وفي ذلك تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم بأنه كما تعنّت عليه تعنّت على من قبله تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد والتحكم على الأنبياء قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي بالحق. لا تعتريهم شبهة ولا ريبة وهذا رد لطلبهم الآية وفي تعريف الآيات وجمعها وإيراد التبيين المفصح عن كمال التوضيح، مكان الإتيان الذي طلبوه، ما لا يخفى من الجزالة. والمعنى انهم اقترحوا آية فذة. ونحن قد بينا الآيات العظام لقوم يطلبون الحق واليقين. وإنما لم يتعرض لرد قولهم لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ إيذانا بأنه من ظهور البطلان بحيث لا حاجة إلى الرد والجواب. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 119] إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (119) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً بالثواب للمؤمنين وَنَذِيراً بالعقاب للكافرين وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ولا نسألك عنهم: ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلّغت وبلغت جهدك في دعوتهم؟ كقوله فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [الرعد: 40] وفي التعبير عنهم بصاحبية الجحيم، دون الكفر والتكذيب ونحوهما، وعيد شديد لهم، وإيذان بأنهم مطبوع على قلوبهم، لا يرجى منهم الإيمان. والجحيم، من أسماء النار وتطلق على النار الشديدة التأجج، وعلى كل نار بعضها فوق بعض، وعلى كل نار عظيمة في مهواة، وعلى المكان الشديد الحر.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 120]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 120] وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ أي لأنهم يريدون أن يكونوا متبوعين على الإطلاق. وفيه مبالغة في الإقناط من إسلامهم، وتنبيه على أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز ووقوعه منه، عليه السلام قُلْ لا يتبع رسول إلا الهدى، إِنَّ هُدَى اللَّهِ أي الذي هو الإسلام هُوَ الْهُدى أي فليس وراءه هدى. وما تدعون إليه ليس بهدى، بل هو هوى. كما يعرب عنه قوله وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ أي آراءهم الزائغة الصادرة عنهم بقضية شهوات أنفسهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بأن دين الله هو الإسلام، أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يلي أمرك وَلا نَصِيرٍ يدفع عنك عقابه. وإنما أوثر خطابه صلّى الله عليه وسلّم ليدخل دخولا أوليّا من اتبع أهواءهم بعد الإسلام من المنافقين تمسكا بولايتهم، طمعا في نصرتهم. قال الإمام الرازيّ: وفي الآية دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلا. فمن هذا الوجه تدل على بطلان التقليد. انتهى. وفي فتح البيان ما نصه: وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب وتنصدع منه الأفئدة، ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه- ترك الدهان لتاركي العلم بالكتاب والسنة، المؤثرين لمحض الرأي عليهما. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 121] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ لما ذكر تعالى، فيما تقدم، عدم رضاء اليهود والنصارى إلّا باتباع ملتهم، لدعواهم أنهم على حق وأنهم مؤمنون بما لديهم- فنّد تعالى دعواهم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 122 إلى 123]
الإيمان به بأن من أوتي الكتاب فتلاه حق تلاوته فذاك المؤمن به. والمذكورون ممن لم يتله حق تلاوته، لما عدّد من مساوئ اليهود أولا، وشفعه بدعوى النصارى اتخاذ الولد. ومن كان يعتقد ذلك فإنّى له الإيمان؟ وهل هو ممن يتلو الكتاب حق تلاوته؟ وكتابه بأمر بتوحيد ربه والمشي مع شريعته وتصديق كل نبيّ يصدق ما معهم، وقد كفروا بكل ذلك. فجملة يَتْلُونَهُ حال مقدرة من «هم» أو من الْكِتابَ. وجوّز أن تكون الآية سيقت مدحا لمن آمن من أهل الكتاب بالقرآن. فالضمير في يَتْلُونَهُ للقرآن. فتكون كآية الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [القصص: 52- 54] ، وكآية قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا، إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً [الإسراء: 107] . ومن تلاوته حق تلاوته الإيمان بأنه حق من ربهم، وصبرهم ودرؤهم بالحسنة السيئة، وإنفاقهم وسجودهم له تعالى فالآيتان مفسرتان لتلاوتهم حق تلاوته. وعن ابن مسعود: والذي نفسي بيده! إن حق تلاوته أن يحلّ حلاله ويحرم حرمه، ويقرأه كما أنزل الله، ولا يحرّف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله. ومثله عن ابن عباس. وقوله تعالى أُولئِكَ إشارة إلى الموصوفين بإيتاء الكتاب وتلاوته كما هو حقه يُؤْمِنُونَ بِهِ محط الفائدة ما يلزم الإيمان به من الربح. بقرينة قوله وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ حيث اشتروا الضلالة بالهدى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 122 الى 123] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ. وَاتَّقُوا أي خافوا يَوْماً لا تَجْزِي أي لا تغني نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ فيه شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ أي فداء وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أي يمنعون من عذاب الله. وقد مر نظير الآيتين في صدر السورة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 124]
قال القاضي: ولما صدّر قصتهم بالأمر بذكر النعم والقيام بحقوقها، والحذر عن إضاعتها والخوف من الساعة وأهوالها- كرر ذلك وختم به الكلام معهم، مبالغة في النصح وإيذانا بأنه فذلكة القضية والمقصود من القصة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 124] وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ لما عاب سبحانه أهل الضلال، وكان جلهم من ذرية إبراهيم عليه السّلام، وجميع طوائف الملل تعظمه ومنهم العرب، وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم وأعظم مآثرهم- ذكّر الجميع ما أنعم به عليه تذكيرا يؤدي إلى ثبوت هذا الدين باطلاع هذا النبي الأميّ، الذي لم يخالط عالما قط، على ما لا يعلمه إلّا خواص العلماء. وذكر البيت الذي بناه فجعله عماد صلاحهم، وأمر بأن يتخذ بعض ما هناك مصلّى، تعظيما لأمره وتفخيما لعليّ قدره. وفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة، وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر- حثّ على الاقتداء به. وكذا في ذكر الإسلام والتوحيد، هزّ لجميع من يعظمه إلى اتباعه في ذلك. ذكره البقاعيّ. وإِذِ منصوب على المفعولية بمضمر مقدم خوطب به النبي صلّى الله عليه وسلّم بطريق التلوين أي واذكر لهم وقت ابتلائه عليه السلام، ليتذكروا بما وقع فيه من الأمور الداعية إلى التوحيد، الوازعة عن الشرك، فيقبلوا الحق ويتركوا ما هم فيه من الباطل، ولا يبعد أن ينتصب بمضمر معطوف على اذْكُرُوا خوطب به بنو إسرائيل ليتأملوا فيما يحكى، عمن ينتمون إلى ملته من إبراهيم وبنيه عليهم السلام، من الأفعال والأقوال، فيقتدوا بهم ويسيروا سيرتهم. أي واذكروا إذ ابتلى أباكم إبراهيم، فأتم ما ابتلاه به. فما لكم أنتم لا تقتدون به فتفعلوا عند الابتلاء فعله، في إيفاء العهد والثبات على الوعد، لأجازيكم على ذلك جزاء المحسنين؟ والابتلاء، في الأصل، الاختبار. أي تطلّب الخبرة بحال المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه، غالبا، فعله أو تركه. والاختيار منّا لظهور ما لم نعلم. ومن الله لإظهار ما قد علم. وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر الخفيّ في الشاهد والغائب جميعا، فلذا تجوز إضافته إلى الله تعالى. وقوله تعالى بِكَلِماتٍ أي بشرائع: أوامر ونواه. وللمفسرين أقاويل فيها وفي تعدادها. قال ابن جرير: ولا يجوز الجزم بشيء مما ذكروه منها أنه المراد على
التعيين، إلا بحديث أو إجماع. قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له. انتهى. وعندي أن الأقرب في معنى الكلمات هو ابتلاؤه بالإسلام، فأسلم لرب العالمين وابتلاؤه بالهجرة. فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله. وابتلاؤه بالنار فصبر عليها. ثم ابتلاؤه بالختان فصبر عليه. ثم ابتلاؤه بذبح ابنه فسلم واحتسب. كما يؤخذ ذلك من تتبع سيرته في التنزيل العزيز وسفر التكوين من التوراة. ففيهما بيان ما ذكرنا في شأنه عليه الصلاة والسلام. من قيامه بتلك الكلمات حق القيام. وتوفيتهن أحسن الوفاء. وهذا معنى قوله تعالى فَأَتَمَّهُنَّ كقوله تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم: 37] والإتمام التوفية. قالَ جملة مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الكلام. فكأنه قيل: فما جوزي على شكره؟ قيل: قال له ربه إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً أي قدوة لمن بعدك. والإمام اسم لمن يؤتم به. ولم يبعث بعده نبيّ إلا كان مأمورا باتباع ملته، وكان من ذريته. كما قال تعالى وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ [العنكبوت: 27] قالَ أي إبراهيم: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي واجعل من ذريتي أئمة قالَ لا يَنالُ أي قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك. لكن لا ينال عَهْدِي أي الذي عهدته إليك بالإمامة الظَّالِمِينَ أي منهم. لأنهم نفوا أنفسهم عنك في أبوة الدين. ففي قوله لا يَنالُ ... إلخ إجابة خفية لدعوته عليه السلام. وعدة إجمالية منه تعالى بتشريف بعض ذريته بنيل عهد الإمامة. كما قال تعالى: وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ [العنكبوت: 27] وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه، لا سيما للذين دعوا قبلها إلى الوفاء بالعهد. وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم كما أدام رفعته، وإن ظلموا لم تنلهم دعوته، فضربت عليهم الذلة وما معها، ولا يجزى أحد عنهم شيئا ولا هم ينصرون. وقرئ (الظالمون) على أن عَهْدِي مفعول مقدم اهتماما ورعاية للفواصل. وقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الظالم ليس بأهل للإمامة. والكشاف أوسع المقال، في ذلك، هنا، وأبدع في إيراد الشواهد. كما أن الشيعة استدلت بها على صحة قولهم في وجوب العصمة في الأئمة، ظاهرا وباطنا. على ما نقله الرازيّ عنهم وحاورهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 125]
أقول: إن استدلال الفرقتين على مدعاهما وقوف مع عموم اللفظ. إلا أن الآية الكريمة بمعزل عن إرادة خلافة السلطنة والملك. المراد بالعهد، تلك الإمامة المسؤول عنها. وهل كانت إلا الإمامة في الدين وهي النبوّة التي حرمها الظالمون من ذريته؟ كما قال تعالى: وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ولو دلت الآية على ما ادّعوا لخالفه الواقع ... فقد نال الإمامة الدنيوية كثير من الظالمين. فظهر أن المراد من العهد إنما هو الإمامة في الدين خاصّة. والاحتجاج بها على عدم صلاحية الظالم للولاية تمحل. لأنه اعتبار لعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا إلى السياق، أو ذهاب إلى الخبر في معنى الأمر بعدم تولية الظالم. كما قاله بعضهم. وهو أشد تمحلا. ومعلوم أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع، كما ورد، ومتى زاغ عن ذلك كان ظالما، والبحث في ذلك له غير هذا المقام. وبالله التوفيق. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 125] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ أي الذي بناه إبراهيم بأم القرى. وهو اسم غالب للكعبة. كالنجم للثريا مَثابَةً لِلنَّاسِ مباءة مرجعا للحجاج والعمّار، يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه. ومثابة مفعلة. من «الثوب» وهو الرجوع تراميا إليه بالكلية. وسر هذا التفضيل ظاهر في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها له. فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد فهو الأولى بقول القائل: محاسنه هيولى كل حسن ... ومغناطيس أفئدة الرجال فهم يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار. ولا يقضون منه وطرا. بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له اشتياقا. لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها ... حتى يعود إليها الطرف مشتاقا فلله كم لها من قتيل وسليب وجريح! وكم أنفق في حبها من الأموال والأرواح! ورضي المحب بمفارقة فلذ الأكباد والأهل والأحباب والأوطان، مقدما بين
يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطب والمشاق، وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه! ذكر هذه الشذرة (الإمام ابن القيم في أوائل زاد المعاد) . وَأَمْناً موضع أمن. كقوله حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: 67] ، وكقوله وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران: 97] ، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يسبون. وكان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يعرض له. وفي هذا بيان شرف البيت من كونه محلا تشتاق إليه الأرواح ولا تقضي منه وطرا، ولو ترددت إليه كل عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله في قوله فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: 37] ، إلى أن قال رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ [إبراهيم: 40] ، ومن كونه مأمنا لمن دخله. كما بيّنّا. وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال يوم فتح مكة: «إن هذا بلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض. وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي. ولم يحل لي إلا ساعة من نهار» «1» الحديث. وقوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قرئ بكسر الخاء، أمرا معترضا بين الجملتين الخبريتين. أو بتقدير: وقلنا اتخذوا. وقرئ بفتح الخاء ماضيا معطوفا على جعلنا. أي واتخذوه مصلى، ومقام إبراهيم هو الحرم كله. عن مجاهد. وعنه: هو جمع ومزدلفة ومنى ومكة. ويقال: هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام. فقد قال قتادة: إنما أمروا أن يصلّوا عنده ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت الأمم شيئا مما تكلفته الأمم قبلها. قال الراغب الأصفهانيّ: والأولى أنه الحرم كله. فما من موضع ذكروه إلا هو مصلى أو مدعى أو موضع صلاة. أقول: كأن الأصل في الآية: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ومصلى. إلا أنه
عدل إلى هذا الأسلوب الحكيم دون ذاك، ودون أن يقال مثلا: واتخذوا منه مصلى- لوجوه: (أحدها) التنويه بأمر الصلاة فيه والتعظيم لشأنها حيث أفرد، للعناية بها، جملة على حدة. (وثانيها) التذكير بأنه مقام الأب الأكبر للأنبياء كافة. وما كان مقامه فجدير أن يحترم ويعظم. (وثالثها) التنصيص على أن هذا الاتخاذ بأمر ربانيّ لا بتشريع بشر، تمهيدا للأمر باستقباله، وإلزاما لمن جادل فيه، وهم اليهود. وقد روى الشيخان وغيرهما أن عمر رضي الله عنه قال «1» : يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قال ابن كثير: ومقام إبراهيم هو الحجر الذي يصلي عنده الأئمة. وذلك الحجر هو الذي قام إبراهيم عليه عند بناء البيت، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل عليه السلام به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار. وكلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها. وهكذا حتى تم جدران الكعبة. كما جاء بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت من رواية ابن عباس عند البخاريّ «2» . قال ابن كثير: وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما. ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكأن الخليل عليه السلام، لما فرغ من بناء البيت، وضعه إلى جدار الكعبة، أو أنه انتهى عنده البناء، فتركه هناك، ولهذا، والله أعلم، أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف. وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه. كما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فإنه لما قدم مكة طاف بالبيت سبعا، وجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين.
قال ابن كثير: وإنما أخره عن جدار الكعبة إلى موضعه الآن عمر رضي الله عنه. ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة. وقد روى البيهقيّ بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: إن المقام كان في زمان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وزمان أبي بكر رضي الله عنه ملتصقا بالبيت. ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقال سفيان بن عيينة، وهو إمام المكيين في زمانه: كان المقام من سقع البيت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فردّه عمر إليه. وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. وقال أيضا: لا أدري أكان لاصقا بها أم لا. وأثر عائشة المتقدم يدل على أنه كان لاصقا بها. والله أعلم. وقال الحافظ الشيخ عمر بن الحافظ التقيّ محمد بن فهد المكيّ الهاشميّ، في كتاب «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» في حوادث سنة سبع عشرة: فيها جاء سيل عظيم يعرف بسيل أم نهشل من أعلى مكة من طريق الردم. فدخل المسجد الحرام واقتلع مقام إبراهيم من موضعه، وذهب به حتى وجد بأسفل مكة. وعيّن مكانه الذي كان فيه لما عفاه السيل. فأتى به وربط بلصق الكعبة في وجهها. وذهب السيل بأم نهشل بنت عبيدة بن سعد بن العاص بن أمية. فماتت فيه واستخرجت بأسفل مكة، وكان سيلا هائلا. فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو بالمدينة الشريفة. فهاله ذلك. وركب فزعا إلى مكة. فدخلا بعمرة في شهر رمضان. فلما وصل إلى مكة وقف على حجر المقام وهو ملصق بالبيت الشريف. ثم قال: أنشد الله عبدا عنده علم في هذا المقام. فقال المطلب بن أبي وداعة السهميّ رضي الله عنه: أنا يا أمير المؤمنين عندي علم ذلك. فقد كنت أخشى عليه مثل هذا الأمر، فأخذت قدره من موضعه إلى باب الحجر. ومن موضعه إلى زمزم بمقاط. وهي عندي في البيت. فقال له عمر: اجلس عندي وأرسل إليها من يأتي بها. فجلس عنده وأرسل إليها فأتي بها. فقيس، ووضع حجر المقام في هذا المحل الذي هو فيه الآن. وأحكم ذلك واستمر إلى الآن. انتهى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أي أمرناهما. وتعديته ب إِلى لأنه في معنى: تقدمنا وأوحينا أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ أي عن كل رجس حسيّ ومعنويّ: فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع. أو ابنياه على طهر من الشرك بي. كما قال تعالى وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: 26] ، أو أخلصاه للطائفين وما بعده لئلا يغشاه غيرهم. فاللام صلة «طهرا» على هذا. وعلى ما قبله، لام العلة. أي طهراه لأجلهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 126]
وقوله تعالى لِلطَّائِفِينَ أي حوله. وعن سعيد بن جبير: يعني من أتاه من غربة وَالْعاكِفِينَ يعني أهله المقيمين فيه أو المعتكفين. كما روى ابن أبي حاتم بسنده إلى ثابت قال: قلنا لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مكلّم الأمير: أن امنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يجنبون ويحدثون. قال: لا تفعل فإن ابن عمر سئل عنهم فقال: هم العاكفون. ورواه عبد بن حميد في مسنده. وقد ثبت في الصحيح «1» أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهو عزب. وفي الكشاف: يجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين. يعني القائمين في الصلاة. كما قال للطائفين والقائمين وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ جمع راكع وساجد والمعنى للطائفين والمصلين. لأن القيام والركوع والسجود هيآت المصلي. ولتقارب الأخيرين ذاتا وزمانا ترك العاطف بين موصوفيهما. وجمع صفتين جمع سلامة، وأخر بين جمع تكسير لأجل المقابلة. وهو نوع من الفصاحة. وأخّر صيغة «فعول» على «فعّل» لأنها فاصلة والمراد من الآية الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته المؤسس على عبادته وحده لا شريك له. ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه كما قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ففي ذلك تبكيت لهم وتنبيه على توبيخهم بترك دينه القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 126] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا أي الموضع الذي جعلت فيه بيتك وأمرتني بأن أسكنته من ذريتي بَلَداً أي يأنس من يحل به آمِناً أي من الخوف. أي لا يرعب أهله.. وقد أجاب الله دعاءه. كقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران: 97] ، وقوله أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ [العنكبوت: 67] ، إلى غير ذلك من الآيات.
وصحت أحاديث متعددة بتحريم القتال فيه. وفي صحيح مسلم عن جابر سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح» «1» فهو آمن من الآفات، لم يصل إليه جبار إلا قصمه الله. كما فعل بأصحاب الفيل. وقوله تعالى في سورة إبراهيم هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [إبراهيم: 35] ، بتعريف البلد مع جعله صفة لهذا، خلاف ما هنا، إمّا أن يحمل على تعدد السؤال بأن تكون الدعوة الأولى المذكورة هنا، وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا. كأنه قال: اجعل هذا الوادي بلدا آمنا. لأنه تعالى حكى عنه أنه قال رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم: 37] ، فقال، هاهنا، اجعل هذا الوادي بلدا آمنا. والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا. فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدا ذا أمن وسلامة. وإمّا أن يحمل على وحدة السؤال وتكرر الحكاية كما هو المتبادر. فالظاهر أن المسؤول كلا الأمرين. وقد حكى ذلك هنا. واقتصر هناك على حكاية سؤل الأمن، اكتفاء عن حكاية سؤال البلدية بحكاية سؤال أجعل أفئدة الناس تهوي إليه، هذا خلاصة ما حققوه. وعندي أن السؤال والمسؤول واحد. إلا أنه تفنن في الموضعين. فحذف من كلّ ما أثبته في الآخر احتباكا. والأصل: رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا. وبه تتطابق الدعوتان على أبدع وجه وأخلصه من التكلف. على ما فيه من إفادة المبالغة. أي بلدا كاملا في الأمن: كأنه قيل: اجعله بلدا معلوم الاتصاف بالأمن مشهورا به كقولك: كان هذا اليوم يوما حارا. وفي القاموس وشرحه التاج: البلد والبلدة علم على مكة، شرفها الله تعالى، تفخيما لها. كالنجم للثريا. وكل قطعة من الأرض مستحيزة عامرة أو غامرة خالية أو مسكونة. وفي النهاية: البلد من الأرض ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء. وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ إنما سأل إبراهيم عليه السلام ذلك، لأن مكة لم يكن بها زرع ولا ثمر، فاستجاب الله تعالى له، فصارت يجبى إليها ثمرات كل شيء مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بدل من أَهْلَهُ، بدل البعض، يعني: ارزق المؤمنين من أهله خاصة. وإنما خصّهم بالدعاء إظهارا لشرف الإيمان، واهتماما بشأن أهله، ومراعاة لحسن الأدب في المسألة. حيث ميّز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين، في باب الإمامة، في قوله لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ بعد أن سأل، عليه السّلام، جعلها في ذريته، فلا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء، وفيه ترغيب لقومه في الإيمان، وزجر عن الكفر قالَ الله تعالى
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 127]
معلما أن شمول الرحمانية بأمن الدنيا ورزقها لجميع عمرة الأرض وَمَنْ كَفَرَ أي أنيله أيضا ما ألهمتك من الدعاء بالأمن والرزق، فهو عطف على مفعول فعل محذوف، دلّ الكلام عليه. ويجوز أن تكون مِنَ مبتدأ موصولة أو شرطية. وقوله فَأُمَتِّعُهُ خبره أو جوابه. وعبر عن رزقه بالمتعة التي هي الزاد القليل والبلغة، تخسيسا له، وأكد ذلك بقوله قَلِيلًا تمتيعا قليلا، أو زمانا قليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ أي ألجئه إليه كما قال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: 13] ، ويَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ [القمر: 48] وقرئ فأمتعه قليلا ثم اضطره، بلفظ الأمر فيهما على أنهما من دعاء إبراهيم عليه السلام، وفي قالَ ضميره وَبِئْسَ الْمَصِيرُ النار أو عذابها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 127] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ أي اذكر بناءهما البيت ورفعهما القواعد منه. وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية، لاستحضار صورتها العجيبة والقواعد: جمع قاعدة، وهي الأساس والأصل لما فوقه، وقال الزجاج: القواعد: أساطين البناء التي تعمده رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا على إرادة القول أي يقولان، وترك مفعول تَقَبَّلْ ليعم الدعاء وغيره من القرب والطاعات، التي من جملتها ما هما بصدده من البناء. كما يعرب عنه جعل الجملة الدعائية حالية إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لدعائنا الْعَلِيمُ بضمائرنا ونياتنا. وفي صحيح البخاريّ «1» عن ابن عباس في حديث مجيء إبراهيم لتفقد إسماعيل عليهما السلام، ثم قال: يا إسماعيل! إن الله قد أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. قال فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 128]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 128] رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ مخلصين لك أوجهنا. من قوله: أسلم وجهه لله. أو مستسلمين، يقال: أسلم له وسلم، واستسلم، إذا خضع وأذعن. والمعنى: زدنا إخلاصا أو إذعانا لك وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا واجعل من ذريتنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ومِنْ للتبعيض، أو للتبيين، كقوله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [النور: 55] ، وإنما خصّا الذرية بالدعاء، لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع وَأَرِنا مَناسِكَنا أي عرفنا متعبداتنا، جمع منسك بفتح السين وكسرها، وهو المتعبد، وشرعة العبادة. يقع على المصدر والزمان والمكان، من النسك مثلثة وبضمتين وهو العبادة والطاعة، وكل ما تقرّب به إلى الله تعالى. ومن المفسرين من حمل المناسك على مناسك الحج لشيوعها في أعماله ومواضعه. فالإراءة حينئذ لتعريف تلك الأعمال والبقاع. وقد رويت آثار عن بعض الصحابة والتابعين تتضمن أن جبريل أرى إبراهيم المناسك وأن الشيطان تعرض له، فرماه عليه السلام. قالوا: وفي ذلك ظهور لشرف عمل الحج، حيث كان متلقّى عن الله بلا واسطة، لكونه علما على آتي يوم الدين، حيث لا واسطة هناك بين الرب والعباد. والذي عول عليه أئمة اللغة ما ذكرناه أولا من حمل المناسك على ما يرجع إليه أصل هذه اللفظة من العبادة والتقرب إلى الله تعالى، واللزوم لما يرضيه، وجعل ذلك عامّا لكل ما شرعه الله تعالى لإبراهيم عليه السلام. أي علمنا كيف نعبدك وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك، حتى نخدمك كما يخدم العبد مولاه؟ وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ هذا الدعاء استتابه لما فرط من التقصير. فإن العبد، وإن اجتهد في طاعة ربه، فإنه لا ينفك عن التقصير من بعض الوجوه إما على سبيل السهو والنسيان، أو على سبيل ترك الأولى، فالدعاء منهما، عليهما السلام، لأجل ذلك. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 129] رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُزَكِّيهِمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هذا إخبار عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، أي من ذرية إبراهيم، وهم العرب من ولد إسماعيل. وقد أجاب الله تعالى لإبراهيم عليه السلام هذه الدعوة، فبعث في ذريته رسول منهم، وهو محمد، صلّى الله عليه وسلّم، إلى الناس كافة. وقد أخبر صلّى الله عليه وسلّم عن نفسه أنه دعوة إبراهيم. ومراده هذه الدعوة. وذلك فيما خرجه الإمام أحمد «1» عن العرباض بن سارية. قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إني، عند الله، لخاتم النبيين، وإن آدم عليه السلام لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين. وأخرج أيضا نحوه عن أبي أمامة «2» ، قال: قلت: يا نبيّ الله! ما كان أول بدء أمرك؟ قال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منها قصور الشام. والمراد أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم عليه السلام، ولم يزل ذكره في الناس مشهورا حتى أفصح باسمه عيسى ابن مريم، عليهما السلام، حيث قال إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: 6] ، وهذ معنى قوله في الحديث: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم. وقوله فيه، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منها قصور الشام. قيل: كان منها ما رأته حين حملت به، وقصته على قومها، فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة وإرهاصا. وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه ونبوته ببلاد الشام، ولهذا يكون الشام في آخر الزمان معقلا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى ابن مريم- إذا نزل بدمشق- بالمنارة الشرقية البيضاء منها. ولهذا جاء في الصحيحين «3» «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 130]
من خذلهم، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك» وفي صحيح البخاري «وهم بالشام» وقوله تعالى يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ هي إما الفرقان الذي أنزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم، المتلوّ عليهم، وإما الأعلام الدالة على وجود الصانع وصفاته تعالى، ومعنى تلاوته إياها عليهم أنه كان يذكرهم بها، ويدعوهم إليها، ويحملهم على الإيمان بها. وقوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أي الكامل الشامل لكل كتاب وهو القرآن والْحِكْمَةَ هي السنة، فسرها بها كثيرون. وعن مالك: هي معرفة الدين، والفقه فيه، والاتباع له. وقوله تعالى: وَيُزَكِّيهِمْ أي يطهرهم من الشرك، وسائر الأرجاس، كقوله: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [الأعراف: 157] . ولما ذكر عليه السلام هذه الدعوات، ختمها بالثناء على الله تعالى فقال إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، والعزيز ذو العزة وهي القوة، والشدة، والغلبة، والرفعة والْحَكِيمُ بمعنى الحاكم، أو بمعنى الذي يحكم الأشياء ويتقنها، وكلاهما من أوصافه تعالى. قال الراغب: إن قيل ما وجه الترتيب في الآية؟ قيل: أما الآيات فهي الآيات الدالة على معجز النبي صلّى الله عليه وسلّم. وذكر التلاوة لما كان أعظم دلالة نبوته متعلقا بالقرآن. وأما الترتيب، فلأن أول منزلة النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد ادعاء النبوة، الإتيان بالآيات الدالة على نبوته، ثم بعده تعليمهم الكتاب، أي تعريفهم حقائقه لا ألفاظه فقط، ثم بتعليمهم الكتاب يوصلهم إلى إفادة الحكمة، وهي أشرف منزلة العلم، ولهذا قال وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: 269] ثم بالتدرج في الحكمة يصير الإنسان مزكى أي مطهّرا مستصلحا لمجاورة الله عز وجل. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 130] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ هذا إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم، وهو ما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم، وفي ذلك تعريض بمعاندي أهل الكتاب والمشركين، أي لا يرغب عن ملته الواضحة الغرّاء إلا من سفه نفسه، أي حملها على السفه وهو الجهل. قال الراغب: وسفه نفسه أبلغ من جهلها، وذاك أن الجهل ضربان: جهل
بسيط، وهو أن لا يكون للإنسان اعتقاد في الشيء. وجهل مركب وهو أن يعتقد في الحق أنه باطل، وفي الباطل أنه حق. والسفه أن يعتقد ذلك ويتحرى بالفعل مقتضى ما اعتقده. فبيّن تعالى أن من رغب عن ملة إبراهيم، فإن ذلك لسفه نفسه، وذلك أعظم مذمة، فهو مبدأ كل نقيصة. وذاك أن من جهل نفسه، جهل أنه مصنوع، وإذا جهل كونه مصنوعا جهل صانعه، وإذا لم يعلم أن له صانعا، فكيف يعرف أمره ونهيه، وما حسّنه وقبّحه؟ ولكون معرفتها ذريعة إلى معرفة الخالق جل ثناؤه، قال: وَفِي أَنْفُسِكُمْ، أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: 21] ، وقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر: 19] . وقوله تعالى: وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا أي اخترناه من بين سائر الخلق بالرسالة والنبوة والإمامة، وتكثير الأنبياء من نسله، وإعطاء الخلة، وإظهار المناسك عليه، وجعل بيته آمنا، ذا آيات بينات إلى يوم القيامة. وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ الذين لهم الدرجات العلى، وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة الصلاح، حيث جعله من المتصفين بها، فهو حقيق بالإمامة، لعلو رتبته عند الله تعالى في الدارين، ففي ذلك أعظم ترغيب في اتباع دينه، والاهتداء بهديه. وأشدّ ذم لمن خالفه. قال الراغب: إن قيل كيف وصفه بالاصطفاء في الدنيا، وبالصلاح في الآخرة، والنظر يقتضي عكس ذلك. فإن الصلاح وصف يرجع إلى الفعل، وذلك يكون في الدنيا. والاصطفاء حال يستحقه العبد بكونه صالحا، فحقه أن يكون في الآخرة؟ قيل: الاصطفاء ضربان، أحدهما كما قلت، والآخر في الدنيا، وهو اختصاص الله بعض العبيد بولايته ونبوته بخصوصية فيه، وهو المعنيّ بقوله شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ [النحل: 121] ، والصلاح، وإن اعتبر بأحوال الدنيا، فمجازى به في الآخرة، فبيّن تعالى أنه مجتبى في الدنيا لما علم الله من حكمته فيه، ومحكوم له في الآخرة، بصلاحه في الدنيا، تنبيها أن الثواب في الآخرة لم يستحقه باصطفائه في الدنيا، وإنما استحقه بصلاحه فيها. ويجوز أن يكون قوله فِي الْآخِرَةِ أي في أفعال الآخرة لمن الصالحين. ويجوز أنه عنى بقوله فِي الدُّنْيا حال بقائه، وفِي الْآخِرَةِ أي حال وفاته، ويكون الإشارة بصلاحه إلى الثناء الحسن عليه، الذي رغب إلى الله تعالى فيه بقوله وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء: 84] ويجوز أنه لما كان الناس ثلاثة أضرب: ظالم، ومقتصد، وسابق، عبر عن السابق بالصالح، فكل سابق إلى طاعة الله ورحمته صالح. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 131]
وكل ذلك تذكير لأهل الكتاب بما عندهم من العلم بأمر هذا النبي الكريم، وإقامة المحجة عليهم، لأن أكثر ذلك معطوف على اذْكُرُوا في قوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ [البقرة: 40] ولما ذكر إمامته عليه السلام، ذكر ما يؤتم به فيه، وهو سبب اصطفائه، وصلاحه، وذلك دينه، وما أوصى به بنيه، وما أوصى به بنوه بنيهم سلفا عن خلف، ولا سيما يعقوب عليه السلام المنوه بنسبه أهل الكتاب إليه فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 131] إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131) إِذْ أي اصطفيناه لأنه قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ أي لربك، أي انقد له، وأخلص نفسك له، أو استقم على الإسلام، واثبت على التوحيد قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وظاهر النظم الكريم أن القول حقيقيّ، وليس في ذلك مانع، ولا ما جاء ما يوجب تأويله. وقول بعضهم: هو تمثيل، والمعنى: أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام- ليس بشيء. ولا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز، إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 132] وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ شروع في بيان تكميله عليه السلام لغيره، إثر بيان كماله في نفسه. والتوصية التقدم إلى الغير في الشيء النافع المحمود عاقبته. والضمير في بِها إما عائد لقوله: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ على تأويل الكلمة والجملة. ونحوه رجوع الضمير في قوله وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً [الزخرف: 28] إلى قوله: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف: 26- 27] ، وقوله: كَلِمَةً دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة. وإما عائد إلى الملة في قوله: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ، وأيّد الأول بكون الموصى به مطابقا في اللفظ لأسلمت، وقرب المعطوف عليه. ورجح القاضي الثاني لكون المرجع مذكورا صريحا، وردّ الإضمار إلى المصرح بذكره، إذا أمكن، أولى من رده إلى المدلول والمفهوم. ولكون الملة أجمع من تلك الكلمة. والكل حسن. وقوله تعالى بَنِيهِ
تفيد صيغة الجمع أن لإبراهيم عليه السلام من الولد غير إسماعيل وإسحاق. وقرأت في سفر التكوين من التوراة أن إبراهيم عليه السلام تزوج، بعد وفاة سارة أم إسحاق، امرأة أخرى اسمها قطورة، فولدت له: زمران ويقشان ومدان ومديان ويشباق وشوحا، فعلى هذا تكون بنوه عليه السلام ثمانية وَيَعْقُوبُ معطوف على إبراهيم، ومفعوله محذوف تقديره: ووصى يعقوب بنيه. لأن يعقوب أوصى بنيه أيضا كما أوصى إبراهيم بنيه. ودليل ذلك قوله تعالى: إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي [البقرة: 133] ، كما سيأتي. وقرئ وَيَعْقُوبُ بالنصب عطفا على بنيه، ومعناه: ووصى بها إبراهيم بنيه، ونافلته يعقوب. وقد ولد يعقوب في حياة جده إبراهيم، وأدرك من حياته خمس عشرة سنة، كما يستفاد من سفر التكوين من التوراة، فإن فيها أن إبراهيم عليه السلام، ولد له إسحاق وهو ابن مائة سنة، ومات وهو ابن مائة وخمس وسبعين سنة، وكان لإسحاق، حين ولد له يعقوب وعيسو، ستون سنة، فاستفيد من ذلك ما ذكرناه. ولوجود يعقوب في حياة جده يفهم سر ذكره في قوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [الأنعام: 84] ، وفي آية أخرى وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً [العنكبوت: 27] . يا بَنِيَّ أي قال كل من إبراهيم ويعقوب، على القراءة الأولى. وعلى الثانية: قال إبراهيم: يا بنيّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان، وهو دين الإسلام، الذي لا دين غيره عند الله تعالى فَلا أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وفي هذه الجملة إيجاز بليغ. والمراد: الزموا الإسلام، ولا تفارقوه حتى تموتوا. وهذا الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي لا تموتوا على حالة إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام. فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا، لأنه هو المقدور. فلا يقال: صيغة النهي موضوعة لطلب الكف عما هو مدلولها، فيكون المفهوم منه النهي عن الموت على خلاف حال الإسلام، وذا ليس بمقصود، لأنه غير مقدور. وإنما المقدور فيه هو الكون على خلاف حال الإسلام، فيعود النهي إليه، ويكون المقصود النهي عن الاتصاف بخلاف حال الإسلام وقت الموت، لما أن الامتناع عن الاتصاف بتلك الحال يتبع الامتناع عن الموت في تلك الحال. فإما أن يقال: استعمل اللفظ الموضوع للأول في الثاني، فيكون مجازا. أو يقال: استعمل اللفظ في معناه لينتقل منه إلى ملزومه، فيكون كناية. قال الزمخشريّ: ونظير ذلك قولك: لا تصلّ إلا وأنت خاشع، فلا تنهاه عن الصلاة، ولكن عن ترك الخشوع في حال صلاته. والنكتة في إدخال حرف النهي
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 133]
عما ليس بمنهيّ عنه، هو إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام، موت لا خير فيه، وأنه ليس بموت السعداء، وأن من حق هذا الموت أن لا يحل فيهم. كما تقول في الأمر: مت وأنت شهيد. فليس مرادك الأمر بالموت، ولكن بالكون على صفة الشهداء إذا مات. وإنما أمرته بالموت اعتدادا منك بميتته، وإظهارا لفضلها على غيرها، وإنها حقيقة بأن يحثّ عليها. هذا. وقد قرر سبحانه بهذه الآيات بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية، وبرأ خليله والأنبياء من ذلك، ولما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه بالغ في وصية بنيه بالدين والإسلام، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك تأكيدا للحجة على اليهود والنصارى ومبالغة في البيان بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 133] أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ أي ما كنتم حاضرين حينئذ، ف أَمْ منقطعة مقدّرة ب «بل» والهمزة، وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع والتوبيخ. والشهداء جمع شهيد أو شاهد بمعنى الحاضر، وحضور الموت حضور مقدماته إِذْ قالَ أي يعقوب لِبَنِيهِ وهم: رأوبين، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ويسّاكر، وزبولون، ويوسف، وبنيامين، ودان، ونفتالي، وجاد، وأشير، وهم الأسباط الآتي ذكرهم ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي أي أيّ شيء تعبدونه بعد موتي، وأراد بسؤاله تقريرهم على التوحيد والإسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ عطف بيان لآبائك. وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه. لأن العم أب والخالة أم، لا نخراطهما في سلك واحد، وهو الأخوّة، لا تفاوت بينهما. ومنه حديث الترمذيّ عن علي كرم الله وجهه، رفعه «عم الرجل صنو أبيه» «1» أي لا تفاوت بينهما، كما لا تفاوت بين صنوي النخلة. وفي
الصحيحين عن البراء، رفعه «الخالة بمنزلة الأم» «1» ، وروى ابن سعد عن محمد بن عليّ مرسلا «الخالة والدة» . إِلهاً واحِداً بدل من إله آبائك، كقوله تعالى: بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ [العلق: 15- 16] أو على الاختصاص، أي نريد بإله آبائك إلها واحدا، وفي ذلك تحقيق للبراءة من الشرك، للتصريح بالتوحيد، ثم أخبروا بعد توحيدهم بإخلاصهم في عبادتهم، بقولهم وَنَحْنُ لَهُ أي وحده لا لأب ولا غيره مُسْلِمُونَ أي مطيعون خاضعون، كما قال تعالى وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [آل عمران: 83] والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوّعت شرائعهم، واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث. منها قوله صلّى الله عليه وسلّم «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد» «2» وقد اشتمل نبأ وصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام لبنيهما على دقائق مرغبة في الدين. منها أنه تعالى لم يقل «وأمر إبراهيم بنيه» بل قال «وصاهم» ، ولفظ الوصية أوكد من الأمر، لأن الوصية عند الخوف من الموت، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم، فدل على الاهتمام بالوصي به، والتمسك به. ومنها تخصيص بنيهما بذلك، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم، فلما خصّاهم بذلك في آخر عمرهما علمنا أن اهتمامهما بذلك كان أشد من اهتمامهما بغيره. ومنها أنهما، عليهما السلام، ما مزجا بهذه الوصية وصية أخرى. وهذا يدل على شدة الاهتمام أيضا. إلى دقائق أخرى أشار إليها الفخر، عليه الرحمة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 134]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 134] تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134) تِلْكَ إشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبنيهما الموحدين أُمَّةٌ أي جيل وجماعة قَدْ خَلَتْ أي سلفت ومضت لَها ما كَسَبَتْ في إسلامها من الاعتقادات والأعمال والأخلاق وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ أي مما أنتم عليه من الهوى خاص بكم، لا يسألون هم عن أعمالكم وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ والمعنى أن أحدا لا ينفعه كسب غيره متقدما كان أو متأخرا: فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم. فما اقتص عليكم أخبارهم، وما كانوا عليه من الإسلام والدعوة إليه، إلا لتفعلوا ما فعلوه، فتنتفعوا. وإن أبيتم، لم تنتفعوا بأعمالهم. قال الرازيّ: الآية دالة على بطلان التقليد، لأن قوله لَها ما كَسَبَتْ يدل على أن كسب كل واحد يختص به، ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزا، لكان كسب المتبوع نافعا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبّهوا على ما يلزمكم، فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق. انتهى. ومعلوم أن اتباع الأنبياء عليهم السلام، والإيمان بهم، لا يسمى تقليدا، لخروجه عن حده المقرر في كتب الأصول. ثم أخبر تعالى أنهم اعتاضوا عن الاهتداء بالأصفياء من أسلافهم، بأن صاروا دعاة إلى الكفر، مع بيان بطلان ما هم عليه من كل وجه بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 135] وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) وَقالُوا أي الفريقان من أهل الكتاب كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ نتبع مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ونستن بسنته لا نحول عنها كما تحولتم حَنِيفاً أي مستقيما أو مائلا عن الباطل إلى الحق، لأن الحنف، محركة، يطلق على الاستقامة، ومنه قيل
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 136]
للمائل الرّجل، أحنف. تفاؤلا بالاستقامة كم قالوا للديغ: سليم. وللمهلكة: مفازة. ويطلق على ميل في صدر القدم، واعوجاج في الرجل، فالحنيف المستقيم على إسلامه لله تعالى، المائل عن الشرك إلى دين الله سبحانه. ولما أثبت إسلامه بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وفيه تعريض بأهل الكتاب، وإيذان ببطلان دعواهم اتباعه عليه السلام، مع إشراكهم بقولهم: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، قد أفادت هذه الآية الكريمة أن ما عليه الفريقان محض ضلال وارتكاب بطلان، وأن الدين المرضيّ عند الله الإسلام، وهو دعوة الخلق على توحيده تعالى، وعبادته وحده، لا شريك له. ولما خالف المشركون هذا الأصل العظيم بعث الله نبيه محمدا خاتم النبيين لدعوة الناس جميعا إلى هذا الأصل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 136] قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) قُولُوا أي يا أيها الذين آمنوا. وفيه إظهار لمزية فضل الله عليهم حيث يلقنهم ولا يستنطقهم فيقصروا في مقالهم آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا أي من الكتاب الذي تقدم إنه الهدى وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ من الأحكام التي كانوا متعبدين بها، مما اشتملت عليه صحف أبيهم إبراهيم عليه السلام ومن الموحى إليهم خاصة. والأسباط هم أولاد يعقوب الاثنا عشر المتقدم ذكرهم. جمع سبط وهو الحافد. سموا بذلك لكونهم حفدة إبراهيم وإسحاق. وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى من التوراة والإنجيل وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ مما ذكر، وغيرهم. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ في الإيمان فلا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ منقادون. وقد روى البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «1» : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «لا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 137]
تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم. وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا» . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 137] فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) فَإِنْ آمَنُوا أي أهل الكتاب الذي أرادوا أن يستتبعوكم بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ أي بما آمنتم به على الوجه الذي فصّل. على أن المثل مقحم. وقد قرأ ابن عباس وابن مسعود بما آمنتم به. وقرأ أبيّ: بالذي آمنتم به فَقَدِ اهْتَدَوْا إلى الحق وأصابوه كما اهتديتم. عكس ما قالوا: كونوا مثلنا تهتدوا وَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن الإيمان بما آمنتم به. فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ أي فما هم إلا في خلاف وعداوة وليسوا من طلب الحق في شيء. قال القاضي: ولا يكاد يقال في المعاداة على وجه الحق أو المخالفة التي لا تكون معصية إنه شقاق. وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في عداوة الله وغضبه ولعنه، وفي استحقاق النار، فصار هذا القول وعيدا منه تعالى لهم، وصار وصفهم بذلك دليلا على أن القوم معادون للرسول، مضمرون له السوء، مترصدون لإيقاعه في المحن، فعند هذا أمنه الله تعالى من كيدهم وأمن المؤمنين من شرهم ومكرهم فقال: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ تقوية لقلبه وقلب المؤمنين لأنه تعالى إذا تكفل بالكفاية في أمر حصلت الثقة به. وقد أنجز وعده بقتل قريظة وسبيهم «1» وإجلاء بني النضير «2» وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أتبع وعده بالنصر والكفاية، بما يدل على أن ما يسرون وما يعلنون من أمرهم لا يخفى عليه تعالى. فهو يسبب لكل قول وضمير
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 138]
منهم ما يردّ ضرره عليهم. فهو وعيد لهم، أو وعد لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم. أي يسمع ما تدعو به، ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق. وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 138] صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138) صِبْغَةَ اللَّهِ مصدر مؤكد منتصب عن قوله آمَنَّا بِاللَّهِ كذا قاله سيبويه. فهو بمثابة فعله. كأنه قيل صبغنا الله صبغة. أي صبغ قلوبنا بالهداية والبيان صبغة كاملة لا ترتفع بماء الشبه، ولا تغلب صبغة غيره عليها. والصبغة كالصبغ (بالكسر فيهما لغة) ما يصبغ به وتلون به الثياب. ووصف الإيمان بذلك لكونه تطهيرا للمؤمنين من أوضار الكفر، وحلية تزيّنهم بآثاره الجميلة، ومتداخلا في قلوبهم. كما أن شأن الصبغ بالنسبة إلى الثوب كذلك. ويقال: صبغ يده بالماء غمسها فيه. وأنشد ثعلب: دع الشر وانزل بالنجاة تحرزا ... إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ وقال الراغب: الصبغة إشارة من الله عز وجل إلى ما أوجده في الناس من بداية العقول التي ميزنا بها من البهائم، ووشحنا بها لمعرفته ومعرفة حسن العدالة وطلب الحق، وهو المشار إليه بالفطرة في قوله: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: 30] الآية، والمعنى بقوله عليه السلام: كل مولود يولد على الفطرة «1» ... الخبر. وتسمية ذلك بالصبغة من حيث إن قوى الإنسان التي ركب عليها، إذا اعتبرت بذاته، تجري مجرى الصبغة التي هي زينة المصبوغ. ولما كانت اليهود والنصارى، إذا لقنوا أولادهم اليهودية والنصرانية، يقولون: قد صبغناه- بيّن تعالى أن الإيمان بمثل ما آمنتم به هو صبغة الله وفطرته التي ركزها في الخلق. ولا أحد أحسن صبغة منه. (ثم قال) وقول الحسن وقتادة ومجاهد: إن الصبغة هي الدين، وقول غيرهم: إنها الشريعة، وقول من قال: هو الختان- إشارة إلى مغزى واحد. وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً الاستفهام للإنكار والنفي. أي لا صبغة أحسن من صبغته تعالى. لأنها صبغة
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 139]
قلب لا تزول. لثباتها بما تولاها الحفيظ العليم، فلا يرتد أحد عن دينه سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه. والجملة اعتراضيه مقررة لما في صِبْغَةَ اللَّهِ من معنى الابتهاج وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ شكرا لتلك النعمة ولسائر نعمه. فكيف تذهب عنا صبغته ونحن نؤكدها بالعبادة، وهي تزيل رين القلب فينطبع فيه صورة الهداية. وهو عطف على آمنا، داخل معه تحت الأمر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 139] قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) قُلْ منكرا لمحاجتهم وموبّخا لهم عليها أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ أي أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له واتباع الهدى وترك الهوى وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ المستحق لإخلاص العبودية له وحده لا شريك له، ونحن وأنتم في العبودية له سواء وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ أي نحن برءاء منكم ومما تعبدون، وأنتم برءاء منا. كما قال في الآية الأخرى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس: 41] . وقال تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ [آل عمران: 20] الآية. وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ في العبادة والتوجه، لا نشرك به شيئا وأنتم تشركون به عزيرا والمسيح والأحبار والرهبان. ولمّا بقي من مباهتاتهم وادعاؤهم أن أسلافهم كانوا على دينهم، أبطلها سبحانه بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 140] أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ خليل الله وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ابنيه وَيَعْقُوبَ ابن إسحاق وَالْأَسْباطَ أولاد يعقوب كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى أي على ملتهم. إما اليهودية وإما النصرانية قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ أي الذي له الإحاطة كلها أعلم. فلا يمكنهم أن يقولوا: نحن. وإن قالوا: الله، فقد برأ الله إبراهيم ومن معه من ذلك. فبطل ما ادعوا. وثبت أنهم، عليهم السلام، كانوا على الحنيفية مسلمين مبرّئين عن اليهودية والنصرانية، هذا مع أن ردّ قولهم هذا أظهر ظاهر من حيث إنه لا يعقل أن
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 141]
يكون السابق على نسبة للّاحق، ما حدثت إلا بعده بمدد متطاولة. وسيأتي النص الصريح بإبطال ذلك في آل عمران. ولما كان العلم عندهم عن الله بأن الخليل ومن ذكر معه، عليهم السلام، على دين الإسلام وكانوا يكتمون ما عندهم من ذلك. مع تقرير الله لهم به واستخبارهم عنه ونهيه لهم عن كتمانه وما يقاربه بقوله وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ [البقرة: 42] الآية- أشار إلى أشد الوعيد في كتمان ذلك بقوله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً موجودة ومودعة عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وهو كتمان العلم الذي هو الإخبار بما أنزل الله. والاستفهام إنكار لأن يكون أحد أظلم من أهل الكتاب حيث كتموا شهادته تعالى لهم، عليهم السلام، بالحنيفية والبراءة من الفريقين. قال التقيّ ابن تيمية: سمى تعالى ما عندهم من العلم شهادة كما قال إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى [البقرة: 159] الآية، كأنه قال: خبرا عنده، دينا عنده من الله، وبيانا عنده من الله، فإن كان قوله مِنَ اللَّهِ متعلقا ب كَتَمَ فإنه يعم كل الشهادات. وإن كان متعلقا ب عِنْدَهُ، وهو الأوجه، أو بشهادة، أو بهما، فإن الأمر في ذلك واحد. أي شهادة استقرت عنده من جهة الله. فهو كتمان شهادات العلم الموروث عن الأنبياء. فسمى الإخبار به شهادة. ثم قال: وكذلك الأخبار النبوية إنما يراد بالشهادة فيها الإخبار. وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تهديد ووعيد شديد. أي أن علمه محيط بكم وسيجزيكم عليه. قال الرازيّ: هذا هو الكلام الجامع لكل وعيد. ومن تصور أنه تعالى عالم بسره وإعلانه، ولا يخفى عليه خافية، وأنه من وراء مجازاته. إن خيرا فخير وإن شرّا فشر- لا يمضى عليه طرفة عين إلا هو حذر خائف. ألا ترى أن أحدنا لو كان عليه رقيب من جهة سلطان يعدّ عليه الأنفاس، لكان دائم الحذر والوجل، مع أن ذلك الرقيب لا يعرف إلا الظاهر، فكيف بالرب الرقيب الذي يعلم السر وأخفى، إذا هدد وأوعد بهذا الجنس من القول؟ القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 141] تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ فلا يسألون عن أعمالكم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 142]
وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ لما ذكر تعالى حسن طريقة الأنبياء المتقدمين، ولم يدع لهم متمسكا من جهتهم، أتبع ذلك الإشارة إلى أن الدين دائر مع أمره في كل زمان. وأنه لا ينفعهم إلا ما يستجدّونه بحكم ما تجدد من المنزل المعجز لكافة أهل الأرض، أحمرهم وأسودهم ... أي فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة. فلها ما كسبت. وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد صلّى الله عليه وسلّم فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم. ولا تسألون إلا عن عملكم. قال الراغب: إعادة هذه الآية من أجل أن العادة مستحكمة في الناس، صالحهم وطالحهم أن يفتخروا بآبائهم ويقتدوا بهم في متحرياتهم لا سيما في أمور دينهم. ولهذا حكى عن الكفار قولهم إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: 22] . فأكد الله تعالى القول في إنزالهم عن هذه الطريقة. وذكر في أثر ما حكى من وصية إبراهيم ويعقوب بنيه بذلك، تنبيها أن الأمر سواء على ما قلت أو لم يكن. فليس لكم ثواب فعلهم ولا عليكم عقابه. وفي الثاني لما ذكر ادعاءهم اليهودية والنصرانية لآبائهم أعاد أيضا تأكيدا عليهم تنبيها على نحو ما قال: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء: 13] ، وقوله لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: 286] ، وقوله وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: 164] ولما جرت به عادتهم وتفردت به معرفتهم: كل شاة تناط برجليها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 142] سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها روى البخاريّ في صحيحه «1» عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت. وأنه صلى أول صلاة صلاها، صلاة العصر وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل مكة. فداروا، كما هم، قبل البيت. وروى مسلم «2» : عن البراء رضي الله عنه نحو ما تقدم ولفظه: صلينا مع رسول
الله صلّى الله عليه وسلّم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، ثم صرفنا نحو الكعبة. وروى الشيخان «1» ابن عمر قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أنزل عليه الليلة قرآن. وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. (اللفظ لمسلم) . والأحاديث في تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة متوافرة. وفيما ذكرنا كفاية. وقد أعلم الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين أن فريقا من الناس سينكرون تغيير القبلة وسماهم سفهاء، جمع سفيه. وهو الخفيف الحلم والأحمق والجاهل. قال ابو السعود: أي الذين خفّت أحلامهم واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن التدبر والنظر. انتهى. ومعنى قوله ما وَلَّاهُمْ أي أيّ شيء صرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي ثابتين على التوجه إليها، وهي بيت المقدس. ومدار الإنكار، إن كان القائلون هم اليهود، كراهتهم للتحويل عنها لأنها قبلتهم. وإن كان غيرهم، فمجرد القصد إلى الطعن في الدين والقدح في أحكامه. وقد روي عن ابن عباس: أن القائلين هم اليهود، وعن الحسن أنهم مشركو العرب. وعن السدّيّ أنهم المنافقون. قال الراغب: ولا تنافي بين أقوالهم فكلّ قد عابوا، وكلّ سفهاء. (تنبيه) ظاهر قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ إلخ أنه إخبار بقولهم المذكور. ثم إن الإخبار قبل وقوعه. وفائدته توطين النفس وإعداد ما يبكتهم، فإن مفاجأة المكروه على النفس أشق وأشد. والجواب العتيد لشغب الخصم الألد أردّ، مع ما فيه من دلائل النبوة حيث يكون إخبارا عن غيب، فيكون معجزا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ جواب عن شبهتهم. وتقريره أن الجهات كلها لله ملكا. فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة. بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها قبلة، فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى أخرى. وما أمر به فهو الحق يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فيه تعظيم أهل الإسلام وإظهار عنايته تعالى بهم وتفخيم شأن الكعبة. كما فخمه بإضافته إليه في قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [الحج: 26] .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 143]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 143] وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (143) وَكَذلِكَ أي كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل وأفضلها جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً أي عدولا، خيارا وقوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً تعليل للجعل المنوه به الذي تمّت المنة به عليهم. واعلم أن أصل الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة. إما بالبصر أو بالبصيرة. قال الرازي: الشهادة والمشاهدة والشهود هو الرؤية، يقال شاهدت كذا إذا رأيته وأبصرته، ولما كان بين الإبصار بالعين وبين المعرفة بالقلب مناسبة شديدة، لا جرم قد تسمى المعرفة التي في القلب مشاهدة وشهودا، والعارف بالشيء شاهدا ومشاهدا. ثم سميت الدلالة على الشيء شاهدا على الشيء لأنها هي التي بها صار الشاهد شاهدا. ولما كان المخبر عن الشيء والمبيّن لحاله جاريا مجرى الدليل على ذلك، سمي ذلك المخبر أيضا شاهدا. وبالجملة، فكل من عرف حال شيء وكشف عنه كان شاهدا عليه. انتهى. والشهيد أصله الشاهد والمشاهد للشيء والمخبر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة. وهو، بالمعنى الثالث، من النعوت الجليلة. ولذلك وصف به النبيون والسادة والأئمة. كما ترى في هذه الآية وفي آية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: 41] وآية، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ [البقرة: 23] ، وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: 69] ، ثم إن في اللام في قوله تعالى لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وجهين (الأول) إنها لام الصيرورة والعاقبة. أي فآل الأمر بهدايتكم وجعلكم وسطا أن كنتم شهداء على الناس. وهم أهل الأديان الأخر. أي بصراء على كفرهم بآيات الله وما غيروا وبدلوا وأشركوا وألحدوا. مما قص عليكم في الآيات قبل، حتى أحطتم به خبرا. فعرفتم حق دينهم من باطله، ووحيه من مخترعه. يعني: وإذا شهدتم ذلك منهم وأبصرتم فاشكروا مولاكم على ما أولاكم، وعافاكم مما ابتلى به سواكم، حيث وفقكم للمنهج السويّ وهداكم للمهيع الرضيّ. وذلك صار الرسول عليكم شهيدا بأنكم عرفتم الحق من الباطل والهدى من الضلال والنور
من الظلمات، بما بلغكم من وحيه وأراكم من آياته. فعظمت المنة لله عليكم إذ أصبحتم مهتدين بعد الضلالة، علماء بعد الجهالة. ففيه إشارة إلى تحذير المؤمنين من أن يزيغوا بعد الهدى، كما زاغ أولئك الذين نعى عليهم ضلالتهم، فتقوم عليهم الحجة كما قامت على أولئك. (الوجه الثاني) أن تكون اللام للتعليل، على أصلها. والمعنى: جعلناكم أمة خيارا لتكونوا شهداء على الناس، أي رقباء قوّاما عليهم بدعائهم إلى الحق وإرشادهم إلى الهدى وإنذارهم مما هم فيه من الزيغ والضلال. كما كان الرسول شهيدا عليكم بقيامه عليكم بما بلغكم وأمركم ونهاكم وحذركم وأنذركم. فتكون الآية نظير آية كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: 110] ، وربما آثر هذا المعنى من قال: خير ما فسّر القرآن بالقرآن. لتماثل الآيتين بادئ بدء. فإن الوسط بمعنى الخيار. وقد صرح به في قوله خَيْرَ أُمَّةٍ وإلى هذا المعنى يشير قول مجاهد في الآية: لتكونوا شهداء لمحمد عليه السّلام على الأمم اليهود والنصارى والمجوس: أي شهداء على حقية رسالته. وذلك بالدعوة إليها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو قطب الدعوة وروحها. وبعد كتابة هذا رأيت السمرقنديّ في تفسيره نقل خلاصة ما قلناه. وعبارته: وللآية تأويل آخر وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً أي عدولا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ إلخ يقول: إنكم حجة على جميع من خالفكم. ورسول الله عليه السلام حجة عليكم. والشهادة في اللغة هو البيان. ولهذا سمي الشاهد بينة لأنه يبيّن حق المدعي. يعني إنكم تبينون لمن بعدكم، والنبيّ، عليه السلام، يبين لكم. انتهى. وأوضح ذلك الراغب الأصفهاني: بأسلوب آخر فقال: إن قيل: على أي وجه شهادة النبي صلّى الله عليه وسلّم على الأمة وشهادة الأمة على الناس؟ قيل: الشاهد هو العالم بالشيء المخبر عنه مثبتا حكمه. وأعظم شاهد من ثبت شهادته بحجة. ولما خص الله تعالى الإنسان بالعقل والتمييز بين الخير والشر، وكمله ببعثة الأنبياء، وخصّ هذه الأمة بأتم كتاب، كما وصفه بقوله ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 38] ، وقوله وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 89] ، فأفادناه عليه السلام وبينه لنا- صار حجة وشاهدا أن يقولوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ [المائدة: 19] . وجعل أمته، المتخصصة بمعرفته، شهودا على سائر الناس. (إن قيل) هل أمته شهود كلهم أم بعضهم؟ (قيل) كلهم ممكن من أن يكونوا شهداء. وذلك بشريطة أن
يزكوا أنفسهم بالعلم والعمل الصالح، فمن لم يزك نفسه لم يكن شاهدا ومقبولا. ولذلك قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [الشمس: 9] وعلى هذا قال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [النساء: 135] ، فالقيام بالقسط مراعاة العدالة. وهي، بالقول المجمل، ثلاث: عدالة بين الإنسان ونفسه- وعدالة بينه وبين الناس- وعدالة بينه وبين الله عز وجل. فمن رعى ذلك فقد صار عدلا شاهدا لله عز وجل. (إن قيل) فهل هم شهود على بعض الأمة أم على الناس كافة؟ (قيل) بل كلّ شاهد نفسه وعلى أمته وعلى الناس كافة. فإن من عرف حكمة الله تعالى وجوده وعدله ورأفته، علم أنه لم يغفل تعالى عنه ولا عن أحد من الناس، ولا بخل عليهم ولا ظلمهم، ومن علم ذلك فهو شاهد لله على من في زمانه وعلى من قبله ومن بعده. وعلى هذا الوجه ما روي في الخبر أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على الأمم. انتهى كلام الراغب. والخبر الذي أشار إليه رواه البخاري عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب. فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا» «1» . فذلك قوله جل ذكره وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وقد روي مرفوعا عن جابر. أخرجه الطبري. وعن ثلة من التابعين من قولهم. وأقول: قد بينا مرارا، أن مثل هذا الخبر وكل ما يروى مرفوعا أو غير مرفوع في تأويل هذه الآية، فكله يفيد أن للآية عموما يشمل ما ذكر. لا أنها خاصة به لا يستفاد منها غيره. كما أوضحناه في المقدمة في قولهم: نزلت الآية في كذا. وعليه، فلا تنافي بين ما يفهم من سياق الآية أو ما يتقاضاه معناها لغة، من حيث عمومها، أو ما يحمل عليها من نظائرها في التنزيل الكريم، وبين ما يروى في تفسيرها. فمآل ما يتعدد من سبب النزول في آية ما، أو ما يكثر من الآثار في وجوهها، كله من باب تفسير العامّ ببعض ما يتناوله لفظه. ولذلك يكثر في بعض طرق الروايات: ثم تلا النبي صلّى الله عليه وسلّم قوله تعالى. أو ثم قرأ. أو أقرأوا إن شئتم. مما يدل على أنه ذكرت الآية حجة لما أخبر به، لأنه مما يندرج فيها. فاحرص على ذلك.
تنبيهات:
تنبيهات: (الأول) . أستدل بالآية على أن الإجماع حجة. لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة. والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها. فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله، فإجماع الأمة حق. لا تجتمع الأمة. والحمد لله، على ضلالة. كما وصفها الله بذلك في الكتاب فقال تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110] ، وهذا وصف لهم بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر. كما وصف نبيهم صلّى الله عليه وسلّم بذلك في قوله الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [الأعراف: 157] ، وبذلك وصف المؤمنين في قوله وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة: 71] ، فلو قالت الأمة في الدين بما هو ضلال، لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك، ولم تنه عن المنكر فيه. وقد جعلهم الله شهداء على الناس. وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول. وقد ثبت في الصحيح «1» عن عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه فيقول: مرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم «وجبت» ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال «وجبت» . فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض. وعند الحاكم أنه قرأ هذه الآية: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ ... إلى آخرها. فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء، لم يشهدوا بباطل. فإذا شهدوا أن الله أمر بشيء، فقد أمر به. وإذا شهدوا أن الله نهى عن شيء فقد نهى عنه. ولو كانوا يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله في الأرض. بل زكاهم الله في شهادتهم، كما زكى الأنبياء فيما يبلغون عنه أنهم لا يقولون عليه إلا الحق، وكذلك الأمة لا تشهد على الله إلا الحق. هذه نبذة من كلام الإمام ابن تيمية، عليه الرحمة، في الإجماع، من بعض رسائله. (الثاني) مما يتعلق أيضا بهذا المقام، ما قاله أيضا هذا الإمام في رسالته إلى جماعة عديّ بن مسافر. ونصه: فعصم الله هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، وجعل
فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة. ولهذا كان إجماعهم حجة، كما كان الكتاب والسنة حجة. ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة بالسنة والجماعة، عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب، ويعرضون عن سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعما مضت عليه جماعة المسلمين، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، رواها عنه أهل السنن والمسانيد، كالإمام أحمد «1» ، وأبي داود «2» ، والترمذي «3» وغيرهم، أنه قال: ستفترق هذه الأمة على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة، وهي الجماعة. وفي رواية: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم، وأصحابي. وهذه الفرقة الناجية أهل السنة. وهم وسط في النّحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل. فالمسلمون وسط في أنبياء الله، ورسله، وعباده الصالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت في النصارى ف اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: 31] ولا جفوا عنهم، كما جفت اليهود، فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران: 21] ، كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ. بل المؤمنون آمنوا برسل الله، وعزروهم، ونصروهم، ووقّروهم، وأحبوهم، وأطاعوهم، ولم يعبدوهم، ولم يتخذوهم أربابا. كما قال تعالى ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً، أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 79- 80] .
ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في المسيح، فلم يقولوا: هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة. كما تقوله النصارى. ولا كفروا به، وقالوا على مريم بهتانا عظيما، حتى جعلوه، ولد غيّة، كما زعمت اليهود. بل قالوا: هذا عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، وروح منه. وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله، فلم يحرّموا على الله أن ينسخ ما شاء، ويمحو ما شاء ويثبت. كما قالته اليهود. كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [البقرة: 142] ، وبقوله وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ [البقرة: 91] ، ولا جوّزوا لأكابر علمائهم وعبّادهم أن يغيروا دين الله، فيأمروا بما شاءوا وينهوا عما شاؤوا. كما يفعله النصارى. كما ذكر الله عنهم بقوله اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: 31] . قال عديّ بن حاتم رضي الله عنه «1» : قلت: يا رسول الله ما عبدوهم؟ قال: ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم. والمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر. فكما لا يخلق غيره، لا يأمر غيره. وقالوا: سمعنا وأطعنا، فأطاعوا كل ما أمر الله به. وقالوا: إن الله يحكم ما يريد. وأما المخلوق، فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى، ولو كان عظيما . وكذلك في صفات الله تعالى، فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، فقالوا: هو فقير وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [آل عمران: 181] . وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: 64] . وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت. إلى غير ذلك. والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به. فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويرحم ويتوب على الخلق، ويثيب ويعاقب. والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى. ليس له سميّ ولا ندّ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: 4] ، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] ، فإنه
رب العالمين، وخالق كل شيء وكل ما سواه عباد له، فقراء إليه. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [مريم: 93- 95] ، ومن ذلك: أمر الحلال والحرام. فإن اليهود كما قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: 160] ، فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل والبط. ولا شحم الثّرب (الثّرب: شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء. وجمعه ثروب) والكليتين. ولا الجدي في لبن أمه. إلى غير ذلك، مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما. حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعا. والواجب عليهم مائتان وثمانية وأربعون أمرا. وكذلك شدد عليهم في النجاسات حتى لا يواكلوا الحائض، ولا يجامعوها في البيوت. وأما النصارى فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات، وباشروا جميع النجاسات، وإنما قال لهم المسيح وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: 50] . ولهذا قال تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة: 29] . وأما المؤمنون فكما نعتهم الله به في قوله وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ، فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 156- 157] . وهذا باب يطول وصفه. وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق. فهم في باب أسماء الله وآياته وصفاته، وسط بين أهل التعطيل، الذين يلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى يشبهونه بالعدم والموات. وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات. فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه، وما وصفه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. من غير تحريف ولا تعطيل. ومن غير تكييف وتمثيل. وهم في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدرة الله، الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء. وبين المفسدين لدين الله. الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل فيعطّلون الأمر والنهي والثواب والعقاب. فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 148] ، فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير. فيقدر أن يهدي العباد ويقلّب قلوبهم. وإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. فلا يكون في ملكه ما لا يريد. ولا يعجز عن إنفاذ مراده. وإنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات. ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل. وأنه مختار. ولا يسمونه مجبورا. إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره. والله سبحانه جعل العبد مختارا لما يفعله. فهو مختار مريد. والله خالقه وخالق اختياره. وهذا ليس له نظير. فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية. ويكذبون بشفاعة النبي صلّى الله عليه وسلّم. وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء. والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان. ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية. فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فسّاق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله. وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة. وأنهم لا يخلدون في النار بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، أو مثقال خردلة من إيمان. وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم ادّخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته. وهم أيضا في أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورضي عنهم، وسط بين الغالية الذين يغالون في عليّ رضي الله عنه فيفضلونه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا، وكفروا الأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبيا أو إلها. وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان رضي الله عنهما، ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما. ويستحبون سب عليّ وعثمان ونحوهما. ويقدحون في خلافة عليّ رضي الله عنه وإمامته. وكذلك في سائر أبواب السنة هم وسط. لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان انتهى. وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها أي ما شرعنا القبلة، كقوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [المائدة: 103] أي ما شرعها. والَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ليس بصفة للقبلة إنما هو ثاني مفعوليّ (جعل) أي وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها أي في مكة تستقبلها قبل الهجرة وهي الكعبة. يعني: وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء. أو كُنْتَ عَلَيْها بمعنى صرت عليها الآن. كقوله تعالى
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: 110] . أو بمعنى كنت على تطلّبها، أي حريصا عليه، وراغبا فيه. كما يفصح عنه قوله تعالى بعد قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ [البقرة: 144] الآية. وعلى هذه الأوجه، فتكون الآية بيانا للحكمة في جعل الكعبة قبلة. أو معنى التي كُنْتَ عَلَيْها: قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس. أي إنما شرعنا لك التوجه أولا إليه ثم صرفناك عنه إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك، حيثما توجهت، من غيره. فتكون الآية بيانا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة أوّلا. ثم اعلم أن الحكمة هو التمييز بين الناس بقوله إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ في كل ما يؤمر به، فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله والتوجه له أيّان ما وجهه مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ أي يرتد عن دينه فينافق أو يكفر ممن كان يظهر الاتّباع. وأصل المنقلب على عقبيه: الراجع مستدبرا في الطريق الذي قد كان قطعه منصرفا عنه. استعير لكل راجع عن أمر كان فيه من دين أو خير. قال ابن جرير: قد ارتد، في محنة الله أصحاب رسوله في القبلة، رجال ممن كان قد أسلم. وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم. وقالوا: ما بال محمد يحوّلنا مرة إلى هاهنا ومرة إلى هاهنا؟ وقال المسلمون، فيمن مضى من إخوانهم المسلمين وهم يصلون نحو بيت المقدس: بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت. وقال المشركون: تحيّر محمد في دينه. فكان ذلك فتنة للمؤمنين وتمحيصا للمؤمنين. انتهى. (لطيفة) العقبين تثنية عقب وهو مؤخر القدم. والانقلاب عليهما استعارة تمثيلية. وهذه الاستعارة نظير قوله تعالى: ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ [المدثر: 23] ، وكقوله كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طه: 48] . (تنبيه) قال الراغب رحمه الله: ما وجه قوله إِلَّا لِنَعْلَمَ وذلك يقتضي استفادة علم. ولم يزل، تعالى، عالما بما كان وبما يكون؟ (قيل) : إن ذلك من الألفاظ التي لولا السمع لما تجاسرنا على إطلاقها عليه تعالى. ومجاز ذلك على أوجه: (الأول) أن اللام في مثل ذلك تقتضي شيئين: حدوث الفعل في نفسه وحدوث العلم به. ولما كان علم الله لم يزل ولا يزال، صار اللام فيه مقتضيا حدوث الفعل لا حدوث العلم. (والثاني) أن العلم يتعلق بالشيء على ما هو به. والله تعالى علمهم، قبل أن يتبعوه، غير تابعين. وبعد أن تبعوه علمهم تابعين. وهذا الجواب
هو في الحقيقة الأول. لأن التغيير داخل في المعلوم لا في العلم. (والثالث) معناه ليعلم غيرنا بنا. فنسب ذلك إلى نفسه. كقوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الزمر: 42] ، وفي موضع آخر قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: 11] ، وقال تعالى: وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء: 113] ، وإنما علّمه بملائكته. (والرابع) معناه لنجازي. وذلك متعارف. نحو قولك: سأعلم حسن بلائك. أي سأجزيك على حسب مقتضى علمي قبل. فعبّر عن الجزاء بالعلم لما كان هو سببه (والخامس) أن عادة الحليم إذا أفاد غيره علما أن يقول: تعال حتى نعلم كذا. وإنما يريد إعلام المخاطب. لكن يحله نفسه محل المشارك للمتعلم على سبيل اللطف. انتهى. والوجه الثالث هو الذي اختاره الإمام ابن جرير قال: أما معناه عندنا: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي: من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه (قال) وكان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباع الرئيس، إلى الرئيس. وما فعل بهم، إليه. نحو قولهم: فتح عمر بن الخطاب سواد العراق وجبى خراجها، وإنما فعل ذلك أصحابه، عن سبب كان منه في ذلك، وكالذي روي في نظيره عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «يقول الله جل ثناؤه: مرضت فلم يعدني عبدي. واستقرضته فلم يقرضني» «1» فأضاف، تعالى ذكره، الاستقراض والعيادة إلى نفسه وقد كان ذلك بغيره، إذ كان ذلك عن سببه. قد حكي عن العرب سماعا: أجوع في غير بطني، وأعرى في غير ظهري. بمعنى جوع أهله وعياله وعري ظهورهم. فكذلك قوله إِلَّا لِنَعْلَمَ بمعنى: يعلم أوليائي وحزبي. وَإِنْ كانَتْ أي التولية إليها أو الجعلة أو التحويلة لَكَبِيرَةً أي ثقيلة
شاقة. لأن مفارقة الإلف، بعد طمأنينة النفس إليه، أمر شاق جدا. إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ قلوبهم. فأيقنوا بتصديق الرسول وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه. وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء. وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر، أحدث لهم شكا. كما يحصل، للذين آمنوا، إيقان وتصديق. كما قال تعالى: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ [التوبة: 124- 125] . وقال تعالى وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: 82] . وقوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ هذا تطمين لمن صلى إلى بيت المقدس من المسلمين ومن أهل الكتاب قبل النسخ. وبيان أنهم يثابون على ذلك. وقد روى البخاري «1» من حديث أبي إسحاق المتقدم عن البراء: وكان الذي مات على القبلة، قبل أن تحوّل قبل البيت، رجال قتلوا. لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: 143] ، أي صلاتكم. وإنما عدل إلى لفظ الإيمان، الذي هو عام في الصلاة وغيرها، ليفيدهم أنه لم يضع شيء مما عملوه، ثم يصح عنهم، فيندرج المسؤول عنه اندراجا أوليا، ويكون الحكم كليا. وذكر بلفظ الخطاب دون الغائب، ليتناول الماضيين والباقين، تغليبا لحكم المخاطب على الغائب في اللفظ، وفي تتمة الآية إشارة إلى تعليل عدم الإضاعة، بما اتصف به من الرأفة المنافية لما هجس في نفوسهم من الإضاعة. ولما انطوى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على إرادة التوجه إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم ومفخرة العرب ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود- أجابه الحق إلى ذلك بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 144]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 144] قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ أي تردد وجهك وتصرّف نظرك في جهة السماء تشوفا لنزول الوحي بالتحويل. قالوا: وفي ذلك تنبيه على حسن أدبه حيث انتظر ولم يسأل. وهذا ألطف مما قيل: إن تقلب وجهه كناية عن دعائه، ولا مانع أن يراد بتقلب وجهه صلّى الله عليه وسلّم بالتحويل، ففيه إعلام بما جعله تعالى من اختصاص السماء بوجه الداعي. وهذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة، فهي متقدمة في المعنى. فإنها رأس القصة. فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها أي لنعطينك أو لنوجهنك إلى قبلة تحبها وتميل إليها. ودل على أن مرضيّه الكعبة، بفاء السبب في قوله: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي نحوه وجهته. والتعبير عن الكعبة بالمسجد الحرام إشارة إلى أن الواجب مراعاة الجهة دون العين وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أي حيثما كنتم في بر أو بحر فولوا وجوهكم في الصلاة تلقاء المسجد. وأما سرّ الأمر بالتولية خاصا وعاما، فقال الراغب: أما خطابه الخاص فتشريفا له وإيجابا لرغبته. وأما خطابه العام بعده، فلأنه كان يجوز أن يعتقد أن هذا أمر قد خص، عليه السلام، به. كما خص في قوله قُمِ اللَّيْلَ [المزمل: 2] ، ولأنه لما كان تحويل القبلة أمرا له خطر، خصهم بخطاب مفرد ليكون ذلك أبلغ وليكون لهم في ذلك تشريف. ولأن في الخطاب العام تعليق حكم آخر به. وهو أنه لا فرق بين القرب والبعد في وجوب التوجه إلى الكعبة. وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ قال الفخر: الضمير في قوله أَنَّهُ الْحَقُّ راجع إلى مذكور سابق. وقد تقدم ذكر الرسول، كما تقدم ذكر القبلة. فجاز أن يكون المراد أن القوم يعلمون أن الرسول مع شرعه ونبوته حق. فيشتمل ذلك على أمر القبلة وغيرها. ويحتمل أن يرجع إلى هذا التكليف الخاص بالقبلة، وأنهم يعلمون أنه الحق. وهذا الاحتمال الأخير أقرب، لأنه أليق بالمساق. ثم ذكر من وجوه علمهم لذلك: أنهم كانوا يعلمون أن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله تعالى قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وأنهم كانوا يعلمون نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم لما ظهر عليه من المعجزات. ومتى علموا نبوته فقد علموا لا محالة أن كل ما أتى به فهو
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 145]
حق. فكان هذا التحويل حقا. قلت: وثم وجه آخر أدق مما ذكره الفخر في علمهم حقيّة ذلك التحويل وأنه من أعلام نبوته صلّى الله عليه وسلّم. وبيانه أن أمره تعالى للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولكافة من اتبعه، باستقبال الكعبة، من جملة الاستعلان في فاران المذكور في التوراة إشارة لخاتم النبيين وبشارة به. فقد جاء في الأصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية (ويقال الاستثناء) هكذا: وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال: جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران. وهذه البشارة تنبه على موسى وعيسى ومحمد صلّى الله عليه وسلّم. لأن الله تعالى أنزل التوراة على موسى في طور سيناء والإنجيل على عيسى في جبل سعير. لأنه عليه السلام كان يسكن أرض الخليل من سعير بقرية تدعى الناصرة. وتلألؤه من جبل فاران عبارة عن إنزاله القرآن على محمد صلّى الله عليه وسلّم في جبل فاران. وفاران هي مكة. لا يخالفنا في ذلك أهل الكتاب. ففي الأصحاح الحادي والعشرين من سفر التكوين في حال إسماعيل عليه السلام هكذا: وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن في البرّية وكان ينمو رامي قوس. وسكن في برّية فاران. ولا شك أن إسماعيل، عليه السلام، كان سكناه في مكة وفيها مات وبها دفن. وقال ابن الأثير: وفي الحديث ذكر جبل فاران اسم لجبال مكة بالعبرانيّ. له ذكر في أعلام النبوة. وألفه الأولى ليست بهمزة. وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ قرئ بالياء والتاء. فيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم. ولما بين تعالى أنهم يعلمون أن هذه القبلة حق، أعلم أن صفتهم لا تتغير في الاستمرار على المعاندة بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 145] وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي من اليهود والنصارى بِكُلِّ آيَةٍ أي برهان قاطع أنّ التوجه إلى الكعبة هو الحق ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ أي هذه التي حوّلت
فوائد:
إليها. لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة. إنما هو عن مكابرة وعناد. مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق. وقوله تعالى: وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ هذا حسم لأطماعهم في العود إليها. أو للمقابلة. يعني ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك. وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ فلا اتفاق بين فريقيهم، مع كون الكل من بني إسرائيل. قال الزمخشريّ: أخبر تعالى عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه. فالمحق منهم لا يزلّ عن مذهبه لتمسكه بالبرهان. والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده. وفيه إراحة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم من التطلع إلى هدى بعضهم. فوائد: الأولى: قال الراغب: إن قيل كيف أعلم بأنهم لا يتبعون قبلته وقد آمن منهم فريق؟ قيل: قال بعضهم: إن هذا حكم على الكل دون الأبعاض. وهذا صحيح. بدلالة أنك لو قلت: ما آمنوا ولكن آمن بعضهم، لم يكن منافيا. وقيل: عني به أقوام مخصوصون. الثانية: قال الراغب: في قوله تعالى: وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ إشارة إلى أن من عرف الله حق معرفته، فمن المحال أن يرتد. ولذا قيل: ما رجع من رجع إلا من الطريق: أي ما أخل بالإيمان إلا من لم يصل إليه حق الوصول. إن قيل: فقد يوجد من يحصل له معرفة الله ثم يرتدّ (قيل) إن الذي يقدّر أنه معرفة، هو ظن متصور بصورة العلم. فأما أن يحصل له العلم الحقيقيّ ثم يعقبه الارتداد- فبعيد. ولم يعن بهذه المعرفة ما جعله الله تعالى للإنسان بالفطنة. فإن تلك كشررة تخمد إذا لم تتوقد. الثالثة: قال الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى، وفي بدائع الفوائد: قبلة أهل الكتاب ليست بوحي وتوقيف من الله. بل بمشورة واجتهاد منهم. أما النصارى فلا ريب أن الله لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق. وهم يقرّون بأن قبلة المسيح قبلة بني إسرائيل. وهي الصخرة، وإنما وضع لهم أشياخهم هذه القبلة. فهم مع اليهود، متفقون على أن الله لم يشرع استقبال بيت المقدس على رسوله أبدا. والمسلمون شاهدون عليهم بذلك الأمر. وأما اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة، البتة. وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلّون إليه من حيث خرجوا. فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلّوا إليه. فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة.
تنبيهات:
وقوله وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله: وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير. بمعنى: ولئن اتبعتهم، مثلا، بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي المرتكبين الظلم الفاحش. وفي ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته، ويتبع الهوى. وتهييج وإلهاب للثبات على الحق. أفاده الزمخشريّ. تنبيهات: الأول: قال الراغب: حذر تعالى نبيه من اتباع أهوائهم. ونبه أن اتباع الهوى بعد التحقيق بالعلم يدخل متحريه في جملة الظلمة. وقد أكثر الله تحذيره من الجنوح إلى الهوى حتى كرر ذلك في عدة مواضع. وقول من قال: الخطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمعنيّ به الأمة، فلا معنى لتخصصه. فإن الله تعالى يحذر نبيه من إتباع الهوى أكثر مما يحذر غيره. فذو المنزلة الرفيعة إلى تحذير الإنذار عليه أحوج. حفظا لمنزلته وصيانة لمكانته. وهو كلام نفيس جدا. (الثاني) في الآية تنويه بشأن العلم. حيث سمى أمر النبوات والدلائل والمعجزات باسم العلم. فذلك ينبّه على أن العلم أعظم المخلوقات شرفا ومرتبة. (الثالث) دلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم. لأن قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يدل على ذلك. ذكره الرازيّ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 146] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ أي يعرفون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معرفة لا امتراء فيها، كما لا يمترون في معرفة أولادهم من بين أولادهم الناس. وهذه المعرفة مستفادة من الكتاب. كما أخبر تعالى عن نعته فيه بقوله: يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: 157] ، يعني يعرفونه بالأوصاف المذكورة في التوراة والإنجيل بأنه هو النبيّ الموعود بحيث لا يلتبس عليهم. كما يعرفون أبناءهم، ولا تلتبس أشخاصهم بغيرهم. فهو تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية، بالمعرفة الحسيّة في أن كل منهما يقينيّ، لا اشتباه فيه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 147]
وقد روي عن عمر أنه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر. نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته. وإني لا أدري ما كان من أمه. فقبّل عمر رأسه. وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ أي أهل الكتاب، مع ذلك التحقق والإيقان العلميّ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ أي يخفونه ولا يعلنونه وَهُمْ يَعْلَمُونَ أي الحق، أو عقاب الكتمان، أو أنهم يكتمون. قال الراغب: لم يقل يكتمونه. لأن في كتمان أمره كتمان الحق جملة. وزاد في ذمهم بقوله وَهُمْ يَعْلَمُونَ فإنه ليس المرتكب ذنبا عن جهل، كمن يرتكبه عن علم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 147] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي الحق من الله، لا من غيره. يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله، كالذي أنت عليه. وما لم يثبت أنه من الله، كالذي عليه أهل الكتاب، فهو الباطل. أي هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك. وقرأ عليّ رضي الله عنه الْحَقُّ بالنصب على الإبدال من الأول، كما في الكشاف. أو المفعولية ل يَعْلَمُونَ، كما قاله أبو البقاء. فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكّين في كتمانهم الحق مع علمهم. أو في الحق الذي جاءك من ربك، وهو ما أنت عليه. ومعلوم أن الشك غير متوقع منه. ففيه تعريض للأمّة. وقال الراغب: ليس هذا بنهي عن الشك لأنه لا يكون بقصد من الشاكّ، بل هو حث على اكتساب المعارف المزيلة للشك واستعمالها. وعلى ذلك قوله إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [هود: 46] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 148] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) لِكُلٍّ وِجْهَةٌ أي لكل أمة أو لكل نبيّ قبلة أو شرعة ومنهاج وَمُوَلِّيها وجهه. أي مائل إليها بوجهه، تابع لها. لأنها حبّبت إليه، وزيّنت له. وقال أبو معاذ: موليها بمعنى متوليها. أي تولاها ورضيها واتبعهااسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أي ابتدروها بالمسابقة إليها. وهذا أبلغ من الأمر بالمسارعة، لما فيه من الحث على إحراز قصب السبق. والمراد بالخيرات جميع أنواعها مما ينال به سعادة الدارين يْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً قال الراغب: أي أيّ شغل تحريتم، وحيثما تصرفتم، وأي
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 149]
معبود اتخذتم، فإنكم مجموعون ومحاسبون عليهانَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تعليل لما قبله. أي هو قادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم. (تنبيه) تشير الآية إلى أن الناس على مذاهب عديدة وأديان متنوعة. وأن على العاقل أن يستبق إلى ما كان خيرها وأرقاها. وقد اتفق العقلاء قاطبة والفلاسفة أن دين الإسلام أرقى الأديان كلها لما حوى من حاجيات الكمال البشريّ، ووفي بشئون الاجتماع، وأسباب العمران وذرائع الرقيّ وطرق السعادتين. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ [الحج: 67] وقوله لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: 48] . ثم إنه تعالى أكد حكم التحويل وبيّن عدم تفاوت أمر الاستقبال في حالتي السفر والحضر بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 149] وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ أي ومن أيّ بلد خرجت للسفر فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إذا صليت وَإِنَّهُ أي هذا الأمر لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ قرئ بالياء فهو وعيد للكافرين، وبالتاء فهو وعد للمؤمنين. ولما عظم في شأن القبلة انتشار أقوال السفهاء وتنوع شغبهم وجدالهم، كان الحال مقتضيا لمزيد تأكيد لأمرها، تعظيما لشأنها وتوهية لشبههم، فقال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 150] وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 151]
وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وقوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ أي لئلا يحتج عليكم أحد في التولي إلى غيره. ولتنتفي مجادلتهم لكم. كقول اليهود مثلا: يجحد ديننا ويتبع قبلتنا! وقول غيرهم: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته! فإذا صليتم إليه لا تكون لهم عليكم حجة. قال الراغب: وأشار بقوله وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ إلى تحقيق ما قدمه. فبيّن أنه إذا كانت الحكمة تقتضي أن يكون لكل صاحب شرع قبلة يختص بها، وأنت صاحب شرع، فتغيير القبلة لك حق من ربك. (ثم قال) إن قيل: لم كرّر قوله وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ؟ قيل: حثّ بإحداهما على التوجه نحو القبلة بالقلب والبدن في أي مكان حصل للإنسان، نائيا كان عنها أو دانيا منها. وذلك مآل الاختيار والتمكن. وحثّ بالآخر على التمكن بالقلب وحده عند اشتباه القبلة. وفي النافلة في حال اليسر على الراحلة والسفر. إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فإنهم يظهرون فجورا ولددا في ذلك، بالعناد. وهم: إما اليهود المعبر عنهم بأهل الكتاب قبل، أو المنافقون أو المشركون كما حكى قبل في «السفهاء» . وكان من قول اليهود، فيما حكاه قتادة: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. ومن قول المشركين، فيما حكاه مجاهد.: قد رجع إلى قبلتكم فيوشك أن يرجع إلى دينكم. وتقدم قول المنافقين. وبالجملة فالكل عابوا وخاضوا فَلا تَخْشَوْهُمْ تخافوا جدالهم وَاخْشَوْنِي فلا تخالفوا أمري وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بالتوجه إلى أكمل الجهات المتضمنة للآيات البينات والأمن وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ للصراط المستقيم بالتوجه إليها، فتهتدون بهذه القبلة هداية كاملة. قال الحراليّ: وفي طيه بشرى بفتح مكة، واستيلائه على جزيرة العرب كلها، وتمكينه بذلك من سائر أهل الأرض، لاستغراق الإسلام لكافة العرب الذين فتح الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها، التي انتهى إليها ملك أمته. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 151] كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ وقوله تعالى: فِيكُمْ المراد به العرب. وكذلك قوله مِنْكُمْ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 152]
وفي إرساله فيهم ومنهم نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف. ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير. فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القول أقرب يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا يقرأ عليكم القرآن الذي هو من أعظم النعم. لأنه معجزة باقية، ولأنه يتلى فتتأدى به العبادات ويستفاد منه جميع العلوم، ومجامع الأخلاق الحميدة، فتحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة وَيُزَكِّيكُمْ أي يطهركم من الشرك وأفعال الجاهلية وسفاسف الأخلاق وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وهو القرآن. وهذا ليس بتكرار. لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم وَالْحِكْمَةَ وهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها. ولذلك قال الشافعيّ رضي الله عنه: الحكمة هي سنة الرسول. وقوله وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ تنبيه على أنه تعالى أرسل رسوله على حين فترة من الرسل، وجهالة من الأمم، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم. فبعث الله تعالى النبيّ بالحق. حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم. فصاروا أعمق الناس علما وأبرهم قلوبا وأقلهم تكلفا وأصدقهم لهجة. وذلك من أعظم أنواع النعم. قال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ [آل عمران: 164] الآية. وذم من لم يعرف قدر هذه النعمة فقال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ [إبراهيم: 28] ، قال ابن عباس يعني، بنعمة الله، محمدا صلّى الله عليه وسلّم. ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره. وقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 152] فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ قال ابن جرير: أي اذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم. وقد كان بعضهم يتأول ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح. وقال القاشانيّ: اذكروني بالإجابة والطاعة، أذكركم بالمزيد والتوالي. وهي بمعنى ما قبله. وقوله وَاشْكُرُوا لِي قال ابن جرير: أي اشكروا لي فيما أنعمت عليكم من الإسلام والهداية للدين الذي شرعته. وقوله وَلا تَكْفُرُونِ أي لا تجحدوا إحساني إليكم فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم. قال السمرقنديّ: أي اشكروا نعمتي: أن أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو
عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة. ولا تجحدوا هذه النعمة، ويقال: النعمة، في الحقيقة. هي العلم. وما سواه فهو تحول من راحة إلى راحة. وليس بنعمة. والعلم لا يملّ منه صاحبه. بل يطلب منه الزيادة. فأمر الله تعالى بشكر هذه النعمة، وهي نعمة بعثه رسولا يعلمهم الكتاب والحكمة. كما قصه الحراليّ. ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم ولوقائعهم، جعل، تعالى ذكره، لهم عوض ما كانوا يذكرون. كما جعل كتابه عوضا من أشعارهم. وهزّ عزائمهم لذلك بما يسرهم به من ذكره لهم. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «1» «يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي حين يذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي. وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم. وإن اقترب إليّ شبرا اقتربت إليه ذراعا. وإن اقترب إليّ ذراعا اقتربت إليه باعا. فإن أتاني يمشي أتيته هرولة. صحيح الإسناد أخرجه «2» البخاريّ أيضا. وروى مسلم «3» عن أبي سعيد الخدريّ وأبي هريرة: أنهما شهدا على النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده. والآثار في فضل الذكر متوافرة، ويكفي فيه هذه الآية الكريمة. (تنبيه) قال النوويّ رحمه الله تعالى: اعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوهما. بل كل عامل لله تعالى بطاعة، فهو ذاكر لله تعالى. كذا قاله سعيد بن جبير رضي الله عنه، وغيره من العلماء. وقال عطاء رحمه الله: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام. كيف تشتري وتبيع. وتصلى وتصوم، وتنكح وتطلّق. وأشباه هذا. وقال النوويّ أيضا: إن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها. واجبة كانت أو مستحبة، لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع، لا عارض. وقد صنف، في عمل اليوم والليلة، جماعة من الأئمة كتبا نفيسة. ومن أجمعها للمتأخرين (كتاب
الأذكار للنوويّ) وممن جمع زبدة ما روى فيها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في (زاد المعاد) . وقال في طليعة ذلك: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم أكمل الخلق ذكرا لله عز وجل. بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه. وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكرا منه لله. وإخباره عن أسماء الرب وصفاته وأحكامه وأفعاله ووعده ووعيده ذكرا منه له. وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وتسبيحه ذكرا منه له. وسؤاله ودعاؤه إياه ورغبته ورهبته ذكرا منه له. وسكوته وصمته ذكرا منه له بقلبه. فكان ذكر الله في كل أحيانه وعلى جميع أحواله. وكان ذكره لله يجري مع أنفاسه قائما وقاعدا، وعلى جنبه، وفي مشيه وركوبه ومسيره، ونزوله وظعنه وإقامته. انتهى. وأما الأذكار المحدثة والسماعات المبتدعة، سماع الكف والدف، فلم يكن الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر الأكابر من أئمة الدين، يجعلون هذا طريقا إلى الله تبارك وتعالى. ولا يعدّونه من القرب والطاعات بل يعدونه من البدع المذمومة. حتى قال الشافعيّ: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه (التغيير) يصدّون به الناس عن القرآن. وأولياء الله العارفون يعرفون ذلك. ويعلمون أن للشيطان فيه نصيبا وافرا. ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم. ومن كان أبعد عن المعرفة وعن كمال ولاية الله، كان نصيب الشيطان فيه أكثر. فسماع الغناء والملاهي من أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية. وهو سماع المشركين. قال الله تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال: 35] ، قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وغيرهما من السلف: التصدية، التصفيق باليد. والمكاء مثل الصفير. فكان المشركون يتخذون هذا عبادة. وأما النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر نحو ذلك، والاجتماعات الشرعية. ولم يجتمع النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه على استماع غناء قط. لا بكف ولا بدف ولا تواجد وكان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إذا اجتمعوا، أمروا واحدا منهم أن يقرأ. والباقون يستمعون وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى الأشعريّ: ذكرنا ربنا. فيقرأ وهم يستمعون. ومر النبي صلّى الله عليه وسلّم بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال له «1» : مررت بك
البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك. فقال: لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا . أي لحسنته لك تحسينا. كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم «1» : زينوا القرآن بأصواتكم. وقال صلّى الله عليه وسلّم «2» : لله أشد أذنا (أي استماعا) إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به، من صاحب القينة إلى قينته. وعن عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي صلّى الله عليه وسلّم «3» «أقرأ عليّ» قلت: يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال «نعم» فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: 41] ، قال: حسبك الآن. فالتفت فإذا عيناه تذرفان. ومثل هذا السماع هو سماع النبيين وأتباعهم كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابه فقال أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا، إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا [مريم: 58] . وقال تعالى في أهل المعرفة وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة: 83] ، ومدح سبحانه أهل هذا السماع بما يحصل لهم من زيادة الإيمان واقشعرار الجلد ودمع العين فقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: 23] ، وقال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [الأنفال: 2] ، فخلاف هذا السماع، من الباطل الذي نهى عنه. ولذلك لم يفعله القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولا فعله أكابر المشايخ. فليفق من كان من الفريق الأدنى في سلوك فقره. وليصحب من هو من الرفيق الأعلى إلى حلول قبره. وليداو جراحات اجتراح بدعته، باتباع هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم ولزوم سنته.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 153]
واعلم أن ذكر الله تعالى تارة يكون لعظمته، فيتولد منه الهيبة والإجلال. وتارة يكون لقدرته فيتولد منه الخوف والحزن. وتارة لنعمته فيتولد منه الشكر، ولذلك قيل: ذكر النعمة شكرها. وتارة لأفعاله الباهرة فيتولد منه العبر. فحق المؤمن أن لا ينفك أبدا عن ذكره تعالى على أحد هذه الأوجه. وقوله تعالى وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ فيه أمر بشكره على نعمه وعدم جحدها (فالكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب) . وقد وعد تعالى على شكره بمزيد الخير فقال: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: 7] قال ابن عطية: اشكروا لي واشكروني بمعنى واحد. و «لي» أفصح وأشهر مع الشكر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 153] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ أرشد تعالى المؤمنين، إثر الأمر بالشكر في الآية قبل، بالاستعانة بالصبر والصلاة. لأن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها. أو في نقمة فيصير عليها. كما جاء في الحديث «1» : عجبا للمؤمن لا يقضى له قضاء إلا كان خيرا له . إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له. وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له. وبيّن تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب في سبيل الله، الصبر والصلاة. كما تقدم في قوله وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [البقرة: 45] ، وفي الحديث «2» : أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا حزبه أمر صلّى . ثم إن الصبر صبران: صبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات. والثاني أكثر ثوابا. لأنه المقصود وأما الصبر الثالث، وهو الصبر على المصائب والنوائب، فذاك أيضا واجب. كالاستغفار من المعائب. وقال الإمام ابن تيمية في كتابه (السياسة الشرعية) وأعظم عون لوليّ الأمر خاصة، ولغيره عامة ثلاثة أمور: أحدها الإخلاص لله، والتوكل عليه بالدعاء وغيره.
وأصل ذلك المحافظة على الصلاة بالقلب والبدن. والثاني الإحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذي هو الزكاة. والثالث الصبر على الأذى من الخلق وغيره من النوائب. ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيرا كقوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة: 45] ، وكقوله تعالى وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [هود: 114- 115] ، وقوله فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها [طه: 130] ، وأما قرانه بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جدا. فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية. إذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة، يدخل في الصلاة من ذكر الله تعالى ودعائه وتلاوة كتابه وإخلاص الدين له والتوكل عليه، وفي الزكاة الإحسان إلى الخلق بالمال والنفع: من نصر المظلوم وإعانة الملهوف وقضاء حاجة المحتاج. وفي الصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ والعفو عن الناس ومخالفة الهوى وترك الشر والبطر. انتهى. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ قال الإمام ابن تيمية (في شرح حديث النزول) : لفظ المعية في كتاب الله جاء عامّا كما في قوله تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد: 4] ، وفي قوله ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [المجادلة: 7] إلى قوله هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا وجاء خاصا كما في قوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: 128] ، وقوله إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [طه: 46] ، وقوله لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: 40] ، فلو كان المراد بذاته مع كل شيء لكان التعميم يناقض التخصيص. فإنه قد علم أن قوله لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا أراد به تخصيص نفسه وأبا بكر دون عدوّهم من الكفار، وكذلك قوله إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ خصهم بذلك دون الظالمين والفجار. وأيضا، فلفظ المعية ليست في لغة العرب ولا في شيء من القرآن أن يراد بها اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى. كما في قوله مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الفتح: 29] ، وقوله فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: 146] ، وقوله اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119] ، وقوله وَجاهَدُوا مَعَكُمْ [الأنفال: 75] ، ومثل هذا كثير. فامتنع أن يكون قوله وَهُوَ مَعَكُمْ يدل على أن تكون ذاته مختلطة بذوات الخلق. وقد بسط الكلام عليه في موضع آخر وبيّن أن لفظ المعية في اللغة، وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة، فهو، إذا كان مع العباد، لم يناف
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 154]
ذلك علوّه على عرشه. ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه. فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان. ويخص بعضهم بالإعانة والنصرة والتأييد. انتهى مختصرا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 154] وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) وقوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ينهى تعالى عبادة المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتا. بمعنى الذين تلفت نفوسهم وعدموا الحياة. وتصرمت عنهم اللذات. وأضحوا كالجمادات. كما يتبادر من معنى الميت. ويأمرهم سبحانه بأن يقولوا لهم: الأحياء. لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون. كما قال تعالى في آل عمران وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 169- 171] ، فقوله في هذه الآية عِنْدَ رَبِّهِمْ يفسر المراد من حياتهم. أي إنها لأرواحهم عنده تعالى. وقوله وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ أي بحياتهم الروحية بعد موتهم. إذ لم يظهر منها شيء في أبدانهم، وإن حفظ بعضها عن التلف. كما ترون النيام همودا لا يتحركون. فلا فخر أعظم من ذلك في الدنيا، ولا عيش أرغد منه في الآخرة. قال الحراليّ: فكأنه تعالى ينفي عن المجاهد منال المكروه من كل وجه. حتى في أن يقال عنه: ميت. فحماه من القول الذي هو عندهم من أشد غرض أنفسهم، لاعتلاق أنفسهم بجميل الذكر. انتهى. ولذا قال الأصم: يعني لا تسموهم بالموتى، وقولوا لهم الشهداء الأحياء. وقال الراغب الأصفهانيّ: الحياة على أوجه. وكل واحد منها يقابله موت (الأولى) هو القوة النامية التي بها الغذاء، والشهوة إليه. وذلك موجود في النبات والحيوان والإنسان. ولذلك يقال: نبات حيّ. (والثانية) في القوة الحاسة التي بها الحركة المكانية. وهي في الحيوان دون النبات (والثالثة) القوة العاملة العاقلة. وهي في الإنسان دون الحيوان والنبات. وبها يتعلق التكليف. وقد يقال للعلم المستفاد والعمل الصالح: حياة. وعلى ذلك قوله تعالى اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: 24] وقيل: المحسن حيّ وإن كان في دار الأموات. والمسيء ميت وإن كان في دار الأحياء (قال) ونعود إلى معنى الآية فنقول: قد أجمعوا على
أنه لا يثبت لهم الحياة التي بها النموّ والغذاء، ولا الحياة التي بها الحس. فإن فقدانهما عن الميت محسوس ومعقول. فبعض المفسرين اعتبر الحياة المختصة بالإنسان. وقال: إن هذه الحياة مخصصة بالقوة المسماة تارة الروح وتارة النفس. قال: والموت المشاهد هو مفارقة هذه القوة، التي هي الروح. البدن. فمتى كان الإنسان محسنا كان منعّما بروحه مسرورا لمكانه إلى يوم القيامة. وإن كان مسيئا كان به معذبا. وإلى هذا ذهب الحكماء ودلوا عليه بالبراهين والأدلة. وهو مذهب أصحاب الحديث. ويدل على صحته الأخبار والآيات المروية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. بل إليه ذهب أصحاب الملل كلها. ومما دل على صحته خبرا «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» «1» وما روي عن أمير المؤمنين رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام» «2» وروي أنه لما قتل من قتل من صناديد قريش- يوم بدر- وجمعوا في قليب، أقبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فخاطبهم بقوله «هل وجدتم ما وعد ربكم حقّا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا» قيل: يا رسول الله! أتخاطب جيفا؟ فقال: «ما أنتم بأسمع منهم، ولو قدروا لأجابوا» إلى غير ذلك من الأخبار. وقال تعالى في آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وهذا يعني به قبل يوم القيامة، لأنه قال في آخر الآية وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر: 46] . انتهى. وفي البيضاويّ وحواشيه: «إن إثبات الحياة للشهداء في زمان بطلان الجسد، وفساد البنية، ونفي الشعور بها- دليل على أنّ حياتهم ليست الجسد، ولا من جنس حياة الحيوان، لأنها بصحة البنية، واعتدال المزاج وإنما هي أمر يدرك بالوحي لا بالعقل» انتهى. وقد جاء الوحي ببيان حياتهم- كما أسلفنا- قال الإمام ابن القيم رحمه الله
تعالى في كتاب (الروح) : وقد أخبر سبحانه عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهذه حياة أرواحهم، ورزقها دارّ، وإلّا فالأبدان قد تمزقت. وقد فسّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذه الحياة: بأنّ أرواحهم «1» في جوف طير خضر لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربّهم اطّلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أيّ شيء نشتهي؟ ونحن نسرح في الجنة حيث شئنا ... ! ففعل بهم ذلك ثلاث مرات. فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا- قالوا: يا ربّ! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى..! فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا. وصحّ عنه صلّى الله عليه وسلّم «إن أرواح الشهداء في طير خضر تعلّق من ثمر الجنة» «2» (وتعلق بضم اللام- أي: تأكل العلقة) وهذا صريح في أكلها، وشربها، وحركتها، وانتقالها، وكلامها ... ! انتهى. قال الطيبيّ: قوله صلّى الله عليه وسلّم «أرواحهم في جوف طير خضر» أي: يخلق لأرواحهم، بعد ما فارقت أبدانهم، هياكل تلك الهيئة، تتعلق بها وتكون خلفا عن أبدانهم، فيتوسلون بها إلى نيل ما يشتهون من اللذات الحسية. وقال ابن القيم في كتاب (الروح) : «إن الله سبحانه وتعالى جعل الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. وجعل لكل دار أحكاما تختص بها. وركب هذا الإنسان من بدن ونفس. وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان، والأرواح تبع لها، ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح، وإن أضمرت النفوس خلافه. وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبع لها. فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا، فتألمت بألمها، والتذّت براحتها، وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب- تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها. والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم، فالأبدان هنا ظاهرة، والأرواح خفية. والأبدان كالقبور لها. والأرواح هناك ظاهرة والأبدان خفية في قبورها. فتجري أحكام البرزخ على الأرواح. فترى إلى أبدانها نعيما وعذابا. كما جرى أحكام الدنيا على الأبدان فترى إلى أرواحها نعيما وعذابا. فأحط بهذا الموضع علما وأعرفه كما ينبغي، يزل عنك
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 155 إلى 156]
كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج. وقد أرانا الله سبحانه، بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك. أنموذجا في الدنيا من حال النائم. فإن ما ينعم به، أو يعذب في نومه، يجري على روحه أصلا، والبدن تبع له. وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرا مشاهدا، فيرى النائم أنه في نومه ضرب، فيصبح وآثار الضرب في جسمه. ويرى أنه قد أكل وشرب، فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب فيه. ويذهب عنه الجوع والظمأ. وأعجب من ذلك أنك ترى النائم، ثم يقوم من نومه، ويضرب ويبطش ويدافع، كأنه يقظان، وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك. لأن الحكم، لما جرى على الروح، استعانت بالبدن من خارجه. ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحسّ. فإذا كانت الروح تتألم وتتنعم، ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع، فهكذا في البرزخ، بل أعظم. فإن تجرد الروح هناك أكمل وأقوى، وهي متعلقة ببدنها، لم تنقطع عنه كل الانقطاع. فإذا كان يوم حشر الأجساد، وقيام الناس من قبورهم، صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهرا باديا. ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبيّن لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه، وضيقه وسعته، وضمه، وكونه حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة- مطابق للعقل. وأنه حق لا مرية فيه. وأن من أشكل عليه ذلك، فمن سوء فهمه، وقلة علمه. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 155 الى 156] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) وقوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ خطاب لمن آمن مع النبي صلّى الله عليه وسلّم، خصّوا به، وإن شمل من ماثلهم، لأنهم المباشرون للدعوة والجهاد، ومكافحة الفجّار. وكل قائم بحق، وداع إليه، معرّض للابتلاء بما ذكر، كله أو بعضه. والتنوين للتقليل. أي: بقليل من كل واحد من هذه البلايا وطرف منه، وإنما قلّل ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان، وإن جل، ففوقه ما يقل إليه. وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم. وإنما أخبر به قبل الوقوع، ليوطّنوا عليه نفوسهم، ويزداد يقينهم، عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به. وليعلموا أنه شيء يسير، له عاقبة حميدة مِنَ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 157]
الْخَوْفِ أي خوف العدو والإرجاف به وَالْجُوعِ أي الفقر، للشغل بالجهاد، أو فقد الزاد، إذا كنتم في سرية تجاهدون في سبيل الله. وقد كان يتفق لهم ذلك أياما يتبلغون فيها بتمرة وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ أي لانقطاعهم بالجهاد عن عمارة بساتينهم، أو لافتقاد بعضها بسبب الهجرة، وترك شيء منه في البلدة المهاجر منها وَالْأَنْفُسِ بقتلها شهيدة في سبيل الله، أو ذهاب أطرافها فيه وَالثَّمَراتِ أي بأن لا نغلّ الحدائق كعادتها، للغيبة عنها في سبيل الله، وفقد من يتعاهدها، وخصت بالذكر لأنها أعظم أموال الأنصار الذين هم أخص الناس بهذا الذكر، لا سيما في وقت نزول هذه الآيات. وهو أول زمان الهجرة. فكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده كما قال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: 31] . قال الراغب: هذه الآية مشتملة على محن الدنيا كلها: أي إذا نظر إلى عموم كل فرد مما ذكر فيها، وقطع النظر عن خصوص حال المخاطبين فيها، بما يدل عليه سابقه. ثم بيّن تعالى ما للصابرين عنده بقوله وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ مكروه، اسم فاعل من أصابته شدة: لحقته. أي كهذه البلايا قالُوا إِنَّا لِلَّهِ أي ملكا وخلقا، فلا ينبغي أن نخاف غيره، لأنه غالب على الكل. أو نبالي بالجوع، لأن رزق العبد على سيده، فإن منع وقتا، فلا بد أن يعود إليه. وأموالنا وأنفسنا وثمراتنا ملك له، فله أن يتصرف فيها بما يشاء وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ في الدار الآخرة. فيحصل لنا عنده ما فوّته علينا. لأنه لا يضيع أجر المحسنين. فالمصاب يهون عليه خطبه، إذا تسلّى بقوله هذا، وتصور ما خلق له، وأنه رجع إلى ربه، وتذكر نعم الله عليه. ورأى أن ما أبقى عليه أضعاف ما أسترده منه. قال الراغب: وليس يريد بالقول اللفظ فقط، فإن التلفظ بذلك مع الجزع القبيح وتسخط القضاء ليس يغني شيئا. وإنما يريد تصور ما خلق الإنسان لأجله والقصد له، والاستهانة بما يعرض في طريق الوصول إليه. فأمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقية وتصورها وقصد هذا المقصد ووطن نفسه عليه. (ثم قال) إن قيل: ولم قلت: إن الأمر بالصبر يقتضي العلم؟ قيل: الصبر في الحقيقة إنما يكون لمن عرف فضيلة مطلوبه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 157] أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) أُولئِكَ إشارة إلى الصابرين باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت عَلَيْهِمْ
صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ قال الراغب: الصلاة، وإن كانت في الأصل الدعاء، فهي من الله البركة على وجه، والمغفرة على وجه. وقال الرازيّ: الصلاة من الله هي الثناء والمدح والتعظيم. قال الراغب: وإنما قال صَلَواتٌ على الجمع، تنبيها على كثرتها منه وأنها حاصلة في الدنيا توفيقا وإرشادا، وفي الآخرة ثوابا ومغفرة وَرَحْمَةٌ عظيمة في الدنيا عوض مصيبتهم وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ أي إلى الوفاء بحق الربوبية والعبودية، فلا بد أن يوفي الله عليهم صلواته ورحمته. (تنبيه) ورد في ثواب الاسترجاع وهو قول: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند المصائب، وفي أجر الصابرين، أحاديث كثيرة. منها ما في صحيح مسلم «1» عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها. قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت: من خير من أبي سلمة: صاحب رسول الله؟ ثم عزم الله لي فقلتها. قالت: فتزوجت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وروى الإمام أحمد «2» عن الحسين بن عليّ عليهما السلام عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها، وإن طال عهدها، فيحدث لذلك استرجاعا، إلا جدد الله له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها. وروى الإمام أحمد «3» بسنده عن أبي سنان قال: دفنت ابنا لي. وإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة (يعني الخولانيّ) فأخرجني وقال: ألا أبشرك؟ قال قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عوزب عن أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قال الله تعالى: يا ملك الموت، قبضت ولد عبدي، قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال: نعم. قال: فما قال؟ قال: حمدك واسترجع. قال ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد. ورواه الترمذيّ وقال: حسن غريب. وروى البخاري «4» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من يرد الله به خيرا يصب منه.
وروى الشيخان «1» عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه. ورويا «2» أيضا عن عبد الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به عنه من سيئاته. كما تحط الشجرة ورقها. والأحاديث في ذلك متوافرة معروفة في كتب السنة. وللإمام عز الدين محمد بن عبد السلام، رحمة الله تعالى، كلام على فوائد المحن والرزايا يحسن إيراده هنا. قال عليه الرحمة: للمصائب والبلايا والمحن والرزايا فوائد تختلف باختلاف رتب الناس. أحدها: معرفة عز الربوبية وقهرها. والثاني: معرفة ذلة العبودية وكسرها. وإليه الإشارة بقوله تعالى: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: 156] ، اعترفوا بأنهم ملكه وعبيده وأنهم راجعون إلى حكمه وتدبيره وقضائه وتقديره لا مفر لهم منه ولا محيد لهم عنه. والثالثة: الإخلاص لله تعالى إذ لا مرجع في رفع الشدائد إلا إليه. ولا معتمد في كشفها إلا عليه وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [الأنعام: 17] ، فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت: 65] . الرابعة: الإنابة إلى الله تعالى والإقبال عليه وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ [الزمر: 8] . الخامسة: التضرع والدعاء وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا [يونس: 12] ،
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 67] . بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ، وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ [الأنعام: 41] . قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الأنعام: 63] . السادسة: الحلم ممن صدرت عنه المصيبة إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: 114] ، إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [الحجر: 53] . إن فيك لخصلتين يحبهما الله تعالى: الحلم والأناة «1» . وتختلف مراتب الحلم باختلاف المصائب في صغرها وكبرها، فالحلم عند أعظم المصائب أفضل من كل حلم. السابعة: العفو عن جانيها وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران: 134] . فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: 40] والعفو عن أعظمها أفضل من كل عفو. الثامنة: الصبر عليها. وهو موجب لمحبة الله تعالى وكثرة ثوابه وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 146] ، إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: 10] ، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر «2» . التاسعة: الفرح بها لأجل فوائدها. قال عليه الصلاة والسلام «3» : والذي نفسي بيده! إن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء . وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: حبذا المكروهان الموت والفقر. وإنما فرحوا بها إذ لا وقع لشدتها ومرارتها بالنسبة إلى ثمرتها وفائدتها، كما يفرح من عظمت أدواؤه بشرب الأدوية الحاسمة لها، مع تجرعه لمرارتها.
العاشرة: الشكر عليها لما تضمنته من فوائدها. كما يشكر المريض الطبيب القاطع لأطرافه، المانع من شهواته، لما يتوقع في ذلك من البرء والشفاء. الحادية عشرة: تمحيصها للذنوب والخطايا وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] ولا يصيب المؤمن وصب ولا نصب حتى الهم يهمه والشوكة يشاكها إلّا كفر به من سيئاته «1» . الثانية عشرة: رحمة أهل البلاء ومساعدتهم على بلواهم. فالناس معافى ومبتلى فارحموا أهل البلاء واشكروا الله تعالى على العافية «2» . وإنما يرحم العشاق من عشق. الثالثة عشرة: معرفة نعمة العافية والشكر عليها. فإن النعم لا تعرف أقدارها إلا بعد فقدها. الرابعة عشرة: ما أعده الله تعالى على هذه الفوائد من ثواب الآخرة على اختلاف مراتبها. الخامسة عشرة: ما في طيّها من الفوائد الخفية فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء: 19] . وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: 216] . إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور: 11] . ولما أخذ الجبار سارة من إبراهيم «3» كان في طيّ تلك البلية أن أخدمها هاجر.
فولدت إسماعيل لإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فكان من ذرية إسماعيل خاتم النبيين. فأعظم بذلك من خير كان في طيّ تلك البلية، وقد قيل: كم نعمة مطوية لك بين أثناء المصائب وقال آخر: رب مبغوض كريه فيه لله لطائف السادسة عشرة: إن المصائب والشدائد تمنع من الأشر والبطر والفخر والخيلاء والتكبر والتجبر، فإن نمرود، لو كان فقيرا سقيما، فاقد السمع والبصر، لما حاجّ إبراهيم في ربه، لكن حمله بطر الملك على ذلك. وقد علل الله سبحانه وتعالى محاجته بإتيانه الملك، ولو ابتلى فرعون بمثل ذلك لما قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: 24] . وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة: 74] ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: 6- 7] . وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [الشورى: 27] ، وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ [هود: 116] . لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [الجن: 16] . وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ [سبأ: 34] . والفقراء والضعفاء هم الأولياء وأتباع الأنبياء. ولهذه الفوائد الجليلة كان أشد الناس بلاء الأنبياء «1» . ثم الأمثل فالأمثل. نسبوا إلى الجنون إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر: 6] والسحر قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: 52] ، والكهانة فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [الطور: 29] . واستهزئ بهم وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الحجر: 11] . وسخر منهم وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الأنعام: 10] ، فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا [الأنعام: 34] . وقيل لنا أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: 214] .
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة: 155] ، لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً [آل عمران: 186] . كالّذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وتغربوا عن أوطانهم. وكثر عناهم. واشتدّ بلاهم، وتكاثر أعداهم. فغلبوا في بعض المواطن، وقتل منهم بأحد «1» وبئر معونة «2» من قتل. وشجّ وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وكسرت رباعيته. وهشمت البيضة على رأسه. وقتل أعزاؤه ومثّل بهم. فشمتت أعداؤه واغتم أولياؤه. وابتلوا يوم الخندق «3» . وزلزلوا زلزالا شديدا. وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر. وكانوا في خوف دائم وعرى لازم. وفقر مدقع. حتى شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع. ولم يشبع سيد الأولين والآخرين من خبز برّ في يوم مرتين. وأوذي بأنواع الأذية حتى قذفوا أحب «4» أهله إليه. ثم ابتلي في آخر الأمر بمسيلمة «5» وطليحة والعنسي «6» . ولقي هو وأصحابه في جيش العسرة «7» ما لقوه. ومات ودرعه «8» عند يهوديّ على آصع من شعير. ولم تزل الأنبياء والصالحون يتعهدون بالبلاء الوقت بالوقت (يبتلى الرجل «9» على قدر دينه فإن كان صلبا في دينه شدد في بلائه. ولقد كان أحدهم يوضع «10» المنشار على مفرقه فلا يصده ذلك عن دينه) . وقال عليه الصلاة والسلام. «مثل
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 158]
المؤمن «1» مثل الزرع لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء» . وقال عليه الصلاة والسلام (مثل المؤمن «2» كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح، تصرعها مرة وتعدلها مرة حتى تهيج) فحال الشدة والبلوى مقبلة بالعبد إلى الله عز وجل. وحال العافية والنعماء صارفة للعبد عن الله تعالى وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس: 12] ، فلأجل ذلك تقللوا في المآكل والمشارب والمناكح والمجالس والمراكب وغير ذلك. ليكونوا على حالة توجب لهم الرجوع إلى الله تعالى عز وجل والإقبال عليه. السابعة عشرة: الرضا الموجب لرضوان الله تعالى. فإن المصائب تنزل بالبرّ والفاجر. فمن سخطها فله السخط وخسران الدنيا والآخرة، ومن رضيها فله الرضا. ولرضا أفضل من الجنة وما فيها. لقوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72] ، أي من جنات عدن ومساكنها الطيبة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 158] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (158) قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما، الصَّفا وَالْمَرْوَةَ: علمان لجبلين بمكة. ومعنى كونهما من شعائر الله: من أعلام مناسكه ومتعبّداته. قال الرازيّ: كل شيء جعل علما من أعلام طاعة الله، فهو من شعائر الله. قال الله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [الحج: 36] ، أي: علامة للقربة. وقال ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ [الحج: 32] ، وشعائر الحج معالم نسكه. ومنه المشعر الحرام. ومنه إشعار السنام- وهو أن يعلم بالمدية- فيكون ذلك علما على إحرام صاحبها، وعلى أنه قد جعله هديا لبيت الله. و (الشعائر) جمع شعيرة وهي
العلامة، مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام، ومنه قولك: شعرت بكذا أي علمت انتهى. و (الحجّ) في اللغة: القصد. و (الاعتمار) : الزيارة. غلبا في الشريعة على قصد البيت وزيارته، على الوجهين المعروفين في النسك. و (الجناح) بالضم: الإثم والتضييق والمؤاخذة. وأصل (الطواف) : المشي حول الشيء. والمراد: السعي بينهما. وقد روي في سبب نزول الآية عدّة روايات: ولفظ البخاريّ عن عروة قال «1» : سألت عائشة رضي الله عنها فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فو الله! ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة! قالت: بئسما قلت يا ابن أختي! إنّ هذه لو كانت كما أوّلتها عليه، كانت: لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار. كانوا قبل أن يسلموا يهلّون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلّل. فكان من أهلّ يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة. فلمّا أسلموا سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك؟ قالوا: يا رسول الله! إنّا كنّا نتحرّج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ... الآية. قالت عائشة رضي الله عنها: وقد سنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الطواف بينهما. فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إنّ هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أنّ الناس- إلّا من ذكرت عائشة ممن كان يهلّ بمناة- كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول الله! كنا نطوف بالصفا والمروة. وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا. فهل علينا من حرج أن نطّوّف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ... الآية. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذي يطوفون ثمّ تحرّجوا أن يطوفوا
بهما في الإسلام. من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت. وفي رواية معمر عن الزهريّ: إنا كنّا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة، أخرجه البخاريّ تعليقا، ووصله أحمد وغيره. وأخرج مسلم «1» في رواية يونس عن الزهري عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا، هم وغسّان، يهلّون لمناة. فتحرّجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنّة في آبائهم: من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة. وإنهم سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك حين أسلموا. فأنزل الله عز وجل في ذلك: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ. وروي الفاكهيّ عن الزهريّ: أن عمرو بن لحيّ نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديد. فكانت الأزد وغسان يحجونها ويعظمونها، إذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى أتوا مناة فأهلّوا لها. فمن أهلّ لها لم يطف بين الصفا والمروة. قال: وكانت مناة للأوس والخزرج والأزد من غسان ومن دان دينهم من أهل يثرب. وروى النسائيّ بإسناد قويّ عن زيد بن حارثة «2» قال: كان على الصفا والمروة صنمان من نحاس يقال لهما «إساف ونائلة» كان المشركون إذا طافوا تمسّحوا بهما ... الحديث. وروى الطبراني وابن أبي حاتم في التفسير بإسناد حسن من حديث ابن عباس قال: قالت الأنصار: إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية. فأنزل الله عزّ وجلّ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ ... الآية. وروى الفاكهيّ وإسماعيل القاضي في «الأحكام» بإسناد صحيح عن الشعبيّ قال: كان صنم بالصفا يدعى «إساف» ، ووثن بالمروة يدعى «نائلة» ، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما. فلما جاء الإسلام رمى بهما وقالوا: إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال: فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ ... الآية. وقد استفيد من مجموع هذه الروايات أنه تحرّج طوائف من السعي بين الصفا
تنبيهات:
والمروة لأسباب متعددة فنزلت في الكلّ. والله أعلم. وجواب عائشة، رضي الله عنها، لعروة هو من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ. لأنّ الآية الكريمة إنما دلّ لفظها على رفع الجناح عمّن يطوف بهما، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه. وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ، أي: من فعل خيرا فإنّ الله يشكره عليه ويثيبه به. ومعنى (تطوّع) أتى بما في طوعه أو بالطاعة، وإطلاقه على ما لا يجب عرف فقهيّ لا لغويّ. و (الشكر) من الله تعالى المجازاة والثناء الجميل. قال الراغب: الشكر، كما يكون بالقول، يكون بالفعل، وعلى ذلك قوله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: 13] قال: وليس شكر الرفيع للوضيع إلّا الإفضال عليه وقبول حمد منه. تنبيهات: الأول: تمسّك بعضهم بقوله تعالى: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً على أنّ السعي سنّة، وأن من تركه لا شيء عليه. فإن كان مأخذه منها: إنّ التطوع التبرّع بما لا يلزم فقد قدّمنا أنه عرف فقهيّ لا لغويّ، فلا حجّة فيه. وإن كان نفي الجناح، فقد علمت المراد منه. وممن ذهب إلى أنه سنّة، لا يجبر بتركه شيء، أنس فيما نقله ابن المنذر وعطاء. نقله ابن حجر في (الفتح) . وقال الرازيّ: روي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء، أنّ من تركه فلا شيء عليه. وأما حديث «1» : اسعوا فإنّ الله كتب عليكم السعي رواه أحمد وغيره ، ففي إسناده عبد الله بن المؤمل، وفيه ضعف. ومن ثمّ قال ابن المنذر: إن ثبت فهو حجّة في الوجوب. ذكره الحافظ ابن حجر في (الفتح) . الثاني: صحّ أنّه «2» صلّى الله عليه وسلّم طاف بين الصفا والمروة سبعا، رواه الشيخان وغيرهما
عن ابن عمر. وأخرج مسلم وغيره «1» من حديث أبي هريرة: أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لمّا فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو. وأخرج أيضا «2» من حديث جابر: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمّا دنا من الصفا قرأ: إنّ الصفا والمروة من شعائر الله. أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحّد الله وكبّره قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلّا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثمّ دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثمّ نزل إلى المروة حتى إذا نصبت قدماه في بطن الوادي، حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا . وظاهر هذا أنه كان ماشيا. وقد روى مسلم «3» في صحيحه عن أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: طاف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة، ليراه الناس، وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه. ولم يطف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلّا طوافا واحدا. قال ابن حزم: لا تعارض بينهما، لأن الراكب إذا انصبّ به بعيره فقد انصبّ كلّه وانصبّت قدماه أيضا مع سائر جسده. وعندي- في الجمع بينهما- وجه آخر أحسن من هذا وهو: أنه سعى ماشيا أوّلا، ثمّ أتمّ سعيه راكبا، وقد جاء ذلك مصرّحا به. ففي صحيح مسلم «4» عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا، أسنّة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنّة! قال: صدقوا وكذبوا ... ! - قال- قلت: ما قولك صدقوا وكذبوا..؟ قال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كثر
عليه الناس. يقولون: هذا محمد..! حتى خرج عليه العواتق من البيوت- قال- وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يضرب الناس بين يديه- فلمّا كثر عليه ركب. والمشي والسعي أفضل. وفي الصحيحين «1» عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سعى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالبيت وبين الصفا والمروة ليري المشركين قوّته ... ! وعن كريب مولى ابن عباس: أنّ ابن عباس قال «2» : ليس السعي ببطن الوادي بين الصفا والمروة بسنّة، إنما كان أهل الجاهلية يسعونها ويقولون: لا نجيز البطحاء إلّا شدّا..! رواه البخاري تعليقا، ووصله أبو نعيم في مستخرجه. قال شرّاح الصحيح: المراد بالسعي المنفيّ هو شدّة المشي والعدو. فهو، رضي الله عنه، لم ينف سنية السعي المجرد، بل مجاوزة الوادي بقوّة وعدو شديد، إذ أصل السعي هديه صلّى الله عليه وسلّم، والله أعلم. الثالث: في البخاريّ «3» عن ابن عباس في قصّة هاجر أم إسماعيل: إنّ الطواف بينهما مأخوذ من طوافها وتردادها في طلب الماء. ولفظه: وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوّى (أو قال، يتلبط) فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرّات. قال ابن عباس: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: فذلك سعي الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا ... الحديث. قال ابن كثير: لما ترددت هاجر في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة، تطلب الغوث من الله تعالى متذللة، خائفة، مضطرة، فقيرة إلى الله عزّ وجلّ، كشف تعالى كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدّتها، وأنبع لها زمزم التي طعامها طعام طعم،
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 159]
وشفاء سقم. فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذلّه وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأنّه يلتجئ إلى الله عزّ وجلّ لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه- من الذنوب والمعاصي- إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر عليها السلام. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 159] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (159) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. لما تقدم أنّ بعض أهل الكتاب يكتمون ما يعلمون من هذا الحقّ، وختم ما أتبعه له بصفتي الشكر والعلم- ترغيبا وترهيبا- بأنه يشكر من فعل ما شرعه له، ويعلم من أخفاه وإن دقّ فعله وبالغ في كتمانه، انعطف الكلام إلى تبكيت المنافقين منهم. ولعنهم على كتمانهم ما يعلمون من الحق. إذ كانت هذه كلّها في الحقيقة قصصهم. والخروج إلى غيرها إنّما هو استطراد على الأسلوب الحكيم المبين، لأنّ هذا الكتاب هدى وكان السياق مرشدا إلى أنّ التقدير بعد «شاكر عليم» : ومن أحدث شرا فإنّ الله عليم قدير، فوصل به استئنافا قوله- على وجه يعمهم وغيرهم- إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا ... الآية، بيانا لجزائهم. فانتظمت هذه الآية في ختمها لهذا الخطاب بما مضى في أوّله من قوله: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 42] ، فكانت البداية خاصة، وكان الختم عاما، ليكون ما في كتاب الله أمرا منطبقا- على نحو ما كان أمر محمد صلّى الله عليه وسلّم ومن تقدّمه من الرسل خلقا- لينطبق الأمر على الخلق بدءا وختما انطباقا واحدا، فعمّ كلّ كاتم من الأولين والآخرين. نقله البقاعي. و (اللعن) الطرد والإبعاد عن الخير، هذا من الله تعالى ومن الخلق: السبّ، والشتم، والدعاء على الملعون، ومشاقّته، ومخالفته، مع السخط عليه، والبراءة منه. والمراد بقوله: اللَّاعِنُونَ كلّ من يصح منه لعن، وقد بيّنه بعد قوله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة: 162] ، وقد دلّت
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 160]
الآية على أنّ هذا الكتمان من الكبائر، لأنه تعالى أوجب فيه اللعن، لأنّ ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلّف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، وبلغ للعنه من الشقاوة والخسران الغاية التي لا يدرك كنهها..! وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن كتمان العلم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال «1» : لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدّثت شيئا أبدا إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ... [البقرة: 159] الآية، وقوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ.. [آل عمران: 187] الآية. ثم استثنى تعالى من هؤلاء من تاب إليه فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 160] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا- أي عن الكتمان- وَأَصْلَحُوا- أي عملوا صالحا- وَبَيَّنُوا- ما كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع- فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ- أي أقبل توبتهم بإفاضة المغفرة والرحمة عليهم- وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمرّ به الحال إلى كفره بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 161 الى 162] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 163]
- أي في اللعنة، أو في النار، على أنها أضمرت من غير ذكر تفخيما لشأنها وتهويلا لأمرها- لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ- إما من الإنظار بمعنى التأخير والإمهال. أي: لا يمهلون عن العذاب ولا يؤخر عنهم ساعة بل هو متواصل دائم أو من النظر بمعنى الرؤية أي: لا ينظر إليهم نظر رحمة كقوله: وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [آل عمران: 77] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 163] وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163) وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ يخبر تعالى بخطابه كافة الناس عن تفرّده بالإلهية. وأنه لا شريك له ولا عديل. قال الراغب: يجوز أن يكون قوله: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ خطابا عاما، أي المستحق منكم العبادة هو إله واحد لا أكثر ويجوز أن يكون خطابا للمؤمنين. والمعنى. الذي تعبدونه إله واحد، تنبيها أنكم لستم كالكفار الذين يعبدون أصناما آلهة والشيطان والهوى وغير ذلك. إن قيل: ما فائدة الجمع بين: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وبين لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وأحدهما يبنى على الآخر؟ قيل: لما بين بقوله: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أنه المقصود بالعبادة أو المستحق لها- وكان يجوز أن يتوهم أن يوجد إله غيره ولكن لا يعبد ولا يستحق العبادة- أكده بقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وحقّ لهذا المعنى أن يكون مؤكدا وتكرر عليه الألفاظ، إذ هو مبدأ مقصود العبادة ومنتهاه. انتهى. وقال الرازي: إنما خص سبحانه وتعالى هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين لأن ذكر الإلهية والفردانية يفيد القهر والعلو، فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة ترويحا للقلوب عن هيبة الإلهية وعزة الفردانية، وإشعارا بأن رحمته سبقت غضبه وأنه ما خلق الخلق إلّا للرحمة والإحسان. انتهى. ولما كان مقام الوحدانية لا يصحّ إلّا بتمام العلم وكمال القدرة، نصب تعالى الأدلة، من العلويات والسفليات وعوارضهما والمتوسطات، على ذلك تبصيرا للجهّال وتذكيرا للعلماء بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 164]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 164] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ- في ارتفاع الأولى ولطافتها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وفي انخفاض الثانية وكثافتها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع- وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي: اعتقابهما وكون كل منهما خلفا للآخر، فيجيء أحدهما ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه لا يتأخر عنه لحظة كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [الفرقان: 62] ، أو اختلاف كلّ منهما في أنفسهما ازديادا وانتقاصا كما قال: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [الحج: 61] ، أي: يزيد من هذا في هذا ومن هذا في ذاك. وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ أي: في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى آخر لمعايش الناس والانتفاع بما عند أهل إقليم لغيره. قال الراغب: ولما لم يكن فرق بين أن يقال: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ وبين أن يقال: والبحر الذي يجري فيه الفلك، في أن القصد الأول بالآية أن يعرف منفعة البحر وإن أخر في اللفظ، قدم ذكر الفلك الذي هو من صنعتنا. ولما كان سبيلنا إلى معرفتها أقرب منه إلى معرفة صنعه- قدم ذكر الفلك لينظر منها إلى آثار خلق الله تعالى. وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ أي المزن مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بأنواع النبات والأزهار وما عليها من الأشجار بَعْدَ مَوْتِها باستيلاء اليبوسة عليها وَبَثَّ فِيها أي نشر وفرق مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ من العقلاء وغيرهم وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ أي: تقليبها في مهابها: قبولا ودبورا وجنوبا وشمالا، وفي أحوالها: حارة وباردة وعاصفة ولينة، فتارة مبشرة بين يدي السحاب، وطورا تسوقه، وآونة تجمعه، ووقتا تفرقه، وحينا تصرفه. قال الثعالبي: إذا جاءت الريح بنفس ضعيف وروح فهي النسيم، فإذا كانت شديدة فهي العاصف، فإذا حركت الأغصان تحريكا شديدا وقلعت الأشجار فهي
لطيفتان:
الزعزعان والزعزع. فإذا جاءت بالحصباء فهي الحاصبة، فإذا هبت من الأرض نحو السماء كالعمود فهي الإعصار ويقال لها زوبعة أيضا، فإذا هبت بالغبرة فهي الهبوة، فإذا كانت باردة فهي الصرصر، فإذا كان مع بردها ندى فهي البليل، فإذا كانت حارة فهي الحرور والسّموم، فإذا لم تلقح شجرا ولم تحمل مطرا فهي العقيم. ومما يذكر منها بلفظ الجمع: الأعاصير وهي التي تهيج بالغبار، واللواقع التي تلقح الأشجار، والمعصرات التي تأتي بالأمطار، والمبشرات التي تأتي بالسحاب والغيث. وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي: فلا يهوي إلى جهة السفل مع ثقله يحمله بخار الماء- كما تهوي بقية الأجرام العالية- حيث لم يكن لها ممسك محسوس، ولا يعلو، ولا ينقشع مع أن الطبع يقتضي أحد الثلاثة: فالكثيف يقتضي النزول، واللطيف يقتضي العلو، والمتوسط يقتضي الانقشاع. ذكره البقاعي. لطيفتان: الأولى: قال الثعالبي: أول ما ينشأ السحاب فهو النّشء، فإذا انسحب في الهواء فهو السحاب، فإذا تغيرت له السماء فهو الغمام، فإذا أظلّ فهو العارض، فإذا ارتفع وحمل الماء وكثف وأطبق فهو العماء، فإذا عنّ فهو العنان، فإذا كان أبيض فهو المزن. الثانية: قال الراغب: التسخير القهر على الفعل. وهو أبلغ من الإكراه. فإنه حمل الغير على الفعل بلا إرادة منه على وجه، كحمل الرحى على الطحن. وقوله تعالى: لَآياتٍ: أي عظيمة كثيرة، فالتنكير للتفخيم كمّا وكيفا لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي يتفكرون فيها وينظرون إليها بعين العقول، فيستدلون على قدرته، سبحانه، القاهرة، وحكمته الباهرة، ورحمته الواسعة المقتضية لاختصاص الألوهية به جلّ شأنه. قال البقاعي: وسبب تكثير الأدلة أنّ عقول الناس متفاوتة. فجعل سبحانه العالم- وهو الممكنات الموجودة، وهي جملة ما سواه، الدالّة على وجوده وفعله بالاختيار- على قسمين: قسم من شأنه أن يدرك بالحواس الظاهرة، ويسمى في عرف أهل الشرع: الشهادة والخلق والملك. وقسم لا يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى: الغيب والأمر والملكوت. والأول يدركه عامة الناس، والثاني يدركه أولو الألباب الذين عقولهم خالصة عن الوهم والوساوس. فالله تعالى- بكمال عنايته ورأفته ورحمته- جعل العالم بقسميه محتويا على جمل وتفاصيل من وجوه
متعدّدة، وطرق متكثرة، تعجز القوى البشرية. عن ضبطها، يستدلّ بها على وحدانيته، بعضها أوضح من بعض، ليشترك الكل في المعرفة، فيحصل لكلّ بقدر ما هيّئ له، اللهم إلا أن يكون ممن طبع على قلبه، فذلك- والعياذ بالله- هو الشقيّ انتهى. قال المهايمي: وكيف ينكرون وجود الله، وتوحيده، ورحمانيته، ورحيميته، وقد دلّ عليها دلائل العلويات والسفليات وعوارضهما والمتوسطات؟ ثم قال: أما دلالة السماء والأرض على وجود الإله فلأنهما حادثان. لأن لهما أجزاء يفتقران إليها، فلا بدّ لها من محدث ليس بعض أجزائهما، لأنه دخله التركيب الحادث، والقديم لا يكون محلا للحوادث، والمحدث لا بدّ أن يكون قديما قطعا للتسلسل. وعلى التوحيد، فلأن إله السموات لو كان غير إله الأرض لم يرتبط منافع أحدهما بالآخر. وعلى الرحمتين لأنه عزّ وجل جعل في الأرض موادّ قابلة للصور المختلفة وأفاضها واحدة بعد أخرى بتحريك السموات. وأما دلالة اختلاف الليل والنهار على وجود الإله فلحدوثهما من حركات السموات ولا بدّ لها من محرك، فإن كان حادثا فلا بدّ له من محدث. وعلى التوحيد، فلأن إله الليل لو كان غير إله النهار لأمكن كل واحد أن يأتي بما هو له في وقت إتيان الآخر بما هو له، فيلزم اجتماعهما وهو محال. فإن امتنع لزم عجز أحدهما أو كليهما. وعلى الرحمتين، فلأن الاعتدال الذي به انتظام أمر الحيوانات إنما يكون من تعاقبهما، إذ دوام الليل مبرّد للعالم في الغاية، ودوام النهار مسخّن له في الغاية. وأما دلالة الفلك على وجود الإله، فلأنها أثقل من الماء فحقّها الرسوب فيها، فإمساكها فوق الماء من الله. ودخول الهواء فيها- وإن كان من الأسباب- فلا يتم عند امتلاء الفلك بالأمتعة الكثيرة، إذ يقلّ الهواء جدا فيضعف أثره في إمساك هذا الثقيل جدا، فلا ينبغي أن ينسب إلّا إلى الله تعالى من أوّل الأمر وعلى التوحيد، فلأن إله الفلك لو كان غير إله البحر لربما منع أحدهما الآخر من التصرف في ملكه، وهو يفضي إلى اختلال نظام العالم لاختلاف المنافع المنوطة بالفلك وعلى الرحمتين فلأنه رحم المسافرين بالتجارات، والمسافر إليهم بالأمتعة التي يحتاجون إليها. وأما دلالة إنزال الماء على وجود الإله، فلأنه أثقل من الهواء، فوجوده في مركزه لا يكون إلّا من الله. وعلى التوحيد، فلأنّ إله الماء لو كان غير إله الهواء، لمنع من التصرف في ملكه. وعلى الرحمتين، فلأنّه أحيى به الأرض معاشا للحيوانات، وبثّ به الدواب تكميلا لمنافع الإنسان. وأما دلالة تصريف الرياح على وجود الإله، فلأنها حادثة تحدث هذه مرّة وهذه أخرى، وقد يعدم الكلّ، فلا بدّ من
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 165]
محدث، فإن كان حادثا افتقر إلى قديم. وعلى التوحيد، فلأنّه لو كان لكلّ ريح إله لأمكن للكلّ أن يأتي بما له، فيلزم اجتماع الرياح المختلفة وهو مخلّ بالنظام. وعلى الرحمتين، فلأنها تحرك الفلك والسحب وتنمي الأشجار والثمار. وأما دلالة السحاب على وجود الإله، فلأنه لو كان ثقيلا لنزل، أو كان خفيفا لصعد، لكنه يصعد تارة وينزل أخرى فهو من الله تعالى وأما على التوحيد فلأن إله السحاب لو كان غير إله السحاب الآخر، لأمكن لكلّ واحد أن يجعل سحابه في مكان سحاب الآخر، فيلزم تداخل الأجسام أو العجز. وعلى الرحمتين فلأنّ منها الأمطار. وله وجوه أخر من الدلالات وفوائد غير محصورة، قنعنا بما ذكرنا. قال القاضي عبد الجبار: الآية تدلّ على أمور: (أحدها) لو كان الحقّ يدرك بالتقليد، واتباع الآباء، والجري على الإلف والعادة، لما صحّ ذلك. و (ثانيها) لو كانت المعارف ضرورية وحاصلة بالإلهام لما صحّ وصف هذه الأمور بأنها آيات، لأن المعلوم بالضرورة لا يحتاج في معرفته إلى الآيات. و (ثالثها) أنّ سائر الأجسام والأعراض، وإن كانت تدلّ على الصانع، فهو تعالى خصّ هذه الثمانية بالذكر لأنها جامعة بين كونها دلائل وبين كونها نعما على المكلفين على أوفر حظّ ونصيب، ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب وأشدّ تأثيرا في الخواطر. نقله الرازي. ثم إنّ الله تعالى إنما أظهر هذه الآيات الدالة على وجوده، وتوحيده، ورحمته، ليخصّه الخلق بالمحبة والعبادة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 165] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165) وَلكن مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً أي: أمثالا. مع أنّ الآيات منعت من أن يكون له ندّ واحد فضلا عن جماعتها يسوّون بينهم وبين الله إذ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ أي: يعظمونهم ويخضعون لهم كتعظيم الله والخضوع له. و (الأنداد) هي: إمّا الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا منها النفع والضرّ، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور وقرّبوا لها القرابين. وإمّا الرؤساء
الذين يتبعونهم فيما يأتون وما يذرون، لا سيما في الأوامر والنواهي. ورجح هذا، لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة: 166] وذلك لا يليق إلّا بمن اتخذ الرجال أندادا وأمثالا لله تعالى يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ما يلتزمه المؤمنون من الانقياد لله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من المشركين لأندادهم، لأنّ أولئك أشركوا في المحبة، والمؤمنون أخلصوها كلّها لله، ولأنهم يعلمون أن جميع الكمالات له ومنه، ولأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره، بخلاف المشركين فكانوا يعبدون الصنم زمانا ثم يرفضونه إلى غيره أو يأكلونه، كما أكلت باهلة إلهها من حيس، عام المجاعة. قال العلامة ابن القيم رحمه الله في (شرح المنازل) في باب التوبة: أما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر. فالأكبر لا يغفره الله إلّا بالتّوبة، وهو أن يتخذ من دون الله ندّا يحبه كما يحب الله تعالى، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولذا قالوا لآلهتهم في النار تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء: 97- 98] مع إقرارهم بأن الله تعالى وحده خالق كلّ شيء، وربّه، ومليكه، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تميت ولا تحيي، وإنما كانت هذه التسوية في المحبة، والتعظيم، والعبادة، كما هو حال أكثر مشركي العالم..! بل كلّهم يحبون معبوديهم، ويعظمونها، ويوادّونها من دون الله تعالى..! وكثير منهم- بل أكثرهم- يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله تعالى..! ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله تعالى..! ويغضبون بتنقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم ما يغضبون إذا انتقص أحد ربّ العالمين..! وإذا انتقصت حرمات آلهتهم ومعبوديهم غضبوا غضب الليث أو الكلب..! وإذا انتهكت حرمات الله تعالى لم يغضبوا لها. بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئا رضوا عنه ولم تنكر له قلوبهم..! قد شاهدنا نحن وغيرنا هذا منهم ... انتهى. وقال الإمام تقي الدين أحمد بن عليّ المقريزيّ رحمه الله: ومن أجلّ الشرك، وأصله الشرك في محبة الله، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ... الآية، فأخبر سبحانه أنّ من أحبّ مع الله شيئا غيره، كما يحبه، فقد اتخذ ندّا من دونه! وهذا على أصح القولين في الآية أنهم يحبونهم كما يحبون الله، وهذا هو العدل المذكور في قوله تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: 1] ، والمعنى على أصحّ القولين: أنهم يعدلون به
غيره في العبادة فيسوون بينه وبين غيره في الحب والعبادة. وكذلك قوله المشركين في النار لأصنامهم تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء: 97- 98] ومعلوم قطعا أنّ هذه التسوية لم تكن بينهم وبين الله في كونهم خالقيهم، فإنهم كانوا- كما أخبر الله عنهم- مقرّين بأنّ الله تعالى وحده هو ربّهم وخالقهم، وأنّ الأرض ومن فيها لله وحده، وأنه ربّ السموات وربّ العرش العظيم، وأنّه هو الذي بيده ملكوت كلّ شيء، وهو يجير ولا يجار عليه ... وإنما كانت هذه التسوية بينهم وبين الله تعالى في المحبّة والعبادة فمن أحبّ غير الله تعالى، وخافه، ورجاه، وذلّ له- كما يحبّ الله ويخافه ويرجوه- فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله تعالى..! فعياذا بالله! من أن ينسلخ القلب من التوحيد والإسلام، كانسلاخ الحيّة من قشرها، وهو يظنّ أنّه مسلم موحّد..! وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة في بعض فتاويه: والمتّخذ إلهه هواه، له محبّة كمحبّة المشركين لآلهتهم، ومحبّة عبّاد العجل له، وهذه محبّة مع الله لا محبّة لله! وهذه محبّة أهل الشرك..! والنفوس قد تدّعي محبّة الله، وتكون في نفس الأمر محبّة شرك تحبّ ما تهواه وقد أشركته في الحب مع الله! وقد يخفى الهوى على النفس، فإنّ حبّك الشيء يعمي ويصمّ..! وهكذا الأعمال التي يظنّ الإنسان أنه يعملها لله وفي نفسه شرك قد خفي عليه وهو يعلمه: إمّا لحبّ رئاسة، وإمّا لحبّ مال، وإمّا لحبّ صورة..! ولهذا قالوا «1» : يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة وحميّة ورياء، فأيّ ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله..! فلمّا صار كثير من الصوفية النسّاك المتأخّرين يدّعون المحبّة- ولم يزنوها بميزان العلم والكتاب والسّنّة- دخل فيها نوع من الشرك واتّباع الأهواء. والله تعالى قد جعل محبّته موجبة لاتباع رسوله فقال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31] ، وهذا، لأن الرسول هو الذي يدعو إلى ما يحبّه الله، وليس شيء يحبّه الله إلا والرسول يدعو إليه..! وليس شيء يدعو إليه الرسول إلّا والله يحبّه..! فصار محبوب الربّ ومدعوّ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 166]
الرسول متلازمين، بل هذا هو هذا في ذاته، وإن تنوعت الصفات..! انتهى. وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي: باتخاذ الأنداد ووضعها موضع المعبود إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ المعدّ لهم يوم القيامة أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أي: القدرة كلّها لله، على كل شيء، من العقاب والثواب، دون أندادهم وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ أي: العقاب للظالمين. وفائدة عطفها على ما قبلها: المبالغة في تهويل الخطب، وتفظيع الأمر. فإنّ اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدّة العذاب، لجواز تركه عفوا مع القدرة عليه. وجواب (لو) محذوف للإيذان بخروجه عن دائرة البيان: إمّا لعدم الإحاطة بكنهه، وإمّا لضيق العبارة عنه، وإمّا لإيجاب ذكره ما لا يستطيعه المعبّر أو المستمع من الضجر والتفجّع عليه. أي لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم. ونظيره- في حذف الجواب- قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا [الأنعام: 27] وقولهم: لو رأيت فلانا والسياط تأخذه. وقرئ ولو ترى بالتاء- على خطاب الرسول أو كلّ مخاطب- أي: ولو ترى ذلك لرأيت أمرا عظيما في الفظاعة والهول. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 166] إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (166) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا بدل من «إذ يرون» أي: تبرّأ المتبوعون وهم الرؤساء الآمرون باتخاذ الأنداد وكلّ ما عبد من دونه تعالى: مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا من الأتباع، بأن اعترفوا ببطلان ما كانوا يدعونه في الدنيا لهم- أو يدعونهم إليه- من فنون الكفر والضلال، واعتزلوا عن مخالطتهم، وقابلوهم باللعن. وقرئ الأول على البناء للفاعل، والثاني على البناء للمفعول، أي تبرّأ الأتباع من الرؤساء وَرَأَوُا الْعَذابَ الواو للحال، أي: تبرّأوا في حال رؤيتهم العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ أي: الوصل التي كانت بينهم: من الاتفاق على دين واحد، ومن الأنساب، والمحابّ، والاتباع، والاستتباع. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 167] وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا حين عاينوا تبرّؤ الرؤساء منهم، وندموا على ما فعلوا من اتباعهم لهم في الدنيا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً أي: ليت لنا رجعة إلى الدنيا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ
هناك، ومن عبادتهم، ونعبده تعالى وحده كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا اليوم. وهم كاذبون في هذا، بل لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه، كما أخبر تعالى عنهم بذلك كَذلِكَ أي: مثل تلك الإراءة الفظيعة يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ ندمات شديدة عَلَيْهِمْ أي: تذهب وتضمحلّ، كما قال تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: 23] وقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ... [إبراهيم: 18] الآية، وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً ... [النور: 39] الآية وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ونظير هذه الآية قوله تعالى:.. وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ، بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً، وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا، هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ: 31- 33] ..؟ وقال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مريم: 81- 82] . وقال الخليل لقومه إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ [العنكبوت: 25] . وقالت الملائكة تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ، ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ [القصص: 63] ويقولون سُبْحانَكَ! أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ، بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ، أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ: 41] . وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ [الأحقاف: 5- 6] . وقال تعالى: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ، وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي، فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ، ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ، إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ، إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم: 22] .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 168]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 168] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا حال أو مفعول، وهو ما انتفى عنه حكم التحريم طَيِّباً أي: مستطابا في نفسه، غير ضارّ للأبدان ولا للعقول. وقد روى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده عن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند النبي صلّى الله عليه وسلّم يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة! فقال: يا سعد! أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة. والذي نفس محمد بيده! إنّ الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والرّبا فالنار أولى به ... ! وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وهي طرائقه ومسالكه فيما أضلّ أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها ... مما زينه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمار الذي في صحيح مسلم «1» عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: يقول الله تعالى: إنّ كلّ مال منحته عبادي فهو لهم حلال. وفيه: وإني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 169]
ومما يدخل في خطوات الشيطان: كلّ معصية لله، ومنها: النذور في المعاصي، كما قاله بعض السلف في الآية. قال الشعبيّ: نذر رجل ينحر ابنه، فأفتاه مسروق بذبح كبش، وقال: هذا من خطوات الشيطان! قال أبو الضحى عن مسروق: أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح، فجعل يأكل فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم فقال لا أريده فقال: أصائم أنت؟ قال لا ... ! قال: فما شأنك؟ قال حرّمت أن آكل ضرعا أبدا..! فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فأطعم وكفّر عن يمينك ... ! رواه ابن أبي حاتم. وروي أيضا عن أبي رافع قال: غضبت يوما على امرأتي، فقالت: هي يوما يهودية ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حرّ إن لم تطلق امرأتك..! فأتيت عبد الله ابن عمر فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان ... ! وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة- وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة- وأتيت عاصما وابن عمر فقالا مثل ذلك. وروى عبد بن حميد عن ابن عباس قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفّارته كفارة يمين! نقله الإمام ابن كثير الدمشقيّ. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ تعليل للنهي، للتنفير عنه والتحذير منه كما قال إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ [فاطر: 6] . وقال تعالى أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي، وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف: 50] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 169] إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (169) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ استئناف لبيان كيفية عداوته، وتفصيل لفنون شرّه وإفساده. وبِالسُّوءِ يشكل جميع المعاصي، سواء كانت من أعمال الجوارح أو أفعال القلوب. والْفَحْشاءِ ما تجاوز الحدّ في القبح من العظائم. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي: بأن تفتروا عليه تعالى بأنه حرّم هذا وذاك بغير علم. فمعنى ما لا تَعْلَمُونَ ما لا تعلمون أن الله تعالى أمر به.
قال البقاعي: ولقد أبلغ سبحانه في هذه الآية في حسن الدعاء لعباده إليه، لطفا بهم ورحمة لهم، بتذكيرهم في سياق الاستدلال على وحدانيته، بما أنعم عليهم: بخلقه لهم أولا، وبجعله ملائما لهم ثانيا، وإباحته لهم ثالثا، وتحذيره لهم من العدوّ رابعا ... إلى غير ذلك من دقائق الألطاف وجلائل المنن ... ! قال الرازيّ: قوله تعالى وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ يتناول جميع المذاهب الفاسدة، بل يتناول مقلد الحق..! لأنه- وإن كان مقلدا للحق- لكنه قال ما لا يعلمه، فصار مستحقا للذمّ لاندراجه تحت الذم في هذه الآية.! انتهى. وقال الإمام ابن القيم في (أعلام الموقعين) : القول على الله بلا علم يعمّ القول عليه سبحانه في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي دينه وشرعه. وقد جعله الله تعالى من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال تعالى قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [الأعراف: 33] . وقال تعالى وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النحل: 116- 117] .! فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه. وقولهم لما لم يحرمه: هذا حرام. ولما لم يحلّه: هذا حلال. وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال وهذا حرام، إلا بما علم أن الله سبحانه أحلّه وحرّمه. وقال بعض السلف: ليتّق أحدكم أن يقول لما لا يعلم ولا ورد الوحي المبين بتحليله وتحريمه: أحله الله وحرّمه، لمجرد التقليد أو بالتأويل. وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم، في الحديث الصحيح، أميره بريدة «1» أن ينزل عدوّه إذا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 170]
حاصرهم، على حكم الله، وقال فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ... ؟ ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك ... فتأمّل، كيف فرّق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يسمى حكم المجتهدين حكم الله. ومن هذا لما كتب الكاتب- بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه- حكما حكم به فقال: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال: لا تقل هكذا. ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وقال مالك: لم يكن من أمر الناس، ولا من مضى من سلفنا، ولا أدركت أحدا أقتدي به، يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام. وما كانوا يجترءون على ذلك. وإنما كانوا يقولون: نكره كذا ونرى هذا حسنا. ولمّا نهاهم سبحانه عن متابعة العدوّ، ذمّهم بمتابعته، مع أنه عدوّ، من غير حجة، بل بمجرد التقليد للجهلة، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 170] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ على رسوله واجتهدوا في تكليف أنفسكم الردّ عن الهوى الذي نفخه فيها الشيطان قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا أي: وجدنا عَلَيْهِ آباءَنا أي: من عبادة الأصنام والأنداد. فقال مبكّتا لهم أَوَلَوْ أي: أيتّبعون آباءهم ولو كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً أي: من الدين وَلا يَهْتَدُونَ للصواب إذ جهلوه؟ قال الحراليّ: فيه إشعار بأنّ عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد أبوّة الدين. ففيه التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي شأن الناس أن يتبعوا فيها عوائد آبائهم.
قال الرازيّ: معنى الآية: إن الله تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة. فهم قالوا: لا نتبع ذلك وإنما نتبع آباءنا وأسلافنا. فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد. وأجاب الله تعالى عنهم بقوله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ ... إلى آخره. ثم قال: تقرير هذا الجواب من وجوه: أحدها: أن يقال للمقلّد: هل تعترف بأنّ شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقّا أم لا؟ فإن اعترفت بذلك، لم تعلم جواز تقليده إلّا بعد أن تعرف كونه محقّا، فكيف عرفت أنه محقّ؟ وإن عرفته بتقليد آخر، لزم التسلسل وإن عرفته بالعقل، فذاك كاف، فلا حاجة إلى التقليد..! وإن قلت: ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم كوّنه محقّا ... فإذن قد جوّزت تقليده وإن كان مبطلا..! فإذن أنت- على تقليدك- لا تعلم أنّك محقّ أو مبطل..! وثانيها: هب أنّ ذلك المتقدم كان عالما بهذا الشيء إلا أنّا لو قدرنا أنّ ذلك المتقدم ما كان عالما بذلك الشيء قط، وما اختار فيه البتة مذهبا فأنت ماذا كنت تعمل؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه، كان لا بدّ من العدول إلى النظر، فكذا هاهنا. وثالثها: أنك إذا قلّدت من قبلك، فذلك المتقدم كيف عرفته؟ أعرفته بتقليد أم لا بتقليد؟ فإن عرفته بتقليد، لزم إمّا الدور وإمّا التسلسل. وإن عرفته لا بتقليد، بل بدليل، فإذا أوجبت تقليد ذلك المتقدّم، وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد لأنّك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل- مع أن ذلك المتقدّم طلبه بالدليل لا بالتقليد- كنت مخالفا له. فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه، فيكون باطلا. ثم قال الرازي عليه الرحمة: إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان، تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان وبين متابعة التقليد، وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والاستدلال وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل. وقال الإمام الراغب: ذمّهم الله بأنهم أبطلوا ما خص الله به الإنسان من الفكر والروية، وركّب فيه من المعارف. وذلك أن الله ميّز الإنسان بالفكر ليعرف به الحقّ من الباطل في الاعتقاد. والصدق من الكذب في الأقوال. والجميل من القبيح في الفعل. ليتحرى الحقّ والصدق والجميل. ويتجنب أضدادها. وجعل له من نور العقل
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 171]
ما يستغني به. فيدله على معرفة مطلوبه. فلما حثّ الناس على تناول الحلال الطيب، ونهاهم عن متابعة الشيطان، بيّن حال الكفار- في تركهم الرشاد، واتباعهم الآباء والأجداد- ليحذّر الاقتداء بهم، تاركين استعمال الفكر الذي هو صورة الإنسان وحقيقته. ثمّ قال أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً أي: أيتبعونهم وإن كانوا جهلة؟ تنبيها على أنه محال اتباع من لا عقل له ولا اهتداء. إن قيل: ما فائدة الجمع بين قوله يَعْقِلُونَ ويَهْتَدُونَ وأحدهما يغني عن الآخر؟ قيل: قد تقدم أن (العاقل) يقال على ضربين: أحدهما لمن يحصل له القوة التي بها يصح التكليف، والثاني لمن يحصل العلوم المكتسبة وهو المقصود هاهنا. و (المهتدي) قد يقال لمن اقتدى في أفعاله بالعالم وإن لم يكن مثله في العلم فبيّن أنهم لا يعقلون ولا يهتدون. ووجه آخر: وهو أن يعقل ويهتدي، وإن كان كثيرا ما يتلازمان، فإنّ العقل يقال بالإضافة إلى المعرفة، والاهتداء بالإضافة إلى العمل، فكأنه قيل: لا علم لهم صحيح ولا مستقيم. ثمّ ضرب تعالى للكافرين مثلا فظيعا كما قال سبحانه لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ [النحل: 60] . فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 171] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ أي يصيح، يقال: نعق الراعي بغنمه: صاح بها وزجرها. وقوله تعالى بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً أي: بالبهائم التي لا تسمع إلّا دعاء الناعق ونداءه- الذي هو تصويت بها، وزجر لها- ولا تفقه شيئا آخر، ولا تعي كما يفهم العقلاء ويعون. وقد أفهم هذا الإيجاز البليغ تمثيلين في مثل واحد. فكأن وفاء اللفظ: مثل الذين كفروا ومثل داعيهم كمثل الراعي ومثل ما يرعى من البهائم. وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب. ومن لا يصل فهمه إلى جمع المثلين، يقتصر على تأويله بمثل واحد، فيقدر في الكلام: ومثل داعي الذين كفروا. أشار لذلك الحراليّ فيما نقله البقاعي عنه. وقال الفراء: أضاف تعالى المثل إلى الذين كفروا، ثمّ شبههم بالراعي ولم يقل كالغنم. والمعنى- والله أعلم- مثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه ما يقول
الراعي أكثر من الصوت، فأضاف التشبيه إلى الراعي والمعنى في المرعيّ. قال: ومثله في الكلام (فلان يخافك كخوف الأسد) المعنى كخوفه الأسد، لأنّ الأسد معروف أنه المخوف. وقيل: أريد تشبيه حال الكافر- في دعائه الصنم- بحال من ينعق بما لا يسمعه. والمعنى: مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم- التي لا تفقه دعاءهم- كمثل الناعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء، غير أنّه هو في دعاء ونداء. وكذلك المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلّا العناء. وقال ابن القيّم في (أعلام الموقعين) : ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركّب، وأنّ تجعله من التشبيه المفرّق. فإن جعلته من المركّب: كان تشبيها للكفّار- في عدم فقههم وانتفاعهم- بالغنم التي ينعق بها الراعي فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرّد الذي هو الدعاء والنداء. وإن جعلته من التشبيه المفرّق: فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعق، وإدراكهم مجرّد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرّد صوت الناعق. والله أعلم. قال الرازيّ: اعلم أنّه تعالى- لمّا حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى اتّباع ما أنزل الله: تركوا النظر والتدبّر، وأخلدوا إلى التقليد، وقالوا: بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا- ضرب لهم هذا المثل- تنبيها للسامعين لهم- إنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه: بسبب ترك الإصغاء، وقلّة الاهتمام بالدين، فصيرهم- من هذا الوجه- بمنزلة الأنعام ... ! ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفّار، ويحقّر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسرا لقلبه، وتضييقا لصدره- حيث صيّره كالبهيمة- فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد. ثمّ زاد في تبكيتهم فقال صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ فهم بمنزلة الصمّ: في أنّ الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه، وبمنزلة البكم: في أنهم لم يستجيبوا لما دعوا إليه، وبمنزلة العمي: من حيث إنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها. ولمّا كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الاستعانة بهذه القوى الثلاثة، فلمّا أعرضوا عنها، فقدوا العقل المكتسب. ولهذا قيل: من فقد حسّا فقد علما..!
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 172]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 172] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي: ما أخلصناه لكم من الشّبه، ولا تعرضوا لما فيه دنس- كما أحلّه المشركون من المحرّمات- ولا تحرّموا ما أحلّوا منها من السائبة وما معها وَاشْكُرُوا لِلَّهِ- الذي رزقكم هذه النعم- إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ- أي: وحده- تَعْبُدُونَ أي: إن صحّ أنكم تخصونه بالعبادة، وتقرّون أنه سبحانه هو المنعم لا غير. قال الإمام ابن تيمية في (جواب أهل الإيمان) : الطيبات التي أباحها هي المطاعم النافعة للعقول والأخلاق. والخبائث هي الضارة في العقول والأخلاق. كما أن الخمر أم الخبائث لأنها تفسد العقول والأخلاق. فأباح الله الطيبات للمتّقين التي يستعينون بها على عبادة ربهم التي خلقوا لها. وحرّم عليهم الخبائث التي تضرّهم في المقصود الذي خلقوا له. وأمرهم- مع أكلها- بالشكر، ونهاهم عن تحريمها. فمن أكلها ولم يشكر ترك ما أمر الله به واستحقّ العقوبة. ومن حرّمها- كالرهبان- فقد تعدّى حدود الله فاستحق العقوبة. وفي الحديث الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها» «1» . وفي حديث آخر: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» «2» . وقال تعالى لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: 8] . أي: عن شكره، فإنّه لا يبيح شيئا ويعاقب من فعله، ولكن يسأله عن الواجب الذي أوجبه معه. وعمّا حرّمه عليه، هل فرّط بترك مأمور أو فعل محظور؟ كما قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة: 87] . ولمّا قيّد تعالى الإذن لهم بالطيب من الرزق، افتقر الأمر إلى بيان الخبيث منه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 173]
ليجتنب، فبيّن صريحا ما حرّم عليهم- مما كان المشركون يستحلّونه ويحرّمون غيره- وأفهم حلّ ما عداه، وأنه كثير جدا ليزداد المخاطب شكرا، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 173] إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وهي في عرف الشرع: ما مات حتف أنفه، أو قتل على هيئة غير مشروعة- إما في الفاعل أو في المفعول- فدخل فيها: المنخنقة، والموقوذة، والمتردّية، والنطيحة، وما عدا عليها السبع. قال ابن كثير: وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر، لقوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ [المائدة: 96] ، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، وحديث العنبر في الصحيح. وفي المسند، والموطّأ، والسنن: قوله صلّى الله عليه وسلّم في البحر: «هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته» «1» . وروى الشافعيّ وأحمد وابن ماجة والدارقطني حديث ابن عمر «2» : أحلت لنا ميتتان ودمان. فأما الميتتان الحوت والجراد. وأما الدمان فالكبد والطحال. وَالدَّمَ وهو المسفوح أي: الجاري، كما صرّح بذلك في الآية الأخرى- والمفسّر قاض على المبهم- وكان بعض العرب يجعل الدم في المصارين ثم يشويها ويأكلها ويسمونه الفصد. وفي القاموس وشرحه: والفصيد دم كان يوضع في الجاهلية في معى من فصد عرق البعير، ويشوى، وكان أهل الجاهلية يأكلونه ويطعمونه الضيف في الأزمة. ويحكى: أنه بات رجلان عند أعرابيّ فالتقيا صباحا، فسأل أحدهما صاحبه عن القرى فقال: ما قريت وإنما فصد لي. فقال لم يحرم من فصد له- بسكون الصاد- فجرى ذلك مثلا لمن نال بعض المقصد، وسكّن الصاد تخفيفا، أي: لم يحرم القرى من فصدت له الراحلة فحظي بدمها. ويروى: من فزد له- بالزاي بدل الصاد- وبعضهم يقول: من قصد له- بالقاف- أي: من أعطى قصدا أي قليلا. وكلام العرب بالفاء. وقال يعقوب: تأويل هذا أنّ الرجل كان يضيف الرجل في
شدّة الزمان، فلا يكون عنده ما يقريه، ويشحّ أن ينحر راحلته، فيفصدها، فإذا خرج الدم سخّنه للضيف إلى أن يجمد ويقوى فيطعمه إيّاه. وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ويدخل شحمه وبقية أجزائه في حكم لحمه: إمّا تغليبا أو لأنّ اللحم يشمل ذلك لغة، لأنه ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه، وما انتهى إليه ظاهره من سطح جلده. وعرف غلبة استعماله على رطبه الأحمر. وهو هنا على أصله في اللغة. وإمّا بطريق القياس على رأي، لأنّه إذا حرّم لحمه الذي هو المقصود بالأكل- وهو أطيب ما فيه- كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم. ولمّا حرّم ما يضرّ الجسم ويؤذي النفس، حرّم ما يرين على القلب، فقال وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي: ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له. وأصل (الإهلال) رفع الصوت أي: رفع به الصوت للصنم ونحوه، وذلك كقول أهل الجاهلية: باسم اللات والعزّى. وذكر القرطبيّ عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري أنّه سئل عن امرأة عملت عرسا للعبها، فنحرت فيه جزورا، فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم. وذكر أيضا عن عائشة رضي الله عنها: أنها سئلت عمّا يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم. والقصد سدّ ما كان مظنّة للشرك. قال النوويّ في (شرح مسلم) : فإن قصد الذابح- مع ذلك- تعظيم المذبوح له، وكان غير الله تعالى- والعبادة له، كان ذلك كفرا. فإن كان الذابح مسلما. قبل ذلك، صار بالذبح مرتدّا. ذكره في الكلام على حديث «1» عليّ رضي الله عنه: لعن الله من ذبح لغير الله. قال الحراليّ: وذكر الإهلال إعلام بأنّ ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشدّ المحرم، ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر. وروى البخاريّ «2» عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن قوما قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم: إن قوما يأتوننا
فصل فيما لتحريم هذه المذكورات من الحكم والأسرار الباهرات
باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوه. قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر. فكأنّ المحرّم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه بل الذي علم أنّ اسم الله قد أعلن به عليه. وروي عن عليّ رضي الله عنه قال: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلّون لغير الله فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم فكلوا، فإن الله قد أحلّ ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. فصل فيما لتحريم هذه المذكورات من الحكم والأسرار الباهرات فأما الميتة: فقال الحراليّ: هي ما أدركه الموت من الحيوان- عن ذبول القوّة وفناء الحياة- وهي أشد مفسد للجسم، لفساد تركيبها بالموت، وذهاب تلزز أجزائها، وعفنها، وذهاب روح الحياة والطهارة منها. وقال المهايميّ في تفسيره: ثم أشار تعالى إلى أنه إنما يقطع محبته أكل ما حرّم وهو الميتة وما ذكر معها. فأما الميتة فلأنها خبثت بنزع الروح منها بلا مطهّر من الذبح باسم الله- تحقيقا أو تقديرا- فتتعلّق أرواحكم بالخبيث فتخبث، فينقطع عنها محبة الله. وإنما أبيح ميتة السمك لأنّ أصله الماء المطهر، فكما لا يؤثر فيه النجاسة، لا يؤثر نزع الروح فيما حصل منه والجراد لأنّه حصل من غير تولد ولا خبث في ذاته كسائر الحشرات. وأمّا خبث الدّم فلأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام، ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء فهو ميتة. وقال الإمام ابن تيمية: حرّم الدم المسفوح لأنه مجمع قوى النفس الشهوية الغضبية، وزيادته توجب طغيان هذه القوى، وهو مجرى الشيطان من البدن، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» «1» . وأمّا خبث لحم الخنزير: فلأذاه للنفس- كما حرّم ما قبله لمضرّتها في الجسم
- لأن من حكمة الله في خلقه: أنّ من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسانيته بنفسانية ذلك الشيء «1» : الكبر والخيلاء في الفدّادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم. فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة، حرّم على من حوفظ على نفسه من ذميم الأخلاق. نقله البقاعيّ. وقد كشف لأطباء هذا العصر من مضار لحم الخنزير- المبنية على التجارب الحسّية- غير ما قالوه القدماء. فمن مضارّه: أنه يورث الدودة الوحيدة المتسبب من وجودها في الأمعاء أعراض كثيرة: كالمغص، والإسهال، والقيء، وفقد شهوة الطعام أو النهم الشديد وآلام الرأس، والإغماء، والدوار، واضطراب الفكر، وعروض نوبات صرعية، وتشنجات عصبية، وإصابة مرض دودة الشعر الحلزونية الذي يفوق الحمّى، ويودي بحياة المصاب ... إلى غير ذلك من التعب وعسر الهضم، ومضار سواها. قال حكيم: فالإسلام لم يأت لإصلاح الروح فقط، بل لإصلاح الروح والجسم معا..! فلم يترك ضارّا لأحدهما إلا ونبّه عليه تصريحا أو تلويحا ... وقد بسط الحكماء المتأخرون الكلام على مضرات لحم الخنزير في مقالات عديدة. وأما خبث المهلّ به لغير الله: فلأنه يرين على القلب، لأنه تقرب به لغير موجده وخالقه تقرّب عبادة، وذلك من صريح الإشراك والاعتماد على غيره تعالى فكان خبثه معنويا لتأثيره على النفوس والأخلاق كتأثير المضر بالجسم والبدن والشرع جاء للحفظ عما يضرّ مطلقا، ولصيانة مقام التوحيد. ولما كان هذا الدين يسرا لا عسر فيه ولا حرج، رفع حكم هذا التحريم عن المضطر. فقال فَمَنِ اضْطُرَّ أي ألجأه ملجئ بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء مما حرم بأن أشرف على التلف، فأكل من شيء منه حال كونه غَيْرَ باغٍ أي غير طالب له راغب فيه لذاته. من (بغى الشيء وابتغاه: طلبه وحرص عليه) وَلا عادٍ أي: مجاوز لسدّ الرمق وإزالة الضرورة فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وإن بقيت حرمته، لأنه إذا تناوله حال الاضطرار لا يؤثّر فيه الخبث لأنّه كاره بالطبع.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 174]
وقال الراغب: واختلف إذا اضطر إلى ذلك في دواء لا يسدّ غيره مسدّه. والصحيح أنه يجوز له تناوله للعلّة المذكورة، يعني: إبقاء روحه بجهة ما رآه أقرب إلى إبقائه، وهي التي أجيز تناوله ما ذكر له للجوع. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكله حال الضرورة رَحِيمٌ حيث رخّص لعباده في ذلك إبقاء عليهم. ثم أعاد تعالى وعيد كاتمي أحكامه- إثر ما ذكره من الأحكام- تحذيرا لهذه الأمة أن يسلكوا سبيل من عنوا به، وهم أهل الكتاب، فقال سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 174] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (174) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ أي: من حدوده وأحكامه وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الأولى بالبيّنات والهدى وَيَشْتَرُونَ بِهِ أي: يأخذون بدله ثَمَناً قَلِيلًا أي مما يتمتعون به من لذات العاجلة. وقلّله لحقارته في نفسه. ففيه إشعار بدناءة نفوسهم حيث رضيت بالقليل، أو بالنسبة لما فوّتوه على أنفسهم من نعيم الآخرة الذي لا يحاط بوصفه أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ أي ما يستتبع النار ويستلزمها، فكأنه عين النار، وأكله أكلها، وفِي بُطُونِهِمْ متعلق ب يَأْكُلُونَ وفائدته: تأكيد الأكل وتقريره ببيان مقرّ المأكول. قال الراغب: أكل النار: تناول ما يؤدي إليها. وذكر الأكل لكونه المقصود الأول بتحصيل المال. وذكر فِي بُطُونِهِمْ تنبيها على شرههم وتقبيحا لتضييع أعظم النعم لأجل الطعم الذي هو أحسّ متناول من الدنيا..! وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ قال الراغب: لم يعن نفي الكلام رأسا، فقد قال: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف: 6] ، وقال: وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ [الكهف: 52] . وإنما أراد كلاما يقتضي جدوى ولهذا قال الحسن: معناه يغضب عليهم تنبيها أنهم بخلاف من قال فيهم تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ. وقيل: حقيقة (كلّمته) حملته على الكلام، نحو حركته، لأنّ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 175]
من كلّمته فقد استدعيت كلامه فكأنه قيل: لا يستدعي كلامهم نحو قوله لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: 36] . وَلا يُزَكِّيهِمْ أي: يطهرهم من دنس الذنوب لغضبه عليهم لأنهم كتموا، وقد علموا، فاستحقّوا الغضب وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي: مؤلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 175] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أي: استبدلوا إضلال أنفسهم وغيرهم- من الكتمان والتحريف- بالاهتداء وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ أي: أسبابه بأسبابها. ولما جعل سبحانه أول مأكلهم نارا، وآخر أمرهم عذابا، وترجمة حالهم عدم المغفرة، فكان بذلك أيضا أوسط حالهم نارا- سبب عنه التعجيب من أمرهم: بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر، لالتباسهم بالنار حقيقة أو بموجباتها من غير مبالاة، فقال فَما أَصْبَرَهُمْ- أي: ما أشد حبسهم أنفسهم، أو ما أجرأهم- عَلَى النَّارِ التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في الأخرى- نقله البقاعيّ-. ثم قال: وإذا جعلته مجازا، كان مثل قولك لمن عاند السلطان: ما أصبرك على السجن الطويل والقيد الثقيل؟ تهديدا له. تريد أنّه لا يتعرض لذلك إلّا من هو شديد الصبر على العذاب. وقد روي عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضي اليمن بمكة: اختصم إليّ رجلان من العرب، فحلف أحدهما على حقّ صاحبه فقال له: ما أصبرك على الله! أي ما أصبرك على عذاب الله. نقله الزمخشريّ. قال الراغب: وقد يوصف بالصبر من لا صبر له اعتبارا بالناظر إليه، وتصوّر أنّه صابر، واستعمال لفظ التعجّب في ذلك اعتبارا بالخلق لا بالخالق. ثم ذكر تعالى السبب الموجب لهذا الإبعاد العظيم بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 176]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 176] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (176) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ إنما استحقوا هذا العذاب الشديد، لأنّ الله تعالى أنزل الكتاب الجامع لأنواع الهدى. وهو صالح لإرادة القرآن والتوراة. بالحقّ، أي متلبّسا به. فلا جرم يكون- من يختلف فيه ويرفضه بالتحريف والكتمان- مبتلى بمثل هذا من أفانين العذاب، لأنّه حاول نفي ما أثبت الله، فقد ضادّ الله في شرعه، عياذا به سبحانه. وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ أي: في جنس الكتاب الإلهيّ. بأن آمنوا ببعض كتب الله تعالى وكفروا ببعضها أو في التوراة. بأن آمنوا ببعض آياتها وكفروا ببعض. أو الاختلاف في تأويلها. فاجترأوا لأجله على تحريفها. أو في القرآن. بأن قال بعضهم: إنّه سحر، وبعضهم: إنه شعر، وبعضهم: أساطير الأولين. قال الراغب: وأصل الاختلاف: التخلف عن المنهج. وقيل اختلفوا: أتوا بخلاف ما أنزل الله. وقيل: اختلفوا: بمعنى خلفوا- نحو اكتسبوا، وكسبوا، وعملوا واعتملوا- أي: صاروا خلفاء فيه، نحو فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ [الأعراف: 69] و [مريم: 69] . لَفِي شِقاقٍ أي: خلاف ومنازعة بَعِيدٍ عن الحقّ والصواب، مستوجب لأشدّ العذاب. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 177] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ الْبِرَّ: اسم جامع للطاعات وأعمال الخير المقرّبة إلى الله تعالى، ومن هذا: برّ الوالدين، قال تعالى إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: 13- 14] فجعل البرّ ضدّ الفجور وقال وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [المائدة: 2] . فجعل البرّ ضدّ الإثم، فدلّ على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان. أي: ليس الصلاح والطاعة والفعل المرضيّ في تزكية النفس- الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ- هو أمر القبلة، ولكن البرّ- الذي يجب الاهتمام به- هو هذه الخصال التي عدّها جلّ شأنه. ولا يبعد أن يكون بعض المؤمنين- عند نسخ القبلة وتحويلها- حصل منهم الاغتباط بهذه القبلة، وحصل منهم التشدّد في شأنها حتى ظنوا أنّه الغرض الأكبر في الدين. فبعثهم تعالى بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات والطاعات. أشار لهذا الرازيّ. وقال الراغب: الخطاب في هذه الآية للكفّار والمنافقين الذين أنكروا تغيير القبلة. وقيل: بل لهم وللمؤمنين حيث قد يرون أنهم نالوا البرّ كلّه بالتوجّه إليها. وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ أي: إيمان من آمن بالله- الذي دعت إليه آية الوحدانية- فأثبت له صفات الكمال، ونزهه عن سمات النقصان. وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الذي كذب به المشركون، فاختلّ نظامهم ببغي بعضهم على بعض وَالْمَلائِكَةِ أي: وآمن بهم وبأنهم عباد مكرمون متوسطون بينه تعالى وبين رسله بإلقاء الوحي وإنزال الكتب وَالْكِتابِ أي: بحبس الكتاب. فيشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء التي من أفرادها: أشرفها وهو القرآن- المهيمن على ما قبله من الكتب- الذي انتهى إليه كلّ خير واشتمل على كلّ سعادة في الدنيا والآخرة. وَالنَّبِيِّينَ جميعا من غير تفرقة بين أحد منهم، كما فعل أهل الكتابين. قال الحراليّ ففيه- أي الإيمان بهم وبما قبلهم- قهر النفس للإذعان لمن هو من جنسها، والإيمان بغيب من ليس من جنسها، ليكون في ذلك ما يزع النفس عن هواها. وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ أي: أخرجه وهو محبّ له راغب فيه، نصّ على ذلك: ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرهما من السلف والخلف، كما ثبت في
الصحيحين من حديث أبي هريرة «1» مرفوعا: أفضل الصدقة أن تصدّق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر . وقوله ذَوِي الْقُرْبى هم قرابات الرجل، وهم أولى من أعطى من الصدقة. وقد روى الإمام أحمد، والترمذيّ، والنسائي وغيرهم عن سليمان بن عامر قال: قال «2» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الصدقة على المسكين صدقة. وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة. وفي الصحيحين من حديث زينب، امرأة عبد الله بن مسعود «3» ، أنها وامرأة أخرى سألتا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما..؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة. وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى القرابة في غير موضع من كتابه العزيز. وَالْيَتامى وهم الذين لا كاسب لهم وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ. وَالْمَساكِينَ وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما يسدّ به حاجتهم وخلتهم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة «4» أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي تردّه التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان. ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه. وَابْنَ السَّبِيلِ وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته. فيعطى ما يوصله إلى بلده لعجزه بالغربة. وكذا الذي يريد سفرا في طاعة فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه. ويدخل في ذلك الضيف، كما قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو جعفر الباقر، والحسن وقتادة، والضحّاك، والزهريّ، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيّان. و (السبيل) اسم الطريق،
لطيفة:
وجعل المسافر ابنا لها لملازمته إياها- كما يقال لطير الماء: ابن الماء، ويقال للرجل الذي أتت عليه السنون: ابن الأيام، وللشجعان: بنو الحرب، وللناس: بنو الزمان. وَالسَّائِلِينَ وهم الذين يتعرضون للطلب، فيعطون من الزكوات والصدقات. كما روى الإمام أحمد عن حسين بن عليّ عليهما السلام قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «1» : للسائل حق وإن جاء على فرس. ورواه أبو داود. وَفِي الرِّقابِ معطوف على المفعول الأول- وهو ذوي- أي: وآتى المال في الرقاب، أي دفعه في فكّها، أي: لأجله وبسببه. قال الراغب: الرقاب جمع رقبة. وأصل الرقبة: العنق. ويعبّر بها عن الجملة، كما يعبّر عنها بالرأس. وقال الحراليّ: الرقاب جمع رقبة وهو ما ناله الرقّ من بني آدم. فالمراد: الرقاب المسترقّة التي يرام فكّها بالكتابة- وفكّ الأسرى منه- وقدّم عليهم أولئك لأنّ حاجتهم لإقامة البنية. قيل نكتة إيراد (في) هو أنّ ما يعطى لهم: مصروف في تخليص رقابهم، فلا يملكونه كالمصارف الأخرى. والله أعلم. لطيفة: قال الراغب: إن قيل كيف اعتبر الترتيب المذكور في قوله تعالى وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ... الآية؟ قيل: لما كان أولى من يتفقدّه الإنسان بمعروفه أقاربه، كان تقديمها أولى ثمّ عقبه باليتامى لأن مواساتهم بعد الأقارب أولى. ثمّ ذكر المساكين الذين لا مال لهم حاضرا ولا غائبا. ثمّ ذكر ابن السبيل الذي قد يكون له مال غائب. ثم ذكر السائلين الذين منهم صادق وكاذب، ثم ذكر الرقاب الذين لهم أرباب يعولونهم. فكلّ واحد ممن أخّر ذكره أقل فقرا ممن قدّم ذكره ... ! وَأَقامَ الصَّلاةَ أي: أتمّ أفعالها في أوقاتها- بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها- على الوجه الشرعي المرضيّ. وَآتَى الزَّكاةَ أي: زكاة المال المفروضة على أن المراد بما مرّ من إيتاء المال، التنفل بالصدقات والبرّ والصلة. قدّم على الفريضة مبالغة في الحث عليه، أو المراد بهما المفروضة، والأول لبيان
المصارف، والثاني لبيان وجوب الأداء. وقد أبعد من حمل الزكاة- هنا- على زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة، كقوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وقوله هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى، ووجه العبد: أن الزكاة المقرونة بالصلاة في التنزيل لا يراد بها إلا زكاة المال، وأما مع الانفراد فعلى حسب المقام وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا عطف على من آمن، فإنه في قوة أن يقال: ومن أوفوا بعهدهم. وإيثار صيغة الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاء. قال الرازيّ: اعلم أن هذا العهد إمّا أن يكون بين العبد وبين الله، أو بينه وبين رسول الله أو بينه وبين سائر الناس. فالأول: ما يلزمه بالنذور والأيمان. والثاني: فهو ما عاهد الرسول عليه عند البيعة: من القيام بالنصرة، والمظاهرة وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه. والثالث: قد يكون من الواجبات: مثل ما يلزمه في عقود المعاوضات من التسليم والتسلم. وكذا الشرائط التي يلتزمها في السلم والرهن. وقد يكون من المندوبات: مثل الوفاء بالمواعيد في بذل المال والإخلاص في المناصرة. فالآية تتناول كلّ هذه الأقسام. قال ابن كثير: وعكس هذه الصفة النفاق. كما صحّ في الحديث «1» : آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. وفي رواية: إذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر. وَالصَّابِرِينَ نصب على الاختصاص. غيّر سبكه عما قبله تنبيها على فضيلة الصبر ومزيّته. وهو في الحقيقة معطوف على ما قبله. قال أبو عليّ: إذا ذكرت صفات للمدح أو للذم فخولف في بعضها الإعراب، فقد خولف للافتنان. ويسمى ذلك قطعا. لأن تغيير المألوف يدلّ على زيادة ترغيب في استماع المذكور، ومزيد اهتمام بشأنه! وقد قرئ (والصابرون) كما قرئ (والموفين) . قال الراغب: لما كان الصبر: من وجه مبدأ للفضائل، ومن وجه جامعا للفضائل، إذ لا فضيلة إلّا وللصبر فيها أثر بليغ، غيّر إعرابه تنبيها على هذا المقصد..!
فِي الْبَأْساءِ أي: الشدّة، أي عند حلولها بهم وَالضَّرَّاءِ بمعنى البأساء وهي الشدة أيضا، كما فسرهما بها في القاموس. وقال ابن الأثير: الضرّاء: الحالة التي تضرّ وهي نقيض السرّاء، وهما بناءان للمؤنث ولا مذكّر لهما وَحِينَ الْبَأْسِ أي: وقت مجاهدة العدوّ في مواطن الحرب، وزيادة (الحين) للإشعار بوقوعه أحيانا، وسرعة انقضائه، ومعنى (البأس) في اللغة: الشدّة، يقال: لا بأس عليك في هذا، أي: لا شدّة. وعذاب بئيس شديد. وسميت الحرب بأسا لما فيها من الشدّة. والعذاب يسمى بأسا لشدته. قال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غافر: 84] . فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا [الأنبياء: 12] . فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ [غافر: 29] . وقال ابن سيده: البأس الحرب، ثمّ كثر حتى قيل: لا بأس عليك، أي: لا خوف. وقال الراغب: استوعبت هذه الجملة أنواع الضرّ. لأنّه إمّا يحتاج إلى الصبر في شيء يعوز الإنسان، أو يريده فلا يناله، وهو البأساء. أو فيما نال جسمه من ألم، وهو الضرّاء. أو في مدافعة مؤذيه وهو اليأس. أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبيّ بالأقوال والأفعال، فلم تغيرهم الأحوال، ولم تزلزلهم الأهوال. وفيه إشعار بأنّ من لم يفعل أفعالهم لم يصدق في دعواه الإيمان..! وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ عن الكفر وسائر الرذائل. وتكرير الإشارة لزيادة تنويه بشأنهم. وتوسيط الضمير للإشارة إلى انحصار التقوى فيهم. قال الواحديّ: هذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية للجمع. فمن شرائط البرّ، وتمام شرط البارّ، أن تجتمع فيه هذه الأوصاف. ومن قام به واحد منها لم يستحق الوصف بالبر.
فهرس الجزء الأول
فهرس الجزء الأول مقدمة 3 تمهيد خطير في قواعد التفسير 7 1- قاعدة في أمهات مآخذه 7 2- قاعدة في معرفة صحيح التفسير، وأصح التفسير عند الاختلاف 12 فصل 12 3- قاعدة في أن غالب ما صح عن السلف من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوّع، لا اختلاف تضادّ 14 فصل 16 4- قاعدة في معرفة سبب النزول 18 5- قاعدة في الناسخ والمنسوخ 25 6- قاعدة في القراءة الشاذة، والمدرج 29 7- قاعدة في قصص الأنبياء والاستشهاد بالإسرائيليات 30 فصل 39 في معنى ما نقل أن للقرآن ظاهرا وباطنا 39 فصل 42 كل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها 42 8- قاعدة في أن كل معنى مستنبط من القرآن 45 فصل 48
كون الباطن هو المراد من الخطاب 48 فصل 50 وقوع تفاسير مشكلة في القرآن 50 فصل 51 ما نقل عن سهل في قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً 51 فصل 52 المنقول عن سهل أيضا في قوله تعالى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ 52 المسألة العاشرة 55 فصل 56 للسنّة مدخل في هذا النمط 56 9- قاعدة في أن للشريعة أمية 56 فصل 58 العلوم التي كان العرب يعتنون بها 58 المسألة الرابعة 62 فصل 63 لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين 63 فصل 65 أنه إنما يصح في مسلك الأفهام والفهم 65 فصل 66 وأن يكون الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم 66 فصل 68
بيان الصحابة حجة إذا أجمعوا 68 فصل 70 في أن كل حكاية في القرآن لم يقع لها رد فهي صحيحة 70 قصص القرآن لا يراد بها سرد تاريخ الأمم أو الأشخاص 74 10- قاعدة الترغيب والترهيب في التنزيل الكريم 75 فصل 80 في أن الأحكام في التنزيل أكثرها كلية 80 فصل 82 القرآن فيه بيان كل شيء 82 فصل 86 في أقسام العلوم المضافة إلى القرآن 86 فصل 91 في أن المدنيّ من السور منزل في الفهم على المكيّ 91 فصل 91 مدخل السنّة في تبيين الكتاب 91 فصل 92 في الاعتدال في التفسير 92 فصل 94 الضابط المعوّل عليه في مأخذ الفهم 94 فصل 99 فيما جاء من إعمال الرأي في القرآن الكريم 99
فصل 102 في أن الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول 102 فصل 105 رتبة السنّة التأخر عن الكتاب 105 السنّة تفصّل ما أجمله الكتاب 117 11- قاعدة في أنه: هل في القرآن مجاز أم لا؟ 135 فصل 155 هل في اللغة أسماء شرعية، نقلها الشارع عن مسماها في اللغة؟ 155 ذكر مجمل مقاصد التنزيل الكريم وضروب التفسير 158 مطلب في سر التكرير 159 إن للتفسير أحكاما وضروبا 162 سر تكرير قصة موسى مع فرعون 164 ما اقتضته الحكمة الربانية في التنزيل الكريم 165 ذكر بديع أسلوب القرآن الكريم 169 الفصل الأول 169 الفصل الثاني 171 الرخصة بقراءة القرآن على سبعة أحرف في العهد النبويّ 178 معنى السبع في حديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» 180 معنى الأحرف في الحديث 181 الرد على من توهم أن بعض الصحابة يجوز التلاوة بالمعنى 182 اقتصار عثمان رضي الله عنه، في جمعه، على الحرف المتواتر 182
اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه، ليس من السبعة أحرف 184 سبب الاقتصار على قراءات الأئمة المشهورين 185 ورود القراءات عن أئمة الأمصار على موافقة مصاحفهم العثمانية 186 موافقة القراءات لرسم المصحف العثمانيّ تحقيقا أو تقديرا 187 ما لا يعدّ مخالفا لصريح الرسم من القراءات الثابتة 187 مدار القراءات على صحة النقل، لا على الأقيس، عربية 188 ذكر من ذهب إلى أن مرجع القراءات ليس هو السماع بل الاجتهاد 188 بحث أسانيد الأئمة السبعة هل هي متواترة أم آحاد 189 رأى الإمام أبي شامة في تواتر ما أجمع عليه، من غير نكير 190 رأى ابن الحاجب وغيره في تواتر ما ليس من قبل الأداء 191 بحث القراءات الشاذة 191 بيان أن كل قراءة صحت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وجب قبولها والإيمان بها 194 افتراق اختلاف القراء من اختلاف الفقهاء 195 معنى إضافة القراءة إلى من قرأ بها 195 ثمرة اختلاف القراءات وتنوعها 195 إجمال المباحث المتقدمة في تواتر القراءات وعدمها 196 فصل 202 في ذكر ملخص وجوه التفسير ومراتبه (للإمام الشيخ محمد عبده) 202 فصل 210 في بيان دقائق المسائل العلمية الفلكية الواردة في القرآن الكريم 210 بيان أن الصواب في آيات الصفات هو مذهب السلف 213 ذكر انطواء القرآن على البراهين والأدلة 221 شرف عمل التفسير 222
سورة الفاتحة فاتحة الكتاب الآية 1 224 فاتحة الكتاب الآية 2 226 فاتحة الكتاب الآية 3 227 فاتحة الكتاب الآية 4 227 فاتحة الكتاب الآية 5 228 فاتحة الكتاب الآية 6 230 فاتحة الكتاب الآية 7 235 سورة البقرة البقرة الآية 1 242 البقرة الآية 2 242 البقرة الآية 3 244 البقرة الآية 4 245 البقرة الآية 5 246 البقرة الآية 6 246 البقرة الآية 7 246 البقرة الآية 8 248 البقرة الآية 9 248 البقرة الآية 10 250 البقرة الآية 11 251 البقرة الآية 12 251 البقرة الآية 13 252 البقرة الآية 14 253 البقرة الآية 15 253 البقرة الآية 16 254 البقرة الآية 17 256 البقرة الآية 18 258 البقرة الآية 19 258 البقرة الآية 20 259 البقرة الآية 21 264 البقرة الآية 22 266 البقرة الآية 23 267 البقرة الآية 24 269 البقرة الآية 25 275 البقرة الآية 26 278 البقرة الآية 27 280 البقرة الآية 28 280 البقرة الآية 29 281 البقرة الآية 30 284 البقرة الآية 31 287
البقرة الآية 32 288 البقرة الآية 33 288 البقرة الآية 34 289 البقرة الآية 35 292 البقرة الآية 36 294 البقرة الآية 37 295 البقرة الآية 38 295 البقرة الآية 39 295 البقرة الآية 40 297 البقرة الآية 41 298 البقرة الآية 42 299 البقرة الآية 43 299 البقرة الآية 44 300 البقرة الآية 45 301 البقرة الآية 46 301 البقرة الآية 47 301 البقرة الآية 48 302 البقرة الآية 49 303 البقرة الآية 50 304 البقرة الآية 51 305 البقرة الآية 52 305 البقرة الآية 53 305 البقرة الآية 54 306 البقرة الآية 55 307 البقرة الآية 56 307 البقرة الآية 57 309 البقرة الآية 58 311 البقرة الآية 59 311 البقرة الآية 60 312 البقرة الآية 61 313 البقرة الآية 62 216 البقرة الآية 63 321 البقرة الآية 64 322 البقرة الآية 65 323 البقرة الآية 66 323 البقرة الآية 67 324 البقرة الآية 68 325 البقرة الآية 69 326 البقرة الآية 70 326 البقرة الآية 71 326 البقرة الآية 72 327 البقرة الآية 73 328 البقرة الآية 74 329 البقرة الآية 75 333
البقرة الآية 76 336 البقرة الآية 77 337 البقرة الآية 78 337 البقرة الآية 79 339 البقرة الآية 80 340 البقرة الآية 81 341 البقرة الآية 82 341 البقرة الآية 83 342 البقرة الآية 84 344 البقرة الآية 85 345 البقرة الآية 86 346 البقرة الآية 87 347 البقرة الآية 88 348 البقرة الآية 89 348 البقرة الآية 90 349 البقرة الآية 91 351 البقرة الآية 92 352 البقرة الآية 93 352 البقرة الآية 94 353 البقرة الآية 95 354 البقرة الآية 96 355 البقرة الآية 97 2356 البقرة الآية 98 356 البقرة الآية 99 361 البقرة الآية 100 361 البقرة الآية 101 362 البقرة الآية 102 363 البقرة الآية 103 369 البقرة الآية 104 369 البقرة الآية 105 370 البقرة الآية 106 370 البقرة الآية 107 371 البقرة الآية 108 373 البقرة الآية 109 374 البقرة الآية 110 375 البقرة الآية 111 375 البقرة الآية 112 376 البقرة الآية 113 376 البقرة الآية 114 378 البقرة الآية 115 380 البقرة الآية 116 380 البقرة الآية 117 382 البقرة الآية 118 386 البقرة الآية 119 386
البقرة الآية 120 387 البقرة الآية 121 387 البقرة الآية 122 388 البقرة الآية 123 388 البقرة الآية 124 389 البقرة الآية 125 391 البقرة الآية 126 395 البقرة الآية 127 397 البقرة الآية 128 398 البقرة الآية 129 398 البقرة الآية 130 400 البقرة الآية 131 402 البقرة الآية 132 402 البقرة الآية 133 404 البقرة الآية 134 406 البقرة الآية 135 406 البقرة الآية 136 407 البقرة الآية 137 408 البقرة الآية 138 409 البقرة الآية 139 410 البقرة الآية 140 410 البقرة الآية 141 411 البقرة الآية 142 412 البقرة الآية 143 414 البقرة الآية 144 425 البقرة الآية 145 426 البقرة الآية 146 428 البقرة الآية 147 429 البقرة الآية 148 429 البقرة الآية 149 430 البقرة الآية 150 430 البقرة الآية 151 431 البقرة الآية 152 432 البقرة الآية 153 436 البقرة الآية 154 438 البقرة الآية 155 441 البقرة الآية 156 441 البقرة الآية 157 442 البقرة الآية 158 449 البقرة الآية 159 455 البقرة الآية 160 456 البقرة الآية 161 456 البقرة الآية 162 456 البقرة الآية 163 457
البقرة الآية 164 458 البقرة الآية 165 461 البقرة الآية 166 464 البقرة الآية 167 464 البقرة الآية 168 466 البقرة الآية 169 467 البقرة الآية 170 469 البقرة الآية 171 471 البقرة الآية 172 473 البقرة الآية 173 474 البقرة الآية 174 478 البقرة الآية 175 479 البقرة الآية 176 480 البقرة الآية 177 80
المجلد الثاني
[المجلد الثاني] [تتمة سورة البقرة] بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 178] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (178) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى هذا شروع في بيان الحدود والحقوق التي لآدميّ معيّن، وهي النفوس. وكُتِبَ بمعنى فرض وأوجب. قال الراغب: الكتابة يعبر بها عن الإيجاب. وأصل ذلك أنّ الشيء يراد ثم يقال ثم يكتب. فيعبر عن المراد الذي هو المبدأ، بالكتابة التي هي المنتهى. الْحُرُّ يقتل بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ من القاتلين مِنْ أَخِيهِ أي دم أخيه المقتول شَيْءٌ بأن ترك وليّه القود منه، ونزل عن طلب الدم إلى الدية. وفي ذكر الأخوة: تعطف داع إلى العفو، وإيذان بأنّ القتل لا يقطع أخوة الإيمان فَاتِّباعٌ أي: فعلى العافي اتباع للقاتل بِالْمَعْرُوفِ بأن يطالبه بالدية بلا عنف وَعلى القاتل أَداءٌ للدّية إِلَيْهِ أي: العافي وهو الوارث بِإِحْسانٍ بلا مطل ولا بخس ذلِكَ أي: ما ذكر من الحكم وهو جواز القصاص والعفو عنه على الدية تَخْفِيفٌ تسهيل مِنْ رَبِّكُمْ عليكم وَرَحْمَةٌ بكم حيث وسّع في ذلك ولم يحتم واحدا منهما فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ بأن قتل غير القاتل بعد ورود هذا الحكم أو قتل القاتل بعد العفو أو أخذ الدية فَلَهُ باعتدائه عَذابٌ أَلِيمٌ أمّا في الدنيا فبالاقتصاص بما قتله بغير حقّ، وأمّا في الآخرة فبالنار. تنبيهات: الأول: قال الراغب: إن قيل: على من يتوجه هذا الوجوب في قوله تعالى: كتب عليكم؟ أجيب: على الناس كافة. فمنهم من يلزمه استقادته- وهو الإمام- إذا طلبه الوليّ. ومنهم من يلزمه تسليم النفس وهو القاتل. ومنهم من يلزمه المعاونة
والرضا به. ومنهم من يلزمه أن لا يتعدى بل يقتص أو يأخذ الدية. والقصد بالآية: منع التعدّي الجاهليّ. الثاني: القصاص مصدر قاصّه، المزيد. وأصل القصّ: قطع الشيء على سبيل الاجتذاذ، ومنه: قصّ شعره وقصّ الحديث: اقتطع كلاما حادثا جدا وغيره، والقصة اسم منه. وحقيقة القصاص: أن يفعل بالقاتل والجارح مثل ما فعلا. أفاده الراغب. الثالث: ذكر تقيّ الدين ابن تيمية في (السياسة الشرعية) جملة من أحكام القتل نأثرها عنه. قال رحمه الله: القتل ثلاثة أنواع: أحدها العمد المحض: وهو أن يقصد من يعلمه معصوما بما يقتل غالبا. سواء كان يقتل بحدّه كالسيف ونحوه. أو بثقله، كالسندان وكودس القصار. أو بغير ذلك: كالتحريق، والتغريق، وإلقاء من مكان شاهق، والخنق، وإمساك الخصيتين حتى يخرج الروح، وغم الوجه حتى يموت، وسقي السموم ... ونحو ذلك من الأفعال. فهذا إذا فعله وجب فيه القود. وهو أن يمكن أولياء المقتول من القاتل. فإن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية وليس لهم أن يقتلوا غير قاتله. قال الله تعالى: ... وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً [الإسراء: 33] . وقيل في التفسير: لا يقتل غير قاتله. وعن أبي شريح الخزاعيّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «1» : من أصيب بدم أو خبل- والخبل الجرح- فهو بالخيار بين إحدى ثلاث. فإن أراد الرابعة، فخذوا على يديه: أن يقتل، أو يعفو، أو يأخذ الدية. فمن فعل شيئا من ذلك فعاد، فإن له نار جهنم خالدا مخلّدا فيها أبدا. فمن قتل بعد العفو وأخذ الدية فهو أعظم جرما ممّن قتل ابتداء. حتى قال بعض العلماء: إنه يجب قتله حدّا ولا يكون أمره إلى أولياء المقتول. فإنّ الله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى: الْحُرُّ بِالْحُرِّ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى، فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ: فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ، ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. قال العلماء: إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ، حتى يؤثروا أن يقتلوا
القاتل وأولياءه. وربما لم يرضوا بقتل القاتل، بل يقتلون كثيرا من أصحاب القاتل. - كسيّد القبيلة ومقدّم الطائفة-. فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء، ويعتدي هؤلاء في الاستيفاء. كما كان يفعله أهل الجاهلية، وكما يفعله أهل الجاهلية الخارجون عن الشريعة في هذه الأوقات من الأعراب والحاضرة وغيرهم. وقد يستعظمون قتل القاتل لكونه عظيما، أشرف من المقتول. فيفضي ذلك إلى أنّ أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل. وربما حالف هؤلاء قوما واستعانوا بهم. وهؤلاء، قوما. فيفضي إلى الفتن والعداوة العظيمة. وسبب ذلك: خروجهم عن سنن العدل الذي هو القصاص في القتلى. فكتب الله علينا (القصاص) وهو المساواة والمعادلة في القتل. وأخبر أنّ فيه (حياة) فإنه يحقن دم غير القاتل من أولياء الرجلين. وأيضا إذا علم من يريد القتل: أنه يقتل، كفّ عن القتل ... ! وقد روي عن عليّ بن أبي طالب «1» وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم. ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده..! رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن. فقضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن المسلمين تتكافأ دماؤهم- أي تتساوى أو تتعادل- فلا يفضل عربي على عجميّ ولا قرشيّ أو هاشميّ على غيره من المسلمين. ولا حرّ أصليّ على مولى عتيق. ولا عالم أو أمير على أميّ أو مأمور. وهذا متفق عليه بين المسلمين. بخلاف ما عليه أهل الجاهلية وحكام اليهود. فإنه كان يقرب مدينة النبي صلّى الله عليه وسلّم صنفان من اليهود: قريظة والنضير. وكانت النضير تفضل على قريظة في الدماء. فتحاكموا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ذلك وفي حدّ الزاني. فإنهم كانوا قد غيّروه من الرجم إلى التحميم «2» ، وقالوا: إن حكم بينكم بذلك كان لكم حجّة
وإلّا أنتم فقد تركتم حكم التوراة. فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ... - إلى قوله- ... وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ... [المائدة: 41- 42] . - إلى قوله- ... فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة: 44- 45] ... فبين سبحانه أنّه سوى بين نفوسهم، ولم يفضل منهم نفسا على أخرى، كما كانوا يفعلونه إلى قوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ، لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ... - إلى قوله- أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 48- 50] . فحكم الله سبحانه وتعالى في دماء المسلمين أنها كلها سواء. خلاف ما عليه أهل الجاهلية. وأكثر سبب الأهواء الواقعة بين الناس- في البوادي والحواضر- إنما هي البغي وترك العدل. فإن إحدى الطائفتين قد يصيب بعضها دما من الأخرى. أو مالا. أو يعلو عليها بالباطل، فلا ينصفها. ولا تقتصر الأخرى على استيفاء الحق! فالواجب في كتاب الله الحكم بين الناس في الدماء، والأموال، وغيرها ... بالقسط الذي أمر الله به، ومحو ما كان عليه كثير من الناس من حكم الجاهلية..! وإذا أصلح مصلح بينهم فليصلح بالعدل، كما قال تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى، فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ، وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ
الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: 9- 10] . وينبغي أن يطلب العفو من أولياء المقتول، فإنه أفضل لهم كما قال تعالى: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ، فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة: 45] . قال أنس «1» : ما رأيت نبي الله صلّى الله عليه وسلّم رفع إليه شيء فيه قصاص إلّا أمر فيه بالعفو..! رواه أبو داود وغيره. وروى مسلم في صحيحه «2» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلّا رفعه الله. وهذا الذي ذكرناه من التكافؤ، هو في المسلم الحرّ مع المسلم الحرّ، فأما الذّميّ، فجمهور العلماء على أنه ليس بكفء للمسلم. كما أنّ المستأمن الذي يقدم من بلاد الكفار- رسولا أو تاجرا أو نحو ذلك- ليس بكفء له، وفاقا. ومنهم من يقول: بل هو كفء له. وكذلك النزاع في قتل الحرّ بالعبد. النوع الثاني: الخطأ الذي يشبه العمد: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «3» : ألا إنّ قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا شبه العمد فيه مائة من الإبل مغلّظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها. سمّاه شبه العمد لأنه قصد العدوان عليه بالخيانة، لكنّه بفعل لا يقتل غالبا، فقد تعمّد العدوان ولم يتعمد ما يقتل. الثالث: الخطأ المحض وما يجري مجراه: مثل أن يكون يرمي صيدا أو هدفا فيصيب إنسانا بغير علمه ولا قصده، فهذا ليس فيه قود، وإنما فيه الدية والكفارة. وهنا مسائل كثيرة معروفة في كتب أهل العلم وبينهم. التنبيه الرابع: قال الراغب: إن قيل: لم قال فمن عفي له من أخيه شيء ولم يقل: فمن عفا له أخوه شيئا..؟ قيل: العدول إلى ذلك للطيفة. وهي أنه لا فرق بين أن يكون صاحب الدم قد عفا أو جماعة، فعفا أحدهم. إذ القصاص يبطل ويعدل حينئذ إلى الدية، فقال: فمن عفي له من أخيه شيء ليدل على هذا المعنى، و (الهاء) في قوله: أخيه يجوز أن تكون للمقتول ولوليّه. وجعله أخا لوليّ الدم لا للنسب ولا لموالاة دينية، ولكن للإحسان الذي أسداه في الرضا منه بالدية. الخامس: هذه الآية مفسرة لما أبهم في آية المائدة وهي قوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: 45] . كما أنها مقيدة وتلك مطلقة، والمطلق يحمل على
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 179]
المقيّد، وكذا ما ورد في السنة وصحّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الباب فإنه يبيّن ما يراد في هذه الآية وآية المائدة. وقد رويت أحاديث من طرق متعددة بأنه: لا يقتل حرّ بعبد. كالأحاديث والآثار القاضية بأنه يقتل الذكر بالأنثى. فالتعويل على ذلك. وبالجملة: فقوله تعالى: الْحُرُّ بِالْحُرِّ ... إلخ لا يفيد الحصر البتة، بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام. هذا ما اعتمدوه، والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 179] وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) وقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ كلام في غاية الفصاحة والبلاغة لما فيه من الغرابة، حيث جعل الشيء محل ضدّه، فإن القصاص قتل وتفويت للحياة. وقد جعل مكانا وظرفا للحياة، وعرّف القصاص ونكر الحياة، ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم- الذي هو القصاص- حياة عظيمة. وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة. وكم قتل مهلهل بأخيه حتى كاد يفني بكر بن وائل! وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة، ويقع بينهم التناحر..! فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة..! أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنه إذا همّ بالقتل، فعلم أنه يقتص منه فارتدع، سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود. فكان القصاص سبب حياة نفسين..! هذا ما يستفاد من (الكشاف) . لطيفة: اتفق علماء البيان على أنّ هذه الآية- في الإيجاز مع جمع المعاني- بالغة إلى أعلى الدرجات..! وذلك لأنّ العرب عبّروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة، كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقلّ القتل. وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم القتل أنفى للقتل وقد كانوا مطبقين على استجادة معنى كلمتهم واسترشاق لفظها..! ومن المعلوم لكلّ ذي لبّ أنّ بينها وبين ما في القرآن كما بين الله وخلقه! وأنّى لها الوصول إلى رشاقة القرآن وعذوبته..! قال في (الإتقان) وقد فضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في
هذا المعنى وهو قولهم (القتل أنفى للقتل) بعشرين وجها أو أكثر. وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل وقال: لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق..! وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك..! الأول: أنّ ما يناظره من كلامهم وهو الْقِصاصِ حَياةٌ أقلّ حروفا، فإنّ حروفه عشرة وحروف (القتل أنفى للقتل) أربعة عشر..! الثاني: أنّ نفي القتل لا يستلزم الحياة، والحياة ناصّة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه! الثالث: أنّ تنكير حَياةٌ يفيد تعظيما، فيدلّ على أن في القصاص حياة متطاولة، كقوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: 96] . ولا كذلك المثل، فإنّ اللام فيه للجنس، ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء! الرابع: أنّ الآية فيه مطّردة، بخلاف المثل، فإنه ليس كلّ قتل أنفى للقتل، بل قد يكون أدعى له، وهو القتل ظلما.! وإنما ينفيه قتل خاصّ، وهو القصاص، ففيه حياة أبدا..! الخامس: أنّ الآية خالية من تكرار لفظ القتل الواقع في المثل. والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه وإن لم يكن مخلا بالفصاحة..! السادس: أنّ الآية مستغنية عن تقدير محذوف. بخلاف قولهم. فإنّ فيه حذف (من) التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها، وحذف (قصاصا) مع القتل الأول، (وظلما) مع القتل الثاني، والتقدير: القتل قصاصا أنفى ظلما من تركه. السابع: أنّ في الآية طباقا، لأنّ القصاص يشعر بضدّ الحياة بخلاف المثل..! الثامن: أن الآية اشتملت على فنّ بديع، وهو جعل أحد الضدّين- الذي هو الفناء والموت- محلّا ومكانا لضدّه- الذي هو الحياة. واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة..! ذكره في (الكشاف) ، وعبّر عنه صاحب (الإيضاح) بأنه جعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال «في» عليه. التاسع: أنّ في المثل توالي أسباب كثيرة خفيفة- وهو السكون بعد الحركة- وذلك مستكره. فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكّن اللسان من النطق به وظهرت بذلك فصاحته! بخلاف ما إذا تعقّب كلّ حركة سكون، فالحركات تنقطع بالسكنات. نظيره: إذا تحركت الدابة أدنى حركة، فحبست، ثم تحرّكت فحبست،
لا تطيق إطلاقها، ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره، فهي كالمقيدة! العاشر: أنّ المثل كالتناقض من حيث الظاهر. لأن الشيء لا ينفي نفسه! الحادي عشر: سلامة الآية من تكرير قلقلة القاف الموجب للضغط والشدّة، وبعدها عن غنة النون. الثاني عشر: اشتمالها على حروف متلائمة، لما فيها من الخروج من القاف إلى الصاد. - إذ القاف من حروف الاستعلاء، والصاد من حروف الاستعلاء والإطباق. بخلاف الخروج من القاف إلى التاء- التي هي من حرف منخفض- فهو غير ملائم للقاف. وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبعد ما دون طرف اللسان وأقصى الحلق. الثالث عشر: في النطق بالصاد والحاء والتاء حسن الصوت، ولا كذلك تكرير القاف والتاء. الرابع عشر: سلامتها من لفظ (القتل) المشعر بالوحشة، بخلاف لفظ (الحياة) فإن الطباع أقبل له من لفظ (القتل) . الخامس عشر: أنّ لفظ القصاص مشعر بالمساواة، فهو منبئ عن العدل، بخلاف مطلق القتل. السادس عشر: الآية مبنية على الإثبات، والمثل على النفي، والإثبات أشرف لأنه أول، والنفي ثان عنه. السابع عشر: أنّ المثل لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أنّ القصاص هو الحياة. وقوله فِي الْقِصاصِ حَياةٌ مفهوم من أول وهلة..! الثامن عشر: أنّ في المثل بناء (أفعل التفضيل) من فعل متعدّ، والآية سالمة منه..! التاسع عشر: أنّ (أفعل) في الغالب يقتضي الاشتراك، فيكون ترك القصاص نافيا للقتل، ولكنّ القصاص أكثر نفيا..! وليس الأمر كذلك، والآية سالمة من ذلك. العشرون: أنّ الآية رادعة عن القتل والجرح معا، لشمول القصاص لهما. والحياة أيضا في قصاص الأعضاء. لأنّ قطع العضو ينقص أو ينغّص مصلحة الحياة، وقد يسري النفس فيزيلها، ولا كذلك المثل..!
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 180]
في أول الآية وَلَكُمْ وفيها لطيفة: وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص، وأنهم المراد حياتهم لا غيرهم، لتخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم..! انتهى. وقوله تعالى يا أُولِي الْأَلْبابِ المراد به: العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف. فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعدائهم، وعلموا أنهم يطالبون بالقود، صار ذلك رادعا لهم. لأنّ العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه. فإذا خاف ذلك كان خوفه سببا للكفّ والامتناع..! إلا أنّ هذا الخوف إنما يتولّد من الفكر الذي ذكرناه، ممّن له عقل يهديه إلى هذا الفكر. فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر، لا يحصل له هذا الخوف..! فلهذا السبب خصّ الله سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب، ثمّ علّل ذلك بقوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي: الله تعالى بالانقياد لما شرع، فتتحامون القتل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 180] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) كُتِبَ عَلَيْكُمْ أي: فرض، كما استفاض في الشرع إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي أمارته وهو المرض المخوف إِنْ تَرَكَ خَيْراً أي مالا ينبغي أن يوصي فيه، وقد أطلق في القرآن الخير وأريد به المال في آيات كثيرة: منها هذه، ومنها قوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [البقرة: 272] ، ومنها: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: 8] ، ومنها: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: 24] . إلى غيرها. وإنما سمّى المال خيرا تنبيها على معنى لطيف: وهو أنّ المال الذي يحسن الوصية به ما كان مجموعا من وجه محمود..! كما أنّ في التسمية إشارة إلى كثرته، كما قال بعضهم: لا يقال للمال خير حتى يكون كثيرا ومن مكان طيّب..! وقد روى ابن أبي حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه: أنّ عليّا رضي الله عنه دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصي؟ فقال له عليّ: إنما قال الله إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ. إنما تركت شيئا يسيرا فاتركه لولدك.! وروى الحاكم عن ابن عباس: من لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا! وقال طاوس: لم يترك خيرا من لم يترك ثمانين دينارا. وقال قتادة: كان يقال: ألفا فما فوقها.
ومنه يعلم أن لا تحديد للكثرة المفهومة، وأنّ مردّها للعرف لاختلاف أحوال الزمان والمكان. ثم ذكر نائب فاعل (كتب) بعد أن اشتد التشوّف إليه، فقال الْوَصِيَّةُ وتذكير الفعل الرافع لها: إمّا لأنه أريد بالوصية الإيصاء، ولذلك ذكّر الضمير في قوله فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ وإمّا للفصل بين الفعل ونائبه، لأنّ الكلام لما طال، كان الفاصل بين المؤنث والفعل كالعوض من تاء التأنيث. وقوله لِلْوالِدَيْنِ بدأ بهما لشرفهما وعظم حقّهما وَالْأَقْرَبِينَ من عداهما من جميع القرابات بِالْمَعْرُوفِ وهو ما تتقبله الأنفس ولا تجد منه تكرّها. وفي الصحيحين «1» : أنّ سعدا قال: يا رسول الله، إنّ لي مالا ولا يرثني إلّا ابنة لي. أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا..! قال: فبالشطر؟ قال لا..! قال: فالثلث؟ قال الثلث، والثلث كثير، إنّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس! وفي صحيح البخاري «2» أن ابن عباس قال: لو أنّ الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: الثلث والثلث كثير..! وروى الإمام أحمد «3» عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن زياد بن عتبة بن حنظلة: سمعت حنظلة بن جذيم بن حنيفة أنّ جدّه أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشقّ ذلك على بنيه، فارتفعوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال حنيفة: إنّي أوصيت
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 181]
ليتيم لي بمائة من الإبل كنا نسميها المطيبة، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لا لا لا..! الصدقة خمس، وإلّا فعشر، وإلّا فخمس عشرة، وإلّا فعشرون، وإلّا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلّا فخمس وثلاثون، فإن كثرت فأربعون! وذكر الحديث بطوله . ثمّ أكد تعالى الوجوب بقوله حَقًّا- وكذا قوله- عَلَى الْمُتَّقِينَ فهو إلهاب وتهييج وتذكير بما أمامه من القدوم على من يسأله عن النقير والقطمير. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 181] فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ بَدَّلَهُ أي: فمن غيّر الإيصاء عن وجهه، إن كان موافقا للشرع، من الأوصياء والشهود بَعْدَ ما سَمِعَهُ أي بعد ما وصل إليه وتحقق لديه فَإِنَّما إِثْمُهُ أي التبديل- عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع، فلا يلحق الموصي منه شيء وقد وقع أجره على الله إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وعيد شديد للمبدّلين. هذا، وما ذكرناه من أنّ المنهيّ عن التبديل إمّا الأوصياء أو الشهود هو المشهور. وهناك وجه آخر- أراه أقرب- وهو أن يكون المنهيّ عن التغيير هو الموصي نهي عن تغيير الوصية عن المواضع التي بيّن تعالى الوصية إليها. وذلك لأنهم كانوا في الجاهلية يوصون للأبعدين الأجانب، طلبا للفخر والشرف. ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة والضرّ، فأوجب الله تعالى الوصية لهؤلاء منعا للقوم عمّا اعتادوه- كذا قاله الأصم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 182]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 182] فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) فَمَنْ خافَ أي توقّع وعلم، وهذا في كلامهم شائع، ويقولون: أخاف أن ترسل السماء، يريدون التوقع والظّن الغالب، الجاري مجرى العلم مِنْ مُوصٍ جَنَفاً ميلا عن الحقّ، بالخطإ في الوصية، والتصرف فيما ليس له أَوْ إِثْماً أي: ميلا فيها عمدا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ أي: بينه وبين الموصى لهم- وهم الوالدان والأقربون- بإجرائهم على طريق الشرع. قال ابن جرير: بأن يأمره بالعدل في وصيته، وأن ينهاهم عن منعه فيما أذن له فيه وأبيح له. فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي: بهذا التبديل، لأن تبديله تبديل باطل إلى حقّ! - إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال ابن جرير: أي غفور للموصي- فيما كان حدّث به نفسه من الجنف والإثم إذا ترك أن يأثم ويجنف في وصيته- فتجاوز له عما كان حدّث به نفسه من الجور إذ لم يمض ذلك، رَحِيمٌ بالمصلح بين الوصيّ وبين من أراد أن يحيف عليه لغيره أو يأثم فيه له..! تنبيه: (ما أفادته الآية من فرضية الوصية للوالدين والأقربين) ذكر بعضهم: أنه كان واجبا قبل نزول آية المواريث. فلمّا نزلت آية الفرائض نسخت هذه وصارت المواريث المقدّرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتما من غير وصية ولا تحمّل منّة الموصي. ولهذا جاء في الحديث «1» - الذي في السنن وغيرها- عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخطب وهو يقول: «إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقه، فلا وصيّة لوارث..!» . ونصّ الإمام الشافعي على أنّ هذا المتن متواتر، فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال عام الفتح: «لا وصية لوارث» . ويأثرونه عمّن حفظوه عنه ممّن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة. فهو أقوى من نقل واحد.
قال الإمام مالك في «الموطأ» : السنّة الثابتة عندنا التي لا اختلاف فيها أنّه: لا تجوز وصيّة لوارث إلّا أن يجيز له ذلك ورثة الميّت. وذهبت طائفة إلى أنّ الآية محكمة لا تخالف آية المواريث. والمعنى: كتب عليكم ما أوصاكم به من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أو كتب على المحتضر: أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم! فلا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء، مع ثبوت الوصية بالميراث عطيّة من الله تعالى، والوصية عطيّة ممن حضره الموت. فالوارث جمع له بين الوصيّة والميراث بحكم الآيتين. ولو فرض المنافاة، لأمكن جعل آية الميراث مخصّصة لهذه الآية. بإبقاء القريب الذي لا يكون وارثا لأجل صلة الرحم. فقد أكد تعالى الإحسان إلى الأرحام وذوي القربى في غير ما آية، فتكون الوصية للأقارب الذين لا يرثون عصبة، أو ذوي رحم مفروضة..! قالوا: ونسخ وجوبها للوالدين والأقربين الوارثين لا يستلزم نسخ وجوبها في غيرهم..!. ومما استدلّ به على وجوب الوصيّة، من السنّة: خبر الصحيحين «1» عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «2» : ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلّا ووصيّته مكتوبة عنده . قال ابن عمر: ما مرّت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول ذلك إلّا وعندي وصيّتي..! والآيات والأحاديث- بالأمر ببرّ الأقارب والإحسان إليهم- كثيرة جدّا..!. ظهر لي في آية كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ... إلخ- وكان درسنا صباحا من البخاريّ في كتاب (الوصايا) - أنّ هذه الآية ليست منسوخة- كما قيل- بل هي محكمة بطريقة لا أدري هل أحد سبقني بها أم لا؟ فإني- في تفسيري المسمّى بمحاسن التأويل- نقلت هناك مذاهب العلماء، ولا يحضرني الآن أن ما سأذكره مأثور أم لا؟ وهو أنّ هذه الآية مع آية: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ، متلاقيتان في المعنى، من حيث إنّ المراد بالوصيّة: وصية الله في إيتاء ذوي الحقوق حقوقهم، وعدم الغض منها، والحذر من تبديلها، لما يلحق المبدّل من الوعيد الشديد..! وخلاصة المعنى على ما ظهر:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 183]
كُتِبَ عَلَيْكُمْ أي: فرض عليكم فرضا مؤكّدا بمثابة المكتوب الذي لا يمحى ولا يعتوره تغيير إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي: قرب نزوله به بأن قرب مفارقته الحياة إِنْ تَرَكَ خَيْراً أي: مالا يورث الْوَصِيَّةُ أي: المعهودة، وهي وصيّة الله سبحانه وتعالى في إيتاء كل ذي حقّ حقّه، على ما بينته تلك الآية لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ أي: في إبلاغهم فرضهم المبين في آية يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ فإنه أجمع آية حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ تأكيد للكتابة بأنها أمر ثابت لا يسوغ التسامح فيه بوجه ما فَمَنْ بَدَّلَهُ أي: هذا المكتوب الحقّ بَعْدَ ما سَمِعَهُ أي: فعلم الحق المفروض فيه فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي: فلا يخفى عليه شيء من حال الممتثل والمبدّل، وقوله تعالى فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أي: ميلا عمّا فرضه تعالى أَوْ إِثْماً أي: بقطع من يستحقّ عن حقّه، لما لا تخلو عنه كثير من الأنفس التي لم يدركها نور التهذيب فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ أي: بأمر رضي به الكل فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي: لأنّ الصلح جائز إلّا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا، والله أعلم. المنقول من الدفتر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 183] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ- فرض- عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. واعلم أنّ مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة شرعه الله لعباده رحمة لهم، وإحسانا إليهم، وحميّة، وجنّة..! فإن المقصود من الصيام: حبس النفس عن الشهوات، وفطمها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتسعد بطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به ممّا فيه حياتها الأبدية..! ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين..! وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كلّ عضو منها وكلّ قوّة عن جماحها، وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجنّة المجاهدين، ورياضة الأبرار والمقرّبين..! وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإنّ الصائم لا يفعل شيئا، إنما ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل
معبوده. فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارا لمحبة الله ومرضاته. وهو سرّ بين العبد وربّه، ولا يطلع عليه سواه..!. والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة. وأمّا كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر. وذلك حقيقة الصوم..! وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة. وحميتها عن التخليط الجالب لها الموادّ الفاسدة، التي إذا استولت عليها أفسدتها. واستفراغ الموادّ الردية المانعة له من صحتها. فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها. ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات. فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى في تتمة الآية: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم «1» : الصوم جنّة. وأمر «2» من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه، بالصيام. وجعله وجاء هذه الشهوة. وكان هدى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيه أكمل الهدى، وأعظم تحصيلا للمقصود، وأسهله على النفوس..! ولما كان فطم النفس عن مألوفاتها وشهواتها من أشقّ الأمور وأصعبها، تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة. لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة. وألفت أوامر القرآن. فنقلت إليه بالتدريج. وكان فرضه السنة الثانية من الهجرة. فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد صام تسعة رمضانات. وفرض أوّلا على وجه التخيير بينه وبين أن يطعم عن كلّ يوم مسكينا. ثمّ نقل من ذلك التخيير إلى تحتم الصوم وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة- إذا لم يطيقا الصيام- فإنهما يفطران ويطعمان عن كلّ يوم مسكينا- كما سيأتي بيانه- وكان للصوم رتب ثلاث: أحدها: إيجابه بوصف التخيير. والثانية: تحتمه، لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة، فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة: وهي التي استقرّ عليها الشرع إلى يوم القيامة..! كذا أفاده ابن القيم في زاد المعاد.
وقوله تعالى: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ تأكيد للحكم، وترغيب فيه، وتطييب لأنفس المخاطبين به فإنّ الشاقّ إذا عمّ سهل عمله! والمماثلة إنّما هي في أصل الوجوب لا في الوقت والمقدار، وفيه دليل على أنّ الصوم عبادة قديمة. وفي التوراة، سفر عزرا، الأصحاح الثاني، ص 750: (21) «وناديت هناك بصوم على نهر أهوا لكي نتذلل أمام إلهنا لنطلب منه طريقا مستقيمة لنا ولأطفالنا ولكل مالنا» . وفي سفر إشعياء، الأصحاح الثامن والخمسون ص 1062: (3) «يقولون لماذا صمنا ولم ننظر. ذلّلنا أنفسنا ولم نلاحظ. ها إنكم في يوم صومكم توجدون مسرّة وبكل أشغالكم تسخّرون» . (4) ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون ولتضربوا بلكمة الشرّ. لستم تصومون كما اليوم لتسميع صوتكم في العلاء. (5) أمثل هذا يكون صوم أختاره. يوما يذلّل الإنسان فيه نفسه يحنى كالأسلة رأسه ويفرش تحته مسحا ورمادا. هل تسمي هذا صوما ويوما مقبولا للرب؟ ... إلخ. وفي سفر يوئيل، الأصحاح الأول، ص 1299: (14) قدّسوا صوما. وفي الأصحاح الثاني، ص 1300: (12) ولكن الآن يقول الرب: ارجعوا إليّ بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء والنوح. (13) ومزقوا قلوبكم لا ثيابكم وارجعوا إلى الرب إلهكم لأنه رؤوف رحيم بطيء الغضب وكثير الرأفة.. (15) ... قدّسوا صوما نادوا باعتكاف. (16) اجمعوا الشعب قدسوا الجماعة. وفي سفر زكريا، الأصحاح الثامن، ص 1347: (19) هكذا قال رب الجنود. إن صوم الشهر الرابع وصوم الخامس وصوم السابع وصوم العاشر يكون لبيت يهوذا ابتهاجا وفرحا وأعيادا طيبة. فأحبوا الحق والسلام.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 184]
وفي إنجيل متّى، الأصحاح السادس ص 11: (17) وأما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك. (18) لكي لا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية. الأصحاح السابع عشر ص 32: لما رأى عيسى عليه الصلاة والسلام فتى وأخرج منه الشيطان قال لأصحابه. (21) وأما هذا الجنس فلا- يخرج إلا بالصلاة والصوم. وفي الأصحاح الرابع ص 6: (2) فبعد ما صام أربعين نهارا وأربعين ليلة جاع أخيرا (أي المسيح عليه السلام) . وفي رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس، الأصحاح السادس ص 295: (4) بل في كل شيء نظهر أنفسنا كخدّام الله في صبر كثير في شدائد في ضرورات في ضيقات. (5) في ضربات في سجون في اضطرابات في أتعاب في أسهار في أصوام. وفي الأصحاح الحادي عشر ص 301: (27) في تعب وكدّ. في أسهار مرارا كثيرة. في جوع وعطش. في أصوام مرارا كثيرة. في برد وعري. هذا، ومتى أطلق الصوم في كل شريعة، فلا يقصد به الّا الامتناع عن الأكل كلّ النهار إلى المساء، لا مجرّد إبدال طعام بطعام. وقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي: تجعلون بينكم وبين سخطه تعالى وقاية بالمسارعة إليه، والمواظبة عليه، رجاء لرضاه تعالى فإنّ الصوم يكسر الشهوة، فيقمع الهوى، فيردع عن مواقعة السوء. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 184] أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ نصب على الظرف، أي: كتب عليكم الصيام في أيام
تنبيهات
معدودات وهي أيام شهر رمضان، كما بينها تعالى فيما بعد بقوله شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ. فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أي: مرضا يضرّه الصوم، أو يعسر معه. والمرض: السقم وهو نقيض الصحة واضطراب الطبيعة بعد صفائها واعتدالها أَوْ عَلى سَفَرٍ أي: فأفطر فَعِدَّةٌ أي: فعليه صوم عدة أيام المرض والسفر مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غير المعدودات المذكورة، وإنما رخّص الفطر في حال المرض والسفر لما في ذلك من المشقة. وقد سافر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في رمضان في أعظم الغزوات وأجلها: في غزوة بدر وغزوة الفتح. قال عمر بن الخطاب «1» : غزونا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في رمضان غزوتين: يوم بدر والفتح، فأفطرنا فيهما. تنبيهات الأول: ثبت أنه صلّى الله عليه وسلّم صام في السفر وأفطر، كما خيّر بعض الصحابة بين الصوم والفطر. ففي الصحيحين «2» : عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في بعض أسفاره في يوم حارّ، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحرّ، وما فينا صائم إلّا ما كان من النبي صلّى الله عليه وسلّم وابن رواحة . وقوله (في بعض أسفاره) وقع في إحدى روايتي مسلم، بدله (في شهر رمضان) . وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال «3» : سرنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو صائم. وفي رواية: كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر، فلما غابت الشمس قال لرجل: انزل فاجدح لنا..! فقال: يا رسول الله! لو أمسيت. قال: أنزل فاجدح لنا قال: إن عليك نهارا. فنزل، فجدح له، فشرب، ثمّ قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا- وأشار بيده نحو المشرق- فقد أفطر الصائم. رواه الشيخان. واللفظ لمسلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال «4» : خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المدينة إلى
مكة فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس. فأفطر حتى قدم مكة، وذلك في رمضان. فكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر. رواه الشيخان. واللفظ للبخاريّ. وعن قزعة قال «1» : أتيت أبا سعيد الخدريّ فسألته عن الصوم في السفر فقال: سافرنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى مكّة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنكم قد دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم! فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر. ثمّ نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحو عدوّكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. وكانت عزمة فأفطرنا. ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد ذلك في السفر، رواه مسلم. وعن عائشة «2» : أن حمزة بن عمرو الأسلميّ قال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أأصوم في السفر؟. - وكان كثير الصيام- فقال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر. رواه البخاريّ. ورواه مسلم من طريق آخر، أنه قال: يا رسول الله! أجد بي قوّة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هي رخصة من الله. فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه. وعن أنس بن مالك قال «3» : كنا نسافر مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. رواه الشيخان. الثاني: لا يخفى أنّ جواز الصوم للمسافر، إذا أطاقه بلا ضرر. وأمّا إذا شقّ عليه الصوم فلا ريب في كراهته، لما في الصحيحين «4» : عن جابر رضي الله عنه قال: كان
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر، فرأى زحاما، ورجل قد ظلل عليه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البرّ الصوم في السفر. فلا ينافي هذا ما تقدم، كما لا يرد أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لأن السياق والقرائن تدل على تخصيصه بمن شقّ عليه الصوم. وما تقدم، في غيره. قال ابن دقيق العيد: وينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم وبين مجرد العام على سبب. فإن بين المقامين فرقا واضحا. ومن أجراهما مجرى واحدا لم يصب. فإنّ مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به. كنزول آية السرقة في قصة رداء صفوان. وأمّا السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم فهي المرشدة إلى بيان المجملات كما في هذا الحديث. انتهى. وهو استنباط جيد. وبالجملة: فالمريض والمسافر يباح لهما الفطر. فإن صاما، صحّ. فإن تضرّرا، كره..!. الثالث: لم يكن من هديه صلّى الله عليه وسلّم تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحدّ، ولا صحّ عنه في ذلك شيء. وقد أفطر دحية بن خليفة الكلبيّ في سفر ثلاثة أميال، وقال لمن صام: قد رغبوا عن هدي محمد صلّى الله عليه وسلّم..! وكان الصحابة حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أنّ ذلك سنته وهديه صلّى الله عليه وسلّم. كما قال عبيد بن جبر «1» : ركبت مع أبي بصرة الغفاريّ صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفينة من الفسطاط في رمضان. فلم نجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة. قال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ رواه أبو داود وأحمد. ولفظ أحمد: ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة، فلما دفعنا من مرسانا أمر بسفرته فقربت، ثم دعاني إلى الغداء. وذلك في رمضان، فقلت يا أبا بصرة! والله ما تغيبت عنا منازلنا بعد. فقال: أترغب عن سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقلت لا! قال: فلم نزل مفطرين حتى بلغنا ما حوزنا (قيل: أي موضعهم الذي أرادوه) وقال «2» محمد بن كعب: أتيت أنس بن مالك في رمضان- وهو يريد السفر- وقد رحلت راحلته، وقد لبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنّة. ثم ركب . قال الترمذي: حديث حسن. وقال الدارقطنيّ فيه: فأكل وقد تقارب غروب الشمس..! وهذه الآثار صريحة أنّ من أنشأ السفر في أثناء يوم من
رمضان فله الفطر فيه. قاله في (زاد المعاد) . وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ أي الصوم، إن أفطروا فِدْيَةٌ أي إعطاء فدية وهي طَعامُ مِسْكِينٍ و «الفدية» ما يقي الإنسان به نفسه من مال يبذله في عبادة يقصّر فيها، و «الطعام» ما يؤكل وما به قوام البدن فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً بأن أطعم أكثر من مسكين فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ لأنه فعل ما يدل على مزيد حبّه لربه وَأَنْ تَصُومُوا أيها المطيقون خَيْرٌ لَكُمْ من الفدية وإن زادت إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي فضيلة الصوم وفوائده، أو إن كنتم من أهل العلم. وقد ذهب الأكثرون إلى أن هذه الآية منسوخة بما بعدها. فإنه كان في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه، فاشتد عليهم، فرخّص لهم في الإفطار والفدية. كما روى مسلم «1» عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية بعدها فنسختها. وأسند من طريق آخر عن سلمة أيضا قال: كنا في رمضان على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من شاء صام، ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى أنزلت هذه الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. وفي البخاري «2» : قال ابن عمر وسلمة بن الأكوع: نسختها شَهْرُ رَمَضانَ.... الآية. ثم روي عن ابن أبي ليلى: حدثنا أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم: نزل رمضان فشقّ عليهم، فكان من أطعم كلّ يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك، فنسخت وأمروا بالصوم. ثم أسند أيضا عن ابن عمر أنه قال: هي منسوخة. هذا وقد روى البخاري «3» في (التفسير) : عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في هذه الآية: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كلّ يوم مسكينا. هذا، وقد ذكر البخاري «4» في (التفسير) : أنّ أنس بن مالك أطعم- بعد ما
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 185]
كبر- عاما أو عامين، كلّ يوم مسكينا، خبزا ولحما، وأفطر، رواه تعليقا. ووصله أبو يعلى الموصليّ في «مسنده» . ورواه عبد بن حميد في «مسنده» من حديث ستة من أصحاب أنس عن أنس بمعناه. وروى محمد بن هشام في فوائده عن حميد قال: ضعف أنس عن الصوم عام توفي فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاق الصوم؟ قال: لا..! فلما عرف أنه لا يطيق القضاء أمر بجفان من خبز ولحم فأطعم العدة أو أكثر ... ! ولما أبهم الأمر في الأيام عيّنت هنا بقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 185] شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) شَهْرُ رَمَضانَ لأنّ ذلك أفخم وآكد من تعيينه من أوّل الأمر. وقال الراغب: جعل معالم فرضه على الأهلة ليبادر الإنسان به في كلّ وقت من أوقات السنة، كما يدور الشهر فيه من الصيف والشتاء والربيعين. وفي رفع شَهْرُ وجهان: أحدهما أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هي شهر، يعني الأيام المعدودات. فعلى هذا يكون قوله الَّذِي أُنْزِلَ نعتا للشهر أو لرمضان. والثاني هو مبتدأ. ثم في الخبر وجهان: أحدهما الَّذِي أُنْزِلَ والثاني إنّ الَّذِي أُنْزِلَ صفة، والخبر هو الجملة التي هي قوله فَمَنْ شَهِدَ. فإن قيل: لو كان خبرا لم يكن فيه الفاء لأنّ شهر رمضان لا يشبه الشرط!. قيل: الفاء- على قول الأخفش- زائدة. وعلى قول غيره ليست زائدة، وإنما دخلت لأنك وصفت الشهر ب الَّذِي، فدخلت الفاء كما تدخل في خبر نفس (الذي) . ومثله قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة: 8] ، فإن قيل: فأين الضمير العائد على المبتدأ من الجملة؟ قيل: وضع الظاهر موضعه تفخيما أي: فمن شهده منكم. كذا في العكبريّ. الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أي: ابتدأ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر. قال الرازيّ: لأن مبادي الملل والدول هي التي يؤرخ بها، لكونها أشرف
الأوقات، ولأنها أيضا أوقات مضبوطة معلومة. وقال سفيان بن عيينة: معناه: أنزل في فضله القرآن. وهذا اختيار الحسين بن الفضل، قال: ومثله أن يقال: أنزل الله في الصديق كذا آية، يريدون في فضله. وقال ابن الأنباريّ: أنزل- في إيجاب صومه على الخلق- القرآن، كما يقال: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا، يريد في إيجابها، وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها، والله أعلم. قال الحراليّ: أشعرت الآية أنّ في الصوم حسن تلقّ لمعناه، ويسرا لتلاوته، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار وتهجّد الليل، وهو صيغة مبالغة من (القرء) وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح. انتهى. وفي مدحه- بإنزاله فيه- مدح للقرآن به، من حيث أشعر أنّ من أعظم المقاصد بمشروعيته تصفية الفكر لأجل فهم القرآن، ليوقف على حقيقة ما اتبع هذا به من أوصافه التي قررت ما افتتحت به السورة، من أنّه لا ريب فيه، وأنه هدى، على وجه أعمّ من ذلك الأول. فقال تعالى: هُدىً لِلنَّاسِ نصب على الحال. وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ عطف على الحال قبله. فهي حال أيضا. والظرف صفة. أي: أنزل حال كونه هداية للناس، وآيات واضحة مرشدة إلى الحقّ، فارقة بينه وبين الباطل. ولدفع سؤال التكرار في قوله وَبَيِّناتٍ.... إلخ بعد قوله هُدىً لِلنَّاسِ حمل بعض المفسرين الهدى الأول بواسطة النكرة على الهدى الذي لا يقدر قدره المختص بالقرآن أعني هدايته بإعجازه. والثاني على الهدى الحاصل باشتماله على الواضحات من أمر الدين، والفرقان بين الحلال والحرام والأحكام والحدود والخروج من الشبهات. وثمّة وجه آخر نقله الرازيّ: وهو أن الْهُدى الثاني المراد به التوراة والإنجيل. قال تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [آل عمران: 3- 4] . فبين تعالى أن القرآن- مع كونه هدى في نفسه- ففيه أيضا هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى وفرقان، والله أعلم. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر- أي: حضر فيه بأن كان مقيما في البلد حين دخل شهر رمضان وهو صحيح في بدنه- أن يصوم لا محالة. ووضع الظاهر موضع الضمير للتعظيم والمبالغة في
البيان. ثم أعيد ذكر الرخصة بقوله تعالى وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ لئلّا يتوهم من تعظيم أمر الصوم في نفسه وأنّه خير، أن الصوم حتم لا تتناوله الرخصة بوجه، أو تتناوله، ولكنها مفضولة. وفيه عناية بأمر الرخصة، وأنها محبوبة له تعالى كما ورد. وفي إطلاقه، إشعار بصحة وقوع القضاء متتابعا وغير متتابع يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ أي تشريع السهولة بالترخيص للمريض والمسافر، وبقصر الصوم على شهر وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ في جعله عزيمة على الكلّ، وزيادته على شهر. قال الحراليّ: اليسر عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم. والعسر ما يجهد النفس ويضرّ الجسم. قال الشعبيّ: إذا اختلف عليك أمران، فإنّ أيسرهما أقربهما إلى الحقّ، لهذه الآية. وروى الإمام أحمد مرفوعا «1» : إنّ خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره. وروى أيضا «2» : إنّ دين الله في يسر (ثلاثا) . وفي الصحيحين «3» : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لمعاذ وأبي موسى، حين بعثهما إلى اليمن: يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا. وفي السنن والمسانيد «4» : أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: بعثت بالحنيفية السمحة.
أي التي لا إصر فيها ولا حرج. كما قال تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، [الحج: 78] . وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. علل لفعل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره. ولهذه الأمور شرع ذلك. يعني جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر، وأمر المرخّص له بمراعاة عدّة ما أفطر فيه، ومن الترخيص في إباحة الفطر. فقوله لِتُكْمِلُوا علّة الأمر بمراعاة العدّة. وَلِتُكَبِّرُوا. علّة ما علّم من كيفية القضاء، والخروج عن عهدة الفطر وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علّة الترخيص والتيسير. وهذا نوع من اللف لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبيّنه إلّا النقّاب المحدث من علماء البيان! وإما عدّي فعل التكبير بحرف الاستعلاء لكونه مضمنا معنى الحمد. كأنه قيل: ولتكبّروا الله حامدين على ما هداكم. ومعنى وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وإرادة أن تشكروا. ويجوز عطفها على اليسر أي: يريد بكم لتكملوا ... إلخ، كقوله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا ... إلخ. [الصف: 8] والمراد بالتكبير تعظيمه تعالى والثناء عليه- كذا أفاده الزمخشري. قال الحراليّ: وفي لفظ: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ، إشعار لما أظهرته السنّة من صلاة العيد، وأعلن فيها بالتكبير. وكرر مع الجهر فيها لمقصد موافقة معنى التكبير الذي إنّما يكون علنا. وجعلت في براح من متسع الأرض لمقصد التكبير. لأن تكبير الله إنما هو بما جلّ من مخلوقاته. انتهى ملخصا. وقال ابن كثير: وقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ. أي ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [البقرة: 200] وقال فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة: 10] وقال وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ [ق: 39- 40] ولهذا جاءت السنّة باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات. وقال ابن عباس «1» : ما كنّا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلّا بالتكبير.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 186]
ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعيّة التكبير في عيد الفطر من هذه الآية. حتى ذهب داود بن عليّ الأصبهانيّ الظاهريّ إلى وجوبه في عيد الفطر، لظاهر الأمر في قوله وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر. والباقون على استحبابه. انتهى. وفي (زوائد المشكاة) عن عبد الله بن عمر أنّه كان إذا غدا يوم الأضحى ويوم الفطر يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلّى. ثم يكبّر حتى يأتي الإمام. وفي رواية: رفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم رواه الدارقطنيّ. وعن نافع أنّ ابن عمر كان يغدو إلى المصلّى يوم الفطر إذا طلعت الشمس فيكبّر حتى يأتي المصلّى، ثم يكبّر بالمصلّي حتى إذا جلس الإمام ترك التكبير. رواه الشافعيّ. قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعيّ: حديث أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعا صوته بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلى، رواه الحاكم والبيهقيّ من حديث ابن عمر من طرق مرفوعا وموقوفا، وصحّح وقفه. ورواه الشافعيّ موقوفا أيضا. وفي الأوسط عن أبي هريرة مرفوعا: زينوا أعيادكم بالتكبير. إسناده غريب. انتهى. وفائدة طلب الشكر في هذا الموضع، هو أنّه تعالى، لما أمر بالتكبير، وهو لا يتم إلّا بأن يعلم العبد جلال الله وكبرياءه وعزته وعظمته، وكونه أكبر من أن تصل إليه عقول العقلاء، وأوصاف الواصفين، وذكر الذاكرين. ثمّ يعلم أنه سبحانه- مع جلاله وعزّته واستغنائه عن جميع المخلوقات، فضلا عن هذا المسكين- خصه الله بهذه الهداية العظيمة- لا بدّ وأن يصير ذلك داعيا للعبد إلى الاشتغال بشكره، والمواظبة على الثناء عليه بمقدار قدرته وطاقته، فلهذا قال وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أفاده الرازيّ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 186] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ قال الراغب: هذه الآية من تمام الآية الأولى. لأنه لما حث على تكبيره وشكره على ما قيّضه لهم من تمام الصوم، بيّن أنّ
الذي يذكرونه ويشكرونه قريب منهم، ومجيب لهم إذا دعوه، ثم تمم ما بقي من أحكام الصوم. قال الرازيّ: إنّ السؤال متى كان مبهما، والجواب مفصّلا، دلّ الجواب على أنّ المراد من ذلك المبهم هو ذلك المعيّن. فلما قال في الجواب فَإِنِّي قَرِيبٌ علمنا أنّ السؤال كان عن القرب والبعد بحسب الذات، أي كما صرّحت به الرواية السابقة. والقريب من أسمائه تعالى الحسنى. ومعناه القريب من عبده بسماعه دعاءه، ورؤيته تضرّعه، وعلمه به، كما قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16] وقال وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد: 4] وقال ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [المجادلة: 7] . قال الإمام تقيّ الدين ابن تيمية، عليه الرحمة، في عقيدته الواسطية: ودخل- فيما ذكرناه من الإيمان بالله- الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأجمع عليه سلف الأمة. من أنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليّ على خلقه. وهو معهم سبحانه أينما كانوا. يعلم ما هم عاملون. كما جمع بين ذلك في قوله هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وليس معنى قوله وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ أنه مختلط بالخلق، فإنّ هذا لا توجبه اللغة. وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة. وخلاف ما فطر الله عليه الخلق. بل القمر- آية من آيات الله- من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان. وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه. مهيمن عليهم، مطلع إليهم. إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكلّ هذا الكلام الذي ذكره الله من أنّه فوق العرش، وأنّه معنا- حقّ على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة. ودخل في ذلك: الإيمان بأنه قريب من خلقه، كما قال تعالى وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ... الآية. وفي الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «1» : إنّ الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته. وما ذكر في الكتاب والسنة- من قربه ومعيته- لا ينافي ما ذكر من علوّه وفوقيته..! فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته. وهو عليّ في دنوّه، قريب في علوّه..! انتهى كلامه، رحمه الله تعالى.
تنبيهات:
وقوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ تقرير للقرب وتحقيق له. ووعد للداعي بالإجابة. وقد قرئ في السبع بإثبات الياء في (الداع) و (دعان) في الوصل دون الوقف، وبالحذف مطلقا. تنبيهات: الأول: في معنى الدعاء: قال في القاموس وشرحه: الدعاء: الرغبة إلى الله تعالى فيما عنده من الخير، والابتهال إليه بالسؤال. ويطلق على العبادة والاستغاثة. الثاني: فيما فسرّ به قوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ: قال ابن القيّم في (زاد المعاد) في هديه صلّى الله عليه وسلّم في سجوده ما نصه: وأمر- يعني النبيّ صلّى الله عليه وسلّم- بالدعاء في السجود، وقال «1» : إنه ضمن أن يستجاب لكم . وهل هذا أمر بأن يكثر الدعاء في السجود؟ أو أمر بأنّ الداعي إذا دعا في محلّ فليكن في السجود؟ وفرق بين الأمرين..! وأحسن ما يحمل عليه الحديث، أنّ الدعاء نوعان: دعاء ثناء، ودعاء مسألة. والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يكثر في سجوده من النوعين. والدعاء الذي أمر به في السجود يتناول النوعين. والاستجابة- أيضا- نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سؤاله، واستجابة دعاء المثني بالثواب. وبكلّ واحد من النوعين فسرّ قوله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ. والصحيح أنّه يعمّ النوعين. انتهى. الثالث: فيمن هو الداعي المجاب: قال الراغب: بيّن تعالى- في هذه الآية- إفضاله على عباده، وضمن أنهم إذا دعوه أجابهم، وعليه نبّه بقوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] . إن قيل: قد ضمن في الآيتين أنّ من دعاه أجابه، وكم رأينا من داع له لم يجبه! قيل: إنّه ضمن الإجابة لعباده، ولم يرد بالعباد من ذكرهم بقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم: 93] وإنّما عنى به الموصوفين بقوله: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ [الحجر: 42] ، وقوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ [الفرقان: 63]
الآيات وللدعاء المجاب شرائط وهي: أن يدعو بأحسن الأسماء، كما قال تعالى وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [الأعراف: 180] ، ويخلص النيّة، ويظهر الافتقار، ولا يدعو بإثم، ولا بما يستعين به على معاداته. وأن يعلم أنّ نعمته فيما يمنعه من دنياه كنعمته فيما خوّله وأعطاه. ومعلوم أنّ من هذا حاله فمجاب الدعوة..! وقال ابن القيّم، عليه الرحمة، أيضا في أول كتابه: (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) ما نصّه، بعد جمل: وكذلك الدعاء. فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب. ولكن قد يتخلف عنه أثره. إمّا لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان. وإمّا لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء. فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا. فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا. وإمّا لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو اللهو وغلبتها عليه. كما في صحيح الحاكم من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة. واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه!. فهذا دواء نافع مزيل للداء. ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته. وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها. كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «1» : «أيها الناس! إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيبا. وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون: 51] ، وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: 172] ، ثم ذكر: الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يده إلى السماء: يا ربّ يا ربّ! ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام. فإنّى يستجاب لذلك..!» وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب (الزهد) لأبيه: أصاب بني إسرائيل بلاء، فخرجوا مخرجا، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى نبيّهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة وترفعون إليّ أكفّا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام. الآن حين اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلّا بعدا..!. ثم قال ابن القيم رحمه الله: والدعاء من أنفع الأدوية. وهو عدوّ البلاء، يدافعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل. وهو سلاح المؤمن. كما
روى الحاكم في (صحيحه) من حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين، ونور السموات والأرض! وله مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها، أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. الثاني، أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا. الثالث، أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه..!. وقد روى الحاكم في (صحيحه) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا يغني حذر من قدر. والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل. وإنّ البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة!. وفيه أيضا، من حديث ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل. فعليكم، عباد الله، بالدعاء!. وفيه أيضا: من حديث ثوبان عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لا يردّ القدر إلّا الدعاء. ولا يزيد في العمر إلّا البرّ. وإنّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه..!. ثم قال ابن القيّم رضي الله عنه: ومن أنفع الأدوية الإلحاح في الدعاء. وقد روى ابن ماجة في (سننه) «1» من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من لم يسأل الله يغضب عليه! وفي (صحيح الحاكم) من حديث أنس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لا تعجزوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد. وذكر الأوزاعي عن الزهريّ عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله يحبّ الملحّين في الدعاء! وفي كتاب (الزهد) للإمام أحمد عن قتادة قال: قال مورّق: ما وجدت للمؤمن مثلا إلا رجل في البحر على خشبة. فهو يدعو: يا ربّ! لعلّ الله عزّ وجلّ أن ينجيه..!. ثم قال ابن القيّم، نوّر الله ضريحه: ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه، أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء. وهو بمنزلة من بذر بذرا أو غرس غرسا، فجعل يتعاهده ويسقيه. فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله..! وفي البخاري «2» من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل. يقول: دعوت فلم يستجب لي!. وفي صحيح مسلم «3» عنه: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل! قيل: يا رسول
فصل
الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي. فيستحسر عند ذاك ويدع الدعاء. وفي (مسند أحمد) «1» من حديث أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل. قالوا: يا رسول الله! كيف يستعجل؟ قال: يقول: قد دعوت لربي فلم يستجب لي. ثم قال: فصل وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم، وصادف خشوعا في القلب، وانكسارا بين يدي الرب، وذلّا وتضرّعا ورقّة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنّى بالصلاة على محمد عبده صلّى الله عليه وسلّم، ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة وتملّقه ودعاه رغبة ورهبة، وتوسّل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدّم بين يدي دعائه صدقة- فإن هذا الدعاء لا يكاد يردّ أبدا. ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم. فمنها ما في السنن وفي (صحيح ابن حبان) «2» من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي- لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحدا..! فقال: لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب! وفي لفظ: لقد سألت الله باسمه الأعظم.! وفي السنن «3» و (صحيح ابن حبان) أيضا من حديث أنس بن مالك أنه كان مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالسا ورجل يصلي ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنّان بديع السموات والأرض، يا ذا
الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم! فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى! وأخرج الحديثين أحمد في (مسنده) وفي (جامع الترمذي) «1» من حديث أسماء بنت يزيد: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ [البقرة: 163] وفاتحة آل عمران الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. وفي (مسند أحمد) «2» و (صحيح الحاكم) من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك وربيعة بن عامر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال ألظّوا بيا ذا الجلال والإكرام. يعني: تعلّقوا بها والزموها وداوموا عليها. وفي (جامع الترمذيّ) «3» من حديث أبي هريرة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم. وإذا اجتهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم..! وفيه أيضا من حديث أنس بن مالك قال: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا كربه أمر قال: يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث. وفي (صحيح الحاكم) «4» من حديث أبي أمامة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: البقرة وآل عمران وطه. قال القاسم: فالتمستها فإذا هي آية الحيّ القيوم. وفي (جامع الترمذيّ) «5» و (صحيح الحاكم) من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلّا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فإنه لم يدع بها رجل مسلم، في شيء قط، إلّا استجاب الله له قال الترمذيّ: حديث صحيح. وفي (صحيح الحاكم) أيضا من حديث سعد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم أمر مهمّ فدعا به يفرج الله عنه: دعاء ذي النون. وفي (صحيحه) أيضا عنه أنه سمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يقول: هل أدلكم على اسم الله الأعظم؟ دعاء يونس. فقال رجل: يا رسول الله! هل كان ليونس خاصة؟ فقال: ألا تسمع قوله فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: 88] ، فأيّما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة فمات في مرضه ذلك، أعطي أجر
شهيد. وإن برأ، برأ مغفورا له! وفي (الصحيحين) «1» من حديث ابن عباس أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقول عند الكرب: لا إله إلّا الله العظيم الحليم، لا إله إلّا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات وربّ الأرض رب العرش الكريم.! وفي (مسند الإمام أحمد) «2» من حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: علّمني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا نزل بي كرب أن أقول: لا إله إلّا الله الحليم الكريم، سبحان الله وتبارك الله ربّ العرش العظيم، والحمد لله ربّ العالمين. وفي (مسنده) أيضا «3» ، من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما أصاب أحدا قطّ همّ ولا حزن فقال: اللهمّ! إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك. ناصيتي بيدك. ماض فيّ حكمك. عدل فيّ قضاؤك. أسألك اللهمّ بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك. أو علّمته أحدا من خلقك. أو أنزلته في كتابك. أو استأثرت به في علم الغيب عندك. أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همّي.! إلّا أذهب الله همّه وحزنه وأبدله مكانه فرحا. فقيل: يا رسول الله! ألا نتعلّمها؟ قال: بل ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها. وقال ابن مسعود: ما كرب نبيّ من الأنبياء إلّا استغاث بالتسبيح. ثم قال ابن القيّم: وكثيرا ما نجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم، فيكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله. أو حسنة تقدمت منه، جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته. أو صادف الدعاء وقت إجابة. ونحو ذلك، فأجيبت دعوته. فيظنّ الظانّ أنّ السرّ في لفظ ذلك الدعاء فيأخذه مجردا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي. وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي فانتفع به. فظن غيره أن استعمال هذا الدواء بمجرّده كاف في حصول المطلوب كان غالطا. وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس. ومن هذا، قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيجاب. فيظنّ الجاهل أنّ السرّ للقبر. ولم يعلم أنّ السرّ للاضطرار وصدق اللجأ إلى الله. فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله كان أفضل وأحبّ إلى الله..!.
ثمّ قال ابن القيّم: والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح. والسلاح بضاربه لا بحدّه فقط! فمتى كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به. والساعد ساعد قويّ، والمانع مفقود، حصلت به النكاية في العدوّ..! ومتى تخلّف واحد من هذه الثلاثة، تخلّف التأثير..! فإن كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثمّ مانع من الإجابة- لم يحصل التأثير..!. ثم قال ابن القيّم: وهنا سؤال مشهور وهو: أنّ المدعو به إن كان قد قدّر لم يكن بدّ من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدع. وإن لم يكن قد قدّر لم يقع، سواء سأله العبد أو لم يسأله. فظنت طائفة صحة هذا السؤال.، فتركت الدعاء وقالت: لا فائدة فيه! وهؤلاء- مع فرط جهلهم وضلالهم- يتناقضون. فإن طرد مذهبهم يوجب تعطيل جميع الأسباب. فيقال لأحدهم إن كان الشبع والريّ قد قدّر لك فلا بد من وقوعهما. أكلت أو لم تأكل. وإن لم يقدرا لم يقعا. أكلت أو لم تأكل. وإن كان الولد قدّر لك، فلا بدّ منه، وطأت الزوجة والأمة أو لم تطأهما. وإن لم يقدّر لم يكن. فلا حاجة إلى التزويج والتسرّي. وهلمّ جرّا ... فهل يقال: هذا عاقل أو آدميّ؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته. فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا. وتكايس بعضهم. وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبّد المحض. يثيب الله عليه الداعي من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما..! ولا فرق- عند هذا الكيّس- بين الدعاء والإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب. وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت، ولا فرق..! وقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء: بل الدعاء علامة مجرّدة نصبها الله سبحانه أمارة على قضاء الحاجة. فمتى وفّق العبد للدعاء كان ذلك علامة له، وأمارة على أنّ حاجته قد قضيت..! وهذا كما إذا رأيت غيما أسود باردا في زمن الشتاء. فإنّ ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر..! قالوا: وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لا أنّها أسباب له..! وهكذا- عندهم- الكسر مع الانكسار، والحرق مع الإحراق، والإزهاق مع القتل، ليس شيء من ذلك سببا البتة، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلّا بمجرد الاقتران العاديّ لا التأثير السببيّ. وخالفوا، بذلك، الحسّ والعقل والشرع وسائر طوائف العقلاء. بل أضحكوا عليهم العقلاء..! والصواب أنّ هاهنا قسما ثالثا غير ما ذكره السائل، وهو: إنّ هذا المقدور قدّر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجرّدا عن سببه ولكن قدّر
بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور. وهذا كما قدر الشبع والريّ بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه. وكذلك قدّر دخول الجنة بالأعمال، ودخول النار بالأعمال. وهذا القسم هو الحقّ، وهذا الذي حرمه السائل ولم يوفق له. وحينئذ، فالدعاء، من أقوى الأسباب. فإذا قدّر وقوع المدعوّ به بالدعاء، لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب! ولمّا كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم الأمّة بالله ورسوله وأفقههم في دينه، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم. وكان عمر رضي الله عنه يستنصر به على عدوّه. وكان أعظم جنده، وكان يقول للصحابة: لستم تنصرون بكثرة وإنما تنصرون من السماء! وكان يقول: إني لا أحمل همّ الإجابة ولكن همّ الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإنّ الإجابة معه..!. فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة، فإنّ الله سبحانه يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] ، وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ. وفي (سنن ابن ماجة) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: من لم يسأل الله يغضب عليه. وهذا يدلّ على أن رضاه في سؤاله وطاعته، وإذا رضي الرب تبارك وتعالى فكلّ خير في رضاه، كما أنّ كلّ بلاء ومصيبة في غضبه..! وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب (الزهد) أثرا: أنا الله لا إله إلّا أنا، إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى. وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الولد! وقد دلّ العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم- على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها- على أنّ التقرب إلى ربّ العالمين، وطلب مرضاته، والبرّ والإحسان إلى خلقه، من أعظم الأسباب الجالبة لكلّ خير وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكلّ شرّ..! فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمة الله بمثل طاعته والتقرّب إليه والإحسان إلى خلقه! وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول السرور في الدنيا والآخرة- في كتابه- على الأعمال، ترتب الجزاء على الشرط، والمعلول على العلّة، والمسبب على السبب. وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع: فتارة يرتب الحكم الخبريّ الكونيّ والأمر الشرعيّ على الوصف المناسب له، كقوله تعالى فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [الأعراف: 166] ، وقوله فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف: 55] ، وقوله وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا [المائدة: 38] ، وقوله إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ... - إلى قوله- وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الأحزاب: 35] ، وهذا كثير جدا..!. وتارة ترتبه عليه بصيغة الشرط والجزاء: كقوله تعالى إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال: 29] ، وقوله: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً [الجن: 16] ، وقوله: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة: 11] ونظائره ... وتارة يأتي ب (لام التعليل) : كقوله: لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: 29] ، وقوله: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: 143] . وتارة يأتي بأداة (كي) التي للتعليل، كقوله كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ [الحشر: 7] .... وتارة يأتي ب (باء السببية) كقوله تعالى ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [آل عمران: 182] ، وقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف: 43] ، وبِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [الأعراف: 39] ، وقوله: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا [الإسراء: 98] .... وتارة يأتي ب (المفعول لأجله) ظاهرا أو محذوفا، كقوله: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [البقرة: 282] ، وكقوله تعالى: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ [الأعراف: 172] ، وقوله: أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا [الأنعام: 156] ، أي كراهة أن تقولوا ... وتارة ب (فاء السببية) ، كقوله: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ [الشمس: 14] ، وقوله: فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً [الحاقة: 10] ، وقوله فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ [المؤمنون: 48] ، ونظائره ... وتارة يأتي بأداة (لمّا) الدالة على الجزاء، كقوله فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف: 55] ، ونظائره ... وتارة يأتي ب (إنّ) وما عملت فيه، كقوله إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
[الأنبياء: 90] ، وقوله في ضدّ هؤلاء إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ [الأنبياء: 77] .... وتارة يأتي بأداة (لولا) الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها، كقوله فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات: 113- 114] ... وتارة يأتي ب (لو) الدالة على الشرط، كقوله وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [النساء: 66] .... وبالجملة: فالقرآن- من أوله إلى آخره- صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال. ومن تفقّه في هذه المسألة، وتأملها حقّ التأمل، انتفع بها غاية النفع، ولم يتكل على القدر جهلا منه وعجزا وتفريطا وإضاعة فيكون توكلّه عجزا، وعجزه توكّلا..! بل الفقيه- كلّ الفقيه- الذي يردّ القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر. لا يمكن للإنسان أن يعيش إلّا بذلك..! فإنّ الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر. والخلق كلهم ساعون في دفع هذا القدر..! وهكذا من وفّقه الله وألهمه رشده يدفع قدر العقوبة الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة..! فهذا وزن القدر المخوف في الدنيا وما يضادّه، فربّ الدارين واحد، وحكمته واحدة لا يناقض بعضها بعضا. ولا يبطل بعضها بعضا، فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها، ورعاها حقّ رعايتها..! والله المستعان. ولكن يبقى عليه أمران بهما تتمّ سعادته وفلاحه: أحدهما: أن يعرف تفاصيل أسباب الشرّ والخير ويكون له بصيرة في ذلك بما شهده في العالم، وما جرّبه في نفسه وغيره، وما سمعه من أخبار الأمم قديما وحديثا. ومن أنفع ما في ذلك: تدبّر القرآن، فإنّه كفيل بذلك على أكمل الوجوه، وفيه أسباب الخير والشر جميعا مفصّلة مبينة ثم السنة فإنها شقيقة القرآن وهي الوحي الثاني. ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما من غيرهما، وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما، حتى كأنك تعاين ذلك عيانا ... ! وبعد ذلك، فإذا تأملت أخبار الأمم، وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته، طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنّة، ورأيته بتفاصيل ما أخبر الله به ووعد به. وعلمت من آياته في الآفاق ما يدلك على
تنبيهان:
أنّ القرآن حقّ، وأنّ الرسول حقّ، وأنّ الله ينجز وعده لا محالة ... ! فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرّفنا الله ورسوله من الأسباب الكليّة للخير والشرّ ... ! انتهى. وقوله تعالى فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي أي: إذا دعوتهم للإيمان والطاعة. كما أجيبهم إذا دعوني لمهماتهم وَلْيُؤْمِنُوا بِي أمر بالثبات على ما هم عليه لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ أي: راجين إصابة الرشد وهو الحقّ. تنبيهان: الأول: قال الراغب: أوثر (فليستجيبوا) على (فليجيبوا) للطيفة وهي: أن حقيقة الاستجابة طلب الإجابة وإن كان قد يستعمل في معنى الإجابة. فبين أن العباد متى تحروا إجابته بقدر وسعهم فإنه يرضى عنهم. إن قيل: كيف جمع بين الاستجابة والإيمان، وأحدهما يغني عن الآخر، فإنه لا يكون مستجيبا لله من لا يكون مؤمنا؟ قلنا: استجابته ارتسام أوامره ونواهيه التي تتولاه الجوارح، والإيمان هو الذي تقتضيه القلوب. وأيضا فإنّ الإيمان المعنيّ هاهنا هو الإيمان المذكور في قوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ ... [الأنفال: 2] الآية. الثاني: قدمنا عن الراغب سرّ وصل هذه الآية بما قبلها ووجه التناسب وثمّة سرّ آخر قاله الحافظ ابن كثير. وعبارته: وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر. كما روى أبو داود الطيالسيّ في «مسنده» «1» عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة! . فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا. وروى ابن ماجة «2» عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنّ للصائم عند فطرة دعوة ما تردّ..! وكان عبد الله يقول إذا أفطر: اللهمّ أنّي أسألك برحمتك التي وسعت كلّ شيء أن تغفر لي..! وروى الإمام أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة «3» : عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 187]
يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزّتي لأنصرنّك ولو بعد حين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 187] أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) وقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ إرشاد إلى ما شرعه في الصوم- بعد بيان إيجابه على من وجب عليه، وحاله معه حضرا أو سفرا، وعدّته- من إحلال غشيان الزوج ليلا. وكأنّ الصحابة تحرّجوا عن ذلك ظنّا أنّه من تتمّة الصوم، ورأوا أن لا صبر لأنفسهم عنه، فبيّن لهم أن ذلك حلال لا حرج فيه. وقد روى البخاريّ «1» عن البراء رضي الله عنه قال: لمّا نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ. إيذانا بأنه أحلّه ولم يحرّمه، إذ لم يشرع من فضله ما فيه إعنات وحرج. و (الرفث) أصله قول الفحش. وكنى به هنا عن الجماع وما يتبعه. كما كنى عنه في قوله: فَلَمَّا تَغَشَّاها [الأعراف: 189] ، وقوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ [البقرة: 223] . فالله تعالى كريم يكني، وإيثار الكناية عنه- هنا- بلفظ الرفث الدال على معنى القبح- عدا بقية الآيات- استهجانا لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختيانا لأنفسهم. والكناية عما يستقبح ذكره بما يستحسن لفظه من سنن العرب. وللثعالبيّ في آخر كتابه (فقه اللغة) فصل في ذلك بديع.
ثم إنّ المستعمل الشائع: رفث بالمرأة- بالباء- وإنما عدي هنا ب (إلى) لتضمنه معنى الإفضاء، كما في قوله: وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ [النساء: 21] . هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ قال الراغب: جعل اللباس كناية عن الزوج لكونه سترا لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس ستر يمنع أن يبدو منه السّوأة. وعلى ذلك كنى عن المرأة بالإزار، وسمّي النكاح حصنا لكونه حصنا لذويه عن تعاطي القبيح. وهذا ألطف من قول بعضهم: شبّه كل واحد من الزوجين- لاشتماله على صاحبه في العناق والضمّ- باللباس المشتمل على لابسه، وفيه قال الجعدي: إذا ما الضجيع ثنى عطفها ... تثنّت فكانت عليه لباسا وقال الزمخشريّ: فإن قلت: ما موقع قوله: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ؟ قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة، قلّ صبركم عنهن، وصعب عليكم اجتنابهنّ فلذلك رخّص لكم في مباشرتهنّ. عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ استئناف آخر مبين لما ذكر من السبب وهو (اختيان النفس) ، أي: قلة تصبيرها من نزوعها إلى رغيبتها. ومنه: خانته رجلاه إذا لم يقدر على المشي. أي: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لو لم يحلّ لكم ذلك فأحلّه رحمة بكم ولطفا، وفي (الاختيان) وجه آخر وهو: أنّه عنى به مخالفة الحقّ بنقض العهد، أي: كنتم تظلمونها بذلك- بتعريضها للعقاب- لو لم يحلّ ذلك لكم. قالوا: والاختيان أبلغ من الخيانة- كالاكتساب من الكسب- ففيه زيادة وشدّة. ثمّ أشار تعالى إلى لطفه بالمؤمنين بتخفيفه ما كان يغلّهم ويثقلهم ويخونهم لولا رحمته، بقوله: فَتابَ عَلَيْكُمْ أي: عاد بفضله وتيسيره عليكم برفع الحرج في الرفث ليلا وَعَفا عَنْكُمْ أي: جاوز عنكم تحريمه، ف (العفو) بمعنى التوسعة والتخفيف. فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ قال أبو البقاء: حقيقة (الآن) الوقت الذي أنت فيه وقد يقع على الماضي القريب منك، وعلى المستقبل القريب وقوعه. تنزيلا للقريب منزلة الحاضر وهو المراد- هنا- لأنّ قوله فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ أي: فالوقت الذي كان يحرم عليكم الجماع فيه من الليل قد أبحناه لكم فيه فعلى هذا (الآن) ظرف
ل (فباشروهنّ) . وقيل: الكلام محمول على المعنى، والتقدير: فالآن قد أبحنا لكم أن تباشروهنّ. ودلّ على المحذوف لفظ الأمر الذي يراد به الإباحة. فعلى هذا، (الآن) على حقيقته. وأصل (المباشرة) إلصاق البشرة بالبشرة. كني بها عن الجماع الذي يستلزمها وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ تأكيد لما قبله، أي: ابتغوا هذه الرخصة التي أحلّها لكم. و (كتب) هنا، إمّا بمعنى جعل كقوله كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [المجادلة: 22] ، أي: جعل، وقوله فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: 53] ، فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأعراف: 156] ، أي: أجعلها. أو بمعنى قضى، كقوله: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا [التوبة: 51] ، أي: قضاه، وقوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: 21] ، وقوله: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ [آل عمران: 154] ، أي: قضي. قال الراغب: في الآية إشارة في تحرّي النكاح إلى لطيفة. وهي: أن الله تعالى جعل لنا شهوة النكاح لبقاء نوع الإنسان إلى غاية! كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية! فحقّ الإنسان أن يتحرّى بالنكاح ما جعل الله له على حسب ما يقتضيه العقل والديانة. فمتى تحرّى به حفظ النفس وحصن النفس على الوجه المشروع، فقد ابتغى ما كتب الله له. وإلى هذا أشار من قال: عنى الولد. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ أباح تعالى الأكل والشرب- مع ما تقدّم من إباحة الجماع- في أيّ الليل شاء الصائم إلى أن يتبيّن ضياء الصباح من سواد الليل. وشبّها بخيطين: أبيض وأسود، لأنّ أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتدّ معه من غبش الليل، كالخيط الممدود. قال أبو دؤاد الإياديّ: فلما أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا..! وقوله مِنَ الْفَجْرِ بيان للخيط الأبيض. واكتفى به عن بيان الخيط الأسود، لأن بيان أحدهما بيان للثاني. وقد رفع بهذا البيان الالتباس الذي وقع أول أمر الصيام. كما روى الشيخان «1» وغيرهما عن سهل بن سعد قال: أنزلت وَكُلُوا
وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم ينزل مِنَ الْفَجْرِ وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل الله بعده مِنَ الْفَجْرِ فعلموا إنما يعني الليل والنهار. ورويا أيضا «1» - واللفظ لمسلم- عن عدّي بن حاتم قال: لما نزلت حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ قال له عديّ: يا رسول الله! إنّي أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالا أبيض وعقالا أسود، أعرف الليل من النهار. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن وسادك لعريض. إنما هو سواد الليل وبياض النهار..!. قال ابن كثير: ومعنى قوله: إن وسادك لعريض أي: إن كان يسع تحته الخيطين المرادين من هذه الآية فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب..! وجاء في بعض هذه الألفاظ: إنك لعريض القفا. ففسّره بعضهم بالبلادة- وهو ضعيف- بل يرجع إلى هذا لأنه إذا كان وساده عريضا فقفاه أيضا عريض، والله أعلم. انتهى. وفي الإتيان بلفظ التفعّل في قوله تعالى حَتَّى يَتَبَيَّنَ ... إشعار بأنه لا يكفي إلّا التبيّن الواضح لا تباشير الضوء. وقد روى مسلم «2» عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا يغرّنّكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا. وحكاه حماد بيديه، قال: يعني معترضا. وفي لفظ آخر عنه: لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر- أو قال: - حتى ينفجر الفجر. وروى الإمام أحمد «3» عن قيس بن طلق عن أبيه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ليس الفجر المستطيل في الأفق. ولكنه المعترض الأحمر. ورواه الترمذيّ «4» بلفظ: كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر . قال: وفي الباب عن عديّ بن حاتم وأبي ذرّ وسمرة. ثم قال: حديث طلق بن عليّ حديث حسن غريب من هذا الوجه، والعمل على هذا- عند أهل العلم- أنّه لا يحرم على الصائم الأكل والشرب حتى يكون الفجر الأحمر المعترض، وبه يقول أهل العلم. انتهى.
قال بعضهم: المراد بالأحمر الأبيض، كما فسّر به حديث «1» «بعثت إلى الأحمر والأسود» . وقال شمر: سموا الأبيض أحمر تطيّرا بالأبرص، حكاه عن أبي عمرو بن العلاء. ويظهر أنّه لا حاجة إلى هذا، فإنّ طلوع الفجر يصحبه حمرة. وفي (القاموس) الفجر ضوء الصباح، وهو حمرة الشمس في سواد الليل. فافهم. وقال الحافظ عبد الرزاق في (مصنّفه) : أخبرنا ابن جريج عن عطاء: سمعت ابن عباس يقول: هما فجران، فأمّا الذي يسطع في السماء فليس يحلّ ولا يحرّم شيئا، لكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب!. وقال عطاء: فأما إذا سطع سطوعا في السماء- وسطوعه أن يذهب في السماء طولا- فإنه لا يحرم به شراب للصائم، ولا صلاة، لا يفوت به الحجّ. ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال حرم الشراب للصيام، وفات الحجّ. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء. وهكذا روي عن غير واحد من السلف. رحمهم الله..! انتهى. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ أي: صرم كلّ يوم إِلَى اللَّيْلِ أي: إلى ظهور الظلمة من قبل المشرق وذلك بغروب الشمس. وكلمة (إلى) تفيد أنّ الإفطار عند غروب الشمس. كما جاء في (الصحيحين) «2» عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم. قال ابن القيّم: أي أفطر حكما وإن لم ينوه. أو دخل في وقت فطره، كما في: أصبح وأمسى. وقد كان صلّى الله عليه وسلّم يعجل الفطر ويحضّ عليه، كما في (الصحيحين) «3» : لا يزال
الناس بخير ما عجلوا الفطر. وروى الإمام أحمد «1» عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: يقول الله عزّ وجلّ: إنّ أحبّ عبادي إليّ أعجلهم فطرا. ورواه الترمذيّ وقال: حديث حسن غريب. وعن أنس بن مالك «2» قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يفطر، قبل أن يصلّي، على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء. رواه الترمذيّ. وقال: حسن غريب. وروى الإمام أحمد «3» عن ليلى، امرأة بشير بن الخصاصية، قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير وقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عنه وقال: يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله ثمّ أتمّوا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا. ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة، النهي عن الوصال. وهو أن يصل يوما بيوم ولا يأكل بينهما شيئا. ففي (الصحيحين) «4» عن أنس رضي الله عنه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: لا تواصلوا..! قالوا: إنك تواصل، قال: لست كأحد منكم، إنّي أطعم وأسقى- أو إنّي أبيت أطعم وأسقى. قال الترمذيّ: وفي الباب عن عليّ، وأبي هريرة، وعائشة وابن عمر، وجابر، وأبي سعيد، وبشير بن الخصاصية. أي: فالنهي عنه قد ثبت من غير وجه. نعم! من أحبّ أن يواصل إلى السحر فله ذلك، كما في حديث «5» أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لا تواصلوا. فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر، قالوا: فإنّك تواصل يا رسول الله. قال: لست كهيئتكم. إنّي أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني. أخرجاه في (الصحيحين) . والمراد
بهذا الطعام والشراب، ما يغذّيه الله به من المعارف، وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته، وقرة عينه بقربه، وتنعّمه بحبّه، والشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلب، ونعيم الأرواح، وقرّة العين، وبهجة النفوس والروح والقلب. بما هو أعظم غذاء، وأجوده، وأنفعه. وقد يقوي هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام مدّة من الزمان. ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيوانيّ. ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرّت عينه بمحبوبه، وتنعّم بقربه والرضاء عنه. وألطاف محبوبه وهداياه وتحفه تصل إليه كلّ وقت. ومحبوبه حفيّ به، معتزّ بأمره، مكرم له غاية الإكرام مع المحبة التامة له. أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحبّ؟ فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجلّ منه، ولا أعظم، ولا أجمل، ولا أكمل، ولا أعظم إحسانا، إذا امتلأ قلب المحبّ بحبّه، وملك حبّه جميع أجزاء قلبه وجوارحه، وتمكّن حبه منه أعظم تمكّن؟ وهذا حاله مع حبيبه. أفليس هذا المحبّ عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلا ونهارا؟ ولهذا قال: إنّي أظلّ عند ربي يطعمني ويسقيني. ولو كان ذلك طعاما وشرابا للفم- كما قيل- لما كان صائما. فضلا عن كونه مواصلا. كذا في (زاد المعاد) . وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف، أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة. وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم. لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة والله أعلم. قال ابن كثير: ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشاديّ من باب الشفقة. كما جاء في حديث عائشة «1» : رحمة لهم. فكان ابن الزبير وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشّمون ذلك ويفعلونه. لأنهم كانوا يجدون قوة عليه. وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غيره. فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلا أو نهارا حتى يقضي اعتكافه. وقال الضحاك: كان الرجل إذا
تنبيهان:
اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء. وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية. قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود ومحمد بن كعب، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدّيّ، والربيع ابن أنس، ومقاتل قالوا: لا يقربها وهو معتكف. قال ابن كثير: وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء: أنّ المعتكف يحرم عليه النساء مادام معتكفا في مسجده. ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بدّ له منها فلا يحلّ له أن يثبت فيه إلّا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك- من قضاء الغائط أو الأكل- وليس له أن يقبّل امرأته، ولا أن يضمّها إليه، ولا أن يشتغل بشيء سوى اعتكافه. ثم قال ابن كثير: المراد بالمباشرة، الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك. فأمّا معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به. فقد ثبت في (الصحيحين) «1» عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدني إليّ رأسه فأرجله وأنا حائض. وكان لا يدخل البيت إلّا لحاجة الإنسان. وفي (الصحيحين) «2» أيضا: أنّ صفية أم المؤمنين كانت تزور النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو معتكف في المسجد. فتتحدّث عنده ساعة ثمّ ترجع إلى منزلها. فيقوم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليمشي معها حتى يبلغها دارها، وذلك في الليل. تنبيهان: الأول: قال الراغب: ظاهر ذكر المساجد يقتضي جواز الاعتكاف في كلّ مسجد. الثاني: في ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام. كما ثبت في السنة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «3» أنّه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله عزّ وجلّ، ثم اعتكف أزواجه
من بعده. ثم إنّ حقيقة الاعتكاف هو المكث في بيت الله تقربا إليه. وهو من الشرائع القديمة. وقال الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) في هديه صلّى الله عليه وسلّم في الاعتكاف: لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفا وعلى جمعيته على الله. ولمّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى. فإن شعث القلب لا يلمّه إلّا الإقبال على الله تعالى. وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثا، ويشتتّه في كلّ واد. ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه، أو يعوقه ويوقفه- اقتضت رحمة العزيز الرحيم لعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوّقة له عن سيره إلى الله تعالى. وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه. ولا يضرّه ولا يقطعه من مصالحه العاجلة والآجلة. وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه، عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه. بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محلّ هموم القلب وخطراته. فيستولي عليه بدلها، ويصير الهمّ به كلّه، والخطرات كلّها بذكره. والفكرة في تحصيل مراضيه وما يقرب منه. فيكون أنسه بالله بدلا عن أنسه بالخلق. فيعدّه بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه. فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم. ولما كان المقصود إنما يتم مع الصوم شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم وهو العشر الأخير من رمضان. ولم ينقل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه اعتكف مفطرا قط. بل قد قالت عائشة: لا اعتكاف إلّا بصوم. ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلّا مع الصوم. ولا فعله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلّا مع الصوم. فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف، أنّ الصوم شرط في الاعتكاف. وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية. وأمّا الكلام، فإنّه شرع للأمة حبس اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة. وأمّا فضول المنام، فإنه شرع لهم من قيام الليل ما هو أفضل من السهر وأحمد عاقبة. وهو السهر المتوسط الذي ينفع القلب والبدن، ولا يعوق عن مصلحة العبد. ومدار أرباب الرياضات والسلوك على هذه الأركان الأربعة. وأسعدهم بها من سلك فيها المنهاج النبويّ المحمديّ. ولم ينحرف انحراف الغالين ولا قصر تقصير المفرطين. ثم قال: كان صلّى الله عليه وسلّم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عزّ وجلّ. وتركه
مرة فقضاه في شوّال. واعتكف مرة- في العشر الأول. ثمّ الأوسط، ثمّ العشر الأخير- يلتمس ليلة القدر، ثمّ تبيّن له أنها في العشر الأخير، فداوم على اعتكافه حتى لحق بربه عزّ وجلّ. وكان يأمر بخباء «1» فيضرب له في المسجد يخلو فيه بربّه عزّ وجلّ. وكان إذا أراد الاعتكاف صلّى الفجر ثم دخله. فأمر به مرّة فضرب. فأمر أزواجه بأخبيتهنّ فضربت. فلمّا صلّى الفجر نظر فرأى تلك الأخبية. فأمر بخبائه فقوّض. وترك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال. وكان يعتكف كل سنة عشرة أيام. فلمّا كان في العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما. وكان يعارضه جبريل «2» بالقرآن كلّ سنة مرة. فلمّا كان ذلك العام عارضه به مرّتين. ولم يباشر امرأة من نسائه- وهو معتكف- لا بقبلة ولا بغيرها. وكان- إذا اعتكف طرح له فراشه، ووضع له سريره في معتكفه. وكان إذا خرج لحاجته مرّ بالمريض، وهو على طريقه، فلا يعرج له إلّا سأل عنه. واعتكف مرّة في قبة تركية، وجعل على سدّتها حصيرا. كلّ هذا تحصيلا لمقصود الاعتكاف وروحه. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها يعني: تلك الأحكام التي ذكرت في الصيام والاعتكاف من تحريم الأكل والشرب والجماع. وشبّه تلك الأحكام بالحدود الحاجزة بين الأشياء لكونها حاجزة بين الحق والباطل. فإن من عمل بها كان في حيز الحق، ومن خالفها وقع في الباطل. ونهى عن قربها كيلا يداني الباطل فضلا أن يتخطى إليه. فالنهي عن مكان القرب من الحدود التي هي الأحكام، كناية عن النهي عن قرب الباطل. لكون الأول لازما للثاني. وبذلك يحصل الجمع بين هذه الآية وآية تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [البقرة: 229] ، ويندفع التنافي. وقوله فَلا تَقْرَبُوها أبلغ من فَلا تَعْتَدُوها لأنه نهي عن قرب الباطل بطريق الكناية التي هي أبلغ من التصريح. وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق التصريح كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ أي: كما بيّن ما أمركم به ونهاكم عنه- في هذا الموضع- يبين للناس ما شرعه لهم على لسان نبيّه صلّى الله عليه وسلّم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ المحارم فيعرفون كيف يطيعون ويهتدون. كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحديد: 9] .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 188]
قال الرازيّ: والغرض من قوله تعالى كَذلِكَ.... إلخ تعظيم حال البيان، وتعظيم رحمته على الخلق في ذكره مثل هذا البيان. وفيه أيضا تقرير للأحكام السابقة، والترغيب إلى امتثالها بأنها شرعت لأجل التقوى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 188] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره بذلك: ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل. فجعل بذلك آكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل، ونظير ذلك قوله تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: 11] . وقوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: 29] ، بمعنى: لا يلمز بعضكم بعضا ولا يقتل بعضكم بعضا. لأنه تعالى جعل المؤمنين إخوة. وكذلك تفعل العرب. تكني عن أنفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها لأن أخا الرجل عندها كنفسه فتأويل الكلام: ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل، وأكله بالباطل أكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه. و (بينكم) : إما ظرف ل (تأكلوا) بمعنى: لا تتناولوها فيما بينكم بالأكل، أو حال من (الأموال) أي: لا تأكلوها كائنة بينكم ودائرة بينكم. و (بالباطل) في موضع نصب ب (تأكلوا) أي: لا تأخذوها بالسبب بالباطل- أي الوجه الذي لم يبحه الله تعالى- ويجوز أن يكون حالا من (الأموال) أي: لا تأكلوها متلبسة بالباطل. أو من الفاعل في (تأكلوا) أي: لا تأكلوها مبطلين أي متلبسين بالباطل وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ أي: تخاصموا بها- أي: بأموالهم- إلى الحكام مجزوم عطفا على النهي، ويؤيده قراءة أبيّ (ولا تدلوا) بإعادة (لا الناهية) والإدلاء: مأخوذ من إدلاء الدلو وهو إرسالها في البئر للاستقاء ثم استعير لكلّ إلقاء قول أو فعل توصّلا إلى شيء ومنه يقال للمحتجّ: أدلى بحجّته. كأنه يرسلها ليصير إلى مراده، كإدلاء المستقي الدلو ليصل إلى مطلوبه من الماء. وفلان يدلي إلى الميت بقرابة أو رحم، إذا كان منتسبا إليه. فيطلب الميراث بتلك النسبة ف (الباء) صلة الإدلاء تجوزا به عن الإلقاء كما ذكرنا. والمعنى: لا تلقوا أمرها- والحكومة فيها- إلى الحكام. أو
لا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة ليعينوكم على اقتطاع أموال الناس. وقد لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «1» الراشي والمرتشي والرائش- وهو الواسطة الذي يمشي بينهما- رواه أهل السنن. وذلك لأن وليّ الأمر إذا أكل هذا السحت- أعني الرشوة المسماة بالبرطيل، وتسمى أحيانا بالهدية وغيرها- احتاج أن يسمع الكذب من الشهادة الزور وغيرها مما فيه إعانة على الإثم والعدوان ووليّ الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، هذا مقصود الولاية. وإذا كان الوالي يمكّن من المنكر بمال يأخذه كان قد أتى بضدّ المقصود، مثل من نصبته ليعينك على عدوّك فأعان عدوّك عليك. وبمنزلة من أخذ مالا ليجاهد به في سبيل الله فقاتل المسلمين. و (الحكّام) : جمع حاكم وهو منفذ الحكم بين الناس كالحكم، محرّكة. لِتَأْكُلُوا أي: بواسطة حكمهم الفاسد، وبالتحاكم إليهم- فَرِيقاً- أي: طائفة وقطعة- مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ بما يوجب إثما- كشهادة الزور واليمين الفاجرة وحكمهم الفاسد- فإنه لا يفيد الحلّ والظلم. ف (الباء) للسببية. متعلّقها (لتأكلوا) . وجوز كونها للمصاحبة. فالمجرور حال من فاعل (لتأكلوا) أي: متلبسين بالإثم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: أنكم على الباطل. وارتكاب المعصية- مع العلم بقبحها- أقبح، وصاحبه أحق بالتوبيخ، فالتقييد لكمال تقبيح حالهم. قال الراغب: أي: إن خفي ظلمكم على الناس فإنه لا يخفى عليكم، تنبيها على أنّ الاعتبار بما عليه الأمر في نفسه، وما علمتم منه لا بما يظهر. وقال ابن كثير في (تفسيره) : قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذه الآية في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بيّنة، فيجحد المال، ويخاصم إلى الحكام. وهو يعرف أنّ الحق عليه. وهو يعلم أنّه آثم آكل الحرام. وكذا روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدّيّ، ومقاتل ابن حيان، وعبد الرحمن بن زيد أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. وقد ورد في (الصحيحين) «2» عن أم سلمة: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ألا إنما أنا بشر.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 189]
وإنما يأتيني الخصم. فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض فأقضي له. فمن قضيت له بحقّ مسلم فإنما هي قطعة من نار. فليحملها أو ليذرها . فدلّت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أنّ حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر. فلا يحل في نفس الأمر حراما هو حلال، ولا يحرم باطلا هو حلال. وإنما هو ملزم في الظاهر. فإن طابق في نفس الأمر فذاك. وإلّا فللحاكم أجره. وعلى المحتال وزره. ولهذا قال تعالى في آخر الآية وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم. قال قتادة: اعلم يا بني آدم..! أنّ قضاء القاضي لا يحل حراما، ولا يحقّ لك باطلا. وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب. واعلموا أنّ من قضى له بباطل أنّ خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة. فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 189] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله! لم خلقت الأهلّة؟ فنزلت. وروى أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس قال: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم. قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو- أو يطلع- دقيقا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدقّ حتى يعود كما كان، لا يكون على حال واحد؟ فنزلت. ومعنى كونها مَواقِيتُ لِلنَّاسِ معالم لهم في حلّ دينهم، ولصومهم، ولفطرهم، وأوقات حجهم، وأجائرهم، وأوقات الحيض وعدد نسائهم، والشروط التي إلى أجل. فكلّ هذا مما لا يسهل ضبط أوقاتها إلّا عند وقوع الاختلاف في شكل القمر زيادة ونقصا. ولهذا خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة. قال بعض المفسّرين: ثمرة الآية أنّ الأحكام الشرعية- كالزكاة والعدد للنساء والحمل تتعلق بشهور الأهلّة لا بشهور الفرس. أمّا ما تعلّق بالعقود والأفعال المتعلقة
تنبيه:
بفعل بني آدم فيتبع فيه العرف من حسابهم. بالأهلة أو بشهور الفرس. فهذا حكم، وذاك حكم آخر. وقد ذكر تعالى هذا المعنى في آيات. كقوله سبحانه: وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس: 5] . وقوله: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [الإسراء: 12] . أي: من غير افتقار إلى مراجعة المنجّم وحساب الحاسب، رحمة منه تعالى وفضلا. وإفراد «الحج» بالذكر هنا تنويها بشأنه. وقال القفال: نكتة إفراده بيان أنّ الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرضه، وأنّه لا يجوز نقل الحجّ من تلك الأشهر إلى أشهر، كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء. والله أعلم. والجمهور على فتح حاء (الحجّ) والحسن على كسرها في جميع القرآن. قال سيبويه هما مصدران كالردّ والذكر وقيل: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم. و (والأهلّة) جمع هلال. وجمعه باختلاف زمانه. وهو: غرّة القمر إلى ثلاث ليال أو سبع، ثمّ يسمّى قمرا، وليلة البدر لأربع عشرة. قال أبو العباس: سمي الهلال هلالا لأنّ الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، وسمي بدرا لمبادرته الشمس بالطلوع كأنّه يعجلها المغيب. ويقال: سمّي بدرا لتمامه وامتلائه. وكلّ شيء تمّ فهو بدر. تنبيه: الجواب على الرواية الثانية في سبب نزول الآية من الأسلوب الحكيم. وهو تلقّي السائل بغير ما يتطلب- بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيها للسائل على أن ذلك الغير هو الأولى بحاله أو المهم له. فلمّا سألوا عن السبب الفاعليّ للتشكلات النورية في الهلال، أجيبوا بما ترى من السبب الغائي. تنبيها على أنّ السؤال عن الغاية والفائدة هو أليق بحالهم. لأنّ درك الأسباب الفاعلية لتلك التشكلات مبنيّ على أمور من علم الهيئة لا عناية للشرع بها. فلو أجيبوا: بأنّ اختلاف تشكلات الهلال. بقدر محاذاته للشمس، فإذا حاذاها طرف منه استنار ذلك الطرف. ثم تزداد المحاذاة والاستنارة حتى إذا تمت بالمقابلة امتلأ. ثمّ تنقص المحاذاة والاستنارة حتى إذا حصل الاجتماع أظلم بالكلية- لكان هذا الجواب اشتغالا بعلم الهيئة الذي لا ينتفع به في الدين، ولا يتعلق به صلاح معاشهم ومعادهم. والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنما بعث لبيان
ذلك. وقد روي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: من اقتبس علما من النجوم اقتبس بابا من السحر. زاد ما زاد. أخرجه الإمام أحمد «1» وأبو داود «2» وابن ماجة «3» عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال عليّ رضي الله عنه: من طلب علم النجوم تكهّن. وهو من العلم الذي قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: علم لا ينفع، وجهل لا يضرّ! والمقصود أنّ الجواب، على الرواية الثانية، من الأسلوب الحكيم. إشعارا بأنّ الأولى السؤال عن الحكمة فيه. قال السكاكيّ في (المفتاح) : ولهذا النوع- أعني إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر- أساليب متفنّنة، إذ ما من مقتضى كلام ظاهريّ إلّا ولهذا النوع مدخل فيه بجهة من جهات البلاغة. ترشد إليه تارة بالتصريح، وتارة بالفحوى. ولكلّ من تلك الأساليب عرق في البلاغة يتشرب من أفانين سحرها، ولا كأسلوب الحكيم فيها. وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب كما قال: أتت تشتكي عندي مزاولة القرى، ... وقد رأت الضيفان ينحون منزلي فقلت، كأني ما سمعت كلامها: ... هم الضيف. جدّي في قراهم وعجّلي أو السائل بغير ما يتطلب كما قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ.. الآية قالوا في السؤال: ما بال الهلال يبدو دقيقا..! إلخ؟ فأجيبوا بما ترى. وكما قال: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ: ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [البقرة: 215] . سألوا عن بيان ما ينفقون، فأجيبوا ببيان المصرف. ينزل سؤال السائل منزلة سؤال غير سؤاله، لتوخّي التنبيه له بألطف وجه على تعديه عن موضع سؤال هو أليق بحاله أن يسأل عنه، أو أهمّ له إذا تأمل. وأنّ هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام فحرك من نشاط السامع ما سلبه حكم الوقور، وأبرزه في معرض المسحور وهل ألان شكيمة الحجاج لذلك الخارجيّ، وسلّ سخيمته، حتى آثر أن يحسن، على أن يسيء غير أن سحره بهذا الأسلوب؟ إذ توعده الحجاج بالقيد في قوله «لأحملنك على الأدهم!» فقال متغابيا: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب! مبرزا وعيده في معرض الوعد، متوصلا أن يريه بألطف
وجه: أنّ أمرأ مثله- في مسند الإمرة المطاعة- خليق بأن يصفد لا أن يصفد، وأن بعد لا أن يوعد. وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. قال الراغب في (تفسيره) الباب معروف. وعنه استعير لمدخل الأمور المتوصل به إليها وقيل في العلم: باب كذا. وقد سئل عليه السلام عن زيادة القمر ونقصانه. فأنزل الله هذه الآية تنبيها على أظهر فائدته للحسّ، وأبينها له. ثمّ قال: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها أي: بأن تطلبوا الأمر من غير وجهه. وذلك أنّه يقال: أتى فلان البيت من بابه- إذا طلب الشيء من وجهه. وقال الشاعر: أتيت المروءة من بابها وأتى البيت من ظهره: إذا طلب الأمر من غير وجهه. وجعل ذلك مثلا لسؤالهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عمّا هو ليس من العلم المختص بالنبوّة. وإنّ ذلك عدول عن المنهج، وذلك أنّ العلوم ضربان: دنيوي، يتعلق بأمر المعاش- كمعرفة الصنائع، ومعرفة حركات النجوم، ومعرفة المعادن، والنبات، وطبائع الحيوانات. وقد جعل لنا سبيلا إلى معرفته على غير لسان نبيّه عليه السلام. وشريعة: وهو البرّ. ولا سبيل إلى أخذه إلّا من جهته. وهو أحكام التقوى..! فلمّا جاءوا يسألون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، عمّا أمكنهم معرفته من غير جهته، أجابهم، ثمّ بيّن لهم أنّه ليس البرّ ترك المنهج في السؤال من النبيّ ما ليس مختصا بعلم نبوّته. ولكنّ البرّ هو مجرد التقوى: وذلك يكون بالعلم والعمل المختصّ بالدين. وقال أبو مسلم الأصفهانيّ: المراد من هذه الآية، ما كانوا يعملونه من النسيء. فإنهم كانوا يخرجون الحجّ عن وقته الذي عينه الله له. فيحرمون الحلال ويحللون الحرام. فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثل لمخالفة الواجب في الحجّ وشهوره. وأمّا ما رواه البخاري «1» وغيره عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء رضي الله عنه يقول: نزلت هذه الآية فينا. كانت الأنصار إذا حجّوا فجاؤوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها. فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه. فكأنه عيّر بذلك، فنزلت وَلَيْسَ الْبِرُّ ... الآية. فالمراد، من نزولها في ذلك، صدقها عليه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 190]
حسبما رآه لا أنّ ذلك كان سبب نزولها. كما بيّنا مرارا معنى قولهم: نزلت الآية في كذا. وقد أشار، لهذا الراغب- بعد حكايته هذه الرواية وما قاله أبو مسلم- بقوله: وكلّ ذلك لا يدفع أن تتناوله الآية. لكنّ الأليق أن تؤول الآية بما تقدم ذكره من أنّ معنى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها أي: تحروا في كلّ عمل إتيان الشيء من وجهه، تنبيها على أن ما يطلب من غير وجهه صعب تناوله. ثمّ قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ حثّا لنا أن نجعل تقوى الله شعارنا في كلّ ما نتحراه. وبيّن أنّ ذلك ذريعة إلى تحصيل الفلاح. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 190] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ المقاتلة في سبيل الله هو الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين. وفي قوله: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله. أي: كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم. كما قال: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: 36] ، وَلا تَعْتَدُوا أي: بابتداء القتال. أو بقتال من نهيتم عن قتاله، من النساء، والشيوخ، والصبيان، وأصحاب الصوامع، والذين بينكم وبينهم عهد. أو بالمثلة، أو بالمفاجأة من غير دعوة. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي: المتجاوزين حكمه في هذا وغيره. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 191] وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) وَاقْتُلُوهُمْ أي: الذين يقاتلونكم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي: وجدتموهم. وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي: من مكة. فإنّ قريشا أخرجوا المسلمين منها. والمسلمون أخرجوا المشركين يوم الفتح. وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ أي: المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان، يتعذب به، أشدّ عليه من القتل. أي: إنّ فتنتهم إيّاكم
تنبيه:
في الحرم عن دينكم- بالتعذيب، والإخراج من الوطن، والمصادرة في المال- أشدّ قبحا من القتل فيه. إذ لا بلاء على الإنسان أشدّ من إيذائه على اعتقاده الذي تمكّن من عقله ونفسه. ورآه سعادة له في عاقبة أمره. فالجملة دفع لما قد يقع من استعظام قتلهم في مثل الحرم، وإعلام بأنّ القصاص منهم بالقتل دون جرمهم بفتنة المؤمنين. لأن الفتنة أشد من القتل. وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ لأنّ حرمته لذاته. وحرمة سائر الحرم من أجله. وهذا بمثابة الاستثناء من قوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ أي: فيه فلا تفتقرون إلى الفرار عن الحرم فَاقْتُلُوهُمْ فيه إذ لا حرمة لهم لهتكهم حرمة المسجد الحرام كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ لا يترك لهم حرمة كما لم يتركوا حرمة الله في آياته. تنبيه: دلّت الآية على الأمر بقتال المشركين في الحرم، إذا بدءوا بالقتال فيه، دفعا لصوتهم كما بايع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابه يوم الحديبية «1» تحت الشجرة على القتال، لمّا تألب عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ. ثم كفّ الله القتال بينهم فقال: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [الفتح: 24] . وقال صلّى الله عليه وسلّم لخالد ومن معه يوم الفتح «2» : إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصدا حتى توافوني على الصفا ... فما عرض لهم أحد إلّا أناموه، وأصيب من المشركين نحو اثني عشر رجلا . كما في السيرة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 192] فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) فَإِنِ انْتَهَوْا أي: عن القتال فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: فكفّوا عنهم ولا تتعرّضوا لهم تخلقا بصفتي الحقّ تعالى المذكورتين وهما: المغفرة والرحمة، هذا ظاهر المساق. وقال بعضهم: فَإِنِ انْتَهَوْا أي: عن الشرك والقتال فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما سلف من طغيانهم رَحِيمٌ بقبول توبتهم وإيمانهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 193]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 193] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) وَقاتِلُوهُمْ أي: هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنكم حَتَّى لا تَكُونَ- أي: لا توجد في الحرم- فِتْنَةٌ أي: تقوّ بسببه يفتنون الناس عن دينهم، ويمنعونهم من إظهاره والدعوة إليه وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ خالصا أي: لا يعبد دونه شيء في الحرم. ولا يخشى فيه غيره، فلا يفتن أحد في دينه. ولا يؤذى لأجله. وفي (الصحيحين) «1» عن ابن عمر: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا منيّ دماءهم وأموالهم إلّا بحق الإسلام، وحسابهم على الله. فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم في الحرم فَلا عُدْوانَ فلا سبيل لكم بالقتل إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ المبتدئين بالقتل. وروى البخاريّ في (صحيحه) «2» عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إنّ الناس قد ضيّعوا، وأنت ابن عمر وصاحب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي..! قالا: ألم يقل الله وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله. ثم ساق البخاريّ رواية أخرى وفيها: قال ابن عمر: فعلنا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكان الرجل يفتن في دينه إمّا قتلوه وإمّا يعذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 194]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 194] الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ إيذان بأنّ مراعاة حرمة الشهر واجبة لمن راعى حرمته، وإنّ من هتكها اقتصّ منه فهتك حرمته بهتكهم حرمته. فكما يقاتلون عند المسجد الحرام- إذا قاتلوا فيه- يقاتلون في الشهر الحرام إذا قاتلوا فيه. وقد روى الإمام أحمد «1» بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لم يكن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يغزو في الشهر الحرام إلّا أن يغزى- أو يغزوا- فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ. ولهذا، لمّا سار صلّى الله عليه وسلّم في ذي القعدة، سنة ست معتمرا، وخيّم بالحديبية، وبلغه أنّ عثمان قتل- وكان بعثه في رسالة إلى المشركين- بايع أصحابه- وكانوا ألفا وأربعمائة- تحت الشجرة على قتال المشركين. فلما بلغه أنّ عثمان لم يقتل كفّ عن ذلك، وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان. وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين وتحصّن فلّهم بالطائف عدل إليها فحاصرها، ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق. واستمرّ عليها إلى كمال أربعين يوما. كما ثبت في (الصحيحين) عن أنس. فلما كثر القتل في أصحابه انصرف عنها، ولم تفتح، ثم كرّ راجعا إلى مكة. واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين. وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضا عام ثمان. وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ أي: متساوية، فلا يفضل شهر حرام على آخر. بحيث يمتنع هتك حرمته لهتكهم حرمة ما دونه، على أنا لا نهتك حرمة الشهر والمسجد الحرام والحرم، بل نهتك حرمة من هتك حرمة أحدها- قاله المهايميّ. و (الحرمات) جمع حرمة. وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك. و (القصاص) : المساواة. والكلام على حذف المضاف. أي: ذوات قصاص. أو المصدر بمعنى المفعول أي مقاصة، أو الحمل بطريق المبالغة. فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ أمر بالعدل حتى في المشركين، كما قال:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 195]
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: 126] وقال: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: 40] . وَاتَّقُوا اللَّهَ في هتك حرمة الشهر والمسجد والحرم بدون هتكهم، وفي زيادة الاعتداء وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ أي: بالمعونة والنصر والحفظ والتأييد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 195] وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أمر بالإنفاق في سائر وجوه القربات والطاعات. ومن أهمها: صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوّهم. وقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أي: ما يؤدي إلى الهلاك أي: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك، وذلك بالتعرض لما تستوخم عاقبته، جهلا به. وقال الراغب: وللآية تأويلان بنظرين أحدهما: إنه نهي عن الإسراف في الإنفاق، وعن التهوّر في الإقدام، والثاني: إنه نهي عن البخل بالمال، وعن القعود عن الجهاد. وكلا المعنيين يراد بها. فالإنسان، كما أنه منهيّ عن الإسراف في الإنفاق، والتهور في الإقدام، فهو منهي عن البخل والإحجام عن الجهاد، ولهذا قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان: 67] الآية، وقال: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [الإسراء: 29] الآية. ولمّا كان أمر الإنفاق أخصّ بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال، لتجرد المهاجرين عنها، وقد اشتهر في هذه الآية حديث أبي أيوب الأنصاري، رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ وابن حبان في (صحيحه) ، والحاكم في (مستدركه) وغيرهم ... ولفظ الترمذيّ «1» : عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم. فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر. وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد. فحمل رجل من المسلمين على صفّ الروم حتى دخل عليهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يلقي بيديه إلى
تنبيه:
التهلكة.. فقام أبو أيوب الأنصاريّ فقال: يا أيها الناس! إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما أعزّ الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرّا- دون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- إنّ أموالنا قد ضاعت، وإنّ الله قد أعزّ الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها! فأنزل الله تعالى على نبيّه صلّى الله عليه وسلّم يردّ علينا ما قلنا وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ فكانت التهلكة الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وتركنا الغزو. فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. هذا حديث حسن غريب صحيح. أقول: إنكار أبي أيوب رضي الله عنه إمّا لكونه لا يقول بعموم اللفظ بل بخصوص السبب، وإمّا لردّ زعم أنها نزلت في القتال. أي: في حمل الواحد على جماعة العدوّ كما تأولوها. وهذا هو الظاهر. وإلّا فاللفظ يقتضي العموم، ووروده على السبب لا يصلح قرينة لقصره على ذلك. ولا شبهة أنّ التعبد إنما هو باللفظ الوارد وهو عام. وقد استشهد بعموم الآية عمرو بن العاص فيما رواه ابن أبي حاتم بسنده: أن عبد الرحمن الأسود بن عبد يغوث أخبر أنهم حاصروا دمشق. فانطلق رجل من أزد شنوءة فأسرع إلى العدوّ وحده ليستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فردّه. وقال عمرو: قال الله وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ!. وقد روي في سبب نزولها آثار ضعيفة ساقها ابن كثير وهي- والله أعلم- من باب صدق عمومها على ما رووه. تنبيه: قال الحاكم: تدلّ الآية على جواز الهزيمة في الجهاد إذا خاف على النفس. وتدلّ على جواز ترك الأمر بالمعروف إذا خاف، لأنّ كل ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة. وتدلّ على جواز مصالحة الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين. كما فعله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام الحديبية. وكما فعله أمير المؤمنين علىّ عليه السلام بصفين. وكما فعله الحسن عليه السلام من مصالحة معاوية. وتدلّ أيضا على جواز مصالحة الإمام بشيء من أموال الناس إذا خشي التهلكة. ويؤيده أنه صلّى الله عليه وسلّم أراد أن يصالح يوم الأحزاب بثلث ثمار المدينة حتى شاور سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فأشارا بترك ذلك. وهو لا يعزم إلا على ما يجوز.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 196]
لطيفة: (الإلقاء) لغة، طرح الشيء، عدّي بإلى لتضمن معنى الانتهاء، والباء مزيدة في المفعول لتأكيد معنى النهي. والمراد بالأيدي: الأنفس، فذكر الجزء وإرادة الكلّ لمزيد اختصاص لها باليد. بناء على أنّ أكثر ظهور أفعال النفس بها. والتهلكة والهلاك والهلك واحد. فهي مصدر. أي: لا توقعوا أنفسكم في الهلاك. والتهلكة بضمّ اللام. قال الخارزنجي: لا أعلم في كلام العرب مصدرا على تفعلة- بضمّ العين- إلّا هذا. وقال اليزيديّ: هو من نوادر المصادر. ولا يجري على القياس! قال الزمخشري: ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة كالتجربة والتبصرة ونحوهما. على أنها مصدر من هلك. فأبدلت من الكسرة ضمّة. كما جاء الجوار في الجوار. هذا ما ذكروه. قال الفخر الرازي- ولله دره- بعد نقله نحو ما سبق: وإني لأتعجب كثيرا من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا شعرا مجهولا يشهد لما أرادوه فرحوا به واتخذوه حجّة قوية. فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى. المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة- أولى أن يدلّ على صحّة هذه اللفظة واستقامتها. وَأَحْسِنُوا أي: تحرّوا فعل الإحسان، أي: الإتيان بكلّ ما هو حسن، ومن أجلّه الإنفاق، وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. قال الراغب: نبه بإظهار المحبة للمحسنين على شرف منزلتهم وفضيلة أفعالهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 196] وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ أي: أدّوهما تامّين بمناسكهما المشروعة لوجه الله تعالى.
تنبيه:
قال الراغب: قيل: أَتِمُّوا خطاب لمن خرج حاجا أو معتمرا، فأمر أن لا يصرف وجهه حتى يتمهما. وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله. واحتج به في وجوب إتمام كلّ عبادة دخل فيها الإنسان متنفلا. وأنه متى أفسدها وجب قضاؤها. وقيل: إنه خطاب لهم ولمن لم يتلبس بالعبادة. وذكر لفظ الإتمام تنبيه على توفية حقها وإكمال شرائطها. وعلى هذا قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: 187] وإلى هذا ذهب الشافعيّ رحمه الله واحتجّ به في وجوب العمرة. وإنما قال في الحجّ والعمرة لِلَّهِ ولم يقل ذلك في الصلاة والزكاة، من أجل أنهم كانوا يتقربون ببعض أفعال الحجّ والعمرة إلى أصنامهم: فخصهما بالذكر لله تعالى حثا على الإخلاص فيهما، ومجانبة ذلك الاعتقاد المحظور. فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أي: حبسكم عدوّ عن تمام الحجّ أو العمرة وأردتم التحلل فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ أي فعليكم، أو فالواجب، أو فأهدوا ما استيسر يقال: يسر الأمر واستيسر كما يقال: صعب واستصعب و (الهدي) بتخفيف الياء وتشديدها جمع هدية وهديّة. وهو ما أهدي إلى مكة من النعم لينحر تقربا به إلى الله. قال ثعلب: الهدي، بالتخفيف، لغة أهل الحجاز. والتثقيل، على فعيل، لغة بني تميم وسفلى قيس. وقد قرئ بالوجهين جميعا في الآية. وشاهد الهديّ مثقلا من كلامهم قول الفرزدق: حلفت بربّ مكة والمصلّى ... وأعناق الهديّ مقلّدات وشاهد الهدية كذلك قول ساعدة بن جؤيّة إني وأيديهم وكل هدية ... مما تثج له ترائب تثعب وأعلى الهدي بدنة. وأدناه شاة. والمعنى: أن المحرم إذا أحصر وأراد أن يتحلل، تحلل بذبح هدي تيسر عليه: من بدنة أو بقرة أو شاة. تنبيه: قال الراغب: ظاهر قوله تعالى أُحْصِرْتُمْ أنه لا فرق فيه بين أن يحصر بمكة أو بغيرها. وبعد عرفة أو قبلها. وكذلك لا فرق في الظاهر بين أن يحصره عدوّ مسلم أو غيره. وظاهره يقتضي أنه لا فصل بين إحصار العدوّ وإحصار المرض. لولا أن الآية نزلت في سبب العدوّ فلا يجوز أن تتعدى إلّا بدلالة. ولأنّ قوله فَإِذا أَمِنْتُمْ يدلّ على أن المراد بالإحصار هو بالعدوّ.
وقد يقال: العبرة في أمثاله بعمومه كما ذهب إليه ثلّة من السلف. فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والنخعي، وعطاء، ومقاتل أنهم قالوا: الإحصار من عدوّ أو مرض أو كسر. وقال الثوريّ: الإحصار من كل شيء آذاه. وثبت في (الصحيحين) «1» عن عائشة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحجّ وأنا شاكية. فقال: حجّي واشترطي أن محلي حيث حبستني. ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله. ومن دلالة الآية ما قاله الراغب: إن ظاهرها يقتضي أن لا قضاء على المحصر لأنه قال فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ واقتصر عليه. وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ أي: الموضع الذي يحلّ فيه نحره، وهو مكانه الذي يستقرّ فيه. يعني موضع الإحصار. وبلوغه إياه كناية عن ذبحه فيه، واستعمال بلوغ الشيء محله في وصوله إلى ما يقصد منه- شائع. ولمّا اعتمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه عام الحديبية، وحصرهم كفّار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم بها ولم يبعثوا به إلى الحرم. وقد ساق الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) بعض ما في قصة الحديبية من القواعد الفقهية في فصل قال فيه: ومنها أنّ المحصر ينحر هديه حيث أحصر من الحل أو الحرم، وأنّه لا يجب عليه أن يواعد من ينحره في الحرم إذا لم يصل إليه، وأنّه لا يتحلل حتى يصل إلى محله. بدليل قوله تعالى هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الفتح: 25] . ومنها أنّ الموضع الذي نحر فيه الهدي كان من الحلّ لا من الحرم، لأنّ الحرم كله محل الهدي. وقال الإمام مالك في «الموطأ» «2» : من حبس بعدوّ فحال بينه وبين البيت، فإنه يحلّ من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاء. قال «3» : فهذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدوّ كما أحصر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه.
تنبيه:
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ أي: فمن كان منكم- معشر المحرمين- مريضا مرضا يتضرر معه بالشّعر ويحوجه إلى الحلق، أو كان به أذى من رأسه- كجراحة وقمل- فعليه، إن حلق، فدية من صيام أو صدقة أو نسك. وقد نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة الأنصاريّ رضي الله عنه قال «1» : حملت إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والقمل يتناثر على وجهي، فقال ما كنت أرى أنّ الجهد قد بلغ بك هذا..! أما تجد شاة؟ قلت: لا! قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكلّ مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك. فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامّة، رواه الشيخان وغيرهما. واللفظ للبخاريّ. وروى الإمام أحمد «2» عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحديبية ونحن محرمون، وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوامّ تساقط على وجهي، فمرّ عليّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: أيؤذيك هوامّ رأسك؟ قلت: نعم. فأمره أن يحلق. قال: ونزلت هذه الآية. قال ابن عباس: إذا كان (أو أو) فأيّة أخذت أجزأ عنك! وعامة العلماء: إنه يخيّر في هذا المقام إن شاء صام وإن شاء تصدّق بفرق- وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدّان- وإن شاء ذبح شاة وتصدّق بها على الفقراء، أيّ ذلك فعل أجزأه. ولمّا كان لفظ القرآن في بيان الرخصة، جاء بالأسهل فالأسهل. ولمّا أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كعب بن عجرة بذلك أرشده أولا إلى الأفضل فقال: أما تجد شاة؟ فكلّ حسن في مقامه، ولله الحمد والمنّة- أفاده ابن كثير. تنبيه: استفيد من الآية أحكام: الأول: جواز الحلق من المحرم، واللبس للمخيط للضرورة، ووجوب الفدية عليه، وذلك لبيان سبب النزول. الثاني: تحريم الحلق ولبس المخيط لغير عذر، وهذا مأخوذ من المفهوم لأنه مصرّح به، وذلك إجماع. الثالث: أنّ الفدية الواجبة تكون من أجناس الثلاثة وهي: الصيام، أو الصدقة،
لطيفة:
أو النسك، وقد ورد بيانها في حديث كعب. الرابع: أنّ الفدية واجبة على التخيير كما بيّنا. قال الراغب: وظاهر الآية يقتضي أنه لا فرق بين قليل الشعر وكثيره، بخلاف ما قال أبو حنيفة رحمه الله، حيث لم يلزم إلّا بحلق الثلث. وغيره لم يلزم إلّا بحلق الربع. لطيفة: أصل النسك العبادة، وسميت ذبيحة الأنعام نسكا لأنها من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى. قال أبو البقاء: والنسك- في الأصل- مصدر بمعنى المفعول لأنه من: نسك ينسك، والمراد به هاهنا المنسوك، ويجوز أن يكون اسما لا مصدرا، ويجوز تسكين السين. انتهى. فَإِذا أَمِنْتُمْ أي: كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ أي: بإحرامه بها في أشهر الحجّ. ليستفيد الحلّ حين وصوله إلى البيت، ويستمرّ حلالا في سفره ذلك إِلَى الْحَجِّ أي: إلى وقت الإحرام بالحجّ فَمَا أي: فعليه ما اسْتَيْسَرَ أي: تيسّر مِنَ الْهَدْيِ من النعم، يكون هذا الهدي لأجل ما تمتع به بين النسكين من الحلّ. وفي (النهاية) : صورة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجّ، فإذا أحرم بالعمرة بعد إهلاله شوالا فقد صار متمتعا بالعمرة إلى الحجّ، وسمّي به. لأنه: إذا قدم مكة، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، حلّ من عمرته، وحلق رأسه، وذبح نسكه الواجب عليه لتمتعه، وحلّ له كلّ شيء كان حرم عليه في إحرامه من النساء والطيب، ثمّ ينشئ بعد ذلك إحراما جديدا للحجّ وقت نهوضه إلى منى، أو قبل ذلك، من غير أن يجب عليه الرجوع إلى الميقات الذي أنشأ منه عمرته، فذلك تمتعه بالعمرة إلى الحجّ، أي انتفاعه وتبلغه بما انتفع به من حلق وطيب وتنظف وقضاء تفث وإلمام بأهله، إن كانت معه. قال: الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) : وكان من هديه صلّى الله عليه وسلّم ذبح هدي العمرة عند المروة، وهدي القران بمنى. وكذلك كان ابن عمر يفعل، ولم ينحر صلّى الله عليه وسلّم قط إلّا بعد أن حلّ، ولم ينحره قبل يوم النحر ولا أحد من الصحابة، البتة.
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ أي: بعد الإحرام وقبل الفراغ من أعماله، والأولى سادس ذي الحجّة وسابعه وثامنه. قال الراغب: إن قيل: كيف قال: فِي الْحَجِّ؟ ومتى أحرم يوم عرفة لا يمكنه صيام ثلاثة أيام في الحج لأنه منهيّ عنه في يوم النحر وأيام التشريق؟ قيل: الواجب على المتمتع أن يحرم بالحجّ على وجه يمكنه الإتيان بالصيام لثلاثة أيام، وذلك بتقديم الإحرام قبل يوم عرفة. وقد قال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام التشريق. ويحملان النهي على صوم أيام منى على غير المتمتع. وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ أي: إلى أهليكم، أو إذا أخذتم في الرجوع بعد الفراغ من أعمال الحجّ. قال الراغب: وإطلاق اللفظ يحتمل الأمرين جميعا، فيصحّ حمله عليهما. إلّا أنّ الذي يرجح الوجه الأول ما روي في (الصحيحين) «1» من حديث ابن عمر الطويل وفيه: فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله. تِلْكَ عَشَرَةٌ فذلك حساب، أي: إجمال بعد تفصيل، وفائدتها: أن لا يتوهم أنّ الواو بمعنى (أو) وأنّ الكلام على التخيير، بل المجموع بدل الهدي..! وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا، فيحاط به من وجهين فيتأكد العلم. وفي المثل: علمان خير من علم، فإنّ أكثر العرب لا يعرف الحساب. فاللائق الخطاب الذي يفهمه الخاص والعامّ. وهو ما يكون بتكرار الكلام وزيادة الإفهام..! وفائدة ثالثة: وهو أنّ المراد بالسبعة هو العدد دون الكثرة فإنه يطلق لهما..! وفائدة رابعة: أشار لها الراغب وهو: إنّ قوله تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ استطراد في الكلام، وتنبيه على فضيلة علم العدد ولذا قيل: العدد أول العلوم وأشرفها. أما أنه أول، فلأن ما عداه معدول منه، وبه يفصل ويميز. وأمّا كونه أشرف، فلأنه لا اختلاف فيه ولا تغيّر، بل هو لازم طريقة واحدة. فذكر العشرة ووصفها بالكاملة. إذ هي عدد كمل فيه خواص الأعداد، فإنّ
تنبيهات
الواحد مبدأ العدد، والاثنين أول العدد، والثلاثة أول عدد فرد، والأربعة أول عدد زوج محدود- أي مجتمع من ضرب عدد في نفسه- والخمسة أول عدد دائر، والستة أول عدد نام- أي إذا أخذ جميع أجزائه لم يزد عليه ولم ينقص منه- والسبعة أول عدد أوّل- أي لا يتقدمه عدد بعده- والثمانية أول عدد زوج الزوج، والتسعة أول عدد مثلث، والعشرة أول عدد ينتهي إليه العدد. لأن ما بعده يكون مكررا بما قبله، فإذن العشرة هي العدد الكامل..! كامِلَةٌ صفة مؤكدة لعشرة تفيد المبالغة في المحافظة على العدد، ففيه زيادة توصية لصيامها، وأن لا يتهاون بها، ولا ينقص من عددها، كأنّه قيل: تلك عشرة كاملة، فراعوا كمالها ولا تنقصوها. ذلِكَ أي: وجوب دم التمتع أو بدله لمن لم يجد لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: بل كان أهله على مسافة الغيبة منه، وأمّا من كان أهله حاضريه- بأن يكون ساكنا في مكة- فهو في حكم القرب من الله، فالله تعالى يجبره بفضله. هذا، وقال بعض المجتهدين: إنّ ذلك إشارة إلى التمتع المفهوم من قوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ وليست للهدي والصوم، فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام، عنده. وروى ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة! لا متعة لكم. أحلّت لأهل الآفاق وحرّمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديا- أو قال: يجعل بينه وبين الحرم واديا- ثم يهلّ بعمرة..!. وروى عبد الرزاق عن طاوس قال: المتعة للناس لا لأهل مكّة. ثمّ قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس، والله أعلم. و (الأهل) : سكن المرء من زوج ومستوطن. و (الحضور) : ملازمة الموطن. وَاتَّقُوا اللَّهَ- في الجناية على إحرامه- وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن جنى على إحرامه أكثر من شدّة الملوك على من أساء الأدب بحضرته. وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة. تنبيهات الأول: في قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ.. الآية، دليل على مشروعية
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 197]
التمتع. كما جاء في (الصحيحين) «1» عن عمران بن حصين قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم ينزل قرآن يحرّمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. وروى مالك في «الموطأ» «2» عن عبد الله عن عمر أنه قال: والله! لأن أعتمر قبل الحجّ وأهدي أحبّ إليّ من أن أعتمر بعد الحجّ في ذي الحجّة..!. وفي (الصحيحين) «3» : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة. يعني كما فعل أصحابه صلّى الله عليه وسلّم عن أمره. الثاني: قال ابن القيّم في (زاد المعاد) : قد ثبت أنّ التمتع أفضل من الإفراد لوجوه كثيرة: منها: أنه صلّى الله عليه وسلّم أمرهم بفسخ الحجّ إليه، ومحال أن ينقلهم من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه. ومنها: أنه تأسف على كونه لم يفعله بقوله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها متعة. ومنها: أنه أمر به كلّ من لم يسق الهدي. ومنها أنّ الحجّ، الذي استقرّ عليه فعله وفعل أصحابه، القران ممن ساق الهدي، والتمتع لمن لم يسق الهدي، ولوجوه كثيرة غير هذه..!. الثالث: قال الراغب لا يجب الدم أو بدله في التمتع إلّا بأربع شرائط: إيقاع العمرة في أشهر الحجّ والتحلّل منها فيه، والثاني: أن يثني الحجّ من سنته، والثالث: أن لا يرجع إلى الميقات لإنشاء الحجّ، الرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 197] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197) الْحَجُّ أي: أوقات أعماله. أَشْهُرٌ وهي: شوال وذو القعدة وذو الحجّة. أي عشرة الأول. نزل منزلة الكلّ لغاية فضله.
لطيفة:
قال الثعالبيّ: وقد جاء في تفسير أشهر الحجّ وعشر ذي الحجّة- وفي بعضها تسع- فمن عبر بالتسع أراد الأيام، ومن عبر بالعشر أراد الليالي ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: الحجّ عرفة . وقد تبينت أنه يفوت الوقوف بطلوع الفجر. وقوله: مَعْلُوماتٌ أي: قبل نزول الشرع عند الناس، لا يشكلن عليهم. وآذن هذا أنّ الأمر بعد الشرع على ما كان عليه فَمَنْ فَرَضَ أي: أوجب على نفسه فِيهِنَّ الْحَجَّ بإحرامه فَلا رَفَثَ أي: خروج عن حدود الشريعة بارتكاب محظورات الإحرام وغيرها كالسباب والتنابز بالألقاب، وَلا جِدالَ أي: مماراة أحد من الرفقة والخدم والمكارين فِي الْحَجِّ أي: في أيامه، بل ينبغي أن يوجد فيها كلّ خير من خيرات الحجّ. والإظهار في مقام الإضمار لإظهار كمال الاعتناء بشأنه، والإشعار بعلة الحكم فإنّ زيارة البيت المعظم، والتقرب بها إلى الله عزّ وجلّ، من موجبات ترك الأمور المذكورة، وإيثار النفي للمبالغة في النهي والدلالة على أنّ ذلك حقيق بأن لا يكون، فإنّ ما كان منكرا مستقبحا في نفسه، ففي تضاعيف الحجّ أقبح، كليس الحرير في الصلاة. لطيفة: قال بعضهم: النكتة في منع هذه الأشياء على أنها آداب لسانية: تعظيم شأن الحرم، وتغليظ أمر الإثم فيه، إذ الأعمال تختلف باختلاف الزمان والمكان، فللملأ آداب غير آداب الخلوة مع الأهل. ويقال في مجلس الإخوان ما لا يقال في مجلس السلطان. ويجب أن يكون المرء في أوقات العبادة والحضور مع الله تعالى على أكمل الآداب، وأفضل الأحوال، وناهيك بالحضور في البيت الذي نسبه الله سبحانه إليه..! وأما السرّ فيها على أنها محرمات الإحرام، فهو أن يتمثل الحاج أنّه بزيارته لبيت الله تعالى مقبل على الله تعالى، قاصد له. فيتجرّد عن عاداته ونعيمه، وينسلخ من مفاخره ومميزاته على غيره، بحيث يساوي الغنيّ الفقير، ويماثل الصعلوك الأمير، فيكون الناس من جميع الطبقات في زيّ كزيّ الأموات، وفي ذلك- من تصفية النفس، وتهذيبها، وإشعارها بحقيقة العبودية لله، والأخوّة للناس- ما لا يقدر قدره، وإن كان لا يخفى أمره..!. وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ حث على الخير عقيب النهي عن الشرّ، وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن، ومكان الفسوق البرّ والتقوى، ومكان
الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة..! وقد روي «1» فيمن حجّ ولم يرفث ولم يفسق أنّه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه! وذلك، لأنّ الإقبال على الله تعالى بتلك الهيئة، والتقلب في تلك المناسك على الوجه المشروع، يمحو من النفوس آثار الذنوب وظلمتها. ويدخلها في حياة جديدة: لها فيها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت..! وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وروى البخاريّ «2» عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون ويقولون: نحن المتوكلون! فإذا قدموا مكّة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى. أي: وتزوّدوا ما تتبلغون به وتكفّون به وجوهكم عن الناس، واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم. فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى، أي: الاتقاء عن الإبرام والتثقيل عليهم..!. وقال ابن عمر: إنّ من كرم الرجل طيب زاده في السفر. وكان يشترط على من صحبه الجودة.. نقله ابن كثير. ويقال: في معنى الآية: وتزودوا من التقوى للمعاد، فإنّ الإنسان لا بدّ له من سفر في الدنيا، ولا بدّ فيه من زاد، ويحتاج فيه إلى الطعام والشراب والمركب وسفر من الدنيا إلى الآخرة، ولا بدّ فيه من زاد أيضا وهو تقوى الله، والعمل بطاعته، واتقاء المحظورات..! وهذه الزاد أفضل من الزاد الأول، فإنّ زاد الدنيا يوصل إلى مراد النفس وشهواتها، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم في الآخرة..! وفي هذا المعنى قال الأعشى: إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنّك لم ترصد لما كان أرصدا..! وثمّة وجه آخر: وهو أنّ قوله تعالى: وَتَزَوَّدُوا أمر باتخاذ الزاد هو طعام السفر، وقوله فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى إرشاد إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 198]
إليها بعد الأمر بالزاد للسفر في الدنيا، كما قال تعالى وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: 26] ، لما ذكر اللباس الحسيّ نبّه مرشدا إلى اللباس المعنويّ وهو الخشوع والطاعة، وذكر أنّه خير من هذا وأنفع. وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي: اتقوا عقابي وعذابي في مخالفتي وعصياني يا ذوي العقول والأفهام! فإنّ قضية اللبّ تقوى الله، ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لبّ له..! كما قال تعالى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف: 179] !. وقد قرئ بإثبات الياء في اتَّقُونِ على الأصل، وبحذفها للتخفيف ودلالة الكسرة عليه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 198] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ قال الراغب: كانت العرب تتحاشى من التجارة في الحجّ، حتى إنّهم كانوا يتجنبون المبايعة إذا دخل العشر، وحتى سمّوا من تولّى متجرا في الحجّ: الداج دون الحاج فأباح الله ذلك وعلى إباحة ذلك، دلّ قوله: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ... - إلى قوله- لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ [الحج: 27] وقوله: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: 20] . وقد روى البخاريّ «1» عن ابن عباس قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية فلما جاء الإسلام كأنّهم كرهوا ذلك حتى نزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحجّ. ففي الآية الترخيص لمن حجّ في التجارة ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق- وهو المراد بالفضل هنا- ومنه قوله تعالى: فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: 10] . أي: لا إثم عليكم في أن تبتغوا في مواسم
الحجّ رزقا ونفعا وهو الربح في التجارة مع سفركم لتأدية ما افترضه عليكم من الحجّ..! فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ- أي دفعتم منها- فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ أي: بالتلبية، والتهليل، والتكبير، والثناء، والدعوات. و (المشعر الحرام) : موضع بالمزدلفة، ميمه مفتوحة وقد تكسر، وقد وهم من ظنه جبيلا بها. سمّي به لأنه معلم للعبادة وموضع لها- كذا في «القاموس وشرحه» . ونقل الفخر عن الواحديّ في (البسيط) : إنّ (المشعر الحرام) هو المزدلفة. سمّاها الله تعالى بذلك، لأن الصلاة والمقام والمبيت به، والدعاء عنده. واستقر به الفخر قال: لأن الفاء في قوله فَاذْكُرُوا اللَّهَ.. إلخ تدلّ على أنّ الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات، وما ذاك إلّا بالبيتوتة بالمزدلفة. انتهى. قال البيضاويّ: ويؤيد الأول ما روى جابر «1» : أنّه صلّى الله عليه وسلّم لما صلّى الفجر- يعني بالمزدلفة بغلس- ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام . أي: فإنه يدلّ على تغاير المزدلفة والمشعر الحرام لمكان مسيره صلّى الله عليه وسلّم منها إلى المشعر الحرام،! وإنما قال (يؤيد) لأنه يجوز أن يؤول المشعر الحرام في الحديث بالجبل، إمّا بحذف المضاف، أو بتسمية الجزء باسم الكلّ- أفاده السيلكوتي. قال ابن القيّم في (زاد المعاد) في سياق حجته صلّى الله عليه وسلّم: فلمّا غربت الشمس واستحكم غروبها أفاض من عرفة بالسكينة من طريق المأزمين، ثم جعل يسير العنق- وهو ضرب من السير ليس بالسريع ولا البطيء- فإذا وجد فجوة- وهو المتسع- نصّ سيره- أي: رفعه فوق ذلك- وكان يلبي في مسيره ذلك لا يقطع التلبية، حتى أتى المزدلفة فتوضأ، ثم أمر المؤذن بالأذان فأذّن، ثم أقام فصلّى المغرب قبل حطّ الرحال وتبريك الجمال فلمّا حطّوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة ثم صلّى العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان، ولم يصلّ بينهما شيئا فلمّا طلع الفجر صلاها في أول الوقت، ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام، فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرّع والتكبير والتهليل والذكر حتى أسفر جدا، وذلك قبل طلوع الشمس. انتهى المقصود منه. قال بعض الأئمة: ما أحقّ الذكر عند المشعر الحرام بأن يكون واجبا أو نسكا، لأنّه مع كونه مفعولا له صلّى الله عليه وسلّم. ومندرجا تحت قوله: خذوا عني مناسككم، فيه أيضا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 199]
النصّ القرآنيّ بصيغة الأمر: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ. وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ بدلائل الكتاب، أي: اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة! فمفاد التشبيه التسوية في الحسن والكمال، كما تقول: اخدمه كما أكرمك، يعني: لا تتقاصر خدمتك عن إكرامه. وفيه تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحجّ! وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ أي: من قبل الهدى لَمِنَ الضَّالِّينَ الجاهلين بالإيمان والطاعة. و (إن) هي المخففة، و (اللام) هي الفارقة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 199] ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ أي: من عرفة لا من المزدلفة. وفي الخطاب وجهان: أحدهما: أنّه لقريش. وذلك لما كانوا عليه من الترفّع على الناس والتعالي عليهم، وتعظّمهم عن أن يساووهم في الموقف، وقولهم: نحن أهل الله، وقطّان حرمه، فلا نخرج منه فيقفون بجمع، وسائر الناس بعرفات. وقد روى البخاري «1» عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمّون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات فلمّا جاء الإسلام أمر الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم أن يأتي عرفات، ثمّ يقف بها، ثمّ يفيض منها، فذلك قوله تعالى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وثانيهما: أنّه أمر لجميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس يعني: إبراهيم عليه السلام. قال الراغب: وسمّاه الناس لأنّ (الناس) يستعمل على ضربين: أحدهما للنوع من غير اعتبار مدح وذم، والثاني المدح اعتبارا بوجود تمام الصورة المختصة بالإنسانية، وليس ذلك في هذه اللفظة، بل في اسم كلّ جنس ونوع- نحو: هذه فرس وفلان رجل، وليس هذا بفرس ولا فلان برجل- أي: ليس فيه معناه المختصّ
بنوعه. وبهذا النظر نفي السمع والبصر عن الكفار فعلى هذا سمّي إبراهيم (الناس) على سبيل المدح- وهو أن الواحد يسمّى باسم الجماعة تنبيها على أنه يقوم مقامهم في الحكم- وعلى هذا قول الشاعر: وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد..! وعلى هذا قال: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [النحل: 120] . فإن قيل: ما معنى كلمة «ثمّ» فإنّها تستلزم تراخي الشيء عن نفسه، سواء عطف على مجموع الشرط والجزاء، أو الجزاء فقط..؟ فالجواب: إن كلمة «ثمّ» ليست للتراخي، بل مستعارة للتفاوت بين الإفاضتين- أي: الإفاضة من عرفات والإفاضة من مزدلفة- والبعد بينهما بأنّ أحدهما صواب والآخر خطأ. قال التفتازاني: لما كان المقصود من قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ المعنى التعريضيّ، كان معناه: ثمّ لا تفيضوا من مزدلفة، والمقصود من إيراد كلمة «ثمّ» التفاوت بين الإفاضتين في الرتبة بأنّ أحدهما صواب والأخرى خطأ. وأجاب بعضهم بأنّ «ثمّ» بمعنى الواو. وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ عما سلف من المعاصي إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قال ابن كثير عليه الرحمة: كثيرا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات. ولهذا ثبت في (صحيح مسلم) «1» : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله ثلاثا وثلاثين. وفي (الصحيحين) «2» : أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 200]
ثلاثا وثلاثين. وقد روى ابن جرير هاهنا حديث عباس بن مرداس السلمي في استغفاره صلّى الله عليه وسلّم لأمته عشية عرفة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 200] فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ أي: فرغتم من أعمال الحجّ ونفرتم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً أي: فأكثروا ذكر الله، وابذلوا جهدكم في الثناء عليه وشرح آلائه ونعمائه، كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم بعد قضاء مناسككم. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات ويحمل الديات..! ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل هذه الآية. وفيها إشعار بتحويل القوم عما اعتادوه، وحث على إفراد ذكره جل شأنه. ثم أرشد تعالى إلى دعائه- بعد كثرة ذكره- فإنه مظنة الإجابة. وذمّ من لا يسأله إلّا في أمر دنياه وهو معرض على أخراه، فقال فَمِنَ النَّاسِ أي: الذين نسوا قدر الآخرة وكانت الدنيا أكبر همّهم مَنْ يَقُولُ أي: في ذكره رَبَّنا آتِنا أي: مرغوباتنا فِي الدُّنْيا لا نطلب غيرها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي: نصيب وحظ لأنه استوفى نصيبه في الدنيا بتخصيص دعائه به. فالجملة إخبار منه تعالى ببيان حاله في الآخرة أو المعنى: ما له في الآخرة من طلب خلاق. فهو بيان لحاله في الدنيا وتصريح بما علم ضمنا من قوله: آتِنا فِي الدُّنْيا أو تأكيد لكون همه مقصورا على الدنيا. وقوله فِي الْآخِرَةِ حينئذ متعلّق ب خَلاقٍ حال منه وتضمن هذا الذمّ والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهمّ! اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن.! لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا فنزل فيهم ذلك. وهؤلاء الذين حكى الله عنهم- أنهم يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا- قال قوم: هو مشركو العرب. وكونهم لا خلاق لهم في الآخرة ظاهر. إذ لا نصيب لهم فيها من كرامة ونعيم وثواب. وقال قوم: هؤلاء قد يكونون مؤمنين ولكنهم يسألون
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 201]
الله لدنياهم لا لأخراهم، ويكون سؤالهم هذا من جملة الذنوب، حيث سألوا الله تعالى- في أعظم المواقف وأشرف المشاهد- حطام الدنيا وعرضها الفاني، معرضين عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة..! ومعنى كونهم لا خلاق لهم في الآخرة، أي: إلّا أن يتوبوا، أو إلّا أن يعفو الله عنه، أو لا خلاق له في الآخرة كخلاق من سأل المولى لآخرته، والله أعلم. كذا يستفاد من الرازيّ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 201] وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (201) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ جمعت هذه الدعوة كلّ خير في الدنيا والآخرة، وصرفت كلّ شرّ، فإن الحسنة في الدنيا. تشمل كلّ مطلوب دنيويّ- من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هيّن، وثناء جميل ... إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين- ولا منافاة بينها- فإنها كلّها مندرجة في الحسنة في الدنيا. وأمّا الحسنة في الآخرة: فأعلى ذلك رضوان الله تعالى ودخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب ... وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة. وأمّا النجاة من النار: فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام. وقد ورد في السنة الترغيب في هذا الدعاء، فقد كان يقول صلّى الله عليه وسلّم كما رواه البخاريّ «1» عن أنس. وروى الإمام أحمد «2» : يسأل قتادة أنسا: أيّ دعوة كان يدعو بها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: «اللهمّ ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» . وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه! ورواه مسلم «3» . وهذا لفظه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 202]
وروى الإمام الشافعي عن عبد الله بن السائب: أنه سمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ... الآية. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 202] أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202) أُولئِكَ إشارة إلى الفريق الثاني باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الجميلة، وما فيه من معنى البعد لما مرّ مرارا من الإشارة إلى علو درجتهم، وبعد منزلتهم في الفضل لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا أي: من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة. أو من أجل ما كسبوا، كقوله: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا [نوح: 25] . أو لهم نصيب مما دعوا به نعطيهم منه في الدنيا والآخرة. وسمّي الدعاء كسبا لأنه من الأعمال وهي موصوفة بالكسب وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ إمّا بمعنى سريع في الحساب كسريع في السير، فالجملة تذييل لقوله أُولئِكَ ... إلخ يعني: أنه يجازيهم على قدر أعمالهم وكسبهم ولا يشغله شأن عن شأن لأنه سريع في المحاسبة أو بمعنى: سريع حسابه كحسن الوجه. فالجملة تذييل لقوله: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ ... إلخ يعني: يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد. فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة باكتساب الطاعات والحسنات. وقال الراغب: لما كان الحساب يكشف عن جمل الشيء وتفصيله، نبّه بذلك على إحاطته بأفعال عباده ووقوفه على حقائقها. وذكر السريع تنبيها أن ذلك منه لا في زمان ولا بفكرة، وذلك أبلغ ما يمكن أن يتصور به الكافة سرعة فعل الله. تنبيه: قال الرازيّ: اعلم أنّ الله تعالى بيّن أوّلا تفصيل مناسك الحجّ، ثم أمر بعدها بالذكر فقال: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ... إلخ، ثمّ بيّن أنّ الأولى أن يترك ذكر غيره وأن يقتصر على ذكره فقال: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ ... إلخ، ثمّ بيّن بعد ذلك الذكر كيفيّة الدعاء فقال: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ... إلخ، وما أحسن هذا الترتيب! فإنه لا بدّ من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها، ثم بعد العبادة لا بدّ من الاشتغال بذكر الله تعالى لتنوير القلب وتجلي نور جلاله، ثم بعد ذلك الذكر، يشتغل الرجل بالدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقا بالذكر ... !.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 203]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 203] وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ هي أيام التشريق، قاله ابن عباس رضي الله عنه. وروى الإمام مسلم «1» عن نبيشة الهذليّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله . وقال عكرمة: معنى هذه الآية: التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات: الله أكبر! الله أكبر!. وروى البخاريّ «2» عن ابن عمر: أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، وفي مجلسه، وفي ممشاه في تلك الأيام جميعا. وفي رواية: أنه كان يكبر في قبته فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتجّ منى- أخرجه البخاري تعليقا. ومن الذكر في هذه الأيام التكبير مع كلّ حصاة من حصى الجمار كلّ يوم من أيام التشريق. فقد ورد في (الصحيح) «3» : أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كبّر مع كلّ حصاة. وقد جاء في الحديث «4» الذي رواه أبو داود وغيره: إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عزّ وجلّ. وروى مالك «5» في (موطأه) عن يحيى بن سعيد أنّه بلغه أنّ عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر حين ارتفاع النهار شيئا، فكبّر، فكبّر الناس بتكبيره. ثم خرج الثانية من يومه ذلك بعد ارتفاع النهار فكبّر، فكبّر الناس بتكبيره. ثم خرج الثالثة حين زاغت الشمس فكبّر، فكبّر الناس بتكبيره حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت فيعلم أنّ عمر قد خرج يرمي. ثم قال مالك: والتكبير في أيام التشريق على الرجال والنساء- من كان في جماعة أو وحده بمنى أو بالآفاق كلّها واجب.
ثمّ قال: الأيام المعدودات أيام التشريق. وفي (القاموس وشرحه) : (التشريق) تقديد اللحم، ومنه سميت أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، لأنّ لحوم الأضاحي تشرق فيها أي: تشرّر في الشمس- حكاه يعقوب. وقيل: سميت بذلك لقولهم: أشرق ثبير كيما نغير أو لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس- قاله ابن الأعرابيّ. قال أبو عبيد: وكان أبو حنيفة يذهب بالتشريق إلى التكبير، ولم يذهب إليه غيره. فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي: فمن تعجل النفر الأول من هذه الأيام الثلاثة، فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث، واكتفى برمي الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة، فلا يأثم بهذا التعجيل. وإيضاحه: أنه يجب على الحاج المبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من ليالي أيام التشريق. ليرمي كلّ يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة. يرمي عند كلّ جمرة سبع حصيات. ثم من رمى في اليوم الثاني وأراد أن ينفر ويدع البيتوتة الليلة الثالثة ورمى يومها، فذلك واسع له وَمَنْ تَأَخَّرَ أي: حتى رمى في اليوم الثالث وهو النفر الثاني فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في تأخّره، واعلم: السنة هو التأخر. فإنه صلّى الله عليه وسلّم لم يتعجل في يومين بل تأخّر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة. ولا يقال هذا اللفظ- أعني فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ- إنما يقال في حقّ المقصر لا في حقّ من أتى بتمام العمل، لأنّا نقول: أتى به لمشاكلة اللفظ الأول كقوله: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: 40] ، وقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة: 194] ، ونحن نعلم أنّ جزاء السيئة والعدوان ليس بسيئة ولا عدوان. فإذا حمل على موافقة اللفظ ما لا يصح في المعنى- فلأن يحمل على موافقة اللفظ ما يصح في المعنى أولى. لأنّ المبرور المأجور يصح في المعنى نفي الإثم عنه- قاله الواحديّ. وقال الراغب: رفع الإثم عن المتعجل والمتأخر على وجه الإباحة- أي كناية عنها- وقيل: رفع الإثم أنه حط ذنوبهما بإقامتهما الحجّ- تعجّل أو تأخّر- بشرط أن يكون مقياسهما الاعتبار بالتقوى، وعلى ذلك دلّ حديث «1» : من حجّ ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمّه!. وقوله تعالى: لِمَنِ اتَّقى خبر لمبتدأ محذوف، أي: الذي ذكر- من
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 204]
التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر، أو من الأحكام- لمن اتقى، لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به. على حد: ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [الروم: 38] وقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] . وَاتَّقُوا اللَّهَ- في مجامع أموركم- وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي للجزاء على أعمالكم، وهو تأكيد للأمر بالتقوى وبعث على التشدد فيه، لأنّ من تصور أنه لا بدّ من حشر ومحاسبة ومساءلة، وأنّ بعد الموت لا دار إلّا الجنة أو النار- صار ذلك من أقوى الدواعي له إلى التقوى. و (الحشر) اسم يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 204] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي: يعظم في نفسك حلاوة حديثه وفصاحته في أمر الحياة الدنيا التي هي مبلغ علمه وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ أي: يحلف بالله على الإيمان بك والمحبة لك وأنّ الذي في قلبه موافق للسانه لئلا يتفرس فيه الكفر والعداوة أو معناه: يظهر لك الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق- على نحو ما وصف به أهل النفاق حيث قالوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون: 1] . - كقوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ ... [النساء: 108] الآية، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ شديد الخصومة، جدل بالباطل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 205] وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205) وَإِذا تَوَلَّى- انصرف عمّن خدعه بكلامه- سَعى - مشى- فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها بإدخال الشبه في قلوب المسلمين، وباستخراج الحيل في تقوية الكفر، وهذا المعنى يسمّى فسادا، كقوله تعالى- حكاية عن قوم فرعون: أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ [الأعراف: 127] . أي: يردّوا قومك عن دينهم ويفسدوا عليهم شرعتهم وسمّي هذا المعنى فسادا لأنه يوقع الاختلاف بين الناس، ويفرق كلمتهم، ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض، فتنقطع الأرحام،
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 206]
وتنسفك الدماء. وهذا كثير في القرآن المجيد. وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ أي: الزرع. وَالنَّسْلَ أي: المواشي الناتجة. قال بعض المحققين: وإنّ إهلاك الحرث والنسل كناية عن الإيذاء الشديد، وإنّ التعبير به عن ذلك صار من قبيل المثل فالمعنى: يؤذي مسترسلا في إفساده ولو أدّى إلى إهلاك الحرث والنسل. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ أي: لا يرضى فعله. قال الراغب: إن قيل: كيف حكم تعالى بأنه لا يحب الفساد وهو مفسد للأشياء؟ قيل: الإفساد في الحقيقة: إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح، وذلك غير موجود في فعل الله تعالى، ولا هو آمر به،، ولا محبّ له، وما يرى من فعله ويظهر بظاهره فسادا فهو بالإضافة إلينا واعتبارنا له كذلك. فأمّا بالنظر الإلهيّ فكله صلاح، ولهذا قال بعض الحكماء: يا من إفساده إصلاح! أي: ما نظنه إفسادا- لقصور نظرنا ومعرفتنا- فهو في الحقيقة إصلاح وجملة الأمر: إنّ الإنسان هو زبدة هذا العالم وما سواه مخلوق لأجله، ولهذا قال تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ [البقرة: 29] . والمقصد من الإنسان سوقه إلى كماله الذي رسخ له، فإذن: إهلاك ما أمر بإهلاكه، لإصلاح الإنسان وما منه أسباب حياته الأبدية. ولشرح هذه الجملة موضع آخر. - القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 206] وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (206) وَإِذا قِيلَ لَهُ على نهج العظة اتَّقِ اللَّهَ في النفاق، واحذر سوء عاقبته. أو في الإفساد والإهلاك وفي اللجاج بالباطل أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ أي: حملته الأنفة وحميّة الجاهلية على الفعل بالإثم وهو التكبّر أو المعنى: أخذته الحميّة للإثم الذي في قلبه فمنعته عن قبول قول الناصح فَحَسْبُهُ أي: كافيه جَهَنَّمُ إذا صار إليها واستقرّ فيها جزاء وعذابا وَلَبِئْسَ الْمِهادُ أي: الفراش الذي يستقر عليه بدل فرش عزّته. قال الراغب: المهد معروف، وتصور منه التوطئة، فقيل لكلّ وطيء مهد. والمهاد يجعل تارة جمعا للمهد، وتارة للآلة نحو فراش. وجعل جهنم مهادا لهم كما جعل العذاب مبشّرا به في قوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: 21] .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 207]
وقال الحاكم: هذه الآية تدلّ على أنّ من أكبر الذنوب عند الله أن يقال للعبد: اتّق الله! فيقول: عليك نفسك.. قال الزمخشري: ومنه ردّ قول الواعظ. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا، قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ، النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحج: 72] . ولما أتمّ تعالى الإخبار عن هذا الفريق من الناس الضالّ، أتبعه بقسيمه المهتدي. ليبعث العباد على تجنّب صفات الفريق الأول، والتخلق بنعوت الثاني فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 207] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ أي: يبيعها ببذلها في طاعة الله ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي: طلب رضاه وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ حيث أرشدهم لما فيه رضاه، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، مع كفرهم به، وتقصيرهم في أمره. لطيفة: قال بعضهم: كان مقتضى المقابلة للفريق الأول أن يوصف هذا الفريق بالعمل الصالح مع عدم الدعوى والتّبجّح بالقول، أو مع مطابقة قوله لعمله، وموافقة لسانه لما في جنانه! والآية تضمنت هذا الوصف وإن لم تنطق به. فإنّ من يبيع نفسه لله، لا يبغي ثمنا لها غير مرضاته، لا يتحرّى إلّا العمل الصالح وقول الحقّ والإخلاص في القلب فلا يتكلم بلسانين، ولا يقابل الناس بوجهين، ولا يؤثر على ما عند الله عرض الحياة الدنيا ... وهذا هو المؤمن الذي يعتد القرآن بإيمانه ... وقد أخرج الحارث بن أبي أسامة في (مسنده) ، وابن أبي حاتم ورزين عن سعيد بن المسيّب قال: أقبل صهيب مهاجرا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته ثم قال: يا معشر قريش! لقد علمتم أني من أرماكم رجلا، وأيم الله! لا تصلون إليّ حتى أرمي كلّ سهم معي في كنانتي ثمّ أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي؟ قالوا: نعم! فلما قدم على النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة قال: ربح
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 208]
البيع. أبا يحيى! ربح، أبا يحيى..! ونزلت وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ.... الآية. وأخرج الحاكم في (المستدرك) نحوه من طريق ابن المسيب عن صهيب موصولا. وأخرجه أيضا من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس. وفيه التصريح بنزول الآية، وقال صحيح على شرط مسلم وروي أنها نزلت في صهيب وغيره. كما روي في نزول الأولى روايات ساقها بعض المفسّرين. ولا تنافي في ذلك، لأنّ قولهم نزلت في كذا، تارة يراد به أنّ حالا مّا كان سببا لنزولها، بمعنى أنها ما نزلت إلّا لأجله! وهذا يعلم إمّا من إشعار الآية بذلك، أو من رواية صحّ سندها صحّة لا مطعن فيه. وتارة يراد به أنها نزلت بعد وقوع شأن ما تشمله بعمومها. فيقول الراوي عقيب حدوث ذلك الشأن: نزلت في كذا، والمراد أنها تصدق عليه لا أنّ ذلك الشأن كان سببا للنزول ... وما روي في هذه الآية من هذا القبيل. وإلى هذا النوع أشار الزركشيّ في (البرهان) بقوله: قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أنّ أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم. لا أن هذا كان السبب في نزولها. فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع ... وقد قدّمنا أنّ سبب النزول مما يدخله الاجتهاد. وأنّ لا يعول منه إلّا على ما صحّ سنده. وما نزل عنه وارتقى عن درجة الضعف يتفقّه فيه.. فاحرص على هذا التحقيق، وقد أسلفنا في (المقدّمة) البحث فيه مستوفى. وبالله التوفيق. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 208] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ- بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام فيهما قراءتان سبعيتان- أي: في الإسلام. قال امرؤ القيس بن عابس: فلست مبدّلا بالله ربّا ... ولا مستبدلا بالسّلم دينا..! ومثله قول أخي كندة: دعوت عشيرتي للسّلم لمّا ... رأيتهم تولّوا مدبرينا..!
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 209]
قال الرازيّ: أصل هذه الكلمة من الانقياد. قال الله تعالى: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [البقرة: 131] . والإسلام إنما سمّي إسلاما لهذا المعنى. وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب. وهذا أيضا راجع إلى هذا المعنى. لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه. ومعنى الآية: ادخلوا في الاستسلام والطاعة. أي: استسلموا لله وأطيعوه ولا تخرجوا عن شيء من شرائعه كَافَّةً حال من الضمير في (ادخلوا) وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي: طرقه التي يأمركم بها ف: إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: 169] و: إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ [فاطر: 6] وضمّ الطاء من (خطوات) وإسكانها لغتان: حجازية وتميمية. وقد قرئ بهما في السبع. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. ظاهر العداوة أو مظهر لها. أي: بما أخبرناكم به في أمر أبيكم آدم عليه السلام وغيره، مما شواهده ظاهرة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 209] فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) فَإِنْ زَلَلْتُمْ أي: عن الدخول في السلم مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ أي: الآيات الظاهرة على أنّ ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحقّ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب لا يعجزه الانتقام ممّن زلّ ولا يفوته من ضلّ حَكِيمٌ لا ينتقم إلّا بحقّ. وقوله فَاعْلَمُوا ... إلخ نهاية في الوعيد. لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب. وربّما قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي. فيكون هذا الكلام- في الزجر- أبلغ من ذكر الضرب وغيره. فظهر تسبب الجزاء في الآية بما أشعر به من الزجر والتهديد على الشرط المشير إلى ذنبهم وجرمهم. هذا، ومن الوجوه المحتملة في الآية، أن يكون (السلم) المذكور فيها معناه الصلح والمسالمة وترك المنازعة والاختلاف. فمعنى ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كونوا متوافقين ومجتمعين في نصرة الدين، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بأن يحملكم على طلب الدنيا والمنازعة مع الناس. فتكون الآية حينئذ كقوله تعالى: وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: 46] ، وقوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 210]
وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103] ، وقوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13] . والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 210] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) هَلْ يَنْظُرُونَ أي ينتظرون، ف (نظر) ك (انتظر) ، يقال: نظرته وانتظرته إذا ارتقبت حضوره. وهذا الاستفهام إنكاري في معنى النفي أي: ما ينتظرون بما يفعلون من العناد والمخالفة- في الامتثال بما أمروا به، والانتهاء عما نهوا عنه- بعد طول الحلم عنهم إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ جمع ظلّة- كقلل في جمع قلّة- أي: في ظلّة داخل ظلّة- وهي ما يستر من الشمس، فهي في غاية الإظلام والهول والمهابة لما لها من الكثافة التي تغمّ على الرائي ما فيها وَالْمَلائِكَةُ- عطف على الاسم الجليل- أي: ويأتي جنده الذين لا يعلم كثرتهم إلّا هو. هذا، على قراءة الجماعة. وعلى قراءة أبي جعفر، بالخفض. فهو عطف على ظلل أو الغمام وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي: أتم أمر إهلاكهم وفرغ منه. قال الراغب: نبّه به على أنّه لا يمكن تلافي الفارط..! وهو عطف على يَأْتِيَهُمُ داخل في حيّز الانتظار. وإنما عدل إلى صيغة الماضي دلالة على تحقّقه، فكأنّه قد كان. أو جملة مستأنفة جيء بها إنباء عن وقوع مضمونها. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. أي: فمن كانوا نافذي الملك والتصرف في الدنيا، فإنّ ملكهم وتصرّفهم مستردّ منهم يوم القيامة وراجع إليه تعالى، يقال: رجع الأمر إلى الأمير، أي استردّ ما كان فوضه إليهم. أو عنى ب الْأُمُورُ الأرواح والأنفس دون الأجسام، وسمّاها أمورا من حيث إنها إبداعات مشار إليها بقوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: 54] . فهي من الإبداع الذي لا يمكن من البشر تصوره فنبّه أن الأرواح كلها مرجوعة إليه وراجعة وعلى نحو ذلك قال: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: 29] . ويكون رجوعها إما بربح وغبطة، وإمّا بندامة وحسرة. قاله الإمام الراغب. قال أبو مسلم: إنه تعالى قد ملّك كلّ أحد في دار الاختبار والبلوى أمورا، امتحانا فإذا انقضى أمر هذه الدار ووصلنا إلى دار الثواب والعقاب كان الأمر كلّه لله وحده. وإذا كان كذلك فهو أهل أن يتقى ويطاع ويدخل في السلم- كما أمر- ويحترز عن خطوات الشيطان كما نهى.
تنبيهان
وقد قرئ في السبع (ترجع) بضمّ التاء بمعنى تردّ، وبفتحها بمعنى تصير، كقوله تعالى: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى: 53] . قال القفال: والمعنى في القراءتين متقارب. لأنها ترجع إليه تعالى، وهو سبحانه يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة. تنبيهان الأول: لهذه الآية أشباه ونظائر تدلّ على أنّ هذا الوعيد أخرويّ. ولذا قال ابن كثير في معنى الآية: يقول تعالى مهددا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ يعني: يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزى كلّ عامل بعمله: إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ..! ولهذا قال تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. كما قال تعالى: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى [الفجر: 21- 23] . وقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ... [الأنعام: 158] الآية. الثاني: وصفه تعالى نفسه بالإتيان في ظلل من الغمام كوصفه بالمجيء في آيات أخر ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه أو صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والقول في جميع ذلك من جنس واحد. وهو مذهب سلف الأمّة وأئمتها: إنهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. والقول في صفاته كالقول في ذاته. والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلو سأل سائل: كيف يجيء سبحانه أو كيف يأتي..؟ فليقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: لا أعلم كيفية ذاته! فليقل له: وكذلك لا تعلم كيفية صفاته..! فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف. وقد أطلق غير واحد، ممن حكى إجماع السلف، منهم الخطابيّ: مذهب السلف أن صفاته تعالى تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها. وبعض الناس يقول: مذهب السلف إن الظاهر غير مراد. ويقول أجمعنا على أن الظاهر غير مراد. وهذه العبارة خطأ إمّا لفظا ومعنى، أو لفظا لا معنى. لأن لفظ (الظاهر) فيه إجمال واشتراك. فإن
كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد ولكنّ السلف والأئمة لم يكونوا يسمّون هذا ظاهرها فهذا القائل أخطأ حيث ظنّ أنّ هذا المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى جعله محتاجا إلى تأويل، وحيث حكى عن السلف ما لم يريدوه. وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتّفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع، فإنّ الله لما أخبر أنّه بكلّ شيء عليم، وأنّه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنّة وأئمة المسلمين على أنّ هذا على ظاهره، أن ظاهر ذلك مراد- كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا وقدرته كقدرتنا. وكذلك لما اتفقوا على أنه حيّ عالم حقيقة، قادر حقيقة لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حيّ عليم قدير. فإن كان المستمع يظنّ أن ظاهر الصفات تماثل صفات الخلوقين لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادا. وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادا إلّا بدليل يدل على النفي. وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلّا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحدا. وحينئذ فلا يجوز أن يقال: إنّ الظاهر غير مراد بهذا التفسير. وبالجملة، فمن قال: إن الظاهر غير مراد- بمعنى أن صفات المخلوقين غير مرادة- قلنا له: أصبت في المعنى ولكن أخطأت في اللفظ، وأوهمت البدعة، وجعلت للجهميّة طريقا إلى غرضهم، وكان يمكنك أن تقول: تمرّ كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأنّ صفات الله ليست كصفات المخلوقين، وأنّه منزّه مقدّس عن كلّ ما يلزم منه حدوثه أو نقصه. ومن قال: الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني- وهو مراد الجهمية ومن تبعهم- فقد أخطأ. وإنما أتي من أخطأ من قبل أنه يتوهم- في بعض الصفات أو في كثير منها أو أكثرها أو كلّها- أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير: أحدها: كونه مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنّ أنّ مدلول النصوص هو التمثيل. الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطّله، بقيت النصوص معطلة عما دلّت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله. فيبقى مع جنايته على النصوص وظنّه
السيء الذي ظنه بالله ورسوله- حيث ظنّ أنّ الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل- قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى. الثالث: أنّه ينفي تلك الصفات عن الله عزّ وجلّ بغير علم، فيكون معطّلا لما يستحقه الرب. الرابع: أنّه يصف الرب بنقيض تلك الصفات- من صفات الأموات والجمادات أو صفات المعدومات- فيكون قد عطّل به صفات الكمال التي يستحقّها الرب، ومثّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطّل النصوص عما دلّت عليه من الصفات وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في كلام الله وفي الله بين التعطيل والتمثيل فيكون ملحدا في أسماء الله وآياته. وحاصل الكلام: أنّ هذه الصفات إنما هي صفات الله سبحانه على ما يليق بجلاله نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كلّ شيء إلى ذاته. هذا ملخّص ما قرّره شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه في رسالتيه (التدمرية) و (المدنية) . قال الحافظ ابن عبد البرّ: أهل السنّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلّا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأمّا أهل البدع الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلّهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعم أنّ من أقرّ بها شبّه. وهم، عند من أقرّ بها، نافون للمعبود. والحقّ فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنّة رسوله، وهم أئمة الجماعة. وقال القاضي أبو يعلى في كتاب (إبطال التأويل) : لا يجوز ردّ هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله لا تشبيه بسائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها. وقال عبد الله بن المبارك: إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به، وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه. واعلم أنه ليس في العقل الصحيح ولا في النقل الصريح ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية. والمخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة، من المتأولين لهذا الباب، في أمر مريج. وسبحان الله! بأيّ عقل يوزن الكتاب والسنّة.
ورضي الله عن الإمام مالك حيث قال: أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم، لجدل هذا؟ وكلّ من هؤلاء مخصوم بمثل ما خصم به الآخر. وهو من وجوه: أحدها: بيان أنّ العقل لا يحيل ذلك. والثاني: أنّ النصوص الواردة لا تحتمل التأويل. الثالث: أنّ عامة هذه الأمور قد علم أنّ الرسول جاء بها بالاضطرار. كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان. فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحجّ والصوم والصلاة وسائر ما جاءت به النبوات على أنّ الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأنّ العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية. فإذا كان هكذا، فالواجب تلقّي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه، والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل. قال البقاعيّ: وتجلي الملائكة في ظلل من الغمام أمر مألوف. منه ما في الصحيح عن البراء رضي الله عنه قال «1» : كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن!. وعن أسيد بن حضير قال «2» : بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس. فسكت فسكتت. فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكتت الفرس. ثم قرأ فجالت الفرس. فانصرف. وكان ابنه يحيى قريبا منها. فأشفق أن تصيبه. فلما اجترّه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها. فلما أصبح حدّث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. فقال: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير. قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا. فرفعت رأسي فانصرفت إليه. فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح. فخرجت حتى لا أراها. قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا. قال: تلك الملائكة دنت لصوتك. ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها. لا تتوارى منهم. وقال البقاعيّ أيضا: لمّا كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في الغمام لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور وقبة الزمان وما
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 211]
في ذلك- على ما نقل إليهم- من وفور الهيئة وتعاظم الجلال. قال تعالى- جوابا لمن كان قال: كيف يكون هذا؟ -. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 211] سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211) سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ المراد بهذا السؤال: تقريع بني إسرائيل وتوبيخهم على طغيانهم وجحودهم الحقّ بعد وضوح الآيات، لا أن يجيبوا فيعلم من جوابهم أمر. كما إذا أراد واحد منا توبيخ أحد، يقول لمن حضره: سله كم أنعمت عليه؟ - أي: كم شاهدوا المعجزات الظاهرة على أيدي أنبيائهم، القاطعة بصدقهم عليهم السلام فيما جاءوهم به: كعصا موسى، وفلقه البحر، وضربه الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدّة الحرّ، ومن إنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى وصدق من جرت على يديه هذه الخوارق. ومع هذا أعرض كثير منهم عنها، ويدلوا نعمة الله عليهم بها كفرا كما أشعر بذلك قوله تعالى: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ فالمراد بنعمة الله آياته، فهو من وضع الظاهر موضع المضمر بغير اللفظ السابق، لتعظيم الآيات ولا يخفى أنها من أجلّ أقسام نعم الله تعالى لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة. وتبديلهم إياها: استبدالهم بالإيمان بها، الكفر بها والإعراض عنها. كما قال تعالى- إخبارا عن كفار قريش-: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ [إبراهيم: 28- 29] ، وقوله مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ أي: وصلت إليه وتمكن من معرفتها أو عرفها، والتصريح بذلك- مع أن التبديل لا يتصور قبل المجيء- للإشعار بأنهم قد بدلوها بعد ما وقفوا على تفاصيلها، وفيه تقبيح عظيم بهم، ونعي على شناعة حالهم، واستدلال على استحقاقهم العذاب الشديد حيث بدّلوا، بعد المعرفة..!. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 212] زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا حتى بدّلوا النعمة الْحَياةُ الدُّنْيا لحضورها، فألهتهم عن غائب الآخرة.
قال الحراليّ: ففي ضمنه إشعار بأنّ استحسان بهجة الدنيا كفر مّا، من حيث إن نظر العقل والإيمان يبصّر طيّتها، ويشهد جيفتها، فلا يغترّ بزينتها، وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحقّ فأبهم تعالى المزيّن في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان، وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله كما في قوله تعالى: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [الأنعام: 108] . وفي كلامه إشعار بما يجاب عن ورود التزيين، مسندا إلى الله تعالى تارة وإلى غيره أخرى، في عدّة آيات من التنزيل الكريم. وللراغب كلام بديع ينحلّ به مثل هذا الإشكال وهو قوله: إن الفعل كما ينسب إلى المباشر له، ينسب إلى ما هو سببه ومسهّله، وعلى هذا يصحّ أن ينسب فعل واحد تارة إلى الله تعالى وتارة إلى غيره، نحو قوله: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [السجدة: 11] ، وفي موضع آخر: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ [الزمر: 42] . فأسند الفعل في الأول إلى المباشر له، وفي الثاني إلى الآمر به وهكذا، بتصوّر ما ذكر، تزول الشبهة فيما يرى من الأفعال منسوبا إلى الله تعالى، منفيا عن الله تعالى. نحو قوله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [الأنفال: 17] . وقوله: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال 17] ، وقوله: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: 79] . وَيَسْخَرُونَ- أي: يهزئون- مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وهذا كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ... [المطففين: 29- 36] الآيات وَالَّذِينَ اتَّقَوْا وهم المؤمنون، وإنما ذكروا بعنوان التقوى لحضهم عليها وإيذانا بترتب الحكم عليها فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ لأنهم في علّيين وهم في أسفل سافلين، أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا، كما قال تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ [المطففين: 29- 36] . ولذا قال الراغب: يحتمل قوله تعالى فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وجهين: أحدهما: أنّ حال المؤمنين في الآخرة أعلى من حال الكفار في الدنيا. والثاني: أنّ المؤمنين في الآخرة هم في الغرفات، والكفار في الدرك الأسفل من النار. انتهى.
لطائف:
لطائف: قال السيلكوتي: اعلم أن قوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا.. إلخ جملة معللة لما سبق من أحوال الكفار من المنافقين وأهل الكتاب يعنى أنّ جميع ما ذكر من صفاتهم الذميمة، لأجل تهالكهم في محبة الحياة الدنيا وإعراضهم عن غيرها وأورد التزيين بصيغة الماضي لكونه مفروغا منه، مركوزا في طبيعتهم. وعطف عليه بالفعل المضارع- أعني يَسْخَرُونَ- لإفادة الاستمرار. وعطف قوله وَالَّذِينَ اتَّقَوْا لتسلية المؤمنين. وقوله تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ يعني: ما يعطي الله هؤلاء المتقين من الثواب بغير حساب، أي: رزقا واسعا رغدا لا فناء له ولا انقطاع، كقوله سبحانه: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ [غافر: 40] فإنّ كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه، فما لا يكون متناهيا كان لا محالة خارجا عن الحساب. وقد استقصى الراغب: ما تحتمله الآية من وجوهها- وتلك سعة- وعبارته: أعطاه بغير حساب: إذا أعطاه أكثر مما يستحق، أو أقلّ مما يستحق والأول هو المقصود وهو المشار إليه بالإحسان وقد فسّر ذلك على أوجه لإجمال اللفظ وإبهامه: الأول: يعطيه عطاء لا يحويه حصر العباد. كقول الشاعر: عطاياه، يحصى قبل إحصائها القطر الثاني: يعطيه أكثر مما يستحقه. الثالث: يعطيه ولا منّة. الرابع: يعطيه بلا مضايقة. من قولهم: حاسبه. الخامس: يعطيه أكثر مما يحسبه أن يكفيه- وكلّ هذه الوجوه يحتمل أن يكون في الدنيا، ويحتمل أن يكون في الآخرة. السادس: أنّ ذلك إشارة إلى توسيعه على الكفّار والفسّاق الذين قال فيهم: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ... [الزخرف: 33] الآية، وتنبيها أن لا فضيلة في المال لمن يوسع عليه، ما لم يستعن عليه في الوصول إلى المطلوب منه ولهذا قال تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ ... [المؤمنون: 55- 56] الآية. السابع: يعطي أولياءه بلا تبعة ولا حساب عليهم فيما يعطون، وذلك لأنّ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 213]
المؤمن لا يأخذ من عرض الدنيا إلّا ما يجب من حيث يجب على الوجه الذي يجب ولا ينفقه إلّا على ذلك، فهو يحاسب فلا يحاسب، ولهذا روي: من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب في الآخرة! وعلى هذا قال تعالى لسليمان: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ص: 39] . الثامن: أنّ الله عزّ وجلّ يعامل في القيامة المؤمنين لا بقدر استحقاقهم بل بأكثر منه، كما قال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً.. [البقرة: 245] الآية. التاسع: وهو يقارب ذلك: أنّ ذلك إشارة إلى ما روي أن أهل الجنة لا حظر عليهم، وعلى ذلك قوله تعالى: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ [الزخرف: 71] الآية، وقوله: يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ... الآية. وأما تعلقه بما تقدم، فعلى بعض هذه التفاسير، يتعلق بالذين كفروا، وعلى بعضه يتعلق بالذين آمنوا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 213] كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً أي: وجدوا أمة واحدة تتحد مقاصدها ومطالبها ووجهتها لتصلح ولا تفسد، وتحسن ولا تسيء، وتعدل ولا تظلم أي: ما وجدوا إلّا ليكونوا كذلك، كما قال في الآية الأخرى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا [يونس: 19] أي: انحرفوا عن الاتحاد والاتفاق، الذي يثمر كلّ خير لهم وسعادة، إلى الاختلاف والشقاق المستتبع الفساد وهلاك الحرث والنسل. ولما كانوا لم يخلقوا سدى منّ الله عليهم بما يبصّرهم سبيل الرشاد في الاتحاد على الحق من بعثة الأنبياء، وما نزل معهم من الكتاب الفصل، كما أشارت تتمة الآية فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ الذين رفعهم على بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره، وأرسلهم إلى خلقه مُبَشِّرِينَ لمن آمن وأطاع وَمُنْذِرِينَ لمن كفر وعصى وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ أي: كلامه الجامع لما يحتاجون إليه في باب الدين على الاستقامة والهداية التامة
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 214]
لكونه متلبسا بِالْحَقِّ من جميع الوجوه لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الاعتقادات والأعمال التي كانوا عليها قبل ذلك أمة واحدة، فسلكوا بهم، بعد جهد، السبيل الأقوم، ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل، فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أي: الكتاب الهادي الذي لا لبس فيه، المنزل لإزالة الاختلاف إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ أي: علموه فبدّلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف. ولم يكن اختلافهم لالتباس عليهم من جهته بل مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ- أي: الدلائل الواضحة- بَغْياً بَيْنَهُمْ أي: حسدا وقع بينهم فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالكتاب لِمَا اخْتَلَفُوا أي: أهل الضلالة فِيهِ مِنَ الْحَقِّ أي: للحق الذي اختلفوا فيه. وفي إبهامه أولا، وتفسيره ثانيا، ما لا يخفى من التفخيم، بِإِذْنِهِ أي: بتيسيره ولطفه، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. تقرير لما سبق. وفي (صحيح مسلم) «1» عن عائشة: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان- إذا قام من الليل يصلّي- يقول: اللهمّ ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل! فاطر السموات والأرض! عالم الغيب والشهادة! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم..!. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 214] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ أي: من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين، أي: والحال أنه لم يأتكم مثلهم بعد، ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مثل في الفظاعة والشدة، سنة الله التي لا تتبدّل مَسَّتْهُمُ استئناف وقع جوابا عما ينساق إليه الذهن، كأنه قيل: كيف كان مثلهم؟ فقيل: مسّتهم الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ أي: الشدائد والآلام وَزُلْزِلُوا أي: أزعجوا، ممّا دهمهم من الأهوال والإفزاع، إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة التي تكاد تهدّ الأرض وتدك الجبال حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ أي: انتهى أمرهم من الشدة إلى حيث اضطرهم الضجر إلى أن يقول الرسول- وهو أعلم الناس بشئون الله تعالى،
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 215]
وأوثقهم بنصره، وداعيهم إلى الصبر- وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ- وهم الأثبت بعده، العازمون على الصبر، الموقنون بوعد النصر- مَتى نَصْرُ اللَّهِ- استبطاء له، واستطالة لمدّة الشدة والعناء- فيقال لهم: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. كما قال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح: 5- 6] أي: فاصبروا كما صبروا تظفروا..! وقد حصل من هذا الابتلاء جانب عظيم للصحابة رضي الله عنهم يوم الأحزاب، كما قال الله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ... [الأحزاب: 10- 12] الآيات. وروى البخاري «1» عن خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو متوسد بردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها. فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه. والله! ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلّا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون..!. وفي رواية: ... وهو متوسد بردة، وقد لقينا من المشركين شدة ... ولما سأل هرقل أبا سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم! قال: فكيف كانت الحرب بينكم قال: سجالا، يدال علينا وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى ثمّ تكون لها العاقبة!. وهذه الآية كآية: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا، وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [العنكبوت: 1- 3] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 215] يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ أي: أيّ شيء ينفقونه من أصناف الأموال؟
قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ قبل غيرهما ليكون أداء لحقّ تربيتهما مع كونه صلة الوصل وصدقة وَالْأَقْرَبِينَ بعدهما ليكون صلة وصدقة وَالْيَتامى بعدهم لأنّ فيهم الفقر مع العجر وَالْمَساكِينِ بعدهم لاحتياجهم وَابْنِ السَّبِيلِ بعدهم لأنه كالفقير لغيبة ماله. فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال، فإنهم سألوا عن بيان ما ينفقون، وأجيبوا ببيان المصرف؟ فالجواب: أنّ قوله: ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ قد تضمّن بيان ما ينفقونه- وهو كلّ مال عدّوه خيرا- وبني الكلام على ما هو أهمّ وهو بيان المصرف، لأن النفقة لا يعتد بها إلّا أن تقع موقعها. قال الشاعر: إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع! فإذا صنعت صنيعة فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أو دع..! فيكون الكلام من الأسلوب الحكيم كقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ [البقرة: 189] . فيما تقدم هذا. وقال القفال: إنّه وإن كان السؤال واردا بلفظ (ما) ، إلّا أنّ المقصود السؤال عن الكيفية، لأنهم كانوا عالمين أنّ الذي أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى الله تعالى وإذا كان هذا معلوما لم ينصرف الوهم إلى أنّ ذلك المال أي شيء هو؟ وإذا خرج هذا عن أن يكون مرادا تعين أنّ المطلوب بالسؤال: أنّ مصرفه أيّ شيء هو؟ وحينئذ يكون الجواب مطابقا للسؤال. ونظيره قوله تعالى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ [البقرة: 70- 71] وإنما كان هذا الجواب موافقا لذلك السؤال، لأنه كان من المعلوم أنّ البقرة هي البهيمة التي شأنها وصفتها كذا فقوله (ما هي) لا يمكن حمله على طلب الماهية، فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيره. فبهذا الطريق قلنا: إنّ ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال. فكذا هاهنا، لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو- وجب أن يقطع بأنّ مرادهم من قولهم ماذا يُنْفِقُونَ؟ ليس هو طلب الماهية، بل طلب المصرف، فلهذا حسن هذا الجواب..!. وأجاب الراغب بجوابين: أحدهما: أنهم سألوا عنهما وقالوا: ما ننفق؟ وعلى من ننفق؟ ولكن حذف حكاية السؤال أحدهما إيجازا ودلّ عليه بالجواب بقوله ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ كأنه قيل: المنفق الخير، والمنفق عليهم هؤلاء فلفف أحد الجوابين في الآخر، وهذا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 216]
طريق معروف في البلاغة. الجواب الثاني: إنّ السؤال ضربان: سؤال جدل، وحقه أن يطابقه جوابه. لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه. وسؤال تعلّم وحق المعلّم أن يكون كالطبيب يتحرى شفاء سقيم فيطلب ما يشفيه- طلبه المريض أو لم يطلب. فلمّا كان حاجتهم إلى من ينفق المال عليهم كحاجتهم إلى ما ينفق من المال، بيّن لهم الأمرين جميعا. إن قيل: كيف خصّ هؤلاء النفر دون غيرهم..؟ قيل: إنما ذكر من ذكر على سبيل المثال لمن ينفق عليهم، لا على سبيل الحصر والاستيعاب، إذ أصناف المنفق عليهم على ما قد ذكر في غير هذا الموضع. ولما بيّن تعالى وجه المصرف وفصّله هذا التفصيل الحسن الكامل، أردفه بالإجمال فقال: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي: وكلّ ما فعلتموه من خير- إمّا مع هؤلاء المذكورين وإمّا مع غيرهم- حسبة لله، وطلبا لجزيل ثوابه، وهربا من أليم عقابه، فإن الله به عليم. والعليم مبالغة في كونه عالما، يعني: لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فيجازيكم أحسن الجزاء عليه، كما قال: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى [آل عمران: 195] وقال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: 7] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 216] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) كُتِبَ أي: فرض عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أي: قتال المتعرّضين لقتالكم، كما قال: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [البقرة: 190] ، المراد بقتالهم الجهاد فيهم بما يبيدهم أو يقهرهم ويخذلهم ويضعف قوّتهم. قال بعض الحكماء: سيف الجهاد والقتال هو آية العزّ، وبه مصّرت الأمصار، ومدّنت المدن، وانتشرت المبادئ والمذاهب، وأيّدت الشرائع والقوانين وبه حمي الإسلام من أن تعبث به أيدي العابثين في الغابر، وهو الذي يحميه من طمع الطامعين في الحاضر وبه امتدت سيطرة الإسلام إلى ما وراء جبال الأورال شمالا، وخط الاستواء جنوبا، وجدران الصين شرقا، وجبال البيرنه غربا..!. قال: فيجب على المسلمين أن لا يتملّصوا من قول بعض الأوروبيين: إن الدين
الإسلاميّ قد انتشر بالسيف! فإن هذا القول لا يضرّ جوهر الدين شيئا فإن المنصفين من الأوروبيين يعلمون أنه قام بالدعوة والإقناع، وأن السيف لم يجرد إلّا لحماية الدعوة. وإنما التملص منه يضر المسلمين لأنه يقعدهم عن نصرة الدين بالسيف، ويقودهم إلى التخاذل والتواكل، ويحملهم على الاعتقاد بترك الوسائل فيستخذون إلى الضعف كما هي حالتهم اليوم، وتبتلعهم الأمم القوية التي جعلت شعار تمدّنها السيف أو القوة..!. قال: يجب على المسلمين أن يدرسوا آيات الجهاد صباح مساء، ويطيلوا النظر في قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: 60] ، لعلّهم يتحفّزون إلى مجاراة الأمم القوية المجاهدة في الأمم الضعيفة..!. وقوله تعالى: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ من الكراهة، فوضع المصدر موضع الوصف مبالغة. كقول الخنساء: فإنما هي إقبال وإدبار كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له، أو هو فعل بمعنى مفعول- كالخبز بمعنى المخبوز- أي: وهو مكروه لكم، وهذا الكره إنما حصل من حيث نفور الطبع عن القتال- لما فيه من مؤنة المال، ومشقة النفس، وخطر الروح والخوف- فلا ينافي الإيمان. لأنّ كراهة الطبع جبلية لا تنافي الرضاء بما كلف به. كالمريض الشارب للدواء البشع. وفي القاموس وشرحه: (الكره) بالفتح ويضمّ: لغتان جيدتان بمعنى الإباء والمشقة. قال ثعلب: قرأ نافع وأهل المدينة في سورة البقرة وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ بالضم في هذا الحرف خاصة، وسائر القرآن بالفتح. وكان عاصم يضم هذا الحرف والذي في الأحقاف: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً [الأحقاف: 15] ، ويقرأ سائرهن بالفتح. وكان الأعمش وحمزة والكسائي يضمون هذه الحروف الثلاثة والذي في النساء: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النساء: 19] ، ثم قرءوا كل شيء سواها بالفتح. قال الأزهريّ: ونختار ما عليه أهل الحجاز: أنّ جميع ما في القرآن بالفتح إلا الذي في البقرة خاصة، فإنّ القراء أجمعوا عليه!. قال ثعلب: ولا أعلم بين الأحرف التي ضمّها هؤلاء وبين التي فتحوها فرقا في العربية، ولا في سنة تتبع، ولا أرى الناس اتفقوا على الحرف الذي في سورة البقرة خاصة، إلا أنه اسم وبقية القرآن
مصادر. قال الأزهريّ: وقد أجمع كثير من أهل اللغة: أنّ (الكره والكره) لغتان، فبأيّ لغة وقع فجائز. إلا الفراء فإنه فرق بينهما بأنّ (الكره) بالضمّ ما أكرهت نفسك عليه، وبالفتح: ما أكرهك غيرك عليه. تقول: جئتك كرها، وأدخلتني كرها. وقال ابن سيده: الكره: الإباء والمشقة تتكلفها فتحتملها، وبالضمّ: المشقة تحتملها من غير أن تكلفها. يقال: فعل ذلك كرها وعلى كره. قال ابن برّي: ويدل لصحة قول الفراء قول الله عزّ وجلّ: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [آل عمران: 83] ، ولم يقرأ أحد بضم الكاف. وقال سبحانه: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، ولم يقرأ أحد بفتح الكاف. فيصير (الكره) بالفتح. فعل المضطر، و (الكره) بالضمّ: فعل المختار. وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً- كالجهاد في سبيل الله تعالى- وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إذ فيه إحدى الحسنيين: إمّا الظفر والغنيمة، وإمّا الشهادة والجنة وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً- كالقعود عن الغزو- وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر وَاللَّهُ يَعْلَمُ- ما هو خير لكم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذلك. فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شقّ عليكم فهو رؤوف بالعباد لا يأمرهم إلا بخير. قال الحرّالي: فنفي العلم عنهم بكلمة (لا) أي: التي هي للاستقبال حتى تفيد دوام الاستصحاب. وما أوتيتم من العلم إلّا قليلا. قال: من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من الأعراب وغيرهم، وأما المؤمنون- أي: الراسخون- فقد علّمهم الله من علمه ما علموا أنّ القتال خير لهم وأنّ التخلف شرّ لهم. حتى إنّ علمهم ذلك أفاض على ألسنتهم ما يفيض الدموع وينير القلوب، حتى شاورهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في التوجه إلى غزوة بدر، فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال وأحسن ثم قام عمر رضي الله عنه فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو رضي الله عنه فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله، فنحن معك، والله! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [المائدة: 24] ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون! فو الذي بعثك بالحقّ لو سرت إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه..! فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خيرا ودعا له، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أشيروا عليّ أيها الناس! فقال له سعد بن معاذ الأنصاريّ رضي الله عنه: والله! لكأنّك تريدنا يا رسول الله! قال: أجل. قال: فقد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 217]
على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحقّ! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا، إنّا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعلّ الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 217] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قال الراغب: السائل عن ذلك، قيل: أهل الشرك قصدا إلى تعيير المسلمين لما تجاوزوه من القتل في الشهر الحرام، وقيل: هم أهل الإسلام. وقد أخرج الطبرانيّ في (الكبير) ، والبيهقيّ في (سننه) ، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن جندب بن عبد الله: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث رهطا، وبعث عليهم عبد الله ابن جحش، فلقوا ابن الحضرميّ فقتلوه ولم يدروا أنّ ذلك اليوم من رجب أو من جمادى. فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام. فأنزل الله هذه الآية. فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر، فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية [البقرة: 218] . وأخرجه ابن مندة من الصحابة عن ابن عباس. وملخّص ما ذكره الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) وابن هشام في (السيرة) في الكلام على هذه السرية ونزول هذه الآية: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعث عبد الله بن جحش الأسديّ إلى نخلة في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة في اثني عشر رجلا من المهاجرين، كلّ اثنين يعتقبان على بعير، فوصلوا إلى بطن نخلة يرصدون عيرا لقريش، وفي هذه السرية سمّي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثمّ ينظر فيه. فلما سار
يومين فتح الكتاب فوجد فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بنخلة- بين مكة والطائف- فترصد بها عيرا لقريش، وتعلم لنا من أخبارهم، فقال: سمعا وطاعة! وأخبر أصحابه بذلك وبأنّه لا يستكرههم، فمن أحبّ الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، فأمّا أنا فناهض! فنهضوا كلّهم. فلما كان في أثناء الطريق أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يتعقبانه. فتخلفا في طلبه. فبعد عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرّت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة، فيها عمرو بن الحضرميّ، وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة. فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب. لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام! فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على مقاتلتهم، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرميّ فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت نوفل فأعجزهم، ثم أقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد عزلوا من ذلك الخمس- وهو أول خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام- فأنكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما فعلوه واشتد تعييب قريش وإنكارهم ذلك. وزعموا أنهم قد وجدوا مقالا فقالوا: قد أحلّ محمد الشهر الحرام!، واشتد ذلك على المسلمين حتى أنزل الله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ.... الآية. وقوله تعالى: قِتالٍ فِيهِ بدل من الشهر، بدل الاشتمال، لأنّ القتال يقع في الشهر. وقال الكسائيّ: وهو مخفوض على التكرير. يريد أن التقدير: عن قتال فيه. وهو معنى قول الفراء: مخفوض ب (عن) مضمرة. وهذا ضعيف جدا لأن حرف الجرّ لا يبقى عمله بعد حذفه في الاختيار..! وقال أبو عبيدة: هو مجرور على الجوار. وهو أبعد من قولهما، لأنّ الجوار من مواضع الضرورة والشذوذ ولا يحمل عليه ما وجدت عنه مندوحة. وفيه يجوز أن يكون نعتا ل (قتال) ، ويجوز أن يكون متعلقا به كما يتعلق ب (قاتل) . وقد قرئ بالرفع في الشاذ، ووجهه على أن يكون خبر مبتدأ محذوف معه همزة الاستفهام تقديره: أجائز قتال فيه؟. قُلْ في جوابهم قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ أي: أمر كبير مستنكر وقد كانت
العرب لا تسفك دما ولا تغير على عدوّ في الأشهر الحرم وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب. وسنذكر. في تنبيه يأتي، التحقيق في كون تحريم القتال فيها محكما أو منسوخا. قال الراغب: إن قيل: لم لم يقل: القتال فيه كبير، وشرط النكرة المذكورة إذا أعيد ذكرها أن يعاد معرّفا نحو: سألتني عن رجل والرجل كذا وكذا؟ قيل: في ذكره منكرا تنبيه على أن ليس كل القتال في الشهر الحرام هذا حكمه، فإنّ قتال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأهل مكة لم يكن هذا حكمه، فقد قال: أحلّت لي ساعة من نهار ولم تكن تحلّ لأحد قبلي «1» . وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: عن دينه الموصل إلى رضوانه، أو عن البيت الحرام، فإنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: سمّى الحجّ (سبيل الله) . قال الحراليّ: و (الصدّ) : صرف إلى ناحية بإعراض وتكرّه، و (السبيل) : طريق الجادة السابلة عليه الظاهر لكلّ سالك منهجه. وصدّ مبتدأ. وَكُفْرٌ بِهِ أي: بالسبيل- أعني الدين- أو بالله، عطف عليه. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف على سَبِيلِ اللَّهِ أي: وصدّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. وزعم الفراء أنه معطوف على الهاء في بِهِ أي: كفر به وبالمسجد الحرام. وَإِخْراجُ أَهْلِهِ أي: أهل المسجد الحرام- وهم: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنون الذين هم أولياؤه- وهو عطف على صَدٌّ أيضا مِنْهُ من المسجد الحرام وخبر الأسماء الثلاثة أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ جرما مما فعلته السرية من قتلهم إياهم في الشهر الحرام. لأنّ الإخراج فتنة وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ في الشهر الحرام، أي: فقد فعلوا بكم في المسجد الحرام ما هو أكبر من القتل فيه، وحرمة المسجد كحرمة الشهر..! هذا، وقيل: خبر صَدٌّ وكُفْرٌ محذوف لدلالة ما تقدم عليه.
وأشار الرازيّ إلى إعراب آخر وهو: إنّ صَدٌّ وكُفْرٌ معطوفان على كَبِيرٌ أي: قتال فيه، موصوف بهذه الصفات. وعليه ف (أكبر) خبر (إخراج) فقط. وقد جنح لهذا المهايميّ حيث قال في (تفسيره) : قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ من المعاصي الكبائر كيف (و) هو صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: عن التجارة التي جعلها الله سبيل الرزق لعباده (و) لو استبيح هذا القتل فهو كُفْرٌ بِهِ وصدّ عن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إذا قتل الحجاج الخارجون في الشهر الحرام، فهذا وجه تحريم القتال في هذا الشهر (و) لكن إِخْراجُ أَهْلِهِ أي إخراجهم أهل المسجد الحرام وهم النبيّ والمؤمنون مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ... إلى آخره. وهذا الوجه من الإعراب بديع، والأكثرون على الأول. قال ابن القيّم في (زاد المعاد) في تأويل هذه الآية: يقول سبحانه: هذا الذي أنكرتموه عليهم- وإن كان كبيرا- فما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله، والصدّ عن سبيله وعن بيته، وإخراج المسلمين- الذين هم أهله- منه، والشرك الذي أنتم عليه، والفتنة التي حصلت منكم به- أكبر عند الله من قتالهم في الشهر الحرام. ومما نسب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في هذا المعنى هذه الأبيات، ويقال هي لعبد الله بن جحش: تعدّون قتلا في الحرام عظيمة! ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمّد ... وكفر به، والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا- وإن عيّرتمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرميّ رماحنا ... بنخلة لمّا أوقد الحرب واقد دما، وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غلّ من القدّ عاند قال الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) : وأكثر السلف فسروا «الفتنة» هنا بالشرك، كقوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [الأنفال: 39] ويدلّ عليه قوله: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23] أي: لم يكن مآل شركهم وعاقبته وآخر أمرهم إلّا أن تبرأوا منه وأنكروه. وحقيقتها أنه الشرك الذي يدعو صاحبه إليه، ويقاتل عليه، ويعاقب من لم يفتتن به. ولهذا
يقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ [الذاريات: 14] . قال ابن عباس: تكذيبكم. وحقيقته: ذوقوا نهاية فتنتكم وغايتها ومصير أمرها، كقوله: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [الزمر: 24] . وكما فتنوا عباده على الشرك، فتنوا على النار وقيل لهم: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ [الذاريات: 14] . ومنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ... [البروج: 10] ، فسّرت الفتنة- هنا- بتعذيبهم المؤمنين وإحراقهم إياهم بالنار، واللفظ أعمّ من ذلك. وحقيقته: عذّبوا المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم. فهذه الفتنة المضافة إلى المشركين. وأمّا الفتنة التي يضيفها الله سبحانه إلى نفسه ويضيفها رسوله إليه كقوله: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الأنعام: 53] ، وقول موسى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ [الأعراف: 155] فتلك بمعنى آخر، وهي بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من الله لعباده بالخير والشرّ، بالنعم والمصائب. فهذه لون، وفتنة المشركين لون. وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لون آخر. والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب عليّ ومعاوية، وبين أهل الجمل وصفّين، وبين المسلمين حتى يتقاتلوا ويتهاجروا- لون آخر. وهي الفتنة التي قال فيها محمد صلّى الله عليه وسلّم «1» : ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي ... وأحاديث الفتنة- التي أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيها باعتزال الطائفتين- هي هذه الفتنة «2» . وقد
تنبيه:
تأتي الفتنة مرادا بها المعصية، كقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [التوبة: 49] . يقوله الجدّ بن قيس لما. ندبه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى تبوك، يقول: ائذن لي في القعود ولا تفتني بتعرضي لبنات الأصفر فإني لا أصبر عنهنّ..! قال تعالى: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أي: وقعوا في فتنة النفاق وفروا إليها من فتنة بنات الأصفر. والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتل في الشهر الحرام، بل أخبر الله أنه كبير وأنّ ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرّد القتال في الشهر الحرام، فهم أحقّ بالذم، والعيب والعقوبة، لا سيما أولياؤه. كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصرين نوع تقصير يغفره الله لهم. في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة مع رسوله وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع ... ! فكيف يقاس ببغيض عدوّ جاء بكلّ قبيح ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن؟ .. تنبيه: اتفق الجمهور على أنّ حكم هذه الآية: حرمة القتال في الشهر الحرام. ثم اختلفوا أنّ ذلك الحكم هل بقي أم نسخ؟. قال ابن القيّم في (زاد المعاد) في الفصل الذي عقده لما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية. ما نصه: منها محاربة الكفار ومقاتلتهم في الأشهر الحرم، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجع من الحديبية في ذي الحجة. فمكث بها ثم سار إلى خيبر في المحرم كذلك. قال الزهريّ عن عروة عن مروان والمسور، وكذلك قال الواقديّ: خرج في أوّل سنة سبع من الهجرة. ولكن في الاستدلال بذلك نظر. فإنّ خروجه كان في أواخر المحرم لا في أوله، وفتحها إنما كان في صفر. وأقوى من هذا الاستدلال بيعة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابه تحت الشجرة بيعة الرضوان على القتال وأن لا يفروا. وكانت في ذي القعدة. ولكن لا دليل في ذلك. لأنه إنما بايعهم على ذلك لما بلغه أنهم قد قتلوا عثمان وهم يريدون قتاله، فحينئذ بايع الصحابة. ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام دفعا، وإنما الخلاف أن يقاتل فيه ابتداء. فالجمهور جوّزوه وقالوا: تحريم القتال فيه منسوخ، وهو مذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله. وذهب عطاء وغيره إلى أنّه ثابت غير منسوخ وكان عطاء يحلف بالله ما يحل القتال في الشهر
الحرام ولا نسخ من تحريمه شيء..! وأقوى من هذين الاستدلالين، الاستدلال بحصار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للطائف. فإنه خرج إليها في أواخر شوال فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة. فبعضها كان في ذي العقدة. فإنه فتح مكة لعشر بقين من رمضان، وأقام بها بعد الفتح تسع عشرة يقصر الصلاة. فخرج إلى هوازن وقد بقي من شوال عشرون يوما ففتح الله عليه هوازن وقسم غنائمها. ثم ذهب منها إلى الطائف فحاصروه عشرين ليلة. وهذا يقتضي أن بعضها في ذي القعدة بلا شك. وقد قيل إنما حاصرهم بضع عشرة ليلة. (قال ابن حزم: وهو الصحيح بلا شك) وهذا عجيب منه. فمن أين له هذا التصحيح والجزم به..؟ وفي (الصحيحين) عن أنس بن مالك في قصة الطائف قال: فحاصرناهم أربعين يوما فاستعصوا وتمنّعوا، وذكر الحديث. فهذا الحصار وقع في ذي القعدة بلا ريب. ومع هذا، فلا دليل في القصة لأنّ غزو الطائف كان في تمام غزوة هوازن. وهم بدءوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالقتال. ولما انهزموا دخل ملكهم- وهو مالك بن عوف النضريّ- مع ثقيف في حصن الطائف. فحاربت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فكان غزوهم من تمام الغزو التي شرع فيها، والله أعلم. وقال الله تعالى في سورة المائدة وهي من آخر القرآن نزولا وليس فيها منسوخ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ [المائدة: 2] ، وقال في سورة البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. فهاتان آيتان مدنيتان. بينهما في النزول نحو ثمانية أعوام. وليس في كتاب الله ولا سنّة رسوله ناسخ لحكمها. ولا اجتمعت الأمة على نسخه. ومن استدلّ على النسخ بقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: 36] ، ونحوها من العمومات، فقد استدلّ على النسخ بما لا يدلّ. ومن استدل عليه بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعث أبا عامر في سرية إلى أوطاس في ذي القعدة، فقد استدلّ بغير دليل. لأنّ ذلك كان من تمام الغزوة التي بدأ فيها المشركون بالقتال ولم يكن ابتداء منه لقتالهم في الشهر الحرام. وَلا يَزالُونَ- يعني أهل مكة- يُقاتِلُونَكُمْ- أيها المؤمنون- حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ أي: يرجعوكم عن دينكم الإسلام إلى الكفر إِنِ اسْتَطاعُوا أي: قدروا على ردّتكم. وفيه استبعاد لاستطاعتهم. فهو كقول الرجل لعدوّه: إن ظفرت بي فلا تبق عليّ. وهو واثق أنه لا يظفر به. وجملة وَلا يَزالُونَ إما معطوفة على يَسْئَلُونَكَ أو معترضة. والمقصود: تحذير المؤمنين منهم وعدم المبالاة بموافقتهم في بعض الأمور، لاستحكام عداوتهم وإصرارهم على الفتنة في الدين.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 218]
وفي الآية إشعار بأنكم أحقّ بأن لا تزالوا تقاتلونهم. لأنهم قاطعون بأنكم على الحق وأنكم منصورون، وأنهم على الباطل وهم مخذولون، ولا بدّ وإن طال المدى. لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم. ومن وكل إلى نفسه ضاع. فالأمر الذي بينكم وبينهم أشدّ من الكلام. فينبغي الاستعداد له بعدّته، والتأهّب له بأهبته، فضلا عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين طعنا في الدين، وصدّا عن السبيل. أشار لذلك البقاعي. ثم حذّر تعالى عن الارتداد بقوله: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ وهو الإسلام. وبناء صيغة الافتعال من الردّة المؤذنة بالتكلف، إشارة إلى أنّ من باشر دين الحقّ يبعد أن يرجع عنه، فهو متكلف في ذلك فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي: بطلت جميع مساعيهم النافعة لهم، وردّت فِي الدُّنْيا- إذ يرفع الأمان عن أموالهم وأهلهم- وَالْآخِرَةِ- إذ يسقط ثوابهم فلا يجزون ثمّة بحسناتهم وَلا يقتصر عليه بل أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ أي: أهل النار هُمْ فِيها خالِدُونَ مقيمون لا يموتون ولا يخرجون كسائر الكفّار. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 218] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بحرمة الشهر في نفسه وجواز قتال المخرجين أهل المسجد الحرام منه وَالَّذِينَ هاجَرُوا فتركوا مكة وعشائرهم إذ أخرجوا من المسجد الحرام وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولو في الشهر الحرام للدفع عن أنفسهم أُولئِكَ وإن باشروا القتال في الشهر الحرام يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ أي: جنّته على إيمانهم وهجرتهم وجهادهم. وإنما ثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجوّ للإيذان بأنهم عالمون بأنّ العمل غير موجب للأجر، وإنما هو على طريق التفضّل منه سبحانه، لا لأنّ في فوزهم اشتباها وَاللَّهُ غَفُورٌ لهتكهم حرمة الشهر رَحِيمٌ بما تجاوز عن قتالهم، مع قيام دليل الحرمة فلم يعاقبهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 219] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ هذه الآية أول آية نزلت في الخمر، على ما
قاله ابن عمر والشعبيّ ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ثم نزلت الآية التي في سورة النساء ثم نزلت الآية في المائدة. وروى الإمام أحمد «1» وأبو داود «2» والترمذي «3» عن عمر أنّه قال- لمّا نزل تحريم الخمر: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا! فنزلت هذه الآية التي في البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... الآية. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فكان منادي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- إذا أقام الصلاة- نادى أن: لا يقربنّ الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال عمر: انتهينا انتهينا. وحقيقة الخمر ما أسكر من كلّ شيء روى (الشيخان) عن ابن عمر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال «4» : كل مسكر خمر، وكلّ مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يد منها لم يتب منها، لم يشربها في الآخرة. وأما الميسر فهو القمار- بكسر القاف- مصدر من يسر- كالموعد والمرجع من فعلهما يقال: يسرته إذا قمرته، واشتقاقه من (اليسر) لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كدّ ولا تعب، أو من (اليسار) لأنه سلب يساره. وصفته: أنه كانت لهم عشرة أقداح يقال لها الأزلام والأقلام وهي: (الفذّ، والتوأم، والرقيب، والحلس- بكسر الحاء المهملة وسكون اللام وككتف- والنافس، والمسبل- كمحسن- والمعلّى- كمعظّم-، والمنيح- كأمير، والسّفيح- بوزن ما قبله- والوغد) لكلّ واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزّئونها عشرة أجزاء (كما قاله أبو عمر) أو ثمانية وعشرين جزءا (كما قاله الأصمعيّ) وهو الأكثر، إلا ثلاثة منها وهي (المنيح والسفيح والوغد) فلا أنصباء لها. وإنما يكثر بها القداح كراهة التهمة. ولبعضهم:
لي في الدنيا سهام ... ليس فيهن ربيح وأساميهن: وغد ... وسفيح ومنيح فللفذّ سهم- أي: فرض واحد- وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلّى سبعة يجعلونها في الرّبابة (وهي خريطة) ويضعونها على يدي عدل ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج. باسم رجل رجل، قدحا منها. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم (بفتحتين) كذا في (الكشاف) بزيادة. وفي (القاموس وشرحه) : (الميسر) اللعب بالقداح، أو هو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها. كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزورا نسيئة ونحروه وقسموه ثمانية وعشرين قسما أو عشرة أقسام فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم من خرج له الغفل. وإنما سمي الجزور ميسرا لأنه يجزّأ أجزاء. وكلّ شيء جزأته فقد يسرته ويسرت الناقة جزأت لحمها، ويسر القوم الجزور أي: اجتزروها واقتسموا أجزاءها. قال سحيم بن وثيل اليربوعيّ: أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني ... ألم تعلموا أنّي ابن فارس زهدم كان وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام. وقوله (ييسرونني) هو من الميسر، أي: يجزونني ويقتسمونني. وقال لبيد: واعفف عن الجارات وامنحهنّ ميسرك السمينا! فجعل الجزور نفسه ميسرا. ونقل الصاغاني، أن الميسر النرد. وقال مجاهد: كلّ شيء فيه قمار فهو من الميسر. حتى لعب الصبيان بالجوز. قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ أي: عظيم- وقرئ بالمثلثة- وذلك لما فيهما من المساوي المنابذة لمحاسن الشرع. من الكذب والشتم وزوال العقل واستحلال مال الغير وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ دنيوية من اللذة والطرب والتجارة في الخمر. وإصابة المال بلا كدّ في الميسر. وفي تقديم بيان إثمه، ووصفه بالكبر، وتأخير ذكر منافعه مع تخصيصها بالناس، من الدلالة على غلبة الأول- ما لا يخفى على ما نطق به قوله تعالى: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما أي: المفاسد المترتبة على تعاطيهما أعظم من
تنبيه:
الفوائد المترتبة عليه. أي: لا توازي مضرّته ومفسدته الراجحة لتعلقها بالعقل والدين. وفي هذا من التنفير عنها ما لا يخفى. ولهذا كانت هذه الآية ممهّدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرّضة ولهذا، قال عمر لمّا قرئت عليه: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا! حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 90- 91] . تنبيه: ألّف كثير من أعلام الأطباء والفلاسفة مؤلفات خاصة في مضرّات المسكرات. ولم تزل تعقد في بعض ممالك النصارى مؤتمرات دولية، تدعى إليه نواب من جميع دول العالم الكبيرة لمحاربة المسكرات، وعيافها، وإعلان تأثيرها في الأجساد والعقول والأوراح، وما ينشأ عنها من الخسران الماليّ. وممّا قرره خمسون طبيبا منهم هذه الجمل: 1- إنّ المسكرات لا تروي الظمأ بل تزيده. 2- إنها لا تفيد شيئا في قضاء الأعمال. 3- إنها توقف النمو العقليّ والجسديّ في الأولاد. 4- إنها تضعف قوة الإرادة فتفضي إلى ارتكاب الموبقات، وتجرّ إلى الفقر والشقاء 5- هي من المسكنات كالبنج والإيثر. 6- إنها تعدّ للأمراض المعدية. 7- إنها تعدّ بنوع خاص للتدرّن والسلّ. 8- إنها تضرّ في ذات الرئة والحمّى التيفودية أكثر مما تنفع. 9- إنها تقرّب النهاية المحزنة في الأمراض التي تنتهي بالموت. وتطيل مدّة الشفاء في الأمراض التي تنتهي بالصحة. 10- إنها تعدّ لضربة الشمس والرعن في أيام الحرّ. 11- إنها تسرع بإنفاق الحرارة في أيام البرد. 12- إنها تغير مادة القلب والأوعية الدموية.
13- إنها كثيرا ما تسبب التهاب الأعصاب، والآلام المبرّحة. 14- إنها تسرع بحويصلات الجسم إلى الهدم. 15- إنّ المقدار العظيم الذي يتناوله أصحاب الأعمال الجسدية من أشربتها هو سبب شقائهم وفقرهم وذهاب صحّتهم. 16- إنّ الامتناع عنها مما يفضي إلى صحة وسعادة الجنس البشريّ. وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ أي: يتصدقون به من أموالهم قُلِ الْعَفْوَ وهو ما يفضل عن النفقة، أي: الفاضل الذي يمكن التجاوز عنه لعدم الاحتياج إليه. وفي (الصحيحين) «1» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وأبدأ بمن تعول. وأخرج مسلم «2» عن جابر: إن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا. وروى أبو داود «3» والنسائي «4» عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: عندي دينار، قال: أنفقه على نفسك. قال عندي آخر، قال: أنفقه على ولدك. قال: عندي آخر، قال: أنفقه على أهلك. قال: عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك. قال: عندي آخر، قال أنت أعلم. كَذلِكَ- أي: كما بيّن لكم ما ذكر- يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي: الأمر والنهي وهوان الدنيا لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 220]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 220] فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) فِي الدُّنْيا أنها فانية- والآخرة- أنها باقية، وفي أمورهما لتصلحوها ولا تتحملوا مفسداتهما، فلا تتركوا اللذائذ الباقية للذائذ الفانية. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى أخرج أبو داود «1» والنسائي «2» والحاكم وغيرهم، عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: 152] . وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [النساء: 10] انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه وشرابه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم. فذكروا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فأنزل الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ... الآية فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. وقوله تعالى: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم. وإنما أقيم غاية المداخلة- أعني الإصلاح- مقامها، تنبيها على أنّ المأمور به مداخلة يكون ترتب الإصلاح عليها ظاهرا. كأنها عين الإصلاح وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ تعاشروهم ولم تجانبوهم فَإِخْوانُكُمْ فهم إخوانكم في الدين- الذي هو أقوى من العلاقة النسبية. ومن حقوق الإخوة: المخالطة بالإصلاح والنفع. قال الأصبهانيّ: وإذا كان هذا في أموال اليتامى واسعا، كان في غيرهم أوسع. وهو أصل شاهد لما يفعله الرفاق في الأسفار. يخرجون النفقات بالسوية، ويتباينون في قلة المطعم وكثرته. وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ لأموالهم مِنَ الْمُصْلِحِ لها، فيجازيه على حسب مداخلته، فاحذروه ولا تتحرّوا غير الإصلاح وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ لحملكم على
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 221]
العنت- وهو المشقة- وأحرجكم، فلم يطلق لكم مداخلتهم، ولا يمنعه من ذلك شيء. إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أي: غالب على ما أراد حَكِيمٌ أي: فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمة الداعية إلى بناء التكليف على أساس الطاقة. هذا، وقد حمل القاضي قوله تعالى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ على جهات المصالح والخيرات العائدة إلى الوليّ واليتيم. قال رحمه الله: هذا الكلام يجمع النظر في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرهما لكي ينشأ على علم وأدب وفضل، لأنّ هذا الصنع أعظم تأثيرا فيه من إصلاح حاله بالتجارة. ويدخل فيه أيضا إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة. ويدخل أيضا معنى قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء: 2] . ومعنى قوله خَيْرٌ يتناول حال المتكفّل. أي: هذا العمل خير له من أن يكون مقصرا في حق اليتيم. ويتناول حال اليتيم أيضا. أي: هذا العمل خير لليتيم من حيث إنّه يتضمّن صلاح نفسه وصلاح ماله. فهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح اليتيم والوليّ. وروى البخاريّ «1» عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا. وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما. وروى نحوه مسلم أيضا في (صحيحه) «2» . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 221] وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ أي: لا تتزوجوا الوثنيات حتى يؤمنّ بالله تعالى. قال ابن كثير: هذا تحريم من الله عزّ وجلّ على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان. ثم إن كان عمومها مرادا، وأنّه يدخل فيها كل مشركة
من كتابية ووثنية، فقد خصّ من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ [المائدة: 5] . وقد بسط العلّامة الرازيّ هاهنا الكلام على أنّ لفظ (المشرك) هل يتناول الكفار من أهل الكتاب؟ فانظره. والتحقيق: أن المشرك لا يتناول الكتابيّ، لأن آيات القرآن صريحة في التفرقة بينهما. وعطف أحدهما على الآخر في مثل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [البينة: 6] . وسرّ ذلك، أن المشرك هو من يتدين بالشرك. أي: يكون أصل دينه الإشراك والكتابيّ- وإن طرأ في دينه الشرك- فلم يكن من أصله وجوهره. وقوله تعالى: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ تعليل للنهي عن مواصلتهنّ، وترغيب في مواصلة المؤمنات أي: ولأمة مؤمنة مع ما بها من خساسة الرقّ وقلة الخطر خير من مشركة مع ما لها من شرف الحرية ورفعة الشأن. فإن نقصان الرّقّيّة فيها مجبور بالإيمان الذي هو أجلّ كمالات الإنسان وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ أي: المشركة بحسنها ونسبها وغيرهما. فإن نقصان الكفر لا يجبر بها وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ بضمّ التاء- من الإنكاح وهو التزويج أي: لا تزوّجوا الكفار- بأيّ كفر كان- من المسلمات حَتَّى يُؤْمِنُوا ويتركوا ما هم فيه من الكفر وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ مع ما به من ذلّ الرّقيّة خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ بداعي الرغبة فيه الدنيوية، فإن ذهاب الكفاءة بالكفر غير مجبور بشيء منها. وأفهم هذا خيرية الحرّة والحرّ المؤمنين من باب الأولى، مع التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما، إعلاما بأن خيريّتهما أمر مقطوع به، وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدّونه دنيّا فشرّفه الإيمان، ومن يعدّونه شريفا فحقّره الكفران. ولذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدلّ على أنه- وإن كان دنيّا- موضع التفضيل لعلوّ وصفه. وأثبت الوصف بالشرك في الموضعين مقتصرا عليه لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه- أفاده البقاعيّ. ثم أشار إلى وجه الحظر بقوله تعالى: أُولئِكَ أي: المذكورون من المشركات والمشركين يَدْعُونَ من يقارنهم ويعاشرهم إِلَى النَّارِ أي: إلى ما يؤدي إليها من الكفر والفسوق فإن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة، وكلّ ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض، فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا..! وَاللَّهُ يَدْعُوا
تنبيه:
أي: بما يأمر به على ألسنة رسله إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ أي: العمل المؤدّي إليهما. وتقديم الجنة هنا على المغفرة مع سبقها عليها، لرعاية مقابلة النار ابتداء بِإِذْنِهِ بأمره وَيُبَيِّنُ آياتِهِ أمره ونهيه في التزويج لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لكي يتعظوا وينتهوا عن تزويج الحرام، ويوالوا أولياء الله- وهم المؤمنون- بالمعاشرة والمصاهرة فيفوزوا بما دعوا إليه من الجنة والغفران. هذا وقد قيل: معنى وَاللَّهُ يَدْعُوا وأولياء الله يدعون، وهم المؤمنون. على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. تشريفا لهم، وتفخيما لشأنهم، حيث جعل فعلهم فعل نفسه صورة. وملحظة رعاية المقابلة، كأنه قيل: أعداء الله يدعون إلى النار، وأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة. إلا إنّ فيه فوات رعاية تناسب الضمائر، فإن الضمير في المعطوف على الخبر أعني قوله تعالى: وَيُبَيِّنُ لله تعالى، فيلزم التفكيك: تنبيه: قال الراغب: حقيقة التذكّر، الاستدراك عن نسيان أو غفلة لما اشتبه القلب. قال: إن قيل: إلى أي شيء أشار بهذا التذكر؟ قيل: إن الله عزّ وجلّ ركّب فينا بالفطرة معرفته ومعرفة آلائه. والإنسان- باستفادة العلم- يتذكّر ما ذكر فيه، فهذا معنى التذكر، ثم قال: وقد قيل: الرجاء من الله واجب. بمعنى أنه إذا رجانا حقّق رجانا. قال: وهذه مسألة لا يمكن تصوّرها إن لم نبلغها بتعاطي هذه الأفعال التي شرطها الله تعالى. فلذلك صعب إدراكها لنا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 222] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ، وهو الدم الخارج من الرحم على وجه مخصوص في وقت مخصوص. ويسمّى الحيض أيضا. أي: هل يسبب ويقتضي مجانبة مسّ من رأته؟ قُلْ هُوَ أَذىً، أي: الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه. نفرة منه وكراهة له. فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ، أي: فاجتنبوا مجامعتهنّ في زمنه. قال الراغب: في قوله تعالى: هُوَ أَذىً، تنبيه على أن العقل يقتضي تجنبه،
كأنّ قيل: الحيض أذى وكلّ أذى متحاشى منه. ولمّا كان الإنسان قد يتحمل الأذى ولا يراه محرّما، صرّح بتحريمه بقوله فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ. روى الإمام أحمد ومسلم «1» عن ثابت عن أنس رضي الله عنه: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت. فسأل أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله عزّ وجلّ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً ... ، إلى آخر الآية. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اصنعوا كلّ شيء إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه! فجاء أسيد بن حضير وعباد ابن بشر فقالا: يا رسول! إن اليهود تقول كذا وكذا، فلا نجامعهنّ؟ فتغيّر وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى ظننّا أن قد وجد عليهما. فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، تأكيد لحكم الاعتزال، وتنبيه على أن المراد به عدم قربانهنّ، لا عدم القرب منهنّ، وكنى بقربانهنّ، المنهيّ عنه، عن مباضعتهنّ. فدلّ على جواز التمتع بهنّ حينئذ فيما دون الفرج. ففي (الصحيحين) «2» عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أرجّل رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأنا حائض. وفيهما «3» عنها أيضا قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتّكئ في حجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن. وروى مسلم «4» عنها أيضا قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيضع فاه على موضع فيّ فيشرب. وأتعرّق العرق وأنا حائض، ثم أناوله النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيضع فاه على موضع فيّ. وفي (الصحيحين) «5» - واللفظ لمسلم- عن ميمونة قالت: كان رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم يباشر نساءه فوق الإزار وهنّ حيّض. وفي لفظ له: كان يضطجع معي وأنا حائض وبيني وبينه ثوب. وقوله: حَتَّى يَطْهُرْنَ بيان لغاية الاعتزال. وقد قرئ في السبع: بفتح الطاء والهاء مع التشديد، وبسكون الطاء وضمّ الهاء مخففة. والقراءة الأولى تدلّ صريحا على أنّ غاية حرمة القربان هو الاغتسال، كما ينبئ عنه قوله تعالى فَإِذا تَطَهَّرْنَ ... ، إلخ. والقراءة الثانية وإن دلّت على أنّ الغاية هو انقطاع الدم- بناء على ما قيل: إنّ الطهر انقطاع الدم. والتطهر الاغتسال- إلّا أنّه لما ضمّ إليها قوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ، صار المجموع هو الغاية وذلك بمنزلة أن يقول الرجل: لا تكلم فلانا حتى يدخل الدار، فإذا طابت نفسه بعد الدخول فكلّمه! فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامه بالأمرين جميعا. وكذلك الآية- لمّا دلت على وجوب الأمرين- وجب أن لا تنتهي هذه الحرمة إلّا عند حصول الأمرين، فمرجع القراءتين واحد كما بيّنا. وقد روى مسلم «1» عن عائشة: إنّ أسماء سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم عن غسل المحيض؟ فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثمّ تصبّ على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصبّ عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها- والفرصة بالكسر: قطعة من صوف أو قطن أو غيره- تتبع بها أثر الدم. ثم آذن تعالى أنّ التطهر شرط في إباحة قربانهنّ، لا يصحّ بدونه، بقوله سبحانه فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، أي: فجامعوهنّ من المكان الذي أمركم الله بتجنّبه في الحيض وهو القبل ولا تتعدّوه إلى غيره. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، من الذنوب وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ أي: المتنزّهين عن الفواحش والأقذار. كمجامعة الحائض والإتيان في غير المأتى. وفي ذكر التوبة إشعار بمساس الحاجة إليها- بارتكاب بعض الناس لما نهوا عنه- وتكرير الفعل لمزيد العناية بأمر التطهّر.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 223]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 223] نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، روى الشيخان «1» عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتيت المرأة من دبرها في قبلها ثمّ حملت كان ولدها أحول. قال: فأنزلت: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. وعند مسلم عن الزهريّ: إن شاء مجبّية، وإن شاء غير مجبية، غير أنّ ذلك في صمام واحد. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : هذه الزيادة يشبه أن تكون من تفسير الزهريّ، لخلوّها من رواية غيره من أصحاب ابن المنكدر، مع كثرتهم. و (المجبّية) كملبّية: المنكبّة على وجهها، و (الصمام الواحد) : الفرج، وقوله تعالى: حَرْثٌ لَكُمْ، الحرث: إلقاء البذر في الأرض، هذا أصله والكلام إما بحذف المضاف، أي مواضع حرث، أو المصدر بمعنى المفعول أي: محروثات. وإنما شبّهن لما بين ما يلقى في أرحامهن وبين البذور من المشابهة. من حيث إنّ كلّا منهما مادة لما يحصل منه. ولمّا عبّر تعالى عنهنّ بالحرث عبّر عن مجامعتهن بالإتيان كما تقدّم، فقال: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، أي: فأتوهنّ كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أيّ جهة شئتم، لا تخطر عليكم جهة دون جهة. والمعنى: جامعوهن من أيّ جهة شئتم ولا تبالوا بقول اليهود. وفي تخصيص (الحرث) بالذكر تعميم جميع الكيفيات الموصلة إليه. قال الزمخشريّ: وقوله تعالى: هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ- مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ- فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. من الكنايات اللطيفة، والتعريضات المستحسنة. وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها، ويتأدّبوا بها، ويتكلّفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم. وقد ورد- في سبب نزول هذه الآية- رواية أخرى أخرجها أبو داود «2» والحاكم
تنبيه:
عن ابن عباس قال: كان هذا الحيّ من الأنصار (وهم أهل وثن) مع هذا الحيّ من يهود (وهم أهل كتاب) كانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم. وكان من أمر أهل الكتاب أنّهم لا يأتون النساء إلّا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة. فكان هذا الحيّ من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم. وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا ويتلذذون منهنّ مقبلات ومدبرات ومستلقيات. فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار. فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف. فاصنع ذلك، وإلّا فاجتنبني، حتى سرى أمرهما. فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فأنزل الله عزّ وجلّ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ، أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد. تنبيه: ما ذكرناه من الروايات هو المعوّل عليه عند المحققين. وثمة روايات أخر تدلّ على أنّ هذه الآية إنّما أنزلت رخصة في إتيان النساء في أدبارهنّ. قال الطحاويّ: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال (يعني وطء المرأة في دبرها) ثم قرأ: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاويّ نقلها ابن كثير. وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعيّ: قال ابن القاسم: ولم أدرك أحدا أقتدي به في ديني يشك فيه. والمدنيّون يروون فيه الرخصة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. يشير بذلك إلى ما روي عن ابن عمر وأبي سعيد. أما حديث ابن عمر فله طرق. رواه عنه نافع، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، وزيد بن أسلم. وسعيد بن يسار. وغيرهم. أمّا نافع فاشتهر عنه من طرق كثيرة جدّا. منها رواية مالك، وأيوب، وعبيد الله ابن عمر العمريّ، وابن أبي ذئب، وعبد الله بن عون، وهشام بن سعد، وعمر بن محمد بن زيد، وعبد الله بن نافع، وأبان بن صالح، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة.
قال الدّارقطنيّ، في أحاديث مالك التي رواها خارج (الموطّأ) : حدثنا أبو جعفر الأسوانيّ المالكيّ بمصر. حدثنا محمد بن أحمد بن حماد. حدثنا أبو الحارث أحمد بن سعيد الفهريّ. حدثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله. حدّثنا الدراورديّ عن عبيد الله بن عمر بن حفص عن نافع قال: قال لي ابن عمر: أمسك علىّ المصحف يا نافع. فقرأ حتى أتى على هذه الآية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... ، فقال: تدري يا نافع فيمن أنزلت هذه الآية؟ قال قلت: لا؟ قال، فقال لي: في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها. فأعظم الناس ذلك، فأنزل الله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... الآية. قال نافع: فقلت لابن عمر: من دبرها في قبلها؟ قال: لا. إلّا في دبرها: قال أبو ثابت: وحدثني به الدراورديّ عن مالك وابن أبي ذئب. وفيهما عن نافع مثله. وفي تفسير البقرة من صحيح البخاريّ: حدثنا إسحاق. حدثنا النضر. حدثنا ابن عون عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه. فأخذت عليه يوما فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان، فقال: تدري فيم أنزلت؟ فقلت: لا! قال: نزلت في كذا وكذا. ثم مضى. وعن عبد الصمد: حدثني أبي- يعني عبد الوارث- حدثني أيوب عن نافع عن ابن عمر في قوله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، قال: يأتيها في ... قال: ورواه محمد بن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، هكذا وقع عنده. والرواية الأولى- في تفسير إسحاق بن راهويه-. مثل ما ساق، لكن عيّن الآية وهي نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، وعيّن قوله كذا وكذا. فقال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن. وكذا رواه الطبريّ من طريق ابن علية عن ابن عون. وأما رواية عبد الصمد فهي في تفسير إسحاق أيضا عنه، وقال فيه: يأتيها في الدبر. وأمّا رواية محمد: فأخرجها الطبرانيّ في (الأوسط) عن عليّ بن سعيد، عن أبي بكر الأعين، عن محمد بن يحيى بن سعيد بلفظ: إنما أنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ رخصة في إتيان الدبر. وأخرجه الحاكم في (تاريخه) من طريق عيسى بن مثرود عن عبد الرحمن بن القاسم. ومن طريق سهل بن عمار عن عبد الله بن نافع. ورواه الدارقطنيّ في (غرائب مالك) من طريق زكريا الساجي عن محمد بن الحارث المدنيّ عن أبي مصعب. ورواه الخطيب في (الرواة) عن مالك من طريق أحمد بن الحكم العبديّ. ورواه أبو إسحاق الثعلبيّ في (تفسيره) والدّارقطنيّ- أيضا- من
طريق إسحاق بن محمد الفرويّ. ورواه أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) من طريق محمد بن صدقة الفدكيّ، كلّهم عن مالك. قال الدّارقطنيّ: هذا ثابت عن مالك. وأمّا زيد بن أسلم: فروى النسائيّ والطبريّ من طريق أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عنه، عن ابن عمر: أنّ رجلا أتى امرأته في دبرها على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم فوجد من ذلك وجدا شديدا، فأنزل الله عزّ وجلّ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... الآية. وأمّا عبيد الله بن عبد الله بن عمر: فروى النسائي من طريق يزيد بن رومان عنه: أنّ ابن عمر كان لا يرى به بأسا. موقوف. وأمّا سعيد بن يسار: فروى النسائيّ والطحاويّ والطبريّ من طريق عبد الرحمن ابن القاسم قال: قلت لمالك: إنّ عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري فنحمض لهن (والتحميض: الإتيان في الدبر) فقال: أفّ! أو يفعل هذا مسلم؟ قال ابن القاسم: فقال لي مالك: أشهد على ربيعة لحدثني عن سعيد بن يسار أنّه سأل ابن عمر عنه فقال: لا بأس به. وأمّا حديث أبي سعيد: فروى أبو يعلى وابن مردويه في (تفسيره) والطبريّ والطحاويّ من طرق: عن عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدريّ: أنّ رجلا أصاب امرأة في دبرها فأنكر الناس ذلك عليه وقالوا: أثفرها! فأنزل الله عزّ وجلّ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. ورواه أسامة بن أحمد التجيبي من طريق يحيى بن أيوب عن هشام بن سعد، ولفظه: كنّا نأتي النساء في أدبارهنّ ويسمّى ذلك الإثفار، فأنزل الله الآية. ورواه من طريق معن بن عيسى عن هشام- ولم يسمّ أبا سعيد- قال: كان رجال من الأنصار ... هذا، وقد روي في تحريم ذلك آثار كثيرة نقلها الحافظ ابن كثير في (تفسيره) ، وابن حجر في تخريج أحاديث الرافعيّ. وكلّها معلولة. ولذا قال البزار: لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا، لا في الحظر ولا في الإطلاق وكلّ ما روي فيه عن خزيمة بن ثابت من طريق فيه، فغير صحيح. وكذا روى الحاكم عن الحافظ أبي عليّ النيسابوريّ، ومثله عن النسائي، وقاله قبلهما البخاريّ.
وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعيّ أنّه قال: لم يصح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في تحريمه ولا في تحليله شيء. والقياس أنّه حلال. وروى أحمد بن أسامة التجيبي من طريق معن بن عيسى قال: سألت مالكا عنه، فقال: ما أعلم فيه تحريما. وقال ابن رشد في كتاب (البيان والتحصيل في شرح العتبية) روى العتبيّ عن ابن القاسم عن مالك أنّه قال له- وقد سأله عن ذلك مخليا به- فقال: حلال ليس به بأس. وأخرج الحاكم عن محمد بن عبد الحكم قال: قال الشافعيّ كلاما كلّم به محمد بن الحسن في مسألة إتيان المرأة في دبرها، قال: سألني محمد بن الحسن فقلت له: إن كنت تريد المكابرة وتصحيح الروايات- وإن لم تصح- فأنت أعلم، وإن تكلمت بالمناصفة كلّمتك. قال: على المناصفة. قلت: فبأيّ شيء حرّمته؟ قال: بقول الله عزّ وجلّ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، وقال: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، والحرث لا يكون إلّا في الفرج قلت: أفيكون محرّما لما سواه؟ قال: نعم. قلت: فما تقول لو وطئها بين ساقيها، أو في أعكانها، أو تحت إبطها، أو أخذت ذكره بيدها، أو في ذلك حرث..؟ قال: لا! قلت: أفيحرم ذلك؟ قال: لا! قلت: فلم تحتج بما لا حجّة فيه؟ قال: فإن الله قال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ... الآية. قال: فقلت له: إنّ هذا مما يحتجّون به للجواز أن الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته وما ملكت يمينه، فقلت: أنت تتحفظ من زوجته وما ملكت يمينه. قال الحاكم: لعلّ الشافعيّ كان يقول بذلك في القديم. فأمّا في الجديد، فالمشهور أنّه حرّمه. فقد روى الأصمّ عن الربيع قال: قال الشافعيّ نصّ على تحريمه في ستة كتب من كتبه.. وأخرج الحاكم عن الأصم عن الربيع قال: قال الشافعيّ قال الله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، احتملت الآية معنيين: أحدهما أن تؤتى المرأة من حيث شاء زوجها. لأنّ أَنَّى شِئْتُمْ، يأتي بمعنى أين شئتم. ثانيهما أنّ (الحرث) إنما يراد به النبات في موضعه دون ما سواه. فاختلف أصحابنا في ذلك. فأحسب كلّا من الفريقين تأولوا ما وصفت من احتمال الآية. قال: فطلبنا الدلالة من السنة، فوجدنا حديثين مختلفين: أحدهما ثابت وهو حديث خزيمة في التحريم. قال: فأخذنا به. وعليه، فيكون الشافعيّ رجع عن القديم. وحديث خزيمة رواه الشافعيّ
وأحمد والنسائيّ وابن ماجة «1» وابن حبان وأبو نعيم بالسند إلى خزيمة بن ثابت: أنّ رجلا سأل النبيّ صلّى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهنّ فقال: حلال. فلمّا ولّى الرجل دعاه- أو أمر به فدعي- فقال: كيف قلت؟ في أيّ الخرزتين؟ أمن دبرها في قبلها؟ فنعم! أم من دبرها في دبرها فلا؟ إنّ الله لا يستحيي من الحقّ. لا تأتوا النساء في أدبارهنّ. قال الحافظ ابن حجر في (التلخيص الحبير) : وفي إسناده عمرو بن أحيحة. وهو مجهول الحال. واختلف في إسناده اختلافا كثيرا. ثم قال الحافظ: وقد قال الشافعيّ: غلط ابن عيينة في إسناد حديث خزيمة- يعني حيث رواه. وتقدم قول البزار: وكل ما روي فيه عن خزيمة بن ثابت، من طريق فيه، فغير صحيح. وقال الرازيّ في (تفسيره) : ذهب أكثر العلماء إلى أنّ المراد من الآية: أنّ الرجل مخيّر بين أن يأتيها من قبلها في قبلها، وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها. فقوله: أَنَّى شِئْتُمْ، محمول على ذلك. ونقل نافع عن ابن عمر أنّه كان يقول: المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهنّ. وهذا قول مالك. واختيار السيد المرتضى من الشيعة. والمرتضى رواه عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه. وبالجملة: فهذا المقام من معارك الرجال، ومجاول الأبطال. وقد استفيد مما أسلفناه: أنّ من جوّز ذلك وقف مع لفظ الآية. فإنه تعالى جعل الحرث اسما للمرأة. قال بعض المفسرين: إنّ العرب تسمّي النساء حرثا قال الشاعر: إذا أكل الجراد حروث قوم ... فحرثي همّه أكل الجراد يريد: امرأتي، وقال آخر: إنما الأرحام أرض ... ولنا محترثات فقلبنا الزرع فيها، ... وعلى الله النبات..! وحينئذ، ففي قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، إطلاق في إتيانهنّ على جميع الوجوه. فيدخل فيه محل النزاع. واعتمد أيضا من سبب النزول ما رواه البخاريّ عن ابن عمر كما تقدّم. وقال في رواية جابر المروية في (الصحيح) المتقدّمة: إنّ ورود العام على
سبب لا يقصره عليه. وأجاب عن توهيم ابن عباس لابن عمر، رضي الله عنهم، المروىّ في (سنن أبي داود) بأنّ سنده ليس على شرط البخاريّ فلا يعارضه. فيقدّم الأصحّ سندا. ونظر إلى أنه لم يصح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم في هذا الباب حديث. قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) : ذهب جماعة من أئمة الحديث- كالبخاريّ والذهليّ والبزّار والنسائيّ وأبي عليّ النيسابوري- إلى أنّه لا يثبت فيه شيء. وأمّا من منع ذلك: فتأوّل الآيات المتقدّمة على صمام واحد. ونظر إلى أن الأحاديث المرويّة- من طرق متعدّدة- بالزجر عن تعاطيه وإن لم تكن على شرط الشيخين في الصحة، إلّا أنّ مجموعها صالح للاحتجاج به. وقد استقصى الأحاديث الواردة في ذلك، الحافظ الذهبيّ في جزء جمعه في ذلك. وساق جملة منها الحافظ ابن كثير في (تفسيره) وكذا الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) وقد هوّل- عليه الرحمة- في شأنه تهويلا عظيما. فقال في كتابه المذكور، في الكلام على هديه صلّى الله عليه وسلم في الجماع، ما نصّه: وأمّا الدبر، فلم يبح قط على لسان نبيّ من الأنبياء. ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة من دبرها فقد غلط عليه. ثمّ ساق أخبار النهي عنه- وقال بعد: وقد دلّت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما: أنه إنما أباح إتيانها في الحرث وهو موضع الولد، لا في الحشّ الذي هو موضع الأذى. وموضع الحرث هو المراد من قوله مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ... الآية- فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، وإتيانها في قبلها من دبرها مستفاد من الآية أيضا لأنه قال: أَنَّى شِئْتُمْ أي: من أين شئتم: من أمام أو من خلف: قال ابن عباس: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ، يعني الفرج وإذا كان الله حرّم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظن بالحشّ الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جدا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان. وأيضا، فللمرأة حقّ على الرجل في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوت حقها، ولا يقضي وطرها، ولا يحصل مقصودها. وأيضا فإنّ الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم يخلق له، وإنما الذي هيّئ له الفرج فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعا. وأيضا فإنّ ذلك مضرّ بالرجل، ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن، وراحة الرجل منه، والوطء
في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يخرج كلّ المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعيّ ... وأيضا يضرّ من وجه آخر وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدا لمخالفته للطبيعة. وأيضا فإنه محلّ القذر والنّجو فيستقبله الرجل بوجهه ويلابسه. وأيضا فإنه يضرّ بالمرأة جدا، لأنه وارد غريب بعيد عن الطباع منافر لها غاية المنافرة. وأيضا فإنه يحدث الهم والغم والنفرة عن الفاعل والمفعول. وأيضا فإنه يسوّد الوجه، ويظلم الصدر، ويطمس نور القلب، ويكسو الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء، يعرفها من له أدنى فراسة. وأيضا فإنه يوجب النفرة والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول، ولا بدّ. وأيضا فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادا لا يكاد يرجى بعده صلاح. إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح. وأيضا فإنه يذهب بالمحاسن منهما ويكسوهما ضدّهما. كما يذهب بالمودة بينهما ويبدلهما بها تباغضا وتلاعنا. وأيضا فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم، فإنه يوجب اللعنة والمقت من الله، وإعراضه عن فاعله، وعدم نظره إليه فأيّ خير يرجوه بعد هذا؟ وأي شرّ يأمنه؟ وكيف حياة عبد قد حلّت عليه لعنه الله ومقته، وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه؟. أقول: أخذ هذا ابن القيم من أحاديث وردت في لعن فاعل ذلك، وعدم نظر الحقّ إليه بيد أنها ضعيفة «1» . ثم قال ابن القيّم: وأيضا فإنه يذهب بالحياء جملة، والحياء هو حياة القلوب، فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن، وحينئذ فقد استحكم فساده. وأيضا فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله، ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يركب الله عليه شيئا من الحيوان بل هو طبع منكوس، وإذا نكس الطبع انتكس القلب
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 224]
والعمل والهدى، فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والأفعال والهيئات ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره. وأيضا فإنه يورث من الوقاحة والجراءة ما لا يورثه سواه. وأيضا فإنه يورث من المهانة والسّفال والحقارة ما لا يورثه غيره. وأيضا فإنه يكسو العبد من حلّة المقت والبغضاء وازدراء الناس له، واحتقارهم إياه، واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحسّ. فصلوات الله وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به. وهلاك الدنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به. ولما اشتملت هذه الآية على الإذن في قضاء الشهوة، نبّه على أن لا يكون المرء في قيدها بل في قيد الطاعة، فقال تعالى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، أي: ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة لتنالوا به الجنة والكرامة، كقوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تجترئوا على المعاصي وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ صائرون إليه فاستعدّوا للقائه وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالثواب. وإنما حذف لكونه كالمعلوم، فصار كقوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [الأحزاب: 47] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 224] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، (العرضة) بضم العين فعلة بمعنى مفعول- كالقبضة والغرفة- وهي اسم ما تعرضه دون الشيء. من عرض العود على الإناء. فيعترض دونه ويصير حاجزا ومانعا منه، تقول: فلان عرضة دون الخير. وكان الرجل يحلف على بعض الخيرات- من صلة رحم، أو إصلاح ذات بين، أو إحسان إلى أحد- ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني. فيترك البرّ إرادة البرّ في يمينه. فقيل لهم: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ، أي: حاجزا لما حلفتم عليه. وسمّي المحلف عليه يمينا لتلبّسه باليمين. كحديث: من حلف على يمين. الآتي ذكره. أي: على شيء مما يحلف عليه. وقوله: أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا، عطف بيان لِأَيْمانِكُمْ، أي: للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس- أفاده الزمخشريّ. وعلى هذا التأويل: الآية. كقوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ
أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا. أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور: 22] . والمعنى المتقدم في الآية اتفق عليه جمهور السلف. ورواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا تجعلن الله عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير ولكن كفّر عن يمينك واصنع الخير. وقد ثبت في (الصحيحين) «1» عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إني، والله! إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلّا أتيت الذي هو خير وتحلّلتها» . وروى مسلم «2» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفّر عن يمينه وليفعل الذي هو خير» . وفي الآية وجه آخر ذكره كثير من المفسّرين. وهو النهي عن الجراءة على الله تعالى بكثرة الحلف به. وذلك لأنّ من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له. يقول الرجل: قد جعلتني عرضة للومك. وقال الشاعر: ولا تجعليني عرضة للوائم وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [القلم: 10] . وقال تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ [المائدة: 89] . والعرب كانوا يمدحون المرء بالإقلال من الحلف كما قال كثيّر: قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برّت والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان: أنّ من حلف في كل قليل وكثير بالله، انطلق لسانه بذلك. ولا يبقى لليمين في قلبه وقع. فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة. فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين. وأيضا، كلّما كان الإنسان أكثر
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 225]
تعظيما لله تعالى كان أكمل في العبودية. ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجلّ وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية. وأمّا قوله تعالى بعد ذلك أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا، فهو علّة للنهي. أي: إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا. لأنّ الحلّاف مجترئ على الله، غير معظم له، فلا يكون برا متقيا، ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وساطتهم وإصلاح ذات بينهم، والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 225] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية- إذ لم تقصدوا هتك حرمته- وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا قصد إليها. كما ينبئ عن ذلك قوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ، وهو المعنيّ بقوله عزّ وجلّ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ، أي: تعمدته قلوبكم فاجتمع فيه، مع اللفظ، النيّة. يعني: ربط القلب به لفوات تعظيم أمره، ولهتك حرمته بنقض اليمين المقصودة. روي عن عائشة أنها قالت: أنزلت هذه الآية في قول الرجل: لا والله، وبلى والله! أخرجه البخاريّ ومالك وأبو داود «1» ، وهذا لفظ البخاريّ. وقد نقل ابن المنذر نحو هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة والتابعين. ولفظ رواية ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: إنما اللغو في المزاحة والهزل وهو قول الرجل: لا والله! وبلى والله! فذاك لا كفّارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله. ويروى في تفسير لغو اليمين: هو أن يحلف على الشيء يظنّه، ثم يظهر
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 226 إلى 227]
خلافه. ويروى: أن يحلف وهو غضبان: ويروى غير ذلك، كما ساقها ابن كثير، مسندة. وقد ظهر- للفقير- أن لا تنافي بين هذه الروايات. لأنّ كل ما لا عقد للقلب معه من الأيمان فهو لغو بأي صورة كانت وحالة وقعت. فكل ما روي في تفسير الآية فهو مما يشمله اللغو. والله أعلم. والمراد من المؤاخذة: إيجاب الكفّارة. كما بيّن ذلك في آية المائدة: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ. وَاللَّهُ غَفُورٌ، يعني: لعباده فيما لغو من أيمانهم فلم يؤاخذهم به حَلِيمٌ، يعني في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة تربّصا بالتوبة. والجملة تذييل للحكمين السابقين. فائدته الامتنان على المؤمنين، وشمول مغفرته وإحسانه لهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، اشتملت هذه الآية على حكم الإيلاء، وهو لغة، الامتناع باليمين. وخصّ في عرف الشرع: بالامتناع باليمين من وطء الزوجة. ولهذا عدى فعله بأداة (من) تضمينا له معنى: يمتنعون من نسائهم. وهو أحسن من إقامة (من) مقام (على) . وجعل سبحانه للأزواج مدّة أربعة أشهر يمتنعون فيها من نسائهم بالإيلاء، فإذا مضت فإمّا أن يفيء وأما أن يطلق. وقد اشتهر عن عليّ وابن عباس رضي الله عنهم أنّ الإيلاء إنما يكون في حال الغضب دون الرضا، كما وقع لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم «1» مع نسائه. وظاهر القرآن مع الجمهور. وقد تناظر في هذه المسألة محمد بن سيرين ورجل آخر. فاحتجّ على محمد بقول عليّ كرّم الله وجهه، فاحتجّ عليه محمد بالآية فسكت. وقد اتفق الأئمة
على أن المولى إذا فاء إلى المواصلة لزمته كفارة يمين، وإنما ترك ذكرها هنا لأنها معلومة من موضع آخر في التنزيل العزيز. فعموم وجوب التكفير ثابت على حالف. قال العلّامة صديق خان في (تفسيره) : اعلم أن أهل كل مذهب قد فسّروا هذه الآية بما يطابق مذهبهم، وتكلفوا بما لا يدل عليه اللفظ ولا دليل آخر، ومعناها ظاهر واضح وهو أنّ الله جعل الأجل لمن يولي (أي: يحلف من امرأته) أربعة أشهر ثم قال مخبرا لعباده بحكم هذا المولي بعد هذه المدّة فَإِنْ فاؤُ، أي: رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أي: لا يؤاخذهم بتلك اليمين، بل يغفر لهم ويرحمهم وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، أي: وقع العزم منهم عليه والقصد له فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ، لذلك منهم عَلِيمٌ، به. فهذا معنى الآية الذي لا شكّ فيه ولا شبهة. فمن حلف أن لا يطأ امرأته- ولم يقيد بمدة، أو قيّد بزيادة على أربعة أشهر- كان علينا إمهاله أربعة أشهر. فإذا مضت فهو بالخيار: إما رجع إلى نكاح امرأته، وكانت زوجته بعد مضي المدة كما كانت زوجته قبلها. أو طلقها، وكان له حكم المطلق لامرأته ابتداء. وأمّا إذا وقّت بدون أربعة أشهر: فإن أراد أن يبر في يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى تنقضي المدة. كما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين آلى من نسائه شهرا. فإنه اعتزلهن حتى مضى الشهر. وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدة التي هي دون أربعة أشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة. وكان ممتثلا لما صح عنه صلّى الله عليه وسلّم من قوله: «من حلف على يمين فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه» . قال الحراليّ: وفي قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا تأخذها الأحكام، ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام، فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر. ولذلك رأى العلماء أنّ الطلاق أمانة في أيدي الرجال، كما أنّ العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء. فلذلك انتظمت آية تربّص المرأة في عدتها بآية تربّص الزوج في إيلائه. قال الإمام ابن كثير: وقد ذكر الفقهاء وغيرهم- في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر- الأثر الذي رواه مالك عن عبد الله بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسودّ جانبه ... وأرّقني إلّا خليل ألاعبه فو الله! لولا الله، أني أراقبه ... لحرّك من هذا السرير جوانبه..!
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 228]
فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنهما: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك. وقال محمد بن إسحاق عن السائب بن جبير مولى ابن عباس- وكان قد أدرك أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم- قال: ما زلت أسمع حديث عمر أنّه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة- وكان يفعل ذلك كثيرا إذ مرّ بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها تقول: تطاول هذا الليل وازورّ جانبه ... وأرّقني إلّا ضجيع ألاعبه ألاعبه طورا وطورا كأنما ... بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه يسرّ به من كان يلهو بقربه ... لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه فو الله! لولا الله، لا شيء غيره، ... لنقّض من هذا السرير جوانبه ولكنني أخشى رقيبا موكّلا ... بأنفاسنا، لا يفتر، الدهر، كاتبه مخافة ربي، والحياء يصدّني، ... وإكرام بعلي، أن تنال مراكبه.! ثم ذكر بقية ذلك- كما تقدم أو نحوه- وقد روي هذا من طرق، وهو من المشهورات. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 228] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، هذا أمر للمطلقات بأن يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء أي بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء ثم تتزوج إن شاءت. وأريد بالمطلقات: المدخول بهن من ذوات الأقراء، لما دلت الآيات والأخبار أن حكم غيرهن خلاف ما ذكر. أما غير المدخولة فلا عدّة عليها لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ [الأحزاب: 49] وأما التي لم تحض فعدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق: 4] ، وأما الحامل فعدتها وضع الحمل لقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: 4] .
فهذه الآية من العام المخصوص. قال الزمخشريّ: فإن قلت: فما معنى الإخبار عنهن بالتربّص؟ قلت: هو خبر في معنى الأمر، وأصل الكلام (وليتربص المطلقات) ، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله. فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص. فهو يخبر عنه موجودا. ونحوه قولهم في الدعاء: (رحمك الله) أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة. كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضا فضل توكيد. ولو قيل (ويتربص المطلقات) لم يكن بتلك الوكادة.. فإن قلت: هلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء كما قيل تربص أربعة أشهر، وما معنى ذكر الأنفس؟ قلت: في ذكر الأنفس تهييج لهنّ على التربص وزيادة بعث. لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن. وذلك أنّ أنفس النساء طوامح إلى الرجال. فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص. و (القرء) : من الأضداد. يطلق على الحيض والطهر. نص عليه من أئمة اللغة: أبو عبيد والزجاج وعمرو بن العلاء وغيرهم. والبحث في ترجيح أحدهما طويل الذيل، استوفاه الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) فانظره. ولمن نظر إلى موضوعه اللغويّ أن يقول: تنقضي العدة بثلاثة أطهار أو بثلاث حيض. فأيهما اعتبرته المعتدة خرجت عن عهدة التكليف به. والله أعلم. وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ، - أي: المطلقات- أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ، من الحيض أو الولد، استعجالا في العدة أو إبطالا لحقّ الزوج في الرجعة إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ، أي: إن جرين على مقتضى الإيمان به، المخوف من ذاته وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، المخوف من جزائه. ودلّ هذا على أن المرجع في هذا إليهنّ. لأنه أمر لا يعلم إلّا من جهتهن. ويتعذر إقامة البينة على ذلك. فرد الأمر إليهن، وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحقّ. وهذه الآية دالة على أنّ كل من جعل أمينا في شيء فخان فيه، فأمره عند الله شديد وَبُعُولَتُهُنَّ- أي: أزواجهن- أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ، أي: برجعتهنّ، والكلام في الرجعية بدليل الآية التي بعدها فِي ذلِكَ، أي: في زمان التربص. وهي أيام الأقراء. أما أذا انقضت مدة التربص فهي أحقّ بنفسها ولا تحلّ له إلّا بنكاح مستأنف بوليّ وشهود ومهر جديد. ولا خلاف في ذلك إِنْ أَرادُوا، أي: بالرجعة إِصْلاحاً، لما بينهم وبينهن، وإحسانا إليهن، ولم يريدوا مضارتهن. وإلّا فالرجعة محرمة لقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا [البقرة: 231] ، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ،
أي: ولهن على الرجال مثل ما للرجال عليهن. فليؤدّ كلّ واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف. كما ثبت في (صحيح مسلم) «1» : عن جابر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال في خطبته في حجّة الوداع: «فاتقوا الله في النساء. فإنكم أخذتموهن بأمانة الله. واستحللتم فروجهن بكلمة الله. ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح. ولهنّ رزقهن وكسوتهن بالمعروف» . وعن معاوية بن حيدة قال: «قلت: يا رسول الله! ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت. وتكسوها إذا اكتسيت. ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت» . رواه أبو داود «2» وقال: معنى (لا تقبح) : لا تقل قبحك الله. وعن أبي هريرة «3» : أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلّا بإذنه. ولا تأذن في بيته إلّا بإذنه» . متفق عليه. وعن ابن عمر «4» : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته. والأمير راع. والرجل راع على أهل بيته. والمرأة راعية على بيت زوجها وولده. فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» . متفق عليه. وعن طلق بن عليّ: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته، وإن كانت على التنور» . رواه الترمذيّ «5» والنسائيّ. وعن أبي هريرة رضي الله عنه «6» قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فلم تأته، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح» . متفق عليه.
تنبيه:
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنى لأحبّ أن أتزيّن للمرأة كما أحب أن تتزيّن لي. لأنّ الله يقول: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ. تنبيه: (المعروف) ما عرفته الطباع السليمة ولم تنكره، مما قبله العقل، ووافق كرم النفس، وأقره الشرع. وقد قال بعض الفقهاء: لا يجب عليها خدمة زوجها في عجن وخبز وطبخ ونحوه، لأنّ المعقود عليه منفعة البضع، فلا يملك غيرها من منافعها..! ولكن مفاد الآية يردّ هذا ويدلّ على وجوب المعروف من مثلها لمثله وبه أفتى الإمام ابن تيمية وفاقا للمالكية. وإليه ذهب أبو بكر بن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوز جانيّ واحتجّا بما روي: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قضى على ابنته فاطمة بخدمة البيت وعلى ما كان خارجا من البيت من عمل. رواه الجوزجانيّ من طرق. واستدلّ بالآية أيضا على وجوب إخدامها، إذا كان مثلها لا يخدم نفسها. وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، أي: زيادة في الحق وفضيلة. كما قال تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ [النساء: 34] . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» . رواه الترمذي «1» وقال: حديث حسن صحيح. وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، أي: غالب في انتقامه ممن عصاه، حكيم في أمره وشرعه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 229] الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، الطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، وهو مبتدأ بتقدير مضاف، خبره ما بعده. أي: عدد الطلاق
الذي يستحق الزوج فيه الردّ والرجعة مرتان أي: اثنتان، وإيثار ما ورد به النظم الكريم عليه للإيذان بأنّ حقهما أن يقعا مرّة بعد مرّة لا دفعة واحدة، وإن كان حكم الردّ ثابتا حينئذ أيضا. قال ابن كثير: هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام: من أنّ الرجل كان أحقّ برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات، قصرهم الله تعالى على ثلاث طلقات: وأباح الرجعة في المرة وثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ... الآية. قال الإمام أبو داود في (سننه) «1» : باب نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث. ثم أسند عن ابن عباس في هذه الآية قال: إن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحقّ برجعتها وإن طلقها ثلاثا. فنسخ ذلك، فقال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ.. الآية. ورواه النسائيّ وغيره. وروى الترمذي «2» عن عائشة قالت: كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك تبينين مني ولا أوويك أبدا..! قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلقك. فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك. فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها، فسكتت عائشة حتى جاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأخبرته، فسكت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتى نزل القرآن الطَّلاقُ مَرَّتانِ.. الآية . قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا. من كان طلق ومن لم يكن طلق. ثم أسنده عن عروة ولم يذكر عائشة، وقال: هو أصح!. وقوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، أي فالحكم بعد تطليق الرجل امرأته تطليقتين: أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء، ولا ينفر الناس عنها. قال الرازيّ: الحكمة في إثبات حق الرجعة: أن الإنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدري أنه هل تشقّ عليه مفارقته أو لا؟ فإذا فارقه فعند ذلك يظهر. فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، فلا جرم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 230]
أثبت تعالى حقّ المراجعة بعد المفارقة مرتين، وعند ذلك قد جرب الإنسان نفسه في تلك المفارقة وعرف حال قلبه في ذلك الباب. فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف. وإن كان الأصلح له تسريحها سرّحها على أحسن الوجوه. وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعبده. وَلا يَحِلُّ لَكُمْ، - أي: أيها المطلّقون- أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً- من المهر وغيره- إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أي: فيما يلزمها من حقوق الزوجية- فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، أي: نفسها عن ضرره أي: لا إثم على الزوج في أخذ ما افتدت به، ولا عليها في إعطائه. وهذه الآية أصل في الخلع. وقد ذكر ابن جرير: أنّ هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس وكانت زوجته لا تطيقه بغضا. ففي (صحيح البخاريّ) «1» عن ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! ما أعيب عليه في خلق ولا دين. ولكن أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» . وقد بسط طرق هذ الحديث مع أحكام الخلع الإمام ابن كثير في (تفسيره) ، وكذا شمس الدين ابن القيّم في (زاد المعاد) فلتنظر ثمّه. تِلْكَ- أي: الأحكام العظيمة المتقدمة للطلاق والرجعة والخلع وغيرها ... - حُدُودَ اللَّهِ- شرائعه- فَلا تَعْتَدُوها- بالمخالفة والرفض- وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، أي: لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعقابه. وتعقيب النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 230] فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) فَإِنْ طَلَّقَها- أي: بعد التطليقتين- فَلا تَحِلُّ لَهُ- برجعة ولا بنكاح جديد- مِنْ بَعْدُ- أي: من بعد هذا الطلاق- حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ أي:
فروع مهمة تتعلق بهذه الآية
حتى تذوق وطء زوج آخر، وهي العسيلة التي صرح بها النبيّ صلى الله عليه وسلم في نكاح صحيح. وفي جعل هذا غاية للحلّ، زجر لمن له غرض مّا في امرأته عن طلاقها ثلاثا، لأنّ كلّ ذي مروءة يكره أن يفترش امرأته آخر. فروع مهمة تتعلق بهذه الآية الأول: قال الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) : حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا لا تحل للأول حتى يطأها الزوج الثاني. ثبت في (الصحيحين) «1» عن عائشة رضي الله عنها: «أن امرأة رفاعة القرظيّ جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إنّ رفاعة طلقني فبتّ طلاقي. وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظيّ وإن ما معه مثل الهدبة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» . وفي (سنن النسائيّ) «2» : عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العسيلة الجماع ولو لم ينزل» . وفيها «3» عن ابن عمر قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلّق امرأته ثلاثا فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها؟ قال: لا تحلّ للأول حتى يجامعها الآخر» . فتضمن هذا الحكم أمورا: أحدها: أنه لا يقبل قول المرأة على الرجل: أنه لا يقدر على جماعها. الثاني: أن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول، خلافا لمن اكتفى بمجرد العقد فإنّ قوله مردود بالسنة التي لا مردّ لها. الثالث: أنه لا يشترط الإنزال بل يكفي مجرد الجماع الذي هو ذوق العسيلة. الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل مجرد العقد المقصود- الذي هو نكاح رغبة- كافيا، ولا اتصال الخلوة به وإغلاق الأبواب وإرخاء الستور حتى يتصل به الوطء..!
وهذ يدلّ على أنه لا يكفي مجرد عقد التحليل الذي لا غرض للزوج والزوجة فيه سوى صورة العقد وإحلالها للأول بطريق الأولى. فإنه إذا كان عقد الرغبة المقصود للدوام غير كاف حتى يوجد فيه الوطء، فكيف يكفي عقد تيس مستعار ليحلها، لا رغبة له في إمساكها وإنما هو عارية كحمار الفرس المستعار للضراب؟. وقال- عليه الرحمة- قبل ذلك: وأما نكاح المحلل، ففي (الترمذي) «1» و (المسند) «2» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «لعن الله المحلل والمحلل له» ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي (المسند) «3» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «لعن الله المحلل المحلل له» ، وإسناده حسن. وفيه عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وفي (سنن ابن ماجة) «4» من حديث عقبة بن عامر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له» . فهؤلاء الأربعة من سادات الصحابة رضي الله عنهم، وقد شهدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعنه أصحاب التحليل، وهم المحلل والمحلل له. وهذا: إمّا خبر عن الله فهو خبر صدق. وإمّا دعاء مستجاب قطعا. وهذا يفيد أنه من الكبائر الملعون فاعلها. ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ والقصد. فإنّ القصود في العقود عندهم معتبرة. والأعمال بالنيات. والشرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم. والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على المعاني، فإذا ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ لأنها وسائل قد تحققت غاياتها فترتب عليها أحكامها. وقد ساق ابن كثير الأحاديث الواردة في ذلك: منها ما قدمناه، ومنها ما رواه الحاكم في (مستدركه) : عن نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر. فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له. من غير مؤامرة منه، ليحلّها لأخيه: هل تحل للأول؟ فقال لا. إلّا نكاح رغبة. كنا نعدّ هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: هذا
فصل
حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلّا رجمتهما. وروى البيهقي: أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها. ففرق بينهما. وكذا روي عن عليّ وابن عباس وغير واحد من الصحابة رضي الله عنهم. وبالجملة: فالتحليل غير جائز في الشرع. ولو كان جائزا لم يلعن فاعله والراضي به. وإذا كان لعن الفاعل لا يدلّ على تحريم فعله لم تبق صيغة تدلّ على التحريم قط وإذا كان هذا الفعل حراما غير جائز في الشريعة فليس هو النكاح الذي ذكره الله تعالى في قوله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ. كما أنه لو قال: (لعن الله بائع الخمر) لم يلزم من لفظ بائع أنه قد جاز بيعه وصار من البيع الذي أذن فيه بقوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ والأمر ظاهر. فصل قال الإمام ابن القيّم في (أعلام الموقعين) : إلزام الحالف بالطلاق والعتاق، إذا حنث، بطلاق زوجته وعتق عبده- مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة- فلا يحفظ عن صحابيّ في صيغة القسم إلزام الطلاق به أبدا. وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء- الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط- كما في (صحيح البخاريّ) «1» عن نافع قال: طلق رجل امرأته البتة إن خرجت. فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء. فهذا لا ينازع فيه إلّا من يمنع وقوع الطلاق المعلق بالشرط مطلقا. وأما من يفصل بين القسم المحض والتعليق الذي يقصد به الوقوع، فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة كلّها في هذا الباب. فإنه صحّ عنهم الإفتاء بالوقوع في صور. وصح عنهم عدم الوقوع في صور. والصواب: ما أفتوا به في النوعين. ولا يؤخذ ببعض فتاويهم ويترك بعضها. فأما الوقوع: فالمحفوظ عنهم ما ذكره البخاريّ عن ابن عمر، وما رواه الثوريّ عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته: إن فعلت كذا وكذا فهي طالق، ففعلته. قال: هي واحدة وهو أحق بها. على أنه منقطع. وكذلك ما ذكره البيهقيّ وغيره عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: هي طالق إلى سنة، قال: يتمتع بها إلى سنة. ومن هذا قول أبي ذرّ لامرأته- وقد ألحت عليه في سؤاله عن ليلة القدر
فقال: إن عدت سألتيني فأنت طالق. فهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلق. وأما الآثار عنهم في خلافه: فصح عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة- رضي الله عنهم- فيمن حلفت بأنّ كلّ مملوك لها حرّ إن لم تفرّق بين عبدها وبين امرأته أنها تكفّر عن يمينها ولا تفرق بينهما. رواه الأثرم في (سننه) والجوز جانيّ في (المترجم) والدّارقطنيّ والبيهقيّ. وقاعدة الإمام أحمد: أن ما أفتى به الصحابة لا يخرج عنه، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه. فعلى أصله الذي بنى مذهبه عليه، يلزمه القول بهذا الأثر لصحته وانتفاء علته. قال أبو محمد بن حزم: وصحّ عن ابن عمر وعائشة وأمّ سلمة- أمّي المؤمنين- أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء (كل مملوك لها حرّ وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك) كفارة يمين واحدة. وإذا صحّ هذا عن الصحابة ولم يعلم لهم مخالف في قول الحالف: عبده حرّ إن فعل، أنّه يجزيه كفارة يمين ولم يلزموه بالعتق المحبوب إلى الله، فأن لا يلزموه بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى. كيف وقد أفتى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: الحالف بالطلاق، أنه لا شيء عليه. ولم يعرف له في الصحابة مخالف؟. قال عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن عليّ التيميّ المعروف بابن بريرة الأندلسيّ في (شرحه لأحكام عبد الحقّ) الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك منه: وقد قدمنا في (كتاب الأيمان) اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي وغير ذلك، هل يلزم أم لا؟ فقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وشريح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يقضي بالطلاق على من حلف به فحنث. ولا يعرف في ذلك مخالف من الصحابة- هذا لفظه بعينه- فهذه فتوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلف بالعتق والطلاق. وقد قدّمنا فتاويهم في وقوع الطلاق المعلق بالشرط- ولا تعارض بين ذلك- فإن الحالف لم يقصد وقوع الطلاق وإنما قصد منع نفسه بالحلف بما لا يريد وقوعه..- إلى أن قال: وإذا دخلت اليمين بالطلاق في قول الحالف: أيمان البيعة تلزمني- وهي الأيمان التي رتّبها الحجاج- فلم لا تكون أولى بالدخول في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ فإن كانت يمين الطلاق يمينا شرعية- بمعنى أنّ الشرع اعتبرها- وجب أن تعطى حكم الأيمان. وإن لم تكن يمينا شرعيا كانت باطلة في الشرع فلا يلزم الحالف بها شيء. كما صح عن طاوس من رواية عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عنه: ليس الحلف بالطلاق شيئا. وصحّ عن عكرمة
فصل
من رواية سنيد بن داود في (تفسيره) عنه: إنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شيء وصحّ عن شريح- قاضي عليّ- وابن مسعود: إنها لا يلزم بها الطلاق. وهو مذهب داود بن عليّ وجميع أصحابه. فهذه أقوال أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. فصل وقال الإمام ابن القيّم- أيضا- في (أعلام الموقعين) : إن المطلّق في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وزمن أبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد جعلت واحدة. كما ثبت ذلك في (الصحيح) «2» عن ابن عباس. فروى مسلم في (صحيحه) عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم. وروى الإمام «1» أحمد عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطّلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا قال: فسأله رسول الله صلّى الله عليه وسلم كيف طلقها؟ قال: طلقها ثلاثا، قال: فقال في مجلس واحد؟ قال: نعم! قال: فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت، قال: فرجعها . فكان ابن عباس يرى: إنما الطلاق عند كلّ طهر. وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه. ثم إن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لم يخف عليه. أن هذا هو السنة، وأنه توسعة من الله لعباده إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة. وما كان مرة بعد مرة لم يملك المكلف إيقاع كلّه جملة واحدة. كاللعان فإنه لو قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين، كان مرة واحدة. ولو حلف في القسامة وقال: أقسم بالله خمسين يمينا إن هذا قاتله، كان يمينا واحدة. ولو قال المقرّ بالزنا: أنا أقرّ أربع مرات أني زنيت، كان مرة واحدة. فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك الإقرار إلّا واحدا. وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم «3» : من قال في يوم (سبحان الله وبحمده) مائة مرة حطّت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر. فلو قال: (سبحان الله
وبحمده مائة مرة) لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة. وكذلك قوله «1» : من سبح الله دبر كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين وحمده ثلاثا وثلاثين وكبّره ثلاثا وثلاثين. الحديث، لا يكون عاملا به حتى يقول ذلك مرة بعد مرة، لا يجمع الكلّ بلفظ واحد. وكذلك قوله «2» : من قال في يوم (لا إله إلّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) مائة مرّة كانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي. لا يحصل هذا إلّا بقولها مرة بعد مرة. وهذا كما أنه في الأقوال والألفاظ فكذلك هو في الأفعال سواء. كقوله تعالى: سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ [التوبة: 101] ، إنما هو مرة بعد مرة. وكذا قول ابن عباس «3» : رأى محمد ربّه بفؤاده مرتين إنما هو مرة بعد مرة. وكذا قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم «4» : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. فهذا هو المعقول من اللغة والعرف. فالأحاديث المذكورة، وهذه النصوص المذكورة، وقوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ كلها من باب واحد ومشكاة واحدة. والأحاديث المذكورة تفسّر المراد من قوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ. فهذا كتاب الله، وهذه سنة رسوله، وهذه لغة العرب، وهذا عرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، والصحابة كلّهم معه في عصره، وثلاث سنين من عصر عمر رضي الله عنه، على هذا المذهب، فلو عدهم العادّ لزادوا على الألف قطعا. ولهذا ادّعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم، ولم تجمع الأمة- ولله الحمد- على خلافه. بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن، وإلى يومنا هذا. فأفتى به من الصحابة ابن عباس والزبير وابن عوف. وعن عليّ وابن مسعود روايتان، ومن التابعين عكرمة وطاوس. ومن تابعيهم محمد بن إسحاق وغيره. وممن بعدهم داود إمام أهل الظاهر، وبعض أصحاب مالك، وبعض الحنفية، وأفتى بعض أصحاب أحمد- حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه- قال: وكان الجدّ يفتي به أحيانا. والمقصود أنّ هذا القول قد دلّ عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم. ولم يأت بعده إجماع يبطله. ولكن رأى أمير المؤمنين عمر، رضي الله عنه،
أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم، ليعلموا أنّ أحدهم، إذا أوقعه جملة، بانت منه المرأة وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح تحليل، فإنه كان من أشدّ الناس فيه. فإذا علموا ذلك كفّوا عن الطلاق. فرأى عمر هذا مصلحة لهم في زمانه. ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلم وعهد الصدّيق وصدرا من خلافته- كان اللائق بهم. لأنهم لم يتتابعوا فيه. وكانوا يتقون الله في الطلاق. وقد جعل الله لكلّ من اتقاه مخرجا. فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم. فإنّ الله سبحانه إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة. ولم يشرعه كلّه مرة واحدة. فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله، وظلم نفسه، ولعب بكتاب الله. فهو حقيق أن يعاقب ويلزم بما التزمه، ولا يقر على رخصة الله وسعته، وقد ضيعها على نفسه، ولم يتق الله ويطلّق كما أمره الله وشرعه له. بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه، رحمة وإحسانا. واختار الأغلظ والأشد. فهذا ما تغيرت به البلوى لتغير الزمان. وعلم الصحابة- رضي الله عنهم- حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به. ثم قال: فلما تغير الزمان، وبعد العهد بالسنة وآثار القوم، وقامت سوق التحليل ونفقت في الناس، فالواجب أن يردّ الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلم وخليفته من الإفتاء بما يعطل سوق التحليل ويقللها ويخفف شرها. وإذا عرض، على من وفقه الله وبصره بالهدى وفقهه في دينه، مسألة كون الثلاث واحدة ومسألة التحليل، ووازن بينهما- تبين له التفاوت، وعلم أيّ المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين. ثم قال عليه الرحمة: ويمتنع في هذه الأزمنة معاقبة الناس بما عاقبهم به عمر رضي الله عنه من وجهين: أحدهما: أن أكثرهم لا يعلم أن جمع الثلاث حرام، لا سيما وكثير من الفقهاء لا يرى تحريمه، فكيف يعاقب من لم يرتكب محرما عند نفسه؟. الثاني: أنّ عقوبتهم بذلك تفتح عليه باب التحليل الذي كان مسدودا على عهد الصحابة رضي الله عنهم. والعقوبة- إذا تضمنت مفسدة أكثر من الفعل المعاقب عليه- كان تركها أحبّ إلى الله ورسوله. ولا يستريب أحد في أنّ الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة في عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر الصدّيق وصدر من خلافة عمر
فصل
أولى من الرجوع إلى التحليل، والله الموفق. فصل وأما طلاق الغضبان ففي (أعلام الموقعين) ما نصّه: إنّ اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به. والله سبحانه رفع المؤاخذة عمن حدث نفسه بأمر بغير تلفظ أو عمل. كما رفعها عمن تلفظ من غير قصد لمعناه ولا إرادة. ولهذا لم يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقا من غير قصد، لفرح أو دهش أو غير ذلك. كما في حديث الفرح الإلهيّ بتوبة العبد «1» ، وضرب مثل ذلك: من فقد راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة فأيس منها ثم وجدها فقال: اللهم! أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح. ولم يؤاخذ بذلك. وكذلك إذا أخطأ من شدة الغضب لم يؤاخذ. ومن هذا قوله تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ [يونس: 11] ، قال السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله في حال الغضب، لو استجابه الله تعالى لأهلكه وأهلك من يدعو عليه. ولكنه لا يستجيبه لعلمه أن الداعي لم يقصده. ومن هذا رفعه صلّى الله عليه وسلم حكم الطلاق عمن طلق في إغلاق. قال الإمام أحمد رضي الله عنه في رواية حنبل: هو الغضب. وبذلك فسره أبو داود. وهو قول القاضي إسماعيل بن إسحاق- أحد أئمة المالكية ومقدم فقهاء أهل العراق منهم- وهي عنده من لغو اليمين أيضا. فأدخل يمين الغضبان في لغو اليمين وفي يمين الإغلاق. وحكاه شارح أحكام عبد الحق عنه- وهو ابن بريرة الأندلسيّ- قال: وهذا قول عليّ وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهما من الصحابة: أن الأيمان المنعقدة كلها في حال الغضب لا تلزم. وفي «سنن الدارقطنيّ» بإسناد فيه لين من حديث ابن عباس يرفعه: لا يمين في غضب، ولا عتاق فيما لا يملك. وهو، إن لم يثبت رفعه، فهو قول ابن عباس. وقد فسّر
الشافعيّ (لا طلاق في إغلاق) بالغضب. وفسّره مسروق به. فهذا مسروق والشافعيّ وأحمد وأبو داود والقاضي إسماعيل كلهم فسّروا الإغلاق بالغضب. وهو من أحسن التفسير. لأن الغضبان قد أغلق عليه باب القصد لشدة غضبه. وهو كالمكره. بل الغضبان أولى بالإغلاق من المكره. لأن المكره قد قصد رفع الشر الكثير بالشر الذي هو دونه، فهو قاصد حقيقة. ومن هاهنا أوقع عليه الطلاق من أوقعه. وأما الغضبان فإن انغلاق باب القصد والعلم عنه كانغلاقه عن السكران والمجنون. فإن غول العقل يغتاله الخمر بل أشدّ. وهو شعبة من الجنون، ولا يشكّ فقيه النفس في أن هذا لا يقع طلاقه. ولهذا قال حبر الأمة- الذي دعا له النبيّ صلّى الله عليه وسلم، بالفقه في الدين: إنما الطلاق من وطر. ذكره البخاريّ في (صحيحه) «1» أي: عن غرض من المطلّق في وقوعه. وهذا من كمال فقهه رضي الله عنه، وإجابة دعاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم له، إذ الألفاظ إنما تترتب عليها موجباتها لقصد اللافظ بها. والله لم يؤاخذنا باللغو في أيماننا. ومن اللغو ما قالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها «2» وجمهور السلف: إنه قول الحالف: (لا، والله. وبلى، والله.) في عرض كلامه من غير عقد لليمين، كذلك لا يؤاخذ الله باللغو في أيمان الطلاق كقول الحالف في عرض كلامه: (عليّ الطلاق لا أفعل) و (الطلاق يلزمني لا أفعل) من غير قصد لعقد اليمين. بل إذا كان اسم الرب جلّ جلاله لا ينعقد به يمين اللغو، فيمين الطلاق أولى أن لا ينعقد، ولا تكون أعظم حرمة من الحلف بالله. وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وهو الصواب. فإيّاك أن تهمل قصد المتكلّم ونيته وعرفه فتجني عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، وتلزم الحالف والمقرّ والناذر والعاقد ما لم يلزمه الله ورسوله به. فاللغو في الأقوال نظير الخطأ والنسيان في الأفعال. وقد رفع الله المؤاخذة بهذا. وهذا كما قال المؤمنون: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [البقرة: 286] ! فقال ربهم تبارك وتعالى: قد فعلت. وفي (زاد المعاد) قال شيخنا: حقيقة الإغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته. قال أبو العباس المبرّد: الغلق ضيق الصدر وقلة الصبر حتى لا يجد له مخلصا.
فصل
قال شيخنا: ويدخل في ذلك طلاق المكره والمجنون ومن زال عقله بسكر أو غضب وكل من لا قصد له ولا معرفة له بما قال. والغضب على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال. وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع. الثاني: ما يكون في مباديه بحيث لا يمنع صاحبه من تصوّر ما يقول وقصده، فهذا يقع طلاقه. الثالث: أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية، ولكن يحول بينه وبين نيّته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال. فهذا محل نظر. وعدم الوقوع في هذه الحالة قويّ متّجه. فصل وأما طلاق الحائض والنفساء والموطوءة في طهرها، ففي (الصحيحين) «1» أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض- على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم- فسأل عمر بن الخطاب، عن ذلك، رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ فقال: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر. ثم إن شاء أمسكها بعد ذلك وإن شاء طلقها قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء. ولمسلم «2» : مره فليراجعها ثم ليطلقها إذا طهرت أو وهي حامل. وفي لفظ: إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس. فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله تعالى. في لفظ للبخاريّ: مره فليراجعها ثم ليطلقها في قبل عدتها. وفي لفظ لأحمد «3» وأبي داود «4» والنسائيّ «5» ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: طلق عبد الله بن عمر امرأته
وهي حائض فردها عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولم يرها شيئا وقال: إذا طهرت فليطلق أو ليمسك. وقال ابن عمر رضي الله عنه قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلم: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ، في قبل عدتهن، فتضمن هذا الحكم أن الطلاق على أربع أوجه: وجهان حلالان ووجهان حرامان. فالحلال: أن يطلق امرأته طاهرا من جماع. أو يطلقها حاملا مستبينا حملها. والحرام: أن يطلقها وهي حائض. أو يطلقها في طهر جامعها فيه. هذا في طلاق المدخول بها. وأما من لم يدخل بها فيجوز طلاقها حائضا وطاهرا. ثم إن الخلاف في وقوع الطلاق المحرم لم يزل ثابتا بين السلف والخلف. وقد وهم من ادعى الإجماع على وقوعه وقال بمبلغ علمه وخفي عليه من الخلاف ما اطلع عليه غيره. وقد قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فهو كاذب. وما يدريه لعلّ الناس اختلفوا؟ كيف والخلاف بين الناس في هذه المسألة معلوم الثبوت عن المتقدمين والمتأخرين..؟. وقال محمد بن عبد السلام الخشنيّ: ثنا محمد بشار. ثنا عبد الوهاب بن عبد الحميد الثقفيّ. ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال، في رجل يطلق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتد بذلك. ذكره أبو محمد بن حزم في (المحلّى) بإسناده إليه. وقال عبد الرزاق في (مصنفه) عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: أنّه كان لا يرى طلاق ما خالف وجه الطلاق ووجه العدّة. وكان يقول: وجه الطلاق أن يطلقها طاهرا من غير جماع أو إذا استبان حملها. قال أبو محمد بن حزم: العجب من جراءة من ادعى الإجماع على خلاف هذا وهو لا يجد فيما يوافق قوله- في إمضاء الطلاق في الحيض أو في الطهر الذي جامعها فيه- كلمة عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، غير رواية عن ابن عمر. وقد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر. وقال أبو محمد: بل نحن أسعد بدعوى الإجماع هاهنا لو استجزنا ما يستجيزون- ونعوذ بالله من ذلك- وذلك أنه لا خلاف بين أحد من أهل العلم قاطبة ومن جملتهم جميع المخالفين لنا في ذلك، أنّ الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه بدعة. فإذا لا شك في هذا عندهم، فكيف يستجيزون الحكم بتجويز البدعة التي يقرّون أنها بدعة وضلالة؟ أليس، بحكم المشاهدة، مجيز البدعة مخالفا
فصل
لإجماع القائلين بأنها بدعة..؟. قال أبو محمد: وحتى لو لم يبلغنا الخلاف لكان القاطع على جميع أهل الإسلام بما لا يقين عنده، ولا بلغه عن جميعهم- كاذبا على جميعهم. هذا ما أفاده الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) . ثم ذكر حجج المانعين من وقوعه، وحجج من أوقعه، والمناقشة فيها، فراجعه إن شئت. وذكر في خلال البحث: أنه لا دليل في قوله: مره فليراجعها، على وقوع الطلاق. لأن المراجعة قد وقعت في كلام الله ورسوله على ثلاثة معان: منها ابتداء النكاح كقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، ولا خلاف بين أحد من أهل العلم بالقرآن أنّ المطلق- هاهنا- هو الزوج الثاني. وأن التراجع بينها وبين الزوج الأول. وذلك نكاح مبتدأ. ومنها الردّ الحسيّ إلى الحالة التي كان عليها أولا كقوله «1» لأبي النعمان بن بشير لما نحل ابنه غلاما خصه به دون ولده: ردّه. فهذا ردّ ما لم تصح فيه الهبة الجائرة التي سمّاها رسول الله صلّى الله عليه وسلم جورا. وأخبر أنها لا تصح، وأنها خلاف العدل. ومن هذا قوله لمن فرق بين جارية وولدها في البيع فنهاه عن ذلك وردّ البيع وليس هذا الردّ مستلزما لصحة البيع، فإنه بيع باطل، بل هو ردّ شيئين إلى حالة اجتماعهما كما كانا. وهكذا الأمر، بمراجعة ابن عمر امرأته، ارتجاع وردّ إلى حالة الاجتماع كما كانا قبل الطلاق، وليس في ذلك ما يقتضي وقوع الطلاق في الحيض البتة، وثمة وجوه أخرى، والله أعلم. فصل وأما الخلع: فالتحقيق أنه فسخ لا طلاق. وأن العدّة فيه حيضة. روى أبو داود «2» في (سننه) عن ابن عباس أنّ امرأة ثابت بن قيس بن شماس اختلعت من زوجها، فأمرها النبيّ صلّى الله عليه وسلم أن تعتدّ حيضة . ففي ذلك دليل على حكمين: أحدهما
أنه لا يجب عليها ثلاث حيض بل تكفيها حيضة. وهذا كما أنه صريح السنة فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، والربيع بنت معوذ وعمها رضي الله عنهم- وهو من كبار الصحابة- فهؤلاء الأربعة من الصحابة لا يعرف لهم مخالف منهم. وذهب إلى هذا المذهب إسحاق بن راهويه والإمام أحمد، في رواية عنه اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية. قال: هذا القول هو مقتضى قواعد الشريعة. فإنّ العدّة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة ويتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة. فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل. وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء. ولا ينتقض هذا بالمطلقة ثلاثا. فإنّ باب الطلاق جعل حكم العدة فيه واحدا بائنة ورجعية. قالوا: وهذا دليل على أن الخلع فسخ، وليس بطلاق. وهو مذهب ابن عباس وعثمان وابن عمر والربيع وعمها. ولا يصح عن صحابيّ أنه طلاق البتة. فروى الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد عن سفيان عن عمرو، عن طاوس عن ابن عباس- رضي الله عنهم- أنه قال: الخلع تفريق وليس بطلاق. وذكر عبد الرزاق عن سفيان عن عمرو، عن طاوس: إن إبراهيم ابن سعد سأله عن رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه أينكحها؟ قال ابن عباس رضي الله عنه: نعم! ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع بين ذلك. والذي يدل على أنه ليس بطلاق، أن الله سبحانه وتعالى رتب على الطلاق بعد الدخول الذي لم يستوف عدده، ثلاثة أحكام كلها منتفية عن الخلع: أحدها: أن الزوج أحق بالرجعة فيه. الثاني: أنه محسوب من الثلاث فلا يحل بعد استيفاء العدد إلّا بعد زوج وإصابة. الثالث: أن العدة فيه ثلاثة قروء. وقد ثبت بالنصّ والإجماع أنه لا رجعة في الخلع. وثبت بالسنة وأقوال الصحابة أنّ العدّة فيه حيضة واحدة. وثبت بالنص جوازه بعد طلقتين ووقوع ثالثة بعده. وهذا ظاهر جدا في كونه ليس بطلاق فإنه سبحانه قال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة: 229] ، وهذا- وإن لم يختص بالمطلقة تطليقتين- فإنه يتناولها وغيرها. ولا يجوز أن يعود الضمير إلى من لم يذكر، ويخلى عنه المذكور. بل إما أن يختص بالسابق، أو يتناوله وغيره. ثم قال: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ، وهذا يتناول من طلقت بعد فدية تطليقتين قطعا لأنها هي المذكورة. فلا بدّ من دخولها تحت اللفظ. فهذا فهم ترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يعلمه الله تأويل القرآن، وهي دعوة مستجابة بلا شك. وإذا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 231]
كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق، دلّ على أنها غير جنسه. فهذا مقتضى النصّ والقياس وأقوال الصحابة. انتهى. هذه خلاصة الحجج في هذه الفروع المهمة معرفتها. ولا يعرف قدرها إلّا من صغى فهمه عن التعصبات. ومن نظر إلى ما عمت به البلوى- من التفرقة بين المرء وزوجه بمجرّد الانتحال للقيل والقال، وترك ما حققه بالدلائل الأئمة الأبطال- قضى العجب، وبالله التوفيق. فَإِنْ طَلَّقَها- أي: الزوج الثاني- فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي: على المرأة ومطلّقها الأول: - أَنْ يَتَراجَعا أي: إلى ما كانا فيه من النكاح بعقد جديد بعد عدّة طلاق الثاني- المعلومة مما تقدم من قوله: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ.. الآية- إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، أي: التي أوجب مراعاتها على الزوجين من الحقوق وَتِلْكَ أي: الأحكام المذكورة حُدُودَ اللَّهِ، أي: أحكامه المحميّة من التغيير والمخالفة يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، أي: يكشف اللبس عنها لقوم فيهم نهضة وجدّ في الاجتهاد فيجددون النظر والتأمل بغاية الاجتهاد في كل وقت، فبذلك يعطيهم الله ملكة يميزون بها ما يلبس على غيرهم إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [الأنفال: 29] ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: 282]- أفاده البقاعيّ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 231] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ، أي: طلاقا رجعيا فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، أي: قاربن انقضاء العدة فَأَمْسِكُوهُنَّ، أي: بالمراجعة إن أردتم بِمَعْرُوفٍ، من غير ضرار أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، أي: بأن تتركوهن حتى تنقضي العدة فيملكن أنفسهن وَلا تُمْسِكُوهُنَّ، أي: بالرجعة ضِراراً، أي: مضارة بإزالة الألفة وإيقاع الوحشة وموجبات النفرة لِتَعْتَدُوا، اللام للعاقبة، أي: لتكون عاقبة أمركم الاعتداء أو للتعليل (متعلقة بالضرار) فيكون علة للعلّة، أي: لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، أي: بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس منه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 232]
وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ، أي: أوامره ونواهيه هُزُواً، أي: مهزوّا بها بأن تعرضوا عنها وتتهاونوا في المحافظة عليها وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، أي: في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ، أي: السنة يَعِظُكُمْ بِهِ أي: بما أنزل. أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على المخالفة وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، تأكيد وتهديد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 232] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، أي: انقضت عدتهن. وقد دلّ سياق الكلامين على اختلاف البلوغين، إذ الأول دلّ على المشارفة للأمر بالإمساك، وهذا على الحقيقة للنهي عن العضل فَلا تَعْضُلُوهُنَّ، أي: لا تمنعوهن أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ، الذين طلّقوهن والآن يرغبن فيهم إِذا تَراضَوْا، أي: النساء والأزواج بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، أي: بما يحسن في الدين من الشرائط ذلِكَ، أي: النهي عن العضل يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ، أي: الاتعاظ بترك العضل والضرار أَزْكى لَكُمْ، أي أصلح لكم وَأَطْهَرُ، لقلوبكم وقلوبهن من الريبة والعداوة وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، أي: يعلم ما فيه صلاح أموركم فيما يأمر وينهى (ومنه ما بينه هنا) وأنتم لا تعلمونه، فدعوا رأيكم وامتثلوا أمره تعالى ونهيه في كلّ ما تأتون وما تذرون. وقد روي: أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزنيّ وأخته. أخرج البخاريّ وأبو داود والترمذي «1» وغيرهم عن معقل بن يسار: أنه زوّج أخته رجلا من المسلمين. فكانت عنده ثم طلّقها تطليقة ولم يراجعها. حتى انقضت العدّة فهويها وهويته. فخطبها مع الخطاب. فقال له: يا لكع! أكرمتك بها وزوجتكها فطلّقتها، والله لا ترجع إليك أبدا. فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إليه، فأنزل الله الآية. فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة! ثم دعاه وقال: أزوّجك
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 233]
وأكرمك. زاد ابن مردويه: وكفّرت عن يميني. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 233] وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) وَالْوالِداتُ، أي: من المطلقات يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، أي: سنتين كاملتين لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ، أي: هذا الحكم لمن أراد أن يتم رضاع الولد، فأفهم أنه يجوز الفطام للمصلحة قبل ذلك، وأنه لا رضاع بعد التمام. قال الحرّاليّ: وهو- أي الذي يكتفي به دون التمام- هو ما جمعه قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف: 15] ، فإذا كان الحمل تسعا كان الرضاع أحدا وعشرين شهرا. وإذا كان حولين كان المجموع ثلاثا وثلاثين شهرا، فيكون ثلاثة آحاد وثلاثة عقود، فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع. وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ- أي: الأب- وعبّر عنه بهذه العبارة إشارة إلى جهة وجوب المؤن عليه، لأن الوالدات إنما ولدن للآباء، ولذلك ينسب الولد للأب دون الأم قال بعضهم: وإنما أمهات الناس أوعية ... مستودعات وللآباء أبناء رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ، أي: على والد الطفل نفقة أمّه المطلقة مدّة الإرضاع، أي طعامهنّ ولباسهنّ بِالْمَعْرُوفِ، وهو قدر الميسرة كما فسّره قوله تعالى: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها، يعني طاقتها والمعنى: أنّ أبا الولد لا يكلّف في الإنفاق عليه وعلى أمه إلا قدر ما تتسع به مقدرته، ولا يبلغ إسراف القدرة لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها، أي: يأخذ ولدها منها بعد رضاها بإرضاعه ورغبتها في إمساكه وشدة محبتها له وَلا مَوْلُودٌ لَهُ، يعني الأب بِوَلَدِهِ، بطرح الولد عليه يعني: لا تلقي المرأة الولد إلى أبيه وقد ألفها، تضاره بذلك. وهذا التأويل على تقدير كون (تضارّ) مبنيا للمفعول، وأما على بنائه للفاعل، فالمفعول محذوف والتقدير. لا تضارر-
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 234]
بكسر الراء الأولى- والدة زوجها بسبب ولدها، وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول (بعد أن ألفها الصبيّ) : اطلب له ظئرا، وما أشبه ذلك ولا يضارر مولود له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، أو يأخذه منها وهي تريد إرضاعه. والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد وهو أن يغيظ أحدهما صاحبه وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ، أي: على وارث الأب أو وارث الصبيّ مثل ما على الأب من النفقة وترك الضرار إذا لم يكن الأب فَإِنْ أَرادا، يعني الزوج والمرأة فِصالًا، أي: فصال الصبيّ عن اللبن قبل الحولين- يعني: فطاما عَنْ تَراضٍ مِنْهُما، بتراضي الأب والأم وَتَشاوُرٍ بمشاورتهما فَلا جُناحَ عَلَيْهِما، أي: على الأب والأم إن لم يرضعا ولدهما سنتين وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ، يعني غير الأم عند إبائها أو عجزها أو إرادتها أن تتزوج فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ- يعني إلى المراضع- ما آتَيْتُمْ، أي: ما أردتم إيتاءه إليهن من الأجر بِالْمَعْرُوفِ متعلق ب (سلمتم) أي: سلمتم الأجرة إلى المراضع بطيب نفس وسرور. والمقصود ندبهم أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع حتى يؤمن من تفريطهنّ بمصالح الرضيع وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، فيه من الوعيد والتحذير عن مخالفة أحكامه ما لا يخفى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 234] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، أي: يموتون من رجالكم وَيَذَرُونَ، أي: يتركون أَزْواجاً بعد الموت يَتَرَبَّصْنَ، أي ينتظرن بِأَنْفُسِهِنَّ في العدّة أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً يعني عشرة أيام فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، أي: انقضت عدّتهنّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ، أي: على الأولياء في تركهنّ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التعرّض للخطّاب والتزيّن بِالْمَعْرُوفِ، أي: بوجه لا ينكره الشرع. وفيه إشارة إلى أنهن لو فعلن ما ينكره الشرع، فعليهم أن يكفّوهنّ عن ذلك. وإلّا فعليهم الجناح وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
اعلم أنّ في هذه الآية مسائل: الأولى: خصّ، من عموم الآية، الحامل المتوفى عنها زوجها، فإن عدتها بوضع الحمل لقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: 4] ، ولما في (الصحيحين) «1» عن سبيعة الأسلمية: أنها كانت تحت سعد بن خولة- وهو من بني عامر بن لؤيّ وكان ممن شهد بدرا- فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل. فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تعلّت من نفاسها تجمّلت للخطّاب. فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك- رجل من بني عبد الدار- فقال: مالي أراك تجمّلت للخطّاب، لعلك ترجين النكاح؟ وإنّك والله ما أنت بناكح حتى تمرّ عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي. وأمرني بالتزويج إن بدا لي. وفيه قال ابن شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت دمها، غير أنه لا يقربها حتى تطهر. الثانية: المراد من تربّصها بنفسها: الامتناع عن النكاح، والامتناع عن التزيّن، والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي زوجها فيه. فالأول مجمع عليه. والثاني: روي فيه عن أم حبيبة وزينب بنت جحش وعائشة- أمهات المؤمنين- عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «2» قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث. إلّا على زوج أربعة أشهر وعشرا» . متفق عليه. وعن أم سلمة أن امرأة قالت: «يا رسول الله! إنّ ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ قال: لا. كل ذلك يقول: لا. مرتين أو ثلاثا- ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر. وقد كانت إحداكنّ في الجاهلية تمكث سنة» . متفق عليه. وعن نافع: أن صفية بنت عبد الله اشتكت عينها- وهي حادّ على زوجها ابن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان، أخرجه مالك في (الموطأ) «3» .
وعن أم سلمة قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلبس المتوفى عنها زوجها، المعصفرة من الثياب ولا الممشقة ولا الحليّ ولا تختضب ولا تكتحل ولا تطيب» أخرجه أبو داود «1» (والممشقة: المصبوغة بالمشق وهي المغرة) . وقد استنبط بعضهم وجوب الإحداد من قوله تعالى فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ، أي: من زينة وتطيب- كما قدمنا- فيفيد تحريم ذلك في العدة وهو الإحداد. وأما الامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفّي فيه زوجها: فروى فيه أحمد وأهل السنن «2» حديث فريعة بنت مالك قالت: خرج زوجي في طلب أعلاج له فأدركهم في طريق القدوم فقتلوه، فأتى نعيه وأنا في دار شاسعة عن دار أهلي، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة عن أهلي ولم يدع نفقة ولا مالا ورثته وليس المسكن له، فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق بي في بعض شأني؟ قال: تحولي، فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني- أو أمر بي فدعيت- فقال: امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا . وفي بعض ألفاظه: أنه أرسل إليها عثمان بعد ذلك فأخبرته، فأخذ به. وقد أعلّ هذا الحديث بما لا يقدح في الاحتجاج به. الثالثة: أكثر الفقهاء على أنّ هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة، فإن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول بل هو توقيفيّ. وذهب مجاهد وغيره إلى أنهما محكمتان. كما سيأتي بيانه. الرابعة: أبدى المهايميّ الحكمة في تحديد عدة المتوفى عنها بهذا القدر، فقال: لئلا يتعارض في قلبها حب المتوفّى وحب الجديد، فأخذت مدّة صبرها- وهو أربعة أشهر- وزيد عليه العشر، إذ بذلك ينقطع صبرها فتميل إلى الجديد ميلا كليا، فينقطع عن قلبها حب المتوفى. على أنّه يظهر في حق المدخول بها حركة الحمل إذ تكون بعد أربعة أشهر، لكنها تبتدئ ضعيفة وتتقوى بمضيّ عشر آخر. ثم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 235]
قال: ولم يكتف بالأقراء الدالة على عدمه هاهنا، بخلاف الفراق حال الحياة، لأن الفراق الاختياريّ شاهد عدمه مع شهادة الأقراء، فثمة شاهدان وهاهنا واحد، وعدم الحركة بعد هذه المدة يقوي شهادة الأول فيكون كالشاهد مع اليمين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 235] وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ، أي: لا حرج عليكم أيها الخاطبون في التعريض بخطبتكم النساء المتوفى عنهن أزواجهنّ قبل انقضاء العدة لتتزوجوهن بعد انقضائها. والتعريض: إفهام المقصود بما لم يوضع له، حقيقة ولا مجازا. كأن يقال لها: إنك جميلة أو صالحة، أو ربّ راغب فيك، أو من يجد مثلك. والخطبة- بالكسر- طلب المرأة. أَوْ- فيما أَكْنَنْتُمْ، أي: أضمرتم من نكاحهنّ فِي أَنْفُسِكُمْ، أي: قلوبكم وإن كان حقه التحريم فضلا عن التعريض باللسان، لكن أباحه الله لكم إذ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ، أي: لا تصبرون عن النطق برغبتكم فيهن فرخص لكم في التعريض دون التصريح، وفيه طرف من التوبيخ على قلة التثبت كقوله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 187] . وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا هذا الاستدراك من قوله فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ. وسِرًّا مفعول به لأنه بمعنى النكاح. أي: لا تواعدوهن نكاحا. أو هو بمعنى ضد الجهر والإعلان فيكون مصدرا في موضع الحال تقديره (مستخفين بذلك) والمفعول محذوف تقديره (لا تواعدوهن النكاح سرا) . أو صفة لمصدر محذوف أي: مواعدة سرا، أو التقدير (في سر) فيكون ظرفا. وإنما نهى عن ذلك لأن المواعدة بذكر الجماع والرفث بين الأجنبيّ والأجنبية غير جائز إجماعا. كالمواعدة بينهما على وجه السرّ إذ لا تنفك ظاهرا عن أن تكون مواعدة بشيء من المنكرات. قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث من ذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز. وقال أيضا: أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر، وللسيد في أمته.
تنبيه:
وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً، أي: لا يستحيي منه عند أحد من الناس. فآل الأمر إلى أن المعنى: لا تواعدوهن إلا مالا يستحيى من ذكره فيسر وهو التعريض فنصّت هذه الآية على تحريم التصريح. بعد إفهام الآية الأولى لذلك، اهتماما به لما للنفس من الداعية إليه- أفاده البقاعيّ. وقال الرازيّ: لما أذن تعالى في أول الآية بالتعريض ثم نهى عن المسارّة معها دفعا للريبة والغيبة، استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف. وذلك أن يعدها في السرّ بالإحسان إليها، والاهتمام بشأنها، والتكفّل بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض، والله أعلم. تنبيه: ما قدمناه من أنّ قوله تعالى وَلكِنْ ... إلخ، استدراك من قوله فِيما عَرَّضْتُمْ قاله أبو البقاء. وجعل الزمخشريّ المستدرك محذوفا دلّ عليه سَتَذْكُرُونَهُنَّ، أي: فاذكروهنّ ولكن لا تواعدوهن سرا. قال الناصر: وقويت دلالة هذا المذكور على ما حذف. لأن المعتاد في مثل هذه الصيغة ورود الإباحة عقيبها. ونظير هذا النظم قوله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ... [البقرة: 187] الآية، ولهذا الحذف سرّ- والله أعلم- وهو أنّه اجتنب لأن الإباحة لم تنسحب على الذكر مطلقا. بل اختصت بوجه واحد من وجوهه. وذلك الوجه المباح عسر التميز عمّا لم يبح. فذكرت مستثناة بقوله: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً تنبيها على أن المحل ضيق والأمر فيه عسر، والأصل فيه الحظر. ولا كذلك الوطء في زمن ليل الصوم. فإنه أبيح مطلقا غير مقيد فلذلك صدر الكلام بالإباحة والتوسعة. وجاء النهي عن مباشرة المعتكفة في المسجد تلوا للإباحة وتبعا في الذكر. لأنها حالة فاذّة. والمنع فيها لم يكن لأجل الصوم ولكن الأمر يتعلق به من حيث المصاحب، وهو الاعتكاف. فتفطّن لهذا السرّ فإنه من غرائب النكت. وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ، (العقدة) بالضم من النكاح وكل شيء من البيع ونحوه، وجوبه. قال الفارسيّ: هو من الشد والربط. وقال الرازيّ: أصل العقد الشدّ. وسميت العهود والأنكحة عقودا لأنها تعقد كما يعقد الحبل. وذكر العزم مبالغة في النهي عن عقد النكاح. لأن العزم على الفعل يتقدمه. فإذا نهى
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 236]
عنه كان عن الفعل أنهى. ومعناه: ولا تعزموا وجوب النكاح لأن القصد إليه حال العدة يفيد مزيد تحريك من الجانبين بحيث لا يطاق معه الصبر إلى انقضاء العدّة. وقوله: حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ، أي: العدّة المكتوبة المفروضة آخرها. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من الميل إليهنّ قبل الأجل فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يغفر ذلك الميل إذ لم يتعدّ العزم عقدة النكاح حَلِيمٌ لا يعاجل بالعقوبة، فلا تستدلّوا بتأخيرها على أن ما نهيتم عنه من العزم ليس مما يستتبع المؤاخذة ... !. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 236] لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، ما شرطية، أي: إن لم تمسوهن ولم تفرضوا لهنّ فريضة. يعني: ولم تعينوا لهنّ صداقا- ف أَوْ بمعنى الواو- وحينئذ فلا مهر لهنّ ولكن المتعة بالمعروف كما قال تعالى وَمَتِّعُوهُنَّ أي: من مالكم جبرا لوحشة الفراق عَلَى الْمُوسِعِ أي: الغنيّ الذي يكون في سعة من غناه قَدَرُهُ- بسكون الدال وبفتحها قراءتان سبعيتان- أي: يجب على الموسر قدر ما يليق بيساره وَعَلَى الْمُقْتِرِ أي: المعسر الذي في ضيق من فقره، وهو المقلّ الفقير، يقال: أقتر إذا افتقر قَدَرُهُ، أي: قدر ما يليق بإعساره مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ تأكيد ل مَتِّعُوهُنَّ يعني: متعوهنّ تمتيعا بالمعروف- أي: بالوجه المستحسن فلا يزاد إلى نصف مهر المثل ولا ينقص إلى ما لا يعتد به- حَقًّا، أي: ثبت ذلك ثبوتا مستقرا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، أي: المؤمنين لأنه بدل المهر وذكرهم بهذا العنوان ترغيب وتحريض لهم على الإحسان إليهنّ بالمتعة. وإنما كانت إحسانا لأن ملاك القصد فيها ما تطيب به نفس المرأة ويبقى باطنها وباطن أهلها سلما ذا مودّة. لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا- أفاده الحراليّ. وروى الثوريّ عن ابن عباس قال: متعة الطلاق أعلاها الخادم، ودون ذلك الورق. ودون ذلك الكسوة. وعنه: إن كان موسرا متعها بخادم ونحوه، وإن كان معسرا متعها بثلاثة أثواب. وروى عبد الرزاق أن الحسن بن عليّ- عليهما السلام- متع بعشرة آلاف. فقالت المرأة: متاع قليل من حبيب مفارق.
تنبيه:
تنبيه: أخذ بعض المفسرين يحاول البحث بأن عنوان نفي الجناح- عمّا ذكر هنا- يفيد ثبوته فيما عداه، مع أنه لا جناح أيضا فيه. وتكلف للجواب- سامحه الله- ولا يخفاك أنّ مثل هذا العنوان كثيرا ما يراد به في التنزيل الترخيص والتسهيل. كما تكلف بعض بجعل (أو) بمعنى (إلّا) أو (حتى) وجعل الحرج بمعنى المهر مع أنّ الآية بيّنة بنفسها لا حاجة إلى أن تتجاذبها أطراف هذه الأبحاث. وعدولهم عن أقرب مما سلكوه- أعني كون (أو) بمعنى الواو- مع شيوعها في آيات كثيرة- عجيب وأعجب منه تخطئة من جنح لهذا الأقرب، مع أنّ مما يرشحه مساق الآية بعدها. وما روي في سبب نزول هذه الآية: قال الخازن: نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسمّ لها صداقا ثم طلقها قبل أن يمسها، فنزلت لا جُناحَ عَلَيْكُمْ ... الآية. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمتعها ولو بقلنسوتك . وهذه الرواية- إن ثبتت- كانت شاهدة لما اعتمدناه، والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 237] وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ، - أي: الزوجات مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، أي: تجامعوهنّ. قال أبو مسلم: وإنما كنى تعالى بقوله: تَمَسُّوهُنَّ عن المجامعة، تأديبا للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به. وَقَدْ فَرَضْتُمْ، أي: سميتم لَهُنَّ فَرِيضَةً، أي: مهرا مقدّرا فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ، أي: فلهنّ نصف ما سميتم لهنّ من المهر، أو فالواجب عليكم ذلك إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ، أي: المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر. وتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئا..؟. أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وهو الزوج فيسوق إليها المهر كاملا، أو الوليّ، يعني: إذا كانت صغيرة- أو غير جائزة التصرف- فيترك نصيبها للزوج. قال مالك في (موطأه) في هذه الآية: هو الأب في ابنته البكر. والسيّد في أمته وكلا التأويلين مرويّ عن عدّة من الصحابة والتابعين.
قال الحراليّ: إذا قرن هذا الإيراد بقوله: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ خطابا للأزواج قوي فسر من جعل الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وهو الزوج معادلة للزوجات، ومن خصّ عفوهن بالمالكات- أي الرشيدات- خصّ هذا بالأولياء. ونقل ابن جرير: أن الشعبيّ رجع إلى أنه الزوج، وكان يباهل عليه. وقال الزمخشريّ: القول بأنه الوليّ ظاهر الصحة. وقال الناصر في (حواشيه) : وصدق الزمخشريّ أنه قول ظاهر الصحة، عليه رونق الحقّ وطلاوة الصواب لوجوه ستة. ساقها بألطف بيان. فانظرها، والله أعلم. وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، هذا خطاب للرجال والنساء جميعا، وغلب التذكير نظرا للأشرف. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو، وذلك لأنّ من سمح بترك حقه كان محسنا وذلك عنوان التقوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ، أي: التفضل بالإحسان لما فيه من الألفة وطيب الخاطر. فهو حثّ على العفو، فمن عفا منهما فله الفضل على الآخر. ومعلوم أن النسيان ليس في الوسع حتى ينهى عنه. فالمراد منه الترك أي لا تتركوه ترك المنسيّ. فالتعبير بالنسيان آكد في النهي. والخطاب هنا أيضا للقبيلين بالتغليب، كالذي قبله، وخصّه الحراليّ بالرجال، قال: فمن حقّ الزوج- الذي له فضل الرجولة- أن يكون هو العافي. وأن لا يؤخذ النساء بالعفو، ولذلك لم يأت في الخطاب أمر لهنّ ولا تحريض. فمن أقبح ما يكون حمل الرجل على المرأة في استرجاع ما آتاها بما يصرح به قوله: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء: 20] . فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا به. وقد حكى الزمخشريّ عن جبير بن مطعم، أنه تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو..! وعنه: أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتا له فتزوجها. فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كاملا، فقيل له: لم تزوجتها؟ فقال: عرضها عليّ فكرهت ردّه. قيل: فلم بعثت بالصداق؟ قال: فأين الفضل؟. وقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، أي: فلا يضيع تفضّلكم وإحسانكم. ولما كانت الحقوق المشروعة قبل، مما قد يشق القيام بها على بعض
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 238]
الناس، أمروا بما يخفف عنهم عبئها ويحبب إليهم أداءها. وذلك بالمحافظة على الصلوات فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذا أمر بها تعالى- إثر ما تقدم- بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 238] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (238) حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ، أي: داوموا على أدائها لأوقاتها مع رعاية فرائضها وسننها من غير إخلال بشيء منها وَالصَّلاةِ الْوُسْطى، أي: الوسطى بين الصلوات بمعنى المتوسطة أو الفضلى منها، من قولهم للأفضل: الأوسط. فعلى الأول: يكون الأمر لصلاة متوسطة بين صلاتين. وهل هي الصبح أو الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء، أقوال مأثورة عن الصحابة والتابعين. وعلى الثاني: فهي صلاة الفطر أو الأضحى أو الجماعة أو صلاة الخوف أو الجمعة أو المتوسطة بين الطول والقصر. أقوال أيضا عن كثير من الأعلام. والقول الأخير جيد جدا كما لو قيل بأنها ذات الخشوع لآية: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ. وأما علماء الأثر فقد ذهبوا إلى أن المعنيّ بالآية صلاة العصر لما في (الصحيحين) «1» عن عليّ رضي الله عنه أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال يوم الأحزاب (وفي رواية يوم الخندق) : «ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» . وفي رواية: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر . وذكر نحوه وزاد في أخرى: ثم صلّاها بين المغرب والعشاء. أخرجاه في (الصحيحين) ورواه أصحاب السنن والمسانيد والصحاح من طرق يطول ذكرها. وأجاب عن هذا الاستدلال من ذهب إلى غيره بأنه لم يرد الحديث مورد تفسير الآية حتى يعيّنها. وإنما فيه الإخبار عن كونها وسطى، وهو كذلك لأنها متوسطة وفضلي من الصلوات. وما رواه مسلم «2» عن أبي يونس- مولى عائشة- قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنّي حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
قال: فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين. قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وروى ابن جرير عن حفصة نحو ذلك. قال نافع: فقرأت ذلك المصحف فوجدت فيه الواو. وكذا روى ابن جرير عن ابن عباس وعبيد بن عمير، أنهما قرءا كذلك. فهذا من عائشة رضي الله عنها إعلام بالمراد من (الوسطى) عندها. ضمّت التأويل إلى أصل التنزيل لأمن اللبس فيه. لأن القرآن متواتر مأمون أن يزاد فيه أو ينقص. وكان في أول العهد بنسخه ربما ضمّ بعض الصحابة تفسيرا إليه، أو حرفا يقرؤه. ولذا لمّا خشي عثمان رضي الله عنه أن يرتاب في كونه من التنزيل- مع أنه ليس منه- أمر بأن تجرد المصاحف في عهده مما زيد فيها من التأويل وحروف القراءات التي انفرد بعض الصحب، وأن يقتصر على المتواتر تنزيله وتلقّيه من النبيّ صلّى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو بكر في (الانتصار) : لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد ... هذا وقد أيّد علماء الأثر ما ذهبوا إليه من أنها صلاة العصر بأنها خصت بمزيد التأكيد والأمر بالمحافظة عليها، والتغليظ لمن ضيعها. فقد قال أبو المليح: كنا مع بريدة في غزوة. فقال في يوم ذي غيم: بكّروا بصلاة العصر فإنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» . أخرجه البخاريّ «1» . وقوله: بكروا بصلاة العصر، أي قدّموها في أوّل وقتها. وروى الشيخان «2» عن ابن عمر: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله..!» أي: نقص وسلب أهله وماله فبقي فردا، فاقدهما. والمعنى: ليكن حذره من فوت صلاة العصر كحذره من ذهاب أهله وماله. وقد ساق الحافظ عبد المؤمن الدمياطيّ في كتابه (كشف المغطى في تبيين
الصلاة الوسطى) ما امتازت به صلاة العصر من الخصائص والفضائل، قال عليه الرحمة: فمنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غلّظ المصيبة في فواتها بذهاب الأهل والمال في الحديث المتقدم. ومنها حبوط عمل تاركها المضيّع لها في الحديث السالف أيضا. ومنها أنها كانت أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وأهليهم وأموالهم! ومنها قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من حافظ عليها كان له أجرها مرتين» . رواه مسلم. ومنها أنّ انتظارها بعد الجمعة كعمرة- رواه أبو يعلى. وروى الحاكم: كمن أتى بحجّة وعمرة. ومنها قوله صلّى الله عليه وسلم «1» : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم..- إلى أن قال- ورجل أقام سلعة بعد العصر فحلف بالله أنه أخذها بكذا وكذا. فجاء رجل فصدقه فاشتراها» . متفق عليه. ثم قال: قلت وقد عظم الله الأيمان التي يحلف بها العباد فيما شجر بينهم بعدها فقال: تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ [المائدة: 106] . قال عامة المفسّرين: بعد صلاة العصر، ولذلك غلّظ العلماء اللعان وسائر الأيمان المغلظة بوقت صلاة العصر لشرفه ومزيته. ومنها أن سليمان- عليه السلام- أتلف مالا عظيما من الخيل لما شغله عرضها عن صلاة العصر إلى أن غابت الشمس. فمدحه الله تعالى بذلك وأثنى عليه بقوله تعالى: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ [ص: 30- 31] الآيات. ومنها أن «2» الساعة التي في يوم الجمعة قد قيل: إنها بعد العصر.
ومنها أن وقتها وقت ارتفاع الأعمال. ومنها الحديث المرفوع: إنّ الله تعالى يوحي إلى الملكين: لا تكتبا على عبدي الصائم بعد العصر سيئة. ومنها ما جاء في قوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: 1] . قال مقاتل: العصر هي الصلاة الوسطى أقسم بها- حكاه ابن عطية. ومنها ما روي في الحديث، أنّ الملائكة تصفّ كل يوم بعد العصر بكتبها في السماء الدنيا فينادى الملك: ألق تلك الصحيفة. فيقول: وعزّتك ما كتبت إلّا ما عمل. فيقول الله عزّ وجلّ: لم يرد به وجهي. وينادى الملك الآخر: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول الملك: وعزّتك إنه لم يعمل ذلك. فيقول الله عزّ وجلّ: إنه نواه. ومنها أنّ وقتها وقت اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم في الغالب. وقد أفرد الكلام على تفسير هذه الآية بمؤلفات. وذكر العلّامة الفاسي- شارح (القاموس) - فيما نقله عنه الزبيدي، أن الأقوال فيها أنافت على الأربعين. فرضي الله عن العلماء المجتهدين وأرضاهم. سنح لي وقوي بعد تمعّن- في أواخر رمضان سنة 1323- احتمال قوله تعالى: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى بعد قوله حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ لأن يكون إرشادا وأمرا بالمحافظة على أداء الصلاة أداء متوسطا. لا طويلا مملّا ولا قصيرا مخلّا. أي: والصلاة المتوسطة بين الطول والقصر. ويؤيده الأحاديث المروية عنه صلّى الله عليه وسلّم في ذلك، قولا وفعلا. ثمّ مر بي في القاموس- في 23 ربيع الأول سنة 1324- حكاية هذا قولا. حيث ساق في مادة (وس ط) الأقوال في الآية، ومنها قوله (أو المتوسطة بين الطول والقصر) قال شارحه الزبيدي: وهذا القول ردّه أبو حيّان في (البحر) . ثم سنح لي احتمال وجه آخر: وهو أن يكون قوله وَالصَّلاةِ الْوُسْطى أريد به توصيف الصلاة المأمور بالمحافظة عليها بأنها فضلي، أي: ذات فضل عظيم عند الله. فالوسطى بمعنى الفضلى من قولهم للأفضل: الأوسط. وتوسيط (الواو) بين الصفة والموصوف مما حققه الزمخشريّ واستدلّ له بكثير من الآيات. وفي سوق الصفة بهذا الأسلوب، من الاعتناء بالموصوف ما لا يخفى. وأسلوب القرآن أسلوب خاص انفرد به في باب البلاغة، لم ينفتح من أبواب عجائبه إلّا قطرة من بحر. ولعلّ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 239]
هذا الوجه هو ملحظ من قال: هي الصلوات الخمس، وهو معاذ بن جبل رضي الله عنه، فكأنه أشار إلى أنّ المعطوف عين المعطوف عليه. إلّا أنه أتى بجملة تفيد التوصيف. وقوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ- في الصلاة- قانِتِينَ خاشعين ساكتين. روى الشيخان «1» عن زيد بن أرقم: إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلم. يكلم أحدنا صاحبه بحاجته. حتى نزلت حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فأمرنا بالسكوت. هذا لفظ البخاريّ. ولفظ مسلم: عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وروى أبو يعلى عن ابن مسعود قال: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فمررت برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسلّمت عليه، فلم يرد عليّ، فوقع في نفسي إنه نزل فيّ شيء، فلما قضى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صلاته قال: وعليك السلام- أيها المسلّم- ورحمة الله، إنّ الله يحدث في أمره ما يشاء، فإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تتكلّموا. وروى الطبرانيّ في (الأوسط) والإمام أحمد «2» وأبو يعلى الموصلي في (مسنديهما) وابن حبان في (صحيحه) عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: كل حرف ذكر من (القنوت) في القرآن فهو الطاعة» . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 239] فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) فَإِنْ خِفْتُمْ، أي: فإن كان بكم خوف من عدوّ أو غيره فَرِجالًا، أي: فصلّوا راجلين، أي: ماشين على الأقدام- يقال: رجل- كفرح- فهو راجل، ورجل- بضمّ الجيم- ورجل- بكسرها- ورجل- بفتحها- ورجيل ورجلان إذا لم يكن له ظهر في سفر يركبه فمشى على قدميه، والجمع رجال ورجّالة
ورجّال- كرمّان- أَوْ رُكْباناً، أي: راكبين، فيعفى عن كثرة الأفعال وإتمام الركوع والسجود واستقبال القبلة. وهذا من رخص الله تعالى التي رخّص لعباده، ووضعه الآصار والأغلال عنهم. وقد رويت صلاة الخوف عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على صفات مختلفة مفصّلة في كتب السنة، وذلك لأنه صلّى الله عليه وسلّم كان يتحرى في كل موطن ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة. قال الرازيّ: صلاة الخوف قسمان: أحدهما أن تكون في حال القتال- وهو المراد بهذه الآية والثاني: في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء: 102] . وقد روى مالك «1» عن نافع: أنّ ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف، وصفها ثم قال: فإن كان خوف أشدّ من ذلك صلّوا رجالا على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلّا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم. ورواه الشيخان. ولمسلم «2» أيضا عن ابن عمر قال: فإن كان خوف أشدّ من ذلك فصلّ راكبا أو قائما تومئ إيماء. وأخرج الإمام أحمد وأبو داود «3» ، بإسناد جيّد، عن عبد الله بن أنيس الجهنيّ قال: بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى خالد بن سفيان الهذليّ- وكان نحو عرنة وعرفات- فقال: اذهب فاقتله، قال، فرأيته- وحضرت صلاة العصر- فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلّي أومئ إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك، قال: إني لفي ذلك. فمشيت معه ساعة. حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد (وهذا نص أبي داود) .
تنبيه:
وأخرج الطيالسيّ وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائيّ «1» وأبو يعلى والبيهقيّ عن أبي سعيد الخدريّ قال: كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم الخندق فشغلنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كفينا ذلك. وذلك قوله: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [الأحزاب: 25] . فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلالا فأقام لكلّ صلاة إقامة، وذلك قبل أن ينزل عليه فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً. تنبيه: هذه الآية قد أطلقت الخوف. فيدخل فيه أيّ مخافة من عدوّ أو سبع أو جمل صائل، وهذا قول الأكثر. وشذّ قول الوافي وبعض الظاهرية: إنّ الخوف مختص بأن يكون من آدميّ. وقد أفادت هذه الآية أن فعلها بالإيماء هو فرضهم، فلا قضاء عليهم بعد الأمن. قال في (التهذيب) خلاف ما يقوله بعضهم. ولكن هذا إذا أتوا بما يسمى صلاة فإن لم يمكنهم شيء من الأفعال، وإنما أتوا بالذكر فقط. فقال الناصر زيد وابن أبي الفوارس وأبو جعفر: هذا لا يسمى صلاة فيجب القضاء. وقال الراضي بالله والأمير الحسين: هو بعض الصلاة، فلا قضاء، لقوله صلّى الله عليه وسلّم «2» : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . وإذا ثبت الترخيص في هذه الصلاة- بترك كمال الفروض- رخص فيها بفعل ما تحتاج إليه، وبلباس ما فيه نجس إذا احتيج إليه- كذا في تفسير بعض علماء الزيدية. فَإِذا أَمِنْتُمْ، أي: زال خوفكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ، أي: فصلّوا صلاة الأمن. عبر عنها بالذكر لأنه معظم أركانها. وقوله كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ، أي: مثل ما علمكم من صلاة الأمن، أو لأجل إنعامه عليكم، فالكاف للتعليل. وهذه الآية كقوله تعالى: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [النساء: 103] . والفائدة في ذكر المفعول فيه، وإن كان الإنسان لا يعلم إلّا ما لم يعلم، التصريح بذكر حالة الجهل التي انتقلوا عنها، فإنه أوضح في الامتنان.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 240]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 240] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، أي: يقبضون من رجالكم وَيَذَرُونَ، أي: يتركون أَزْواجاً بعد الموت وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ خبر (الذين) أي: يوصون، أو ليوصوا، أو كتب الله عليهم وصية. وفي قراءة، بالرفع. أي: عليهم وصيّة لأزواجهم في أموالهم مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ بدل من وصية، على قراءة من نصبها. وعلى قراءة الرفع فمنصوب بوصية أو بفعله غَيْرَ إِخْراجٍ حال من أزواجهم، أي: غير مخرجات. والمعنى: يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل الاحتضار لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم حولا بالنفقة والسكنى من غير أن يخرجن من مسكن زوجهنّ فَإِنْ خَرَجْنَ عن منزل الأزواج من قبل أنفسهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ على أولياء الميت فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ لا ينكره الشرع- كالتزيّن والتطيّب وترك الحداد والتعرّض للخطّاب- وفيه دلالة على أنّ المحظور إخراجها عند إرادتها القرار، وملازمة مسكن الزوج، والحداد من غير أن يجب عليها ذلك، وأنها مخيّرة بين الملازمة مع أخذ النفقة، وبين الخروج مع تركها وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. ثم ليعلم أنّ اختيار جمهور المفسرين أنّ هذه الآية منسوخة بالتي قبلها وهو قوله تعالى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [البقرة: 234] . قالوا: كان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل اعتدّت زوجته حولا، وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكانت نفقتها وسكناها واجبتين في مال زوجها تلك السنة وليس لها من الميراث شيء، ولكنها تكون مخيرة. فإن شاءت اعتدّت في بيت زوجها ولها النفقة والسكنى، وإن شاءت خرجت قبل تمام الحول وليس لها نفقة ولا سكنى وكان يجب على الرجل أن يوصي بذلك. فدلّت هذه الآية على مجموع أمرين. أحدهما: أنّ لها النفقة والسكنى من مال زوجها سنة، والثاني: أنّ عليها عدّة سنة ثم نسخ هذان الحكمان. أما الوصية بالنفقة والسكنى فنسخت بآية الميراث. فجعل لها الربع أو الثمن عوضا عن النفقة والسكنى. ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشر. وقد روى البخاريّ عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان بن عفان وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ
مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها..؟ قال: يا ابن أخي! لا أغيّر شيئا «1» منه من مكانه. وأخرج أبو داود «2» والنسائي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: نسخت بآية الميراث بما فرض الله لهن من الربع والثمن، ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا. هذا، وقد ذهب مجاهد إلى أنّ هذه الآية محكمة كالأولى. أخرجه عنه البخاريّ «3» قال مجاهد: دلت الآية الأولى وهي: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً على أنّ هذه عدتها المفروضة تعتدّها عند أهل زوجها. ودلت هذه الآية، بزيادة سبعة أشهر وعشرين ليلة على العدّة السابقة تمام الحول، أنّ ذلك من باب الوصية بالزوجات أن يمكّنّ من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا، ولا يمنعن من ذلك، لقوله غَيْرَ إِخْراجٍ فإذا انقضت عدّتهن بالأربعة أشهر والعشر- أو بوضع الحمل- واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهنّ لا يمنعن من ذلك لقوله فَإِنْ خَرَجْنَ ... إلخ. قال الإمام ابن كثير: وهذا القول له اتجاه، وفي اللفظ مساعدة له وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس ابن تيمية. ومنهم أبو مسلم الأصفهانيّ قال: معنى الآية: من يتوفى منكم ويذرون أزواجا، وقد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول، فإن خرجن قبل ذلك وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله تعالى لهنّ فلا حرج فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ، أي: نكاح صحيح. لأن إقامتهنّ بهذه الوصية غير لازمة. قال: والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولا كاملا. وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول. فبيّن الله تعالى في هذه الآية أنّ ذلك غير واجب. واحتجّ على قوله بوجوه ساقها الفخر الرازيّ عنه- إلى أن قال: فكان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير دليل. ثم قال: وإذا عرفت هذا فنقول: هذه الآية من أوّلها إلى آخرها تكون جملة واحدة شرطية فالشرط هو قوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 241]
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فهذا كلّه شرط، والجزاء هو قوله. فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ... إلخ، هذا تقرير قول أبي مسلم. قال الرازيّ: وهو في غاية الصحة، والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 241] وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، أي: للمطلقات متعة من جهة الزوج بقدر الإمكان، جبرا لوحشة الفراق. وأما المهر فوق حقّ البضع. قال ابن كثير: وقد استدلّ بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكلّ مطلقة. سواء كانت مفوضة، أو مفروضا لها، أو مطلّقة قبل المسيس، أو مدخولا بها. وإليه ذهب سعيد بن جبير وغيره من السلف. واختاره ابن جرير. وقد أخرج ابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب قال: لكلّ مؤمنة طلقت، حرة أو أمة، متعة. وقرأ الآية. وأخرج البيهقيّ عن جابر بن عبد الله قال: «لما طلّق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة. أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال لزوجها: متعها. قال: لا أجد ما أمتعها قال: فإنه لا بدّ من المتاع، متّعها ولو نصف صاع من التمر» . وأخرج البيهقيّ عن قتادة قال: طلق رجل امرأته عند شريح. فقال له شريح: متعها! فقالت المرأة: إنه ليس لي عليه متعة. إنما قال الله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ: (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المحسنين) . وليس من أولئك!!. وأخرج البيهقيّ عن شريح أنه قال لرجل فارق امرأته: لا تأبى أن تكون من المتقين. لا تأبى أن تكون من المحسنين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 242] كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) كَذلِكَ، أي: مثل ذلك البيان الشافي يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ، في جميع
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 243]
المواضع آياتِهِ الدالة على أحكامه لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لكي تفهموا ما فيها وتعملوا بموجبها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 243] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا، أي: ممن تقدمكم من الأمم مِنْ دِيارِهِمْ، أي: التي ألفوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به من الموت. ولفظة أَلَمْ تَرَ قد تذكر لمن تقدم علمه فتكون للتعجيب والتقرير والتذكير- كالأحبار وأهل التاريخ- وقد تذكر لمن لا يكون كذلك. فتكون لتعريفه وتعجيبه. قال الراغب: (رأيت) يتعدى بنفسه دون الجار. لكن لما استعير (ألم تر) لمعنى (ألم تنظر) عدى تعديته ب (إلى) ، وفائدة استعارته: أن النظر قد يتعدى عن الرؤية، فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة للرؤية استعيرت له، وقلما استعمل ذلك في غير التقرير فلا يقال: رأيت إلى كذا. وَهُمْ أُلُوفٌ، أي: في العدد جمع ألف، أو وهم مؤتلفون ومجتمعون جمع آلف، بالمدّ- كشاهد وشهود- أي: إن خروجهم لم يكن عن افتراق كان منهم ولا تباغض ولكن حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول له- أي: فرارا منه وقوله: فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا، معناه: فأماتهم، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك مشيئة خارجة عن العادة كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقف. كقوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] . ثُمَّ أَحْياهُمْ عطف. إما على مقدر يستدعيه المقام أي: فماتوا ثم أحياهم- وإنما حذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته. وإما على (قال) لما أنه عبارة عن الإماتة إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ قاطبة. أما أولئك فقد أحياهم ليعتبروا بما جرى عليهم فيفوزوا بالسعادة، وأما الذين سمعوا قصتهم فقد هداهم إلى مسلك الاعتبار والاستبصار، فقد تفضّل على الجميع ليشكروه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ، أي: فضله كما ينبغي.
تنبيه:
تنبيه: روي عن ابن عباس: أنّ الآية عني بها قوم كثير والعدد خرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد في سبيل الله فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوّهم. فكأنها ذكرت ممهدة للأمر بالقتال بعدها في قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ومعلوم أن سورة البقرة مما نزل في المدينة إثر الهجرة قبل فتح مكة. وكان العدوّ في مكة وما حولها في كثرة وقوة ومنعة، فأمر المسلمون المهاجرون ومن آواهم أن يقاتلوا في سبيل الله. وقصّ لهم من الأنباء ما فيه بعث لهم على الجهاد وتبشير لهم بالفوز والعاقبة. وإن يكونوا في قلة وضعف، ما داموا مستمسكين بحبل الوفاق والصبر والمصابرة. وقد ذهب بعض الرواة إلى أن هذه الآية عني بها ما قص في التوراة عن (حزقيل) - أحد أنبياء بني إسرائيل- أنه أوحى إليه أن يخرج إلى فلاة واسعة قد ملئت عظاما يابسة من موتى بني إسرائيل. وأن يناديها باسمه تعالى. فجعلت تتقارب ثم كسيت لحما. ثم نادى أرواحها فعادت إلى أجسامها واستووا أحياء على أقدامهم بأمره تعالى. وهم جيش كثير جدا. وأوحى إلى (حزقيل) أنهم سيعودون إلى وطنهم بعد أن أجلوا عنه. وهذه القصة مبسوطة في توراتهم في الفصل السابع والثلاثين من نبوة (حزقيل) . وممن روي عنه أنه عني بهذه الآية نبأ (حزقيل) ، وهب بن منبه وأشعث بن أسلم البصريّ والحجاج بن أرطاة والسدّيّ وهلال بن يساف وغيرهم. أخرجه عنهم ابن جرير. فإن صحت هذه الرواية يكون ذلك من معجزات (حزقيل) في إحياء الموتى له كما أحيى لعيسى عليه السلام. فيرى قومه ما لا ييأسون معه من جهاد عدوّهم ليسترجعوا وطنهم الذي أجلاهم عنه عدوهم. لأن (حزقيل) كان فيمن أجلي إلى بابل. قالوا ونبوته تتضمن القضاء المنزل على بني إسرائيل وبشرى السلام الذي يعقب ذلك القضاء. وقد نقل ابن كثير عن عطاء أنه قال في هذه الآية: إنها مثل. ولعل مراده أنها مثل في تكوينه تعالى أمة قوية تقهر وتغلب وتسوس غيرها بعد بلوغها غاية الضعف والخمول. فكان حياتها وموتها تمثيلا لحالتيها قبل وبعد. فيكون إشعارا بما ستصير إليه العرب من القوة العظيمة والمدينة الفخيمة. وتنبيها على أن الوصول إلى ذلك إنما يكون بجهاد الظالمين واتفاق المتقين على دحر المتغلبين الباغين والله أعلم. ثم إنه لا خفاء في أن ما قصّ من حوادث الإسرائيليين كان معروفا في الجملة لمخالطة اليهود للعرب في قرون كثيرة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 244]
قال وليّ الله الدهلويّ في (الفوز الكبير) : واختار سبحانه في تنزيله من أيام الله، يعني الوقائع التي أحدثها الله سبحانه وتعالى، كإنعام المطيعين وتعذيب العصاة، ما قرع سمعهم. وذكر لهم إجمالا مثل قصص قوم نوح وعاد وثمود. وكانت العرب تتلقاها أبا عن جد، ومثل قصص سيدنا إبراهيم وأنبياء بني إسرائيل فإنها كانت مألوفة لأسماعهم لمخالطة اليهود العرب في قرون كثيرة، وانتزع من القصص المشهورة جملا تنفع في تذكيرهم. ولم يسرد القصص بتمامها مع جميع خصوصياتها. والحكمة في ذلك أن العوام إذا سمعوا القصص النادرة غاية الندرة، أو استقصى بين أيديهم ذكر الخصوصيات، يميلون إلى القصص نفسها ويفوتهم التذكر الذي هو الغرض الأصلي فيها. ونظير هذا الكلام ما قاله بعض العارفين: إن الناس لما حفظوا قواعد التجويد شغلوا عن الخشوع في التلاوة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 244] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. قال المفسرون: في إتباع القصة المتقدمة الأمر بالقتال، دليل على أنها سيقت بعثا على الجهاد. فحرض على الجهاد بعد الإعلام بأن الفرار من الموت لا يغني، كما قال تعالى: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: 168] ، وأصل السبيل هو الطريق. وسميت المجاهدة سبيلا إلى الله تعالى من حيث إن الإنسان يسلكها ويتوصل إلى الله بها ليتمكن من إظهار عبادته تعالى، ونشر الدعوة إلى توحيده وحماية أهلها والمدافعة عن الحق وأهله. فالقتال دفاع في سبيل الله لإزالة الضرر العام. وهو منع الحق وتأييد الشرك. وذلك بتربية الذين يفتنون الناس عن دينهم وينكثون عهودهم لا لحظوظ النفس وأهوائها، والضراوة بحب التسافك وإزهاق الأرواح، ولا لأجل الطمع في الكسب. وفي قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ بعث على صدق النية والإخلاص. كما في الصحيحين «1» عن أبي موسى رضي الله عنه قال: «سئل رسول
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 245]
الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 245] مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً- هذا حث من الله تعالى لعباده على الصدقة، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع. قال القرطبيّ: طلب القرض في هذه الآية لما هو تأنيب وتقريب للناس بما يفهمون. والله هو الغني الحميد. لكنه تعالى شبه إعطاءه المؤمنين، وإنفاقهم في الدنيا الذي يرجون ثوابه في الآخرة، بالقرض. كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة، بالبيع والشراء. حسبما يأتي بيانه في سورة براءة، وكنى الله سبحانه وتعالى عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة. كما كنّى عن المرض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة. ففي «1» صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى: «يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني. استطعمتك فلم تطعمني، استسقيتك فلم تسقني. قال: يا ربّ! كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي» وكذا فيما قبله. أخرجه الشيخان. وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنّى عنه ترغيبا لمن خوطب به. وقد أخرج سعيد بن منصور والبزار والطبرانيّ وغيرهم عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية، قال أبو الدحداح الأنصاريّ: يا رسول الله! وإن الله ليريد منا القرض؟ قال:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 246]
نعم. يا أبا الدحداح! قال: أرني يدك، يا رسول الله! فناوله يده. قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي (وحائط له، فيه ستمائة نخلة. وأم الدحداح فيه وعيالها) فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عزّ وجلّ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد قبله منك. فأعطاه النبيّ صلى الله عليه وسلم اليتامى الذين في حجره. فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: ربّ عذق لأبي الدحداح مدلّى في الجنة، وفي رواية كم من عذق إلخ . وقوله تعالى حَسَناً أي طيبة به نفسه من دون منّ ولا أذى. وقوله سبحانه فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً كما قال سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 261] . ولما رغب سبحانه في إقراضه أتبعه جملة مرهبة مرغبة فقال: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ أي: يضيّق على من يشاء من عباده في الرزق ويوسعه على آخرين. أي فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم، لئلا يبدّل السعة الحاصلة لكم بالضيق. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي يوم القيامة فيجازيكم. قال المهايميّ: وكيف ينكر بسط الله وقبضه وهو الذي يعطي الفقير الملك ويسلبه من أهله، ويقوي الضعفاء من الجمع القليل ويضعف الأقوياء من الجمع الكثير؟ يعني كما قصه تعالى في قوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 246] أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ، وهم القوم ذو الشارة والتجمع مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ إنما نكر لعدم مقتض لتعريفه، وزعم الكتابيون أنه صموئيل ابْعَثْ لَنا مَلِكاً، أي: أقم لنا أميرا: نُقاتِلْ، أي معه عن أمره فِي سَبِيلِ اللَّهِ وذلك حين ظهرت العمالقة، قوم جالوت على كثير من أرضهم قالَ لهم نبيهم هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا.
قال الزمخشريّ: خبر (عسيتم) ألا تقاتلوا. والشرط فاصل بينهما. والمعنى: هل قاربتم ألا تقاتلوا. يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون. أراد أن يقول عسيتم ألا تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل (هل) مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون، وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ [الإنسان: 1] ، معناه التقرير. وقرئ عسيتم بكسر السين، وهي ضعيفة. قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ، أي وأي سبب لنا في ترك قتال عدونا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا، أي والحال أنه قد عرض ما يوجب القتال إيجابا قويّا من أخذ بلادنا وسبي أولادنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ بعد إلحاحهم في طلبه تَوَلَّوْا، أي أعرضوا عن قتال عدوهم جبنا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وعيد لهم على ظلمهم بالتولّي عن القتال وترك الجهاد وعصيانا لأمره تعالى. قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة هذه الآية الكريمة أنها دلت على أحكام: الأول وجوب الجهاد لأن الله تعالى إنما ذكر هذه القصة المشهورة في بني إسرائيل وما نالهم تحذيرا من سلوك طريقهم. وأيضا: شرائع من قبلنا تلزمنا. الثاني أن الأمير يحتاج إليه في أمر الجهاد لتدبير أمورهم. وقد «1» كان صلّى الله عليه وسلم إذا بعث سرية أمّر عليها أميرا. قال في الكشاف: وروي «2» أنه أمر الناس إذا سافروا، أن يجعلوا أحدهم أميرا عليهم. الثالث: وجوب طاعة الأمير في أمر السياسة وتدبير الحرب. لأن سياق الآية يقضي بذلك، في الحديث عنه صلّى الله عليه وسلم «أطيعوا الأمير ولو كان عبدا حبشيا» «3» . وقد ذكر أهل علم المعاملة أنه ينبغي في الأسفار أن يجعل أهل السفر لهم أميرا ودليلا وإماما. وهذا محمود. إذ بذلك ينقطع الجدال وينتظم أمورهم. ويلزم مثل هذا في كل أمر يحتاج فيه إلى ترداد في الآراء. نحو أمور الأوقاف والمساجد والإمامة لكل
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 247]
مسجد ونحو هذا. قال الحاكم: وفيه دلالة على أن للأنبياء تشديد العهود والمواثيق فيما يلزمهم، ووجه ذلك أنه قال (هل عسيتم) وهذا نوع من التأكيد عليهم. وكذا يأتي في الإمام قياس ما ذكر الحاكم في النبيّ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 247] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً، هذا شروع في تفصيل ما جرى بينه عليه السلام وبينهم من الأقوال والأفعال، إثر الإشارة الإجمالية إلى مصير حالهم. أي قال لهم (بعد ما أوحى إليه ما أوحى) إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا أيّ ملّكه عليكم. فانتهوا في تدبير الحرب إلى أمره. وكان طالوت من سبط لم يكن الملك فيهم. وطالوت اسم أعجميّ كجالوت وداود. ولذلك لم ينصرف. وزعم قوم أنه عربيّ (من الطول) لما وصف به من البسطة في الجسم. ولكنه ليس من أبنية العرب فمنع صرفه للعلمية وشبه العجمة. وقد زعم الكتابيون أن طالوت هو المعروف عندهم بشاول. قالُوا معترضين على نبيهم بل على الله تعالى: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا أي من أين يكون أو كيف يكون ذلك وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ أي لأن فينا من هو سبط الملوك دونه. قال الحراليّ: فثنّوا اعتراضهم بما هو أشد وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملّكه الله عليهم. فكان فيه حظ من فخر إبليس حيث قال حين أمر بالسجود لآدم: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: 12] . وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ، أي فصار له مانعان: أحدهما أنه ليس من بيت الملك. والثاني أنه مملق. والملك لا بد له من مال يعتضد به. قال الحراليّ: فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال وأنه مما يقام به ملك. وإنما الملك بإيتاء الله. فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 248]
قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، لما استبعدوا تملكه بسقوط نسبه وبفقره. رد عليهم ذلك أوّلا: بأن ملاك الأمر هو اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم. وثانيا: بأن العمدة فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة. وجسامة البدن ليعظم خطره في القلوب ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الحروب. وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر قاله أبو السعود. وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ، - في الدنيا من غير إرث أو مال. إذ لا يشترط في حقه تعالى شيء، فهو الفعال لما يريد وَاللَّهُ واسِعٌ يوسع على الفقير ويغنيه عَلِيمٌ بمن يليق بالملك ممن لا يليق به. وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة. قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية أن النبوة والإمامة لا تستحق بالإرث وأن الغنى، والصيانة من الحرف الدنيئة، لا تشترط في أمير ولا إمام ولا قاض. أي لما روي أن طالوت كان دباغا أو سقاء مع فقره. قال الحاكم: فيبطل قول الإمامية أنها وراثة، والمعروف من قولهم: أن الإمامة طريقها النص، وتدل الآية أيضا على أنه يشترط في الأمير ونحوه القوة على ما تولاه. فيكون سليما من الآفات عالما بما يحتاج إليه، لأن الله تعالى ذكر البسطة في العلم والجسم ردّا على ما اعتبروا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 248] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ، أي علامة مُلْكِهِ أنه من الله تعالى: أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ أي يرد الله إليكم التابوت الذي أخذ منكم وهو صندوق التوراة. على ما سنذكره فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، أي وقار وجلال وهيبة. أو فيه سكون نفوس بني إسرائيل يتقوون به على الحرب وَبَقِيَّةٌ، أي فضلة جملة، ذهب جلّها مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ، أي من آثارهم الفاضلة تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ، أي في رد التابوت إليكم لَآيَةً لَكُمْ أن ملكه من الله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بآيات الله وأنبيائه. قال العلامة البقاعيّ عليه الرحمة: التابوت، والله أعلم، الصندوق الذي وضع
فيه اللوحان اللذان كتب فيهما العشر الآيات، ويسمى تابوت الشهادة، وكانوا إذا حاربوا حمله جماعة منهم، موظفون لحمله، ويتقدمون به أمام الجيش فيكون ذلك سبب نصرهم. وكان العمالقة أصحاب جالوت لما ظهروا عليهم أخذوه في جملة ما أخذوا من نفائسهم. وكان عهدهم به قد طال. فذكّرهم بمآثره ترغيبا فيه وحملا على الانقياد لطالوت. فقال: فِيهِ سَكِينَةٌ ... الآية. وفي الأصحاح الخامس والعشرين من سفر الخروج ما نصه: (1) وكلّم الرب موسى قائلا. (2) كلّم بني إسرائيل أن يأخذوا لي تقدمة. من كل من يحثّه قلبه تأخذون تقدمتي. (3) وهذه هي التقدمة التي تأخذونها منهم. ذهب وفضة ونحاس (4) واسما نجونيّ وأرجوان وقرمز وبوص وشعر معزى. (5) وجلود كباش محمّرة وجلود نخس وخشب سنط. (6) وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر. (7) وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرداء والصّدرة. (8) فيصنعون لي مقدسا لأسكن في وسطهم. (9) بحسب جميع ما أنا أريك من مثال المسكن ومثال جميع آنيته هكذا تصنعون: (10) فتصنعون تابوتا من خشب السنط طوله ذراعان ونصف ذراع وعرضه ذراع ونصف. وارتفاعه ذراع ونصف (11) وتغشّيه بذهب نقيّ من داخل ومن خارج تغشيه. وتصنع عليه إكليلا من ذهب حواليه. (12) وتسبك له أربع حلقات من ذهب وتجعلها على قوائمه الأربع. على جانبه الواحد حلقتان. وعلى جانبه الثاني حلقتان، (13) وتصنع عصوين من خشب السنط وتغشيهما بذهب. (14) وتدخل العصوين في الحلقات على جانب التابوت ليحمل التابوت بهما. (15) تبقي العصوان في حلقات التابوت. لا تنزعان منها. (16) وتضع في التابوت الشهادة التي أعطيك. وفي الأصحاح الحادي والثلاثين من سفر الخروج: (18) ثم أعطى موسى عند فراغه من الكلام معه من جبل سيناء لوحي الشهادة لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله. وفي الأصحاح الرابع والثلاثين منه: أن موسى لما كسر اللوحين أمره الله أن ينحت لوحين مثل الأولين، وأمره أن يكتب عليهما كلمات العهد الكلمات العشر. ونصه: (1) ثم قال الرب لموسى: انحت لك لوحين من حجر مثل الأولين. فأكتب أنا على اللوحين الكلمات التي كانت على اللوحين الأولين اللذين كسرتهما.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 249]
وفي حواشي التوراة: أن تابوت الشهادة هو التابوت الذي كان فيه لوحا الشريعة الإلهية المسماة شهادة. وزعموا أن السكينة معربة عن (شكينا) في اللغة العبرانية. وفي سفر صموئيل من سفر الملوك الأول في الأصحاح الرابع وما بعده نبأ انكسار الإسرائيليين أمام الفلسطينيين وأخذ التابوت من الإسرائيليين وأنه بقي التابوت في بلاد الفلسطينيين سبعة أشهر. في قصص مسهبة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 249] فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وقوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ، أي خرج بالجيش، لمّا رد إليهم التابوت وقبلوا ملكه، وخرجوا معه. وكان طالوت أخذ بهم في أرض قفرة فأصابهم حرّ وعطش شديد قالَ لهم طالوت إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، أي من أشياعي الذين يقاتلون معي عدوي، ولا يجاوزه وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، أي لم يذقه. من (طعم كعلم الشيء، إذا ذاقه مأكولا كان أو مشروبا) وفي إيثاره على (لم يشربه) إشعار بأنه محظور تناوله ولو مع الطعام. ذكره الراغب: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ الواحدة فإنه لا يخرج بذلك عن كونه مني. لأنه في معنى من لم يذقه. قال الحراليّ في قراءة فتح الغين إعراب عن معنى إفرادها، آخذة ما أخذت من قليل أو كثير، وفي الضم، إعلام بملئها. فَشَرِبُوا مِنْهُ، أي إلى حد الارتواء إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ لم يشربوا إلا كما أذن الله تعالى فَلَمَّا جاوَزَهُ، أي النهر هُوَ أي طالوت وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا، أي المفرطون في الشرب لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ لأنه سلبت شجاعتهم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 250]
(وجاء في التوراة تسميته بجليات. على ما سنذكره) قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ، أي يعلمون أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ يرجعون إليه بعد الموت كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 250] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250) وَلَمَّا بَرَزُوا ظهروا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ إذ دنوا منه قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً، أي أفضه علينا وأكرمنا به لقتالهم فلا نجزع للجراحات، وإنما طلبوه أولا لأنه ملاك الأمر وَثَبِّتْ أَقْدامَنا في ميدان الحرب فلا نهرب منه وَانْصُرْنا لأنا مؤمنون بك عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ بك. وهم جالوت وجنوده، وهذه الآية تدل على أن من حزبه أمر فإنه ينبغي له سؤال المعونة من الله، والتوفيق، والانقطاع إليه تعالى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 251] فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251) فَهَزَمُوهُمْ، أي هؤلاء القليلون، أولئك الكثيرين بِإِذْنِ اللَّهِ بنصره إذ شجع القليلين وجبّن الكثيرين وَقَتَلَ داوُدُ وكان في جيش طالوت جالُوتَ الذي هو رأس الأقوياء وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي أعطى الله داود ملك بني إسرائيل وَالْحِكْمَةَ، أي الفهم والنبوة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ من صنعة الدروع وغيرها وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ من أهل الشر بِبَعْضٍ من أهل الخير لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، أي بغلبة الكفار وظهور الشرك والمعاصي كما قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الحج: 40] الآية. وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ، أي منّ عليهم بالدفع. ولذلك قوّى سبحانه هؤلاء الضعفاء وأعطى بعضهم الملك والحكمة ومن سائر العلوم، ليدفع فساد الأقوياء بالسيف.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 252]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 252] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) تِلْكَ، أي المذكورات من إماتة الألوف وإحيائهم وتمليك طالوت وإتيان التابوت وانهزام جالوت وقتل داود إياه وتملكه آياتُ اللَّهِ إذ هي أخبار غيوب تدل على كمال قدرته سبحانه وحكمته ولطفه نَتْلُوها عَلَيْكَ، أي ننزل عليك جبريل بها بِالْحَقِّ، أي اليقين الذي لا يرتاب فيه وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ بما دلت عليه هذه الآيات من علمك بها من غير معلم من البشر، ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر. وفي هذه القصص معتبر لهذه الأمة في احتمال الشدائد في الجهاد كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة. كما أن فيها تسلية للرسول صلّى الله عليه وسلم من الكفار والمنافقين. فكأنه قيل: قد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء عليهم السلام في بني إسرائيل من الخلاف عليهم والرد لقولهم. فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك وخلاف من خالف عليك لأنك مثلهم. وإنما بعث الكل لتأدية الرسالة ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والطوع، لا على سبيل الإكراه. فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم. والوبال في ذلك يرجع عليهم وقوله وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ كالتنبيه على ذلك. أشار له الرازيّ. قال البقاعيّ: ولعل ختام قصص بني إسرائيل بهذه القصة، لما فيها للنبيّ صلّى الله عليه وسلم من واضح الدلالة على صحة رسالته. لأنه مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل. قلت: يرحم الله البقاعيّ فإنه لم يطلع على هذه القصة من التوراة مع أنها مسوقة في الأصحاح السابع عشر من سفر صموئيل الأول ونصّه: (1) وجمع الفلسطينيون جيوشهم للحرب فاجتمعوا في سوكوه التي ليهوذا ونزلوا بين سوكوه وعريقة في أفس دمّيم. (2) واجتمع شاول ورجال إسرائيل ونزلوا في وادي البطم واصطفوا للحرب للقاء الفلسطينيين. (3) وكان الفلسطينيون وقوفا على جبل من هنا وإسرائيل وقوفا على جبل من هناك والوادي بينهم. (4) فخرج رجل مبارز من جيوش الفلسطينيين اسمه جليات من جتّ طوله ست أذرع وشبر. (5) وعلى رأسه خوذة من نحاس وكان لابسا درعا حرشفيّا ووزن الدرع خمسة آلاف شاقل نحاس. (6) وجرموقا نحاس على رجليه ومزراق نحاس بين كتفيه. (7) وقناة رمحه كنول النسّاجين وسنان رمحه ست مائة شاقل حديد وحامل الترس كان يمشي
قدامه. (8) فوقف ونادى صفوف إسرائيل وقال لهم: لماذا تخرجون لتصطفوا للحرب. أما أنا الفلسطينيّ وأنتم عبيد لشاول. اختاروا لأنفسكم رجلا ولينزل إليّ. (9) فإن قدر أن يحاربني ويقتلني نصير لكم عبيدا. وإن قدرت أنا عليه وقتلته تصيرون أنتم عبيدا وتخدموننا. (10) وقال الفلسطينيّ أنا عيّرت صفوف إسرائيل هذا اليوم. أعطوني رجلا فنتحارب معا (11) ولما سمع شاول وجميع إسرائيل كلام الفلسطينيّ هذا ارتاعوا وخافوا جدا. (12) وداود هو ابن ذلك الرجل الأفراتيّ من بيت لحم يهوذا الذي اسمه يسّى وله ثمانية بنين. وكان الرجل في أيام شاول قد شاخ وكبر بين الناس. (13) وذهب بنو يسّى الثلاثة الكبار وتبعوا شاول إلى الحرب. وأسماء بنيه الثلاثة الذين ذهبوا إلى الحرب أليآب البكر وأبيناداب ثانيه وشمّة ثالثهما. (14) وداود هو الصغير والثلاثة الكبار ذهبوا وراء شاول. (15) وأما داود فكان يذهب ويرجع من عند شاول ليرعى غنم أبيه في بيت لحم. وكان الفلسطينيّ يتقدم ويقف صباحا ومساء أربعين يوما. (17) فقال يسّى لداود ابنه خذ لإخوتك إيفة من هذا الفريك وهذه العشر الخبرات واركض إلى المحلة إلى إخوتك. (18) وهذه العشر القطعات من الجبن قدمها لرئيس الألف وافتقد سلامة إخوتك وخذ منهم عربونا. (19) وكان شاول وهم وجميع رجال إسرائيل في وادي البطم يحاربون الفلسطينيين. (20) فبكّر داود صباحا وترك الغنم مع حارس وحمّل وذهب كما أمره يسّى وأتى إلى المتراس والجيش خارج إلى الاصطياف وهتفوا للحرب. (21) واصطف إسرائيل والفلسطينيون صفّا مقابل صف. (22) فترك داود الأمتعة التي معه بيد حافظ الأمتعة وركض إلى الصف وأتى وسأل عن سلامة إخوته. (23) وفيما هو يكلمهم إذا برجل مبارز اسمه جليات الفلسطينيّ من جتّ صاعد من صفوف الفلسطينيين وتكلم بمثل هذا الكلام فسمع داود. (24) وجميع رجال إسرائيل لما رأوا الرجل هربوا منه وخافوا جدا. (25) فقال رجال إسرائيل أرأيتم هذا الرجل الصاعد. ليعيّر إسرائيل هو صاعد. فيكون أن الرجل الذي يقتله يغنيه الملك غنى جزيلا ويعطيه بنته ويجعل بيت أبيه حرّا في إسرائيل. (26) فكلم داود الرجال الواقفين معه قائلا ماذا يفعل للرجل الذي يقتل ذلك الفلسطينيّ ويزيل العار عن إسرائيل. لأنه من هو هذا الفلسطينيّ الأغلف حتى يعيّر صفوف الله الحيّ. (27) فكلمه الشعب بمثل هذا الكلام قائلين كذا يفعل بالرجل الذي يقتله (28) وسمع أخوه الأكبر أليآب كلامه مع الرجال فحمي غضب أليآب على داود وقال لماذا نزلت وعلى من تركت تلك الغنيمات القليلة في البريّة. أنا
علمت كبرياءك وشر قلبك لأنك نزلت لكي ترى الحرب. (29) فقال داود ماذا عملت الآن. أما هو كلام. (30) وتحول من عنده نحو آخر وتكلم بمثل هذا الكلام فردّ له الشعب جوابا كالجواب الأول. (31) وسمع الكلام الذي تكلم به داود وأخبروا به أمام شاول. فاستحضره. (32) فقال داود لشاول: لا يسقط قلب أحد بسببه. عبدك يذهب ويحارب هذا الفلسطينيّ. (33) فقال شاول لداود لا تستطيع أن تذهب إلى هذا الفلسطينيّ لتحاربه لأنك غلام وهو رجل حرب منذ صباه. (34) فقال داود لشاول كان عبدك يرعى لأبيه غنما فجاء أسد مع دبّ وأخذ شاة من القطيع. (35) فخرجت وراءه وقتلته وأنقذتها من فيه ولما قام عليّ أمسكته من ذقنه وضربته فقتلته. (36) قتل عبدك الأسد والدب جميعا. وهذا الفلسطينيّ الأغلف يكون كواحد منهما لأنه قد عيّر صفوف الله الحيّ. (37) وقال داود الربّ الذي أنقذني من يد الأسد ومن يد الدب هو ينقذني من يد هدا الفلسطينيّ. فقال شاول لداود: اذهب وليكن الرب معك. (38) وألبس شاول داود ثيابه وجعل خوذة من نحاس على رأسه وألبسه درعا. (39) فتقلد داود بسيفه فوق ثيابه وعزم أن يمشي لأنه لم يكن قد جرّب. فقال داود لشاول لا أقدر أن أمشي بهذه لأني لم أجربها. ونزعها داود عنه. (40) وأخذ عصاه بيده وانتخب له خمسة حجارة ملس من الوادي وجعلها في كنف الرعاة الذي له أي في الجراب ومقلاعه بيده وتقدم نحو الفلسطينيّ. (41) وذهب الفلسطينيّ ذاهبا واقترب إلى داود والرجل حامل الترس أمامه. ولما نظر الفلسطينيّ ورأى داود استحقره لأنه كان غلاما وأشقر جميل المنظر. (43) فقال الفلسطينيّ لداود العلّي أنا كلب حتى أنك تأتي إليّ بعصيّ. ولعن الفلسطينيّ داود بآلهته. (44) وقال الفلسطينيّ لداود تعال إليّ فأعطي لحمك لطيور السماء ووحوش البريّة. (45) فقال داود للفلسطينيّ أنت تأتي إلي بسيف وبرمح وبترس. وأنا آتي إليك باسم رب الجنود إله صفوف إسرائيل الذين عيّرتهم (46) هذا اليوم يحبسك الرب في يدي فأقتلك وأقطع رأسك. وأعطي جثث جيش الفلسطينيين هذا اليوم لطيور السماء وحيوانات الأرض فتعلم كل الأرض أنه يوجد إله لإسرائيل. (47) وتعلم هذه الجماعة كلها أنه ليس بسيف ولا برمح يخلّص الرب لأن الحرب الرب وهو يدفعكم ليدنا. (48) وكان لما قام الفلسطينيّ وذهب وتقدم للقاء داود أن داود أسرع وركض نحو الصف للقاء الفلسطينيّ. (49) ومدّ داود يده إلى الكنف وأخذ منه حجرا ورماه بالمقلاع وضرب الفلسطيني في جبهته فارتزّ الحجر في جبهته وسقط على وجهه إلى الأرض. (50) فتمكن داود من الفلسطينيّ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 253]
بالمقلاع والحجر وضرب الفلسطينيّ وقتله. ولم يكن سيف بيد داود. (51) فركض داود ووقف على الفلسطينيّ وأخذ سيفه واخترطه من غمده وقتله وقطع به رأسه. فلما رأى الفلسطينيون أن جبارهم قد مات هربوا. (52) فقام رجال إسرائيل ويهوذا وهتفوا ولحقوا الفلسطينيين حتى مجيئك إلى الوادي وحتى أبواب عقرون ... إلخ. وتتمة شأن داود بعد ذلك إلى أن آتاه الله الملك مذكور في الفصول بعد هذا الفصل من التوراة. فانظره إن شئت. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 253] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) تِلْكَ الرُّسُلُ، إشارة إلى من ذكر منهم في هذه السورة أو المعلومة للنبيّ صلّى الله عليه وسلم فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بأن خص بمنقبة ليست لغيره مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ تفصيل التفضيل أي منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى عليه السلام وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ كإبراهيم اتخذه الله خليلا. وداود آتاه الله النبوّة والخلافة والملك. قال الزمخشريّ: أي ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة. والظاهر أنه أراد محمدا صلّى الله عليه وسلم لأنه هو المفضل عليهم حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتي الأنبياء. لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى. لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشبّه والمتميز الذي لا يلتبس يقال للرجل: من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم. تريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال. فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس؟ فذكر زهيرا والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه. ولو قال:
ولو شئت لذكرت نفسي، لم يفخم أمره. ثم قال: ويجوز أن يريد إبراهيم ومحمدا وغيرهما من أولي العزم. وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ سبق الكلام فيه. قال الزمخشريّ: فإن قلت فلم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت: لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة. ولقد بين الله وجه التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات. فلما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات، خصّا بالذكر في باب التفضيل. وهذا دليل بيّن أن من زيد تفضيلا بالآيات منهم فقد فضل على غيره. ولما كان نبينا صلّى الله عليه وسلم هو الذي أوتي منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها، كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، أي من بعد الرسل لاختلافهم في الدين وتشعب مذاهبهم وتكفير بعضهم بعضا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ. قال الزمخشريّ: كرره للتأكيد. قال الناصر في حواشيه: ووراء التأكيد سر أخص منه. وهو أن العرب متى ثبت أول كلامهم على مقصد ثم اعترضها مقصد آخر وأرادت الرجوع إلى الأول، قصدت ذكره إما بتلك العبارة أو بقريب منها. وذلك عندهم مهيع من الفصاحة مسلوك. وفي كتاب الله تعالى مواضع في هذا المعنى. منها قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً [النحل: 106] ، ومنها قوله تعالى: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ- إلى قوله- لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ [الفتح: 25] . وهذه الآية من هذا النمط. لما صدر الكلام بأن اقتتالهم كان على وفق المشيئة، ثم طال الكلام وأريد بيان أن مشيئة الله تعالى كما نفذت في هذا الأمر الخاص وهو اقتتال هؤلاء، فهي نافذة في كل فعل واقع. وهو المعنى المعبر عنه في قوله: وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ طرأ ذكر تعلق المشيئة بالاقتتال لتلوه عموم تعلق المشيئة لتناسب الكلام ويعرف كل بشكله. فهذا سر ينشرح له الصدر، ويرتاح له السر. والله الموفق.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 254]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 254] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ، هذا أمر بالإنفاق لبعض من المال. قيل هو أمر إيجاب وأنه أراد، بذلك، الإنفاق الواجب وهو الزكاة. لأنه تعالى عقبه بالوعيد بقوله: وَالْكافِرُونَ إلخ، حيث عنى بهم مانعوها كما يأتي. وقال الأصمّ وأبو عليّ: أراد النفقة في الجهاد. وقال أبو مسلم وابن جريج: أراد الفرض والنفل. وهو المتّجه. وقوله تعالى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ هو يوم القيامة لا بَيْعٌ فِيهِ، أي فتحصلون ما تنفقونه أو تفتدون به من العذاب وَلا خُلَّةٌ حتى يعينكم الأخلاء. الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67] ، وَلا شَفاعَةٌ حتى تتكلوا على شفعاء: إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه: 109] . وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون وإيثاره عليه للتغليظ والتهديد. كما في قوله تعالى في آخر آية الحج وَمَنْ كَفَرَ [آل عمران: 97] ، مكان (ومن لم يحج) وللإيذان بأن ترك الزكاة من صفات الكفار. قال تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ [فصلت: 6- 7] . ذكره الزمخشريّ. ويحتمل أن يكون المعنى: والكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأموال في غير مواضعها. فلا تكونوا أيها المؤمنون مثلهم في أن لا تنفقوا فتضعوا أموالكم في غير مواضعها. وفي هذه الآية دلالة على حسن المسارعة إلى الخيرات، قبل فواتها بهجوم ما يخشى معه الفوت، من موت أو غيره. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 255] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ أي الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء الْقَيُّومُ الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه، وقرئ القيام والقيم.
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ تأكيد للقيوم. أي لا يغفل عن تدبير أمر الخلق تعالى وتقدس. والسنة (كعدة) والوسن (محركة وبهاء) والوسنة شدة النوم أو أوله، أو النعاس. كذا في القاموس. قال المهايميّ: السنة فتور يتقدم النوم. والنوم حال تعرض للحيوان من استرخاء دماغه من رطوبات أبخرة متصاعدة تمنع الحواس الظاهرة عن الإحساس. فهما منقصان للحياة منافيان للقيومية، لأنهما من التغيرات المنافية لوجوب الوجود الذي للقيوم. ونفي النوم أوّلا التزاما، ثم تصريحا، ليدل كمال نفيه على ثبوت كمال ما ينافيه. ومن كمال قيوميته اختصاصه بملك العلويات والسفليات المشار إليه بقوله لَهُ ما فِي السَّماواتِ من الملائكة والشمس والقمر والكواكب وَما فِي الْأَرْضِ من العوالم المشاهدات. وهذا إخبار بأن الجميع في ملكه وتحت قهره وسلطانه. كقوله: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [مريم: 93- 94] . مَنْ ذَا من الأنبياء والملائكة، فضلا عما ادعى الكفار شفاعته من الأصنام الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ فضلا عن أن يقاومه أو يناصبه إِلَّا بِإِذْنِهِ أي بتمكينه تحقيقا للعبودية، كما قال تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى [النجم: 26] . وكقوله: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الأنبياء: 28] . وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عزّ وجلّ، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة. كما في حديث الشفاعة «1» : «آتي تحت العرش فأخر ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع، قال: فيحدّ لي حدّا فأدخلهم الجنة» . قال أبو العباس بن تيمية: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون. فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه أو يكون عونا لله ولم يبق إلا الشفاعة. فبيّن أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن. وأخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده. لا يبدأ
بالشفاعة أولا. ثم يقال له: ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع. وقال «1» له أبو هريرة: «من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال: لا إله إلّا الله خالصا من قلبه» . فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله. ولا تكون لمن أشرك بالله. وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود. فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك. ولهذا أثبتت الشفاعة بإذنه في مواضع. وقد بين النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم. لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسّه. وما علمه أيضا. فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه وَما خَلْفَهُمْ وهو ما لم ينله علمهم. لأن الخلف هو ما لا يناله الحسّ. فأنبأ أنّ علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا. أفاده الحرّاليّ. فهذه الجملة كقوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [الأنعام: 73] ، وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ أي لا يعلمون شيئا من معلوماته إلّا بما أراد أن يعلمهم به منها على ألسنة الرسل. كما قال تعالى: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن: 26- 27] . أي ليكون ما يطلعه عليه من علم غيبه دليلا على نبوته. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ روى ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن المعنيّ بالكرسيّ العلم. وذلك لدلالة قوله تعالى: وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما أي لا يؤوده حفظ ما علم وأحاط به مما في السموات والأرض. وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً [غافر: 7] ، فأخبر أن علمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قال ابن جرير: وقول ابن عباس هذا يدل على صحة ظاهر القرآن لما ذكر. ولأن أصل الكرسيّ العلم. ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب: كراسة. ومنه قول الراجز في صفة قانص حتى إذا ما احتازها تكرّسا يعني علم، ومنه يقال للعلماء: الكراسيّ. لأنهم المعتمد عليهم. كما يقال: أوتاد الأرض. يعني أنهم الذي تصلح بهم الأرض. ومنه قول الشاعر:
تنبيه:
يحف بهم بيض الوجوه وعصبة ... كراسيّ بالأحداث حين تنوب يعني بذلك علمه بحوادث الأمور ونوازلها. وروى ابن جرير أيضا عن الحسن: أن الكرسيّ في الآية هو العرش. وأيده بعضهم بأن لفظ عرش المملكة وكرسيّها مترادفان. ولذلك قال تعالى على لسان سليمان: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: 38] ، فالعرش والكرسيّ هما شيء واحد وإنما سماه هنا. كرسيّا، إعلاما باسم له آخر. وَلا يَؤُدُهُ أي لا يثقله ولا يشق عليه. يقال: آده الأمر أودا وأوودا (كقعود) بلغ منه المجهود والمشقة حِفْظُهُما أي السموات والأرض فلا يفتقر إلى شريك ولا ولد. وكيف يشق عليه وَهُوَ الْعَلِيُّ قال ابن جرير. قال بعضهم: يعني بذلك علوّه عن النظير والأشباه. وقال آخرون: معناه العلي على خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. لأنه تعالى ذكره فوق جميع خلقه. وخلقه دونه. كما وصف به نفسه أنه على العرش. فهو عال بذلك عليهم. الْعَظِيمُ أي أعظم كل شيء بالجلال والكبرياء والقهر والقدرة والسلطان. تنبيه: آية الكرسيّ هذه لها شأن عظيم وفضل كبير. وقد صح الحديث «1» عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم بأنها أعظم آية في كتاب الله وأنها مشتملة على اسم الله الأعظم، وقد ساق ما ورد في فضلها الإمام ابن كثير في (تفسيره) والجلال السيوطيّ في (الدر المنثور) فانظرهما. قال الزمخشريّ: فإن قلت: لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد. قلت: لما فضلت له سورة الإخلاص من اشتمالها على توحيد الله تعالى وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العزة. فما كان ذكرا له كان أفضل من سائر الأذكار. وقد حكى السيوطيّ في (الإتقان) عن الأشعريّ والباقلانيّ وابن حبان المنع من أن يقال في القرآن فاضل وأفضل. قالوا: وما ورد مما يفيد ذلك محمول على الأعظمية في الأجر لا أن بعض القرآن أفضل من بعض. وقد ردّ ذلك غير واحد، حتى
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 256]
قال ابن الحصار: العجب ممن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة في التفضيل. وقال الغزاليّ في (جواهر القرآن) : لعلك أن تقول: قد أشرت إلى تفضيل بعض آيات القرآن على بعض، والكلام كلام الله. فكيف يتفاوت بعضها بعضا، وكيف يكون بعضها أشرف من بعض؟ فاعلم أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسيّ وآية المداينات، وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، وترتاع على اعتقاد نفسك الخوارة المستغرقة بالتقليد، فقلد صاحب الرسالة صلّى الله عليه وسلم فهو الذي أنزل عليه القرآن وقال: يس قلب القرآن «1» . وفاتحه الكتاب أفضل سور القرآن «2» . وآية الكرسيّ سيدة آي القرآن. وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن «3» . والأخبار الواردة في فضائل القرآن وتخصيص بعض السور والآيات بالفضل وكثرة الثواب في تلاوتها- لا تحصى. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 256] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ قال ابن كثير: أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بيّن واضح جليّ دلائله وبراهينه. لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه. بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونوّر بصيرته
تنبيه:
دخل فيه على بيّنة. ومن عمي قلبه فإنه لا يفيده الدخول فيه مكرها مقسورا: فالنفي بمعنى النهي. وهو ما ذهب إليه في تأويل الآية كثير. وذهب آخرون إلى أنه خبر محض. أي أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر وإنما بناه على التمكين والاختيار. قال القفال- موضحا له- لما بيّن تعالى دلائل التوحيد بيانا شافيا قاطعا للعذر، أخبر بعد ذلك أنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر. إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه. وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء. إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان. ونظير هذه الآية قوله تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29] . وقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: 99] . وقوله تعالى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الشعراء: 3- 4] . تنبيه: علم من هذه الآية أن سيف الجهاد المشروع في الإسلام والذي لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر لم يستعمل للإكراه على الدخول في الدين. ولكن لحماية الدعوة إلى الدين والإذعان لسلطانه وحكمه العدل. فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ أي بالشيطان. أي بما يدعو إليه من عبادة الأوثان وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها أي فقد تمسك من الدين بأقوى سبب. وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم. هي في نفسها محكمة مبرمة قوية. وربطها قويّ شديد. وجملة (لا انفصام لها) إما استئناف مقرر لما قبلها، وإما حال من (العروة) والعامل (استمسك) أو من الضمير المستتر في (الوثقى) وإما صلة لموصول محذوف أي (التي) . نقله الرازيّ. وقد روى الشيخان عن عبد الله بن سلام قال: رأيت رؤيا على عهد محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأيت كأني في روضة خضراء وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء. في أعلاه عروة. فقيل لي: اصعد عليه. فقلت: لا أستطيع. فجاءني منصف (أي وصيف) فرفع ثيابي من خلفي، فقال: اصعد فصعدت حتى أخذت بالعروة. فقال: استمسك بالعروة، فاستيقظت وإنها لفي يدي. فأتيت رسول
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 257]
الله صلّى الله عليه وسلم فقصصتها عليه. فقال: أما الروضة فروضة الإسلام. وأما العمود فعمود الإسلام. وأما العروة فهي العروة الوثقى. أنت على الإسلام حتى تموت وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اعتراض تذييليّ حامل على الإيمان، رادع عن الكفر والنفاق، بما فيه من الوعد والوعيد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 257] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (257) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا أي حافظهم وناصرهم يُخْرِجُهُمْ تفسير للولاية أو خبر ثان مِنَ الظُّلُماتِ أي ظلمات الكفر والمعاصي إِلَى النُّورِ أي نور الإيمان الحق الواضح. وإفراد النور لوحدة الحق. كما أن جمع الظلمات لتعدد فنون الضلال. كما قال تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: 153] ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ أي: الشياطين وسائر المضلين عن طريق الحق يُخْرِجُونَهُمْ بالوساوس وغيرها من طرق الإضلال والإغواء مِنَ النُّورِ أي الإيمان الفطريّ الذي جبل عليه الناس كافة. أو من نور البينات التي يشاهدونها من جهة النبيّ صلّى الله عليه وسلم إِلَى الظُّلُماتِ أي: ظلمات الكفر والغيّ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. ثم استشهد تعالى على ما ذكره من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 258] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ أي جادل إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أي كيف أخرجه الطاغوت من نور نسبة الإحياء والإماتة إلى ربه، إلى ظلمات نسبتهما إلى نفسه أَنْ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 259]
آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي: لأن آتاه الله. يعني أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر. فحاج لذلك، أو حاجه لأجله. وضعا للمحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه الشكر. كما يقال: عاداني فلان لأني أحسنت إليه. تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان. ونحوه قوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: 82] . قال الحراليّ: وفي إشعاره أن الملك بلاء وفتنة على من أوتيه. إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ حين سأله من ربك الذي تدعونا إليه رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي بنفخ الروح في الجسم وإخراجها منه قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ أي بالقتل والعفو عنه. ولما سلك الطاغية مسلك التلبيس والتمويه على الرعاع، وكان بطلان جوابه من الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على أحد، والتصدي لإبطاله من قبيل السعي في تحصيل الحاصل، انتقل إبراهيم عليه السلام، إرسالا لعنان المناظرة معه، إلى حجة أخرى لا تجري فيها المغالطة ولا يتيسر للطاغية أن يخرج عنها بمخرج مكابرة أو مشاغبة أو تلبيس على العوام. وهو ما قصه تعالى بقوله قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ أي إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته. فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلها كما ادعيت فأت بها من المغرب فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ تحيّر ودهش وغلب بالحجة، لما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي لا يلهمهم حجة ولا برهانا. بل حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ [الشورى: 16] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 259] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ استشهاد على ما ذكر تعالى من ولايته للمؤمنين وتقرير له، معطوف على الموصول السابق. وإيثار (أو) الفارقة على (الواو) الجامعة للاحتراز عن توهم اتحاد المستشهد عليه من أول الأمر. والكاف إما اسمية جيء بها للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر، وإما زائدة. والمعنى: أو لم تر إلى مثل الذي. أو إلى الذي مرّ على قرية. كيف هداه الله تعالى وأخرجه من ظلمة الاشتباه إلى نور العيان والشهود وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها خالية ساقطة حيطانها على سقوفها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها أي كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها. فكان منه كالوقوع في الظلمات. فأراه الدليل على الإحياء الحقيقيّ في نفسه مبالغة في قلع الشبهة، إخراجا له منها إلى النور فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ليندرس بالكلية ثُمَّ بَعَثَهُ أي أحياه ببعث روحه إلى بدنه وبعض أجزائه إلى بعض بعد تفرقها قالَ الله له كَمْ لَبِثْتَ أي مكثت ميتا قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قاله بناء على التقريب والتخمين. أو استقصارا لمدة لبثه قالَ الله بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ وإنما سأله تعالى ليظهر له عجره عن الإحاطة بشئونه. وأن إحياءه ليس بعد مدة يسيرة، ربما يتوهم أنه هيّن في الجملة، بل بعد مدة طويلة. وينحسم به مادة استبعاده بالمرة. ويطلع في تضاعيفه على أمر آخر من بدائع آثار قدرته تعالى. وهو إبقاء الغذاء المتسارع إلى الفساد بالطبع، على ما كان عليه دهرا طويلا، من غير تغيّر مّا. كما قال سبحانه فَانْظُرْ لتعاين أمرا آخر من دلائل قدرتنا إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ أي لم يتغيّر في هذه المدة المتطاولة مع تداعيه إلى الفساد. والهاء يجوز أن تكون هاء سكت زيدت في الوقف. وأصل الفعل على هذا فيه وجهان: أحدهما يتسنن من قوله: حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فلما اجتمعت ثلاث نونات قلبت الأخيرة ياء كما قلبت في تظنيت ثم أبدلت الياء ألفا ثم حذفت للجزم. والثاني أن يكون أصل الألف واوا من قولهم: أسنى يسني إذا مضت عليه السنون. وأصل سنة سنوة لقولهم: سنوات أي لم تمر عليه السنون. والمعنى على التشبيه. أي كأنه لم تمر عليه المائة سنة لبقائه على حاله وعدم تغيره. ويجوز أن تكون الهاء أصلا ويكون اشتقاقه من السنة بناء على أن لام السنة هاء وأصلها سنهة. لقولهم سنهاء وعاملته مسانهة. فعلى هذا تثبت الهاء وصلا ووقفا. إذ الفعل مجزوم بسكونها. وعلى الأول تثبت في الوقف دون الوصل. ومن أثبتها في الوصل أجراه مجرى الوقف. وقد قرأ حمزة والكسائي بحذف الهاء وصلا وإثباتها وقفا والباقون بإثباتها وصلا ووقفا. فإن قيل: ما فاعل يتسنى؟ قيل: يحتمل أن يكون ضمير الطعام
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 260]
والشراب لاحتياج كل واحد منهما إلى الآخر، فكانا بمنزلة شيء واحد. فلذلك أفرد الضمير في الفعل. ويحتمل أن يكون جعل الضمير ل (ذلك) . و (ذلك) يكنى به عن الواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد. ويحتمل أن يكون الضمير للشراب فقط لأنه أقرب. وثمّ جملة أخرى حذفت لدلالة هذه عليها. والتقدير: وانظر إلى طعامك لم يتسنه. وإلى شرابك لم يتسنه. ويجوز أن يكون أفرد في موضع التثنية كما قال الشاعر: فكأنّ في العينين حبّ قرنفل ... أو سنبلا كحلت به فانهلّت أشار لذلك أبو البقاء وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف هو. فرآه صار عظاما نخرة وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ عطف على مقدر متعلق بفعل مقدر قبله بطريق الاستئناف مقرر لمضمون ما سبق. أي فعلنا ما فعلنا، من إحيائك بعد ما ذكر، لتعاين ما استبعدته من الإحياء بعد دهر طويل. ولنجعلك آية للناس على البعث. أو متعلق بفعل مقدر بعده. أي: ولنجعلك آية للناس فعلنا ما فعلنا وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ أي عظام الحمار لتشاهد كيفية الإحياء كَيْفَ نُنْشِزُها قرئ بالزاي أي نرفع بعضها على بعض ونركبه عليه. من (النشز) وهو المرتفع من الأرض وفيها على هذا وجهان: ضم النون وكسر الشين من (أنشزته) وفتح النون وضم الشين من (نشزته) وهما لغتان. وقرئ بالراء وفيها وجهان: الأول فتح النون وضم الشين وماضيه (نشر) فيكون إما مطاوع أنشر الله الميت فنشر، وحينئذ نشر بمعنى أنشر. فاللازم والمتعدي بلفظ واحد. وإما من النشر الذي هو ضد الطيّ أي يبسطها بالإحياء. والثاني ضم النون وكسر الشين أي نحييها كقوله: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [عبس: 22] . قاله أبو البقاء. ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً أي نسترها به فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أي اتضح له إعادته مع طعامه وشرابه وحماره، بعد التلف الكليّ، وظهر له كيفية الإحياء قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فخرج من الظلمات إلى النور. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 260] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ قال المهايميّ: واذكر لتمثيل قصة المار على القرية، في الإخراج من الظلمات إلى النور، بالإحياء، قصة إبراهيم. وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى إنما سأل ذلك ليصير علمه عيانا قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي بلى آمنت ولكن سألت لأزداد بصيرة وسكون قلب برؤية الإحياء، فوق سكونه بالوحي. فإنّ تظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين. وقد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يكن شاكّا في إحياء الموتى قط. وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس البشرية من رؤية ما أخبرت عنه. ولهذا قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم «1» : «ليس الخبر كالمعاينة» . وحكى ابن جرير عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك لأنه شك في قدرة الله. واستدلوا بما صح عنه صلّى الله عليه وسلم وفي الصحيحين وغيرهما من قوله «2» : «نحن أحقّ بالشك من إبراهيم» . وبما روي عن ابن عباس أنه قال: ما في القرآن عندي آية أرجى منها. إذ رضي الله من إبراهيم قوله بَلى. قال فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان. أخرجه عنه الحاكم في المستدرك وصححه. ورجح هذا ابن جرير بعد حكايته له. قال ابن عطية: وهو عندي مردود. يعني قول هذه الطائفة. ثم قال: وأما قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: نحن أحق بالشك من إبراهيم ، فمعناه أنه لو كان شاكّا لكنا نحن أحق به. ونحن لا نشك فإبراهيم أحرى أن لا يشك فالحديث مبنيّ على نفي الشك عن إبراهيم. وأطال ابن عطية البحث في هذا. وأطاب. قال القرطبيّ: ولا يجوز على الأنبياء عليهم السلام مثل هذا الشك. وقد أخبر الله سبحانه أن أصفياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الإسراء: 65] . وقال اللعين: إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: 83] . وإذا لم تكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم! وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفرقها، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزقها. فأراد أن يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين.
وقال الناصر في (الانتصاف) : الأولى في هذه الآية أن يذكر فيها المختار في تفسيرها من المباحث الممتحنة بالفكر المحرر، والنكت المفصحة بالرأي المخمّر، فنقول: أما سؤال الخليل عليه السلام بقوله له: كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى. فليس عن شك، والعياذ بالله، في قدرة الله على الإحياء. ولكنه سؤال عن كيفية الإحياء. ولا يشترط في الإيمان الإحاطة بصورتها. فإنما هي طلب علم ما لا يتوقف الإيمان على علمه. ويدل على ذلك ورود السؤال بصيغة (كيف) وموضوعها السؤال عن الحال. ونظير هذا السؤال أن يقول القائل: كيف يحكم زيد في الناس؟ فهو لا يشك أنه يحكم فيهم ولكنه سأل عن كيفية حكمه، لا ثبوته. ولو كان الوهم قد يتلاعب ببعض الخواطر فيطرّق إلى إبراهيم شكا من هذه الآية. وقد قطع النبيّ عليه الصلاة والسلام دابر هذا الوهم بقوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم أي: ونحن لم نشك. فلأن لا يشك إبراهيم أحرى وأولى. (فإن قلت) إذا كان السؤال مصروفا إلى الكيفية التي لا يضرّ عدم تصورها ومشاهدتها بالإيمان ولا تخلّ به، فما موقع قوله تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قلت: قد وقعت لبعض الحذاق فيه على لطيفة، وهي أن هذه الصيغة تستعمل ظاهرا في السؤال عن الكيفية كما مرّ. وقد تستعمل في الاستعجاز. مثاله أن يدعي مدع أنه يحمل ثقلا من الأثقال وأنت جازم بعجزه عن حمله فتقول له: أرني كيف تحمل هذا؟ فلما كانت هذه الصيغة قد يعرض لها هذا الاستعمال الذي أحاط علم الله تعالى بأن إبراهيم مبرأ منه- أراد بقوله: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ أن ينطق إبراهيم بقوله: بَلى آمنت. ليدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظيّ في العبارة الأولى. ليكون إيمانه مخلصا، نص عليه بعبارة يفهمها كل من يسمعها فهما لا يلحقه فيه شك. (فإن قلت) قد تبيّن لي وجه الربط بين الكلام على التقدير المبين. فما موقع قول إبراهيم: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي؟ وذلك يشعر ظاهرا بأنه كان عند السؤال فاقدا للطمأنينة. قلت: معناه: ولكن ليزول عن قلبي الفكر في كيفية الحياة. لأني إذا شاهدتها سكن قلبي عن الجولان في كيفياتها المتخيلة وتعينت عندي بالتصوير المشاهد. فهذا أحسن ما يجري لي في تفسير هذه الآية. وربك الفتاح العليم. انتهى. قالَ أي: إذ أردت الطمأنينة فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ بضم الصاد وكسرها بمعنى فأملهنّ واضممهن إليك. يقال: صاره يصوره ويصيره إذا أماله لغتان.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 261]
قال الزمخشريّ: وقرأ ابن عباس رضي الله عنه فصرّهن بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء من: صرّه يصرّه ويصرّه إذا جمعه، وعنه: فصرّهن (من التصرية) وهي الجمع أيضا: وقال اللحيانيّ قال بعضهم: معنى صرهن وجّههنّ. ومعنى صرهن قطعهن وشققهن. والمعروف أنهما لغتان بمعنى واحد. وكلهم فسروا فصرهن أملهن.، والكسر فسّر بمعنى قطعهن. وقال الفيروزآبادي في (البصائر) : قال بعضهم: صرهن بضم الصاد وتشديد الراء وفتحها من الصرّ أي الشد. قال وقرئ فصرهن بكسر الصاد وفتح الراء المشددة (من الصرير) أي الصوت أي صح بهن. وقال أبو البقاء: ويقرأ بضم الصاد وتشديد الراء ثم منهم من يضمها اتباعا ومنهم من يفتحها تخفيفا ومنهم من يكسرها على أصل التقاء الساكنين. أقول: قد تقرر في العربية أن المضاعف إذا لحقته هاء الضمير يلزم وجه واحد في المؤنث وهو فتح ما قبلها نحو ردّها مراعاة للألف اتفاقا، وفي المذكر ثلاثة أوجه: أفصحها الضم ويليه الكسر وهو ضعيف، ويليه الفتح وهو أضعفها. وممن ذكره ثعلب في (الفصيح) لكن غلطوه لكونه أوهم فصاحته ولم ينبه على ضعفه ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً أي ثم اذبحهن وجزئهن وضع على كل جبل منهن بعضا ثُمَّ ادْعُهُنَّ أي: بأسمائهن يَأْتِينَكَ سَعْياً أي مسرعات وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. قال الزمخشريّ: فإن قلت: ما معنى أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها؟ قلت: ليتأملها ويعرف أشكالها وهيآتها وحلاها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك. ولذلك قال: يَأْتِينَكَ سَعْياً أي ولم يقل طيرانا لأنه إذا كانت ساعية كانت أثبت لنظره عليها من أن تكون طائرة. والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 261] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (261) مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعته كَمَثَلِ حَبَّةٍ أي مثل نفقتهم كمثل حبة، أو مثلهم كمثل باذر حبة. فالحذف إما من جانب المشبه أو المشبه به لتحصيل المناسبة، أي وتلك الحبة ألقيت في الأرض ثم أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ أي: أنبتت ساقا انشعب سبع شعب، خرج من كل
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 262]
شعبة سنبلة فيها مائة حبة، فصارت الحبة سبعمائة حبة بمضاعفة الله لها. قال ابن كثير: وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة. فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عزّ وجلّ لأصحابها كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة. انتهى. أقول: مصداق هذا ما في الصحيحين «1» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيّب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيّب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوّه حتى تكون مثل الجبل» . وَاللَّهُ يُضاعِفُ أي هذا التضعيف أو أكثر منه لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ وقد وردت السنة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف. ففي الصحيحين «2» وغيرهما عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عزّ وجلى: (إلّا الصوم فإنّه لي وأنا أجزي به) » . وأخرج أحمد ومسلم «3» والنسائي والحاكم عن ابن مسعود قال: «جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» . وأخرج أحمد «4» والطبراني والبيهقيّ عن بريدة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله. الدرهم بسبعمائة ضعف» . وثمة آثار أخرى في (ابن كثير) و (الدر المنثور) . ثم مدح تعالى من حفظ نفسه من المنّ والأذى فيما أنفق بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 262] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ أي لا يعقبون ما أَنْفَقُوا
لطائف:
مَنًّا وهو ذكره لمن أنفق عليه ليريه أنه أوجب بذلك عليه حقا وَلا أَذىً وهو ذكره لغيره فيؤذيه بذلك أو التطاول عليه بسببه لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ الموعود به قبل وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. على فائت من زهرة الدنيا، لصيرورتهم إلى ما هو خير من ذلك. لطائف: الأولى: قال الزمخشريّ معنى (ثم) إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى وفي حواشيه للناصر ما نصّه: (ثم) في أصل وضعها تشعر بتراخي المعطوف بها عن المعطوف عليه في الزمان وبعد ما بينهما، والزمخشريّ يحملها على التفاوت في المراتب والتباعد بينهما. حيث لا يمكنه حملها على التراخي في الزمان لسياق يأبى ذلك. كهذه الآية. وحاصلة أنها استعيرت من تباعد الأزمنة لتباعد المرتبة. وعندي فيها وجه آخر محتمل في هذه الآية ونحوها. وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء الطول في استصحابه. فهي على هذا لم تخرج عن الإشعار ببعد الزمن. ولكن معناها الأصليّ تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه. ومعناها المستعارة إليه دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه. وعليه حمل قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَقامُوا [فصلت: 30] ، أي داموا على الاستقامة دواما متراخيا ممتد الأمد. وتلك الاستقامة هي المعتبرة، لا ما هو منقطع إلى ضده من الحيد إلى الهوى والشهوات، وكذلك قوله: ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً أي يدومون على تناسي الإحسان وعلى ترك الاعتداد به والامتنان، ليسوا بتاركيه في أزمنة إلى الأذية وتقليد المنن بسببه، ثم يتوبون. والله أعلم. وقريب من هذا أو مثله، أن السين يصحب الفعل لتنفيس زمان وقوعه وتراخيه. ثم ورد قوله تعالى حكاية عن الخليل عليه السلام: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات: 99] . وقد حكى الله تعالى في مثل هذه الآية: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء: 78] . فليس إلى حمل السين على تراخي زمان وقوع الهداية له من سبيل. فيتعين المصير إلى حملها على الدلالة على تنفس دوام الهداية الحاصلة له وتراخي بقائها وتمادي أمدها. انتهى. الثانية: قال الزمخشريّ: (فإن قلت) أي فرق بين قوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ وقوله فيما بعد: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ؟ (قلت) الموصول لم يضمن هاهنا معنى الشرط، وضمنه ثمّه. والفرق بينهما من جهة المعنى أن الفاء فيها دلالة على أن الإنفاق به
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 263]
استحق الأجر، وطرحها عار عن تلك الدلالة. وقال أبو السعود: وتخلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها، للإيذان بأن ترتيب الأجر على ما ذكر من الإنفاق وترك اتباع المنّ والأذى- أمر بيّن لا يحتاج إلى التصريح بالسببية. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 263] قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي من كلمة طيبة ودعاء لمسلم وَمَغْفِرَةٌ أي غفر عن ظلم قوليّ أو فعليّ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً إذ لا يحصل للصدقة ثواب ويحصل إثم الأذى. وقد دخل في قوله (قول معروف) الرد الجميل للسائل و (مغفرة) العفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول. وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن طلب صدقة لعبيده مع الأذى لهم أو المنّ عليهم حَلِيمٌ عن معاجلة من يمنّ ويؤذي بالعقوبة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 264] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى أي لا تحبطوا أجرها بكل واحد منهما. فإنهما إساءتان ينافيان الإحسان المعتبر في الصدقة. والمنافي مبطل كالرياء. فيصير المانّ والمؤذي كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ في بطلان صدقته. و (رئاء) إما مفعول له أو حال. أي مرائيا. والهمزة الأولى في (رئاء) عين الكلمة لأنه. من راءى. والأخيرة بدل من الياء لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة كالقضاء. ويجوز تخفيف الهمزة الأولى بأن تقلب ياء فرارا من ثقل الهمزة بعد الكسرة. وقد قرئ به. قاله أبو البقاء. فَمَثَلُهُ أي هذا المنفق رياء، في إنفاقه مقارنا لما يفسده. ومثل نفقته
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 265]
كَمَثَلِ صَفْوانٍ وهو حجر أملس عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ أي مطر كثير فَتَرَكَهُ صَلْداً أي أجرد لا شيء عليه لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا أي المرائي والمانّ والمؤذي، لا يقدرون على تحصيل شيء من ثواب ما عملوا لبطلانه. كقوله: فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: 23] . فلا يجدون ثواب صدقاتهم كما لا يوجد على الصفا التراب بعد ما أصابه الوابل وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ إلى الخير والرشاد. وفيه تعريض بأن الرياء والمنّ والأذى على الإنفاق من صفات الكفار. ولا بد للمؤمن أن يتجنب عنها. وقد ورد في وعيد المنّ بالصدقة أحاديث متوافرة. ففي صحيح مسلم «1» عن أبي ذر قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى والمسبل إزاره والمنفّق سلعته بالحلف الكاذب» . وفي سنن النسائيّ «2» عن ابن عمر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاقّ لوالديه ولا منان» . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 265] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ مفعول له وَتَثْبِيتاً معطوف عليه. ويجوز أن يكونا حالين. أي مبتغين ومتثبتين مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال أبو البقاء: يجوز أن يكون (من) بمعنى اللام أي تثبيتا لأنفسهم. كما تقول: فعلت ذلك كسرا من شهوتي، ويجوز أن تكون على أصلها أي تثبيتا صادرا من أنفسهم. والتثبيت مصدر فعل متعد. فعلى الوجه الأول يكون مِنْ أَنْفُسِهِمْ مفعول المصدر. وعلى
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 266]
الثاني، يكون المفعول محذوفا. تقديره: ويثبتون أعمالهم بإخلاص النية. ويجوز أن يكون تثبيتا بمعنى (تثبّت) فيكون لازما. والمصادر قد تختلف ويقع بعضها موقع بعض. ومثله قوله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل: 8] . أي تبتلا. انتهى. وعن الشعبيّ: تثبيتا تصديقا ويقينا كَمَثَلِ جَنَّةٍ أي بستان بِرَبْوَةٍ أي: موضع مرتفع أَصابَها وابِلٌ مطر كثير فَآتَتْ أُكُلَها أي أخرجت ثمرها ضِعْفَيْنِ أي بالنسبة إلى غيرها من الجنان فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وهو المطر الضعيف، أو أخف المطر، أو أضعفه أو الندى. ولا بد من تقدير مضاف هنا كما تقدم: إما من جانب المشبه أو المشبه به. أي ومثل نفقة الذين إلخ. أو كمثل غارس جنة إلخ. رعاية للتناسب. قال الشهاب: وفي التشبيه وجهان: أحدهما أنه مركب، والتشبيه لحال النفقة بحال الجنة بالربوة في كونها زاكية متكثرة المنافع عند الله كيفما كانت الحال. والثاني أن تشبيه حالهم بحال الجنة على الربوة في أن نفقتهم، كثرت أو قلت، زاكية زائدة في حسن حالهم. كما أن الجنة يضعّف أكلها قويّ المطر وضعيفه. وهذا أيضا تشبيه مركب. إلا أنه لوحظ الشبه فيما بين المفردات. وحاصله: أن حالهم في اتباع القلة والكثرة تضعيف الأجر. كحال الجنة في إنتاج الوابل والطل تضعيف ثمارها. ويحتمل وجها ثالثا وهو أن يكون من تشبيه المفرد بالمفرد بأن تشبه حالهم بجنة مرتفعة في الحسن والبهجة. والنفقة الكثيرة والقليلة بالطل والوابل، والأجر والثواب بالثمرات. والربوة مثلثة الراء. وأكل بضمتين، وتسكن للتخفيف، وبه قرئ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تحذير عن الرياء وترغيب في الإخلاص. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 266] أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ أي كبر السن. فإن الفاقة والعالة في الشيخوخة أصعب وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ صغار لا قدرة لهم على الكسب فَأَصابَها إِعْصارٌ أي ريح شديدة فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ تلك الجنة وبقي صاحبها بمضيعة مع ضعفه وثقل ظهره
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 267]
بالعيال وقلة المال. والمعنى تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة، ويضم إليها ما يحبطها، كرياء وإيذاء، في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة، واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة بحال من هذا شأنه كَذلِكَ أي مثل هذا البيان يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ أي فيها. فتعتبرون بها. وروى البخاري «1» في التفسير عن عبيد بن عمير قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه يوما لأصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم: فيم ترون هذه الآية نزلت: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس ضربت مثلا لعمل. قال عمر: أيّ عمل؟ قال ابن عباس لعمل. قال عمر لرجل غنيّ يعمل بطاعة الله عزّ وجلّ. ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي. حتى أغرق أعماله. (قال ابن كثير وهو من أفراد البخاريّ) ولابن جرير من طريق عطاء عن ابن عباس معناه: أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل الخير حتى إذا كان حين فني عمره ختم ذلك بعمل أهل الشقاء فأفسد ذلك فأحرقه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 267] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ هذا بيان لحال ما ينفق منه، إثر بيان أصل الإنفاق وكيفيته. أي: أنفقوا من جياد ما كسبتم لقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92] . فمقتضى الإيمان الإنفاق من الجيد. لا سيما ما يطلب به رضا الله وتثبيت النفس. وفي الأمر إشعار بأنه إنما يمثل بالزرع المنبت سبع سنابل، أو بالجنة بربوة، ما أنفق من الجيد وَمِمَّا أي ومن طيبات ما أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ من الحبوب والثمار وَلا تَيَمَّمُوا أي لا تقصدوا الْخَبِيثَ أي الرديء من أموالكم، مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ أي بقابليه (يعني الرديء) إذا أهدي إليكم إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أي: إلا بأن تتسامحوا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 268]
في أخذه وتترخصوا فيه. من قولك: أغمض فلان عن بعض حقه إذا غض بصره. ويقال للبائع: أغمض. أي لا تستقص كأنك لا تبصر. كذا في الكشاف. قال الرازيّ: الإغماض في اللغة غض البصر وإطباق جفن على جفن. والمراد هاهنا المساهلة، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينه لئلا يرى ذلك. ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضا. فقوله: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يعني لو أهدي إليكم مثل هذه الأشياء، لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض. فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن إنفاقكم وإما يأمركم به لمنفعتكم حَمِيدٌ يجازي المحسن أفضل الجزاء. وفي الأمر بأن يعلموا ذلك، مع ظهور علمهم به، توبيخ على إعطاء الخبيث وإيذان بأن ذلك من آثار الجهل بشأنه تعالى. ولما رغّب تعالى في إنفاق الجيد حذّر من وسوسة الشيطان في ذلك فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 268] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (268) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ في الإنفاق وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ أي يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور. والفاحش، عند العرب، البخيل. قال طرفة: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدّد قال الحراليّ: الفحشاء كل ما اجتمعت عليه استقباحات الشرع. وأعظم مراد بها هنا البخل الذي هو أدوأ داء. لمناسبة ذكر الفقر. وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة. ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله. وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ بالإنفاق لا سيما من الجيد مَغْفِرَةً مِنْهُ للذنوب وَفَضْلًا خلفا وثوابا في الآخرة وَاللَّهُ واسِعٌ قدرة وفضلا فيحقق ما وعدكم به من المغفرة وإخلاف ما تنفقونه عَلِيمٌ بصدقاتكم. فلا يضيع أجركم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 269] يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (269) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ قال كثيرون: الحكمة إتقان العلم والعمل. وبعبارة
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 270]
أخرى معرفة الحق والعمل به. قال أبو مسلم: الحكمة فعلة من الحكم وهي كالنحلة من النحل، ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولبّ وإصابة رأي. وهي في هذا الموضع في معنى الفاعل. ويقال: أمر حكيم، أي محكم. وهو فعيل بمعنى مفعول. قال تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: 4] . وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً إذ بها انتظام أمر الدارين. والإظهار في مقام الإضمار لإظهار الاعتناء بشأنها. وفي إيلاء هذه الآية لما قبلها إشعار بأن الذي لا يغتر بوعد الشيطان ويوقن بوعد الله هو من آتاه الله الحكمة وَما يَذَّكَّرُ أي يتعظ بأمثال القرآن والحكمة إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي ذوو العقول من الناس، الخالصة من شوائب الهوى. وهم الحكماء. والمراد به الحث على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 270] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (270) وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ أي يؤول إلى الإنفاق فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه وَما لِلظَّالِمِينَ أي الذين ينفقون رئاء الناس، أو يضعون الإنفاق في غير موضعه. أو بضم المنّ والأذى إليه، أو بالإنفاق من الخبيث، أو يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو لا يفون بالنذور مِنْ أَنْصارٍ أي من أعوان ينصرونهم من عقاب الله. قال الحراليّ: ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخيّ وبيد الكريم كلما عثر فيجد له نصيرا ولا يجد الظالم، بوضع القهر موضع البر، ناصرا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 271] إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ نوع تفصيل لبعض ما أجمل في الشرطية. وبيان له. ولذلك ترك العطف بينهما. أي إن تظهروا الصدقات فنعم شيئا إبداؤها. لأنه
لطائف:
يرفع التهمة ويدعو له كل من يسمع من محتاج وغيره ويفيد اتباع الناس إياه وَإِنْ تُخْفُوها أي تسرّوها مخافة الرياء، وسترا لعار الفقراء وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي من العلانية. لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص الذي هو روح العبادات وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ ذنوبكم بقدر صدقاتكم وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ترغيب في الإسرار. وفي الصحيحين «1» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل. وشاب نشأ في عبادة ربه. ورجل قلبه معلق في المساجد. ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه. ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين. ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» . وروى الإمام أحمد «2» وابن أبي حاتم عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله أيّ الصدقة أفضل؟ قال: سرّ إلى فقير، أو جهد من مقلّ» . لطائف: قال: أبو البقاء في قوله تعالى (فنعما هي) : نعم فعل جامد لا يكون فيه مستقبل. وأصله نعم كعلم. وقد جاء على ذلك في الشعر. إلا أنهم سكّنوا العين ونقلوا حركتها إلى النون ليكون دليلا على الأصل. ومنهم من يترك النون مفتوحة على الأصل. ومنهم من يكسر النون والعين اتّباعا. وبكلّ قد قرئ. وفاعل (نعم) مضمر و (ما) بمعنى شيء. ثم قال: (ونكفر عنكم) يقرأ بالنون على إسناد الفعل إلى الله عزّ وجلّ ويقرأ بالياء على هذا التقدير أيضا وعلى تقدير آخر وهو أن يكون الفاعل ضمير الإخفاء. ويقرأ (وتكفر) بالتاء على أن الفعل مسند إلى ضمير الصدقة. ويقرأ بجزم الراء عطفا على موضع فَهُوَ خَيْرٌ وبالرفع على إضمار مبتدأ أي ونحن أو وهي. و (من) هنا زائدة عند الأخفش فيكون (سيئاتكم) المفعول. وعن سيبويه المفعول محذوف أي شيئا من سيئاتكم. والسيئة فيعلة. وعينها واو لأنها من ساء يسوء فأصلها سيوئة فأبدلت الواو ياء وأدغمت الأولى فيها. انتهى. وفي (غيث النفع) : قرأ (فنعما) الشامي. والإخوان بفتح النون. والباقون بالكسر. وقرأ قالون والبصريّ وشعبة بإسكان العين واختار كثير لهم إخفاء كسرة العين يريدون الاختلاس فرارا من الجمع بين الساكنين، والباقون بكسر العين، واتفقوا على تشديد الميم. ثم ناقش الشاطبيّ في كونه لم يذكر لقالون ومن عطف
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 272]
عليه إلا الإخفاء، مع أنه روي عنهم الإسكان المحض أيضا. ثم قال: وقد صرح المحقق في نشره أن الداني روى الوجهين جميعا. ثم قال: والإسكان آثر والإخفاء أقيس وهو قراءة أبي جعفر والحسن. وغاية ما فيه الجمع بين الساكنين وليس أولهما حرف مد ولين وهو جائز قراءة ولغة. ولا عبرة بمن أنكره ولو كان إمام البصرة. والمنكر له هنا يقرأ به لحمزة في قوله تعالى: فَمَا اسْتَطاعُوا [الكهف: 97] . بالكهف إذ فيه الجمع بين الساكنين وصلا بلا شك إذ السين ساكن والطاء مشدد وهذا مثله. والله أعلم. وبه يعلم ردّ ما قيل إن راوي التسكين لم يضبط القراءة لأن القارئ اختلس كسرة العين فظنه إسكانا فإنه غفلة عن جوازه لغة. كما حكاه أبو عبيد. وعن القراءة بنظيره في (استطاعوا) وبالله التوفيق. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 272] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ أي لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الإتيان بما أمروا به من المحاسن والانتهاء عما نهوا عنه من المساوئ المعدودة كالمنّ والأذى والإنفاق من الخبيث والبخل وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ بخلق الهداية في قلبه عقيب بيانك لجريان سنته بخلق الأشياء عقيب أسبابها، لا على سبيل الوجوب. بل على سبيل الاختيار، أفاده المهايميّ. قال أبو السعود: والجملة معترضة جيء بها على طريق تلوين الخطاب وتوجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بالمكلفين، مبالغة في حملهم على الامتثال. فإن الإخبار بعدم وجوب تدارك أمرهم على النبيّ صلّى الله عليه وسلم مؤذن بوجوبه عليهم حسبما ينطق به ما بعده من الشرطية وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ أي بالحقيقة لأن المنفق عليه إنما يقضي بها حاجته الفانية ويحصل لكم بها الثواب الأبديّ، فلم تمنون به على الناس وتؤذونهم؟ ونظائر هذا القرآن كثيرة كقوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ [فصلت: 46] ، وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ نفي في معنى النهي. أي فلا تستطيلوا به على الناس ولا تراؤوا به. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ثوابه أضعافا مضاعفة وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أي لا تنقصون من حسناتكم، كما لا يزاد على سيئاتكم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 273]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 273] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) لِلْفُقَراءِ متعلق بمحذوف ينساق إليه الكلام. أي اجعلوا ما تنفقونه للفقراء. أو صدقاتكم للفقراء. أي المحتاجين إلى النفقة الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي حبسوا أنفسهم في طاعته تعالى من جهاد أو غيره لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً أي ذهابا فِي الْأَرْضِ لاكتساب أو تجارة يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ بحالهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أي من أجل تعففهم عن السؤال. والتلويح به قناعة بما أعطاهم مولاهم، ورضا عنه، وشرف نفس تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم كما قال تعالى: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ [الفتح: 29] ، وقال: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد: 30] . وفي الحديث الذي في السنن «1» : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ، ثم قرأ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر: 75] ، قاله ابن كثير. قال الغزاليّ: ينبغي أن يطلب بالفحص عن أهل الدين في كل محلة، ويستكشف عن بواطن أحوال أهل الخير والتجمل، ممن يكون مستترا مخفيا حاجته لا يكثر البث والشكوى. أو يكون من أهل المروءة ممن ذهبت نعمته وبقيت عادته. فهو يتعيش في جلباب التجمل. فثواب صرف المعروف إليهم أضعاف ما يصرف إلى المجاهرين بالسؤال. كما ينبغي أن يطلب بصدقته من تزكو به الصدقة كأن يكون أهل علم. فإن ذلك إعانة له على العلم. والعلم أشرف العبادات مهما صحّت فيه النية. وكان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم. فقيل له: لو عممت! فقال: إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء. فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجته لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم. فتفريغهم للعلم أفضل. لطيفة: السيما مقصور، كالسيمة. والسيماء والسيمياء (ممدودين بكسرهن) والسومة
(بالضم) : العلامة. قال أبو بكر بن دريد: قولهم: عليه سيما حسنة، معناه علامة وهي مأخوذة من وسمت أسم. والأصل في (سيما) وسمي. فحولت الواو من موضع الفاء فوضعت في موضع العين، كما قالوا: ما أطيبه وأيطبه، فصار سومي. وجعلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، قال السمين: فوزن سيما عفلا. وإذا مدت فالهمزة فيها منقلبة عن حرف زائد للإلحاق. إما واو أو ياء. فهي كعلباء ملحقة بسرداح. فالهمزة للإلحاق لا للتأنيث وهي منصرفة لذلك. انتهى. لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً مصدر في موضع الحال. أي ملحفين. يقال: ألحف عليه إلخ. قال الزمخشريّ: الإلحاف الإلحاح. وهو اللزوم. وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه. من قولهم: لحفني من فضل لحافه. أي أعطاني من فضل ما عنده. قيل معنى الآية: إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا. فيكون النفي متوجها إلى القيد وحده. والصحيح أنه نفي للسؤال والإلحاف جميعا. فمرجع النفي إلى القيد ومقيده كقوله: وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [غافر: 18] ، وفيه تنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافا. واستيجاب المدح والتعظيم للمتعفف عن ذلك. وفي الصحيحين «1» عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف» . اقرؤا إن شئتم: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً، وأخرج ابن أبي شيبة والبخاريّ ومسلم «2» والنسائي عن ابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم» . وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود «3» والترمذي وصححه، والنسائي وابن حبان عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه. فمن شاء أبقى ومن شاء ترك. إلا أن يسأل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدا» . وأخرج أحمد «4» عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «المسألة كدوح في وجه صاحبها يوم القيامة. فمن شاء استبقى على وجهه» . وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم «5» وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس
أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر» . وأخرج أحمد وأبو داود «1» وابن خزيمة عن سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل شيئا وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم. قالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: ما يغديه أو يعشيه» . وأخرج مسلم «2» والترمذيّ والنسائي عن عوف بن مالك الأشجعيّ قال: «كنا تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال: ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلنا علام نبايعك؟ قال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. والصلوات الخمس. وتطيعوا ولا تسألوا الناس. فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحدا يناوله إياه» . وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاريّ «3» ومسلم والترمذيّ والنسائي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه» . وأخرج الطبرانيّ والبيهقيّ عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الله يحب المؤمن المحترف» . وأخرج أحمد والطبرانيّ وأبو داود والنسائيّ «4» عن أبي سعيد الخدري أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من استغنى أغناه الله. ومن استعف أعفه الله. ومن استكفى كفاه الله. ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» . وأخرج البخاريّ «5» ومسلم والنسائي عن ابن عمر أنّ عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني. فقال: خذه. إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله. فإن شئت كله وإن شئت تصدق به. وما لا فلا تتبعه نفسك» . قال سالم بن عبد الله فلأجل ذلك كان عبد الله لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه. وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ أي ولو على الملحين وعلى من لم يتحقق فقرهم أو لم تشتد حاجتهم فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي بأن ذلك الإنفاق له أو لغيره، فيجازي بحسبه. ثم أشار تعالى إلى أنه لا يختص الإنفاق بوقت أو حال بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 274]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 274] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وفي تقديم الليل على النهار والسر على العلانية إيذان بمزية الإخفاء على الإظهار. قال الحراليّ: فأفضلهم المنفق ليلا سرّا. وأنزلهم المنفق نهارا علانية. فهم بذلك أربعة أصناف. لطائف: لا يخفى أن في حضه تعالى على الإنفاق في هذه الآية الوافرة، وضربه الأمثال في الإحسان إلى خلقه ترغيبا وترهيبا، ما يدعو كل مؤمن إلى أن يتزكى بفضل ماله. قال الإمام الغزاليّ عليه الرحمة في (الإحياء) ما نصه: في وجه الامتحان بالصدقات ثلاثة معاني: الأول أن التلفظ بكلمتي الشهادة التزام للتوحيد، وشهادة بإفراد المعبود. وشرط تمام الوفاء به أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد. فإن المحبة لا تقبل الشركة. والتوحيد باللسان قليل الجدوى. وإنما يمتحن به درجة الحب بمفارقة المحبوب. والأموال محبوبة عند الخلائق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا. وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عن الموت. مع أن فيه لقاء المحبوب. فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب، واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم ومعشوقهم. ولذلك قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: 111] . وذلك بالجهاد. وهو مسامحة بالمهجة شوقا إلى لقاء الله عزّ وجلّ. والمسامحة بالمال أهون. ولما فهم هذا المعنى في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم صدقوا التوحيد ووفوا بعهدهم ونزلوا عن جميع أموالهم. فلم يدخروا دينارا ولا درهما. وقسم درجتهم دون من قبلهم، وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات. فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم. وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها. وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة. وقد ذهب جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة. كالنخعيّ والشعبيّ وعطاء
فصل
ومجاهد. قال الشعبيّ (بعد أن قيل له: هل في المال حق سوى الزكاة؟) قال: نعم. أما سمعت قوله عزّ وجلّ: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى ... الآية [البقرة: 177] ، واستدلوا بقوله عزّ وجلّ: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: 3] . وبقوله تعالى: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ [المنافقون: 10] . وزعموا أن ذلك غير منسوخ بآية الزكاة بل هو داخل في حق المسلم على المسلم. ومعناه أنه يجب على الموسر، مهما وجد محتاجا، أن يزيل حاجته فضلا عن مال الزكاة. وقسم يقتصرون على أداء الوجوب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون منه. وهي أقل الرتب. وقد اقتصر جميع العوام عليه. لبخلهم بالمال وميلهم إليه، وضعف حبهم للآخرة. قال الله تعالى: إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ [محمد: 37] . يحفكم أي: يستقص عليكم. فكم بين عبد اشترى منه ماله ونفسه بأن له الجنة، وبين عبد لا يستقصي عليه لبخله. فهذا أحد معاني أمر الله سبحانه عباده ببذل الأموال. المعنى الثاني التطهير من صفة البخل فإنه من المهلكات. قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه» . وقال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9] . وإنما تزول صفة البخل بأن تتعود بذل المال. فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير اعتيادا. والزكاة، بهذا المعنى، طهرة. أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك. وإنما طهارته بقدر بذله وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه لله تعالى. المعنى الثالث شكر النعمة. فإن لله عزّ وجلّ على عبده نعمة في نفسه وفي ماله. فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن. والمالية شكر لنعمة المال، وما أخسّ من ينظر إلى الفقير، وقد ضيّق عليه الرزق، وأحوج إليه، ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه. فصل وللغزاليّ رحمه الله أيضا بحث في المنّ والأذى المتقدم ذكرهما. يجدر ذكره هنا، لما فيه من الفوائد لطالب الآخرة. قال رحمه الله: الوظيفة الخامسة (يعني من وظائف مريد طريق الآخرة بصدقته) أن لا يفسد صدقته بالمنّ والأذى، قال الله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [التغابن: 16] . واختلفوا في حقيقة المنّ والأذى. فقيل: المنّ أن يذكرها. والأذى أن يظهرها. وقال: سفيان: من منّ فسدت صدقته. فقيل له: كيف المنّ؟ فقال: أن يذكره ويتحدث به. وقيل: المنّ أن يستخدمه بالعطاء. والأذى أن
يعيره بالفقر. وقيل: المنّ أن يتكبر عليه لأجل عطائه. والأذى أن ينتهره أو يوبخه بالمسألة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صدقة منان» . وعندي أن المنّ له أصل ومغرس. وهو من أحوال القلب وصفاته. ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح. فأصله أن يرى نفسه محسنا إليه ومنعما عليه. وحقه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق الله عزّ وجلّ منه، الذي هو طهرته ونجاته من النار. وأنه لو لم يقبله لبقي مرتهنا به. فحقه أن يتقلد منة الفقير إذ جعل كفه نائبا عن الله عزّ وجلّ في قبض حق الله عز وجل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» : إن الصدقة تقع بيد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل» . فليتحقق أنه مسلّم إلى الله عزّ وجلّ حقه. والفقير آخذ من الله تعالى رزقه بعد صيرورته إلى الله عزّ وجلّ. ولو كان عليه دين لإنسان فأحال به عبده أو خادمه الذي هو متكفل برزقه لكان اعتقاد مؤدي الدين كون القابض تحت منته سفها وجهلا. فإن المحسن إليه هو المتكفل برزقه. أما هو فإنما يقضي الذي لزمه بشراء ما أحبه. فهو ساع في حق نفسه. فلم يمنّ به على غيره؟ ومهما عرف المعاني الثلاثة التي ذكرناها قبل، أو أحدها لم ير نفسه محسنا إلا إلى نفسه. إما ببذل ماله إظهارا لحب الله تعالى أو تطهيرا لنفسه عن رذيلة البخل، أو شكرا على نعمة المال طلبا للمزيد. وكيفما كان فلا معاملة بينه وبين الفقير حتى يرى نفسه محسنا إليه. ومهما حصل هذا الجهل بأن رأى نفسه محسنا إليه تفرع منه على ظاهره، ما ذكر في معنى المنّ. وهو التحدث به وإظهاره وطلب المكافأة منه بالشكر والدعاء، والخدمة والتوقير والتعظيم، والقيام بالحقوق والتقديم في المجالس، والمتابعة في الأمور. فهذه كلها ثمرات المنّة. ومعنى المنة في الباطن ما ذكرناه. وأما الأذى فظاهره التوبيخ والتعيير وتخشين الكلام وتقطيب الوجه وهتك الستر بالإظهار، وفنون الاستخفاف وباطنه وهو منبعه أمران: أحدهما كراهيته لرفع اليد عن المال وشدة ذلك على نفسه، فإن ذلك يضيق الخلق لا محالة، والثاني رؤيته أنه خير من الفقير وأن الفقير لسبب حاجته أخسّ منه وكلاهما منشؤه الجهل. أما كراهيته تسليم المال فهو حمق. لأن من كره بذل درهم في مقابلة ما يسوي ألفا فهو شديد الحمق، ومعلوم أنه يبذل المال لطلب رضا الله عزّ وجلّ، والثواب في الدار الآخرة. وذلك أشرف مما بذله أو يبذله لتطهير نفسه عن رذيلة البخل، أو شكره لطلب المزيد. وكيفما فرض فالكراهة لا وجه لها. وأما الثاني فهو أيضا جهل لأنه لو عرف
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الزكاة والصدقة
فضل الفقر على الغنى وعرف خطر الأغنياء لما استحقر الفقير بل تبرك به وتمنى درجته، فصلحاء الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام. وقد أطال الغزاليّ رحمه الله من هذا النفس العالي. فليراجع. فصل في هديه صلّى الله عليه وسلم في الزكاة والصدقة قال شمس الدين ابن القيّم الدمشقيّ في (زاد المعاد) : هديه صلّى الله عليه وسلم في الزكاة أكمل هدي في وقتها، وقدرها ونصابها، ومن تجب عليه، ومصرفها. ويراعى فيها مصلحة أرباب الأموال ومصلحة المساكين وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه. وقيد النعمة به على الأغنياء. فما أزال النعمة بالمال على من أدى زكاته. بل يحفظه عليه وينميه له ويدفع عنه بها الآفات، ويجعلها سورا عليه وحصنا له وحارسا له. ثم قال في (هديه صلّى الله عليه وسلم في صدقة التطوع) : كان صلّى الله عليه وسلم أعظم الناس صدقة مما ملكت يده. وكان لا يستكثر شيئا أعطاه لله تعالى ولا يستقله. ولا يسأله أحد شيئا عنده إلا أعطاه قليلا أو كثيرا. وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر. وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه. وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه. وكان أجود الناس بالخير يمينه كالريح المرسلة. وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه. وكان يتنوع في أصناف عطائه وصدقته. فتارة بالهبة وتارة بالصدقة وتارة بالهدية وتارة بشراء شيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعا كما فعل بجابر «1» . وتارة كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه، وأفضل
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 275]
وأكبر، ويشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه. ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها أو بأضعافها تلطفا وتنوعا في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن. وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله فيخرج ما عنده ويأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعو إليها وبحاله وقوله. فإذا رآه البخيل الشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء. وكان من خالطه وصحبه ورأى هديه لا يملك نفسه من السماحة والندى. وكان هديه صلّى الله عليه وسلم يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف، ولذلك كان صلّى الله عليه وسلم أشرح الخلق صدرا وأطيبهم نفسا وأنعمهم قلبا. فإن للصدقة وفعل المعروف تأثيرا عجيبا في شرح الصدور وانضاف ذلك إلى ما خصه الله به من شرح صدره للنبوة والرسالة وخصائصها وتوابعها. وشرح صدره حسا وإخراج حظ الشيطان منه. ولما ذكر تعالى الأبرار المؤدّين النفقات من الزكوات والصدقات في جميع الأحوال والأوقات، شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات. فأخبر عن حالهم يوم خروجهم من قبورهم، وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 275] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا وهو فضل مال خال عن العوض في معاوضة مال بمال. وكتب الربوا بالواو على لغة من يفخم. كما كتبت الصلاة والزكاة. وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع لا يَقُومُونَ أي يوم القيامة كما قاله بعض الصحابة والتابعين إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ في القاموس خبطه ضربه شديدا، كتخبطه واختبطه. وفي (العباب) كل من ضربه بيده فصرعه فقد خبطه وتخبطه. وأصل المسّ باليد، ثم استعير للجنون، لأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه. والجار يتعلق إما ب (لا يقومون) أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع من جنونه أو ب (يتخبطه) أي من جهة الجنون والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين. تلك سيماهم يعرفون بها عند الموقف هتكا لهم وفضيحة.
تنبيه:
قال الحراليّ: في إطلاقه إشعار بحالهم في الدنيا والبرزخ والآخرة. ففي إعلامه إيذان بأن آكله يسلب عقله ويكون بقاؤه في الدنيا بخرق لا بعقل. يقبل في محل الإدبار، ويدبر في محل الإقبال. قال البقاعيّ: وهو مؤيد بالمشاهدة. فإنا لم نر ولم نسمع قط بآكل ربا ينطق بالحكمة ولا يشهر بفضيلة بل هم أدنى الناس وأدنسهم. تنبيه: قال في الكشاف: وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع. والمس الجنون. ورجل ممسوس. وهذا أيضا من زعماتهم. وأن الجنيّ يمسه فيختلط عقله. وكذلك: جنّ الرجل معناه ضربته الجن. وتبعه البيضاويّ في قوله وهو: أي التخبط والمس، وارد على ما يزعمون إلخ. قال الناصر في (الانتصار) : معنى قول الكشاف من زعمات العرب أي كذباتهم وزخارفهم التي لا حقيقة لها. وهذا القول على الحقيقة من تخبط الشيطان بالقدرية من زعماتهم المردودة بقواطع الشرع. ثم ساق ما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار: وقال بعده: واعتقاد السلف وأهل السنة أن هذه أمور على حقائقها واقعة كما أخبر الشرع عنها. وإنما القدرية خصماء العلانية. فلا جرم أنهم ينكرون كثيرا مما يزعمونه مخالفا لقواعدهم. من ذلك: السحر، وخبطة الشيطان، ومعظم أحوال الجن. وإن اعترفوا بشيء من ذلك فعلى غير الوجه الذي يعترف به أهل السنة وينبئ عنه ظاهر الشرع. في خبط طويل لهم. وقال الشيخ سعد الدين التفتازانيّ في (شرح المقاصد) : وبالجملة فالقول بوجود الملائكة والجن والشياطين مما انعقد عليه إجماع الآراء. ونطق به كلام الله وكلام الأنبياء. وقال: الجن أجسام لطيفة هوائية تتشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أحوال عجيبة والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء الناس في الفساد والغواية. ولكون الهواء والنار في غاية اللطافة والتشفيف، كانت الملائكة والجن والشياطين يدخلون المنافذ الضيقة حتى أجواف الإنسان ولا يرون بحسن البصر إلا إذا اكتسبوا من الممتزجات. قال العلامة البقاعيّ، بعد نقله ما ذكرنا: وقد ورد في كثير من الأحاديث عن
النبيّ صلّى الله عليه وسلم «1» «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم» . وورد أنه صلّى الله عليه وسلم أخرج الصارع من الجن من جوف المصروع في صورة كلب. ونحو ذلك. وفي كتب الله سبحانه وتعالى المتقدمة ما لا يحصى من مثل ذلك. وأما مشاهدة المصروع يخبر بالمغيبات وهو مصروع غائب الحس، وربما كان ملقى في النار وهو لا يحترق، وربما ارتفع في الهواء من غير رافع- فكثير جدا. لا يحصى مشاهدوه. إلى غير ذلك من الأمور الموجب للقطع أن ذلك من الجن أو الشياطين. وها أنا أذكر لك في ذلك من أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وسلم ما فيه مقنع لمن تدبره والله الموفق. روى الدارميّ «2» في أوائل مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: إن ابني به جنون وأنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا. فيخبّث علينا. فمسح رسول الله صلّى الله عليه وسلم صدره ودعا. فثعّ ثعّة. وخرج من صدره مثل الجرو الأسود فسعى. (وقوله ثع بمثلثة ومهملة أي قاء) . وللدارميّ أيضا وعبد بن حميد بسند حسن أيضا عن جابر رضي الله عنه قال: خرجت مع النبيّ صلّى الله عليه وسلم في سفر. فركبنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم. ورسول الله صلّى الله عليه وسلم بيننا كأنما على رؤوسنا الطير، تظلنا. فعرضت له امرأة معها صبيّ لها. فقالت: يا رسول الله! إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرار. فتناول الصبيّ فجعله بينه وبين مقدم الرحل. ثم قال: اخسأ، عدو الله! أنا رسول الله (ثلاثا) ثم دفعه إليها. وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر. وبيّن أن السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك كان في حرّة واقم. قال جابر: فلما قضينا سفرنا مررنا بذلك المكان. فعرضت لنا المرأة ومعها صبيها ومعها كبشان تسوقهما. فقالت: يا رسول الله! اقبل مني هديتي. فو الذي بعثك بالحق! ما عاد إليه بعد. فقال: خذوا منها واحدا، وردوا عليها الآخر. ورواه البغويّ في (شرح السنة) عن يعلى بن مرة رضي الله عنه. ثم ساق البقاعيّ ما جاء في الإنجيل. قال: وذلك كثير جدا. يعني ما وقع
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الصرع
للمسيح عليه السلام من إخراج الشياطين والأرواح الخبيثة من المبتلين بذلك. وبعد أن ساق ذلك قال: وإنما كتبت هذا مع كون ما نقل عن نبيّنا صلّى الله عليه وسلم كافيا، لأنه لا يدفع أن يكون فيه إيناس له ومصادقة تزيد في الإيمان. وقد أجاد بيان تسلط الأرواح الخبيثة الإمام شمس الدين ابن القيّم في (زاد المعاد) وذكر علاج دفعها فقال عليه الرحمة: فصل في هديه صلّى الله عليه وسلم في علاج الصرع أخرجا في الصحيحين «1» من حديث عطاء بن أبي رباح قال: «قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء. أتت النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع. وإني أتكشف. فادع الله لي. فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة. وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك. فقالت: أصبر. قالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف. فدعا لها» . قلت: الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية وصرع من الأخلاط الردية. والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الأرواح،. فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه. ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة. فتدافع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها. وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه. فذكر بعض علاج الصرع وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة. أما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج. وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ومن يعتقد بالزندقة فضيلة، فأولئك ينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع. وليس معهم إلا الجهل. وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك. والحس والوجود شاهد به. وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها. وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع المرض الإلهيّ. وقالوا: إنه من الأرواح، وأما جالينوس وغيره. فتأولوا عليهم هذه التسمية وقالوا: إنما سموها بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس فتضرّ بالجزء الإلهيّ الطاهر
الذي مسكنه الدماغ. وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها. وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده. ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء الأطباء وضعف عقولهم. وعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج. فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وباريها. والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان. فإن هذا نوع محاربة. والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا، وأن يكون الساعد قويا. فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل. فكيف إذا عدم الأمران جميعا، بكون القلب خرابا من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه، ولا سلاح له. والثاني من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا. حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: اخرج منه. أو بقول: بسم الله. أو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. والنبيّ صلّى الله عليه وسلم كان يقول: اخرج عدوّ الله! أنا رسول الله. وشاهدت شيخنا (يعني الإمام ابن تيمية رضي الله عنه) يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لك الشيخ اخرجي. فإن هذا لا يحل لك. فيفيق المصروع. وربما خاطبها بنفسه. وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب. فيفيق المصروع. ولا يحس بألم. وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارا. وكان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: 155] . وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع فقالت الروح: نعم. ومدّ بها صوته. قال: فأخذت له عصا وضربته بها في عروق عنقه حتى مجلت يداي من الضرب. ولم يشكّ الحاضرون بأنه يموت لذلك الضرب. ففي أثناء الضرب قالت: أنا أحبّه. فقلت لها: هو لا يحبك. قالت: أنا أريد أن أحج به. فقلت لها: هو لا يريد أن يحج معك. فقالت: أنا أدعه كرامة لك. قال قلت: لا. ولكن طاعة لله ولرسوله. قالت: فأنا أخرج منه. قال: فقعد المصروع يلتفت يمينا وشمالا. وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ قالوا له: وهذا الضرب كله؟ فقال وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب؟ ولم يشعر بأنه وقع ضرب البتة. وكان يعالج بآية الكرسيّ. وكان يأمر بكثرة قراءة المصروع ومن يعالجه بها. وبقراءة المعوذتين. وبالجملة، فهذا النوع من الصرع. وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة. وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله يكون من جهة قلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم، من حقائق
الذكر والتعاويذ والتحصنات النبوية والإيمانية. فتلقى الروح الخبيثة الرجل أعزل لا سلاح معه. وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا. ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى مع هذه الأرواح الخبيثة. وهي في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت. ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها. وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة. فهناك يتحقق أنه كان هو المصروع حقيقة. وبالله المستعان. وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل. وأن تكون الجنة والنار نصب عينه وقبلة قلبه. ويستحضر أهل الدنيا وحلول المثلاث والآفات بهم. ووقوعها خلال ديارهم. كمواقع القطر. وهم صرعى لا يفيقون. وما أشد أعداء هذا الصرع! ولكن لما عمت البلية بحيث لا يرى إلا مصروعا لم يصر مستغربا ولا مستنكرا. بل صار، لكثرة المصروعين، عين المستنكر المستغرب خلافه. فإذا أراد الله بعبد خيرا أفاق من هذه الصرعة ونظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يمينا وشمالا على اختلاف طبقاتهم. فمنهم من أطبق به الجنون. ومنهم من يفيق أحيانا قليلة ويعود إلى جنونه. ومنهم من يفيق مرة ويجن أخرى. فإذا أفاق عمل عمل أهل الإفاقة والعقل. ثم يعاوده الصرع فيقع التخبط. ثم قال: وأما صرع الأخلاط فهو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة والانتصاب منعا غير تام: وسببه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدة غير تامة. فيمتنع نفوذ الحس والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذا ما، من غير انقطاع بالكلية. وقد يكون لأسباب أخر. كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح. أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء. أو كيفية لاذعة فينقبض الدماغ لدفع المؤذي فيتبعه تشنج في جميع الأعضاء. ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصبا بل يسقط ويظهر في فيه الزبد غالبا. وهذه العلة تعد من جملة الأمراض الحادة باعتبار وقت وجود المؤلم خاصة. وقد تعد من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها وعسر برئها لا سيما إن جاوز في السن خمسا وعشرين سنة. وهذه العلة في دماغه وخاصة في جوهره. فإن صرع هؤلاء يكون لازما. قال بقراط: إن الصرع يبقى في هؤلاء حتى يموتوا. إذا عرف هذا، فهذه المرأة التي جاء الحديث أنها كانت تصرع وتنكشف، يجوز أن يكون صرعها من هذا النوع. فوعدها النبيّ صلّى الله عليه وسلم الحنة بصبرها على هذا
المرض. ودعا لها أن لا تنكشف. وخيّرها بين الصبر والجنة، وبين الدعاء لها بالشفاء من غير ضمان. فاختارت الصبر والجنة. وفي ذلك دليل على جواز ترك المعالجة والتداوي. وإن علاج الأرواح بالدعوات والتوجه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الأطباء. وإن تأثيره وفعله وتأثير الطبيعة عنه وانفعالها أعظم من تأثير الأدوية البدنية وانفعال الطبيعة عنها. وقد جربنا هذا مرارا نحن وغيرنا. وعقلاء الأطباء معترفون بأن في فعل القوى النفسية وانفعالاتها في شفاء الأمراض عجائب. وما على الصناعة الطبية أضر من زنادقة القوم وسفلتهم وجهالهم. والظاهر أن صرع هذه المرأة كان من هذا النوع. ويجوز أن يكون من جهة الأرواح. ويكون رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد خيّرها بين الصبر على ذلك مع الجنة. وبين الدعاء لها بالشفاء. فاختارت الصبر والستر. والله أعلم. ذلِكَ أي القيام المخبط بِأَنَّهُمْ قالُوا أي بسبب قولهم إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا أي نظيره في أن كلّا منهما معاوضة. فإن قلت: هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأن الكلام في الربا لا في البيع. وحل البيع متفق عليه. فيقاس عليه الربا. وحق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق؟ أجيب بأنه جيء به على طريق المبالغة. وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل. حتى شبهوا به البيع. كذا أجاب الزمخشريّ. قال الناصر في (حواشيه) : وعندي وجه في الجواب غير ما ذكر. وهو أنه متى كان المطلوب التسوية بين المحلين في ثبوت الحكم، فللقائل أن يسوي بينهما طردا. فيقول مثلا: الربا مثل البيع. وغرضه من ذلك أن يقول والبيع حلال فالربا حلال. وله أن يسوى بينهما في العكس فيقول: البيع مثل الربا. فلو كان الربا حراما كان البيع حراما. ضرورة المماثلة. ونتيجته التي دلت قوة الكلام عليها أن يقول: ولما كان البيع حلالا اتفاقا غير حرام، وجب أن يكون الربا مثله. والأول على طريقة قياس الطرد. والثاني على طريقة العكس. ومآلهما إلى مقصد واحد. فلا حاجة، على هذا التقرير، إلى خروج عن الظاهر لعذر المبالغة أو غيره. وليس الغرض من هذا كله إلا بيان هذا الذي تخيلوه على أنموذج النظم الصحيح. وإن كان قياسا فاسد الوضع، لاستعماله على مناقضة المعلوم من حكم الله أيضا في تحريم الربا وتحليل البيع وقطع القياس بينهما. ولكن إذا استعمل الطريقتين المذكورتين استعمالا صحيحا فقل في الأولى: النبيذ مثل الخمر في علة التحريم. وهو الإسكار. والخمر حرام. فالنبيذ حرام. وقل في الثانية: إنما الخمر مثل النبيذ. فلو كان النبيذ حلالا لكان
الخمر حلالا. وليست حلالا اتفاقا. فالنبيذ كذلك. ضرورة المماثلة المذكورة. فهذا التوجيه أولى أن تحمل الآية عليه. والله أعلم. وقوله وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا إنكار لتسويتهم بينهما. إذ الحل مع الحرمة ضدان. فإنّى يتماثلان؟ ودلالة على أن القياس يهدمه النص. لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه. قال الرازيّ: إن نفاة القياس يتمسكون بهذا الحرف. قالوا: لو كان الدين بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة. فلما كانت مدفوعة علمنا أن الدين بالنص لا بالقياس. وذكر القفال رحمه الله الفرق بين البابين فقال: من باع ثوبا يساوي عشرة بعشرين، فقد جعل ذات الثوب مقابلا بالعشرين. فلما حصل التراضي على هذا التقابل، صار كل واحد منهما مقابلا للآخر في المالية عندهما. فلم يكن أخذ من صاحبه شيئا بغير عوض. أما إذا باع العشرة بالعشرين فقد أخذ العشرة الزائدة من غير عوض، ولا يمكن أن يقال: إن عوضه هو الإمهال في مدة الأجل. لأن الإمهال ليس مالا أو شيئا يشار إليه حتى يجعله عوضا عن العشرة الزائدة. فظهر الفرق بين الصورتين. وقد أخرج أبو نعيم في (الحلية) عن جعفر بن محمد أنه سئل: لم حرم الله الربا؟ قال لئلا يتمانع الناس المعروف. أي الإحسان الذي في القرض إذ لو حلّ درهم بدرهمين ما سمح أحد بإعطاء درهم بمثله. فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ أي بلغه وعظ وزجر كالنهي عن الربا مِنْ رَبِّهِ متعلق ب (جاءه) أو بمحذوف وقع صفة ل (موعظة) . والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة للإشعار بكون مجيء الموعظة للتربية فَانْتَهى عطف على (جاءه) أي فاتعظ بلا تراخ، وتبع النهي فَلَهُ ما سَلَفَ أي ما تقدم أخذه قبل التحريم ولا يسترد منه وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إن شاء أخذه لظهور الفرق وإن شاء عفا عنه. لأن الفرق، وإن ظهر لأرباب النظر، يجوز أن يخفى على العوام وَمَنْ عادَ أي إلى تحليل الربا بعد النص فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لكفرهم بالنص، وردهم إياه بقياسهم الفاسد، بعد ظهور فساده. ومن أحل ما حرم الله عزّ وجلّ فهو كافر. فلذا استحق الخلود. وبهذا تبين أن لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق. حيث بنوا على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى فعل الربا خاصة. ولا يخفى أنه لا يساعدهم على ذلك الظاهر الذي استدلوا به. فإن الذي وقع العود إليه محمول على ما تقدم. كأنه قال: ومن عاد إلى ما سلف ذكره، وهو فعل الربا واعتقاد جوازه والاحتجاج عليه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 276]
بقياسه على البيع. ولا شك أن من تعاطى معاملة الربا مستحلا لها مكابرا في تحريمها، مسندا إحلالها إلى معارضة آيات الله البينات، بما يتوهمه من الخيالات- فقد كفر ثم ازداد كفرا. وإذ ذاك يكون الموعود بالخلود في الآية من يقال إنه كافر مكذب غير مؤمن. وهذا لا خلاف فيه، فلا دليل إذا للمعتزلة على اعتزالهم في هذه الآية. والله الموفق. أشار لذلك في الانتصاف. قال في فتح البيان: والمصير إلى هذا التأويل واجب، للأحاديث المتواترة القاضية بخروج الموحدين من النار. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 276] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أي يذهب ريعه ويمحو خيره، وإن كان زيادة في الظاهر فلا ينتفع به في الآخرة كما قال تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [الروم: 39] ، وقال تعالى: وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ [الأنفال: 37] . وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ أي يكثرها وينميها وإن كانت نقصانا في الشاهد. فوائد: الأولى قال القاشانيّ: لأن الزيادة والنقصان إنما يكونان باعتبار العاقبة والنفع في الدارين. والمال الحاصل من الربا لا بركة له لأنه حصل من مخالفة الحق. فتكون عاقبته وخيمة وصاحبه يرتكب سائر المعاصي. إذ كل طعام يولّد في آكله دواعي وأفعالا من جنسه. فإن كان حراما يدعوه إلى أفعال محرمة، وإن كان مكروها فإلى أفعال مكروهة. وإن كان مباحا فإلى مباحة. وإن كان من طعام فضل فإلى مندوبات، وكان في أفعاله متبرعا متفضلا. وإن كان بقدر الواجب من الحقوق فأفعاله تكون واجبة ضرورية. وإن كان من الفضول والحظوظ فأفعاله تكون كذلك. فعليه إثم الربا وآثار أفعاله المحرمة المتولدة من أكله. فتزداد عقوباته وآثامه أبدا. ويتلف الله ماله في الدنيا فلا ينتفع به أعقابه وأولاده. فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة وذلك هو المحق الكليّ. وأما المتصدق فلكون ماله مزكّى يبارك الله في تثميره مع حفظ الأصل. وآكله لا يكون إلا مطيعا في أفعاله. ويبقى ماله في أعقابه وأولاده منتفعا به. وذلك هو الزيادة في الحقيقة. ولو لم تكن زيادته إلا ما صرف في طاعة الله لكفى به
زيادة. وأي زيادة أفضل مما تبقّى عند الله؟ ولو لم يكن نقصان الربا إلا حصوله من مخالفة الله وارتكاب نهيه لكفى به نقصانا. وأي نقصان أفحش مما يكون سبب حجاب صاحبه وعذابه ونقصان حظه عند الله؟. الثانية: قال القاشانيّ: عليه الرحمة، قبل ذلك: آكل الربا أسوأ حالا من جميع مرتكبي الكبائر. فإن كل مكتسب له توكل مّا في كسبه، قليلا كان أو كثيرا. كالتاجر والزارع والمحترف. إذ لم يعينوا أرزاقهم بعقولهم ولن تتعين لهم قبل الاكتساب. فهم على غير معلوم في الحقيقة. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبى الله أن يرزق المؤمن إلا من حيث لا يعلم» «1» . وأما آكل الربا فقد عين على آخذه مكسبه ورزقه. سواء ربح الآخذ أو خسر. فهو محجوب عن ربه بنفسه، وعن رزقه بتعيينه. لا توكّل له أصلا. فوكله الله تعالى إلى نفسه وعقله. وأخرجه من حفظه وكلاءته. فاختطفه الجن وخبلته. فيقوم يوم القيامة ولا رابطة بينه وبين الله كسائر الناس المرتبطين به بالتوكل. فيكون كالمصروع الذي مسه الشيطان فتخبطه، لا يهتدي إلى مقصد. الثالثة: قال بعض العلماء العمرانيين: يشترط لجواز التمول أن يكون من وجه مشروع كما في مقابلة عمل أو معاوضة. وأن لا يتجاوز المال قدر الحاجة بكثير. ولذا حرمت الشرائع السماوية كلها. وكذلك الحكمة السياسية والأخلاقية والعمرانية. أكل الربا، قصدا لحفظ التساوي والتقارب بين الناس في القوة المالية. لأن الربا هو كسب بدون مقابل ماديّ، ففيه معنى الغصب. وبدون عمل، ففيه الألفة على البطالة المفسدة للأخلاق. وبدون تعرض لخسائر طبيعية، كالتجارة والزراعة والأملاك. ومن المشاهد أن بالربا تربو الثروات فيختل التساوي بين الناس. ثم قال: وقد نظر الماليون. والاقتصاديون في أمر الربا فقالوا: إن المعتدل منه نافع بل لا بد منه. أولا لأجل قيام المعاملات الكبيرة. وثانيا لأجل أن النقود الموجودة لا تفي للتداول، فكيف إذا أمسك المكتنزون قسما منها أيضا؟ وثالثا لأجل أن الكثيرين من المتمولين لا يعرفون طرائق الاسترباح أولا يقدرون عليها. كما أن كثيرا من العارفين بها لا يجدون رؤوس أموال ولا شركاء عنان. فهذا النظر صحيح من وجه إنماء ثروات الأفراد والأمم. أما السياسيون
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 277]
والأخلاقيون فينظرون إلى أن ضرر ذلك في جمهور الأمم أكبر من نفعها. لأن هذه الثروات الأفرادية تمكن الاستبداد الداخليّ. فتجعل الناس صنفين عبيدا وأسيادا. وتقوي الاستبداد الخارجيّ فتسهل التعدي على حرية واستقلال الأمم الضعيفة مالا وعدّة. وهذه مقاصد فاسدة في نظر الحكمة والعدالة. ولذلك حرمت الأديان الربا تحريما مغلظا. انتهى. الرابعة: قال الرازيّ: لما بالغ تعالى في الزجر عن الربا، وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات، ذكر هاهنا ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الصدقات وفعل الربا، وكشف عن فساده. وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل المزيد في الخيرات. والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخيرات. فبيّن تعالى أن الربا وإن كان زيادة في المال إلا أنه نقصان في الحقيقة. وإن الصدقة وإن كانت نقصانا في الصورة إلا أنها زيادة في المعنى. ولما كان الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي والصوارف. بل يعول على ما ندبه الشرع إليه منهما. وقال القفال: ونظير قوله: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا، المثل الذي ضربه فيما تقدم بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا. ونظير قوله: وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، المثل الذي ضربه بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ صيغتا مبالغة من الكفر والإثم، لاستمرار مستحلّ الربا وآكله عليهما وتماديه في ذلك. وفي الآية تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار، لا من فعل المسلمين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 277] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله وكتبه وبتحريم الربا، ورجح إيمانهم أمر الله بالإنفاق، على جمعهم للمال وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فيما بينهم وبين ربهم التي من جملتها الجود وترك الربا وَأَقامُوا الصَّلاةَ التي تنهى عن الفحشاء والمنكر كالشح والربا وَآتَوُا الزَّكاةَ أعطوا زكاة أموالهم التي هي أجل أسباب فضيلة الجود لَهُمْ أَجْرُهُمْ ثوابهم الكامل عِنْدَ رَبِّهِمْ في الجنة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يوم الفزع الأكبر
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 278]
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لأنهم فرحون بما آتاهم ربهم ووقاهم عذاب الجحيم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 278] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي اخشوا الله في الربا لأن فيه إبطال حكمته تعالى في خلق الأموال وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا أي اتركوا ما بقي لكم من الربا على الغرماء إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ على الحقيقة. فإن ذلك مستلزم لما أمرتم به البتة. قال الحراليّ: فبيّن أن الربا والإيمان لا يجتمعان. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 279] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أي لم تتركوا ما بقي فَأْذَنُوا أي اعلموا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قال المهايميّ: أي إن لم تفعلوا ترك ما بقي كنتم متهاونين بأمره. ومن تهاون بأمر ملك حاربه. والحرب نقيض السلم. ومن حاربه الله ورسوله لا يفلح أبدا. وفيه إيماء إلى سوء الخاتمة إن دام على أكله. وَإِنْ تُبْتُمْ من الربا فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ أي أصولها لا تَظْلِمُونَ بطلب الزيادة وَلا تُظْلَمُونَ بالنقص والمطل. بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص فيه. ثم أمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 280] وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ أي بالكل أو البعض فَنَظِرَةٌ أي فالواجب إمهال بقدر ما أعسر إِلى مَيْسَرَةٍ أي بذلك القدر. لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي. ثم ندب تعالى إلى الوضع من المعسر ووعد عليه الخير والثواب الجزيل فقال: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 281]
تَعْلَمُونَ أي وأن تتركوا للمعسر قدر ما أعسر بإبرائه منه، لأنه ربما لا يحصل البدل في الحال، فيأخذ ما يساويه في الآخرة. والصدقة تتضاعف الأضعاف المذكورة. وقد أخرج البخاريّ «1» ومسلم والنسائيّ عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه» . وأخرج مسلم والترمذيّ نحوه عن أبي مسعود البدريّ رضي الله عنه. وعن أبي قتادة «2» الحارث بن ربعيّ الأنصاريّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من نفّس عن غريمه أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة» . رواه الإمام أحمد ومسلم. وعن بريدة «3» قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة. قال: ثم سمعته يقول: من أنظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة. فسألته عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: له بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين. فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثلاه صدقة» . وعن ابن عباس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم «4» : «من أنظر معسرا أو وضع عنه، وقاه الله من فيح جهنم» . رواهما الإمام أحمد ، ثم قال تعالى يعظ عباده ويذكرهم زوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 281] وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) وَاتَّقُوا يَوْماً أي اخشوا عذاب يوم تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ما عملت من خير أو شر. قال المهايميّ: فإن استوفى الدائن حقه بالتضييق على المديون استوفى الله منه حقوقه بالتضييق. وإن سامحه فالله أولى بالمسامحة. والمديون، إن لم يوف حق
تنبيه:
الدائن مع قدرته على الأداء استوفى الله منه حقّه. وأما من لا يقدر، فيرجى أن يعفو الله عنه، ويرضى خصمه بعوض من عنده وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم. تنبيه: من تأمل هذه الآيات وما اشتملت عليه من عقوبة أهل الربا ومستحليه، أكبر جرمه وإثمه. فقد ترتب عليه قيامهم في المحشر مخبلين وتخليدهم في النار ونبزهم بالكفر. والحرب من الله ورسوله واللعنة. وكذا الذم والبغض وسقوط العدالة وزوال الأمانة، وحصول اسم الفسق والقسوة والغلظة ودعاء من ظلم بأخذ ماله على ظالمه. وذلك سبب لزوال الخير والبركة. فما أقبح هذه المعصية وأزيد فحشها وأعظم ما يترتب من العقوبات عليها! وقد شرح رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما طوى التصريح به في تلك الآيات من العقوبات والقبائح الحاصلة لأهل الربا في أحاديث كثيرة. فمنها: ما رواه الشيخان «1» عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات (أي المهلكات) قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلّا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» . وأخرج البخاريّ «2» عن سمرة بن جندب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة. فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم. فيه رجل قائم. وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة. فأقبل الرجل الذي في النهر. فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان. فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان. فقلت: ما هذا الذي رأيته في النهر؟ قال: آكل الربا» . وأخرج مسلم «3» عن جابر بن عبد الله قال: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. وقال: هم سواء» . وأخرج البخاريّ «4» وأبو داود عن أبي جحيفة قال: «لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 282]
الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله» ، وثمة آثار وافرة، ساقها السيوطيّ في الدر المنثور. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 282] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين، إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة، أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها. وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال: ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا وفي قوله: تَدايَنْتُمْ دليل على جواز السلم. لأن المداينة فعل اثنين وهو السلم نفسه. لأنه دين من الجانبين جميعا. وعلى ذلك روي عن ابن عباس قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى، أن الله تعالى أحلّه وأذن فيه ثم قرأ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ الآية. رواه البخاري. وقال آخرون: قوله: إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ هو بيع كل دين إلى أجل مسمى. فهو يسمى التداين. كما يسمى البائع والمشترى المتبايعين. لأن كل واحد منهما بائع في وجه. فعلى ذلك، المداينة التداين. وإنما لم نؤمر بالكتابة في بيع الأعيان لأنه في
المداينات وصل أحدهما إلى حاجته بقبض رأس المال، والآخر لم يصل. فلعل ذلك يحمله على إنكار الحق والجحود. فإذا تذكر أنه كتب وأشهد عليه ارتدع عن الإنكار والجحود. لما يخاف ظهور كذبه وفضيحته على الناس. ولا كذلك مع العين بالعين. لأن كل واحد منهما لا يصل إلى حاجته إلا بما يصل به الآخر. فليس هنالك للإنكار معنى، وثمة وجه آخر وهو أنه يجوز أن ينسى فينكر ذلك. أو ينسى بعضه ويذكر بعضا، فأمر بالكتابة لئلا يبطل حق الآخر بترك الكتابة. ولا كذلك في بيع العين بالعين. فافترقا. كذا في التأويلات للماتريديّ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ أي الدين المذكور كاتِبٌ بِالْعَدْلِ الجار متعلق إما بالفعل أي (وليكتب بالحق) . أو بمحذوف صفة لكاتب، أي: وليكن المتصدي للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى أحد الجانبين. لا يزيد ولا ينقص. وهو أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه ديّن، حتى يجيء كتابه موثوقا به معدلا بالشرع. وَلا يَأْبَ أي ولا يمتنع كاتِبٌ من أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ أي كما بيّنه بقوله تعالى بِالْعَدْلِ. أو لا يأب أن ينفع الناس بكتابته. كما نفعه الله بتعليم الكتاب. كقوله تعالى: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: 77] . وفي الحديث «1» : «إن من الصدقة أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق» . وفي الحديث الآخر: «من كتم علما يعلمه، ألجم بلجام من نار» . قال الرازيّ: ظاهر هذا الكلام نهي لكل كاتب عن الامتناع من الكتابة. وإيجابها على كل من كان كاتبا فَلْيَكْتُبْ أي تلك الكتابة المعلمة. أمر بها بعد النهي عن إبائها تأكيدا لها وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الإملال الإملاء. وهما لغتان نطق القرآن بهما. قال تعالى: فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ [الفرقان: 5] . أي وليكن المملي على الكاتب المدين وهو الذي عليه الحق، لأنه المقر المشهود عليه وَلْيَتَّقِ أي وليخش المملي اللَّهَ رَبَّهُ جمع ما بين الاسم الجليل والنعت الجميل، للمبالغة في التحذير وَلا يَبْخَسْ أي لا ينقص مِنْهُ أي مما عليه شَيْئاً مما عليه من الدين فَإِنْ كانَ المدين وهو الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أي خفيف الحلم أو جاهلا
بالإملاء لا يحسنه أَوْ ضَعِيفاً صبيا أو شيخا هرما أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ أي أو غير مستطيع للإملاء بنفسه- لعيّ به أو خرس أو عجمة. ولفظ (هو) هنا توكيد للفاعل المضمر- والجمهور على ضم الهاء لأنها كلمة منفصلة عما قبلها فهي مبدوء بها. وقرئ بإسكانها على أن يكون أجري المنفصل مجرى المتصل بالواو أو الفاء أو اللام. نحو: وهو، فهو، لهو. قاله أبو البقاء، فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ يعني الذي يلي أمره من قيّم أو وكيل أو ترجمان بِالْعَدْلِ من غير نقص ولا زيادة وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ أي اطلبوهما ليتحملا الشهادة على المداينة فَإِنْ لَمْ يَكُونا أي الشاهدان رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ أي في العدالة مِنَ الشُّهَداءِ ولما شرط في القيام مقام الواحد من الرجال، العدد من النساء، علله بما يشير إلى نقص الضبط فيهن فقال أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما أي تغيب عنها الشهادة فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى الضالة وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا أي لأداء الشهادة التي تحملوها أو لتحملها. وتسميتهم (شهداء) قبل التحمل من تنزيل المشارف منزلة الواقع وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ أي الدين صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أي المذكور من الكتابة أَقْسَطُ أي أعدل عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ أي أعون لإقامتها إذ بها يتم الاعتماد على الحفظ وَأَدْنى أي أقرب أَلَّا تَرْتابُوا أي لا تشكو في جنس الدين وقدره وأجله بتشكيك أحد المتداينين إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً أي حالة تُدِيرُونَها أي تكثرون إدارتها بَيْنَكُمْ فتصعب عليكم كتابتها مع قلة الحاجة إليها فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها لأنها مناجزة فيبعد فيها التنازع والنسيان. قال أبو البقاء (تجارة) يقرأ بالرفع على أن تكون التامة (وحاضرة) صفتها. ويجوز أن تكون الناقصة واسمها تجارة، وحاضرة صفتها، وتديرونها الخبر. وقرئ بالنصب على أن يكون اسم الفاعل مضمرا فيه، تقديره إلا أن تكون المبايعة تجارة وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا ناجزا أو كالئا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الإختلاف. ويجوز أن يراد: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع. يعني التجارة الحاضرة. على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة. وعن الضحاك: هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل. كذا في الكشاف. وأخرج ابن المنذر عن جابر بن زيد أنه اشترى سوطا فأشهد وقال: قال الله وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ. قال أبو القاسم بن سلامة في كتابه (الناسخ والمنسوخ) : قد كان جماعة من التابعين يرون أنهم يشهدون في كل بيع وابتياع. فمنهم الشعبيّ وإبراهيم النخعيّ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 283]
كانوا يقولون إنا نرى أن نشهد ولو في جزرة بقل. وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ يحتمل البناء للفاعل والمفعول. ويدل عليه أنه قرئ: ولا يضارر (بالكسر والفتح) والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهي عن الضرار بهما، بأن يعجلا عن مهمّ. قال الحراليّ: في الإحنة تعريض بالإحسان منه للشهيد والكاتب ليجيبه لمراده، ويعينه على الائتمار لأمر بما يدفع من ضرر، عطلته واستعماله في أمر من أمور دنياه. ففي تعريضه إجازة لما يأخذه الكاتب ومن يدعي لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض له فيما يضره التخلي عنه. وَإِنْ تَفْعَلُوا أي ما نهيتم عنه من الضرار فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ أي خروج بكم عن الشرع الذي نهجه الله لكم. قال الحراليّ: وفي صيغة (فعول) تأكيد فيه وتشديد في النذارة. وَاتَّقُوا اللَّهَ أن يعذبكم بالخروج عن طاعته وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ أحكامه المتضمنة لمصالحكم وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ولما كان التقدير: هذا إذا كنتم حضورا يسهل عليكم إحضار الكاتب والشاهد، عطف عليه قوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 283] وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ أي فالذي يستوثق به رهان مقبوضة يقبضها صاحب الحق، وثيقة لدينه. هذا إذا لم يأمن البعض البعض بلا وثيقة فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً لحسن ظنه به واستغنى بأمانته عن الارتهان فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ وهو المدين. وإنما عبر عنه بذلك العنوان لتعينه طريقا للإعلام، ولحمله على الأداء أَمانَتَهُ أي دينه. وإنما سمي أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في رعاية حقوق الأمانة. وفي الجمع بين عنوان الألوهية وصفة الربوبية من التأكيد والتحذير مالا يخفى وَلا تَكْتُمُوا أيها الشهود الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 284]
قال الزمخشريّ: فإن قلت هلا اقتصر على قوله فإنه آثم. وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟ قلت: كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها. فلما كان إثما مقترفا بالقلب أسند إليه. لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ. ألا تراك تقول، إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي. ولأن القلب هو رئيس الأعضاء، والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله «1» . فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه. ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط. وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه. واللسان ترجمان عنه. ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح. وهي لها كالأصول التي تتشعب منها. ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر. وهما من أفعال القلوب. فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معظم الذنوب. وقرئ (قلبه) بالنصب. كقوله: سفه نفسه. وقرأ ابن أبي عبلة: أثم قلبه. أي جعله آثما وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ أي بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم عَلِيمٌ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 284] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا أي تظهروا ما فِي أَنْفُسِكُمْ من الأفعال الاختيارية باللسان أو الجوارح أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قال أبو مسلم الأصفهاني: إنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة: والله بما تعملون عليم. ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل العقليّ فقال: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ومعنى هذا الملك، أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد وجدت بتخليقه وتكوينه
وإبداعه. ومن كان فاعلا لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد أن يكون عالما بها. إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به. فكأن الله تعالى احتج بخلقه السماوات والأرض، مع ما فيها من وجوه الإحكام والإتقان، على كونه تعالى عالما بها محيطا بأجزائها وجزئياتها. قال الشعبيّ: إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه، بيّن أن له ملك السموات والأرض، فيجازي على الكتمان والإظهار. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا..، إلخ نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها. وروى الإمام أحمد ومسلم «1» والنسائي وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء. فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا» . قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (قال: قد فعلت) رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا (قال: قد فعلت) وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا (قال: قد فعلت) . وفي مسند عبد الله بن حميد والطبراني: قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها. وصار الأمر إلى أن قضى الله تعالى أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت من القول والعمل. أقول إنّ ما جاء من أن الآية هالت من هالت من الصحابة فإنما جاءه من عمومها ومن قوله يُحاسِبْكُمْ إذ حمله على حساب المؤاخذة، فأما عمومها فنظمها ظاهر فيه. إلا أنها تتناول الشهادة وكتمانها أولا وبالذات. وغيرها ثانيا وبالعرض. وأما حمل الحساب على المؤاخذة والانتقام فإن كان عرفيا أو لغويا فالإخفاء حينئذ مراد به إخفاء متفق على حظره. كنفاق وريب في الدين. ولا إشكال في الآية. وقد يؤيده ذكر الإيمان بعده. ويكون ختام السورة بالإبداء والإخفاء بمثابة رد العجز على الصدر. لافتتاح السورة بالمؤمنين والكافرين وما لكل منهما. وإن لم يكن الحساب حقيقة فيما ذكر بل كان معناه إيقافه تعالى العبد على عمله خيرا أو شرا وإراءته عاقبته الحسنى أو السوءى، وهو الذي يظهر، فلا
إشكال أيضا. فما روي عن بعض الصحب عليهم الرضوان منشؤه قوة اليقين وشدة الخوف من هول المطلع مع ورود الحساب في كثير من الآيات في معرض أخطار القيامة مما يحق أن يخفق له فؤاد كل مؤمن. ولا تنس ما أسلفنا في المقدمة وفي غير موضع، أن قولهم: نزلت في كذا قد يراد أن كذا مما يشمله لفظ الآية لعمومها له ولغيره. وهكذا هنا. فالآية وإن كان سياقها في الشهادة وكتمانها، إلا أنها تتناول غيرها بعمومها. ولذلك دخل فيها الوسوسة وتوهم ما توهم. وقوله في الرواية: فأنزل الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لا يتوهم التراخي بين ما دخل قلوبهم وبين نزولها. بل المراد، كما أسلفنا في سبب النزول، أن لفظ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ ... إلخ الذي نزل معها مبين أن لا حرج في مثل الوسوسة ونحوها. فافهم فإنه نفيس جدا. وبه يزاح عنك ما يبحث فيه الكثيرون في هذه الآية ويرونه من المعضلات. وبالله التوفيق. هذا وفي الصحيحين «1» عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها، ما لم تعمل أو تكلّم» . وفي الصحيحين «2» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «قال الله عزّ وجلّ: (إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه. فإن عملها فاكتبوها سيئة. وإذا همّ بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرا) » ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وقرئ برفع الفعلين على الاستئناف أي فهو يغفر إلخ. وبجزمهما عطفا على جواب الشرط. وفي تقديم المغفرة على التعذيب إشعار بسبق رحمته تعالى على غضبه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قال الرازيّ: قد بيّن بقوله: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أنه كامل الملك والملكوت. وبيّن بقوله وَإِنْ تُبْدُوا.. إلخ. أنه كامل العلم والإحاطة. ثم بيّن بقوله وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أنه كامل القدرة مستول على كل الممكنات بالقهر والقدرة والتكوين والإعدام. ولا كمال أعلى وأعظم من حصول الكمال في هذه الصفات. والموصوف بهذه الكمالات يجب على كل عاقل أن يكون عبدا منقادا له، خاضعا لأوامره، ونواهيه، محترزا عن سخطه. وبالله التوفيق.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 285]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 285] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أي صدقه بقبوله والتخلق به كما قالت عائشة «1» : كان خلقه القرآن والترقي بمعانيه والتحقق وَالْمُؤْمِنُونَ أي كذلك آمنوا. قال الزجاج رحمه الله: لما ذكر الله عزّ وجلّ في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والصيام والحج والطلاق والحيض والإيلاء والجهاد وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والربا والدّين، ختمها بقوله: آمَنَ الرَّسُولُ لتعظيمه وتصديق نبيه صلّى الله عليه وسلم والمؤمنين لجميع ذلك المذكور قبله، وغيره ليكون تأكيدا له وفذلكة. لطيفة: قوله (والمؤمنون) إما مبتدأ والجملة بعده خبر. أعني كلّ آمن. والعائد إلى المبتدأ التنوين القائم مقام الضمير في (كل) ، لأن من جملة العائد إلى المبتدأ التنوين النائب مناب الضمير. وإما معطوف على الرسول فيكون التنوين راجعا إلى الرسول والمؤمنين. وقد اختار كثيرون الأول. ومنهم العلامة أبو السعود. وأطال في توجيهه. وعندي أن الوجه هو الثاني. لأن المقام لتعداد المؤمن به. وذلك يشترك فيه الرسول وأتباعه. وإن كان كنه إيمان الرسول لا يشاركه فيه غيره. فالمقام ليس مقام الخصوصية. والله أعلم. كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ أي يقولون لا نفرق بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أي بردّ بعض وقبول بعض، ولا نشك في كونهم على الحق وبالحق وَقالُوا سَمِعْنا أي قولك وفهمناه وَأَطَعْنا أي امتثلنا أمرك وقمنا به واستقمنا عليه. ولما علموا أنهم لا يخلون من تقصير، وأن الرب يغفر لمن يشاء قالوا: غُفْرانَكَ رَبَّنا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 286]
أي اغفر لنا غفرانك. أو نسألك غفرانك ذنوبنا. وتقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران لما أن تقديم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي الرجوع بالموت والبعث لا إلى غيرك، وهو تذييل لما قبله مقرر للحاجة إلى المغفرة. لما أن الرجوع للحساب والجزاء. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 286] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (286) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي لا يحملها إلا ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه. قال الرازيّ: يحتمل أن يكون هذا ابتداء خبر من الله. ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين بأنهم قالوا: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. على نسق الكلام في قوله: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا. وقالوا: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. ويؤيد ذلك ما أردفه من قوله: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا. فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل الصالح. وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها. ثم قال الرازيّ: في كيفية النظم: إن قلنا: إن هذا من كلام المؤمنين، فوجه النظم أنهم لما قالوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا فكأنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع وأنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا. فإذا كان هو تعالى، بحكم الرحمة الإلهية، لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهيّن، فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين. وإن قلنا: إن هذا من كلام الله تعالى، فوجه النظم أنهم لما قالوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا ثم قالوا بعده: غُفْرانَكَ رَبَّنا، دلّ ذلك على أن قولهم: غُفْرانَكَ، طلب للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد. فلما كان قولهم (غفرانك) طلبا للمغفرة في ذلك التقصير، لا جرم خفف الله تعالى ذلك عنهم. وقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. والمعنى: أنكم إذا سمعتم وأطعتم، وما تعمدتم التقصير، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه. فإن الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا
وُسْعَها . وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم: غفرانك ربنا. قال زين العابدين بير محمد دره في (المدحة الكبرى) : وعلى احتمال أن يكون قوله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ.. إلخ حكاية، فهو من قبيل العطف بلا عاطف. أو الكلام على تقدير قالوا. قال بعضهم: ولك أن تجعل لا يُكَلِّفُ اللَّهُ ... إلخ في حيز القول. وأن يكون حكاية للأقوال المتفرقة غير المعطوفة بعضها على بعض للمؤمنين. يكون مدحا لهم بأنهم شاكرون لله تعالى في تكليفه. حيث يرونه بأنه لم يخرج عن وسعهم. وبأنهم يرون أن الله تعالى لا ينتفع بعملهم الخير، بل هو لهم. ولا يتضرر بعملهم الشرّ، بل هو عليهم. وقال البقاعيّ: وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلبا للوفاء بما أخبرهم به الرسول صلّى الله عليه وسلم عنه سبحانه من ذلك، خوفا من أن يكلفوا بما لله تعالى أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس. لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه. ولعل العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الإسم الأعظم من باب التملق بأن له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم. ومن صفات الحلم والرحمة ما يرفّه عنهم. ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله تعالى جزاء لهم على قولهم: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، الآية. فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس. فانتفى ما شق عليهم من قوله: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ، الآية. بخلاف ما أفاد بني إسرائيل قولهم: سمعنا وعصينا، من الآصار في الدنيا والآخرة. فيكون حينئذ استئنافا جوابا لمن كأنه قال: هل أجاب دعاءهم. ويؤيد هذا الاحتمال اتباعه لحكم ما في الوسع على طريق الاستئناف أو الاستنتاج بقوله: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ قال العلامة أبو السعود: قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ إلخ. للترغيب في المحافظة على مواجب التكليف والتحذير عن الإخلال بها. ببيان أن تكليف كل نفس مع مقارنته لنعمة التخفيف والتيسير تتضمن مراعاته منفعة زائدة. وأنها تعود إليها لا إلى غيرها. ويستتبع الإخلال به مضرة تحيق بها لا بغيرها. فإن اختصاص منفعة الفعل بفاعله من أقوى الدواعي إلى تحصيله. واقتصار مضرته عليه من أشد الزواجر عن مباشرته. أي لها ثواب ما كسبت من الخير الذي كلفت فعله. لا لغيرها. وعليها لا على غيرها عقاب ما اكتسبت من الشر الذي كلفت تركه. وإيراد الاكتساب في جانب الشر لما فيه من اعتمال ناشئ من اعتناء النفس بتحصيل الشر وسعيها في طلبه. قال الحراليّ: وصيغة (فعل) مجردة، تعرب عن أدنى الكسب. فلذلك من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة.
لطيفة:
لطيفة: وقال الجاربرديّ في (شرح الشافية) : معنى الكسب تحصيل الشيء على أي وجه كان. والاكتساب المبالغة والاعتمال فيه. ومن ذلك قوله تعالى: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. وفيه تنبيه على لطف الله تعالى بخلقه، إذ أثبت لهم ثواب الفعل على أي وجه كان. ولم يثبت عليهم عقاب الفعل إلا على وجه مبالغة واعتمال فيه. قال الزمخشريّ: لما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ. فجعلت لذلك مكتسبة فيه. ولما لم تكن في باب الخير كذلك لفتورها في تحصيله، وصفت بما لا دلالة له على الاعتمال والتصرف. انتهى. قال العلّامة ابن جماعة في (حواشيه) : تفرقته بين الكسب والاكتساب هو ما قاله الزمخشريّ وغيره ونص عليه سيبويه. قال الحلبيّ: وهو الأظهر. وقال قوم: لا فرق. قالوا: وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في مورد واحد. قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: 38] . وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها [الأنعام: 164] . بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً [البقرة: 81] . وقال تعالى: بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا [الأحزاب: 58] . فقد استعمل الكسب والاكتساب في الشر. وقال الواحديّ: الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد. وفي القاموس: كسب يكسبه كسبا، وتكسب واكتسب: طلب الرزق. أو كسب أصاب، واكتسب تصرف واجتهد. ثم قال ابن جماعة: ما ذكره من تنبيه الآية على لطف الله بخلقه إلى آخره، قاله ابن الحاجب في شرح (المفصل) وبمعناه قول بعضهم: في الآية إيذان أن أدنى فعل من أفعال الخير يكون للإنسان تكرما من الله على عبده، بخلاف العقوبة فإنه لا يؤاخذ بها إلا من جدّ فيها واجتهد. وقريب منه قول آخر: للنفس ما حصل من الثواب بأي وجه اتفق حصوله سواء كان بإصابة مجردة أو بتحصيل. وعليها ما حصلته وسعت فيه لا ما حصل من غير اختيار وسعي. نبه تعالى أن الثواب حاصل لها سواء كان بسعيها واختيارها أو لم يكن كذلك. وأما العقاب فلا يكون عليها إلا بقصدها وتحصيلها. وما قالوه من الفرق يحتاج إلى ثبت. وقد قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7- 8] ، أي يرى جزاءه. وقال:
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48] . على أن ترتب الثواب على ما حصل من غير سعي واختيار، إن كان لمباشرة سببه مع الغفلة عنه، فالعقاب أيضا كذلك. فمن عمل سيئة فعليه إثمها وإثم من عمل بها، وإن صوّر بالإصابة عند أول الالتفات فلا مانع أن يكون العقاب مثله. ومدعي خلافه عليه البيان. نعم الإصرار شرط. لأن الرجوع يمحوه لكنه قدر زائد على الفعل. وبالجملة فما قاله جار الله حسن. وقد ذكره البيضاوي أيضا. وفي الإعراب الحلبيّ: الذي يظهر في هذا، أن الحسنات مما تكسب دون تكلف. إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب بتكلف. إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتجاوز إليها. فحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى والله أعلم. ثم قال ابن جماعة: والمبالغة من بالغ مبالغة اجتهد ولم يقصر. والاعتمال من اعتمل أي عمل بنفسه وأعمل رأيه وآلته. انتهى. قال البقاعي ولما بشرهم بذلك، عرفهم مواقع نعمه من دعاء رتّبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلّي، إعلاما بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسيانا، ولا بما قارفوه خطأ، ولا حمل عليهم ثقلا. بل جعل شريعتهم حنيفية سمحاء. ولا حملهم فوق طاقتهم. مع أن له جميع ذلك. وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم. ثم رحمهم بأن أحلّهم محل القرب فجعلهم أهلا للخلافة. فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر. ويظهر دينهم على كل دين. إذ كان سبحانه هو الداعي عنهم. وليكون الدعاء كله محمولا على الإصابة ومشمولا بالإجابة فقال تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا أي لا تعاقبنا إِنْ نَسِينا أمرك ونهيك أَوْ أَخْطَأْنا أي ففعلنا خلاف الصواب، تفريطا ونحوه. وقد ولع كثير من المفسرين هاهنا بالبحث في أن النسيان والخطأ معفوّ عنهما، فما فائدة طلب العفو عنهما؟ وأجابوا عن ذلك بوجوه. وأرق جواب رأيته قول العلامة بير محمد في (المدحة الكبرى) : لما كان طالب العفو الرسول والأنصار والمهاجرون ومن كان على شاكلتهم، فكأنهم يعدون النسيان من العصيان والخطأ من الخطيئة. كقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون: 60] . وقيل في معنى الآية: لا تعاقبنا إن تركنا أمرك أو اكتسبنا خطيئة. على أن يكون النسيان بمعنى الترك. والخطأ من الخطيئة. وعليه فلا إيراد، والله أعلم. رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً أي عهدا يثقل علينا.
قال الحراليّ: الإصر العهد الثقيل الذي في تحمله أشد المشقة كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا وهو ما كلّفه بنو إسرائيل مما يهد الأركان. ولا بأس بالإشارة إلى جمل مما حملوه من الآصار. ننقله عن أسفارهم تأكيدا لما يحمل على الشكر على تخفيف ذلك عنا، وتعظيما لمنته تعالى، فلله الحمد فنقول: في سفر الخروج في الأصحاح الثاني عشر: (15) سبعة أيام تأكلون فطيرا. اليوم الأول تعزلون الخمير في بيوتكم. فإن كل من أكل خميرا من اليوم الأول إلى اليوم السابع تقطع تلك النفس من إسرائيل. وكل هذا الأصحاح آصار شاقة. وفي السفر المذكور- في الأصحاح الحادي والعشرين. (15) ومن ضرب أباه أو أمه يقتل قتلا (16) ومن سرق إنسانا وباعه أو وجد في يده يقتل قتلا. (17) ومن شتم أباه أو أمه يقتل قتلا. (27) وإن أسقط سن عبده أو سن أمته يطلقه حرّا عوضا عن سنه (28) وإذا نطح ثور رجلا أو امرأة فمات يرجم الثور ولا يؤكل لحمه، وأما صاحب الثور فيكون بريئا (29) ولكن إن كان ثورا نطّاحا من قبل وقد أشهد على صاحبه ولم يضبطه فقتل رجلا أو امرأة، فالثور يرجم وصاحبه أيضا يقتل. وفي السفر المذكور، في الأصحاح الثالث والعشرين. (10) وست سنين تزرع أرضك وتجمع غلتها (11) وأما في السابعة فتريحها وتتركها ليأكل فقراء شعبك. وفضلتهم تأكلها وحوش البرية كذلك تفعل بكرمك وزيتونك. (12) ستة أيام تعمل عملك. وأما اليوم السابع ففيه تستريح لكي يستريح ثورك وحمارك ويتنفس ابن أمتك والغريب. (19) أول أبكار أرضك تحضره إلى بيت الرب إلهك. وفي سفر العدد، في الأصحاح الخامس عشر: (37) وكلم الرب موسى قائلا (38) كلّم بني إسرائيل وقل لهم: أن يصنعوا لهم أهدابا في أذيال ثيابهم في أجيالهم ويجعلوا على هدب الذيل عصابة من أسمانجونيّ (39) فتكون لكم هدبا فترونها وتذكرون كل وصايا الرب وتعملونها. وفي السفر المذكور، في الأصحاح التاسع عشر:
(11) من مس ميتا ميتة إنسان ما يكون نجسا سبعة أيام. (12) يتطهر به في اليوم الثالث، وفي السابع يكون طاهرا. وإن لم يتطهر في اليوم الثالث ففي اليوم السابع لا يكون طاهرا. (13) كل من مس ميتا ميتة إنسان قد مات ولم يتطهر ينجّس مسكن الرب. فتقطع تلك النفس من إسرائيل. لأن ماء النجاسة لم يرش عليها تكون نجسة. نجاستها لم تزل فيها. (14) هذه هي الشريعة. إذا مات إنسان في خيمة فكل من دخل الخيمة وكل من كان في الخيمة يكون نجسا سبعة أيام (15) وكل إناء مفتوح ليس عليه سداد بعصابة فإنه نجس. (16) وكل من مس على وجه الصحراء قتيلا بالسيف أو ميتا أو عظم إنسان أو قبرا يكون نجسا سبعة أيام. وتمام الفصل المذكور كيفية الطهارة من هذه النجاسة الشاقة جدا. وفي السفر المذكور في الأصحاح الخامس والثلاثين: (31) ولا تأخذوا فدية عن نفس القاتل المذنب للموت بل إنه يقتل. وفي سفر التثنية، في الأصحاح الخامس عشر: (19) كل بكر ذكر يولد من بقرك ومن غنمك تقدسه للرب إلهك. لا تشتغل على بكر بقرك ولا تجزّ بكر غنمك. وفي سفر الخروج- في الأصحاح الرابع والثلاثين: (20) وأما بكر الحمار فتفديه بشاة. وإن لم تفده تكسر عنقه. كل بكر من بنيك تفديه وفي سفر اللاويين، في الأصحاح الرابع: (1) وكلم الرب موسى قائلا (2) كلم بني إسرائيل قائلا: إذا أخطأت نفس سهوا في شيء من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عملها وعملت واحدة منها (3) إن كان الكاهن الممسوح يخطئ لإثم الشعب يقرّب عن خطيئته التي أخطأ ثورا ابن بقر صحيحا للرب. ذبيحة خطيّة. وكيفية ذلك حرجة جدا. انظرها. وفيه، في الأصحاح الخامس: (2) أو إذا مسّ أحد شيئا نجسا جثة وحش نجس أو جثة بهيمة نجسة أو جثة ديب نجس وأخفى عنه فهو نجس ومذنب. (5) فإن كان يذنب في شيء من هذه يقرّ بما قد أخطأ به (6) ويأتي إلى
الرب بذبيحة لإثمه عن خطيئته التي أخطأ بها أنثى من الأغنام نعجة أو عنزا من المعز ذبيحة خطية فيكفر عنه الكاهن من خطيته. والأصحاح المذكور كله آصار. وكذا الأصحاح السادس بعده كله آصار. وفي الأصحاح الحادي عشر تحريم بعض الطيور وفيه آصار كثيرة. منها: (33) وكل متاع خزف وقع فيه منها فكل ما فيه يتنجس، وأما هو فتكسرونه. وفي الأصحاح الثاني عشر أحكام النفساء عندهم والفرق بين ولادتها ذكرا وأنثى. وإنها في الأول تكون نجسة أسبوعا ثم ثلاثا وثلاثين يوما. وفي الثاني أسبوعين ثم ستة وستين يوما. وعن تمام أيام طهرها تأتي بكيس كفارة عنها. وفي الأصحاح الخامس عشر تشريعات لذوي الجراحات. وفي ذلك آصار كبرى. انظرها. وفيه أيضا أحكام الحائض والآصار في شأنها. ومنها: (19) وكل من مسها يكون نجسا إلى المساء (20) وكل ما تضطجع عليه في طمثها يكون نجسا وكل ما تجلس عليه يكون نجسا (21) وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحمّ بماء ويكون نجسا إلى المساء وفي الأصحاح السابع عشر: (15) وكل إنسان يأكل ميتة أو فريسة وطنيا كان أو غريبا يغسل ثيابه ويستحمّ بماء ويبقى نجسا إلى المساء. وفي الأصحاح التاسع عشر: (23) ومتى دخلتم الأرض وغرستم كل شجرة للطعام تحسبون ثمرها غرلتها. ثلاث سنين تكون لكم غلفاء. لا يؤكل منها. (24) وفي السنة الرابعة يكون كل ثمرها قدسا لتمجيد الرب. (25) وفي السنة الخامسة تأكلون ثمرها. لتزيد بكم غلّتها. أنا الرب إلهكم. (27) لا تقصروا رؤوسكم مستديرا ولا تفسد عارضيك. وفي الأصحاح الخامس والعشرين: (3) ست سنين تزرع حقلك وست سنين تقضب كرمك وتجمع غلتهما. (4) وأما السنة السابعة ففيها يكون للأرض سبت عطلة سبتا للرب. لا تزرع حقلك
ولا تقضب كرمك. (5) زرّيع حصيدك لا تحصد وعنب كرمك المحول لا تقطف. سنة عطلة تكون للأرض. (6) ويكون سبت الأرض لكم طعاما. لك ولعبدك ولأمتك ولأجيرك ولمستوطنك النازلين عندك. (7) ولبهائمك وللحيوان الذي في أرضك تكون كل غلتها طعاما. وفي سفر التثنية، في الأصحاح الحادي والعشرين. (18) وإذا كان لرجل ابن معاند ومارد ولا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمه ويؤدبانه فلا يسمع لهما. (19) يمسكه أبوه وأمه ويأتيان به إلى شيوخ مدينته وإلى باب مكانه. (20) ويقولون لشيوخ مدينته. ابننا هذا معاند ومارد لا يسمع لقولنا وهو مسرف وسكّير (21) فيرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت. وفيه، في الأصحاح الثاني والعشرين: (10) لا تحرث على ثور وحمار معا. (11) لا تلبس ثوبا مختلطا صوفا وكتانا معا. وفيه، في الأصحاح الرابع والعشرين: (1) إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شيء وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته. (2) ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر. (3) فإن أبغضها الرجل الأخير وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته أو إذا مات الرجل الأخير الذي اتخذها له زوجة. (4) لا يقدر زوجها الأول الذي طلقها أن يعود بأخذها لتصير له زوجة بعد أن تنجست. لأن ذلك رجس لدى الرب. وهذه نبذة يسيرة من الآصار التي كانت على الإسرائيليين ولم يشرعها لنا مولانا بفضله وكرمه له الحمد، إنه أرحم الراحمين. رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ أي من بليات الدنيا والآخرة. فالدعاء الأول في رفع شدائد التكليف، وهذا في رفع شدائد البليات. ويقال: هو تكرير للأول وتصوير للإصر بصورة ما لا يستطاع مبالغة. وَاعْفُ عَنَّا أي: تجاوز عن ذنوبنا ولا تعاقبنا وَاغْفِرْ لَنا أي غطّ على ذنوبنا واعف عنها وَارْحَمْنا أي: تفضّل علينا بالرحمة مع كوننا مقصّرين مذنبين أَنْتَ مَوْلانا أي: وليّنا وناصرنا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فإنّ من حق المولى أن ينصر عبده ومن يتولّى أمره على الأعداء.
وفيه إشارة إلى أنّ إعلاء كلمة الله والجهاد في سبيله تعالى، حسبما أمر في تضاعيف السورة الكريمة، غاية مطلبهم. قال البقاعيّ: فتضمّن ذلك وجوب قتال الكافرين. وأنهم أعدى الأعداء. وأنّ قوله لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ليس ناهيا عن ذلك. وإنّما هو إشارة إلى أنّ الدين صار في الوضوح إلى حدّ لا يتصور فيه إكراه. بل ينبغي لكلّ عاقل أن يدخل فيه بغاية الرغبة فضلا عن الإحواج إلى إرهاب. فمن نصح نفسه دخل فيه بما دلّ عليه عقله، ومن أبى دخل فيه قهرا بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام ونافذ السهام. وقد ورد في (صحيح مسلم) «1» عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى قال عقب كلّ دعوة من هذه الدعوات: قد فعلت» . وقد روى البخاريّ «2» والجماعة عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة، في ليلة، كفتاه» . وروى الإمام أحمد «3» عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خواتيم سورة البقرة من بيت كنز من تحت العرش، لم يعطهنّ نبيّ قبلي» . وأخرج مسلم «4» عن ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة. إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها. وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها، فيقبض منها. قال: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [النجم: 16] ، قال: فراش من ذهب قال، فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا، المقحمات.
وعن ابن عباس قال «1» : «بينما جبريل قاعد عند النبيّ صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم. لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض. لم ينزل قط إلا اليوم. فسلّم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك. فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة. لن تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته» . رواه مسلم والنسائيّ. وهذا لفظ مسلم. وأخرج الترمذي «2» والنسائي والدارميّ والحاكم وصححه، عن النعمان بن بشير: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام. أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة. ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان» . وأخرج عبد بن حميد في (مسنده) عن الحسن: أنه كان إذا قرأ آخر البقرة قال: يا لك نعمة..! يا لك نعمة. هذا، وقد روي في فضل سورة البقرة أحاديث كثيرة ... منها ما أخرجه مسلم «3» والترمذي من حديث النوّاس بن سمعان قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران» . وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: «كأنهما عمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق. أو كأنهما حزقان من طير صوافّ تحاجان عن صاحبهما» . وأخرج أحمد «4» والحاكم والدارميّ عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا سورة البقرة. فإن أخذها بركة. وتركها حسرة. ولا تستطيعها البطلة. تعلموا البقرة وآل عمران فإنهما هما الزهراوان يجيئان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تجادلان عن صاحبهما» . وأخرج أحمد ومسلم «5» والترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا
فائدة:
تجعلوا بيوتكم مقابر. إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة. ولفظ الترمذي: وإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» . وأخرج سعيد بن منصور والترمذيّ «1» والحاكم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكلّ شيء سنام. وإن سنام القرآن سورة البقرة. وفيها آية هي سيدة آي القرآن. آية الكرسيّ» . فائدة: قال ابن القيم: تأمّل خطاب القرآن تجد ملكا له الملك كلّه، وله الحمد كلّه، أزمّة الأمور كلّها بيده، ومصدرها منه، وموردها إليه، مستويا على العرش، لا تخفى عليه خافية من أقطار مملكته، عالما بما في نفوس عبيده، مطّلعا على أسرارهم وعلانيتهم، منفردا بتدبير المملكة. يسمع ويرى ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين، ويخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويقدر ويقضي ويدبر، الأمور نازلة من عنده، دقيقها وجليلها، وصاعدة إليه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه. فتأمل كيف تجده يثني على نفسه. ويمجّد نفسه، ويحمد نفسه، وينصح عباده ويدلّهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه، ويحذرهم مما فيه هلاكهم، ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه! يذكّرهم بنعمه عليهم، ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها. ويحذّرهم من نقمه، ويذكّرهم بما أعدّ لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعدّ لهم من العقوبة إن عصوه، ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه، وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء، ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم، ويذمّ أعداءه بسيّئ أعمالهم وقبيح صفاتهم، ويضرب الأمثال، وينوّع الأدلّة والبراهين، ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة. ويصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويقول الحق، ويهدي السبيل، ويدعو إلى دار السلام ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها، ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها. ويذكّر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه. وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين، ويذكّرهم غناءه عنهم وعن جميع الموجودات. وأنه الغنيّ بنفسه عن كل ما سواه. وكل ما سواه فقير إليه. وأنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلّا بفضله ورحمته. ولا ذرة من الشر فما فوقها إلّا بعدله وحكمته. وتشهد من خطابه
عتابه لأحبابه ألطف عتاب. وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم، وغافر زلّاتهم، ومقيم أعذارهم، ومصلح فسادهم، والدافع عنهم، والحامي عنهم، والناصر لهم، والكفيل بمصالحهم والمنجي لهم من كل كرب، والموفي لهم بوعده. وأنه وليّهم الذي لا وليّ لهم سواه، فهو مولاهم الحقّ، وينصرهم على عدوّهم، فنعم المولى ونعم النصير. وإذا شهدت القلوب من القرآن ملكا عظيما جوادا رحيما جميلا هذا شأنه، فكيف لا تحبه، وتنافس في القرب منه، وتنفق أنفاسها في التودّد إليه، ويكون أحبّ إليها من كل ما سواه، ورضاه آثر عندها من رضى كلّ من سواه؟ وكيف لا تلهج بذكره، وتصيّر حبّه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤها وقوتها ودواؤها، بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها؟ اللهمّ اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء حزننا. وأعنّا على إكمال ما قصدناه بفضلك. يا أرحم الراحمين.
سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم سورة آل عمران وهي مدنية: مائتا آية، أو إلا آية. سميت بذلك لأن اصطفاء آل عمران، وهم عيسى ويحيى ومريم وأمها، نزل فيه منها ما لم ينزل في غيره. إذ هو بضع وثمانون آية. وقد جعل هذا الاصطفاء دليلا على اصطفاء نبينا محمد صلّى الله عليه وسلم وجعله متبوعا لكل محب لله ومحبوب له. وتسمى الزهراء، لأنها كشفت عما التبس على أهل الكتابين من شأن عيسى عليه السلام. والأمان، لأن من تمسك بما فيها أمن من الغلط في شأنه. والكنز، لتضمنها الأسرار العيسوية. والمجادلة، لنزول نيّف وثمانين آية منها في مجادلة رسول الله صلّى الله عليه وسلم نصارى نجران. وسورة الاستغفار، لما فيها من قوله: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [آل عمران: 17] . وطيبة، لجمعها من أصناف الطيبين في قوله: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ [آل عمران: 17] . إلى آخره، أفاده المهايميّ. والمراد بعمران هو والد مريم، أم عيسى عليهما السلام، كما يأتي التنويه به في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [آل عمران: 33] .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : الآيات 1 إلى 3]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 3] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) الم سلف الكلام على ذلك أول البقرة. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ سبق تأويله في آية الكرسي. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن. عبر عنه باسم الجنس إيذانا بكمال تفوقه على بقية الأفراد في حيازة كمالات الجنس، كأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه، كما يلوح به التصريح باسمي التوراة والإنجيل بِالْحَقِّ أي الصدق الذي لا ريب فيه مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي من الكتب المنزلة قبله. قال المهايميّ: أي معرّفا صدق الكتب السالفة. وقال أبو مسلم: المراد منه أنه تعالى لم يبعث نبيّا قط إلا بالدعاء إلى توحيده والإيمان به، وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان. فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك. وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ تعيين لما بين يديه وتبيين لرفعة محله. تأكيدا لما قبله، وتمهيدا لما بعده. إذ بذلك يترقى شأن ما يصدقه رفعة ونباهة، ويزداد في القلوب قبولا ومهابة، ويتفاحش حال من كفر بهما في الشناعة، واستتباع ما سيذكر من العذاب الشديد والانتقام. قاله أبو السعود. والتوراة اسم عبرانيّ معناه (الشريعة) . والإنجيل لفظة يونانية معناها (البشرى) أي الخبر الحسن. هذا هو الصواب كما نص عليه علماء الكتابين في مصنفاتهم. وقد حاول بعض الأدباء تطبيقهما على أوزان لغة العرب واشتقاقهما منها. وهو خبط. بغير ضبط.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 4]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 4] مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (4) مِنْ قَبْلُ متعلق ب أَنْزَلَ، أي أنزلهما من قبل تنزيل الكتاب. والتصريح به مع ظهور الأمر، للمبالغة في البيان هُدىً لِلنَّاسِ أي لقوم موسى وعيسى. أو ما هو أعم. لأن هذه الأمة متعبدة بما لم ينسخ من الشرائع وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ وهو الكتب السماوية التي ذكرها. لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل. أو هو القرآن. وإنما كرر ذكره بما هو نعت له، ومدح له، من كونه فارقا بين الحق والباطل، بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيما لشأنه، وإظهارا لفضله، قال الرازيّ: أو يقال إنه تعالى أعاد ذكره ليبيّن أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل، ليجعله فرقا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل. وعلى هذا التقدير فلا تكرار. ثم استظهر حمل الفرقان على المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه الكتب الفارقة بين دعواهم ودعوى الكذابين. قال: فالفرقان هو المعجز القاهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة. انتهى. ويجوز أن يكون المراد بالفرقان (الميزان) المشار إليه في قوله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: 25] . والميزان هو العدل في الأمور كلها واللفظ مما يشمل ذلك كله لتلاقيها في المعنى. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أي جحدوا بها لَهُمْ بسبب كفرهم بها عَذابٌ شَدِيدٌ وهذا الوعيد. جيء به إثر ما تقدم حملا على الإذعان، وزجرا عن العصيان وَاللَّهُ عَزِيزٌ لا يغالب يفعل ما يشاء ذُو انْتِقامٍ أي معاقبة، يقال: انتقم الله منه: عاقبه. والنقمة: المكافأة بالعقوبة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 5] إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أي هو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 6]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 6] هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ أي يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقيّ وسعيد لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 7] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (7) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ واضحات الدلالة هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي أصله المعتمد عليه في الأحكام وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ وهي ما استأثر الله بعلمها لعدم اتضاح حقيقتها التي أخبر عنها، أو ما احتملت أوجها. وجعله كله محكما في قوله: أُحْكِمَتْ آياتُهُ [هود: 1] ، بمعنى أنه ليس فيه عيب، وأنه كلام حق فصيح الألفاظ، صحيح المعاني. ومتشابها في قوله كِتاباً مُتَشابِهاً [الزمر: 23] ، بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن، ويصدق بعضه بعضا فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أي ميل عن استقامة إلى كفر وأهواء وابتداع فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي طلب الإيقاع في الشبهات واللبس وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وحده وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أي الثابتون المتمكنون مبتدأ خبره يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ أي بالمتشابه على ما أراد الله تعالى كُلٌّ من المحكم والمتشابه مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي العقول الخالصة من الركون إلى الأهواء الزائغة. وهو تذييل سيق منه تعالى مدحا للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر. تنبيه: للعلماء في المحكم والمتشابه أقوال كثيرة، ومباحث واسعة. وأبدع ما رأيته في تحرير هذا المقام مقالة سابغة الذيل لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية عليه الرحمة والرضوان. يقول في خلالها: المحكم في القرآن، تارة يقابل بالمتشابه والجميع من آيات الله، وتارة يقابل
بما نسخه الله، مما ألقاه الشيطان. ومن الناس من يجعله مقابلا لما نسخه الله مطلقا، حتى يقول هذه الآية محكمة ليست منسوخة، ويجعل المنسوخ ليس محكما، وإن كان الله أنزله أوّلا اتباعا للظاهر من قوله: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ. فهذه ثلاثة معان تقابل المحكم، ينبغي التفطن لها. وجماع ذلك أن الإحكام تارة يكون في التنزيل. فيكون في مقابلته ما يلقيه الشيطان. فالمحكم المنزل من عند الله أحكمه الله أي فصله من الاشتباه بغيره، وفصل منه ما ليس منه، فإن الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه، ولهذا دخل فيه معنى المنع، كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه، لا جميع معناه، وتارة يكون في إبقاء التنزيل عند من قابله بالنسخ الذي هو رفع ما شرع، وهو اصطلاحيّ. أو يقال (وهو أشبه) : السلف كانوا يسمون كل رفع نسخا، سواء كان رفع حكم، أو رفع دلالة ظاهرة، فكل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح، كتخصيص العام، وتقييد المطلق، فهو منسوخ في اصطلاح السلف. وإلقاء الشيطان في أمنيته قد يكون في نفس لفظ المبلّغ، وقد يكون في مسمع المبلّغ، وقد يكون في فهمه، كما قال: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [الرعد: 17] . ومعلوم أن من سمع، سمع النص الذي قد رفع حكمه، أو دلالة له، فإنه يلقى الشيطان في تلك التلاوة اتباع ذلك المنسوخ، فيحكم الله آياته بالناسخ الذي به رفع الحكم، وبان المراد. وعلى هذا التقدير، فيصح أن يقال: المتشابه والمنسوخ. بهذا الاعتبار. والله أعلم. وتارة يكون الإحكام في التأويل والمعنى، وهو تمييز الحقيقة المقصودة من غيرها، حتى لا تشتبه بغيرها. وفي مقابلة المحكمات الآيات المتشابهات التي تشبه هذا وتشبه هذا. فتكون محتملة للمعنيين، ولم يقل في المتشابه (لا يعلم تفسيره ومعناه إلا الله) ، وإنما قال: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين في هذا الموضع. فإن الله أخبر أنه لا يعلم تأويله إلا هو. والوقف هنا. على ما دل عليه أدلة كثيرة، وعليه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وجمهور التابعين، وجماهير الأمة. ولكن لم ينف علمهم بمعناه وتفسيره، بل قال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ص: 29] . وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات. وما لا يعقل له معنى لا يتدبر، وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء: 82] . ولم يستثن شيئا منه نهى عن تدبره. والله ورسوله إنما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله
وطلب فهمه ومعرفة معناه، فلم يذمه الله، بل أمر بذلك ومدح عليه. يبيّن ذلك أن التأويل، قد روي أن من اليهود الذين كانوا بالمدينة على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلم كحييّ بن أخطب وغيره من طلب من حروف الهجاء التي في أوائل السور تأويل بقاء هذه الأمة، كما سلك ذلك طائفة من المتأخرين موافقة للصابئة المنجمين، وزعموا أنه ستمائة وثلاثة وتسعون عاما. لأن ذلك هو عدد ما للحروف في حساب الجمل، بعد إسقاط المكرر. وهذا من نوع تأويل الحوادث التي أخبر بها القرآن في اليوم الآخر. وروي أن من النصارى الذين وفدوا على النبيّ صلّى الله عليه وسلم في وفد نجران من تأوّل (أنا ونحن) على أن الآلهة ثلاثة. لأن هذا ضمير جمع. وهذا تأويل في الإيمان بالله. فأولئك تأولوا في اليوم الآخر. وهؤلاء تأولوا في الله. ومعلوم أن (أنا ونحن) من المتشابه. فإنه يراد بها الواحد الذي معه غيره من جنسه، ويراد بها الواحد الذي معه أعوانه وإن لم يكونوا من جنسه، ويراد الواحد المعظم نفسه، الذي يقوم مقام من معه غيره لتنوع أسمائه التي كل اسم منها يقوم مقام مسمى. فصار هذا متشابها لأن اللفظ واحد، والمعنى متنوع، والأسماء المشتركة في اللفظ هي من المتشابه، وبعض المتواطئ أيضا من المتشابه. ويسميها أهل التفسير (الوجوه والنظائر) وصنفوا كتب الوجوه والنظائر. فالوجوه في الأسماء المشتركة، والنظائر في الأسماء المتواطئة. وقد ظن بعض أصحابنا المصنفين في ذلك أن الوجوه والنظائر جميعا في الأسماء المشتركة، فهي نظائر باعتبار اللفظ، ووجوه باعتبار المعنى، وليس الأمر على ما قاله، بل كلامهم صريح فيما قلناه لمن تأمله. والذين في قلوبهم زيغ يدعون المحكم الذي لا اشتباه فيه مثل: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [البقرة: 163] . إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه: 14] . مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ [المؤمنون: 91] . وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [الفرقان: 2] . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: 3- 4] . ويتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة ليفتنوا به الناس إذا وضعوه على غير مواضعه، وحرفوا الكلم عن مواضعه. وابتغاء تأويله وهو الحقيقة التي أخبر عنها. وذلك أن الكلام نوعان: إنشاء فيه الأمر، وإخبار. فتأويل الأمر هو نفس الفعل المأمور به، كما قال من قال من السلف: إن السنة هي تأويل الأمر. قالت عائشة رضي الله عنها «1» : كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي . يتأول القرآن، تعني قوله:
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر: 3] . وأما الإخبار فتأويله عين الأمر المخبر به إذا وقع. ليس تأويله فهم معناه، وقد جاء اسم التأويل في القرآن في غير موضع. وهذا معناه. قال الله تعالى: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ [الأعراف: 52- 53] فقد أخبر أنه فصل الكتاب، وتفصيله بيانه وتمييزه بحيث لا يشتبه، ثم قال: هَلْ يَنْظُرُونَ، أي ينتظرون، إِلَّا تَأْوِيلَهُ، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ. إلى آخر الآية. وإنما ذلك مجيء ما أخبر به القرآن بوقوعه من القيامة وأشراطها. كالدابة ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ومجيء ربك والملك صفا صفا، وما في الآخرة من الصحف والموازين والجنة والنار وأنواع النعيم والعذاب وغير ذلك. فحينئذ يقولون: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ. وهذا القدر الذي أخبر به القرآن من هذه الأمور لا يعلم وقته وقدره وصفته إلا الله. فإن الله يقول: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: 17] . ويقول «1» : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، فإن الله قد أخبر أن في الجنة خمرا ولبنا وماء وحريرا وذهبا وفضة وغير ذلك، ونحن نعلم قطعا أن تلك الحقيقة ليست مماثلة لهذه، بل بينهما تباين عظيم مع التشابه. كما في قوله: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [البقرة: 25] ، على أحد القولين أي يشبه ما في الدنيا، وليس مثله. فأشبه اسم تلك الحقائق أسماء هذه الحقائق، كما أشبهت الحقائق الحقائق من بعض الوجوه، فنحن نعلمها إذا خوطبنا بتلك الأسماء من القدر المشترك بينهما، ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها في الدنيا، ولا سبيل إلى إدراكنا لها لعدم إدراك عينها أو نظيرها من كل وجه، وتلك الحقائق على ما هي تأويل ما أخبر الله به، وهذا فيه رد على اليهود والنصارى والصابئين من المتفلسفة وغيرهم. فإنهم ينكرون أن يكون في الجنة أكل وشرب ولباس ونكاح، ويمنعون وجود ما أخبر به القرآن. ومن دخل في الإسلام ونافق المؤمنين تأول ذلك على أن هذه أمثال مضروبة لتفهيم النعيم الروحانيّ، إن كان من المتفلسفة الصابئة المنكرة لحشر الأجساد. وإن كان
من منافقة الملّتين المقرين بحشر الأجساد، تأول ذلك على تفهيم النعيم الذي في الجنة من الروحانيّ والسماع الطيب والروائح العطرة. كلّ ضال يحرف الكلم عن مواضعه إلى ما اعتقد ثبوته. وكان في هذا أيضا متبعا للمتشابه، إذ الأسماء تشبه الأسماء، والمسميات تشبه المسميات ولكن تخالفها أكثر مما تشابهها. فهؤلاء يتبعون هذا المتشابه ابتغاء الفتنة بما يوردونه من الشبهات على امتناع أن يكون في الجنة هذه الحقائق، وابتغاء تأويله ليردوه إلى المعهود الذي يعلمونه في الدنيا، قال الله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، فإن تلك الحقائق قال الله فيها: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: 17] ، لا ملك مقرب ولا نبيّ مرسل. وقوله: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ. إما أن يكون الضمير عائدا على الكتاب أو على المتشابه. فإن كان عائدا على الكتاب لقوله: منه، ومنه: فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، فهذا يصح. فإن جميع آيات الكتاب المحكمة والمتشابهة التي فيها إخبار عن الغيب الذي أمرنا أن نؤمن به، لا يعلم حقيقة ذلك الغيب ومتى يقع إلّا الله. وقد يستدل لهذا أن الله جعل التأويل للكتاب كله مع إخباره أنه مفصل بقوله: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ. فجعل التأويل الجائي الكتاب المفصل، وقد بينا أن ذلك التأويل لا يعلمه وقتا وقدرا ونوعا وحقيقة إلا الله. وإنا نعلم نحن بعض صفاته بمبلغ علمنا لعدم نظيره عندنا. وكذلك قوله: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ. وإذا كان التأويل الكتاب كله والمراد به ذلك، ارتفعت الشبهة، وصار هذا بمنزلة قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ- إلى قوله- إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف: 187] . وكذلك قوله: يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ، قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [الأحزاب: 63] . فأخبر أنه ليس علمها إلا عند الله، وإنما هو علم وقتها المعين وحقيقتها، وإلا فنحن قد علمنا من صفاتها ما أخبرنا به، فعلم تأويله كعلم الساعة والساعة من تأويله. وهذا واضح بيّن، ولا ينافي كون علم الساعة عند الله أن نعلم من صفاتها وأحوالها ما علمناه، وأن نفسر النصوص المبينة لأحوالها. فهذا هذا. وإن كان الضمير عائدا إلى ما تشابه كما يقوله كثير من الناس، فلأن المخبر به من الوعد والوعيد متشابه، بخلاف الأمر والنهي. ولهذا في الآثار: العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه. لأن المقصود في الخبر الإيمان. وذلك لأن المخبر به من الوعد
والوعيد فيه من التشابه ما ذكرناه. بخلاف الأمر والنهي فإنه متميز غير مشتبه بغيره، فإنه أمور نفعلها قد علمناها بالوقوع وأمور نتركها لا بد أن نتصورها. ومما جاء من لفظ التأويل في القرآن قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس: 39] والكتابة عائدة على القرآن، أو على ما لم يحيطوا بعلمه، وهو يعود إلى القرآن. قال تعالى: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ [يونس: 37- 40] . فأخبر سبحانه أن هذا القرآن ما كان ليفترى من دون الله. وهذه الصيغة تدل على امتناع المنفيّ كقوله: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ [هود: 117] لأن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثله. كما تحداهم وطالبهم لما قال: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: 38] ، فهذا تعجيز لجميع المخلوقين. قال تعالى: وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [يونس: 37] ، أي مصدق الذي بين يديه، وتفصيل الكتاب، أي مفصل الكتاب، فأخبر أنه مصدق الذي بين يديه ومفصل الكتاب. والكتاب اسم جنس. ولما تحدى القائلين: افتراه، ودل على أنهم هم المفترون، قال: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ. ففرق بين الإحاطة بعلمه، وبين إتيان تأويله. فتبين أنه يمكن أن يحيط أهل العلم والإيمان بعلمه، ولما يأتهم تأويله، وأنّ الإحاطة بعلم القرآن ليست إتيان تأويله، فإن الإحاطة بعلمه معرفة معاني الكلام على التمام، وإتيان التأويل نفس وقوع المخبر به. وفرق بين معرفة الخبر وبين المخبر به. فمعرفة الخبر هي معرفة تفسير القرآن. ومعرفة المخبر به هي معرفة تأويله. وهذا هو الذي بيناه فيما تقدم. إن الله إنما أنزل القرآن ليعلم ويفهم ويفقه ويتدبر ويتفكر به محكمه ومتشابهه، وإن لم يعلم تأويله. ويبين ذلك أن الله يقول عن الكفار: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً، وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ
نُفُوراً [الإسراء: 45- 46] . فقد أخبر، ذما للمشركين، أنه إذا قرئ عليهم القرآن حجب بين أبصارهم وبين الرسول بحجاب مستور، وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا. فلو كان أهل العلم والإيمان على قلوبهم أكنة أن يفقهوا بعضه لشاركوهم في ذلك. وقوله: أَنْ يَفْقَهُوهُ يعود إلى القرآن كله. فعلم أن الله يحب أن يفقه. ولهذا قال الحسن البصريّ: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم في ماذا أنزلت وماذا عنى بها. وما استثنى من ذلك لا متشابها ولا غيره. وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره مرات أقفه عند كل آية وأسأله عنها. فهذا ابن عباس حبر الأمة، وهو أحد من كان يقول: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، يجيب مجاهدا عن كل آية في القرآن. وهذا هو الذي جعل مجاهدا ومن وافقه كابن قتيبة على أن جعلوا الوقف عن قوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فجعلوا الراسخين يعلمون التأويل. لأن مجاهد تعلم من ابن عباس تفسير القرآن كله وبيان معانيه. فظن أن هذا هو التأويل المنفيّ عن غير الله. وأصل ذلك أن لفظ التأويل، وبه أشير إلى بين ما عناه الله في القرآن وبين ما كان يطلقه طوائف من السلف، وبين اصطلاح طوائف من المتأخرين فبسبب الاشتراك في لفظ (التأويل) اعتقد كل من فهم منه معنى بلغته أن ذلك هو المذكور في القرآن. ومجاهد إمام التفسير، قال الثوريّ: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وأما التأويل فشأن آخر. ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله وقال: هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها ولا يفهمها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولا أهل العلم والإيمان جميعهم. وإنما قد ينفون علم بعض ذلك على بعض الناس، وهذا لا ريب فيه، وإنما وضع هذه المسألة المتأخرون من الطوائف بسبب الكلام في آيات الصفات وآيات القدر وغير ذلك. فلقبوها، هل يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه، وما تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم؟ فجوّز ذلك طوائف متمسكين بظاهر من هذه الآية، وبأن الله يمتحن عباده بما شاء، ومنعها طوائف ليتوصلوا بذلك إلى تأويلاتهم الفاسدة التي هي تحريف الكلم عن مواضعه. والغالب على كلتا الطائفتين الخطأ. أولئك يقصرون في فهمهم القرآن بمنزلة من قيل فيه: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة: 78] . وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. ومن
المتأخرين من وضع المسألة بلقب شنيع فقال: لا يجوز أن يتكلم الله بكلام ولا يعني به شيئا، خلافا للحشوية. وهذا لم يقله مسلم إن الله يتكلم بما لا معنى له وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه. وبين نفي المعنى عند المتكلم، ونفي الفهم عن المخاطب، بون عظيم. ثم احتج بما لا يجري على أصله، فقال: هذا عبث، والعبث على الله محال، وعنده أن الله لا يقبح منه شيء أصلا، بل يجوز أن يفعل كل شيء، وليس له أن يقول العبث صفة نقص، فهو منتف عنه، لأن النزاع في الحروف، وهي عنده مخلوقة من جملة الأفعال، ويجوز أن يشتمل الفعل عنده على كل صفة، فلا نقل صريح، ولا عقل صحيح. ومثار الفتنة بين الطائفتين ومحار عقولهم أن مدعي التأويل أخطئوا في زعمهم أن العلماء يعلمون التأويل، وفي دعواهم أن التأويل هو تأويلهم الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه. فإن الأولين، لعلمهم بالقرآن والسنن، وصحة عقولهم، وعلمهم بكلام السلف، وكلام العرب، علموا يقينا أن التأويل الذي يدعيه هؤلاء ليس هو معنى القرآن. فإنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وصاروا مراتب ما بين قرامطة وباطنية يتأولون للأخبار والأوامر. وما بين صابئة فلاسفة يتأولون عامة الأخبار عن الله وعن اليوم الآخر، حتى عن أكثر أحوال الأنبياء. وما بين جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء في اليوم الآخر وفي آيات القدر، ويتأولون آيات الصفات. وقد وافقهم بعض متأخري الأشعرية على ما جاء في بعض الصفات، وبعضهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر. وآخرون من أصناف الأمة، وإن كان يغلب عليهم السنة، فقد يتأولون أيضا مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه. والذين ادعوا العلم بالتأويل مثل طائفة من السلف وأهل السنة، وأكثر أهل الكلام والبدع، رأوا أيضا أن النصوص دلت على معرفة معاني القرآن. ورأوا عجزا وعيبا وقبيحا أن يخاطب الله عباده بكلام يقرءونه ويتلونه وهم لا يفهمونه. وهم مصيبون فيما استدلوا به من سمع وعقل، لكن أخطئوا في معنى التأويل الذي نفاه الله، وفي التأويل الذي أثبتوه وتسلق بذلك مبتدعتهم إلى تحريف الكلم عن مواضعه، وصار الأولون أقرب إلى السكوت والسلامة بنوع من الجهل، وصار الآخرون أكثر كلاما وجدالا، ولكن بفرية على الله، وقول عليه ما لا يعلمونه، وإلحاد في أسمائه وآياته، فهذا هذا. ومنشأ الشبهة الاشتراك في لفظ التأويل. فإن التأويل في عرف المتأخرين من
المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة ونحوهم هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف. فإذا قال أحد منهم: هذا الحديث أو هذا النص مؤول، أو هو محمول على كذا، قال الآخر: هذا نوع تأويل، والتأويل يحتاج إلى دليل. والمتأول عليه وظيفتان: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي ادعاه، وبيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر، وهذا هو التأويل الذي يتنازعون فيه في مسائل الصفات، إذا صنف بعضهم في إبطال التأويل، أو ذم التأويل، أو قال بعضهم: آيات الصفات لا تؤول، وقال الآخر: بل يجب تأويلها، وقال الثالث: بل التأويل جائز يفعل عند المصلحة، يترك عند المصلحة، أو يصح للعلماء دون غيرهم، إلى غير ذلك من المقالات والتنازع. وأما لفظ التأويل في لفظ السلف فله معنيان: أحدهما- تفسير الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أو خالفه، فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربا أو مترادفا، وهذا- والله أعلم- هو الذي عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله. ومحمد بن جرير الطبريّ يقول في تفسيره: القول في تأويل قوله كذا وكذا. واختلف أهل التأويل في هذه الآية. ونحو ذلك، ومراده التفسير. والمعنى الثاني- في لفظ السلف وهو الثالث من مسمى التأويل مطلقا هو نفس المراد بالكلام. فإن الكلام إن كان طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب. وإن كان خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به. وبين هذا المعنى والذي قبله بون. فإن الذي قبله يكون التأويل فيه من باب العلم، والكلام كالتفسير والشرح والإيضاح. ويكون وجود التأويل في القلب واللسان، له الوجود الذهنيّ واللفظيّ والرسميّ. وأما هذا، فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء كانت ماضية أو مستقبلة. فإذا قيل: طلعت الشمس، فتأويل هذا نفس طلوعها. وهذا الوضع والعرف. الثالث هو لغة القرآن التي نزل بها. وقد قدمنا التبيين في ذلك. ومن ذلك قول يعقوب عليه السلام ليوسف: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [يوسف: 6] . وقوله: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ، قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً، وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ، نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ. إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ
[يوسف: 36- 37] . وقول الملأ: أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ [يوسف: 44] . وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ [يوسف: 45] . وقول يوسف لما دخلوا عليه مصر وآوى إليه أبويه وقال: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [يوسف: 99] . وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا [يوسف: 100] . فتأويل الأحاديث التي هي رؤيا المنام هي نفس مدلولها التي تؤول إليه، كما قال يوسف: هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف: 100] . والعالم بتأويلها الذي يخبر به، كما قال يوسف: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ. أي في المنام. إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما. أي قبل أن يأتيكما التأويل. وقال الله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59] . قالوا: أحسن عاقبة ومصيرا، فالتأويل هنا تأويل فعلهم الذي هو الرد إلى الكتاب والسنة، والتأويل في سورة يوسف تأويل أحاديث الرؤيا، والتأويل في الأعراف ويونس تأويل القرآن، وكذلك في سورة آل عمران. وقال تعالى في قصة موسى والعالم: قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف: 78] . إلى قوله: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف: 82] . فالتأويل هنا تأويل الأفعال التي فعلها العالم من خرق السفينة بغير إذن صاحبها. ومن قتل الغلام، ومن إقامة الجدار. فهو تأويل عمل، لا تأويل قول، وإنما كان كذلك لأن التأويل مصدر أوّله يؤوله تأويلا، مثل حوّل تحويلا، وعول تعويلا. و (أوّل يؤوّل) تعدية (آل يؤول أولا) ، مثل حال يحول حولا وقولهم (آل يؤول) أي عاد إلى كذا ورجع إليه، ومنه المآل، وهو ما يؤول إليه الشيء. ويشاركه في الاشتقاق الموئل، فإنه وأل، وهذا من أول، والموئل المرجع، قال تعالى: لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا. ومما يوافقه في اشتقاقه الأصغر الآل، فإن آل الشخص من يؤول إليه، ولهذا لا يستعمل إلا في عظيم، بحيث يكون المضاف إليه يصلح أن يؤول إليه الآل. كآل إبراهيم وآل لوط وآل فرعون. بخلاف الأهل. والأول أفعل، لأنهم قالوا في تأنيثه أولى، كما قالوا جمادى الأولى، وفي القصص: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ. ومن الناس من يقول فوعل ويقول (أوّله) إلا أن هذا يحتاج إلى شاهد من كلام العرب، بل عدم صرفه يدل على أنه أفعل لا فوعل. فإن فوعل مثل كوثر وجوهر مصروف. سمي المتقدم أول- والله أعلم- لأن ما بعده يؤول إليه ويبنى عليه، فهو أس لما بعده وقاعدة له. والصيغة
صيغة تفضيل مثل أكبر وكبرى وأصغر وصغرى لا من أحمر وحمراء، ولهذا يقولون: جئته أول من أمس وقال: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة: 108] . وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 163] . وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة: 41] . ومثل هذا أول هؤلاء، فهذا الذي فضل عليهم في الأوّل، لأن كل واحد يرجع إلى ما قبله، فيعتمد عليه، وهذا السابق، كلهم يؤول إليه. فإن من تقدم من فعل، فاستبق به من بعده، كان السابق الذي يؤول الكل إليه. فالأول له وصف السؤدد والاتباع. ولفظ الأول مشعر بالرجوع والعود. والأول مشعر بالابتداء، والمبتدي خلاف العائد. لأنه إنما كان أولا لما بعده، فإنه يقال (أوّل المسلمين) ، و (أوّل يوم) ، فما فيه من معنى الرجوع والعود، هو للمضاف إليه لا للمضاف. وإذا قلنا: آل فلان فالعود في المضاف. لأن ذلك صيغة تفضيل في كونه مآلا ومرجعا لغيره. لأنه كونه مفضلا دلّ على أنه مآل ومرجع، لا آيل راجع. إذ لا فضل في كون الشيء راجعا إلى غيره، آئلا إليه، وإنما الفضل في كونه هو الذي يرجع إليه ويؤال. فلما كانت الصيغة صيغة تفضيل أشعرت بأنه مفضل في كونه مآلا ومرجعا، والتفضيل المطلق في ذلك يقتضي أن يكون هو السابق المبتدئ. والله أعلم. فتأويل الكلام ما أوّله إليه المتكلم أو ما يؤول إليه الكلام أو ما تأوله المتكلم. فإن التفعيل يجري على غير فعّل كقوله: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل: 8] ، فيجوز أن يقال تأول الكلام إلى هذا المعنى تأويلا، والمصدر واقع موقع الصفة، إذ قد يحصل المصدر صفة بمعنى الفاعل. كعدل وصوم وفطر، وبمعنى المفعول كدرهم ضرب الأمير، وهذا خلق الله. فالتأويل هو ما أول إليه الكلام أو يؤول إليه، أو تأول هو إليه. والكلام إنما يرجع ويعود ويستقر ويؤول ويؤوّل إلى حقيقته التي هي عين المقصود به، كما قال بعض السلف في قوله: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأنعام: 67] . قال: حقيقة. فإن كان خبرا فإلى الحقيقة الخبر بها يؤول ويرجع، وإلا لم تكن له حقيقة ولا مآل ولا مرجع، بل كان كذبا. وإن كان طلبا فإلى الحقيقة المطلوبة يؤول ويرجع، وإلا لم يكن مقصوده موجودا ولا حاصلا، ومتى كان الخبر وعدا أو وعيدا فإلى الحقيقة المطلوبة المنتظرة يؤول. كما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً [الأنعام: 65] . قال: إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد.
فصل
فصل وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله كما يقول كلّ واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم، فإنهم، وإن أصابوا في كثير مما يقولونه ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم، فالكلام على هذا من وجهين: الأول- من قال إن هذا من المتشابه وأنه لا يفهم معناه، ما الدليل على ذلك؟ فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا غيره، أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجميّ الذي لا يفهم. ولا قالوا إن الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه. وإنما قالوا: كلمات لها معان صحيحة. قالوا في أحاديث الصفات: تمرّ كما جاءت، ونهو عن تأويلات الجهمية وردّوها وأبطلوها. التي مضمونها تعطيل النصوص على ما دلت عليه. ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية، ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك. وأحمد قد قال: في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت في أحاديث الوعد. مثل: من غشنا فليس منا «1» . وأحاديث الفضائل. ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كله عن مواضعه كما يفعله من يحرفه ويسمي تحريفه تأويلا، بالعرف المتأخر. فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل. وكذلك نص أحمد في كتاب الرد على الزنادقة الجهمية أنهم تمسكوا بمتشابه القرآن. وتكلم أحمد على ذلك المتشابه، وبين معناه وتفسيره بما يخالف تأويل الجهمية، وجرى في ذلك على سنن الأئمة قبله. فهذا اتفاق من الأئمة على أنه يعلمون معنى هذا المتشابه وأنه لا يسكت عن بيانه وتفسيره. بل يبين ويفسر. فاتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه أو إلحاد في أسماء الله وآياته. ومما يوضح لك ما وقع هنا من الاضطراب، أن أهل السنة متفقون على إبطال
تأويلات الجهمية ونحوهم من المنحرفين الملحدين، والتأويل المردود هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره. فلو قيل: إن هذا هو التأويل المذكور في الآية، وأنه لا يعلمه إلا الله، لكان في هذا تسليم للجهمية أن للآية تأويلا يخالف دلالتها، لكن ذلك لا يعلمه إلا الله. وليس هذا مذهب السلف والأئمة، وإنما مذهبهم نفي هذه التأويلات وردها، لا التوقف عنها. وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني. لا تحرف ولا يلحد فيها. والدليل على أن هذا ليس بمتشابه لا يعلم معناه، أن نقول: لا ريب أن الله سمى نفسه في القرآن بأسماء مثل الرحمن والودود والعزيز والجبار والعليم والقدير والرؤوف ونحو ذلك، ووصف نفسه بصفات مثل سورة الإخلاص وآية الكرسيّ وأول الحديد وآخر الحشر، وقوله: أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، و: عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، و: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ و: الْمُقْسِطِينَ، و: الْمُحْسِنِينَ، وأنه: (يرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ، و: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف: 55] . ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ [محمد: 28] . وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ [التوبة: 46] . الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: 5] . ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54] . يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد: 4] . وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الزخرف: 84] . إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10] . إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [طه: 46] وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام: 3] . ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [المائدة: 64] . وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: 27] . يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف: 28] . وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [طه: 39] . إلى أمثال ذلك. فيقال لمن ادعى في هذا أنه متشابه لا يعلم معناه: أتقول هذا في جميع ما سمى الله ووصف به نفسه أم في البعض؟ فإن قلت هذا في الجميع كان هذا عنادا ظاهرا، وجحد لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، بل كفر صريح. فإنا نفهم من قوله: أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، معنى. ونفهم من قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ معنى ليس هو الأول. ونفهم من قوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: 156] . معنى، ونفهم من قوله: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ [إبراهيم: 47] ، معنى. وصبيان المسلمين، بل وكل عاقل يفهم هذا.
وقد رأيت بعض من ابتدع وجحد من أهل المغرب مع انتسابه إلى الحديث، لكن أثرت فيه الفلسفة الفاسدة، من يقول: إنا نسمي الله الرحمن الرحيم العليم القدير علما محضا من غير أن نفهم منه معنى يدل على شيء قط، وكذلك في قوله: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ. يطلق هذا اللفظ من غير أن نقول له علم. وهذا الغلو في الظاهر، من جنس غلو القرامطة في الباطن. لكن هذا أيبس وذاك أكفر. ثم يقال لهذا المعاند: فهل هذه الأسماء دالة على الإله المعبود، أو على حق موجود. أم لا؟ فإن قال: لا، كان معطلا محضا. وما أعلم مسلما يقول هذا. وإن قال: نعم قيل له: فهل فهمت منها دلالتها على نفس الرب، ولم تفهم دلالتها على ما فيها من المعاني من الرحمة والعلم، وكلاهما في الدلالة سواء؟ فلا بد أن يقول: لأن ثبوت الصفات محال في العقل، لأنه يلزم منه التركيب أو الحدوث. بخلاف الذات. فيخاطب حينئذ بما يخاطب به الفريق الثاني كما سنذكره. وهو من أقر بفهم بعض معنى هذه الأسماء والصفات دون بعض. فيقال له: ما الفرق بين ما أثبته وبين ما نفيته أو سكت عن إثباته ونفيه؟ فإن الفرق إما أن يكون من جهة السمع، لأن أحد النصين دال دلالة قطعية أو ظاهرة، بخلاف الآخر. أو من جهة العقل بأن أحد المعنيين يجوز أو يجب إثباته دون الآخر، وكلا الوجهين باطل في أكثر المواضع، أما الأول فدلالة القرآن على أنه رحمن رحيم ودود سميع بصير عليّ عظيم كدلالته على أنه عليم قدير، ليس بينهما فرق من جهة النص. وكذلك ذكره لرحمته ومحبته وعلوه مثل ذكره لمشيئته وإرادته. وأما الثاني فيقال لمن أثبت شيئا ونفى آخر: لم نفيت، مثلا، حقيقة رحمته ومحبته وأعدت ذلك إلى إرادته؟ فإن قال: لأن المعنى المفهوم من الرحمة في حقنا هي رقة تمتنع على الله، قيل له: والمعنى المفهوم من الإرادة في حقنا هي ميل يمتنع على الله. فإن قال: إرادته ليست من جنس إرادة خلقه. قيل له: ورحمته ليست من جنس رحمة خلقه. وكذلك محبته. وإن قال (وهو حقيقة قوله) : لم أثبت الإرادة وغيرها بالسمع، وإنما أثبت العلم والقدرة والإرادة بالعقل. وكذلك السمع والبصر والكلام على إحدى الطريقتين. لأن الفعل دل على القدرة، والإحكام دل على العلم. والتخصيص دل على الإرادة. قيل له: الجواب من ثلاثة أوجه: أحدها- أن الإنعام والإحسان وكشف الضر دل أيضا على الرحمة كدلالة التخصيص على الإرادة والتقريب والإدناء. وأنواع التخصيص التي لا تكون إلا من المحب تدل على المحبة، أو مطلق التخصيص يدل على الإرادة. وأما التخصيص
بالإنعام فتخصيص خاص، والتخصيص بالتقريب والاصطفاء تقريب خاص، وما سلكه في مسلك الإرادة يسلك في مثل هذا. الثاني- يقال له: هب أن العقل لا يدل على هذا، فإنه لا ينفيه إلا بمثل ما ينفي به الإرادة، والسمع دليل مستقل بنفسه، بل الطمأنينة إليه في هذه المضايق أعظم، ودلالته أتم، فلأي شيء نفيت مدلوله أو توقفت وأعدت هذه الصفات كلها إلى الإرادة؟ مع أن النصوص تفرق. فلا يذكر حجة إلا عورض بمثلها في إثباته الإرادة زيادة على الفعل. الثالث- يقال له: إذا قال لك الجهميّ: الإرادة لا معنى لها إلا عدم الإكراه، أو نفس الفعل والأمر به، وزعم أن إثبات إرادة تقتضي محذورا إن قال بقدمها، ومحذورا إن قال بحدوثها. وهنا اضطربت المعتزلة. فإنهم لا يقولون بإرادة قديمة لامتناع صفة قديمة عندهم. ولا يقولون بتجدد صفة له، لامتناع حلول الحوادث عن أكثرهم. مع تناقضهم. فصاروا حزبين: البغداديون- وهم أشد غلوّا في البدعة في الصفات وفي القدر، نفوا حقيقة الإرادة. وقال الجاحظ: لا معنى لها إلا عدم الإكراه. وقال الكعبيّ: لا معنى لها إلا نفس الفعل، إذا تعلقت بفعله، ونفس الأمر إذا تعلقت بطاعة عباده. والبصريون- كأبي عليّ وأبي هاشم. قالوا: تحدث إرادة لا في محل، فلا إرادة. فالتزموا حدوث حادث غير مراد وقيام صفة بغير محل، وكلاهما عند العقل معلوم الفساد بالبديهة. كان جوابه: أن ما ادعى إحالته من ثبوت الصفات ليس بمحال، والنص قد دل عليها، والفعل أيضا. فإذا أخذ الخصم ينازع في دلالة النص أو العقل، جعله مسفسطا أو مقرمطا، وهذا بعينه موجود في الرحمة والمحبة، فإن خصومه ينازعونه في دلالة السمع والعقل عليها على الوجه القطعيّ. ثم يقال لخصومه: بم أثبتم أنه عليم قدير؟ فما أثبتوه به من سمع وعقل فبعينه تثبت الإرادة، وما عارضوا به من الشبه عورضوا بمثله في العليم والقدير، وإذا انتهى الأمر إلى ثبوت المعاني، وأنها تستلزم الحدوث أو التركيب والافتقار، كان الجواب ما قررناه في غير هذا الموضع، فإن ذلك لا يستلزم حدوثا ولا تركيبا مقتضيا حاجة إلى غيره.
ويعارضون أيضا بما ينفي به أهل التعطيل الذات من الشبه الفاسدة، ويلزمون بوجود الرب الخالق المعلوم بالفطرة الخلقية، والضرورة العقلية، والقواطع العقلية، واتفاق الأمم، وغير ذلك من الدلائل. ثم يطالبون بوجود من جنس ما نعهده، أو بوجود يعلمون كيفيته، فلا بد أن يفروا إلى إثبات ما لا تشبه حقيقته الحقائق. فالقول في سائر ما سمي ووصف به نفسه، كالقول في نفسه سبحانه وتعالى. ونكتة هذا الكلام أن غالب من نفى وأثبت شيئا مما دل عليه الكتاب والسنة، لا بد أن يثبت الشيء لقيام المقتضى، وانتفاء المانع. وينفي الشيء لوجود المانع أو لعدم المقتضى، أو يتوقف إذا لم يكن عنده مقتض ولا مانع، فيبيّن له أن المقتضى فيما نفاه قائم، كما أنه فيما أثبته قائم. إما من كل وجه، أو من وجه يجب به الإثبات. فإن كان المقتضى هناك حقّا، فكذلك هنا. وإلا فدرء ذاك المقتضى من جنس درء هذا. وأما المانع فيبين أن المانع الذي تخيله فيما نفاه من جنس المانع الذي تخيله فيما أثبته، فإذا كان ذلك المانع المستحيل موجودا على التقديرين لم ينج من محذوره بإثبات أحدهما ونفي الآخر، فإنه إن كان حقّا نفاهما، وإن كان باطلا لم ينف واحدا منهما، فعليه أن يسوي بين الأمرين في الإثبات والنفي، ولا سبيل إلى النفي فتعين الإثبات. فهذه نكتة الإلزام لمن أثبت شيئا. وما من أحد إلا ولا بد أن يثبت شيئا أو يجب عليه إثباته، فهذا يعطيك من حيث الجملة أن اللوازم التي يدعي أنها موجبة النفي خيالات غير صحيحة، وإن لم يعرف فسادها على التفصيل، وأما من حيث التفصيل فيبين فساد المانع وقيام المقتضى كما قرر هذا غيره مرة. فإن قال من أثبت هذه الصفات التي هي فينا أعراض كالحياة والعلم والقدرة، ولم يثبت ما هو فيها أبعاض كاليد والقدم: هذه أجزاء وأبعاض تستلزم التركيب والتجسيم. قيل له: وتلك أعراض تستلزم التجسيم والتركيب العقليّ كما استلزمت هذه عندك التركيب الحسيّ. فإن أثبت تلك على وجه لا تكون أعراضا أو تسميتها أعراضا لا يمنع ثبوتها، قيل له: وأثبت هذه على وجه لا تكون تركيبا وأبعاضا أو تسميتها تركيبا وأبعاضا لا يمنع ثبوتها. فإن قال: هذه لا يعقل منها إلا الأجزاء، قيل له: وتلك لا يعقل منها إلا الأعراض. فإن قال: العرض ما لا يبقى وصفات الرب باقية. قيل: والبعض ما جاز انفصاله
عن الجملة، وذلك في حق الله محال. فمفارقة الصفات القديمة مستحيلة في حق الله تعالى مطلقا، والمخلوق يجوز أن تفارقه أعراضه وأبعاضه. فإن قال: ذلك تجسيم والتجسيم منتف، قيل: وهذا تجسيم والتجسيم منتف. فإن قال: أنا أعقل صفة ليست عرضا بغير متحيز، وإن لم يكن له في الشاهد نظير، قيل له: فاعقل صفة هي لنا بعض لغير متحيز وإن لم يكن له في الشاهد نظير. فإن نفى عقل هذا نفى عقل ذاك، وإن كان بينهما نوع فرق، لكنه فرق غير مؤثر في موضع النزاع. ولهذا كانت المعطلة الجهمية تنفي الجميع لكن ذاك أيضا مستلزم لنفي الذات، ومن أثبت هذه الصفات الخبرية من نظير هؤلاء، صرح بأنها صفة قائمة به كالعلم والقدرة، وهذا أيضا ليس هو معقول النص، ولا مدلول العقل، وإنما الضرورة ألجأتهم إلى هذه المضايق. وأصل ذلك أنهم أتوا بألفاظ ليست في الكتاب ولا في السنة، وهي ألفاظ مجملة. مثل متحيز ومحدد وجسم ومركب، ونحو ذلك، ونفوا مدلولها، وجعلوا ذلك مقدمة بينهم مسلّمة، ومدلولا عليها بنوع قياس، وذلك القياس أوقعهم فيه مسلك سلكوه في إثبات حدوث العالم بحدوث الأعراض، أو إثبات إمكان الجسم بالتركيب من الأجزاء، فوجب طرد الدليل بالحدوث والإمكان لكل ما شمله هذا الدليل، إذ الدليل القطعيّ لا يقبل الترك لمعارض راجح، فرأوا ذلك يعكر عليهم من جهة النصوص ومن جهة العقل من ناحية أخرى فصاروا أحزابا، تارة يغلّبون القياس الأول ويدفعون ما عارضه وهم المعتزلة، وتارة يغلبون القياس الثاني ويدفعون الأول كهشام بن الحكم الرافضيّ، فإنه قد قيل: أول ما تكلّم في الجسم نفيا وإثباتا من زمن هشام بن الحكم وأبى الهذيل العلاف، فإن أبا الهذيل ونحوه من قدماء المعتزلة نفوا الجسم لما سلكوا من القياس وعارضهم هشام وأثبت الجسم لما سلكوه من القياس، واعتقد الأولون إحالة ثبوته، واعتقد هذا إحالة نفيه، وتارة يجمعون بين النصوص والقياس بجمع يظهر فيه الإحالة والتناقض. فما أعلم أحدا من الخارجين عن الكتاب والسنة من جميع فرسان الكلام والفلسفة إلا ولا بد أن يتناقض فيحيل ما أوجب نظيره، ويوجب ما أحال نظيره، إذ كلامهم من عند غير الله، وقد قال الله تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: 82] .
والصواب ما عليه أئمة الهدى، وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث، ويتبع في ذلك سبل السلف الماضين، أهل العلم والإيمان. والمعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا تردّ بالشبهات فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه. ولا يعرض عنها، فيكون من باب الذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا. ولا يترك تدبر القرآن، فيكون من باب الذين لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ. فهذا أحد الوجهين. وهو منع أن تكون هذه من المتشابه. الوجه الثاني: أنه إذا قيل هذه من المتشابه، أو كان فيها ما هو من المتشابه، كما نقل عن بعض الأئمة أنه سمى بعض ما استدل به الجهمية متشابها، فيقال: الذي في القرآن أنه لا يعلم تأويله إلّا الله، إما المتشابه، وإما الكتاب كله كما تقدم. ونفي علم تأويله ليس نفي علم معناه كما قدمناه في القيامة وأمور القيامة. وهذا الوجه قويّ إن ثبت حديث ابن إسحاق في وفد نجران، أنهم احتجّوا على النبيّ صلّى الله عليه وسلم بقوله: «إنا ونحن» ونحو ذلك، ويؤيده أيضا أنه قد ثبت أن في القرآن متشابها، وهو ما يحتمل معنيين، وفي مسائل الصفات ما هو من هذا الباب، كما أن ذلك في مسائل المعاد وأولى، فإن نفي المتشابه بين الله وبين خلقه أعظم من نفي المتشابه بين موعود الجنة وموجود الدنيا، وإنما نكتة الجواب هو ما قدمناه أولا أن نفي علم التأويل ليس نفيا لعلم المعنى، ونزيده تقريرا أن الله سبحانه يقول: وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر: 27- 28] ، وقال تعالى: الر، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: 1- 2] ، فأخبر أنه أنزله ليعقلوه، وأنه طلب تذكرهم. وقال أيضا: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21] ، فحض على تدبره وفقهه وعقله والتذكر به والتفكير فيه، ولم يستثن من ذلك شيئا. بل نصوص متعددة تصرح بالعموم فيه، مثل قوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: 24] ، وقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: 82] ، ومعلوم أن نفي الاختلاف عنه لا يكون إلا بتدبره كله، وإلا فتدبر بعضه لا يوجب الحكم بنفي مخالفة ما لم يتدبر لما تدبر. وقال عليّ عليه السلام «1» لما قيل له: هل ترك عندكم رسول الله صلّى الله عليه وسلم شيئا؟ فقال: لا! والذي
فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة. فأخبر أن الفهم فيه مختلف في الأمة، والفهم أخص من العلم والحكم، قال الله تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ، وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء: 79] . وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم «1» : رب مبلّغ أوعى من سامع ، وقال «2» : بلغوا عني ولو آية. وأيضا فالسلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا في جميع نصوص القرآن، آيات الصفات وغيرها، وفسروها بما يوافق دلالتها. ورووا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة توافق القرآن. وأئمة الصحابة في هذا أعظم من غيرهم. مثل عبد الله بن مسعود الذي كان يقول: لو أعلم أعلم بكتاب الله مني تبلغه آباط الإبل لأتيته. وعبد الله بن عباس الذي دعا له النبيّ صلّى الله عليه وسلم وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، كانا هما وأصحابهما من أعظم الصحابة والتابعين إثباتا للصفات ورواية لها عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم. ومن له خبرة بالحديث والتفسير يعرف هذا، وما في التابعين أجل من أصحاب هذين السيدين، بل وثالثهما في علية التابعين من جنسهم أو قريب منهم جلالة، أصحاب زيد بن ثابت، لكن أصحابه مع جلالتهم ليسوا مختصين به، بل أخذوا عن غيره مثل عمر، وابن عمر، وابن عباس. ولو كان معاني هذه الآيات منفيا أو مسكوتا عنه، لم يكن ربانيّو الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلاما فيه. ثم إن الصحابة نقلوا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة، ولم يذكر أحد منهم عنه قط أنه امتنع من تفسير آية. قال أبو عبد الرحمن السلميّ: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا: عثمان بن عفان
وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبيّ صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل. وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا شيئا من ذلك لم ينفوا معناه، بل يثبتون المعنى وينفون الكيفية. كقول مالك بن أنس لما سئل عن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك ربيعة قبله. وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول. فليس في أهل السنة من ينكره. وقد بيّن أن الاستواء معلوم، كما أن سائر ما أخبر به معلوم، ولكن الكيفية لا تعلم، ولا يجوز السؤال عنها، لا يقال: كيف استوى؟ ولم يقل مالك: الكيف معدوم، وإنما قال: الكيف مجهول. وهذا فيه نزاع بين أصحابنا وغيرهم من أهل السنة، غير أن أكثرهم يقولون: لا تخطر كيفيته ببال، ولا تجري ماهيته في مقال. ومنهم من يقول: ليس له كيفية ولا ماهية. فإن قيل: معنى قوله (الاستواء معلوم) أن ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر الله بعلمه، قيل: هذا ضعيف، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، فإن السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن، وقد تلا الآية، وأيضا فلم يقل ذكر الاستواء في القرآن، ولا إخبار الله بالاستواء، وإنما قال: الاستواء معلوم، فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، لم يخبر عن الجملة. وأيضا فإنه قال: والكيف مجهول، ولو أراد ذلك لقال معنى الاستواء مجهول، أو تفسير الاستواء مجهول، أو بيان الاستواء غير معلوم، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء، لا العلم بنفس الاستواء، وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه. لو قال في قوله: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [طه: 46] ، كيف يسمع وكيف يرى؟ لقلنا: السمع والرؤية معلوم، والكيف مجهول. ولو قال: كيف كلم موسى تكليما؟ لقلنا: التكليم معلوم والكيف غير معلوم. وأيضا فإن من قال هذا من أصحابنا وغيرهم من أهل السنة يقرون بأن الله فوق العرش حقيقة، وأن ذاته فوق ذات العرش، لا ينكرون معنى الاستواء، ولا يرون هذا من المتشابه الذي لا يعلم معناه بالكلية. ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة. قال بعضهم: ارتفع على العرش: علا على العرش. وقال بعضهم عبارات أخرى. وهذه ثابتة عن السلف. وقد ذكر البخاريّ في صحيحه بعضها في آخره، في (كتاب الرد على الجهمية) . وأما التأويلات المحرفة مثل استولى وغير ذلك، فهي من التأويلات المبتدعة
لما ظهرت الجهمية. وأيضا قد ثبت أن اتباع المتشابه ليس في خصوص الصفات، بل في صحيح البخاري «1» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: يا عائشة! إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذي سمى الله، فاحذريهم ، وهذا عامّ. وقصة صبيغ ابن عسل مع عمر بن الخطاب من أشهر القضايا، فإنه بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن، حتى رآه عمر، فسأل عمر عن: الذَّارِياتِ ذَرْواً [الذاريات: 1] ، فقال: ما اسمك؟ قال: عبد الله صبيغ، فقال: وأنا عبد الله عمر، وضربه الضرب الشديد. وكان ابن عباس إذا ألحّ عليه رجل في مسألة من هذا الجنس يقول: ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ. وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام، كما قال النبيّ عليه الصلاة والسلام: إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه. وكما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد، كالذي يعارض بين آيات القرآن. وقد نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال «2» : لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فإن ذلك يوقع الشك في قلوبهم ومع ابتغاء الفتنة ابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا الله ، فكان مقصودهم مذموما، ومطلوبهم متعذرا، مثل أغلوطات المسائل التي نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عنها «3» . ومما يبين الفرق بين المعنى والتأويل أن صبيغا سأل عمر عن الذاريات وليست من الصفات. وقد تكلم الصحابة في تفسيرها مثل عليّ بن أبي طالب مع ابن الكواء لما سأله عنها، كره سؤاله، لما رآه من قصده. لكن عليّ كان رعيته ملتوية عليه، لم يكن مطاعا فيهم طاعة عمر حتى يؤدبه. والذاريات والحاملات والجاريات
والمقسمات فيها اشتباه، لأن اللفظ يحتمل الرياح والسحاب والنجوم والملائكة ويحتمل غير ذلك، إذ ليس في اللفظ ذكر الموصوف. والتأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو أعيان الرياح ومقاديرها وصفاتها وأعيان السحاب وما تحمله من الأمطار ومتى ينزل المطر. وكذلك في الجاريات والمقسمات، فهذا لا يعلمه إلا الله تعالى. وكذلك في قوله: (أنا ونحن) ونحوهما من أسماء الله التي فيها معنى الجمع كما اتبعته النصارى، فإن معناه معلوم وهو الله سبحانه، لكن اسم الجمع يدل على تعدد المعاني بمنزلة الأسماء المتعددة، مثل العليم والقدير والسميع والبصير، فإن المسمى واحد، ومعاني الأسماء متعددة، فهكذا الاسم الذي لفظه الجمع. وأما التأويل الذي اختص الله به. فحقيقة ذاته وصفاته، كما قال مالك: والكيف مجهول فإذا قالوا: ما حقيقة علمه وقدرته وسمعه وبصره؟ قيل: هذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. وما أحسن ما يعاد التأويل إلى القرآن كله. فإن قيل: فقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم لابن عباس «1» : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. قيل: أما تأويل الأمر والنهي فذاك يعلمه، واللام هنا للتأويل المعهود، لم يقل تأويل كل القرآن. فالتأويل المنفي هو تأويل الأخبار التي لا يعلم حقيقة مخبرها إلا الله، والتأويل المعلوم هو الأمر الذي يعلم العباد تأويله. وهذا كقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف: 53] ، وقوله: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس: 39] ، فإن المراد تأويل الخبر الذي فيه عن المستقبل، فإنه هو الذي ينتظر ويأتي، ولما يأتهم. وأما تأويل الأمر والنهي فذاك في الأمر، وتأويل الخبر عن الله وعمن مضى إن أدخل في التأويل لا ينتظر، والله سبحانه أعلم وبه التوفيق. انتهى كلام الشيخ تقي الدين. وإنما سقته بطوله لما أن هذا البحث من المعارك المهمة التي قل من حررها ونهج فيها منهج الحق كالشيخ قدس سرّه. مع ما في خلال البحث من القواعد الجليلة في فن التفسير. فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وقال الإمام الجليل أبو عبد الله محمد بن المرتضى اليمانيّ في كتاب «إيثار الحق على الخلق» في بحث سبب الاختلاف الشديد بين الفرق ما نصه: وأما الأصل الثاني وهو السمعيّ فهو اختلافهم في أمرين:
أحدهما- في معرفة المحكم والمتشابه أنفسهما والتمييز بينهما حتى يردّ المتشابه إلى المحكم، وثانيهما- اختلافهم هل يعلمون تأويل المتشابه، ثم اختلافهم في تأويله على تسليم أنهم قد عرفوا المتشابه. ولنذكر سبب وقوع المتشابه على العقول من حيث الحكمة والدقة في كتب الله تعالى أولا، والمشهور أن سببه الابتلاء بالزيادة في مشقة التكليف لتعظيم الثواب، وهذا أنسب بالمتشابه من حيث اللفظ. وأما أنا فوقع لي أن سببه زيادة «علم الله» على علم الخلق، فإن العوائد التجربية، والأدلة السمعية، دلت على امتناع الاتفاق في تفاصيل الحكم، وتفاصيل التحسين والتقبيح، ولذلك وقع الاختلاف بين أهل العصمة من الملائكة والأنبياء، كما قال تعالى حاكيا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وآله: ما كانَ لِي (مِنْ عِلْمٍ) بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص: 69] ، وحكى الله تعالى اختلاف سليمان وداود، وموسى وهارون، وموسى والخضر. وصح في الحديث «1» اختلاف موسى وآدم، واختلاف الملائكة في حكم قاتل المائة نفس «2» ، إلى أمثال لذلك قد أفردتها لبيان امتناع الاتفاق في نحو ذلك، وإن علة الاختلاف التفاصيل في العلم، فوجب من ذلك أن يكون في أحكام الله تعالى وحكمه ما تستقبحه عقول البشر، لأن الله تعالى لو ماثلنا في جميع الأحكام والحكم دل على مماثلته لنا في العلم المتعلق بذلك وفي مؤداه ولطائفة وأصوله وفروعه ولذلك تجد الأمثال والنظراء في العلوم أقل اختلافا، خصوصا من المقلدين. وإنما عظم الاختلاف بين الخضر وموسى لما خص به الخضر عليهما السلام. وهذه فائدة نفيسة جدا، وبها
يكون ورود المتشابه أدل على الله تعالى وعلى صدق أنبيائه، لأن الكذابين إنما يأتون بما يوافق الطباع، كما هو دين القرامطة والزنادقة. وقد أشار السمع إلى ذلك بقوله تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون: 71] . وقال في رسول الله صلّى الله عليه وسلم: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ [الحجرات: 7] . وكيف يستنكر اختلاف الإنسان الظلوم الجهول وعلام الغيوب الذي جمع معارف العارفين في علمه مثل ما أخذه العصفور في منقاره من البحر الأعظم؟ بل كيف لا يختص هذا الرب الأعظم بمعرفة ما لا نعرفه من الحكم اللطيفة التي يستلزم تفرده بمعرفتها أن يتفرد بمعرفة حسن ما تعلقت به وتأويله، وبهذا ينشرح صدر العارف للإيمان بالمتشابه، والإيمان بالغيب في تأويله. ولنذكر بعد هذا كل واحد من الأمرين المقدم ذكرهما على الإيجاز. أما الأمر الأول- وهو اختلافهم في ماهيتهما. فمنهم من قال: المحكم ما لا يحتمل إلا معنى واحدا، والمتشابه ما احتمل أكثر من معنى. فهؤلاء رجعوا بالمحكم إلى النص الجليّ، وما عداه متشابه. وعزاه الإمام يحيى إلى أكثر المتكلمين وطوائف من الحشوية. ومنهم من قال: المحكم ما كان إلى معرفته سبيل، والمتشابه ما لا سبيل إلى معرفته بحال، نحو قيام الساعة والحكمة في العدد المخصوص في حملة العرش، وخزنة النار. ومنهم من قصر المتشابه على آيات مخصوصة. ثم اختلفوا، فمنهم من قال: هي الحروف المقطعة في أوائل السور، ومنهم من قال آيات الشقاوة والسعادة، ومنهم من قال: المنسوخ، ومنهم من قال: القصص والأمثال، ومنهم من عكس فقال: المحكم آيات مخصوصة، وهي آيات الحلال والحرام وما عداها متشابه، إلى غير ذلك- حكى الجميع الإمام يحيى في (الحاوي) - واختار أن المحكم ما علم المراد بظاهره بدليل عقليّ أو نقليّ، والمتشابه به ما لم يعلم المراد منه لا على قرب ولا على بعد مثل قيام الساعة والأعداد المبهمة. وقد ترك الإمام والشيخ ابن تيمية وجها آخر من المتشابه الذي يحتاج إلى التأويل مما لا يعلمه إلا الله على الصحيح، وذلك وجه الحكم المعينة فيما لا تعرف العقول وجه حسنه، مثل خلق أهل النار، وترجيح عذابهم على العفو مع سبق العلم وسعة الرحمة وكمال القدرة على كل شيء، والدليل على أن الحكمة الخفية فيه تسمى تأويلا له، ما ذكره الله تعالى في قصة موسى والخضر، فإن قوله: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف: 76] ، صريح في ذلك، وهذا مراد في الآية، لأن الله وصف الذين في قلوبهم زيغ بابتغائهم تأويله وذمهم بذلك، وهم لا يبتغون علم
العاقبة، عاقبة الخبر عن الوعد والوعيد، وما يؤول إليه، على ما فسّره الشيخ، فهم لا يبتغون الجنة والنار والقيامة وذات الرب سبحانه كما يبغيها طالب العيان، إنما يستقبحون شيئا من الظواهر بعقولهم فيتكلفون لها معاني كثيرة يختلفون فيها، وكل منهم يتفرد بمعنى من غير حجة صحيحة إلا مجرد الاحتمال، وربما خالف ذلك التأويل المعلوم من الشرع فتأولوه، وربما استلزم الوقوع في أعظم مما فروا منه، والذي وضح لي في هذا وضوحا لا ريب فيه بحسن توفيق الله أمور: أحدها- أن الكلام في ذات الله تعالى على جهة التصور والتفصيل أو على جهة الإحاطة على حد علم الله، كلاهما باطل، بل من المتشابه الممنوع الذي لا يعلمه إلا الله تعالى لقوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه: 110] ، ولقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] ، وإنما تتصوّر المخلوقات وما هو نحوها. ولما روي من النهي عن التفكير في ذات الله، والأمر في التفكير في آلاء الله، ولما اشتهر عن أمير المؤمنين عليه السلام أن ذلك مذهبه، حتى رواه عنه الخصوم. ومن أشهر ما حفظ عنه عليه السلام في ذلك قوله في امتناع معرفة الله عزّ وجلّ على العقول: امتنع منها بها، وإليها حاكمها. ومن التفكير في الله والتحكم فيه والدعوى الباطلة على العقول والتكلف لتعريفها ما لا تعرفه، حدثت هنا البدع المتعلقة بذات الله وصفاته وأسمائه. ومن البدع في هذا الموضع بدع المشبهة على اختلاف أنواعهم، وبدع المعطلة على اختلافهم أيضا، فغلاتهم يعطلون الذات والصفات والأسماء. الجميع، ومنهم الباطنية، ودونهم الجهمية. ومن الناس من يوافقهم في بعض ذلك دون بعض. فالفريقان المشبهة والمعطلة إنما أتوا من تعاطي علم ما لا يعلمون. ولو أنهم سلكوا مسالك السلف في الإيمان بما ورد من غير تشبيه لسلموا. فقد أجمعوا على أن طريقة السلف أسلم، ولكنهم ادعوا أن طريقة الخلف أعلم، فطلبوا العلم من غير مظانه، بل طلبوا علم ما لا يعلم، فتعارضت أنظارهم العقلية، وعارض بعضهم بعضا في الأدلة السمعية. فالمشبهة ينسبون خصومهم إلى رد آيات الصفات ويدعون فيها ما ليس من التشبيه. والمعطلة ينسبون خصومهم وسائر أئمة الإسلام جميعا إلى التشبيه، ويدعون في تفسيره ما لا تقوم عليه حجة. والكل حرموا طريق الجمع بين الآيات والآثار، والاقتداء بالسلف الأخيار، والاقتصار على جليات الأبصار، وصحاح الآثار، وقد روى الإمام أبو طالب عليه السلام في أماليه بإسناده من حديث زيد بن أسلم أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة فقال: يا أمير المؤمنين! هل تصف لنا ربنا فنزداد له حبا؟ فغضب عليه السلام ونادى
(الصلاة جامعة) فحمد الله وأثنى عليه إلى قوله: فكيف يوصف الذي عجزت الملائكة مع قربهم من كرسيّ كرامته، وطول ولههم إليه، وتعظيم جلال عزته، وقربهم من غيب ملكوت قدرته أن يعلموا من علمه إلا ما علمهم وهم من ملكوت القدس كلهم ومن معرفته على ما فطرهم عليه فقالوا: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: 32] . فعليك أيها السائل بما دل عليه القرآن من صفته، وتقدّمك فيه الرسل بينك وبين معرفته فأتم به واستضئ بنور هدايته، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها. فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سنة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، ولا عن أئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله سبحانه، فإنه منتهى حق الله عليك. وقد روى السيّد في الأمالي أيضا الحديث المشهور في كتاب الترمذيّ عن عليّ عليه السلام عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال «1» : ستكون فتنة! قلت: فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وفصل ما بينكم، فهو الفاصل بين الحق والباطل، من ابتغى الهدى من غيره أضله الله إلى قوله: من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم. ورواه في أماليه بسند آخر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. ورواه ابن الأثير في (الجامع) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهو مع شهرته في شرط أهل الحديث متلقى بالقبول عند علماء الأصول، ولكن المبتدعة يرون تصانيفهم أهدى منه، لبيانهم فيها، على زعمهم، المحكم من المتشابه.
فمنهم من صرح بذلك وقال: إن كلامه أنفع من كلام الله تعالى، وكتبه أهدى من كتب الله، وهم الحسينية أصحاب الحسين بن القاسم العنانيّ. وقد حمله الإمام المطهر بن يحيى على الجنون، وقيل: لم يصح عنه. ومنهم من يلزمه ذلك وإن لم يصرح به. فهذا الأمر الأول من المتشابه وهو التحكم بالنظر في ذات الله تعالى. وما يؤدي إليه. الأمر الثاني- من المتشابه الواضح تشابهه والمنع منه، هو النظر في سر القدر السابق في الشرور مع عظيم رحمة الله تعالى وقدرته على ما يشاء. وقد ثبت في كتاب الله تعالى تحير الملائكة الكرام عليهم السلام في ذلك وسؤالهم عنه بقولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: 30] ، ثم ساق خبر آدم وتعليمه الأسماء وتفضيله في ذلك عليهم إلى قوله: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: 33] ، وفي ذلك إشارة واضحة إلى ما سيأتي بيانه من أن مراد الله بالخلق هم أهل الخير، فالخلق كلهم كالشجرة، وأهل الخير ثمرة تلك الشجرة، وإليه الإشارة بقوله: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] ، وفي حديث الخليل عليه السلام حين دعا على العصاة، قال الله: كفّ عن عبادي. إن مصير عبدي مني إحدى ثلاث: إما أن يتوب فأتوب عليه، أو يستغفرني فأغفر له، أو أخرج من صلبه من يعبدني- رواه الطبرانيّ-. وقال الإمام الغزاليّ في كتاب العلم في (الإحياء) في أقسام العلوم الباطنة: ولا يبعد أن يكون ذكر بعض الحقائق مضرّا ببعض الخلق، كما يضر نور الشمس أبصار الخفافيش وكما يضر ريح الورد بالجعل. وكيف يبعد هذا، وقولنا: إن كل شيء بقضاء من الله وقدر- حق في نفسه، وقد أضر سماعه بقوم حيث أوهم ذلك عندهم دلالة على السفه، ونقيض الحكمة، والرضا بالقبيح والظلم. وألحد ابن الراونديّ وطائفة من المخذولين بمثل ذلك. وكذلك سر القدر لو أفشي أوهم عند أكثر الخلق عجزا، إذ تقصر أفهامهم عن إدراك ما يزيل هذا الوهم عنهم. وقال في شرح (أسماء الله الحسنى) في شرح الرحمن الرحيم: والآن إن خطر لك نوع من الشر لا ترى فيه خيرا، أو إن تحصيل ذلك الخير من غير شر أولى، فاتهم عقلك القاصر في كلا الطرفين، فإنك مثل أم الصبيّ التي ترى الحجامة شرّا محضا، والغبيّ الذي يرى القصاص شرّا محضا، لأنه ينظر إلى خصوص شخص المقتول، وأنه في حقه شر محض، ويذهل عن الخير العام الحاصل للناس كافة، ولا يدري أن
التوصل بالشر الخاص إلى الخير العام خير محض، لا ينبغي لحكيم أن يهمله. هذا أو قريب من هذا. وفي بعض كلامه نظر قد أوضحته في (العواصم) والسر في ذلك أن الله تعالى لا يريد الشر لكونه شرا قطعا، وإنما يريده وسيلة إلى الخير الراجح كما قال: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 179] ، وكما صح في الحدود والمصائب أنها كفارات، فهذا هو سر القدر في الجملة، وإنما الذي خفي تفصيله ومعرفته في عذاب الآخرة وشقاوة الأشقياء، فمن الناس من كبر ذلك عليه وأداه إلى الحكم بنفي التحسين والتقبيح، فصرحوا بنفي حكمة الله تعالى، وهم غلاة الأشعرية، إلا بمعنى إحكام المصنوعات في تصويرها لا سواه، ومن الناس من أداه ذلك إلى القول بالجبر، ونفي قدرة العباد واختيارهم، ومنهم من جمع بينهما. ومن الناس من جعل الوجه في تحسين ذلك من الله عدم قدرته سبحانه على هدايتهم، وهم جمهور المعتزلة، لكنهم يعتذرون عن تسميته عجزا، ويسمونه غير مقدور. ومنهم من جعل العذر في ذلك أن الله لا يعلم الغيب، وهم غلاة القدرية، نفاة الأقدار. وقد تقصيت الردود الواضحة عليهم، والبراهين الفاضحة لهم في (العواصم) ، وجمعت في ذلك ما لم أسبق إليه ولا إلى قريب منه، في علمي. فتمت هذه المسألة في مجلد ضخم، وبلغت أحاديث وجوب الإيمان بالقدر اثنين وسبعين، وأحاديث صحته مائة وخمسة وخمسين، الجملة مائتان وسبعة وعشرون حديثا، من غير الآيات القرآنية، والأدلة البرهانية. وصنف ابن تيمية في بيان الحكمة في العذاب الأخرويّ، وتبعه تلميذه ابن قيّم الجوزية، وبسط ذلك في كتابه (حادي الأرواح إلى ديار الأفراح) ، فأفردت ذلك في جزء لطيف وزادت عليه. ومضمون كلامهم أنه لا يجوز اعتقاد أن الله لا يريد الشر لكونه شرا، بل لا بد من خير راجح يكون ذلك الشر وسيلة إليه، وذلك الخير هو تأويل ذلك الشر السابق له على نحو تأويل الخضر لموسى. وطردوا ذلك في شرور الدارين معا. ونصر ذلك الغزاليّ في شرح (الرحمن الرحيم) ، ولنورد في ذلك حديثا واحدا، مما يدل على المنع من الخوض في تعيين الحكمة في ذلك فنقول: قال البيهقيّ في كتابه (الأسماء والصفات) عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس: لما بعث الله موسى وكلمه قال: اللهم! أنت رب عظيم، ولو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت أن لا تعصى لما عصيت، وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تعصى، فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله إليه أني لا أسأل عما أفعل، وهم يسألون. فانتهى موسى. ورواه الهيثميّ في مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبرانيّ، وزاد فيه: فلما بعث الله
عزيرا سأل الله مثل ما سأل موسى، ثلاث مرات، فقال الله تعالى له: أتستطيع أن تصرّ صرّة من الشّمس؟ قال: لا. قال: أفتسطيع أن تجيء بمكيال من الريح؟ قال: لا. قال: أفتسطيع أن تجيء بمثقال أو بقيراط من نور؟ قال: لا. قال: فهكذا لا تقدر على الذي سألت عنه. أما أني لا أجعل عقوبتك إلا أني أمحو اسمك من الأنبياء، فلا تذكر فيهم. فلما بعث الله عيسى ورأى منزلته سأل عن ذلك، كموسى. وأجيب عليه بمثل ذلك، وقال الله تعالى: لئن لم تنته لأفعلن بك كما فعلت بصاحبك بين يديك، فجمع عيسى من معه فقال: القدر سر الله تعالى فلا تكلفوه. وروى الطبرانيّ عن وهب عن ابن عباس أنه سئل عن القدر؟ فقال: وجدت أطول الناس فيه حديثا أجهلهم به. وأضعفهم فيه حديثا أعلمهم به، ووجدت الناظر فيه كالناظر في شعاع الشمس، كلما ازداد فيه نظرا ازداد تحيرا. قلت: ويشهد لهذه الآيات ما جاء في كتاب الله من قول الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة: 30] . والجواب الجمليّ عليهم كما مر. وأما أحاديث النهي عن الخوض في القدر فعشرة أحاديث، رجال بعضها ثقات، وبعضها شواهد لبعض، كما أوضحته في (العواصم) وأقلّ من هذا مع شهادة القرآن والبرهان لذلك، يكفي المنصف. وما حدث بسبب الخوض من الضلالات زيادة عبرة وحيرة. الأمر الثالث- من المتشابه: الحروف المقطعة أوائل السور، فإن الجهل بالمراد بها معلوم، كالألم والصحة. والفرق بينها وبين أقيموا الصلاة، ونحو ذلك ضروريّ. ودعوى التمكن من معرفة معانيها تستلزم جواز أن ينزل الله سورة كلها كذلك أو كتابا من كتبه الكريمة، ويستلزم جواز أن يتخاطب العقلاء بمثل ذلك، ويلوموا من طلب منهم بيان مقاصدهم، ونحو ذلك. وهذا هو اختيار زيد بن عليّ عليه السلام، والقاسم والهادي عليهما السلام، وهو نص في تفسيرهما المجموع. وكذلك الإمام يحيى عليه السلام، ذكره في (الحاوي) وقولهم: إنا مخاطبون بها فيجب أن نفهمها- مقلوب. وصوابه: أن لا نفهمها فيجب أن لا نكون مخاطبين بفهمها. وقد ذكرت في الحجة على أنها غير معلومة أكثر من عشرين حجة في تكميلة ترجيح أساليب القرآن. الأمر الرابع- من المتشابه: المجمل الذي لا يظهر معناه بعلم ولا ظن، سواء كان بسبب الاشتراك في معناه، أو لغرابته، أو عدم صحة تفسيره في اللغة والشرع، أو غير ذلك. فقد وقع الوهم في المجمل لنوح عليه السلام، كيف لغيره؟ وذلك قوله:
إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: 45- 46] . وأما المحكم فهو ما عدا المتشابه، وغالبه النص الجليّ، والظاهر الذي لم يعارض والمفهوم الصحيح الذي لم يعارض، والخاص والمقيد وإن عارضهما العام والمطلق. ويلحق بهذا فوائد: الأولى- الصحيح في قوله تعالى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ الوقف على الله، بدليل ذم مبتغي تأويل المتشابه في الآية. وهو اختيار الإمام يحيى في (الحاوي) واحتجّ بأن «أمّا» للتفصيل على بابها، والتقدير و «أما الراسخون» بدليل قوله تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ كما تقول: أما زيد فعالم وعمرو جاهل، أي وأما عمرو فجاهل، يوضحه أن المخالف مسلّم أن هذا هو الظاهر منها، لكنه يقول: إنه يجب تأويلها على أن المراد ذمهم بابتغاء تأويله الباطل، فيقيد إطلاق الآية بغير حجة، ويجعلها من المتشابه، مع أنها الفارقة بين المحكم والمتشابه، وهذا خلف. وقد روى الحاكم عن ابن عباس أنه قرأ «ويقول الراسخون» وقال: صحيح. ورواه الزمخشريّ في كشافه قراءة عن أبيّ وغيره، ورواه الإمام أبو طالب في أماليه عن عليّ عليه السلام. ولم يتأوله ولم يطعن فيه، وهو في (النهج) أيضا، وهو نص لا يمكن تأويله، فإن لفظه عليه السلام: اعلم أيها السائل أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق، فيما لم يكلفهم البحث عنه، رسوخا. فاقتصر على ذلك. انتهى بحروفه. وأيضا فلا يجب علم جميع المكلفين بذلك عند الخصوم، إذ في المتكلفين الأميّ والعجميّ ونحوهم. وإذا كان علم البعض يكفي ويخرج الخطاب بذلك عن العبث، جاز أن يكون ذلك البعض هو رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، ومن شاء الله من ملائكته وخواص عباده. والله سبحانه أعلم. الفائدة الثانية- إذا تعارض العام والخاص، فالمحكم هو الخاص والبناء عليه واجب، وفيه الجمع بينهما، وفي العكس طرح الخاص مع رجحانه بالنصوصية. وهي قاعدة كبيرة فاحفظها. ولا خلاف فيها في الاعتقاد، لعدم القاعدة في التاريخ فيه، ولذلك أجمعوا على إثبات الخلة للمتقين، وتأويل نفي الخلة المطلق، فتأمل ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 8]
الفائدة الثالثة- إذا كان التحسين العقليّ مع بعض السمع فهو المحكم، والمتشابه مخالفه، لما وضح من تأويل الخضر بموافقة العقل، وفي مخالفة هذه القاعدة عناد بيّن وضلال كبير، فاعرفها واعتبر مواضعها ترشد. إن شاء الله تعالى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 8] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا من مقال الراسخين، أي لا تمل قلوبنا عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلها كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً تثبت بها قلوبنا إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ كثير النعم والإفضال، جزيل العطايا والنوال. وفيه دلالة على أن الهدى والضلال من قبله تعالى. وعن عائشة رضي الله عنها «1» قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قلت: يا رسول الله! ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء! فقال: ليس من قلب إلّا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه- وهو في الصحيح والسنن. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 9] رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ وهذا من تتمة كلام الراسخين في العلم، وذلك لأنهم لما طلبوا من الله تعالى أن يصونهم عن الزيغ، وأن يخصهم بالهداية والرحمة، فكأنهم قالوا: ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا، فإنها منقضية منقرضة. وإنما الغرض الأعظم منه، ما يتعلق بالأخرة،
فإنها القصد والمآل. فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة، ونعلم أن وعدك لا يكون خلفا، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبدا، ومن منحته الرحمة والهداية بقي هناك في السعادة والكرامة أبدا. فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء، ما يتعلق بالآخرة- أفاده الرازيّ- ثم قال: احتجّ الجبائي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق، قال: وذلك لأن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد بدليل قوله تعالى: أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [الأعراف: 44] . والوعد والموعد والميعاد واحد. وقد أخبر في هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد. فكان هذا دليلا على أنه لا يخلف في الوعيد. والجواب: لا نسلّم أنه تعالى يوعد الفساق مطلقا، بل ذلك الوعيد عندنا مشروط بشرط عدم العفو، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة، فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل، فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل منفصل، سلمنا أنه يوعدهم، ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد. أما قوله تعالى: فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك، كما في قوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: 21] . وقوله: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: 49] . وأيضا لم لا يجوز أن يكون المراد منه أنهم كانوا يتوقعون من أوثانهم أنها تشفع لهم عند الله، فكان المراد من الوعد تلك المنافع. وذكر الواحديّ في (البسيط) طريقة أخرى فقال: لم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء، دون وعيد الأعداء، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب. قال: والدليل عليه أنهم يمدحون بذلك، قال الشاعر: إذا وعد السرّاء أنجز وعده ... وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه وروى المناظرة التي دارت بين أبي عمرو بن العلاء، وبين عمرو بن عبيد. قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد: ما تقول في أصحاب الكبائر؟ قال: أقول إن الله وعد وعدا وأوعد إيعادا، فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده، فقال أبو عمرو بن العلاء: إنك رجل أعجم، لا أقول أعجم اللسان، ولكن أعجم القلب. إن العرب تعدّ الرجوع عن الوعد لؤما، وعن الإيعاد كرما، وأنشد: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمكذب إيعادي ومنجز موعدي واعلم أن المعتزلة حكوا أن أبا عمرو بن العلاء لما قال هذا الكلام، قال له عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو؟ فهل يسمى الله مكذب نفسه؟ فقال: لا، فقال عمرو
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 10]
ابن عبيد فقد سقطت حجتك، قالوا: فانقطع عمرو بن العلاء. وعندي أنه كان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال فيقول: إنك قست الوعيد على الوعد، وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين البابين، وذلك لأن الوعد حق عليه، والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم، فظهر الفرق بين الوعد والوعيد، وبطل قياسك. وإنما ذكرت هذا الشعر لإيضاح هذا الفرق. فأما قولك: لو لم يفعل لصار كاذبا ومكذبا نفسه، فجوابه أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتا جزما من غير شرط، وعندي جميع الوعيدات مشروطة بعدم العفو، فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله تعالى. فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية. والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 10] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ التي يبذلونها في جلب المنافع ودفع المضار وَلا أَوْلادُهُمْ الذي بهم يتناصرون في الأمور المهمة مِنَ اللَّهِ أي من عذابه تعالى شَيْئاً من الإغناء، أي لن تدفع عنهم شيئا من عذابه. يقال: ما أغنى فلان شيئا، أي لم ينفع في مهم، ولم يكف مؤنة. ورجل مغن أي مجزئ كاف- قاله الأزهريّ. ونظير هذه الآية قوله تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 88- 89] ، وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ بفتح الواو أي حطبها، وقرئ بالضم بمعنى أهل وقودها، وأكثر اللغويين على أن الضم للمصدر أي التوقد، والفتح للحطب. وقال الزجّاج: المصدر مضموم، ويجوز فيه الفتح. وهذا كقوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء: 98] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 11] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ خبر مبتدأ محذوف، أي دأب هؤلاء في الكفر كدأب آل فرعون. والدأب (بالسكون، ويحرّك) مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه، فوضع
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 12]
موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، مجازا. يقال: هذا دأبك أي شأنك وعملك، قال الأزهريّ: عن الزجّاج في هذه الآية: أي كأمر آل فرعون، كذا قال أهل اللغة. قال الأزهري: والقول عندي فيه- والله أعلم- أن دأبهم هنا اجتهادهم في كفرهم وتظاهرهم على النبيّ صلّى الله عليه وسلم، كتظاهر آل فرعون على موسى عليه الصلاة والسلام يقال: دأبت أدأب دأبا ودؤوبا إذا اجتهدت في الشيء- انتهى- قال أبو البقاء: وفي ذلك تخويف لهم لعلمهم بما حل بآل فرعون وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة، فالموصول في محل جر عطف على ما قبله كَذَّبُوا بِآياتِنا بيان وتفسير لدأبهم الذي فعلوا على طريقة الاستئناف المبنيّ على السؤال المقدر فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أي عاقبهم وأهلكهم بسببها. وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ أي الأخذ بالذنب. فيه تهويل للمؤاخذة وزيادة تخويف للكفرة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 12] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (12) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بهذا الدين وهم اليهود (للزاوية الآتية) أو نصارى نجران، لأن السورة نزلت لإحقاق الحق معهم، أو أعمّ سَتُغْلَبُونَ أي في الدنيا وَتُحْشَرُونَ أي يوم القيامة إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ الفراش، أي فكفركم ككفر آل فرعون بموسى، وقد فعل بقريش لكفرهم ما رأيتم، فسيفعل بكم ما فعل بهم، وهو أنكم تغلبون كما غلبوا. وقد صدق الله وعده بقتل قريظة «1» ، وإجلاء بني النضير «2» ، وفتح خيبر «3» ، وضرب الجزية على من عداهم، وهو من أوضح شواهد النبوة. وقد روى أبو داود في سننه والبيهقيّ في الدلائل من طريق ابن إسحاق، عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود! أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد! لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله قُلْ لِلَّذِينَ.... إلى قوله لِأُولِي الْأَبْصارِ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 13]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 13] قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13) قَدْ كانَ لَكُمْ أيها الكافرون المتقدم ذكرهم آيَةٌ عبرة ودلالة على أنكم ستغلبون، وعلى أن الله معزّ دينه، وناصر رسوله، ومعل أمره فِي فِئَتَيْنِ أي فرقتين الْتَقَتا يوم بدر للقتال فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي طاعته، وهم النبيّ وأصحابه وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. معهم فرسان وست أدرع وثمانية سيوف وأكثرهم رجالة وَأُخْرى كافِرَةٌ وهم مشركو قريش وكانوا قريبا من ألف يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ أي يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين قريبا من ألفين، أراهم الله إياهم، مع قلتهم، أضعافهم ليهابوهم، ويجبنوا عن قتالهم، وكان ذلك مددا لهم من الله تعالى، كما أمدهم بالملائكة. فإن قلت: فهذا مناقض لقوله في سورة الأنفال: وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: 44] ، قلت: قللوا أولا في أعينهم حتى اجترءوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين. ونظيره في المحمول على اختلاف الأحوال قوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [الرحمن: 39] ، وقوله تعالى: وَقِفُوهُمْ، إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات: 24] ، وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم، أبلغ في القدرة وإظهار الآية- كذا في الكشاف- قلت: أو يجاب بأنهم كثروا أولا في أعينهم ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل التصافّ والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء ليقدم كل منهما على الآخر ليقضي الله أمرا كان مفعولا رَأْيَ الْعَيْنِ يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، معاينة كسائر المعاينات- كذا في الكشاف- وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ أي يقوّي بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ أي التكثير والتقليل، وغلبة القليل، مع عدم العدة، على الكثير الشاكي السلاح لَعِبْرَةً أي لاعتبارا وآية وموعظة لِأُولِي الْأَبْصارِ لذوي العقول والبصائر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 14] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)
تنبيه:
زُيِّنَ لِلنَّاسِ كلام مستأنف سيق لبيان حقارة شأن الحظوظ الدنيوية بأصنافها، وتزهيد الناس فيها، وتوجيه رغباتهم إلى ما عنده تعالى، إثر بيان عدم نفعها للكفرة الذين كانوا يتعززون بها. والمراد بالناس الجنس- قاله أبو السعود حُبُّ الشَّهَواتِ أي المشتهيات، وعبر عنها بذلك مبالغة في كونها مشتهاة مرغوبا فيها، أو تخسيسا لها، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية، مِنَ النِّساءِ في تقديمهن إشعار بعراقتهن في معنى الشهوة إذ يحصل منهن أتم اللذات وَالْبَنِينَ للتكثر بهم، وأمل قيامهم مقامهم من بعدهم، والتفاخر والزينة وَالْقَناطِيرِ أي الأموال الكثيرة وقوله: الْمُقَنْطَرَةِ مأخوذ منها للتوكيد كقولهم ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة، وإبل مؤبلة، ودراهم مدرهمة مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قال الرازيّ: وإنما كانا محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء، فمالكها كالمالك لجميع الأشياء، وصفة المالكية هي القدرة، والقدرة صفة كمال، والكمال محبوب لذاته، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذي هو محبوب لذاته وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب- لا جرم كانا محبوبين وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ أي المرسلة إلى المرعى ترعى حيث شاءت، أو التي عليها السيمياء- أي العلامة- قال أبو مسلم: المراد من هذه العلامات الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل، وهي أن تكون الأفراس غرا محجلة وَالْأَنْعامِ جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم لتحصيل الأموال النامية وَالْحَرْثِ أي الأرض المتخذة للغراس والزراعة ذلِكَ أي المذكور مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا يتمتع به فيها ثم يفنى وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ أي المرجع وهو الجنة، فينبغي الرغبة فيه دون غيره. وفي إشعاره ذم من يستعظم تلك الشهوات ويتهالك عليها، ويرجح طلبها على طلب ما عند الله، وتزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة. تنبيه: في تزيين هذه الأمور المذكورات للناس إشارة لما تضمنته من الفتنة: فأما النساء، ففي الصحيح أنه صلّى الله عليه وسلم قال «1» : ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء. وأما البنون، ففي مسند أبي يعلى عن أبي سعيد مرفوعا: الولد ثمرة القلب،
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 15]
وإنه مجبنة مبخلة محزنة، أي يجبن أبوه عن الجهاد خوف ضيعته، ويمتنع أبوه من الإنفاق في الطاعة خوف فقره، ويحزن أبوه لمرضه خوف موته ، وقد قال تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن: 14] ، وقيل لبعض النساك: ما بالك لا تبتغي ما كتب الله لك؟ قال: سمعا لأمر الله. ولا مرحبا بمن إن عاش فتنني، وإن مات أحزنني. يريد قوله تعالى: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن: 15] . وأما القناطير المقنطرة ففيها الآية قبل، وقوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: 6- 7] ، وقال تعالى: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ [الإسراء: 83] ، فما يورث البطر مثل الغنى. وبه تستجمع أسباب السؤدد والرئاسة والمجد والتفاخر. وأما الخيل فقد تكون على صاحبها وزرا: إذا ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام، كما في الصحيح «1» وفي مسند أحمد عن ابن مسعود مرفوعا: الخيل ثلاثة: ففرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان. فأما فرس الرحمن فالذي يربط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله وذكر ما شاء الله وأما فرس الشيطان فالذي يقامر أو يراهن عليه، وأما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها فهي تستر من فقر. وأما الفتنة بالأنعام والحرث ففي معنى ما تقدم. والله أعلم. ولما ذكر تعالى ما عنده من حسن المآب إجمالا، أشار إلى تفصيله مبالغة في الترغيب فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 15] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ أي الشهوات المزينة لكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الله ولم ينهمكوا في شهواتهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 16]
ولا خطر على قلب بشر، ولِلَّذِينَ اتَّقَوْا خبر المبتدأ الذي هو جَنَّاتٌ وتَجْرِي صفة لها، وعِنْدَ إما متعلق بما تعلق به الجار من معنى الاستقرار، وإما صفة للجنات في الأصل، قدّم فانتصب على الحال. والعندية مفيدة لكمال علو رتبة الجنات وسمو طبقتها خالِدِينَ فِيها أي ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولا وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ أي من الأرجاس والأدناس البدنية والطبيعية مما لا يخلو عنه نساء الدنيا غالبا وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ التنوين للتفخيم أي رضوان لا يقدر قدره. وهذه اللذة الروحانية تتمة ما حصل لهم من اللذات الجسمانية وأكبرها. كما قال تعالى في آية براءة وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72] ، أي أعظم ما أعطاهم من النعيم المقيم. روى الشيخان «1» عن أبي سعيد الخدريّ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: إن الله عزّ وجلّ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي عالم بمصالحهم فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختاره لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهّدهم فيه من أمور الدنيا. ثم وصف سبحانه الذين اتقوا ففازوا بتلك الكرامات بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 16] الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (16) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ قال الحاكم: في الآية دلالة على أنه يجوز للداعي أن يذكر طاعاته وما تقرب به إلى الله، ثم يدعو ويؤيده ما في الصحيحين من حديث أصحاب الغار «2» ، وتوسل كل منهم بصالح عمله، ثم تفريج الباري تعالى عنهم. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 17] الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (17) الصَّابِرِينَ أي على البأساء والضراء وحين البأس وَالصَّادِقِينَ في إيمانهم
وأقوالهم ونياتهم وَالْقانِتِينَ المطيعين لله الخاضعين له وَالْمُنْفِقِينَ أموالهم في سبيل الله تعالى من الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ. جمع سحر (بفتحتين وفتح وسكون) وهو الوقت الذي قبيل طلوع الفجر آخر الليل. وتسحّر إذا أكل في ذلك الوقت. قال الحرالىّ: وفي إفهامه تهجدهم في الليل كما قال تعالى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات: 17- 18] . وقال الرازيّ: واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء، لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلّى قبل ذلك. فقوله: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل- انتهى- وقد روى ابن أبي حاتم أن عبد الله بن عمر كان يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع! هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح. وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة. وروى ابن جرير عن حاطب قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا رب أمرتني فأطعتك، وهذا السحر. فاغفر لي. فنظرت فإذا هو ابن مسعود. وثبت في الصحيحين «1» وغيرهما من المسانيد والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: ينزل ربنا، تبارك وتعالى، كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر. يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ وفي رواية لمسلم: ثم يبسط يديه تبارك وتعالى ويقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم؟ وفي رواية: حتى ينفجر الفجر. قال الحافظ ابن كثير: وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطنيّ في ذلك جزءا على حدة فرواه من طرق متعددة. ويروى أن بعض الصالحين قال لابنه: يا بنيّ! لا يكن الديك أحسن منك، ينادي بالأسحار وأنت نائم، والحكمة في تخصيص الأسحار كونه وقت غفلة الناس عن التعرض للنفحات الرحمانية، والألطاف السبحانية، وعند ذلك تكون العبادة أشق، والنية خالصة، والرغبة وافرة، مع قربه، تعالى وتقدس، من عباده. قال السيوطيّ: في الآية فضيلة الاستغفار في السحر، وأن
لطيفة:
هذا الوقت أفضل الأوقات. وقال الرازيّ: واعلم أن الاستغفار بالسحر له مزيد أثر في قوة الإيمان، وفي كمال العبودية. الأول- أن وقت السحر يطلع نور الصبح بعد أن كانت الظلمة شاملة للكل، وبسبب طلوع نور الصبح كان الأموات يصيرون أحياء، فهناك وقت الجود العام، والفيض التام، فلا يبعد أن يكون عند طلوع صبح العالم الكبير، يطلع صبح العالم الصغير، وهو ظهور نور جلال الله تعالى في القلب. والثاني- أن وقت السحر أطيب أوقات النوام، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة، وأقبل على العبودية، كانت الطاعة أكمل. والثالث- نقل عن ابن عباس وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ يريد المصلين صلاة الصبح، انتهى. وهذا الثالث أخرجه ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم. وعليه، فإنما سميت الصلاة استغفارا لأنهم طلبوا بفعلها المغفرة. لطيفة: قال الزمخشريّ: الواو المتوسطة بين الصفات، للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 18] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي علم وأخبر أو قال أو بيّن أنه لا معبود حقيقيّ سوى ذاته العلية. وشهد بذلك وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ بالإقرار، وهذه مرتبة جليلة للعلماء، لقرنهم في التوحيد بالملائكة المشرفين، بعطفهم على اسم الله عزّ وجلّ قائِماً بِالْقِسْطِ أي بالعدل في أحكامه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كرره تأكيدا وليبني عليه قوله الْعَزِيزُ فلا يرام جنابه عظمة الْحَكِيمُ فلا يصدر عنه شيء إلا على وفق الاستقامة- كذا في جامع البيان-. وقال في الانتصاف: هذا التكرار لما قدمته في نظيره مما صدر الكلام به إذا طال عهده، وذلك أن الكلام مصدّر بالتوحيد، ثم أعقب التوحيد تعداد الشاهدين
لطيفة:
به، ثم قوله: قائِماً بِالْقِسْطِ وهو التنزيه. فطال الكلام بذلك فجدد التوحيد تلو التنزيه، ليلي قوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ. ولولا هذا التجديد لكان التوحيد المتقدم. كالمنقطع في الفهم مما أريد إيصاله به. والله أعلم. لطيفة: قال الرازيّ: فإن قيل: المدعي للوحدانية هو الله، فكيف يكون المدعي شاهدا؟ الجواب: من وجوه: الأول: وهو أن الشاهد الحقيقيّ ليس إلا الله، وذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ولولا تلك الدلائل لما صحت الشهادة. ثم بعد نصب تلك الدلائل، هو الذي وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل، ولولا تلك الدلائل التي نصبها الله تعالى وهدى إليها لعجزوا عن التوصل بها إلى معرفة الوحدانية، ثم بعد حصول العلم بالوحدانية، فهو تعالى وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى معرفة التوحيد. وإذا كان الأمر كذلك، كان الشاهد على الوحدانية ليس إلا الله وحده، ولهذا قال: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ [الأنعام: 19]- ثم ساق بقية الوجوه فانظره. وقال العارف الشعرانيّ، قدس سره، في كتاب (الجواهر والدرر) : سألت أخي أفضل الدين: لم شهد الحق تعالى لنفسه بأنه لا إله إلا هو؟ فقال رضي الله عنه: لينبه عباده على غناه عن توحيدهم له، وأنه هو الموحد نفسه. بنفسه. فقلت له: فلم عطف الملائكة على نفسه دون غيرهم؟ فقال: لأن علمهم بالتوحيد لم يكن حاصلا من النظر في الأدلة كالبشر، وإنما كان علمهم بذلك حاصلا من التجلي الإلهيّ، وذلك أقوى العلوم وأصدقها، فلذلك قدموا في الذكر على أولي العلم. وأيضا فإن الملائكة واسطة بين الحق وبين رسله، فناسب ذكرهم في الوسط، فاعلم ذلك، انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 19] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى، أي لا دين مرضيا لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيد والتدرع بالشريعة الشريفة- قاله أبو
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 20]
السعود- وفي الآية الأخرى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [آل عمران: 85] . وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مطلقا، أو اليهود، في دين الإسلام إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي إلا بعد أن علموا بأنه الحق الذي لا محيد عنه. ولم يكن اختلافهم لشبهة عندهم بل بَغْياً بَيْنَهُمْ أي حسدا كائنا بينهم، وطلبا للرئاسة. وهذا تشنيع عليهم إثر تشنيع وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ المنزلة فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ قائم مقام جواب الشرط. علة له. أي: فإنه تعالى يجازيه ويعاقبه على كفره عن قريب. فإنه سريع الحساب. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 20] فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20) فَإِنْ حَاجُّوكَ في الدين وجادلوك فيه بعد إقامة تلك الآيات فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ أي انقدت لآياته المنزلة، وأخلصت نفسي وعبادتي له، لا أشرك فيها غيره. قال أبو السعود: وإنما عبر عن النفس بالوجه لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى والمشاعر، ومجمع معظم ما يقع به العبادة من السجود والقراءة، وبه يحصل التوجه إلى كل شيء وَمَنِ اتَّبَعَنِ عطف على الضمير المتصل. لطيفة: هل قوله تعالى: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ، إعراض على المحاجة، أو هو محاجة وإظهار للدليل؟ فمن قائل بالأول، وذلك لأنه صلّى الله عليه وسلم كان قد أظهر لهم الحجة على صدقه قبل نزول هذه الآية مرارا وأطوارا، فإن هذه السورة مدنية، وكان قد أظهر لهم المعجزات الجمة بالقرآن وغيره، فبعد هذا قال: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ إلخ. يعني إنّا بالغنا في تقرير الدلائل وإيضاح البينات، فإن تركتم الأنف والحسد وتمسكتم بها كنتم مهتدين. وإن أعرضتم، فإن الله تعالى من وراء مجازاتكم. وهذا التأويل طريق معتاد في الكلام. فإن المحقّ إذا ابتلي بالمبطل اللجوج، وأورد عليه الحجة حالا بعد حال، فقد يقول في آخر الأمر: أما أنا ومن اتبعني فمنقادون للحق مستسلمون له، مقبلون على عبودية الله تعالى، فإن وافقتم واتبعتم الحق الذي أنا عليه بعد هذه الدلائل التي ذكرتها فقد اهتديتم، وإن أعرضتم فإن الله بالمرصاد.
فهذا طريق قد يذكره المحتجّ المحقّ مع المبطل المصرّ في آخر كلامه. ومن قائل بالثاني، أعني أنه محاجة، وفي كيفية الاستدلال منها ما ذكره أبو مسلم الأصفهانيّ، وهو أن اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا مقرين بتعظيم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، والإقرار بأنه كان محقّا في قوله، صادقا في دينه. فأمر الله تعالى محمدا صلّى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته فقال: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 123] ، ثم إنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع أن يقول كقول إبراهيم صلّى الله عليه وسلم حيث قال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 79] ، فقول محمد صلّى الله عليه وسلم: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ كقول إبراهيم عليه السلام: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ أي أعرضت عن كل معبود سوى الله تعالى، وقصدته بالعبادة، وأخلصت له. فتقدير الآية كأنه تعالى قال: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل أنا مستمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأن طريقته حقة، بعيدة عن كل شبهة وتهمة. فكان هذا من باب التمسك بالإلزامات، وداخلا تحت قوله: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] ، - نقله الرازيّ- وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أي الذين لا كتاب لهم كمشركي العرب أَأَسْلَمْتُمْ لهذه الآيات كما أسلمت، أم أنتم بعد على الكفر. قال الزمخشريّ: يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام، ويقتضي حصوله لا محالة، فهل أسلمتم، أم أنتم بعد على كفركم؟ وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة، ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته: هل فهمتها؟ ومنه قوله عزّ وعلا: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91] . بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر. وفي هذا الاستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه للحق، وللمعاند بعد تجلي الحجة ما يضرب أسدادا بينه وبين الإذعان. وكذلك في (هل فهمتها) توبيخ بالبلادة وكلّة القريحة، وفي فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ بالتقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهيّ عنه. انتهى. فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا أي خرجوا من الضلال فنفعوا أنفسهم وَإِنْ تَوَلَّوْا عن هداك وهديك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أي تبليغ آيات الله، لا الإكراه إذا عاندوك، إذ ليس عليك هداهم وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ وعد ووعيد. قال ابن كثير: وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث. فمن ذلك قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 21]
رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: 158] ، وقال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان: 1] . وفي الصحيحين «1» وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه صلّى الله عليه وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق، وطوائف بني آدم، من عربهم وعجمهم، كتابيّهم وأميّهم، امتثالا لأمر الله له بذلك. وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن همّام عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال «2» : والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهوديّ ولا نصرانيّ، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار. رواه مسلم. وقال صلّى الله عليه وسلم «3» : بعثت إلى الأحمر والأسود. وقال «4» : كان النبيّ يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة . إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 21] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ وهم اليهود. قتلوا زكريا وابنه يحيى عليهما السلام، وقتلوا حزقيال عليه السلام، قتله قاض يهوديّ لما نهاه عن منكر فعله، وزعموا أنهم قتلوا عيسى ابن مريم عليهما السلام. ولما كان المخاطبون راضين بصنيع أسلافهم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 22]
صحت هذه الإضافة إليهم. وقوله تعالى: بِغَيْرِ حَقٍّ إشارة إلى أن قتلهم للأنبياء كان بغير حق، في اعتقادهم أيضا، فهو أبلغ في التشنيع عليه فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 22] أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (22) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي بطلت أعمالهم التي اعملوها من البر والحسنات في الدارين، أما الدنيا فإبدال المدح بالذم، والثناء باللعن والخزي، ويدخل فيه ما ينزل بهم من القتل والسبي وأخذ الأموال منهم غنيمة، والاسترقاق لهم، إلى غير ذلك من الذل والصغار الظاهر فيهم. وأما حبوطها في الآخرة، فإبدال الثواب بالعذاب الأليم. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ينصرونهم من عذاب الله. وقد دلت الآية على عظم حال من يأمر بالمعروف، وعظم ذنب قاتله، لأنه قرن ذلك بالكفر بالله تعالى، وقتل الأنبياء. قال الحاكم: وتدل على صحة ما قيل، أنه يأمر بالمعروف وإن خاف على نفسه. وأن ذلك يكون أولى لما فيه من إعزاز الدين. في الحديث «1» : أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 23] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ التوراة. والمراد بهم أحبار اليهود يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ وهو القرآن لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ استبعاد لتوليهم بعد علمهم أن الرجوع إلى كتاب الله واجب، إذ قامت عليهم الحجج الدالة على تنزيله وَهُمْ مُعْرِضُونَ حال من فريق، أي معرضون عن قبول حكمه. أو اعتراض، أي وهم قوم ديدنهم الإعراض عن الحق، والإصرار على الباطل. ومن المفسرين من حمل قوله يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ على التوراة، وأن الآية إشارة إلى
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 24]
قصة «1» تحاكم اليهود إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم لما زنى منهم اثنان، فحكم عليهما بالرجم، فأبوا وقالوا: لا نجد في كتابنا إلا التحميم، فجيء بالتوراة فوجد فيها الرجم، فرجما، فغضبوا فشنع عليهم بهذه الآية. والله أعلم. قال بعض المفسرين: وللآية ثمرتان: الأولى: أن من دعى إلى كتاب الله وإلى ما فيه من شرع وجب عليه الإجابة. وقد قال العلماء رضي الله عنهم: يستحب أن يقول سمعا وطاعة، لقوله تعالى: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور: 51] . الثمرة الثانية: أن الإسلام ليس بشرط في الإحصان، لأنه صلّى الله عليه وسلم رجم اليهوديين، ونزلت الآية مقررة له. انتهى- أي على القول بذلك، والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 24] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) ذلِكَ إشارة إلى التولي والإعراض بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أي بسبب تسهيلهم أمر العقاب على أنفسهم وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من قولهم ذلك. وفي التعبير بالغرور والافتراء إعلام بأن ما حدّثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمّع بما لا يكون. ثم رد قولهم المذكور، وأبطل ما غرهم باستعظام ما أعدّ لهم، وتهويله، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 25]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 25] فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (25) فَكَيْفَ يصنعون، وكيف تكون حالتهم إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ أي في يوم لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك، وهو يوم القيامة وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أي جزاء ما عملت من خير أو شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ الضمير لكل نفس على المعنى. لأنه في معني كل إنسان. أي لا يظلمون بزيادة عذاب، أو بنقص ثواب. ثم علّم تعالى نبيه صلّى الله عليه وسلم كيف يدعوه ويمجده بقوله. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 26] قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ أي مالك جنس الملك على الإطلاق ملكا حقيقيا بحيث تتصرف فيه كيفما تشاء. إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة. وتعذيبا وإثابة. من غير مشارك ولا ممانع تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ بيان لبعض وجوه التصرف الذي تستدعيه مالكية الملك، وتحقيق لاختصاصها به تعالى حقيقة، وكون مالكية غيره بطريق المجاز، كما ينبئ عنه إيثار (الإيتاء) الذي هو مجرد الإعطاء على (التمليك) المؤذن بثبوت المالكية حقيقة- أفاده أبو السعود- وفي التعبير ب (من) العامة للعقلاء إشعار بمنال الملك من لم يكن من أهله، وأخص الناس بالبعد منه العرب، ففيه إشعار بأن الله ينوّل ملك فارس والروم العرب، كما وقع منه ما وقع، وينتهي منه ما بقي، إلى من نال الملك بسببها وعن الاستناد إليها، من سائر الأمم الذي دخلوا في هذه الأمة من قبائل الأعاجم، وصنوف أهل الأقطار، حتى ينتهي الأمر إلى أن يسلب الله الملك جميع أهل الأرض بظهور ملك يوم الدين- كذا في البقاعيّ- وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 27] تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27)
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 28]
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي تدخل أحدهما في الآخر، إما بالتعقيب أو بالزيادة والنقص وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ كالحيوان من النطف والنطف منه، والبيض من الطير وعكسه. وقيل: إخراج المؤمن من الكافر وبالعكس. قال القفال: والكلمة محتملة للكل، أما الكفر والإيمان فقال تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الأنعام: 122] . يريد كان كافرا فهديناه، فجعل الموت كفرا والحياة إيمانا، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء، وجعلها قبل ذلك ميتة، فقال: يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [الروم: 50] . وقال: فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [فاطر: 9] . وقال: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: 28] . وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أي رزقا واسعا غير محدود. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 28] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ جمع وليّ، ومعانيه كثيرة، منها المحب والصديق والنصير. قال الزمخشريّ: نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر. وقد كرر ذلك في القرآن: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: 51] . لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: 51] . لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... [المجادلة: 22] الآية، - والمحبة في الله، والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان. وقوله تعالى: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ حال. أي متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالا أو اشتراكا، وفيه إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ أي ومن يوال الكفرة فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية، يعني أنه منسلخ من ولاية الله رأسا. وهذا أمر معقول، فإن موالاة الوليّ وموالاة عدوه متنافيان، قال: تود عدوّي ثم تزعم أنني ... صديقك. ليس النوك عنك بعازب - أفاده الزمخشريّ- إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً أي تخافوا منهم محذورا،
تنبيه:
فأظهروا معهم الموالاة باللسان دون القلب لدفعه، كما قال البخاريّ عن أبي الدرداء أنه قال «1» : إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم. وأصل تُقاةً وقية، ثم أبدلت الواو تاء، كتخمة وتهمة وقلبت الياء ألفا. وفي المحكم: تقاة يجوز أن يكون مصدرا وأن يكون جمعا، والمصدر أجود، لأن في القراءة الأخرى: تقية. تنبيه: قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية الكريمة تحريم موالاة الكفار، لأن الله تعالى نهى عنها بقوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، ثم استثنى تعالى (التقية) فرخص في موالاتهم لأجلها. فتجوز معاشرة ظاهرة، والقلب مطمئن بالعداوة لهم والبغضاء وانتظار زوال المانع. وقد قال الحاكم: في الآية دلالة على جواز إظهار تعظيم الظلمة، اتقاء لشرهم. قال: وإنما يحسن بالمعاريض التي ليست بكذب، وقال الصادق: التقية واجبة، وإني لأسمع الرجل في المسجد يشتمني فأستتر عنه بالسارية لئلا يراني. وعن الحسن: تقية باللسان، والقلب مطمئن بالإيمان. واعلم أن الموالاة، التي هي المباطنة والمشاورة وإفضاء الأسرار للكفار، لا تجوز، فإن قيل: قد جوز كثير من العلماء نكاح الكافرة، وفي ذلك من الخلطة والمباطنة بالمرأة ما ليس بخاف، فجواب ذلك: أن المراد موالاتهم في أمر الدين، وفيما فيه تعظيم لهم. فإن قيل. في سبب نزول الآية أنه صلّى الله عليه وسلم منع عبادة بن الصامت عن الاستعانة باليهود على قريش، وقد حالف رسول الله صلّى الله عليه وسلم اليهود على حرب قريش، وفي هذا دلالة على جواز الاستعانة بهم، وقد ذكر الراضي بالله أنه يجوز الاستعانة بالفسّاق على حرب المبطلين. قال: وقد حالف رسول الله صلّى الله عليه وسلم اليهود على حرب قريش وغيرها إلى أن نقضوه يوم الأحزاب. وحدّ صلّى الله عليه وسلم الحلف بينه وبين خزاعة. قال الراضي بالله: وهو ظاهر عن آبائنا عليهم السلام، وقد استعان عليّ عليه السلام بقتلة عثمان. ولعل الجواب- والله أعلم- أن الاستعانة جائزة مع الحاجة إليها. ويحمل على هذا استعانة الرسول صلّى الله عليه وسلم لليهود. وممنوعة مع عدم الحاجة، أو خشية مضرة منهم. وعليه يحمل حديث عبادة بن الصامت. فصارت الموالاة المحظورة
تكون بالمعاداة بالقلب للمؤمنين والمودة للكفار على كفرهم، ولا لبس في تحريم ذلك، ولا يدخله استثناء والموالاة بإظهار التعظيم وحسن المخاللة والمصادقة بإظهار الأسرار ونحو ذلك، فلا لبس في تحريم ذلك ولا يدخله استثناء. والموالاة بإظهار التعظيم وحسن المخاللة والمشاورة فيما لا يضر المسلمين، فظاهر كلام الزمخشريّ أنه لا يجوز إلا للتقية. فحصل من هذا أن الموالي للكافر والفاسق عاص، ولكن أين تبلغ معصيته؟ يحتاج إلى تفصيل: إن كانت الموالاة بمعنى الموادة، وهي أن يوده لمعصيته كان ذلك كالرضا بالمعصية. وإن كانت الموالاة كفرا. كفر. وإن كانت فسقا، فسق. وإن كانت لا توجب كفرا ولا فسقا، لم يكفر ولم يفسق. وإن كانت الموالاة بمعنى المحالفة والمناصرة، فإن كانت محالفة على أمر مباح أو واجب، كأن يدفع المؤمنون عن أهل الذمة من يتعرض لهم. ويخالفونهم على ذلك، فهذا لا حرج فيه بل هو واجب. وإن كانت على أمر محظور كأن يحالفوهم على أخذ أموال المسلمين والتحكم عليهم، فهذه معصية بلا إشكال، وكذلك إذا كانت بمعنى أنه يظهر سر المسلمين ويحبّ سلامة الكافرين لا لكفرهم بل ليد لهم عليه أو لقرابة أو نحو ذلك، فهذا معصية بلا إشكال. لكن لا تبلغ حدها الكفر لأنه لم يرو أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم حكم بكفر حاطب بن أبي بلتعة. وقال الراضي بالله: إن مناصرة الكفار على المسلمين توجب الكفر. لأنه صلّى الله عليه وسلم قال للعباس: ظاهرك علينا. وقد اعتذر بأنه خرج مكرها. وأما مجرد الإحسان إلى الكافر فجائز لا ليستعين به على المسلمين، ولا لإيناسه. وكذلك أن يضيق لضيقه في قضية معينة لأمر مباح فجائز، كما كان من ضيق المسلمين من غلب فارس الروم. فصار تحقيق المذهب أن الذي يوجب الكفر من الموالاة أن يحصل من الموالي الرضا بالكفر. والذي يوجب الفسق أن يحصل الرضا بالفسق. إن قيل: فما حكم من يجند مع الظلمة ليستعينوا به على الجبايات وأنواع الظلم؟ قلنا: عاص بلا إشكال، وفاسق بلا إشكال لأنه صار من جملتهم. وفسقهم معلوم. فإن قيل: فإن تجند معهم لحرب إمام المسلمين؟ قلنا: صار باغيا، وحصل فسقه من جهة البغي والظلم. فإن قيل: حكي عن المهديّ عليّ بن محمد عليه السلام أنه كفّر من تجند مع سلطان اليمن وقضى بردته، قلنا: هذا يحتاج إلى بيان وجه التكفير بدليل قطعيّ، وإن ساغ أن نقول ذلك اصطلاح لأمر الإمام كما رد الهادي عليه السلام شهادة من امتنع من بيعة الإمام كان ذلك محتملا- انتهى كلامه رحمه الله. ومن هذه الآية استنبط الأئمة مشروعية التقية عند الخوف، وقد نقل الإجماع
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 29]
على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه (إيثار الحق على الخلق) فقال ما نصه: وزاد الحق غموضا وخفاء أمران: أحدهما: خوف العارفين، مع قلتهم، من علماء السوء وسلاطين الجور، وشياطين الخلق، مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن وإجماع أهل الإسلام. وما زال الخوف مانعا من إظهار الحق، ولا برح المحق عدوّا لأكثر الخلق. وقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في ذلك العصر الأول: حفظت من رسول الله صلّى الله عليه وسلم «1» وعاءين فأما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم. وما زال الأمر في ذلك يتفاحش. وقد صرح الغزاليّ بذلك في خطبة (المقصد الأسنى) ولوّح بمخالفته أصحابه فيها كما صرح بذلك في شرح (الرحمن الرحيم) فأثبت حكمة الله ورحمته، وجوّد الكلام في ذلك، وظن أنهم لا يفهمون المخالفة، لأن شرح هذين الاسمين ليس هو موضع هذه المسألة، ولذلك طوى ذلك، وأضرب عنه في موضعه، وهو اسم الضار كما يعرف ذلك أذكياء النظار. وأشار إلى التقية الجوينيّ في مقدمات (البرهان) في مسألة قدم القرآن. والرازيّ في كتابه المسمّى (بالأربعين في أصول الدين) - إلى آخر ما ساقه المرتضى فانظره. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي ذاته المقدسة، فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه، وموالاة أعدائه، وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهيّ في القبح. وذكر النفس، ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى، فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أي المنقلب والمرجع ليجازي كل عامل بعمله. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 29] قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هذا توعد. وأراد إخفاء مودة الكفار وموالاتهم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 30]
وإظهارها. أو تكذيب النبيّ صلّى الله عليه وسلم. أو الكفر. وفي هذه الآية تنبيه منه تعالى لعباده على خوفه وخشيته لئلا يرتكبوا ما نهى عنه، فإنه عالم بجميع أمورهم وقادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظر من أنظر منهم فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال بعد هذا: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 30] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (30) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً بصور تناسبه، أو في صحف الملائكة، أو المعنى جزاء ما عملت وَتجد ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أي عملها السوء أَمَداً بَعِيداً أي غاية بعيدة لا يصل أحدهما إلى الآخر، و (تود) في موضع الحال. والتقدير: وتجد ما عملت من سوء محضرا، وادّة ذلك وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ كرره ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه كذا في الكشاف-. وقال أبو السعود: تكرير لما سبق وإعادة له، لكن لا للتأكيد فقط، بل لإفادة ما يفيده قوله عزّ وجلّ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ من أن تحذيره تعالى من رأفته بهم، ورحمته الواسعة، أو أن رأفته بهم لا تمنع تحقيق ما حذرهموه من عقابه، وأن تحذيره ليس مبنيّا على تناسي صفة الرأفة، بل هو متحقق مع تحققها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 31] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه تلك، حتى يتبع الشرع المحمديّ في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح «1» عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: من
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 32]
عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 32] قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (32) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن الطاعة فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 33] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (33) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى أي اختار بالنبوة آدَمَ فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة وَاصطفى نُوحاً فجعله أول رسول إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ونجى من اتبعه في السفينة وأغرق من عصاه وَاصطفى آلَ إِبْراهِيمَ أي عشيرته وذوي قرباه، وهم إسماعيل وإسحاق والأنبياء من أولادهما الذين من جملتهم النبيّ صلّى الله عليه وسلم، وأما اصطفاء نفسه عليه الصلاة والسلام فمفهوم من اصطفائهم بطريق الأولوية. وعدم التصريح به للإيذان بالغنى عنه لكمال شهرة أمره في الخلة، وكونه إمام الأنبياء وقدوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكون اصطفاء آله بدعوته بقوله: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة: 129] ، - الآية- ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: أنا دعوة أبي إبراهيم وَاصطفى آلَ عِمْرانَ إذ جعل فيهم عيسى عليه الصلاة والسلام الذي أوتي البينات وأيد بروح القدس، والمراد بعمران هذا والد مريم أم عيسى عليهما السلام عَلَى الْعالَمِينَ أي عالمي زمانهم. أي اصطفى كل واحد منهم على عالمي زمانه. قال السيوطيّ في (الإكليل) : يستدل بهذه الآية على تفضيل الأنبياء على الملائكة لدخولهم في العالمين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 34] ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) ذُرِّيَّةً أي نسلا. نصب على البدلية من الآلين، أو على الحالية منهما.
لطيفة:
لطيفة: الذرية مثلثة، ولم تسمع إلا غير مهموزة. اسم لنسل الثقلين. وقد تطلق على الآباء والأصول أيضا. قال الله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس: 41] . قال الصاغانيّ: وفي اشتقاقها وجهان: أحدهما أنها من الذرء ووزنها فعولة أو فعيلة، والثاني: أنها من الذرّ بمعنى التفريق لأن الله ذرهم في الأرض ووزنها فعلية أو فعولة أيضا. وأصلها ذرورة فقلبت الراء الثالثة ياء كما في تقضت العقاب. كذا في القاموس وشرحه. بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ في محل النصب على أنه صفة لذرية. أي اصطفى الآلين حال كونهم ذرية متسلسلة البعض من البعض في وراثة الاصطفاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوال العباد عَلِيمٌ بضمائرهم وأفعالهم. وإنما يصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولا وفعلا. ونظيره قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: 124] . وقوله: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ [الأنبياء: 90] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 35] إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ في حيز النصب على المفعولية، بفعل مقدر على طريقة الاستئناف لتقرير اصطفاء آل عمران، وبيان كيفيته. أي اذكر لهم وقت قولها إلخ. وامرأة عمران هذه هي أم مريم عليها السلام. فائدة: قال العلامة النوريّ في (غبث النفع) : (امرأت عمران) رسمت بالتاء، وكل ما في كتاب الله جلّ ذكره من لفظ (امرأة) فبالهاء. سبعة مواضع، هذا الأول، والثاني والثالث بيوسف (امرأت العزيز تراود) (امرأت العزيز الآن) والرابع بالقصص (امرأت فرعون) الخامس والسادس والسابع بالتحريم (امرأت نوح وامرأت لوط وامرأت فرعون) فلو وقف عليها، فالمكيّ والنحويان يقفون بالهاء، والباقون بالتاء- انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 36]
رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً أي مخلصا للعبادة (عن الشعبيّ) أو خادما يخدم في متعبداتك، حرره جعله نذيرا في خدمة المعبد ما عاش، لا يسعه تركه في دينه (عن الزجاج) . وفي الآية دلالة على صحة نذر الأم بولدها، وأن للأم الانتفاع بالولد الصغير لمنافع نفسها، لذلك جعلته للغير. والمعنى: نذرته وقفا على طاعتك، لا أشغله بشيء من أموري. قال أبو منصور في (التأويلات) : جعلت ما في بطنها لله خالصا لم تطلب منه الاستئناس به ولا ما يطمع الناس من أولادهم، وذلك من الصفوة التي ذكر عزّ وجلّ. وهكذا الواجب على كل أحد إذا طلب ولدا أن يطلب للوجه الذي طلبت امرأة عمران وزكريا حيث قال: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: 38] ، وما سأل إبراهيم رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: 100] ، وكقوله: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الفرقان: 74] ، هكذا الواجب أن يطلب الولد، لا ما يطلبون من الاستئناس والاستنصار والاستعانة بأمر المعاش بهم- انتهى-. فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي تقبل مني قرباني وما جعلت لك خالصا، والتقبل أخذ الشيء على وجه الرضا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 36] فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (36) فَلَمَّا وَضَعَتْها الضمير لما في بطني، وإنما أنث على المعنى، لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله، أو على تأويل النفس أو النسمة قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى أي وكنت رجوت أن يكون ذكرا، وإنما تحسرت أو اعتذرت إذ جهلت قدرها وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ قرئ في السبع بسكون التاء وضمها، فعلى القراءة الأولى تكون الجملة المعترضة من كلامه تعالى إما لدفع ما يتراءى من أن قولها رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى قصدت بها إعلام الله تعالى عن أن يحتاج إلى إعلامها، فأزيلت الشبهة بقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ هذا ما يتراءى لي. وإما لما ذكروه من أن الاعتراض تعظيم من جهته تعالى لموضوعها، وتفخيم لشأنه، وتجهيل لها بقدره، أي والله أعلم بالنفس التي وضعتها، وما علق بها من عظائم الأمور، وجعلها وابنها آية للعالمين، وهي غافلة عن ذلك. وعلى القراءة الثانية أعني ضم التاء، فالاعتراض من كلامها. إما للوجه الأول من الوجهين السابقين كما استظهرته، أو لما ذكروه من
لطيفة:
قصد الاعتذار إلى الله تعالى حيث أتت بمولود لا يصلح لما نذرته، أو تسلية نفسها على معنى: لعل لله تعالى فيه سرّا وحكمة، ولعل هذه الأنثى خير من الذكر وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى جملة معترضة أيضا، إما من كلامه تعالى قصد به معذرتها في التحسر والتحزن ببيان فضل الذكر على الأنثى، ولذا جبلت النفوس على الرغبة فيه دونها لا سيما في هذا المقام أعني مقام قصد إخلاص النذير للعبادة. فإن الذكر يفضلها من وجوه منها: أن الذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة ولا يصح ذلك في الأنثى لمكان الحيض فيه وسائر عوارض النسوان. ومنها: أن الذكر يصلح لقوّته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى على الخدمة. ومنها: أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى. ومنها: أن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى. فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المقام. واللام في (الذكر والأنثى) على هذا الملحظ، للجنس- كذا ظهر لي- وعلى قولهم اللام للعهد فيهما أي ليس الذكر الذي طلبته وتخيلت فيه كمالا، قصاراه أن يكون كواحد من الأحبار، كالأنثى التي وهبت لها. فإن دائرة علمها وأمنيتها لا تكاد تحيط بما فيها من جلائل الأمور. هذا، وإما أن تكون هذه الجملة من كلامها، والقصد حينئذ تأكيد الاعتذار ببيان أن الذكر ليس كالأنثى في الفضيلة والمزية، وصلاحية خدمة المتعبدات، فإنهنّ بمعزل عن ذلك، فاللام للجنس. لطيفة: قيل: قياس كونه من قولها أن يكون (وليست الأنثى كالذكر) فإن مقصودها تنقيص الأنثى بالنسبة إلى الذكر. والعادة في مثله أن ينفي عن الناقص شبهة بالكامل، لا العكس. قال الناصر في (الانتصاف) وقد وجد الأمر في ذلك مختلفا فلم يثبت عين ما قيل. ألا ترى إلى قوله تعالى: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [الأحزاب: 32] ، فنفى عن الكامل شبه الناقص، مع أن الكمال لأزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلم ثابت بالنسبة إلى عموم النساء، وعلى ذلك جاءت عبارة امرأة عمران، والله أعلم. ومنه أيضا: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل: 17] . انتهى. وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ قال المفسرون: هي في لغتهم بمعنى العابدة، سمتها بذلك رجاء وتفاؤلا أن يكون فعلها مطابقا لاسمها. لكن رأيت في تأويل الأسماء الموجودة في التوراة والإنجيل أن مريم معناه مرارة أو مر البحر. فلينظر. قال السيوطيّ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 37]
في (الإكليل) : في الآية دليل على جواز تسمية الأطفال يوم الولادة وأنه لا يتعين يوم السابع.، لأنه إنما قالت هذا بأثر الوضع، كما فيها مشروعية التسمية للأم، وأنها لا تختص بالأب. ثم طلبت عصمتها فقالت: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ أي أجيرها بحفظك وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ أي المطرود لمخالفتك، فلا تجعل عليها وعلى ذريتها له سلطانا يكون سببا لطردهما. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 37] فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ أي قبلها أو تكفل بها. ولم يقل (بتقبّل) ، للجمع بين الأمرين: التقبل الذي هو الترقي في القبول، والقبول الذي يقتضي الرضا والإثابة. قال المهايميّ: بقبول حسن يجعلها فوق كثير من الأولياء وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً بجعل ذريتها من كبار الأنبياء- انتهى- وقال الزمخشريّ: نباتها مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها، أي كالصلاح والسداد والعفة والطاعة وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا أي ضمها إليه، وقرئ بالتشديد. ونصب زكريا ممدودا أو مقصورا والفاعل الله. أي جعله كافلا لها وضامنا لمصالحها، وقائما بتدبير أمورها. وقد روي أن أمها أخذتها وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها إذ كانت بنت إمامهم، وصاحب قربانهم، وأحبّ كلّ أن يحظى بتربيتها، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها. عندي خالتها، فأبوا إلا القرعة، وانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم، على أن ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها، فطفا قلم زكريا، ورسبت أقلامهم، وإليه الإشارة بقوله تعالى في آية أخرى: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران: 44] . فأخذها زكريا وربّاها في حجر خالتها، حتى إذا نشأت وبلغت مبالغ النساء، انزوت في محرابها تتعبد فيه وصارت بحيث كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. في الآية مسائل: الأولى- في معنى المحراب: في القاموس وشرحه ما نصه: والمحراب: الغرفة
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 38]
والموضع العالي، نقله الهرويّ في غريبه عن الأصمعيّ، قال وضاح اليمن: ربة محراب إذا جئتها ... لم ألقها أو أرتقي سلّما وقال أبو عبيدة: المحراب سيد المجالس ومقدمها وأشرفها. قال: وكذلك هو من المساجد وعن الأصمعيّ: العرب تسمي القصر محرابا لشرفه. وقال الأزهريّ: المحراب عند العامة الذي يفهمه الناس مقام الإمام من المسجد. قال ابن الأنباريّ: سمي محراب المسجد لانفراد الإمام فيه، وبعده من القوم. ومنه يقال: فلان حرب لفلان إذا كان بينهما بعد وتباغض. وفي المصباح: ويقال هو مأخوذ من المحاربة لأن المصلي يحارب الشيطان ويحارب نفسه بإحضار قلبه، ثم قال: ومحاريب بني إسرائيل هي مساجدهم التي كانوا يجلسون فيها. انتهى. الثانية- في الآية دليل على وقوع الكرامة لأولياء الله تعالى، كما وجد، عند خبيب «1» بن عديّ الأنصاري رضي الله عنه المستشهد بمكة، قطف عنب. كما في البخاريّ. وفي الكتاب والسنة لهذا نظائر كثيرة، ومن اللطائف هنا ما نقله الإمام الشعرانيّ في (اليواقيت) عن العارف أبي الحسن الشاذليّ قدس سره أنه قال: إن مريم عليها السلام كان يتعرف إليها في بدايتها بخرق العوائد بغير سبب تقوية لإيمانها وتكميلا ليقينها، فكانت كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا. فلما قوي إيمانها ويقينها ردت إلى السبب لعدم وقوفها معه، فقيل لها: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا، انتهى. الثالثة- قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ إلخ تعليل لكونه من عند الله. إما من تمام كلامها فيكون في محل نصب. وإما من كلامه عزّ وجلّ فهو مستأنف. ومعنى (بغير حساب) أي بغير تقدير لكثرته. وإما بغير استحقاق تفضلا منه تعالى. الرابعة- زكريا المنوه به هنا هو والد يحيى عليهما السلام. ومعنى زكريا تذكار الرب كما في تأويل أسماء التوراة والإنجيل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 38] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38)
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 39]
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ كلام مستأنف، وقصة مستقلة، سيقت في تضاعيف حكاية مريم. لما بينهما من قوة الارتباط، وشدة الاشتباك، مع ما في إيرادها من تقرير ما سيقت له حكايتها من بان اصطفاء آل عمران. فإن فضائل بعض الأقرباء أدلة على فضائل الآخرين. وهنا ظرف مكان، أي في ذلك المكان، حيث هو عند مريم في المحراب، أو ظرف زمان أي في ذلك الوقت، إذ يستعار (هنا وثمت وحيث) للزمان، دعا زكريا ربه لما رأى كرامة مريم على الله ومنزلتها منه تعالى رغب في أن يكون له من زوجته ولد مثل ولد أختها في النجابة والكرامة على الله تعالى. وإن كانت عاقرا عجوزا- كذا في أبي السعود- والذرية هنا الولد، قال الزمخشريّ: تقع على الواحد والجمع، وقد سبق الكلام عليها قريبا عند قوله تعالى ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ قوله طَيِّبَةً بمعنى مطيعة لك، لأن ذلك طلبة أهل الخصوص كما سبق إيضاحه في آية رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ.... إلخ. وقوله تعالى إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ أي مجيبه، وقد أجابه الحق تعالى، فأرسل إليه الملائكة مبشرة كما قال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 39] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ أي على ألسنتنا بِيَحْيى وقد قرئ في السبع بكسر إن وفتحها، ولفظ (يحيى) معرّب عن (يوحنا) اسمه في العبرانية. ومعنى يوحنا نعمة الرب. كما في تأويل أسماء التوراة والإنجيل مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي بنبيّ خلق بكلمة (كن) من غير أب. يرسله الله إلى عباده فيصدقه هو. وذلك عيسى عليه السلام وَسَيِّداً أي يسود قومه ويفوقهم وَحَصُوراً أي لا يقرب النساء حصرا لنفسه أي منعا لها عن الشهوات عفة وزهدا واجتهادا في الطاعة وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ أي ناشئا منهم لأنه من أصلابهم. أو كائنا من جملتهم. كقوله: وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [البقرة: 130] . ولما تحقق زكريا عليه السلام هذه البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 40]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 40] قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40) قالَ رَبِّ أَنَّى أي كيف أو من أين يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أي أدركني الكبر الكامل المانع من الولادة فأضعفني وَامْرَأَتِي عاقِرٌ أي ذات عقر، فهو على النسب، وهو في المعنى مفعول أي معقورة، ولذلك لم يلحق تاء التأنيث قالَ كَذلِكَ يكون لك الولد على الحال التي أنت وزوجتك عليها لأن الله تعالى لا يحتاج إلى سبب بل اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر. وفي إعراب كَذلِكَ أوجه. منها: أنه خبر لمحذوف أي الأمر كذلك. وقوله تعالى: اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ بيان له. ومنها أن الكاف في محل النصب على أنها في الأصل نعت لمصدر محذوف. أي الله يفعل ما يشاء فعلا من ذلك الصنع العجيب الذي هو خلق الولد من شيخ فان وعجوز عاقر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 41] قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (41) قالَ زكريا رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي علامة أعرف بها حصول الحمل. وإنما سألها لكون العلوق أمرا خفيّا لا يوقف عليه. فأراد أن يعلمه الله به من أوله ليتلقى تلك النعمة بالشكر من أولها ولا يؤخره إلى أن يظهر ظهورا معتادا قالَ الله تعالى آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ أي أن لا تقدر على تكليمهم ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً أي إشارة بيد أو رأس. وإما جعلت آيته ذلك لتخليص المدة لذكره تعالى شكرا على ما أنعم به عليه. وقيل: كان ذلك عقوبة منه تعالى بسبب سؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه- حكاه القرطبيّ عن أكثر المفسرين- وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً أي ذكرا كثيرا وَسَبِّحْ أي وسبحه بِالْعَشِيِّ وهو آخر النهار. ويقع العشي أيضا على ما بين الزوال والغروب وَالْإِبْكارِ وهو الغدوة أو من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس. قال السيوطيّ في (الإكليل) : في الآية الحث على ذكر الله تعالى وهو من شعب الإيمان. قال محمد بن كعب: لو رخص الله لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا لأنه منعه من الكلام وأمره بالذكر- أخرجه ابن أبي حاتم-.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 42]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 42] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (42) وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ شروع في تتمة فضائل آل عمران. قال المهايميّ: فيه إشارة إلى جواز تكليم الملائكة الوليّ، ويفارق النبيّ في دعوى النبوة إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ بالتقريب والمحبة وَطَهَّرَكِ عن الرذائل ليدوم انجذابك إليه وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ بالتفضيل وبما أظهره من قدرته العظيمة حيث خلق منك ولدا من غير أب، ولم يكن ذلك لأحد من النساء. وفي (الإكليل) : استدل بهذه الآية من قال بنبوة مريم. كما استدل بها من فضلها على بنات النبيّ صلّى الله عليه وسلم وأزواجه. وجوابه: أن المراد عالمي زمانها- قاله السدّيّ-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 43] يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ أي اعبديه شكرا على اصطفائه وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أي لتزدادي بكثرة السجود والصلاة قربا. قال البقاعيّ: الظاهر أن المراد بالسجود هنا ظاهره، وبالركوع الصلاة نفسها، فكأنه قيل: واسجدي مصلية، ولتكن صلاتك مع المصلين، أي في جماعة، فإنك في عداد الرجال لما خصصت به من الكمال. ثم قال: وإنما قلت هذا لأني تتبعت التوراة فلم أره ذكر فيها الركوع في صلاة إبراهيم ولا من بعده من الأنبياء عليهم السلام، ولا أتباعهم إلا في موضع واحد، لا يحسن جعله فيه على ظاهره. ورأيته ذكر الصلاة فيها على ثلاثة أنحاء: الأول- إطلاق لفظها من غير بيان كيفية، والثاني- إطلاق لفظ السجود مجردا، والثالث- إطلاقه مقرونا بركوع أو حبو أو خرور على الوجه. ونحو ذلك. ثم ساق البقاعيّ ما وقع من النصوص في ذلك. وقال بعد: فالذي فهمته من هذه الأماكن وغيرها أن الصلاة عندهم تطلق على الدعاء وعلى فعل هو مجرد السجود، فإن ذكر معه ما يدل على وضع الوجه على الأرض فذاك، وحينئذ يسمى صلاة. وإلا كان المراد به مطلق الانحناء للتعظيم. وذلك موافق للغة، قال في القاموس: سجد خضع، والخضوع التطامن، وأما المكان الذي ذكر فيه الركوع فالظاهر أن معناه فعل الشعب كله ساجدا لله، لأن الركوع يطلق في اللغة على معان، منها الصلاة يقال: ركع أي صلى،
لطيفة:
وركع إذا انحنى كثيرا، ولا يصح حمل الركوع على ظاهره لأنه لا يمكن في حال السجود، وإن ارتكب فيه تأويل لم يكن تأويل مما ذكرته في الركوع- والله أعلم- واحتججت باللغة لأن مترجم نسخة التوراة، التي وقعت لي، في عداد البلغاء، يعرف ذلك من تأمل مواقع ترجمته لها. على أن سألت عن صلاة اليهود الآن فأخبرت أنه ليس فيها ركوع، ثم رأيت البغويّ صرح في قوله تعالى وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43] . بأن صلاتهم لا ركوع فيها، وكذا ابن عطية وغيرهما. انتهى كلام البقاعيّ. لطيفة: قال السيوطيّ في (الإكليل) : في الآية دليل على أن الجماعة مطلوبة في الصلاة، وعلى أن المرأة تندب لها الجماعة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 44] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) ذلِكَ إشارة إلى ما سبق مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أي الأنباء المغيبة عنك نُوحِيهِ إِلَيْكَ مطابقا لما في كتابهم. وتذكير الضمير في نُوحِيهِ بجعل مرجعه ذلك وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ أي وما كنت معاينا لفعلهم وما جرى من أمرهم في شأن مريم إذ يلقون أقلامهم أي سهامهم التي جعلوا عليها علامات يعرف بها من يكفل مريم على جهة القرعة وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ بسببها تنافسا في كفالتها وقد روي عن قتادة وغيره أنهم ذهبوا إلى نهر الأردنّ واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم. فأيهم ثبت في جرية الماء فهو كافلها. فألقوا أقلامهم، فاحتملها الماء إلا قلم زكريا، فإنه ثبت، ويقال إنه ذهب صاعدا يشق جرية الماء- والله أعلم. قال أبو مسلم: معنى يلقون أقلامهم، مما كانت الأمم تفعله من المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها أسماءهم، فمن خرج له السهم سلم له الأمر، وقد قال الله تعالى: فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات: 141] ، وهو شبيه بأمر القداح التي تتقاسم بها العرب لحم الجزور. وإنما سميت هذه السهام أقلاما لأنها تقلم وتبرى، وكل ما قطعت منه شيئا بعد شيء فقد قلمته، ولهذا السبب يسمى ما يكتب به قلما. وقال السيوطيّ في (الإكليل) : هذه
لطيفة:
الآية أصل في استعمال القرعة عند التنازع. وقال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية أنه يجوز التخاصم لطلب الفضل حتى يتميز واحد بمزية، ودلت على أن التمييز يحصل بالقرعة في الأمر الملبس. لطيفة: قال الزمخشريّ: فإن قلت: لم نفيت المشاهدة، وانتفاؤها معلوم بغير شبهة، وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها، وهو موهوم؟ قلت: كان معلوما عندهم علما يقينا أنه ليس من أهل السماع والقراءة، وكانوا منكرين للوحي، فلم يبق إلا المشاهدة، وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة. ونحوه: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ [القصص: 44] ، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ [القصص: 46] ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ [يوسف: 102] ، - انتهى- وبالجملة، فالنفي تقرير وتحقيق لكون تلك الأنباء وحيا على طريقة التهكم بمنكريه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 45] إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ شروع في قصة عيسى عليه السلام يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أي بمولود يحصل بكلمة منه بلا واسطة أب اسْمُهُ ذكّر الضمير الراجع إلى الكلمة لكونها عبارة عن مذكر. أي اسمه الذي يميزه لقبا الْمَسِيحُ وعلما عِيسَى معرب يسوع بالسين المهملة كلمة يونانية معناها (مخلّص) ويرادفها (يشوع) بالمعجمة، إلا أنها عبرانية كما في تأويل أسماء التوراة والإنجيل. وفيها أن المسيح بمعنى الممسوح أو المدهون. قال البقاعيّ: وأصل هذا الوصف أنه كان في شريعتهم من مسحه الإمام بدهن القدس كان طاهرا متأهلا للملك والعلم والولايات الفاضلة مباركا، فدل سبحانه على أن عيسى عليه السلام ملازم للبركة الناشئة عن المسح وإن لم يمسح. انتهى. وإنما قال ابْنُ مَرْيَمَ مع كون الخطاب لها، تنبيها على أنه يولد من غير أب، فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت على نساء العالمين وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي سيدا ومعظما فيهما وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي من الله عز وجل.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 46]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 46] وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ في محل النصب على الحال وَكَهْلًا عطف عليه بمعنى ويكلم الناس، حال كونه طفلا وكهلا، كلام الأنبياء من غير تفاوت بين الحالتين وذلك لا شك أنه غاية في المعجز. وفي ذلك بشارة ببقائه إلى أن يصير كهلا. والمهد الموضع الذي يهيأ للصبيّ ويوطأ لينام فيه. والكهل من وخطه الشيب، أو من جاوز الثلاثين إلى الأربعين أو الخمسين. قال ابن الأعرابيّ: يقال للغلام مراهق، ثم محتلم، ثم يقال: تخرج وجهه، ثم اتصلت لحيته، ثم مجتمع، ثم كهل، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. قال الأزهريّ: وقيل له كهل حينئذ لانتهاء شبابه وكماله قوته. وقوله تعالى وَمِنَ الصَّالِحِينَ قال ابن جرير: يعني من عدادهم وأوليائهم. لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 47] قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) قالَتْ مخاطبة لله الذي بعث إليها الملائكة رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ أي لست بذات زوج قالَ كَذلِكِ أي على الحالة التي أنت عليها من عدم مس البشر اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ولا يحتاج إلى سبب، ولا يعجزه شيء. وصرح هاهنا بقوله يَخْلُقُ ما يَشاءُ ولم يقل يَفْعَلُ كما في قصة زكريا، لما أن الخلق المنبئ عن الإحداث للمكوّن أنسب بهذا المقام لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكد ذلك بقوله: إِذا قَضى أَمْراً من الأمور أي أراد شيئا كما في قوله تعالى: إِذا أَرادَ شَيْئاً [يس: 82] فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، من غير تأخر ولا حاجة إلى سبب كقوله: وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: 50] . أي إنما نأمر مرة واحدة لا تثنية فيها فيكون ذلك الشيء سريعا كلمح البصر. وتقدم الكلام على هذه الآية في سورة البقرة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 48]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 48] وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ أي الكتابة أو جنس الكتب الإلهية وَالْحِكْمَةَ أي تهذيب الأخلاق وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ إفرادهما بالذكر على تقدير كون المراد بالكتاب جنس الكتب المنزلة، لزيادة فضلهما وإنافتهما على غيرهما. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 49] وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ منصوب بمضمر يقود إليه المعنى، معطوف على (يعلّمه) أي ويجعله رسولا إلى جميع الإسرائيليين. وقيل: معطوف على الأحوال السابقة أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ معمول ل (رسولا) لما فيه من معنى النطق. أي رسولا ناطقا بأني قد جئتكم بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ التنوين للتفخيم دون الوحدة لظهور تعددها، والجار متعلق بمحذوف وقع حالا أي متلبسا ومحتجا بآية أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير فَيَكُونُ طَيْراً حقيقيا ذا حياة بِإِذْنِ اللَّهِ أي أمره، لا باستقلال مني وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ الذي ولد أعمى وَالْأَبْرَصَ المبتلى بالبرص وهو بياض يظهر في البشرة لفساد مزاج. وفي (الإكليل) : هذه الآية أصل لما يقوله الأطباء: إن الأكمه الذي ولد أعمى، والأبرص لا يمكن برؤهما كإحياء الموتى وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ لا باستقلال مني. نفيا لتوهم الألوهية، فهذه معجزات قاهرة فعلية وَأُنَبِّئُكُمْ أي أخبركم بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ مما لم أعاينه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي دلالة لَكُمْ على صدقي في دعوى الرسالة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مصدقين بآيات الله. وقد ذكر في الإنجيل أنه عليه السلام ردّ بصر أعميين في كفر ناحوم، وأعمى في بيت صيدا، ورجل ولد أعمى في أورشليم، وشفى عشرة مصابين بالبرص في السامرة، وأبرأ أبرص في كفر ناحوم، وأقام ابن الأرملة من الموت في بلدة نايين، وأحيا ابنة جيروس في كفر ناحوم، والعازر في بيت عينا.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 50]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 50] وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) وَمُصَدِّقاً حال معطوفة على قوله (بآية) أي جئتكم بآية وصدقا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ أي مقررا لهما ومثبتا وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ قال ابن كثير: فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين. ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئا، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه خطأ، وانكشف لهم عن الغطاء في ذلك، كما قال في الآية الأخرى: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف: 63] . والله أعلم- انتهى- أقول: من البعض الذي أحله عيسى عليه السلام لهم فعل الخير في السبوت، وقد كانوا يعتقدون تحريم مطلق عمل يوم السبت، ولذا لما اجتاز عليه السلام بالإسرائيلين مرة أبصر مريضا فسألوه: هل يحل أن يشفي في السبت؟ فقال لهم عليه السلام: أي إنسان منكم يكون له خروف، فيسقط في حفرة يوم السبت ولا يمسكه ويرفعه؟ والإنسان كم يفضل الخروف؟ فإذن يحل فعل الخير في السبوت، ثم أبرأ ذلك المريض- كذا في الأصحاح الثاني عشر. من الفقرة التاسعة إلى الثالثة عشرة من إنجيل متى- وفيه في الأصحاح الخامس الفقرة السابعة عشرة قول المسيح عليه السلام: لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل- انتهى- وقد اتفقوا على أن المسيح عليه السلام أقام شرائع التوراة كلها، ثم جاء بولس ومن بعده من الرهبان فادعوا أن المسيح عليه السلام فعل ذلك كله ورفعه عنهم، إذ أكمله وأتمه بفعله إياه. وكفاهم مؤونة العمل بشيء منه، وأغناهم بشريعته الروحانية، فنقضوا الناموس الذي جاء لإكماله المسيح. فمما نقضوه إباحة كثير من الحيوانات المحرمة في الناموس الموسويّ، فنسخت حرمتها في الشريعة العيسوية، وثبتت الإباحة العامة بفتوى بولس، إذ قال لهم: لا شيء نجس العين. كما في رسالته إلى أهل رومية. ومما نقضوه تعظيم السبت، فقد كان حكما أبديا في الشريعة الموسوية، وما كان لأحد أن يعمل فيه أدنى عمل، وكان من عمل فيه عملا واجب القتل. ومنه أحكام الأعياد المشروعة في التوراة، ومنه حكم الختان الذي كان أبديا في شريعة إبراهيم عليه السلام وأولاده إلى شريعة موسى، وقد ختن عيسى عليه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 51]
السلام، فنسخ حكمه الرهبان بعده، كما نسخوا جميع الأحكام العملية للتوراة، إلا الزنى، كما بيّن في (إظهار الحق) ، في الباب الثالث في إثبات النسخ. وقد أسلفنا جملة جليلة في هذا الشأن في سورة البقرة عند قوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا [البقرة: 135] . فانظرها. وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ كرره تأكيدا وليبنى عليه قوله فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 51] إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا أي ما آمركم به صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 52] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ أي من بني إسرائيل الْكُفْرَ أي علمه ووجده منهم قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ جمع نصير. والجار متعلق بمحذوف وقع حالا. أي من أنصاري متوجها إلى الله ملتجئا إليه قالَ الْحَوارِيُّونَ وهم طائفة من بني إسرائيل انتدبت للإيمان بالمسيح عليه السلام فوازروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه- جمع حواريّ- وهو الناصر أو المبالغ في النصرة والوزير والخليل والخالص كما في (التوشيح) نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أي أنصار دينه ورسوله آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي منقادون لرسالتك. ولما أشهدوه عليه السلام أشهدوا الله تعالى الآمر بما أنزل من الإيمان به وبأوامره فقالوا: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 53] رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فأشهدناك على ما نحن عليه من تصديقنا دعواه فَاكْتُبْنا أي جزاء على إشهادنا إياك مَعَ الشَّاهِدِينَ أي مع الذين يشهدون بوحدانيتك. وهم المتقدمون في آية شَهِدَ اللَّهُ أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم.
لطيفة:
لطيفة: جاء في إنجيل متى في الأصحاح العاشر ما يأتي: 1- ثم دعا تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم سلطانا على أرواح نجسة حتى يخرجوها ويشفوا كل مرض وكل ضعف. 2- وأما أسماء الاثني عشر رسولا فهي هذه. الأول سمعان الذي يقال له بطرس وأندراوس أخوه. يعقوب بن زبدي ويوحنّا أخوه. 3- فيلبّس وبرثو لماوس. توما ومتّى العشّار. يعقوب بن حلفي ولبّاوس الملقب تدّاوس. 4- سمعان القانويّ ويهوذا الإسخريوطي يوطيّ الذي أسلمه. وكانوا يسمون رسل عيسى عليه السلام. لأنه بعثهم إلى الإسرائيليين الضالين يدعونهم إلى الحق الذي جاء به، فبذلوا الجهد في بثه وانتشاره وإقامته، إلى أن جاء بولس فسلبهم، بخداعه، دين المسيح الصحيح، فلم يسمعوا له بعد من خبر، ولا وقفوا له على أثر، وطمس لهم رسوم التوراة، وحلل لهم كل محرم، كما بين ذلك في غير هذا الموضع. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 54] وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54) وَمَكَرُوا أي الذين أحس عيسى عليه السلام منهم الكفر بأن هموا بالفتك به وإرادته بالسوء حيث تمالئوا عليه ووشوا به إلى ملكهم وَمَكَرَ اللَّهُ أي بهم بعد ذلك فانتقم منهم وأورثهم ذلة مستمرة وأباد ملكهم وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أي أقواهم مكرا، وأنفذهم كيدا، وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب. وقال البقاعيّ كغيره في قوله تعالى وَمَكَرَ اللَّهُ: أي بأن رفعه إليه. وشبه ذلك عليهم حتى ظنوا أنهم صلبوه، وإنما صلبوا أحدهم، ويقال إنه الذي دلهم، وأما هو عليه السلام، فصانه عنده بعد رفعه إلى محل أوليائه وموطن قدسه، لينزله في آخر الزمان لاستئصالهم بعد أن ضربت عليه الذلة بعد قصدهم له بالأذى الذي طلبوا به العز إلى آخر الدهر، فكان تدميرهم في تدبيرهم، ثم أخبر تعالى ببشارته بالعصمة من مكرهم بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 55]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 55] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ أي مستوفي مدة إقامتك بين قومك. والتوفي، كما يطلق على الإماتة، كذلك يطلق على استيفاء الشيء. كما في كتب اللغة. ولو ادعي أن التوفي حقيقة في الأول، والأصل في الإطلاق الحقيقة فنقول: لا مانع من تشبيه سلب تصرفه عليه السلام بأتباعه وانتهاء مدته المقدرة بينهم بسلب الحياة. وهذا الوجه ظاهر جدا، وله نظائر في الكتاب العزيز، قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزمر: 42] . قال الزمخشريّ: يريد ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، أي يتوفاها حين تنام تشبيها للنائمين بالموتى. ومنه قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام: 60] . حيث لا يميزون ولا يتصرفون، كما أن الموتى كذلك- انتهى كلامه- ثم بين سبحانه في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته وموطن ملائكته ومعدن النزاهة عن الأدناس فقال: وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي من مكرهم وخبث صحبتهم وقد دلت هذه الآية بظاهرها على أن الله تعالى فوق سماواته كقوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء: 158] . وقوله تعالى: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [النحل: 50] . وقوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة: 5] . وقوله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ [الملك: 16] . وهو مذهب السلف قاطبة كما نقله الإمام الذهبيّ في كتاب (العلوّ) . قال أبو الوليد بن رشد في (مناهج الأدلة) : لم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتون لله سبحانه وتعالى جهة (الفوق) حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشاعرة كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله- إلى أن قال: والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تتنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السموات نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبيّ صلّى الله عليه وسلم. وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك بالمعقول. وبيّن بطلان الشبهة التي لأجلها نفتها الجهمية ومن وافقهم- إلى أن قال: فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 56]
وأن إبطاله إبطال الشرائع. قال الدارميّ: وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته. وقد بسط نصوص السلف الحافظ الذهبيّ في كتاب (العلوّ) فانظره، هذا، ولما كان لذوي الهمم العوال، أشد التفات إلى ما يكون عليه خلفاؤهم من بعدهم من الأحوال، بشره تعالى في ذلك بما بشره فقال وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وكذا كان لم يزل من انتحل النصرانية فوق اليهود، ولا يزالون كذلك إلى أن يعدموا فلا يبقى منهم أحد ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ثم فسر الحكم الواقع بين الفريقين بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 56] فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 57] وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي يبغضهم، فإن هذه الكناية فاشية في جميع اللغات، جارية مجرى الحقيقة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 58] ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) ذلِكَ إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى عليه السلام وهو مبتدأ وخبره نَتْلُوهُ عَلَيْكَ أي من غير أن يكون لك اطلاع سابق عليه. وقوله تعالى مِنَ الْآياتِ حال من الضمير المنصوب أو خبر بعد خبر وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ أي المشتمل على الحكم، أو المحكم المعصوم من تطرق الخلل إليه، والمراد به القرآن. تنبيه: في قوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ. وجوه في التأويل كثيرة، إلا أن الذي فتح المولى به مما أسلفناه هو أرجح التأويلات والله أعلم، وبه يسقط زعم النصارى أن هذه الآية حجة علينا، لإفادتها وفاته عليه السلام، أي بالصلب، ثم رفعه إلى السماء أعني قيامه حيّا بعد وفاته على زعمهم من أنه مات بجسده، وأقام على الصليب إلى وقت الغروب من يوم الجمعة، ثم أنزل ودفن في أول ساعة من ليلة السبت، وأقام في القبر
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 59]
إلى صبيحة الأحد، ثم انبعث حيّا وتراءى للنسوة اللائي جئن إلى قبره زائرات. وقد استندوا في هذا الزعم إلى شهادة أنا جيلهم الأربع، وشهادة تلاميذه الشفاهية في العالم، ثم أتباعهم وكذا شهادة اليهود بوقوع الصلب على المسيح ذاتيا. ووجه سقوط زعمهم الفاسد المذكور ما بيناه في معنى الآية مما لا يبقى معه أدنى ارتياب. وقد بين علماؤنا بطلان معتقدهم هذا في تآليف وتحارير فانظره في (حواشي تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب) تأليف الشيخ عبد الله بك. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 59] إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) إِنَّ مَثَلَ عِيسى أي شأنه العجيب في إنشائه بالقدرة من غير أب عِنْدَ اللَّهِ أي في تقديره وحكمه كَمَثَلِ آدَمَ أي كحاله العجيبة التي لا يرتاب فيها مرتاب خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ جملة مفسرة للتمثيل ببيان وجه الشبه بينهما. وحسم لمادة شبه الخصوم، فإن إنكار خلق عيسى عليه السلام بلا أب ممن اعترف بخلق آدم عليه السلام بغير أب وأم، مما لا يكاد يصح- قاله أبو السعود- وقوله خَلَقَهُ أي صور جسد آدم من تراب ثم قال له كُنْ أي بشرا كاملا روحا وجسدا فإن أمره تعالى يفيد قوة التكون. قال البقاعيّ: وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في فَيَكُونُ دون الماضي، وإن كان المتبادر إلى الذهن أن المعنى عليه حكاية للحال وتصويرا لها إشارة إلى أنه كان الأمر من غير تخلف، وتنبيها على أن هذا هو الشأن دائما بتجدد مع كل مراد، لا يتخلف عن مراد الآمر أصلا كما تقدم التصريح به في آية. إِذا قَضى أَمْراً. لطيفة: قال الرازيّ: الحكماء قالوا: إنما خلق آدم عليه السلام من تراب لوجوه: الأول- ليكون متواضعا، الثاني- ليكون ستارا، الثالث- ليكون أشد التصاقا بالأرض. وذلك لأنه إنما خلق لخلافة أهل الأرض. قال تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30] ، الرابع- أراد الحق إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام ثم أعطاه المحبة والمعرفة والنور والهداية، الخامس- خلق الإنسان من تراب ليكون مطفئا لنار الشهوة والغضب- انتهى ملخصا.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 60]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 60] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ خبر مبتدأ محذوف، أي الذي قصصنا عليك من نبأ عيسى الحق، وقيل: الحق مبتدأ، والظرف خبر، أي الحق المذكور. وقيل: الحق فاعل لمضمر، أي جاءك الحق. وفي (الحق) تأويلان: الأول- قال أبو مسلم: المراد أن هذا الذي أنزلت عليك هو الحق من خبر عيسى عليه السلام لا ما قالت النصارى واليهود. فالنصارى قالوا إن مريم ولدت إلها، واليهود رموا مريم عليها السلام بالإفك ونسبوها إلى يوسف النجار، فالله تعالى بيّن أن هذا الذي أنزل في القرآن هو الحق. ثم نهى عن الشك فيه. والقول الثاني- أن المراد أن الحق في بيان هذه المسألة ما ذكرناه من المثل، وهو قصة آدم عليه السلام، فإنه لا بيان أقوى منها. والله أعلم. فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ خطاب إما للنبيّ صلّى الله عليه وسلم على طريقة التهييج لزيادة الثبات، أو لكل سامع. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 61] فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) فَمَنْ حَاجَّكَ أي جادلك من النصارى بإيراد حجة فِيهِ أي في شأن عيسى زعما منهم أنه ليس على الشأن المتلوّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي الذي أنزلناه إليك، وقصصناه عليك في أمره. وللفاضل المهايميّ في هذه الآية أسلوب لطيف في التأويل حيث قال الْحَقُّ أي الثابت الذي لا يقبل التأويل جاء مِنْ رَبِّكَ الذي رباك بالاطلاع على الحقائق فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ بما ورد في الإنجيل من إطلاق لفظ الأب على الله فإنه إطلاق مجازيّ لأنه لما حدث منه كان كأبيه. وإذا ظهر لك الحق من ربك بالبيان التام فَمَنْ حَاجَّكَ أي جادلك فِيهِ لإثبات أبنيته بظواهر الإنجيل مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ القطعيّ الموجب لتأويله. فَقُلْ لم يبق بيننا وبينكم مناظرة، ولكن نرفع عنادكم بطريق المباهلة تَعالَوْا أي أقبلوا أيها المجادلون إلى أمر يعرف فيه علوّ الحق وسفول الباطل نَدْعُ أَبْناءَنا
تنبيهات:
وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ أي يدع كل منا ومنكم نفسه، وأعزة أهله، وألصقهم بقلبه، ممن يخاطر الرجل بنفسه لهم ويحارب دونهم، ويحملهم على المباهلة ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتضرع إلى الله تعالى ونجتهد في دعاء اللعنة فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ أي إبعاده وطرده عَلَى الْكاذِبِينَ منا ومنكم ليهلكهم الله وينجي الصادقين، فلا يبقى العناد الباقي عليكم بعد اتفاق الدلائل العقلية والنقلية. تنبيهات: الأول- قال القاشانيّ: إن لمباهلة الأنبياء تأثيرا عظيما سببه اتصال نفوسهم بروح القدس وتأييد الله إياهم به، وهو المؤثر بإذن الله في العالم العنصريّ، فيكون انفعال العالم العنصريّ منه كانفعال بدننا من روحنا بالهيئات الواردة عليه، كالغضب والحزن والفكر في أحوال المعشوق، وغير ذلك من تحرك الأعضاء عند حدوث الإرادات والعزائم. وانفعال النفوس البشرية منه كانفعال حواسنا وسائر قوانا من هيآت أرواحنا، فإذا اتصل نفس قدسيّ به كان تأثيرها في العالم عند التوجه الاتصاليّ تأثير ما يتصل به، فتنفعل أجرام العناصر والنفوس الناقصة الإنسانية منه بما أراد. ألم تر كيف انفعلت نفوس النصارى من نفسه عليه السلام بالخوف، وأحجمت عن المباهلة، وطلبت الموادعة بقبول الجزية؟ الثاني- قال ابن كثير: وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نصارى نجران لما قدموا المدينة، فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوّة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة ردّا عليهم كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق وغيره، وكانوا ستين راكبا، منهم ثلاثة نفر، إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم:، وأبو حارث بن علقمة أسقفهم وحبرهم. وفي القصة أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم لما أتاه الخبر من الله عز وجل، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه، دعاهم إلى المباهلة فقالوا: يا أبا القاسم! دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نزيد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى! لقد عرفتم إن محمدا لنبيّ مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيّا قط، فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في
صاحبكم، فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم! قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، فلم يلاعنهم صلّى الله عليه وسلم، وأقرهم على خراج يؤدونه إليه. وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن الشعبيّ عن جابر قال: قدم على النبيّ صلّى الله عليه وسلم العاقب والطيّب فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأخذ بيد عليّ وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: والذي بعثني بالحق، لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي نارا. قال جابر: وفيهم نزلت: نَدْعُ أَبْناءَنا ... الآية- قال جابر: أنفسنا وأنفسكم: رسول الله صلّى الله عليه وسلم وعليّ بن أبي طالب، وأبناؤنا: الحسن والحسين، ونساؤنا: فاطمة، وهكذا- رواه الحاكم في مستدركه بمعناه، ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. هكذا قال. وقد رواه أبو داود الطيالسيّ عن شعبة عن المغيرة عن الشعبيّ مرسلا، وهذا أصح. وقد روي عن ابن عباس والبراء نحو ذلك. وروى البخاريّ «1» عن حذيفة رضي الله عنه قال: جاء العاقب والسيد، صاحبا نجران إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فو الله لئن كان نبيّا فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلّا أمينا. فقال: لأبعثن معكم رجلا أمينا، حق أمين. فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح. فلما قام قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: هذا أمين هذه الأمة. ورواه مسلم والنسائيّ أيضا وغيرهم. وروى الإمام أحمد «2» عن ابن عباس قال: قال أبو جهل- قبحه الله-: إن رأيت محمدا يصلّي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على رقبته، قال: فقال: لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلّى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا.
قال ابن كثير: وقد رواه البخاريّ والترمذيّ والنسائيّ. وقد ساق قصة وفد نجران الإمام ابن القيم عليه الرحمة في (زاد المعاد) وأعقبها بفصل مهم في فقهها. فليراجع. الثالث- قال الزمخشريّ: فإن قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك. ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلم ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثمت كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب. ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق. وقدّمهم في الذكر على الأنفس لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم وليؤذن بأنهم مقدّمون على الأنفس مفدّون بها. وفيه دليل، لا شيء أقوى منه، على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام. وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبيّ صلّى الله عليه وسلم. لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك. الرابع- استنبط من الآية جواز المحاجة في أمر الدين، وأن من جادل وأنكر شيئا من الشريعة جازت مباهلته اقتداء بما أمر به صلّى الله عليه وسلم. والمباهلة الملاعنة. قال الكازروني في تفسيره: وقع البحث عند شيخنا العلامة الدوانيّ قدس الله سره في جواز المباهلة بعد النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فكتب رسالة في شروطها المستنبطة من الكتاب والسنة والآثار، وكلام الأئمة، وحاصل كلامه فيها أنها لا تجوز إلا في أمر مهم شرعا، وقع فيه اشتباه وعناد لا يتيسر دفعه إلا بالمباهلة، فيشترط كونها بعد إقامة الحجة والسعي في إزالة الشبهة وتقديم النصح والإنذار وعدم نفع ذلك ومساس الضرورة إليها. قال الإمام صديق خان في تفسيره: وقد دعا الحافظ ابن القيّم، رحمه الله، من خالفه في مسألة صفات الرب تعالى شأنه وإجرائها على ظواهرها من غير تأويل ولا تحريف ولا تعطيل، إلى المباهلة بين الركن والمقام فلم يحبه إلا ذلك وخاف سوء العاقبة. وتمام هذه القصة مذكور في أول كتابه المعروف ب (النونية) - انتهى- وقد ذكر في (زاد المعاد) في فصل فقه قصة وفد نجران ما نصه: ومنها أن السنّة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله ولم يرجعوا بل أصروا على العناد أن
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 62]
يدعوهم إلى المباهلة، وقد أمر الله، سبحانه، بذلك رسوله، ولم يقل إن ذلك ليس لأمتك من بعدك. ودعا إليه ابن عمه عبد الله بن عباس لمن أنكر عليه بعض مسائل الفروع، ولم ينكر عليه الصحابة، ودعا إليه الأوزاعيّ سفيان الثوريّ في مسألة رفع اليدين ولم ينكر عليه ذلك، وهذا من تمام الحجة- انتهى-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 62] إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) إِنَّ هذا أي المتقدم من شأن عيسى عليه السلام لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ الذي لا معدل عنه، دون أقاصيص النصارى. والقصص تتبع الوقائع بالإخبار عنها شيئا بعد شيء على ترتيبها. في معنى قصّ الأثر، وهو اتباعه، حتى ينتهي إلى محل ذي الأثر- أفاده الحراليّ-. قال البقاعيّ: ولما بدأ سبحانه القصة أول السورة بالإخبار بوحدانيته مستدلا على ذلك بأنه الحيّ القيّوم صريحا، ختم ذلك إشارة وتلويحا فقال، عاطفا على ما أنتجه ما تقدم من أن عيسى عبد الله ورسوله، معمّما للحكم: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ فصرح فيه ب مِنْ الاستغراقية، تأكيدا للرد على النصارى في تثليثهم وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فلا يشاركه أحد في العزة والحكمة، ليشاركه في الألوهية. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 63] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن قبول الحق الذي قص عليك بعد ما عاينوا تلك الحجج النيّرة فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ أي بهم فيجازيهم على إفسادهم. والتعبير عنهم بذلك إشارة إلى أنهم، بتوليهم، مفسدون اعتقادهم واعتقاد غيرهم في الله تعالى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 64] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أي إلى قول معتدل لا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 65]
يميل إلى التعطيل ولا إلى الشرك، متفق عليها لا يختلف فيها الرسل والكتب وهي أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً أي لا نرى غيره مستحقّا للعبادة فنشركه معه، بل نفرد العبادة لله وحده، لا شريك له. وهذه دعوة جميع الرسل. قال الله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] . وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36] . وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً أي كعزيز والمسيح والأحبار والرهبان الذين كانوا يحلّون لهم ويحرّمون، كما روى الترمذيّ «1» عن عديّ ابن حاتم قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقرأ: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ. قال: إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليه شيئا حرموه. قال الكيا الهراسيّ: فيه رد على من قال بالاستحسان المجرد الذي لا يستند إلى دليل شرعيّ، وعلى من قال: يجب قبول قول الإمام في التحليل والتحريم ولو دون إبانة مستند شرعيّ. قال البقاعيّ: ولما كان الرب قد يطلق على المعلم والمربّي بنوع تربية، نبه على أنّ المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد والاجتراء على ما يختص به الله فقال: مِنْ دُونِ اللَّهِ الذي اختص بالكمال فَإِنْ تَوَلَّوْا أي عن هذه الكلمة السواء المتفق عليها فَقُولُوا أي تبعا لأبيكم إبراهيم عليه السلام إذ قال: أسلمت لربّ العالمين. وامتثالا لوصيته إذ قال: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما: اعترف بأني أنا الغالب، وسلم لي الغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه: اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره- كذا قال الكشاف-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 65] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ أي تجادلون فيه فيدعيه كل من
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 66]
فريقكم وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ أي المقرّر كل منهما لأصل دين منتحله منكم إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدل المحال. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 66] ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ أي الأشخاص الحمقى حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ من أمر محمد صلّى الله عليه وسلم إذ له ذكر في كتابكم فأمكنكم تغييره لفظا ومعنى، أو من أمر موسى وعيسى عليهما السلام، أو مما نطق به التوراة والإنجيل فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ من أمر إبراهيم لكونه لم يذكر في كتابكم بما حاججتم، فلا يمكنكم فيه التغيير وَاللَّهُ يَعْلَمُ فيبيّنه لنبيّه وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 67] ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا أي كما ادعى اليهود وَلا نَصْرانِيًّا كما ادعى النصارى وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً سبق معنى الحنيف عند قوله تعالى: بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً في البقرة وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تعريض بأنهم مشركون بقولهم: عزيز ابن الله والمسيح ابن الله، وردّ لادعاء المشركين أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 68] إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ أي أخصهم به وأقربهم منه. من (الولي) وهو القرب لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أي في دينه من أمته وغيرهم وَهذَا النَّبِيُّ يعني خاتم الأنبياء محمدا صلّى الله عليه وسلم وَالَّذِينَ آمَنُوا به فعملوا بشريعته الموافقة لشريعة إبراهيم وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ بالنصر والمعونة والمحبة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 69]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 69] وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (69) وَدَّتْ أي تمنت طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ بالرجوع إلى دينهم حسدا وبغيا وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ أي وما يتخطاهم الإضلال، ولا يعود وباله إلا عليهم، إذ يضاعف به عذابهم وَما يَشْعُرُونَ أي أن وزره خاص بهم. ونظير هذه الآية قوله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة: 109] . وقوله: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً [النساء: 89] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 70] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي المنزلة على محمد صلّى الله عليه وسلم وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أي تعلمون حقيقتها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 71] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ أي تسترون الحق المنزل بتمويهاتكم الباطلة وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ أي الذي لا يقبل تمويها ولا تحريفا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي عالمين بما تكتمونه من حقيته وقد كانوا يعلمون ما في التوراة والإنجيل من البشارة برسول الله صلّى الله عليه وسلم ونبوته، ويلبسون على الناس في ذلك، كدأبهم في غيره. وفي الآية دلالة على قبح كتمان الحق، فيدخل في ذلك أصول الدين وفروعه والفتيا والشهادة وعلى قبح التلبيس. فيجب حل الشبهة وإبطالها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 72] وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ أي
لطيفة:
أوله وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ هذه الآية حكاية لنوع آخر من تلبيساتهم. وهي مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من المؤمنين أمر دينهم، وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويصلّوا مع المسلمين، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم. فيظن الضعفاء أنه لا غرض لهم إلا الحق، وأنه ما ردهم عن الدين بعد اتباعهم له وترك العناد، وهم أولو علم وأهل كتاب، إلا ظهور بطلانه لهم، ولهذا قال: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي عن الإسلام كما رجعتم. لطيفة: قال الرازيّ: الفائدة في إخبار الله تعالى عن تواطئهم على هذه الحيلة من وجوه: الأول- أن هذه الحيلة كانت مخيفة فيما بينهم وما أطلعوا عليها أحدا من الأجانب، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا. الثاني- أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لها أثر في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإعلام لكان ربما أثرت في قلب بعض من في إيمانه ضعف. الثالث- أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 73] وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (73) وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ من تتمة كلامهم أي ولا تصدقوا إلا نبيا تابعا لشريعتكم، لا من جاء بغيرها، أو ولا تؤمنوا ذلك الإيمان المتقدم، وهو إيمانهم وجه النهار، إلا لأجل حفظ أتباعكم وأشياعكم وبقائهم على دينكم قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أي الذي هو الإسلام وقد جئتكم به، وما عداه ضلال فلا ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف ولا تقدرون على إضلال أحد منا بعد أن هدانا الله. ثم وصل به
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 74]
تقريعهم فقال إِنَّ بمد الألف على الاستفهام، في قراءة ابن كثير. وتقديرها في قراءة غيره. أي دعاكم الحسد والبغي حتى قلتم ما قلتم ودبرتموه ألأن يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ من الشرائع والعلم والكتاب، أَوْ كراهة أن يُحاجُّوكُمْ أي الذين أوتوا مثل ما أوتيتم عِنْدَ رَبِّكُمْ أي بالشهادة عليكم يوم القيامة أنهم آمنوا وكفرتم بعد البيان الواضح فيفضحكم قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ أي بإنزال الآيات وغيرها بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ فلا يمكنكم منعه وَاللَّهُ واسِعٌ كثير العطاء عَلِيمٌ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 74] يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ فيزيده فضلا عليكم وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 75] وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً بالمطالبة والترافع وإقامة البينة، فلا يبعد منه الخيانة مع الله بكتمان ما أمر بإظهاره طمعا في إبقاء الرئاسة والرشا عليه. ثم استأنف علة الخيانة بقوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أي ذلك الاستحلال والخيانة هو بسبب أنهم يقولون ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب عقاب ومؤاخذة فهم يخونون الخلق وَيَقُولُونَ أي في الاعتذار عنه عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بادعائهم ذلك وغيره فيخونونه أيضا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنه كذب محض وافتراء لتحريم الغدر عليهم. كما هو في التوراة. وقد مضى نقله في البقرة في آية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا [البقرة: 62] . فارجع إليه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 76] بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ اعلم أن (بلى) إما لإثبات
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 77]
ما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي بلى عليهم سبيل، فالوقف حينئذ على (بلى) وقف التمام، وقوله مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ جملة مقررة للجملة التي سدت (بلى) مسدّها وإما لابتداء جملة بلا ملاحظة كونها جوابا للنفي السابق، فإن كلمة (بلى) قد تذكر ابتداء لكلام آخر يذكر بعدها- كما نقله الرازيّ- وهذا هو الذي أرتضيه. وإن اقتصر الكشاف ومقلدوه على الأول. وقد ذكروا في (نعم) أنها تأتي للتوكيد إذا وقعت صدرا. نحو: نعم هذه أطلالهم، فلتكن (بلى) كذلك، فإنهما أخوان، وإن تخالفا في صور، وعلى هذا فلا يحسن الوقف على (بلى) . والضمير في بِعَهْدِهِ إما لاسم (الله) في قوله وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ على معنى إن كل من أوفى بعهد الله واتقاه في ترك الخيانة والغدر فإن الله يحبه. وإما ل مَنْ أَوْفى على أن كل من أوفى بما عاهد عليه واتقاه فإنه يحبه. قال الزمخشريّ: فإن قلت فهذا عام. يخيل أنه ولو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة لكسبوا محبة الله. قلت: أجل. لأنهم إذا وفوا بالعهود، وفوا أول شيء بالعهد الأعظم وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسول مصدق لما معهم، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على الله وتحريف كلمه- انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 77] إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ أي يستبدلون بِعَهْدِ اللَّهِ أي بما أخذهم عليه في كتابه. أو بما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدق لما معهم وَأَيْمانِهِمْ أي التي عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا الزائلة الحقيرة التي لا نسبة لجميعها إلى أدنى ما فوتوه أُولئِكَ لا خَلاقَ أي لا نصيب ثواب لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وذلك لحجبهم عن مقامات قربه كما قال تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ. وَلا يُزَكِّيهِمْ أي ولا يثني عليهم كما يثني على أوليائه، أو لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي بالنار. واعلم أن في هذه الآية مسائل:
الأولى- قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية أن من نقض عهدا لله لغرض دنيويّ، أو حلف كاذبا، فإنه قد ارتكب كبيرة. الثانية- في الجمع بين قوله تعالى هنا: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ. وقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: 92] . قال القفال: المقصود من هذه الآية بيان شدة سخط الله عليهم، لأن من منع غيره كلامه فإنما ذلك بسخط عليه، وإذا سخط إنسان على آخر قال له: لا أكلمك. وقد يأمر بحجبه عنه، ويقول: لا أرى وجه فلان، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل، فثبت أن الآية كناية عن شدة الغضب، نعوذ بالله منه. ومنهم من قال: لا يبعد أن يكون إسماع الله جل جلاله أولياءه كلامه بغير سفير تشريفا عاليا يختص به أولياءه، ولا يكلم هؤلاء الكفرة والفساق، وتكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة. ومنهم من قال: معنى الآية لا يكلمهم بكلام يسرهم وينفعهم، والكل حسن. الثالثة- روى الشيخان «1» عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان. قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ... إلى آخر الآية. وفي رواية قال: من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ... الآية. فدخل الأشعث بن قيس الكنديّ فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: كذا وكذا، فقال: صدق، فيّ نزلت، كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: شاهداك أو يمينه، قلت: إنه إذا يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان، ونزلت: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ... إلى آخر الآية. وأخرجه الترمذيّ وأبو داود وقالا: إن الحكومة كانت بين الأشعث وبين رجل يهوديّ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 78]
وروى البخاريّ «1» عن عبد الله بن أبي أوفي أن رجلا أقام سلعة وهو في السوق. فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه، ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ... إلى آخر الآية. وقدمنا في مقدمة التفسير، في بحث سبب النزول، وفي سورة البقرة أيضا عند آية: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [البقرة: 97] ، ما يعلم به الجمع بين مثل هذه الروايات، وأنه لا تنافي. فتذكّر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 78] وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ قال الإمام ابن كثير: يخبر تعالى عن اليهود، عليهم لعائن الله، أن منهم فريقا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد به ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله، وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله، ولهذا قال تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ قال مجاهد والشعبيّ والحسن وقتادة والربيع بن أنس: يلوون ألسنتهم بالكتاب. ويحرفونه. وهكذا روى البخاريّ عن ابن عباس «2» أنهم يحرفون: ويزيلون. وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل، ولكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله. وقال وهب بن منبه: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى لم يغير منها حرف ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله. فأما كتب الله فإنها محفوظة لا تحول. رواه ابن أبي حاتم. قال ابن كثير: فإن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 79]
قد دخلها التبديل والتحريف والزّيادة والنقص. وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير وزيادات كثيرة ونقصان ووهم فاحش. وهو من باب تفسير المعرّب المعبّر، وفهم كثير منهم فاسد وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه من عنده، فتلك كما قال محفوظة لم يدخلها شيء- انتهى- وقد قدمنا الكلام على ذلك في مقدمة التفسير عند الكلام على الإسرائيليات، وفي سورة البقرة أيضا عند قوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ [البقرة: 75] . ولما بين تعالى كذبهم عليه- جل ذكره- بين افتراءهم على رسله إذ زعموا أن عيسى عليه السلام أمرهم أن يتخذوه ربا، فردّ سبحانه عليهم بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 79] ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) ما كانَ لِبَشَرٍ أي ما صح ولا استقام. وفي التعبير ب (بشر) إشعار بعلة الحكم، فإن البشرية منافية لما افتروه عليهم أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ أي الفهم والعلم أو الحكمة وَالنُّبُوَّةَ وهي الخبر منه تعالى ليدعو الناس إلى الله بترك الأنداد ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ أي الذين بعثه الله إليهم ليدعوهم إلى عبادته وحده كُونُوا عِباداً لِي أي اتخذوني ربّا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ يقول لهم كُونُوا رَبَّانِيِّينَ أي منسوبين إلى الرب لاستيلاء الربوبية عليهم وطمس البشرية بسبب كونهم عالمين عاملين معلمين تالين لكتب الله. أي كونوا عابدين مرتاضين بالعلم والعمل والمواظبة على الطاعات، حتى تصيروا ربانيين بغلبة النور على الظلمة- أفاده القاشانيّ- بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ أي بسبب مثابرتكم على تعليم الناس الكتاب ودراسته، أي قراءته. فإن ذلك يجركم إلى الله تعالى بالإخلاص في عبادته. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 80] وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ أي بالعود إليه
تنبيهات:
وقد بعث لمحو الشرك بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي بعد استقراركم على الإسلام. تنبيهات: الأول- إذا كان ما ذكر في الآية لا يصلح لنبيّ ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم، بطريق الأولى والأخرى. ولهذا قال الحسن البصريّ: لا ينبغي هذا لمؤمن، أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضا- يعني أهل الكتاب- كانوا يعبدون أحبارهم ورهبانهم، كما قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ... [التوبة: 31] الآية- وفي جامع الترمذيّ «1» - كما سيأتي- أن عديّ بن حاتم قال: يا رسول الله ما عبدوهم. قال: بلى، إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم. فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم والتوبيخ. بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، فإنهم إنما يأمرون بما يأمر الله به وبلغتهم إياه الرسل الكرام، وإنما ينهونهم عما نهاهم الله عنه وبلغته إياه رسله الكرام- قاله ابن كثير- الثاني- في هذه الآية أعظم باعث لمن علم على أن يعمل، وأن من أعظم العمل بالعلم تعليمه والإخلاص لله سبحانه. والدراسة مذاكرة العلم والفقه. فدلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيّا، فمن اشتغل بها، لا لهذا المقصود، فقد ضاع سعيه وخاب عمله، وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها، ولا منفعة بثمرها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم «2» : «نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع» - كذا في فتح البيان والرازيّ. الثالث- قرئ في السبع وَلا يَأْمُرَكُمْ بالرفع على الاستئناف أي ولا يأمركم الله أو النبيّ، وبالنصب عطفا على ثم يقول. و (لا) مزيدة لتأكيد معنى النفي.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 81]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 81] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي، قالُوا أَقْرَرْنا، قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 82] فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (82) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ اعلم أن المقصود من هذه الآيات تعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. قطعا لعذرهم وإظهارا لعنادهم. ومن جملتها ما ذكره الله تعالى في هذه الآية. وهو أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء الذين آتاهم الكتاب والحكمة بأنهم كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم، وإن كان ناسخا لبعض أحكامهم بما دلت الحكمة على اقتضاء الزمان ذلك، آمنوا به ونصروه أيضا، مبالغة في تشهير أمره. ولا يمنعهم ما هم فيه من العلم والنبوة واتباع شرعه ونصره. وأخبر أنهم قبلوا ذلك، وحكم بأن من رجع عن ذلك كان من الفاسقين. وقد قرئ في السبع بفتح اللام من لَما آتَيْتُكُمْ. وكسرها، فعلى الأول هي موطئة للقسم، لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف، وما حينئذ تحتمل الشرطية، ولَتُؤْمِنُنَّ سادّ مسد جواب القسم والشرط. وتحتمل الموصولة بمعنى (للّذي أتيتكموه لتؤمننّ به) وعلى الثاني، أعني كسر اللام فما إما مصدرية أي لأجل إيتائي إياكم الكتاب ثم لمجيء رسول مصدق لكم غير مخالف أخذ الله الميثاق لتؤمنن به ولتنصرنه. وإما موصولة والمعنى أخذه للذي آتيتكموه، وجاءكم رسول مصدق له، وقوله تعالى: فَاشْهَدُوا. أي يا أنبياء، بعضكم على بعض، بالإقرار. وفي قوله تعالى: وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ توكيد عليهم. ومن أمعن في نهج الآية علم أن هذا الميثاق قد بولغ في شأنه غاية المبالغة، وإذا كان هذا الإيجاب مع الأنبياء، فمع أممهم أولى. وقد روي عن عليّ بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه
الميثاق لئن بعث الله محمدا، وهو حيّ، ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. قال ابن كثير: وهذا لا يضادّ ما قاله طاوس والحسن وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، بل يستلزمه ويقتضيه، ولهذا روى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه مثل قول عليّ وابن عباس- انتهى- ومن أثر عليّ عليه السلام هذا، فهم بعض العلماء اختصاص هذا الميثاق بنبينا صلى الله عليه وسلم كما نقل القاضي عياض في (الشفاء) عن أبي الحسن القابسيّ قال: استخص الله تعالى محمدا بفضل لم يؤته غيره أبانه به. وهو ما ذكره في هذه الآية- انتهى- وقد علمت المراد. بقي أن الإمام أبا مسلم الأصفهانيّ ذهب إلى أن في قوله تعالى: مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. حذف مضاف، أي أممهم، وعبارته: ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ الله الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه، وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكونون عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم من زمرة الأموات، والميت لا يكون مكلفا، فلما كان الذين أخذ عليهم الميثاق يجب عليهم الإيمان بمحمد عليه السلام عند مبعثه، ولا يمكن إيجاب الإيمان على الأنبياء عند مبعث محمد عليه السلام، علمنا أن الذين أخذ الميثاق عليهم ليسوا هم النبيين، بل هم أمم النبيين. قال: ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق، أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء عليهم السلام، وإنما يليق بالأمم. أجاب القفال رحمه الله فقال: لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، ونظيره قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65] ، وقد علم الله تعالى أنه لا يشرك قط، ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض، فكذا هنا. وقال: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: 44- 46] ، وقال في صفة الملائكة: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 29] ، مع أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم: لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: 27] ، وبأنهم: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [النحل: 50] . فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير، فكذا هاهنا.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 83]
ونقول إنه سماهم فاسقين على تقدير التولي، فإن اسم الفسق ليس أقبح من اسم الشرك، وقد ذكر تعالى على سبيل الفرض والتقدير في قوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ فكذا هاهنا- نقله الرازيّ-. ولما بين تعالى أن الإيمان بالنبيّ صلى الله عليه وسلم شرع شرعه وأوجبه على جميع من مضى من الأنبياء والأمم، لزم أن كل من كره ذلك فإنه يكون طالبا دينا غير دين الله. فلهذا قال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 83] أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً أي استسلم له من فيهما بالخضوع والانقياد لمراده والجري تحت قضائه، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [الرعد: 15] . وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ [النحل: 48] . لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ [النحل: 49] . فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم له كرها. فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع- أفاده ابن كثير وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ يوم القيامة فيجزي كلا بعمله، والجملة سيقت للتهديد والوعيد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 84] قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ أي أولاد يعقوب وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بالإيمان بالبعض والكفر بالبعض، كدأب اليهود والنصارى وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أي منقادون فلا نتخذ أربابا من دونه.
لطيفة:
لطيفة: نكتة الجمع في قوله آمَنَّا بعد الإفراد في قُلْ كون الأمر عامّا، والإفراد لتشريفه عليه الصلاة والسلام، والإيذان بأنه أصل في ذلك. أو الأمر خاص بالإخبار عن نفسه الزكية خاصة. والجمع لإظهار جلالة قدره ورفعة محله بأمره بأن يتكلم عن نفسه على ديدن الملوك. ثانية: عدى (أنزل) هنا بحرف الاستعلاء، وفي البقرة بحرف الانتهاء لوجود المعنيين. إذ الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسول، فجاء تارة بأحد المعنيين، وأخرى بالآخر، وقال صاحب (اللباب) : الخطاب في البقرة للأمة لقوله: قولوا. فلم يصح إلا (إلى) لأن الكتب منتهية إلى الأنبياء وإلى أمتهم جميعا. وهنا قال (قل) ، وهو خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم دون أمته، فكان اللائق به (على) لأن الكتب منزلة عليه لا شركة للأمة فيها. وفيه نظر، لقوله تعالى: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: 72]- أفاده النسفيّ-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 85] وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85) وَمَنْ يَبْتَغِ أي يطلب غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً أي غير التوحيد والانقياد لحكم الله تعالى. كدأب المشركين صريحا. والمدعين للتوحيد مع إشراكهم كأهل الكتابين. فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ لأنه لم ينقد لأمر الله. وفي الحديث الصحيح: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ لضلاله وجوه الهداية في الدنيا. قال العلامة أبو السعود: والمعنى أن المعرض عن الإسلام والطالب لغيره فاقد للنفع، واقع في الخسران، بإبطال الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها. وفي ترتيب الرد والخسران على مجرد الطلب دلالة على أنه حال من تدين بغير الإسلام واطمأن بذلك أفظع وأقبح- انتهى-.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 86]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 86] كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ استبعاد لأن يرشدهم الله للصواب ويوفقهم. فإن الحائد عن الحق، بعد ما وضح له، منهمك في الضلال، بعيد عن الرشاد. وقيل: نفي وإنكار له، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ. والمعنيّ بهذه الآية إما أهل الكتاب والمراد كفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم حين جاءهم، بعد إيمانهم به قبل مجيئه، إذ رأوه في كتبهم وكانوا يستفتحون به على المشركين. وبعد شهادتهم بحقية رسالته لكونهم عرفوه كما يعرفون أبناءهم، وجاءهم البينات على صدقه التي آمنوا لمثلها ولما دونها بموسى وعيسى عليهما السلام. فظلموا بحقه الثابت ببيناته وتصديقه الكتب السماوية. وإما المعنيّ بالآية من ارتدّ بعد إيمانه. على ما روي في ذلك كما سنذكره. ثم بين تعالى الوعيد على كلّ بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 87] أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) أُولئِكَ أي الموصوفون بما تقدم جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ أي طرده وغضبه وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ المراد بالناس إما المؤمنين أو العموم، فإن الكافر أيضا يلعن منكر الحق والمرتد عنه، فقد لعن نفسه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 88] خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) خالِدِينَ فِيها أي في اللعنة أو العقوبة أو النار، وإن لم يجر ذكرهما لدلالة الكلام عليهما. والتخليد في اللعنة على الأول بمعنى أنهم يوم القيامة لا يزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار، فلا يخلو شيء من أحوالهم من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء، أو بمعنى الخلود في أثر اللعن، لأن اللعن يوجب العقاب، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن، ونظيره قوله تعالى: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 89]
الْقِيامَةِ وِزْراً خالِدِينَ فِيهِ [طه: 100- 101] ، - أفاده الرازيّ- لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي لا يمهلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا، أولا ينظر نظر رحمة إليهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 89] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي الكفر بعد الإيمان وَأَصْلَحُوا أي وضمّوا إلى التوبة الأعمال الصالحة. وفيه أن التوبة وحدها لا تكفي حتى يضاف إليها العمل الصالح فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيقبل توبتهم ويتفضل عليهم. وهذا من لطفه وبره ورأفته وعائدته على خلقه أن من تاب إليه تاب عليه. وقد روى ابن جرير «1» عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد، ولحق بالشرك ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ فنزلت: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ. إلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فأرسل إليه قومه فأسلم. وهكذا رواه النسائيّ والحاكم وابن حبان. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وروى عبد الرزاق عن مجاهد قال «2» : جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه فأنزل الله فيه: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ. إلى قوله غَفُورٌ رَحِيمٌ. قال فحملها إليه رجل من قومه، فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله، ما علمت، لصدوق، وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة. قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه. قال ابن سلامة: فصارت فيه توبة، وفي كل نادم إلى يوم القيامة. تنبيه: قال بعض مفسري الزيدية. ثمرة الآية جواز لعن الكفار، وسواء كان الكافر معيّنا أو غير معيّن، على ظاهر الأدلة. وقد قال النوويّ: ظاهر الأحاديث أنه ليس بحرام. وأشار الغزاليّ إلى تحريمه إلا في حق من أعلمنا الله أنه مات على الكفر. كأبي لهب وأبي جهل وفرعون وهامان وأشباههم. قال: لأنه يدري بما يختم له. وأما الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعيانهم يجوز أنه صلى الله عليه وسلم علم موتهم على الكفر. وأما ما
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 90]
ورد في الترمذيّ «1» عنه صلى الله عليه وسلم: ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيّ. فقيل: اللعان مثل الضرّاب للمبالغة، والمعنى لا يعتاد اللعن حتى يكثر منه. ومن ثمرات الآية صحة التوبة من الكافر والعاصي بالردة وغيرها، وذلك إجماع. إلّا توبة المرتد ففيها خلاف شاذ. فعند أكثر العلماء أن توبته مقبولة لهذا الآية وغيرها. وعند ابن حنبل لا تقبل توبته- رواه عنه في (شرح الإبانة) قيل وهو غلط. ولهذه الآية ولقوله تعالى في سورة النساء: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا [النساء: 137] . فأثبت إيمانا بعد كفر تقدمه إيمان. ولو تكررت منه الردة صحت توبته أيضا عند جمهور العلماء، لقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38] . وقال إسحاق بن راهويه: إذا ارتد في الدفعة الثالثة لم تقبل توبته بعد ذلك. أي لظاهر آية النساء- انتهى- قلت: وفي (زاد المستقنع) و (شرحه) : من فقه الحنابلة ما نصه: ولا تقبل توبة من تكررت ردته بل يقتل. لأن ذلك يدل على فساد عقيدته وقلة مبالاته بالإسلام- انتهى- وهو قريب من مذهب إسحاق. وحكى في (فتح الباري) مثله عن الليث وعن أبي إسحاق المروزيّ من أئمة الشافعية. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 90] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ أي الذين ضلوا سبيل الحق وأخطئوا منهاجه. وقد أشكل على كثير قوله تعالى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مع أن التوبة عند الجمهور مقبولة كما في الآية قبلها، وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [الشورى: 25] . وغير ذلك. فأجابوا: بأن المراد عند حضور الموت. قال الواحديّ في (الوجيز) : لن تقبل توبتهم لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، وتلك التوبة لا تقبل- انتهى-، أي كما قال تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء: 18] ، الآية. وقيل عدم قبول توبتهم كناية عن عدم توبتهم أي لا يتوبون. كقوله: أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة: 6] . وإنما كنى بذلك تغليظا في شأنهم وإبرازا لحالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة، وقيل: لأنهم توبتهم لا تكون إلا نفاقا لارتدادهم وازديادهم كفرا. وبقي للمفسرين وجوه أخرى، هي في
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 91]
التأويل أبعد مما ذكر. ولا أرى هذه الآية إلا كآية النساء: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا إلخ. وكلاهما مما يدل صراحة على أن من تكررت ردته لا تقبل توبته، وإلى هذا ذهب إسحاق وأحمد كما قدمنا، وذلك لرسوخه في الكفر. وقد أشار القاشانيّ إلى أن هذه الآية مع التي قبلها يستفاد منها أن الكفرة قسمان في باب العناد، وعبارته عند قوله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً: أنكر تعالى هدايته لقوم قد هداهم أولا بالنور الاستعداديّ إلى الإيمان ثم بالنور الإيمانيّ إلى أن عاينوا حقية الرسول وأيقنوا بحيث لم يبق لهم (كذا) . وانضم إليه الاستدلال العقليّ بالبينات ثم ظهرت نفوسهم بعد هذه الشواهد كلها بالعناد واللجاج وحجبت أنوار قلوبهم وعقولهم وأرواحهم الشاهدة ثلاثتها بالحق للحق، لشؤم ظلمهم وقوة استيلاء نفوسهم الأمارة عليهم الذي هو غاية الظلم فقال: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لغلظ حجابهم وتعمقهم في البعد عن الحق وقبول النور. وهم قسمان: قسم رسخت هيئة استيلاء النفوس الأمارة على قلوبهم فيهم وتمكنت، وتناهوا في الغي والاستشراء، وتمادوا في البعد والعناد، حتى صار ذلك ملكة لا تزول وقسم لم يرسخ ذلك فيهم بعد، ولم يصر على قلوبهم رينا، ويبقى من وراء حجاب النفس مسكة من نور استعدادهم، عسى أن تتداركهم رحمة من الله وتوفيق فيندموا ويستحيوا بحكم غريز العقول. فأشار إلى القسم الأول بقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ. إلى آخره، وإلى الثاني بقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا، بالمواظبة على الأعمال والرياضات، ما أفسدوا- انتهى-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 91] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ هذه الآية نظير قوله تعالى في سورة المائدة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [المائدة: 36] . وقد روى الإمام أحمد والشيخان «1» عن أنس بن مالك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: يقال للرجل من أهل
لطيفة:
النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به؟ قال: فيقول نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك! وفي رواية للإمام أحمد «1» عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له: يا ابن آدم! كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب! خير منزل، فيقول: سل وتمنّ، فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات- لما يرى من فضل الشهادة- ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له: يا ابن آدم! كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب! شر منزل، فيقول له: أتفتدي منه بطلاع الأرض ذهبا؟ فيقول: أي رب! نعم. فيقول: كذبت! قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل. فيردّ إلى النار. ولهذا قال أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي من منقذ من عذاب الله ولا مجير من أليم عقابه. لطيفة: في قوله تعالى وَلَوِ افْتَدى بِهِ قال صاحب الانتصاف: إن هذه الواو المصاحبة للشرط تستدعي شرطا آخر، يعطف عليه الشروط المقترنة به ضرورة. والعادة في مثل ذلك أن يكون المنطوق به منبها على المسكوت عنه بطريق الأولى. مثاله: قولك أكرم زيدا ولو أساء، فهذه الواو عطفت المذكور على محذوف تقديره: أكرم زيدا لو أحسن ولو أساء، إلا أنك نبهت بإيجاب إكرامه وإن أساء على أن إكرامه إن أحسن بطريق الأولى. ومنه: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [النساء: 135] . معناه- والله أعلم- لو كان الحق على غيركم ولو كان عليكم، ولكنه ذكر ما هو أعسر عليهم فأوجبه تنبيها على ما هو أسهل وأولى بالوجوب، فإذا تبين مقتضى الواو في مثل هذه المواضع وجدت آية آل عمران هذه مخالفة لهذا النمط ظاهرا. لأن قوله: وَلَوِ افْتَدى بِهِ. يقتضي شرطا آخر محذوفا يكون هذا المذكور منبها عليه بطريق الأولى. وهذه الحال المذكورة، وهي حالة افتدائهم بملء الأرض ذهبا، هي حالة أجدر الحالات بقبول الفدية، وليس وراءها حالة أخرى تكون أولى بالقبول منها، فلذلك قدر الزمخشريّ الكلام بمعنى: لن يقبل من أحد منهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا. حتى تبين حالة أخرى يكون الافتداء الخاص بملء الأرض ذهبا هو أولى بالقبول منها، فإذا انتفى حيث كان أولى
فلأن ينتفي فيما عدا هذه الحالة أولى فهذا كله بيان للباعث له على التقدير المذكور. وأما تنزيل الآية عليه فعسر جدا، فالأولى ذكر وجه يمكن تطبيق الآية عليه على أسهل وجه وأقرب مأخذ إن شاء الله. فنقول: قبول الفدية التي هي ملء الأرض ذهبا يكون على أحوال: منها- أن يؤخذ منه على وجه القهر فدية عن نفسه كما تؤخذ الدية قهرا من مال القاتل على قول. ومنها- أن يقول المفتدي في التقدير: أفدى نفسي بكذا- وقد لا يفعل- ومنها- أن يقول هذا القول وينجز المقدار الذي يفدي به نفسه ويجعله حاضرا عتيدا، وقد يسلمه مثلا لمن يأمن منه قبول فديته. وإذا تعددت الأحوال فالمراد في الآية أبلغ الأحوال وأجدرها بالقبول، وهو أن يفتدي بملء الأرض ذهبا افتداء محققا، بأن يقدر على هذا الأمر العظيم ويسلمه وينجزه اختيارا، ومع ذلك لا يقبل منه. فمجرد قوله: أبذل المال وأقدر عليه، أو ما يجري هذا المجرى بطريق الأولى، فيكون دخول الواو والحالة هذه على بابها تنبيها على أن ثمّ أحوالا أخر لا ينفع فيها القبول بطريق الأولى بالنسبة إلى الحالة المذكورة. وقد ورد هذا المعنى مكشوفا في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [المائدة: 36] ، - والله أعلم- وهذا كله تسجيل بأنه لا محيص ولا مخلص لهم من الوعيد، وإلا فمن المعلوم أنهم أعجز عن الفلس في ذلك اليوم. ونظير هذا التقدير من الأمثلة أن يقول القائل: لا أبيعك هذا الثوب بألف دينار ولو سلمتها إليّ في يدي هذه. فتأمل هذا النظر فإنه من السهل الممتنع والله وليّ التوفيق- انتهى-. وثمة وجه ثان وهو أن المراد ولو افتدى بمثله معه كما صرح به في تلك الآية، فالمعنى لا يقبل ملء الأرض فدية، ولو زيد عليه مثله، والمثل يحذف كثيرا في كلامهم، كقولك: ضربته ضرب زيد، تريد مثل ضربه. وأبو يوسف أبو حنيفة: تريد مثله. وقضية ولا أبا حسن لها، أي ولا مثل أبي حسن. كما أنه يراد في نحو قولهم: مثلك لا يفعل كذا، تريد: أنت. وذلك أن المثلين يسد أحدهما مسد الآخر، فكانا في حكم شيء واحد، وعلى هذا الوجه يجري الكلام على التأويل المتقدم لأنه نبه بعدم قبول مثلي ملء الأرض ذهبا على عدم قبول ملئها مرة واحدة بطريق الأولى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 92]
ووجه ثالث: وهو أن لا يحمل (ملء الأرض) أولا على الافتداء بل على التصدق، ولا يكون الشرط المذكور من قبيل ما يقصد به تأكيد الحكم السابق، بل يكون شرطا محذوف الجواب، ويكون المعنى: لا يقبل منه ملء الأرض ذهبا تصدق به، ولو افتدى به أيضا لم يقبل منه. وضمير (به) للمال من غير اعتبار وصف التصدق. ووجه رابع: وهو أن الواو زيدت لتأكيد النفي. فتبصر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 92] لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ استئناف خطاب للمؤمنين سيق لبيان ما ينفعهم ويقبل منهم، إثر بيان ما لا ينفع الكفرة ولا يقبل منهم، أي لن تبلغوا حقيقة البر، وتلحقوا بزمرة الأبرار. بناء على أن تعريف البر للجنس. أو لن تنالوا بر الله سبحانه وتعالى وهو ثوابه وجنته، إذا كان للعهد، حتى تنفقوا في سبيل الله تعالى مما تحبون، أي تهوونه ويعجبكم من كرائم أموالكم، كما في قوله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ [البقرة: 267] وقد روى الشيخان «1» عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إلى بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب . قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله عز وجل أرجو برها وذخرها عند الله. فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ بخ. ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت. وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه - (وبيرحا روى بكسر الباء وفتحها وفتح الراء وضمها والمد والقصر، وهو اسم حديقة بالمدينة- وفي الفائق: إنها فيعلى من البراح، وهو الأرض الظاهرة. وبخ بخ كلمة استحسان ومدح كررت للتأكيد، ورابح بالموحدة أي ذو ربح، وبالمثناة التحتية أي يروح عليك نفعه وثوابه) .
تنبيه:
وفي الصحيحين «1» أن عمر قال: يا رسول الله! لم أصب مالا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: حبس الأصل وسبل الثمرة. وروى الحافظ أبو بكر البزار أن عبد الله بن عمر قال: حضرتني هذه الآية لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئا أحب إليّ من جارية لي رومية، فقلت: هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله، لنكحتها. يعني تزوجتها. تنبيه: قال القاشانيّ، في هذه الآية: كل فعل يقرب صاحبه من الله فهو بر، ولا يمكن التقرب إليه إلا بالتبرؤ عما سواه، فمن أحب شيئا فقد حجب عن الله تعالى به، وأشرك شركا خفيّا، لتعلق محبته بغير الله، كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة: 165] ، وآثر نفسه به على الله، فقد بعد من الله بثلاثة أوجه. وهي محبة غير الحق، والشرك، وإيثار النفس على الحق فإن آثر الله به على نفسه وتصدق به وأخرجه من يده فقد زال البعد، وحصل القرب، وإلا بقي محجوبا، وإن أنفق من غيره أضعافه، فما نال برّا لعلمه تعالى بما ينفق وباحتجابه بغيره. وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي فمجازيكم عليه، قليلا كان أو كثيرا، جيدا أو غيره. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 93] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قال الزمخشريّ: المعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلالا لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة، وتحريم ما حرم عليهم منها لظلمهم وبغيهم، لم يحرم منها شيء قبل ذلك غير المطعوم الواحد الذي حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه، فتبعوه على تحريمه.
تنبيهات:
تنبيهات: الأول- روي، فيما حرمه إسرائيل على نفسه، أنه لحوم الإبل وألبانها، رواه الإمام أحمد في قصة، والترمذيّ وقال: حسن غريب. وروى عن ابن عباس والضحاك والسدّيّ وغيرهم موقوفا عليهم أنه العروق. قالوا: كان يعتريه عرق النسا بالليل فيزعجه، فنذر لئن عوفي لا يأكل عرقا، ولا يأكل ولد ماله عرق، فاتبعه بنوه في إخراج العروق من اللحم استنانا به، واقتداء بطريقه. قال الرازيّ: ونقل القفال رحمه الله عن ترجمة التوراة أن يعقوب لما خرج من حران إلى كنعان بعث بردا إلى أخيه عيسو إلى أرض ساعير، فانصرف الرسول إليه وقال: إن عيسو هو ذا يتلقاك ومعه أربعمائة رجل، فذعر يعقوب وحزن جدا، فصلى ودعا، وقدم هدايا لأخيه، وذكر القصة، إلى أن ذكر الملك الذي لقيه في صورة رجل، فدنا ذلك الرجل، ووضع إصبعه على موضع عرق النسا، فخدرت تلك العصبة وجفت، فمن أجل هذا لا يأكل بنو إسرائيل العروق- انتهى- قلت: والقصة مسوقة في سفر التكوين من التوراة في الأصحاح الثاني والثلاثين. الثاني: التحريم المذكور، على الرواية الأولى، أعني لحوم الإبل وألبانها، فكان تبرّرا وتعبدا وتزهدا وقهرا للنفس، طلبا لمرضاة الحق تعالى. وعلى الثانية فإما وفاء بالنذر وإما تداويا وإما لكونه يجد نفسه تعافه- والله أعلم- فالتحريم بمعنى الامتناع. الثالث: قال الزمخشريّ: الآية رد على اليهود وتكذيب لهم حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى عليهم في قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما، إلى قوله: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ [الأنعام: 146] . وجحود ما غاظهم واشمأزوا منه، وامتعضوا مما نطق به القرآن من تحريم الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم. فقالوا لسنا بأول من حرمت عليه، وما هو إلا تحريم قديم، كانت محرمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من بني إسرائيل وهلم جرا. إلى أن انتهى التحريم إلينا فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا. وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصد عن سبيل الله وأكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل وما عدد من مساوئهم- انتهى-. قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في دعواكم أنه تحريم قديم. وفي أمره صلى الله عليه وسلم بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم بما هو ناطق به من أن تحريم ما حرم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 94]
عليهم حادث لا قديم، كما يدعونه- أعظم برهان على صدقه وكذبهم إذ لم يجسروا على إخراج التوراة. فبهتوا وانقلبوا صاغرين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 94] فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) فَمَنِ افْتَرى أي تعمد عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي في أمر المطاعم وغيرها مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لتعرضهم إلى أن يهتكهم تعالى ويعذبهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 95] قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ تعريض بكذبهم، أي ثبت أن الله صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أي ملة الإسلام التي عليها محمد صلى الله عليه وسلم. ومن آمن معه والتي هي في الأصل ملة إبراهيم عليه السلام حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله لتسوية أغراضكم وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله لإبراهيم ولمن تبعه حَنِيفاً أي مائلا عن الأديان الزائغة وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تعريض بما في اليهودية والنصرانية من شرك إثبات الولد أو إلهية عيسى، فكيف يزعمون أنهم على ملته، وما كان يدعو إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله تعالى وهو الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 96] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ أي لنسكهم وعباداتهم لَلَّذِي بِبَكَّةَ أي للبيت الذي ببكة، أي فيها. وفي ترك الموصوف من التفخيم ما لا يخفى. وبكة لغة في مكة، فإن العرب تعاقب بين الباء والميم كما في قولهم (ضربة لازب ولازم) و (النميط والنبّيط) في اسم موضع بالدهناء، وقولهم (أمر راتب وراتم) و (أغبطت الحمى وأغمطت) . وقيل: مكة البلد، وبكة موضع المسجد، سميت بذلك لدقها أعناق الجبابرة، فلم يقصدها جبار إلا قصمه الله تعالى، أو لازدحام الناس بها من (بكّه) إذا فرقه ووضعه وإذا زاحمه، كما أن مكة من (مكّه) أهلكه ونقصه.
تنبيه:
لأنها تهلك من ظلم فيها وألحد وتنقص الذنوب أو تنفيها- كما في القاموس- وقد ذهب بعضهم إلى أن مكة هي (ميشا) أو (ماسا) المذكورة في التوراة، وآخر إلى أنه مأخوذ من اسم واحد من أولاد إسماعيل وهو (مسّا) . مُبارَكاً أي كثير الخير، لما يحصل لمن حجه، واعتمره واعتكف عنده وطاف حوله، من الثواب وتكفير الذنوب وَهُدىً لِلْعالَمِينَ لأنه قبلتهم ومتعبدهم. تنبيه: ذكر بعض المفسرين أن المراد بالأولية كونه أولا في الوضع والبناء، ورووا في ذلك آثارا. منها أنه تعالى خلق هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين، ومنها أنه تعالى بعث ملائكة لبناء بيت في الأرض على مثال البيت المعمور، وذلك قبل خلق آدم، ومنها أنه أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق السماء والأرض، وأنه خلق قبل الأرض بألفي عام. وليس في هذه الآثار خبر صحيح يعول عليه. والمتعين أن المراد أول بيت وضع مسجدا. كما بيّنه رواية ابن أبي حاتم عن عليّ رضي الله عنه في هذه الآية قال: كانت البيوت قبله، ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله تعالى. وفي الصحيحين «1» عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: أيّ مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أيّ؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصلّه. فإن الفضل فيه. قال ابن القيم في (زاد المعاد) : وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به، فقال: معلوم أن سليمان بن داود الذي بنى المسجد الأقصى. وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام. وهذا من جهل القائل، فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه، والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما وسلم، بعد بناء إبراهيم عليه السلام بهذا المقدار. انتهى-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 97] فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وهو الحجر الذي قام عليه عند رفعه قواعد
لطيفة:
البيت. قال ابن كثير: وقد كان ملتصقا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إمارته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطّوّاف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده، حيث قال: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: 125] ، وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة. قال المفسرين: ثمرة الآية الترغيب في زيارة البعض الحرم وفعل الطاعات فيه، لأنه تعالى وصفه بالبركة والهدى وجعل فيه آيات بينات. لطيفة: مقام إبراهيم مبتدأ حذف خبره، أي منها مقام إبراهيم، أو بدل من آيات، بدل البعض من الكل، أو عطف بيان، إما وحده باعتبار كونه بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله تعالى وعلى نبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كقوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً أو باعتبار اشتماله على آيات كثيرة. قالوا: فإن كل واحد من أثر قدميه في صخرة صماء، وغوصه فيها إلى الكعبين وإلانة بعض الصخور دون بعض، وإبقاءه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام، وحفظه، مع كثرة الأعداء، ألوف سنة، آية مستقلة. ويؤيده قراءة (آية بينة) على التوحيد، وإما بما يفهم من قوله عز وجل: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً فإنه وإن كان جملة مستأنفة ابتدائية أو شرطية، لكنها في قوة أن يقال (وأمن من دخله) فتكون، بحسب المعنى والمآل، معطوفة على مقام إبراهيم، ولا يخفى أن الاثنين نوع من الجمع فيكتفى بذلك، أو يحمل على أنه ذكر من تلك الآيات اثنتان وطوى ذكر ما عداهما دلالة على كثرتها- أفاده أبو السعود. قال المهايميّ: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ رمي الطير أصحاب الفيل بحجارة من سجيل، وتعجيل عقوبة من عتا فيه، وإجابة دعاء من دعا تحت ميزابه، وإذعان النفوس لتوقيره من غير زاجر، ومن أعظمها. النازل منزلة الكل، مقام إبراهيم، الحجر الذي قام عليه عند رفعه قواعد البيت، كلما علا الجدار ارتفع الحجر في الهواء، ثم لين، فغرقت فيه قدماه، كأنهما في طين، فبقي أثره إلى يوم القيامة. ومن آياته أن من دخله كان آمنا من نهب العرب وقتالهم، وقد أمن صيده وأشجاره. قال أبو السعود: ومعنى أمن داخله أمنه من التعرض له كما في قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: 67] ، وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [إبراهيم: 35] ، وكان الرجل لو جرّ كل جريرة
تنبيه:
ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب. وعن عمر رضي الله عنه: لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى خرج عنه. تنبيه: ما أفادته الآية من إثبات الأمان لداخله إنما هو بتحريمه الشرعيّ الذي وردت به الآيات، وأوضحته الأحاديث والآثار. ففي الصحيحين «1» ، واللفظ لمسلم، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا. وقال يوم فتح مكة «2» : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته، إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها. فقال العباس: يا رسول الله إلّا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: إلّا الإذخر. ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه ولهما «3» ، واللفظ لمسلم أيضا، عن أبي شريح العدويّ أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة، ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له: إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب. فقيل لأبي شريح: ما قال لك؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح. إن الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارّا بدم، ولا فارّا بخربة. قال الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) : قوله فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما، هذا التحريم لسفك الدم المختص بها، وهو الذي يباح في غيرها، ويحرم فيها، لكونها حرما، كما أن تحريم عضد الشجرة بها واختلاء خلائها والتقاط لقطتها، هو أمر مختص بها، وهو مباح في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد، ونظام واحد، وإلا
بطلت فائدة التخصيص، وهذا أنواع: أحدها: وهو الذي ساقه أبو شريح العدويّ لأجله، أن الطائفة الممتنعة بها من مبايعة الإمام لا تقاتل لا سيما إن كان لها تأويل. كما امتنع أهل مكة من مبايعة يزيد، وبايعوا ابن الزبير. فلم يكن قتالهم ونصب المنجنيق عليهم وإحلال حرم الله جائزا بالنص والإجماع، وإنما خالف في ذلك عمرو بن سعيد الفاسق وشيعته، وعارض نص رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه وهواه فقال: إن الحرم لا يعيذ عاصيا ، فيقال له: هو لا يعيذ عاصيا من عذاب الله، ولو لم يعذه من سفك دمه لم يكن حرما بالنسبة إلى الآدميين، وكان حرما بالنسبة إلى الطير والحيوان البهيم، وهو لم يزل يعيذ العصاة من عهد إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه، وقام الإسلام على ذلك، وإنما لم يعد مقيس ابن صبابة وابن خطل ومن سمي معهما لأنه في تلك الساعة لم يكن حرما بل حلّا، فلما انقضت ساعة الحرب عاد إلى ما وضع عليه يوم خلق الله السموات والأرض. وكانت العرب في جاهليتها، يرى الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم فلا يهيجه، وكان ذلك بينهم خاصة الحرم الذي صار بها حرما. ثم جاء الإسلام فأكد ذلك وقواه، وعلم النبيّ صلى الله عليه وسلم أن من الأمة من يتأسى به في إحلاله بالقتال والقتل، فقطع الإلحاق وقال لأصحابه: «فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لك» ، وعلى هذا فمن أتى حدّا أو قصاصا خارج الحرم يوجب القتل، ثم لجأ إليه، لم يجز إقامته عليه فيه. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وذكر عن عبد الله ابن عمر أنه قال: لو وجدت فيه قاتل عمر ما بدهته. وعن ابن عباس أنه قال: لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه، وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يحفظ عن تابعيّ ولا صحابيّ خلافه. وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث. وذهب مالك والشافعيّ إلى أنه يستوفي منه في الحرم كما يستوفي منه في الحل، وهو اختيار ابن المنذر، واحتج لهذا القول بعموم النصوص الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل مكان وزمان، وبأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة «1» ، وبما
يروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارّا بدم ولا بخربة ، وبأنه لو كان الحدود والقصاص فيما دون النفس لم يعذه الحرم، ولم يمنعه من إقامته عليه، وبأنه لو أتى فيه بما يوجب حدّا أو قصاصا لم يعذه الحرم ولم يمنع من إقامته، فكذلك إذا أتاه خارجه ثم لجأ إليه، إذ كونه حرما بالنسبة إلى عصمته لا يختلف بين الأمرين، وبأنه حيوان أبيح قتله لفساده، فلم يفترق الحال بين قتله لاجئا إلى الحرم وبين كونه قد أوجب ما أبيح قتله فيه، كالحية والحدأة والكلب العقور، ولأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال «1» : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم . فنبه بقتلهن في الحل والحرم على العلة- وهي فسقهن- ولم يجعل التجاءهن إلى الحرم مانعا من قتلهن، وكذلك فاسق بني آدم الذي قد استوجب القتل. قال الأولون: ليس في هذا ما يعارض ما ذكرنا من الأدلة، ولا سيما قوله تعالى وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وهذا إما خبر بمعنى الأمر لاستحالة الخلف في خبره تعالى، وإما خبر عن شرعه ودينه الذي شرعه في حرمه، وإما إخبار عن الأمر المعهود المستمر في حرمه في الجاهلية والإسلام كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: 67] . وقوله تعالى: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا، أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص: 57] . وما عدا هذا من الأقوال الباطلة فلا يلتفت إليه كقول بعضهم: من دخله كان آمنا من النار، وقوله بعضهم: كان آمنا من الموت على غير الإسلام، ونحو ذلك، فكم ممن دخله وهو في قعر الجحيم. وأما العمومات الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان فيقال أولا: لا تعرض في تلك العمومات لزمان الاستيفاء ولا مكانه، كما لا تعرض فيها لشروطه وعدم موانعه، فإن اللفظ لا يدل عليها بوضعه، ولا بتضمنه فهو مطلق بالنسبة إليها، ولهذا إذا كان للحكم شرط أو مانع لم يقل إن توقف الحكم عليه تخصيص لذلك العام، فلا يقول محصّل إن قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء: 24] . مخصوص بالمنكوحة في عدتها أو بغير إذن وليّها، أو بغير شهود، فهكذا النصوص العامة في استيفاء الحدود والقصاص لا تعرض فيها لزمنه ولا مكانه ولا شرطه ولا مانعه، ولو قدر تناول اللفظ
لذلك لوجب تخصيصه بالأدلة الدالة على المنع، لئلا يبطل موجبها، ووجب حمل اللفظ العام على ما عداها كسائر نظائره، وإذا خصصتم تلك العمومات بالحامل والمرضع والمريض الذي يرجى برؤه، والحال المحرّمة للاستيفاء كشدة المرض أو البرد أو الحر، فما المانع من تخصيصها بهذه الأدلة؟ وإن قلتم ليس ذلك تخصيصا بل تقييدا لمطلقها كلنا لكم هذا الصاع سواء بسواء. وأما قتل ابن خطل فقد تقدم أنه كان في وقت الحل، وإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قطع الإلحاق، ونص على أن ذلك من خصائصه، وقوله صلى الله عليه وسلم: وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، صريح في أنه إنما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم في تلك الساعة خاصة، إذ لو كان حلالا في كل وقت، لم يختص بتلك الساعة، وهذا صريح في أن الدم الحلال في غيرها حرام فيها، فيما عدا تلك الساعة. وأما قوله: الحرم لا يعيذ عاصيا ، فهو من كلام الفاسق عمرو بن سعيد الأشدق، يردّ به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين روى له أبو شريح الكعبيّ هذا الحديث، كما جاء مبينا في الصحيح، فكيف يقدم على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأما قولكم: لو كان الحد والقصاص فيما دون النفس لم يعذه الحرم منه، فهذه المسألة فيها قولان للعلماء وهما روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد رحمه الله، فمن منع الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما دونها، ومن فرق قال سفك الدم إما ينصرف إلى القتل ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريم ما دونه، لأن حرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشد، قالوا: ولأن الحد بالجلد أو القطع يجري مجرى التأديب، فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده. وظاهر هذا المذهب أنه لا فرق بين النفس وما دونها في ذلك. قال أبو بكر: هذه مسألة وجدتها لحنبل عن عمه: أن الحدود كلها تقام في الحرم إلا القتل، قال: والعمل على أن كل جان دخل الحرم لم يقم عليه الحد حتى يخرج منه، قالوا: وحينئذ فنجيبكم بالجواب المركب، وهو أنه إن كان بين النفس وما دونها في ذلك فرق مؤثر بطل الإلزام، وإن لم يكن بينهما فرق مؤثر سوينا بينهما في الحكم وبطل الاعتراض، فتحقق بطلانه على التقديرين. قالوا: وأما قولكم إن الحرم لا يعيذ من هتك فيه الحرمة إذ أتى بما يوجب الحد، فكذلك اللاجئ إليه، فهو جمع بين ما فرق الله ورسوله والصحابة بينهما. فروى الإمام أحمد، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: من سرق أو قتل في الحد ثم دخل الحرم فإنه لا يجالس ولا يكلم ولا يؤوى حتى يخرج فيؤخذ فيقام عليه الحد. وإن سرق أو قتل في الحرم أقيم عليه في الحرم. وذكر الأثرم عن ابن عباس أيضا: من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء، وقد أمر
الله سبحانه بقتل من قاتل في الحرم فقال وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ. والفرق بين اللاجئ والمتهتك فيه من وجوه: أحدها: أن الجاني فيه هاتك لحرمته بإقدامه على الجناية فيه، بخلاف من جنى خارجه ثم لجأ إليه فإنه معظّم لحرمته مستشعر بها بالتجائه إليه، فقياس أحدهما على الآخر باطل. الثاني: أن الجاني فيه بمنزلة المفسد الجاني على بساط الملك في داره وحرمه، ومن جنى خارجه ثم لجأ إليه فإنه بمنزلة من جنى خارج بساط الملك وحرمه ثم دخل إلى حرمه مستجيرا. الثالث: أن الجاني في الحرم قد هتك حرمة الله سبحانه وحرمة بيته وحرمه فهو هاتك لحرمتين بخلاف غيره. الرابع: أنه لو لم يقم الحد على الجناة في الحرم لعم الفساد وعظم الشر في حرم الله، فإن أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ولو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الجرائم في الحرم لتعطلت حدود الله وعم الضرر للحرم وأهله. والخامس: أن اللاجئ إلى الحرم بمنزلة التائب المتنصل اللاجئ إلى بيت الرب تعالى المتعلق بأستاره، فلا يناسب حاله ولا حال بيته وحرمه أن يهاج، بخلاف المقدم على انتهاك حرمته. فظهر سر الفرق، وتبين أن ما قاله ابن عباس هو محض الفقه. وأما قولكم إنه حيوان مفسد فأبيح قتله في الحل والحرم كالكلب العقور فلا يصح القياس، فإن الكلب العقور طبعه الأذى، فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله. وأما الآدميّ فالأصل فيه الحرمة وحرمته عظيمة، فإنما أبيح لعارض فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات، فإن الحرم يعصمها، وأيضا فإن حاجة أهل الحرم إلى قتل الكلب العقور والحية والحدأة كحاجة أهل الحل سواء، فلو أعاذها الحرم لعظم عليهم الضرر بها- انتهى. (من الجزء الثاني من صفحة 177 إلى صفحة 180] . ولما ذكر تعالى فضائل البيت ومناقبه أردفه بذكر إيجاب الحج فقال وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا اللام في البيت للعهد. وحجه: قصده
للزيارة بالنسك المعروف. وكسر الحاء وفتحها لغتان، وهما قراءتان سبعيتان، وفي الآية مباحث: الأول: في إعرابها قال أبو السعود في صدر الآية: جملة من مبتدأ هو حِجُّ الْبَيْتِ وخبر هو لِلَّهِ وقوله تعالى عَلَى النَّاسِ متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار، أو بمحذوف هو حال من الضمير المستكن في الجار، والعامل فيه ذلك الاستقرار، ويجوز أن يكون عَلَى النَّاسِ هو الخبر، ولِلَّهِ متعلق بما تعلق به الخبر. ثم قال في قوله تعالى مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا في محل الخبر على أنه بدل من النَّاسِ بدل البعض من الكل مخصص لعمومه، فالضمير العائد إلى المبدل منه محذوف، أي (من استطاع منهم) ، وقيل بدل الكل على أن المراد بالناس هو البعض المستطيع، فلا حاجة إلى الضمير، وقيل في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، أي هم من استطاع، وقيل في حيز النصب بتقدير أعني. الثاني: هذه الآية هي آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل بل هي قوله وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: 196] ، والأول أظهر. وفي فتح البيان: اللام في قوله لِلَّهِ هي التي يقال لها لام الإيجاب والإلزام، ثم زاد هذا المعنى تأكيدا حرف عَلَى فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب، كما إذا قال القائل: لفلان عليّ كذا. فذكره الله سبحانه بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيدا لحقه، وتعظيما لحرمته. وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا. الثالث: يجب الحج على المكلف في العمر مرة واحدة. بالنص والإجماع روى الإمام أحمد ومسلم «1» وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيها الناس إنه فرض الله عليكم الحج فحجوا. فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت. حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» . وروى الإمام أحمد وأبو داود «2» والنسائيّ وغيرهم عن ابن عباس قال:
خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج. فقام الأقرع ابن حابس فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال: لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولن تستطيعوا أن تعملوا بها. الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع» . الرابع: استطاعة السبيل عبارة عن إمكان الوصول إليه. قال ابن المنذر: اختلف العلماء في قوله تعالى مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فقالت طائفة: الآية على العموم، إذ لا نعلم خبرا ثابتا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم، ولا إجماعا لأهل العلم يوجب أن نستثني من ظاهر الآية بعضا، فعلى كل مستطيع للحج يجد إليه السبيل بأي وجه كانت الاستطاعة، الحجّ. على ظاهر الآية. قال: وروينا عن عكرمة أنه قال: الاستطاعة الصحة. وقال الضحاك: إذا كان شابا صحيحا ليس له مال فليؤجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي نسكه. فقال له قائل: أكلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟ قال: لا، بل ينطلق إليه ولو حبوا، قال: فكذلك يجب عليه حج البيت. وقال مالك: الاستطاعة على إطاقة الناس، الرجل يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على المشي، وآخر يقدر على المشي على رجليه. وقالت طائفة: الاستطاعة الزاد والراحلة، كذلك قال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد بن حنبل، واحتجوا بحديث ابن عمر أن رجلا قال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة- رواه الترمذيّ - وفي إسناده الخوزي فيه مقال. قال ابن كثير: لكن قد تابعه غيره. وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث. ورواه الحاكم من حديث قتادة عن أنس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم سئل عن قول الله عز وجل: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. فقيل: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة ، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. الخامس: قال الإمام ابن القيّم الدمشقيّ رضي الله عنه في (زاد المعاد) في سياق هديه صلّى الله عليه وسلم في حجته: لا خلاف أنه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة، وهي حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر، واختلف هل حج قبل الهجرة؟ وروى الترمذيّ «1» عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: حج النبيّ صلّى الله عليه وسلم ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر، معها عمرة. قال الترمذيّ:
هذا حديث غريب من حديث سفيان. قال: وسألت محمدا- يعني البخاريّ- عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوريّ. وفي رواية: لا يعد هذا الحديث محفوظا. ولما نزل فرض الحج بادر رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى الحج من غير تأخير، فإن فرض الحج تأخر إلى سنة تسع أو عشر. وأما قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، فإنها، وإن نزلت سنة ست عام الحديبية، فليس فيها فريضة الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء. فإن قيل: فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة؟ قيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وقد نجران على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة. ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم لما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا، فأعاضهم الله تعالى من ذلك بالجزية. ونزول هذه الآيات والمناداة بها إنما كان في سنة تسع. وبعث الصدّيق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج وأردفه بعليّ رضي الله عنه، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف والله أعلم. وقوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ إما مستأنف لوعيد من كفر به تعالى، لا تعلق له بما قبله، وإما أنه متعلق به ومنتظم معه، وهو أظهر وأبلغ. والكفر، على هذا، إما بمعنى جحد فريضة الحج، أو بمعنى ترك ما تقدم الأمر به. ونظيره في السنة ما رواه النسائيّ والترمذيّ «1» عن بريدة مرفوعا: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر . وعن عبد الله بن شقيق قال «2» : كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة- أخرجه الترمذيّ- ولأبي داود «3» عن جابر مرفوعا: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة. ولفظ مسلم «4» : بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة. وروى الترمذيّ «5» عن عليّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله
تنبيه:
صلى الله عليه وسلم: من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ، وذلك أن الله تعالى يقول: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال. وقد روى الحافظ أبو بكر الإسماعيليّ عن عمر بن الخطاب قال: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه مات يهوديا أو نصرانيا. قال ابن كثير: إسناده صحيح إلى عمر رضي الله عنه. وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصريّ قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لقد هممت أن أبعث رجلا إلى هذه الأمصار، فينظروا إلى كل من كان عنده جدة فلم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين. قال السيوطيّ في (الإكليل) : وقد استدل بظاهر الآية ابن حبيب على أن من ترك الحج، وإن لم ينكره، كفر. ثم قال: وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر: من كان يجد وهو موسر صحيح ولم يحج، كان سيماه بين عينيه كافر، ثم تلا هذه الآية. تنبيه: هذه الآية الكريمة حازت من فنون الاعتبارات المعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحج والتشديد على تاركه ما لا مزيد عليه، فمنها الإتيان ب (اللّام وعلى) في قوله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ. يعني أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج عن عهدته ومنها أنه ذكر (الناس) ثم أبدل عنه مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وفيه ضربان من التأكيد: أحدهما- أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له. والثاني- أن الإيضاح بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين. ومنها قوله وَمَنْ كَفَرَ مكان (من لم يحج) تغليظا على تارك الحج. ومنها ذكر الاستغناء عنه. وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان. ومنها قوله: عَنِ الْعالَمِينَ، ولم يقل: عنه. وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان، لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل، فكان أدل على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه- أشار لذلك الزمخشريّ- ثم عنف تعالى كفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 98]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 98] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقوله: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ حال مفيدة لتشديد التوبيخ. وإظهار الجلالة في موضع الإضمار لتربية المهابة وتهويل الخطب. وصيغة المبالغة في (شهيد) لتأكيد الوعيد، وكل ذلك موجب لعدم الاجتراء على ما يأتونه. ثم عقب تعالى الإنكار عليهم في ضلالهم توبيخهم في إضلالهم فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 99] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن دينه. وكانوا يحتالون لصدهم عن الإسلام مَنْ آمَنَ مفعول (تصدون) قدم عليه الجار والمجرور للاهتمام به تَبْغُونَها على الحذف والإيصال، أي تبغون لها، أي لسبيل الله التي هي أقوم السبل عِوَجاً أي اعوجاجا وزيغا وتحريفا. قال ابن الأنباريّ: البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام، كقولك: بغيت المال والأجر والثواب، وأريد هاهنا: تبغون لها عوجا ثم أسقطت اللام. كما قالوا: وهبتك درهما، أي وهبت لك درهما، ومثله صدتك ظبيا، أي صدت لك ظبيا، وأنشد: فتولى غلامهم ثم نادى ... أظليما أصيدكم أم حمارا أراد: أصيد لكم. قال الرازيّ: وفي الآية وجه آخر، وهو أن يكون (عوجا) في موضع الحال. والمعنى تبغونها ضالين، وذلك أنهم كانوا يدّعون أنهم على دين الله وسبيله، فقال تعالى: إنكم تبغون سبيل الله ضالين، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الحذف والإيصال. وذكر ناصر الدين في (الانتصاف) وجها آخر قال: هو أتم معنى، وهو أن تجعل الهاء هي المفعول به، و (عوجا) حال وقع فيها المصدر الذي هو (عوجا) موقع الاسم، وفي هذا الإعراب من المبالغة أنهم يطلبون أن تكون الطريقة المستقيمة
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 100]
نفس العوج. على طريقة المبالغة في مثل رجل صوم، ويكون ذلك أبلغ في ذمهم وتوبيخهم- والله أعلم- وَأَنْتُمْ شُهَداءُ بأنها سبيل الله والصد عنها ضلال وإضلال وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تهديد ووعيد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 100] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي بحسن اعتقادكم فيهم لكونهم أهل الكتاب يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ أي بالتوحيد والنبوة كافِرِينَ لأنهم يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، كما قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ.. [البقرة: 109] الآية. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 101] وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجيب. والمعنى: من أين يتطرق لكم الكفر؟ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وهي القرآن المعجز الذي هو أجلّ من الآيات المتلوّة عليهم وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم، وقد هداكم من الضلالة، وأنقذكم من الجهالة وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي من يتمسك بدينه الحق الذي بيّنه بآياته على لسان رسوله، وهو الإسلام والتوحيد، المعبر عنه بسبيل الله، فهو على هدى لا يضل متبعه. قال الزمخشريّ: ويجوز أن يكون حثّا لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم- انتهى- فالجملة حينئذ تذييل لقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا ... إلخ، لأن مضمونه أنكم إن تطيعوهم لخوف شرورهم ومكايدهم، فلا تخافوهم، والتجئوا إلى الله في دفع ذلك، لأن من التجأ إليه كفاه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 102]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 102] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ أي حق تقواه، وذلك بدوام خشيته ظاهرا وباطنا والعمل بموجبها. وروى الحافظ ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود أنه قال في معنى الآية: هو أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. ورواه ابن مردويه والحاكم مرفوعا، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال ابن كثير: والأظهر أنه موقوف- والله أعلم-. وروي عن أنس أنه قال: لا يتقي العبد الله حق تقاته حتى يخزن لسانه. وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: (أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم. ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم) . أقول: كل ما روي، مما تشمله الآية بعمومها، فلا تنافي. تنبيه: زعم بعضهم أن هذه الجملة من الآية منسوخة بآية: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] ، متأولا حق تقاته بأن يأتي العبد بكل ما يجب لله ويستحقه. قال: فهذا يعجز العبد عن الوفاء، فتحصيله ممتنع. وهذا الزعم لم يصب المحزّ، فإن كلّا من الآيتين سيق في معنى خاص به، فلا يتصور أن يكون في هذه الجملة طلب ما لا يستطاع من التقوى، بل المراد منها دوام الإنابة له تعالى وخشيته وعرفان جلاله وعظمته قلبا وقالبا، كما بينا. وهذا من المستطاع لكل منيب. وقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. أمر بعبادته قدر الاستطاعة بلا تكليف لما لا يطاق، إذ: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: 286] . وظاهر أن من أتى بما يستطيعه من عبادته تعالى وأناب لجلاله، وأخلص في أعماله، وكان مشفقا في طاعاته، فقد اتقى الله حق تقاته. وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي مخلصون نفوسكم لله تعالى. لا تجعلون فيها شركة لما سواه أصلا، كما في قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [النساء: 125] . وهو استثناء مفرغ من أعمّ الأحوال، أي لا تموتن على حال من الأحوال، إلا حال تحقق إسلامكم وثباتكم عليه، كما ينبئ عنه الجملة الاسمية. ولو قيل (إلا مسلمين) لم يفد فائدتها.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 103]
والعامل في الحال ما قبل (إلا) بعد النقض. وظاهر النظم الكريم، وإن كان نهيا عن الموت المقيد بقيد، هو الكون على أي حال غير حال الإسلام- لكن المقصود هو النهي عن ذلك القيد عند الموت المستلزم للأمر بضده الذي هو الكون على حال الإسلام حينئذ. وحيث كان الخطاب للمؤمنين، كان المراد إيجاب الثبات على الإسلام إلى الموت. وتوجيه النهي إلى الموت للمبالغة في النهي عن قيده المذكور. فإن النهي عن المقيد في أمثاله، نهي عن القيد ورفع له من أصله بالكلية، مفيد لما لا يفيده النهي عن نفس القيد. فإن قولك: لا تصلّ إلا وأنت خاشع، يفيد من المبالغة في إيجاب الخشوع في الصلاة ما لا يفيده قولك: لا تترك الخشوع في الصلاة. لما أن هذا نهي عن ترك الخشوع فقط، وذاك نهي عنه وعما يقارنه، ومفيد لكون الخشوع هو العمدة في الصلاة، وأن الصلاة بدونه حقها أن لا تفعل. وفيه نوع تحذير عما وراء الموت- أفاده أبو السعود-. وقد مضى في سورة البقرة الكلام على لون آخر من سر البلاغة في هذه الجملة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 103] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا الحبل إما بمعنى العهد، كما قال تعالى في الآية بعدها: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران: 112] . أي بعهد وذمة، وإما بمعنى القرآن، كما في صحيح مسلم «1» عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما
كتاب الله هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة ... الحديث، والوجهان متقاربان، فإن عهده أي شرعه ودينه وكتابه حرز للمتمسك به من الضلالة، كالحبل الذي يتمسك به خشية السقوط، وقوله وَلا تَفَرَّقُوا أي لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم، كما اختلف اليهود والنصارى، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية، متدابرين، يعادي بعضكم بعضا، ويحاربه. أو ولا تحدثوا ما يكون عنه التفرق، ويزول معه الاجتماع والألفة التي أنتم عليها مما يأباه جامعكم والمؤلف بينكم، وهو اتباع الحق والتمسك بالإسلام- أفاده الزمخشريّ- وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً قال الزمخشريّ: كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام، وقذف فيها المحبة، فتحابوا وتوافقوا وصاروا إخوانا متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد، قد نظم بينهم وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في الله وَكُنْتُمْ عَلى شَفا أي طرف حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ بما كنتم فيه من الجاهلية فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها أي بالإسلام. قال ابن كثير: وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية وعداوة شديدة وضغائن وإحن طال بسببها قتالهم، والوقائع بينهم. فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى. قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال: 62- 63] الآية- وكانوا على شفا حفرة من النار، بسبب كفرهم، فأنقذهم الله منها، إذ هداهم للإيمان. وقد امتن عليهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم، بما فضل عليهم في القسمة، بما أراه الله، فخطبهم
لطيفة:
فقال «1» : يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ فكلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمنّ- انتهى-. لطيفة: قال الزمخشريّ: الضمير في: منها. للحفرة أو للنار أو للشّفا، وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة، وهو منها كما قال: كما شرقت صدر القناة من الدم- انتهى- وقال أبو حيان: لا يحسن عوده إلا إلى الشفا، لأنه المحدّث عنه- انتهى-. وفي الانتصاف: يجوز عود الضمير إلى الحفرة، فلا يحتاج إلى تأويله المذكور، كما تقول: أكرمت غلام هند، وأحسنت إليها، والمعنى على عوده إلى الحفرة أتم، لأنها التي يمتنّ بالانقاذ منها حقيقة، وأما الامتنان بالانقاذ من الشفا، فلما يستلزمه الكون على الشفا غالبا من الهويّ إلى الحفرة، فيكون الإنقاذ من الشفا إنقاذا من الحفرة التي يتوقع الهويّ فيها. فإضافة المنة إلى الإنقاذ من الحفرة تكون أبلغ وأوقع. مع أنّ اكتساب التأنيث من المضاف إليه قد عده أبو عليّ في (التعاليق) من ضرورة الشعر، خلاف رأيه في (الإيضاح) - نقله ابن يسعون- وما حمل الزمخشريّ على إعادة الضمير إلى الشفا إلا أنه هو الذي كانوا عليه، ولم يكونوا في الحفرة حتى يمتن عليهم بالانقاذ منها. وقد بينا في أدراج هذا الكلام ما يسوغ الامتنان عليهم بالانقاذ من الحفرة، لأنهم كانوا صائرين إليها غالبا، لولا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 104]
الإنقاذ الربانيّ. ألا ترى إلى قوله صلّى الله عليه وسلم «1» : الراتع حول الحمى يوشك أن يواقعه؟ وإلى قوله تعالى: أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ [التوبة: 109] . وانظر كيف جعل تعالى كون البنيان على الشفا سببا مؤديا إلى انهياره في نار جهنم، مع تأكيد ذلك بقوله هارٍ. والله أعلم- انتهى-. ثم قال الزمخشريّ: وشفا الحفرة وشفتها حرفها، بالتذكير والتأنيث، ولامها واو إلا أنها في المذكر مقلوبة، وفي المؤنث محذوفة. ونحو الشفا والشفة، الجانب والجانبة- انتهى. وحكى الزجاج في تثنية شفا (شفوان) . قال الأخفش لما لم تجز فيه الإمالة عرف أنه من الواو، لأنه الإمالة من الياء- كذا في الصحاح. ثم قال الزمخشريّ: فإن قلت: كيف جعلوا على حرف حفرة من النار؟ قلت: لو ماتوا على ما كانوا عليه وقعوا في النار، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار، بالقعود على حرفها مشفين على الوقوع فيها. قال الرازيّ: وهذا فيه تنبيه على تحقير مدة الحياة، فإنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة، إلا ما بين طرف الشيء وبين ذلك الشيء. كَذلِكَ أي مثل ذلك البيان يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ في كل مكان لإنقاذكم عن الضلال فيه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ لرشدكم الدينيّ والدنيويّ فيه. ثم أشار إلى أنه كما أنقذكم من النار والضلال بإرسال الرسل وإنزال الآيات، فليكن فيكم من ينقذ إخوانه، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 104] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ أي جماعة، سميت بذلك لأنها يؤمها فرق الناس، أي
لطيفة:
يقصدونها ويقتدون بها يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وهو ما فيه صلاح دينيّ ودنيويّ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي بكل معروف، من واجب ومندوب يقربهم إلى الجنة ويبعدهم عن النار وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عن كل منكر، من حرام ومكروه يقربهم إلى النار ويبعدهم من الجنة وَأُولئِكَ الداعون الآمرون الناهون هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بأجور أعمالهم وأعمال من تبعهم. قال بعضهم: الفلاح هو الظفر وإدراك البغية. فالدنيويّ هو إدراك السعادة التي تطيب بها الحياة، والأخرويّ أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وعز بلا ذل، وغنى بلا فقر، وعلم بلا جهل. لطيفة: قيل: عطف: وَيَأْمُرُونَ على ما قبله، من عطف الخاص على العام- كذا قاله الزمخشريّ. وناقشه في الانتصاف. وعبارته: عطف الخاص على العام يؤذن بمزيد اعتناء بالخاص لا محالة إذا اقتصر على بعض متناولات العام، كقوله: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [البقرة: 98] . وكقوله: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ [الرحمن: 68] . وكقوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة: 238] . وشبه ذلك. لأن الاقتصار على تخصيص ما يفرد بالذكر يفيده تمييزا عن غيره من بقية المتناولات. وأما هذه الآية فقد ذكر، بعد العام فيها، جميع ما يتناوله، إذ الخير المدعوّ إليه إما فعل مأمور، أو ترك منهيّ، لا يعدو واحدا من هذين حتى يكون تخصيصها يميزها عن بقية المتناولات، فالأولى في ذلك أن يقال: فائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عامّا ثم مفصلا. وفي تنبيه أن الذكر على وجهين مالا يخفى من العناية- والله أعلم- إلا أن يثبت عرف بخصّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ببعض أنواع الخير، فإذ ذاك يتم مراد الزمخشريّ، وما أرى هذا العرف ثابتا- والله أعلم- انتهى. تنبيه: وفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها- كذا في فتح البيان. قال الغزاليّ رضي الله عنه: في هذه الآية بيان الإيجاب. فإن قوله تعالى وَلْتَكُنْ أمر. وظاهر الأمر الإيجاب، وفيها بيان أن الفلاح منوط به، إذ حصر وقال وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين، وأنه إذا قام به أمة
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 105]
سقط الفرض عن الآخرين. إذ لم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف. بل قال: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ. فإذا، مهما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين، واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين. وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون، عمّ الحرج كافة القادرين عليه لا محالة. انتهى. فإن قلت: فمن يباشره؟ فالجواب: كل مسلم تمكن منه ولم يغلب على ظنه أنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة، أو إن نهيه لا يؤثر، لأنه عبث، إلا أنه يستحب لإظهار شعار الإسلام، وتذكير الناس بأمر الدين. فإن قلت: فمن يؤمر وينهى؟ قلت: كل مكلف، وغير المكلف إذا همّ بضرر غيره منع، كالصبيان والمجانين، وينهى الصبيان عن المحرمات حتى لا يتعودوها، كما يؤخذون بالصلاة ليمرنوا عليها- ذكره الزمخشريّ-. وتفصيل هذا البحث في (الإحياء) للغزاليّ قدس سره، وقد قال، قدس سره، في طليعة ذلك البحث ما نصه: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وأهمل عمله لتعطلت النبوّة، واضمحلت الديانة، وعمّت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، وإن لم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد، وقد كان الذي خفنا أن يكون، إنا لله وإنا إليه راجعون، إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحى بالكلية حقيقته ورسمه، واستولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحت عنها مراقبة الخالق، واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعزّ على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم، فمن سعى في تلافي هذه الفترة، وسد هذه الثلمة، إما متكفلا بعملها، أو متقلدا لتنفيذها، مجددا لهذه السنة الداثرة، ناهضا بأعبائها، ومتشمرا في إحيائها، كان مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبدّا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها- انتهى-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 105] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ
تنبيهات:
عَظِيمٌ ينهى تعالى عباده أن يكونوا كاليهود والنصارى في افتراقهم مذاهب، واختلافهم عن الحق بسبب اتباع الهوى، وطاعة النفس، والحسد، حتى صار كل فريق منهم يصدق من الأنبياء بعضا دون بعض، ويدعو إلى ما ابتدعه في دينه، فصاروا إلى العداوة والفرقة من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحة، المبينة للحق، الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة، وهي كلمة الحق. فالنهي متوجه إلى المتصدين للدعوة أصالة، وإلى أعقابهم تبعا. وفي قوله تعالى: وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ من التأكيد والمبالغة في وعيد المتفرقين، والتشديد في تهديد المشبهين بهم، مالا يخفى. تنبيهات: الأول: ذكر الفخر الرازيّ من وجوه قوله تعالى: اخْتَلَفُوا أي بأن صار كل واحد منهم يدّعي أنه على الحق، وأن صاحبه على الباطل. ثم قال: وأقول إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة، فنسأل الله العفو والرحمة- انتهى كلامه- وقوله (هذا الزمان) إشارة إلى أن هذا الحال لم يكن في علماء السلف، وما زالوا يختلفون في الفروع وفي الفتاوى بحسب ما قام لديهم من الدليل، وما أداه إليه اجتهادهم، ولم يضلل بعضهم بعضا، ولم يدّع أحدهم أنه على الصواب الذي لا يحتمل الخطأ وأن مخالفه على خطأ لا يحتمل الصواب، وإنما نشأ هذا من جمود المقلدة المتأخرين وتعصبهم وظنهم عصمة مذهبهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد تفرق أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم في البلاد، وصار عند كل قوم علم غير ما عند الآخرين، وهم على وحدتهم وتناصرهم. الثاني: قال القاشانيّ: يعني ب «الآيات» الحجج العقلية والشرعية الموجبة لاتحاد الوجهة، واتفاق الكلمة، فإن للناس طبائع وغرائز مختلفة، وأهواء متفرقة، وعادات وسيرا متفاوتة، مستفادة من أمزجتهم وأهويتهم، ويترتب على ذلك فهوم متباينة، وأخلاق متعادية، فإن لم يكن لهم مقتدى وإمام، تتحد عقائدهم وسرهم وآراؤهم بمتابعته، وتتفق كلماتهم وعاداتهم وأهواؤهم بمحبته وطاعته، كانوا مهملين متفرقين، فرائس للشيطان، كشريدة الغنم، تكون للذئب. ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا بد للناس من إمام، بر أو فاجر . ولم يرسل نبيّ الله صلّى الله عليه وسلم رجلين فصاعدا لشأن، إلا وأمّر أحدهما على الآخر، وأمر الآخر بطاعته ومتابعته، ليتحد الأمر، وينتظم، وإلا وقع الهرج والمرج، واضطرب أمر الدين والدنيا، واختل
نظام المعاش والمعاد. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «1» : من فارق الجماعة قيد شبر لم ير بحبوحة الجنة. وقال «2» : الله مع الجماعة . ألا ترى أن الجمعية الإنسانية إذا لم تنضبط برئاسة القلب، وطاعة العقل، كيف اختل نظامها، وآلت إلى الفساد والتفرق، الموجب لخسار الدنيا والآخرة. ولما نزل قوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، خط رسول الله صلّى الله عليه وسلم خطّا فقال «3» : هذا سبيل الرشد، ثم خط عن يمينه وشماله خطوطا فقال: هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه. الثالث: قال شيخ الإسلام تقيّ الدين ابن تيمية، قدس سره، في أول كتابه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) : وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عامّا يعتقد مخالفة رسول الله صلّى الله عليه وسلم في شيء من سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقا يقينيّا على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا الرسول صلّى الله عليه وسلم. ولكن إذا وجد لواحد منهم قول، قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه، وجماع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها- عدم اعتقاده أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قاله، الثاني- عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول، الثالث- اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة- ثم أوسع المقال في ذلك. وذكر قدس سره، في بعض فتاويه، أن السلف والأئمة الأربعة والجمهور يقولون: الأدلة بعضها أقوى من بعض في نفس الأمر. وعلى الإنسان أن يجتهد
ويطلب الأقوى. فإذا رأى دليلا أقوى من غيره، ولم ير ما يعارضه، عمل به، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وإذا كان في الباطن ما هو أرجح منه كان مخطئا معذورا، وله أجر على اجتهاده وعمله بما بين له رجحانه، وخطؤه مغفور له، وذلك الباطن هو الحكم، لكن بشرط القدرة على معرفته، فمن عجز عن معرفته لم يؤاخذ بتركه، فإذا أريد بالخطإ الإثم، فليس المجتهد بمخطئ، بل كل مجتهد مصيب، مطيع لله، فاعل ما أمره الله به، وإذا أريد له عدم العلم بالحق في نفس الأمر، فالمصيب واحد، وله أجران. كما في المجتهدين في جهة الكعبة، إذا صلوا إلى أربع جهات، فالذي أصاب الكعبة واحد، وله أجران لاجتهاده وعمله، كان أكمل من غيره، والمؤمن «1» القوىّ أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ومن زاده الله علما وعملا زاده الله أجرا بما زاده من العلم والعمل، قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ، إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: 83] . قال مالك عن زيد بن أسلم: بالعلم، وكذلك قال في قصة يوسف: ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف: 76] . وقد تبين بذلك أن جميع المجتهدين إنما قالوا بعلم، واتبعوا العلم، وأن الفقه من أجلّ العلوم، وأنهم ليسوا من الذين لا يتبعون إلا الظن، لكن بعضهم قد يكون عنده علم ليس عند الآخر، إما بأن سمع ما لم يسمع الآخر، وإما بأن فهم ما لم يفهم الآخر، كما قال تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء: 78- 79] . وهذه حال أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال، في الأصول والفروع. ثم قال: وإذا تدبر الإنسان تنازع الناس وجد عند كل طائفة من العلم ما ليس عند الأخرى، كما في مسائل الأحكام. ولم يستوعب الحقّ إلا من اتبع المهاجرين والأنصار، وآمن بما جاء به الرسول كله على وجهه، وهؤلاء هم أهل المرحمة الذين لا يختلفون- انتهى.
فعلم أن اختلاف الصحابة والتابعين والمجتهدين في الفروع ليس مما تشمله الآية، فإن المراد منها الاختلاف عن الحق، بعد وضوحه، برفضه، وشتان ما بين الاختلافين. ثم على طالب الحق أن يستعمل نظره فيما يؤثر من هذه الخلافيات، فما وجده أقوى دليلا أخذ به، وإلا تركه. وحينئذ يكون ممن قال الله تعالى فيه: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: 17- 18] . وإذا اشتبه عليه مما قد اختلف فيه، فليدع بما رواه مسلم «1» في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول- إذا قام يصلي من الليل- اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. فإن الله تعالى قال فيما رواه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» : يا عبادي كلكم ضال إلا من هديت، فاستهدوني أهدكم- انتهى. الرابع: ذكر بعض المفسرين، هنا، ما روي من حديث (اختلاف أمتي رحمة) ، ولا يعرف له سند صحيح، ورواه الطبرانيّ والبيهقيّ في (المدخل) بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا. قال بعض المحققين: هو مخالف لنصوص الآيات والأحاديث، كقوله تعالى: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود: 118- 119] .
ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم «1» وغيره من الأحاديث الكثيرة. والذي يقطع به أن الاتفاق خير من الخلاف- انتهى- وقد روى الإمام أحمد وأبو داود «2» بسندهما عن أبي عامر عبد الله بن يحيى قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة قام حين صلّى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة- يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة. وأنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه. لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله والله! يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء نبيكم صلى الله عليه وسلم لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به. قال ابن كثير: وقد روي هذا الحديث من طرق- انتهى. نبذة في مبدأ الاختلاف في هذه الأمة من أهل الأهواء: ذكر الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب (الفرقان بين الحق والباطل) أن المسلمين كانوا في خلافة أبي بكر وعمر، وصدرا من خلافة عثمان في السنة الأولى من ولايته متفقين لا تنازع بينهم، ثم حدث في أواخر خلافة عثمان أمور أوجبت نوعا من التفرق، وقام قوم من أهل الفتنة والظلم، فقتلوا عثمان فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان. ولما اقتتل المسلمون بصفّين واتفقوا على تحكيم حكمين خرجت الخوارج على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وفارقوه وفارقوا جماعة المسلمين. وحدث في أيامه الشيعة أيضا، لكن كانوا مختفين بقولهم لا يظهرونه لعليّ وشيعته، بل كانوا ثلاث طوائف: طائفة: تقول إنه إله، وهؤلاء، لما ظهر عليهم، أحرقهم بالنار. والثانية: السابة وكان قد بلغه عن أبي السودا أنه كان يسب أبا بكر وعمر، فطلبه قيل إنه طلبه ليقتله فهرب منه. والثالثة: المفضّلة الذين يفضلونه على الشيخين، وقد تواتر عنه أنه قال: خير
هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. وروى ذلك البخاريّ في صحيحه. ثم في آخر عصر الصحابة حدثت القدرية، ثم حدثت المرجئة. ثم قال: وإن الناس في ترتيب أهل الأهواء على أقسام: منهم من يرتبهم على زمان حدوثهم فيبدأ بالخوارج. ومنهم من يرتبهم بحسب خفة أمرهم وغلظه فيبدأ بالمرجئة ويختم بالجهمية، كما فعله كثير من أصحاب أحمد رضي الله عنه، كعبد الله ابنه، ونحوه، وكالخلّال، وأبي عبد الله بن بطة وأمثالهما، وكأبي الفرج المقدسيّ. وكلا الطائفتين تختم بالجهمية، لأنهم أغلظوا البدع. وكالبخاريّ في صحيحه. فإنه بدأ بكتاب الإيمان والرد على المرجئة، وختمه بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية. ثم قال قدس سره: إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان، فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف، صار أهل التفرق والاختلاف شيعا، وعمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم، عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدرية والإيمان بالرسول وغير ذلك. ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما، ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر إلى غير ذلك والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن. ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول، بل أن يدفع منازعه من الاحتجاج بها. ثم قال قدس سره: فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعا لما جاء به الرسول، ولا يتقدم بين يديه، بل ينظر ما قال، فيكون قوله تبعا لقوله، وعلمه تبعا لأمره، كما كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين. فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله ولا يوسوس دينا غير ما جاء به الرسول. وإذا أراد معرفة شيء من الدين والكلام فيه، نظر فيما قاله الله والرسول، فمنه يتعلم وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر، وبه يستدل، فهذا أصل أهل السنة. وقال قدس سره في رسالته إلى جماعة الشيخ عديّ بن مسافر ما نصه: وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 106]
14] ، فمتى ترك الناس بعضهم ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا. إلى قوله: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 102- 104] . فمن الأمر بالمعروف الأمر بالائتلاف والاجتماع والنهي عن الاختلاف والفرقة، ومن النهي عن المنكر إقامة الحدود على من خرج من شريعة الله تعالى. ثم قال: ويجب على أولي الأمر، وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها أن يقوّموا عامتهم ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر، فيأمرونهم بما أمر الله به ورسوله، وينهونهم عما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 106] يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ أي تبيض وجوه كثيرة وهي وجوه المؤمنين لاتباعها الدين الحق الذي هو النور الساطع. وتسودّ وجوه كثيرة، وهي وجوه الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، لاتباعها الضلالات المظلمة، وليستدل بذلك على إيمانهم وكفرهم، فيجازي كل بمقتضى حاله، وهذه الآية لها نظائر، منها قوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ، أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: 60] ومنها قوله تعالى: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ [يونس: 26] . ومنها قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ [عبس: 38- 41] . ومنها قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ [القيامة: 22- 25] . ومنها تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين: 24] . إلى غير ذلك. والمفسرين في هذا البياض والنضرة والغبرة والقترة وجهان: أحدهما: أن البياض مجاز عن الفرح والسرور. والسواد عن الغم. وهذا مجاز مستعمل، قال تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل: 58] . ويقال: لفلان عندي يد بيضاء، أي جلية سارة.
لطيفة:
وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه: ابيض وجهه، ومعناه الاستبشار والتهلل. وعند التهنئة بالسرور يقولون: الحمد لله الذي بيض وجهك. ويقال لمن وصل إليه مكروه: اربدّ وجهه واغبرّ لونه، وتبدلت صورته. فعلى هذا معنى الآية: إن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه، فإن كان ذلك من الحسنات ابيض وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله، وعلى ضد ذلك، إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة اسودّ وجهه بمعنى شدة الحزن والغم، وهذا قول أبي مسلم الأصفهانيّ. والوجه الثاني: أن هذا البياض والسواد يحصلان في وجوه المؤمنين والكافرين، وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما، ولا دليل يوجب ترك الحقيقة، فوجب المصير إليه. ولأبي مسلم أن يقول الدليل دل على ما قلناه، وذلك لأنه تعالى قال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ [عبس: 38- 41] . فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك والاستبشار فلو لم يكن المراد بالغبرة والقترة ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلا له، فعلمنا أن المراد من هذه الغبرة والقترة والغم والحزن حتى يصح هذا التقابل- أفاده الرازيّ- لطيفة: (يوم) منصوب إما مفعول لمضمر خوطب به المؤمنون تحذيرا لهم عن عاقبة التفرق بعد مجيء البينات، وترغيبا في الاتفاق على التمسك بالدين. أي اذكروا يوم ... إلخ أو ظرف للاستقرار في (لهم) أو ل (عظيم) أو ل (عذاب) . فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ هذا تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإشارة إليها إجمالا، وتقديم بيان هؤلاء لما أن المقام مقام التحذير عن التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بين الإجمال والتفصيل والإفضاء إلى ختم الكلام بحسن حال المؤمنين كما بدئ بذلك عند الإجمال، وقوله تعالى: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ على إرادة القول، أي فيقال لهم ذلك، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم- أفاده أبو السعود- والمعنى: أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان، وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوّة، وما يناجيكم به وجدانكم من صدق هذه الدعوى وحقيتها وشهادته بصحتها، كما قال تعالى فيما قبل هذه الآية: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عمران: 70] : فذمهم على الكفر بعد وضوح الآيات، وقال للمؤمنين. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 107]
لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: 105] . فقوله تعالى هنا: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ، محمول على ما ذكر، حتى تصير هذه الآية مقررة لما قبلها، وهي عامة في حق كل الكفار. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 107] وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ المراد برحمة الله الجنة، عبر عنها بالرحمة تنبيها على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمته تعالى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 108] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ الإشارة إلى ما تقدم من الوعد والوعيد وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ أي لا يشاء أن يظلم عباده، فيأخذ أحدا بغير جرم، أو يزيد في عقاب مجرم، أو ينقص من ثواب محسن. قال الرازيّ: إنما حسن ذكر الظلم هاهنا لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة، وهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين فكأنه تعالى يعتذر عن ذلك، وقال: إنهم ما وقعوا فيه إلا لسبب أفعالهم المنكرة، وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلّب. وقال أبو السعود: وفي سبك الجملة نوع إيماء إلى التعريض بأن الكفرة هم الظالمون، ظلموا أنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد، كما في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس: 44] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 109] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي له تعالى وحده، من غير شركة، ما فيهما من المخلوقات ملكا وخلقا إحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا وَإِلَى اللَّهِ أي إلى حكمه وقضائه تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي أمورهم فيجازي كلّا منهم بما وعده وأوعده، فلا داعي له إلى الظلم؟ لأنه غنيّ عن كل شيء، وقادر على كل شيء.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 110]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 110] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ كلام مستأنف سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق، والدعوة إلى الخير، وكُنْتُمْ من (كان) التامة، والمعنى وجدتم وخلقتم خير أمة، أو (الناقصة) والمعنى كنتم في علم الله خير أمة، أو في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة وأُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ صفة لأمة، واللام متعلقة ب أُخْرِجَتْ أي أظهرت لهم حتى تميزت وعرفت، وفصل بينها وبين غيرها. ثم بين وجه الخيرية بما لم يحصل مجموعه لغيرهم بقوله تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فبهذه الصفات فضلوا على غيرهم ممن قال تعالى فيهم: كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة: 79] . وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء: 150] . قال أبو السعود: وتؤمنون بالله أي إيمانا متعلقا بكل ما يجب أن يؤمن به من رسول وكتاب وحساب وجزاء. وإنما لم يصرح به تفصيلا لظهور أنه الذي يؤمن به المؤمنون، وللإيذان بأنه هو الإيمان بالله تعالى حقيقة، وأن ما خلا عن شيء من ذلك كإيمان أهل الكتاب ليس من الإيمان به تعالى في شيء. قال تعالى: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا [النساء: 150- 151] وإنما أخر ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع تقدمه عليهما وجودا ورتبة، لأن دلالتهما على خيريتهم للناس أظهر من دلالته عليها وليقترن به ما بعده- انتهى- روى ابن جرير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى من الناس رعة، فقرأ هذه الآية كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ثم قال: من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها. ونظير هذه الآية قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، أي خيارا، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: 143] ، أي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد روي في معنى الآية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أحاديث وافرة، منها ما أخرجه الإمام
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 111]
أحمد والترمذيّ «1» والحاكم عن معاوية بن حيدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عزّ وجلّ . قال ابن كثير: وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذيّ. ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد ونحوه. وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه أشرف خلق الله، وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبيّ قبله، ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه. وقد ذكر الحافظ ابن كثير هاهنا حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وساق طرقه ومخرجيه فأجاد رحمه الله تعالى. وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ أي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي مما هم عليه، إشارة إلى تسفيه أحلامهم في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من العوض القليل الفاني والرياسة التافهة، وتركهم الغنى الدائم، والعز الباهر. ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفا مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ أي بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ولكنهم قليل وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ولما كانت مخالفة الأكثر قاصمة، خفف سبحانه عن أوليائه بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 111] لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً أي بألسنتهم لا يبالي به من طعن وتهديد وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ أي يوما من الأيام يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ يعني منهزمين مخذولين ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ يعني لا يكون لهم النصر عليكم، بل تنصرون عليهم. وقد صدق الله ومن أصدق من الله قيلا؟ لم يقاتلوا في موطن إلا كانوا كذلك. قال ابن كثير: فإنهم يوم خيبر أذلهم الله، وأرغم أنوفهم، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، كلهم أذلهم الله. وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين. ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم، وهم كذلك، ويحكم بملة الإسلام، وشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير،
لطائف:
ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام. لطائف: قال الزمخشريّ: فإن قلت: هلا جزم المعطوف في قوله ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ؟ قلت: عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء، كأنه قيل ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت: فأي فرق بين رفعه وجزمه في المعنى؟ قلت: لو جزم لكان نفي النصر مقيدا بمقاتلتهم كتولية الأدبار، وحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة لا ينهضون بعدها بجناح، ولا يستقيم لهم أمر، وكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر. فإن قلت: فما الذي عطف عليه هذا الخبر؟ قلت: جملة الشرط والجزاء. كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت: فما معنى التراخي في (ثم) ؟ قلت: التراخي في المرتبة، لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار. قال الناصر بن المنير: وهذا من الترقي في الوعد عما هو أدنى إلى ما هو أعلى، لأنهم وعدوا بتولية عدوهم الأدبار عند المقابلة، ثم ترقى الوعد إلى ما هو أتم في النجاح من أن هؤلاء لا ينصرون مطلقا، ويزيد هذا الترقي بدخول (ثم) دون (الواو) ، فإنها تستعار هاهنا للتراخي في الرتبة لا في الوجود، كأنه قال: ثم هاهنا ما هو أعلى في الامتنان، وأسمح في رتب الإحسان، وهو أن هؤلاء قوم لا ينصرون البتة- والله أعلم-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 112] ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (112) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ أي أحيط بهم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 113]
الهوان والصغار كما يحيط البيت المضروب بساكنه أينما وجدوا، وقوله: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ. في محل النصب على الحال. بتقدير: إلا معتصمين أو متمسكين أو ملتبسين بحبل من الله، وهو استثناء من أعمّ عام الأحوال، والمعنى ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال، إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس، يعني ذمة الله وذمة المسلمين، أي لا عزّ لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجائوهم إلى الذمة لما قبلوه من الجزية- كذا في الكشاف- وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي استوجبوه وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ أي الفقر ليكونوا بهذه الأوصاف أعرق شيء في الذل ذلِكَ أي ضربت المسكنة والذلة والغضب بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي استكبارا وعتوّا وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ أي الآتين من عند الله حقا. ولما كانوا معصومين دينا ودنيا قال بِغَيْرِ حَقٍّ أي يبيح القتل ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ أي ضرب الذلة والمسكنة في الدنيا واستيجاب الغضب في الآخرة، كما هو معلل بكفرهم وقتلهم الأنبياء، فهو مسبب عن عصيانهم واعتدائهم حدود الله تعالى. وقيل: ذلك إشارة إلى علة العلة، وهو الكفر والقتل، أي حصلا منهم بسبب عصيانهم واعتدائهم، فإن الإقدام على المعاصي، والاستهانة بمجاوزة الحدود يهوّن الكفر. قال الأصفهانيّ: قال أرباب المعاملات: من ابتلي بترك الآداب، وقع في ترك السنن. ومن ابتلي بترك السنن، وقع في ترك الفرائض. ومن ابتلي بترك الفرائض، وقع في استحقار الشريعة. ومن ابتلي بذلك، وقع في الكفر. قال برهان الدين البقاعيّ رحمه الله تعالى: والآية دليل على مؤاخذة الابن الراضي بذنب الأب وإن علا. وذلك طبق ما رأيته في ترجمة التوراة التي بين أيديهم، لأنه قال في السفر الثاني: وقال الله جميع هذه الآيات كلها أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق لا يكون لك آلهة لا تعملن شيئا من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض لا تسجدن لها ولا تعبدنها لأني أنا الرب إلهك غيور آخذ الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة خلوف وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحباري وحافظي وصاياي- انتهى- القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 113] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) لَيْسُوا سَواءً جملة مستأنفة سيقت تمهيدا للثناء على من أقبل على الحق
من أهل الكتاب وخلع الباطل ولم يراع سلفا ولا خلفا، وتذكيرا لقوله تعالى: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ أي ليس أهل الكتاب متساوين ومتشاركين في المساوئ. ثم استأنف قوله بيانا لعدم استوائهم مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. في قوله تعالى قائِمَةٌ وجوه: الأول- أنها قائمة في الصلاة، وعبّر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل كقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً [الفرقان: 64] . وقوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ [المزمل: 20] . وقوله: قُمِ اللَّيْلَ [المزمل: 2] . وقوله: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [البقرة: 238] . والثاني- أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق، ملازمة له، غير مضطربة في التمسك به، كقوله: إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [آل عمران: 75] أي ملازما للاقتضاء، ثابتا على المطالبة. ومنه قوله تعالى: قائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران: 18] . الثالث- أنها مستقيمة عادلة من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى استقام. والآناء الأوقات واحدها (إنا) مثل (معى) و (أمعاء) و (إني) مثل (نحي) و (أنحاء) وقوله تعالى: وَهُمْ يَسْجُدُونَ جملة مستقلة مستأنفة، وليست حالا من فاعل يَتْلُونَ لما صح في السنة من النهي عن التلاوة في السجود، وذلك فيما رواه الإمام أحمد ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم «1» . فمعنى الآية أنهم يقومون تارة ويسجدون أخرى، يبتغون الفضل والرحمة كقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً [الفرقان: 64] . وقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: 7] . ويحتمل أن يكون المعنى: وهم يصلون، والصلاة تسمى سجودا وسجدة كما تسمى ركوعا وركعة وتسبيحا وتسبيحة. وعليه فالجملة يجوز فيها الوجهان، وتكرير الإسناد لتقوية الحكم وتأكيده. ثم وصفهم تعالى بصفات أخر، مبينة لمباينتهم اليهود من جهة أخرى، بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 114]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 114] يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي على الوجه الذي نطق به الشرع. وظاهر أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله. والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله، ولا يحترزون عن معاصي الله، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ تعريض بمداهنة اليهود في الاحتساب، بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال الناس وصدّهم عن سبيل الله، فإنه أمر بالمنكر ونهي عن المعروف، وقوله تعالى وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ صفة أخرى جامعة لفنون المحاسن المتعلقة بالنفس وبالغير. والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه. وفيه تعريض بتباطؤ اليهود فيها، بل بمبادرتهم إلى الشرور وَأُولئِكَ أي المنعوتون بتلك الصفات الفاضلة مِنَ الصَّالِحِينَ أي من عداد من صلحت أحوالهم عند الله تعالى واستحقوا رضاه. والوصف بالصلاح دالّ على أكمل الدرجات. فهو غاية المدح، ولذا وصفت به الأنبياء في التنزيل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 115] وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ أي لن يعدموا ثوابه. وإيثار صيغة المجهول للجري على سنن الكبرياء. وقرئ الفعلان بالخطاب وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ فيوفيهم أجورهم. وهؤلاء الموصوفون هم المذكورون في آخر السورة: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ ... [آل عمران: 199] الآية. تنبيه: قال البقاعيّ: أرشد السياق إلى أن التقدير: وأكثرهم ليسوا بهذه الصفات وقال الرازيّ: لما قال تعالى: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ. كان تمام الكلام أن يقال: (ومنهم أمّة مذمومة) إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر. وتحقيقه: أن الضدين يعلمان معا. فذكر
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 116]
أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر، قال أبو ذؤيب: دعاني إليها القلب. إني لأمره ... مطيع. فما أدرى أرشد طلابها أراد أم غيّ، فاكتفى بذكر الرشد عن الغيّ، وهذا قول الفراء وابن الأنباريّ. وقال الزجاج: لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة لأن ذكرها قد جرى قبل، ولأنا قد ذكرنا أن العلم بالضدين معا، فذكر أحدهما مغن عن ذكر الآخر. كما يقال زيد وعمرو لا يستويان، زيد عاقل ديّن ذكي، فيغني هذا عن أن يقال: وعمرو ليس كذلك. فكذا هاهنا. لما تقدم قوله: ليسوا سواء. أغني عن ذلك الإضمار- انتهى ملخصا- أقول: لا مانع من كون الآية الآتية هي الشق الثاني المقابل للأول. فإن عنوان الذين كفروا مقابل بمفهومه لما قبله كما لا يخفى- والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 116] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (116) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أي لن تدفع عنهم أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي من عذاب الله، وإن كان التصدق بالأموال يطفئ غضب الرب في حق المؤمنين، ويغفر لهم بموت أولادهم، أو استغفارهم وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ولما بين تعالى أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئا، ثم إنهم ربما أنفقوها في وجوه الخيرات، فيخطر في البال أنهم ينتفعون بها، فأزال تلك الشبهة، وضرب لها مثلا بذهابها هباء منثورا بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 117] مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) َلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا من المكارم ويواسون فيه من المغارم مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أي برد شديد كالصرصرصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعاصي فباءوا بغضب من الله أَهْلَكَتْهُ فكذا ريح الكفر إذا أصابت حرث إنفاق قومه تهلكه. فصار الظلم ريحا لحصوله من هوى النفس ذات برودة شديدة لكونه ظلم الكفر الذي هو الموت المعنويّ فأهلكته- قاله المهايميّ-
لطائف:
ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بإهلاك حرثهم بإرسال ريح من عنده لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بإرسال ريح الظلم الكفريّ على حرثهم الأخرويّ. لطائف: إن قيل: الغرض تشبيه (ما أنفقوا) في ضياعه، بالحرث الذي ضربته الصر، وقد جعل ما ينفقون ممثلا بالريح، فما وجه المطابقة للغرض؟ أجيب: بأن هذا من التشبيه المركب وهو ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود من الجملتين، وإن لم تحصل المشابهة بين أجزائيهما، والمقصود تشبيه الحال بالحال ويجوز أن يراد: مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح فتحصل المشابهة. قال ناصر الدين في (الانتصاف) : والأقرب أن يقال أصل الكلام- والله أعلم- مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم فأصابته ريح فيها صر فأهلكته، ولكن خولف هذا النظم في المثل المذكور لفائدة جليلة. وهو تقديم ما هو أهم. لأن الريح التي هي مثل العذاب، ذكرها في سياق الوعيد والتهديد أهم من ذكر الحرث. فقدمت عناية بذكرها، واعتمادا على أن الأفهام الصحيحة تستخرج المطابقة برد الكلام إلى أصله على أيسر وجه. ومثل هذا، في تحويل النظم لمثل هذه الفائدة، قوله تعالى: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما ... [البقرة: 282] الآية. ومثله أيضا: أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، والأصل: أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت. وأن أدعم بها الحائط إذا مال، وأمثال ذلك كثيرة والله الموفق. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 118] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ أي أصحابا يستبطنون أمركم من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون. قال الزمخشريّ: بطانة الرجل ووليجته خصيصه وصفيّه الذي يفضي إليه بشقوره ثقة به. شبّه ببطانة الثوب. كما يقال: فلان شعاري- انتهى- ومن أمثال العرب في سرار الرجل إلى أخيه ما يستره عن
غيره: أفضيت إليه بشقوري- بضم الشين وقد تفتح- أي أخبرته بأمري، وأطلعته على ما أسره من غيره: وفي القاموس وشرحه: البطانة الصاحب للسر الذي يشاور في الأحوال، والوليجة وهو الذي يختص بالولوج والاطلاع على باطن الأمر. وقال الزجاج: البطانة الدخلاء الذين ينبسط إليهم ويستبطنون، يقال: فلان بطانة لفلان أي مداخل له موانس. وهؤلاء المنهي عنهم، إما أهل الكتاب، كما رواه ابن جرير وابن إسحاق عن ابن عباس: أنهم اليهود. وذلك لأن السياق في السورة، والسباق معهم. وقد كان بين الأنصار وبين مجاوريهم من اليهود ما هو معروف من سابق الرضاع والحلف. وإما المنافقون لقوله بعد: وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا [آل عمران: 119] ... إلخ. وهذه صفة المنافقين كقوله تعالى في سورة البقرة: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ [البقرة: 14] ... إلخ- وربما كان يغتر بعض المؤمنين بظاهر أقوال المنافقين ويظنون أنهم صادقون فيفشون إليهم الأسرار. وإما جميع أصناف الكفار وقوفا مع عموم قوله تعالى: مِنْ دُونِكُمْ كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: 1] . ومما يؤكد ذلك ما رواه ابن أبي حاتم أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن هاهنا غلاما من أهل الحيرة نصرانيا، حافظ كاتب. فلو اتخذته كاتبا؟ فقال: قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين. قال الرازيّ: فقد جعل عمر رضي الله عنه هذه الآية دليلا على النهي من اتخاذ النصرانيّ بطانة. وقال الحافظ ابن كثير: ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب. وقال السيوطيّ في (الإكليل) : قال الكيا الهراسيّ: في الآية دلالة على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في شيء من أمور المسلمين- انتهى-. ووجه ذلك، كما قال القاشانيّ، أن بطانة الرجل صفيه وخليصه الذي يبطنه ويطلع على أسراره، ولا يمكن وجود مثل هذا الصديق إلا إذا اتحدا في المقصد واتفقا في الدين والصفة، متحابين في الله لغرض. كما قيل في الأصدقاء: نفس واحدة في أبدان متفرقة. فإذا كان من غير أهل الإيمان، فبأن يكون كاشحا أحرى. ثم بيّن نفاقهم واستبطانهم العداوة بقوله: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أي لا يقصرون بكم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 119]
في الفساد. قال القاشانيّ: لأن المحبة الحقيقية الخالصة لا تكون إلا بين الموحدين لكونها ظل الوحدة. فلا تكون في غيرهم لكونهم في عالم التضادّ. بل ربما تتألفهم الجنسية العامة الإنسانية لاشتراكهم في النوع والمنافع والملاذ واحتياجهم إلى التعاون فيها. والمنافع الدنيوية واللذات النفسانية سريعة الانقضاء فلا تدوم المحبة عليها. بخلاف المحبة الأولى فإنها مستندة إلى أمر لا تغير فيه أصلا. قال الزمخشريّ: يقال: ألا في الأمر، يألو: إذا قصر فيه. ثم استعمل معدّى إلى مفعولين. في قولهم: لا آلوك نصحا، ولا آلوك جهدا، على التضمين. والمعنى: لا أمنعك نصحا ولا أنقصكه. والخبال الفساد وَدُّوا ما عَنِتُّمْ أي عنتكم، على أن (ما) مصدرية، والعنت شدة الضرر والمشقة، أي تمنّوا ما يهلككم قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ أي ظهر البغض الباطن حتى خرج من أفواههم لأنهم لا يتمالكون، مع ضبطهم أنفسهم وتحاملهم عليها، أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين. وقد قيل: كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه وفلتات اللسان وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ مما ظهر. لأن ظهوره ليس عن روية واختيار بل فلتة. ومثله يكون قليلا قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ الدالة على سوء اتخاذكم إياهم بطانة لتمتنعوا منها فتخلصوا في الدين وتوالوا المؤمنين وتعادوا الكافرين إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أي من أهل العقل. أو تعقلون ما بيّن لكم فعملتم به. قال الزمخشريّ: فإن قلت: كيف موقع هذه الجمل؟ قلت: يجوز أن يكون (لا يألونكم) صفة للبطانة. وكذلك (قد بدت البغضاء) . كأنه قيل: بطانة غير آليكم خبالا، بادية بغضاؤهم. وأما (قد بينا) فكلام مبتدأ. وأحسن منه وأبلغ أن تكون مستأنفات كلها على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة. ثم بيّن تعالى خطأهم في موالاتهم حيث يبذلونها لأهل البغضاء بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 119] ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ أي تخالطونهم وتفشون إليهم أسراركم ولا يفعلون مثل ذلك بكم، وقوله وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ الواو للحال وهي منتصبة
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 120]
من ضمير المفعول في (لا يحبونكم) والمعنى لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم فلا تنكرون منه شيئا، فليس فيكم ما يوجب بغضهم لكم. فما بالكم تحبونهم وهم يكفرون بكتابكم كله؟. ولم تجعل الواو للعطف على (ولا يحبونكم) أو (تحبونهم) كما ارتضاه أبو حيان لأنه في معرض التخطئة. ولا كذلك الإيمان بالكتاب فإنه محض الصواب. وإن اعتذر له بأن المعنى: يجمعون بين محبة الكفار والإيمان وهما لا يجتمعان، لبعده. والحالية مقررة للخطأ فتأمل، نقله الخفاجيّ. قال الزمخشريّ: فيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم. ونحوه: فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ [النساء: 104] . وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا نفاقا وتغريرا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ أي من أجله، تأسفا وتحسرا. حيث لم يجدوا إلى التشفي سبيلا. وعضّ الأنامل عادة النادم العاجز والمغتاظ إذا عظم حزنه على فوات مطلوبه. ولما كثر هذا الفعل من الغضبان صار ذلك كناية عن الغضب. حتى يقال في الغضبان: إنه يعض يده غيظا، وإن لم يكن هناك عض قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به. والمراد بزيادة الغيظ زيادة ما يغيظهم من قوة الإسلام وعز أهله. وما لهم في ذلك من الذل والخزي والتبار. كذا في الكشاف إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فيعلم ما في صدورهم من البغضاء والحنق. وهو يحتمل أن يكون من (المقول) أي وقل لهم: إن الله عليم بما هو أخفى مما تخفونه من عض الأنامل غيظا. وأن يكون خارجا عنه بمعنى: قل لهم ذلك ولا تتعجب من اطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم. وقيل: هو أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطيب النفس، وقوة الرجاء، والاستبشار بوعد الله تعالى أن يهلكوا غيظا بإعزاز الإسلام وإذلالهم به من غير أن يكون ثمة قول. كأنه قيل: حدث نفسك بذلك- أفاده أبو السعود- ثم بين تعالى تناهي عداوتهم بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 120] إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ بظهوركم على العدوّ، ونيلكم الغنيمة، وخصب
لطيفة:
معاشكم، وتتابع الناس في دينكم تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ بإصابة العدوّ منكم، أو اختلاف بينكم، أو جدب أو بلية يَفْرَحُوا بِها ولا يعلمون ما لله تعالى في ذلك من الحكمة. لطيفة: المس أصله باليد، ثم يسمى كل ما يصل إلى الشيء مسّا. والتعبير به في جانب الحسنة، وبالإصابة في جانب السيئة للتفنن. وقد سوى بينهما في غير هذا الموضع كقوله: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ [التوبة: 50] وقوله: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: 79] . وقال: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً [المعارج: 20- 21] . قال ناصر الدين في (الانتصاف) : يمكن أن يقال: المس أقل تمكنا من الإصابة، وكأنه أقل درجاتها، فكأن الكلام- والله أعلم- إن تصبكم الحسنة أدنى إصابة تسؤهم ويحسدوكم عليها. وإن تمكنت الإصابة منكم وانتهى الأمر فيها إلى الحد الذي يرثي الشامت عنده منها، فهم لا يرثون لكم ولا ينفكّون عن حسدهم، ولا في هذه الحال. بل يفرحون ويسرون. والله أعلم- انتهى- وهذا من أسرار بلاغة التنزيل. فدل التعبير على إفراطهم في السرور والحزن. فإذا ساءهم أقل خيرنا، فغيره أولى. وإذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثي له الشامت فهم لا يرجى موالاتهم أصلا. فكيف تتخذونهم بطانة؟. قال البقاعيّ: ولما كان هذا الأمر منكيا غائظا مؤلما داواهم بالإشارة إلى النصر بشرط التقوى والصبر فقال: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا أي تصبروا على ما يبتليكم الله به من الشدائد والمحن والمصائب وتثبتوا على الطاعة وتنفوا الاستعانة بهم في أموركم والالتجاء إلى ولايتهم لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً لأن المتوكل على الله الصابر على بلائه، المستعين به لا يغيره: ظافر في طلبته، غالب على خصمه، محفوظ بحسن كلاءة ربه. والمستعين بغيره: مخذول موكول إلى نفسه، محروم عن نصرة ربه. أفاده القاشانيّ. وقيل: المراد بنفي الضرر عدم المبالاة به، لأن المتدرب بالاتقاء والصبر يكون قليل الانفعال، جريئا على الخصم. (الكيد) الاحتيال على إيقاع الغير في مكروه إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ قرئ بياء الغيبة، على معنى أنه عالم بما يعملون في
تنبيه مهم:
معاداتكم من الكيد فيعاقبهم عليه. وبتاء الخطاب، أي بما تعملون من الصبر والتقوى فيجازيكم بما أنتم أهله. تنبيه مهم: قال الرازيّ: إطلاق لفظ (المحيط) على الله مجاز، لأن المحيط بالشيء هو الذي يحيط به من كل جوانبه، وذلك من صفات الأجسام، لكنه تعالى لما كان عالما بكل الأشياء، قادرا على كل الممكنات، جاز في مجاز اللغة أنه محيط بها، ومنه قوله: وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: 20] . - انتهى-. أقول: ما ذكره شبهة جهمية مبناها قياس صفة القديم على الحوادث، وأخذ خاصتها به، وهو قياس مع الفارق. والسمعيات تتلقى من عرف المتكلم بالخطاب، لا من الوضع المحدث. فليس لأحد أن يجعل الألفاظ التي جاءت في القرآن موضوعة لمعاني، ثم يريد أن يفسر مراد الله تعالى بتلك المعاني. وتتمة هذا البحث تقدمت في تفسير (الرحمن الرحيم) من البسملة أول التنزيل الجليل. فارجع إليها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 121] وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) وَإِذْ غَدَوْتَ أي خرجت مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ أي تنزل الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ أي أماكن ومراكز يقفون فيها لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ذهب الجمهور وعلماء المغازي إلى أن هذه الآية نزلت في وقعة أحد، والسر في سوق هذه الوقعة الأحديّة وإيلائها البدرية، وهو تقرير ما سبق. فإن المدعي فيما قبلها المساءة بالحسنة والمسرة بالمصيبة وسنة الله تعالى فيهم في باب النصر والمعونة ودفع مضار العدوّ، إذا هم صبروا واتقوا، والتغيير إذا غيروا. أي اذكر لهم ما يصدق ذلك من أحوالكم الماضية حين لم يصبروا في أحد، فأصيبوا وسرّت الأعداء مصيبتكم، وحين صبروا واتبعوا فنصروا وساء العدوّ نصرهم. وفي توجيه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم تهييج لغيره إلى تدقيق النظر واتباع الدليل، من غير أدنى وقوف مع المألوف- كذا يستفاد من تفسير البقاعيّ-. وهذه الآية هي افتتاح القصة، وقد أنزل فيها ستون آية، وأشير في هذه السورة إلى بعض الحكم والغايات المحمودة التي في هذه الوقعة، كما سيذكر، وكانت في شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور، وكان سببها أن الله تعالى لما قتل أشراف قريش ببدر، وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها، ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب
أكابرهم، وجاءوا إلى أطراف المدينة في غزوة السّويق، ولم ينل ما في نفسه، أخذ يؤلّب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، ويجمع الجموع قريبا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش. وجاءوا بنسائهم لئلا يفروا ليحاموا عنهن. ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريبا من جبل أحد، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه: أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة وكان رأيه أن لا يخرجوا من المدينة، وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبيّ، وكان هو الرأي. فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج، وألحوا عليه في ذلك، فنهض ودخل بيته، ولبس لأمته، وخرج عليهم وقد انثنى عزم أولئك الملحّين، وقالوا: أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج. فقالوا: يا رسول الله إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنبيّ، إذا لبس لأمته، أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوّه . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة ببقية المسلمين في المدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا وهو بالمدينة: رأى أن في سيفه ثلمة، ورأى أن بقرا تذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة. فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون. وتأول الدرع بالمدينة. فخرج يوم الجمعة! فلما صار بالشّوط، بين المدينة وأحد، انخزل عنه عبد الله بن أبيّ في ثلث الناس، مغاضبا لمخالفة رأيه في المقام. فتبعهم عبد الله بن عمرو، والد جابر، يوبخهم ويحضهم على الرجوع ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع. فرجع عنهم وسبّهم، وسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود فأبى، وسلك حرّة بني حارثة، ومر بين الحوائط، وأبو خيثمة من بني حارثة يدل به، حتى نزل الشعب من أحد مستندا إلى الجبل، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما أصبح يوم السبت تعبّى للقتال وهو في سبعمائة. فيهم خمسون فارسا وخمسون راميا وأمّر على الرماة عبد الله بن جبير. وأمره وأصحابه أن يلزموا مراكزهم، وألا يفارقوه ولو رأوا الطير تخطف العسكر. وكانوا خلف الجيش. وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين يومئذ، وأعطى اللواء مصعب بن عمير، وجعل على إحدى المجنّبتين الزبير بن العوام، وعلى الأخرى المنذر بن عمرو. واستعرض الشباب يومئذ. فردّ من استصغره عن القتال. منهم عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد وأسيد
ابن ظهير والبراء بن عازب وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت وعرابة بن أوس وعمرو بن حزام. وأجاز من رآه مطيقا. منهم سمرة بن جندب ورافع بن خديج ولهما خمس عشرة سنة. فقيل: أجاز من أجازه، لبلوغه بالسن خمس عشرة سنة، وردّ من رد لصغره عن سنّ البلوغ، وقالت طائفة: إنما أجاز من أجاز لإطاقته، ورد من رد لعدم إطاقته، ولا تأثير للبلوغ وعدمه في ذلك. قالوا: وفي بعض ألفاظ حديث ابن عمر: فلما رآني مطيقا أجازني. وتعبّت قريش للقتال، وهم في ثلاثة آلاف، وفيهم مائتا فارس، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه إلى أبي دجانة سماك بن خرشة، وكان شجاعا بطلا يختال عند الحرب، وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر الفاسق، واسمه عبد بن عمرو بن صيفيّ، وكان يمسي (الراهب) لترهبه وتنسكه في الجاهلية، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم (الفاسق) . وكان رأس الأوس في الجاهلية. فلما جاء الإسلام شرق به، وجاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة، فخرج من المدينة، وذهب إلى قريش يؤلّبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحضهم على قتاله، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه. فكان أول من لقي من المسلمين فنادى قومه وتعرف إليهم. قالوا: لا أنعم الله لك عينا يا فاسق! فقاتل المسلمين قتالا شديدا، وأبلى يومئذ حمزة وطلحة وشيبة وأبو دجانة والنضر بن أنس بلاء شديدا، وأصيب جماعة من الأنصار مقبلين غير مدبرين، واشتد القتال، وكان الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار، فانهزمت أعداء الله وولوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم. فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، وقالوا: يا قوم! الغنيمة! الغنيمة! فذكّرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يسمعوا، وظنوا أن ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة، وأخلوا الثغر، ولم يطع أميرهم منهم إلا نحو العشرة، فكرّ المشركون وقتلوا من بقي من الرماة، ثم أتوا الصحابة من ورائهم وهم ينتهبون، فأحاطوا بهم، واستشهد منهم من أكرمه الله، ووصل العدوّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقاتل مصعب بن عمير صاحب اللواء دونه حتى قتل، وجرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة في رأسه، يقال: إن الذي تولى ذلك عتبة بن أبي وقاص وعمرو بن قميئة الليثيّ. وشد حنظلة الغسيل على أبي سفيان ليقتله، فاعترضه شداد بن الأسود الليثيّ، من شعوب، فقتله. وكان جنبا. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة غسلته. وأكبت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط من بعض حفر هناك، فأخذ عليّ بيده، واحتضنه طلحة حتى قام، ومص الدم من جرحه مالك
تنبيه:
ابن سنان الخدريّ، والد أبي سعيد، ونشبت حلقتان من حلق المغفرة في وجهه صلى الله عليه وسلم فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح. فندرت ثنيتاه فصار أهتم. ولحق المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم. وكرّ دونه نفر من المسلمين فقتلوا كلهم وكان آخرهم عمار بن يزيد بن السكن، ثم قاتل طلحة حتى أجهض المشركون. وأبو دجانة يلي النبيّ صلى الله عليه وسلم بظهره وتقع فيه النبل فلا يتحرك، وأصيبت عين قتادة بن النعمان. فرجع وهي على وجنته. فردها عليه السلام بيده فصحّت. وكان أحسن عينيه. وانتهى النضر بن أنس إلى جماعة من الصحابة وقد دهشوا، وقالوا: قتل رسول الله، فقال: فما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل الناس وقاتل حتى قتل، ووجد به سبعون ضربة. وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف عشرين جراحة بعضها في رجله فعرج منها. وقتل حمزة عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم. ونادى الشيطان: ألا إن محمدا قد قتل. لأن عمرو بن قميئة كان قد قتل مصعب بن عمر يظن أنه النبيّ صلى الله عليه وسلم. ووهن المسلمون لصريخ الشيطان. ثم إن كعب بن مالك الشاعر، من بني سلمة، عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنادى بأعلى صوته يبشر الناس. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: انصت. فاجتمع عليه المسلمون ونهضوا معه نحو الشعب، وأدركه أبيّ بن خلف في الشعب، فتناول صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة وطعنه بها في عنقه. فكرّ أبيّ منهزما. وقال له المشركون: ما بك من بأس. فقال: والله! لو بصق عليّ لقتلني، وكان صلى الله عليه وسلم قد توعده بالقتل. فمات عدوّ الله بسرف، مرجعهم إلى مكة. ثم جاء عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء فغسل وجهه ونهض. فاستوى على صخرة من الجبل. وحانت الصلاة فصلى بهم قعودا. وغفر الله للمنهزمين من المسلمين. ونزل: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [آل عمران: 155] الآية واستشهد نحو من سبعين. معظمهم من الأنصار. وقتل من المشركين اثنان وعشرون. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة. ويقال إنه قال لعليّ: لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا. هذا ملخص هذه القصة. وقد ساقها بأطول من هذا أهل السير. وفيما ذكر كفاية. وأما ما اشتملت عليه من الأحكام والفقه والحكم والغايات المحمودة، فقد تكفل بيانها الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) فارجع إليه. تنبيه: فسر أكثر العلماء (غدوت) بأصلها، وهو الخروج غدوة أي بكرة. ثم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 122]
استشكلوا أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد بعد صلاة الجمعة كما اتفقت عليه كلمة أهل السير، فكيف المطابقة؟ فمنهم من أجاب بأنه المراد غدوة السبت، وأنه كان في صباحه التبوؤ للمقاعد إلا أنه لا يساعده (من أهلك) لأنه لم يكن وقتئذ أهله معه. ومنهم من قال: المراد غدوة الجمعة أي: اذكر إذ غدوت من أهلك صبيحة الجمعة إلى أصحابك في مسجدك تستشيرهم في أمر المشركين، ثم قال: وبنى من (غدوت) حالا إعلاما بأن الشروع في السبب شروع في مسببه، فقال (تبوئ المؤمنين) أي صبيحة يوم السبت. وكان يخطر لي أن الأقرب جعل الغدوّ بمعنى الخروج غير مقيد بالبكرة، وكثيرا ما يستعمل كذلك. ثم رأيت في فتح البيان ما استظهرته فحمدت الله على الموافقة ونصه: وعبر عن الخروج بالغدوّ الذي هو الخروج غدوة مع كونه صلى الله عليه وسلم خرج بعد صلاة الجمعة، لأنه قد يعبر بالغدوة والرواح عن الخروج والدخول من غير اعتبار أصل معناهما، كما يقال (أضحى) وإن لم يكن في وقت الضحى- انتهى- قال البقاعيّ: ولما كان رجوع عبد الله بن أبيّ المنافق، كما يأتي في صريح الذكر آخر القصة، من الأدلة على أن المنافقين، فضلا عن المصارحين بالمصارمة، متصفون بإخبار الله تعالى عنهم من العداوة والبغضاء، مع أنه كان سببا في هم الطائفتين من الأنصار بالفشل- كان إيلاء هذه القصة للنهي عن اتخاذ بطانة السوء الذين لا يقصرون عن فساد، في غاية المناسبة. ولذلك افتتحها سبحانه بقوله مبدلا من (إذ غدوت) دليلا على ما قبله من أن بطانة السوء لا يألونهم خبالا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 122] إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أي بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس أَنْ تَفْشَلا أي تكسلا وتجبنا وتضعفا لرجوع المنافقين عن نصرهم وولايتهم فعصمهما الله، فمضيا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ناصرهما، ومتولي أمرهما، فأمدهما بالتوفيق والعصمة، وَعَلَى اللَّهِ وحده دون ما عداه استقلالا أو اشتراكا فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ في جميع أمورهم، فإنه حسبهم. و (التوكل: تفعل)
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 123]
من وكل أمره إلى فلان إذا اعتمد في كفايته عليه، ولم يتوله بنفسه. وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي أن يدفع الإنسان ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك التوكل. روى الشيخان «1» عن جابر رضي الله عنه قال: فينا نزلت. إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما- قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله تعالى: والله وليهما. أي لفرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وإن تلك الهمّة ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 123] وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لما ذكر تعالى قصة أحد أتبعها بذكر قصة بدر. وذلك لأن المسلمين يوم بدر كانوا في غاية الضعف عددا وعددا، والكفار كانوا في غاية الشدة والقوة. ثم إنه تعالى نصر المسلمين على الكافرين، فصار ذلك من أقوى الدلائل على أن ثمرة التوكل عليه تعالى والصبر والتقوى هو النصر والمعونة والتأييد. و (بدر) موضع بين الحرمين، إلى المدينة أقرب، يقال هو منها على ثمانية وعشرين فرسخا. أو اسم بئر هناك حفرها رجل اسمه يدر، وقوله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي راجين أن تشكروا ما أنعم به عليكم بتقواكم من نصرته. وقد أشير في مواضع من التنزيل إلى غزوة بدر، وكانت في شهر رمضان، السنة الثانية من الهجرة، وكان سببها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بلغه أن عيرا لقريش فيها أموال عظيمة مقبلة من الشام إلى مكة. معها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش، عميدهم أبو سفيان، ومعه عمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل. فندب صلى الله عليه وسلم إلى هذه العير. وأمر من كان ظهره حاضرا بالخروج. ولم يحتفل في الحشد. لأنه لم يظن قتالا. وخرج مسرعا في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، لم يكن معهم من الخيل إلا فرسان، وكان معهم سبعون بعيرا يعتقبونها. واتصل خروجه بأبي سفيان، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ، وبعثه إلى أهل مكة يستنفرهم لعيرهم. فنفروا وأوعبوا، وخرج صلى الله عليه وسلم لثمان خلون من رمضان، واستخلف على الصلاة عمرو بن أم مكتوم، وردّ
أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، ودفع إلى عليّ راية، وإلى رجل من الأنصار راية أخرى، يقال كانتا سوداوين. وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة. وراية الأنصار يومئذ مع سعد بن معاذ، فسلكوا نقب المدينة إلى ذي الحليفة، ثم انتهوا إلى صخيرات يمام، ثم إلى بئر الروحاء، ثم رجعوا ذات اليمين عن الطريق إلى الصفراء، وبعث صلى الله عليه وسلم قبلها بسبس بن عمرو وعديّ بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار أبي سفيان وعيره، ثم تنكب عن الصفراء يمينا، وخرج على وادي دقران، فبلغه خروج قريش ونفيرهم، فاستشار أصحابه فتكلم المهاجرون، وأحسنوا، وهو يريد ما يقول الأنصار، وفهموا ذلك، فتكلم سعد بن معاذ، وكان فيما قال: لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك، فسر بنا يا رسول الله على بركة الله. فسرّ بذلك وقال: سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين. ثم ارتحلوا من دقران إلى قريب من بدر، وبعث عليّا والزبير وسعدا في نفر يلتمسون الخبر. فأصابوا غلامين لقريش، فأتوا بهما، وهو صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وقالوا: نحن سقاة قريش، فكذبوهما، كراهية في الخبر، ورجاء أن يكونا من العير للغنيمة وقلة المؤنة، فجعلوا يضربونهما فيقولان: نحن من العير. فسلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكر عليهم، وقال للغلامين: أخبراني أين قريش؟ فأخبراه أنهم وراء الكثيب، وأنهم ينحرون يوما عشرا من الإبل ويوما تسعا، فقال صلى الله عليه وسلم: القوم ما بين التسعمائة والألف. وقد كان بسبس وعديّ مضيا يتجسسان ولا خبر، حتى نزلا وأناخا قرب الماء، واستقيا في شن لهما، ومجدي بن عمرو من جهينة بقربهما. فسمع عديّ جارية من جواري الحي تقول لصاحبتها: العير تأتي غدا أو بعد غد، وأعمل لهم وأقضيك الذي لك، وجاءت إلى مجدي بن عمرو، فصدقها. فرجع بسبس وعديّ بالخبر. وجاء أبو سفيان بعدهما بتجسس الخبر. فقال لمجدي: هل أحسست أحدا؟ فقال: راكبين أناخا يميلان لهذا التل، فاستقيا الماء ونهضا. فأتى أبو سفيان مناخهما، وفتت من أبعار رواحلهما. فقال: هذه، والله، علائف يثرب. فرجع سريعا وقد حذر، وتنكب بالعير إلى طريق الساحل فنجا. وأوصى إلى قريش بأنا قد نجونا بالعير فارجعوا. فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر، ونقيم به ثلاثا، وتهابنا العرب أبدا، ورجع الأخنس بن شريق بجميع بني زهرة، وكان حليفهم ومطاعا فيهم وقال: إنما خرجتم تمنعون أموالكم وقد نجت، فارجعوا. وكان بنو عديّ لم ينفروا مع القوم، فلم يشهد بدرا من قريش عدويّ ولا زهريّ. وسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا إلى ماء بدر، وثبطهم عنه مطر نزل وبله مما يليهم، وأصاب مما يلي المسلمين
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 124]
دهس الوادي، وأعانهم على السير. فنزل صلى الله عليه وسلم على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، فقال له الحباب بن المنذر: الله أنزلك بهذا المنزل فلا نتحول عنه، أم قصدت الحرب والمكيدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا بل هو الرأي والحرب. فقال: يا رسول الله! ليس هذا بمنزل، وإنما نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ونبني عليه حوضا، ونملؤه ونعوّر القلب كلها، فنكون قد منعناهم الماء، فاستحسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بنوا عريشا على تل مشرف على المعركة يكون فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتيه النصر من ربه، ومشى يريهم مصارع القوم واحدا واحدا. ولما نزل قريش مما يليهم بعثوا عمير بن وهب الجمحيّ يحزر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحزرهم وانصرف وخبرهم الخبر. ورام حكيم بن حزام وعتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريش، ولا يكون الحرب، فأبى أبو جهل، وساعده المشركون، وتواقفت الفئتان، وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف بيده، ورجع إلى العريش، ومعه أبو بكر وحده، وطفق يدعو ويلح، وأبو بكر يقاوله. ويقول في دعائه: اللهم! إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، اللهم! أنجز لي ما وعدتني. وسعد بن معاذ وقوم معه من الأنصار على باب العريش يحمونه، وأخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انتبه، فقال: أبشر يا أبا بكر! فقد أتى نصر الله. ثم خرج يحرض الناس. ورمى في وجوه القوم بحفنة من حصى وهو يقول: شاهت الوجوه. ثم تزاحفوا. فخرج عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد يطلبون البراز، فخرج إليهم عبيدة بن الحارث وحمزة بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب، فقتل حمزة وعليّ شيبة والوليد، وضرب عتبة عبيدة، فقطع رجله فمات، وجاء حمزة وعليّ إلى عتبة فقتلاه، وقد كان برز إليهم عوف ومعاذ ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة من الأنصار فأبوا إلا قومهم. وجال القوم جولة. فهزم المشركون. وقتل منهم يومئذ سبعون رجلا. وأسر سبعون. واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا. ثم انجلت الحرب، وانصرف إلى المدينة، وقسم الغنائم في الصفراء، ودخل المدينة لثمان بقين من رمضان. وبسط القصة في السير. ومن أبدعها سياقا وفقها (زاد المعاد) فليرجع إليه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 124] إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ لتقويتكم ونصركم ودفع
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 125]
أعدائكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ من سمائه لقتال أعدائه. وقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 125] بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) بَلى إما من تتمة مقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين أو ابتداء خطاب من الله تعالى تأييدا لقول نبيه وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا. أي: نعم يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف ولكنه يزيدكم إِنْ تَصْبِرُوا على قتالهم وَتَتَّقُوا الفرار عنهم وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا أي ساعتهم هذه فلا تنزعجوا بمفاجأتهم يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم مُسَوِّمِينَ بكسر الواو أي معلمين أنفسهم بأداة الحرب على عادة الفرسان يوم اللقاء ليعرفوا بها. وقرئ بفتح الواو أو معلّمين من قبله تعالى. روى البخاريّ «1» عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب. تنبيه: وفي وعده صلى الله عليه وسلم للمؤمنين بالإمداد بقوله إِذْ تَقُولُ وجهان: الأول- أنه كان في يوم بدر، فإن سياق ما قبله يدل عليه وهو قوله وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ف (إذ) ظرف ل (نصركم) ، أي نصركم وقت قولك للمؤمنين وقد أظهروا العجز واستغاثوا ربهم. فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية، على هذا الوجه، وبين قوله في سورة الأنفال في قصة بدر: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: 9] ؟ فالجواب: أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة آلاف فما فوقها، لقوله (مردفين) بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم، وذلك أنهم لما استغاثوا أمدهم بألف ثم أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف لما صبروا واتقوا، وكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعا وأقوى لتقويتهم، وأسرها من أن يأتي مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي، ونزوله مرة بعد مرة. قال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة
آلاف، ومما يؤيد هذا الوجه أن سياق بدر في الأنفال من قوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ... [الأنفال: 7] ، الآيات شبيهة بهذا السياق هنا. كما يذوقه من تدبره. الوجه الثاني: أن هذا الوعد كان يوم أحد، فإن القصة في سياق أحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضا في أثنائها ليذكرهم بنعمته عليهم، لما نصرهم ببدر وهم أذلة، وإنه كذلك هو قادر على نصرهم في سائر المواطن. ثم عاد إلى قصة أحد، وأخبر عن قول رسوله لهم: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ ... الآية. ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف. فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف. وإمداد بدر بألف، وهذا معلق على شرط، وذاك مطلق، والقصة في هذه السورة هي قصة أحد مستوفاة مطولة، وبدر ذكرت فيها اعتراضا. والقصة في الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق هنا غير السياق في الأنفال- أشار لذلك ابن القيّم في (زاد المعاد) . وقد انتصر للوجه الأول العلامة أبو السعود، وبين ضعف الثاني بأوجه وجيهة. فليرجع إليه. ونقل الخازن عن ابن جرير أنه قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ؟ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم، ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف، خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله. ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف ولا بالخمسة آلاف، ولا على أنهم لم يمدّوا بهم. وقد يجوز أن يكون الله عز وجل أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم. وقد يجوز أن يكون لم يمدهم على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك. ولا خبر عندنا صحّ من الوجه الذي يثبت أنهم أمدّوا بالثلاثة الآلاف. ولا بالخمسة الآلاف. وغير جائز، أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم به الحجة. ولا خبر به كذلك، فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أن في القرآن دلالة على أنهم قد أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة وذلك قوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: 9] .
فائدة:
فأما في يوم أحد فالدلالة على أنهم لم يمدّوا أبين منها في أنهم أمدوا. وذلك أنهم لو أمدوا، لم يهزموا، وينال منهم ما نيل منهم. فالصواب فيه من القول أن يقال كما قال تعالى ذكره. (هذا هو نص ابن جرير. صفحة 180- 181 من الجزء السابع (طبعة المعارف) . فإن قلت: فما تصنع بحديث سعد بن أبي وقاص المرويّ في الصحيحين أنه قال «1» رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض، كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل؟ قلت: إنما كان ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، لأنه صبر ولم يهزم كما انهزم أصحابه يوم أحد- انتهى. فائدة: الإمداد، لغة الإعانة. والمراد هنا إعانة الجيش. وهل إعانة الملائكة للجيش بالقتال معهم للحديث السابق. ولحديث عائشة في الصحيحين «2» قالت: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل فقال: قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج إليهم! قال: فإلى أين؟ قال: هاهنا- وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم إليهم - أو هي بتكثير سواد المسلمين وتثبيت قلوبهم، كما قال تعالى في الأنفال: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [الأنفال: 12] . أو بهما معا وهو الظاهر. وقد سئل السبكيّ عن الحكمة في قتال الملائكة، مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، فأجاب بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبيّ وأصحابه، وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب التي أجراها الله تعالى في عباده. والله فاعل الجميع- انتهى-
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 126]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 126] وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ أي ما جعل الإمداد بالملائكة إلا لتستبشروا به فتزداد قوة قلوبكم وشجاعتكم ونجدتكم ونشاطكم وَلِتَطْمَئِنَّ أي تسكن قُلُوبُكُمْ بِهِ أي فلا تجزع من كثرة عدوكم وقلة عددكم وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وحده لا من الملائكة ولا من غيرهم، فالأسباب الظاهرة بمعزل من التأثير، وفيه توثيق للمؤمنين، وعدم إقناط من النصر عند فقدان أسبابه وأماراته الْعَزِيزِ أي الذي لا يغالب في حكمه الْحَكِيمِ الذي يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه حكمته الباهرة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 127] لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (127) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي ليهلك وينقص طائفة منهم بالقتل والأسر، كما كان يوم بدر، من قتل سبعين وأسر سبعين منهم، واللام متعلقة، إما بقوله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ. وما بينهما تحقيق لحقيقته، وبيان لكيفية وقوعه- إما بما تعلق به الخبر في قوله تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. من الثبوت والاستقرار أَوْ يَكْبِتَهُمْ أي يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة تقويه للمؤمنين فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ أي فيرجعوا منقطعي الآمال. وإنما أوقع بين المعطوف والمعطوف عليه في أثناء الكلام قوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 128] لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ اعتراضا لئلا يغفل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرى لنفسه تأثيرا في بعض هذه الأمور فيحتجب عن التوحيد، أي ليس لك من أمرهم شيء، كيفما كان، ما أنت إلا بشر مأمور بالإنذار. إن عليك إلا البلاغ، إنما أمرهم إلى الله- أفاده القاشانيّ- وفي الاعتراض تخفيف من حزنه لكفرهم، وحرصه على هداهم، كما قال: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وقوله تعالى: أَوْ يَتُوبَ
عَلَيْهِمْ . أي مما هم فيه من الكفر فيهديهم للإسلام بعد الضلالة أَوْ يُعَذِّبَهُمْ أي في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ أي يستحقون ذلك لاستمرارهم على العناد. روى البخاريّ «1» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعوا على أحد أو يدعوا لأحد، قنت بعد الركوع، فربما قال، إذا قال سمع الله لمن حمده: اللهم! ربنا ولك الحمد: اللهم! أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، اللهم! اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف، يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا (لأحياء من العرب) حتى أنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ... الآية. وقد أسند ما علقه عن ابن عمر «2» أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر، يقول: اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا. بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ... الآية - ورواه الإمام أحمد عن ابن عمر أيضا ولفظه: اللهم! العن فلانا وفلانا. اللهم العن الحارث بن هشام. اللهم العن سهيل بن عمرو. اللهم العن صفوان ابن أمية. فنزلت هذه الآية: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ... الآية، فيتوب عليهم كلهم. وقال الإمام أحمد «3» حدثنا هشيم حدثنا حميد عن أنس رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم عز وجل، فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. الآية- انفرد به مسلم. ورواه البخاريّ تعليقا . وقد تقدم لنا في مقدمة التفسير تحقيق معنى سبب النزول، وأن الآية قد تذكر استشهادا في مقام، لكونها مما تشمله. فيطلق الراوي عليها النزول فيه، ولا يكون قصده أن هذا كان سببا لنزولها. والحكمة في منعه صلى الله عليه وسلم من الدعاء عليهم ظهرت من توبتهم أخيرا. والإلحاح في الدعاء مظنة الإجابة، لا سيما من أشرف
لطيفة:
خلقه. فاقتضت حكمته تعالى إمهالهم إلى أن يتوبوا لسابق علمه فيهم. وفيه طلب التفويض في الأمور الملمة، لما في طيّها من الأسرار الإلهية. لطيفة: قوله تعالى: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. منصوب بإضمار (أن) في حكم اسم معطوف ب (أو) على (الأمر) أو على (شيء) ، أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم، أو ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذيبهم. أقول: جعل أَوْ يَتُوبَ منصوبا بالعطف على (يكبتهم) - بعيد جدا. وإن قدمه بعض المفسرين على الوجه المتقدم. وذلك لأن قوله تعالى لَيْسَ لَكَ كلام مستأنف على ما صرحت به الروايات في سبب النزول. وهي المرجع في التأويل- والله أعلم-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 129] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تقرير لما قبله من قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، أي له ما فيهما ملكا وأمرا يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ فيحكم في خلقه بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ تذييل مقرر لمضمون قوله: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ، مع زيادة. وفي تخصيص التذييل به دون قرينة، من الاعتناء بشأن المغفرة والرحمة ما لا يخفى- أفاده أبو السعود-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 130] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً هذا نهي عن الربا مع التوبيخ بما كانوا عليه في الجاهلية من تضعيفه، كان الرجل منهم إذا بلغ الدّين محله يقول: إما أن تقضي حقي أو تربي وأزيد في الأجل. وفي ندائهم باسم (الإيمان) إشعار بأن من مقتضى الإيمان وتصديقه ترك الربا. وقد تقدم في البقرة من المبالغة في النهي عنه ما يروع من له أدنى تقوى. يوجب، لمن لم يتركه وما يقاربه، الضمان
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 131]
بالخذلان في كل زمان: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: 279] . أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة: 86] . وقوله أَضْعافاً مُضاعَفَةً أي زيادات متكررة، وليس لتقييد النهي به، لما هو معلوم من تحريمه على كل حال، بل لمراعاة عادتهم كما بيّنا. ومحله النصب على الحالية من الربا. وقرئ (ضعفة) وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما تنهون عنه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بإيفاء حقوقكم وصونكم عن أعدائكم، كما صنتم حقوق الأشياء. ومما يعلم به حكمة نظم هذه الآية في سلك قصة أحد، ما رواه أبو داود «1» عن أبي هريرة أن عمرو بن أقيش رضي الله عنه كان له ربا في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه، فجاء يوم أحد، فقال: أين بنو عمي؟ قالوا بأحد. قال: أين فلان؟ قالوا: بأحد. قال: فأين فلان؟ قالوا: بأحد. فلبس لأمته، وركب فرسه، ثم توجه قبلهم، فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو! قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحا، فجاءه سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقال لأخته: سليه: حمية لقومك وغضبا لهم أم غضبا لله عز وجل؟ فقال: بل غضبا لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمات، فدخل الجنة، وما صلى لله عز وجل صلاة. قال الدينوريّ: وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط! فيسكت الناس، فيقول أبو هريرة: هو أخو بني عبد الأشهل. وعند ابن إسحاق: فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه لمن أهل الجنة- هذا ملخص ما أورده البقاعيّ رحمه الله تعالى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 131] وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ بالتحرز عن متابعتهم في الربا ونحوه. روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه كان يقول: هي أخوف آية في القرآن، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 132] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ أي في ترك الربا ونحوه لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 133]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 133] وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ أي إلى ما يؤدي إليهما من الاستغفار والتوبة والأعمال الصالحة. وقوله عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي كعرضهما، كما قال في سورة الحديد: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الحديد: 21] . وفي العرض وجهان: الأول- أنه على حقيقته. وتخصيصه بالذكر تنبيها على اتساع طولها. فإن العرض في العادة أدنى من الطول، كما قال تعالى في صفة فرض الجنة: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ [الرحمن: 54] . أي فما ظنك بظاهرها؟ فكذا هنا. والثاني- أنه مجاز عن السعة والبسطة. قال القفال: ليس المراد بالعرض هاهنا ما هو خلاف الطول، بل هو عبارة عن السعة، كما تقول العرب: بلاد عريضة، ويقال: هذه دعوى عريضة أي واسعة عظيمة. والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق وما ضاق عرضه دق، فجعل العرض كناية عن السعة. وقال الزمخشريّ: المراد وصفها بالسعة والبسطة. فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه تعالى وأبسطه- والله أعلم. أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 134] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ أي في حال الرخاء واليسر وَالضَّرَّاءِ أي في حال الضيقة والعسر. وإنما افتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس، فمخالفتها فيه منقبة شامخة وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أي الممسكين عليه في نفوسهم، الكافّين عن إمضائه مع القدرة عليه، اتقاء التعدي فيه إلى ما وراء حقه. روى الإمام أحمد «1» عن جارية بن قدامة السعديّ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قل لي قولا ينفعني وأقلل عليّ لعلّي أعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لا تغضب. فأعاد عليه. حتى أعاد عليه مرارا. كل ذلك يقول: لا تغضب- انفرد به أحمد - وروى من طريق آخر أن رجلا قال: يا رسول الله أوصني، قال: لا تغضب. قال الرجل: ففكرت حين قال النبيّ صلى الله عليه وسلم ما قال، فإذا الغضب يجمع الشركله وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ أي ظلمهم لهم، ولو كانوا قد قتلوا منهم، فلا يؤاخذون أحدا بما يجني عليهم، ولا يبقى في أنفسهم موجدة، كما قال تعالى: وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى: 37] . قال القفال رحمه الله: يحتمل أن يكون هذا راجعا إلى ما ذم من فعل المشركين في أكل الربا، فنهى المؤمنون عن ذلك، وندبوا إلى العفو عن المعسرين. قال تعالى عقيب قصة الربا والتداين: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ، وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 280] . ويحتمل أن يكون كما قال تعالى في الدية: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة: 178] . إلى قوله: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ. ويحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مثلوا بحمزة وقال: لأمثلنّ بهم. فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والكف عن فعل ما ذكر أنه يفعله من المثلة، فكان تركه فعل ذلك عفوا. قال تعالى في هذه القصة: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: 126]- انتهى- وظاهر أن عموم الآية مما يشمل كل ما ذكر. إذ لا تعيين وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ اللام إما للجنس، وهم داخلون فيه دخولا أوليا. وإما للعهد، عبر عنهم بالمحسنين إيذانا بأن النعوت المعدودة من باب الإحسان الذي هو الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفيّ المستلزم لحسنها الذاتيّ. وقد فسره صلى الله عليه وسلم بقوله «1» : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها- أفاده أبو السعود-.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 135]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 135] وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً من السيئات الكبار أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أي بأي نوع من الذنوب ذَكَرُوا اللَّهَ أي تذكروا حقه وعهده فاستحيوه وخافوه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ أي لأجلها بالتوبة والإنابة إليه تعالى. قال البقاعيّ: ولما كان هذا مفهما أنه يغفر لهم لأنه غفار لمن تاب، أتبعه بتحقيق ذلك، ونفى القدرة عليه عن غيره، مرغبا في الإقبال عليه بالاعتراض بين المتعاطفين بقوله وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أي يمحو آثارها حتى لا تذكر ولا يجازي عليها إِلَّا اللَّهُ أي الملك الأعلى. وقال أبو السعود مَنْ استفهام إنكاريّ. أي لا يغفر الذنوب أحد إلا الله، خلا أن دلالة الاستفهام على الانتفاء أقوى وأبلغ لإيذانه بأنه كل أحد ممن له حظ من الخطاب يعرف ذلك الانتفاء، فيسارع إلى الجواب به. والمراد به وصفه سبحانه بغاية سعة الرحمة وعموم المغفرة، والجملة معترضة بين المعطوفين، أو بين الحال وصاحبها لتقرير الاستغفار والحث عليه، والإشعار بالوعد بالقبول. وقال الزمخشريّ: في هذه الجملة وصف لذاته تعالى بسعة الرحمة، وقرب المغفرة، وأن التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه، وأن عدله يوجب المغفرة للتائب، لأن العبد إذا جاء في الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه، وجب العفو والتجاوز. وفيه تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط، وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل، وكرمه أعظم. والمعنى أنه وحده معه مصححات المغفرة- انتهى-. وفي مسند الإمام أحمد «1» عن الأسود بن سريع رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أتي بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: عرف الحق لأهله. وفيه أيضا «2» : عن أبي سعيد الخدريّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 136]
يقول: إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم! فقال الله: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني. وفيه أيضا «1» : عن عليّ رضي الله عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته، فإذا حلف لي صدقته وإن أبا بكر رضي الله عليه حدثني، وصدق أبو بكر، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوجوء، ثم يصلي ركعتين، فيستغفر الله عزّ وجل إلا غفر له، ورواه أهل السنن وابن حبان في صحيحه وغيرهم- قال الترمذيّ: حديث حسن وَلَمْ يُصِرُّوا أي لم يقيموا عَلى ما فَعَلُوا أي ما فعلوه من الذنوب من غير استغفار وَهُمْ يَعْلَمُونَ حال من فاعل (يصروا) أي لم يصروا على ما فعلوا وهم عالمون بقبحه، والنهي عنه، والوعيد عليه. والتقييد بذلك، لما أنه قد يعذر من لا يعلم قبح القبيح. وقد روى أبو داود والترمذيّ «2» والبزار وأبو يعلى عن مولى لأبي بكر الصديق رضي الله عنه عن أبي بكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ، وإسناده لا بأس به. قال ابن كثير: وقول عليّ بن المدينيّ والترمذيّ: ليس إسناد هذا الحديث بذاك- فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر، ولكن جهالة مثله لا تضرّ لأنه تابعيّ كبير، ويكفيه نسبته إلي أبي بكر، فهو حديث حسن- والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 136] أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136) أُولئِكَ إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما مر من الصفات الحميدة جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ أي ستر لذنوبهم وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من أنواع المشروبات خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ المخصوص بالمدح
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 137]
محذوف، أي ذلك. يعني ما ذكر من المغفرة والجنات. ثم عاد التنزيل إلى تفصيل بقية قصد أحد، بعد تمهيده مبادئ الرشد والصلاح بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 137] قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) قَدْ خَلَتْ أي مضت مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ أي وقائع من أنواع المؤاخذات والبلايا للأمم المكذبين فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ التي فيها ديارهم الخربة وآثار إهلاكهم فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي وقيسوا بهم عاقبة اللاحقين بهم في الهلاك والاستئصال. والأمر بالسير والنظر. لما أن لمشاهدة آثار المتقدمين أثرا في الاعتبار والروعة، أقوى من أثر السماع. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 138] هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) هذا أي القرآن أو ما تقدم من مؤاخذة المذكورين بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ أي تخويف نافع لِلْمُتَّقِينَ ثم شجع قلوب المؤمنين وسلاهم عما أصابهم بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 139] وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي لا تضعفوا عن الجهاد بما نالكم من الجراح، ولا تحزنوا على من قتل منكم، والحال أنكم الأعلون الغالبون دون عدوكم، فإن مصير أمرهم إلى الدمار حسبما شاهدتم من عاقبة أسلافهم، فهو تصريح بالوعد بالنصر بعد الإشعار به فيما سبق، وقوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ متعلق بالنهي أو ب (الأعلون) . وجوابه محذوف لدلالة ما تعلق به عليه. أي إن كنتم مؤمنين، فلا تهنوا ولا تحزنوا، فإن الإيمان يوجب قوة القلب، والثقة بصنع الله تعالى، وعدم المبالاة بأعدائه. أو إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون، فإن الإيمان يقتضي العلو لا محالة- أفاده أبو السعود-.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 140]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 140] إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ بالفتح والضم قراءتان، وهما لغتان، كالضّعف والضّعف، أي إن أصابكم يوم أحد جراح فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ أي يوم بدر ولم يضعفوا ولم يجبنوا فأنتم أولى، لأنكم موعودون بالنصر دونهم، أي فقد استويتم في الألم، وتباينتم في الرجاء والثواب، كما قال: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ [النساء: 104] . فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم، فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان، وأنتم أصبتم في سبيل الله، وابتغاء مرضاته. وقيل: كلا المسّين كان يوم أحد، فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وَتِلْكَ الْأَيَّامُ أي أيام هذه الحياة الدنيا نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ أي نصرفها بينهم، نديل تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء. فهي عرض حاضر، يقسمها بين أوليائه وأعدائه. بخلاف الآخرة، فإن عرضها ونصرها ورجاءها خالص للذين آمنوا. قال ابن القيم قدس الله سره (في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد) : ومنها أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يدالوا مرة ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة. فإنهم لو انتصروا دائما دخل معهم المسلمون وغيرهم، ولم يميز الصادق من غيره. ولو انتصر عليهم دائما لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة. فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاءوا به، ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة- انتهى- وقوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا قال ابن القيم: حكمة أخرى وهي أن يتميز المؤمنون من المنافقين فيعلمهم علم رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبه، وذلك العلم الغيبيّ لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وإنما يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهدا واقعا في الحس. لطيفة: في الآية وجهان: أحدهما: أن يكون المعلل محذوفا معناه: وَلِيَعْلَمَ.. إلخ فعلنا ذلك.
تنبيه:
الثاني: أن تكون العلة محذوفة وهذا عطف عليه معناه: وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت، وليعلم الله. وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة ليسليهم عما جرى عليهم وليبصّرهم أن العبد يسوؤه ما يجري عليه من المصائب، ولا يشعر أن لله في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه- أفاده الزمخشري- تنبيه: في هذه الآية بحث مشهور، وذلك بأن ظاهرها مشعر بأنه تعالى إنما فعل ذلك ليكتسب هذا العلم، ومعلوم أن ذلك محال على الله تعالى، ونظيرها في الإشكال قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ.. [آل عمران: 142] إلخ. وقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [العنكبوت: 3] وقوله: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى.. [الكهف: 12] وقوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [محمد: 31] . وقوله: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ [البقرة: 143] . قال الرازيّ: وقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن الله تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها فقال: كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها. ولما كانت الدلائل القطعية دالة على أزلية علمه جل اسمه، أجاب عن ذلك العلماء بأجوبة: منها- أن هذا من باب التمثيل. فالتقدير في هذه الآية: ليعاملكم معاملة من يريد أن يعلم المخلصين الثابتين على الإيمان من غيرهم. ومنها- أن العلم فيها مجاز عن التمييز بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب أي ليميز الثابتين على الإيمان من غيرهم. ومنها- أن العلم على حقيقته. إلا أنه معتبر من حيث تعلقه بالمعلوم من حيث إنه واقع موجود بالفعل، أي ليعلم الثابت واقعا منهم كما كان يعلم أنه سيقع لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد، وهذا ما اعتمده ابن القيّم كما نقلناه أولا. ومنها- أن الكلام على حذف مضاف. أي ليعلم أولياء الله، فأضاف إلى نفسه تفخيما- والله أعلم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 141]
ثم ذكر حكمة أخرى وهي اتخاذه سبحانه منهم شهداء بقوله وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ أي وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم في تضحية النفس شهادة للحق، واستماتة دونه، وإعلاء لكلمته، وهو تعالى يحب الشهداء من عباده، وقد أعدّ لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه، فلا بد أن ينيلهم درجة الشهادة. وفي لفظ (الاتخاذ) المنبئ عن الاصطفاء والتقريب، من تشريفهم وتفخيم شأنهم ما لا يخفى وقوله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ قال ابن القيّم: تنبيه لطيف الموقع جدا على أن كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخزلوا عن نبيه يوم أحد فلم يشهدوه، ولم يتخذ منهم شهداء، لأنه لم يحبهم، فأركسهم وردهم ليحرمهم ما خص به المؤمنون في ذلك اليوم، وما أعطاه من استشهد منهم، فثبط هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءه وحزبه. انتهى-. فالتعريض بالمنافقين. ويحتمل أن يكون بالكفرة الذين أديل لهم، تنبيها على أن ذلك ليس بطريق النصرة لهم، بل لما ذكر من الفوائد العائدة إلى المؤمنين. ثم ذكر حكمة أخرى فيما أصابهم ذلك اليوم بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 141] وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أي لينقّيهم ويخلصهم من الذنوب ومن آفات النفوس. وأيضا فإنه خلصهم ومحصهم من المنافقين، فتميزوا منهم. فحصل لهم تمحيصان: تمحيص من نفوسهم، وتمحيص ممن كان يظهر أنه منهم وهو عدوّ. ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين بقوله وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ أي يهلكهم، فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا. فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم، إذ جرت سنة الله تعالى، إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم، قيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم. ومن أعظمها، بعد كفرهم، بغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسليط عليهم. والمحق ذهاب الشيء بالكلية حتى لا يرى منه شيء، وقد محق الله الذي حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وأصرّوا على الكفر جميعا، ثم أنكر تعالى عليهم حسبانهم وظنهم أنهم يدخلون الجنة بدون الجهاد في سبيله والصبر على أذى أعدائه، وأن هذا ممتنع بحيث ينكر على من ظنه وحسبه فقال:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 142]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 142] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ أي ولما يقع ذلك منكم فيعلمه، فإنه لو وقع لعلمه فجازاكم عليه بالجنة، فيكون الجزاء على الواقع المعلوم، لا على مجرد العلم، فإن الله لا يجزي العبد على مجرد علمه فيه دون أن يقع معلومه- أفاده ابن القيم- وفي الكشاف وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ بمعنى ولما تجاهدوا لأن العلم متعلق بالمعلوم، فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقه، لأنه منتف بانتفائه، يقول الرجل: ما علم الله في فلان خيرا، يريد ما فيه خير حتى علمه، و (لما) بمعنى (لم) ، إلا أن فيها ضربا من التوقع، فدل على نفي الجهاد فيما مضى، وعلى توقعه فيما يستقبل، وتقول: وعدني أن يفعل كذا ولما. تريد. ولما يفعل، وأنا أتوقع فعله. لطيفة: قال أبو مسلم في أَمْ حَسِبْتُمْ: إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي للتبكيت. وتلخيصه: لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم الجهاد، وهو كقوله: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: 1- 2] . وافتتح الكلام بذكر (أم) التي هي أكثر ما تأتي في كلامهم واقعة بين ضربين، يشك في أحدهما لا بعينه. يقولون: أزيدا ضربت أم عمرا؟ مع تيقن وقوع الضرب بأحدهما. قال: وعادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيدا، فلما قال وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا كأنه قال: أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة وصبر. وإنما استبعد هذا لأن الله تعالى أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة، وأوجب الصبر على تحمل متاعبها، وبيّن وجوه المصالح فيها في الدين وفي الدنيا، فلما كان كذلك، فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال هذه الطاعة- انتهى-. ثم وبخهم على هزيمتهم من أمر كانوا يتمنونه ويودون لقاءه، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 143] وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أي الحرب، فإنها من مبادئه، أو الموت على
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 144]
الشهادة مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ أي تشاهدوه وتعرفوا هوله فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ أي ما تتمنونه من أسباب الموت، أو الموت بشاهدة أسبابه العادية، أو قتل إخوانكم بين أيديكم وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ حال من ضمير المخاطبين. وفي إيثار الرؤية على الملاقاة، وتقييدها بالنظر، مبالغة في مشاهدتهم له. قال ابن عباس: لما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر من الكرامة، رغبوا في الشهادة، فتمنوا قتالا يشهدون فيه فيلحقون إخوانهم، فأراهم الله ذلك يوم أحد، وسببه لهم، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله منهم، فأنزل الله تعالى وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ... الآية- وقد ثبت في الصحيحين «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتمنوا لقاء العدوّ، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. قال أهل المغازي: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، أقبل عبد الله ابن قميئة يريد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذب عنه مصعب بن عمير رضي الله عنه، وهو يومئذ صاحب رايته، فقتله ابن قميئة وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع فقال: قد قتلت محمدا وصرخ الشيطان: ألا إن محمدا قد قتل. فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس، فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال. ففي ذلك أنزل الله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 144] وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ والرسل منهم من مات، ومنهم من قتل، فلا منافاة بين
الرسالة والقتل والموت، إذ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ فسيخلو كما خلوا أَفَإِنْ ماتَ أي أتؤمنون به في حال حياته فإن مات أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ أي ارتددتم عَلى أَعْقابِكُمْ أي بعد علمكم بخلو الرسل قبله، وبقاء دينهم، متمسكا به وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وإنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ بالنصر والغلبة في الدنيا، والثواب والرضوان في الآخرة، وهم الذين لم ينقلبوا، بل قاموا بطاعته، وقاتلوا على دينه، واتبعوا رسوله حيّا وميتا. وسمّاهم (شاكرين) لأنهم شكروا نعمة الإسلام الذي هو أجل نعمة وأعز معروف. والمعنى أن من كان على يقين من دينه، وبصيرة من ربه، لا يرتد بموت الرسول وقتله، ولا يفتر عما كان عليه، لأنه يجاهد لربه لا للرسول، كأصحاب الأنبياء السالفين، كما قال أنس «1» (عم أنس بن مالك، يوم أحد حين أرجف بقتل رسول الله عليه السلام وشاع الخبر، وانهزم المسلمون، وبلغ إليه تقاول بعضهم: ليت فلانا يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. وقوله المنافقين: لو كان نبيّا ما قتل) : يا قوم! إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد حي لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله، فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم! إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء هؤلاء، ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل- أفاده القاشانيّ-. روى ابن أبي نجيح عن أبيه أن رجلا من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان! أشعرت أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل؟ فقال الأنصاريّ: إن كان محمد قد قتل، فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل وَما مُحَمَّدٌ ... الآية- رواه أبو بكر البيهقيّ في (دلائل النبوة) .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 145]
قال الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) : ومنها- أي من الغايات في هذه الغزوة- أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصا بين يدي موت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنبأهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قتل. بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده، يموتوا عليه ويقتلوا، فإنهم إنما يعبدون رب محمد وهو حيّ لا يموت. فلو مات محمد أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه، وما جاء به، فكل نفس ذائقة الموت، وما بعث محمد صلى الله عليه وسلم إليهم ليخلد، لا هو ولا هم، بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد، فإن الموت لا بد منه، فسواء مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بقي. ولهذا وبخهم على رجوع من رجع منهم عن دينه لما صرخ الشيطان بأنه محمدا قد قتل، فقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ... الآية- والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها حتى ماتوا وقتلوا، فظهر أثر هذا العتاب، وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد على عقبيه، وثبت الشاكرون على دينهم فنصرهم الله وأعزهم، وأظفرهم بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم- انتهى-. وثبت في الصحيح «1» أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه تلا هذه الآية يوم موت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتلاها منه الناس كلهم، والحديث مشهور. ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل نفس أجلا، لا بد أن تستوفيه وتلحق به، فيرد الناس كلهم حوض المنايا موردا واحدا، وإن تنوعت أسبابه، ويصدرون عن موقف القيامة مصادر شتى، فريق في الجنة وفريق في السعير، بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 145] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي بأمره وإرادته كِتاباً مُؤَجَّلًا مصدر مؤكد لمضمون ما قبله، أي كتب لكل نفس عمرها كتابا مؤقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. وفي الآية تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه وَمَنْ يُرِدْ أي بعمله ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها أي ما نشاء أن نؤتيه، ولم يكن له في الآخرة من نصيب، وهو تعريض بمن
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 146]
حضر لطلب الغنائم وَمَنْ يُرِدْ أي بعمله ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ونظير هذه الآية قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى: 20] . وقوله سبحانه: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء: 18- 19] . واعلم أن الآية، وإن كان سياقها في الجهاد ولكنها عامة في جميع الأعمال. وذلك لأن المؤثر في جلب الثواب أو العقاب هو النيات والدواعي، لا ظواهر الأعمال. ثم نعى عليهم تقصيرهم وسوء صنيعهم في صدودهم عن سنن الربانيين المجاهدين في سبيل الله مع الرسل الخالية، عليهم السلام، بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 146] وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ أي كم من الأنبياء قاتل معهم، لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، جماعتهم الأتقياء العباد فَما وَهَنُوا أي ضعفوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ من الجراح وشهادة بعضهم لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه، ونصرة رسوله وَما ضَعُفُوا أي عن الجهاد أو العدوّ أو الدين وَمَا اسْتَكانُوا للأعداء بل صبروا على قتالهم وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ على قتال أعدائه. تنبيهات الأول- (كأين) بمعنى (كم) الخبرية، وفيها لغات، قرئ منها في السبع: كائن ممدودا مهموزا لابن كثير. والباقون بالتشديد. وفيها كلام كثير في معناها ولغاتها وقراءاتها المتواترة والشاذة وصلا ووقفا، وفي رسمها. فانظر موادّ ذلك. الثاني- قرئ في السبع قتل بالبناء للمجهول ونائب الفاعل رِبِّيُّونَ قطعا. وأما احتمال أن يكون ضميرا لنبيّ ومعه ربيون حال، أو يكون على معنى التقديم والتأخير، أي وكائن من نبيّ معه ربيون قتل- فتكلف ينبو عن سليم الأفهام. وتعسف يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. وإن نقله القفال، ونصره السهيليّ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 147]
وبالغ فيه. فما كل سوداء تمرة. الثالث- (الربيون) بكسر الراء قراءة الجمهور، وقرئ بضمها وفتحها، فالفتح على القياس، والكسر والضم من تغييرات النسب، وهم الربانيون، أي الذين يعبدون الرب تعالى. ثم أخبر سبحانه، بعد بيان محاسنهم الفعلية، بمحاسنهم القولية، وهو ما استنصرت به الأنبياء وأممهم على قومهم من اعترافهم وتوبتهم واستغفارهم وسؤالهم ربهم ن يثبت أقدامهم، وأن ينصرهم على عدوهم، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 147] وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147) وَما كانَ قَوْلَهُمْ أي هؤلاء الربانيين، مثل قول المنافقين ولا المعجبين. وقَوْلَهُمْ بالنصب خبر ل (كان) ، واسمها (أن) وما بعدها في قوله تعالى إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. قال ابن القيّم: لما علم القوم أن العدوّ إنما يدال عليهم بذنوبهم وأن الشيطان إنما يستزلّهم ويهزموهم بها. وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحد. وأن النصر منوط بالطاعة، قالوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا. ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى، وإن لم يثبت أقدامهم وينصرهم، لم يقدروا على تثبيت أقدام أنفسهم ونصرها على أعدائهم، فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم، وأنه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم، لم يثبتوا ولم ينتصروا. فوفّوا المقامين حقهما: مقام المقتضى، وهو التوحيد، والالتجاء إليه سبحانه. ومقام إزالة المانع من النصرة، وهو الذنوب والإسراف- انتهى- قال القاضي: وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن، سواء كان في الجهاد أو غيره. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 148] فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا من النصر والغنيمة، وقهر العدوّ، والثناء الجميل،
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 149]
وانشراح الصدر بنور الإيمان، وكفارة السيئات وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وهو الجنة وما فيها من النعيم المقيم. وتخصيص وصف الحسن بثواب الآخرة للإيذان بفضله ومزيته، وأنه المعتدّ به عنده تعالى، بخلاف الدنيا لقلتها وامتزاجها بالمضار، وكونها منقطعة زائلة وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ إشارة إلى أن ما حكى عنهم من الأفعال والأقوال من باب الإحسان. قال الرازيّ: فيه دقيقة لطيفة، وهي أن هؤلاء لما اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ... الآية- سماهم الله محسنين كأن الله تعالى يقول لهم: إذا اعترفت بإساءتك وعجزك فأنا أصفك بالإحسان وأجعلك حبيبا لنفسي حتى تعلم أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى حضرة الله إلا بإظهار الذلة والمسكنة والعجز. ثم حذرهم سبحانه، إثر ترغيبهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء المفضي لسعادة الدارين، من طاعة عدوهم. وأخبر أنه إن أطاعوهم خسروا الدنيا والآخرة. وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذي أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفروا يوم أحد، بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 149] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي إلى الشرك. والارتداد على العقب علم في انتكاس الأمر، ومثل في الحور بعد الكور فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ لدين الإسلام ولمحبة الله ورضوانه وثوابه الدنيويّ والأخرويّ. فلا تعتقدوا أنهم يوالونكم كما توالونهم. قال بعض المفسرين: ثمرة الآية الدلالة على أن على المؤمنين أن لا ينزلوا على حكم الكفار ولا يطيعوهم ولا يقبلوا مشورتهم خشية أن يستنزلوهم عن دينهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 150] بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ فأطيعوه وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ينصركم خيرا من نصرهم لو نصروكم، وكيف لا يكون خير الناصرين وهو ينصركم بغير قتال، كما وعد بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 151]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 151] سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ أي الذي يمنعهم من الهجوم عليكم والإقدام على حرمكم بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ أي بكونه إلها أو متصفا بصفاته أو مستحقّا للعبادة سُلْطاناً أي حجة قاطعة ينبني عليها الاعتقادات وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ هي. والمثوى: المقر والمأوى والمقام. من (ثوى يثوي) . لطائف الأولى: أفادت الآية أن ذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله، وعلى قدر الشرك يكون الرعب. قال القاشانيّ: جعل إلقاء الرعب في قلوب الكفار مسببا عن شركهم لأن الشجاعة وسائر الفضائل اعتدالات في قوى النفس لتنورها بنور التوحيد، فلا تكون تامة إلا للموحد الموقن في توحيده. وأما المشرك فلأنه محجوب عن منيع القدرة بما أشرك بالله من الموجود المشوب بالعدم الذي لم يكن له بحسب نفسه قوة، ولم ينزل الله بوجوده حجة، فليس له إلا العجز والجبن وجميع الرذائل. وقال القفال رحمه الله: كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أن الله تعالى سيلقي الرعب منكم بعد ذلك، في قلوب الكافرين، حتى يقهر الكفار. ويظهر دينكم على سائر الأديان، وقد فعل الله ذلك، حتى صار دين الإسلام قاهرا لجميع الأديان والملل- انتهى- وقد ثبت في الصحيحين «1» عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة، وأعطيت الشفاعة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 152]
الثانية: في ذكر عدم تنزيل الحجة مع استحالة تحققها في نفسها، إشعار بنفيها ونفي نزولها جميعا. لأن ما لم ينزل به سلطانا، لا سلطان له. الثالثة: قال أبو السعود: في الآية إيذان بأن المتبع في الباب هو البرهان السماويّ، دون الآراء والأهواء الباطلة. وقد سبقه إلى ذلك الرازيّ حيث قال: هذه الآية دالة على فساد التقليد. وذلك لأن الآية دالة على أن الشرك لا دليل عليه، فوجب أن يكون القول به باطلا، وهذا إنما صح إذا كان القول بإثبات ما لا دليل على ثبوته، يكون باطلا، فيلزم فساد القول بالتقليد- انتهى- ثم أخبرهم أنه صدقهم وعده في النصر على عدوه، وهو الصادق الوعد، وأنهم لو استمروا على الطاعة ولزموا أمر الرسول لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة، وفارقوا مركزهم ففارقهم النصر، فصرفهم عن عدوهم عقوبة وابتلاء وتعريفا لهم سوء عواقب المعصية وحسن عاقبة الطاعة بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 152] وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ في قوله: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ. إِذْ تَحُسُّونَهُمْ أي تقتلونهم قتلا كثيرا. من (حسه) إذا أبطل حسه بِإِذْنِهِ أي بتيسيره وتوفيقه حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أي في الإقامة بالمركز، فقال أصحاب عبد الله «1» : الغنيمة. أي قوم! الغنيمة. ظهر أصحابكم فما تنظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين- رواه الإمام أحمد- و (الأمر) إما بمعنى الشأن والقصة، وإما الذي يضادّه (النهي) أي فيهم أمرتم به من عدم البراح وَعَصَيْتُمْ أي أمر الرسول أن لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم،
وإن رأيتموهم ظهروا علينا، فلا تعينونا- رواه البخاريّ- مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ أي من الظفر والغنيمة، وانهزام العدوّ. روى البخاريّ «1» عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير وقال: لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم- بلفظ ما تقدم- ثم قال البراء: فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة ... الحديث. مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا أي الغنيمة فترك المركز وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ فثبت فيه وهم الذين نالوا شرف الشهادة، ومنهم أنس بن النضر الأسد المقدام، القائل وقتئذ: اللهم! إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء- يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه، فلقي سعد بن معاذ، فقال أين يا سعد؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد! فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم- هذا لفظ البخاريّ- وأخرجه مسلم بنحوه، فرضي الله عنه وأرضاه وقدس روحه الزكية ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ أي كفكم عنهم حتى حالت الحال، ودالت الدولة. وفيه من اللطف بالمسلمين ما لا يخفى لِيَبْتَلِيَكُمْ أي ليجعل ذلك الصرف محنة عليكم لتتوبوا إلى الله، وترجعوا إليه، وتستغفروه فيما خالفتم فيه أمره، وملتم إلى الغنيمة. ثم أعلمهم أنه تعالى قد عفا عنهم بقوله وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ أي تفضلا عليكم لإيمانكم وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي في الأحوال كلها، إما بالنصرة إما بالابتلاء، فإن الابتلاء فضل ولطف خفيّ، ليتمرنوا بالصبر على الشدائد، والثبات
لطائف:
في المواطن، ويتمكنوا في اليقين، ويجعلوه ملكة لهم، ويتحققوا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولا يميلوا إلى الدنيا وزخرفها، ولا يذهلوا على الحق، وليكون عقوبة عاجلة للبعض، فيتمحصوا عن ذنوبهم، وينالوا درجة الشهادة، فيلقوا الله ظاهرين- أفاده القاشانيّ-. لطائف: الأولى: (إذا) في قوله تعالى حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ إما شرط، أو، لا. وعلى الأول فجوابها إما محذوف أو مذكور. فتقديره، على كونه محذوفا، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منعكم الله نصره- لدلالة صدر الآية عليه- أو صرتم فريقين، لأن قوله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ ... إلخ يفيد فائدته، ويؤدي معناه. وعلى كونه مذكورا فهو إما (وعصيتم) والواو صلة. وحكي هذا عن الكوفيين والفراء، قالوا: ونظيره قوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ [الصافات: 103- 104] . والمعنى ناديناه. وبعض من نصر هذا الوجه زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو في جواب (حتى إذا) بدليل قوله أورد عليهم من لزوم تعليل الشيء بنفسه- إذ الفشل والتنازع معصية فكيف يكونان علة لها- بأن المراد من العصيان خروجهم عن ذلك المكان. ولا شك أن الفشل والتنازع هو الذي أوجب خروجهم عنه، فلا لزوم. وإمّا قوله تعالى صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ وكلمة (ثم) صلة- قاله أبو مسلم-. وعلى الثاني أعني كونها ليست شرطا فهي اسم و (حتى) حرف جر بمعنى إلى متعلقة بقوله تعالى صَدَقَكُمُ باعتبار تضمنه لمعنى النصر كأنه قيل: لقد نصركم الله (إلى) وقت فشلكم وتنازعكم. الثانية: فائدة قوله تعالى مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ التنبيه على عظم المعصية، لأنهم لما شاهدوا أن الله تعالى أكرمهم بإنجاز الوعد، كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها سلبوا ذلك الإكرام. الثالثة: ظاهر قوله تعالى: وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ. أنه تعالى عفا عنهم من غير توبة، لأنها لم تذكر، فدل على أنه تعالى قد يعفو عن أصحاب الكبائر. الرابعة: في قوله تعالى: وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. دليل على أن صاحب الكبيرة مؤمن، فإن الذنب في الآية كان كبيرة- والله أعلم-.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 153]
ثم ذكرهم تعالى بحالهم وقت الفرار بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 153] إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153) إِذْ تُصْعِدُونَ متعلق ب (صرفكم) أو بقوله (ليبتليكم) ، أو بمقدر. والإصعاد الإبعاد في الأرض. أي تبعدون في الفرار، وقرئ: تصعدون. من الثلاثيّ، أي في الجبل وَلا تَلْوُونَ أي لا تعطفون بالوقوف عَلى أَحَدٍ أي من قريب ولا بعيد، من الدهش والروعة وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي ساقتكم وجماعتكم الأخرى، إلى ترك الفرار من الأعداء وإلى العود والكرة عليهم. وأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير وثوقا بوعد الله ومراقبة له. قال السدّيّ: لما اشتد المشركون على المسلمين بأحد، فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها. فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: إليّ عباد الله! إليّ عباد الله! فذكر الله صعودهم إلى الجبل- ثم ذكر دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم إياهم فقال: إذ تصعدون ... إلخ - قال ابن كثير: وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد. وفي حديث البراء رضي الله عنه في مسند الإمام أحمد «1» أنهم لما انهزموا لم يبق مع النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا. وروى مسلم «2» عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فَأَثابَكُمْ أي جازاكم بهذا الهرب والفرار غَمًّا بِغَمٍّ أي غما متصلا بغم، يعني غم الهزيمة والكسرة، وغم صرخة الشيطان فيهم بأن محمدا قتل. وقيل الباء بمعنى مع، وقيل بمعنى على، وهما
قريبان من الأول. وقيل الباء للمقابلة والعوض، أي أذاقكم غما بمقابلة غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عصيانكم أمره. قاله الزجاج. وقال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين، وقيل: المعنى غما بعد غم أي غما مضاعفا. ثم أشار إلى سر ذلك بقوله لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ أي لتتمرنوا بالصبر على الشدائد، والثبات فيها، وتتعودوا رؤية الغلبة والظفر والغنيمة، وجميع الأشياء من الله لا من أنفسكم، فلا تحزنوا على ما فاتكم من الحظوظ والمنافع. وقوله: وَلا ما أَصابَكُمْ من الغموم والمضار. قال العلامة ابن القيّم في (زاد المعاد) : وقيل جازاكم غما بما غممتم به رسوله بفراركم عنه، وأسلمتموه إلى عدوه. فالغم الذي حصل لكم جزاء على الغم الذي أوقعتموه بنبيه. والقول الأول أظهر لوجوه: أحدها: أن قوله لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ تنبيه على حكمة هذا الغم بعد الغم، وهو أن ينسيهم الحزن على ما فاتهم من الظفر، وعلى ما أصابهم من الهزيمة والجراح، فنسوا بذلك السلب، وهذا إنما يحصل بالغم الذي يعقبه غم آخر. الثاني: أنه مطابق للواقع، فإنه حصل لهم غم فوات الغنيمة، ثم أعقبه غم الهزيمة، ثم غم الجراح الذي أصابهم، ثم غم القتل ثم غم سماعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، ثم غم ظهور أعدائهم على الجبل فوقهم. وليس المراد غمين اثنين خاصة، بل غما متتابعا لتمام الابتلاء والامتحان. الثالث: أن قوله (بغم) من تمام الثواب، لا أنه سبب جزاء الثواب. والمعنى أثابكم غما متصلا بغم، جزاء على ما وقع منكم من الهرب، وإسلامكم نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وترك استجابتكم له وهو يدعوكم، ومخالفتكم له في لزوم مركزكم، وتنازعكم في الأمر وفشلكم. وكل واحد من هذه الأمور يوجب غمّا يخصه، فترادفت عليهم الغموم، كما ترادفت منهم أسبابها وموجباتها. ولولا أن تداركهم بعفوه لكان أمرا آخر. ومن لطفه بهم، ورأفته ورحمته، أن هذه الأمور التي صدرت منهم كان من أمور الطباع، وهي من بقايا النفوس التي تمنع من النصرة المستقرة، فقيض لهم بلطفه أسبابا أخرجها من القوة إلى الفعل، فيترتب عليها آثارها المكروهة، فعلموا حينئذ أن التوبة منها، والاحتراز من أمثالها، ودفعها بأضدادها، أمر متعين لا يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة المستقرة إلا به، فكانوا أشد حذرا
لطيفة:
بعدها ومعرفة بالأبواب التي دخل عليهم منها. وربما صحت الأجسام بالعلل. لطيفة: لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير، ويجوز أيضا استعماله في الشر، لأنه مأخوذ من قولهم: ثاب إليه عقله، أي رجع إليه. قال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ [البقرة: 125] . والمرأة تسمى (ثيّبا) لأن الواطئ عائد إليها. وأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله، سواء كان خيرا أو شرّا، إلا أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير. فإن حملنا لفظ الثواب هاهنا على أصل اللغة استقام الكلام، وإن حملنا على مقتضى العرف كان ذلك واردا على سبيل التهكم، كما يقال: تحيته الضرب وعتابه السيف، أي جعل الغم مكان ما يرجون من الثواب على حد: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ [آل عمران: 21]- قاله الرازيّ-. تنبيه: قال المفضل: (لا) زائدة، والمعنى للتتأسفوا على ما فاتكم وعلى ما أصابكم عقوبة لكم، كقوله: أَلَّا تَسْجُدَ [الأعراف: 12] ، و: لِئَلَّا يَعْلَمَ [الحديد: 29] ، أي أن تسجد وليعلم. وعندي أنه بعيد، لا سيما مع تكرار (لا) في المعطوف، واستقامة المعنى الجيد على اعتبارها، فالوجه ما سلف. وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ خيرا وشرا، قادر على مجازاتكم، وفيه أعظم زاجر عن الإقدام على المعصية. ثم إنه تداركهم سبحانه برحمته، وخفف عنهم ذلك الغم، وغيّبه عنهم بالنعاس الذي أنزله عليهم أمنا منه، كما قال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 154] ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً أي أمنا. والأمنة (بتحريك الميم) مصدر،
يقال: أمن أمنا وأمانا وأمنا وأمنة (محركتين) وفي حديث «1» نزول عيسى عليه السلام، وتقع الأمنة في الأرض، أي الأمن. ومثله من المصادر العظمة والغلبة، وهو منصوب على المفعولية. وقوله تعالى نُعاساً بدل من أَمَنَةً وقيل: هو المفعول، وأَمَنَةً حال أو مفعول له يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وهم المخلصون، أهل اليقين والثبات والتوكل الصادق، والجازمون بأن الله عز وجل سينصر رسوله وينجز له مأموله. والنعاس في حال الحرب دليل على الأمان، كما قال في سورة الأنفال: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ... [الأنفال: 11] الآية. وروى البخاريّ «2» في التفسير عن أنس عن أبي طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافّنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. ورواه الترمذيّ والنسائيّ والحاكم. ولفظ الترمذيّ «3» : قال أبو طلحة: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس. فذلك قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً. وقد ساق الرازيّ لذلك النعاس فوائد: منها أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدلّ الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم. وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم، ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى- انتهى- ثم أخبر تعالى أن من لم يصبه ذلك النعاس فهو ممن أهمته نفسه، لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه، بقوله وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي ما بهم إلا هم أنفسهم وقد قصد خلاصها، فلم يغشهم النعاس، من القلق والجزع والخوف يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أي غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به سبحانه ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ كما قال تعالى في الآية الأخرى: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً ... [الفتح: 12] الآية- وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإسلام قد باد
وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك، إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة. قال الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) : وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل. وفسر بأن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه. ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، ويظهره على الدين كله. وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه وتعالى في سورة الفتح، حيث يقول: وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ، وَساءَتْ مَصِيراً [الفتح: 6] . وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظن غير الحق، لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل سوء. بخلاف ما يليق بحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون. فمن ظن به أنه لا ينصر رسله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد جنده، ويعليهم ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق، إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالا لا يقوم بعده أبدا- فقد ظن بالله السوء ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته. فإن عزته وحكمة إلهيته تأبى ذلك، ويأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به، العادلين به- فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه، ولا عرف صفاته وكماله. وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرفه، ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته. وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة، وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فوتها، وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له، فما قدرها سدى، ولا أنشأها عبثا، ولا خلقها باطلا: ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: 27] . وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق، ظن السوء، فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم. ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته. فمن قنط من
رحمته، وأيس من روحه، فقد ظن به ظن السوء. ومن جوّز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم، ويسوي بينهم وبين أعدائه، فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أن يترك خلقه سدى معطلين من الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملا كالأنعام، فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين، فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصا لوجهه الكريم على امتثال أمره ويبطله عليه بلا سبب من العبد، وأنه يعاقبه بما لا صنيع له فيه، ولا اختيار له، ولا قدرة ولا إرادة في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به، أو ظن أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله ويجريها على أيديهم، يضلون بها عباده، وأنه يحسن منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته، فيخلده في الجحيم أسفل السافلين، وينعم من استنفد عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا الأمرين في الحسن سواء عنده، ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلا بخبر صادق، وإلا فالعقل لا يقتضي بقبح أحدهما وحسن الآخر- فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزا بعيدة، وأشار إليه إشارات ملغزة، لم يصرح به، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة، والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي، أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه، وصفاته على عقولهم وآرائهم ، لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم، مع قدرته أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان- فقد ظن به ظن السوء. فإنه إن قال إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه، فقد ظن بقدرته العجز. وإن قال إنه قادر ولم يبين، وعدل عن البيان، وعن التصريح بالحق، إلى ما يوهم، بل يوقع في الباطل المحال، والاعتقاد الفاسد- فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء. وظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون
الله ورسوله. وإن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم. وأما كلام الله فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المتهوكين الحيارى هو الهدى والحق، وهذا من أسوأ الظن بالله. فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء. ومن الظانين به غير الحق، ظن الجاهلية. ومن ظن به يكون في ملكه ما يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه- فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه كان معطلا من الأزل إلى الأبد، عن أن يفعل ولا يوصف حينئذ بالقدرة على الفعل، ثم صار قادرا عليه بعد أن لم يكن قادرا- فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه ليس فوق سماواته على عرشه، بائنا من خلقه، وأن نسبة ذاته تعالى إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل السافلين، وإلى الأمكنة التي يرغب عن ذكرها، وأنه أسفل كما أنه أعلى، ومن قال سبحان ربي الأسفل، كمن قال سبحان ربي الأعلى- فقد ظن به أقبح الظن. ثم قال: وبالجملة فيمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه، ووصفه به ورسله، أو عطل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفته به رسله- فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أن أحدا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه، ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم ويخافونهم، ويرجونهم- فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه. ثم قال: ومن ظن به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة وتضرع إليه وسأله واستعان به وتوكل عليه، أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله- فقد ظن به ظن السوء. وظن به خلاف ما هو أهله. ثم قال: ومن ظن به أنه إن عصاه أو أسخطه وأوضع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه وليّا، ودعا من دونه ملكا أو بشرا، حيّا أو ميتا، يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه، ويخلصه من عذابه- فقد ظن به ظن السوء. وذلك زيادة في بعده من الله، وفي عذابه. ومن ظن به أنه يسلط على رسوله محمد أعداءه تسليطا مستقرّا دائما في حياته وفي مماته، وابتلاه بهم لا يفارقونه، فلما مات استبدوا بالأمر دون وصيته، وظلموا أهل بيته، وسلبوهم حقهم، وأذلوهم، وكان العزة والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائما من غير جرم ولا ذنب لأوليائه وأهل الحق، وهو يرى قهرهم لهم، وغصبهم إياهم حقهم، وتبديلهم دين نبيهم، وهو يقدر على نصر أوليائه، وحزبه وجنده، ولا ينصرهم ولا يديلهم، بل يديل أعداءهم عليهم أبدا، أو أنه لا يقدر على
ذلك، بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئته، ثم جعل أعداءه الذين بدلوا دينه مضاجعيه في حضرته، تسلم أمته عليه وعليهم كل وقت (كما تظنه الرافضة) - فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه، سواء قالوا إنه قادر على أن ينصرهم ويجعل لهم الدولة والظفر، أو أنه غير قادر على ذلك. فهم قادحون في قدرته أو في حكمته وحمده، وذلك من ظن السوء به. ولا ريب أن الرب الذي فعل هذا بغيض إلى من ظن به ذلك، غير محمود عندهم، وكان الواجب أن يفعل خلاف ذلك، لكن رفوا هذا الظن الفاسد بخرق أعظم منه، واستجاروا من الرمضاء بالنار، فقالوا: لم يكن هذا بمشيئة الله، ولا قدرة على دفعه ونصر أوليائه، فإنه لا يقدر على أفعال عباده، ولا يدخل تحت قدرته، فظنوا به ظن إخوانهم المجوس والثنوية بربهم. وكل مبطل وكافر ومبتدع ومقهور مستذل، فهو يظن بربه هذا الظن، وإنه أولى بالنصر والظفر والعلوّ من خصومه. فأكثر الخلق، بل كلهم، إلا من شاء الله، يظنون بالله غير الحق وظن السوء. فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: ظلمني ربي ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره، ولا يتجاسر على التصريح به. ومن فتش نفسه، وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها، رأى ذلك فيها كامنا كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده، ولو فتشت من فتشته، لرأيت عنده تعتبا على القدر، وملامة له، واقتراحا عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم من ذلك: فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا أخالك ناجيا فليعتن اللبيب الناصح نفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله ويستغفره كل وقت، من ظنه بربه ظن السوء. وليظن السوء بنفسه التي هي مادة كل سوء، ومنبع كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين، الغني الحميد، الذي له الغنى التام، والحمد التام، والحكمة التامة، المنزّه عن كل سوء، في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه. فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك. وأفعاله كذلك، كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل. وأسماؤه كلها حسنى. والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام من قوله تعالى: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ. ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل بقوله: يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ أي هل لنا من أمر التدبير والرأي من شيء، استفهام على سبيل
الإنكار. أي ما لنا أمر يطاع. ونظيره ما حكاه الله عنهم أنهم قالوا: لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا [آل عمران: 168] . وذلك أن عبد الله بن أبيّ لما شاوره النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة، أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة، ثم إن الصحابة ألحوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم في أن يخرج إليهم، كما تقدم: ولما رجع عبد الله بن أبيّ بمن معه، وأخبر بكثرة القتلى من بني الخزرج، قال: هل لنا من الأمر شيء؟ يعني أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يقبل قولي حين أمرته بأنه يبقى في المدينة ولا يخرج منها قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ أي التدبير كله لله، فإنه تعالى قد دبر الأمر كما جرى في سابق قضائه فلا مردّ له. قال الإمام ابن القيّم قدس الله روحه: ليس مقصودهم بقولهم: هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ وقولهم: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا. إثبات القدر، ورد الأمر كله إلى الله. ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لما ذموا عليه، لما حسن الرد عليهم بقوله: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ. ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية. ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا هو التكذيب بالقدر، وظنهم أن الأمر لو كان إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبعا لهم، ويسمعون منهم، لما أصابهم القتل، ويكون النصر والظفر لهم. فأكذبهم الله عز وجل في هذا الظن الباطل، الذي هو ظن الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل، الذين يزعمون، بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم يكن بد من نفاذه، أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء، فأكذبهم الله بقوله: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ. فلا يكون إلا ما سبق قضاؤه وقدره، وجرى به علمه وكتابه السابق، وما شاء الله كان ولا بد، شاء الناس أم أبوا. وما لم يشأ لم يكن، شاء الناس أو لم يشاءوه. وما جرى عليكم من الهزيمة والقتل، فبأمره الكونيّ الذي لا سبيل إلى دفعه، سواء كان لكم من الأمر شيء أو لم يكن، وأنكم لو كنتم في بيوتكم، وقد كتب القتل على بعضكم، لخرج الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولا بد. سواء أن يكون لهم من الأمر شيء أو لم يكن. وهذا من أظهر الأشياء إبطالا لقول القدرية النفاة، الذين يجوّزون أن يقع ما لا يشاؤه الله، وأن يشاء ما لا يقع- انتهى- يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أي يضمرون فيها، أو يقولون فيما بينهم بطريق الخفية ما لا يُبْدُونَ لَكَ لكونه لا يرضاه الله تعالى. ثم بين ذلك بعد إجماله فقال يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ أي المسموع شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا أي ما غلبنا، أو ما قتل من قتل منا، لأنا كنا نمكث في المدينة ولا نخرج إلى العدوّ. ولما أخبر تعالى بما أخفوه جهلا منهم، ظنّا أن الحذر يغني من القدر، أمره تعالى بالرد عليهم بقوله
قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ أي أجمع رأيكم على أن لا تبرحوا من منازلكم أنتم والمقتولون لَبَرَزَ أي خرج الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ في اللوح المحفوظ إِلى مَضاجِعِهِمْ أي التي قدر الله قتلهم فيها، ولم يثبتوا في ديارهم، لأنه يوقع في قلوبهم الخروج إمضاء لقدره وحكمه المحتوم الذي لا يقع خلافه ولا يردّ، لقوله: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22] . وفيه مبالغة في رد مقالتهم الباطلة، حيث لم يقتصر على تحقيق نفس القتل، بل عين مكانه أيضا. وفي التعبير ب (مضاجعهم) من إجلالهم وتكريمهم ما لا يخفى على صاحب الذوق السليم. وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ أي ليعاملكم معاملة الممتحن، ليستخرج ما في صدوركم من الإخلاص والنفاق، ليجعله حجة عليكم، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانا وتسليما، والمنافق ومن في قلبه مرض لا بد أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ولسانه وهو علة لفعل مقدر قبلها معطوفة على علل لها أخرى مطوية، للإيذان بكثرتها. كأنه قيل: فعل ما فعل لمصالح جمة وليبتلي ... إلخ، أو لفعل مقدر بعدها، أي: وللابتلاء المذكور فعل ما فعل، لا لعدم العناية بأمر المؤمنين. وجعلها عللا ل (برز) يأباه الذوق السليم. فإن مقتضى المقام بيان حكمة ما وقع يومئذ من الشدة والهول، لا بيان حكمة البروز المفروض- أفاده أبو السعود- ثم ذكر تعالى حكمة أخرى بقوله وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ أي يخلصه وينقيه ويهذبه، فإن القلوب يخالطها بغلبة الطبائع، وميل النفوس، وحكم العادة، وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة- ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام والبرّ والتقوى. فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة، ولم تتمحص منه. فاقتضت حكمة العزيز الرحيم أن يقضي لها من المحن والبلاء، ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء. إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده، وإلا خيف عليه منه الفساد والهلاك. فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة، وقتل من قتل منهم، تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم وظفرهم بعدوهم. فله عليهم النعمة التامة في هذا وهذا- أفاده ابن القيّم. وقال القاشانيّ: البلاء سوط من سياط الله، يسوق به عباده إليهم بتصفيتهم عن صفات نفوسهم، وإظهار ما فيهم من الكمالات، وانقطاعهم من الخلق إلى الحق. ولهذا كان متوكّلا بالأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا لفضله: ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت . كأنه قال: ما صفى نبيّ مثل ما صفيت. ولقد أحسن من قال:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 155]
لله در النائبات فإنها ... صدأ اللئام وصيقل الأحرار إذ لا يظهر على كل منهم إلا ما في مكمن استعداده. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي الضمائر الملازمة لها، وعد ووعيد. ثم أخبر تعالى عن تولي من تولى من المؤمنين الصادقين في ذلك اليوم، وأنه بسبب كسبهم بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 155] إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ أي عن القتال ومقارعة الأبطال يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ أي جمع المسلمين وجمع المشركين إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ أي حمله على الزلل بمكر منه. مع وعد الله بالنصر بِبَعْضِ ما كَسَبُوا أي بشؤم بعض ما اكتسبوه بهم من الذنوب، كترك المركز، والميل إلى الغنيمة، مع النهي عنه، فمنعوا التأييد وقوة القلب. قال ابن القيّم: كانت أعمالهم جندا عليهم ازداد بها عدوهم قوة. فإن الأعمال جند للعبد، وجند عليه ولا بد للعبد في كل وقت من سرية من نفسه تهزمه أو تنصره. فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتل بها، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه. فأعمال العبد تسوقه قسرا إلى مقتضاه من الخير والشر. والعبد لا يشعر، أو يشعر ويتعامى. ففرار الإنسان من عدوه، وهو يطيقه، إنما هو بجند من عمله، بعثه له الشيطان واستزله به. ثم أخبر سبحانه أنه عفا عنهم بقوله: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ أي بالاعتذار والندم لأن هذا الفرار لم يكن عن نفاق، ولا شك أنه كان عارضا عفا الله عنه، فعادت شجاعة الإيمان وثباته إلى مركزها ونصابها إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ أي يغفر الذنب ويحلم عن خلقه، ويتجاوز عنهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 156] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وهم المنافقون القائلون: لَوْ
تنبيه:
كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا . وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أي سافروا فيها للتجارة فأصيبوا بغرق أو قتل أَوْ كانُوا أي إخوانهم غُزًّى جمع غاز فأصيبوا باصطدام أو قتل لَوْ كانُوا عِنْدَنا أي مقيمين ما ماتُوا وَما قُتِلُوا قال أبو السعود: ليس المقصود بالنهي عدم مماثلتهم في النطق بهذا القول، بل في الاعتقاد بمضمونه والحكم بموجبه. أقول: بل الآية تفيد الأمرين. أعني حفظ الاعتقاد المقصود أولا وبالذات، وحفظ المنطق مما يوقع في إضلال الناس، ويخل بالمقام الإلهي، كما بينته السنة، وسنذكره في التنبيه الآتي. وقوله لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ أي القول حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ متعلق ب (قالوا) على أن اللام لام العاقبة، مثلها في لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: 8] أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرة في قلوبهم. والمراد بالتعليل المذكور بيان عدم ترتب فائدة ما، على ذلك أصلا وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ رد لقولهم الباطل، إثر بيان غائلته. أي هو المؤثر في الحياة والممات وحده، من غير أن يكون للإقامة أو للسفر مدخل في ذلك، فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي مع اقتحامهما لموارد الحتوف، ويميت المقيم مع حيازته لأسباب السلامة. وعن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه قال عند موته: ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وها أنا ذا أموت كما يموت العير. فلا نامت أعين الجبناء! وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تهديد للمؤمنين في مماثلة من ذكر. قال بعض المفسرين: ثمرة الآية أنه لا يجوز التشبه بالكفار. قال الحاكم: وقد يكون منه ما يكون كفرا. وفيها أيضا دلالة على أنه لا يسقط وجوب الجهاد بخشية القتل. تنبيه: أشعرت الآية بوجوب حفظ المنطق مما يشاكل ألفاظ المشركين من الكلمات المنافية للعقيدة الإسلامية كما ذكرنا. وقد عقد الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) فصلا في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ النطق واختيار الألفاظ قال: كان صلى الله عليه وسلم يتخير في خطابه، ويختار لأمته أحسن ألفاظ وأجملها وألطفها، وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاء والغلظة والفحش. إلى أن قال: ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم «1»
عن قول القائل بعد فوات الأمر: لو أني فعلت كذا وكذا. وقال: إنها تفتح عمل الشيطان. وأرشده إلى ما هو أنفع له من هذه الكلمة، وهو أن يقول: قدر الله، وما شاء فعل. وذلك لأن قوله: لو كنت فعلت كذا وكذا لم يفتني ما فاتني أو لم أقع فيما وقعت فيه، كلام لا يجدي عليه فائدة البتة. فإنه غير مستقبل لما استدبر من أمره، وغير مستقيل عثرته ب (لو) . وفي ضمن (لو) ادعاء أن الأمر لو كان كما قدره في نفسه، لكان غير ما قضاه الله وقدره وشاءه، فإنّ ما وقع مما يتمنى خلافه، إنما وقع بقضاء الله وقدره ومشيئته. فإذا قال: لو أني فعلت كذا لكان خلاف ما وقع، فهو محال، إذ خلاف المقدّر المقضيّ محال. فقد تضمن كلامه كذبا وجهلا ومحالا. وإن سلم من التكذيب بالقدر لم يسلم من معارضته بقوله: لو أني فعلت لدفعت ما قدر عليّ. فإن قيل: ليس في هذا رد للقدر ولا جحد له، إذ تلك الأسباب التي تمناها أيضا من القدر، فهو يقول: لو وفقت لهذا القدر لاندفع به عني ذلك القدر، فإن القدر يدفع بعضه ببعض، كما يدفع قدر المرض بالدواء، وقدر الذنوب بالتوبة، وقدر العدو بالجهاد، فكلاهما من القدر. قيل: هذا حق، ولكن هذا ينفع قبل وقوع القدر المكروه. وأما إذا وقع فلا سبيل إلى دفعه، وإن كان له سبيل إلى دفعه أو تخفيفه بقدر آخر فهو أولى به من قوله: لو كنت فعلته، بل وظيفته في هذه الحالة أن يستقبل فعله الذي يدفع به أو يخفف، ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه، فإنه عجز محض، والله يلوم على العجز، ويحب الكيس ويأمر به. والكيس هو مباشرة الأسباب التي ربط الله بها مسبباتها النافعة للعبد في معاشه ومعاده، فهذه تفتح عمل الخير والأمر، وأما العجز فإنه يفتح عمل الشيطان. فإنه إذا عجز عما ينفعه وصار إلى الأمانيّ الباطلة بقوله: لو كان كذا وكذا، ولو فعلت كذا، يفتح عمل الشيطان، فإن بابه العجز والكسل. ولهذا استعاذ النبيّ صلى الله عليه وسلم منهما. وهو مفتاح كل شر، ويصدر عنهما الهم والحزن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال. فمصدرها كلها عن العجز والكسل، وعنوانها (لو) ، فلذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: فإن (لو) تفتح عمل الشيطان، فالمتمني من أعجز الناس وأفلسهم، فإن المنى رأس أموال المفاليس، والعجز مفتاح كل شر، وأصل المعاصي كلها العجز، فإن العبد يعجز عن أسباب أعمال الطاعات، وعن الأسباب التي تعرضه عن المعاصي، ويحول بينها وبينه، فيقع في المعاصي.
فجمع في هذا الحديث الشريف، في استعاذته صلى الله عليه وسلم أصول الشر وفروعه ومباديه وغاياته وموارده ومصادره. وهو مشتمل على ثمان خصال، كل خصلتين منها قرينتان فقال: أعوذ بك من الهم والحزن ، وهما قرينان. فإن المكروه الوارد على القلب ينقسم باعتبار سببه إلى قسمين: فإنه إما أن يكون سببه أمرا ماضيا، فهو يحدث الحزن، وإما أن يكون توقع أمر مستقبل، فهو يحدث الهم، وكلاهما من العجز. فإن ما مضى لا يدفع بالحزن، بل بالرضاء والحمد والصبر والإيمان بالقدر، وقول العبد: قدر الله وما شاء فعل. وما يستقبل لا يدفع أيضا بالهم. بل إما أن يكون له حيلة في دفعه فلا يعجز عنه، وإما أن لا تكون له حيلة في دفعه، فلا يجزع منه، ويلبس له لباسه، ويأخذ له عدته، ويتأهب له أهبته اللائقة، ويستجن بجنة حصينة من التوحيد والتوكل والانطراح بين يدي الرب تعالى، والاستسلام له، والرضا به ربّا في كل شيء، ولا يرضى به ربّا فيما يحبّ دون ما يكره. فإذا كان هكذا لم يرض به ربّا على الإطلاق، فلا يرضاه الرب له عبدا على الإطلاق.. فالهم والحزن لا ينفعان العبد البتة، بلا مضرتهما أكثر من منفعتهما، فإنهما يضعفان العزم، ويوهنان القلب، ويحولان بين العبد وبين الاجتهاد فيما ينفعه، ويقطعان عليه طريق السير، أو ينكسانه إلى وراء أو يعوقانه ويقفانه أو يحجبانه عن العلم الذي كلما رآه شمر إليه، وجدّ في سيره، فهما حمل ثقيل على ظهر السائر، بل إن عاقة الهم والحزن عن شهواته وإرادته التي تضره في معاشه ومعاده، انتفع به من هذا الوجه، وهذا من حكمة العزيز الحكيم، أن سلط هذين الجندين على القلوب المعرضة عنه، الفارغة من محبته وخوفه ورجائه والإنابة إليه، والتوكل عليه، والأنس به، والفرار إليه، والانقطاع إليه، ليردها بما يبتليها به من الهموم والغموم والأحزان، والآلام القلبية، عن كثير من معاصيها وشهواتها المردية. وهذه القلوب في سجن من الجحيم في هذه الدار. وإن أريد بها الخير، كان حظها من سجن الجحيم في معادها، ولا تزال في هذا السجن، حتى تتخلص إلى فضاء التوحيد والإقبال على الله، والأنس به، وجعل محبته في محل دبيب خواطر القلب ووساوسه، بحيث يكون ذكره تعالى وحبه وخوفه ورجاؤه والفرح به والابتهاج بذكره، هو المستولي على القلب الغالب عليه، الذي متى فقده، فقد قوته، الذي لا قوام له إلا به، ولا بقاء له بدونه، ولا سبيل إلى خلاص القلب من هذه الآلام التي هي أعظم أمراضه، وأفسدها له، إلا بذلك، ولا بلاغ إلا بالله وحده، فإنه لا يوصل إليه إلا هو، ولا يأتي بالحسنات إلّا هو، ولا يصرف السيئات إلا هو، ولا يدل عليه إلا هو، وإذا أراد عبده لأمر هيأه له، فمنه الإيجاد ومنه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 157]
الإعداد ومنه الإمداد. وإذا أقامه في مقام، أيّ مقام كان، فبحمده أقامه فيه، وحكمته أقامته فيه، ولا يليق به غيره، ولا يصلح له سواه، ولا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع، ولا يمنع عبده حقّا هو للعبد، فيكون بمنعه ظالما، بل منعه ليتوسل إليه بمحابه ليعطيه، وليتضرع إليه ويتذلل بين يديه ويتملقه ويعطي فقره إليه حقه. بحيث يشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة فاقة تامة إليه، على تعاقب الأنفاس. وهذا هو الواقع في نفس الأمر وإن لم يشهده. فلم يمنع عبده ما العبد محتاج إليه، بخلا منه ولا نقصان من خزائنه ولا استئثارا عليه بما هو حق للعبد. بل منعه ليردّه إليه وليعزه بالتذلل له، وليغنيه بالافتقار إليه، وليجبره بالانكسار بين يديه، وليذيقه بمرارة المنع، حلاوة الخضوع ولذة الفقر. وليلبسه خلعة العبودية، ويوليه بعزله أشرف الولايات، وليشهده حكمته في قدرته، ورحمته في عزته، وبره ولطفه في قهره. وأنّ منعه عطاء وعزله تولية وعقوبته تأديب وامتحانه محبة وعطية وتسليط أعدائه عليه سائق يسوقه إليه. وبالجملة فلا يليق بالعبد غير ما أقيم فيه. وحكمته وحمده أقاماه في مقامه الذي لا يليق به سواه ولا يحسن أن يتخطاه، انتهى. ثم أشار تعالى إلى أن الموت في سبيل الله ليس مما يوجب الحسرة حتى يحذر منه. بل هو مما يوجب الفرح والسرور، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 157] وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ أي فيه من غير قتال لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ أي لذنوبكم تنالكم وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها الفانية. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 158] وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ على أي وجه كان حسب القضاء السابق لَإِلَى اللَّهِ أي الذي هو متوفيكم لا غيره تُحْشَرُونَ فيجزيكم بأعمالكم. لطائف: الأولى: أطال نحاة المفسرين في قوله تعالى وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 159]
إلخ. من الوجوه النحوية في (إذا) هنا، وإنه ربما يتبادر أن الموقع ل (إذ) لا لها حيث إن متعلقها وهو (قالوا) ماض. و (إذا) ظرف لما يستقبل. فمن قائل بأن (إذا) لحكاية الحال الماضية، ومن قائل بأنها للاستمرار. وقيل: إن (كفروا) و (قالوا) مراد بهما المستقبل. وفي كلّ مناقشات وتعسفات. والحق أنها تكون للمضيّ أيضا. قال المجد الفيروز آباديّ: وتجيء (إذا) للماضي كقوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها. فلا إشكال. ونقل الرازيّ عن قطرب: أن كلمة (إذ) و (إذا) يجوز إقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى. قال الرازيّ: وهذا الذي قاله قطرب كلام حسن، وذلك لأنا إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول منقول عن قائل مجهول، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم أولى. ثم قال: وكثيرا أرى النحويين يتحيرون في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول فرحوا به. وأنا شديد التعجب منهم. فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلا على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلا على صحته كان أولى، انتهى. الثانية: الجمهور على ضم الميم في قوله تعالى: أَوْ مُتُّمْ وهو الأصل لأن الفعل منه يموت. ويقرأ بالكسر وهو لغة طائية. يقال مات يمات مثل خاف يخاف فكما تقول خفت تقول مت. الثالثة: قدم القتل على الموت في الأولى لأنه أكثر ثوابا وأعظم عند الله. فترتيب المغفرة والرحمة عليه أقوى. وقدم الموت في الثانية لأنه أكثر. وهما مستويان في الحشر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 159] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ أي للذين تولوا عنك حين عادوا إليك بعد الانهزام، وللمؤمنين عموما كما قال تعالى: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128] . و (ما) مزيدة للتوكيد أو نكرة. و (رحمة) بدل منها مبيّن لإبهامها. والنون للتفخيم، أي ما لنت هذا اللين الخارق للعادة، مع ما سبّب فعلهم من
الغضب الموجب للعنف والسطوة لا سيما مع اعتراض من اعترض على ما أشار به، إلا بسبب رحمة عظيمة وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا أي سيّئ الخلق خشن الكلام غَلِيظَ الْقَلْبِ أي قاسيه وشديدة. تعاملهم بالعنف والجفا لَانْفَضُّوا أي تفرقوا مِنْ حَوْلِكَ فلم يسكنوا إليك فلا تتم دعوتك. ولكن الله جعلك سهلا سمحا طلقا لينا لطيفا بارّا رؤوفا رحيما. فَاعْفُ عَنْهُمْ أي فيما فرطوا في حقك كما عفا الله عنهم وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ إتماما للشفقة عليهم وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ أي أمر الحرب وغيره توددا إليهم وتطيبا لنفوسهم واستظهارا بآرائهم وتمهيدا لسنة المشاورة في الأمة. وقد ساق العلامة الرازيّ وجوها أخرى في فائدة أمره تعالى له عليه الصلاة والسلام بمشاورتهم. منها: أنه صلى الله عليه وسلم، وإن كان أكمل الناس عقلا، إلا أن علوم الخلق متناهية. فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله. لا سيما فيما يفعل من أمور الدنيا.، فإنه صلى الله عليه وسلم قال «1» : أنتم أعرف بأمور دنياكم. ومنها: أن الأمر بمشاورتهم لا لأجل أنه صلى الله عليه وسلم محتاج إليهم، ولكن لأجل أنه إذا شاورهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في تلك الواقعة فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله. وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات، وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد. انتهى. وقد ثبت مشاورته صلى الله عليه وسلم لأصحابه في عدة أمور: منها أنه شاورهم في يوم بدر «2» في الذهاب إلى العير. فقالوا: يا رسول الله لو استعرضت بنا عرض البحر
لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى «1» : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ. ولكن نقول: اذهب فنحن معك وبين يديك، وعن يمينك وشمالك مقاتلون. وشاورهم أيضا أين يكون المنزل حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام القوم، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو. فأشار جمهورهم بالخروج إليهم فخرج إليهم. وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ. فأبى ذلك عليه السعدان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فترك ذلك. وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراريّ المشركين فقال له الصديق: إنا لم نجئ لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين فأجابه إلى ما قاله. وقال صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك «2» : أشيروا عليّ، معشر المسلمين، في قوم أبنوا أهلي ورموهم. وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء. وأبنوهم بمن، والله، ما علمت عليه إلا خيرا. واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة رضي الله عنها. فكان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها. أفاده الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى. قال الخفاجيّ: في الآية إرشاد إلى الاجتهاد وجوازه بحضرته صلى الله عليه وسلم. وقال الرازيّ: دلت على أنه صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه الوحي. والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة، فلهذا كان مأمورا بالمشاورة، انتهى. وقال بعض المفسرين: ثمرة الآية وجوب التمسك بمكارم الأخلاق وخصوصا لمن يدعو إلى الله تعالى ويأمر بالمعروف. فَإِذا عَزَمْتَ أي بعد المشاورة على أمر واطمأنت به نفسك فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في الإعانة على إمضاء ما عزمت، لا على المشورة وأصحابها. قال الرازيّ: دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه، كما يقول بعض الجهال. وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل، بل
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 160]
التوكل هو أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعول على عصمة الحق إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 160] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ كما نصركم يوم بدر فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ كما فعل يوم أحد فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ استفهام إنكاريّ مفيد لانتفاء الناصر ذاتا وصفة وبطريق المبالغة. وهذا تنبيه على أن الأمر كله لله، وترغيب في الطاعة، وفيما يستحقون به النصر من الله تعالى والتأييد. وتحذير من المعصية، ومما يستوجبون به العقوبة بالخذلان. كذا في الكشاف. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه، لعلمهم أنه لا ناصر سواه، ولأن إيمانهم يوجب ذلك ويقتضيه- كذا في الكشاف-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 161] وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ قرئ بالبناء للمعلوم، أي ما صح وما تأتّى لنبيّ من الأنبياء أن يخون في المغنم، بعد مقام النبوة وعصمة الأنبياء عن جميع الرذائل، وعن تأثير دواعي النفس والشيطان فيهم وبالبناء للمجهول، أي ما صح أن ينسب إلى الغلول ويخوّن. روى أبو داود والترمذيّ «1» عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ، في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله أخذها، فأنزل الله وَما كانَ لِنَبِيٍّ ... الآية. قال الترمذيّ: حسن غريب. ورواه ابن مردويه عن ابن عباس أيضا، ولفظه: اتهم المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فقد، فأنزل الله تعالى وَما كانَ لِنَبِيٍّ ... الآية- وهذا تنزيه لمقامه صلى الله عليه وسلم الرفيع وتنبيه على
عصمته. ثم أشار إلى وعيد الغلول بقوله وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي بعينه، حاملا له على ظهره، ليفتضح في المحشر، كما روى الشيخان «1» عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك- لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك- لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول: يا رسول الله أغثني فأفول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك- لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك- لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغت- لفظ مسلم. وروى البخاريّ «2» عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كان على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له (كركرة) فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلّها - وعن زيد بن خالد الجهنيّ أن رجلا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: إن صاحبكم غلّ في سبيل الله، ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين- أخرجه أبو داود «3» والنسائيّ- وروى عبد الله ابن الإمام أحمد «4» عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم فيقول: ما لي فيه إلا مثل ما لأحدكم منه. إياكم والغلول، فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك. وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد في الحضر والسفر. فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. إنه لينجي الله تبارك وتعالى به من الهم والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم . وروى ابن
تنبيه:
ماجة بعضه. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم خيبر، أقبل نفر من صحابة النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلان شهيد. فلان شهيد. حتى أتوا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا إني رأيته في النهار في بردة غلها أو عباءة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن الخطاب! اذهب فناد في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون قال فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون. وكذا رواه مسلم «1» والترمذيّ. وروى أبو داود «2» عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غنم غنيمة أمر بلالا فينادي في الناس فيجوزوا بغنائمهم فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة. فقال: أسمعت بلالا ينادي ثلاثا؟ قال: نعم. قال: فما منعك أن تجيء؟ فاعتذر. فقال: كن أنت تجيء به يوم القيامة. فلن أقبله منك. تنبيه: من المفسرين من جعل الإتيان بالغلول يوم القيامة مجازا عن الإتيان بإثمه تعبيرا بما غلّ عما لزمه من الإثم مجازا. قال أبو مسلم: المراد أن الله تعالى يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه لأنه لا يخفى عليه خافية. وقال أبو القاسم الكعبي: المراد أنه يشتهر بذلك، مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء. وناقشهما الرازيّ بأن هذا التأويل يحتمل، إلا أن الأصل المعتبر في علم القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة، إلا إذا قام دليل يمنعه منه، وهاهنا لا مانع من الظاهر، فوجب إثباته- انتهى. ومما يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم «له رغاء، له حمحمة ... » إلخ الظاهر في الحقيقة زيادة في النكال. ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ تعطى جزاء ما كسبت وافيا، وإنما عمم الحكم ولم يقل: ثم يوفى ما كسب، ليكون كالبرهان على المقصود، والمبالغة فيه، فإنه إذا كان كل كاسب مجزيا بعمله، فالغالّ، مع عظم جرمه بذلك أولى وَهُمْ أي الناس المدلول عليهم بكل نفس لا يُظْلَمُونَ فلا ينقص ثواب مطيعهم، ولا يزاد في عقاب عاصيهم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 162]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 162] أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ بالطاعة كَمَنْ باءَ رجع بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بسبب المعاصي كالغالّ ومن شاكله وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 163] هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ أي طبقات متفاوتة، تشبيه بليغ، ووجه ما بينهم من تباين الأحوال في الثواب والعقاب، كالدرجات في تفاوتها علوّا وسفلا. قال القاشانيّ: أي كل من أهل الرضا وأهل السخط ذوو درجات متفاوتات، أو هم مختلفون اختلاف الدرجات. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ أي بأعمالهم، فيجازيهم على حسبها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 164] لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ أي أنعم عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي من جنسهم، عربيّا مثلهم، ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته، والانتفاع به. ولما لم ينتفع بهذا الإنعام إلا أهل الإسلام خصوا بالذكر، وإلا فبعثته صلى الله عليه وسلم إحسان إلى العالمين، كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: 107] . يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ يعني القرآن بعد ما كانوا أهل جاهلية، لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي وَيُزَكِّيهِمْ أي يطهرهم من الذنوب والشرك بدعوته وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أي القرآن وَالْحِكْمَةَ أي السنة وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ أي من قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وتزكيته لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي ظاهر من عبادة الأوثان، وأكل الخبائث، وعدوان بعضهم على بعض، وسواها، فنقلوا ببعثته صلى الله عليه وسلم من الظلمات إلى النور، وصاروا أفضل الأمم في العلم والزهد والعبادة، فعظمت المنة لله تعالى عليهم بذلك. قال الرازي:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 165]
وفي قوله تعالى مِنْ أَنْفُسِهِمْ وجه آخر من المنة، وذلك أنه صار شرفا للعرب، وفخرا لهم، كما قال سبحانه: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ [الزخرف: 44] . وذلك لأن الافتخار بإبراهيم عليه السلام كان مشتركا فيه بين اليهود والنصارى والعرب، ثم إن الأولين كانوا يفتخرون بموسى وعيسى والتوراة والإنجيل. فما كان للعرب ما يقابل ذلك. فلما بعث الله محمدا، وأنزل عليه القرآن، صار شرف العرب ذلك زائدا على شرف جميع الأمم. ثم كرر عليهم سبحانه أن هذا القول أصابهم إنما أتوا فيه من قبل أنفسهم وبسبب أعمالهم فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 165] أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا الهمزة للتقريع والتقرير، والواو عاطفة للجملة على ما سبق من قصة أحد، أو على محذوف مثل: أفعلتم كذا وقلتم. و (لما) ظرفه المضاف إلى أصابتكم، أي حين أصابتكم مصيبة، وهي قتل سبعين منكم يوم أحد، والحال أنكم نلتم ضعفيها يوم بدر من قتل سبعين منهم وأسر سبعين: من أين هذا أصابنا وقد وعدنا الله النصر قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي مما اقترفته أنفسكم من مخالفة الأمر بترك المركز، فإن الوعد كان مشروطا بالثبات والمطاوعة. قال ابن القيم: وذكر سبحانه هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك في السورة المكية فقال: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] . وقال: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: 79] فالحسنة والسيئة هاهنا النعمة والمصيبة، فالنعمة من الله منّ بها عليك، والمصيبة إنما نشأت من قبل نفسك وعملك، فالأول فضله، والثاني عدله، والعبد يتقلب بين فضله وعدله، جار عليه فضله، ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه. وختم الآية الأولى بقوله إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بعد قوله: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ. إعلاما لهم بعموم قدرته مع عدله، وأنه عادل قادر، وفي ذلك إثبات القدر والسبب. فذكر السبب وأضافه إلى نفوسهم، وذكر عموم القدرة وأضافها إلى نفسه، فالأول ينفي الجبر، والثاني ينفي القول بإبطال القدر، فهو شاكل قوله: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [التكوير: 28- 29] . وفي
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 166]
ذكر قدرته هاهنا نكتة لطيفة، وهي أن هذا الأمر بيده وتحت قدرته، وأنه هو الذي لو شاء لصرفه عنكم، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره، ولا تتكلوا على سواه. كشف هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 166] وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي فهو كائن بقضائه وتخليته الكفار، فالإذن هنا هو الإذن الكونيّ القدريّ، لا الشرعيّ الدينيّ، كقوله في السحر: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: 102] . ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير بقوله: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 167] وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا أي ليعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية يتميز فيه أحد الفريقين من الآخر تميزا ظاهرا وَقِيلَ لَهُمْ عطف على (نافقوا) داخل معه في حيز الصلة. أو كلام مبتدأ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا يعني إن لم تقاتلوا لوجه الله تعالى فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وأموالكم قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ أي لكنه ليس إلا إلقاء النفس في التهلكة هُمْ أي بهذا القول لِلْكُفْرِ في الظاهر يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ في الظاهر مع أنه لا إيمان لهم في الباطن أصلا. فائدتان: الأولى- قال ابن كثير: استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان. الثانية- قال الواحديّ: هذه الآية دليل على أن من أتى بكلمة التوحيد لم يكفر، ولم يطلق القول بتكفيره. لأنه تعالى لم يطلق القول بكفرهم، مع أنهم كانوا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 168]
كافرين، لإظهارهم القول بلا إله إلا الله محمد رسول الله- انتهى. يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ أي يظهرون خلاف ما يضمرون، لا تواطئ قلوبهم ألسنتهم بالإيمان، وقوله بِأَفْواهِهِمْ تأكيد على حدّ: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الأنعام: 38] . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 168] الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ أي من أجل أقاربهم من قتلى أحد وَقَعَدُوا أي والحال قد قعدوا عنهم خذلانا لهم لَوْ أَطاعُونا أي في الرجوع ما قُتِلُوا كما لم نقتل قُلْ كأنكم تزعمون ادعاء القدرة على دفع الموت فَادْرَؤُا أي ادفعوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ أي فإنها أقرب إليكم من أنفسهم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أن الموت يغني منه حذر، والمعنى أن عدم قتلكم كان بسبب أنه لم يكن مكتوبا عليكم، لا بسبب أنكم دفعتموه بالقعود، مع كتابته عليكم، فإن ذلك مما لا سبيل إليه. قال ابن القيّم: وكان من الحكمة تقديره تعالى في هذه الواقعة تكلم المنافقين بما في نفوسهم، فسمعه المؤمنون، وسمعوا رد الله عليهم، وجوابه لهم، وعرفوا موادّ النفاق، وما يؤول إليه، وكيف يحرم صاحبه سعادة الدنيا والآخرة، فيعود عليه بفساد الدنيا والآخرة. فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة، ونعمة على المؤمنين سابغة، وكم فيها من تحذير وتخويف، وإرشاد وتنبيه، وتعريف بأسباب الخير والشر ومآلهما وعاقبتهما. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 169] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً كلام مستأنف مسوق لبيان أن القتل الذي يحذرونه ويحذّرون الناس منه، ليس مما يحذر، بل هو من أجلّ المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون، إثر بيان أن الحذر لا يجدي ولا يغني، أي لا تحسبنهم أمواتا تعطلت أرواحهم بَلْ هم أَحْياءٌ فوق الدنيا لأنهم مقربون عِنْدَ رَبِّهِمْ إذ بذلوا له أرواحهم، لا بمعنى بقاء أرواحهم ورجوعها إليه، لمشاركة
أرواح غيرهم في ذلك، بل بمعنى أنهم يُرْزَقُونَ رزق الأحياء، لا رزقا معنويّا، بل حقيقيا. كما روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «1» : لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم، حسن منقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب. فقال الله عزّ وجل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله هؤلاء الآيات: وَلا تَحْسَبَنَّ ... إلخ. هكذا رواه الإمام أحمد ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه . وأخرج مسلم «2» عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا ... إلخ. فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطّلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟! ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا. وروى الإمام أحمد «3» عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشهداء على بارق- نهر بباب الجنة- فيه قبة خضراء، يخرج إليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية- تفرد به أحمد- ورواه ابن جريح بإسناد جيد. قال ابن كثير: وكأنّ الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة. وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح- والله أعلم- ثم قال: وقد روينا في مسند الإمام أحمد «4» حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعدّ الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد
تنبيه:
رحمه الله رواه عن محمد بن إدريس الشافعيّ رحمه الله عن مالك بن أنس الأصبحيّ رحمه الله عن الزهريّ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجرة الجنة حتى يرجعه الله تبارك وتعالى إلى جسده يوم يبعثه. قوله: يعلق أي يأكل. وفي هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة، وأما أرواح الشهداء، فكما تقدم، في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان، أن يميتنا على الإيمان- انتهى-. تنبيه: قال الواحديّ: الأصح في حياة الشهداء، ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أن أرواحهم في أجواف طير خضر، وأنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون. وقال البيضاويّ: الآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس، بل هو جوهر مدرك بذاته، لا يفنى بخراب البدن، ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه، ويؤيد ذلك قوله سبحانه وتعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها ... [غافر: 46] الآية-. وحديث: أرواح الشهداء في أجواف طير.. إلخ. قال الشهاب: يعني ليس الإنسان مجرد البدن بدون النفس المجردة، بل هو في الحقيقة النفس المجردة، وإطلاقه على البدن لشدة التعلق بها، وهو جوهر مدرك لذاته، أي من غير احتياج إلى هذا البدن، لوصفه بعد مفارقته بالتنعم ونحوه- انتهى. وقال أبو السعود: في الآية دلالة على أن روح الإنسان جسم لطيف، لا يفنى بخراب البدن، ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه. ومن قال بتجريد النفوس البشرية يقول: المراد أن نفوس الشهداء تتمثل طيورا خضرا أو تتعلق بها فتلتذ بما ذكر- انتهى. وقد أسلفنا في سورة البقرة، في مثل هذه الآية، زيادة على ذلك. فتذكر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 170] فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني بما أعطاهم من الثواب والكرامة
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 171]
والإحسان الذين لا يغتم فيه بسلبه وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ أي بإخوانهم المجاهدين الذين لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ لم يقتلوا فيلحقوا بهم مِنْ خَلْفِهِمْ متعلق ب (يلحقوا) والمعنى: أنهم بقوا من بعدهم وهم قد تقدموهم. أو لم يلحقوا بهم: لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بدل من (الذين) ، بدل اشتمال مبين أن استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم، والمعنى: ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين. وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة، بشّرهم الله بذلك، فهم مستبشرون به. وفي ذلك حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على الجد في الجهاد، والرغبة في نيل منازل الشهداء. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 171] يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ أي يسرون بما أنعم الله عليهم، وما تفضل عليهم من زيادة الكرامة، وتوفير أجرهم عليهم. قال أبو السعود: كرّر لبيان أن الاستبشار المذكور ليس بمجرد عدم الخوف والحزن، بل به وبما يقارنه من نعمة عظيمة، لا يقادر قدرها، وهي ثواب أعمالهم. ثم قال: والمراد بالمؤمنين: إما الشهداء، والتعبير عنهم بالمؤمنين للإيذان بسمو رتبة الإيمان، وكونه مناطا لما نالوه من السعادة. وإما كافة أهل الإيمان من الشهداء وغيرهم، ذكرت توفية أجورهم على إيمانهم، وعدّت من جملة ما يستبشر به الشهداء بحكم الأخوة في الدين- انتهى-. وقال ابن القيّم: إن الله تعالى عزّى نبيه وأولياءه عمن قتل منهم في سبيله أحسن تعزية وألطفها وأدعاها إلى الرضا بما قضاه لهم بقوله: وَلا تَحْسَبَنَّ ... الآيات- فجمع لهم إلى الحياة الدائمة، منزلة القرب منه، وأنهم عنده، وجريان الرزق المستمر عليهم، وفرحهم بما آتاهم من فضله، وهو فوق الرضا، بل هو كمال الرضا، واستباشرهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يتم سرورهم ونعيمهم، واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمته وكرامته، وذكرهم سبحانه في أثناء هذه المحنة بما هو أعظم مننه، ونعمه عليهم، التي قابلوا بها كل محنة تنالهم وبلية تلاشت في جنب هذه المنة والنعمة، ولم يبق لها أثر البتة، وهي منّته عليهم بإرسال رسول من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وينقذهم من
الضلال، الذي كانوا فيه قبل إرساله، إلى الهدى، ومن الشقاء إلى الفلاح، ومن الظلمة إلى النور، ومن الجهل إلى العلم. فكل بلية ومحنة تنال العبد بعد حصول هذا الخبر العظيم له، أمر يسير جدا في جنب الخير الكثير. كما ينال الناس بأذى المطر، في جنب ما يحصل لهم به من الخير. وأعلمهم أن سبب المصيبة من عند أنفسهم، ليحذروا، وأنها بقضائه وقدره ليوحدوه ويتكلوا عليه، ولا يخافوا غيره. وأخبرهم بما له فيها من الحكم، لئلا يتهموا في قضائه وقدره، وليتعرف إليهم بأنواع صفاته وأسمائه. وسلّاهم بما أعطاهم مما هو أجل قدرا وأعظم خطرا مما فاتهم من النصر والغنيمة، وعزّاهم عن قتلاهم بما نالوه من ثوابه وكرامته، لينافسوا فيه، ولا يحزنوا عليهم، فله الحمد كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله. ثم قال ابن القيّم: ولما انقضت الحرب، انكفأ المشركون، فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة لإحراز الذراريّ والأموال، فشق ذلك عليهم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لعليّ بن أبي طالب: اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون، وماذا يريدون، فإن هم جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن كانوا ركبوا الخيل، وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، فوالذي نفسي بيده! لئن أرادوها لأسيرن إليهم، ثم لأناجزهم فيها. قال عليّ: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، ووجهوا مكة. ولما عزموا على الرجوع إلى مكة، أشرف على المسلمين أبو سفيان، ثم ناداهم: موعدكم الموسم ببدر. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: قولوا نعم قد فعلنا. قال أبو سفيان: فذلكم الموعد. ثم انصرف هو وأصحابه. فلما كان في بعض الطريق، تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا! أصبتم شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم، وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى في الناس، وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم، وقال: لا يخرج معنا إلا من شهد القتال، فقال له عبد الله ابن أبيّ: أركب معك، قال: لا. فاستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد والخوف، وقالوا: سمعا وطاعة. واستأذنه جابر بن عبد الله وقال: يا رسول الله! إني أحب أن لا تشهد مشهدا إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على بناته فأذن لي أسير معك، فأذن له، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد، وأقبل معبد بن أبي معبد الخزاعيّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم. فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيخذله، فلحقه بالروحاء- ولم يعلم بإسلامه- فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم، وخرجوا في جمع لم يخرجوا مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم. فقال: ما تقول؟ فقال: ما أرى أن ترتحل
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 172]
حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة، فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم، قال: فلا تفعل، فإني لك ناصح. فرجعوا على أعقابهم إلى مكة - انتهى- وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 172] الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي دعوة الله ورسوله إلى الخروج في طلب أبي سفيان إرهابا له مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ بأحد لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ بطاعته وَاتَّقَوْا مخالفته أَجْرٌ عَظِيمٌ روى البخاريّ «1» عن عائشة رضي الله عنها في هذه الآية قالت لعروة: يا ابن أختي! كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر رضي الله عنهما. لما أصاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ما أصابه يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا فقال: من يذهب في أثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير، قال أبو هشام: ولما ثنى معبد أبا سفيان ومن معه، كما تقدم، مرّ بأبي سفيان ركب من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد جمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمرّ الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنزل الله تعالى في ذلك: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 173] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ أي الركب المستقبل لهم إِنَّ النَّاسَ أي أبا سفيان وأصحابه قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ أي الجموع ليستأصلوكم فَاخْشَوْهُمْ ولا تأتوهم فَزادَهُمْ أي ذلك القول إِيماناً أي تصديقا بالله ويقينا. والمعنى: أنهم لم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 174]
يلتفتوا إليه ولم يضعفوا، بل ثبت به عزمهم على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به وينهى عنه. وفي الآية دليل على أن الإيمان يتفاوت زيادة ونقصانا، فإن ازدياد اليقين بتناصر الحجج، وكثرة التأمل، مما لا ريب فيه وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي كافينا أمرهم من غير عدة لنا ولا عدد وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي الموكول إليه والمفوض إليه الأمر. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 174] فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) فَانْقَلَبُوا أي رجعوا من حمراء الأسد بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ يعني: العافية وكمال الشجاعة وزيادة الإيمان والتصلب في الدين لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ أي لم يصبهم قتل ولا جراح وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ أي في طاعة رسوله بخروجهم وجراءتهم وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ حيث تفضل عليهم بالعافية وما ذكر معها، وبالحفظ عن كل ما يسوؤهم. وفيه تحسير للمتخلف وتخطئة رأيه حيث حرم نفسه ما فازوا به. فائدة: قال السيوطيّ في (الإكليل) : في قوله تعالى: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ استحباب هذه الكلمة عند الغم والأمور العظيمة. تنبيه: حمل الآية على غزوة حمراء الأسد، هو ما قاله الحسن وقتادة وعكرمة وغير واحد. وروي أنها نزلت في غزوة بدر الصغرى. قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: في قوله تعالى الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ ... الآية- أن أبا سفيان قال، لما انصرف من أحد: موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: عسى! فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نزل بدرا، فوافقوا السوق فيها، فابتاعوا، فذلك قوله تعالى فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ... الآية- قال: وهي غزوة بدر الصغرى - رواه ابن جرير- وأخرج أيضا عن ابن جريج قال: لما عمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعد أبي سفيان، فجعلوا يلقون المشركين فيسألونهم عن قريش، فيقولون: قد جمعوا لكم (يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرعبوهم) فيقول المؤمنون حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ حتى قدموا بدرا، فوجدوا أسواقها عافية، لم ينازعهم فيها أحد .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 175]
وروى البيهقيّ عن عكرمة عن ابن عباس في قوله فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ قال: النعمة أنهم سلموا، والفضل أن عيرا مرت في أيام الموسم، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح فيها مالا، فقسمه بين أصحابه. قال ابن القيّم في (الهدى) : إن أبا سفيان قال عند انصرافه من أحد: موعدكم وإيانا العام القابل ببدر، فلما كان شعبان، وقيل ذو القعدة من العام القابل، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده في ألف وخمسمائة، وكانت الخيل عشرة أفراس، وحمل لواءه عليّ بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، فانتهى إلى بدر، فأقام بها ثمانية أيام ينتظر المشركين، وخرج أبو سفيان بالمشركين من مكة، وهم ألفان، ومعهم خمسون فرسا، فلما انتهوا إلى مرّ الظهران، مرحلة من مكة، قال لهم أبو سفيان: إن العام عام جدب، وقد رأيت أن أرجع بكم. فانصرفوا راجعين، وأخلفوا الموعد، فسميت هذه بدر الموعد، وتسمى بدر الثانية- انتهى-. قال ابن كثير: والصحيح أن الآية نزلت في شأن غزوة حمراء الأسد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 175] إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ أي قول الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ أي يخوفكم بقوله أولياءه الكفار، وحينئذ فأولياءه ثاني مفعولي يخوف، والأول محذوف، أي يخوفكم أولياءه، كما قرئ كذلك، وقيل: لا حذف فيه، والمعنى يخوف من يتبعه، فأما من توكل على الله فلا يخافه فَلا تَخافُوهُمْ أي أولياءه وَخافُونِ في مخالفة أمري ورسولي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله تعالى على خوف غيره. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 176] وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي لا تهتم ولا تبال بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومضرة أهله. وقرئ في السبع يَحْزُنْكَ بضم الياء وكسر الزاي إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً قال عطاء: يريد أولياء الله. نقله الرازيّ. قال أبو السعود:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 177]
تعليل للنهي، وتكميل للتسلية بتحقيق نفي ضررهم أبدا، أي لن يضروا بذلك أولياء الله البتة. وتعليق نفي الضرر به تعالى لتشريفهم والإيذان بأن مضارتهم بمنزلة مضارته سبحانه، وفيه مزيد مبالغة في التسلية. وقال المهايميّ: أي لن يضروا أولياء الله، لأنهم يحميهم الله، فلو أضروهم لأضروا الله بتعجيزهم إياه عن حمايتهم، ولا يمكنهم أن يعجزوه شيئا بل يُرِيدُ اللَّهُ أن يضرهم الضرر الكليّ وهو أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ أي نصيبا من الثواب في الآخرة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ قال المفسرين: ثمرة هذه الآية أنه لا يجب الاغتمام من معصية العاصين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 177] إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا أي استبدلوا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً فيه تعريض ظاهر باقتصار الضرر عليهم، كأنه قيل: وإنما يضرون أنفسهم. فإن جعل الموصول عبارة عن المسارعين المعهودين بأن يراد باشتراء الكفر بالإيمان إيثاره عليه، إما بأخذه بدلا من الإيمان الحاصل بالفعل، كما هو حال المرتدين، أو بالقوة القريبة منه الحاصلة بمشاهدة دلائله في التوراة، كما هو شأن اليهود ومنافقيهم فالتكرير لتقرير الحكم وتأكيده، ببيان علته، بتغيير عنوان الموضوع، فإن ما ذكر في حيز الصلة من الاشتراء المذكور صريح في لحوق ضرره بأنفسهم، وعدم تعديه إلى غيرهم أصلا كيف وهو علم في الخسران الكليّ، والحرمان الأبديّ، دال على كمال سخافة عقولهم، وركاكة آرائهم، فكيف يتأتى منهم ما يتوقف على قوة الحزم، ورزانة الرأي، ورصانة التدبير، من مضارة حزب الله تعالى، وهي أعز من الأبلق الفرد، وأمنع من عقاب الجو. وإن أجرى الموصول على عمومه بأن يراد بالاشتراء المذكور القدر المشترك الشامل للمعنيين المذكورين ولأخذ الكفر بدلا مما نزل منزلة نفس الإيمان من الاستعداد القريب له، الحاصل بمشاهدة الوحي الناطق، وملاحظة الدلائل المنصوبة في الآفاق والأنفس، كما هو دأب جميع الكفرة، فالجملة مقررة لمضمون ما قبلها تقريرا للقواعد الكلية، لما اندرج تحتها من جزئيات الأحكام- أفاده أبو السعود- ثم قال: وقوله تعالى وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ جملة مبتدأة مبينة لكمال فظاعة عذابهم، بذكر غاية إيلامه، بعد ذكر نهاية عظمه، قيل: لما جرت العادة باغتباط المشتري بما اشتراه، وسروره بتحصيله عند كون الصفقة رابحة، وبتألمه عند كونها
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 178]
خاسرة، وصف عذابهم بالإيلام مراعاة لذلك- انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 178] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ أي بتطويل أعمارهم وإمهالهم وتخليتهم وشأنهم دهرا طويلا خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ بل هو سبب مزيد عذابهم، لأنه إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً بكثرة المعاصي فيزدادوا عذابا وَلَهُمْ أي في الآخرة عَذابٌ مُهِينٌ ذو إهانة في أسفل دركات النار. لطائف الأولى: في (ما) - من قوله تعالى أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ الأولى- وجهان: أن تكون مصدرية أو موصولة، حذف عائدها. أي إملاؤنا لهم أو الذي نمليه لهم. الثانية: كان حق (ما) في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة، ولكنها وقعت في الإمام متصلة، فلا يخالف، وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف. الثالثة: (ما) الثانية في أَنَّما نُمْلِي إلخ متصلة لأنها كافّة. الرابعة: في قوله تعالى مُهِينٌ سر لطيف، وهو أنه لما تضمن الإملاء التمتيع بطيبات الدنيا وزينتها، وذلك مما يستدعي التعزز والتجبر، وصف عذابهم بالإهانة، ليكون جزاؤهم جزاء وفاقا. ثم أشار سبحانه وتعالى إلى بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد، وهو أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب. فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر، وطار لهم الصيت، دخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبّب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وظهر مخبآتهم، وعاد تلويحهم صريحا، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق، انقساما ظاهرا، وعرف المؤمنون أن لهم عدوا في نفس دورهم، وهم معهم لا يفارقونهم، فاستعدوا لهم، وتحرزوا منهم فقال تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 179]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 179] ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ أي يترك الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ من الالتباس بالمنافقين، وبل لا يزال يبتليكم حَتَّى يَمِيزَ المنافق الْخَبِيثَ مِنَ المؤمن الطَّيِّبِ وَلا يميز إلا بهذا الابتلاء لأنه ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ أي الذي يميز به ما في قلوب الخلق من الإيمان والكفر وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ باطلاعه على الغيب، كما أوحى إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بما ظهر منهم من الأقوال والأفعال، حسبما حكى عنهم بعضه فيما سلف، فيفضحهم على رؤوس الأشهاد، ويخلصكم من سوء جوارهم. قال ابن القيّم: هذا استدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب، كما قال عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن: 26- 27] فحظكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيب الذي يطلع عليه رسله، فإن آمنتم به واتقيتم كان لكم أعظم الأجر والكرامة، في الإيمان بالغيب الذي يطلع عليه رسله، فإن آمنتم به واتقيتم كان لكم أعظم الأجر والكرامة، كما قال تعالى فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ الذين اجتباهم للاقتداء بهم في الاعتقادات والأعمال وَإِنْ تُؤْمِنُوا فتصححوا الاعتقادات وَتَتَّقُوا فتصلحوا الأعمال فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ وهاهنا: لطائف الأولى: في التعبير عن المؤمن والمنافق بالطيب والخبيث تسجيل على كل منهما، بما يليق به، وإشعار بعلة الحكم. الثانية: إفراد الخبيث والطيب مع تعدد ما أريد بكل منهما وتكثره لا سيما بعد ذكر ما أريد بأحدهما أعني المؤمنين بصيغة الجمع، للإيذان بأن مدار إفراز أحد الفريقين من الآخر هو اتصافهما بوصفهما لا خصوصية ذاتهما وتعدد آحادهما، كما في مثل قوله تعالى ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا [النساء: 3] ، ونظيره قوله تعالى تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [الحج: 2] ، حيث قصد الدلالة على الاتصاف بالوصف من غير تعرض لكون الموصوف من العقلاء أو غيرهم.
الثالثة: تعليق الميز بالخبيث المعبر به عن المنافق، مع أن المتبادر مما سبق من عدم ترك المؤمنين على الاختلاط تعليقه بهم وإفرازهم عن المنافقين، لما أن الميز الواقع بين الفريقين إنما هو بالتصرف في المنافقين وتغييرهم من حال إلى حال مغايرة للأولى، مع بقاء المؤمنين على ما كانوا عليه من أصل الإيمان، وإن ظهر مزيد إخلاصهم، لا بالتصرف فيهم، وتغييرهم من حال إلى حال أخرى، مع بقاء المنافقين على ما هم عليه من الاستتار، ولأن فيه مزيد تأكيد للوعيد كما أشير إليه في قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة: 220] . الرابعة: إنما لم ينسب عدم الترك إليهم، لما أنه مشعر بالاعتناء بشأن من نسب إليه، فإن المتبادر منه عدم الترك على حالة غير ملائمة، كما يشهد به الذوق السليم. الخامسة: التعرض للاجتباء في قوله يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ ... إلخ للإيذان بأن الوقوف على أمثال تلك الأسرار الغيبية، لا يتأتى إلا ممن رشحه الله تعالى لمنصب جليل، تقاصرت عنه همم الأمم، واصطفاه على الجماهير لإرشادهم، وتعميم الاجتباء لسائر الرسل عليهم السلام للدلالة على أن شأنه عليه الصلاة والسلام في هذا الباب أمر متين، له أصل أصيل، جار على سنة الله تعالى المسلوكة فيما بين الرسل عليهم السلام. السادسة: تعميم الأمر في قوله تعالى فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ مع أن سوق النظم الكريم للإيمان بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، لإيجاب الإيمان به بالطريق البرهانيّ، والإشعار بأن ذلك مستلزم للإيمان بالكل، لأنه مصدق لما بين يديه من الرسل، وهم شهداء بصحة نبوته صلى الله عليه وسلم، والمأمور به الإيمان بكل ما جاء به عليه الصلاة والسلام، فيدخل فيه تصديقه فيما أخبر به من أحوال المنافقين دخولا أوليّا. هذا ما اقتبسناه من تفسير العلامة أبي السعود رحمه الله. وقد استقرب حمل هذه الآية الكريمة على أن تكون مسوقة لبيان الحكمة في إملائه تعالى للكفرة إثر بيان شريته لهم. فالمعنى: ما كان الله ليذر المخلصين على الاختلاط أبدا كما تركهم كذلك إلى الآن، لسر يقتضيه، بل يفرز عنهم المنافقين، ولذلك فعله يومئذ، حيث خلى الكفرة وشأنهم، فأبرز لهم صورة الغلبة، فأظهر من في قلوبهم مرض، ما فيها من الخبائث وافتضحوا على رؤوس الأشهاد.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 180]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 180] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ اعلم أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد في الآيات المتقدمة، شرع هاهنا في التحريض على بذل المال في سبيل الله، وبيّن الوعيد الشديد لمن يبخل ببذله فيه، وإيراد ما بخلوا به بعنوان (إيتاء الله تعالى إياه من فضله) للمبالغة في بيان سوء صنيعهم، فإن ذلك من موجبات بذله في سبيله كما في قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: 7] . بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ لاستجلاب العقاب عليهم، والتنصيص على شريته لهم، مع انفهامها من نفي خيريته، للمبالغة في ذلك. والتنوين للتفخيم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ بيان لكيفية شرية مآل ما بخلوا به. وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا الوعيد على طريق التمثيل أي سيلزمون وبال ما بخلوا به لزوم الطوق. وذهب آخرون إلى أنه على ظاهره، وأنه نوع من العذاب الأخرويّ المحسوس. وأيدوه بما روى البخاري «1» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه- يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ... إلى آخرها. وروى الإمام أحمد «2» والنسائيّ عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثّل الله عز وجل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان، ثم يلزمه يطوّقه يقول: أنا كنزك، أنا كنزك. وروى الإمام أحمد «3» والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجة عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: لا يمنع عبد زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه، يفرّ منه وهو يتبعه، فيقول: أنا كنزك. ثم قرأ عبد الله مصداقه في كتاب الله: سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ. قال الترمذيّ: حسن صحيح.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 181]
وروى الحافظ أبو يعلى عن ثوبان عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: من ترك بعده كنزا مثل له شجاعا أقرع، له زبيبتان، يتبعه. فيقول: من أنت ويلك؟ فيقول: أنا كنزك الذي خلفت بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم يتبع سائر جسده . قال الحافظ ابن كثير: إسناده جيد قويّ، ولم يخرجوه، وقد رواه الطبرانيّ عن جرير بن عبد الله البجليّ. ورواه ابن جرير والحافظ ابن مردويه عن حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: لا يأتي رجل مولاه فيسأله من فضل مال عنده، فيمنعه إياه، إلا دعي له يوم القيامة شجاع يتلمظ فضله الذي منع. وروى ابن جرير مرفوعا: ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل جعله الله عنده، فيبخل به عليه، إلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه. ورواه أيضا موقوفا ومرسلا. والشجاع (كغراب وكتاب) : الحية مطلقا، أو الذكر منها، أو ضرب منها دقيق، وهو أجرؤها- كذا في القاموس وشرحه-. ثم أشار تعالى إلي أنهم، وإن لم ينفقوا أموالهم في سبيله، فهي راجعة إليه بقوله وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره، فما لهم يبخلون عليه بملكه، ولا ينفقونه في سبيله. ونظيره قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: 7] ، فالميراث على هذا على حقيقته، أو المعنى: أنه يفني أهل السموات والأرض ويصير أملاك أهلهما بعد فنائهم إلى خالص ملكه، كما يصير مال المورث ملك الوارث، فجرى ما هنا مجرى الوراثة، إذ كان الخلق يدعون الأملاك ظاهرا، وإلّا فالكل له، وعلى هذا فهو مجاز. قال الزجاج رحمه الله: أي أن الله تعالى يفني أهلهما، فيفنيان بما فيهما، فليس لأحد فيهما ملك، فخوطبوا بما يعلمون، لأنهم يجعلون، ما يرجع إلى الإنسان ميراثا، ملكا له وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي فيجازيكم على المنع والبخل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 181] لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ روى الحافظان ابن
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 182]
مردويه وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة: 245] . قالت اليهود: يا محمد! افتقر ربك فسأل عباده القرض، فأنزل الله هذه الآية. وروى محمد بن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق بيت المدراس، فوجد من يهود ناسا كثيرة قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له (فنحاص) وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له (أشيع) فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص! اتق الله وأسلم، فو الله إنك لتعلم أن محمدا رسول من عند الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء. ولو كان عنا غنيّا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم. ينهاكم عن الربا، ويعطينا، ولو كان غنيّا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر رضي الله عنه، فضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال: والذي نفسي بيده! لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله، فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! أبصر ما صنع بي صاحبك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر؟ فقال: يا رسول الله إن عدو الله قال قولا عظيما. يزعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، ضربت وجهه، فجحد فنحاص ذلك وقال: ما قلت ذلك. فأنزل الله فيما قال فنحاص لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ ... الآية- ولما كان مثل هذا القول، سواء كان عن اعتقاد، أو استهزاء بالقرآن والرسول- وهو الظاهر- لا يصدر إلا عن تمرد عظيم لكونه في غاية العظم والهول، أشار إلى وعيده الشديد بقوله سَنَكْتُبُ ما قالُوا أي ما قالوه من هذه العظيمة الشنعاء في صحائف الحفظة وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ إنما نظم مع ما قبله إيذانا بسوابقهم القبيحة، وأنه ليس أول جريمة ارتكبوها، وأن من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد منه هذا الكلام وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 182] ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (182) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا وتحقيرا وتصغيرا، بسبب هتكهم حرمة الله، وحرمة كلامه وأنبيائه المبلغين له.
لطائف
لطائف الأولى: إيراد صيغة الجمع في الآية مع كون القائل واحدا، كما روي، لرضا الباقين بذلك، ونظائره في التنزيل كثيرة. الثانية: إضافة عذاب الحريق بيانية. أي العذاب الذي هو الحريق. الثالثة: الذوق إدراك الطعوم، ثم اتسع فيه لإدراك سائر المحسوسات والحالات، وذكره هاهنا لأن العذاب مرتب على قولهم الناشئ عن البخل، والتهالك على المال، وغالب حاجة الإنسان إليه لتحصيل المطاعم، ومعظم بخله به للخوف من فقدانه، ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال- أفاده البيضاويّ-. الرابعة: تقديم الأيدي عملها، لأن من يعمل شيئا يقدمه، والتعبير بالأيدي عن الأنفس من حيث أن عامة أفاعيلها إنما تزاول بهنّ، فهو من قبيل التعبير عن الكل بالجزء الذي مدار جلّ العمل عليه. الخامسة: إن قيل (ظلّام) صيغة مبالغة من الظلم، تفيد الكثير، ولا يلزم من نفى الظلم الكثير نفي الظلم القليل، فلو قيل: بظالم، لكان أدل على نفي الظلم قليله وكثيره. فالجواب عنه من أوجه: أحدها- أن الصيغة للنسب من قبيل (بزّاز) و (عطّار) لا للمبالغة، والمعنى لا ينسب إلى الظلم. الثاني- أن (فعّالا) قد جاء. لا يراد به الكثرة، كقول طرفة: ولست بحلّال التّلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد لا يريد هاهنا أنه قد يحلّ التلاع قليلا، لأن ذلك يدفعه قوله: متى يسترفد القوم أرفد. وهذا يدل على نفي البخل في كل حال، ولأن تمام المدح لا يحصل بإرادة الكثرة. والثالث- أن المبالغة لرعاية جمعية العبيد من قولهم فلان ظالم لعبده، وظلّام لعبيده، فالصيغة للمبالغة كمّا لا كيفا. الرابع- أنه إذا نفي الظلم الكثير انتفى الظلم القليل ضرورة. لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم، فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضر، كان للظلم القليل المنفعة أترك.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 183]
الخامس: إن المبالغة لتأكيد معنى بديع، وذلك لأن جملة: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ- اعتراض تذييليّ مقرر لمضمون ما قبلها، أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم. والتعبير عن ذلك بنفي الظلم لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه سبحانه من الظلم، كما يعبر عن ترك الإثابة على الأعمال بإضاعتها. وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في صورة المبالغة في الظلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 183] الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) الَّذِينَ قالُوا نصب بتقدير (أعني) أو رفع على الذم بتقدير (هم الذين قالوا) : إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أي أمرنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ أي تبكيتا لهم، وإظهارا لكذبهم قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ أي المعجزات الواضحة وَبِالَّذِي قُلْتُمْ بعينه من تشريع القربان الذي تأكله النار فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ أي فلم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 184] فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (184) فَإِنْ كَذَّبُوكَ أي بعد بطلان عذرهم المذكور فَقَدْ كُذِّبَ أي فلا تحزن وتسلّ فقد كذب رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ جمع زبور أي الكتب الموحاة منه تعالى وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ أي الواضح الجليّ. والزبور والكتاب: واحد في الأصل، وإنما ذكرا لاختلاف الوصفين. فالزبور فيه حكم زاجرة، والكتاب المنير هو المشتمل على جميع الشريعة. فائدة في قربان أهل الكتاب وتشريعه عندهم
اعلم أن القربان (بضم القاف) معناه، لغة، ما يتقرب به إلى الله تعالى وسيلة لمرضاته. قال في مرشد الطالبين: كانت ذبائح العبرانيين عديدة جدا، وكان المستعمل هذه الذبيحة، بتعيين الله، الثيران والنعاج والمعز والحمام واليمام. وكانت الذبائح نوعين عامين: إحداهما كانت تقرب لتكفير الخطايا، والأخرى شكرا لله على مراحمه وبركاته. ثم قال: فالذبيحة اليومية كانت مشهورة جدا، وهي خروف بلا عيب، يقدم وقودا لله كفارة للخطايا، وذلك مرتان صباحا ومساء، طول مدة السنة، فالتي في الصباح تقدم عن خطايا الشعب ليلا، والتي في المساء عن خطاياهم نهارا. وقبل فعل الذبيحة تعترف كل الشعوب بخطاياها فوق الحيوان المراد ذبحه على يد الكاهن الخادم، وبهذا كان ينقل الإثم إليه بواسطة وضع وكلاء الشعب أيديهم على رأسه، ثم يذبح ويقرب وقودا. وفي غضون ذلك تسجد الجماعة في الدار، وتبخر الكهنة على المذابح الذهبية، ويقدمون الطلبات لله عن الشعب، وأما في يوم السبت، فكانت تتضاعف الذبيحة، ويقرب في كل دفعة خروفان. ثم قال: يوم الكفارة كان ممتازا بالذبيحة السنوية، وهي أنه بعد أن يقرب الكاهن ثورا كفارة لخطايا عائلته يقرب ماعزان كفارة لخطايا الشعب- انتهى-. وقد أشير لكيفية ذبح القربان وحرقه في مواضع من التوراة. منها سفر الخروج في الفصل التاسع والعشرين، ومنها في الفصل الأول من سفر الأحبار المسمين باللاويين ونصه: ودعا الرب موسى وخاطبه من خباء المحضر قائلا: خاطب بني إسرائيل وقل لهم: أي إنسان منكم قرب قربانا للرب من البهائم فمن البقر والغنم يقربون قرابينهم إن كان قربانه محرقة من البقر، فذكرا صحيحا يقربه عند باب خباء المحضر يقربه للرضوان عنه، ويضع يده على رأس المحرقة ويترضى به ليغفر له، ثم يذبح الثور ويقرب الكهنة بنو هارون الدم وينضحون الدم على المذبح، وما أحاط به في باب قبة الشهادة- يعني التابوت الذي كان فيه لوحا التوراة المسماة شهادة- ثم يسلخون المحرقة، ويقطعونها قطعا، ثم يوقدون نارا على المذبح، وينضدون الحطب على النار، ثم يجعلون الأعضاء المقطعة الرأس والشحم على الحطب الذي على النار على المذبح، ويغسلون أكارعه وجوفه بالماء، ثم يصعده الكاهن ويجعله على المذبح وقودا وقربانا لرضا الرب ... إلخ. وفي الفصل السادس من سفر الأحبار: وكلم الرب موسى قائلا: مر هارون
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 185]
وبنيه، وقل لهم: هذه شريعة المحرقة، تكون المحرقة على وقيدة المذبح طول الليل إلى الغداة، ونار المذبح متقدة عليه، ويلبس الكاهن قميصه من الكتان، وسراويلات من الكتان على بدنه، ويرفع الرماد الذي آلت إليه نار المحرقة على المذبح، ويجعله إلى جانب المذبح، ثم يخلع ثيابه ويلبس ثيابا أخر، ويخرج الرماد إلى خارج المحلة إلى موضع طاهر، وتبقى النار على المذبح متقدة لا تطفأ، ويضع عليها الكاهن حطبا في كل غداة ... إلخ. قال بعضهم: زعم الربانيون أن النار التي كانت في هيكل سليمان، والتي أمر اليهود بحفظها دون أن تطفأ البتة، كان أصلها من النار التي نزلت من السماء بعد تقدمة هارون وأبنائه المحرقات، وأنها بقيت إلى أيام خراب الهيكل على يد بختنصر، إلا أنه ليس في التوراة ما يصرح بذلك- انتهى-. وهذه النار التي نزلت من السماء جاء ذكرها في الفصل التاسع من سفر الأحبار وملخصه: أن موسى أمر هارون عليهما السلام أن يذبح قربانا، فذبح عجلا وأحرق لحمه وجلده خارج المحلة، وأما شحمه وكليتاه وزيادة كبده فقترها على المذبح، ثم قرب تيسا وثورا وكبشا بكيفية خاصة، ثم دخل موسى وهارون خباء المحضر، فخرجت نار من عند الرب، فأكلت المحرقة والشحوم التي على المذبح، فنظر جميع الشعب وهتفوا مسبحين وسجدوا- انتهى- إذا علمت ذلك، فقوله تعالى تَأْكُلُهُ النَّارُ بمعنى أنه يذبح على الكيفية المعروفة، ثم تنزل نار من السماء فتأكله، وتكون معجزة وآية كما حصل في عهد موسى وهارون من نزول النار وأكلها المحرقة، كما ذكرنا. وفي عهد سليمان أيضا، فقد جاء في الفصل التاسع من سفر أخبار الأيام الثاني: أن سليمان لما أتم الدعاء هبطت النار من السماء وأكلت المحرقة والذبائح، وكان جميع بني إسرائيل يعاينون هبوط النار- انتهى. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 185] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ كقوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو
الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: 26- 27] . وفي هذه الآية تعزية لجميع الناس، ووعد ووعيد للمصدق والمكذب وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي تعطون جزاء أعمالكم وافيا يوم القيامة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. قال الزمخشريّ: فإن قلت. فهذا يوهم نفي ما يروى أن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار! «1» قلت: كلمة التوفية تزيل هذا الوهم، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون ذلك اليوم، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور. وقال الرازيّ: بيّن تعالى أن تمام الأجر والثواب لا يصل إلى المكلف إلا يوم القيامة، لأن كل منفعة تصل إلى المكلف في الدنيا فهي مكدرة بالغموم والهموم، وبخوف الانقطاع والزوال، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل إلى المكلف يوم القيامة، لأن هناك يحصل السرور بلا غم، والأمن بلا خوف، واللذة بلا ألم، والسعادة بلا خوف الانقطاع. وكذا القول في العقاب، فإنه لا يحصل في الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة، بل يمتزج به راحات وتخفيفات، وإنما الألم التام الخالص الباقي هو الذي يكون يوم القيامة، نعوذ بالله منه. فَمَنْ زُحْزِحَ أي أبعد عَنِ النَّارِ التي هي مجمع الآفات والشرور وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ الجامعة للّذات والسرور فَقَدْ فازَ أي حصل الفوز العظيم، وهو الظفر بالبغية، أعني النجاة من سخط الله والعذاب السرمد، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 186]
العاص قال «1» : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه. وأخرجه مسلم أيضا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي لذاتها إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ المتاع: ما يتمتع وينتفع به، والغرور (بضم الغين) مصدر غره أي خدعه وأطمعه بالباطل، وإنما وصف عيش الدنيا بذلك لما تمنّيه لذاتها من طول البقاء، وأمل الدوام، فتخدعه ثم تصرعه. قال بعض السلف: الدنيا متاع متروك يوشك أن يضمحل ويزول. فخذوا من هذا المتاع واعملوا فيه بطاعة الله ما استطعتم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 186] لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) لَتُبْلَوُنَّ أي لتختبرن فِي أَمْوالِكُمْ بما يصيبها من الآفات وَأَنْفُسِكُمْ بالقتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أصناف المتاعب والمخاوف والشدائد. وهذا كقوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ ... [البقرة: 155- 156] ، إلى آخر الآيتين- أي لا بد أن يبتلي المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده. أو أهله. وفي الحديث «2» : يبتلى
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 187]
المرء على قدر دينه. فإن كان في دينه صلابة، زيد في البلاء، وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً بالقول والفعل وَإِنْ تَصْبِرُوا على ذلك وَتَتَّقُوا أي مخالفة أمره تعالى فَإِنَّ ذلِكَ أي الصبر والتقوى مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي من معزومات الأمور التي يتنافس فيها المتنافسون. أي مما يجب أن يعزم عليه كل أحد، لما فيه من كمال المزية والشرف. أو مما عزم الله تعالى عليه وأمر به وبالغ فيه. يعني: أن ذلك عزمة من عزمات الله تعالى، لا بد أن تصبروا وتتقوا. وفي إبراز الأمر بالصبر والتقوى في صورة الشرطية، من إظهار كمال اللطف بالعبادة، ما لا يخفى- أفاده أبو السعود. قال بعض المفسرين: ثمرة الآية وجوب الصبر. وأن الجهاد لا يسقط مع سماع ما يؤذي. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 187] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وهم علماء اليهود والنصارى لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ أي لتظهرن جميع ما فيه من الأحكام والأخبار التي من جملتها أمر نبوته صلّى الله عليه وسلم. وفي قوله تعالى وَلا تَكْتُمُونَهُ من النهي عن الكتمان، بعد الأمر بالبيان، مبالغة في إيجاب المأمور به فَنَبَذُوهُ أي الميثاق وَراءَ ظُهُورِهِمْ أي طرحوه ولم يراعوه. ونبذ الشيء وراء الظهر مثل في الاستهانة به، والإعراض عنه بالكلية. كما أن جعله نصب العين علم في كمال العناية به وَاشْتَرَوْا بِهِ أي استبدلوا به ثَمَناً قَلِيلًا أي شيئا حقيرا من حطام الدنيا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ بتغيير كلام الله ونبذ ميثاقه. قال بعض المفسرين: ثمرة الآية وجوب إظهار الحق، وتحريم كتمانه، فيدخل فيه بيان الدين والأحكام والفتاوى والشهادات وغير ذلك مما يجب إظهاره. وقد تقدم هذا، وإن المراد بذلك إذا لم يؤد إلى مفسدة. ويدخل في الكتم منع الكتب المنطوية على علم الدين حيث تعذر الأخذ إلا منها. وقال العلامة الزمخشريّ عليه الرحمة: كفى بهذه الآية دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من
لطيفة:
تسهيل على الظلمة، وتطييب لنفوسهم، واستجلاب لمسارهم، أو لجر منفعة وحطام الدنيا، أو لتقية مما لا دليل عليه ولا أمارة، أو لبخل بالعلم، وعيرة أن ينسب إليه غيرهم- انتهى-. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: من سئل عن علم ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار- أخرجه الترمذيّ «1» - ولأبي داود «2» : من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة. وقال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله عز وجل على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء. ثم تلا: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ ... الآية. لطيفة: قال العلامة أبو السعود: في تصوير هذه المعاملة بعقد المعاوضة، لا سيما بالاشتراء المؤذن بالرغبة في المأخوذ، والإعراض عن المعطي، والتعبير عن المشتري الذي هو العمدة في العقد والمقصود بالمعاملة بالثمن الذي شأنه أن يكون وسيلة إليه، وجعل الكتاب الذي حقه أن يتنافس فيه المتنافسون، مصحوبا ب (الباء) الداخلة على الآلات والوسائل- من نهاية الجزالة والدلالة على كمال فظاعة حالهم وغاية قبحها بإيثارهم الدنيء الحقير، على الشريف الخطير، وتعكيسهم بجعلهم المقصد الأصلي وسيلة، والوسيلة مقصدا- ما لا يخفي جلالة شأنه ورفعة مكانه- انتهى-. ثم أشار تعالى أنهم لا يرون قبح ذلك بل يفرحون به فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 188] لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي بما فعلوا من اشتراء الثمن القليل بتغيير كلام الله تعالى وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا من وفاء الميثاق من غير تغيير ولا كتمان فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ أي بمنجاة مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بكفرهم وتدليسهم.
تنبيه:
روى الإمام أحمد «1» عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن مروان قال: اذهب يا رافع (لبوابه) إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل، لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس ما لكم وهذه، إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ- إلى قوله: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، وقال ابن عباس: سألهم النبيّ صلّى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه. وهكذا رواه البخاريّ في التفسير، ومسلم والترمذيّ والنسائيّ في تفسيريهما، وابن أبي حاتم وابن خزيمة والحاكم في مستدركه، وابن مردويه بنحوه. ورواه البخاريّ «2» أيضا عن علقمة بن وقاص، أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس- فذكره- وروى البخاريّ «3» عن أبي سعيد الخدريّ أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى الغزو وتخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت لا تَحْسَبَنَّ ... الآية- وكذا رواه مسلم بنحوه. ولا منافاة بين الروايتين لأن الآية عامة في جميع ما ذكر، ومعنى نزول الآية في ذلك وقوعها بعد ذلك، لا أن أحد الأمرين كان سببا لنزولها. كما حققناه غير مرة. تنبيه: هذه الآية، وإن كانت محمولة على الكفار لما تقدم، ففيها ترهيب للمؤمنين عما ذم عليه أهلها من الإصرار على القبائح والفرح بها ومحبة المدح بما عرا عنه من الفضائل. ويدخل في ذلك المراؤون المتكثرون بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين «4» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة.
فائدة:
وفي الصحيحين «1» أيضا: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. فليحذر من يأتي بما لا ينبغي ويفرح به ثم يتوقع من الناس أن يصفوه بسداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والإقبال على الله تعالى. فائدة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء وفتح الباء في الأول وضمها في الثاني، وفاعل الأول (الذين يفرحون) . وأما مفعولاه فمحذوفان اكتفاء بمفعولي تَحْسَبَنَّهُمْ لأن الفاعل فيهما واحد. فالفاعل الثاني تأكيد للأول، وحسن لما طال الكلام المتصل بالأول. والفاء زائدة، إذ ليست للعطف ولا للجواب، وثمة وجوه أخرى. لطيفة: تصدير الوعيد بنهيهم عن الحسبان المذكور، للتنبيه على بطلان آرائهم الركيكة، وقطع أطماعهم الفارغة، حيث كانوا يزعمون أنهم ينجون بما صنعوا من عذاب الآخرة، كما نجوا به من المؤاخذة الدنيوية، وعليه كان مبنى فرحهم. وأما نهيه صلّى الله عليه وسلم فللتعريض بحسبانهم المذكور، لا لاحتمال وقوع الحسبان من جهته عليه الصلاة والسلام- أفاده أبو السعود. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 189] وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو قادر على عقابهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 190] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي في إيجادها على ما هما عليه من الأمور المدهشة، تلك في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت وبحار، وجبال
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 191]
وقفار وأشجار، ونبات وزروع، وثمار وحيوان، ومعادن ومنافع، مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي في تعاقبهما، وكون كل منهما خلفة للآخر، بحسب طلوع الشمس وغروبها، أو في تفاوتهما بازدياد كل منهما انتقاص الآخر، وانتقاصه بازدياده لَآياتٍ أي: لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته، وباهر حكمته. والتنكير للتفخيم كمّا وكيفا، أي كثرة عظيمة لِأُولِي الْأَلْبابِ أي لذوي العقول المجلوّة بالتزكية والتصفية بملازمة الذكر دائما كما قال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 191] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ أي فلا يخلو حال من أحوالهم عن ذكر الله المفيد صفاء الظاهر المؤثر في تصفية الباطن. فالمراد تعميم الذكر للأوقات، وعدم الغفلة عنه تعالى. وتخصيص الأحوال المذكورة بالذكر، ليس لتخصيص الذكر بها، بل لأنها الأحوال المعهودة التي لا يخلو عنها الإنسان غالبا وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي في إنشائهما بهذه الأجرام العظام، وما فيهما من عجائب المصنوعات، وغرائب المبتدعات، ليدلّهم ذلك على كمال قدرة الصانع سبحانه وتعالى، فيعلموا أن لهما خالقا قادرا مدبرا حكيما، لأن عظم آثاره وأفعاله تدل على عظم خالقها تعالى. كما قيل: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد روى ابن أبي الدنيا في (كتاب التوكل والاعتبار) عن الصوفيّ الجليل الشيخ أبي سليمان الدارانيّ قدس الله سره أنه قال: إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله عليّ فيه نعمة، ولي فيه عبرة. وإنما خصص التفكر بالخلق، للنهي عن التفكر في الخالق لعدم الوصول إلى كنه ذاته وصفاته. خرّج ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن سلام: لا تفكروا في الله، ولكن تفكروا فيما خلق، وله شواهد كثيرة. قال الرازيّ: دلائل التوحيد محصورة في قسمين: دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس، ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم، كما قال تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ
لطيفة:
وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر: 57] . ولما كان الأمر كذلك، لا جرم أمر في هذه الآية بالفكر في خلق السموات والأرض، لأن دلالتها أعجب، وشواهدها أعظم، وكيف لا نقول ذلك، ولو أن الإنسان نظر إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة رأى في تلك الورقة عرقا واحدا ممتدّا في وسطها، ثم يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين، ثم يتشعب منها عروق دقيقة، ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخر، حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصر، وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكما بالغة، وأسرارا عجيبة، وأن الله تعالى أودع فيها قوى جاذبة لغذائها من قعر الأرض، ثم إن ذلك الغذاء يجري في تلك العروق، حتى يتوزع على كل جزء من أجزاء تلك الورقة، جزء من أجزاء ذلك الغذاء بتقدير العزيز العليم. ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلقة تلك الورقة، وكيفية التدبير في إيجادها، وإيداع القوى الغاذية والنامية فيها، لعجز عنه. فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلقة تلك الورقة الصغيرة، فحينئذ يقيس تلك الورقة إلى السموات، مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم. وإلى الأرض مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان. عرف أن تلك الورقة بالنسبة إلى هذه الأشياء، كالعدم. فإذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير، عرف أنه لا سبيل له البتة إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله في خلق السموات والأرض، وإذا عرف بهذا البرهان النيّر قصور عقله وفهمه عن الإحاطة بهذا المقام، لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجل وأعظم من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين. بل يسلم أن كل ما خلقه ففيه حكم بلاغة، وأسرار عظيمة، وإن كان لا سبيل إلى معرفتها، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا على إرادة القول، بمعنى يتفكرون قائلين ذلك. وكلمة هذا متضمنة لضرب من التعظيم، أي ما خلقت هذا المخلوق البديع العظيم الشأن عبثا، عاريا عن الحكمة، خاليا عن المصلحة، بل منتظما لحكم جليلة، ومصالح عظيمة. من جملتها أن يكون دلالة على معرفتك، ووجوب طاعتك، واجتناب معصيتك، وأن يكون مدارا لمعايش العباد، ومنارا يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد. لطيفة: قال أبو البقاء: (باطلا) مفعول من أجله. والباطل، هنا، فاعل بمعنى المصدر، مثل العاقبة والعافية. والمعنى: ما خلقتهما عبثا. ويجوز أن يكون حالا. تقديره: ما خلقت هذا خاليا عن حكمة. ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف، أي خلقا باطلا- انتهى-.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 192]
وقوله سُبْحانَكَ أي تنزيها لك من العبث، وأن تخلق شيئا بغير حكمة فَقِنا عَذابَ النَّارِ قال السيوطيّ: فيه استحباب هذا الذكر عند النظر إلى السماء. ذكره النوويّ في (الأذكار) . وفيه تعليم العباد كيفية الدعاء، وهو تقديم الثناء على الله تعالى أولا، كما دل عليه قوله سُبْحانَكَ ثم بعد الثناء يأتي الدعاء، كما دل عليه فَقِنا عَذابَ النَّارِ. وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته، لم يمجد الله تعالى، ولم يصل على النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه سبحانه، والثناء عليه، ثم يصلي على النبيّ صلّى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد بما شاء- رواه أبو داود «1» والترمذيّ وقال: حديث صحيح. واعلم أنه لما حكى تعالى عن هؤلاء العباد المخلصين أنّ ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى، وأبدانهم في طاعة الله، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار، ثم أتبعوا ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي، بقولهم: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 192] رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أهنته وأظهرت فضيحته لأهل الموقف. وسر هذا الإتباع عظم موقع السؤال، لأن من سأل ربه حاجة، إذا شرح عظمها وقوتها، كانت داعيته في ذلك الدعاء- أكمل، وإخلاصه في طلبه أشد، والدعاء لا يتصل بالإجابة، إلا إذا كان مقرونا بالإخلاص، وهذا أيضا تعليم من الله تعالى فنّا آخر من آداب الدعاء وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ تذييل لإظهار نهاية فظاعة حالهم، ببيان خلود عذابهم، بفقدان من ينصرهم، ويقوم بتخليصهم. وغرضهم تأكيد الاستدعاء. ووضع (الظالمين) موضع ضمير المدخلين، لذمهم، والإشعار بتعليل دخولهم النار بظلمهم، ووضعهم الأشياء في غير مواضعها. وجمع (الأنصار) بالنظر إلى جمع الظالمين، أي ما لظالم من الظالمين نصير من الأنصار. والمراد به من
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 193]
ينصر بالمدافعة والقهر. فليس في الآية دلالة على نفي الشفاعة، على أن المراد بالظالمين هم الكفار- أفاده أبو السعود-. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 193] رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً حكاية لدعاء آخر لهم، وتصدير مقدمة الدعاء بالنداء لإظهار كمال الضراعة، والابتهال. والتأكيد للإيذان بصدور المقال عنهم بوفور الرغبة، وكمال النشاط. والمراد بالمنادي الرسول صلّى الله عليه وسلم، والتنوين للتفخيم، وهذا كقوله تعالى: وَداعِياً إِلَى اللَّهِ [الأحزاب: 46] . وفي وصفه صلّى الله عليه وسلم ب (المنادي) دلالة على كمال اعتنائه بشأن الدعوى وتبليغها إلى الداني والقاصي، لما فيه من الإيذان برفع الصوت يُنادِي لِلْإِيمانِ أي لأجل الإيمان بالله. فإن قلت: فأي فائدة في الجمع بين (المنادي) و (ينادي) ؟ قلت: ذكر النداء مطلقا، ثم مقيدا بالإيمان، تفخيما لشأن المنادي، لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان. ونحوه قولك: مررت بهاد يهدي للإسلام، وذلك أن المنادي إذا أطلق، ذهب الوهم إلى مناد للحرب أو لإطفاء النائرة، أو لإغاثة المكروب، أو لكفاية بعض النوازل، أو لبعض المنافع. وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق، ويهدي لسداد الرأي، وغير ذلك. فإذا قلت: ينادي للإيمان، ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي، وفخمته. ويقال: دعاه لكذا وإلى كذا، وندبه له وإليه، وناداه له وإليه، ونحوه: هداه للطريق وإليه. وذلك أن معنى انتهاء الغاية، ومعنى الاختصاص واقعان جميعا- أفاده الزمخشريّ-. أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا أي فامتثلنا أمره، وأجبنا نداءه، وأَنْ إما تفسيرية، أي آمنوا، أو مصدرية، أي: بأن آمنوا رَبَّنا تكرير للتضرع، وإظهار لكمال الخضوع فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا أي استر لنا ذنوبنا ولا تفضحنا بها، وأذهب عنا سيئاتنا بتبديلها حسنات وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ أي معدودين في جملتهم حتى نكون في درجتهم يوم القيامة. والأبرار جمع بارّ أو برّ وهو كثير البرّ (بالكسر) أي الطاعة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 194]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 194] رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ أي على تصديق رسلك والإيمان بهم. أو على ألسنة رسلك. وهو الثواب، وهذا حكاية لدعاء آخر لهم، معطوف على ما قبله. وتكرير النداء لما مرّ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ قصدوا بذلك تذكير وعده تعالى بقوله: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التحريم: 8] . بإظهار أنهم ممن آمن معه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 195] فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي أي بأني لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بيان ل (عامل) وتأكيد لعمومه بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، كلكم بنو آدم. وهذه جملة معترضة مبينة سبب شركة النساء مع الرجال، فيما وعد الله عباده العاملين. وروى الحافظ سعيد بن منصور في سننه عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله تعالى فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ... الآية- وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا- ورواه الترمذي «1» ، والحاكم في (مستدركه) وقال: صحيح على شرط البخاريّ، ولم يخرجاه. وروى ابن مردويه عن مجاهد عن أم سلمة قالت: آخر آية نزلت فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ... إلى آخرها. وعن جعفر الصادق رضي الله عنه: من حزبه أمر فقال: خمس مرات (ربّنا) أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد. وقرأ الآيات. فَالَّذِينَ هاجَرُوا مبتدأ، وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 196]
له والتفخيم، كأنه قال: فالذين عملوا هذه الأعمال السنية وهي المهاجرة عن أوطانهم فارّين إلى الله بدينهم من دار الفتنة وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ أي التي ولدوا فيها ونشأوا وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي من أجله وبسببه، يريد سبيل الإيمان بالله وحده، وهو متناول لكل أذى نالهم من المشركين وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا أي غزوا المشركين واستشهدوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ جملة قسمية، خبر المبتدأ الذي هو الموصول، وهذا تصريح بوعد ما سأله الداعون بخصوصه، بعد ما وعد ذلك عموما وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت قصورها الأنهار، من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ في موضع المصدر المؤكد لما قبله، فإن تكفير السيئات وإدخال الجنة، في معنى الإثابة. وأضافه إليه تعالى ليدل على أنه عظيم، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلا كثيرا. كما قيل «1» : إن يعاقب يكن غراما وإن يع ... ط جزيلا فإنه لا يبالي وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ أي حسن الجزاء لمن عمل صالحا. ثم بين تعالى قبح ما أوتي الكفرة من حظوظ الدنيا، وكشف عن حقارة شأنها وسوء مغبتها، إثر بيان حسن ما أوتي المؤمنون من الثواب، بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 196] لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ أي تصرفهم فيها بالمتاجر والمكاسب، أي لا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق ودرك العاجل. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 197] مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197) مَتاعٌ قَلِيلٌ أي هو متاع قليل، لقصر مدته، وكونه بلغة فانية، ونعمة زائلة، فلا قدر له في جنب ما أعد الله للمؤمنين. وفي صحيح مسلم «2» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: والله! ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 198]
يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع؟ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي مصيرهم الذي إليه يأوون وَبِئْسَ الْمِهادُ أي الفراش هي. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 198] لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بيان لكمال حسن حال المؤمنين، غبّ بيان وتكرير له، إثر تقرير، مع زيادة خلودهم في الجنات ليتم بذلك سرورهم، ويزداد تبجحهم، ويتكامل به سوء حال الكفرة. والنزل (بضمتين، وضم فسكون) المنزل، وما هيّئ للنزيل أن ينزل عليه وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ أي مما يتقلب فيه الفجار من المتاع القليل الزائل. والتعبير عنهم ب (الأبرار) للإشعار بأن الصفات المعدودة من أعمال البرّ، كما أنها من قبيل التقوى. روى الشيخان «1» - واللفظ للبخاريّ- عن عمر بن الخطاب قال: جئت رسول
الله صلّى الله عليه وسلم، فإذا هو في مشربة، وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وعند رجليه قرظ مصبور، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت! فقال: ما يبكيك؟ قلت: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هم فيه، وأنت رسول الله! فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟ وروى ابن أبي حاتم وعبد الرزاق عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما من نفس برة ولا فاجرة، إلا الموت خير لها. لئن كان برّا، لقد قال الله تعالى وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ وقرأ: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ، إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً، وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ [آل عمران: 178] . وروى ابن جرير عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن يصدقني فإن الله يقول وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ويقول وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ ... الآية. وأخرج نحوه رزين عن ابن عباس.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 199]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 199] وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. جملة مستأنفة سيقت لبيان أن أهل الكتاب ليس كلهم كمن حكيت هناتهم من نبذ الميثاق، وتحريف الكتاب وغير ذلك. بل منهم طائفة يؤمنون بالله حق الإيمان، ويؤمنون بما أنزل على النبيّ صلّى الله عليه وسلم مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله، أي مطيعون له، خاضعون متذللون بين يديه، لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، أي لا يكتمون ما بأيديهم من البشارة بمحمد صلّى الله عليه وسلم. وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودا أو نصارى، وقد قال تعالى في سورة القصص: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا [القصص: 52- 54] الآية، وقال تعالى وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف: 159] ، وقال تعالى: لَيْسُوا سَواءً، مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران: 113] . وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلا، كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود، ولم يبلغوا عشرة أنفس. وأما النصارى فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى، ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: 82- 85] . وهكذا قال هنا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
وقد ثبت في الحديث «1» أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما قرأ سورة (كهيعص) بحضرة النجاشي ملك الحبشة، وعنده البطاركة والقساقسة، بكى وبكوا معه، حتى أخضبوا لحاهم. وثبت في الصحيحين «2» أن النجاشي لما مات نعاه النبيّ صلّى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وقال: إن أخا لكم بالحبشة قد مات فصلوا عليه، فخرج إلى الصحراء فصفهم وصلى عليه. وروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه عن أنس بن مالك قال: لما توفي النجاشي، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: استغفروا لأخيكم. فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة؟! فنزلت: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ... الآية- ورواه عبد بن حميد أيضا مرسلا. ورواه ابن جرير عن جابر، وفيه: فقال المنافقون: يصلي على علج مات بأرض الحبشة؟! فنزلت. وروى الحاكم في (مستدركه) عن عبد الله بن الزبير قال: نزل بالنجاشي عدوّ من أرضهم، فجاءه المهاجرون فقالوا: إنا نحب أن نخرج إليهم حتى نقاتل معك وترى جرأتنا ونجزيك بما صنعت بنا، فقال: لداء بنصر الله عز وجل، خير من دواء بنصرة الناس. قال وفيه نزلت: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ... الآية- ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: وإن من أهل الكتاب، يعني مسلمة أهل الكتاب. وقال عباد بن منصور: سألت الحسن البصريّ عن قول الله: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ الآية- قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد صلّى الله عليه وسلم، فاتبعوه وعرفوا الإسلام، فأعطاهم الله أجر اثنين: للذي كانوا عليه من الإيمان قبل محمد صلّى الله عليه وسلم، واتباعهم محمدا صلّى الله عليه وسلم- رواه ابن أبي حاتم-.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 200]
وقد ثبت في الصحيحين «1» عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ثلاثة يؤتون أجورهم مرتين، فذكر منهم رجلا من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي - أفاده ابن كثير-. ثم إن الإخبار، في آخر الآية، بكونه تعالى: سَرِيعُ الْحِسابِ. كناية عن كمال علمه بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق، وأنه يوفّيها كل عامل على ما ينبغي، وقدر ما ينبغي. ويجوز أن يكون كناية عن قرب إنجاز ما وعد من الأجر لكونه من لوازمها. ولكونه من لوازمها أشبه التأكيد، فلذا لم يعطف عليه- والله أعلم-. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (3) : آية 200] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا أي على مشاق الطاعات وما يمسكم من المكاره والشدائد وَصابِرُوا أي غالبوا أعداء الله في الصبر على شدائد الجهاد. لا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا. ولمصابرة باب من الصبر. ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه، تخصيصا، لشدته وصعوبته- كذا في الكشاف- وَرابِطُوا أي أقيموا على مرابطة الغزو في نحر العدوّ بالترصد والاستعداد لحربهم، وارتباط الخيل. قال الله تعالى: وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال: 60] ، والرباط في الأصل أن يربط كل من الفريقين خيولهم في ثغره، وكل معدّ لصاحبه، ثم صار لزوم الثغر رباطا. وربما سميت الخيل أنفسها رباطا، وقد يتجوّز بالرباط عن الملازمة والمواظبة على الأمر، فتسمى رباطا ومرابطة. قال الفارسيّ: هو ثان من لزوم الثغر، ولزوم الثغر ثان من رباط الخيل. وقد
وردت الأخبار بالترغيب في الرباط، وكثرة أجره. فمنها ما رواه البخاريّ «1» في صحيحه عن سهل بن سعد الساعديّ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: رباط يوم في سبيل الله، خير من الدنيا وما عليها. وروى مسلم «2» عن سلمان الفارسيّ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: رباط يوم وليلة، خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتّان. وروى الإمام أحمد «3» عن فضالة بن عبيد قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر. وهكذا رواه أبو داود والترمذيّ وقال: حسن صحيح. وأخرجه ابن حبان في صحيحه أيضا . وبقيت أحاديث أخر ساقها الحافظ ابن كثير في تفسيره. هذا ومن الوجوه في قوله تعالى رابِطُوا أن يكون معناه انتظار الصلاة بعد الصلاة. فقد روى مسلم «4» والنسائيّ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بما يمحوا الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط. فشبه صلّى الله عليه وسلم ما ذكر من الأفعال الصالحة بالرباط. وروى الحاكم في (مستدركه) والحافظ ابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أقبل عليّ أبو هريرة يوما فقال: أتدري، يا ابن أخي! فيم نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا؟ قلت: لا! قال: أما إنه لم يكن في زمان النبيّ صلّى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد ويصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها. فعليهم أنزلت اصْبِرُوا أي على الصلوات الخمس، وَصابِرُوا أنفسكم وهواكم ورابطوا في مساجدكم.
خاتمة
وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما عليكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي تفوزون بما يغتبط به. و (لعل) لتغييب المآل. لئلا يتكلوا على الآمال. خاتمة فيما ورد في الآيات الأواخر من هذه السورة، وفي فضل هذه السورة بتمامها قال الحافظ ابن كثير: قد ثبت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده. روى البخاريّ «1» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بت عند خالتي ميمونة فتحدث رسول الله صلّى الله عليه وسلم مع أهله ساعة، ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر، قعد فنظر إلى السماء، فقال إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ثم قال فتوضأ، واستن، ثم صلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال، فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح- وهكذا رواه مسلم ورواه البخاريّ «2» من طريق أخرى بلفظ: حتى إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله صلّى الله عليه وسلم من منامه، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران ... الحديث - وهكذا أخرجه الجماعة من طرق. وروى ابن مردويه بسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وأحفظ صلاته. قال: فصلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالناس صلاة العشاء الأخيرة، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيري، قام فمرّ بي فقال: من هذا؟ عبد الله؟ قلت: نعم! قال: فمه؟ قلت: أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة، قال: فالحق، الحق. فلما دخل قال: افرش. عبد الله! فأتى بوسادة من مسوح، قال: فنام رسول الله صلّى الله عليه وسلم عليها حتى سمعت غطيطه، ثم استوى على فراشه قاعدا، قال: فرفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الملك القدوس (ثلاث مرات) ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها.
وقد روى مسلم وأبو داود والنسائيّ من حديث عليّ بن عبد الله بن عباس عن أبيه حديثا في ذلك أيضا. وروى ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة بعد ما مضى ليل، فنظر إلى السماء وتلا هذه الآية إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر السورة، ثم قال: اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، ومن بين يديّ نورا، ومن خلفي نورا، ومن فوقي نورا، ومن تحتي نورا، وأعظم لي نورا يوم القيامة «1» . وهذا الدعاء ثابت في بعض طرق الصحيح من رواية كريب عن ابن عباس رضي الله عنه. وروى ابن مردويه وعبد بن حميد حديثا عن عائشة، وفيه أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله فَقِنا عَذابَ النَّارِ ثم قال: ويل لمن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر فيها. ومما ورد في فضل هذه السورة ما أخرجه مسلم «2» والترمذيّ من حديث النواس بن سمعان: يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران. وضرب لهما رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال، ما نسيتهن بعد، قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان، بينهما شرق (أي ضياء ونور) ، أو كأنهما حزقان من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما. والله سبحانه الموفق. ثمّ تفسير هذه السورة صباح الجمعة في 11 ذي القعدة الحرام سنة (1318) وذلك في حرم جامع السنانية في الشباك القبليّ من السدة اليمنى العليا بيد جامعه الفقير محمد جمال الدين القاسميّ الدمشقيّ غفر له ولوالديه وللمؤمنين آمين (ويليه الجزء الثالث وفيه تفسير سورة النساء)
فهرس الجزء الثاني
فهرس الجزء الثاني من كتاب تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل
فهرس الجزء الثاني سورة البقرة الآية 178 3 الآية 179 8 الآية 180 11 الآية 181 13 الآية 182 14 الآية 183 16 الآية 184 19 الآية 185 24 الآية 186 28 الآية 187 41 الآية 188 51 الآية 189 53 الآيتان 190 و 191 57 الآية 192 58 الآية 193 59 الآية 194 60 الآية 195 61 الآية 196 63 الآية 197 70 الآية 198 73 الآية 199 75 الآية 200 77 الآية 201 78 الآية 202 79 الآية 203 80 الآيتان 204 و 205 82 الآية 206 83 الآية 207 84 الآية 208 85 الآية 209 86 الآية 210 87 الآيتان 211 و 212 92 الآية 213 95 الآية 214 96
الآية 215 97 الآية 216 99 الآية 217 102 الآيتان 218 و 219 109 الآية 220 114 الآية 221 115 الآية 222 117 الآية 223 120 الآية 224 128 الآية 225 130 الآيتان 226 و 227 131 الآية 228 133 الآية 229 136 الآية 230 138 الآية 231 152 الآية 232 153 الآية 233 154 الآية 234 155 الآية 235 158 الآية 236 160 الآية 237 161 الآية 238 163 الآية 239 167 الآية 240 170 الآيتان 241 و 242 172 الآية 243 173 الآية 244 175 الآية 245 176 الآية 246 177 الآية 247 179 الآية 248 180 الآية 249 182 الآيتان 250 و 251 183 الآية 252 184 الآية 253 187 الآيتان 254 و 255 189 الآية 256 193 الآيتان 257 و 258 195 الآية 259 196 الآية 260 198 الآية 261 201 الآية 262 202 الآية 263 و 264 204 الآية 265 205
الآية 266 206 الآية 267 207 الآيتان 268 و 269 208 الآيتان 270 و 271 209 الآية 272 211 الآية 273 212 الآية 274 215 الآية 275 219 الآية 276 227 الآية 277 229 الآيات 278- 280 230 الآية 281 231 الآية 282 233 الآية 283 236 الآية 284 237 الآية 285 240 الآية 286 241 سورة آل عمران الآيات 1- 3 254 الآيتان 4 و 5 255 الآيتان 6 و 7 256 الآيتان 8 و 9 286 الآيتان 10 و 11 288 الآية 12 289 الآيتان 13 و 14 290 الآية 15 292 الآيتان 16 و 17 293 الآية 18 295 الآية 19 296 الآية 20 297 الآية 21 299 الآيتان 22 و 23 300 الآية 24 301 الآيات 25- 27 302 الآية 28 303 الآية 29 306 الآيتان 30 و 31 307 الآيات 32- 34 308 الآية 35 309 الآية 36 310 الآية 37 312 الآية 38 313 الآية 39 314 الآيتان 40 و 41 315
الآيتان 42 و 43 316 الآية 44 317 الآية 45 318 الآيتان 46 و 47 319 الآيتان 48 و 49 320 الآية 50 321 الآيات 51- 53 322 الآية 54 323 الآية 55 324 الآيات 56- 58 325 الآية 59 326 الآيتان 60 و 61 327 الآيات 62- 64 331 الآية 65 332 الآيات 66- 68 333 الآيات 69- 72 334 الآية 73 335 الآيات 74- 76 336 الآية 77 337 الآية 78 339 الآيتان 79 و 80 340 الآيتان 81 و 82 342 الآيتان 83 و 84 344 الآية 85 345 الآيات 86- 88 346 الآية 89 347 الآية 90 348 الآية 91 349 الآية 92 352 الآية 93 353 الآيات 94- 96 355 الآية 97 356 الآيتان 98 و 99 367 الآيتان 100 و 101 368 الآية 102 369 الآية 103 370 الآية 104 373 الآية 105 375 الآية 106 382 الآيات 107- 109 384 الآية 110 385 الآية 111 386 الآية 112 387 الآية 113 388
الآيتان 114 و 115 390 الآيتان 116 و 117 391 الآية 118 392 الآية 119 394 الآية 120 395 الآية 121 397 الآية 122 401 الآية 123 402 الآية 124 404 الآية 125 405 الآيات 126- 128 408 الآيتان 129 و 130 410 الآيتان 131 و 132 411 الآيتان 133 و 134 412 الآية 135 414 الآية 136 415 الآيات 137- 139 416 الآية 140 417 الآية 141 419 الآيتان 142 و 143 420 الآية 144 421 الآية 145 423 الآية 146 424 الآيتان 147 و 148 425 الآيتان 149 و 150 426 الآية 151 427 الآية 152 428 الآية 153 431 الآية 154 433 الآيتان 155 و 156 441 الآيتان 157 و 158 445 الآية 159 446 الآيتان 160 و 161 449 الآيات 162- 164 452 الآية 165 453 الآيتان 166 و 167 454 الآيتان 168 و 169 455 الآية 170 457 الآية 171 458 الآيتان 172 و 173 460 الآية 174 461 الآيتان 175 و 176 462 الآية 177 463 الآية 178 464
الآية 179 465 الآية 180 467 الآية 181 468 الآية 182 469 الآيتان 183 و 184 471 الآية 185 473 الآية 186 475 الآية 187 476 الآية 188 477 الآيتان 189 و 190 479 الآية 191 480 الآية 192 482 الآية 193 483 الآيتان 194 و 195 484 الآيتان 196 و 197 485 الآية 198 486 الآية 199 487 الآية 200 490 خاتمة 492
المجلد الثالث
[المجلد الثالث] بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء روى العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة. وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت. وقد زعم النحاس أنها مكية. مستندا إلى أن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ [النساء: 58] الآية، نزلت بمكة اتفاقا في شأن مفتاح الكعبة. وذلك مستند واه. لأنه لا يلزم من نزول آية أو آيات من سور طويلة، نزل معظمها بالمدينة، أن تكون مكية. خصوصا أن الأرجح أن ما نزل بعد الهجرة مدنيّ. ومن راجع أسباب نزول آياتها عرف الرد عليه. ومما يرد عليه أيضا ما أخرجه البخاريّ عن عائشة قالت: ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده. ودخولها عليه كان بعد الهجرة اتفاقا. وقيل: نزلت عند الهجرة. وآياتها مائة وسبعون وخمس وقيل ست وقيل سبع. كذا في الإتقان. وروى الحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أنّ لي بها الدنيا وما فيها: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [النساء: 40] الآية، وإِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء: 31] الآية، وإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48] ، وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ [النساء: 64] . الآية. وروى عبد الرزاق عنه أيضا قال: خمس آيات من النساء لهن أحبّ إليّ من الدنيا جميعا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ. وقوله: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها. وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 64] . وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: 110] . وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء، خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس
وغربت. أوّلهن: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء: 26] ، والثانية: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً [النساء: 27] ، والثالثة: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ، وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [النساء: 28] ثم ذكر قول ابن مسعود سواء. يعني في الخمسة الباقية. لطيفة: إنما سميت سورة النساء، لأن ما نزل منها في أحكامهن أكثر مما نزل في غيرها.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 1]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ أي اخشوه أن تخالفوه فيما أمركم به أو نهاكم عنه. ثم نبههم على اتصافه بكمال القدرة الباهرة، لتأييد الأمر بالتقوى وتأكيد إيجاب الامتثال به على طريق الترغيب والترهيب، بقوله تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أي فرّعكم من أصل واحد وهو نفس أبيكم آدم. وخلقه تعالى إياهم على هذا النمط البديع مما يدل على القدرة العظيمة. ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شيء. ومنه عقابهم على معاصيهم. فالنظر فيه يؤدي إلى الاتقاء من موجبات نقمته. وكذا جعله تعالى إياهم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة من موجبات الاحتراز عن الإخلال بمراعاة ما بينهم من حقوق الأخوة. كما ينبئ عنه ما يأتي من الإرشاد إلى صلة الأرحام، ورعاية حال الأيتام، والعدل في النكاح وغير ذلك. وقد ثبت في صحيح مسلم «1» من حديث جرير بن عبد الله البجليّ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم
حين قدم عليه أولئك النفر من مضر، وهم مجتابو النمار (أي من عريهم وفقرهم) قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ حتى ختم الآية. ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر: 18] . ثم حضهم على الصدقة فقال: تصدق رجل من ديناره. من درهمه. من صاع بره. من صاع تمره. وذكر تمام الحديث. وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة الحاجة. وفيها: ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الآية. وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها أي من نفسها. يعني من جنسها ليكون بينهما ما يوجب التآلف والتضامّ. فإن الجنسية علة الضم. وقد أوضح هذا بقوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: 21] ، وَبَثَّ مِنْهُما أي نشر من تلك النفس وزوجها المخلوقة منها، بطريق التوالد والتناسل. رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً أي كثيرة. وترك التصريح بها للاكتفاء بالوصف المذكور وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ تكرير للأمر وتذكير لبعض آخر من موجبات الامتثال به. فإن سؤال بعضهم بعضا بالله تعالى بأن يقولوا: أسألك بالله وأنشدك الله، على سبيل الاستعطاف، يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه. وتعليق الاتقاء بالاسم الجليل لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال بتربية المهابة وإدخال الروعة. ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته. وتَسائَلُونَ أصله تتساءلون. فطرحت إحدى التاءين تخفيفا. وقرئ بإدغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس. وقرئ تسألون (من الثلاثيّ) أي تسألون به غيركم. وقد فسر به القراءة الأولى والثانية. وحمل صيغة التفاعل على اعتبار الجمع. كما في قولك رأيت الهلال وتراءيناه- أفاده أبو السعود- وقوله تعالى وَالْأَرْحامَ قرأ حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور. والباقون بالنصب عطفا على الاسم الجليل. أي اتقوا الله والأرحام أن تقطعوها. فإن قطيعتها مما يجب أن يتقى. أو عطفا على محل الجار والمجرور. كقولك مررت بزيد وعمرا. وينصره قراءة تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ فإنهم كانوا يقرنونها في السؤال والمناشدة بالله عز وجل.
تنبيه:
ويقولون: أسألك بالله وبالرحم. ولقد نبه سبحانه وتعالى، حيث قرنها باسمه الجليل، على أن صلتها بمكان منه. كما في قوله تعالى: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الإسراء: 23] . وقال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ [النساء: 36] . وقد روى الشيخان «1» عن عائشة رضي الله عنها عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «الرحم معلقة بالعرش. تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» . ورويا «2» أيضا عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة قاطع» . قال سفيان في روايته: يعني قاطع رحم. وروى البخاري «3» عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» . ورويا «4» عن أبي هريرة رضي الله عنه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه . والأحاديث في الترغيب بصلة الرحم وترهيب من قطيعتها كثيرة. تنبيه: دلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى. كذا قاله الرازيّ. ووجهه أنه تعالى أقرهم على هذا التساؤل. لكونهم يعتقدون عظمته. ولم ينكره عليهم. نعم من أداه التساؤل باسمه تعالى إلى التساهل في شأنه وجعله عرضة لعدم إجلاله ووسيلة للأبواب الساسانية، فهذا محظور قطعا. وعليه يحمل ما ورد من لعن من سأل بوجه الله، كما سنذكره. وقد ورد في هذا الباب أحاديث وافرة. منها عن ابن عمر قال «5» قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ومن دعاكم فأجيبوه ومن أتى عليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى
تعلموا أن قد كافأتموه» ، رواه الإمام أحمد وأبو داود «1» والنسائي وابن حبان والحاكم. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن عباس مرفوعا: «من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بوجه الله فأعطوه» . وعن ابن عمر مرفوعا: «من سئل بالله فأعطى كتب له سبعون حسنة» . رواه البيهقيّ بإسناد ضعيف. وفي البخاري «2» عن البراء بن عازب: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع» . وذكر منها: وإبرار القسم. وروى أبو داود «3» والضياء في (المختارة) بإسناد صحيح عن جابر مرفوعا: لا يسأل بوجه الله تعالى إلا الجنة. وروى الطبرانيّ عن أبي موسى الأشعريّ مرفوعا: ملعون من سأل بوجه الله. وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرا. قال السيوطيّ: إسناده حسن. وقال الحافظ المنذريّ: رجاله رجال الصحيح إلا شيخه (يعني الطبرانيّ) يحيى بن عثمان بن صالح. وهو ثقة وفيه كلام. وهجرا (بضم الهاء وسكون الجيم) أي ما لم يسأل أمرا قبيحا لا يليق. ويحتمل أنه أراد ما لم يسأل سؤالا قبيحا بكلام قبيح. انتهى. وعن أبي عبيدة، مولى رفاعة، عن رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله فمنع سائله» . رواه الطبراني. وعن ابن عباس رضي الله عنهما «4» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بشر الناس؟ رجل يسأل بوجه الله ولا يعطي. رواه الترمذيّ. وقال: حسن غريب. والنسائيّ وابن حبان في صحيحه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بشر البرية؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الذي يسأل بالله ولا يعطي إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً أي مراقبا لجميع أحوالكم وأعمالكم. يراها ويعلمها فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. كما قال: والله على كل شيء شهيد. وفي الحديث «5» : اعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 2]
وهذا إرشاد وأمر بمراقبته تعالى. فعلى المرء أن يراقب أحوال نفسه ويأخذ حذره من أن ينتهز الشيطان منه فرصة فيهلك على غفلة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 2] وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2) وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ شروع في تفصيل موارد الاتقاء ومظانه بتكليف ما يقابلها أمرا ونهيا. وتقديم ما يتعلق باليتامى لإظهار كمال العناية بأمرهم ولملابستهم بالأرحام. إذ الخطاب للأولياء والأوصياء وقلما تفوض الوصاية إلى الأجانب. واليتيم من مات أبوه. من اليتم، وهو الانفراد. ومنه الدرة اليتيمة. والقياس الاشتقاقيّ يقتضي وقوعه على الصغار والكبار. وقد خصه الشرع بمن لم يبلغ الحلم. كما روى أبو داود «1» بإسناد حسن عن عليّ عليه السّلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يتم بعد احتلام. وفي الآية وجوه: الأول- أن يراد باليتامى الكبار الذين أونس منهم الرشد مجازا. باعتبار ما كان، أوثر لقرب العهد بالصغر. والإشارة إلى وجوب المسارعة إلى دفع أموالهم إليهم حينئذ. حتى كأنّ اسم اليتيم باق بعد، غير زائل. الثاني- أن يراد بهم الكبار حقيقة، واردة على أصل اللغة. الثالث- أن يراد بهم الصغار. وب (الإيتاء) ما يدفعه الأولياء والأوصياء إليهم من النفقة والكسوة. لا دفعها إليهم. وفيه بعد. الرابع- أن يراد بهم ما ذكر. وب (إيتائهم) الأموال، أن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء ولاة السوء وقضاته ويكفّوا عنها أيديهم الخاطفة حتى تؤتى اليتامى إذا بلغوا سالمة غير محذوفة. فالتجوّز في الإيتاء حينئذ باستعماله في لازم معناه وهو تركها سالمة لأنها لا تؤتى إلا إذا كانت كذلك. قال الناصر في (الانتصاف) : هذا الوجه قويّ بقوله بعد آيات: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا
تنبيه:
النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء: 6] ، دل على أن الآية الأولى في الحض على حفظها لهم ليؤتوها عند بلوغهم ورشدهم. والثانية في الحض على الإيتاء الحقيقيّ عند حصول البلوغ والرشد. ويقويه أيضا قوله عقيب الأولى: وَلا تَتَبَدَّلُوا إلخ.. فهذا كله تأديب للوصيّ ما دام المال بيده واليتيم في حجره. وأما على الوجه الأول فيكون مؤدى الآيتين واحدا وهو الأمر بالإيتاء حقيقة. ويخلص عن التكرار بأن الأولى كالمجملة، والثانية كالمبيّنة لشرط الإيتاء: من البلوغ وإيناس الرشد. والله أعلم. وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ أي ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو ما لكم، وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ نهى عن منكر آخر كانوا يتعاطونه. أي لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم مخلوطة بها للتوسعة إِنَّهُ أي الأكل كانَ حُوباً أي ذنبا عظيما. وقرئ بفتح الحاء. وقوله تعالى: كَبِيراً مبالغة في بيان عظم ذنب الأكل المذكور. كأنه قيل من كبار الذنوب. تنبيه: خص من ذلك مقدار أجر الملل عند كون الوليّ فقيرا لقوله تعالى: وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ كذا قاله البيضاويّ وتابعه أبو السعود. وعندي أنه لا حاجة إلى تخصيص هذا النهي بالفقير في هذه الآية لأنها في الغنيّ، لقوله: إِلى أَمْوالِكُمْ. فلا يشمل مساقها الفقير. وسنوضح ذلك. لطيفة: قال الزمخشريّ: فإن قلت قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم. فلم ورد النهي عن أكله معها؟ قلت: لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال وهم على ذلك يطمعون فيها، كان القبح أبلغ والذم أحق. ولأنهم كانوا يفعلون كذلك. فنعى عليهم فعلهم وسمّع بهم ليكون أزجر لهم. انتهى. قال الناصر في (الانتصاف) أهل البيان يقولون: المنهي متى كان درجات فطريق البلاغة النهي عن أدناها تنبيها على الأعلى. كقوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الإسراء: 23] . وإذا اعتبرت هذا القانون بهذه الآية وجدته ببادئ الرأي مخالفا لها إذ أعلى درجات أكل مال اليتيم في النهي أن يأكله وهو غنيّ عنه. وأدناها أن يأكله وهو
فقير إليه. فكان مقتضى القانون المذكور أن ينهى عن أكل مال اليتيم من هو فقير إليه حتى يلزم نهي الغنيّ عنه من طريق الأولى. وحينئذ فلا بد من تمهيد أمر يوضح فائدة تخصيص الصورة العليا بالنهي في هذه الآية. فنقول: أبلغ الكلام ما تعددت وجوه إفادته. ولا شك أن النهي عن الأدنى، وإن أفاد النهي عن الأعلى، إلا أن للنهي عن الأعلى أيضا فائدة أخرى جليلة، لا تؤخذ من النهي عن الأدنى. وذلك أن المنهيّ كلما كان أقبح كانت النفس عنه أنفر والداعية إليه أبعد. ولا شك أن المستقر في النفوس أن أكل مال اليتيم مع الغنى عنه أقبح صور الأكل. فخصص بالنهي تشنيعا على من يقع فيه. حتى إذا استحكم نفوره من أكل ماله على هذه الصورة الشنعاء دعاه ذلك إلى الإحجام عن أكل ماله مطلقا. ففيه تدريب للمخاطب على النفور من المحارم. ولا تكاد هذه الفائدة تحصل لو خصص النهي بأكله مع الفقر، إذ ليست الطباع في هذه الصورة معينة على الاجتناب، كإعانتها عليه في الصورة الأولى. ويحقق مراعاة هذا المعنى تخصيصه الأكل. مع أن تناول مال اليتيم، على أي وجه كان، منهيّ عنه. كان ذلك بالادخار أو بالتباس أو ببذله في لذة النكاح مثلا، أو غير ذلك. إلا أن حكمة تخصيص النهي بالأكل أن العرب كانت تتذمم بالإكثار من الأكل. وتعدّ البطنة من البهيمية. وتعيب على من اتخذها ديدنه، ولا كذلك سائر الملاذ. فإنهم ربما يتفاخرون بالإكثار من النكاح ويعدونه من زينة الدنيا. فلما كان الأكل عندهم أقبح الملاذ خص النهي به. حتى إذا نفرت النفس منه بمقتضى طبعها المألوف جرها ذلك إلى النفور من صرف مال اليتيم في سائر الملاذ أو غيرها، أكلا أو غيره. ومثل هذه الآية في تخصيص النهي بما هو أعلى قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً [آل عمران: 130] . فخص هذه الصورة لأن الطبع عن الانتهاء عنها أعون. ويقابل هذا النظر في النهي نظر آخر في الأمر. وهو أنه تارة يخص صورة الأمر الأدنى تنبيها على الأعلى. وتارة يخص صورة الأعلى لمثل الفائدة المذكورة من التدريب. ألا ترى إلى قوله تعالى بعد آيات من هذه السورة: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ الآية [النساء: 8] ، كيف خص صورة حضورهم وإن كانت العليا بالنسبة إلى غيبتهم. وذلك أن الله تعالى علم شح الأنفس على الأموال. فلو أمر بإسعاف الأقارب واليتامى من المال الموروث ولم يذكر حالة حضورهم القسمة، لم تكن الأنفس بالمنبعثة إلى هذا المعروف كانبعاثها مع حضورهم. بخلاف ما إذا حضروا. فإن النفس يرقّ طبعها وتنفر من أن تأخذ المال الجزل وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فإذا أمرت في هذه الحالة
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 3]
بالإسعاف هان عليها امتثال الأمر وائتلافها على امتثال الطبع. ثم تدربت بذلك على إسعاف ذي الرحم مطلقا حضر أو غاب. فمراعاة هذا وأمثاله من الفوائد لا يكاد يلقى إلا في الكتاب العزيز. ولا يعثر عليه إلا الحاذق الفطن المؤيد بالتوفيق. نسأل الله أن يسلك بنا في هذا النمط. فخذ هذا القانون عمدة. وهو: أن النهي، إن خص الأدنى فلفائدة التنبيه على الأعلى. وإن خص الأعلى، فلفائدة التدريب على الانكفاف عن القبح مطلقا من الانكفاف عن الأقبح. ومثل هذا، النظر في جانب الأمر. والله الموفق. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 3] وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (3) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا أي أن لا تعدلوا فِي الْيَتامى أي يتامى النساء. قال الزمخشريّ: ويقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور، وهو جمع يتيمة، على القلب. كما قيل أيامى والأصل أيائم ويتائم فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ أي من طبن لنفوسكم من جهة الجمال والحسن أو العقل أو الصلاح منهن مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ومعنى الآية: وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن، بإساءة العشرة أو بنقص الصداق، فانكحوا غيرهن من الغريبات فإنهن كثير ولم يضيق الله عليكم. فالآية للتحذير من التورط في الجور والأمر بالاحتياط. وإنّ في غيرهن متسعا إلى الأربع. وروى البخاري «1» عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق (أي نخلة) وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء. فنزلت فيه: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى. أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله. ورواه مسلم وأبو داود والنسائيّ. وفي رواية لهم عن عائشة «2» هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه
لطائف:
مالها وجمالها. فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره. فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سنّتهن في الصداق. فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل الله: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ [النساء: 127] . قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [النساء: 127] ، رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. قالت: فنهوا أن ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، إذا كن قليلات المال والجمال. وفي رواية «1» في قوله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ... إلى آخر الآية. قالت عائشة رضي الله عنها: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب عنها أن يتزوجها ويكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه في ماله فيحبسها. فنهاهم الله عن ذلك. زاد أبو داود «2» رحمه الله تعالى: وقال ربيعة في قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى. قال يقول: اتركوهنّ إن خفتم فقد أحللت لكم أربعا. لطائف: الأول: (ما) في قوله تعالى: ما طاب لكم، موصولة. وجاء ب (ما) مكان (من) لأنهما قد يتعاقبان. فيقع كل واحد منهما مكان الآخر. كما في قوله تعالى: وَالسَّماءِ وَما بَناها [الشمس: 5] ، وقوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ [الكافرون: 5] . فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [النور: 45] . قال بعضهم: وحسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء، وهن ناقصات العقول. الثانية: في إيثار الأمر بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى، مع أنه المقصود بالذات، مزيد لطف في استنزالهم عن ذلك. فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه. كما أن وصف النساء بالطيب على الوجه الذي أشير إليه، فيه مبالغة في الاستمالة إليهن والترغيب فيهن. وكل ذلك للاعتناء بصرفهم عن نكاح اليتامى- أفاده أبو السعود-.
بحث جليل:
الثالثة: اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له. وأنه يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة. الرابعة: مثنى وثلاث ورباع معدولة عن أعداد مكررة. ومحلهن النصب على أنها حال من فاعل (طاب) مؤكدة لما أفاده وصف الطيب من الترغيب فيهن، والاستمالة إليهن، بتوسيع دائرة الإذن. أي فانكحوا الطيبات لكم، معدودات هذا العدد. ثنتين ثنتين. وثلاثا ثلاثا. وأربعا أربعا. حسبما تريدون. فإن قلت: الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع؟ قلت: الخطاب للجميع. فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له. كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم، درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. ولو أفردت لم يكن له معنى. فإن قلت: فلم جاء العطف بالواو دون (أو) . قلت: كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك. ولو ذهبت تقول: اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة، أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة. وليس لهم أن يجمعوا بينها. فيجعلوا بعض القسم على تثنية وبعضه على تثليث وبعضه على تربيع. وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو. وتحريره أن الواو. دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع إن شاءوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاءوا متفقين فيها، محظورا عليهم ما وراء ذلك. أفاده الزمخشري. بحث جليل: قال الرازيّ: ذهب قوم سدّى (كحتى. موضع قرب زبيد باليمن اه قاموس) إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد. واحتجوا بالقرآن والخبر. أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه: الأول- أن قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ، إطلاق في جميع الأعداد. بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه. وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا. والثاني- أن قوله: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ، لا يصلح تخصيصا لذلك العموم، لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي. بل نقول: إن ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج والحجر مطلقا. فإن الإنسان إذا قال لولده: افعل ما شئت. اذهب إلى السوق وإلى المدينة وإلى البستان، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة إليه مطلقا. ورفع الحجر والحرج
عنه مطلقا. ولا يكون ذلك تخصيصا للإذن بتلك الأشياء المذكورة. بل كان ذلك إذنا في المذكور وغيره. فكذا هنا. وأيضا، فذكر جميع الأعداد متعذر. فإذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ، كان ذلك تنبيها على حصول الإذن في جميع الأعداد. الثالث- أن الواو للجمع المطلق. فقوله: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ، يفيد حل هذا المجموع. وهو يفيد تسعة. بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر. لأن قوله: مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين. وكذلك القول في البقية. وأما الخبر فمن وجهين: الأول- أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع. ثم إن الله تعالى أمرنا باتباعه فقال: فاتّبعوه، وأقل مراتب الأمر الإباحة. الثاني- أن سنة الرجل طريقته. وكان التزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام. فكان ذلك سنة له. ثم إنه عليه السلام قال «1» : فمن رغب عن سنتي فليس مني. فظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة. فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز. واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين: الأول- الخبر. وهو ما روي أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أمسك أربعا وفارق باقيهن. وروي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة، فقال عليه الصلاة والسلام: أمسك أربعا وفارق واحدة. واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين: الأول- أن القرآن لما دل على عدم الحصر بهذا الخبر كان ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد وأنه غير جائز. والثاني- وهو أن الخبر واقعة حال. فلعله عليه الصلاة والسلام إنما أمره بإمساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربعة وبين البواقي غير جائز، إما بسبب النسب أو بسبب
الرضاع وبالجملة فهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله (الطريق الثاني) وهو إجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع. وهذا هو المعتمد، وفيه سؤالان: الأول- أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ. فكيف يقال: الإجماع نسخ هذه الآية؟ الثاني- أن في الأمة أقواما شذاذا لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع. والإجماع، مع مخالفة الواحد والاثنين، لا ينعقد. (والجواب عن الأول) أن الإجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. (وعن الثاني) أن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة. فلا عبرة بمخالفته، انتهى كلام الرازيّ، وقوله (من أهل البدعة) لا يجوز أخذه على عمومه لما ستراه. قال الإمام الشوكانيّ رحمه الله تعالى في (وبل الغمام) : الذي نقله إلينا أئمة اللغة والإعراب وصار كالمجمع عليه عندهم، أن العدل في الأعداد يفيد أن المعدود لما كان متكثرا يحتاج استيفاؤه إلى أعداد كثيرة كانت صيغة العدل المفرد في قوة تلك الأعداد. فإن كان مجيء القوم مثلا اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة، وكانوا ألوفا مؤلفة، فقلت: جاءني القوم مثنى، أفادت هذه الصيغة أنهم جاءوا اثنين اثنين، حتى تكاملوا. فإن قلت: مثنى وثلاث ورباع، أفاد ذلك أن القوم جاءوك تارة اثنين اثنين، وتارة ثلاثة ثلاثة، وتارة أربعة أربعة. فهذه الصيغ بينت مقدار عدد دفعات المجيء لا مقدار عدد جميع القوم، فإنه لا يستفاد منها أصلا. بل غاية ما يستفاد منها أن عددهم متكثر تكثرا تشق الإحاطة به. ومثل هذا إذا قلت: نكحت النساء مثنى. فإن معناه نكحتهن اثنتين اثنتين. وليس فيه دليل على أن كل دفعة من هذه الدفعات لم يدخل في نكاحه إلا بعد خروج الأولى. كما أنه لا دليل في قولك: جاءني القوم مثنى، أنه لم يصل الاثنان الآخران إليك إلا وقد فارقك الاثنان الأولان. إذا تقرر هذا فقوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يستفاد منه جواز نكاح النساء اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا. والمراد جواز تزوج كل دفعة من هذه الدفعات في وقت من الأوقات. وليس في هذا تعرض لمقدار عددهن. بل يستفاد من الصيغ الكثرة من غير تعيين. كما قدمنا في مجيء القوم. وليس فيه أيضا دليل على أن الدفعة الثانية كانت بعد مفارقة الدفعة الأولى. ومن زعم أنه نقل إلينا أئمة اللغة والإعراب ما يخالف هذا، فهذا مقام الاستفادة منه، فليتفضل بها علينا. وابن عباس، إن صح عنه في الآية أنه قصر الرجال على أربع فهو فرد من أفراد الأمة. وأما القعقعة بدعوى الإجماع فما أهونها وأيسر خطبها عند من لم تفزعه هذه الجلبة وكيف
يصح إجماع خالفته الظاهرية وابن الصباغ، والعمرانيّ، والقاسم بن إبراهيم، نجم آل الرسول، وجماعة من الشيعة، وثلة من محققي المتأخرين، وخالفه أيضا القرآن الكريم، كما بيناه. وخالفه أيضا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما صح ذلك تواترا، من جمعه بين تسع أو أكثر في بعض الأوقات. وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر: 7] ، لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21] . قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: 31] ودعوى الخصوصية مفتقرة إلى دليل. والبراءة الأصلية مستصحبة لا ينقل عنها إلا ناقل صحيح تنقطع عنده المعاذير. وأما حديث «1» أمره صلى الله عليه وسلم لغيلان، لما أسلم وتحته عشر نسوة، بأن يختار منهن أربعا ويفارق سائرهن، كما أخرجه الترمذيّ وابن ماجة وابن حبان، فهو وإن كان له طرق، فقد قال ابن عبد البر: كلها معلولة. وأعله غيره من الحفاظ بعلل أخرى. ومثل هذا لا ينتهض للنقل عن الدليل القرآني والفعل المصطفويّ الذي مات صلى الله عليه وسلم عليه والبراءة الأصلية. ومن صحح لنا هذا الحديث على وجه تقوم به الحجة، أو جاءنا بدليل في معناه، فجزاه الله خيرا. فليس بين أحد وبين الحق عداوة. وعلى العالم أن يوفي الاجتهاد حقه لا سيما في مقامات التحرير والتقرير. كما نفعله في كثير من الأبحاث. وإذا حاك في صدره شيء فليكن تورعه في العمل لا في تقرير الصواب. فإياك أن تحامي التصريح بالحق الذي تبلغ إليه ملكتك، لقيل وقال. ولا سيما في مثل مواطن يجبن عنها كثير من الرجال. فإنك لا تسئل يوم القيامة عن الذي ترتضيه منك العباد بل عن الذي يرتضيه المعبود. وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. ومن ورد البحر استقل السواقيا. انتهى. وقال الشوكانيّ قدس سره أيضا في (نيل الأوطار) : حديث قيس بن الحارث (وفي رواية الحارث بن قيس) في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقد ضعفه غير واحد من الأئمة. قال أبو القاسم البغويّ: ولا أعلم للحارث بن قيس حديثا غير هذا. وقال أبو عمرو النمري: ليس له إلا حديث واحد ولم يأت به من وجه صحيح. وفي معنى هذا الحديث غيلان الثقفيّ وهو عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: أسلم غيلان الثقفيّ وتحته عشر نسوة، في الجاهلية. فأسلمن معه. فأمره
النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا. رواه أحمد وابن ماجة والترمذيّ. وحكم أبو حاتم وأبو زرعة بأن المرسل أصح. وحكى الحاكم عن مسلم أن هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة. قال: فإن رواه عنه ثقة خارج البصرة حكمنا له بالصحة. وقد أخذ ابن حبان والحاكم والبيهقيّ بظاهر الحكم، وأخرجوه من طرق عن معمر من حديث أهل الكوفة وأهل خرسان وأهل اليمامة عنه. قال الحافظ: ولا يفيد ذلك شيئا. فإن هؤلاء كلهم، إنما سمعوا منه بالبصرة. وعلى تقدير أنهم سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي حدث به في غير بلده مضطرب. لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة. وأما إذا رحل فحدث من حفظه بأشياء وهم فيها. اتفق على ذلك أهل العلم. كابن المدينيّ والبخاريّ وابن أبي حاتم ويعقوب بن شيبة وغيرهم. وحكى الأثرم عن أحمد أن هذا الحديث ليس بصحيح. والعمل عليه. وأعله بتفرد معمر في وصله وتحديثه به في غير بلده. وقال ابن عبد البر: طرقه كلها معلولة. وقد أطال الدارقطني في (العلل) تخريج طرقه. ورواه ابن عيينة ومالك عن الزهريّ مرسلا. ورواه عبد الرزاق عن معمر كذلك. وقد وافق معمرا على وصله بحر بن كنيز السقاء عن الزهريّ. ولكنه ضعيف. وكذا وصله يحيى بن سلام عن مالك. ويحيى ضعيف. وفي الباب عن نوفل بن معاوية، عند الشافعي، أنه أسلم وتحته خمس نسوة. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: أمسك أربعا وفارق الأخرى . وفي إسناده رجل مجهول. لأن الشافعيّ قال: حدثنا بعض أصحابنا عن أبي الزناد عن عبد المجيد بن سهل عن عوف بن الحارث عن نوفل بن معاوية قال: أسلمت، فذكره. وفي الباب أيضا عن عروة بن مسعود وصفوان بن أمية عند البيهقيّ. وقوله: اختر منهن أربعا، استدل به الجمهور على تحريم الزيادة على أربع. وذهبت الظاهرية إلى أنه يحل للرجل أن يتزوج تسعا. ولعل وجهه قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ. ومجموع ذلك لا باعتبار ما فيه من العدل، تسع. وحكي ذلك عن ابن الصباغ والعمرانيّ وبعض الشيعة. وحكي أيضا عن القاسم بن إبراهيم. وأنكر الإمام يحيى الحكاية عنه. وحكاه صاحب البحر عن الظاهرية، وقوم مجاهيل. وأجابوا عن حديث قيس بن الحارث المذكور بما فيه من المقال المتقدم. وأجابوا عن حديث غيلان الثقفيّ بما تقدم فيه من المقال. وكذلك أجابوا عن حديث نوفل بن معاوية بما قدمنا من كونه في إسناده مجهول. قالوا: ومثل هذا الأصل العظيم لا يكتفي فيه بمثل ذلك. ولا سيما وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين تسع أو إحدى عشرة، وقد قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21] . وأما دعوى اختصاصه بالزيادة على الأربع فهو محل النزاع. ولم يقم عليه دليل. وأما قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ، فالواو فيه للجمع لا للتخيير. وأيضا لفظ مثنى معدول به عن اثنين اثنين. وهو يدل على تناول ما كان متصفا من الأعداد بصفته الاثنينية. وإن كان في غاية الكثرة البالغة إلى ما فوق الألوف. فإنك تقول جاءني القوم مثنى أي اثنين اثنين. وهكذا ثلاث ورباع. وهذا معلوم في لغة العرب لا يشك فيه أحد. فالآية المذكورة تدل بأصل الوضع على أنه يجوز للإنسان أن يتزوج من النساء اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا. وليس من شرط ذلك أن لا تأتي الطائفة الأخرى في العدد إلا بعد مفارقته للطائفة التي قبلها. فإنه لا شك أنه يصح، لغة وعرفا، أن يقول الرجل، لألف رجل عنده: جاءني هؤلاء اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة. فحينئذ الآية تدل على إباحة الزواج بعدد من النساء كثير. سواء كانت الواو للجمع أو للتخيير. لأن خطاب الجماعة بحكم من الأحكام بمنزلة الخطاب به لكل واحد منهم. فكأن الله سبحانه وتعالى قال، لكل فرد من الناس: انكح ما طاب لك من النساء مثنى وثلاث ورباع. ومع هذا فالبراءة الأصلية مستصحبة. وهي بمجردها كافية في الحل حتى يوجد ناقل صحيح ينقل عنها. وقد يجاب بأن مجموع الأحاديث المذكورة في الباب لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره، فتنتهض بمجموعها للاحتجاج. وإن كان كل واحد لا يخلو عن مقال. ويؤيد ذلك كون الأصل في الفروج الحرمة. كما صرح به الخطابيّ. فلا يجوز الإقدام على شيء منها إلا بدليل. وأيضا هذا الخلاف مسبوق بالإجماع على عدم جواز الزيادة على الأربع. كما صرح بذلك في (البحر) . وقال في (الفتح) اتفق العلماء على أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم الزيادة على أربع نسوة يجمع بينهن. وقد ذكر الحافظ في (الفتح) و (التلخيص) الحكمة في تكثير نسائه صلى الله عليه وسلم فليراجع ذلك. انتهى. وقال قدس سره في تفسيره (فتح القدير) : وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع، وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع الأمة. وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد. كما يقال للجماعة: اقتسموا هذا المال. وهو ألف درهم (أو هذا المال الذي في البدرة) درهمين درهمين. وثلاثة ثلاثة. وأربعة أربعة. وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته، أو عيّن مكانه. أما لو كان مطلقا، كما يقال: اقتسموا الدراهم، ويراد بها ما كسبوه، فليس المعنى هكذا. والآية من الباب الآخر لا
من الباب الأول. على أن من قال لقوم يقتسمون مالا معينا كبيرا: اقتسموه مثنى وثلاث ورباع، فقسموا بعضه بينهم درهمين درهمين. وبعضه ثلاثة ثلاثة. وبعضه أربعة أربعة. كان هذا هو المعنى العربي. ومعلوم أنه إذا قال القائل: جاءني القوم مثنى، وهم مائة ألف، كان المعنى أنهم جاءوه اثنين اثنين. هكذا: جاءني القوم ثلاث ورباع. والخطاب للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد. كما في قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ، ونحوها. ومعنى قوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ: لينكح كل فرد منكم ما طاب له من النساء اثنتين اثنتين وثلاثا وثلاثا وأربعا أربعا. هذا ما تقتضي لغة العرب. فالآية تدل على خلاف ما استدلوا به عليه. ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً. فإنه وإن كان خطابا للجميع فهو بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد. فالأولى أن يستدل على تحريم الزيادة على الأربع بالسنة لا بالقرآن. وأما استدلال من استدل بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة وكأنه قال: انكحوا مجموع هذا العدد المذكور، فهذا جهل بالمعنى العربيّ. ولو قال: انكحوا اثنتين وثلاثا وأربعا كان هذا القول له وجه. وأما مع المجيء بصيغة العدل فلا. وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون (أو) لأن التخيير يشعر بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره. وذلك ليس بمراد من النظم القرآنيّ. أخرج الشافعيّ وابن أبي شيبة وأحمد والترمذيّ وابن ماجة والدّارقطنيّ والبيهقيّ، عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفيّ أسلم وتحته عشر نسوة. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: اختر منهن (وفي لفظ أمسك منهن) أربعا وفارق سائرهن . وروي هذا الحديث بألفاظ من طرق. وعن نوفل بن معاوية الديليّ قال: أسلمت وعندي خمس نسوة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك أربعا وفارق الأخرى. أخرجه الشافعيّ في مسنده. وأخرج ابن ماجة والنحاس في (تاريخه) عن قيس بن الحارث الأسديّ قال: أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة. فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته. فقال: اختر منهن أربعا وخل سائرهن. ففعلت . وهذه شواهد للحديث الأول كما قال البيهقيّ. وقال قدس سره أيضا في كتابه (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار) : أما الاستدلال على تحريم الخامسة وعدم جواز زيادة على الأربع بقوله عز وجل: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ، فغير صحيح. كما أوضحته في (شرحي للمنتقى) وقد
تتمة:
قدمناه. ولكن الاستدلال على ذلك بحديث قيس بن الحارث وحديث غيلان الثقفيّ وحديث نوفل بن معاوية هو الذي ينبغي الاعتماد عليه. وإن كان في كل واحد منها مقال. لكن الإجماع على ما دلت عليه قد صارت به من المجمع على العمل عليه. وقد حكى الإجماع صاحب (فتح الباري) والمهديّ في (البحر) والنقل عن الظاهرية لم يصح. فإنه قد أنكر ذلك منهم من هو أعرف بمذهبهم. انتهى. تتمة: روى الدارقطني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ينكح العبد امرأتين ويطلق تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين. قال الشوكانيّ في (نيل الأوطار) قد تمسك بهذا من قال: إنه لا يجوز للعبد أن يتزوج فوق اثنتين. وهو مرويّ عن عليّ وزيد بن عليّ والناصر والحنفية والشافعية. ولا يخفى أن قول الصحابيّ لا يكون حجة على من لم يقل بحجيته. نعم، لو صح إجماع الصحابة على ذلك لكان دليلا عند القائلين بحجية الإجماع. ولكنه قد روي عن أبي الدرداء ومجاهد وربيعة وأبي ثور والقاسم بن محمد وسالم أنه يجوز له أن ينكح أربعا كالحر. حكى ذلك عنهم صاحب (البحر) فالأولى الجزم بدخوله تحت قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ. والحكم له وعليه بما للأحرار وعليهم. إلا أن يقوم دليل يقتضي المخالفة. كما في المواضع المعروفة. بالتخالف بين حكميهما انتهى. فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا أي بين هذه الأعداد فَواحِدَةً أي فاختاروها. وقرئ بالرفع أي فحسبكم واحدة أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي من الإماء، بالغة ما بلغت من مراتب العدد. لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق مثل ما يلزم في الحرائر. ولا قسم لهن. و (أو) للتسوية. أي التخيير. والعدد يؤخذ من السياق، ومقابلة الواحدة. قال الزمخشريّ: سوّى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير حصر ولا توقيت عدد. ولعمري إنهن أقل تبعة وأقصر شغبا وأخف مؤنة من المهائر. لا عليك، أكثرت منهن أم أقللت. عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل، عزلت عنهن أم لم تعزل. انتهى. ذلِكَ أي الاقتصار على واحدة أو على التسري أَدْنى أي أقرب أَلَّا تَعُولُوا أي من أن لا تميلوا ولا تجوروا. لانتفائه رأسا بانتفاء محله في الأول. وانتفاء
تنبيهان:
خطره في الثاني بخلاف اختيار العدد في المهائر. فإن الميل المحظور متوقع فيه لتحقق المحل والخطر. هذا إن قدر (تعولوا) مضارع عال، بمعنى جار ومال عن الحق. وهو اختيار أكثر المفسرين. ومن الوجوه المحتملة فيه كونه مضارع عال بمعنى كثر عياله. قال في القاموس: وعال فلان عولا وعيالة: كثر عياله، كأعول وأعيل. انتهى. وعلى هذا الوجه اقتصر الإمام المهايميّ، قدس سره، في تفسيره حيث قال: أي أقرب من أن لا تكثر عيالكم. فيمكن معه القناعة بحيث لا يضطر إلى الجور في أموال اليتامى. انتهى. وروي هذا التأويل عن زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة والشافعيّ. وأما قول ابن كثير في هذا التفسير: هاهنا نظر، فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر كذلك يخشى من تعداد السراري- فجوابه (كما قال الرازي) من وجهين: الأول- ما ذكره القفّال رضي الله عنه. وهو أن الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب. وإذا اكتسبن أنفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضا. وحينئذ تقل العيال. أما إذا كانت المرأة حرة، لم يكن الأمر كذلك. فظهر الفرق. الثاني- أن المرأة إذا كانت مملوكة، فإذا عجز المولي عن الإنفاق عليها باعها وتخلص منها. أما إذا كانت حرة فلا بدّ له من الإنفاق عليها. والعرف يدل على أن الزوج ما دام يمسك الزوجة فإنها لا تطالبه بالمهر. فإذا حاول طلاقها طالبته بالمهر فيقع الزوج في المحنة. انتهى. تنبيهان: الأول- قال بعض المفسرين: دلت الآية على أنه يجب بالنكاح حقوق. وتدل على أن من خشي الوقوع فيما لا يجوز، قبح منه ما دعا إلى ذلك القبيح. فلا يجوز لمن عرف أنه يخون مال اليتيم إذا تزوج أكثر من واحدة، أن يتزوج أكثر. وكذا إذا عرف أنه يخون الوديعة ولا يحفظها، فإنه لا يجوز له قبول الوديعة. وتدل على أن العدل واجب بين الزوجات. وأن من عرف أنه لا يعدل فإنه لا تحل له الزيادة على واحدة. وتدل على أن زواجه الصغيرة من غير أبيها وجدّها جائز. وللفقهاء مذاهب في ذلك معروفة. الثاني- في سرّ ما تشير إليه الآية من إصلاح النسل. قال بعض علماء الاجتماع من فلاسفة المسلمين في مقالة عنوانها (الإسلام وإصلاح النسل) ما مثاله: ما زال البشر يسعى منذ ألوف من السنين وراء إصلاح ما يقتنيه من خيل وبقر وغنم ليكثر
انتفاعه به. فيختار لإناث هذه الحيوانات أفحلا كريمة، هي على ما يرومه من الصفات، ليحصل منها على نسل أنفع له من أمهاته. وقد زادت رغبة الناس بهذا العصر في إصلاح النوع النافع من الحيوان. فضرّبوه ورقوه باختيار الأفحل المناسبة، حتى حصلوا على صنف من الخيل الجياد تسابق الرياح فتجري (16) مترا في الثانية من الزمن. وعلى صنف من البقر تحلب في اليوم الواحد خمسين أقة. وعلى صنف من المعزى والغنم شعره أو صوفه مثل الحرير نعومة. ولم يقصر إصلاحهم على الحيوان، بل تجاوز إلى النبات. فحصلوا بفضله على أشجار كثيرة الثمر لذيذته. وانتفعوا انتفاعا كبيرا، ما تيسر لأسلافهم. نعم إن البشر افتكروا في إصلاح الحيوان الصامت والنبات، وعلموا ما فيه من الفوائد، فسعوا إليه السعي الذي يرضاه العلم، وجنوا ثمار ذلك السعي. ولكنهم ما افتكروا في إصلاح ما هو أهمّ من كل ذلك: في إصلاح الحيوان الذكيّ، والشرير أكثر من الصالح، والجبان أكثر من الشجاع، والكاذب أكثر من الصادق، والكسلان أكثر من أخي الجد النشيط. ولو أنهم أصلحوا نسلهم لما وجد في الناس من يولد مريضا ويعيش مريضا. فلا ينتفع بوجوده المجتمع، وهو كثير. قام من بين هذا الجيل فيلسوفان: ألمانيّ وانكليزيّ. وأخذا يعلمان بكتاباتهما المبنيّة على البراهين وجوب إصلاح الإنسان لنسل الإنسان. ويعددان فوائد الإصلاح لنوعه. ويبيّنان للملأ أن الرقي المطلوب لا يتم إلا به. وطفقا يلومان الناس على اعتنائهم بإصلاح المواشي وإهمالهم إصلاح أنفسهم. الأمر الذي هو أهم من ذلك كثيرا. وذكرا لذلك طرقا: (منها) منع أصحاب العاهات والأمراض المزمنة وأولي الجرائم الكبيرة من الزواج لينقطع نسلهم الذي يجيء غالبا على شاكلتهم. (ومنها) إباحة تعدد الزوجات للنابغين من الرجال ليكثر نسلهم. وقالا: إذا جرى المجتمع على هذا الانتخاب الصناعي قرونا عديدة كان نسل الإنسان الأخير، بحكم ناموس الوراثة، سالما من الأمراض. حسن الطوية. ليس فيه ميل إلى الشر. قويّا. ذكي الفؤاد. نابغا في العلوم. التي يتعلمها. كأنه نوع أرقى من الإنسان الحاضر. وكانت أهم طريقة أبدياها للارتقاء المنتظر للبشر في المستقبل، هي طريقة تعدد الزوجات في الحاضر للنابغين من الناس. فإن منع أصحاب الأمراض المزمنة والجناة من الزواج إنما يفيد في تقوية النسل وجعله ميالا بالفطرة إلى الخير ليس إلا، لا في جعله أذكى من آبائه وأسمى مدارك. وتعدد الزوجات للنابغين من المسلمين، قد جاء به الإسلام قبل هذين الفيلسوفين بأكثر من ألف وثلاثمائة سنة. فقد أباح لهم تعددهن إلى
أربع. ليكثر نسلهم، فيكثر عدد النابغين، الذين بهم وحدهم تتم الأعمال الكبيرة في هذه الدنيا. فهو من مكتشفات هذا الدين الاجتماعية. وقد جعل رضاهن بذلك شرطا له لئلا يكون فيه إجحاف بحقوقهن. والعاقلة من النساء تفضل أن تكون زوجة لنابغة من الرجال- وإن كان ذا زوجات أخر- على أن تكون زوجة لرجل أحمق، وإن اقتصر عليها. لأنها تعلم أن أولادها من الأول ينجبون أكثر منهم من الثاني. وأما غير النابغين منهم فإن الدين يمنعهم من نكاح أكثر من واحدة، لئلا يكثر نسلهم. قال الله تعالى في كتابه المبين يخاطب المؤمنين: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً الخطاب في هذه الآية لعموم الأمة. فهي تأذن لكل أحد من المسلمين أن يتزوج بأكثر من واحدة من النساء إلى أربع. إذا آنس من نفسه القدرة على العدل بينهن. وإلا وجب عليه الاقتصار على واحدة لئلا يجور عليهن. والقدرة على العدل بين أربع من النساء، متوقف على عقل كبير وسياسة في الإدارة وحكمة بالغة في المعاملة، لا تتأتى إلا لمن كان نابغة بين الرجال، ذا مكانة من العقل ترفعه على أقرانه. والرجل النابغة، إذا تزوج بأكثر من واحدة، كثر نسله فكثر النوابغ. والشعب الذي يكثر نوابغه أقدر على الغلبة في تنازع البقاء من سائر الشعوب. كما يدلنا عليه التاريخ. ثم خاطب الله، في مكان آخر، الخائفين أن لا يعدلوا بين النساء وهم غير النوابغ من المسلمين، بقوله: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ. فأمرهم في هذه الآية، التي هي في المعنى تتمة للأولى، أن لا يقترنوا بأكثر من واحدة لأنهم في درجة من العقل هي دون درجة النابغين، لن يستطيعوا معها إتيان العدل بين النساء، المتوقف على عقل كبير يسهل لصاحبه أن يرضيهن جمعاء. كما يأتيه النابغون والدهاة من الناس. وحرم على هؤلاء، الذين لم يجوزوا المقدرة على العدل، التزوج بأكثر من واحدة. لئلا يقع الظلم من الرجال على النساء. وهو كثير الصدور من الأوساط ومن كان دونهم في سلم الارتقاء. ولئلا يكثر نسل غير النابغين. وهو الأهم. فتبقى الأمة في مكانها من الانحطاط. وقد تقدم أن الخطاب في قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ في الآية الأولى لعموم الأمة. غير أن الشرط بالعدل جعله خاصّا بالعادلين منهم. وهم النابغون الذين يقتدرون على إتيان العدل بين النساء لوفور عقلهم. والغاية من أمر هذا الصنف من المسلمين أن يتزوجوا بأكثر من واحدة إلى أربع، هو تكثير نسلهم ليستفيد من كثرة أمثالهم المجتمع، كما أسلفنا. ولكن النابغة لا يأتي نسله في الغالب نوابغ، بمجرد تعدد الزوجات. فإن الزوجة المتوسطة أو المنحطة يكون
أولادها في الغالب أوساطا أو منحطين. وإن كان أبوهم راقيا. فلا تحصل الفائدة المطلوبة من تعدد الزوجات وهي إصلاح النسل. بل يجب للحصول على هذا المطلب الأسنى أن يقترن النابغون بالنابغات. ليكون أولادهم مثلهم نبوغا أو أنبغ منهم. بحكم سنة الوراثة. وذلك إنما يتم إذا أحسن النابغون اختيار الأزواج. فنكحوا ما طاب لهم. والنابغة لا يطيب له أن يقترن إلا بمن جمعت نبوغا مثل نبوغه، إلى حسن رائع. فإن معاشرة الحمقاء ليس مما يطيب للعاقل الراقي. وإن الخير يطلب عند حسان الوجوه. ولذلك قال تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ولم يقل وانكحوا من النساء. وفي قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ إشارة إلى مراتب نبوغ الرجل، الثلاث. فكأنه أراد أن لا يتجاوز، الذي قلّ نبوغه، الاقتران باثنتين. وأن لا يتجاوز، الذي نبوغه متوسط، الاقتران بثلاث. وأن يحل، للذي نبوغه أعلى من الأولين، الاقتران بأربع. وأما الخائفون أن لا يعدلوا فيجب أن لا يتجاوزوا الاقتران بواحدة. لأنهم أناس لن يستطيعوا، مع كل حرصهم، أن يعدلوا بين النساء. لقصور عقلهم في سياسة المنزل وعدم نبوغهم. وهناك إنسان نبوغه أكبر من كل نبوغ. هو محمد صلى الله عليه وسلم. الذي اختاره الله لوفور حكمته رسولا منه إلى البشر. قد أحل له أن يقترن بأكثر من أربع لقدرته على العدل بينهن. وأظنك، بعد قراءة ما أوردت، تعترف، إن كنت من المنصفين، أن الإسلام جاء، قبل أكثر من ألف وثلاثمائة عام، بسنّة للزواج، عليها وحدها يتوقف إصلاح نسل البشر، الذي أخذ في هذا القرن أفراد من فلاسفة الغرب يحضّون عليه. تلك السنة هي تعدد الزوجات بعد أن كان الرأي العام في الغرب يعيبه عليها. هذا هو الإسلام يقرر أكبر قاعدة للترقي. وهو إباحة تعدد الزوجات، اللاتي يطبن لوفور جمالهن وعقلهن، لأفراد نابغين من المسلمين. لا يخافون لوفور عقلهم أن لا يعدلوا بينهن. ولكن المسلمين لم يأتمروا بأمر الله. فأباحوا هذا التعدد لكل أحد من المسلمين. للخائفين أن لا يعدلوا. ولغير الخائفين. ففسد النسل. والذي أعان على فساده هو كون القدرة عليه أصبحت، بحكم الجهل، منحصرة في المال الذي يجمعه الغاصب والسارق والكاسب. فكثر نسل الظالمين وقلّ نسل العادلين من أهل العقل الراجح. انتهى كلامه. وهو استنباط بديع.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 4]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 4] وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4) وَآتُوا أي أعطوا النِّساءَ أي اللاتي أمر بنكاحهن صَدُقاتِهِنَّ أي مهورهن (جمع صدقة كسمرة) وهي المهر نِحْلَةً أي عطاء غير مستردّ بحيلة تلجئهن إلى الرد. والنحلة (بكسر النون وضمها، على ما رواه ابن دريد) اسم مصدر ل (نحل) . والمصدر النحل (بالضم) وهو العطاء بلا عوض. والتعبير عن إيتاء المهور بالنحلة، مع كونها واجبة على الأزواج، لإفادة معنى الإيتاء عن كمال الرضا وطيب الخاطر. فائدتان: الأولى- هذا الخطاب إما للأزواج، كما روي عن علقمة والنخعيّ وقتادة، واختاره الزجاج. فإن ما قبله خطاب للناكحين وهم الأزواج. وإما لأولياء النساء. وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئا. ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئا لك النافجة. ومعناه إنك تأخذ مهرها إبلا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه. وقال ابن الأعرابيّ: النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته. فنهى الله تعالى عن ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله. وهذا قول الكلبيّ وأبي صالح. واختيار الفراء وابن قتيبة. الثانية- قال القفال رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة. ويحتمل أن يكون المراد الالتزام. قال تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ [التوبة: 29] . والمعنى حتى يضمنوها ويلتزموها. فعلى هذا الوجه الأول، كان المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن. وعلى التقدير الثاني كان المراد أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلزم. سواء سمي ذلك أو لم يسم. إلا ما خص به الرسول صلى الله عليه وسلم في الموهوبة. ثم قال رحمه الله: ويجوز أن يكون الكلام جامعا للوجهين معا. والله أعلم. فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً الضمير للصدقات. وتذكيره لإجرائه مجرى ذلك. أي فإن أحللن لكم من المهر شيئا بطيبة النفس، جلبا لمودتكم، لا لحياء
تنبيه:
عرض لهن منكم أو من غيركم. ولا لاضطرارهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم. فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً أي فخذوه وتصرفوا فيه تملكا. وتخصيص الأكل بالذكر لأنه معظم وجوه التصرفات المالية. وهنيئا مريئا: صفتان من (هنؤ الطعام ومرؤ) إذا كان سائغا لا تنغيص فيه. وقيل: الهنيء ما أتاك بلا مشقة ولا تبعة. والمريء حميد المغبة. وهما عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة. لأنهن كالرجال في التصرفات والتبرعات. تنبيه: قال بعض المفسرين: للآية ثمرات: منها أنه لا بد في النكاح من صداق. ومنها أنه حق واجب للمرأة كسائر الديون. ومنها أن لها أن تتصرف فيه بما شاءت. ولم تفصل الآية بين أن تقبضه أم لا. ولذا قال بعض الفقهاء: لها بيع مهرها قبل قبضه. ولبعضهم: لا تبيعه حتى تقبضه، كالملك بالشراء. ومنها أنه يسقط عن الزوج بإسقاطها مع طيب نفسها. وقد رأى شريح إقالتها إذا رجعت، واحتج بالآية. روى الشعبيّ أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها إياه. وهي تطلب الرجوع. فقال شريح: رد عليها. فقال الرجل أليس قد قال الله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ؟ فقال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وروي عنه أيضا أقيلها فيما وهبت ولا أقيله. لأنهن يخدعن. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى قضاته: أن النساء يعطين رغبة ورهبة. فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها. نقله الرازيّ. أقول: ما رآه شريح وروي عن عمر، هو الفقه الصحيح والاستنباط البديع. إذ الآية دلت على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط. حيث بني الشرط على طيب النفس. ولم يقل: فإن وهبن لكم، إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيّبة. وبرجوعها يظهر عدم طيب نفسها. وذلك بيّن. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 5] وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ
وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً اعلم أن في الآية وجوها يحتملها النظم الكريم. الأول: أن يراد بالسفهاء اليتامى. كما روي عن سعيد بن جبير. والخطاب حينئذ للأولياء. نهوا أن يؤتوا اليتامى أموالهم مخافة أن يضيعوها لقلة عقولهم. لأن السفيه هو الخفيف الحلم. وإنما أضيفت للأولياء، وهي لليتامى، تنزيلا لاختصاصها بأصحابها منزلة اختصاصها بالأولياء. فكأن أموالهم عين أموالهم. لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسيّ والنسبيّ. مبالغة في حملهم على المحافظة عليها. كما قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: 29] . أي لا يقتل بعضكم بعضا. حيث عبر عن بني نوعهم بأنفسهم، مبالغة في زجرهم عن قتلهم. فكأن قتلهم قتل أنفسهم. وقد أيد ذلك حيث عبر عن جعلها مناطا لمعاش أصحابها بجعلها مناطا لمعاش الأولياء، بقوله تعالى: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً. أي جعلها الله شيئا تقومون وتنتعشون. فلو ضيعتموها لضعتم. وقوله تعالى: وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ أي اجعلوها مكانا لرزقهم وكسوتهم. بأن تتجروا وتتربحوا. حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من صلب المال. وقوله سبحانه: وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً أي كلاما لينا تطيب به نفوسهم. ومنه أن يعدهم عدة جميلة، بأن يقول وليهم: إذا صلحتم ورشدتم، سلمنا إليكم أموالكم. (الوجه الثاني) أن يراد بالسفهاء الناس والصبيان. روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. فالخطاب عام والنهي لكل أحد أن يعمد إلى ما خوّله الله تعالى من المال فيعطيه امرأته وأولاده. ثم ينظر إلى أيديهم. وإنما سماهم سفهاء استخفافا بعقلهم واستهجانا لجعلهم قواما على أنفسهم. قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: لا تعمد إلى مالك ما خوّلك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنتك ثم تنظر إلى ما في أيديهم. ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم. (الوجه الثالث) أن يراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال. فيدخل فيه النساء والصبيان والأيتام وكل من كان موصوفا بهذه الصفة. قال الرازيّ: وهذا القول أولى. لأن التخصيص بغير دليل لا يجوز. قال السيوطيّ في (الإكليل) : في هذه الآية الحجر على السفيه. وأنه لا يمكّن من ماله. وأنه ينفق عليه منه ويكسي، ولا ينفق في التبرعات. وأنه يقال له معروف. ك (إن رشدت دفعنا إليك مالك. وإنما يحتاط لنفعك) .
لطيفة:
واستدل بعموم الآية من قال بالحجر على السفيه البالغ. سواء طرأ عليه أم كان من حين البلوغ. ومن قال بالحجر على من يخدع في البيوع. ومن قال بأن من يتصدق على محجور، وشرط أن يترك في يده، لا يسمع منه في ذلك. لطيفة: في قوله تعالى: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً حث على حفظ الأموال وعدم تضييعها. قال الزمخشريّ: كان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن. ولأن أترك مالا يحاسبني الله عليه، خير من أن أحتاج إلى الناس. وعن سفيان، وكانت له بضاعة يقلبها: لولاها لتمندل بي بنو العباس. وعن غيره (وقيل له: إنها تدنيك من الدنيا) : لأن أدنتني من الدنيا لقد صانتني عنها. وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا. فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه. وربما رأوا رجلا في جنازة، فقالوا له: اذهب إلى دكانك. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 6] وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (6) وَابْتَلُوا الْيَتامى أي اختبروا عقولهم ومعرفتهم بالتصرف حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ أي بأن يحتلموا أو يبلغوا خمس عشرة سنة. لما في الصحيحين «1» عن ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ثم عرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني . قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته هذا الحديث فقال: إن هذا لحدّ بين الصغير والكبير. وكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة. وكذا نبات الشعر الخشن حول العورة، لما رواه الإمام أحمد «2» وأهل السنن عن عطية القرظيّ قال: عرضنا على النبيّ
صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فكان من أنبت قتل. ومن لم ينبت خلّى سبيله. فكنت فيمن لم ينبت. فخلّى سبيلي. قال الترمذي: حسن صحيح. فَإِنْ آنَسْتُمْ أي شاهدتم وتبينتم مِنْهُمْ رُشْداً أي صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم. قاله سعيد بن جبير، وروي عن ابن عباس والحسن وغير واحد من الأئمة فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ أي من غير تأخير. وظاهر الآية الكريمة أن من بلغ غير رشيد إما بالتبذير أو بالعجز أو بالفسق، لا يسلم إليه ماله لأنها مفسدة للمال وَلا تَأْكُلُوها أيها الأولياء إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا أي مسرفين ومبادرين كبرهم. أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم. تفرّطون في إنفاقها وتقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا وَمَنْ كانَ من الأولياء غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ أي يتنزه عن أكل مال اليتيم. فإنه عليه كالميتة والدم. وليقنع بما آتاه الله تعالى من الرزق وَمَنْ كانَ فَقِيراً يمنعه اشتغاله بمال اليتيم عن الكسب. وإهماله يفضي إلى تلفه عليه فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ بقدر حاجته الضرورية وأجرة سعيه وخدمته. كما رواه ابن أبي حاتم عن عائشة حيث قالت: فليأكل بالمعروف بقدر قيامه عليه. ورواه البخاري «1» أيضا. قال ابن كثير: قال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين أجرة مثله. وقد حاجته. وهل يردّ إذا أيسر؟ وجهان: أحدهما لا يرد لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرا. وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعيّ. لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل. وروى الإمام أحمد «2» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ليس لي مال ولي يتيم. فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا. ومن غير أن تقي مالك، (أو قال تفدي مالك بماله) ورواه ابن أبي حاتم ولفظه: كل بالمعروف غير مسرف. ورواه أبو داود والنسائيّ وابن ماجة. وروى ابن حبان في (صحيحه) وابن مردويه في (تفسيره) عن جابر: أن رجلا قال: يا رسول الله! مما أضرب يتيمي؟ قال: مما كنت ضاربا منه ولدك. غير واق مالك بماله. ولا متأثل منه مالا. وروى عبد الرزاق عن الثوريّ عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: جاء أعرابيّ إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاما. وإن لهم إبلا. ولي إبل وأنا أمنح من إبلي فقراء.
فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباها، وتلوط حوضها، وتسعى عليها، فاشرب غير مضرّ بنسل، ولا ناهك في الحلب. ورواه مالك في موطئه «1» . وبهذا القول، وهو عدم أداء البدل، بقول عطاء بن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعيّ وعطية العوفيّ والحسن البصريّ. والوجه الثاني- يردّ. لأن مال اليتيم على الحظر. وإنما أبيح للحاجة. فيردّ بدله. كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة. وقد روى ابن أبي الدنيا عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من هذا المال منزلة وإلى اليتيم. إن استغنيت استعففت. وإن احتجت استقرضت. فإذا أيسرت قضيت. وروى سعيد بن منصور في (سننه) : حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء قال قال لي عمر رضي الله عنه: إنما أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم إن احتجت أخذت منه. فإذا أيسرت رددته. وإن استغنيت استعففت. قال ابن كثير: إسناد صحيح. وروى البيهقيّ عن ابن عباس نحو ذلك. وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس، في قوله: فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ يعني القرض. قال وروي عن عبيدة وأبي العالية وأبي وائل، وسعيد بن جبير (في إحدى الروايات) ومجاهد والضحاك والشعبيّ والسدّيّ نحو ذلك. قال الفخر الرازيّ: وبعض أهل العلم خص هذا الإقراض بأصول الأموال من الذهب والفضة وغيرها. وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال. وهذا قول أبي العالية وغيره. واحتجوا بأن الله تعالى قال: فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ، فحكم في الأموال بدفعها إليهم. انتهى. أقول: الكل محتمل. إذ لا نص من الأصلين على واحد منها. ولا يخفى الورع. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ أي بعد البلوغ والرشد فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ أي عند الدفع بأنهم قبضوها. فإنه أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة. قال السيوطيّ: فيه الأمر بالإشهاد ندبا. وقيل: وجوبا. ويستفاد منه أن القول في الدفع قول الصبيّ، لا الوليّ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 7]
فلا يقبل قوله إلا ببينة. وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً أي كافيا في الشهادة عليكم بالدفع والقبض. أو محاسبا. فلا تخالفوا ما أمركم به. ولا يخفى موقع هذا التذييل هنا. فإن الوصيّ يحاسب على ما في يده. وفيه وعيد لوليّ اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره. لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل إليه ماله. وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمّرنّ على اثنين ولا تولّينّ مال يتيم. «1» ثم ذكر تعالى أحكام المواريث بقول سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 7] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) لِلرِّجالِ أي الأولاد والأقرباء نَصِيبٌ أي حظ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي المتوفون وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أي المال أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً أي مقطوعا واجبا لهم. وإيراد حكم النساء على الاستقلال دون الدرج في تضاعيف أحكام الرجال، بأن يقال للرجال والنساء إلخ للاعتناء بأمرهن، والإشارة من أول الأمر إلى تفاوت ما بين نصيبي الفريقين، والمبالغة في إبطال حكم الجاهلية. فإنهم كانوا لا يورّثون النساء والأطفال. ويقولون، لا يرث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن الحوزة، وحاز الغنيمة. وقد استدل بالآية على توريث ذوي الأرحام لأنهم من الأقربين. وهو استدلال وجيه. ولا حجة لمن حاول دفعه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 8] وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أي قسمة التركة أُولُوا الْقُرْبى ذوو القرابة ممن لا
يرث، قدّمهم لأن إعطاءهم صدقة وصلة وَالْيَتامى الضعفاء بفقد الآباء وَالْمَساكِينُ الضعفاء بفقد ما يكفيهم من المال فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي أعطوهم من الميراث شيئا وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً بتلطيف القول لهم والدعاء لهم بمثل: بارك الله عليكم. قال ابن كثير في هذه الآية: المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون، واليتامى والمساكين، قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتشوق إلى شيء منه، إذا رأوا هذا يأخذ، وهذا يأخذ، وهم يائسون لا يعطون شيئا. فأمر الله تعالى، وهو الرؤوف الرحيم أن يرضخ لهم شيء من الوسط، يكون برّا بهم وصدقة عليهم وإحسانا إليهم وجبرا لكسرهم كما قال الله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [الأنعام: 141] . وذم الذين ينقلون المال خفية، خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة، كما أخبر به عن أصحاب الجنة: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ [القلم: 17] . فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ [القلم: 23- 24] . دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها [محمد صلى الله عليه وسلم: 10] . فمن جحد حق الله عليه عاقبه في أعز ما يملكه. ولهذا جاء في الحديث: ما خالطت الصدقة مالا إلا أفسدته. أي منعها يكون سبب محق ذلك المال بالكلية. انتهى. وقد روى البخاري «1» عن ابن عباس، في الآية قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. وفي لفظ عنه: هي قائمة يعمل بها. وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، في هذه الآية: أنها واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم. وروى عبد الرزاق في (مصنفه) أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية. فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه. وتلا: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى الآية. وأخرج سعيد بن منصور عن يحيى بن يعمر قال: ثلاث آيات مدنيات محكمات ضيّعهن كثير من الناس: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ، وآية الاستئذان: وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ، وقوله: إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى، الآية. وقد ذكر هاهنا كثير من المفسرين آثارا عن بعض السلف بأن هذه الآية منسوخة بآية. الميراث. وهي من الضعف بمكان. ولقد
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 9]
أبعد القائل بالنسخ عن فهم سر الآية فيما ندبت إليه من هذه المكرمة الجليلة. وهي إسعاف من ذكر من المال الموروث، والنفس الأبية تنفر من أن تأخذ المال الجزل، وذو الرحم حاضر محروم، ولا يسعف ولا يساعد. فالآية بينة بنفسها، واضحة في معناها وضوح الشمس في الظهيرة، لا تنسخ أو تقوم الساعة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 9] وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً في الآية وجوه: الأول- أنها أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريّهم الضعاف بعد وفاتهم. الثاني: أنها أمر لمن حضر المريض من العوّاد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم. فلا يتركوه أن يضرّ بهم بصرف المال عنهم: الثالث: أنها أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين، متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا مثلهم. هل يجوّزون حرمانهم؟ الرابع: أنها أمر للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية. كما ثبت في الصحيحين «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله! إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة. أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث. قال: الثلث. والثلث كثير. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لطيفة:
إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. وفي الصحيح «1» عن ابن عباس قال: لو غض الناس إلى الربع؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الثلث: والثلث كثير (أو كبير) . والوجه الأول حكاه ابن جرير من طريق العوفيّ عن ابن عباس. قال ابن كثير: وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلما. ونقل الرازيّ عن القاضي: إن هذا الوجه أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام. فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها. ولا شك أنه من أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود. قال الزمخشريّ: والقول السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى. ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب. ويدعوهم ب (يا بنيّ) ويا ولدي. ومن الجالسين إلى المريض أن يقولوا له، إذا أراد الوصية: لا تسرف في وصيتك فتجحف بأولادك. مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: إنك أن تترك ولدك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس. ومن المتقاسمين ميراثهم أن يلطفوا القول ويجملوه للحاضرين. لطيفة: لا بد من حمل قوله تعالى: (تركوا) على المشارفة: ليصح وقوع (خافوا) خيرا له. ضرورة أنه لا خوف بعد حقيقة الموت وترك الورثة. ونظيره: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [البقرة: 231] . أي شارفن بلوغ الأجل. ولهذا المجاز، في التعبير عن المشارفة على الترك، بالترك، سرّ بديع. وهو التخويف بالحالة التي لا يبقى معها مطمع في الحياة، ولا في الذبّ عن الذرية الضعاف. وهي الحالة التي، وإن كانت من الدنيا، إلا أنها لقربها من الآخرة، ولصوقها بالمفارقة، صارت من حيّزها، ومعبرا عنها بما يعبر به عن الحالة الكائنة بعد المفارقة من الترك. كذا في الانتصاف. تنبيه: قال بعض المفسرين: إنه يجب أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 10]
ويحب لذرية غيره من المؤمنين ما يحب لذريته. وأن على وليّ اليتيم أن لا يؤذي اليتيم. بل يكلمه كما يكلم أولاده بالأدب الحسن والترحيب. ويدعوا اليتيم: يا بنيّ، يا ولدي. وقد جاء في الرقة على الأيتام آثار كثيرة. وفي الآية إشارة إلى إرشاد الآباء، الذي يخشون ترك ذرية ضعاف، بالتقوى في سائر شؤونهم حتى تحفظ أبناؤهم وتغاث بالعناية منه تعالى. ويكون في إشعارها تهديد بضياع أولادهم إن فقدوا تقوى الله تعالى. وإشارة إلى أن تقوى الأصول تحفظ الفروع. وأن الرجال الصالحين يحفظون في ذريتهم الضعاف. كما في آية: وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً [الكهف: 82] ، إلى آخرها. فإن الغلامين حفظا، ببركة صلاح أبيهما، في أنفسهما ومالهما. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 10] إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً أي على وجه الظلم من الورثة، أو أولياء السوء وقضاته، بخلاف أكل الفقير الناظر في أموالهم بقدر أجرته، كما تقدم إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً أي ما يجرّ إلى النار ويؤدّي إليها وَسَيَصْلَوْنَ أي في القيامة سَعِيراً أي نارا مستعرة. روى ابن حبان في (صحيحه) وابن مردويه وابن أبي حاتم عن أبي برزة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا. قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: ألم تر أن الله قال: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً، الآية. لطيفة: قال الزمخشريّ: في بطونهم، أي ملء بطونهم. يقال: أكل فلان في بطنه وفي بعض بطنه. قال الشاعر: كلوا في بعض بطنكمو تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميص قال الناصر: ومثله: قد بدت البغضاء من أفواههم أي شرقوا بها وقالوها بملء أفواههم. ويكون المراد بذكر البطون تصوير الأكل للسامع حتى يتأكد عنده بشاعة
تنبيه:
هذا الجرم بمزيد تصوير. ولأجل تأكيد التشنيع على الظالم لليتيم في ماله، خص الأكل. لأنه أبشع الأحوال التي يتناول مال اليتيم فيها. والله أعلم. تنبيه: روى أبو داود «1» والنسائي والحاكم وغيرهم أنه لما نزلت هذه الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه. فجعل يفضل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى أكله أو يفسد. فاشتد عليهم ذلك. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [البقرة: 220] . الآية. فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه. وقد مضى ذلك في سورة البقرة. قال الرازيّ رحمه الله: ومن الجهال من قال: صارت هذه الآية منسوخة بتلك. وهو بعيد. لأن هذه الآية في المنع من الظلم. وهذا لا يصير منسوخا. بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى، إن كان على سبيل الظلم، فهو من أعظم أبواب الإثم. كما في هذه الآية. وإن كان على سبيل التربية والإحسان، فهو من أعظم أبواب البر، كما في قوله: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ. وقال رحمه الله قبل ذلك: ما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته تعالى وكثرة عفوه وفضله. لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى، بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 11] يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ شروع في تفصيل أحكام المواريث المجملة في
تنبيه:
قوله تعالى لِلرِّجالِ نَصِيبٌ إلخ. قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة، هن آيات علم الفرائض. وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هو كالتفسير لذلك. انتهى. والمعنى: يأمركم الله ويعهد إليكم في شأن ميراث أولادكم بعد موتكم لِلذَّكَرِ أي منهم مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أي نصيبهما اجتماعا وانفرادا. أما الأول فإنه يعدّ كل ذكر بأنثيين. في مثل ابن مع بنتين. وابن ابن مع بنتي ابن. وهكذا في السافلين. فيضعف نصيبه ويأخذ سهمين. كما أن لهما سهمين. وأما الثاني فإن له الكل وهو ضعف نصيب البنت الواحدة. لأنه جعل لها في حال انفرادها النصف. فاقتضى ذلك أن للذكر، عند انفراده، مثلي نصيبها عند انفرادها، وذلك الكامل. فالمذكور هنا ميراث الذكر مطلقا. مجتمعا مع الإناث ومنفردا. كما حققه صاحب (الانتصاف) . تنبيه: قال السيوطيّ: استدل بالآية من قال بدخول أولاد الابن في لفظ (الأولاد) للإجماع على إرثهم، دون أولاد البنت. لطائف: الأولى: وجه الحكمة في تضعيف نصيب الذكر هو احتياجه إلى مؤنة النفقة ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق. فهو إلى المال أحوج. ولأنه لو كمل نصيبها، مع أنها قليلة العقل، كثيرة الشهوة لأتلفته في الشهوات إسرافا. ولأنها قد تنفق على نفسها فقط، وهو على نفسه وزوجته. الثانية: لم يقل: للذكر ضعف نصيب الأنثى، لأن الضعف يصدق على المثلين فصاعدا. فلا يكون نصّا. ولم يقل: للأنثيين مثل حظ الذكر، ولا للأنثى نصف حظ الذكر، تقديما للذكر بإظهار مزيته على الأنثى، ولم يقل: للذكر مثلا نصيب الأنثى، لأنه المثل في المقدار لا يتعدد إلا بتعدد الأشخاص. ولم يعتبر هاهنا. الثالثة: إيثار اسمي (الذكر والأنثى) على ما ذكر أولا من الرجال والنساء، للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين في الاستحقاق، من غير دخل للبلوغ والكبر في ذلك أصلا. كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورّثون الأطفال، كالنساء. الرابعة: استنبط بعضهم من هذه الآية أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة
تنبيه:
بولدها. حيث أوصى الوالدين بأولادهم. فعلم أنه أرحم بهم منهم. كما جاء في الحديث الصحيح «1» وقد رأى امرأة من السبي، فرق بينها وبين ولدها فجعلت تدور على ولدها. فلما وجدته من السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟ قالوا: لا. يا رسول الله. قال: فو الله! لله أرحم بعباده من هذه بولدها . فَإِنْ كُنَّ أي الأولاد. والتأنيث باعتبار الخبر وهو قوله تعالى: نِساءً يعني بنات خلصا ليس معهن ذكر فَوْقَ اثْنَتَيْنِ خبر ثان أو صفة لنساء. أي نساء زائدات على اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ أي المتوفى المدلول عليه بقرينة المقام. تنبيه: ظاهر النظم القرآنيّ أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعدا حيث لا ذكر معهن ولم يسم للبنتين فريضة. وقد اختلف أهل العلم في فريضتهما. فذهب الجمهور إلى أن لهما، إذا انفردتا عن البنين، الثلثين. وذهب ابن عباس إلى أن فريضتهما النصف. احتج الجمهور بالقياس على الأختين. فإن الله سبحانه قال في شأنهما: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ. فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين. كما ألحقوا الأخوات، إذا زدن على اثنتين، بالبنات، في الاشتراك في الثلثين. وقيل: في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين. وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث، كان للابنتين، إذا انفردتا، الثلثان. هكذا احتج بهذه الحجة إسماعيل بن عياش والمبرّد. قال النحاس: وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط. لأن الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين. وأيضا للمخالف أن يقول: إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف. فهذا دليل على أن هذا فرضهما. ويمكن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة النصف إذا انفردت، بقوله: وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ، كان فرض البنتين، إذا انفردتا، فوق فرض الواحدة. وأوجب القياس على الأختين الاقتصار للبنتين على الثلثين. وقيل إن (فوق) زائدة. والمعنى: إن كن نساء اثنتين. كقوله تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [الأنفال: 12] ، أي الأعناق. ورد هذا النحاس وابن عطية. فقالا: هو خطأ. لأن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. قال ابن عطية: ولأن قوله (فوق الأعناق) هو الفصيح وليست (فوق) زائدة بل هي محكمة
المعنى، لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ. كما قال دريد بن الصمة: اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم. فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال. انتهى. وأيضا لو كان لفظ (فوق) زائدا كما قالوا، لقال: فلهما ثلثا ما ترك، ولم يقل: فلهن ثلثا ما ترك. وأوضح ما يحتج به للجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي «1» وابن ماجة وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقيّ في (سننه) عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع. قتل أبوهما معك يوم (أحد) شهيدا. وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا. ولا تنكحان إلّا ولهما مال. فقال: يقضي الله في ذلك. فنزلت آية الميراث. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك. أخرجوه من طرق، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر . قال الترمذيّ: هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل. وقد رواه شريك أيضا عن عبد الله بن محمد بن عقيل من حديثه. كذا في (فتح البيان) وَإِنْ كانَتْ أي المولودة واحِدَةً أي امرأة واحدة ليس معها أخ ولا أخت فَلَهَا النِّصْفُ أي نصف ما ترك. ولم يكمل لها لأنها ناقصة. ولذلك لم يجعل لها الثلثان اللذان هما نصيب الابن معها. ثم ذكر، بعد ميراث الأولاد، ميراث الوالدين فقال: وَلِأَبَوَيْهِ أي الميت. وهو كناية عن غير مذكور. وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه. والمراد بالأبوين الأب والأم. والتثنية على لفظ الأب للتغليب لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ من المال إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ذكر أو أنثى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ للميت وَلَدٌ ذكر أو أنثى وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ
أي ثلث المال مما ترك. والباقي للأب. للذكر مثل حظ الأنثيين. لكن قرر لها الثلث تنزيلا لها منزلة البنت مع الابن، لا منفردة، حطّا لها عن درجتها، لقيام البنت مقام الميت في الجملة. قاله المهايميّ فَإِنْ كانَ لَهُ أي للميت إِخْوَةٌ من الأب والأم. أو من الأب أو من الأم، ذكورا أو إناثا فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ يعني لأم الميت سدس التركة مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ خبر مبتدأ محذوف. أي هذه الفروض المذكورة إنما تقسم للورثة من بعد إنفاذ وصية يوصي بها الميت إلى الثلث. ومن بعد قضاء دين على الميت. وقرئ في (السبع) : يوصي مبنيا للمفعول وللفاعل. قال الحافظ ابن كثير: أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدّين مقدم على الوصية. وروى أحمد والترمذي «1» وابن ماجة وأصحاب التفاسير من حديث ابن إسحاق عن الحارث بن عبد الله الأعور عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إنكم تقرؤون هذه الآية: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية. وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات. الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. ثم قال الترمذيّ: لا نعرفه إلا من حديث الحارث. وقد تكلم فيه بعض أهل العلم. لكن كان حافظا للفرائض، معتنيا بها وبالحساب. فالله أعلم. قال السيوطيّ في (الإكليل) : في الآية أن الميراث إنما يقسم بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا. وفيها مشروعية الوصية. واستدل بتقديمها في الذّكر من قال بتقديمها على الدين في التركة. وأجاب من أخرها بأنها قدمت لئلا يتهاون بها. واستدل بعمومها من أجاز الوصية بما قل أو كثر، ولو استغرق المال. ومن أجازها للوارث والكافر، حربيّا أو ذميّا. واستدل بها من قال: إن الدّين يمنع انتقال التركة إلى ملك الوارث. ومن قال إن دين الحج والزكاة مقدم على الميراث، لعموم قوله: أَوْ دَيْنٍ. انتهى. وقد روى الإمام أحمد وابن ماجة «2» بسند صحيح عن سعد بن الأطول إن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم. وترك عيالا فأردت أن أنفقها على عياله. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: إن أخاك محتبس بدينه فاقض عنه. فقال: يا رسول الله! قد أديت عنه. إلّا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة. قال: فأعطها فإنها محقة.
لطيفة:
لطيفة: (فائدة) وصف الوصية بقوله: يُوصِي بِها، هو الترغيب في الوصية والندب إليها. وإيثار (أو) المفيدة للإباحة في قوله: أو دين، على (الواو) للدلالة على تساويهما في الوجوب. وتقدمهما على القسمة مجموعين أو منفردين. وتقديم الوصية على الدّين، ذكرا مع تأخرها عنه حكما، ما قدمنا من إظهار كمال العناية بتنفيذها، لكونها مظنة التفريط في أدائها، ولاطرّادها. بخلاف الدين- أفاده أبو السعود آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً أي لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم. والمعنى: فرض الله الفرائض، على ما هو، على حكمة. ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم. فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة. والتفاوت في السهام بتفاوت المنافع. وأنتم لا تدرون تفاوتها. فتولى الله ذلك فضلا منه. ولم يكلها إلى اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير. وهذه الجملة اعتراضية مؤكدة لأمر القسمة، وردّ لما كان في الجاهلية. قال السمرقنديّ: ويقال: معنى الآية أن الله تعالى علمكم قسمة المواريث. وأنكم لا تدرون أيهم أقرب موتا فيرث منه الآخر. انتهى. فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ نصبت نصب مصدر مؤكد لفعل محذوف. أي فرض الله ذلك فرضا. أو لقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ. فإنه في معنى: يأمركم ويفرض عليكم إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً أي بالمصالح والرتب حَكِيماً أي في كل ما قضى وقدر. فيدخل فيه بيان أنصباء الذكر والأنثى، دخولا أوليّا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 12] وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ من المال إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ذكر أو أنثى،
لطيفة:
منكم أو من غيركم فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ على نحو ما فصّل فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ من المال. والباقي لباقي الورثة مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ أي من بعد استخراج وصيتهن وقضاء دينهن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ من المال إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ذكر أو أنثى، منهن أو من غيرهن فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ على النحو الذي فصل فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ الكلام فيه كما تقدم. وفي تكرير ذكر الوصية والدين، من الاعتناء بشأنهما، ما لا يخفى. لطيفة: في الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء، لأنه تعالى حيث ذكر الرجال، في هذه الآية، ذكرهم على سبيل المخاطبة. وحيث ذكر النساء ذكرهن على سبيل المغايبة. وأيضا خاطب الله الرجال في هذه الآية سبع مرات. وذكر النساء فيها على سبيل الغيبة أقل من ذلك. وهذا يدل على تفضيل الرجال على النساء، كما فضلوا عليهن في النصيب. كذا يستفاد من الرازيّ. وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ أي تورث كذلك وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أي الإخوة والأخوات من الأم أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ أي من واحد فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم. قال المجد في (القاموس) : الكلالة: من لا ولد له ولا والد. أو ما لم يكن من النسب لحّا. أو من تكلل نسبه بنسبك. كابن العم، وشبهه أو هي الإخوة للأم. أو بنو العلم الأباعد. أو ما خلا الوالد والوالد. أو هي، من العصبة، من ورث منه الإخوة للأم. فهذه سبعة أقوال محكية عن أئمة اللغة. وقال ابن برّي: اعلم أن الكلالة في الأصل هي مصدر (كلّ الميت يكلّ كلّا، وكلالة) فهو كلّ إذا لم يخلف ولدا ولا والدا يرثانه. هذا أصلها. قال: ثم قد تقع الكلالة على العين دون الحدث. فتكون اسما للميت الموروث وإن كانت في الأصل اسما للحدث. على حد قولهم: هذا خلق الله. أي مخلوق الله قال: وجاز أن تكون اسما للوارث على حد قولهم: رجل عدل أي عادل. وماء غور أي غائر. قال: والأول هو اختيار البصريين من أن الكلالة اسم للموروث. قال: وعليه جاء التفسير في الآية، أن الكلالة الذي لم يخلف ولدا ولا والدا. فإذا جعلتها للميت، كان انتصابها في الآية على وجهين: أحدهما- أن تكون خبر (كان) تقديره: وإن كان الموروث كلالة، أي كلّا ليس له ولد ولا والد.
والوجه الثاني- أن يكون انتصابها على الحال من الضمير في (يورث) أي يورث وهو كلالة. وتكون (كان) هي التامة التي ليست مفتقرة إلى خبر. قال: ولا يصح أن تكون الناقصة، كما ذكره الحوفيّ، لأن خبرها لا يكون إلا الكلالة. ولا فائدة في قوله (يورث) . والتقدير: إن وقع أو حضر رجل يموت كلالة، أي يورث وهو كلالة، أي كلّ. وإن جعلتها للحدث دون العين، جاز انتصابها. على ثلاثة أوجه: أحدها- أن يكون انتصابها على المصدر، على تقدير حذف مضاف، تقديره: يورث وراثة كلالة. كما قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك لا عن كلالة. أي ورثتموها وراثة قرب، لا وراثة بعد، وقال عامر بن الطفيل: وما سوّدتني عامر عن كلالة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب ومنه قولهم: هو ابن عمّ كلالة، أي بعيد النسب. فإذا أرادوا القرب قالوا هو ابن عم دنية. والوجه الثاني- أن تكون الكلالة مصدرا واقعا موقع الحال. على حد قولهم: جاء زيد ركضا، أي راكضا. وهو ابن عمي دنية، أي دانيا. وابن عمي كلالة أي بعيدا في النسب. والوجه الثالث- أن تكون خبر (كان) على تقدير حذف مضاف. تقديره: وإن كان الموروث ذا كلالة. قال: فهذه خمسة أوجه في نصب الكلالة. أحدها- أن تكون خبر (كان) والثاني- أن تكون حالا. الثالث- أن تكون مصدرا، على تقدير حذف مضاف. الرابع- أن تكون مصدرا في موضع الحال. الخامس- أن تكون خبر (كان) على تقدير حذف مضاف. فهذا هو الوجه الذي عليه أهل البصرة والعلماء باللغة. أعني أن الكلالة اسم للموروث دون الوارث. قال: وقد أجاز قوم من أهل اللغة، وهم أهل الكوفة، أن تكون الكلالة اسما للوارث. واحتجوا في ذلك بأشياء: منها قراءة الحسن: وإن كان رجل يورث كلالة. (بكسر الراء) . فالكلالة، على ظاهر هذه القراءة، هي ورثة الميت. وهم الإخوة للأم. واحتجوا أيضا بقول جابر أنه قال: يا رسول الله! إنما يرثني كلالة. فإذا ثبت حجة هذا الوجه، كان انتصاب كلالة أيضا على مثل ما انتصبت في الوجه الخامس من الوجه الأول، وهو أن تكون خبر (كان) ويقدر حذف مضاف، ليكون الثاني هو الأول، تقديره: وإن كان رجل يورث ذا كلالة، كما تقول ذا قرابة، ليس فيهم ولد ولا والد. قال: وكذلك إذا جعلته حالا من
تنبيه:
الضمير في (يورث) تقديره: ذا كلالة. قال: وذهب ابن جنيّ، في قراءة من قرأ يورث كلالة ويورّث كلالة، أن مفعولي (يورث ويورّث) محذوفان أي يورث وارثه ماله. قال: فعلى هذا يبقى (كلالة) على حاله الأولى التي ذكرتها. فيكون نصبه على خبر (كان) أو على المصدر. وتكون (الكلالة) للموروث لا للوارث. قال: والظاهر أن الكلالة مصدر يقع على الوارث وعلى الموروث. والمصدر قد يقع للفاعل تارة وللمفعول أخرى. والله أعلم. وقال ابن الأثير: الأب والابن طرفان للرجل. فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه. فسمى ذهاب الطرفين كلالة. وفي الأساس: ومن المجاز كلّ فلان كلالة، إذا لم يكن ولدا ولا والدا. أي كلّ عن بلوغ القرابة المماسة. وقال الأزهريّ: ذكر الله الكلالة في سورة النساء في موضعين: أحدهما- قوله: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ. والموضع الثاني قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ [النساء: 176] . فجعل الكلالة هنا الأخت للأب والأم، والإخوة للأب والأم. فجعل للأخت الواحدة نصف ما ترك الميت وللأختين الثلثين. وللإخوة والأخوات جميع المال بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين. وجعل للأخ والأخت من الأم، وفي الآية الأولى، الثلث. لكل واحد منهما السدس. فبين بسياق الآيتين أن الكلالة تشتمل على الإخوة للأم مرة، ومرة على الإخوة والأخوات للأم والأب. ودل قول الشاعر. أن الأب ليس بكلالة، وأن سائر الأولياء من العصبة بعد الولد كلالة، وهو قوله: فإن أبا المرء أحمى له ... ومولى الكلالة لا يغضب أراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظلم. وموالي الكلالة، وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب. انتهى. وروى ابن جرير وغيره عن الشعبيّ قال: قال أبو بكر رحمة الله عليه: إني قد رأيت في الكلالة رأيا. فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له. وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان. والله بريء منه. أنت الكلالة ما خلا الولد والوالد. تنبيه: اتفق العلماء على المراد من قوله تعالى: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ- الأخ والأخت
لطيفة:
من الأم. وقرأ سعد بن أبي وقاص وغيره من السلف: وله أخ أو أخت من أم. وكذا فسرها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيما رواه قتادة عنه. قال الكرخيّ: القراءة الشاذة كخبر الآحاد. لأنها ليست من قبل الرأي. وأطلق الشافعيّ الاحتجاج بها، فيما حكاه البويطيّ عنه، في باب (الرضاع) وباب (تحريم الجمع) وعليه جمهور أصحابه. لأنها منقولة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ولا يلزم من انتفاء خصوص قرآنيتها، انتفاء خصوص خبريتها. وقال القرطبيّ: أجمع العلماء على أن الإخوة هاهنا هم الإخوة لأم. قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم، أو للأب، ليس ميراثهم هكذا. فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله تعالى: وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ- هم الإخوة لأبوين، أو لأب. لطيفة: إفراد الضمير في قوله تعالى: وَلَهُ أَخٌ. إما لعوده على الميت المفهوم من المقام، أم على واحد منهما، والتذكير للتغليب. أو على الرجل، واكتفى بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ حال من ضمير يُوصى (على قراءته مبنيا للفاعل) أي غير مدخل الضرر على الورثة. كأن يوصي بأكثر من الثلث. ومن فاعل فعل مضمر يدل عليه المذكور (على قراءته مبنيا للمجهول) وتخصيص هذا القيد بهذا المقام، لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم. وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس مرفوعا: الضرار في الوصية من الكبائر. ورواه النسائيّ في (سننه) عن ابن عباس موقوفا. وهو الصحيح كما قال ابن جرير وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ مصدر مؤكد لفعل محذوف. وتنوينه للتفخيم. كقوله: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ. أو منصوب ب (غير مضار) على أنه مفعول به. فإنه اسم فاعل معتمد على ذي الحال. أو منفي معنى. فيعمل في المفعول الصريح. ويعضده القراءة بالإضافة. أي غير مضار لوصية الله وعهده في شأن الورثة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالمضار وغيره حَلِيمٌ لا يعاجل بالعقوبة، فلا يغتر بالإمهال. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 13] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) تِلْكَ الأحكام حُدُودُ اللَّهِ أحكامه وفرائضه المحدودة التي لا تجوز
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 14]
مجاوزتها. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قسمة المواريث وغيرها يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت شجرها ومساكنها خالِدِينَ فِيها لا يموتون ولا يخرجون وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ النجاة الوافرة بالجنة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 14] وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قسمة المواريث وغيرها وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ بتجاوز أحكامه وفرائضه بالميل والجور يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ أي لكونه غيّر ما حكم الله به، وضادّ الله في حكمه. وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به. ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم. وقد روى أبو داود «1» في باب (الإضرار في الوصية) من (سننه) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الرجل ليعمل، أو المرأة، بطاعة الله ستين سنة. ثم يحضرهما الموت فيضارّان في الوصية. فتجب لهما النار . وقرأ أبو هريرة: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ ... حتى بلغ، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. ورواه الترمذيّ وابن ماجة. ورواه الإمام أحمد «2» بسياق أتم ولفظه: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة. فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله، فيدخل النار. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة. فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله. فيدخل الجنة. قال ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شتم: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ. إلى قوله: عَذابٌ مُهِينٌ. ثم بين تعالى بعضا من الأحكام المتعلقة بالنساء، إثر بيان أحكام المواريث بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 15] وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15)
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 16]
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ أي الخصلة البليغة في القبح، وهي الزنى، حال كونهن مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أي فاطلبوا من القاذفين لهن أَرْبَعَةً مِنْكُمْ أي من المسلمين فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بها فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ أي احبسوهن فيها. ولا تمكنوهن من الخروج، صونا لهن عن التعرض بسببه للفاحشة حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أي يستوفي أرواحهن. وفيه تهويل للموت وإبراز له في صورة من يتولى قبض الأرواح وتوفيها. أو يتوفاهن ملائكة الموت أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا أي يشرع لهن حكما خاصّا بهن. ولعل التعبير عنه ب (السبيل) للإيذان بكونه طريقا مسكوكا. قاله أبو السعود. وقد بينت السنة أن الله تعالى أنجز وعده، وجعل لهن سبيلا. وذلك فيما رواه الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت قال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أنزل الوحي كرب له وتربّد وجهه. وإذا سرّي عنه قال: خذوا عني خذوا عني (ثلاث مرار) قد جعل الله لهن سبيلا. الثيب بالثيب، والبكر بالبكر. الثيب جلد مائة والرجم. والبكر جلد مائة ونفي سنة . هذا لفظ الإمام أحمد «1» وكذا رواه أبو داود الطيالسي «2» ولفظه عن عبادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا نزل عليه الوحي، عرف ذلك فيه. فلما نزلت أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وارتفع الوحي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا حذركم قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة. والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 16] وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (16) وَالَّذانِ: بتخفيف النون وتشديدها يَأْتِيانِها أي الفاحشة مِنْكُمْ أي الرجال فَآذُوهُما بالسب والتعيير، ليندما على ما فعلا فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا أي أعمالهما فَأَعْرِضُوا عَنْهُما بقطع الأذية والتوبيخ، وبالإغماض والستر. فإن التوبة والصلاح مما يمنع استحقاق الذم والعقاب إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً أي على من تاب رَحِيماً واسع الرحمة. وهو تعليل للأمر بالإعراض.
تنبيه:
تنبيه: هذا الحكم المذكور في الآيتين منسوخ، بعضه بالكتاب وبعضه بالسنة. قال الإمام الشافعيّ في الرسالة في (أبواب الناسخ والمنسوخ) بعد ذكره هاتين الآيتين [376] : ثم نسخ الله الحبس والأذى في كتابه فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ. [377] فدلت السنة على أن جلد المائة للزانيين البكرين (لحديث عبادة بن الصامت المتقدم) . ثم قال: [380] فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جلد المائة ثابت على البكرين الحرّين، ومنسوخ عن الثيبين. وأن الرجم ثابت على الثيبين الحرين. ثم قال: [381] لأن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام. والثيب بالثيب جلد مائة والرجم- أوّل ما نزل. فنسخ به الحبس والأذى عن الزانيين. [382] فلما رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عزا ولم يجلده، وأمر أنيسا أن يغدو على امرأة الأسلميّ، فإن اعترفت رجمها- دل على نسخ الجلد عن الزانيين الحرين الثيبين. وثبت الرجم عليهما. لأن كل شيء أبدا بعد أول فهو آخر. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 17] إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ استئناف مسوق لبيان أن قبول التوبة من الله تعالى ليس على إطلاقه، كما ينبئ عنه وصفه تعالى بكونه توابا رحيما. بل هو مقيد بما سينطق به النص الكريم. قوله تعالى التَّوْبَةُ مبتدأ وقوله تعالى: لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ خبره. وقوله تعالى: عَلَى اللَّهِ متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار. ومعنى كون التوبة عليه سبحانه، صدور القبول عنه تعالى. وكلمة عَلَى للدلالة على التحقق البتة بحكم سبق الوعد حتى كأنه من الواجبات عليه سبحانه. والمراد بالسوء المعصية، صغيرة أو كبيرة- كذا في أبي السعود. بِجَهالَةٍ متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل يَعْمَلُونَ أي متلبسين بها. أي جاهلين سفهاء. أو ب يَعْمَلُونَ
على أن الباء سببية. أي يعملونه بسبب الجهالة. والمراد بالجهل السفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل. لا عدم العلم. فإن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة: والجهل بهذا المعنى حقيقة واردة في كلام العرب. كقوله: فنجهل فوق جهل الجاهلينا. ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ أي من زمان قريب. وظاهر الآية اشتراط وقوع التوبة عقب المعصية بلا تراخ. وإنها بذلك تنال درجة قبولها المحتم تفضلا. إذ بتأخيرها وتسويفها يدخل في زمرة المصرّين. فيكون في الآية إرشاد إلى المبادرة بالتوبة عقب الذنب. والإنابة إلى المولى بعده فورا. ووجوب التوبة على الفور مما لا يستراب فيه. إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس الإيمان. وهو واجب على الفور. وتتمته في (الإحياء) . إذا عرفت هذا، فما ذكره كثير من المفسرين من أن المراد من قوله تعالى مِنْ قَرِيبٍ ما قبل حضور الموت- بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت إليه. أعني البدار إلى التوبة قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان، عياذا بالله تعالى. (فإن قيل) : من أين يستفاد قبول التوبة قبل حضور الموت؟ (قلنا) يستفاد من الآية التي بعدها، ومن الأحاديث الوافرة في ذلك. لا من قوله تعالى مِنْ قَرِيبٍ بما أولوه. وذلك لأن الآية الثانية وهي قوله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ- صريحة في أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة. فبقي ما وراءه في حيّز القبول. وقد روى الإمام أحمد «1» عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. ورواه ابن ماجة والترمذيّ وقال: حسن غريب. وروى أبو داود «2» الطيالسيّ عن عبد الله بن عمرو قال: من تاب قبل موته بعام تيب عليه. ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه. ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه. (قال أيوب) . فقلت له إنما قال الله عز وجل: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ. فقال: إنما أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى نحوه الإمام أحمد وسعيد بن منصور وابن مردويه. وروى مسلم «3» عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 18]
الله عليه. وروى الحاكم مرفوعا: من تاب إلى الله قبل أن يغرغر قبل الله منه. وروى ابن ماجة عن ابن مسعود بإسناد حسن «1» : التائب من الذنب كمن لا ذنب له: وقوله تعالى: فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي يقبل توبتهم وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 18] وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ عند النزاع قالَ عند مشاهدة ما هو فيه إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فلا ينفعه ذلك ولا يقبل منه وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ فلا ينفعهم ندمهم ولا توبتهم لأنهم بمجرد الموت يعاينون العذاب. روى الإمام أحمد «2» عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يقبل توبة عبده ويغفر لعبده ما لم يقع الحجاب. قيل: يا رسول الله! وما الحجاب؟ قال: أن تموت النفس وهي مشركة . ولهذا قال تعالى: أُولئِكَ أَعْتَدْنا أي أعددنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 19] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً نهي عما كان يفعله أهل الجاهلية بالنساء من الإيذاء والظلم. روى البخاريّ عن ابن عباس رضي الله عنهما «3» قال: كانوا، إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق بامرأته. إن شاء
بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها. فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ. الآية. ورواه أبو داود والنسائيّ وغيرهم، ولفظ أبي داود عن ابن عباس: أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته. فيعضلها حتى تموت، أو ترد إليه صداقها: فأحكم الله عن ذلك. أي نهى عنه. قال السيوطيّ: ففيه أن الحر لا يتصور ملكه ولا دخوله تحت اليد. ولا يجري مجرى الأموال بوجه. وكَرْهاً (بفتح الكاف وضمها) قراءتان. أي حال كونهن كارهات لذلك! أو مكرهات عليه. والتقييد (بالكره) لا يدل على الجواز عند عدمه. لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه. كما في قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء: 31] . وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ الخطاب للأزواج. كما عليه أكثر المفسرين. روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس أن الآية في الرجل تكون له المرأة. وهو كاره لصحبتها. ولها عليه مهر. فيضرها لتفتدي به. والعضل الحبس والتضييق. أي: ولا يحل لكم أن تضيقوا عليهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. أي من الصداق. بأن يدفعن إليكم بعضه اضطرارا فتأخذوه منهن إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ أي زنى. كما قاله جماعة من الصحابة والتابعين. يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتضاجرها حتى تتركه لك، وتخالعها. كما قال تعالى في سورة البقرة: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [البقرة: 229] . الآية. وروي عن ابن عباس أيضا وغيره: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان. واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله: الزنى والعصيان والنشوز وبذاء اللسان وغير ذلك. يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه، ويفارقها. قال ابن كثير: وهذا جيد، والله أعلم. قال أبو السعود: (مبينة) على صيغة الفاعل من (بيّن) بمعنى تبين وقرئ على صيغة المفعول. وعلى صيغة الفاعل من (أبان) بمعنى تبين أي بينة القبح من النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء والسلاطة. ويعضده قراءة أبيّ: إلا أن يفحشن عليكم. انتهى. وفي (الإكليل) استدل قوم بقوله: بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ- على منع الخلق بأكثر مما أعطاها انتهى. ثم بين تعالى حق الصحبة مع الزوجات بقوله: وَعاشِرُوهُنَّ أي صاحبوهن بِالْمَعْرُوفِ أي بالإنصاف في الفعل والإجمال في القول حتى لا تكونوا سبب الزنى بتركهن. أو سبب النشوز أو سوء الخلق. فلا يحل لكم حينئذ.
لطيفة:
قال السيوطيّ في (الإكليل) : في الآية وجوب المعروف من توفية المهر والنفقة والقسم واللين في القول وترك الضرب والإغلاظ بلا ذنب. واستدل بعمومها من أوجب لها الخدمة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ يعني كرهتم الصحبة معهن فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً أي ولعله يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولدا صالحا يكون فيه خير كثير. وبأن ينيلكم الثواب الجزيل في العقبى بالإنفاق عليهن والإحسان إليهن، على خلاف الطبع. وفي (الإكليل) قال الكيا الهراسيّ: في هذه الآية استحباب الإمساك بالمعروف وإن كان على خلاف هوى النفس. وفيها دليل على أن الطلاق مكروه. وقد روى مسلم «1» في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يفرك مؤمن مؤمنة. إن كره منها خلقا رضي منها آخر. (يفرك) بفتح الياء والراء، معناه بغض. لطيفة: قال أبو السعود: ذكر الفعل الأول مع الاستغناء عنه، وانحصار العلّية في الثاني، للتوسل إلى تعميم مفعوله- ليفيد أن ترتيب الخير الكثير من الله تعالى ليس مخصوصا بمكروه دون مكروه. بل هو سنة إلهية جارية على الإطلاق، حسب اقتضاء الحكمة. وإن ما نحن فيه مادة من موادها. وفيه من المبالغة في الحمل على ترك المفارقة وتعميم الإرشاد، ما لا يخفى. تنبيه جليل في الوصية بالنساء والإحسان إليهن: كفى في هذا الباب هذه الآية الجليلة الجامعة. وهي قوله تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. قال ابن كثير: أي طيبوا أقوالكم لهن. وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم. كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله. كما قال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ [البقرة: 228] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي. رواه الترمذيّ عن عائشة، وابن ماجة «2» عن ابن عباس، والطبرانيّ عن معاوية. وقال صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم للنساء. رواه الحاكم عن ابن عباس. وقال صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. ما أكرم النساء إلا
كريم، ولا أهانهن إلا لئيم. رواه ابن عساكر عن عليّ عليه السّلام. وعن عمر بن الأحوص رضي الله عنه أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول، بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه، وذكر ووعظ، ثم قال: «ألا واستوصوا بالنساء خيرا. فإنما هنّ عوان عندكم. ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح. فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا إن لكم على نسائكم حقّا. ولنسائكم عليكم حقا. فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون. ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» . رواه الترمذي «1» وقال: حديث حسن صحيح. وقوله (عوان) أي أسيرات. جمع عانية. وعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبّح ولا تهجر إلا في البيت. رواه أبو داود «2» . وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «3» : «ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، ورميه بقوسه ونبله، ومداعبة أهله» . رواه أبو داود. وفي رواية له: كل شيء يلهو به الرجل باطل، إلا تأديبه فرسه ورميه عن قوسه ومداعبته أهله. قال ابن كثير: وكان من أخلاق النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه. حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، يتودد إليها بذلك. قالت: سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته. وذلك قبل أن أحمل اللحم. ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني.
فقال: هذه بتلك. وكان صلى الله عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها. وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد. يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار. وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام. يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. انتهى. وقال الغزاليّ في (الإحياء) في (آداب المعاشرة وما يجري في دوام النكاح) : الأدب الثاني- حسن الخلق معهن واحتمال الأذى منهن، ترحما عليهن، لقصور عقلهن. قال الله تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ: وقال في تعظيم حقهن: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [النساء: 21] . وقال تعالى: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ [النساء: 36] . قيل: هي المرأة. ثم قال: واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها، والحلم عند طيشها وغضبها، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام، وتهجره الواحدة منهن يوما إلى الليل. وراجعت امرأة عمر عمر رضي الله عنه فقال: أتراجعيني؟ فقالت: إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجعنه، وهو خير منك. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة «1» : «إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت عليّ غضبى. قالت. فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا. ورب محمد! وإذا كنت غضبى قلت: لا. ورب إبراهيم! قالت. قلت: أجل. والله! يا رسول الله! ما أهجر إلا اسمك» . ثم قال الغزالي: الثالث- أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة. فهي التي تطيب قلوب النساء. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال. حتى روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يسابق عائشة في العدو فسبقته يوما وسبقها في بعض الأيام. فقال صلى الله عليه وسلم: هذه بتلك. قال العراقيّ: رواه أبو داود «2» ، والنسائي في (الكبرى) وابن ماجة في حديث عائشة بسند صحيح. وقالت عائشة رضي الله عنها: سمعت أصوات أناس من الحبشة وغيرهم وهم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 20]
يلعبون في يوم عيد. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتحبين أن تري لعبهم؟ قالت. قلت: نعم. فأرسل إليهم فجاؤوا. وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم: بين البابين. فوضع كفه على الباب ووضعت رأسي على منكبه. وجعلوا يلعبون وأنظر. وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حسبك! وأقول: لا تعجل. (مرتين أو ثلاثا) ثم قال: يا عائشة! حسبك. فقلت نعم» . وفي رواية للبخاري «1» قالت: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد. حتى أكون أنا الذي أسأم. فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو . وقال عمر رضي الله عنه: ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبيّ. فإذا التمسوا ما عنده وجد رجلا. وقال لقمان رحمه الله تعالى: ينبغي للعاقل أن يكون في أهله كالصبيّ. وإذا كان في القوم وجد رجلا. وقال صلى الله عليه وسلم «2» لجابر: «هلّا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟» رواه الشيخان . ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت: والله! لقد كان ضحوكا إذا ولج، سكوتا إذا خرج، آكلا ما وجد، غير سائل عما فقد. انتهى بتصرف. ثم نهى تعالى عن أخذ شيء من صداق النساء من أراد فراقهن، بقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 20] وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ أي تزوج امرأة ترغبون فيها مَكانَ زَوْجٍ ترغبون
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 21]
عنها بأن تطلقوها وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ أي إحدى الزوجات. فإن المراد بالزوج الجنس. قِنْطاراً أي مالا كثيرا مهرا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أي يسيرا، فضلا عن الكثير أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً أي باطلا وَإِثْماً مُبِيناً بينا. والاستفهام للإنكار والتوبيخ. أي أتأخذونه باهتين وآثمين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 21] وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ إنكار لأخذه إثر إنكار، وتنفير عنه غب تنفير، على سبيل التعجب. أي بأي وجه تستحلون المهر وَقَدْ أَفْضى أي وصل بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ فأخذ عوضه وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً أي عهدا وثيقا مؤكدا مزيد تأكيد، يعسر معه نقضه. كالثوب الغليظ يعسر شقه. قال الزمخشريّ: الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة. ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه. فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة. فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ انتهى. قال الشهاب الخفاجيّ: قلت بل قالوا: صحبة يوم نسب قريب ... وذمة يعرفها اللبيب أو الميثاق الغليظ ما أوثق الله تعالى عليهم في شأنهم بقوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ. أو قول الوليّ عند العقد: أنكحتك على ما في كتاب الله: من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. تنبيه في فوائد: الأولى- في قوله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً دليل على جواز الإصداق بالمال الجزيل. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن كثرته ثم رجع عن ذلك: كما روى الإمام أحمد «1» عن أبي العجفاء السلميّ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تغلوا صدق النساء. ألا لا تغلوا صدق النساء. فإنها لو كانت
مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبيّ صلى الله عليه وسلم. ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، ولا أصدق امرأة من بناته، أكثر من اثنتي عشرة أوقية. وإن الرجل ليبتلى بصدقة امرأته (وقال مرة: وإن الرجل ليغلي بصدقة امرأته) حتى تكون لها عداوة في نفسه. وحتى يقول: كلفت إليك عرق القربة. ورواه أهل السنن. وقال الترمذيّ: هذا حديث صحيح. وروى أبو يعلى عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس! ما إكثاركم في صدق النساء! وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها. فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال ثم نزل. فاعترضته امرأة من قريش. فقالت: يا أمير المؤمنين! نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم. قال: نعم. فقالت أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأيّ ذلك؟ قالت: أما سمعت الله يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً. الآية. قال فقال: اللهم! غفرا. كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس! إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم. فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلي: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل. إسناده جيّد قويّ. قاله ابن كثير. وفي (الحجة البالغة) ما نصه: لم يضبط النبيّ صلى الله عليه وسلم المهر بحدّ لا يزيد ولا ينقص. إذ العادات في إظهار الاهتمام مختلفة. والرغبات لها مراتب شتى. ولهم في المشاحّة طبقات. فلا يمكن تحديده عليهم. كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء المرغوبة بحد مخصوص. ولذلك قال: التمس ولو خاتما من حديد «1» . غير أنه سن في صداق أزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشّا. أي نصفا، انتهى.
وقد ورد ما يفيد الندب إلى تخفيفه وكراهة المغالاة فيه. أخرج أبو داود والحاكم، وصححه، من حديث عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» : «خير الصداق أيسره» . وفي صحيح مسلم «2» عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئا. قال: قد نظرت إليها. قال: على كم تزوجتها؟ قال على أربع أواق. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: على أربع أواق! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل. ما عندنا ما نعطيك. ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه. قال فبعث بعثا إلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم . الثانية: خص تعالى ذكر من آتى القنطار من المال بالنهي، تنبيها بالأعلى على الأدنى. لأنه إذا كان هذا، على كثير ما بذل لامرأته من الأموال، منهيّا عن استعادة شيء يسير حقير منها، على هذا الوجه، كان من لم يبذل إلا الحقير منهيّا عن استعادته بطريق الأولى. ومعنى قوله وَآتَيْتُمْ والله أعلم: وكنتم آتيتم. إذ إرادة الاستبدال، في ظاهر الأحمر، واقعة بعد إيتاء المال واستقرار الزوجية- كذا في الانتصاف. الثالثة: اتفقوا على أن المهر يستقر بالوطء. واختلفوا في استقراره بالخلوة المجردة. ومنشأ ذلك: أن (أفضى) في قوله تعالى: وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ. يجوز حملها على الجماع كناية، جريا على قانون التنزيل من استعمال الكناية فيما يستحيي من ذكره. والخلوة لا يستحيي من ذكرها فلا تحتاج إلى كناية: ويجوز إبقاؤها على ظاهرها. قال ابن الأعرابيّ: الإفضاء في الحقيقة الانتهاء. ومنه: وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ. أي انتهى وآوى. هذا، والكناية أبلغ وأقرب في هذا المقام. ومما يرجحها أنه تعالى ذكر ذلك في معرض التعجب فقال: وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض. والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة، وهو الجماع، لا مجرد الخلوة. فوجب حمل الإفضاء إليه- ذكره الرازيّ من
وجوه. ثم قال: وقوله تعالى وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ كلمة تعجب. أي لأيّ وجه ولأيّ معنى تفعلون هذا؟ فإنها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذّتك وتمتعك، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئا بذله لها بطيبة نفسه؟ إن هذا لا يليق بمن له طبع سليم وذوق مستقيم. الرابعة: في (الإكليل) استدل بهذه الآية من منع الخلع مطلقا. وقال: إنها ناسخة لآية البقرة. وقال غيره: إن هذه الآية منسوخة بها. وقال آخرون: لا ناسخ ولا منسوخ بل هي في الأخذ بغير طيب نفسها انتهى. أقول: إن القول الثالث متعين. لأن كلّا من آيتي البقرة وهذه في مورد خاص يعلم من مساق النظم الكريم. وذلك لأن قوله في البقرة: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة: 229]- صريح في أن الزوجة إذا كرهت خلق زوجها أو خلقه أو نقص دينه أو خافت إثما بترك حقه، أبيح لها أن تفتدي منه وحلّ له أخذ الفداء مما آتاها، لقوله تعالى ثمّ: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، فَإِنْ خِفْتُمْ [البقرة: 229] إلخ. والحكمة في حل الأخذ ظاهرة. وهي جبر الزوج مما لحقه من ضعة اختلاعها له وهيمنتها حينئذ عليه، واسترداد ما لو أخذ منه، لكان في صورة المظلوم. لأنه لم يجنح للفراق ولا رغب فيه. فكان من العدل الإلهيّ أن لا يجمع عليه بين خسارتي التمتع والمال. وأما هذه الآية فهي في حكم آخر. وهو ما إذا أراد استبدال زوجته لطموح بصره إلى غيرها من غير أن تفتدي منه، أو ترغب في خلع نفسها منه، فيضن بما آتاها ويأسف لأن تحوزه وهو لا يريدها وليس لها في نفسه وقع، فعزم عليه أن لا يأخذ مما أصدقها شيئا قط بعد الإفضاء. لأنه لو أبيح له الأخذ حينئذ لكان ظلما واضحا. لأنه أخذ بلا جريرة منها. فكان في إبقاء ما في يدها مما آتاها جبر لما نابها من ألم الإعراض عنها واطراحها، رحمة منه تعالى، وعدلا في القضيتين. فالقائل بالنسخ فاته سر الحكمين. وليت شعري ماذا يقول في الحديث المرويّ في البخاري «1» وغيره، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت: «أتردّين عليه حديقته!
فقالت: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم لزوجها: اقبل الحديقة وطلقها» . ولا يقال: لعل القائل بنسخ الخلع اعتمد فيه قوله تعالى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ. إلخ. وفيه ما فيه من تهويل الأخذ والتنفير عنه كما أسلفنا. لأنا نقول إن دلائل الأحكام الناسخة أو المنسوخة إنما تؤخذ من الجمل التامة في الأصلين. فلا تؤخذ من شرط بلا جوابه مثلا. وبالعكس. ولا من مبتدأ بدون خبره وبالعكس. ولا من مؤكد بدون مؤكدة. وهكذا. وما نحن فيه لو أخذ عموم تحريم الأخذ من قوله: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ- لكان كالاستدلال من المؤكد بدون ملاحظة مؤكدة. وهذا ساقط. لأنّ قوله: وَكَيْفَ- تنفير عما تقدم، متعلق به. وما قبله خاص. ولو زعم القائل بالنسخ أن قوله: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ، عام في المخلوعة ومن أريد طلاقها- نقول هذا باطل وفاسد. لأن مورد الآية في إرادته، هو فراقها مبتدئا. فلا يصدق على المختلعة. لأنه لا يراد الاستبدال بغيرها ابتداء من جانب الزوج. وبالجملة فكل من قرأ صدر الآيتين على أن كلا في حكم على حدة. لا تعلق فيها له بالآخر. والنسخ لا يصار إليه بالرأي. وقد كثر في المتأخرين دعوى النسخ في الآيات هكذا بلا استناد قويّ. بل لما يتراءى ظاهرا بلا إمعان. فتثبت هذا. وفي الصحيحين «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين، بعد فراغهما من تلاعنهما: «الله يعلم أن أحدكما كاذب. فهل منكما تائب؟ قالها ثلاثا. فقال الرجل: يا رسول الله: مالي؟ يعني ما أصدقها. قال: لا مال لك. إن كنت صدقت فهو بما استحللت من فرجها. وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها» . وفي سنن أبي داود» وغيره، عن بصرة بن أكثم أنه تزوج امرأة بكرا في خدرها. فإذا هي
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 22]
حامل من الزنى. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. فقضى لها بالصداق وفرق بينهما. وأمر بجلدها. وقال: الولد عبد لك، والصداق في مقابلة البضع. ثم بين تعالى من يحرم نكاحهن من النساء، ومن لا يحرم. فقال سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 22] وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (22) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ بنكاح أو ملك يمين. وإن لم يكنّ أمهاتكم إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ أي سوى ما قد مضى في الجاهلية فإنه معفوّ لكم ولا تؤاخذون به إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً أي خصلة قبيحة جدّا، لأنه يشبه نكاح الأمهات وَمَقْتاً أي بغضا عند الله وعند ذوي المروآت. ولذا كانت العرب تسمي هذا النكاح: نكاح المقت. وتسمي ذلك المتزوج، مقتيّا. قاله ابن سيده. وقال الزجاج: المقت أشد البغض. ولما علموا أن ذلك في الجاهلية كان يقال له المقت، أعلموا أنه لم يزل منكرا ممقوتا. وَساءَ سَبِيلًا أي بئس مسلكا. إذ فيه هتك حرمة الأب. وقد روى ابن أبي حاتم أنه لما توفي أبو قيس بن الأسلت، وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه، قيس، امرأته، فقالت: إنما أعدّك ولدا، وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: إن أبا قيس توفي. فقال: خيرا. ثم قالت: إن ابنه قيسا خطبني وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعدّه ولدا. فما ترى؟ فقال لها: ارجعي إلى بيتك. فنزلت: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ . الآية. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين. فأنزل الله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ. وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ [النساء: 23] . لطيفة: قال الرازيّ: مراتب القبح ثلاثة: القبح في العقول وفي الشرائع وفي العادات. فقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً، إشارة إلى القبح العقليّ. وقوله: وَمَقْتاً، إشارة إلى القبح الشرعيّ. وقوله. وَساءَ سَبِيلًا، إشارة إلى القبح في العرف والعادة. ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه، فقد بلغ الغاية في القبح. والله أعلم. قال ابن كثير: فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 23]
لبيت المال. كما رواه الإمام أحمد «1» وأهل السنن، من طرق، عن البراء بن عازب. وفي رواية عن عمه أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، أن يقتله ويأخذ ماله. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 23] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ من النسب أن تنكحوهن. وشملت الجدات من قبل الأب أو الأم وَبَناتُكُمْ من النسب. وشملت بنات الأولاد وإن سفلن وَأَخَواتُكُمْ من أم أو أب أو منهما وَعَمَّاتُكُمْ أي أخوات آبائكم وأجدادكم وَخالاتُكُمْ أي أخوات أمهاتكم وجداتكم وَبَناتُ الْأَخِ من النسب، من أي وجه يكنّ وَبَناتُ الْأُخْتِ من النسب من أي وجه يكنّ. ويدخل في البنات أولادهن وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ قال المهايميّ: لأن الرضاع جزء منها وقد صار جزءا من الرضيع، فصار كأنه جزؤها فأشبهت أصله. انتهى. ويعتبر في الإرضاع أمران: أحدهما القدر الذي يتحقق به هذا المعنى. وقد ورد تقييد مطلقه وبيان مجمله في السنّة بخمس رضعات. لحديث عائشة «2» عند
مسلم وغيره: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن. ثم نسخن بخمس معلومات. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنّ فيما يقرأ من القرآن. والثاني أن يكون الرضاع في أول قيام الهيكل وتشبح صورة الولد. وذلك قبل الفطام. وإلا فهو غذاء بمنزلة سائر الأغذية الكائنة بعد التشبح وقيام الهيكل. كالشاب يأكل الخبز. عن أم سلمة «1» قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام» . رواه الترمذي وصححه. والحاكم أيضا. وأخرج سعيد بن منصور والدّارقطنيّ والبيهقيّ عن ابن عباس مرفوعا: لا رضاع إلا ما كان في الحولين. وصحح البيهقيّ وقفه. قال السيوطيّ في (الإكليل) : واستدل بعموم الآية من حرم برضاع الكبير. انتهى. وقد ورد الرخصة فيه لحاجة تعرض. روى مسلم «2» وغيره عن زينب بنت أم سلمة قالت: قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل عليّ. فقالت عائشة: أما لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ وقالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله! إن سالما يدخل عليّ وهو رجل. وفي نفس أبي حذيفة منه شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضعيه حتى يدخل عليك. وأخرج نحوه البخاريّ من حديث عائشة أيضا. وقد روى هذا الحديث، من الصحابة: أمهات المؤمنين وسهلة بنت سهيل وزينب بنت أم سلمة. ورواه من التابعين جماعة كثيرة. ثم رواه عنهم الجمع الجم. وقد ذهب إلى ذلك عليّ وعائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن علية وداود الظاهريّ وابن حزم. وذهب الجمهور إلى خلاف ذلك. قال ابن القيّم: أخذ طائفة من السلف بهذه الفتوى. منهم عائشة. ولم يأخذ به أكثر أهل العلم. وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم، بما قبل الفطام، وبالصغر، وبالحولين. لوجوه: أحدها- كثرتها وانفراد حديث سالم. الثاني- أن جميع أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم سوى عائشة في شق المنع. الثالث- أنه أحوط. الرابع- أن رضاع الكبير لا ينبت لحما ولا ينشر عظما. فلا يحصل به البعضية التي هي سبب التحريم. الخامس- أنه يحتمل أن هذا كان مختصّا بسالم وحده. ولهذا لم يجئ
لطيفة:
ذلك إلا في قصته. السادس- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» دخل على عائشة وعندها رجل قاعد. فاشتد ذلك عليه وغضب. فقالت: إنه أخي من الرضاعة. فقال: انظرن إخوتكن من الرضاعة. فإنما الرضاعة من المجاعة. متفق عليه. واللفظ لمسلم. وفي قصة سالم مسلك. وهو أن هذا كان موضع حاجة. فإن سالما كان قد تبناه أبو حذيفة ورباه. ولم يكن له منه ومن الدخول على أهله بدّ. فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد، ولعل هذا المسلك أقوى المسالك. وإليه كان شيخنا يجنح. انتهى. يعني تقيّ الدين بن تيمية رضي الله عنهما. وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ. قال الرازيّ: إنه تعالى نص في هذه الآية على حرمة الأمهات والأخوات من جهة الرضاعة. إلا أن الحرمة غير مقصورة عليهن. لأنه صلى الله عليه وسلم قال «2» : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» . وإنما عرفنا أن الأمر كذلك بدلالة هذه الآيات. وذلك لأنه تعالى لما سمى المرضعة أما، والمرضعة أختا، فقد نبه بذلك على أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب. وذلك لأنه تعالى حرم بسبب النسب سبعا: اثنتان منها هما المنتسبتان بطريق الولادة، وهما الأمهات والبنات. وخمس منها بطريق الأخوة، وهن الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. ثم إنه تعالى لما شرع بعد ذلك في أحوال الرضاع، ذكر من هذين القسمين صورة واحدة تنبيها بها على الباقي. فذكر من قسم قرابة الولادة، الأمهات. ومن قسم قرابة الأخوة، الأخوات. ونبه بذكر هذين المثالين، من هذين القسمين، على أن الحال في باب الرضاع كالحال في النسب. ثم إنه صلى الله عليه وسلم أكد هذا البيان بصريح قوله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. فصار صريح الحديث مطابقا لمفهوم الآية. وهذا بيان لطيف. انتهى. لطيفة: تعرض بعض المفسرين في هذا المقام لفروع فقهية مسندها مجرد الأقيسة.
تنبيهات:
قال الرازي: من تكلم في أحكام القرآن وجب أن لا يذكر إلا ما يستنبطه من الآية. فأما ما سوى ذلك فإنما يليق بكتب الفقه وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أي أصول أزواجكم وَرَبائِبُكُمُ جمع ربيبة، بمعنى مربوبة. قال الأزهريّ: ربيبة الرجل بنت امرأته من غيره. انتهى. سميت بذلك لأنه يربّها غالبا، كما يربّ ولده اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ جمع حجر (بفتح أوله وكسره) أي في تربيتكم. يقال فلان في حجر فلان، إذا كان في تربيته. والسبب في هذه الاستعارة أن كل من ربي طفلا أجلسه في حجره، فصار الحجر عبارة عن التربية. وسر تحريمهن كونهن حينئذ يشبهن البنات إلا أنه إنما يتحقق الشبه إذا كن مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ لأنهن حينئذ بنات موطوءاتكم، كبنات الصلب. والدخول بهن كناية عن الجماع. كقولهم: بنى عليها، وضرب عليها الحجاب. أي أدخلتموهن الستر. والباء للتعدية فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أي فلا حرج عليكم في أن تتزوجوا بناتهن إذا فارقتموهن أو متن. تنبيهات: (الأول) ذهب بعض السلف إلى أن قيد الدخول في قوله تعالى: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ- راجع إلى الأمهات والربائب. فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها. لقوله: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ. وروى ابن جرير عن علي رضي الله في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها: أيتزوج بأمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة . وروي أيضا عن زيد بن ثابت وعبد الله ابن الزبير ومجاهد وابن جبير وابن عباس. وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد ابن محمد بن الصابونيّ، فيما نقله الرافعيّ عن العباديّ. وقد روي عن ابن مسعود مثله، ثم رجع عنه. وتوقف فيه معاوية. وذلك فيما رواه ابن المنذر عن بكر بن كنانة أن أباه أنكحه امرأة بالطائف. قال: فلم أجامعها حتى توفي عمي عن أمها. وأمها ذات مال كثير. فقال أبي: هل لك في أمها؟ قال فسألت ابن عباس وأخبرته. فقال: انكح أمها. قال وسألت ابن عمر فقال: لا تنكحها. فأخبرت أبي بما قالا، فكتب إلى معاوية. فأخبره بما قالا. فكتب معاوية: إني لا أحل ما حرم الله. ولا أحرم ما أحل الله. وأنت وذاك. والنساء سواها كثير. فلم ينه ولم يأذن لي، فانصرف أبي عن أمها فلم ينكحنيها.
وذهب الجمهور إلى أن الأم تحرم بالعقد على البنت ولا تحرم البنت إلا بالدخول بالأم، قالوا: الاشتراط إنما هو في أمهات الربائب. وروي في ذلك عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما رجل نكح امرأة فلا يحل له نكاح ابنتها. وإن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها. وأيما رجل نكح امرأة فلا يحل له أن ينكح أمها. دخل بها أو لم يدخل. أخرجه الترمذي «1» . قال الحافظ ابن كثير: هذا الخبر غريب، وفي إسناده نظر. وقال الزجاج: قد جعل بعض العلماء اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وصفا للنساء المتقدمة والمتأخرة. وليس كذلك. لأن الوصف الواحد لا يقع على موصوفين مختلفي العامل. وهذا، لأنّ النساء الأولى مجرورة بالإضافة. والثانية ب (من) ولا يجوز أن تقول: مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن تكون الظريفات نعتا لهؤلاء النساء ولهؤلاء النساء. قال الناصر في (الانتصاف) : والقول المشهور عن الجمهور، إبهام تحريم أم المرأة، وتقييد تحريم الربيبة بدخول الأم. كما هو ظاهر الآية. ولهذا الفرق سر وحكمة. وذلك لأن المتزوج بابنة المرأة لا يخلو بعد العقد وقبل الدخول من محاورة بينه وبين أمها، ومخاطبات ومسارّات. فكانت الحاجة داعية إلى تنجيز التحريم ليقطع شوقه من الأم فيعاملها معاملة ذوات المحارم. ولا كذلك العاقد على الأم فإنه بعيد عن مخاطبة بنتها قبل الدخول بالأم. فلم تدع الحاجة إلى تعجيل نشر الحرمة. وأما إذا وقع الدخول بالأم فقد وجدت مظنة خلطة الربيبة. فحينئذ تدعو الحاجة إلى نشر الحرمة بينهما. والله أعلم. الثاني- استدل بقوله تعالى: اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ من لم يحرم نكاح الربيبة الكبيرة والتي لم يربّها. روى ابن أبي حاتم عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي. فوجدت عليها. فلقيني علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: مالك:؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال: لها ابنة؟ قلت: نعم.
وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا. هي بالطائف. قال: فانكحها. قلت: فأين قول الله وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ قال: إنها لم تكن في حجرك. إنما ذلك إذا كانت في حجرك؟. قال الحافظ ابن كثير: إسناده قويّ ثابت إلى عليّ بن أبي طالب، على شرط مسلم. وإلى هذا ذهب الأمام داود بن عليّ الظاهريّ وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعيّ عن مالك رحمه الله تعالى. واختاره ابن حزم. والجمهور على تحريم الربيبة مطلقا. سواء كانت في حجر الرجل أم لم تكن. قالوا: والخطاب في قوله اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ خرج مخرج الغالب. فإن شأنهن الغالب المعتاد أن يكنّ في حضانة أمهاتهن تحت حماية أزواجهن. ولم يرد كونهن كذلك بالفعل. وفائدة وصفهن بذلك تقوية علة الحرمة وتكميلها. كما أنها النكتة في إيرادهن باسم الربائب دون بنات النساء. فإن كونهن بصدد احتضانهم لهن، وفي شرف التقلب في حجورهم، وتحت حمايتهم وتربيتهم، مما يقوي الملابسة والشبه بينهن وبين أولادهم. ويستدعي إجراءهن مجرى بناتهم. لا تقييد الحرمة بكونهن في حجورهم بالفعل- كذا قرره أبو السعود-. وفي (الانتصاف) : إن فائدة وصفهن بذلك، هو تخصيص أعلى صور المنهيّ عنه، بالنهي. فإن النهي عن نكاح الربيبة المدخول بأمها عام. في جميع الصور. سواء كانت في حجر الزوج أو بائنة عنه في البلاد القاصية. ولكن نكاحه لها وهي في حجره أقبح الصور. والطبع عنها أنفر. فخصت بالنهي لتساعد الجبلة على الانقياد لأحكام الملة. ثم يكون ذلك تدريبا وتدريجا إلى استقباح المحرم في جميع صوره. والله أعلم. وفي الصحيحين «1» أن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله! انكح أختي بنت أبي سفيان (وفي لفظ لمسلم: عزة بنت أبي سفيان) فقال: أو تحبين ذلك؟ قالت: نعم. لست لك بمخلية. وأحبّ من شاركني في خير أختي. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: إن ذلك لا يحل لي. قلت: فإنا نحدّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: بنت أم سلمة؟ قلت: نعم. فقال: لو أنها لو لم تكن ربيبتي في حجري، ما حلت لي. إنها لابنة أخي من الرضاعة. أرضعتني وأبا سلمة ثويبة. فلا تعرضن
عليّ بناتكن ولا أخواتكن. (وفي رواية للبخاري: لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي) . قال ابن كثير: فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة. وحكم بالتحريم بذلك. الثالث- اشتهر أن المراد من الدخول في قوله تعالى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ معناه الكنائيّ. وهو الجماع، لأنه أسلوب الكتاب العزيز في نظائره بلاغة وأدبا. ولذا فسره به ابن عباس وغير واحد. فمدلول الآية صريح حينئذ في كون الحرمة مشروطة بالجماع. فلا تتناول غيره من اللمس والتقبيل والنظر لمتاعها. ومن أثبت تحريم الربيبة بذلك لحظ أن معنى الدخول أوسع من الجماع. لأنه يقال: دخل بها، إذا أمسكها وأدخلها البيت. وفي (فتح البيان) : الذي ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الخلاف، هو النظر في معنى الدخول شرعا أو لغة. فإن كان خاصا بالجماع فلا وجه لإلحاق غيره به، من لمس أو نظر أو غيرهما. وإن كان معناه أوسع من الجماع بحيث يصدق على ما حصل فيه نوع استمتاع كل مناط التحريم هو ذلك. انتهى. و (في شرح القاموس للزبيديّ) : ودخل بامرأته كناية عن الجماع. وغلب استعماله في الوطء الحلال. والمرأة مدخول بها. قلت: ومنه الدخلة، لليلة الزفاف. انتهى. وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ أي موطوآت فروعكم بنكاح أو ملك يمين. جمع حليلة. سميت بذلك لحلها للزوج. وقوله تعالى: الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ لإخراج الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية. كما قال تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ [الأحزاب: 37] . وقال تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [الأحزاب: 4] . فالسر في التقييد هو إحلال حليلة المتبنّى، ردّا لمزاعم الجاهلية، لا إحلال حليلة الابن من الرضاع وأبناء الأبناء. كأنه قيل: بخلاف من تبنيتموهم، فلكم نكاح حلائلهم. وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ في حيّز الرفع، عطفا على ما قبله من المحرمات. أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين في الوطء بنكاح أو ملك يمين من نسب أو رضاع، لما فيه من قطيعة الرحم إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ في الجاهلية فإنه معفوّ عنه إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً تعليل لما أفاده الاستثناء.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 24]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 24] وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (24) وَالْمُحْصَناتُ أي وحرمت عليكم المزوجات مِنَ النِّساءِ حرائم وإماء، مسلمات، أو لا. لئلا تختلط المياه فيضيع النسب إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي من اللائي سبين ولهن أزواج في دار الكفر. فهن حلال لغزاة المسلمين، وإن كن محصنات. لأن السبي لهن يرفع نكاحهن ويفيد الحل بعد الاستبراء. روى الإمام أحمد ومسلم «1» وأبو داود والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجة عن أبي سعيد الخدريّ قال: أصبنا سبايا من سبي أوطاس. ولهن أزواج. فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج. فسألنا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فاستحللنا فروجهن. تنبيه: استدل بعموم الآية من قال: إن انتقال الملك ببيع أو إرث أو غير ذلك يقطع النكاح. عن ابن مسعود قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها. وعنه: بيع الأمة طلاقها. وروي ذلك أيضا عن أبيّ بن كعب وجابر وابن عباس رضي الله عنهم قالوا: بيعها طلاقها. وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: طلاق الأمة ست: بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها. كذا قرأته في تفسير ابن كثير. ولا يخفى أن المعدود خمسة. ولعل السادس
فائدة:
بيع زوجها. حيث قال بعد ذلك: وروى عوف عن الحسن بيع الأمة طلاقها وبيعه طلاقها. فهذا قول هؤلاء من السلف. وحجتهم عموم الاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ والجمهور على أن بيع الأمة ليس طلاقها لها. واحتجوا بحديث بريرة المخرّج في الصحيحين «1» وغيرهما. فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث. بل خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، وقصتها مشهورة. فلو كان بيع الأمة طلاقها لما خيرت. وتخييرها دال على أن المراد من الآية المسبيات فقط. وبالجملة، فالجمهور قصروا الآية على السبب الذي نزلت فيه. قال الرازيّ: وهو يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. أي وهو مقبول ومعمول به في غير ما موضع. كنصاب السرقة. وفي التنبيه الآتي زيادة لهذا فتأثره. فائدة: اتفق القراء على فتح الصاد في الْمُحْصَناتُ هنا. ويقرأ بالفتح والكسر في غير هذا الموضع. وكلاهما مشهور. فالفتح على أنهن أحصنّ بالأزواج أو بالإسلام. والكسر على أنهن أحصن فروجهن أو أزواجهن. واشتقاق الكلمة من الإحصان وهو المنع كِتابَ اللَّهِ مصدر مؤكد. أي كتب الله عَلَيْكُمْ تحريم هؤلاء كتابا وفرضه فرضا، فالزموا كتابه ولا تخرجوا عن حدوده وشرعه وَأُحِلَّ لَكُمْ عطف على حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ إشارة إلى ما ذكر من المحرمات المعدودة. أي أحل لكم نكاح ما سواهن أَنْ تَبْتَغُوا مفعول له. أي أحل لكم إرادة أن تبتغوا. أو بدل من (ما) أي ابتغاء النساء بِأَمْوالِكُمْ أي يصرفها إلى مهورهن مُحْصِنِينَ حال من فاعل (تبتغوا) والإحصان: العفة، وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم غَيْرَ مُسافِحِينَ غير زانين، والسفاح الزنى والفجور. من السفح وهو الصبّ. لأنه لا غرض للزاني إلّا سفح النطفة. وكان أهل الجاهلية، إذا خطب الرجل المرأة، قال: انكحيني. فإذا أراد الزنى قال: سافحيني. قال الزجاج: المسافحة أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح.
تنبيه:
تنبيه: قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ- عام مخصوص بمحرمات أخر دلت عليها دلائل أخر. فمن ذلك، ما صح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها. وقد حكى الترمذيّ المنع من ذلك عن كافة أهل العلم. وقال: لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك. ومن ذلك، نكاح المعتدة. ومن ذلك، أن من كان في نكاحه حرة، لا يجوز له نكاح الأمة. ومن ذلك، القادر على الحرة لا يجوز له نكاح الأمة. ومن ذلك، من عنده أربع زوجات لا يجوز له نكاح خامسة. ومن ذلك، الملاعنة فإنها محرمة على الملاعن أبدا. فالآية مما نزل عامّا ودلت السنة ومواضع من التنزيل على أنها مخصصة بغيرها. قال الإمام الشافعيّ في الرسالة: [244] فرض الله عز وجل على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم. [245] فقال في كتابه: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. [250] وقال: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً. في آيات نظائرها. قال الشافعيّ: [252] فذكر الله عز وجل الكتاب وهو القرآن: وذكر الحكمة. فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. [253] وهذا يشبه ما قال. والله أعلم. [254] لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله جل ثناؤه منّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز، والله أعلم، أن يقال: الحكمة هاهنا إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. [255] وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحتّم على الناس اتباع أمره- فلا يجوز أن يقال لقول: فرض، إلا لكتاب الله ثم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. [256] لما وصفنا من أن الله تعالى جل ثناؤه جعل الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم مقرونا بالإيمان به.
[257] وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينة عن الله عز وجل معنى ما أراد- دليلا على خاصه وعامه. ثم قرن الحكمة بها بكتابه، فأتبعها إياه. ولم يجعل هذا لأحد من خلقه، غير رسوله صلى الله عليه وسلم. انتهى. وإنما أوردنا هذا تزييفا لزعم الخوارج أن حديث (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) «1» المرويّ في الصحيحين وغيرهما، خبر واحد. وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز. كما نقله عنهم الرازيّ. وأورد من حججهم أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة. وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة. فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن. فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى. وأنه لا يجوز. انتهى. وقد توسع الرازيّ هنا في الجواب عن شبهتهم. ومما قيل فيه: إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها مأخوذ من قوله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ. قال العلامة أبو السعود: ويشترك في هذا الحكم الجمع بين المرأة وعمتها ونظائرها. فإن مدار حرمة الجمع بين الأختين إفضاؤه إلى قطع ما أمر الله بوصله. وذلك متحقق في الجمع بين هؤلاء. بل أولى. فإن العمة والخالة بمنزلة الأم. فقوله صلى الله عليه وسلم: لا تنكح المرأة. إلخ، من قبيل بيان التفسير. لا بيان التغيير. وقيل: هو مشهور يجوز به الزيادة على الكتاب. وقال أيضا: ولعل إيثار اسم الإشارة (يعني في قوله: ما وَراءَ ذلِكُمْ) المتعرض لوصف المشار إليه وعنوانه، على الضمير المتعرض للذات فقط- لتذكير ما في كل واحدة منهن من العنوان الذي عليه يدور حكم الحرمة. فيفهم مشاركة من في معناهن لهن فيها بطريق الدلالة. فإن حرمة الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، ليست بطريق العبارة، بل بطريق الدلالة، كما سلف. انتهى. وفي (تنوير الاقتباس) : ويقال في قوله تعالى: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ أن تطلبوا بأموالكم تزوجهن وهي المتعة. وقد نسخت الآن. انتهى. وسيأتي الكلام على ذلك.
تنبيه:
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أي من تمتعتم به من المنكوحات بالجماع فَآتُوهُنَّ فأعطوهن أُجُورَهُنَّ مهورهن كاملة فَرِيضَةً أي من الله عليكم أن تعطوا المهر تامّا. وفَرِيضَةً حال من الأجور. بمعنى مفروضة. أو نعت لمصدر محذوف. أي إيتاء مفروضا. أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ لا حرج عليكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ أنتم وهن مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ أي من حطها أو بعضها أو زيادة عليها بالتراضي إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً فيما شرع من الأحكام. تنبيه: حمل قوم الآية على نكاح المتعة. قالوا: معنى وقوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أي فمن جامعتموهن ممن نكحتموهن نكاح المتعة، فآتوهن أجورهن. قال الحافظ ابن كثير: وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة. ولا شك أنه كان مشروعا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة. وهو رواية عن الإمام أحمد. وكان ابن عباس وأبيّ بن كعب وسعيد بن جبير والسدّيّ يقرءون: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، فآتوهن أجورهن فريضة. وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة. ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في الصحيحين «1» عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. وفي صحيح مسلم «2» عن الربيع بن سبرة الجهنيّ عن أبيه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس! إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء. وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليخلّ سبيله. ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» . انتهى. وفي (الكشاف) : قيل نزلت هذه الآية في المتعة. كان الرجل نكح المرأة وقتا معلوما. ليلة أو ليلتين أو أسبوعا. بثبوت أو غير ذلك. ويقضي منها وطره ثم يسرحها. وسميت متعة لاستمتاعه بها، أو لتمتيعه لها بما يعطيها. وقال الخفاجي: روي أن سعيد بن جبير قال لابن عباس رضي الله عنهما: أتدري ما صنعت بفتواك؟ قال سارت بها الركبان وقيل فيها الشعر. كقوله:
قد قلت للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس؟ هل لك في رخصة الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى مصدر الناس؟ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. والله! ما بهذا أفتيت ولا أحللت، إلا مثل ما أحل الله الميتة والدم. وقال الإمام شمس الدين بن القيّم رضوان الله عليه في (زاد المعاد) في الكلام على ما في غزوة الفتح من الفقه، ما نصه: ومما وقع في هذه الغزوة إباحة متعة النساء. ثم حرمها صلى الله عليه وسلم قبل خروجه من مكة. واختلف في الوقت الذي حرمت فيه المتعة على أربعة أقوال: أحدها- إنه يوم خيبر. وهذا قول طائفة من العلماء. منهم الشافعيّ وغيره. والثاني- إنه عام فتح مكة. وهذا قول ابن عيينة وطائفة. والثالث- إنه عام حنين. وهذا في الحقيقة هو القول الثاني- لاتصال غزاة حنين بالفتح. والرابع- إنه عام حجة الوداع. وهو وهم من بعض الرواة. سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوداع. وسفر الوهم من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن واقعة إلى واقعة، كثيرا ما يعرض للحفاظ فمن دونهم. والصحيح أن المتعة إنما حرمت عام الفتح. لأنه قد ثبت في صحيح مسلم «1» أنهم استمتعوا عام الفتح مع النبيّ صلى الله عليه وسلم بإذنه. ولو كان التحريم زمن خيبر لزم النسخ مرتين. وهذا لا عهدة بمثله في الشريعة البتة. ولا يقع مثله فيها. وأيضا، فإن خيبر لم يكن فيها مسلمات. وإنما كن يهوديات. وإباحة نساء أهل الكتاب لم تكن ثبتت بعد. إنما أبحن بعد ذلك في سورة المائدة بقوله: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ، وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: 5] . وهذا متصل بقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. [المائدة: 3] . وبقوله: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ. وهذا كان في آخر الأمر بعد حجة الوداع، أو فيها. فلم تكن إباحة نساء أهل الكتاب ثابتة من خيبر. ولا كان للمسلمين رغبة في الاستمتاع. ونساء عدوهم قبل الفتح وبعد الفتح، استرق من استرق منهم وصرن إماء المسلمين. فإن قيل: فما تصنعون بما ثبت في الصحيحين من حديث عليّ بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء.
يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية؟ وهذا صحيح صريح. قيل: هذا الحديث قد صحت روايته بلفظين: هذا أحدهما. والثاني الاقتصار على نهي النبيّ صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، هذه رواية ابن عيينة عن الزهريّ. قال: قال قاسم بن أصبغ: قال سفيان بن عيينة: يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر لا عن نكاح المتعة. ذكره أبو عمر في (التمهيد) ثم قال: على هذا أكثر الناس. انتهى، فتوهم بعض الرواة أن (يوم خيبر) ظرف لتحريمهن فرواه: حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعة زمن خيبر والحمر الأهلية. واقتصر بعضهم على رواية بعض الحديث فقال: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعة زمن خيبر. فجاء بالغلط البيّن. فإن قيل: فأي فائدة في الجمع بين التحريمين إذا لم يكونا قد وقعا في وقت واحد؟ وأين المتعة من تحريم الخمر؟ قيل: هذا الحديث رواه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه محتجا به على ابن عمه، عبد الله بن عباس في المسألتين. فإنه كان يبيح المتعة ولحوم الحمر. فناظره عليّ بن أبي طالب في المسألتين وروى له التحريمين. وقيد تحريم الحمر زمن خيبر. وأطلق تحريم المتعة وقال: إنك امرؤ تائه. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم المتعة وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. كما قاله سفيان بن عيينة. وعليه أكثر الناس. فروى الأمرين محتجا عليه بهما، لا مقيدا لهما بيوم خيبر. والله الموفق. ولكن هاهنا نظر آخر. وهو إنه هل حرمها تحريم الفواحش التي لا تباح بحال، أو حرمها عند الاستغناء عنها وأباحها للمضطر؟ هذا هو الذي نظر فيه ابن عباس وقال: أنا أبحتها للمضطر كالميتة والدم. فلما توسع فيها من توسع ولم يقف عند الضرورة، أمسك ابن عباس عن الإفتاء بحلّها ورجع عنه: وقد كان ابن مسعود يرى إباحتها ويقرأ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة: 87] . ففي الصحيحين «1» عنه: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم. وليس لنا نساء فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب ثم قرأ عبد الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة: 87] . وقراءة عبد الله الآية عقيب هذا الحديث تحتمل أمرين: أحدهما- الرد على من يحرمها وأنها لو لم
تكن من الطيبات لما أباحها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني- أن يكون أراد آخر هذه الآية وهو الرد على من أباحها مطلقا، وأنه معتد. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما رخص فيها للضرورة عند الحاجة في الغزو، وعند عدم النساء وشدة الحاجة إلى المرأة. فمن رخص فيها في الحضر مع كثرة النساء وإمكان النكاح المعتاد فقد اعتدى والله لا يحب المعتدين. فإن قيل: فما تصنعون بما روى مسلم في صحيحه من حديث جابر وسلمة بن الأكوع قالا: خرج علينا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذن لكم أن تستمتعوا (يعني متعة النساء) قيل: هذا كان زمن الفتح قبل التحريم ثم حرمها بعد ذلك بدليل ما رواه مسلم «1» في صحيحه عن سلمة بن الأكوع قال: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عام أوطاس، في المتعة ثلاثا. ثم نهى عنها . وعام أوطاس هو وعام الفتح واحد. لأن غزاة أوطاس متصلة بفتح مكة. فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه «2» عن جابر بن عبد الله قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق، الأيام، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر. حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث. وفيما ثبت عن عمر أنه قال «3» : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا أنهي عنهما: متعة النساء ومتعة الحج؟ قيل: الناس في هذا طائفتان: طائفة تقول: إن عمر هو الذي حرمها ونهى عنها. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع ما سنه الخلفاء الراشدون. ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح. فإنه من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده. وقد تكلم فيه ابن معين. ولم ير البخاريّ إخراج حديثه في صحيحه مع شدة الحاجة إليه، وكونه أصلا من أصول الإسلام. ولو صح عنده لم يصبر عن إخراجه أو الاحتجاج به. قالوا: ولو صح حديث سبرة لم يخف على ابن مسعود حتى يروي أنهم فعلوها ويحتج بالآية. قالوا أيضا: ولو صح لم يقل عمر: إنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنها وأعاقب عليها. بل كان يقول: إنه صلى الله عليه وسلم حرمها ونهى عنها.
قالوا: ولو صح لم يفعل على عهد الصديق، وهو عهد خلافة النبوة حقّا. والطائفة الثانية رأت صحة حديث سبرة. ولو لم يصح فقد صح حديث عليّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم متعة النساء. فوجب حمل حديث جابر على أن الذي أخبر عنه بفعلها لم يبلغه التحريم، ولم يكن قد اشتهر حتى كان زمن عمر رضي الله عنه. فلما وقع فيها ظهر واشتهر. وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة فيها، وبالله التوفيق. انتهى. هذا، والذين حملوا الآية على بيان حكم النكاح قالوا: المراد من قوله تعالى وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ إلخ أنه إذا كان المهر مقدرا بمقدار معين فلا حرج في أن تحط عنه شيئا من المهر، أو تبرئه عنه بالكلية، بالتراضي، كما تقدم. وهو كقوله تعالى فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً وقوله إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ. وقد روى ابن جرير عن حضرميّ أن رجلا كانوا يقرضون المهر. ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة. فقال الله وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إلخ. يعني إن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ. وأما الذين حملوا الآية على بيان المتعة، قالوا: المراد من نفي الجناح أنه إذا انقضى أجل المتعة لم يبق للرجل على المرأة سبيل البتة. فإن قال لها: زيديني في الأيام وأزيدك في الأجرة- كانت المرأة بالخيار. إن شاءت فعلت وإن شاءت لم تفعل. فهذا هو المراد من قوله: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ. أي من بعد المقدار المذكور أولا من الأجر والأجل. أفاده الرازيّ. قال السدّيّ: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى. يعني الأحر الذي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما. فقال: أتمتع منك أيضا بكذا وكذا. فإن شاء زاد قبل أن يستبرئ رحمها يوم تنقضي المدة. وهو قوله تعالى وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ قال السّديّ: إذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل. وهي منه بريئة. وعليها أن تستبرئ ما في رحمها. وليس بينهما ميراث. فلا يرث واحد منهما صاحبه. قال ابن جرير الطبري: أولى التأويلين في ذلك بالصواب، التأويل الأول. لقيام الحجة بتحريم الله تعالى متعة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى. قال المهايميّ: ثم أشار تعالى إلى نكاح ما يستباح للضرورة كنكاح المتعة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 25]
لكنها ضرورة مستمرة لا تنقطع بكثرة الإسلام فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 25] وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أي لم يقدر مِنْكُمْ أيها الأحرار، بخلاف العبيد، أن يحصل طَوْلًا أي غنى يمكنه به أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ أي الحرائر المتعففات، بخلاف الزواني إذ لا عبرة بهن الْمُؤْمِناتِ إذ لا عبرة بالكوافر فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي فله أن ينكح بعض ما يملكه أيمان إخوانكم مِنْ فَتَياتِكُمُ أي إمائكم حال الرق الْمُؤْمِناتِ لا الكتابية. لأنه لا يحتمل مع عار الرق عار الكفر. وقد استفيد من سياق هذه الآية أن الله تعالى شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة: اثنان منها في الناكح والثالث في المنكوحة. أما اللذان في الناكح فأحدهما أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق. وهو معنى قوله وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فعدم استطاعة الطول عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة. فإن قيل: الرجل إذا كان يستطيع التزوج بالأمة، يقدر على التزوج بالحرة الفقيرة، فمن أين هذا التفاوت؟ قلنا: كانت العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة السادات. وعلى هذا التقدير يظهر التفاوت. وأما الشرط الثاني فهو المذكور في آخر الآية وهو قوله ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ أي الزنى بأن بلغ الشدة في العزوبة. وأما الشرط الثالث المعتبر في المنكوحة، فأن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة. فإن الأمة إذا كانت كافرة كانت ناقصة من وجهين: الرق والكفر. ولا شك أن الولد تابع للأم في الحرية والرق. وحينئذ يعلق الولد رقيقا على ملك الكافر. فيحصل فيه نقصان الرق ونقصان كونه ملكا للكافر. وما ذكرناه هو المطابق لمعنى الآية. ولا يخلو ما عداه عن تكلف لا يساعده نظم الآية. قال الزمخشري: فإن قلت: لم كان نكاح الأمة منحطا عن نكاح الحرة؟ قلت:
تنبيه:
لما فيه من اتباع الولد الأم في الرق، ولثبوت حق المولى فيها وفي استخدامها. ولأنها ممتهنة مبتذلة خرّاجة ولّاجة. وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح، ومهانة. والعزة من صفات المؤمنين. وسيأتي مزيد لهذا عند قوله تعالى وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وقوله تعالى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ إشارة إلى أنه لا يشترط الاطلاع على بواطنهن. بل يكتفي بظاهر إيمانهن. أي فاكتفوا بظاهر الإيمان. فإنه تعالى العالم بالسرائر وبتفاضل ما بينكم في الإيمان. فرب أمة تفضل الحرة فيه. وقوله تعالى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ اعتراض آخر جيء به لتأنيسهم بنكاح الإماء حالتئذ. أي أنتم وأرقاؤكم متناسبون، نسبكم من آدم ودينكم الإسلام فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ أي مواليهن لا استقلالا. وذلك لآن منافعهن لهم لا يجوز لغيرهم أن ينتفع بشيء منها إلا بإذن من هي له وَآتُوهُنَّ أعطوهن أُجُورَهُنَّ أي مهورهن بِالْمَعْرُوفِ أي بلا مطل وضرار وإلجاء إلى الاقتضاء. واستدل الإمام مالك بهذا على أنهن أحق بمهورهن. وأنه لا حق فيه للسيد. وذهب الجمهور إلى أن المهر للسيد. وإنما أضافها إليهن لأن التأدية إليهن، تأدية إلى سيدهن لكونهن ماله مُحْصَناتٍ حال من مفعول فَانْكِحُوهُنَّ أي حال كونهن عفائف عن الزنى غَيْرَ مُسافِحاتٍ حال مؤكدة. أي غير زانيات بكل من دعاهن وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أي أخلة يتخصصن بهم في الزنى. قال أبو زيد: الأخدان الأصدقاء على الفاحشة. والواحد خدن وخدين. وقال الراغب: أكثر ذلك يستعمل فيمن يصاحب بشهوة نفسانية. ومن لطائف وقوع قوله تعالى مُحْصَناتٍ إلخ إثر قوله: وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ- الإشعار بأنهن لو كن إحدى هاتين، فلكم المناقشة في أداء مهورهن ليفتدين نفوسهن فَإِذا أُحْصِنَّ أي بالتزويج. وقرئ على البناء للفاعل أي أحصن فروجهن أو أزواجهن فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ أي فعلن فاحشة وهي الزنى فَعَلَيْهِنَّ أي فثابت عليهن شرعا نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ أي الحرائر مِنَ الْعَذابِ أي من الحد الذي هو جلد مائة فنصفه خمسون جلدة. لا الرجم. قال المهايميّ: لأنهن من أهل المهانة. فلا يفيد فيهن المبالغة في الزجر. تنبيه: قال ابن كثير: مذهب الجمهور أن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة. سواء كانت مسلمة أو كافرة. مزوجة أو بكرا. مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة ممن زنى من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك. فأما الجمهور فقالوا: لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة في إقامة
الحد على الإماء. فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما رواه مسلم «1» في صحيحه عن عليّ رضي الله عنه أنه خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحدّ من أحصن منهن ومن لم يحصن: فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت. فأمرني أن أجلدها. فإذا هي حديث عهد بنفاس. فخشيت، إن أنا جلدتها، أن أقتلها. فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أحسنت: اتركها حتى تماثل. وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه (فإذا تعافت من نفاسها فاجلدها خمسين) . وعن أبي هريرة «2» قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها. ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها. ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر. ولمسلم «3» : إذا زنت ثلاثا. ثم ليبعها في الرابعة. وروى مالك «4» عن عبد الله بن عياش المخزوميّ قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين، في الزنى. الجواب الثاني- جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها. وإنما تضرب تأديبا. وهو المحكيّ عن ابن عباس رضي الله عنه. وإليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن عليّ الظاهريّ (في رواية عنه) وعمدتهم مفهوم الآية. وهو من مفاهيم الشرط. وهو حجة عند أكثرهم. فقدم على العموم عندهم. وحديث «5» أبي هريرة وزيد بن خالد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: «إن زنت فاجلدوها. ثم إن زنت فاجلدوها. ثم إن زنت فاجلدوها. ثم بيعوها ولو بضفير» . قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة، أخرجاه في الصحيحين. وعند مسلم، قال ابن شهاب: الضفير الحبل. قالوا فلم يؤقت فيه عدد كما أقت في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات. فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك. والله أعلم.
وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور عن ابن عباس مرفوعا: ليس على أمة حدّ حتى تحصن. يعني تزوج. فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات. ورواه ابن خزيمة مرفوعا أيضا. وقال: رفعه خطأ. إنما هو من قول ابن عباس. وكذا رواه البيهقيّ، وقال مثل قول ابن خزيمة. قالوا: وحديث علي وعمر قضايا أعيان. وحديث أبي هريرة عنه أجوبة: أحدها- إن ذلك محمول على الأمة المزوّجة، جمعا بينه وبين هذا الحديث. الثاني- أن لفظة الحد في قوله: فليقم عليها الحد، مقحمة من بعض الرواة. بدليل. الجواب الثالث- وهو أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط. وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم من رواية واحد. وأيضا فقد رواه النسائيّ بإسناد على شرط مسلم من حديث عباد بن تميم عن عمه، وكان قد شهد بدرا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا زنت الأمة فاجلدوها. ثم إذا زنت فاجلدوها ثم إذا زنت فاجلدوها. ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير. الرابع- أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق لفظ (الحد) في الحديث على (الجلد) . لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد. أو أنه أطلق لفظ (الحد) على التأديب. كما أطلق (الحد) على ضرب من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ. وعلى جلد من زنى بأمة امرأته إذا أذنت له فيها، مائة. وإنما ذلك تعزير وتأديب عند من يراه. كأحمد وغيره من السلف. وإنما الحد الحقيقيّ هو جلد البكر مائة ورجم الثيّب، انتهى. وله تتمة سابغة. وقال الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) : وحكم في الأمة إذا زنت ولم تحصن بالحد. وأما قوله تعالى في الإماء: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ، فهو نص في أن حدها بعد التزويج نصف حد الحرة من الجلد. وأما قبل التزويج فأمر بجلدها. وفي هذا الحد قولان: أحدهما- أنه الحد. ولكن يختلف الحال قبل التزويج وبعده. فإن للسيد إقامته قبله. وأما بعده فلا يقيمه إلا الإمام. والقول الثاني- إنّ جلدها قبل الإحصان تعزير لا حدّ. ولا يبطل هذا ما رواه مسلم «1» في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، يرفعه: إذا زنت أمة
أحدكم فليجلدها ولا يعيرها، ثلاث مرات. فإن عادت في الرابعة فليجلدها وليبعها ولو بضفير (وفي لفظ فليضربها بكتاب الله) وفي صحيحه أيضا من حديث علي كرم الله وجهه إنه قال: أيها الناس! أقيموا على أرقائكم الحد. من أحصن منهن ومن لم يحصن. فإن أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها. الحديث. فإن التعزير يدخل فيه لفظ (الحد) في لسان الشارع. كما في قوله صلى الله عليه وسلم: لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حدّ من حدود الله تعالى . وقد ثبت التعزير بالزيادة على العشرة جنسا وقدرا، في مواضع عديدة لم يثبت نسخها ولم تجتمع الأمة على خلافها. وعلى كل حال، فلا بد أن يخالف حالها بعد الإحصان حالها قبله. وإلا لم يكن للتقييد فائدة. فإما أن يقال قبل الإحصان: لا حد عليها، والسنة الصحيحة تبطل ذلك. وإما أن يقال: حدها قبل الإحصان حد الحرة، وبعده نصفه، وهذا باطل قطعا، مخالف لقواعد الشرع وأصوله. وإما أن يقال: حدها قبل الإحصان تعزير، وبعده حدّ، وهذا أقوى. وإما أن يقال: الافتراق بين الحالين في إقامة الحد لا في قدره وإنه في إحدى الحالتين للسيّد وفي الأخرى للإمام. وهذا أقرب ما يقال. وقد يقال: إن تنصيصه على التنصيف بعد الإحصان لئلا يتوهم متوهم أن بالإحصان يزول التنصيف ويصير حدها حد الحرة. كما أن الجلد عن البكر يزال بالإحصان وانتقل إلى الرجم، فبقي على التنصيف في أكمل حالتيها وهي الإحصان، تنبيها على أنه إذا اكتفى به فيها ففي ما قبل الإحصان أولى وأحرى. والله أعلم ذلِكَ أي إباحة نكاح الإماء لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ أي المشقة في التحفظ من الزنى مِنْكُمْ أيها الأحرار وَأَنْ تَصْبِرُوا على تحمل تلك المشقة متعففين عن نكاحهن خَيْرٌ لَكُمْ من نكاحهن، وإن سبقت كلمة الرخصة، لما فيه من تعريض الولد للرق. قال عمر رضي الله عنه: أيما حرّ تزوج بأمة فقد أرقّ نصفه. ولأن حق المولى فيها أقوى فلا تخلص للزوج خلوص الحرائر، ولأن المولى يقدر على استخدامها كيفما يريد في السفر والحضر، وعلى بيعها للحاضر والبادي. وفيه من اختلال حال الزوج وأولاده ما لا مزيد عليه. ولأنها ممتهنة مبتذلة خرّاجة ولّاجة. وذلك كله ذل ومهانة سارية إلى الناكح. والعزة هي اللائقة بالمؤمنين. ولأن مهرها لمولاها. فلا تقدر على التمتع به ولا على هبته للزوج. فلا ينتظم أمر المنزل. كذا حرره أبو السعود. وقد قيل: إذا لم يكن في منزل المرء حرة ... تدبره ضاعت مصالح داره
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 26]
قال في (الإكليل) : في الآية كراهة نكاح الأمة عند اجتماع الشروط. بقوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 26] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) يُرِيدُ اللَّهُ أي في تحريم ما حرم من النساء وتحليل ما أحل بالشرائط لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي شرائعه وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي يرشدكم إلى طرائق من تقدم من أهل الكتاب في تحريم ما حرمه، لتتأسوا بهم في اتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها. وفي الآية دليل على أن كل ما بيّن تحريمه لنا من النساء، في الآيات المتقدمة، فقد كان الحكم كذلك في الملة السابقة. وقد قرأت في سفر الأحبار اللاويين، من التوراة، في (الفصل الثامن عشر) ما يؤيد ذلك. عدا ما رفعه تعالى عنا من ذلك مما فيه حرج وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي يتجاوز عنكم ما كان منكم في الجاهلية، أو يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته وَاللَّهُ عَلِيمٌ أي فيما شرع لكم من الأحكام حَكِيمٌ مراع في جميع قضائه الحكمة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 27] وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي من المآثم والمحارم. أي يخرجكم من كل ما يكره إلى ما يحب ويرضى. وفيه بيان كمال منفعة ما أراده الله تعالى، وكمال مضرة ما يريده الفجرة. كما قال سبحانه وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أي ما حرمه الشرع، وهم الزناة أَنْ تَمِيلُوا عن الحق بالمعصية مَيْلًا عَظِيماً يعني بإتيانكم ما حرم الله عليكم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 28] يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ أي في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 29]
ولهذا أباح نكاح الإماء بشروطه. ونظير هذا قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185] . وقوله: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] . وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً أي عاجزا عن دفع دواعي شهواته. فناسبه التخفيف لضعف عزمه وهمته وضعفه في نفسه. فالجملة اعتراض تذييليّ مسوق لتقرير ما قبله من التخفيف في أحكام الشرع. وفي (الإكليل) : قال طاوس: ضعيفا أي في أمر الناس لا يصبر عنهن. وقال وكيع: يذهب عقله عندهن. أخرجهما ابن أبي حاتم. ففيه أصل لما يذكره الأطباء من منافع الجماع ومن مضارّ تركه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 29] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ أي لا يأكل بعضكم أموال بعض بِالْباطِلِ أي ما لم تبحه الشريعة كالربا والقمار والرشوة، والغصب والسرقة والخيانة، وما جرى مجرى ذلك من صنوف الحيل إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً أي معاوضة محضة كالبيع عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ في المحاباة من جانب الآخذ والمأخوذ منه. وقرئ (تجارة) بالرفع على أن (كان) تامة، وبالنصب على أنها ناقصة. والتقدير: إلا أن تكون المعاملة أو التجارة أو الأموال، تجارة. قال السيوطيّ في (الإكليل) : في الآية تحريم أكل المال الباطل بغير وجه شرعيّ. وإباحة التجارة والربح فيها. وأن شرطها التراضي. ومن هاهنا أخذ الشافعيّ رحمه الله اعتبار الإيجاب والقبول لفظا. لأن التراضي أمر قلبيّ فلا بد من دليل عليه. وقد يستدل بها من لم يشترطهما إذا حصل الرضا. انتهى. أي لأن الأقوال، كما تدل على التراضي، فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا. فصح بيع المعاطاة مطلقا. وفي (الروضة الندية) : حقيقة التراضي لا يعلمها إلا الله تعالى: والمراد هاهنا أمارته. كالإيجاب والقبول، وكالتعاطي عند القائل به، وعلى هذا أهل العلم. لكونه لم يرد ما يدل على ما اعتبره بعضهم من ألفاظ مخصوصة، وأنه لا يجوز البيع بغيرها. ولا يفيدهم ما ورد في الروايات من نحو: (بعت منك وبعتك) فإنا لا ننكر
أن البيع يصح بذلك. وإنما النزاع في كونه لا يصح إلا بها. ولم يرد في ذلك شيء. وقد قال الله تعالى: تِجارَةً عَنْ تَراضٍ. فدل ذلك على أن مجرد التراضي هو المناط. ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كتابة، بأي لفظ وقع، وعلى أي صفة كان وبأي إشارة مفيدة، حصل. انتهى. وقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً فيه وجهان: الأول- أن المعنى لا تقتلوا من كان من جنسكم من المؤمنين. فإن كلهم كنفس واحدة. والتعبير عنهم بالأنفس للمبالغة في الزجر عن قتلهم، بتصويره بصورة ما لا يكاد يفعله عاقل. والثاني- النهي عن قتل الإنسان نفسه. وقد احتج بهذه الآية عمرو بن العاص على مسألة التيمم للبرد. وأقره النبيّ صلى الله عليه وسلم على احتجاجه. كما رواه الإمام أحمد وأبو داود. ولفظ أحمد» عن عمرو بن العاص أنه قال: «لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد. فأشفقت، إن اغتسلت، أن أهلك. فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. قال فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له. فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال قلت: نعم يا رسول الله! إني احتلمت في ليلة باردة، شديدة البرد. فأشفقت، إن اغتسلت، أن أهلك. وذكرت قول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً. فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا» . وهكذا أورده أبو داود «2» . قال ابن كثير وهذا، أي المعنى الثاني، والله أعلم، أشبه بالصواب. وقد توافرت الأخبار في النهي عن قتل الإنسان نفسه والوعيد عليه. روى الشيخان «3» وأهل السنن وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تحسّى سمّا فقتل نفسه فسمّه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا» .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 30]
وأخرج الشيخان «1» عنه رضي الله عنه قال: شهدنا خيبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لرجل ممن معه يدّعي الإسلام: «هذا من أهل النار» . فلما حضر القتال قاتل الرجل أشدّ القتال حتى كثرت به الجراحة. فكاد بعض الناس يرتاب. فوجد الرجل ألم الجراحة. فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه. فاشتد رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول الله! صدّق الله حديثك. انتحر فلان فقتل نفسه. فقال: قم، يا فلان، فأذّن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن. إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر. وهذا لفظ البخاريّ. وروى أبو داود «2» عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه فقال: لا أصلي عليه. وفي الصحيحين «3» من حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح. فجزع فأخذ سكينا فحزّ بها يده. فما رقأ الدم حتى مات. قال الله عز وجل: «بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة» . ولهذا قال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 30] وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي القتل عُدْواناً وَظُلْماً أي متعديا فيه، ظالما في تعاطيه، أي عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه فَسَوْفَ نُصْلِيهِ أي ندخله
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 31]
ناراً أي هائلة شديدة العذاب وَكانَ ذلِكَ أي إصلاؤه النار عَلَى اللَّهِ يَسِيراً هينا عليه، لا عسر فيه ولا صارف عنه. لأنه تعالى: لا يعجزه شيء. قال النسفيّ: وهذا الوعيد في حق المستحل للتخليد. وفي حق غيره، لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 31] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (31) إِنْ تَجْتَنِبُوا أي تتركوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ أي كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها، مما ذكر هاهنا ومما لم يذكر نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي صغائر ذنوبكم، ونمحها عنكم، وندخلكم الجنة. كما قال تعالى وَنُدْخِلْكُمْ في الآخرة مُدْخَلًا كَرِيماً أي حسنا وهي الجنة. و (مدخلا) قرئ بضم الميم، اسم مكان أو مصدر ميميّ. أي إدخالا مع كرامة. وبفتح الميم، وهو أيضا يحتمل المكان والمصدر. وفي الآية دليل على أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر. وردّ على من قال: إن المعاصي كلها كبائر، وإنه لا صغيرة. قال الإمام ابن القيّم في (الجواب الكافي) : قد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة، والتابعين بعدهم، والأئمة، على أن من الذنوب كبائر وصغائر. قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ . وقال تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم: 32] . وفي الصحيح «1» عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر . وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات: إحداها أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها والقيام بحقوقها. بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية. الثانية- أن تقاوم الصغائر ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر. الثالثة- أن تقوى على تكفير الصغائر وتبقي فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر. فتأمل هذا فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة.
وفي الصحيح «1» عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين. وجلس وكان متكئا فقال: ألا وقول الزور (ثلاثا) . وروي في الصحيح «2» عنه صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: وما هن؟ يا رسول الله! قال: الإشراك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» . وفي الصحيح «3» عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: أن تجعل لله ندّا وهو خلقك قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك» . قال: ونزلت هذه الآية تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان: 68] الآية. ثم ساق الخلاف في تعدادها. وعندي أن الصواب هو الوقوف في تعدادها على ما صحت به الأحاديث. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبيّن لكتاب الله عز وجل، أمين على تأويله. والمرجع في بيان كتاب الله تعالى إلى السنة الصحيحة. كما أن المرجع في تعريف الكبيرة إلى العدّ دون ضبطها بحد. كما تكلفه جماعة من الفقهاء، وطالت المناقشة بينهم في تلك الحدود. وإن منها ما ليس جامعا. ومنها ما ليس مانعا. فكله مما لا حاجة إليه بعد ورود صحاح الأخبار في بيان ذلك. وقد ساق الحافظ ابن كثير هاهنا جملة وافرة منها وجوّد النقل عن الصحابة
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 32]
والسلف والتابعين. فانظره فإنه نفيس. ثم نهى تعالى عن الحاسد وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من المال ونحوه، مما يجري فيه التنافس بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 32] وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32) وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا أي أصابوا وأحرزوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ أي أصبن وأحرزن. أي لكل فريق نصيب مما اكتسب في نعيم الدنيا قبضا أو بسطا، فينبغي أن يرضى بما قسم الله له. وقد روى الإمام أحمد عن مجاهد أن أم سلمة قالت: يا رسول الله يغزو الرجال ولا يغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا الآية. ورواه الترمذي «1» وقال: غريب. ورواه الحاكم في مستدركه وزاد: ثم أنزل الله: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى [آل عمران: 195] . الآية فإن صح هذا فالمعنى: لكل أحد قدر من الثواب يستحقه بكرم الله ولطفه. فلا تتمنوا خلاف ذلك. ولا مانع من شمول الآية لما يتعلق بأحوال الدنيا والآخرة. فإن اللفظ محتمل. ولا منافاة. والله أعلم وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أي من خزائن نعمه التي لا نفاد لها. وقد روي الترمذي «2» وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوا الله من فضله. فإن الله عز وجل يحب يسأل» . وأفضل العبادة انتظار الفرج. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ولذلك جعل الناس على طبقات رفع بعضهم على بعض درجات حسب مراتب استعداداتهم الفائضة عليهم بموجب المشيئة المبنية على الحكم الأبية. قاله أبو السعود.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 33]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 33] وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون من المال جعلنا ورثة وعصبة يلونه ويحرزونه. وهم يرثونه. دون سائر الناس. كما ثبت في الصحيحين «1» عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها. فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» . أي اقسموا الميراث على أصحاب الفرائض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض. فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة. ف (فما) تبيين (كل) . قال ابن جرير: والعرب تسمي ابن العم مولى. كما قال الفضل بن العباس: مهلا بني عمنا مهلا موالينا ... لا يظهرن بيننا ما كان مدفونا وفي (القاموس) و (شرحه تاج العروس) : والمولى: القريب كابن العم ونحوه. قال ابن الأعرابي: ابن العم مولى. وابن الأخت مولى. وقول الشاعر: هم المولى وإن جنفوا علينا ... وإنا من لقائهم لزور قال أبو عبيدة: يعني الموالي، أي بني العلم. وقال اللهبيّ يخاطب بني أمية: مهلا بني عمنا، مهلا موالينا ... امشوا رويدا كما كنتم تكونونا وقوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره مع الفاء وهو قوله فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ويقرأ (عاقدت) بالألف. والمفعول محذوف أي عاقدتهم. ويقرأ بغير ألف والمفعول محذوف أيضا هو والعائد. تقديره عقدت حلفهم أيمانكم. والعقد الشدّ والربط والتوكيد والتغليظ. ومنه: عقد العهد يعقده: شده. والأيمان جمع يمين إما بمعنى اليد اليمنى لوضعهم الأيدي في العهود، أو بمعنى القسم وهو الأظهر، لأن العقد خلاف النقض. وقد جاء مقرونا بالحلف في قوله تعالى: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها [النحل: 91] وفي قوله: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ [المائدة: 89] . وفي
هذه الآية محامل كثيرة ووجوه للسلف والخلف. أظهرها السلف المفسرين رضوان الله عليهم. وهو أن المعنيّ بالموصول، الحلفاء. وهو المرويّ عن ابن عباس في البخاريّ كما سيأتي: قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والحسن وابن المسيب وأبي صالح وسليمان بن يسار والشعبيّ وعكرمة والسدّي والضحّاك وقتادة ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا: هم الحلفاء. انتهى. ويزاد أيضا: علي بن أبي طلحة. وكان الحلفاء يرثون السدس من محالفيهم. وروى الطبري من طريق قتادة: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: دمي دمك. وترثني وأرثك. وتطلب بي وأطلب بك. فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس. فأمروا بأن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس. ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ. ولذا قال سعيد بن جبير: فآتوهم نصيبهم من الميراث. قال: وعاقد أبو بكر مولى فورثه. قال الزمخشريّ: والمراد. ب (الذين عاقدت أيمانكم) موالي الموالاة. كان الرجل يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك. وهدمي هدمك. وثأري ثأرك. وحربي حربك. وسلمي سلمك. وترثني وأرثك. وتطلب بي وأطلب بك. وتعقل عني وأعقل عنك. فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف. انتهى. وعلى هذا، فمعنى الآية: والذين عاقدتموهم على المؤاخاة والموالاة، وتحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم على النصر والإرث، قبل نزول هذه الآية، فآتوهم نصيبهم من الميراث وفاء بالعقود والعهود. إذ وعدتموهم ذلك في الأيمان المغلظة. وروى ابن أبي حاتم: كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول. وترثني وأرثك. وكان الأحياء يتحالفون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل حلف في الجاهلية، أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام» . وروى الإمام أحمد ومسلم «1» والنسائي عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حلف في الإسلام وأيّما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة. وروى الإمام أحمد «1» عن قيس بن عاصم أنه سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الحلف؟ قال فقال: ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به. ولا حلف في الإسلام. ورواه أيضا «2» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح، قام خطيبا في الناس، فقال: يا أيها الناس! ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة. ولا حلف في الإسلام. قال ابن الأثير: الحلف في الأصل المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق. فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صلى الله عليه وسلم: لا حلف في الإسلام. وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيّبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة. يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق. وبذلك يجتمع الحديثان. وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام. والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام. انتهى. قال الحافظ ابن كثير: كان هذا، أي التوارث بالحلف، في ابتداء الإسلام. ثم نسخ بعد ذلك وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا ولا ينشئوا بعد هذه الآية معاقدة. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول: وترثني وأرثك. كان الأحياء يتحالفون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل حلف في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده إلا شدة . ولا عقد ولا حلف في الإسلام. فنسختها هذه الآية: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال: 75] . وروى أبو داود «3» عن ابن عباس في هذه الآية: كان الرجل يحالف الرجل وليس
بينهما نسب. فيرث أحدهما الآخر. فنسخ ذلك في الأنفال فقال: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ الآية. وروى ابن جرير عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر. فأنزل الله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً . يقول: إلا أن توصوا لأوليائهم الذين عاقدوا، وصية. فهو لهم جائز من ثلث مال الميت. ذلك هو المعروف. وهكذا نص غير واحد من السلف أنها منسوخة بقول: وَأُولُوا الْأَرْحامِ، الآية. أقول: على ما ذكر، تكون الآية محكمة في صدر الإسلام، منسوخة بعده: وثمة وجه آخر فيها. وهو أنها ناسخة لميراث الحليف بتأويل آخر. وهو ما رواه البخاريّ «1» عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ورثة وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ. كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجريّ الأنصاريّ دون ذوي رحمه، للأخوّة التي آخى النبيّ صلى الله عليه وسلم بينهم. فلما نزلت وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ نسخت: ثم قال: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ. من النصر والرفادة والنصيحة. وقد ذهب الميراث ويوصى له. وقد فهم بعضهم من هذا الأثر أن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم الحلف الماضي أيضا. وأنه لا توارث به. والصحيح ما أسلفناه من ثبوت التوارث بالحلف السابق على نزول الآية في ابتداء الإسلام، كما حكاه غير واحد من السلف. وكما قال ابن عباس: كان المهاجريّ يرث الأنصاريّ دون ذوي رحمه حتى نسخ ذلك. وقد حاول الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) الجمع بين الروايات المتقدمة ورواية البخاريّ باحتمال أن يكون النسخ وقع مرتين: الأولى- حيث كان المعاقد يرث وحده دون العصبة، فنزلت: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا. فصاروا جميعا يرثون. ثم نسخ ذلك آية الأحزاب وخص الميراث بالعصبة وبقي للمعاقد النصر والإرفاد ونحوهما. والله أعلم.
هذا وثمة روايات أخر في سبب نزولها. منها ما روى أبو داود «1» وابن أبي حاتم عن داود بن الحصين. قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع. وكانت يتيمة في حجر أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقرأت: (والذين عاقدت أيمانكم) . فقالت: لا تقرأ هكذا ولكن: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ إنما أنزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن رضي الله عنهما حين أبى الإسلام. فحلف أبو بكر لا يورثه. فلما أسلم أمره الله تعالى أن يورثه نصيبه. ومنها ما روى ابن جرير عن الزهريّ عن ابن المسيب قال: نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم يورثونهم. فأنزل الله فيهم. فجعل لهم نصيبا في الوصية وردّ الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة. وأبى الله أن يكون للمدّعين ميراثا ممن ادعاهم وتبناهم. ولكن جعل لهم نصيبا من الوصية. واعلم أن هذه الوجوه السلفية المروية في نزول الآية، كلها مما تصدق عليها الآية وتشملها وينطبق حكمها عليها: ولا تنافي بينها. لما أسلفناه في مقدمة التفسير. فراجعها ولا تغفل عنها. هذا ولأبي عليّ الجبائيّ تأويل آخر في الآية. قال: تقدير الآية: ولكن شيء مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي، ورثة، فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ. أي فآتوا الموالي والورثة نصيبهم. فقوله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ. معطوف على قوله: الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ. والمعنى: إن ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به. وسمى الله تعالى الوارث مولى. والمعنى: لا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى المولى والوارث. وقال أبو مسلم الأصفهانيّ: المراد ب الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ الزوج والزوجة. والنكاح يسمى عقدا. قال تعالى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ [البقرة: 235] . فذكر تعالى الوالدين والأقربين وذكر معهم الزوج والزوجة. ونظيره آية المواريث، في أنه لما بيّن ميراث الولد والوالدين، ذكر معهم ميراث الزوج والزوجة. أقول: هذا التأويل المذكور وما قبله طريقة من لا يقف مع الآثار السلفية في التفسير. ويرى مزاحمتهم في الاجتهاد في ذلك. ذهابا إلى أن ما لم يتواتر في معنى الآية، من خبر أو إجماع، فلا حجة في المرويّ منه آحادا، مرفوعا أو موقوفا، وإن
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 34]
صح. وهذه الطريقة سبيل طائفة قصّرت في علم السمع وأقلت البحث عنه. فنشأ من ذلك النقص من الدين والزيادة فيه بالرأي المحض. ومذهبنا أن لا غنى عن الرجوع إلى تفسير الصحابة رضي الله عنهم. لما ثبت من الثناء عليهم في الكتاب والسنة. ولأن القرآن أنزل على لغتهم. فالغلط أبعد عنهم من غيرهم. لا سيما تفسير حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. فمتى صح الإسناد إليه كان تفسيره من أصح التفاسير، مقدما على كثير من الأئمة الجماهير. لوجوه متعددة: منها أنه رضي الله عنه ثبت عنه أنه كان لا يستحل التأويل بالرأي. روي عنه أنه قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وفي رواية (بغير علم) رواه أبو داود في العلم، والنسائيّ والترمذي «1» . فإذا جزم رضي الله عنه بأمر كان دليلا على رفعه. كما أسلفنا في المقدمة. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الأشياء التي من جملتها الإيتاء والمنع شَهِيداً أي عالما. ففيه وعد ووعيد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 34] الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (34) الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ جمع قوام، وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب. أي مسلطون على أدب النساء يقومون عليهن، آمرين ناهين، قيام الولاة على الرعية. وذلك لأمرين: وهبيّ وكسبيّ. أشار للأول بقوله تعالى: بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ والضمير للرجال والنساء جميعا. يعني إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم، وهم الرجال، على بعض، وهم النساء. وقد ذكروا، في فضل الرجال، العقل والحزم والعزم والقوة والفروسية والرمي. وإن منهم الأنبياء وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة والشهادة في مجامع القضايا والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وزيادة السهم والتعصيب. وهم أصحاب اللحى والعمائم. والكامل بنفسه له حق الولاية على
الناقص. وأشار الثاني بقوله سبحانه وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ في مهورهن ونفقاتهن فصرن كالأرقاء. ولكون القوامين في معنى السادات وجبت عليهن طاعتهم. كما يجب على العبيد طاعة السادات، وروى ابن مردويه عن عليّ رضي الله عنه قال. أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار بامرأة. فقالت: يا رسول الله! إن زوجها فلان بن فلان الأنصاريّ. وإنه ضربها فأثر في وجهها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس له ذلك. فأنزل الله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ في الأدب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أردت أمرا وأراد الله غيره» . ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم مرسلا من طرق. قال السيوطيّ: وشواهده يقوي بعضها بعضا. وقال عليّ بن أبي طلحة في هذه الآية عن ابن عباس: يعني أمراء عليهن. أي تطيعه فيما أمرها الله به من طاعة. وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله. وروى الترمذي «1» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» . فَالصَّالِحاتُ أي من النساء قانِتاتٌ أي مطيعات لله في أزواجهن حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ قال الزمخشريّ: الغيب خلاف الشهادة. أي حافظات لمواجب الغيب. إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن، حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة، من الفروج والأموال والبيوت بِما حَفِظَ اللَّهُ أي بحفظ الله إياهن وعصمتهن بالتوفيق لحفظ الغيب. فالمحفوظ من حفظه الله. أي لا يتيسر لهن حفظ إلا بتوفيق الله. أو المعنى: بما حفظ الله لهن من إيجاب حقوقهن على الرجال. أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن. حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن. فقوله: بما حفظ الله، يجري مجرى ما يقال: هذا بذاك. أي في مقابلته. وجعل المهايميّ الباء للاستعانة حيث قال: مستعينات بحفظه مخافة أن يغلب عليهن نفوسهن وإن بلغن من الصلاح ما بلغن. انتهى. وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعا: خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت حفظتك في نفسها ومالك. قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ، إلى آخرها. وروى الإمام أحمد «2» عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
تنبيه:
«إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت» . تنبيه: قال السيوطيّ في (الإكليل) في قوله تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ: إن الزوج يقوم بتربية زوجته وتأديبها ومنعها من الخروج وإن عليها طاعته إلا في معصية. وإن ذلك لأجل ما يجب لها عليه من النفقة. ففهم العلماء من هذا أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها، وسقط ما له من منعها من الخروج. واستدل بذلك من أجاز لها الفسخ حينئذ. ولأنه إذا خرج من كونه قواما عليها فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح. واستدل بالآية من جعل للزوج الحجر على زوجته في نفسها ومالها. فلا تتصرف فيه إلا بإذنه. لأنه جعله (قواما) بصيغة المبالغة. وهو الناظر في الشيء الحافظ له. واستدل بها على أن المرأة لا تجوز أن تلي القضاء كالإمامة العظمى. لأنه جعل الرجال قوامين عليهن، فلم يجز أن يقمن على الرجال. انتهى. وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ أي عصيانهن وسوء عشرتهن وترفعهن عن مطاوعتكم، من (النشز) وهو ما ارتفع من الأرض يقال: نشزت المرأة بزوجها وعلى زوجها: استعصت عليه، وارتفعت عليه وأبغضته، وخرجت عن طاعته فَعِظُوهُنَّ أي خوفوهن بالقول. كاتقي الله، واعلمي أن طاعتك لي فرض عليك، واحذري عقاب الله في عصياني. وذلك لأن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته. وحرم عليها معصيته، لما له عليها من الفضل والإفضال. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» . رواه الترمذي «1» عن أبي هريرة والإمام أحمد عن معاذ، والحاكم عن بريدة. وروى البخاري «2» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح» . ورواه مسلم، ولفظه: إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح وَاهْجُرُوهُنَّ بعد ذلك إن لم ينفع الوعظ والنصيحة فِي الْمَضاجِعِ أي المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف.
ولا تباشروهن. فيكون كناية عن الجماع. قال حماد بن سلمة البصريّ: يعني النكاح. وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: الهجر هو أن لا يجامعها، ويضاجعها على فراشها، ويوليها ظهره. وكذا قال غير واحد. وزاد آخرون منهم السدّي والضحاك وعكرمة وابن عباس (في رواية) : ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها. وقيل: المضاجع المبايت. أي لا تبايتوهن. وفي السنن والمسند «1» عن معاوية بن حيدة القشيريّ أنه قال: يا رسول الله: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال. أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت. ولا تضرب الوجه، ولا تقبح. ولا تهجر إلا في البيت وَاضْرِبُوهُنَّ إن لم ينجع ما فعلتم من العظمة والهجران، ضربا غير مبرح، أي شديد ولا شاق. كما ثبت في صحيح مسلم «2» عن جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: «واتقوا الله في النساء. فإنهن عوان عندكم. ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرّح» . قال الفقهاء: هو أن لا يجرحها ولا يكسر لها عظما ولا يؤثر شينا ويجتنب الوجه لأنه مجمع المحاسن. ويكون مفرّقا على بدنها. ولا يوالي به في موضع واحد لئلا يعظم ضرره. ومنهم من قال: ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف. أو بيده! لا بسوط ولا عصا. قال عطاء: ضرب بالسواك. قال الرازيّ: وبالجملة، فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه. والذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ. ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع. ثم ترقى منه إلى الضرب. وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف، وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق. وهذه طريقة من قال: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب. فإن ظاهر اللفظ، وإن دل على الجمع، إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب. قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المضجع. فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح. ولا تكسر لها عظما. فإن أقبلت وإلا فقد أحل الله لك منها الفدية. وقال آخرون: هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز. أما عند تحققه فلا بأس بالجمع بين الكل.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 35]
وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: علقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنه آدب لهم. رواه عبد ابن حميد والطبرانيّ عن ابن عباس، وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي إذا رجعن عن النشوز عند هذا التأديب إلى الطاعة في جميع ما يراد منهن مما أباحه الله منهن، فلا سبيل للرجال عليهن بعد ذلك بالتوبيخ والأذية بالضرب والهجران إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً فاحذروه. تهديد للأزواج على ظلم النسوان من غير سبب. فإنهن، وإن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه عليّ قاهر كبير قادر، ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فلا تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن وأكبر درجة منهن. فإن الله أعلى منكم وأقدر منكم عليهن. فختم الآية بهذين الاسمين، فيه تمام المناسبة. ولما ذكر تعالى حكم النفور والنشوز من الزوجة، ذكر ما إذا كان النفور من الزوجين بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 35] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (35) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما أصله شقاقا بينهما فأضيف الشقاق إلى الظرف. إما على إجرائه مجرى المفعول به اتساعا. كقوله: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سبأ: 33] . أصله بل مكر في الليل والنهار. أو مجرى الفاعل بجعل البين مشاقا والليل والنهار ماكرين. كما في قولك: نهارك صائم. والضمير للزوجين. ولم يجر ذكرهما لجري ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء. أي إن علمتم مخالفة مفرقة بينهما، واشتبه عليكم أنه من جهته أو من جهتها، ولا يفعل الزوج الصالح ولا الصفح ولا الفرقة، ولا تؤدي المرأة الحق ولا الفدية فَابْعَثُوا أي إلى الزوجين لإصلاح ذات البين وتبيّن الأمر حَكَماً رجلا صالحا للحكومة، والإصلاح ومنع الظالم من الظلم مِنْ أَهْلِهِ أي أقارب الزوج وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها على صفة الأول. فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال. وأطلب للإصلاح. فيلزمها أن يخلوا ويستكشفا حقيقة الحال فيعرفا أن رغبتهما في الإقامة أو الفرقة إِنْ يُرِيدا أي الحكمان إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما أي يوقع بينهما الموافقة فيتفقان على الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد. أو الضمير الأول للحكمين، والثاني للزوجين. أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في وساطتهما، وأوقع الله بحسن سعيهما بين
الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودة والرحمة إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً بظواهر الحكمين وبواطنهما. إن قصدا إفسادا يجازيهما عليه. وإلا يجازيهما على الإصلاح. روى ابن أبي حاتم وابن جرير «1» عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله عز وجل أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل ومثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء. فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة. وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة. فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز. فإن رأيا أن يجمعا، فرضي أحد الزوجين وكره الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي لم يرض. ولا يرث الكاره الراضي. وروى عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين. قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما وقال لهما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما. وإن رأيتهما أن تفرقا ففرقا. (وأسند) عن ابن أبي مليكة «2» أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت: تصير إليّ وأنفق عليك. فكان إذا دخل عليها قالت: أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت. فشدت عليها ثيابها. فجاءت عثمان فذكرت له ذلك. فضحك. فأرسل ابن عباس ومعاوية. فقال ابن عباس: لأفرقنّ بينهما. فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شخصين من بني عبد مناف. فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما. فرجعا. وأسند عن عبيدة قال: شهدت عليّا وجاءته امرأة وزوجها. مع كل واحد منهما فئام من الناس. فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما. فقال عليّ للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فقالت المرأة. رضيت الله لي وعليّ. وقال الزوج: أما الفرقة فلا. فقال عليّ: كذبت. والله! لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله عز وجل لك وعليك. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير. قال الحافظ ابن كثير: وقد أجمع العلماء على أن الحكمين لهما الجمع والتفرقة. حتى قال إبراهيم النخعيّ: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو
تنبيه:
بطلقتين أو ثلاثا، فعلا. وهو رواية عن مالك. وقال الحسن البصري: الحكمان يحكمان في الجمع لا في التفرقة. وكذا قال قتادة وزيد بن أسلم. وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود. ومأخذهم قوله تعالى إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما ولم يذكر التفريق. وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين فإنه ينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف. انتهى. وفي (الإكليل) : أخرج ابن منصور أن المأمور بالبعث الحكام. وعن السدّيّ: إنه الزوجان. فعلى الأول استدل به من قال: إنهما مولّيان من الحاكم. فلا يشترط رضا الزوجين عما يفعلانه من طلاق وغيره. وعلى الثاني استدل من قال: إنّهما وكيلان من الزوجين. فيشترط. وقال ابن كثير: الجمهور على الأول. أعني أنهما منصوبان من جهة الحاكم. لقوله تعالى. فَابْعَثُوا حَكَماً إلخ، فسماهما حكمين: ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه. وهذا ظاهر الآية. وذهب الشافعيّ وأبو حنيفة إلى الثاني. لقول عليّ رضي الله عنه للزوج، (حين قال: أما الفرقة فلا) - فقال: كذبت. حتى تقر بما أقرّت به. قالوا: فلو كانا حكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج. والله أعلم. وفي الآية تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتوخاه، وفقه الله تعالى لمبتغاه. تنبيه: قال الحاكم: في الآية دلالة على أن كل من خاف فرقة وفتنة جاز له بعث الحكمين. وقد استدل بها أمير المؤمنين على الخوارج فيما فعل من التحكيم. قال مشايخ المعتزلة: لأن المصاحف لما رفعت، فظهرت الفرقة في عسكره، وخاف على نفسه، جازت المحاكمة، بل وجبت. ولهذا صالح صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية. وعلى هذا يحمل صلح الحسن عليه السّلام. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 36] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (36)
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً يأمر تعالى بعبادته وحده وبالإخلاص فيها بقوله وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً كما قال تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة: 5] . لأنه تعالى هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الأوقات والحالات. فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا من الشرك. الجليّ والخفيّ. للنفس وشهواتها. وما يتوصل به إليها من المال والجاه. وهذه العبادة حق الله علينا. كما في الصحيحين «1» عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» . ثم أوصى سبحانه بالإحسان إلى الوالدين، إثر تصدير ما يتعلق بحقوق الله عز وجل التي هي آكد الحقوق وأعظمها، تنبيها على جلالة شأن الوالدين بنظمها في سلكها بقول وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وقد كثرت مواقع هذا النظم في التنزيل العزيز كقوله: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ [لقمان: 14] . وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الإسراء: 23] . أي أحسنوا بهما إحسانا يفي بحق تربيتهما. فإن شكرهما يدعو إلى شكر الله المقرب إليه. مع ما فيه من صلة أقرب الأقارب الموجب لوصلة الله، وقطعها لقطعه. ثم عطف، على الإحسان إليهما، الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، بقوله وَبِذِي الْقُرْبى أي الأقارب. وقد جاء في الحديث الصحيح عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصدقة على المسكين صدقة. وهي على ذي الرحم اثنتان: صلة وصدقة. رواه الإمام أحمد «2» والترمذي والنسائيّ والحاكم وابن ماجة. ثم قال تعالى وَالْيَتامى وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم فأمر الله بالإحسان إليهم والحنوّ عليهم، تنزلا لرحمته عز وجل وَالْمَساكِينِ وهم المحاويج الذين لا يجدون ما يقوم
بكفايتهم. فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم، وتزول به ضرورتهم وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى أي الذي قرب جواره. أو الذي له مع الجوار قرب واتصال بنسب أو دين وَالْجارِ الْجُنُبِ أي الذي جواره بعيد. أو الأجنبيّ. وقال نوف البكاليّ: الجار ذي القربى. يعني الجار المسلم. والجار الجنب يعني اليهوديّ والنصرانيّ. وقد ورد في الوصية بالجار أحاديث كثيرة. منها قوله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» . أخرجاه في الصحيحين «1» عن ابن عمر. ومنها ما رواه الإمام أحمد «2» والترمذيّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه. وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» . وروى الإمام أحمد «3» عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يشبع الرجل دون جاره» . قال ابن كثير: تفرد به أحمد. وعن المقدار بن الأسود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «ما تقولون في الزنى؟ قالوا: حرمه الله ورسوله. فهو حرام إلى يوم القيامة. قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره. قال فقال: ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرمها الله ورسوله. فهي حرام. قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من جاره» . قال ابن كثير: تفرد به أحمد «4» . وله شاهد في الصحيحين «5» من حديث ابن مسعود. قال: سألت (أو سئل) رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: أن
تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت: ثم أيّ؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أيّ؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك. وروى الإمام أحمد «1» عن أبي العالية عن رجل من الأنصار قال: «خرجت من أهلي أريد النبيّ صلى الله عليه وسلم. فإذا أنا به قائم ورجل معه مقبل عليه. فظننت أن لهما حاجة. قال فقال الأنصاريّ: والله! لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أرثي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول القيام. فلما انصرف قلت: يا رسول الله! لقد قام بك الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال: ولقد رأيته؟ قلت: نعم. قال: أتدري من هو؟ قلت: لا. قال: ذاك جبريل. ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. ثم قال: أما إنك لو سلمت عليه ردّ عليك السلام» . ورواه عبد بن حميد عن جابر عن عبد الله قال: جاء رجل من العوالي ورسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السّلام يصليان حيث يصلي على الجنائز. فلما انصرف قال الرجل: يا رسول الله! من هذا الرجل الذي رأيت يصلي معك؟ قال: وقد رأيته؟ قال: نعم. قال: لقد رأيت خيرا كثيرا. هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى رأيت إنه سيورثه. قال ابن كثير: تفرد به من هذا الوجه. وهو شاهد للذي قبله. وروى البزار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد وهو أدنى الجيران حقّا. وجار له حقان. وجار له ثلاثة حقوق وهو أفضل الجيران حقّا. فأما الجار الذي له حق واحد فجار مشرك، لا رحم له، له حق. وأما الجار الذي له حقان، فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار. وأما الذي له ثلاثة حقوق. فجار مسلم ذو رحم، له حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم» . وروى الإمام أحمد والبخاريّ «2» عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن لي جارين. فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابا. وروى الإمام مسلم «3» عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك.
وفي رواية قال: إذا طبخت مرقا فأكثر ماءها ثم انظر إلى أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف. وروى الشيخان «1» عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «والله! لا يؤمن. والله! لا يؤمن. والله! لا يؤمن. قيل: ومن؟ يا رسول الله! قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» . ولمسلم «2» : لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه. والبوائق: الغوائل والشرور. ورويا عنه «3» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا نساء المؤمنات! لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة» . معناه: ولو أن تهدي لها فرسن شاة. وهو الظلف المحرق. وأراد به الشيء الحقير. ورويا عنه «4» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره . وقوله تعالى وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ قال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح. وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر. أي فإنه كالجار. وأوضحه الزمخشري بقوله: هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك. إما رفيقا في سفر. وإما جارا ملاصقا. وإما شريكا في تعلم علم أو حرفة. وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه. فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان. وروي عن عليّ وابن مسعود قالا: هي المرأة . أي لأنها تكون معك وتضجع إلى جنبك وَابْنِ السَّبِيلِ أي ابن الطريق. أي المسافر الغريب الذي انقطع عن بلده وأهله، وهو يريد الرجوع إلى بلده ولا يجد ما يتبلغ به. نسب إلى السبيل الذي هو الطريق لمروره عليه وملابسته له. أو الذي
يريد البلد غير بلده، لأمر يلزمه. وقال ابن عرفة: هو الضيف المنقطع به، يعطى قدر ما يتبلغ به إلى وطنه. وقال ابن برّي: هو الذي أتى به الطريق. كذا في (تاج العروس) . ولم يذكر السلف من المفسرين وأهل اللغة (السائل) في معنى ابن السبيل. لأنه جاء تابعا لابن السبيل في البقرة، في قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ- إلى قوله- وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ. قال بعضهم في (ابن السبيل) : ومنسوب إلى ما لم يلده ... كذاك الله نزّل في الكتاب وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني المماليك. فإنهم ضعفاء الحيلة. أسرى في أيدي الناس كالمساكين. لا يملكون شيئا. وقد ثبت عن عليّ عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوصي أمته في مرض الموت، يقول: الصلاة. الصلاة. اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم. رواه أبو داود وابن ماجة «1» وهذا لفظ أبي داود. وروى الإمام «2» أحمد عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة. وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة. ما أطعمت زوجك فهو لك صدقة. وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة. ورواه النسائيّ. قال الحافظ ابن كثير. وإسناده صحيح ولله الحمد. وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعطهم. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كفى بالمرء إثما أن يحبس، عمن يملك قوته» . رواه مسلم «3» . وعن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «للمملوك طعامه وكسوته. ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» . رواه مسلم «4» أيضا. وعنه أيضا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتى أحدكم بطعامه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله أكلة أو لقمة أو لقمتين. فإنه ولي حرّه وعلاجه. أخرجاه «5» . ولفظه للبخاريّ.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 37]
وعن أبي ذرّ رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: هم إخوانكم خولكم. جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم. فإن كلفتموهم فأعينوهم. أخرجاه «1» إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا أي متكبرا عن الإحسان إلى من أمر ببرّه فَخُوراً يعدّد مناقبه كبرا. وإنما خص تعالى هذين الوصفين بالذم، في هذا الموضع، لأن المختال هو المتكبر. وكل من كان متكبرا فإنه قلما يقوم برعاية الحقوق. ثم أضاف إليه ذم الفخور لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة. بل لمحض أمر الله تعالى. روى أبو داود «2» والحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الكبر من بطر الحق وغمط الناس» . وروى ابن جرير عن أبي رجاء الهرويّ قال. لا تجد سيّئ الملكة (الملكة) إلا وجدته مختالا فخورا. وتلا وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ... الآية ولا عاقا إلا وجدته جبارا شقيّا. وتلا وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا [مريم: 32] وقد ورد في ذم الخيلاء والفخر ما هو معروف. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 37] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (37) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ أي بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به فيما تقدم
فائدة:
وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أي ولا يكونون سبب الإحسان. بل يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم. فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء ممن وجد. وفي أمثال العرب: أبخل من الضنين بنائل غيره. قال: وإن امرءا ضنّت يداه على امرئ ... بنيل يد من غيره، لبخيل قال الزمخشريّ بعد حكاية ما تقدم: ولقد رأينا ممن بلي بداء البخل، من إذا طرق سمعه أن أحدا جاد على أحد، شخص به، وحل حبوته واضطرب، ودارت عيناه في رأسه. كأنما نهب رحله، وكسرت خزانته، ضجرا من ذلك وحسرة على وجوده. انتهى وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي من المال والغنى. فيوهمون الفقر مع الغنى والإعسار مع اليسار والعجز مع الإمكان وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بأن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى. ومن كان كافرا بنعمة الله تعالى فله عذاب يهينه، كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء. فائدة: قال أبو البقاء: في قوله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وجهان: أحدهما- هو منصوب بدل من مَنْ في قوله مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً وجمع على معنى مَنْ ويجوز أن يكون محمولا على قوله مُخْتالًا فَخُوراً وهو خبر كانَ وجمع على المعنى أيضا، أو على إضمار: أذم. والثاني- أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره: مبغضون. ودل عليه ما تقدم من قوله لا يُحِبُّ ويجوز أن يكون الخبر: معذبون. لقوله وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ويجوز أن يكون التقدير: هم الذين. ويجوز أن يكون مبتدأ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ معطوف عليه، والخبر إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ أي يظلمهم. ثم قال: والبخل والبخل لغتان. وقد قرئ بهما. وفيه لغتان أخريان البخل بضم الخاء والباء، والبخل بفتح وسكون الخاء. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 38] وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (38) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ أي قصد رؤية الخلق إياه، غفلة عن الخالق
لطيفة:
تقدس، وعماية عنه، ليقال: ما أسخاهم وما أجودهم وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أي الذي يتقرب إليه وحده ويتحرى بالاتفاق رضاه وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الذي هو يوم الجزاء وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً معينا في الدنيا فَساءَ قَرِيناً فبئس القرين والصاحب الشيطان. لأنه يضله عن الهدى ويحجبه عن الحق. وإنما اتصل الكلام هنا بذكر الشيطان، تقريعا لهم على طاعته. والمعنى: من يكن عمله بما سول له الشيطان فبئس العمل عمله. ويجوز أن يكون وعيدا لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار. لطيفة: قوله تعالى وَالَّذِينَ عطف على الَّذِينَ يَبْخَلُونَ أو على لِلْكافِرِينَ وإنما شاركوهم في الذم والوعيد لأن البخل كالإنفاق رياء، سواء في القبح واستتباع اللائمة والذم. ويجوز أن يكون العطف بناء على إجراء التغاير الوصفيّ مجرى التغاير الذاتيّ. كما في قوله: إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم أو مبتدأ خبره محذوف. يدل عليه قوله تعالى وَمَنْ يَكُنِ إلخ أي: فقرينهم الشيطان. وإنما حذف للإيذان بظهوره واستغنائه عن التصريح به. أو التقدير: فلا يقبل إحسانهم لأن رياءهم يدل على تفضيلهم الخلق على الله، ورؤيتهم على ثوابه. وقد روى مسلم «1» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه. وروى ابن أبي حاتم، في سبب نزول الآية، عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم. فأنزل الله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الآية. وأخرج ابن جرير «2» من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس، أن رجالا من اليهود
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 39]
كانوا يأتون رجالا من الأنصار ينتصحون لهم. فيقولون: لا تنفقوا أموالكم. فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها. ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون. فأنزل الله فيهم: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ. الآية. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 39] وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ أي فلم يرجحوا الخلق عليه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بالبعث والجزاء فلم يرجحوا تعظيمهم وحطامهم على ثوابه وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أعطاهم الله من المال، أي طلبا لرضاه وأجر آخرته. قال العلامة أبو السعود: وإنما لم يصرح به تعويلا على التفصيل السابق، واكتفاء بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر. فإنه يقتضي أن يكون الإنفاق لابتغاء وجهه تعالى وطلب ثوابه البتة. أي: وما الذي عليهم. أو: وأيّ تبعة ووبال عليهم في الإيمان بالله والإنفاق في سبيله؟ وهو توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة، والاعتقاد في الشيء بخلاف ما هو عليه، وتحريض على التفكر لطلب الجواب. لعله يؤدي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة والعوائد الجميلة. وتنبيه على أن المدعوّ إلى أمر لا ضرر فيه يجيب إليه احتياطا. فكيف إذا كان فيه منافع لا تحصى. وتقديم الإيمان بهما، لأهمّيّته في نفسه، ولعدم الاعتداد بالإنفاق بدونه. وأما تقديم (إنفاقهم رئاء الناس) على عدم إيمانهم بهما، مع كون المؤخر أقبح من المقدم، فلرعاية المناسبة بين إنفاقهم ذلك وبين ما قبله من بخلهم وأمرهم للناس به. انتهى وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً وعيد لهم بالعقاب. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 40] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ أي لا يبخس أحدا من ثواب عمله ولا يزيد في
عقابه شيئا مقدار ذرة، وهي النملة الصغيرة، في قول أهل اللغة. قال ثعلب: مائة من الذر زنة حبة شعير. وهذا مثل ضربه الله تعالى لأقل الأشياء. والمعنى: إن الله تعالى لا يظلم أحدا شيئا، قليلا ولا كثيرا. فخرج الكلام على أصغر شيء يعرفه الناس وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها أي وإن تك مثقال ذرة حسنة يضاعف ثوابها. وإنما أنث ضمير المثقال لتأنيث الخبر. أو لإضافته إلى الذرة وَيُؤْتِ أي زيادة على الأضعاف مِنْ لَدُنْهُ مما يناسب عظمته على نهج التفضل أَجْراً عَظِيماً أي عطاء جزيلا. وقد ورد في معنى هذه الآية أحاديث كثيرة. منها ما في الصحيحين «1» عن أبي سعيد الخدريّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل: وفيه: فيقول الله عز وجل: ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار. وفي لفظ: أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار. فيخرجون خلقا كثيرا. ثم يقول أبو سعيد: اقرؤا إن شئتم إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ. وقد روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال: فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة. أي بحسنته. ولا يخرج من النار أبدا. قال الحافظ ابن كثير: وقد يستدل له بالحديث الصحيح «2» إن العباس قال: يا رسول الله! هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم. هو في ضحضاح من نار. ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. وقد يكون هذا خاصا بأبي طالب من دون الكفار. بدليل ما رواه أبو داود «3» الطيالسيّ في مسنده عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة. يثاب عليها الرزق في الدنيا. ويجزي بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا. فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة. انتهى. ورواه مسلم «4» أيضا عن أنس أيضا مرفوعا. ولفظه: إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 41]
عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة يجزى بها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 41] فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً قال الرازيّ: وجه النظم هو أنه تعالى بيّن أن في الآخرة لا يجري على أحد ظلم وأنه تعالى يجازي المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه. فبيّن تعالى في هذه الآية أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق لتكون الحجة على المسيء أبلغ. والتبكيت له أعظم. وحسرته أشد. ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول وأظهر الطاعة أعظم. ويكون هذا وعيدا للكفار الذين قال الله فيهم إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ووعدا للمطيعين الذين قال الله فيهم وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها. ثمن قال: من عادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه: كيف بك إذا كان كذا وكذا، وإذا فعل فلان كذا، أو إذا جاء وقت كذا؟ فمعنى هذا الكلام: كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد الله على كل أمة برسولها. واستشهدك على هؤلاء. يعني قومه المخاطبين بالقرآن الذين شاهدهم وعرف أحوالهم. ثم إن أهل كل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم. وعلى هذا الوجه قال عيسى عليه السّلام: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [المائدة: 117] ونظير هذه الآية قوله تعالى: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [النحل: 89] . إلخ. وروى الشيخان «1» وغيرهما عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ عليّ. فقلت: يا رسول الله؟ أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم. إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء. حتى أتيت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً. فقال: حسبك الآن. فإذا عيناه تذرفان.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 42]
زاد مسلم: شهيدا ما دمت فيهم. أو قال ما كنت فيهم . شك أحد رواته. وروى ابن جرير عن ابن مسعود في هذه الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شهيد عليهم ما دمت فيهم. فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 42] يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42) يَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة يَوَدُّ أي يتمنى الَّذِينَ كَفَرُوا بالله وَعَصَوُا الرَّسُولَ بالإجابة لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أي يهلكون فيها. أي يدفنون. فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى. إذ هو أعزّ لهم من الهوان الذي يلحقهم من فضائحهم. كقوله: وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ... الآية. ف (تسوّى) بمعنى: تجعل مستوية. والباء للملابسة. أي تسوى الأرض متلبسة بهم. وقيل: الباء بمعنى (على) وفي (الدر المصون) : وتسوية الأرض بهم أو عليهم: دفنهم. أو أن تنشق وتبلعهم. أو أنهم يبقون ترابا على أصلهم من غير خلق. وقوله تعالى وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً عطف على (يود) أي ويعترفون بجميع ما فعلوه لا يقدرون على كتمانه. لأن جوارحهم تشهد عليهم. أو (الواو) للحال. أي يودون أن يدفنوا في الأرض وحالهم أنهم لا يكتمون من الله حديثا. ولا يكذبونه بقولهم: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. كما روى ابن جرير «1» عن الضحاك أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس! قول الله تعالى. وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً. وقوله: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن. فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله تعالى يجمع الناس يوم القيامة في بقيع واحد. فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئا إلا ممن وحده. فيقولون (تعالوا نقل) . فيسألهم فيقولون: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. قال فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم فتشهد عليهم- جوارحهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك تمنّوا لو أن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله حديثا. وروى عبد الرزاق عن سعيد بن جبير نحو ما تقدم. واعتمده الإمام أحمد في
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 43]
كتاب (الرد على الجهمية) في باب (بيان ما ضلت فيه الزنادقة من متشابه القرآن) وساق مثل ما تقدم عن ابن عباس. ثم قال: فهذا تفسير ما شكّت فيه الزنادقة. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 43] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (43) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر في جماعة كانوا يشربونها ثم يصلّون. أي من مقتضى إيمانكم الحياء من الله. ومن الحياء منه أن لا تقوموا إلى الصلاة وأنتم سكارى لا تعلمون ما تخاطبونه. فالحياء من الله يوجب ذلك. وتصدير الكلام بحرفي النداء والتنبيه، للمبالغة في حملهم على العمل بموجب النهي. وتوجيه النهي إلى قربان الصلاة، مع أن المراد هو النهي عن إقامتها، للمبالغة في ذلك. قال الحافظ ابن كثير: كان هذا النهي قبل تحريم الخمر. كما دل عليه الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة: 219] . الآية. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاها على عمر. فقال: اللهم! بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه. فقال: اللهم! بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلوات. حتى نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 90- 91] . فقال عمر: انتهينا. انتهينا. ولفظ أبي داود «1» عن عمر بن الخطاب في قصة تحريم الخمر فذكر الحديث. وفيه: نزلت الآية التي في النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ. فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قامت الصلاة، ينادي: لا يقربن الصلاة سكران.
وروى ابن أبي شيبة وابن حاتم عن سعد رضي الله عنه قال: نزلت فيّ أربع آيات: صنع رجل من الأنصار طعاما فدعا أناسا من المهاجرين وأناسا من الأنصار. فأكلنا وشربنا حتى سكرنا. ثم افتخرنا. فرفع رجل لحى بعير فغرز بها أنف سعد فكان سعد مغروز الأنف وذلك قبل تحريم الخمر. فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى. الآية. والحديث بطوله عند مسلم «1» ورواه أهل السنن إلا ابن ماجة. وروى أبو داود «2» والنسائيّ عن عليّ رضي الله عنه، أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر. فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. فخلط فيها. فنزلت: لا تَقْرَبُوا. الآية. وروى ابن أبي حاتم عن عليّ رضي الله عنه: قال صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر. فأخذت الخمر منا. وحضرت الصلاة. فقدموا فلانا. قال: فقرأ قل يا أيها الكافرون ما أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون. فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا. الآية. وكذا رواه الترمذي «3» وقال: حسن صحيح وَلا جُنُباً عطف على قوله وَأَنْتُمْ سُكارى إذ الجملة في موضع النصب على الحال. والجنب الذي أصابته الجنابة. يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والجمع. لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ أي مارّين بلا لبث حَتَّى تَغْتَسِلُوا من الجنابة: أي لا تقربوا موضع الصلاة، وهو المسجد، وأنتم جنب، إلا مجتازين فيه. إما للخروج منه أو للدخول فيه. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في معنى الآية قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل. قال: تمر به مرّا، ولا تجلس. ثم رواه عن كثير من الصحابة. منهم ابن مسعود وثلة من التابعين. وروى ابن جرير «4» عن الليث قال حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن قول الله عز وجل: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ. أن رجالا من المسجد تصيبهم جنابة ولا ماء عنهم فيريدون الماء. ولا يجدون ممرا إلا في المسجد. فأنزل الله تعالى: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ.
قال الحافظ ابن كثير: ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب رحمه الله، ما ثبت في صحيح البخاري «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر . وهذا قاله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته. علما منه أن أبا بكر. رضي الله عنه سيلبي الأمر بعده ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين. فأمر بسد الأبواب الشارعة. إلى المسجد إلا بابه رضي الله عنه ومن روى: إلا باب عليّ، كما وقع في بعض السنن، فهو خطأ والصواب ما ثبت في الصحيح. ومن هذا التأويل احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد. ويجوز له المرور. وثمة تأويل آخر في قوله تعالى إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ وهو أن المراد منه المسافرون. أي لا تقربوا الصلاة جنبا في حال من الأحوال إلا حال كونكم مسافرين. فيكون هذا الاستثناء دليلا على أنه يجوز للجنب الإقدام على الصلاة عند العجز عن الماء. وقد روى ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش عن عليّ في هذه الآية، قال: لا يقرب الصلاة لا أن يكون مسافرا تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء، فيصلي حتى يجد الماء. ثم رواه من وجه آخر عن عليّ: ورواه عن جماعة من السلف أيضا: أنه في السفر. قال ابن كثير: ويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه الإمام أحمد «2» وأهل
السنن عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصعيد الطيب طهور المسلم. وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسّه بشرتك فإن ذلك خير لك. وفي هذا التأويل بقاء لفظ الصلاة على معناه الحقيقيّ في الجملتين المتعاطفتين. وفي التأويل السابق تكون الصلاة، في الجملة الثانية محمولة على مواضعها. قال في (فتح البيان) : وبالجملة، فالحال الأولى أعني قوله وَأَنْتُمْ سُكارى تقوّي بقاء الصلاة على معناه الحقيقي، من دون تقدير مضاف. وسبب نزول الآية السابق يقوّي ذلك. وقوله إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ يقوّي تقدير المضاف. أي لا تقربوا مواضع الصلاة. ويمكن أن يقال: إن بعض قيود النهي (أعني لا تقربوا وهو قوله: وَأَنْتُمْ سُكارى) يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقيّ. وبعض قيود النهي (وهو قوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) يدل على أن المراد مواضع الصلاة. ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه. ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد. وهما: لا تقربوا الصلاة التي هي ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى. ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب. وغاية ما يقال في هذا إنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز. وهو جائز بتأويل مشهور. وقال ابن جرير «1» (بعد حكايته للتأويلين) : وأولى القولين بالتأويل لذلك، تأويل من تأوله وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ، إلا مجتازي طريق فيه. وذلك أنه قد بيّن حكم المسافر إذا عدم الماء. وهو جنب، في قوله وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ إلى آخره. فكان معلوما بذلك أن قوله وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا لو كان معنيّا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ معنى مفهوم. وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد
تنبيهات:
للصلاة، مصلين فيها، وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل. قال: و (العابر السبيل) المجتازه مرّا وقطعا. يقال منه: عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا. ومه قيل: عبر فلان النهر إذا قطعه وجازه. ومنه قيل، للناقة القوية على الأسفار: هي عبر أسفار. وعبر أسفار، لقوتها على الأسفار. قال ابن كثير: وهذا الذي نصره (يعني ابن جرير) هو قول الجمهور وهو الظاهر من الآية. وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها. وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها أيضا، والله أعلم. وقوله تعالى حَتَّى تَغْتَسِلُوا غاية للنهي عن قربان الصلاة ومواضعها، حال الجنابة. والمعنى: لا تقربوها حال الجنابة حتى تغتسلوا. إلا حال عبوركم السبيل. تنبيهات: الأول- في الآية تحريم الصلاة على السكران حال سكره حتى يصحو. وبطلانها وبطلان الاقتداء به. وعلى الجنب حتى يغتسل إلا أن يكون مسافرا. فيباح له التيمم. الثاني- تمسك بالآية من قال: إن طلاق السكران لا يقع لأنه إذا لم يعلم ما يقوله انتفى القصد. وبه قال عثمان بن عفان وابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة والليث بن سعد وإسحاق وأبو ثور والمزنيّ واختاره الطحاويّ. والمسألة مبسوطة في (زاد المعاد) للإمام ابن القيّم. الثالث- في الآية دليل على أن ردة السكران ليست بردة: لأن قراءة سورة الكافرين، بطرح اللاءات، كفر. ولم يحكم بكفره حتى خاطبهم باسم الإيمان. وما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالتفريق بينه وبين امرأته. ولا بتجديد الإيمان. ولأن الأمة اجتمعت على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه مخطئا، لا يحكم بكفره. قاله النسفيّ. الرابع- استدل بأحد التأويلين السابقين على تحريم دخول المسجد على السكران. لما يتوقع منه من التلويث وفحش القول. فيقاس به كل ذي نجاسة يخشى منها التلويث والسباب ونحوه. كذا في (الإكليل) . الخامس- استدل ابن الفرس بتوجيه الخطاب لهم في الآية على تكليف
السكران ودخوله تحت الخطاب. وفيه نظر. لأن الخطاب عام لكل مؤمن. وعلى تقدير أنه قصد به الذين صلوا في حال السكر، فإنما نزل بعد صحوهم. كذا في (الإكليل) . السادس- في قوله تعالى حَتَّى تَغْتَسِلُوا رد على من أباح جلوس الجنب مطلقا إذا توضأ. لأن الله تعالى جعل غاية التحريم الغسل. فلا يقوم مقامه الوضوء. كذا في (الإكليل) . أقول: إنما يكون هذا حجة لو كانت الآية نصّا في تأويل واحد. وحيث تطرق الاحتمال لها، على ما رأيت، فلا. وقد تمسك المبيح، وهو الإمام أحمد، بما روى هو وسعيد بن منصور في (سننه) بسند صحيح، أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال سعيد بن منصور في (سننه) : حدثنا عبد العزيز بن محمد، هو الدراورديّ، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا وضوء الصلاة. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. السابع- قال العلامة أبو السعود: لعل تقديم الاستثناء على قوله حَتَّى تَغْتَسِلُوا للإيذان، من أول الأمر، بأن حكم النهي في هذه الصورة ليس على الإطلاق، كما في صورة السكر، تشويقا إلى البيان، وروما لزيادة تقرره في الأذهان. الثامن- قال أيضا: في الآية الكريمة إشارة إلى أن المصلي حقه أن يتحرز عما يليه ويشغل قلبه، وأن يزكي نفسه عما يدنسها، ولا يكتفي بأدنى مراتب التزكية، عند إمكان أعاليها. التاسع- أشعر قوله تعالى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ بالنهي عن الصلاة حال النعاس. كما روى الإمام أحمد والبخاريّ «1» والنسائيّ عن أنس قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف ولينم حتى يعلم ما يقول» . وفي رواية: فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه. وقد روى ابن جرير عن الضحاك في الآية قال: لم يعن بها سكر الخمر. وإنما عنى بها سكر النوم. قال ابن جرير: والصواب أن المراد سكر الشراب. قال الرازيّ: ويدل عليه وجهان: الأول- أن لفظ السكر حقيقة في السكر من شرب الخمر. والأصل في الكلام الحقيقة. والثاني- أن جميع المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب الخمر. وقد ثبت في أصول الفقه أن الآية إذا نزلت في واقعة معينة، ولأجل سبب معين، امتنع أن لا يكون ذلك السبب مرادا بتلك الآية. العاشر- قال الحافظ ابن كثير: قد يحتمل أن يكون المراد من الآية التعريض بالنهي عن السكر بالكلية. لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات، من الليل والنهار. فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائما. والله أعلم. وعلى هذا فيكون كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102] . وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإسلام، والمداومة على الطاعة لأجل ذلك. انتهى. الحادي عشر- قال الرازيّ: قال بعضهم: هذه الآية، أي لا تَقْرَبُوا إلخ منسوخة بآية المائدة. وأقول: الذي يمكن ادعاء النسخ فيه أن يقال: نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدودا إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول. والحكم الممدود إلى غاية، يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية. فهذا يقتضي جواز قربان الصلاة مع السكر إذا صار بحيث يعلم ما يقول. ومعلوم أن الله تعالى لما حرم الخمر بآية المائدة، فقد رفع هذا الجواز. فثبت أن آية المائدة ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية. هذا ما حضر ببالي في تقرير هذا النسخ. والجواب عنه: أنا بيّنا أن حاصل هذا النهي راجع إلى النهي عن الشرب الموجب للسكر عند القرب من الصلاة. وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه إلا على سبيل الظن الضعيف. ومثل هذا لا يكون نسخا. انتهى.
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أي ولم تجدوا بقربكم ماء تستعملونه. ومنه فقد من يناوله إياه، أو خشيته الضرر به أَوْ عَلى سَفَرٍ لا تجدونه فيه أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أي أو كنتم محدثين. والغائط هو المكان المنخفض. فالمجيء منه كناية عن الحدث. لأن المعتاد أن من يريده يذهب إليه ليواري شخصه عن أعين الناس. قال الخازن: كانت عادة العرب إتيان الغائط للحدث. فكنوا به عن الحدث. وذلك أن الرجل منهم، كان إذا أراد قضاء الحاجة، طلب غائطا من الأرض، يعني مكانا منخفضا منها يحجبه عن أعين الناس. فسمي الحدث بهذا الاسم. فهو من باب تسمية الشيء باسم مكانه. انتهى. وإسناد المجيء إلى واحد مبهم من المخاطبين دونهم، للتفادي عن التصريح بنسبتهم إلى ما يستحيا منه أو يستهجن التصريح به. كذا قاله أبو السعود. ثم قال: وكذلك إيثار الكناية فيما عطف عليه من قوله عز وجل أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ على التصريح بالجماع. قال الشهاب: وفي ذكر (أحد) دون غيره إشارة إلى أن الإنسان ينفرد عند قضاء الحاجة كما هو دأبه وأدبه فَلَمْ تَجِدُوا ماءً قال المهايميّ: أي فلا تستحيوا من الله، بل اعتذروا إليه فَتَيَمَّمُوا أي اقصدوا صَعِيداً أي ترابا أو وجه الأرض طَيِّباً أي طاهرا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً تعليل للترخيص والتيسير، وتقرير لهما. فإن من عادته المستمرة أن يعفو عن الخاطئين ويغفر للمذنبين، لا بد أن يكون ميسرا لا معسرا. وفي هذه الآية مسائل: الأول- الظاهر أن قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا راجع إلى جميع ما قبلها وحينئذ لا يجوز التيمم في الكل إلا عند عدم الماء. وأما ما قيل أنه راجع إلى قوله تعالى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ لأنه قد وجد المانع هاهنا من تقييد السفر والمرض، بعدم الوجود للماء، وهو أن كل واحد منهما عذر مستقل في غير هذا الموضع كالصوم- فلا يفيد. لأن عدم الوجود معتبر فيهما لإباحة التيمم قطعا. إذ ليس السفر بمجرده مبيحا. وكذلك المرض. وأما ما يقال من أنه قد يباح للمريض التيمم مع وجود الماء إذا خشي الضرر به، فعدم الوجود في حقه إذن غير قيد. فالجواب: أن هذا داخل تحت عدم الماء لأن من تعذر عليه استعماله هو، عادم له، إذ ليس المراد الوجود الذي لا ينفع. فمن كان يشاهد ماء في قعر بئر، يتعذر عليه الوصول إليه بوجه من الوجوه، فهو عادم له. وهكذا خوف السبيل الذي يسلك إلى الماء. وهكذا من كان يحتاجه للشرب فهو عادم له. ولئن سلمنا، تنزلا، أن المراد مطلق الوجود فنقول: المدعي أنه تعالى جوز التيمم للمريض إذا لم يجد الماء.
وليس فيه دلالة على منعه من التيمم عند وجوده لعارض يمنعه من الماء. فإن قيل: من أين تستدلون حينئذ على إباحة تيممه؟ قلنا: من التحقيق الذي ذكرناه وهو أن المتعذر استعماله معدوم شرعا وكذا من قوله تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: 29] وقوله وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195] وقوله وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] ، ومما أخرجه أبو داود «1» وابن ماجة والدّارقطنيّ من حديث جابر رضي الله عنه قال: خرجنا في سفر. فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه. ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك. فقال: قتلوه، قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العيّ السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر (ويعصب) على جرحه، ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده. ومما رواه أحمد وأبو داود «2» وابن حبان والحاكم والدّارقطنيّ عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت، أن أهلك. فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح. فذكروا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا . فهذا وما قبله يدل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر. قال مجد الدين ابن تيمية: في حديث عمرو، من العلم، أن التمسك بالعمومات حجة صحيحة. انتهى. وقد روى ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى قال: نزلت في رجل من الأنصار كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ. ولم يكن له خادم فيناوله. فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية. قال ابن كثير: هذا مرسل. الثانية- ما يصدق عليه مفهوم عدم الوجود المقيد بالقيام إلى الصلاة، هو المعتبر في تسويغ التيمم. كما هو الظاهر من الآية. لا عدم الوجود مع طلب
مخصوص، كما قيل: إنه يطلب في كل جهة من الجهات الأربع في ميل أو ينتظر إلى آخر الوقت حتى لا يبقى إلا ما يسع الصلاة بعد التيمم. إذ لا دليل على ذلك. فإذا دخل الوقت المضروب للصلاة، وأراد المصلي القيام إليها فلم يجد حينئذ ما يتوضأ به، أو يغتسل في منزله أو مسجده، أو ما يقرب منهما، كان ذلك عذرا مسوّغا للتيمم. فليس المراد بعدم الوجود في ذلك أن لا يجده بعد الكشف والبحث وإحفاء السؤال. بل المراد أن لا يكون معه علم أو ظن بوجود شيء منه هنالك، ولم يتمكن في تلك الحالة من تحصيله بشراء أو نحوه. فهذا يصدق عليه أنه لم يجد الماء عند أهل اللغة. والواجب حمل كلام الله تعالى على ذلك، مع عدم وجود عرف شرعيّ. وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم ما يشعر بما ذكرناه. فإنه تيمم في المدينة من جدار. كما ثبت ذلك في الصحيحين «1» من دون أن يسأل ويطلب. ولم يصح عنه في الطلب شيء تقوم به الحجة. فهذا، كما يدل على وجوب الطلب، يدل على عدم وجوب انتظار آخر الوقت، ويدل على ذلك حديث الرجلين اللذين تيمما في سفر ثم وجدا الماء. فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر: فقال صلى الله عليه وسلم للذي لم يعد: أصبت السنة. أخرجه أبو داود «2» والحاكم وغيرهما من حديث أبي سعيد. فإنه يردّ قول من قال بوجوب الانتظار إلى آخر الوقت على المتيمم. سواء كان مسافرا أو مقيما. كذا في (الروضة الندية) . الثالثة- دلت الآية على أن المسافر إذا لم يجد الماء تيمم. طال سفره أو قصر. الرابعة- قرئ في السبع (لامستم ولمستم) والملامسة واللمس يردان، لغة، بمعنى الجس باليد، وبمعنى الجماع. قال المجد في (القاموس) لمسه يلمسه
ويلمسه: مسّه بيده. والجارية جامعها. ثم قال: والملامسة المماسة والمجامعة. ومن ثمة اختلف المفسرون والأئمة في المعنيّ بذلك هنا. فمن قائل بأن اللمس حقيقة في الجس باليد، مجاز في غيره. والأصل حمل الكلام على حقيقته لأنه الراجح، لا سيما على قراءة (لمستم) إذ لم يشتهر في الوقاع كالملامسة. وروي عن ابن مسعود من طرق متعددة أنه قال «1» : الملامسة ما دون الجماع. وعنه «2» : القبلة من المس وفيها الوضوء. رواهما ابن جرير. وروى الطبرانيّ بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال: يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده، ومن القبلة. وكان يقول في هذه الآية أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ: هو الغمز. وروى ابن جرير «3» عن نافع أن ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة. ويرى فيها الوضوء. ويقول: هي من اللّماس. وذكر ابن أبي حاتم أنه روي عن كثير من التابعين نحو ذلك. قالوا: ومما يؤيد بقاء اللمس على معناه الحقيقيّ قوله تعالى وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ [الأنعام: 7] أي جسّوه. وقال صلى الله عليه وسلم «4» لماعز، حين أقر بالزنى، يعرّض له بالرجوع عن الإقرار: «لعلك قبلت أو لمست» ؟ وفي الحديث الصحيح «5» : واليد زناها اللمس. وقالت عائشة «6» : قلّ يوم إلا ورسول
فصل
الله صلى الله عليه وسلم يطوف علينا. فيقبل ويلمس. ومنه ما ثبت في الصحيحين «1» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الملامسة. وهو يرجع إلى الجس باليد. واستأنسوا أيضا بالحديث الذي رواه أحمد «2» عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال: يا رسول الله! ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا أتاه منها غير أنه لم يجامعها. قال فأنزل الله عز وجل هذه الآية وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [هود: 114] الآية. قال فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: توضأ ثم صلّ. قال معاذ: فقلت: يا رسول الله! أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال: بل للمؤمنين عامة. ورواه الترمذيّ «3» وقال: ليس بمتصل. والنسائيّ مرسلا. قالوا: فأمره بالوضوء لأنه لمس المرأة ولم يجامعها. فصل ومن قائل: إن المعنيّ باللمس هنا الجماع. وذلك لوروده في غير هذه الآية بمعناه. فدل على أنه من كنايات التنزيل. قال تعالى وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: 237] . وقال تعالى إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب: 49] . وقال في آية الظهار فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة: 3] . وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ قال: الجماع. وروى ابن جرير» عنه. قال: إن اللمس والمس والمباشرة: الجماع. ولكن الله يكني ما يشاء بما شاء. وقد صح من غير وجه عن ابن عباس أنه قال ذلك. وقد تقرر أن تفسيره أرجح من تفسير غيره، لاستجابة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه بتعليمه تأويل الكتاب «5» . كما أسلفنا بيان ذلك في مقدمة التفسير. ويؤيد عدم النقض بالمس ما رواه مسلم «6» والترمذيّ وصححه عن عائشة
قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد. وهما منصوبتان. وهو يقول: «اللهم! إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» . وروى «1» النسائيّ عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي وإني لمعترضته بين يديه اعتراض الجنازة. حتى إذا أراد أن يوتر مسّني برجله. قال الحافظ ابن حجر في (التلخيص) : إسناده صحيح. وقوله في (الفتح) : يحتمل أنه كان بحائل أو أنه خاص به صلى الله عليه وسلم، تكلف، ومخالفة للظاهر. وعن إبراهيم التيميّ عن عائشة رضي الله عنها. أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ. رواه أبو داود «2» والنسائيّ : قال أبو داود: هو مرسل. إبراهيم التيميّ لم يسمع من عائشة. وقال النسائيّ: ليس في هذا الباب أحسن من هذا الحديث، وإن كان مرسلا. وصححه ابن عبد البر وجماعة. وشهد له ما تقدم وما رواه الطبرانيّ في المعجم الصغير من حديث عمرة عن عائشة قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة. فقلت: إنه قام إلى جاريته مارية. فقمت ألتمس الجدار فوجدته قائما يصلي. فأدخلت يدي في شعره لأنظر: أغتسل أم لا؟ فلما انصرف قال: أخذك شيطانك يا عائشة . وفيه محمد بن إبراهيم عن عائشة. قال ابن أبي حاتم: ولم يسمع منها. قال ابن جرير «3» : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ الجماع دون غيره من معاني اللمس. لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ. ثم أسنده من طرق. وبه يعلم أن حديث عائشة قرينة صرفت إرادة المعنى الحقيقيّ من اللمس، وأوجبت المصير إلى معناه المجازيّ. وأما ما روي عن ابن عمر وابن مسعود، فنحن لا ننكر صحة إطلاق
اللمس على الجسّ باليد. بل هو المعنى الحقيقيّ. ولكنا ندعي أن المقام محفوف بقرائن توجب المصير إلى المجاز. وأما قولهم: بأن القبلة فيها الوضوء، فلا حجة في قول الصحابيّ. لا سيما إذا وقع معارضا لما ورد عن الشارع. ويؤيد ذلك قول اللغويين. أن المراد بقول بعض الأعراب للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن امرأته لا تردّ يد لامس، الكناية عن كونها زانية. ولهذا قال له صلى الله عليه وسلم: طلقها. وأما حديث معاذ الذي استأنسوا به فلا دلالة فيه على النقض. لأنه لم يثبت أنه كان متوضئا قبل أن يأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم بالوضوء. ولا ثبت أنه كان متوضئا عند اللمس، فأخبره النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قد انتقض وضوؤه كذا في (نيل الأوطار) . وقال ابن كثير: هو منقطع بين ابن أبي ليلى ومعاذ. فإنه لم يلقه. ثم يحتمل أنه إنما أمره بالوضوء والصلاة المكتوبة، كما تقدم في حديث الصديق «1» : ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له. وهو مذكور في سورة آل عمران عند قوله ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران: 135] الآية. الخامسة- التيمم، لغة، القصد. يقال: تيممته وتأممته ويممته وآممته أي قصدته. وأما الصعيد فهو فعيل بمعنى الصاعد. قال الزجاج: الصعيد وجه الأرض، ترابا كان أو غيره. لا أعلم اختلافا بين أهل اللغة في ذلك. وفي (المصباح) الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه: على التراب الذي على وجه الأرض وعلى وجه الأرض. وعلى الطريق وفي (القاموس) : الصعيد التراب أو وجه الأرض. قال الأزهريّ: ومذهب أكثر العلماء أن الصعيد من قوله تعالى صَعِيداً طَيِّباً هو التراب. انتهى. واحتجوا بما في صحيح مسلم «2» عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة. وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا. وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء. وفي لفظ: وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء . قالوا: فخصص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان. فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه. قالوا: وحديث جابر «3» المتفق عليه: جعلت
لي الأرض مسجدا وطهورا، خصصه ما قبله لأن الخاص يحمل عليه العام. واحتجوا أيضا بأن الطيّب لا يكون إلا ترابا. قال الواحديّ: إنه تعالى أوجب في هذه الآية كون الصعيد طيّبا. والأرض الطيبة هي التي تنبت بدليل قوله تعالى وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: 58] فوجب في التي لا تنبت أن لا تكون طيبة. فكان قوله فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً أمرا بالتيمم بالتراب فقط. وظاهر الأمر للوجوب. واحتجوا أيضا بآية المائدة. قالوا: الآية هاهنا مطلقة ولكنها في سورة المائدة مقيّدة وهي قوله سبحانه وتعالى فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة: 6] وكلمة (من) للتبعيض وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه. قال الزمخشريّ: وقولهم إن (من) لابتداء الغاية، قول متعسف. ولا يفهم أحد من العرب، من قول القائل: (مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب) إلا معنى التبعيض. ثم قال: والإذعان للحق أحق من المراء. انتهى. وأجاب القائلون، بجواز التيمم بالأرض وما عليها، عن هذه الحجج- بأن الظاهر من لفظ الصعيد وجه الأرض لأنه ما صعد أي علا وارتفع على وجه الأرض. وهذه الصفة لا تختص بالتراب. ويؤيد ذلك حديث: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. وهو متفق عليه من حديث جابر وغيره. وما ثبت في رواية بلفظ (وتربتها طهورا) كما أخرجه مسلم من حديث حذيفة - فهو غير مستلزم لاختصاص التراب بذلك عند عدم الماء. لأن غاية ذلك أن لفظ التراب دل بمفهومه على أن غيره من أجزاء الأرض لا يشاركه في الطهورية. وهذا مفهوم لقب لا ينتهض لتخصيص عموم الكتاب والسنة. ولهذا لم يعمل به من يعتد به من أئمة الأصول. فيكون ذكر التراب، في تلك الرواية من باب التنصيص على بعض أفراد العام. وهكذا يكون الجواب عن ذكر التراب في غير هذا الحديث. ووجه ذكره أنه الذي يغلب استعماله في هذه الطهارة. ويؤيد هذا ما ثبت من تيممه صلى الله عليه وسلم من جدار. وأما الاستدلال بوصف الصعيد بالطيب، ودعوى أن الطيب لا يكون إلا ترابا طاهرا منبتا لقوله تعالى
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً [الأعراف: 58]- فغير مفيد للمطلوب إلا بعد بيان اختصاص الطيّب بما ذكر. والضرورة تدفعه. فإن التراب المختلط بالأزبال أجود إخراجا للنبات. كذا في (الروضة الندية) . وأما الاستدلال بآية المائدة وظهور التبعيض في (من) فذاك إذا كان الضمير عائدا إلى الصعيد. قال الناصر في (الانتصاف) : وثمة وجه آخر وهو عود الضمير على الحدث المدلول عليه بقوله وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى إلى آخرها فإن المفهوم منه: وإن كنتم على حدث في حال من هذه الأحوال: سفر أو مرض، أو مجيء من الغائط، أو ملامسة النساء فلم تجدوا ماء تتطهرون به من الحدث، فتيمموا منه. يقال: تيممت من الجنابة. قال: وموقع (من) على هذا مستعمل متداول. وهي على هذا الإعراب إما للتعليل أو الغاية. وكلاهما فيها متمكن. والله أعلم. السادسة- أفاد قوله تعالى فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ أن الواجب في التيمم عن وضوء أو غسل هو مسح الوجه واليدين فقط. وهذا إجماع. إلا أن في اليدين مذاهب للأئمة. فمن قائل بأنهما يمسحان إلى المرفقين، لأن لفظ اليدين يصدق في إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين وعلى ما يبلغ المرفقين. كما في آية الوضوء. وعلى ما يبلغ الكفين كما في آية السرقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما. وقالوا: وحمل ما أطلق هاهنا، على ما قيد في آية الوضوء، أولى لجامع الطهورية. وروى الشافعيّ عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن الأعرج عن ابن الصمة قال: مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول. فسلمت عليه فلم يرد عليّ. حتى قام إلى الجدار فحتّه بعصا كانت معه. ثم وضع يده على الجدار فمسح وجهه وذراعيه. ثم رد عليّ. وهذا الحديث منقطع. لأن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، لم يسمع هذا من ابن الصمة. وإنما سمعه من عمير مولى ابن عباس عن ابن الصمة. وكذا هو مخرج في الصحيحين عن عمير مولى ابن عباس قال: دخلنا على أبي جهيم بن الحارث. فقال أبو جهيم: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل. فلقيه رجل فسلم عليه. فلم يردّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل على الجدار. فوضع يده على الحائط. فمسح بوجهه ويديه. ثم ردّ عليه السلام.
فصل
ولأبي داود «1» عن نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس. فقضى ابن عمر حاجته. فكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سكة من السكك. وقد خرج من غائط أو بول. فسلم عليه فلم يرد عليه. حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة، ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه. ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه. ثم رد على الرجل السلام. وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام، إلا أني لم أكن على طهر. وفي رواية: فمسح ذراعيه إلى المرفقين . فهذا أجود ما في الباب. فإن البيهقيّ أشار إلى صحته. كذا في (لباب التأويل) . قال ابن كثير في حديث أبي داود ما نصه: ولكن في إسناده محمد بن ثابت العبديّ. وقد ضعفه بعض الحفاظ. ورواه غيره من الثقات فوقفوه على فعل ابن عمر. قال البخاريّ، وأبو زرعة وابن عديّ: هو الصحيح. وقال البيهقيّ: رفع هذا الحديث منكر. قال ابن كثير: وذكر بعضهم ما رواه الدّارقطنيّ عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين. ولكن لا يصح. لأن في إسناده ضعفا لا يثبت الحديث به. انتهى. وذلك لأن فيه عليّ بن ظبيان. قال الحافظ ابن حجر: هو ضعيف، ضعفه القطان وابن معين وغير واحد. وبه يعلم أن ما استدل به على إيجاب الضربتين، مما ذكر، ففيه نظر. لأن طرقها جميعها لا تخلو من مقال. ولو صحت لكان الأخذ بها متعينا لما فيها من الزيادة. فصل ذهب الزهريّ إلى أنه يمسح اليدين إلى المنكبين. ويدل على ذلك ما روي عن عمار بن ياسر قال: تمسّحوا وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصعيد لصلاة الفجر. فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة. ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى. فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم. أخرجه أبو داود «2» .
فصل
قال الحافظ في (الفتح) : وأما رواية الآباط فقال الشافعيّ وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم فكل تيمم صح للنبيّ صلى الله عليه وسلم بعده فهو ناسخ له. وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. فصل والحق الوقوف في صفة التيمم على ما ثبت في الصحيحين «1» من حديث عمار، من الاقتصار على ضربة واحدة للوجه والكفين. قال عمار: أجنبت فلم أصب الماء. فتمعكت في الصعيد وصليت. فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنما كان يكفيك هكذا. وضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه . متفق عليه. وفي لفظ: إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب ثم تنفخ فيهما ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين. رواه الدّارقطنيّ. وروى الإمام أحمد وأبو داود «2» عن عمار بن ياسر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في التيمم ضربة للوجه واليدين. وفي لفظ: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمره بالتيمم للوجه والكفين. رواه الترمذيّ «3» وصححه. قال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمار ضربة واحدة. وما روي عنه من ضربتين فكلها مضطربة. وأما الجواب عن المتفق عليه من حديث عمار بأن المراد منه بيان صورة الضرب، وليس المراد منه جميع ما يحصل به التيمم- فتكلف واضح، ومخالفة للظاهر. وقد سرى هذا إلى العلامة السنديّ في (حواشي البخاريّ) حيث كتب على
حديث عمار ما نصه: قد استدل المصنف (يعني البخاريّ) بهذا الحديث على عدم لزوم الذراعين في التيمم في موضع. وعلى عدم وجوب الضربة الثانية في موضع آخر، وكذا سيجيء في الروايات هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قدم في هذه الواقعة الكفين على الوجه. فاستدل به القائل لعدم لزوم الترتيب. فلعل القائل بخلاف ذلك يقول: إن هذا الحديث ليس مسوقا لبيان عدد الضربات ولا لبيان تحديد اليد في التيمم ولا لبيان عدم لزوم الترتيب. بل ذلك أمر مفوض إلى أدلة خارجة، وإنما هو مسوق لرد ما زعمه عمار من أن الجنب يستوعب البدن كله، والقصر في قوله: (إنما كان يكفيك) معتبر بالنسبة إليه. كما هو القاعدة أن القصر يعتبر بالنظر إلى زعم المخاطب. فالمعنى: إنما يكفيك استعمال الصعيد في عضوين: وهما الوجه واليد. وأشار إلى اليد ب (الكف) . ولا حاجة إلى استعماله في تمام البدن. وعلى هذا يستدل على عدد الضربات وتحديد اليد ولزوم الترتيب أو عدمه بأدلة أخر. كحديث: التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين. وغير ذلك. فإنه صحيح كما نص عليه بعض الحفاظ. وهو مسوق لمعرفة عدد الضربات وتحديد اليد، فيقدم على غير المسوق لذلك. والله تعالى أعلم. انتهى كلامه. وقوله: فإنه حديث صحيح، فيه ما تقدم. وقد قال الإمام ابن القيم في (زاد العماد) في (فصل هديه صلى الله عليه وسلم بالتيمم) ما نصه: كان صلى الله عليه وسلم يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين. ولم يصح عنه أنه تيمم بضربتين ولا إلى المرفقين. قال الإمام أحمد: من قال: إن التيمم إلى المرفقين فإنما هو شيء زاده من عنده. وكذلك كان يتيمم بالأرض التي يصلي عليها. ترابا كانت أو سبخة أو رملا. وصح عنه أنه قال: حيثما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره . وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في الرمل فالرمل له طهور. ولما سافر صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرمال في طريقهم، وماؤهم في غاية القلة. ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه. مع القطع بأن في المفاوز، الرمال أكثر من التراب. وكذلك أرض الحجاز وغيره. ومن تدبر هذا قطع بأنه كان يتيمم بالرمل. والله أعلم. وهذا قول الجمهور. وأما ما ذكر في صفة التيمم من وضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور اليمنى، ثم إمرارها إلى المرفق، ثم إدارة بطن كفه على بطن الذراع، وإقامة إبهامه اليسرى كالمؤذن إلى أن يصل إلى إبهامه اليمنى، فيطبقها عليها- فهذا مما يعلم
قطعا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يفعله. ولا علّمه أحدا من أصحابه. ولا أمر به ولا استحسنه. وهذا هديه. إليه التحاكم. وكذلك لم يصح عنه التيمم لكل صلاة. ولا أمر به. بل أطلق وجعله قائما مقام الوضوء. وهذا يقتضي أن يكون حكمه حكمه، إلا فيما اقتضى الدليل خلافه. انتهى. السابعة- ذكر هنا الحافظ ابن كثير سبب مشروعية التيمم قال: وإنما ذكرنا ذلك هاهنا، لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على آية المائدة. وبيانه: أن هذه نزلت قبل تحريم الخمر. والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير. في محاصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم لبني النضير. وأما المائدة فإنها من آخر ما نزل. ولا سيما صدرها. فناسب أن يذكر السبب هنا. وبالله الثقة. قال الإمام أحمد «1» حدثنا ابن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة. أنها استعارت من أسماء قلادة. فهلكت. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا في طلبها. فوجدوها. فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء. فصلوا بغير وضوء. فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله عز وجل التيمم. فقال أسيد بن الحضير، لعائشة: جزاك الله خيرا. فو الله! ما نزل بك أمر تكرهينه، إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرا. (طريق أخرى) قال البخاريّ «2» : حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أنبأنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بعض أسفاره: حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش، انقطع عقد لي. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه. وأقام الناس معه. وليسوا على ماء. وليس معهم ماء. فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي، قد نام. فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول. فجعل يطعنني بيده في خاصرتي. فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء. فأنزل الله آية التيمم. فتيمموا. فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته. وقد رواه البخاريّ «1» أيضا عن قتيبة بن سعيد عن مالك. ورواه مسلم «2» عن يحيى بن يحيى عن مالك. انتهى كلام ابن كثير. وأورد الواحديّ في (أسباب النزول) هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضا. وقال ابن العربيّ: لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة. قال ابن بطال: هي آية النساء أو آية المائدة. وقال القرطبيّ: هي آية النساء. ووجهه بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء، فيتجه تخصيصها بآية التيمم. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : وخفي على الجميع ما ظهر للبخاريّ «3» من أن المراد بها آية المائدة بغير تردد. لرواية عمرو بن الحارث. إذ صرح فيها بقوله: فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الآية. وقال الحافظ قبل: استدل به (أي بحديث عائشة) على أن الوضوء كان واجبا عليهم قبل نزول آية الوضوء. ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء. ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع. وقال ابن عبد البر: معلوم عند جميع أهل المغازي أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلّ منذ افترضت الصلاة عليه إلا بوضوء. ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند، قال: وفي قوله في هذا الحديث (آية التيمم) إشارة إلى أن الذي طرأ عليهم من العلم حينئذ حكم التيمم لا حكم الوضوء، قال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به، ليكون فرضه متلوّا بالتنزيل. قال السيوطيّ في (لباب النقول) بعد تصويب هذا الكلام: فإن فرض الوضوء كان مع فرض الصلاة بمكة. والآية مدنية. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر أيضا في قول أسيد (ما هي بأول بركتكم) : يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك. فيقوّي قول من ذهب إلى تعدد ضياع العقد. وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأخباريّ فقال: سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع وفي غزوة بني المصطلق. وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع ... الحديث. فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق. لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وهي بعدها بلا خلاف قال: وسيأتي في المغازي أن البخاريّ يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى، وقدومه كان في وقت إسلام أبي هريرة. ومما يدل على تأخر القصة أيضا عن قصة الإفك، ما رواه الطبرانيّ من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدي حتى حبس الناس على التماسه. فقال لي أبو بكر: يا بنية! في كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس؟ فأنزل الله عز وجل الرخصة في التيمم. فقال أبو بكر: إنك لمباركة (ثلاثا) . وفي إسناده محمد بن حميد الرازيّ وفيه مقال. وفي سياقه من الفوائد بيان عتاب أبي بكر الذي أبهم في حديث الباب، والتصريح بأن ضياع العقد كان مرتين في غزوتين. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ. وقال الإمام شمس الدين ابن القيّم في (زاد المعاد) في (غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق) : إنها كانت في شعبان سنة خمس. وبعد ذكرها قال: قال ابن سعد: وفي هذه الغزوة سقط عقد لعائشة فاحتبسوا على طلبه، فنزلت آية التيمم. ثم ساق حديث الطبرانيّ المتقدم وقال: هذا يدل على أن قصة العقد التي نزل التيمم لأجلها بعد هذه الغزوة. وهو الظاهر. ولكن فيها كانت قصة الإفك بسبب فقد العقد والتماسه. فالتبس على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى. انتهى. وقد روي سبب نزول الآية المذكورة أيضا عن عمار بن ياسر رضي الله عنه «1» قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرّس بأولات الجيش ومعه عائشة فانقطع عقد لها من جزع ظفار فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء. فتغيظ عليها أبو بكر. وقال: حبست الناس وليس معهم ماء! فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم رخصة التطهّر بالصعيد الطيب. فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 44]
بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا. فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط. ورواه أيضا ابن جرير عن أبي اليقظان رضي الله عنه «1» قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلك عقد لعائشة فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضاء الصبح. فتغيظ أبو بكر على عائشة. فنزلت عليه الرخصة، المسح بالصعيد. فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة. نزل فيك رخصة. فضربنا بأيدينا: ضربة لوجوهنا وضربة لأيدينا إلى المناكب والآباط. وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في سبب نزولها وجها آخر عن الأسلع بن شريك رضي الله عنه قال: كنت أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأصابتني جنابة في ليلة باردة. وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحلة فكرهت أن أرحل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جنب. وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض. فأمرت رجلا من الأنصار فرحلها ثم رضفت أحجارا فأسخنت بها ماء واغتسلت. ثم لحقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال: يا أسلع! مالي أرى رحلتك قد تغيرت؟ قلت: يا رسول الله! لم أرحلها رحلها رجل من الأنصار. قال: ولم؟ قلت: إني أصابتني جنابة فخشيت القرّ على نفسي، فأمرته أن يرحلها ورضفت أحجارا فأسخنت بها ماء فاغتسلت به. فأنزل الله عز وجل لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى إلى قوله إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً. قال ابن كثير: وقد روي من وجه آخر، عنه. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 44] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) أَلَمْ تَرَ من رؤية القلب. وضمن معنى الانتهاء. أي: ألم ينته علمك إليهم. أو من رؤية البصر. أو: ألم تنظر إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ أي حظّا من علم التوراة. وهم أحبار اليهود. قال العلامة أبو السعود: المراد بالذي أوتوه، ما بيّن لهم فيها من الأحكام والعلوم التي من جملتها ما علموه من نعوت النبيّ صلى الله عليه وسلم وحقية الإسلام. والتعبير عنه بالنصيب، المنبئ عن كونه حقّا من حقوقهم، التي يجب مراعاتها والمحافظة عليها للإيذان بكمال ركاكة آرائهم حيث ضيعوه تضييعا.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 45]
وتنوينه تفخيميّ مؤيد للتشنيع عليهم، والتعجيب من حالهم. فالتعبير عنهم بالموصول للتنبيه بما في حيز الصلة على كمال شناعتهم، والإشعار بمكان ما طوي ذكره في المعاملة المحكية عنهم من الهدى الذي هو أحد العوضين يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وهو البقاء على اليهودية، بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه هو النبيّ المبشّر به في التوراة والإنجيل. أي يأخذون الضلالة ويتركون ما أوتوه من الهدى ليشتروا ثمنا قليلا من حطام الدنيا. وإنما طوى ذكر المتروك لغاية ظهور الأمر. لا سيما بعد الإشعار المذكور. والتعبير عن ذلك بالاشتراء، الذي هو عبارة عن استبدال السلعة بالثمن، أي أخذها بدلا منه، أخذا ناشئا عن الرغبة فيها والإعراض عنه- للإيذان بكمال رغبتهم في الضلالة، التي حقها أن يعرض عنها كلّ الإعراض. وإعراضهم عن الهداية التي يتنافس فيها المتنافسون. وفيه من التسجيل على نهاية سخافة عقولهم، وغاية ركاكة آرائهم- ما لا يخفى. حيث صورت حالهم بصورة ما لا يكاد يتعاطاه أحد ممن له أدنى تمييز. قاله أبو السعود وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أي لا يكتفون بضلال أنفسهم بل يريدون بما فعلوا، من كتمان نعوته صلى الله عليه وسلم، أن تضلوا أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوا، ويودون لو تكفرون بما أنزل عليكم من الهدى والعلم النافع. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 45] وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (45) وَاللَّهُ أَعْلَمُ أي منكم بِأَعْدائِكُمْ أي وقد أخبركم بعداوتهم لكم، وما يريدون بكم، فاحذروهم. ولا تستنصحوهم في أموركم، ولا تستشيروهم وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا يلي أموركم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً ينصركم. أي: فثقوا بولايته ونصرته دونهم. ولا تتولوا غيره. أو: ولا تبالوا بهم وبما يسومونكم من السوء. فإنه تعالى يكفيكم مكرهم وشرهم. ففيه وعد ووعيد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 46] مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46)
مِنَ الَّذِينَ هادُوا بيان للموصول وهو الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ فإن متناول لأهل الكتابين. وقد وسط بينهما ما وسط لمزيد الاعتناء ببيان محل التشنيع والتعجيب والمسارعة إلى تنفير المؤمنين منهم، وتحذيرهم عن مخالطتهم، والاهتمام بحملهم على الثقة بالله عز وجل، والاكتفاء بولايته ونصرته. وقوله تعالى يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ هو وما عطف عليه بيان لاشترائهم المذكور، وتفصيل لفنون ضلالهم. فقد روعيت في النظم الكريم طريقة التفسير بعد الإبهام، والتفصيل إثر الإجمال. روما لزيادة تقرير يقتضيه الحال. أفاده أبو السعود. قال الإمام ابن كثير: قوله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ أي يتناولونه على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل، قصدا منهم وافتراء. وقال العلامة الرازيّ: في كيفية التحريف وجوه: أحدها- إنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر. ثم قال: والثاني- أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة وصرف اللفظ من معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية. كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا، بالآيات المخالفة لمذاهبهم، وهذا هو الأصح. والثالث- أنهم كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم، ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به. فإذا خرجوا من عنده حرّفوا كلامه. انتهى. وقال الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى في (إغاثة اللهفان) : قد اختلف في التوراة التي بأيديهم. هل هي مبدلة أم التبديل وقع في التأويل دون التنزيل؟ على ثلاثة أقوال: قالت طائفة: كلها أو أكثرها مبدل. وغلا بعضهم حتى قال: يجوز الاستجمار بها. وقالت طائفة من أئمة الحديث والفقه الكلام: إنما وقع التبديل في التأويل. قال البخاريّ «1» في (صحيحه) : يحرفون يزيلون. وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله. ولكنهم يتأولونه على غير تأويله. وهو اختيار الرازيّ أيضا. وسمعت شيخنا يقول: وقع النزاع بين الفضلاء. فأجاز هذا المذهب ووهّى غيره. فأنكر عليه. فأظهر خمسة عشر نقلا به. ومن حجة هؤلاء، أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها. وانتشرت جنوبا وشمالا. ولا يعلم عدد نسخها إلا الله. فيمتنع التواطؤ على التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ، حتى لا تبقى في الأرض
لطيفة:
نسخة إلا مبدلة. وهذا مما يحيله العقل. قالوا: وقد قال الله لنبيه قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالوا: وقد اتفقوا على ترك فريضة الرجم. ولم يمكنهم تغييرها من التوراة. ولذا لما قرءوها على النبيّ صلى الله عليه وسلم وضع القارئ يده على آية الرجم. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفعها فإذا هي تلوح تحتها. وتوسطت طائفة فقالوا: قد زيد فيها وغيّر أشياء يسيرة جدا. واختاره شيخنا في (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) قال: وهذا كما في التوراة عندهم: إن الله سبحانه قال لإبراهيم: اذبح ابنك بكرك أو وحيدك، إسحاق. ثم قال: قلت والزيادة باطلة من وجوه عشرة. ثم ساقها فارجع إليه. وقد نقلها عنه هنا الإمام صدّيق خان. فانظره في تفسيره (فتح الرحمن) . لطيفة: قال الزمخشريّ: فإن قلت: كيف قيل هاهنا عَنْ مَواضِعِهِ وفي المائدة مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ؟ قلت: أما عَنْ مَواضِعِهِ فعلى ما فسرنا من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة الله وضعه فيها، بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه. وأما مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ فالمعنى أنه كانت له مواضع، هو قمن بأن يكون فيها. فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقارّه. والمعنيان متقاربان. وقال الرازي: ذكر الله تعالى هاهنا عَنْ مَواضِعِهِ وفي المائدة مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ والفرق: أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة، فههنا قوله يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ معناه أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص. وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب. وأما الآية المذكورة في سورة المائدة، فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين. فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب. فقوله يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ إشارة إلى التأويل الباطل. وقوله مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ إشارة إلى إخراجه عن الكتاب. وقال الناصر في (الانتصاف) : الظاهر أن الكلم المحرف إنما أريد به، في هذه الصورة مثل غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا ولم يقصد هاهنا تبديل الأحكام. وتوسطها بين الكلمتين، بين قوله يُحَرِّفُونَ وبين قوله لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ والمراد أيضا تحريف مشاهد بيّن على أن المحرف هما وأمثالهما. وأما في سورة المائدة فالظاهر، والله أعلم، أن المراد فيها ب الْكَلِمَ الأحكام. وتحريفها تبديلها. كتبديلهم الرجم بالجلد. ألا تراه عقبه بقوله يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا؟
ولاختلاف المراد بالكلم في السورتين. قيل في سورة المائدة: يحرفون الكلم من بعد مواضعه. أي ينقلونه عن الموضع الذي وضعه الله فيه، فصار وطنه ومستقره، إلى غير الموضع. فبقي كالغريب المتأسف عليه الذي يقال فيه هذا غريب من بعد مواضعه ومقارّه. ولا يوجد هذا المعنى في مثل راعِنا وغَيْرَ مُسْمَعٍ وإن وجد على بعد فليس الوضع اللغويّ مما يعبأ بانتقاله عن موضعه كالوضع الشرعيّ. ولولا اشتمال هذا النقل على الهزء والسخرية لما عظم أمره. فلذلك جاء هنا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ غير مقرون بما قرن به الأول من صورة التأسف. والله أعلم. انتهى. وقال العلامة أبو السعود: والمراد بالتحريف هاهنا، إما ما في التوراة خاصة وإما ما هو أعم منه، ومما سيحكى عنهم من الكلمات المعهودة الصادرة عنهم في أثناء المحاورة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا مساغ لإرادة تلك الكلمات خاصة بأن يجعل عطف قوله تعالى وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وما بعده، على ما قبله عطفا تفسيريا. لأنه يستدعي اختصاص حكم الشرطية الآتية وما بعدها بهنّ من غير تعرض لتحريفهم التوراة. مع أنه معظم جناياتهم المعدودة فقولهم سَمِعْنا وَعَصَيْنا ينبغي أن يجري على إطلاقه من غير تقييد بزمان أو مكان ولا تخصيص بمادة دون مادة. بل وأن يحمل على ما هو أعم من القول الحقيقيّ ومما يترجم عنه عنادهم ومكابرتهم. أي يقول في كل أمر مخالف لأهوائهم الفاسدة سواء كان بمحضر النبيّ صلى الله عليه وسلم أو لا، بلسان المقال أو الحال: سَمِعْنا وَعَصَيْنا عنادا أو تحقيقا للمخالفة. انتهى. قال ابن كثير: ويقولون سمعنا أي: سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه. هكذا فسره مجاهد وابن زيد، وهو المراد. وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم وأنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة. وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ عطف على سَمِعْنا وَعَصَيْنا داخل تحت القول أي: ويقولون ذلك في أثناء مخاطبته عليه الصلاة والسلام خاصة. وهو كلام ذو وجهين محتمل للشر. بأن يحمل على معنى اسْمَعْ، حال كونك غير مسمع كلاما أصلا. بصمم أو موت. أي مدعوّا عليك بلا سمعت. أو غير مسمع كلاما ترضاه. وللخير بأن يحمل على: اسمع منا غير مسمع مكروها. كانوا يخاطبون به النبيّ صلى الله عليه وسلم استهزاء به (عليهم اللعنة) مظهرين له إرادة المعنى الأخير وهم مضمرون المعنى الأول مطمئنون به وَراعِنا عطف على ما قبله. أي ويقولون في أثناء خطابهم له صلى الله عليه وسلم هذا أيضا. وهي كلمة ذات وجهين أيضا محتملة للخير بحملها
على معنى ارقبنا وانظرنا نكلمك. وللشر بحملها على شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابّون بها. أو على السب بالرعونة أي الحمق. وبالجملة فكانوا، سخرية بالدين وهزؤا برسول الله صلى الله عليه وسلم، يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون به التوقير والإكرام لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ أي فتلا بها وصرفا للكلام من وجه إلى وجه وتحريفا. أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون راعِنا موضع انْظُرْنا وغَيْرَ مُسْمَعٍ موضع (لا أسمعت مكروها) أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقا. فإن قلت: كيف جاءوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا؟ قلت: جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء. ويجوز أن يقولوه فيما بينهم ويجوز أن لا ينطقوا بذلك ولكنهم لما لم يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به. كذا في الكشاف. وأصل لَيًّا لويا لأنه من لويت أدغمت الواو في الياء لسبقها بالسكون. ومثله (الطيّ) وَطَعْناً فِي الدِّينِ أي قدحا فيه بالاستهزاء والسخرية وانتصابهما على العلّية ل يَقُولُونَ باعتبار تعلقه بالقولين الأخيرين. أي يقولون ذلك لصرف الكلام عن وجهه إلى السب والطعن في الدين. أو على الحالية. أي: لاوين وطاعنين في الدين. أفاده أبو السعود. وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا أي عند ما سمعوا ما يتلى عليهم من أوامره تعالى: سَمِعْنا وَأَطَعْنا أي بدل قولهم سَمِعْنا وَعَصَيْنا والقول هنا كسابقه أعم من أن يكون بلسان المقال أو بلسان الحال وَاسْمَعْ أي لو قالوا عند مخاطبة النبيّ صلى الله عليه وسلم بدل قولهم اسْمَعْ فقط بلا زيادة غَيْرَ مُسْمَعٍ المحتمل للشرّ وَانْظُرْنا يعني بدل قولهم راعِنا المحتمل للمعنى الفاسد كما سلف لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ في الدنيا بحقن دمائهم وأموالهم وعلوّ رتبتهم بإحاطة الكتب السماوية. وفي الآخرة بضعف الثواب. أفاده المهايميّ. قال أبو السعود: وصيغة التفضيل إما على بابها واعتبار أصل الفضل في المفضل عليه بناء على اعتقادهم. أو بطريق التهكم. وإما بمعنى اسم الفاعل وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي: ولكن لم يقولوا ذلك واستمروا على كفرهم فطردهم الله عن رحمته وأبعدهم عن الهدى، بسبب كفرهم فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا منصوب على الاستثناء من لَعَنَهُمُ أي ولكن لعنهم الله إلا فريقا قليلا منهم. آمنوا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 47]
فلم يلعنوا. أو على الوصفية لمصدر محذوف. أي: إلا إيمانا قليلا أي ضعيفا ركيكا لا يعبأ به. فإنهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى، ويكفرونه ببقية المرسلين وكتبهم المنزلة. ورجّح أبو علي الفارسيّ هذا. قال: لأن قَلِيلًا لفظ مفرد: ولو أريد به (ناس) لجمع نحو قوله: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء: 54] . ويمكن أن يجاب عنه بأنه قد جاء فعيل مفردا. والمراد به الجمع قال تعالى: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: 69] . وقال: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً [المعارج: 10] يبصرونهم. أفاده الرازيّ. وقد جوز على هذا أن يراد بالقلة العدم بالكلية. كقوله: قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك أي هو كثير الهم مختلف الوجوه والطرق لا يقف أمله على فن واحد بل يتجاوزه إلى فنون مختلفة. صبور على النوائب لا يكاد يتشكى منها. فاستعمل لفظ (قليل) وأراد به نفي الكل. أو منصوب على الاستثناء من فاعل (لا يؤمنون) أي: فلا يؤمن منهم إلا نفر قليل. وأما قول الخفاجيّ: كان الوجه فيه الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب. وأبي السعود: بأنه فيه نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختار- فمردود بأن النصب عربيّ جيد. وقد قرئ به في السبع في (قليل) من قوله تعالى: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء: 66] وفي (امرأتك) من قوله تعالى: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ [هود: 81] كما قاله ابن هشام في التوضيح. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 47] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (47) يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا يعني القرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أي موافقا للتوراة مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً أي نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم. وقال العوفيّ عن ابن عباس: طمسها أن تعمى فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أي فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الأقفاء مطموسة مثلها جزاء على الكفر. فالفاء للتسبيب. أو ننكسها بعد الطمس فنردها إلى موضع الأقفاء والأقفاء إلى موضعها. وقد اكتفى بذكر أشدهما. فالفاء للتعقيب.
قال الرازيّ: وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه في الخلقة والمثلة والفضيحة. لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ أي: أو نفعل بهم أبلغ من ذلك. وهو أن نطردهم عن الإنسانية بالمسخ الكليّ جزاء على اعتدائهم بترك الإيمان. كما أخزينا به أوائلهم أصحاب السبت جزاء على اعتدائهم على السبت بالحيلة على الاصطياد. فمسخناهم قردة وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ أي ما أمر به مَفْعُولًا أي نافذا كائنا لا محالة. هذا وفي الآية تأويل آخر. وهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه. وهو صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلالة. يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم. قال ابن كثير: وهذا كما قال بعضهم في قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: 8- 9] : أي هذا مثل سوء ضربه الله لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى. قال مجاهد: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً، يقول: عن صراط الحق. فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أي في الضلال. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس والحسن نحو هذا. قال السديّ: فنردّها على أدبارها: فنمنعها عن الحق، نرجعها كفارا. قال الرازيّ: والمقصود على هذا بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات. ونظيره قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال: 24] . تحقيق القول فيه أن الإنسان في مبدأ خلقته ألف هذا العالم المحسوس. ثم إنه عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات. فقدامه عالم المعقولات، ووراءه عالم المحسوسات. فالمخذول هو الذي يرد عن قدامه إلى خلفه. كما قال تعالى في صفتهم: ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ [السجدة: 12] . ثم قال الرازيّ: قال عبد الرحمن بن زيد: هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى. وتأول ذلك في إجلاء قريظة والنضير إلى الشام. فرد الله وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وأريحاء، من أرض الشام. كما جاءوا منها و (طمس الوجوه) على هذا التأويل يحتمل معنيين: أحدهما- تقبيح صورتهم. يقال: طمس الله صورته،
كقوله: قبح الله وجهه. والثاني- إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها. وثمة تأويل آخر. وهو: أن المراد بالوجوه الوجهاء. على أن الطمس بمعنى مطلق التغيير. أي من قبل أن نغيّر أحوال وجهائهم، فنسلب إقبالهم ووجاهتهم، ونكسوهم صغارا وإدبارا. وقال بعضهم: الأظهر حمل قوله أَوْ نَلْعَنَهُمْ إلخ على اللعن المتعارف. قال: ألا ترى إلى قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ [المائدة: 60] . ففصل تعالى بين اللعن وبين مسخهم قردة وخنازير. وأقول: لا يخفى أن جميع ما ذكر من التأويلات، غير الأول، لا يساعده مقام تشديد الوعيد، وتعميم التهديد. فإن المتبادر من اللفظ الحقيقة. ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر إرادتها. ولا تعذر هنا. كما أن المتبادر من اللعن، المشبه بلعن أصحاب السبت، هو المسخ. وهو الذي تقتضيه بلاغة التنزيل. إذ فيه الترقي إلى الوعيد الأفظع. ولا ننكر أن تكون هذه التأويلات مما يشمله لفظ الآية. وإنما البحث في دعوى إرادتها دون سابقها. فالحق أن المتبادر من النظم الكريم هو الأول لأنه أدخل في الزجر. ويؤيده ما روي، أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية. رواه ابن جرير «1» وابن أبي حاتم ولفظه بعد إسناده: عن أبي إدريس عائذ الله الخولانيّ قال: كان أبو مسلم الجليليّ معلم كعب. وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فبعثه إليه ينظر أهو هو؟ قال كعب: فركبت حتى أتيت المدينة. فإذا تال يقرأ القرآن، يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها. فاغتسلت، وإني لأمسّ وجهي مخافة أن أطمس. ثم أسلمت. وروى، من غير طريق، نحوه أيضا. فإن قيل: قرينة المجاز عدم وقوع المتوعد به. فالجواب: أن عدم وقوعه لا يعين إرادة المجاز. إذ ليس في الآية دلالة على تحتم وقوعه إن لم يؤمنوا. ولو فهم منها هذا فهما أوليّا لكان إيمانهم بعدها إيمان إلجاء واضطرار. وهو ينافي التكليف الشرعيّ. إذ لم تجر سنته تعالى بهذا. بل النظم الكريم في هذا المقام محتمل ابتداء
لطيفة:
للقطع بوقوع المتوعد به. ولوقوعه معلقا بأمره تعالى ومشيئته بذلك، وهو المراد. كما ينبئ عنه قوله تعالى: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب: 37] : أي ما يأمر به، ويريد وقوعه. وإذا كان الوعيد منوطا بأمره سبحانه، فله أن يمضيه على حقيقته وله أن يصرفه لما هو أعلم به. إلا أن ورود نظم الآية بهذا الخطاب المتبادر في الوقوع غير المعلق، ليكون أدخل في الترهيب، ومزجرة عن مخالفة الأمر. هكذا ظهر لنا الآن. وهو أقرب مما نحاه المفسرون هنا من أن العقاب منتظر، أو، أنه مشروط بعدم الإيمان. إلى غير ذلك. فقد زيفها جميعها العلامة أبو السعود. ثم اختار أن المراد من الوعيد الأخرويّ. قال: لأنه لم يتضح وقوعه. وهذا فيه بعد أيضا، لنبوّ مثل هذا الخطاب عن إرادة الوعيد الأخرويّ. لا سيما والجملة الثانية التي هددوا بها، أعني لعنهم كأصحاب السبت، كان عقابها دنيويّا. فالوجه ما قررناه. وما أشبه هذه الآية، في وعيديها، بآية يس. أعني قوله تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ [يس: 66- 67] . بل هذه عندي تفسير لتلك. والقرآن يفسر بعضه بعضا. فبرح الخفاء والحمد لله. لطيفة: الضمير في (نلعنهم) لأصحاب الوجوه. أو (للذين) على طريقة الالتفات أو (للوجوه) إن أريد بها الوجهاء. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 48] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (48) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ قال أبو السعود: كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله من الوعيد، وتأكيد وجوب الامتثال بالأمر بالإيمان، ببيان استحالة المغفرة بدونه. فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون من التحريف ويطمعون في المغفرة. كما في قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ [الأعراف: 169] . يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى (أي على التحريف) وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا. والمراد بالشرك مطلق الكفر المنتظم لكفر اليهود انتظاما أوليّا. فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة. وقضى بخلود أصناف الكفرة في النار. ونزوله في حق اليهود،
لطيفة:
كما قال مقاتل، وهو الأنسب بسياق النظم الكريم، وسياقه لا يقتضي اختصاصه بكفرهم، بل يكفي اندراجه فيه قطعا. بل لا وجه له أصلا. لاقتضائه جواز مغفرة ما دون كفرهم في الشدة من أنواع الكفر. أي لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان. لأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر. وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه. ولأن ظلمات الكفر والمعاصي إنما يسترها نور الإيمان. فمن لم يكن له إيمان لم يغفر له شيء من الكفر والمعاصي. انتهى. قال الشهاب: الشرك يكون بمعنى اعتقاد أن لله شريكا، وبمعنى الكفر مطلقا، وهو المراد هنا. وقد صرح به في قوله تعالى في سورة (البينة) بقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها [البينة: 6] . فلا يبقى شبهة في عمومه. انتهى. وقال الرازيّ: هذه الآية دالة على أن اليهوديّ يسمى مشركا، في عرف الشرع. ويدل عليه وجهان: الأول- أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور. فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية. وبالإجماع هي غير مغفورة. فدل على أنها داخلة تحت اسم الشرك. الثاني- إن اتصال هذه الآية بما قبلها، إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود. فلولا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك، وإلا لم يكن الأمر كذلك. فإن قيل: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا ... إلى قوله: وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [الحج: 17] . فعطف المشرك على اليهوديّ، وذلك يقتضي المغايرة- قلنا المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغويّ. والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعيّ. ولا بد من المصير إلا ما ذكرناه، دفعا للتناقض. انتهى. لطيفة: قال أبو البقاء: الشرك أنواع: شرك الاستقلال وهو إثبات إلهين مستقلين. كشرك المجوس. وشرك التبعيض، وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى. وشرك التقريب، وهو عبادة غير الله ليقرب إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية. وشرك التقليد، وهو عبادة غير الله تبعا للغير. كشرك متأخري الجاهلية. وشرك الأسباب. وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة والطبائعيين ومن تبعهم على ذلك. وشرك الأغراض، وهو العمل لغير الله. فحكم الأربعة الأولى الكفر بإجماع. وحكم السادس المعصية من غير كفر بإجماع. وحكم الخامس التفصيل. فمن قال في الأسباب العادية إنها تؤثر بطبعها فقد حكى الإجماع على كفره. ومن قال إنها
تؤثر بقوة أودعها الله فيها فهو فاسق. انتهى. وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ أي ما دون الشرك من المعاصي، صغيرة كانت أو كبيرة لِمَنْ يَشاءُ تفضلا منه وإحسانا. قال ابن جرير: وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله عز وجل. إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه. ما لم تكن كبيرته شركا بالله عز وجل. وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون لمن اقتضته مشيئته تفضلا منه ورحمة. وإن لم يقع من ذلك المذنب توبة. وقيد ذلك المعتزلة بالتوبة. وقد تقدم قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النساء: 31] . وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئات من اجتنب الكبائر. فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئاته. ولذا قال الرازيّ: هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر. ثم جوّد وجوه الاستدلال. ومنها: أن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة. ومنها أن غفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به وغير معلق على المشيئة. فوجب أن يكون الغفران المذكور، في هذه الآية، هو غفران الكبيرة قبل التوبة. وهو المطلوب. وأول الزمخشريّ هذه الآية على مذهبه: بأن الفعل المنفيّ والمثبت جميعا، موجّهان إلى قوله تعالى لِمَنْ يَشاءُ على قاعدة التنازع. كأنه قيل: إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك. على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب. قال: ونظيره قولك: إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء. تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله. انتهى. قال ناصر الدين في (الانتصاف) : عقيدة أهل السنة أن الشرك غير مغفور البتة. وما دونه من الكبائر مغفور لمن يشاء الله أن يغفره له. هذا مع عدم التوبة. وأما مع التوبة فكلاهما مغفور. والآية إنما وردت فيمن لم يتب ولم يذكر فيها توبة كما ترى. فلذلك أطلق الله تعالى نفي مغفرة الشرك وأثبت مغفرة ما دونه مقرونة بالمشيئة، كما ترى. فهذا وجه انطباق الآية على عقيدة أهل السنة. وأما القدرية فإنهم يظنون التسوية بين الشرك وبين ما دونه من الكبائر. في أن كل واحد من النوعين لا يغفر بدون التوبة، ولا شاء الله أن يغفرهما إلا للتائبين. فإذا عرض الزمخشريّ هذا المعتقد على هذه الآية ردته ونبت عنه. إذ المغفرة منفية فيها عن الشرك وثابتة لما دونه مقرونة بالمشيئة فأما أن يكون المراد فيهما من لم يتب، فلا وجه للتفصيل بينهما بتعليق المغفرة في أحدهما بالمشيئة وتعليقها بالآخر مطلقا. إذ هما سيّان في استحالة المغفرة. وأما أن يكون المراد فيهما التائب فقد قال في
فائدة:
الشرك إنّه لا يَغْفِرُ والتائب من الشرك مغفور له. وعند ذلك أخذ الزمخشريّ يقطع أحدهما عن الآخر. فيجعل المراد مع الشرك عدم التوبة ومع الكبائر التوبة. حتى تنزل الآية على وفق معتقده فيحملها أمرين لا تحمل واحد منهما: أحدهما- إضافة التوبة إلى المشيئة وهي غير مذكورة ولا دليل عليها فيما ذكر. وأيضا لو كانت مرادة لكانت هي السبب الموجب للمغفرة على زعمهم عقلا. ولا يمكن تعلق المشيئة بخلافها على ظنهم في العقل. فكيف يليق السكوت عن ذكر ما هو العمدة والموجب، وذكر ما لا مدخل له على هذا المعتقد الرديء؟ الثاني- أنه بعد تقريره التوبة احتكم فقدرها على أحد القسمين دون الآخر. وما هذا إلا من جعل القرآن تبعا للرأي. نعوذ بالله من ذلك. وأما القدرية فهم بهذا المعتقد يقع عليه بهم المثل السائر (السيد يعطي والعبد يمنع) . لأن الله تعالى يصرح كرمه بالمغفرة للمصرّ على الكبائر، إن شاء. وهم يدفعون في وجه هذا التصريح ويحيلون المغفرة بناء على قاعدة الأصلح والصلاح، التي هي بالفساد أجدر وأحق. انتهى. فائدة: وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة: الأول- عن عائشة «1» قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدواوين عند الله عز وجل ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئا. وديوان لا يترك الله منه شيئا. وديوان لا يغفره الله. فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله. قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الآية. وقال: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [المائدة: 72] . وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها. فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز، إن شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا، فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص لا محالة» . رواه الإمام أحمد. وقد تفرد به. الثاني- عن أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «الظلم ثلاثة فظلم لا يغفره الله. وظلم يغفره الله. وظلم لا يترك الله منه شيئا. فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك. وقال: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] . وأما الظلم الذي يغفره
الله، فظلم العباد لأنفسهم، فيما بينهم وبين ربهم. وأما الظلم الذي لا يتركه، فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدين لبعضهم من بعض» . رواه أبو بكر البزار في مسنده. الثالث- عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره. إلا الرجل يموت كافرا. أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا» . رواه الإمام أحمد «1» والنسائيّ. الرابع- عن أبي ذر «2» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق (ثلاثا) ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر. قال فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر. وكان أبو ذر يحدث بهذا بعد ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر. أخرجه الإمام أحمد والشيخان. وفي رواية لهما عن أبي ذر: قال صلى الله عليه وسلم: «قال لي جبريل: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت: يا جبريل! وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. وإن شرب الخمر» . الخامس- عن جابر قال: «جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما الموجبتان؟ قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. ومن مات يشرك به دخل النار» . أخرجه مسلم «3» وعبد بن حميد في مسنده. السادس- عن أبي سعيد الخدريّ «4» قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» . رواه الإمام أحمد.
السابع- عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي» . رواه الطبرانيّ. الثامن- عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له. ومن توعده على عمل عقابا، فهو فيه بالخيار. رواه البزار وأبو يعلى. التاسع- عن ابن عمر، قال: كنا، معشر أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، فأمسكنا عن الشهادة. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير «1» . وفي رواية لابن أبي حاتم: فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله عز وجل. العاشر- عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: ما في القرآن أحبّ إليّ من هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. رواه الترمذيّ «2» وقال: حديث حسن غريب. الحادي عشر- عن أنس «3» رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي. يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة» . رواه الترمذيّ وقال: حديث حسن غريب. لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وروى نحوه الإمام أحمد عن أبي ذرّ «4» ولفظه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، «قال: إن الله عز وجل يقول: يا عبدي! ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك. ويا عبدي! إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي، لقيتك بقرابها مغفرة» .
والأحاديث في ذلك متوافرة. ويكفي هذا المقدار. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً أي افترى واختلق، مرتكبا إثما لا يقادر قدره. ويستحقر دونه جميع الآثام. فلا تتعلق به المغفرة قطعا. قال ابن القيّم رحمه الله تعالى في كتابه (الجواب الكافي) : الشرك بالرب تعالى نوعان: شرك به في أسمائه وصفاته، وجعل آلهة أخرى معه. وشرك به في معاملته. وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار، وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره. وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب، ويدخل فيه القول على الله بلا علم، في خلقه وأمره. فمن كان من أهل هذه الذنوب، فقد نازع الله، سبحانه وتعالى، ربوبيته وملكه. وجعل له ندّا. وهذا أعظم الذنوب عند الله. ولا ينفع معه عمل. وقال بعد ذلك: وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال: إن الله عز وجل أرسل رسله وأنزل كتبه وخلق السموات والأرض، ليعرف ويعبد ويوحد ويكون الدين كله له، والطاعة كلها له، والدعوة له. كما قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] . وقال تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [الحجر: 85] . وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً [الطلاق: 12] . وقال تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المائدة: 97] . فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط. وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض. كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: 25] . فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل. ومن أعظم القسط التوحيد. بل هو رأس العدل وقوامه. وإن الشرك ظلم عظيم. كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] . فالشرك أظلم الظلم. والتوحيد أعدل العدل. فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر. وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له. وما كان أشد موافقة لهذا المقصود، فهو أوجب الواجبات وأفرض الطاعات. فتأمل هذا الأصل حق التأمل واعتبر به تفاصيله، تعرف به أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، فيما فرض على عباده وحرمه عليهم.
وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي. فلما كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا المقصود، وكان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله لأهل التوحيد، وأن يتخذوهم عبيدا لهم لما تركوا القيام بعبوديته، وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملا، أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة- فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله حيث جعل له من خلقه ندّا، وذلك غاية الجهل به. كما أنه غاية الظلم منه. وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه. ووقعت مسألة: وهي أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى. وأنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء. كحال الملوك. فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية. وإنما قصد تعظيمه. وقال: إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني وتدخلني عليه. فهو المقصود. وهذه وسائل وشفعاء. فلم كان هذا القدر موجبا لسخطه وغضبه تبارك وتعالى ومخلدا في النار وموجبا لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم؟ وترتب على هذا سؤال آخر: وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله سبحانه لعباده التقريب إليه بالشفعاء والوسائط؟ فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع، أم ذلك قبيح في الفطر والعقول، يمتنع أن تأتي به شريعة، بل جاءت بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح؟ وما السبب في كونه لا يغفره من دون سائر الذنوب؟ كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. فتأمل هذا السؤال. واجمع قلبك وذهنك على جوابه. ولا تستهونه فإن به يحصل الفرق بين المشركين والموحدين، والعالمين بالله والجاهلين به، وأهل الجنة وأهل النار. فنقول (وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد المعونة والتسديد. فإنه من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له. ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع) : الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله. وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والشرك الأول نوعان: أحدهما- شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك. كشرك فرعون إذ قال وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [الشعراء: 23] ؟ وقال تعالى مخبرا عنه أنه قال: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً [غافر: 36- 37] . فالشرك والتعطيل متلازمان. فكل مشرك معطل وكل معطل مشرك. لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل بل قد يكون المشرك مقرّا بالخالق سبحانه وصفاته. ولكن عطل حق
فصل
التوحيد. وأصل الشرك وقاعدته التي ترجع إليها هو التعطيل. وهو ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه. وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله. وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود، الذين يقولون: ما ثمّ خالق ومخلوق، ولا هاهنا شيئان. بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديّته وإنه لم يكن معدوما أصلا. بل لم يزل ولا يزال. والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها. يسمونها العقول والنفوس. ومن هذا أشرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهميّة والقرامطة. فلم يثبتوا له اسما ولا صفة. بل جعلوا المخلوق أكمل منه. إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها. فصل النوع الثاني. شرك من جعل معه إلها آخر ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته. كشرك النصارى الذي جعلوه ثالث ثلاثة. فجعلوا المسيح إلها وأمه إلها. ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة. ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وإنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته. ولهذا كانوا من أشباه المجوس. ومن هذا شرك الذي حاج إبراهيم في ربه: إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: 258] . فهذا جعل نفسه ندّا لله، يحيي ويميت بزعمه. كما يحيي الله ويميت. فألزمه إبراهيم، عليه السلام ورحمة الله وبركاته، أن طرد قولك، أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها. وليس هذا انتقالا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزاما على طرد الدليل إن كان حقا. ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أربابا مدبرة لأمر هذا العالم. كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. ومن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم. ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة. ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة. ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه، أقبل إليه واغتنى به. ومنهم من يزعم أنه معبودهم الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه. والفوقانيّ يقربه إلى من هو فوقه. حتى تقربه تلك الآلهة. إلى الله سبحانه. فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل.
فصل
فصل وأما الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك وأخف أمرا. فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله. وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله. وأنه لا إله غيره ولا رب سواه. ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته. بل يعمل لحظّ نفسه تارة وطلب الدنيا تارة. ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة. فلله من عمله وسعيه نصيب. ولنفسه وحظه وهواه نصيب. وللشيطان نصيب. وللخلق نصيب. هذا حال أكثر الناس. وهو الشرك الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حبان في صحيحه «1» : «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. قالوا: وكيف ننجو منه؟ يا رسول الله! قال: قل: اللهم! إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» . فالرياء كله شرك. قال تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف: 110] . أي كما أنه إله واحد، لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده. فكما تفرّد بالإلهية، يجب أن يفرد بالعبودية. فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء، المقيد بالسنة. وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم! اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا. ولا تجعل لأحد فيه شيئا. وهذا الشرك في العبادة يبطل العمل. وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبا. فإنه ينزله منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك الأمر. فإن الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة. قال تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ [البينة: 5] . فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به. بل الذي أتى به، شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يقبل منه. ويقول الله تعالى «2» : أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه. وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور. وأكبر وأصغر. والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر. وليس شيء منه مغفورا. فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم بأن يحب المخلوق كما يحب
فصل
الله. فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله. وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً [البقرة: 165] الآية. وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم الجحيم: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء: 97- 98] . ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق والرزق، والإماتة والإحياء، والملك والقدرة. وإنما سووهم به في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل. وهذا غاية الجهل والظلم. فكيف يسوّى من خلق من التراب برب الأرباب؟ وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب؟ وكيف يسوى الفقير بالذات، الضعيف بالذات، العاجز بالذات، المحتاج بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العدم- بالغنيّ بالذات، القادر بالذات، الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته، وكماله المطلق التام من لوازم ذاته؟ فأيّ ظلم أقبح من هذا؟ وأيّ حكم أشد جورا منه؟ حيث عدل من لا عدل له بخلقه، كما قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: 1] . فعدل المشرك من خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. فيا لك من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه!! فصل ويتبع هذا الشرك، الشرك به سبحانه في الأقوال والأفعال والإرادات والنيات. فالشرك في الأفعال كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره، وتقبيل الأحجار، غير الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض، أو تقبيل القبور واستلامها والسجود لها. وقد لعن النبيّ صلى الله عليه وسلم من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلي لله فيها. فكيف بمن اتخذ القبور أوثانا يعبدوها من دون الله. وفي الصحيحين «1» عنه أنه قال: «لعنة الله على اليهود والنصارى. اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وفي الصحيح «2» عنه: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة
وهم أحياء. ومن يتخذ القبور مساجد» . وفي الصحيح «1» «أيضا عنه: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد. فإني أنهاكم عن ذلك» . وفي مسند الإمام أحمد «2» رضي الله عنه وصحيح ابن حبان عنه صلى الله عليه وسلم: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. وقال: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وقال «3» : «إن من كان قبلكم، إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا وصوّروا فيه تلك الصور. أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» . فهذا حال من سجد لله في مسجد على قبر. فكيف حال من سجد للقبر بنفسه؟ وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «4» : «اللهم! لا تجعل قبري وثنا يعبد» . وقد حمى النبيّ جانب التوحيد أعظم حماية حتى نهى «5» عن صلاة التطوّع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها. لئلا يكون ذريعة إلى التشبيه بعبّاد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين. وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح، لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس. وأما السجود لغير الله فقال «6» : «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله» . و (لا ينبغي) في كلام الله
فصل
ورسوله صلى الله عليه وسلم- للذي هو في غاية الامتناع شرعا. كقوله تعالى: وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم: 92] . وقوله: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [يس: 69] . وقوله: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ [الشعراء: 210- 211] . وقوله عن الملائكة: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ [الفرقان: 18] . فصل ومن الشرك به سبحانه الشرك به في اللفظ. كالحلف بغيره. كما رواه أحمد «1» وأبو داود عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك» . وصححه الحاكم وابن حبان. ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت. كما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «2» «أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله ندّا؟ قل: ما شاء الله وحده» . وهذا، مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة، كقوله: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: 28]- فكيف من يقول: أنا متوكل على الله وعليك؟ وأنا في حسب الله وحسبك؟ وما لي إلا الله وأنت؟ وهذا من الله ومنك؟ وهذا من بركات الله وبركاتك؟ والله لي في السماء وأنت لي في الأرض؟ أو يقول: والله! وحياة فلان. أو يقول: نذرا لله ولفلان. وأنا تائب لله ولفلان. وأرجو الله وفلانا ونحو ذلك. فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش؟ يتبين لك أن قائلها أولى لجواب النبيّ صلى الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة. وأنه إذا كان قد جعله ندّا لله بها، فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه، ندّا لرب العالمين. فالسجود والعبادة، والتوكل والإنابة، والتقوى والخشية، والتحسب والتوبة، والنذر والحلف، والتسبيح والتكبير، والتهليل والتحميد، والاستغفار وحلق الرأس، خضوعا وتعبدا، والطواف بالبيت، والدعاء- كل ذلك محض حق الله. لا يصلح ولا ينبغي لسواه، من ملك مقرب ولا نبيّ مرسل. وفي مسند الإمام أحمد «3» أن رجلا أتي به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أذنب ذنبا. فلما وقف بين يديه قال: اللهم! إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. قال: قد عرف الحق لأهله.
فصل
فصل وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلّ من ينجو منه. فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته. والإخلاص: أن يخلص لله في أقواله وأفعاله وإرادته ونيته. وهذه هي الحنيفية، ملة إبراهيم، التي أمر الله بها عباده كلهم. ولا يقبل من أحد غيرها. وهي حقيقة الإسلام. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [آل عمران: 85] . وهي ملة إبراهيم عليه السلام، التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء. فصل وإذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور. فنقول (ومن الله وحده نستمد الصواب) : حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به. وهذا هو التشبيه في الحقيقة. لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه ووصف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعكس من نكس الله قلبه وأعمى عين بصيرته وأركسه بلبسه الأمر وجعل التوحيد تشبيها والتشبيه تعظيما وطاعة. فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية. فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق. وجعل من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، أفضل من غيره. تشبيها بمن له الأمر كله. فأزمّة الأمور كلها بيده، ومرجعها إليه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد. وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغنيّ بالذات. ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده. والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده. ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا ند له. وذلك أقبح التشبيه وأبطله. ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم، أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره. مع أنه كتب على نفسه الرحمة. ومن خصائص
الإلهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل. هذا تمام العبودية. وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله، فقد شبهه به في خالص حقه. وهذا من المحال أن تأتي به شريعة من الشرائع. وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل. ولكن غيرت الشيطان فطر أكثر الخلق وعقولهم، وأفسدتها عليهم، واجتالتهم عنها. ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى. فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرتهم وعقولهم. فازدادوا بذلك نورا على نور. يهدي الله لنوره من يشاء. إذا عرف هذا، فمن خصائص الإلهية السجود. فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به. ومنها التوكل. فمن توكل على غيره فقد شبهه به. ومنها التوبة. فمن تاب لغيره فقد شبهه به. ومنها الحلف باسمه تعظيما وإجلالا. فمن حلف بغيره فقد شبهه به. هذا في جانب التشبيه. وأما في جانب التشبه به، فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم، والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفا ورجاء، والتجاء واستعانة، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته. وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان. ويذله غاية الذل ويجعله تحت أقدام خلقه. وفي الصحيح «1» عنه صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: العظمة إزاري والكبرياء ردائي. فمن نازعني واحدا منهما عذبته» . وإذا كان المصور، الذي يصنع الصورة بيده، من أشد الناس عذابا يوم القيامة، لتشبهه بالله في مجرد الصنعة- فما الظن بالتشبه بالله في الربوبية والإلهية، كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «2» : «أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون» . يقال لهم: أحيوا ما خلقتم. وفي الصحيح «3» عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن
تنبيه:
ذهب يخلق خلقا كخلقي؟ فليخلقوا ذرة. فليخلقوا شعيرة» . فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما وأكبر. والمقصود أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة. فكيف حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته؟ وكذلك من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا لله وحده. كملك الأملاك وحاكم الحكام ونحوه. وقد ثبت في الصحيح «1» عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أخنع الأسماء عند الله رجل يتسمى بشاهان شاه ملك الملوك. ولا ملك إلا الله» . وفي لفظ: أغيظ رجل على الله رجل يسمى بملك الأملاك. فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له. فهو سبحانه ملك الملوك وحده. وهو حاكم الحكام وحده. فهو الذي يحكم على الحكام كلهم، ويقضي عليهم كلهم، لا غيره. تنبيه: حيثما وقع في حديث: من فعل كذا فقد أشرك. أو فقد كفر- لا يراد به الكفر المخرج من الملة، والشرك الأكبر المخرج عن الإسلام الذي تجري عليه أحكام الردة، والعياذ بالله تعالى. وقد قال البخاريّ «2» : باب كفران العشير وكفر دون كفر. قال القاضي أبو بكر ابن العربيّ في (شرحه) : مراده أن يبيّن أن الطاعات، كما تسمى إيمانا، كذلك المعاصي تسمى كفرا. لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد عليه الكفر المخرج عن الملة. فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركا أو كافرا، فإنه يعذر بالجهل والخطأ، حتى تتبين له الحجة، الذي يكفر تاركها، بيانا واضحا ما يلتبس على مثله. وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعا جليّا قطعيا. يعرفه كل من المسلمين من غير نظر وتأمل. كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع. قال الشيخ تقيّ الدين في (كتاب الإيمان) : لم يكفّر الإمام أحمد الخوارج ولا المرجئة ولا القدرية. وإنما المنقول عنه وعن أمثاله تكفير الجهمية. مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية. ولا كل من قال: أنا جهميّ- كفّره. بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم
بالعقوبات الغليظة. ولم يكفرهم أحمد وأمثاله بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم ويرى لهم الائتمام بالصلاة خلفهم، والحج والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم بما يراه لأمثالهم من الأئمة. وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم. وإن لم يعلموا هم أنه كفر. كان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان. فيجمع بين طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة وإن كانوا جهالا مبتدعين. وظلمة فاسقين. انتهى كلام الشيخ. فتأمله تأملا خاليا عن الميل والحيف. وقال الشيخ تقيّ الدين أيضا: من كان في قلبه الإيمان بالرسول وبما جاء به، وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع ولو دعا إليها، فهذا ليس بكافر أصلا. والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها. ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، لا عليّ ولا غيره. بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين. كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع. وكذلك سائر الثنتين والسبعين فرقة، من كان منهم منافقا فهو كافر في الباطن. من كان مؤمنا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرا في الباطن. وإن كان أخطأ في التأويل كائنا ما كان خطؤه. وقد يكون في بعضهم شعبة من النفاق. ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار. ومن قال: إن الثنتين والسبعين فرقة، كل واحد منهم يكفر كفرا ينقل عن الملة، فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة. بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة. فليس فيهم من كفّر كل واحد من الثنتين والسبعين فرقة. انتهى. وقال ابن القيّم في طرق أهل البدع: الموافقون على أصل الإسلام ولكنهم مختلفون في بعض الأصول، كالخوارج والمعتزلة والقدرية والرافضة والجهمية وغلاة المرجئة- فهؤلاء أقسام: أحدها- الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له. فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى. وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان. القسم الثاني- متمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق. ولكن يترك ذلك اشتغالا بدنياه ورئاسته ولذاته ومعاشه. فهذا مفرّط مستحق للوعيد، آثم بترك ما أوجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته. فهذا، إن غلب ما فيه من البدعة والهوى، على ما فيه من السنة والهدى، ردّت شهادته. وإن غلب ما فيه من السنة
والهدى، على ما فيه من البدعة والهوى، قبلت شهادته. الثالث- أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدى ويترك، تعصبا أو معاداة لأصحابه. فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقا. وتكفيره محل اجتهاد. انتهى كلامه. فانظره وتأمله. فقد ذكر هذا التفصيل في غالب كتبه. وذكر أن الأئمة وأهل السنة لا يكفرونهم. هذا مع ما وصفهم به من الشرك الأكبر، والكفر الأكبر. وبين في غالب كتبه مخازيهم. ولنذكر من كلامه طرفا تصديقا لما ذكرنا عنه. قال رحمه الله في (المدارج) : المثبتون للصانع نوعان: أحدهما- أهل الإشراك به في ربوبيته وإلهيته. كالمجوس ومن ضاهاهم من القدرية. فإنهم يثبتون مع الله إلها آخر. والمجوسية القدرية تثبت مع الله خالقا للأفعال. ليست أفعالهم مخلوقة لله ولا مقدورة له. وهي صادرة بغير مشيئته تعالى وقدرته. ولا قدرة له عليها. بل هم الذين جعلوا أنفسهم فاعلين مريدين شيّائين. وحقيقة قول هؤلاء: إن الله ليس ربّا خالقا لأفعال الحيوان. انتهى كلامه. وقد ذكرهم بهذا الشرك في سائر كتبه. وشبههم بالمجوس الذين يقولون: إن للعالم خالقين. وانظر لما تكلم على التكفير هو وشيخه، كيف حكيا عدم تكفيرهم عن جميع أهل السنة. حتى مع معرفة الحق والمعاندة. قال: كفره محل اجتهاد. كما تقدم كلامه قريبا. وقال ابن تيمية، وقد سئل عن رجلين تكلما في مسألة التكفير. فأجاب وأطال. وقال في آخر الجواب: لو فرض أن رجلا دفع التكفير عمن يعتقد أنه ليس بكافر، حماية له ونصرا لأخيه المسلم، لكان هذا غرضا شرعيّا حسنا. وهو إذا اجتهد في ذلك فأصاب فله أجران. وإن اجتهد فيه فأخطأ فله أجر. وقال رحمه الله: التكفير إنما يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة. أو بإنكار الأحكام المتواترة المجمع عليها. وسئل أيضا، قدس الله روحه، عن التكفير الواقع في هذه الأمة، من أوّل من أحدثه وابتدعه؟ فأجاب: أول من أحدثه في الإسلام المعتزلة. وعنهم تلقاه من تلقاه. وكذلك الخوارج هم أول من أظهره. واضطرب الناس في ذلك. فمن الناس من يحكي عن مالك فيه قولين. وعن الشافعيّ كذلك. وعن أحمد روايتان. وأبو الحسن الأشعريّ وأصحابه لهم قولان. وحقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون كفرا. فيطلق القول بتكفير قائله. ويقال: من قال كذا فهو كافر. لكن الشخص المعين الذي قاله لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، من تعريف الحكم الشرعي، من سلطان، أو أمير مطاع. كما هو المنصوص عليه في كتب الأحكام. فإذا عرفه الحكم وزالت عنه الجهالة قامت عليه الحجة. وهذا كما هو في نصوص الوعيد من الكتاب
والسنة. وهي كثيرة جدا. والقول بموجبها واجب على وجه العموم. والإطلاق، من غير أن يعين شخص من الأشخاص، فيقال: هذا كافر أو فاسق أو ملعون أو مغضوب عليه أو مستحق للنار، لا سيما إن كان للشخص فضائل وحسنات- فإن ما سوى الأنبياء يجوز عليهم الصغائر والكبائر. مع إمكان أن يكون ذلك الشخص صديقا أو شهيدا أو صالحا. كما قد بسط في غير هذا الموضع. من أن موجب الذنوب تتخلف عنه بتوبة أو باستغفار أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة أو لمحض مشيئة الله ورحمته. فإذا قلنا بموجب قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً [النساء: 93] الآية، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [النساء: 10] . وقوله: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ [النساء: 14] الآية. وقوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ- إلى قوله- وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً [النساء: 30] الآية. إلى غير ذلك من آيات الوعيد، وقلنا بموجب قوله صلى الله عليه وسلم: لعن الله من شرب الخمر «1» أو من عقّ والديه «2» أو من غير منار الأرض «3» أو من ذبح لغير الله أو لعن الله السارق أو لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه أو لعن الله لاوي الصدقة والمتعدي فيها أو من أحدث «4» في المدينة حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، إلى غير ذلك من أحاديث الوعيد- لم يجز أن تعين شخصا، ممن فعل بعض هذه الأفعال، وتقول: هذا المعين قد أصاب هذا الوعيد. لإمكان التوبة وغيرها
من مسقطات العقوبة. إلى أن قال: ففعل هذه الأمور ممن يحسب أنها مباحة باجتهاد أو تقليد ونحو ذلك، وغايته أنه معذور من لحوق الوعيد به لمانع، كما امتنع لحوق الوعيد بهم لتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو غير ذلك. وهذه السبيل هي التي يجب اتباعها. فإن ما سواها طريقان خبيثان: أحدهما- القول بلحوق الوعيد بكل فرد من الأفراد بعينه. ودعوى أنها عمل بموجب النصوص. وهذا أقبح من قول الخوارج المكفرين بالذنوب، والمعتزلة وغيرهم. وفساده معلوم بالاضطرار. وأدلته معلومة في غير هذا الموضع. فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق. لكن الشخص المعين الذي فعله لا يشهد عليه بالوعيد. فلا يشهد على معين من أهل القبلة بالنار، لفوات شرط أو لحصول مانع. وهكذا الأقوال الذي يكفر قائلها. قد يكون القائل لها لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق. وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده. أو لم يتمكن من معرفتها وفهمها. أو قد عرضت له شبهات يعذره الله بها. فمن كان مؤمنا بالله وبرسوله، مظهرا للإسلام، محبّا لله ورسوله، فإن الله يغفر له لو قارف بعض الذنوب القولية أو العملية. سواء أطلق عليه لفظ الشرك أو لفظ المعاصي. هذا الذي عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام. لكن المقصود أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل، بالفرق بين النوع والعين. بل لا يختلف القول عن الإمام أحمد وسائر أئمة الإسلام كمالك وأبي حنيفة والشافعيّ، أنهم لا يكفرون المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل. ونصوصهم صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم. وإنما كان الإمام أحمد يطلق القول بتكفير الجهمية لأنه ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم، وأنه يدور على التعطيل. وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة. لكن ما كانوا يكفرون أعيانهم. فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقوله ولا يدعو إليه. والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط. والذي يكفّر مخالفه أعظم من الذي يعاقب. ومع هذا فالذين من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق. وإن الله لا يرى في الآخرة. وإن ظاهر القرآن لا يحتج به في معرفة الله، ولا الأحاديث الصحيحة. وإن الدين لا يتم إلا بما زخرفوه من الآراء والخيالات الباطلة والعقول الفاسدة. وأن خيالاتهم وجهالاتهم أحكم في دين الله من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وإن أقوال الجهمية والمعطلة من النفي والإثبات أحكم في دين الله. بسبب ذلك امتحنوا المسلمين وسجنوا الإمام أحمد وجلدوه وقتلوا جماعة وصلبوا آخرين. ومع ذلك لا يطلقون أسيرا ولا يعطون من بيت المال إلا من وافقهم ويقرّ بقولهم. وجرى على الإسلام منهم أمور مبسوطة في غير هذا
الموضع. ومع هذا التعطيل الذي هو شر من الشرك، فالإمام أحمد ترحّم عليهم واستغفر لهم، وقال: ما علمت أنهم مكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا جاحدون لما جاء به. لكنهم تأوّلوا فأخطأوا. وقلدوا من قال ذلك. والإمام الشافعيّ لما ناظر حفص الفرد، من أئمة المعطلة، في مسألة (القرآن مخلوق) قال له الإمام الشافعيّ: كفرت بالله العظيم. فكفّره ولم يحكم بردته بمجرد ذلك. ولو اعتقد ردته وكفره لسعى في قتله. وأفتى العلماء بقتل دعاتهم مثل غيلان القدريّ والجعد بن درهم وجهم بن صفوان إمام الجهمية وغيرهم. وصلى الناس عليهم ودفنوهم مع المسلمين. وصار قتلهم من باب قتل الصائل. لكفّ ضررهم، لا لردتهم. ولو كانوا كفارا لرءاهم المسلمون كغيرهم. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع. وقال ابن القيّم في (شرح المنازل) : أهل السنة متفقون على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة، من وجهين مختلفين. ويكون محبوبا لله ومبغوضا من وجهين. بل يكون فيه إيمان ونفاق، وإيمان وكفر، ويكون إلى أحدهما أقرب من الآخر. فيكون إلى أهله كما قال تعالى: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ [آل عمران: 167] . وقال: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ. فأثبت لهم، تبارك وتعالى، الإيمان مع مقارنة الشرك. فإن كان مع هذا الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان. وإن كان تصديق برسله وهم يرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم عن الإيمان بالرسل واليوم الآخر- فهم مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أهل الكبائر. وبهذا الأصل أثبت أهل السنة دخول أهل الكبائر النار ثم خروجهم منها ودخولهم الجنة، لما قام بهم من السببين. قال: وقال ابن عباس، في قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [المائدة: 44] قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس بكفر ينقل عن الملة. إذا فعله فهو به كفر. وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. وكذلك قال طاوس وعطاء. انتهى كلامه. وقال الشيخ تقيّ الدين: كان الصحابة والسلف يقولون: إنه يكون في العبد إيمان ونفاق. وهذا يدل عليه قوله عز وجل: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ [آل عمران: 167] . وهذا كثير في كلام السلف. يبيّنون أن القلب يكون فيه إيمان ونفاق. والكتاب والسنة يدل على ذلك. ولهذا قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «1» : «يخرج
من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» . فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل قليل لم يخلد في النار. وإن كان معه كثير من النفاق، فهذا يعذب في النار على قدر ما معه ثم يخرج. إلى أن قال: وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر وشعبة من شعب النفاق. وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية. كما قال الصحابة، ابن عباس وغيره: كفر دون كفر. وهذا عامة قول السلف انتهى. فتأمل هذا الفصل وانظر حكايتهم الإجماع من السلف. ولا تظن أن هذا في المخطئ. فإن ذلك مرفوع عنه إثم خطئه كما تقدم مرارا عديدة. وقال الشيخ تقيّ الدين في كتاب (الإيمان) : الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن. وإن المنافقين الذين قالوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] ، هم في الظاهر مؤمنون يصلون مع المسلمين ويناكحونهم ويوارثونهم. كما كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يحكم النبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم بحكم الكفار المظهرين الكفر لا في مناكحتهم ولا في موارثتهم ولا نحو ذلك. بل لما مات عبد الله بن أبيّ، وهو من أشهر الناس في النفاق، ورثه عبد الله ابنه، وهو من خيار المؤمنين. وكذلك سائر من يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون. وإذا مات لهم وارث ورثوه مع المسلمين وإن علم أنه منافق في الباطن. وكذلك كانوا في الحدود والحقوق كسائر المسلمين. وكانوا يغزون مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومنهم من همّ بقتل النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. ومع هذا، ففي الظاهر، تجرى عليهم أحكام أهل الإيمان. إلى أن قال: ودماؤهم وأموالهم معصومة ولا يستحل منهم ما يستحل من الكفار. والذين يظهرون أنهم مؤمنون، بل يظهرون الكفر دون الإيمان، فإنه صلى الله عليه وسلم قال «1» : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله. وكما قال لأسامة «2» : أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: فقلت: إنما قالها
تعوذا. قال: هل شققت عن قلبه؟ وقال «1» : إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم. وكان إذا استؤذن في قتل رجل يقول: أليس يصلي؟ أليس يشهد؟ فإذا قيل له: إنه منافق، قال ذلك. فكان حكمه في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم ولا يستحل منها شيئا مع أنه يعلم نفاق كثير منهم . انتهى كلام الشيخ. وقد أوضح حجة الإسلام الغزاليّ رضي الله عنه في (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) الكفر المخرج عن الملة، والعياذ بالله تعالى، بعد مقدمته المدهشة بقوله: لعلك تشتهي أن تعرف حد الكفر بعد أن تتناقض عليك حدود أصناف المقلدين. فاعلم أن شرح ذلك طويل ومدركه غامض. ولكني أعطيك علامة صحيحة فتطردها وتعكسها لتتخذها مطمح نظرك وترعوي بسببها عن تكفير الفرق وتطويل اللسان في أهل الإسلام. وإن اختلفت طرقهم ما داموا متمسكين بقول (لا إله إلا الله محمد رسول الله) صادقين بها غير مناقضين لها. فأقول: الكفر هو تكذيب الرسول عليه السلام في شيء مما جاء به. والإيمان تصديقه في جميع ما جاء به. فاليهوديّ والنصرانيّ كافران لتكذيبهما للرسول عليه السلام. والبرهميّ كافر بالطريق الأولى لأنه أنكر، مع رسولنا، سائر المرسلين. والدهريّ كافر بالطريق الأولى، لأنه أنكر، مع
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 49]
رسولنا المرسل، سائر الرسل. وهذا لأن الكفر حكم شرعيّ كالرق والحرية مثلا. إذ معناه. إباحة الدم والحكم بالخلود في النار. ومدركه شرعيّ فيدرك إما بنص وإما بقياس على منصوص. وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى. والتحق بهم بالطريق الأولى البراهمة والثنوية والزنادقة والدهرية. وكلهم مشركون. فإنهم مكذبون للرسول. فكل كافر مكذب للرسول، وكل مكذب فهو كافر. فهذه هي العلامة المطردة المنعكسة. وتتمة هذا البحث في هذا الكتاب الذي لا يستغني عنه فاضل. فارجع إليه. وعض بنواجذك عليه. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 49] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ تعجيب من تمادحهم بالتزكية التي هي التطهير والتبرئة من القبيح فعلا وقولا، المنافية لما هم عليه من الطغيان والشرك الذي قصه تعالى عنهم قبل. فالمراد بهم اليهود. وقد حكى تعالى عنهم أنهم يقولون: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: 18] . وحكى عنهم أيضا أنهم قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: 80] . وأنهم قالوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة: 111] . وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب. وكذبوا. قال الله: إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له. وأنزل الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ. أي انظر إليهم فتعجب من ادعائهم أنهم أزكياء عند الله تعالى مع ما هم فيه من الكفر والإثم العظيم. أو من ادعائهم تكفير ذنوبهم مع استحالة أن يغفر للكافر شيء من كفره أو معاصيه. وقوله تعالى بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ تنبيه على أن تزكيته هي المعتد بها دون تزكية غيره. فإنه العالم بما ينطوي عليه الإنسان من حسن وقبيح. وقد ذمهم وزكى المرتضين من عباده المؤمنين. تنبيه: قال الزمخشريّ: يدخل في الآية كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله. فإن قلت: أما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله! إني لأمين في السماء، أمين في الأرض؟ قلت: إنما قال ذلك حين قال له المنافقون:
اعدل في القسمة، إكذابا لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه. وشتان من شهد الله له بالتزكية ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم. وقد ورد في ذم التمادح والتزكية أحاديث كثيرة. منها عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال «1» : سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم رجلا يثني على رجل ويطريه في المدح فقال: أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» . متفق عليه. وعن أبي بكرة رضي الله عنه «2» أن رجلا ذكر عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ويحك! قطعت عنق صاحبك (يقوله مرارا) إن كان أحدكم مادحا، لا محالة، فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك. وحسيبه الله. ولا يزكي على الله أحدا» . متفق عليه. وعن همّام بن الحارث عن المقداد رضي الله عنه «3» أن رجلا جعل يمدح عثمان رضي الله عنه. فعمد المقداد فجثا على ركبتيه. فجعل يحثو في وجهه الحصاء. فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب. رواه مسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر عن أبيه عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر ابن الخطاب: من قال: أنا مؤمن فهو كافر. ومن قال: هو عالم، فهو جاهل. ومن قال: هو في الجنة فهو في النار. ورواه ابن مردويه عن طريق موسى بن عبيدة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن عمر أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه. فمن قال إنه مؤمن فهو كافر. ومن قال هو عالم فهو جاهل. ومن قال هو في الجنة فهو في النار. وروى الإمام أحمد عن معبد الجهنيّ قال: كان معاوية قلّما كان يحدث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال: وكان قلّما يدع، يوم الجمعة، هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، يقول: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. وإن هذا المال حلو خضر فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه. وإياكم والتمادح فإنه الذبح. وروى ابن ماجة عنه «4» : إياكم والتمادح فإنه الذبح.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 50]
وروى ابن جرير بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال «1» : إن الرجل ليغدو بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء. يلقى الرجل ليس يملك له نفعا ولا ضرّا فيقول له: والله! إنك لذيت وذيت فلعله أن يرجع ولم يحل من حاجته بشيء، وقد أسخط الله عليه، ثم قرأ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ... الآية وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا عطف على جملة قد حذفت، تعويلا على دلالة الحال عليها وإيذانا بأنها غنية عن الذكر. أي يعاقبون بتلك الفعلة القبيحة ولا يظلمون في ذلك العقاب فتيلا، أي أدنى ظلم وأصغره. والفتيل الخيط الذي في شق النواة أو ما يفتل بين الأصابع من الوسخ. يضرب به المثل في القلة والحقارة. وقيل: التقدير، يثاب المزكون ولا ينقص من ثوابهم شيء أصلا. ولا يساعده مقام الوعيد. قاله أبو السعود. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 50] انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة: 111] وقولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: 80] واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة. وقد حكم الله أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئا، في قوله: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ [البقرة: 134] . الآية. قال العلامة أبو السعود: (كيف) نصب إما على التشبيه بالظرف أو بالحال. والعامل (يفترون) وبه تتعلق (على) أي: في أي حال أو على أي حال يفترون عليه تعالى الكذب. والمراد بيان شناعة تلك الحال وكمال فظاعتها. والجملة في محل النصب بعد نزع الخافض و (النظر) متعلق بهما. وهو تعجيب إثر تعجيب. وتنبيه على أن ما ارتكبوه متضمن لأمرين عظيمين موجبين للتعجيب: ادعاؤهم الاتصاف بما هم متصفون بنقيضه. وافتراؤهم على الله سبحانه. فإن ادعاءهم الزكاء عنده تعالى متضمن لادعائهم قبول الله وارتضاءه إياهم. تعالى عن ذلك علوّا كبيرا. ولكون هذا أشنع من الأول جرما، وأعظم قبحا لما فيه من نسبته سبحانه وتعالى إلى ما يستحيل عليه بالكلية من قبول الكفر وارتضائه لعباده، ومغفرة كفر الكافر وسائر معاصيه- وجّه النظر إلى كيفيته تشديدا للتشنيع وتأكيدا للتعجيب. والتصريح
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 51]
بالكذب، مع أن الافتراء لا يكون إلا كذبا، للمبالغة في تقبيح حالهم وَكَفى بِهِ أي بافترائهم هذا من حيث هو افتراء عليه تعالى مع قطع النظر عن مقارنته لتزكية أنفسهم وسائر آثامهم العظام إِثْماً مُبِيناً ظاهرا بينا كونه إثما. والمعنى: كفى ذلك وحده في كونهم أشد إثما من كل كفّار أثيم. أو في استحقاقهم لأشد العقوبات. ثم حكى تعالى عن اليهود نوعا آخر من المكر. وهو أنهم كانوا يفضلون عبدة الأصنام على المؤمنين، تعصبا وعنادا، بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 51] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ أي علما بالتوراة الداعية إلى التوحيد وترجيح أهله. والكفر بالجبت والطاغوت. ووصفهم بما ذكر، من إيتاء النصيب، لما مر من منافاته لما صدر عنهم من القبائح يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ الجبت يطلق، لغة، على الصنم والكاهن والساحر والسحر والذي لا خير فيه وكل ما عبد من دون الله تعالى. وكذا الطاغوت. فيطلق على الكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله ومردة أهل الكتاب. كما في القاموس. وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي أشركوا بالله، وهم كفار مكة، أي لأجلهم وفي حقهم هؤُلاءِ يعنونهم أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله وحده سَبِيلًا أي أرشد طريقة. وإيرادهم بعنوان الإيمان ليس من قبل القائلين، بل من جهة الله تعالى، تعريفا لهم بالوصف الجميل، وتخطئة لمن رجّح عليهم المتصفين بأقبح القبائح. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 52] أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أي أبعدهم عن رحمته وطردهم وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ أي يبعده عن رحمته فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً يدفع عنه العذاب دنيويّا كان أو أخرويّا. لا بشفاعة ولا بغيرها. قال الرازيّ: إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم يجري مجرى المكابرة. فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله؟ ومن كان دينه الإقبال
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 53]
بالكلية على خدمة الخالق والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال؟ وقد روى الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية، قال: أنتم خير. قال فنزلت فيهم: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: 3] . ونزل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ- إلى- نَصِيراً. وقال الإمام ابن إسحاق رضي الله عنه: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة، حييّ بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وأبو رافع والربيع بن أبي الحقيق وأبو عامر ووحوح بن عامر وهودة بن قيس. فأما وحوح وأبو عامر وهودة فمن بني وائل وكان سائرهم من بني النضير. فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتاب الأول. فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا: دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ... إلى قوله عز وجل: وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. وهذا لعن لهم وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة. لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين. وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم وقد أجابوهم وجاءوا معهم يوم الأحزاب حتى حفر النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه حول المدينة الخندق (فكفى الله شرّهم) . (وردّ الله الّذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا) ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [الأحزاب: 25] . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 53] أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (53) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. لما ذم سبحانه اليهود بتزكيتهم أنفسهم وتفضيلهم المشركين على الموحدين، شرع في تفصيل بعض آخر من مثالبهم. وهو وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر خصلتين. و (أم) منقطعة. والهمزة لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك، والفاء للسببية الجزائية لشرط محذوف. أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون أحدا مقدار نقير
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 54]
لفرط بخلهم. و (النقير) النقرة في ظهر النواة وهو مثل في القلة والحقارة. كالفتيل والقطمير. والمراد بالملك إما ملك أهل الدنيا وإما ملك الله. كقوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ [الإسراء: 100] . وقال أبو السعود: وهذا هو البيان الكاشف عن كنه حالهم. وإذا كان شأنهم كذلك وهم ملوك فما ظنك بهم وهم أذلاء متفاقرون؟ ويجوز أن لا تكون الهمزة لإنكار الوقوع بل لإنكار الواقع والتوبيخ عليه. أي لعده منكرا غير لائق بالوقوع. على أن الفاء للعطف والإنكار متوجه إلى مجموع المعطوفين على معنى: ألهم نصيب وافر من الملك حيث كانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كالملوك فلا يؤتون الناس مع ذلك نقيرا؟ كما تقول لغنيّ لا يراعي أباه: ألك هذا القدر من المال فلا تنفق على أبيك شيئا؟ وفائدة (إذن) تأكيد الإنكار والتوبيخ. حيث يجعلون ثبوت النصيب سببا للمنع مع كونه سببا للإعطاء. وهي ملغاة عن العمل. كأنه قيل: فلا يؤتون الناس إذن: وقرئ: (فإذن لا يؤتوا) بالنصب على إعمالها. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 54] أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (54) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ منقطعة أيضا مفيدة للانتقال من توبيخهم بما سبق، أعني البخل، إلى توبيخهم بالحسد. وهما شر الرذائل كما قدمنا. وكأن بينهما تلازما وتجاذبا. واللام في (الناس) للعهد والإشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وروى الطبرانيّ بسنده عن ابن عباس في هذه الآية قال: نحن الناس دون الناس. والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه. قال الرازيّ: وإنما حسن ذكر الناس لإرادة طائفة معينة من الناس. لأن المقصود من الخلق إنما هو القيام بالعبودية كما قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] فما كان القائمون بهذا المقصود ليس إلا محمدا صلى الله عليه وسلم ومن كان على دينه- كان هو وأصحابه كأنهم كل الناس. فلهذا حسن إطلاق لفظ (الناس) وإرادتهم على التعيين عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وهو النبوة والكتاب والرشد وازدياد العز والنصر يوما فيوما. وقوله تعالى فَقَدْ آتَيْنا تعليل للإنكار والاستقباح وإلزام لهم بما هو مسلم عندهم. وحسم لمادة حسدهم واستبعادهم،
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 55]
المبنيّين على توهم عدم استحقاق المحسود لما أوتي من الفضل ببيان استحقاقه له بطريق الوراثة كابرا عن كابر. وإجراء الكلام على سنن الكبرياء بطريق الالتفات لإظهار كمال العناية بالأمر. والمعنى: أن حسدهم المذكور في غاية القبح والبطلان. فإنا قد آتينا من قبل هذا آلَ إِبْراهِيمَ الذين هم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم وأبناء أعمامه الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ النبوة وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً لا يقادر قدره. فكيف يستبعدون نبوته ويحسدونه على إيتائها؟ أفاده أبو السعود. قال الرازيّ: إن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة. فكلما كانت فضيلة الإنسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم. ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين. ثم إنه تعالى أعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم وضم إليها أنه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصارا وأعوانا. فلما كانت هذه النعم سببا لحسد هؤلاء، بيّن تعالى ما يدفع ذلك فقال: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. والمعنى: أنه حصل في أولاد إبراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا تحسدونهم. فلم تتعجبون من حال محمد صلى الله عليه وسلم ولم تحسدونه؟ القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 55] فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (55) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ حكاية لما صدر عن أسلافهم. أي: فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم من آمن بما أوتي آل إبراهيم. ومنهم من كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه. وهو منهم ومن جنسهم. أي من بني إسرائيل. وقد اختلفوا عليهم. فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟ فالكفرة منهم أشد تكذيبا لك وأبعد عما جئتهم به من الهدى والحق المبين. وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ذلك ديدنهم المستمر وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً أي نارا مسعّرة يعذبون بها على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله. ثم أخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصدّ عن رسله فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 56] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً أي عظيمة هائلة كُلَّما نَضِجَتْ
تنبيه:
جُلُودُهُمْ أي احترقت احتراقا تامّا بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ أي ليدوم لهم. وذلك أبلغ في العذاب للشخص. لأن إحساسه لعمل النار في الجلد الذي لم يحترق، أبلغ من إحساسه لعملها في المحترق. تنبيه: لهم في التبديل وجهان: الأول- أنه تبديل حقيقيّ ماديّ. فيخلق مكانها جلود أخر جديدة مغايرة للمحترقة. الثاني- أنه تبديل وصفيّ: أي أعدنا الجلود جديدة مغايرة للمحترقة صورة. وإن كانت عينها مادة. بأن يزال عنها الاحتراق ليعود إحساسها للعذاب. فلم تبدل إلا صفتها، لا مادتها الأصلية. وفيه بعد. إذ يأباه معنى التبديل. وقال الرازيّ: يمكن أن يقال: هذا استعارة عن الدوام وعدم الانقطاع. كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام: كلما انتهى فقد ابتدأ. وكلما وصل إلى آخره فقد ابتدأ. من أوله. فكذا قوله كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ الآية. يعني: كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك، أعطيناهم قوة جديدة من الحياة. بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا. فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم انقطاعه. انتهى. وهذا أبعد مما قبله. إذ ليس لنا أن نعدل في كلام الله تعالى عن الحقيقة إلى المجاز، إلا عند الضرورة. لا سيما وقد روي عن السلف، صحابة وتابعين، أنهم يبدلون في اليوم أو الساعة مرات عديدة. كما رواه ابن جرير وغيره مفصّلا. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً لا يمتنع عليه ما يريد حَكِيماً فيما يقضيه. ومنه هذا التبديل. إذ لا يتم تخليد العذاب الموعود، على الكفر الذي لا ينزجرون عنه، بالعذاب المنقطع. وعدا لا بد من إيفائه. ثم بيّن مآل أهل السعادة فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 57] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (57) وَالَّذِينَ آمَنُوا أي بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وجملة الكتب والرسل وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم بالإخلاص سَنُدْخِلُهُمْ أي في الآخرة جَنَّاتٍ أي بساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي من تحت شجرها وقصورها الْأَنْهارُ أي أنهار الخمر واللبن والعسل والماء خالِدِينَ فِيها أَبَداً أي مقيمين في
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 58]
الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها لَهُمْ فِيها أي الجنة أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ أي من الحيض والنفاس والأذى والأخلاق الرذيلة والصفات الناقصة وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا أي كنّا كنينا لا تنسخه الشمس، ولا حرّ فيه ولا برد. و (ظليل) صفة مشتقة من لفظ (الظل) لتأكيد معناه، كما يقال: ليل أليل، ويوم أيوم. وفي الصحيحين «1» عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة لشجرة يسير، الراكب الجواد المضمّر السريع، مائه عام ما يقطعها» . وفيهما «2» أيضا من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: «يسير الراكب في ظلها مائة سنة ما يقطعها» . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 58] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع. قال أبو السعود: في تصدير الكلام بكلمة التحقيق وإظهار الاسم الجليل وإيراد الأمر على صورة الإخبار، من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال به والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه. وهو خطاب يعم حكمه المكلفين قاطبة. كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة بذممهم: من حقوق الله تعالى وحقوق العباد. سواء كانت فعلية أو قولية أو اعتقادية. وإن ورد في شأن عثمان بن طلحة. انتهى. أي لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. كما تقرر في الأصول. وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها. الأبرار منهم والفجار، كما قال ابن المنذر. وفي حديث سمرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» . رواه الإمام أحمد وأهل السنن. قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة. واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزّى بن عثمان بن
عبد الدار بن قصيّ بن كلاب القرشيّ العبدريّ حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم. أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص. وأما عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة فكان معه لواء المشركين يوم أحد وقتل يومئذ كافرا. وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيرا من المفسرين قد يشتبه عليه هذا بهذا. وسبب نزولها فيه: لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه. قال محمد بن إسحاق (في غزوة الفتح) : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء إلى البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده. فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له. فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة وقد استكفّ له الناس في المسجد. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. صدق وعده. ونصر عبده. وهزم الأحزاب وحده. ألا كلّ مأثرة أو دم أو مال يدّعى، فهو تحت قدميّ هاتين: إلّا سدانة البيت وسقاية الحاج. وذكر بقية الحديث في خطبة النبيّ صلى الله عليه وسلم يومئذ. إلى أن قال: ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد. فقام إليه عليّ بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده. فقال: يا رسول الله! اجمع لنا الحجابة مع السقاية. صلى الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له. فقال هاك مفتاحك، يا عثمان! اليوم يوم برّ ووفاء. وروى ابن جرير «1» عن ابن جريج، في الآية قال: نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة. قبض منه النبيّ صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة. ودخل به البيت يوم الفتح. فخرج وهو يتلو هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها فدعا عثمان إليه. فدفع إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب (لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة وهو يتلو هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها: فداه أبي وأمي. ما سمعته يتلوها قبل ذلك.
قال السيوطيّ: ظاهر هذا أنها نزلت في جوف الكعبة. انتهى. وعن محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب أن هذه الآية نزلت في الأمراء. يعني الحكام بين الناس. وقال السيوطيّ في (الإكليل) : في هذه الآية وجوب ردّ كل أمانة من وديعة وقراض وقرض وغير ذلك. واستدل المالكية، بعموم الآية، على أن الحربيّ إذا دخل دارنا بأمان فأودع وديعة ثم مات أو قتل، إنه يجب رد وديعته إلى أهله. وأن المسلم إذا استدان من الحربيّ بدار الحرب ثم خرج، يجب وفاؤه. وأن الأسير إذا ائتمنه الحربيّ على شيء لا يجوز له أن يخونه. وعلى أن من أودع مالا وكان المودع خانه قبل ذلك، فليس له أن يجحده كما جحده. ويوافق هذه المسألة حديث: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، في هذه الآية قال: مبهمة للبر والفاجر. يعني عامة. وقد أخرج ابن جرير وغيره أنها نزلت في شأن مفتاح الكعبة. لما أخذه النبيّ صلى الله عليه وسلم من عثمان بن طلحة. واختار ما رواه عليّ وغيره أنها خطاب لولاة المسلمين. أمروا بأداء الأمانة لمن ولوا عليه. فيستدل بالآية على أن على الحكام والأئمة ونظار الأوقاف أداء الحقوق المتعلقة بذممهم من توليه المناصب وغيرها إلى من يستحقها. كما أن قوله تعالى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. أمر لهم بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها. وحيث كان المأمور به ههنا مختصا بوقت المرافعة، قيد به. بخلاف المأمور به أولا. فإنه لما لم يتعلق بوقت دون وقت أطلق إطلاقا. وأصل العدل هو المساواة في الأشياء. فكل ما خرج من الظلم والاعتداء سمي عدلا. روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص «1» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن. وكلتا يديه يمين. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» . وروى الترمذيّ عن أبي سعيد الخدريّ «2» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب
الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم عنده مجلسا: إمام عادل. وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا: إمام جائر» . وروى الحاكم والبيهقيّ بسند صحيح عن ابن أبي أوفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى مع القاضي ما لم يجر. فإذا جار تبرأ الله منه وألزمه الشيطان» . قال الإمام ابن تيمية رضي الله عنه في رسالته (السياسة الشرعية) بعد الخطبة: هذه الرسالة مبنية على آية الأمراء في كتاب الله تعالى. وهي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ... الآية. قال العلماء: نزلت في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل. ثم قال: وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها: والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة. ثم قال: أما أداء الأمانات ففيه نوعان: أحدهما- الولايات وهو كان سبب نزول الآية. فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة وطلبها العباس ليجمع له بين سقاية الحاج وسدانة البيت فأنزل الله هذه الآية. فرد مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة. فيجب على وليّ الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولّى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» . رواه الحاكم في صحيحه. وفي رواية: من قلد رجلا عملا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من ولي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين. فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان والقضاة. ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر الكبار والصغار وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والشادين والسعاة على الخراج والصدقات وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين. وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين والمقرئين والمعلمين وأمراء الحاج والبرد وخزان الأموال ونقباء العساكر الكبار والصغار وعرفاء القبائل والأسواق. على كل من ولي شيئا من أمور المسلمين من الأمراء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده، في كل موضع، أصلح من يقدر عليه. ولا يقدم الرجل لكونه طلب أو
سبق في الطلب. بل ذلك سبب المنع. فإن في الصحيح «1» عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أن قوما دخلوا عليه فسألوه ولاية فقال: إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه» . وقال «2» لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة. فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها من مسألة وكلت إليها» . أخرجاه في الصحيحين. وقال «3» : «من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه. ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه أنزل الله إليه ملكا يسدده» . رواه أهل السنن . فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو ولّاه عتاقة أو صداقة أو موافقة في مذهب أو بلد أو طريقة أو جنس، كالعربية والفارسية والتركية والرومية. أو لرشوة يأخذها منه من ماله أو منفعة. أو غير ذلك من الأسباب. أو لضغن في قلبه على الأحق. أو عداوة بينهما- فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ودخل فيما نهى عنه في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال: 27] . ثم قال الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال: 28] . فإن الرجل لحبه لولده أو عتيقه قد يؤثره في بعض الولايات أو يعطيه ما لا يستحقه فيكون قد خان أمانته. وكذلك قد يؤثر زيادة حفظه أو ماله بأخذ ما لا يستحقه أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته. ثم إن المؤدي الأمانة، مع مخالفة هواه، يثيبه الله فيحفظه في أهله وماله بعده. والمطيع لهواه يعاقبه بنقيض قصده. فيذل أهله ويذهب ماله. وفي ذلك الحكاية المشهورة: إن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدّث
بما أدرك. فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز، فقيل له: يا أمير المؤمنين! أفقرت أفواه بنيك من هذا المال وتركتهم فقراء لا شيء لهم. وكان في مرض موته، فقال: أدخلوهم عليّ. فأدخلوهم وهم بضعة عشر ذكرا. ليس فيهم بالغ. فلما رآهم ذرفت عيناه ثم قال: والله! يا بنيّ! ما منعتكم حقّا هو لكم. ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم. وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح فالله يتولى الصالحين. وإما غير صالح فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله. قوموا عني. قال: ولقد رأيت بعض ولده حمل على مائة في سبيل الله. يعني أعطاها لمن يغرو عليها. قلت: هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق ببلاد الترك إلى أقصى المغرب بالأندلس وغيرها من جزيرة قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها، إلى أقصى اليمن. وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئا يسيرا، يقال أقل من عشرين درهما. قال: وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه. فأخذ كل واحد ستمائة ألف دينار. ولقد رأيت بعضهم يتكفّف الناس، أي يسألهم بكفه. وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان، والمسموعة عما قبله، عبرة لكل ذي لب. وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها، في موضع مثل ما تقدم. ومثل قوله لأبي ذر رضي الله عنه في الإمارة: «إنها أمانة وإنها يوم القيامة حسرة وندامة. إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه» . فيما رواه مسلم «1» . وروى البخاريّ «2» في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قيل: يا رسول الله! وما إضاعتها؟ قال: إذا وسّد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة» .
وقد أجمع المسلمون على هذا. ثم قال ابن تيمية رحمه الله: القسم الثاني- أمانات الأموال كما قال الله تعالى في الديون: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [البقرة: 283] . ويدخل في هذا القسم الأعيان والديون الخاصة والعامة. مثل رد الودائع ومال الشريك والموكل والمضارب ومال المولى من اليتيم وأهل الوقف ونحو ذلك. وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات وبدل القرض وصدقات النساء وأجور المنافع ونحو ذلك. وقد قال الله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ- إلى قوله- وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ [المعارج: 19- 32] . وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً [النساء: 105] . أي لا تخاصم عنهم. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «1» : «المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم. والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه. والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله» . وهو حديث صحيح، بعضه في الصحيحين وبعضه في سنن الترمذيّ. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم «2» : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله. رواه البخاريّ. وإذا كان الله تعالى قد أوجب أداء الأمانات التي قبضت بحق، ففيه تنبيه على وجوب أداء الغصب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم. وكذلك أداء العارية.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 59]
ولينظر تتمة هذا البحث في الرسالة المذكورة. فإن الوقوف عليها من المهمات. إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي نعم ما يأمركم به من أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة. و (ما) إما منصوبة موصوفة ب (يعظكم) أو مرفوعة موصولة. كأنه قيل نعم شيئا يعظكم به. أو نعم الشيء الذي يعظكم به. والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها متضمنة لمزيد لطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال بالأمر إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً لأقوالكم في الأمانات والأحكام بَصِيراً بأفعالكم فيهما. فإن سمع ورأى خيرا جازاكم عليه خير الجزاء. وإن سمع ورأى شرّا جازاكم عليه. فهو وعد ووعيد. وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي يونس قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها إلى قوله- سَمِيعاً بَصِيراً. ويضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه ويقول: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويضع إصبعه. وقال أبو زكريا: وصفه لنا المقري ووضع أبو زكريا إبهامه الأيمن على عينه اليمنى. والتي تليها على الأذن اليمنى. وأرانا، فقال: هكذا. وهكذا رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وابن مردويه في تفسيره. وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة. واسمه سليم بن جبير. أفاده ابن كثير. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 59] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ اعلم أنه تعالى، لما أمر الرعاة والولاة بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، أمر الرعية من الجيوش وغيرهم بطاعة أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك. إلا أن يأمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قال الرازيّ: قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: حقّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة. فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا . وقد روى الطبريّ «1» بسند صحيح عن أبي هريرة: إن أولي الأمر هم الأمراء. واحتج له
الشافعيّ بأن قريشا ومن يليها من العرب كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون إلى أمير. فأمروا بالطاعة لمن ولي الأمر، والانقياد له إذا بعثهم في السرايا، وإذا ولاهم البلاد. فلا يخرجوا عليهم ولا يمتنعوا عليهم، لئلا تفترق الكلمة. ولذلك قال «1» صلى الله عليه وسلم: «من أطاع أميري فقد أطاعني» . متفق عليه. وفي البخاريّ «2» عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عديّ إذ بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم في سرية. قال ابن كثير: وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة وقال الترمذيّ: حديث حسن غريب. ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج. وروى الطبريّ «3» عن السدّيّ أنها نزلت في قصة جرت لعمار بن ياسر مع خالد ابن الوليد. وكان خالد أميرا. فأجار عمار رجلا بغير أمره. فتخاصما وارتفعا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير.
لطيفة:
قال ابن كثير: وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عن السدّي مرسلا. ورواه ابن مردويه عن السدّيّ عن أبي صالح عن ابن عباس. فذكره بنحوه. ولا تنافي بين الروايتين لما أسلفناه في مقدمة التفسير في بحث سبب النزول. فتذكر. وقال الزمخشريّ: المراد بأولي الأمر منكم، أمراء الحق. لأن أمراء الجور، الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما. كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان. وكان الخلفاء يقولون: أطيعوني ما عدلت فيكم فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم. وفي الصحيحين «1» عن عليّ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الطاعة في المعروف» . وروى الإمام أحمد «2» عن عمران بن حصين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا طاعة في معصية الله» . لطيفة: قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : النكتة في إعادة العامل في الرسول دون أولي الأمر، مع أن المطاع في الحقيقة هو الله تعالى- كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسنة. فكان التقدير: وأطيعوا الله فيما قضى عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن وما ينصه عليكم من السنة. والمعنى: أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبّد بتلاوته. وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن. ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية. لما قال له: أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ؟ فقال له: أليس قد نزعت
تنبيه:
عنكم، يعني الطاعة، إذا خالفتم الحق بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ؟ قال الطيبيّ: أعاد الفعل في قوله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة. ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته. ثم بين ذلك بقوله: فإن تنازعتم في شيء. كأنه قيل فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم وردّوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله. انتهى. تنبيه: يشمل عموم وقوله وَأُولِي الْأَمْرِ العلماء. كما روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه يعني أهل الفقه والدين. وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصريّ وأبو العالية. وهذا ليس قولا ثانيا في الآية بل هو مما يشمله لفظها. فهي عامة في أولي الأمر من الأمراء والعلماء وإن نزلت على سبب خاص. وقد كثرت الأوامر بطاعة العلماء كالأمراء. قال تعالى: لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ [المائدة: 63] . وقال تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: 43] ، وقال تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83] . وفي الحديث الصحيح المتفق على صحته عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «1» : «من أطاعني فقد أطاع الله. ومن عصاني فقد عصى الله. ومن أطاع أميري فقد أطاعني. ومن عصى أميري فقد عصاني» . وروى أبو داود «2» عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية. فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» . وروى البخاريّ «3» عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشيّ كأن رأسه زبيبة» . والأحاديث في هذا كثيرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه (الحسبة في الإسلام) : وقد أمر الله تعالى في كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر من المؤمنين. وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام. فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والأمراء. فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس. كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه «1» (للأحمسية لما سألته ما بقاؤنا على هذا الأمر) قال: ما استقامت لكم أئمتكم. ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان وكل من كان متبوعا فإنه من أولي الأمر. وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر الله به وينهي عما نهى عنه. وعلى كل واحد ممن له عليه طاعة أن يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية الله. كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حين تولى أمر المسلمين وخطبهم، فقال في خطبته: أيها الناس! القويّ فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم القويّ عندي حتى آخذ له الحق. أطيعوني ما أطعت الله. فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم فَإِنْ تَنازَعْتُمْ أي اختلفتم أنتم وأولو الأمر فِي شَيْءٍ من الأحكام فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ أي فارجعوا فيه إلى كتابه وَالرَّسُولِ بالسؤال منه في زمانه صلى الله عليه وسلم والرجوع إلى سننه بعده لا إلى ما تهوون ولا إلى ما يهواه الحكام إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الواضع لشرائع العدل وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الذي يجازى فيه الموافق والمخالف لتلك الشرائع ذلِكَ أي الرد إلى كتاب الله وسنة الرسول، والرجوع إليهما فصل النزاع خَيْرٌ أي لكم ولحكامكم وأصلح وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي عاقبة ومآلا، كما قاله السدّيّ وغير واحد. وقال مجاهد: وأحسن جزاء. وهو قريب.
تنبيهات
قال الحافظ ابن كثير: هذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه، أن يردّ التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة. كما قال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: 10] . فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله. فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فدل على أن من لم يتحاكم، في محل النزاع، إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر. انتهى. تنبيهات الأول- قال البيضاويّ: إن قوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ، يؤيد أن المراد بأولي الأمر الأمراء لا العلماء. قال: إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس. ثم قال: إلا أن يقال: الخطاب لأولي الأمر، على طريقة الالتفات. وتابعه أبو السعود. قال الخفاجيّ: وجه التأييد أن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء. إذ المراد بهم المجتهدون. والناس ممن سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم. والمراد بالمرؤوس (على وزن المفعول) العامة التابعة للرائس والرئيس. فإذا كان الخطاب في (تنازعتم) لأولي الأمر على الالتفات صح إرادة العلماء. لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضا مجادلة ومحاجة. فيكون المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل. انتهى. وفي وقوله: (إذ ليس للمقلد إلخ) ما ستراه. الثاني- فيهم كثير من الناس والمفسرين أيضا أن طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يفتون به. وهو غلط قال الإمام ابن القيّم في (أعلام الموقعين) في: فصل في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان. قال المقلد: وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر- وهم العلماء. أو العلماء والأمراء- وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، فإنه لولا التقليد، لم
يكن هناك طاعة تختص بهم. قال: وجوابه أن أولي الأمر، قيل: هم الأمراء. وقيل: هم العلماء. وهما روايتان عن الإمام أحمد. والتحقيق أن الآية تتناول الطائفتين. وطاعتهم من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. لكن خفي على المقلدين أنهم يطاعون في طاعة الله إذا أمروا بأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيثار التقليد عليها؟ ثم قال ابن القيّم: إن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم وأعظمها إبطالا للتقليد. وذلك من وجوه: أحدها- الأمر بطاعة الله التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه. الثاني- طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يكون العبد مطيعا لله ولرسوله حتى يكون عالما بأمر الله تعالى ورسوله. وأما من هو مقلد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيق طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم البتة. الثالث- أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم، كما صح ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة. وذكرناه عن الأئمة الأربعة وغيرهم. وحينئذ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد. وإن لم تكن واجبة الاستدلال. الرابع- أنه سبحانه وتعالى، قال في الآية نفسها: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وهذا صريح في إبطال التقليد والمنع من رد المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد. فإن قيل: فما هي طاعتهم المختصة بهم؟ فإن كانت الطاعة فيما يخبرون به عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، كانت الطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا لهم. قيل: هذا هو الحق. وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال. ولهذا قرنها بطاعة الرسول. وأعاد العامل لئلا يتوهم أنه إنما يطاع تبعا كما يطاع أولو الأمر تبعا. وليس كذلك. بل طاعته واجبة استقلالا. كان، ما أمر به أو نهى عنه في القرآن، أو لم يكن. انتهى. وقال رحمه الله تعالى قبل ذلك: إن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفة أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه وأحوال أئمتهم. وسلكوا ضد طريق أهل العلم. أما أمر الله تعالى، فإنه أمر أن يرد ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله. والمقلدون قالوا: إنما نردّه إلى من قلدناه. وأما أمر رسوله فإنه صلى الله عليه وسلم أمر عند الاختلاف بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين، وأمر أن يتمسك بها ويعض عليها بالنواجذ. وقال المقلدون: بل عند الاختلاف نتمسك بقول من قلدناه ونقدمه على كل ما عداه. وأما هدي الصحابة رضي الله عنهم فمن المعلوم بالضرورة أنه لم يكن
شخص واحد يقلد رجلا في جميع أقواله ويخالف من عداه من الصحابة بحيث لا يرد من أقواله شيئا ولا يقبل من أقوالهم شيئا. وهذا من أعظم البدع وأقبح الحوادث. وأما مخالفتهم لأئمتهم فإن الأئمة نهوا عن تقليدهم وحذروا منه. كما تقدم ذكر بعض ذلك عنهم وضبطها والنظر فيها وعرضها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال خلفائه الراشدين. فما وافق ذلك منها قبلوه ودانوا الله تعالى به. وقبضوا به وأفتوا به. وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه وردوه. وما لم يتبين لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة الاتّباع لا واجبة الاتّباع. من غير أن يلزموا بها أحدا ولا يقولوا إنها الحق دون ما خالفها. هذه طريقة أهل العلم سلفا وخلفا. وأما هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق وقلبوا أوضاع الدين. فزيفوا كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال خلفائه وجميع أصحابه، وعرضوها على أقوال من قلدوه، فما وافقها منها قالوا: لنا وانقادوا له مذعنين. وما خالف أقوال متبوعهم منها قالوا: احتج الخصم بكذا وكذا. ولم يقبلوه ولم يدينوا به. واحتال فضلاؤهم في ردها بكل ممكن. وتطلبوا لها وجوه الحيل التي يرونها. حتى إذا كانت موافقة لمذهبهم، وكانت تلك الوجوه بعينها قائمة فيها، شنعوا على منازعهم وأنكروا عليهم ردها بمثل تلك الوجوه بعينها. وقالوا: لا تردّ النصوص بهذا. ومن له همة تسمو إلى الله ومرضاته، ونصر الحق الذي بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين كان ومع من كان، لا يرضى لنفسه بمثل هذا المسلك الوخيم والخلق الذميم. انتهى. الثالث- إن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أي فوّضوا علمه إلى الله واسكتوا عنه ولا تتعرضوا له؟ وأيضا، لم لا يجوز أن يكون المراد فردوا هذه الأحكام إلى البراءة الأصلية؟ قلنا: أما الأول فمدفوع. وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائع قسمين: منها ما يكون حكمها منصوصا عليه. ومنها ما لا يكون كذلك. ثم أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد. وأمر في القسم الثاني بالاجتهاد فيه، وهو الرد إلى الله وإلى الرسول. ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الردّ السكوت، لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل ذلك. بل لا بد من قطع الشغب والخصومة فيها، بنفي أو إثبات. وإذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى الله، على السكوت عن تلك الواقعة. وأما السؤال الثاني- فجوابه أن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل. فلا يكون رد الواقعة إليها ردا إلى الله بوجه من الوجوه. أما إذا رددنا حكم الواقعة إلى الأحكام المنصوص عليها، كان هذا ردا للواقعة على أحكام
الله تعالى. فكان حمل اللفظ على هذا الوجه أولى: أفاده الرازيّ. الرابع- استدل مثبتو القياس بقوله تعالى فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ إلخ قالوا: معنى الآية: فإن تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة، فردوا حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له. وذلك هو القياس. قالوا: ولو كان المراد من قوله تعالى فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة- لكان داخلا تحت قوله أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وهو إعادة لعين ماضي (كذا) وهو غير جائز. وقد توسع الرازيّ في تقرير ذلك هاهنا، كما توسع في أن قوله تعالى (وأولي الأمر) إشارة إلى الإجماع. فتكون الآية، بزعمه، دلت على الأصول الأربع. ولا يخفى ما في هذا التعمق من دقيق الاستنباط. الخامس- قدمنا رواية البخاريّ في سبب نزول هذه الآية. وأن ابن عباس قال: نزلت في عبد الله بن حذافة. قال الداوديّ (شارح الصحيح) : هذا وهم على ابن عباس. فإن عبد الله بن حذافة خرج على جيش فغضب عليهم. فأمرهم أن يوقدوا نارا ويقتحموها. فامتنع بعض وهم بعض أن يفعل. قال: فإن كانت الآية نزلت قبل، فكيف يخص عبد الله بن حذافة بالطاعة دون غيره؟ وإن كانت نزلت بعد فإنما قيل لهم: إنما الطاعة في المعروف، وما قيل لهم: لم لم تطيعوه؟ انتهى. وأجاب الحافظ ابن حجر: أي المقصود في قصته قوله فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ لأنهم تنازعوا في امتثال ما أمرهم به. وسببه أن الذين هموا أن يعطوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة. والذين امتنعوا عارضه عندهم الفرار من النار. فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع. وهو الرد إلى الله وإلى رسوله. أي: إن تنازعتم في جواز الشيء وعدم جوازه فارجعوا إلى الكتاب والسنة. والله أعلم. ولما أوجب تعالى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ورسوله، آثرها بأن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه، وإنما يريدون حكم غيره، فقال:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 60]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 60] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعني التوراة. ووصفهم بادعاء الإيمان بالقرآن وبما أنزل من قبله، لتأكيد العجيب من حالهم وتشديد التوبيخ والاستقباح، ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول، وبين ما صدر عنهم من مخالفة الأمر المحتوم يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ الداعي إلى الطغيان بالحكم على خلاف المنزل إليك والمنزل على من قبلك. وتقدم قريبا معاني الطاغوت. والمراد به هاهنا ما سوى كتاب الله وسنة رسوله، من الباطل وَقَدْ أُمِرُوا في جميع تلك الكتب أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ أي يتبرؤوا منه. لأنه تحاكم على خلاف ما أنزل الله في كتبه فيعصونه ويطيعون الشيطان وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أي من الجن والإنس أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً عن الحق والهدى. وقوله وَيُرِيدُ إلخ عطف على (يريدون) داخل في حكم التعجيب. فإن اتباعهم لمن يريد إضلالهم وإعراضهم عمن يريد هدايتهم، أعجب من كل عجيب. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 61] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي: إلى حكم ما أنزل الله في القرآن الذي تدعون الإيمان به وَإِلَى الرَّسُولِ أي: حكمه رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ أي يمنعون خصومهم فيبعدونهم عَنْكَ صُدُوداً بليغا ليتمكنوا مما يريدونه بالرشوة. وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ إلخ تكملة لمادة التعجيب ببيان إعراضهم صريحا عن التحاكم إلى كتاب الله تعالى ورسوله، إثر بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت. وإظهار (المنافقين) في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالنفاق. وذمهم به. والإشعار بعلة الحكم. تنبيه- في سبب نزولها أخرج ابن أبي حاتم والطبرانيّ بسند صحيح عن ابن عباس قال: كان أبو برزة
مباحث
الأسلميّ كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه. فتنافر إليه ناس من المسلمين. فأنزل الله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا. إلى قوله- إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً. أقول: ثم أسلم أبو برزة وصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم. واسمه نضلة بن عبيد. قال الحافظ ابن حجر في (التقريب) : صحابيّ مشهور بكنيته. أسلم قبل الفتح. وغزا سبع غزوات. ثم نزل البصرة. وغزا خراسان ومات بها سنة خمس وستين على الصحيح. انتهى. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة، أو سعيد، عن ابن عباس قال: كان الجلاس بن الصامت ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشر يدّعون الإسلام. فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين، في خصومة كانت بينهم، إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. فدعوهم إلى الكهان، حكام الجاهلية. فأنزل الله فيهم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ... الآية. وأخرج ابن جرير عن الشعبيّ قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة. فقال اليهوديّ: أحاكمك إلى أهل دينك، أو قال: إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. لأنه قد علم أن لا يأخذ الرشوة في الحكم. فاختلفا. واتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة. فنزلت. ولا تعارض. لما أسلفناه في المقدمة في بحث سبب النزول. فتذكر. قال أبو مسلم الأصفهاني: ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب. مثل: إنه كان يهوديّا فأظهر الإسلام على سبيل النفاق. لأن قوله تعالى يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ إنما يليق بمثل هذا المنافق. انتهى. أقول: ما استظهره مناف لما أسلفناه مما روي في نزولها. على أن توصيفهم بالإيمان ب (ما أنزل من قبل) لا يؤيد ما ذكره. لأن هذا كثيرا ما يذكر تنويها به وتثبيتا لركنيته في الإيمان. وتذكيرا له. كما لا يخفى على من سبر قاعدة التنزيل في أمثاله. فاعرفه. مباحث الأول- قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية إنكار من الله عز وجل على من يدّعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين. وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم، في فصل الخصومات، إلى غير كتاب الله وسنة رسوله. كما ذكر في سبب
نزول هذه الآية. ثم ساق ما قدمناه وقال: الآية أعم من ذلك كله. فإنها ذامّة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل. وهو المراد ب (الطاغوت) هاهنا، وأعرضوا كالمستكبرين كما قال تعالى عن المشركين وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا [البقرة: 170] ، وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا ... [النور: 51] ، الآية. الثاني- قال القاضي: يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر. وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر. ويدل عليه وجوه: الأول- أنه تعالى قال يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به. ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفر بالله. كما أن الكفر بالطاغوت إيمان بالله. الثاني- قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... إلى قوله: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: 65] ، وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم. الثالث- قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النور: 63] ، وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة. وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإسلام. سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد. وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريّهم. نقله الرازي. الرابع- قال بعض المفسرين: في هذه الآية وجوب الرضا بقضاء الله سبحانه. والرضا بما شرعه. وتدل على أنه لا يجوز التحاكم إلى غير شريعة الإسلام. قال الحاكم: وتدل على أن من لم يرض بحكمه كفر. وما ورد من فعل عمر وقتله المنافق يدل على أن دمه هدر. لا قصاص فيه ولا دية. وهاهنا فرع. وهو أن يقال: إذا تحاكم رجلان في أمر فرضي أحدهما بحكم المسلمين وأبى الثاني. وطلب المحاكمة إلى حاكم الملاحدة. فإنه يكفر. لأن في ذلك رضا بشعار الكفرة. انتهى. الخامس- في قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا دقيقة بديعة. قال أبو السعود: الاقتصار في معرض التعجب والاستقباح على ذكر إرادة التحاكم، دون
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 62]
نفسه، مع وقوعه أيضا- للتنبيه على أن إرادته مما يقضي منه العجب ولا ينبغي أن يدخل تحت الوقوع، فما ظنك بنفسه؟ السادس- قال المفسرون: إنما صد المنافقون عن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا ظالمين. وعلموا أنه لا يأخذ الرشا. وأنه لا يحكم إلا بمرّ الحكم. وقيل: كان ذلك الصدّ لعداوتهم في الدين. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 62] فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (62) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ متصل بما قبله، مبين غائلة جناياتهم المحكية ووخامة عاقبتها. أي كيف يكون حالهم إذا ساقتهم التقادير إليك، في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، التي منها المحاكمة إلى الطاغوت والكراهة لحكمك، واحتاجوا إليك في ذلك ثُمَّ جاؤُكَ للاعتذار عما صنعوا من القبائح يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ كذبا إِنْ أَرَدْنا أي ما أردنا بذلك التحاكم إِلَّا إِحْساناً أي فصلا بالوجه الحسن وَتَوْفِيقاً بالصلح بين الخصمين. ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك. فلا تؤاخذنا بما فعلنا. وهذا وعيد لهم على ما فعلوا. وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم. ولا يغني عنهم الاعتذار. قال الرازيّ: ذكروا في تفسير قوله تعالى أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ وجوها: الأول- إن المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقرّ أنه لا يرضى بحكم الرسول عليه السلام. فهم جاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فطالبوا عمر بدمه. وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة. وهذا اختيار الزجاج. قلت: واختياره غير مختار. لأن قصة قتل عمر لم ترو من طريق صحيح ولا حسن. فهي ساقطة عند المحققين. واستدلال الحاكم، الذي قدمناه، مسلم. لو صحّت. الثاني- قال أبو عليّ الجبائيّ: المراد من هذه المصيبة ما أمر الله تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام من أنه لا يستصحبهم في الغزوات. وأنه يخصهم بمزيد الإذلال والطرد عن حضرته. وهو قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ، أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [الأحزاب: 60- 61] وقوله فَقُلْ لَنْ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 63]
تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً [التوبة: 83] وبالجملة، فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم. فكانت معدودة في مصائبهم. وإنما يصيبهم ذلك لأجل نفاقهم. الثالث- قال أبو مسلم الأصفهانيّ: إنه تعالى لمّا أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول، بشّر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا له الإيمان به، وإلى أن يحلفوا بأن مرادهم الإحسان والتوفيق. قال: ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا وكذا؟ ومثاله. قوله تعالى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [النساء: 41] ، وقوله فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ [آل عمران: 25] . ثم أمره تعالى، إذا كان منهم ذلك، أن يعرض عنهم ويعظهم. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 63] أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) أُولئِكَ إشارة إلى المنافقين الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق والميل إلى الباطل وإن أظهروا إسلامهم وعذرهم بحلفهم فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم ولا تزد على كفهم، بالموعظة والنصيحة عما هم عليه وَعِظْهُمْ أي ازجرهم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً أي مؤثرا وأصلا إلى كنه المراد. فإن قيل: بم تعلق قوله تعالى فِي أَنْفُسِهِمْ؟ فالجواب: بقوله بَلِيغاً على رأي من يجيز تقديم معمول الصفة على الموصوف. أي قل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما. ويستشعرون منه الخوف استشعارا. وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق وأطلع قرنه. وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق، معلوم عند الله. وإنه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكافّة إلا لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف. أو يتعلق بقوله قُلْ لَهُمْ أي: قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النّفاق، قولا بليغا. وإن الله يعلم ما في قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغني عنكم إبطانه فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك، من انتقامه، وشرّا من ذلك وأغلظ. أو قل لهم في أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم، مسارّا لهم بالنصيحة، لأنها في السر أنجع وفي الإمحاض
تنبيه:
أدخل قَوْلًا بَلِيغاً يبلغ منهم ويؤثر فيهم. كذا يستفاد من الكشاف. قال الناصر في (الانتصاف) ولكل من هذه التأويلات شاهد على الصحة. أما الأول. فلأن حاصله أمره بتهديدهم على وجه مبلغ صميم قلوبهم. وسياق التهديد في قوله فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يشهد له. فإنه أخبر بما سيقع لهم على سبيل التهديد. وأما الثاني- فيلائمه من السياق قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ يعني ما انطوت عليه من الخبث والمكر والحيل. ثم أمره بوعظهم والإعراض عن جرائمهم حتى لا تكون مؤاخذتهم بها مانعة من نصحهم ووعظهم. ثم جاء قوله وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً كالشرح للوعظ ولذكر أهم ما يعظهم فيه. وتلك نفوسهم التي علم الله ما انطوت عليه من المذامّ. وعلى هذا يكون المراد الوعظ وما يتعلق به. وأما الثالث- فيشهد له سيرته عليه الصلاة والسلام في كتم عناد المنافقين، والتجافي عن إفصاحهم والستر عليهم، حتى عدّ حذيفة رضي الله عنه، صاحب سره عليه الصلاة والسلام. لتخصيصه إياه بالاطلاع على أعيانهم وتسميتهم له بأسمائهم. وأخباره في هذا المعنى كثيرة. تنبيه: قال بعض المفسرين: وثمرة الآية قبح الرياء والنفاق واليمين الكاذبة والعذر الكاذب. لأنهم اعتذروا بإرادتهم الإحسان. وذلك كذب. ثم قال: ودلت الآية على لزوم الوعظ والمبالغة فيه. انتهى. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 64] وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ كلام مبتدأ. جيء به تمهيدا لبيان خطئهم في ترك طاعة الرسول، والاشتغال بسر جنايتهم بالاعتذار بالأباطيل وعدم تلافيها بالتوبة. أي: وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع فيما حكم، لا ليطلب الحكم من غيره. فطاعته فرض على من أرسل إليهم. وإنكار فرضيتها كفر. وقوله بِإِذْنِ اللَّهِ أي: بسبب إذنه في طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه، لأنه مؤدّ عن الله. فطاعته طاعة الله. ومعصيته معصية الله مَنْ
لطيفة:
يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ويجوز أن يراد: بتيسير الله وتوفيقه في طاعته: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ هذا الظلم العظيم غاية العظم، إذ عرضوها لعذاب، على عذاب النفاق، بترك طاعتك والتحاكم إلى الطاغوت جاؤُكَ تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ من ذلك وتابوا إليه تعالى من صنيعهم وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ أي دعا لهم بالمغفرة، فكان استغفاره شفاعة لقبول استغفارهم لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً أي قابلا لتوبتهم رَحِيماً أي متفضلا عليهم بالرحمة وراء قبول التوبة. لطيفة: قال الزمخشريّ: ولم يقل: واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، تفخيما لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما لاستغفاره وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول، من الله بمكان. قال في (الانتصاف) : وفي هذا النوع من الالتفات خصوصية. وهي اشتماله على ذكر صفة مناسبة لما أضيف إليه. وذلك زائد على الالتفات بذكر الأعلام الجامدة. تنبيهات: الأول- دلت الآية على أن توبة المنافق مقبولة عند الله وفاقا. وأما الظاهر فظاهر الآية قبولها. لأنه جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم مستغفرا لهم وشافعا. وعن الراضي بالله في (الباطنية) : إن أظهروا شبههم وما يعتادون كتمه، دل ذلك على صدق توبتهم. فيقبل وإلا فلا. ودلت الآية على أن من تكررت منه المعصية والتوبة صحت توبته لقوله تعالى: تَوَّاباً وذلك ينبئ عن التكرار. كذا في بعض التفاسير. الثاني- قال الرازيّ: لقائل أن يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، لكانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم: قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول- أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله. وكان أيضا إساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام. ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره. فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم. الثاني- إن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول، ظهر منهم ذلك التمرد. فإذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد. وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار. الثالث- لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فإذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 65]
أقول: وثمة وجه رابع- وهو التنويه بشأن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن طاعته طاعته تعالى، فرضاه رضاه وسخطه سخطه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 65] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ في السر ولا يستحقون اسم الإيمان في السر حَتَّى يُحَكِّمُوكَ يجعلوك حاكما ويترافعوا إليك فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ في قلوبهم حَرَجاً أي ضيقا مِمَّا قَضَيْتَ بينهم وَيُسَلِّمُوا أي: ينقادوا لأمر ويذعنوا لحكمك تَسْلِيماً تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أي تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة. كما ورد في الحديث: والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به. تنبيهات: الأول- روى البخاريّ «1» عن الزهريّ عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا في شراج الحرة. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصاريّ: يا رسول الله! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا زبير. ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر. ثم أرسل الماء إلى جارك» . واستوعى النبيّ صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاريّ. وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة. قال الزبير: فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ. قال ابن كثير: هكذا رواه البخاريّ في (كتاب التفسير) في (صحيحه) من حديث معمر. وفي كتاب (المساقاة) من حديث ابن جريج «2» ومعمر «3» أيضا. وفي
كتاب (الصلح) من حديث شعيب بن أبي حمزة «1» . ثلاثتهم عن الزهريّ عن عروة فذكره. وصورته الإرسال وهو متصل في المعنى. وقد رواه الإمام أحمد «2» من هذا الوجه فصرّح بالإرسال فقال: حدثنا أبو اليمان. أخبرنا شعيب عن الزهريّ أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث أنه كان يخاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا، إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في شراج الحرّة. كان يستقيان بها كلاهما. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم للزبير: «اسق: ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاريّ وقال يا رسول الله! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال للزبير: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» . فاستوعى النبيّ صلى الله عليه وسلم للزبير حقه. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم، قبل ذلك، أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاريّ. فلما أحفظ الأنصاريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، استوعى النبيّ صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم. قال عروة: فقال الزبير: والله! ما أحسب هذه الآية أنزلت إلا في ذلك فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً. (هكذا رواه الإمام أحمد وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير فإنه لم يسمع منه. والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله. فإن أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رواه كذلك في (تفسيره) . فقال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى. حدثنا ابن وهب. أخبرني الليث ويونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام أنه خاصم رجلا ... الحديث) . قال ابن كثير: وهكذا رواه النسائيّ «3» من حديث ابن وهب به. ورواه أحمد والجماعة كلهم من حديث الليث به. وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير. وهكذا ساقه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن الزبير. والله أعلم. وروى ابن أبي حاتم عن الزهريّ عن سعيد بن المسيب في هذه الآية قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة. اختصما في ماء. فقضى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يسقى الأعلى ثم الأسفل.
قال ابن كثير: هذا مرسل. لكن فيه فائدة تسمية الأنصاريّ. انتهى. قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) : وحكى الواحديّ وشيخه الثعلبيّ والمهدويّ أنه حاطب بن أبي بلتعة. وتعقب بأن حاطبا، وإن كان بدريّا، لكنه من المهاجرين. لكن مستند ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز عن الزهريّ عن سعيد بن المسيّب في قوله تعالى فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... الآية. قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة. اختصما في ماء ... الحديث. وإسناده قويّ مع إرساله. فإن كان سعيد بن المسيب سمعه من الزبير، فيكون موصولا. وعلى هذا فيؤوّل قوله (من الأنصار) على إرادة المعنى الأعم. كما وقع ذلك في حق غير واحد كعبد الله بن حذافة. وأما قول الكرمانيّ بأن حاطبا كان حليفا للأنصار- ففيه نظر. وأما قوله (من بني أمية بن زيد) فلعله كان مسكنه هناك، كعمر. ثم قال: ويترشح بأن حاطبا كان حليفا لآل الزبير بن العوام من بني أسد وكأنه كان مجاورا للزبير. والله أعلم. أقول: وقع في التفسير المنسوب لابن عباس، هاهنا، ذكر حاطب بن أبي بلتعة وتلقيبه بالمنافق وإدراجه تحت قوله تعالى رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ. وفي صحة هذا عن ابن عباس نظر. وكيف؟ وقد كان رضي الله عنه من البدريين. وقد انتفى النفاق عمن شهدها. قال التوربشتيّ: يحتمل أنه أصدر ذلك منه بادرة النفس. كما وقع لغيره ممن صحت توبته. إذ لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة التي هي المدح ولو شاركهم في النسب. قال: بل هي زلة من الشيطان تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة. انتهى. ولما همّ عمر رضي الله عنه بضرب عنقه في قصة الظعينة «1» ، قال حاطب: لا
تعجل عليّ يا رسول الله! والله! إني لمؤمن بالله ورسوله. وما ارتددت ولا بدلت. فأقرّه صلى الله عليه وسلم، وكفّ عمر عنه. وقال صلى الله عليه وسلم لعمر: إنه قد شهد بدرا. وما يدريك، يا عمر؟ لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فذرفت عينا عمر ... الحديث. ولله در أصحاب الصحاح حيث أبهموا في قصة الزبير اسم خصمه سترا عليه كيلا يغض من مقامه. وهكذا ليكن الأدب. وكفانا أصلا عظيما في هذا الباب إبهام التنزيل الجليل في كثير من قصصه الكريمة. فهو ينبوع المعارف والآداب على مرور السنين والأحقاب. هذا كله على الجزم بأنها نزلت في قصة الزبير وخصمه. وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : والراجح رواية الأكثر. وأن الزبير كان لا يجزم بذلك. ثم قال الحافظ ابن حجر: وجزم مجاهد والشعبيّ بأن الآية إنما نزلت فيمن نزلت فيه الآية التي قبلها وهي قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إلخ فروى إسحاق بن راهويه في (تفسيره) بإسناد صحيح عن الشعبيّ. قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة. فدعا اليهوديّ المنافق إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة. ودعا المنافق اليهوديّ إلى حكامهم. لأنه علم أنهم يأخذونها. فأنزل الله هذه الآيات، إلى ... وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، نحوه. وروى الطبريّ «1» بإسناد صحيح عن ابن عباس أن حاكم اليهود يومئذ كان أبا برزة الأسلميّ قبل أن يسلم ويصحب. وروي «2» بإسناد آخر صحيح إلى مجاهد أنه كعب بن الأشرف. انتهى. وقال ابن كثير: ذكر سبب آخر غريب جدا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس
ابن عبد الأعلى قراءة. أخبرنا ابن وهب. أخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما. فقال المقضيّ عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. انطلقا إليه. فلما أتيا إليه، فقال الرجل: يا ابن الخطاب! قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال: ردنا إلى عمر بن الخطاب فردنا إليك. فقال: أكذاك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما. فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر. فقتله. وأدبر الآخر. فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! قتل عمر، والله! صاحبي. ولولا أني أعجزته لقتلني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن. فأنزل الله فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ... الآية فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله. فكره الله أن يسنّ ذلك بعد. فأنزل: لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ الآية وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به ، وهو أثر غريب مرسل. وابن لهيعة ضعيف. والله أعلم. طريق أخرى: قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في (تفسيره) : حدثنا شعيب بن شعيب. حدثنا أبو المغيرة. حدثنا عتبة بن حمزة. حدثني أبي. أن رجلين اختصما إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقضى للمحق على المبطل. فقال المقضيّ عليه: لا أرضى. فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق. فذهبا إليه. فقال الذي قضى له: قد اختصمنا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقضى لي. فقال أبو بكر: أنتما على ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبى صاحبه أن يرضى. فقال: نأتي عمر بن الخطاب. فقال المقضيّ له: قد اختصمنا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه. فأبى أن يرضى. فسأله عمر بن الخطاب، فقال كذلك. فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله. فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى. فقتله. فأنزل الله فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ... الآية انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : روى الكلبيّ في تفسيره عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهوديّ خصومة. فقال اليهوديّ: انطلق بنا إلى محمد. وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف. فذكر القصة. وفيه أن عمر قتل المنافق وأن ذلك سبب نزول هذه الآيات وتسمية عمر الفاروق. وهذا الإسناد، وإن كان ضعيفا، لكن تقوى بطريق مجاهد.
ولا يضره الاختلاف. لإمكان التعدد. وأفاد الواحديّ بإسناد صحيح عن سعيد عن قتادة أن اسم الأنصاريّ المذكور قيس. ورجح الطبريّ في (تفسيره) وعزاه إلى أهل التأويل في (تهذيبه) أن سبب نزولها هذه القصة. ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد. قال: ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك. ثم قال: ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية. والله أعلم. انتهى. قال الرازيّ: اعلم أن قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الإيمان إلا عند حصول شرائط: أولها- قوله تعالى حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا. الشرط الثاني- قوله ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ. واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب. فبيّن، في هذه الآية، أنه لا بد من حصول الرضا به في القلب. واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر. فليس المراد من الآية ذلك. بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق. الشرط الثالث- قوله وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً. واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا، قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول. فبيّن تعالى أنه، كما لا بد في الإيمان من حصول ذلك اليقين في القلب، فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر. فقوله ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ المراد به الانقياد في الباطن. وقوله وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً المراد منه الانقياد في الظاهر. والله أعلم. الثالث- قال الرازيّ: ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس. لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الإطلاق. وأنه لا يجوز العدول منه إلى غيره. ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف. وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس. وقوله ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ مشعر بذلك. لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص، فهناك يحصل الحرج في النفس. فبيّن تعالى أنه لا يكمل إيمانه، إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج، ويسلم النص تسليما كليّا. وهذا الكلام قويّ حسن لمن أنصف.
الرابع- (لا) في قوله تعالى فَلا وَرَبِّكَ قيل إنها ردّ لمقدّر. أي: تفيد نفي أمر سبق. والتقدير: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك. ثم استأنف القسم بقوله وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ وقيل: مزيدة لتأكيد النفي الذي جاء فيما بعد أعني الجواب. لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن. وقيل: إنها مزيدة لتأكيد معنى القسم. وارتضاه الزمخشريّ. قال: كما زيدت في لِئَلَّا يَعْلَمَ [الحديد: 29] ، لتأكيد وجوب العلم. قال في (الانتصاف) يشير إلى أن (لا) لما زيدت مع القسم، وإن لم يكن المقسم به، دلّ ذلك على أنها إنما تدخل فيه لتأكيد القسم. فإذا دخلت حيث يكون المقسم عليه نفيا، تعين جعلها لتأكيد القسم، طردا للباب. أو الظاهر عنده، والله أعلم، أنها هنا لتوطئة النفي المقسم عليه. والزمخشريّ لم يذكر مانعا من ذلك. وحاصل ما ذكره مجيئها لغير هذا المعنى في الإثبات. وذلك لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة. على أن في دخولها على القسم المثبت نظرا. وذلك أنها لم ترد في الكتاب العزيز إلا مع القسم حيث يكون بالفعل. مثل لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [البلد: 1] ، لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [القيامة: 1] ، فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ [التكوير: 15] ، فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [الواقعة: 75] ، فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ [الحاقة: 38- 39] ، ولم تدخل أيضا إلا على القسم بغير الله تعالى. ولذلك شرّ يأبى كونها في هذه الآية لتأكيد القسم. ويعين كونها للتوطئة: وذلك أن المراد بها في جميع الآيات التي عددناها تأكيد تعظيم المقسم به. إذ لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له. فكأنه بدخولها يقول: إن إعظامي لهذه الأشياء بالقسم بها، كلا إعظام. يعني أنها تستوجب من التعظيم فوق ذلك. وهذا التأكيد إنما يؤتى به رفعا لتوهم كون هذه الأشياء غير مستحقة للتعظيم، وللإقسام بها. فيزاح هذا الوهم بالتأكيد، في إبراز فعل القسم مؤكدا بالنفي المذكور. وقد قرر الزمخشريّ هذا المعنى في دخول (لا) عند قوله (لا) عند قوله لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ على وجه مجمل، هذا بسطه وإيضاحه. فإذا بين ذلك، فهذا الوهم الذي يراد إزاحته في القسم بغير الله، مندفع في الإقسام بالله. فلا يحتاج إلى دخول (لا) مؤكدة للقسم. فيتعين حملها على الموطئة. ولا تكاد تجدها، في غير الكتاب العزيز، داخلة على قسم مثبت. وأما دخولها في القسم، وجوابه نفي، فكثير مثل: فلا وأبيك ابنة العامريّ ... لا يدّعي القوم أنّي أفرّ وكقوله:
ألا نادت أمامة باحتمال ... لتحزنني، فلا بك ما أبالي وقوله: رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال ولا أغاما وقوله: فحالف فلا والله تهبط تلعة ... من الأرض إلّا أنت للذلّ عارف وهو أكثر من أن يحصى. فتأمل هذا الفصل فإنه حقيق بالتأمل. انتهى. الخامس- اعلم أن كل حديث صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن رواه جامعو الصحاح، أو صححه من يرجع إليه في التصحيح من أئمة الحديث، فهو مما تشمله هذه الآية. أعني قوله تعالى مِمَّا قَضَيْتَ فحينئذ يتعين على كل مؤمن بالله ورسوله الأخذ به وقبوله ظاهرا وباطنا. وإلا بأن التمس مخارج لرده أو تأويله، بخلاف ظاهره، لتمذهب تقلّده وعصبية ربي عليها، كما هو شأن المقلدة أعداء الحديث وأهله- فيدخل في هذا الوعيد الشديد المذكور في هذه الآية. الذي تقشعر له الجلود وترجف منه الأفئدة. قال الإمام الشافعيّ في الرسالة التي أرسلها إلى عبد الرحمن بن مهديّ: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسله عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا. فذهبت معه إلى عمر. فسأل عن وليدة من ولائد الجاهلية. فقال: أما الفراش فلفلان. وأما النطفة فلفلان. فقال: صدقت. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالفراش. قال الشافعيّ: وأخبرني من لا أتهم عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مخلد بن خفاف قال: ابتعت غلاما فاستغللته. ثم ظهرت منه على عيب فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز. فقضى لي برده. وقضى عليّ برد غلته. فأتيت عروة فأخبرته فقال: أرواح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في مثل هذا، أن الخراج بالضمان. فعجلت إلى عمر فأخبرته بما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر بن عبد العزيز: فما أيسر عليّ من قضاء قضيته، والله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق- فبلغتني فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج الذي قضى به عليّ له.
قال الشافعيّ: وأخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب قال: قضى سعيد بن إبراهيم على رجل. بقضية، برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن. فأخبرته عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قضى به. فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة، يخبرني عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قضيت به. فقال له ربيعة: قد اجتهدت ومضى حكمك. فقال سعد: وا عجبا. أنفذ قضاء سعد بن أم سعد وأردّ قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم! بل أرد قضاء سعد بن أم سعد وأنفذ قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعى سعد بكتاب القضية فشقه، فقضى للمقضيّ عليه. قال الشافعيّ: أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابيّ. قال. حدثني ابن أبي ذئب عن المقبريّ عن أبي شريح الكعبيّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم «1» قال عام الفتح: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين. إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود» . قال أبو حنيفة: فقلت لابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا، يا أبا الحارث؟ فضرب صدري وصاح عليّ صياحا كثيرا، ونال منّي وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟ نعم. آخذ به، وذلك الفرض عليّ وعلى من سمعه. إن الله تبارك وتعالى اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه. واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه. فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين داخرين. لا مخرج لمسلم من ذلك. وما سكت حتى تمنيت أن يسكت. انتهى. قال الإمام الفلّاني في (إيقاظ الهمم) بعد نقل ما مرّ: تأمل فعل عمر بن الخطاب وفعل عمر بن عبد العزيز وفعل سعد بن إبراهيم، يظهر لك أن المعروف عند الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعند سائر العلماء المسلمين،
أن حكم الحاكم المجتهد، إذا خالف نص كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجب نقضه ومنع نفوذه. ولا يعارض نص الكتاب والسنة بالاحتمالات العقلية والخيالات النفسانية والعصبية الشيطانية، بأن يقال: لعلّ هذا المجتهد قد اطلع على هذا النص وتركه لعلة ظهرت له. أو أنه اطلع على دليل آخر. ونحو هذا، مما لهج به فرق الفقهاء المتعصبين، وأطبق عليه جهلة المقلدين فافهم. انتهى. وقال وليّ الدين التبريزيّ في (مشكاة المصابيح) في (الفصل الثالث عشر) من (باب الجماعة وفضلها) : وعن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه «1» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنّكم» . فقال بلال: والله! لنمنعهن. فقال عبد الله: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقول أنت: لنمنعهن؟ (وفي رواية سالم عن أبيه) قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبّا ما سمعت سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: والله! لنمنعهن. رواه مسلم. وعن مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم «2» قال: لا يمنعن رجل أهله أن يأتوا المساجد. فقال ابن لعبد الله بن عمر: فإنّا نمنعهن. فقال عبد الله: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول هذا؟ قال فما كلمه عبد الله حتى مات. رواه الإمام أحمد. وقال الطيبيّ شارح (المشكاة) : عجبت ممن سمّي بالسنيّ، إذا سمع من سنة رسول الله وله رأي، رجح رأيه عليها. وأيّ فرق بينه وبين المبتدع؟ أما سمع (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) ؟ وها هو ابن عمر، وهو من أكابر الصحابة وفقهائها، كيف غضب لله ورسوله وهجر فلذة كبده لتلك الهنة، عبرة لأولي الألباب. وروى الإمام مسلم في «3» (صحيحه) في (كراهة الخذف) قبيل (كتاب الأضاحي) ، عن سعيد بن جبير أن قريبا لعبد الله بن مغفل خذف. قال فنهاه وقال:
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف، وقال: إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوّا، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين. فقال فعاد. فقال: أحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ثم تخذف. لا أكلمك أبدا. قال النوويّ: فيه جواز هجران أهل البدع والفسوق. وأنه يجوز هجرانهم دائما. فالنهي عنه فوق ثلاثة أيام إنما هو في هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا. وأما هجر أهل البدع، فيجوز على الدوام. كما يدل عليه هذا مع نظائر له، لحديث كعب بن مالك. قال السيوطيّ: وقد ألفت مؤلفا سميته (الزجر بالهجر) لأني كثير الملازمة لهذه السنة. أقول: حديث الخذف ساقه الحافظ الدارميّ «1» في (سننه) تحت باب (تعجيل عقوبة من بلغه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث فلم يعظمه ولم يوقره) ورواه من طرق متنوعة. وفي بعضها: أحدثك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الخذف ثم تخذف؟ والله! لا أشهد لك جنازة ولا أعودك في مرض ولا أكلمك أبدا. وأسند الدارميّ في هذا الباب عن قتادة عن ابن سيرين أنه حدث رجلا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال رجل: قال فلان وفلان: كذا وكذا! فقال ابن سيرين: أحدثك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وتقول: قال فلان وفلان؟ لا أكلمك أبدا. وأسند أيضا فيه عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيّب يودعه بحج أو عمرة. فقال له: لا تبرح حتى تصلّي. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يخرج بعد النداء من المسجد إلا منافق. إلا رجل أخرجته حاجة وهو يريد الرجعة إلى المسجد. فقال: إن أصحابي بالحرة. قال فخرج. قال فلم يزل سعيد يولع بذكره حتى أخبر أنه وقع من راحلته فانكسرت فخذه. وذكر الدارميّ رضي الله عنه قبل هذا الباب (باب ما يتّقى من تفسير حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم وقول غيره عند قوله صلى الله عليه وسلم) وأسند «2» عن معتمر عن أبيه عن ابن عباس أنه قال: أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا: قال رسول الله، وقال فلان. قال الإمام شمس الدين بن القيّم في (أعلام الموقعين) : ترى كثيرا من الناس
إذا جاء الحديث يوافق قول من قلده، وقد خالفه راويه يقول: الحجة فيما روى لا في قوله. فإذا جاء قول الراوي موافقا لقول من قلده، والحديث يخالفه قال: لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده نسخه. وإلا كان قدحا في عدالته. فيجمعون في كلامهم بين هذا وهذا. بل قد رأينا ذلك في الباب الواحد. وهذا من أقبح التناقض، والذي ندين الله به، ولا يسعنا غيره، أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه. ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان. لا راوية ولا غيره: إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث ولا يحضره وقت الفتيا. أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة. أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا. أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس الأمر. أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه. ولو قدّر انتقاء ذلك كله، ولا سبيل إلى العلم بانتقائه ولا ظنه، لم يكن الراوي معصوما. ولم توجب مخالفته، لما رواه، سقوط عدالته. حتى تغلب سيئآته حسناته. وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك. وقال الفلانيّ رحمه الله تعالى في (الإيقاظ) قال عثمان بن عمر: جاء رجل إلى مالك بن أنس فسأله عن مسألة فقال له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. فقال الرجل: أرأيت؟ فقال مالك: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قال مالك: لم تكن من فتيا الناس أن يقال لهم: لم قلت هذا؟ كانوا يكتفون بالرواية ويرضون بها. قال الجنيد رضي الله عنه: الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (فتوى له) قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله. ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه، في كل ما أمر به ونهى عنه، إلا رسوله صلى الله عليه وسلم. حتى كان صدّيق الأمة وأفضلها بعد نبيّها صلى الله عليه وسلم ورضي عنه يقول: أطيعوني ما أطعت الله. فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوما في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه. وذلك هو الواجب. وقال أبو حنيفة: هذا رأيي. وهذا أحسن ما رأيت. فمن
جاء برأي خير منه قبلناه. ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه، أبو يوسف بإمام دار الهجرة، مالك بن أنس وسأله عن مسألة الصاع، وصدقة الخضراوات، ومسألة الأحباس، فأخبره مالك رضي الله عنه بما دلت عليه السنة في ذلك. فقال: رجعت لقولك يا أبا عبد الله. ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت. ومالك رحمه الله كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة. أو كلام هذا معناه. والشافعيّ رحمه الله كان يقول: إذا صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط. وإذا رأيت الحجة موضوعة على طريق فهي قولي. ثم قال ابن تيمية: وإذا قيل لهذا المستفني المسترشد: أنت أعلم أم الإمام الفلانيّ؟ كانت هذه معارضة فاسدة. لأن الإمام الفلانيّ قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة. ولست من هذا ولا من هذا. ولكن نسبه هؤلاء الأئمة إليّ نسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبيّ ومعاذ ونحوهم إلى الأئمة وغيرهم. فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، فإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله وإلى رسوله، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر. وكذلك موارد النزاع بين الأئمة. وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود رضي الله عنهما في مسألة تيمم الجنب. وأخذوا بقول أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه وغيره، لما احتج بالكتاب والسنة. وتركوا قول عمر رضي الله عنه في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية بن أبي سفيان، لما كان من السنة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: هذه وهذه سواء، وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس رضي الله عنهما في المتعة. فقال له: قال أبو بكر وعمر. فقال ابن عباس: يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء. أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. وكذلك ابن عمر رضي الله عنهما، لما سألوه عنها، فأمر بها فعارضوه بقول عمر. فبين لهم أن عمر لم يرد ما يقولونه. فألحوا عليه فقال لهم. أرسول الله أحق أن يتبع أم عمر؟ مع علم الناس بأن أبا بكر وعمر أعلم من ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم. ولو فتح هذا الباب لأوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله، وبقي كل إمام في أتباعه بمنزلة النبيّ في أمته. وهذا تبديل للدين وشبيه بما عاب الله به النصارى في قوله: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: 31] . والله سبحانه أعلم. انتهى.
وقال الإمام ابن القيّم في خطبة (زاد المعاد) : فالله سبحانه علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته. فلاتباعه الهدى والأمن والفلاح والعزة والكفاية والنصرة والولاية والتأييد وطيب العيش في الدنيا والآخرة. ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة. وقد أقسم صلى الله عليه وسلم «1» بأن لا يؤمن أحد حتى يكون هو أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين. وأقسم سبحانه بأنه لا يؤمن من لم يحكّمه في كل ما تنازع فيه هو وغيره، ثم يرضى بحكمه، ولا يجد في نفسه حرجا مما حكم به، ثم يسلم له تسليما، وينقاد له انقيادا. وقال تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: 36] . فقطع سبحانه وتعالى التخيير بعد أمره وأمر رسوله. فليس لمؤمن أن يختار شيئا بعد أمره صلى الله عليه وسلم. بل إذا أمر فأمره حتم. وإنما الخيرة في قول غيره، إذا خفي أمره، وكان ذلك الغير من أهل العلم به وبسنته. فبهذه الشروط يكون قول غيره سائغ الاتّباع، لا واجب الاتّباع. فلا يجب على أحد اتباع قول أحد سواه. بل غايته أنه يسوغ له اتباعه. ولو ترك الأخذ بقول غيره، لم يكن عاصيا لله ورسوله. فأين هذا ممن يجب على جميع المكلفين اتباعه، ويحرم عليهم مخالفته، ويجب عليهم ترك كل قول لقوله. فلا حكم لأحد معه. ولا قول لأحد معه. كما لا تشريع لأحد معه. وكل حيّ سواه، فإنما يجب اتباعه على قوله، إذا أمر بما أمر به ونهى عما نهى عنه. فكان مبلغا محضا ومخبرا، لا منشئا ومؤسسا. فمن أنشأ أقوالا وأسس قواعد، بحسب فهمه وتأويله، لم يجب على الأمة اتباعها ولا التحاكم إليها، حتى تعرض على ما جاء به. فإن طابقته ووافقته وشهد لها بالصحة، قبلت حينئذ. وإن خالفته وجب ردها واطراحها. وإن لم يتبين فيها أحد
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 66]
الأمرين، جعلت موقوفة. وكان أحسن أحوالها أن يجوز الحكم والإفتاء بها. وأما أنه يجب ويتعين، فكلّا. انتهى. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 66] وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ. قال الرازيّ: اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الإخلاص وترك النفاق. والمعنى: إنا لو شدّدنا التكليف على الناس، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان، لصعب ذلك عليهم، ولما فعله إلا الأقلون. وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم. فلما لم نفعل ذلك، رحمة منا على عبادنا، بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة، فليقبلوها بالإخلاص، وليتركوا التمرد والعناد، حتى ينالوا خير الدارين. انتهى. ونقله فيما بعد عن ابن عباس. وعليه فمرجع الضمير في (عليهم) إلى المنافقين. وثمة وجه آخر. وهو عوده إلى الناس كافة. ويكون المراد ب (القليل) المؤمنين. وأما الضمير في قوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا فهو مختص بالمنافقين. ولا يبعد أن يكون أول الآية عامّا وآخرها خاصّا. قرره الرازيّ. روى ابن جريج بسنده إلى أبي إسحاق السبيعيّ قال: لما نزلت: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ ... الآية. قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «إن من أمتي لرجالا، الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» . ورواه ابن أبي حاتم نحوه. وأسند عن السديّ قال: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود. فقال اليهوديّ: والله! لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا. فقال ثابت: والله! لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا. فنزلت الآية. وأسند أيضا عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم. وأسند أيضا عن شريح بن عبيد قال: لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك، لكان هذا من أولئك القليل.
تنبيهات:
تنبيهات: الأول- قال بعض المفسرين: أراد حقيقة القتل والخروج من الديار. وقيل: أراد التعرض للقتل بالجهاد. وأراد الهجرة بالخروج من الديار. والمعنى: لو أمر المنافقون، كما أمر المؤمنون، ما فعلوه. انتهى. والقول الثاني بعيد. لأنه لا يعدل عن الحقيقة إلا لضرورة. ولمنافاته للآثار المذكورة الصريحة في الأول. الثاني- الضمير في (فعلوه) للمكتوب الشامل للقتل والخروج. لدلالة (كتبنا) عليه. أو هو عائد على أحد مصدري الفعلين. قال الخفاجيّ: وللعطف ب (أو) لزم توحيد الضمير. انتهى. أقول: ذكر الشيخ خالد في (التصريح) أن إفراد الضمير في العطف ب (أو) رأي البصريين. والتثنية رأي الكوفيين. فأفاد جواز الوجهين. قال محشيه العلامة يس: الذي نص عليه ابن مالك أن (أو) التي للشك والإبهام يفرد بعدها الضمير. والتي للتنويع يطابق. نحو قوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما [النساء: 135] . ونص على ذلك ابن هشام في (المغني) في (بحث الجملة المعترضة) فقال (في قوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما) : الظاهر أن الجواب: فالله أولى بهما. ولا يرد ذلك تثنية للضمير كما قد توهموا. لأن (أو) هنا للتنويع. حكمها حكم (الواو) في وجوب المطابقة. نصّ عليه الأبدي. وهو الحق. انتهى. وبه يعلم أن ما اشتهر من أنه إذا ذكر متعاطفان ب (أو) فإنه يعاد الضمير إلى أحدهما- ليس على عمومه. الثالث- قرأ ابن عامر (قليلا) بالنصب على الاستثناء. والباقون بالرفع بدلا من الضمير المرفوع وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ أي: من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته والانقياد لما يحكم به ظاهرا وباطنا. وسميت أوامر الله ونواهيه مواعظ، لاقترانها بالوعد والوعيد لَكانَ أي: فعلهم ذلك خَيْراً لَهُمْ في عاجلهم وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً أي لإيمانهم، وأبعد من الاضطراب. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 67] وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (67) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أي: من عندنا أَجْراً أي ثوابا عَظِيماً يعني الجنة.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 68]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 68] وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (68) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي لثبتناهم في الدنيا على دين قويم نرتضيه، وهو الإسلام. ثم بين تعالى فضل الطاعة وأن ثمرتها مرافقة أقرب عباد الله إلى الله وأرفعهم درجات عنده. فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 69] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولم يذكر المنعم به إشعارا بقصور العبارة عن تفصيله وبيانه مِنَ النَّبِيِّينَ الذين أنبأهم الله أكمل الاعتقادات والأحكام. وأمرهم بإنبائها الخلق، كلّا بمقدار استعداده وَالصِّدِّيقِينَ (جمع صديق) وهو المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة، وباطنه بالمراقبة. أو الذي يصدق قوله بفعله. كذا في (المدارك) . قال الرازيّ: للمفسرين (في الصدّيق) وجوه: الأول- أن كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك فهو صديق. والدليل عليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [الحديد: 19] . الثاني- قال قوم: الصديقون أفاضل أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم. الثالث- أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام. فصار في ذلك قدوة لسائر الناس. وإذا كان الأمر كذلك، كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أولى الخلق بهذا الوصف. ثم جوّد الرازيّ الكلام في سبقه رضي الله عنه إلى التصديق، وفي كونه صار قدوة للناس في ذلك. فانظره. وَالشُّهَداءِ الذين استشهدوا في سبيل الله تعالى وَالصَّالِحِينَ الذين صلحت أحوالهم وحسنت أعمالهم وَحَسُنَ أُولئِكَ إشارة إلى النبيين والصديقين وما بعدهما رَفِيقاً يعني في الجنة. والرفيق الصاحب. سمي رفيقا لارتفاقك به وبصحبته. وإنما وحّد (الرفيق) وهو صفة الجمع، لأن العرب تعبّر به عن الواحد والجمع. كالصديق والخليط. والجملة تذييل مقرر لما قبله، مؤكد للترغيب والتشويق.
تنبيهات
قال الزمخشريّ: فيه معنى التعجب. كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقا! ولاستقلاله بمعنى التعجب قرئ (وحسن) بسكون السين. تنبيهات الأول- قال الرازيّ: ليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين ... إلخ- كون الكل في درجة واحدة. لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول. وأنه لا يجوز. بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان. لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا. وإذا أرادوا الزيارة قدروا عليه. فهذا هو المراد من هذه المعية. الثاني- دلت الآية على أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم إلا هذا الوصف، وهو كون الإنسان صدّيقا. ولذا أينما ذكر في القرآن الصديق والنبيّ لم يجعل بينهما واسطة. كما قال تعالى في وصف إسماعيل: إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [مريم: 54] . وفي صفة إدريس: إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا [مريم: 56] . وقال في هذه الآية: مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ. يعني إنك إن ترقيت من الصديقية وصلت إلى النبوة. وإن نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية. ولا متوسط بينهما. وقال في آية أخرى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر: 33] . فلم يجعل بينهما واسطة. وكما دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة، فقد وفق الله هذه الأمة الموصوفة بأنها خير أمة، حتى جعلوا الإمام بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر، على سبيل الإجماع. ولما توفي رضوان الله عليه دفنوه إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه الآية. فلا جرم ارتفعت الواسطة بينهما في الوجوه التي عددناها. أفاده الرازيّ. الثالث- روى الطبريّ في سبب نزولها عن سعيد بن جبير قال: جاء» رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: يا فلان! مالي أراك محزونا! فقال: يا نبيّ الله! شيء فكرت فيه. فقال: ما هو! قال نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك. غدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يردّ النبيّ صلى الله عليه وسلم شيئا. فأتاه جبريل بهذه الآية: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ إلخ. فبعث النبيّ
صلى الله عليه وسلم فبشره. وقد روي هذا الأثر مرسلا عن مسروق وعن عكرمة وعامر الشعبيّ وقتادة وعن الربيع بن أنس. وهو من أحسنها سندا: قال الطبريّ «1» : حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الرّبيع قال (في هذه الآية) : إن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا: قد علمنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم له فضله على من آمن به في درجات الجنة. ممن اتبعه وصدقه. فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا؟ فأنزل الله في ذلك هذه الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل. منهم فيجتمعون في رياضها فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه. وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به. فهم في روضة يحبرون، ويتنعمون فيه» . ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعا عن عائشة. قالت: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنك لأحب إليّ من نفسي وأحب إليّ من أهلي وأحب إليّ من ولدي. وإني لأكون في البيت فأذكرك. فما أصبر حتى آتيك، فأنظر إليك. وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك، إذا دخلت الجنة، رفعت مع النبيين. وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يردّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ ... الآية. وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه في (صفة الجنة) بإسناد قال فيه: لا أرى به بأسا. الرابع- روي في السنة في معنى هذه الآية أخبار وافرة. منها: في صحيح مسلم «2» عن ربيعة بن كعب الأسلميّ أنه قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتيته بوضوء وحاجته فقال لي: سل: فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة فقال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعنّي على نفسك بكثرة السجود . ومنها في مسند الإمام أحمد «3» عن عمرو بن مرة الجهنيّ: قال: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وصليت الخمس وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات على ذلك كان من النبيين والشهداء يوم القيامة هكذا (ونصب إصبعيه) ما لم يعقّ والديه. قال ابن كثير: تفرد به أحمد. ومنها ما رواه الإمام أحمد «4» أيضا عن سهل بن
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 70]
معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ألف آية في سبيل الله تبارك وتعالى كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا» . إن شاء الله تعالى. ومنها ما رواه الترمذيّ «1» عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: التاجر الصديق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء. قال ابن كثير: وأعظم من هذا كله بشارة، ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال: المرء مع من أحب. قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث. وفي رواية عن أنس أنه قال: إني لأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأحب أبا بكر وعمر وأرجو أن يبعثني معهم، وإن لم أعمل كعملهم. وعن أبي سعيد الخدريّ «3» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدريّ الغابر من الأفق، من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى. والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» . أخرجاه في الصحيحين من حديث الإمام مالك. واللفظ لمسلم . وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 70] ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (70) ذلِكَ مبتدأ. إشارة إلى ما للمطيعين من الأجر ومزيد الهداية ومرافقة
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 71]
المنعم عليهم. أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومزيتهم. فالمشار إليه إما جميع ما قبله أو ما يليه. الْفَضْلُ صفة مِنَ اللَّهِ خبره. أي: ذلك الفضل العظيم من الله تعالى لا من غيره. أو الْفَضْلُ خبر، ومِنَ اللَّهِ حال. والعامل فيه معنى الإشارة. أي: ذلك الثواب، لكمال درجته، كأنه هو الفضل. وإن ما سواه ليس بشيء موجودا وكائنا من الله تعالى. لا أن أعمال المكلفين توجبه. قال الناصر في (الانتصاف) : معتقدنا، معاشر أهل السنة، أن الطاعات والأعمال التي يتميز بها هؤلاء الخواص، خلق الله تعالى وفعله. وإن قدرهم لا تأثير لها في أعمالهم. بل الله عز وجل يخلق على أيديهم الطاعات ويثيبهم عليها. فالطاعة إذا من فضله. فله الفضل على كل حال. والمنة في الفاتحة والمآل. وكفى بقول سيد البشر في ذلك حجة وقدوة. فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام «1» : «لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله بفضل منه وبرحمة» . قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا. اللهم! اختم لنا باقتفاء السنة. وأدخلنا بفضلك المحض الجنة. انتهى كلام الناصر. والحديث المذكور أخرجه الشيخان عن أبي هريرة. وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً بجزاء من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق أهله. قال الرازيّ: وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله. لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفية الجزاء والتفضل. وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة، والاحتراز عن التقصير فيه. ثم أعاد تعالى، بعد الترغيب في طاعته وطاعة رسوله، الأمر بالجهاد الذي تقدم، لأنه أشق الطاعات وأعظم الأمور التي يحصل بها تقوية الدين، فقال سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 71] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ أي تيقظوا واحترزوا من العدوّ ولا تمكنوه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 72]
من أنفسكم. يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف. كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه. ويطلق الحذر على ما يحذر به ويصون. كالسلاح والحزم. أي: استعدوا للعدوّ. والحذر على هذا حقيقة. وعلى الأول من الكناية والتخييل. بتشبيه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية. قال في (الإكليل) : فيه الأمر باتخاذ السلاح. وأنه لا ينافي التوكل. قال بعض المفسرين: دلت الآية على وجوب الجهاد وعلى استعمال الحذر، وهو الحزم، من العدوّ، وترك التفريط. وكذلك ما يحذرونه وهو استعمال السلاح على أحد التفسيرين. فتكون الرياضة بالمسابقة والرهان في الخيل، من أعمال الجهاد فَانْفِرُوا أي اخرجوا إلى الجهاد ثُباتٍ جمع (ثبة) بمعنى الجماعة. كما في القاموس. أي جماعات متفرقين، سرية بعد سرية، وفرقة بعد فرقة إظهارا للجرأة أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً أي مجتمعين كلكم كوكبة واحدة. إيقاعا للمهابة بتكثير السواد، ومبالغة في التحرز عن الخطر. قال الحاكم: اتفق العلماء على أن ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 72] وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ أي: ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد والخروج مع الجماعة لنفاق. أو معناه: ليثبطن غيره. كما كان المنافقون يثبطون غيرهم. وكان هذا ديدن المنافق عبد الله بن أبيّ. وهو الذي ثبط الناس يوم أحد. وقد روي عن كثير من التابعين أن الآية نزلت في المنافقين. فإن ما حكي عنهم هو دأبهم. وقيل: الخطاب للمؤمنين وقوفا مع صدر الآية. فإن قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. ثم قال: وَإِنَّ مِنْكُمْ. وقد قال تعالى في المنافقين: ما هُمْ مِنْكُمْ. قال الحاكم: والتقدير على القول الأول: وإنّ منكم، على زعمه، في الظاهر أو في حكم الشرع فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ كهزيمة، وشهادة، وغلب العدوّ لكم، لما لله في ذلك من الحكمة قالَ أي: المبطئ فرحا بصنعه، ومعجبا برأيه قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ بالقعود إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً أي حاضرا في المعركة. فيصيبني ما أصابهم. يعدّ ذلك من نعم الله عليه. ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر، أو الشهادة إن قتل.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 73]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 73] وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ كفتح، وغنيمة، ونصر، وظفر. ونسبة إصابة الفضل إلى جنابه تعالى، دون إصابة المصيبة، من العادات الشريفة التنزيلية. كما في قوله تعالى: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: 80] . لَيَقُولَنَّ ندامة على تثبطه وقعوده، وتهالكا على حطام الدنيا، وتحسّرا على فواته كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ أي: صلة في الدين، ومعرفة بالصحبة يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً فأصيب غنائم كثيرة، وحظّا وافرا. وقوله تعالى: كَأَنْ لَمْ. إلخ، اعتراض بين الفعل وهو لَيَقُولَنَّ ومفعوله وهو يا لَيْتَنِي إلخ للتنبيه على ضعف عقيدتهم، وأن قولهم هذا قول من لم تتقدم له معكم موادّة. لأن المنافقين كانوا يوادّون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر. وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن. وفيه تعجيب أيضا من قولهم المذكور. قال بعض المفسرين: ثمرة ذلك تأكيد وجوب الجهاد وتحريم التثبيط عنه. انتهى. ولما ذم تعالى المبطئين عن الجهاد. رغّب المؤمنين فيه بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 74] فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ أي: يبيعونها بها. وهم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها. والمعنى: إن صدّ الذين في قلوبهم مرض، فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة. ويقال: عني بالموصول المنافقين المبطئين. أي الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة. فيكون وعظا لهم بأن يبدلوا التثبيط بالجهاد وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أي يستشهد أَوْ يَغْلِبْ أي: يظفر على العدوّ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ نعطيه أَجْراً عَظِيماً ثوابا وافرا. روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تضمن الله لمن خرج في سبيله. لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي. وإيمانا بي. وتصديقا برسلي. فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه. نائلا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 75]
ما نال من أجر أو غنيمة (لفظ مسلم) «1» . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 75] وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خطاب للمأمورين بالقتال، على طريقة الالتفات، مبالغة في التحريض عليه، وتأكيدا لوجوبه. وقوله تعالى وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مجرور، عطفا على اسم الله. أي: في سبيل المستضعفين الذين هم كأنفسكم. وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدوّ. أو على السبيل، بحذف المضاف. أي في خلاص المستضعفين. أو منصوب على الاختصاص. يعني: وأختص من سبيل الله خلاص المستضعفين. لأن سبيل الله عام في كل خير. وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصّه. قال في (الانتصاف) : وفي النصب مبالغة في الحث على خلاصهم من جهتين: إحداهما- التخصيص بعد التعميم. فإنه يقتضي إضمار الناصب الذي هو أختص. ولولا النصب لكان التخصيص معلوما من إفراده بالذكر. ولكن أكد هذا المعلوم بطريق اللزوم، بأن أخرجه إلى النطق. مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ بيان للمستضعفين. أو حال منهم. وهم المسلمون الذين صدّهم المشركون عن الهجرة. فبقوا بمكة مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو لهم فيقول «2» : اللهم! أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين. كما في الصحيح.
تنبيه:
وإنما ذكر (الولدان) معهم، تكميلا للاستعطاف واستجلاب المرحمة، وتنبيها على تناهي ظلم المشركين. بحيث بلغ أذاهم الصبيان. وإيذانا بإجابة الدعاء الآتي بسبب مشاركتهم في الدعاء الَّذِينَ يَقُولُونَ من إيذاء أهل مكة وإذلالهم إياهم، متبرئين من المقام بها رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها أي: بالشرك الذي هو ظلم عظيم. وبأذية المسلمين. وهي مكة. و (الظالم) صفتها. وتذكيره لتذكير ما أسند إليه. فإن اسم الفاعل والمفعول إذا أجري على غير من هو له، كان كالفعل في التذكير والتأنيث، بحسب ما عمل فيه. قاله أبو السعود. وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا أي: سخر لنا من عندك حافظا يحفظ علينا ديننا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ناصرا يدفع عنا أذيّات أعدائنا. أو المعنى: واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة. أي: لتكن أنت ولينا وناصرنا. وقد استجاب الله عز وجل دعاءهم حيث يسرّ لبعضهم الخروج إلى المدينة. وجعل لمن بقي منهم خير وليّ وأعزّ ناصر. ففتح مكة على نبيه صلى الله عليه وسلم. فتولّاهم أيّ تولّ، ونصرهم أية نصرة، حتى صاروا أعزّ أهلها. وروى البخاريّ «1» بالسند إلى ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. وبه إليه قال «2» : كانت أمي ممن عذر الله. قال الرازيّ: معنى الآية: لا عذر لكم في ترك المقاتلة. وقد بلغ حال المستضعفين من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف. فهذا حث شديد على القتال، وبيان العلة التي صار لها القتال واجبا. وهو ما في القتال من تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة. لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى فكاك الأسير. انتهى. تنبيه: قال بعض المفسرين: ثمرة هذه الآية تأكيد لزوم الجهاد. لأنه تعالى وبخ على تركه. وتدل الآية على لزوم استنقاذ المسلم من أيدي الكفار. ويأتي مثل هذا استنقاذه من كل مضرة، من ظالم أو لص وغير ذلك. ووجه مأخذ ذلك، أنه تعالى جعل ذلك كالعلم للانقطاع إليه. وتدل على أن حكم الولدان حكم الآباء، لأن الظاهر أنه أراد الصغار.
لطيفة:
قال الزمخشريّ: ويجوز أن يراد بالرجال والنساء، الأحرار والحرائر. وبالولدان، العبيد والإماء. لأن العبد والأمة يقال لهما: الوليد والوليدة. وقيل (للولدان والولائد) : الولدان. لتغليب الذكور على الإناث. كما يقال: الآباء والإخوة. وتدل الآية على أن للداعي حقّا عند الله. لأنه جعل ذلك اختصاصا لنصرته. وتدل على لزوم الهجرة من ديار الكفر. وأن المؤمن لا يذل نفسه بجعله مستضعفا. لأنه تعالى أوجب المقاتلة لزوال الغلبة عليهم. وفي الآيات هذه تأكيدات متتابعة على لزوم الجهاد. لطيفة: قال ناصر الدين في (الانتصاف) : وقفت على نكتة في هذه الآية حسنة. وهي أن كل قرية ذكرت في الكتاب العزيز، فالظلم ينسب إليها بطريق المجاز. كقوله: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً- إلى قوله- فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [النحل: 112] . وقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [القصص: 58] . وأما هذه القرية (في سورة النساء) فينسب الظلم إلى أهلها على الحقيقة. لأن المراد بها مكة. فوقرت عن نسبة الظلم إليها، تشريفا لها، شرّفها الله تعالى. ثم شجع تعالى المؤمنين ورغّبهم في الجهاد بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 76] الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (76) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني في طاعته لإعلاء كلمته. فهو وليّهم وناصرهم وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ في طاعة الشيطان الآمر بغاية الطغيان. كإيذاء المستضعفين من المؤمنين وقتال أقويائهم فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ أي: جنده. قال أبو السعود: وذكرهم بهذا العنوان للدلالة على أن ذلك نتيجة لقتالهم في سبيل الشيطان، والإشعار بأن المؤمنين أولياء الله تعالى لما أن قتالهم في سبيله. وكل ذلك لتأكيد رغبة المؤمنين في القتال وتقوية عزائمهم عليه. فإن ولاية الله تعالى علم في العزة والقوة. كما أن ولاية الشيطان مثل في الذلة والضعف. كأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك، فقاتلوا، يا أولياء الله! أولياء الشيطان. ثم صرح في التعليل فقيل إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً أي: في حد ذاته. فكيف بالقياس إلى
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 77]
قدرة الله تعالى. ولم يتعرض لبيان قوة جنابه تعالى، إيذانا بظهورها. قالوا: فائدة إدخال (كان) في أمثال هذه المواقع التأكيد ببيان أنه منذ كان، كان كذلك. فالمعنى: إن كيد الشيطان منذ كان، كان موصوفا بالضعف. انتهى. (والكيد) : السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه. يقال: كاده يكيده، إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه. أفاده الرازيّ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 77] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ وهم المؤمنون عند استئذانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال، قبل أن يؤمروا به كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ أي: عن القتال. فإنكم لم تؤمروا به وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ أي: أتموا الصلوات الخمس بوضوئها وركوعها وسجودها، وما يجب فيها من مواقيتها. وأعطوا زكاة أموالكم فَلَمَّا كُتِبَ أي فرض عَلَيْهِمُ الْقِتالُ أي الجهاد في سبيل الله حين قوي حالهم إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ أي طائفة منهم وهم المنافقون. وإدخالهم مع المؤمنين لما كانوا يظهرونه من أنفسهم أنهم منهم يَخْشَوْنَ النَّاسَ أي: يخافون أهل مكة الكفار أن يقتلوهم كَخَشْيَةِ اللَّهِ أي كما يخشون الله أن ينزل عليهم بأسه أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً أي: أكثر خوفا منه. فإن قيل: ظاهر قوله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً يوهم الشك. وذلك على علام الغيوب محال. (أجيب) بأن (أو) إما بمعنى (بل) أو هي للتنويع على أن معنى: أن خشية بعضهم كخشية الله، وخشية بعضهم أشد منها. أو للإبهام على السامع. بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة. وهو قريب مما في قوله تعالى: أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 147] ، يعني أن من يبصرهم يقول: إنهم مائة ألف أو يزيدون. تنبيه: حكى المفسرون هنا رواية عن ابن عباس، أن هذه الآية نزلت في جماعة من
الصحابة المهاجرين وأنهم كانوا يلقون من مشركي مكة، قبل الهجرة، أذى شديدا. فيشكون ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويقولوا: ائذن لنا في قتالهم. فيقول لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: كفوا أيديكم. فإني لم أومر بقتالهم. واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة. ثم بعد الهجرة إلى المدينة، لما أمروا بقتالهم في وقعة بدر، كرهه بعضهم، فنزلت الآية. وعندي أن هذه الآية كسوابقها نزلت في المنافقين، تقريعا لهم وتحذيرا للمخلصين، من شاكلتهم. والقول بنزولها في بعض المؤمنين لا يصح لوجوه: منها- أن في إسنادها عن ابن عباس من ليس على شرط الصحيح ومنها- أن طلبهم للجهاد وهم في مكة، مع قلة العدد والعدد، وممالأة العدوّ عليهم من كل جانب- في غاية البعد. ومنها- أن السياق في المنافقين: وقد ابتدئ الكلام في شأنهم من قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ- إلى قوله تعالى الآتي- فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ ... الآية. كما يظهر من التدبر الصادق. ومنها- أن هذا السياق اشتمل على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين. لأنه تعالى قال في وصفهم: يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ولا يكون هذا الوصف إلا لكافر أو منافق. وحكى تعالى عنهم أنهم قالوا: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ ولم يعهد هذا عن المؤمنين، بل المحفوظ مبادرتهم للجهاد. كما روى ابن إسحاق في (السيرة) أن النبيّ صلى الله عليه وسلم استشار الناس في غزوة بدر. فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! امض لما أراك الله. فنحن معك. والله! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [المائدة: 24] . ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق! لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. ثم قال سعد بن معاذ: امض، يا رسول الله! لما أردت، فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا. إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء. ومنها- أنه تعالى ذكر بعد ذلك قوله: إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ [النساء: 78] . ولا شك أن هذا من كلام المنافقين. ثم صرح تعالى في آخر الكلام عليهم بقوله: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ. فزال اللبس وبرح الخفاء.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 78]
وما أشبه هذه الآيات بقوله تعالى في (سورة محمد) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ. أي: تأمرنا بالجهاد، فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ... إلى قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ [محمد: 20- 29] وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ أي الجهاد في سبيلك لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أي: هلا عافيتنا وتركتنا حتى نموت بآجالنا قُلْ أي: تزهيدا لهم فيما يؤملونه بالقعود من المتاع الفاني، وترغيبا فيما ينالونه بالجهاد من النعيم الباقي مَتاعُ الدُّنْيا أي ما يتمتع وينتفع به في الدنيا قَلِيلٌ سريع التقضي، وشيك الانصرام. وإن أخرتم إلى ذلك الأجل وَالْآخِرَةُ أي: ثوابها الذي من جملته الثواب المنوط بالجهاد خَيْرٌ أي: لكم من ذلك المتاع الفاني، لكثرته وعدم انقطاعه، وصفائه عن الكدورات. وإنما قيل لِمَنِ اتَّقى حثّا لهم على اتقاء العصيان والإخلال بموجب التكليف. وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا عطف على مقدر. ينسحب عليه الكلام. أي: تجزون فيها ولا تنقصون أدنى شيء من أجور أعمالكم، التي من جملتها مسعاكم في شأن القتال. فلا ترغبوا عنه. (والفتيل) ما في شق النواة من الخيط. يضرب به المثل في القلة والحقارة. وقرئ (يظلمون) بالياء، إعادة للضمير إلى ظاهر (من) . أفاده أبو السعود. روى ابن أبي حاتم قال: قرأ الحسن: قل متاع الدنيا قليل. قال: رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك. وما الدنيا كلها، أولها وآخرها، إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه. وقال ابن معين: كان أبو مصهر ينشد: ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له ... من الله في دار المقام نصيب فإن تعجب الدنيا رجالا فإنها ... متاع قليل والزوال قريب ثم بين تعالى أنه لا ينفعهم الفرار من الموت. لأنه لا خلاص لهم منه، بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 78] أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) أَيْنَما تَكُونُوا أي: في أي مكان تكونوا عند الأجل يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ أي:
الذي لأجله تكرهون القتال، زعما منكم أنه من مظانه. وتحبون القعود عنه، على زعم أنه منجاة منه. أي: وإذا كان لا بد من الموت، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبا للسعادة الأبدية، كان أولى من أن لا يكون كذلك. ونظير هذه الآية قوله تعالى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب: 16] . وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ أي حصون مُشَيَّدَةٍ أي: مرفوعة مستحكمة. لا يصل إليها القاتل الإنسانيّ. لكنها لا تمنع القاتل الإلهيّ. كما قال زهير بن أبي سلمى: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلّم وقد ذكر ابن جرير «1» وابن أبي حاتم هاهنا حكاية مطولة عن مجاهد. والشاهد منها هنا أنها كانت أخبرت بأنها تموت بالعنكبوت. فاتخذ لها زوجها قصرا منيعا شاهقا ليحرزها من ذلك. فبينما هم يوما فإذا العنكبوت في السقف. فأراها إياها فقالت: أهذه التي تحذرها عليّ؟ والله! لا يقتلها إلا أنا. فأنزلوها من السقف. فعمدت إليها فوطئتها بإبهام رجلها فقتلتها. فطار من سمّها شيء فوقع بين ظفرها ولحمها. واسودت رجلها. فكان في ذلك أجلها. فماتت. ولما حكى تعالى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد. خائفين من الموت، غير راغبين في سعادة الآخرة، أتبع ذلك بخلّة لهم أشنع، بقوله سبحانه وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ كخصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحوها يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي من قبله، لما علم فينا الخير وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ كقحط وجدب، وغلاء السعر، ونقص في الزروع والثمار، وموت أولاد ونتاج، ونحو ذلك يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ يعنون: من شؤمك. كما قال تعالى عن قوم فرعون: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [الأعراف: 131] . وعن قوم صالح: قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ [النمل: 47] . قال أبو السعود: فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن يرد زعمهم الباطل ويرشدهم إلى الحق ويلقمهم الحجر، ببيان إسناد الكل إليه تعالى على الإجمال. إذ لا يجترءون على معارضة أمر الله عز وجل حيث قيل قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى، خلقا وإيجادا، من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 79]
منها بوجه من الوجوه كما تزعمون. بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلا. ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلى بها عقوبة. كما سيأتي بيانه. فهذا الجواب المجمل في معنى ما قيل، ردّا على أسلافهم من قوله تعالى: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، أي إنما سبب خيرهم وشرهم، أو سبب إصابة السيئة التي هي ذنوبهم، عند الله تعالى لا عند غيره. حتى يسندوها إليه ويطيّروا به فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ يعني المنافقين لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً أي قولا. والجملة اعتراضية مسوقة لتعييرهم بالجهل وتقبيح حالهم والتعجب من كمال غباوتهم. إذ لو فقهوا شيئا لعلموا مما يوعظون به، أن الله هو القابض الباسط. وأن النعمة منه تعالى بطريق التفضل والإحسان. والبلية بطريق العقوبة على ذنوب العباد. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 79] ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (79) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ أي: نعمة فَمِنَ اللَّهِ أي: فمن نعمته وتفضله ابتداء وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ أي: بلية فَمِنْ نَفْسِكَ أي من شؤمها بسبب اقترافها المعاصي الموجبة لها. وإن كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى، نازلة من عنده عقوبة، كقوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] . روى ابن عساكر عن البراء رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم. وما يغفر الله أكثر» . روى الترمذيّ «1» عن أبي موسى الأشعريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: لا يصيب عبدا نكتة فما فوقها أو دونها، إلا بذنب. وما يعفو الله عنه أكثر. قال وقرأ:
لطيفة:
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ. لطيفة: الخطاب في أَصابَكَ عام لكل من يقف عليه. لا للنبيّ صلى الله عليه وسلم. كقوله: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ويدخل فيه المذكورون دخولا أوليّا. وجوّز أن يكون الخطاب له صلى الله عليه وسلم، كما قبله وما بعده، لكن لا لبيان حاله صلى الله عليه وسلم، بل لبيان حال الكفرة بطريق التصوير. ولعل ذلك لإظهار كمال السخط والغضب عليهم، والإشعار بأنهم لفرط جهلهم وبلادتهم بمعزل من استحقاق الخطاب. لا سيما بمثل هذه الحكمة الأنيقة. قرره أبو السعود. قال بعض المفسرين: وثمرة الآية ردّ التطيّر والتشاؤم. وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا بيان لجلالة منصبه صلى الله عليه وسلم ومكانته عند الله عز وجل. بعد بيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه عليه الصلاة والسلام. بناء على جهلهم بشأنه الجليل. وتعريف (الناس) للاستغراق. أفاده أبو السعود. أي: فمن أين يتصور لك الشؤم وقد أرسلت داعيا العموم إلى الخيرات؟ فأنت منشأ كل خير ورحمة وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً أي: على رسالتك وصدقك، بإظهار المعجزات على يديك. أي: وإذا ثبتت رسالتك، فاليمن في طاعتك، والشؤم في مخالفتك. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 80] مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ لأنه عليه الصلاة والسلام مبلغ لأمره ونهيه. مرجع الطاعة وعدمها هو الله سبحانه وتعالى وَمَنْ تَوَلَّى عن طاعته فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً أي كفيلا تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم بحسبها. فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [الرعد: 40] . ولما بين تعالى وجوب طاعة الرسول، تأثره بذكر معاملتهم معه. فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 81] وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81) وَيَقُولُونَ أي: المنافقون، إذا أمرتهم بشيء، وهم عندك طاعَةٌ بالرفع.
تنبيهان:
أي: أمرنا وشأننا طاعة. ويجوز النصب بمعنى: أطعناك طاعة. كما يقول المنقاد: سمعا وطاعة، وسمع وطاعة. قال سيبويه: سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمد الله وثناء عليه. كأنه قال: أمري وشأني حمد الله وثناء عليه. ولو نصب (حمد الله) كان على الفعل. والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها. فَإِذا بَرَزُوا أي خرجوا مِنْ عِنْدِكَ أي: من مجلسك بَيَّتَ أي: دبّر ليلا طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي من القائلين المذكورين وهم رؤساؤهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ أي: خلاف ما قالت لك، من القبول وضمان الطاعة. لأنهم مصرون على الرد والعصيان. وإنما يظهرون ما يظهرون على وجه النفاق. تنبيهان: الأول- في (القاموس وشرحه) وبيّت الأمر: عمله أو دبره ليلا. وقال الزجاج: كل ما فكر فيه، أو خيض بليل، فقد بيّت. ويقال: بيّت بليل ودبّر بليل بمعنى واحد. وفي الحديث: أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يبيّت مالا ولا يقيله . أي: إذا جاءه مال لا يمسكه إلى الليل ولا إلى القائلة. بل يعجل قسمته. انتهى. ونقل الرازيّ عن الزجاج أيضا: أن كل أمر تفكر فيه وتأمل في مصالحه ومفاسده كثيرا، يقال فيه مبيّت. وفي اشتقاقه وجهان: الأول- من البيتوتة لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان في بيته بالليل. فهناك تكون الخواطر أخلى، والشواغل أقل. فلما كان الغالب أن الإنسان وقت الليل يكون في البيت، والغالب أنه يستقصي الأفكار في الليل، لا جرم سمي الفكر المستقصى مبيّتا. الثاني- اشتقاقه من أبيات الشعر. لأن الشاعر يدبرها ويسويها. قال الأخفش: العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه. فسمّوا المتفكّر فيه، المستقصى، مبيّتا. تشبيها له ببيت الشعر. من حيث إنه يسوى ويدبر. الثاني- تذكير الفعل. لأن تأنيث (طائفة) غير حقيقيّ. ولأنها في معنى الفوج والفريق. وإسناده إلى طائفة منهم، لبيان أنهم المتصدون له بالذات. والباقون أتباع لهم في ذلك. لا لأن الباقين ثابتون على الطاعة. وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ أي: يثبته في صحائف أعمالهم بما يأمر به حفظته الكاتبين الموكلين بالعباد فيجازيهم عليه. قال ابن كثير: والمعنى في هذا التهديد، أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرّونه فيما بينهم. وما يتفقون عليه ليلا من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وعصيانه. وإن
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 82]
كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة. وسيجزيهم على ذلك. انتهى. وجوّز أن يكون المعنى: والله يكتبه في جملة ما يوحي إليك في كتابه، فيطلعك على أسرارهم. فلا يحسبوا أن إبطانهم يغني عنهم. فالقصد لتهديدهم على الأول. وتحذيرهم من النفاق لأن الله يظهره، على الثاني. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي تجاف عنهم ولا تعاقبهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي ثق بالله في شأنهم. فإن الله يكفيك شرهم وينتقم منهم وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا كفيلا بالنصرة والدولة لك عليهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 82] أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ إنكار واستقباح لعدم تدبرهم القرآن وإعراضهم عن التأمل فيما فيه من موجبات الإيمان، ليعلموا كونه من عنده تعالى، بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الصادق والنص الناطق بنفاقهم المحكيّ على ما هو عليه. وأصل التدبّر التأمل والنظر في أدبار الأمر وعواقبه خاصة. ثم استعمل في كل تأمل، سواء كان نظرا في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقه وأعقابه وَلَوْ كانَ أي القرآن مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تعالى كما يزعمون لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً بأن يكون بعض أخباره غير مطابق للواقع. إذ لا علم بالأمور الغيبية، ماضية، كانت أو مستقبلة، لغيره سبحانه. وحيث كانت كلها مطابقة للواقع، تعيّن كونه من عنده تعالى. قال الزجاج: ولولا أنه من عند الله تعالى لكان ما فيه من الإخبار بالغيب، مما يسره المنافقون وما يبيّتونه، مختلفا: بعضه حق وبعضه باطل. لأن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى. وقال أبو بكر الأصم: إن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من الكيد والمكر. وكان الله تعالى يطلع الرسول عليه الصلاة والسلام على ذلك. ويخبره بها مفصلة. فقيل لهم إن ذلك، لو لم يحصل بإخبار الله تعالى لما اطرد الصدق فيه، ولوقع فيه الاختلاف. فلما لم يقع ذلك قط، علم أنه بإعلامه تعالى. وأما حمل الاختلاف على التناقض وتفاوت النظم في البلاغة، فمما لا يساعده السباق ولا السياق. أفاده أبو السعود. تنبيه: دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال. وعلى القول بفساد التقليد. لأنه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 83]
تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته. أفاده الرازيّ. وفي الآية، أيضا، الحث على تدبر القرآن ليعرف إعجازه من موافقته للعلوم واشتماله على فوائد منها. وكمال حججه وبلاغته العليا. وموافقة أحكامه للحكمة. وأخباره الماضية لكتب الأولين، والمستقبلة للواقع. قال الحافظ ابن حجر: من أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، الذين شاهدوا التنزيل، وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه، ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصرا على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يحمد وينتفع به. وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم. انتهى. وقد روى البخاريّ «1» في صحيحه تعليقا عن ابن عون (وهو عبد الله البصريّ، من صغار التابعين) ، أنه قال: ثلاث أحبهن لنفسي ولإخواني: هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها. والقرآن أن يتفهموه ويسألوا الناس عنه. ويدعوا الناس إلّا من خير. وفي رواية (فيتدبروه) بدل (يتفهموه) . قال الكرمانيّ: قال في القرآن: يتفهموه، وفي السنة: يتعلموها. لأن الغالب أن المسلم يتعلم القرآن في أول أمره فلا يحتاج إلى الوصية بتعلمه. فلهذا أوصى بتفهم معناه وإدراك منطوقه. انتهى. وفي بقية الآية العذر للمصنفين فيما يقع لهم من الاختلاف والتناقض. لأن السلامة عن ذلك من خصائص القرآن. ثم ذكر تعالى عن المنافقين نوعا آخر من مفاسدهم. وهو إظهارهم أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومبادرتهم بأخبار السرايا وإذاعتها، بقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 83] وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أي: مما يوجب أحدهما أَذاعُوا بِهِ
أي: أفشوه. فتعود إذاعتهم مفسدة من وجوه: الأول- أن هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير. والثاني- أنه إن كان ذلك الخبر في جانب الأمن، زادوا فيه زيادات كثيرة. فإذا لم توجد تلك الزيادات، أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم. لأن المنافقين كانوا يروون تلك الإرجافات عن الرسول. وإن كان ذلك في جانب الخوف، تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الإرجافات سببا للفتنة من هذا الوجه. والثالث- أن الإرجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام. وذلك سبب لظهور الأسرار. وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة. والرابع- أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار. فكل ما كان أمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني. فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم، أرجف المنافقون بذلك. فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار. فأخذوا في التحصن من المسلمين، وفي الاحتراز عن استيلائهم عليهم. وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك وزادوا فيه، وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين. فظهر من هذا أن ذلك الإرجاف كان منشئا للفتن والآفات من كل الوجوه. ولما كان الأمر كذلك ذم الله تعالى تلك الإذاعة وذلك التشهير، ومنعهم منه. أفاده الرازيّ. وَلَوْ رَدُّوهُ أي ذلك الأمر الذي جاءهم إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وهم كبراء الصحابة البصراء في الأمور رضي الله عنهم، أو الذين يؤمّرون منهم وكانوا كأن لم يسمعوا لَعَلِمَهُ أي: الأمر الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ أي يستعلمونه ويتطلبونه وهم المنافقون المذيعون مِنْهُمْ أي من الرسول وأولي الأمر. يعني لو أنهم قالوا: نسكت حتى نسمعه من جهة الرسول ومن ذكر معه، ونعرف الحال فيه من جهتهم، لعلموا صحته وأنه هل هو مما يذاع أو لا؟ وإنما وضع الموصول موضع الضمير، يعني لم يقل (لعلموه) لزيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام. أو لذمهم أو للتنبيه على خطئهم في الفحص عن استخراج وإظهار خفيّ ذلك الأمر. قال الناصر في (الانتصاف) : في هذه الآية تأديب لكل من يحدث بكل ما يسمع. وكفى به كذبا. وخصوصا عن مثل السرايا والمناصبين الأعداء والمقيمين في نحر العدوّ. وما أعظم المفسدة في لهج العامة بكل ما يسمعون من أخبارهم، خيرا أو غيره. انتهى. وقد روى مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كفى بالمرء كذبا
تنبيه:
أن يحدث بكل ما يسمع» . وعند أبي داود «1» والحاكم عنه: كفى بالمرء إثما. ورواه الحاكم أيضا عن أبي أمامة. هذا، ونقل الرازيّ وجها آخر في الموصول. وهو أن المعنيّ به طائفة من أولي الأمر. قال: والتقدير: ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر. وذلك لأن أولي الأمر فريقان: بعضهم من يكون مستنبطا وبعضهم من لا يكون كذلك. فقوله (منهم) يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر. فإن قيل: إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ؟ قلنا: إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر. لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون. ونظيره قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ [النساء: 72] . وقوله: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ. انتهى. وعلى هذا الوجه يحمل قول السيوطيّ في (الإكليل) : قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ ... الآية، هذا أصل عظيم في الاستنباط والاجتهاد. وقول المهايميّ: فلو وجدوا في القرآن ما يوهم الاختلاف، لوجب عليهم استفسار الرسول والعلماء الذين هم أولو الأمر، ليعلمهم منهم المجتهدون في استنباط وجوه التوفيق. وقال بعض الإمامية: ثمرة الآية أنه يجب كتم ما يضر إظهاره المسلمين. وأن إذاعته قبيحة. وأنه لا يخبر بما لم يعرف صحته. وتدل على تحريم الإرجاف على المسلمين. وعلى أنه يلزم الرجوع إلى العلماء في الفتيا. وتدل على صحة القياس والاجتهاد. لأنه استنباط. انتهى. تنبيه: ما نقله الزمخشريّ وتبعه البيضاويّ وأبو السعود وغيرهم، من أن قوله تعالى وَإِذا جاءَهُمْ عنى به طائفة من ضعفة المسلمين- فإن أرادوا بالضعفة المنافقين، فصحيح. وإلا فبعيد غاية البعد كما يعلم من سباق الآية وسياقها. وكذا ما نوعوه من الأقوال في معناه. فكله لم يصب المرمى. والذي يعطيه الذوق السليم في الآية هو الوجه الأول. ولها إشعار بالوجه الثاني لا تأباه. فتبصر ولا تكن أسير التقليد.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 84]
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بإرسال الرسول وإنزال الكتاب لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ بالكفر والضلال إِلَّا قَلِيلًا أي: إلا قليلا منكم ممن تفضل الله عليه بعقل صائب فاهتدى به إلى الحق والصواب، وعصمه عن متابعة الشيطان. كمن اهتدى إلى الحق في زمن الفترة. كقس بن ساعدة وأضرابه. وهم عشرة. وقد أوضحت شأنهم في كتابي (إيضاح الفطرة في أهل الفترة) في (الفصل الرابع عشر) فانظره. ونقل الرازيّ عن أبي مسلم الأصفهانيّ، أن المراد بفضل الله ورحمته، هنا، هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم: فأفوز فوزا عظيما. أي: لولا تتابع النصرة والظفر لاتبعتم الشيطان وتوليتم إلا القليل منكم من المؤمنين من أهل البصيرة الذين يعلمون أنه ليس مدار الحقية على النصر في كل حين. واستحسن هذا الوجه الرازيّ وقال: هو الأقرب إلى التحقيق. قال الخفاجيّ: لارتباطه بما بعده. هذا، وزعم بعضهم أن قوله تعالى: إِلَّا قَلِيلًا مستثنى من قوله (أذاعوه) أو (لعلمه) واستدل به على أن الاستثناء لا يتعين صرفه لما قبله. قال: لأنه لو كان مستثنى من جملة (اتبعتم) فسد المعنى لأنه يصير عدم اتباع القليل للشيطان ليس بفضل الله. وهو لا يستقيم. وبيان لزومه أن (لولا) حرف امتناع لوجود. وقد أبانت امتناع اتباع المؤمنين للشيطان. فإذا جعلت الاستثناء من الجملة الأخيرة فقد سلبت تأثير فضل الله في امتناع الاتباع عن البعض المستثنى، ضرورة. وجعلت هؤلاء المستثنين مستبدين بالإيمان وعصيان الشيطان بأنفسهم. ألا تراك إذا قلت (لمن تذكره بحقك عليه) : لولا مساعدتي لك لسلبت أموالك إلا قليلا، كيف لم تجعل لمساعدتك أثرا في بقاء القليل للمخاطب. وإنما مننت عليه بتأثير مساعدتك في بقاء أكثر ماله، لا في كله. ومن المحال أن يعتقد مسلم أنه عصم في شيء من اتباع الشيطان، إلا بفضله تعالى عليه. هذا ملخص ما قرره صاحب الانتصاف، وهوّل فيه. ولا يخفى أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به لتبادره فيه، أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه. واللازم ممنوع. لأن المراد بالفضل والرحمة معنى مخصوص. وهو ما بيناه. فإن عدم الاتباع، إذا لم يكن بهذا الفضل المخصوص، لا ينافي أن يكون بفضل آخر. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 84] فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (84) فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تلوين للخطاب، وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق
الالتفات. وهو جواب شرط محذوف ينساق إليه النظم الكريم. أي: إذا كان الأمر، كما حكى من عدم طاعة المنافقين وكيدهم، فقاتل أنت وحدك غير مكترث بما فعلوا. قاله أبو السعود. لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ أي: إلا فعل نفسك. بالتقدم إلى الجهاد. فإن الله هو ناصرك، لا الجنود. فإن شاء نصرك وحدك، كما ينصرك وحولك الألوف. أي: ومن نكل، فلا عليك منه ولا تؤاخذ به. قال الرازيّ: دلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال. لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات. ولقد اقتدى به أبو بكر «1» رضي الله عنه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة. ومن علم أن الأمر كله بيد الله، وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلّا بقضاء الله، سهل ذلك عليه. وروى ابن أبي حاتم عن أبي إسحاق قال: سألت البراء بن عازب عن الرجل يلقى المائة من العدوّ فيقاتل، فيكون ممن قال الله فيه: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ قال: قد قال الله تعالى لنبيه: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ. ورواه الإمام أحمد «2» أيضا عنه قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا. إن الله بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ. إنما ذلك في النفقة. وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أي على الخروج معك وعلى القتال. ورغبهم فيه وشجعهم عليه. كما قال لهم «3» صلى الله عليه وسلم، يوم بدر، وهو يسوي الصفوف: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض . وقد وردت
أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك. منها: ما رواه البخاريّ «1» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله. بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ أي: يمنع بَأْسَ أي: قتال الَّذِينَ كَفَرُوا وهم كفار مكة. أي: بتحريضك إياهم على القتال، تبعث هممهم على مناجزة الأعداء ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم. قال أبو السعود: وقوله تعالى: عَسَى ... إلخ عدة منه سبحانه وتعالى محققة الإنجاز بكف شدة الكفرة ومكروههم. فإن ما صدر ب (لعل وعسى) مقرر الوقوع من جهته عز وجل. وقد كان كذلك. حيث روي في السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان، بعد حرب أحد، موسم بدر الصغرى في ذي القعدة. فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج. وخرج في شعبان سنة أربع في سبعين راكبا. ووافوا الموعد وألقى الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب. فرجعوا من مرّ الظهران. انتهى، بزيادة. وقال في ذلك عبد الله بن رواحة (وقيل كعب بن مالك) :
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 85]
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما، وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا، أبا جهل، تركناه ثاويا عصيتم رسول الله، أفّ لدينكم ... وأمركم السّيئ، الذي كان غاويا فإني، وإن عنفتموني، لقائل ... فدى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه، لم نعدله فينا بغيره ... شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً أي: شدة وقوة من قريش وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أي تعذيبا وعقوبة. قال ابن كثير: أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة. كما قال تعالى: ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد صلى الله عليه وسلم: 4] . انتهى. قال الخفاجيّ: والقصد التهديد أو التشجيع. ثم أشار تعالى إلى أن التحريض على القتال شفاعة في تكفير الكبائر ورفع الدرجات فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 85] مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85) مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً أي يتوسط في أمر فيترتب عليه خير من دفع ضر، أو جلب نفع، ابتغاء لوجه الله تعالى. ومنه حمل المؤمنين على قتال الكفار يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وهو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير الواقع بها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً وهي ما كانت بخلاف الحسنة، بأن كانت في أمر غير مشروع يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها أي: نصيب من وزرها الذي ترتب على سعيه، مساو لها في المقدار من غير أن ينقص منه شيء. فوائد: الأولى- قال السيوطيّ في (الإكليل) : في الآية مدح الشفاعة وذم السعاية. وهي الشفاعة السيئة، وذكر الناس عند السلطان بالسوء. وهي معدودة من الكبائر
الثانية- روي في فضل الشفاعة أحاديث كثيرة. منها ما أخرجه الشيخان «1» عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب. وعن ابن عباس «2» رضي الله عنهما في قصة بريرة وزوجها قال: قال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم: لو راجعته! قالت: يا رسول الله! تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع. قالت: لا حاجة لي فيه. رواه البخاريّ. الثالثة- قال مجاهد والحسن والكلبيّ وابن زيد: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض. فما يجوز في الدين أن يشفع فيه، فهو شفاعة حسنة. وما لا يجوز أن يشفع فيه، فهو شفاعة سيئة. ثم قال الحسن: من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر، وإن لم يشفّع. لأن الله يقول: من يشفع. ولم يقل: من يشفّع. ويتأيد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام «3» : اشفعوا تؤجروا. نقله الرازيّ. الرابعة- قال الزمخشريّ: الشفاعة الحسنة هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من الحقوق. يعني الواجبة عليه. والسيئة ما كان بخلاف ذلك. وعن مسروق: أنه شفع شفاعة. فأهدى إليه المشفوع جارية. فغضب وردها. وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك. ولا أتكلم فيما بقي منها. انتهى.
وروى أبو داود «1» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من شفع لأخيه بشفاعة، فأهدى له هدية عليها، فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الكبائر» . وهذا الحديث أورده أيضا المنذريّ في (كتاب الترغيب والترهيب) في ترجمة (الترغيب في قضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم، وما جاء فيمن شفع فأهدي إليه) ثم ساق حديث الشيخين «2» وغيرهما عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم. لا يظلمه ولا يسلمه. ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كرب الدنيا يوم القيامة. ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» . وروى الطبرانيّ بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه، ثم جعل من حوائج الناس إليه فتبرّم، فقد عرّض تلك النعمة للزوال» . وروي نحوه عن عائشة وابن عمر وابن عمرو. وروى الطبرانيّ وابن حبان في (صحيحه) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ برّ أو تيسير عسير، أعانه الله إجازة الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام» . وفي رواية للطبرانيّ عن أبي الدرداء: رفعه الله في الدرجات العلا من الجنة. وروى الطبرانيّ عن الحسن بن عليّ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم» . ورواه عن عمر مرفوعا بلفظ: أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن. ورواه بنحو ذلك أيضا عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم. انظر الترغيب. الخامسة- نكتة اختيار النصيب في (الحسنة) والكفل في (السيئة) ما أشرنا إليه. وذلك أن النصيب يشمل الزيادة. لأن جزاء الحسنات يضاعف. وأما الكفل فأصله المركب الصعب. ثم استعير للمثل المساوي. فلذا اختير، إشارة إلى لطفه بعباده. إذ لم يضاعف السيئات كالحسنات. ويقال: إنه وإن كان معناه المثل لكنه غلب في الشر وندر في غيره. كقوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: 28] ، فلذا خص به السيئة تطرية وهربا من التكرار. و (من) بيانية أو ابتدائية. أفاده الخفاجيّ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً أي: مقتدرا. من (أقات على الشيء) إذا اقتدر عليه كما قال:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 86]
وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيتا أي رب ذي حقد عليّ كففت السوء عنه مع القدرة عليه. أو شهيدا حافظا. واشتقاقه من (القوت) فإنه يقوّي البدن ويحفظه. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 86] وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (86) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ أي إذا سلم عليكم فدعى لسلامة حياتكم وصفاتكم التي بها كمال الحياة بتحية، فقيل: السلام عليكم فَحَيُّوا أي: أداء لحق المسلّم عليكم بِأَحْسَنَ مِنْها أي: بتحية أحسن منها. بأن تقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله. ولو قالها المسلم، زيد: وبركاته. قال الراغب: أصل التحية الدعاء بالحياة وطولها. ثم استعملت في كل دعاء. وكانت العرب، إذا لقي بعضهم بعضا، يقول: حيّاك الله. ثم استعملها الشرع في السلام، وهي تحية الإسلام. قال الله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ [إبراهيم: 23] . وقال: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [الأحزاب: 44] ، وقال: فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النور: 61] . قالوا: في السلام مزية على (حياك) لما أنه دعاء بالسلامة عن الآفات الدينية والدنيوية، وهي مستلزمة لطول الحياة، وليس في الدعاء بطول الحياة ذلك. ولأن السلام من أسمائه تعالى. فالبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ومزيته أَوْ رُدُّوها أي: أجيبوها بمثلها. ورد السلام ورجعه: جوابه بمثله. لأن المجيب يرد قول المسلّم ويكرره إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً أي: فيحاسبكم على كل شيء من أعمالكم التي من جملتها ما أمرتم به من التحية. فحافظوا على مراعاتها حسبما أمرتم به. وفي الآية فوائد شتى: الأولى- نكتة نظمها مع آيات الجهاد هو التمهيد لمنع المؤمنين من قتل من ألقى إليهم السلام في الحرب الآتي قريبا، ببيان أن لكل مسلّم حقا يؤدى إليه. وذلك لأن السلام نوع من الإكرام. والمكرم يقابل بمثل إكرامه أو أزيد. قال الرازيّ: إن الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه. فقد لا يلتفت إلى سلامه عليه ويقتله. وربما ظهر أنه كان مسلما. فمنع الله المؤمنين عنه. وأمرهم أن كل من يسلّم عليهم ويكرمهم بنوع من الإكرام يقابلونه بمثل ذلك الإكرام
أو أزيد. فإنه إن كان كافرا لا يضر المسلم، إن قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الإكرام، أما إن كان مسلما، وقتله، ففيه أعظم المضار والمفاسد. ولذا قال: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً. أي هو محاسبكم على كل أعمالكم. وكاف في إيصال جزاء أعمالكم إليكم. فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف. فهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء. والمنع من إهدارها. وقد روى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان مجوسيّا. ذلك بأن الله يقول: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها. وقال قتادة: فحيوا بأحسن منها، يعني للمسلمين. أو ردوها، يعني لأهل الذمة. ومن هنا حكى الماورديّ وجها: إنه يقول في الرد على أهل الذمة، إذا ابتدءوا: وعليكم السلام. ولا يقول: ورحمة الله. نقله عنه النوويّ. وروى الزمخشريّ عن الحسن أنه يجوز أن يقال للكافر: وعليك السلام. ولا تقل: ورحمة الله. فإنها استغفار. وعن الشعبيّ أنه قال لنصرانيّ سلم عليه: وعليك السلام ورحمة الله. فقيل له في ذلك. فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟ انتهى. والظاهر أنه لحظ الأخبار بذلك ولم يرد مضمون التحية. ومع هذا فالثابت في الصحيحين «1» عن أنس مرفوعا: إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم. كما يأتي. قال السيوطيّ في (الإكليل) : في هذه الآية مشروعية السلام ووجوب رده. واستدل بها الجمهور على رد السلام على كل مسلّم، مسلما كان أو كافرا. لكن مختلفان في صيغة الرد. الثانية- ورد في إفشاء السلام أحاديث كثيرة. منها قول البراء بن عازب رضي الله عنهما: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، منها: وإفشاء السلام. رواه الشيخان «2» . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» . رواه مسلم «3» . وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا والناس
نيام، تدخلوا الجنة بسلام» . قال الترمذيّ «1» : حديث صحيح. الثالثة- في كيفية السلام. قال الرازيّ: إن شاء قال: سلام عليكم. وإن شاء قال: السلام عليكم. قال تعالى في حق نوح: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا [هود: 48] . وقال عن الخليل: قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [مريم: 47] . وقال في قصة لوط: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [هود: 69] . وقال عن يحيى وَسَلامٌ عَلَيْهِ [مريم: 15] . وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [النمل: 59] . وقال عن الملائكة: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23- 24] . وقال عن نفسه المقدسة: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58] . وقال فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الأنعام: 54] . وأما بالألف واللام فقوله عن موسى عليه السلام: فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى [طه: 47] . وقال عن عيسى عليه السلام: وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 33] ، فثبت أن الكل جائز. انتهى. قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: أنت في تعريف السلام وتنكيره بالخيار. انتهى. ولكثرة ورود التنكير في القرآن، على ما بيناه، فضله بعضهم على التعريف. الرابعة- في فضله. روى الإمام أحمد «2» وأبو داود والترمذيّ والدارميّ عن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم. فرد عليه ثم جلس. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: عشر. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله. فرد عليه فجلس فقال: عشرون. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فرد عليه فجلس فقال: ثلاثون. قال الترمذيّ حديث حسن. وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف. وقال البزار: قد روي هذا
عود:
عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجوه، هذا أحسنها إسنادا. وفي رواية لأبي داود «1» ، من رواية معاذ ابن أنس رضي الله عنه زيادة على هذا. قال: ثم أتى آخر. فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته. فقال: أربعون. وقال: هكذا تكون الفضائل. وفيه رد على من زعم أنه لا يزاد على (وبركاته) . لا يقال رواية (ومغفرته) عند أبي داود، هي من طريق أبي مرحوم واسمه عبد الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ عن أبيه. وأبو مرحوم ضعفه يحيى. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به- لأنا نقول: قد حسّن الترمذيّ روايته عن سهل بن معاذ. وصححها أيضا هو وابن خزيمة والحاكم وغيرهم. قال النسائيّ لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه. عود: وروى الطبراني عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال: السلام عليكم كتب له عشر حسنات، ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله. كتبت عشرون حسنة، ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة» . وروى ابن حيان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا مرّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فقال: سلام عليكم. فقال: عشر حسنات. ثم مرّ آخر فقال: سلام عليكم ورحمة الله فقال: عشرون حسنة. ثم مرّ آخر فقال: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقال: ثلاثون حسنة. فقام رجل من المجلس ولم يسلّم. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما أوشك ما نسي صاحبكم. إذا جاء أحدكم إلى المجلس فليسلم. فإن بدا له أن يجلس فليجلس. وإن قام فليسلم. فليست الأولى بأحق من الآخرة. وروى الطبرانيّ بإسناد جيد عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبخل الناس من بخل بالسلام. ورواه أيضا عن أبي هريرة. ولأحمد «2» والبزار نحوه عن جابر. وروى الطبراني عن حذيفة بن اليمان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده تناثرت خطاياهما كما تتناثر ورق الشجر . قال المنذريّ: ورواته لا أعلم فيهم مجروحا. وروى البزار عن عمر بن الخطاب قال: «قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: إذا التقى الرجلان المسلمان فسلم أحدهما على صاحبه، فإنّ أحبهما إلى الله أحسنهما بشرا لصاحبه. فإذا تصافحا نزلت عليهما مائة رحمة: للبادئ منهما تسعون، وللمصافح عشرة» . وروى أبو داود «1» عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام. الخامسة- في بعض أحكامه المأثورة. روى أبو داود «2» عن عليّ رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم. ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم» . وفي الموطأ «3» عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم. قال النوويّ: هذا مرسل صحيح الإسناد. وفي الصحيحين «4» عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام. قالت قلت: وعليه السلام ورحمة الله. ترى ما لا نرى (تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال النوويّ: ووقع في بعض روايات الصحيحين (وبركاته) ، ولم يقع في بعضها. وزيادة الثقة مقبولة. وفي سنن أبي داود «5» عن غالب القطان عن رجل قال: حدثني أبي عن جدي قال: بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائته فأقرئه السلام. فأتيته فقلت: إن أبي يقرئك السلام. فقال: عليك وعلى أبيك السلام . قال النوويّ: هذا وإن كان رواية عن مجهول، فأحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم. فيستفاد منه الرد على المبلّغ كالمسلّم. وروى أبو داود «6» عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه. فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه. ففيه أن من سلم عليه إنسان، ثم لقيه على قرب، ندب التسليم عليه ثانيا وثالثا. وروى الشيخان «7» عن أبي هريرة أن الرسول
صلى الله عليه وسلم قال: يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير. وروى الشيخان «1» عن أنس: أنه مر على صبيان فسلم عليهم. وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. ولفظ أبي داود «2» أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على غلمان يلعبون فسلم عليهم. وعند ابن السنيّ فيه، فقال: السلام عليكم يا صبيان. وروى أبو داود «3» عن أسماء بنت يزيد قالت: مرّ علينا النبيّ صلى الله عليه وسلم في نسوة فسلم علينا. وروى الترمذيّ نحوه. وروى الشيخان «4» عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم. ورويا «5» عن أسامة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود فسلم عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم. وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال «6» رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تبدءوا اليهود ولا النصارى
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 87]
بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه . قال النوويّ: روينا في موطأ مالك أنه سئل عمن سلم على اليهوديّ أو النصرانيّ هل يستقيله ذلك؟ فقال: لا. قال أبو سعد المتولي الشافعيّ: لو أراد تحية ذميّ، فعلها بغير السلام. بأن يقول: هداك الله أو أنعم الله صباحك. قال النوويّ. هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به. إذا احتاج إليه فيقول: صبحت بالخير أو بالسعادة أو بالعافية. أو صبحك الله بالسرور أو بالسعادة والنعمة أو بالمسرة أو ما أشبه ذلك. السادسة- قال الحسن البصريّ: السلام تطوع والرد فريضة. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله هو قول العلماء قاطبة: أن الرد واجب على من سلّم عليه. فيأثم إن لم يفعل لأنه خالف أمر الله في قوله: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها. انتهى. وفي ترك الرد إهانة وازدراء وهو حرام. ولذا ندب للجمع المسلم عليهم أن يجيبوا كلهم إظهارا للإكرام ومبالغة فيه. وإن كان الفرض يسقط ببعضهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 87] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي: ليبعثنكم من قبوركم ويحشرنكم إلى حساب يوم القيامة في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله. قال الزمخشريّ: القيامة والقيام كالطلابة والطلاب. وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب. قال الله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [المطففين: 6] . لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك في يوم القيامة أو في الجمع وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً إنكار لأن يكون أحد أصدق منه تعالى في حديثه وخبره ووعده ووعيده، وبيان لاستحالته. لأنه نقص وقبيح. إذ من كذب، لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يجر منفعة بكذبه أو يدفع مضرة، أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في أخباره، ولا يبالي بأيهما نطق. فظهر استحالة الكذب عليه جل شأنه. والغير، وإن دلت الدلائل على صدقه، فكذبه ممكن إذا لم ينظر إليها. فوائد: الأولى- قال الرازيّ: في كيفية النظم وجهان: أحدهما إنا بينا أن المقصود من قوله: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها، أن لا يصير الرجل
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 88]
المسلّم مقتولا. ثم إنه تعالى أكد ذلك بالوعيد في قوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً. ثم بالغ في تأكيد ذلك الوعيد بهذه الآية. فبين في هذه الآية أن التوحيد والعدل متلازمان. فقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ. إشارة إلى التوحيد. وقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ. إشارة إلى العد. وهو كقوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران: 18] ، وكقوله، في طه: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه: 14] ، وهو إشارة إلى التوحيد. ثم قال: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [طه: 15] . وهو إشارة إلى العدل. فكذا في هذه الآية، بين أنه يجب في حكمه وحكمته أن يجمع الأولين والآخرين في عرصة القيامة. فينتصف للمظلومين من الظالمين. ولا شك أنه تهديد شديد. الوجه الثاني- كأنه تعالى يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامه وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر. فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا إله إلا هو. إنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة. الثانية- قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إما خبر للمبتدأ و (ليجمعنكم إلخ) . جواب قسم محذوف، والجملة القسمية مستأنفة لا محل لها. أو خبر ثان. وإما اعتراض، والجملة القسمية خبر. الثالثة- تعدية (ليجمعنكم) ب (إلى) لكونه بمعنى الحشر كما بينا. أو لكون (إلى) بمعنى (في) كما أثبته أهل العربية. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 88] فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (88) فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ أي: فما لكم تفرقتم في أمر المنافقين فِئَتَيْنِ أي: فرقتين ولم تتفقوا على التبرؤ منهم. والاستفهام للإنكار. والنفي والخطاب لجميع المؤمنين. لكن ما فيه من معنى التوبيخ متوجه إلى بعضهم. وذلك أن فرقة من المؤمنين كانت تميل إليهم وتذب عنهم وتواليهم. وفرقة منهم تباينهم وتعاديهم. فنهوا عن ذلك وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في التباين والتبرؤ منهم. لأن دلائل نفاقهم وكفرهم ظاهرة جلية. فليس لكم أن تختلفوا في شأنهم. وقد قيل: إن المراد بهم هنا عبد الله بن أبيّ وأصحابه الذين خذلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ورجعوا بعسكرهم،
بعد أن خرجوا. كما تقدم في آل عمران. كما أوضحه الشيخان «1» والإمام أحمد والترمذيّ عن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد. فرجع ناس خرجوا معه. فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم. وفرقة تقول: لا. هم المؤمنون. فأنزل الله: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد. هذا لفظ أحمد. وقد ذكر الإمام محمد بن إسحاق في وقعة أحد: أن عبد الله بن أبيّ، ابن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش: رجع بثلاثمائة وبقي النبيّ صلى الله عليه وسلم في سبعمائة. وثمة في نزول الآية رواية أخرى أخرجها الإمام أحمد «2» في مسنده عن عبد الرحمن بن عوف: أن قوما من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأسلموا وأصابهم وباء المدينة وحمّاها. فأركسوا. فخرجوا من المدينة. فاستقبلهم نفر من أصحابه. يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة. فقالوا: أما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؟ فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: لم ينافقوا. فأنزل الله: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ... الآية. وهذه الرواية هي الأقرب لنظم الآية كما سنبينه في التنبيه الثاني وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ أي نكّسهم وردهم إلى الكفر بِما كَسَبُوا أي: بسبب ما كسبوه من لحوقهم بالكفار أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي: تعدّوهم من جملة المهتدين. قال أبو السعود: تجريد للخطاب وتخصيص له بالقائلين بإيمانهم من الفئتين، وتوبيخ لهم على زعمهم ذلك، وإشعار بأنه يؤدي إلى محاولة المحال الذي هو هداية من أضله الله تعالى. وذلك لأن الحكم بإيمانهم وادعاء اهتدائهم، وهم بمعزل عن ذلك، سعي في هدايتهم وإرادة لها. ووضع الموصول موضع ضمير المنافقين لتشديد الإنكار وتأكيد استحالة الهداية بما
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 89]
ذكر في حيّز الصلة، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة لا إلى متعلقها. بأن يقال: أتهدون إلخ للمبالغة في إنكاره بيان أنه مما لا يمكن إرادته، فضلا عن إمكان نفسه وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن دينه فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي: طريقا إلى الهدى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 89] وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (89) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم، إثر بيان كفرهم وضلالهم في أنفسهم. أي: تمنوا أن تكفروا ككفرهم بعد الإيمان فَتَكُونُونَ سَواءً أي: في الكفر والضلال فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ في العون والنصرة لئلا يفضي إلى كفركم، وإن أظهروا لكم الإيمان طلبا لموالاتكم حَتَّى يُهاجِرُوا من دار الكفر فِي سَبِيلِ اللَّهِ فتتحققوا إيمانهم فَإِنْ تَوَلَّوْا أي عن الهجرة. فهم، وإن أظهروا لكم الإسلام مع قدرتهم على الهجرة، فافعلوا بهم ما تفعلون بالكفار. لأنه زال عنهم حكم النفاق بلحوق دار الكفر فَخُذُوهُمْ أي: أسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ في الحل والحرم وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً أي: لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك. تنبيهان: الأول- قال الرازيّ: دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد. وهذا متأكد بعموم قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: 1] . والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين. لأن ذلك هو الأمر الذي يتقرب به إلى الله تعالى ويتوسل به إلى طلب السعادة في الآخرة. وإذا كان كذلك، كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة. وإذا كان كذلك، امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه. والله أعلم. الثاني- يظهر لي أن الأقرب في سبب نزول هذه الآيات أعني قوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ. إلخ، رواية عبد الرحمن بن عوف. كما يدل عليه سبر
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 90]
هذه الآيات وتدبرها بصادق النظر والإمعان. وقد اهتدى إلى ذلك الفاضل المهايميّ في تفسيره. فاقتصر على هذا الوجه فقال: وهم الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة. فلم يزالوا يرتحلون مرحلة بعد أخرى حتى لحقوا المشركين. انتهى. وقول السيوطيّ: في إسناد رواية عبد الرحمن بن عوف عند أحمد تدليس وانقطاع. لا يقدح في إصابتها كبد الحقيقة. لأنها وجدت فيها قرينة تلحقها بالمقبول وهو موافقتها لألفاظ الآية بلا تكلف. وحينئذ فقول زيد بن ثابت: فنزلت فيما تقدم بمعنى أنها تشمل ما وقع من المنخزلين عن أحد وما جرى من اختلاف المؤمنين في شأنهم. لا أنّ ما وقع كان سببا لنزولها. واستعمال النزول بذلك معروف كما بيناه في المقدمة. وإلا لأشكل قوله تعالى: (إلا أن يهاجروا) . إذ لم تطلب المهاجرة إلا من النائين عن المدينة. وأولئك، أعني الذين انخزلوا عن المسلمين في أحد، كانوا بها. فيحتاج إلى جعل المهاجرة بمعنى خروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، صابرين محتسبين مخلصين. كما قاله بعض المفسرين. وهذا المعنى لم يشع في المهاجرة. ولأشكل أيضا قوله تعالى: فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. فإنه يفيد بأنهم ليسوا من منافقي أهل المدينة. وإنه يتوقع الظفر بهم. وإلا فمنافقوها بين ظهرانيهم ليلا ونهارا. فالظاهر في هذا المقام رواية ابن عوف. وفي آخر رواية زيد ما يشعر بها حيث قال: إنها طيبة وإنها تنفي الخبث. إشارة إلى أن المدينة نفت هؤلاء الذين نزحوا عنها بعد إسلامهم. والله أعلم. ثم استثنى عن أسر المرتدين وقتلهم بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 90] إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ يلجئون إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي: عهد بهدنة أو أمان فاجعلوا حكمهم كحكمهم لئلا يفضي إلى قتال من وصلوا إليهم فيفضي إلى نقض الميثاق أَوْ جاؤُكُمْ عطف على الصلة أي: والذين جاءوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ حال بإضمار (قد) أي: ضاقت وانقبضت نفوسهم أَنْ يُقاتِلُوكُمْ
لطيفة:
لإرادتهم المسالمة أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ أي: معكم من أجلكم لمكان القرابة منهم. فهم لا لكم ولا عليكم. قال أبو السعود: استثني من المأمور بأخذهم وقتلهم فريقان: أحدهما- من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين. والآخر: من أتى المؤمنين وكف عن قتال الفريقين. وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن. أن سراقة ابن مالك المدلجيّ حدثهم قال: لما ظهر النبيّ صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج. فأتيته فقلت: أنشدك النعمة. بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي. وأنا أريد أن توادعهم. فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام. وإن لم يسلموا لم يحسن تغليب قومك عليهم. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد فقال: اذهب معه فافعل ما يريد. فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن أسلمت قريش أسلموا معهم. وأنزل الله: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ . فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم. وفي قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ إشعار بقوتهم في أنفسهم، وأن في التعرض لقتلهم إظهارا لقوتهم الخفية فهذه الجملة جارية مجرى التعليل لاستثنائهم من الأخذ والقتل فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ أي تركوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك بمشيئة الله عز وجل وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي الانقياد والاستسلام فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا أي طريقا بالأسر أو القتل. إذ لا ضرر منهم في الإسلام. وقتالهم يظهر كمال قوتهم. لطيفة: قال الخفاجيّ (السلم) بفتحتين: الانقياد. وقرئ بسكون اللام مع فتح السين وكسرها. وكأن إلقاء السلم استعارة. لأنّ من سلّم شيئا ألقاه وطرحه عند المسلّم له. وعدم جعل السبيل مبالغة في عدم التعرض لهم، لأن من لا يمر بشيء كيف يتعرض له؟ تنبيه: ظاهر النظم الكريم أن الفريقين المستثنيين من الكفار. وحاول أبو مسلم الأصفهانيّ كونهما من المسلمين حيث قال: إنه تعالى لما أوجب الهجرة على كل من أسلم، استثنى من له عذر. فقال: إلا الذين يصلون، وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة. إلا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم يجدوا طريقا إليه خوفا من أولئك الكفار. فصاروا إلى قوم بين المسلمين وبينهم عهد. وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص. واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول، ولا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 91]
يقاتل الرسول ولا أصحابه. لأنه يخاف الله تعالى فيه. ولا يقاتل الكفار أيضا، لأنهم أقاربه. أو لأنه أبقى أولاده وأزواجه بينهم. فيخاف، لو قاتلهم، أن يقتلوا أولادهم وأصحابه. فهذان الفريقان من المسلمين لا يحل قتالهم. وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ولا مقاتلة الكفار. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 91] سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (91) سَتَجِدُونَ أقواما آخَرِينَ يُرِيدُونَ بإظهار الإسلام لكم أَنْ يَأْمَنُوكُمْ أي: على أنفسهم وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ بإظهار الكفر كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أي: دعوا إلى الارتداد والشرك أُرْكِسُوا فِيها أي: رجعوا إليها منكوسين على رؤوسهم فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ أي يتنحوا عنكم جانبا، بأن لم يكونوا معكم ولا عليكم. وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي: ولم يلقوا الانقياد وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ أي: عن قتالكم فَخُذُوهُمْ أي: اتّسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي: وجدتموهم في داركم أو دارهم وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً أي: حجة واضحة في الإيقاع بهم قتلا وسبيا. لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام. أو تسلطا ظاهرا، حيث أذنّا لكم في أخذهم وقتلهم. تنبيهان: الأول- قال ابن كثير: هؤلاء الآخرون، في الصورة الظاهرة، كمن تقدمهم. ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك. فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام، ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريّهم. ويصانعون الكفار في الباطن. فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم. وهم في الباطن مع أولئك. كما قال تعالى: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة: 14] الآية. وحكى ابن جرير «1» عن مجاهد أنها نزلت في قوم من أهل مكة. كانوا يأتون النبيّ صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء. ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان. يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا. فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 92]
الثاني- قال الرازيّ: قال الأكثرون: في الآية دلالة على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا، لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم. ونظيره قوله تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ [الممتحنة: 8] . وقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [البقرة: 190] . فخص الأمر بالقتال لمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 92] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً أي ما جاز ولا صح ولا لاق لمؤمن قتل أخيه المؤمن. فإن الإيمان زاجر عن ذلك. إلا على وجه الخطأ. فإنه ربما يقع لعدم دخول الاحتراز عنه بالكلية تحت الطاقة البشرية. قال الزمخشريّ: فإن قلت: بم انتصب خطأ؟ قلت: بأنه مفعول له. أي: ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالا. بمعنى لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ. وأن يكون صفة للمصدر: إلا قتلا خطأ. والمعنى: إن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء، البتة. إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد. بأن يرمي كافرا فيصيب مسلما. أو يرمي شخصا على أنه كافر فإذا هو مسلم. انتهى. وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً أي: بما ذكرنا. فهو، وإن عفي عنه، لكنه لا يخلو عن تقصير في حق الله، ولا يهدر دم المؤمن بالكلية فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي: فالواجب عليه، لحق الله، إعتاق نفس محكوم عليها بالإيمان، ولو صغيرة. ليعتق الله عنه بكل جزء منها جزءا منه من النار. وقد روى الإمام أحمد «1» عن عبد الرزاق، عن معمر، عن
لطيفتان:
الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء. فقال: يا رسول الله! إن عليّ عتق رقبة مؤمنة. فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم. قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم. قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. قال: أعتقها . وهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابيّ لا تضرّه. وفي موطأ مالك «1» ومسند الشافعيّ وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائيّ عن معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أعتقها فإنها مؤمنة . أفاده ابن كثير. لطيفتان: الأولى- قال الزمخشريّ: التحرير: الإعتاق. والحر والعتيق: الكريم. لأن الكرم في الأحرار، كما أن اللؤم في العبيد. ومنه عتاق الخليل وعتاق الطير لكرامها. وحرّ الوجه أكرم موضع منه. وقولهم للئيم: عبد، وفلان عبد الفعل، أي: لئيم الفعل. والرقبة عبارة عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأسا من الرقيق. الثانية- قيل في حكمة الإعتاق: إنه لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء، لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار. لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها. من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات. إذ الرق من آثار الكفر. والكفر موت حكما: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الأنعام: 122] . ولهذا منع من تصرف الأحرار. وهذا مشكل. إذ لو كان كذلك لوجب في العمد أيضا. لكن يحتمل أن يقال: إنما وجب عليه ذلك، لأن الله تعالى أبقى للقتال نفسا مؤمنة حيث لم يوجب القصاص. فأوجب
عليه مثلها رقبة مؤمنة. أفاده النسفيّ. وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ أي: والواجب عليه أيضا، لحق ورثة المقتول، عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم، دية مؤداة إلى ورثته. يقتسمونها اقتسام الميراث. وقد بيّنت السنة مقدارها. وذلك فيما رواه النسائيّ «1» وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا. وفيه: إن في النفس الدية، مائة من الإبل. وفيه: وعلى أهل الذهب ألف دينار. وروى أبو داود «2» عن جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه فرض في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل. وعلى أهل البقر مائتي بقرة. وعلى أهل الشاء ألفي شاة. وعلى أهل الحلل مائتي حلة . وفي الموطأ «3» أن عمر بن الخطاب قوّم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار. وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل، لا في ماله. قال الشافعيّ رحمه الله: لم أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة. وفي الصحيحين «4» عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل. فرمت إحداهما الأخرى بحجر. فقتلتها، وما في بطنها. فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقضى أن دية جنينها غرة: عبد أو أمة. وقضى بدية المرأة على عاقلتها. ورواه أبو داود «5» عن جابر بلفظ: أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى. ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة القاتلة. وبرأ زوجها وولدها، قال فقال عاقلة القاتلة: ميراثها لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. ميراثها لزوجها وولدها . و (العاقلة) القرابات من قبل الأب وهم عصبته. وهم الذين كانوا يعقلون الإبل على باب وليّ المقتول. وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدر. لأن الإبل كانت تعقل بفناء وليّ المقتول. ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، ولو لم تكن إبلا. وتضمين العاقلة مخالف لظاهر قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [فاطر: 18] . فتكون الأحاديث القاضية بتضمين العاقلة مخصصة لعموم الآية. لما
تنبيه:
في ذلك من المصلحة. لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله. لأن تتابع الخطأ لا يؤمن. ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول. كذا في (نيل الأوطار) . قال المهايميّ: تجب الدية على كل عاقلة القاتل. وهم عصبته غير الأصول والفروع. لأنه لما عفي عن القاتل فلا وجه للأخذ منه. وأصوله وفروعه أجزاؤه. فالأخذ منهم أخذ منه. ولا وجه لإهدار دم المؤمن. فيؤخذ من عاقلته الذين يرثونه بأقوى الجهات وهي العصبية. لأن الغرم بالغنم. فإن لم يكن له عاقلة، أو كانوا فقراء، فعلى بيت المال. انتهى. وقد خالف أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج. فأوجبوا الدية على القاتل لا على عاقلته. واحتجوا بوجوه خمسة عقلية. ساقها الفخر الرازيّ. هنا. وكلها مما لا يساوي فلسا. إذ هي من معارضة النص النبويّ بالرأي المحض. اللهم: إنا نبرأ إليك من ذلك. وقد غفلوا عن حكمة المشروعية على العاقلة التي بيّناها. دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر تنبيه: يشتمل قوله تعالى فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ تسليمها حالّة ومؤجلة. إلا أن الإجماع قد وقع على أن دية الخطأ مؤجلة على العاقلة. ولكن اختلفوا في مقدار الأجل. فذهب الأكثر إلى أن الأجل ثلاث سنين. وقال ربيعة: إلى خمس. وحكى في (البحر) عن بعض الناس بعد حكايته للإجماع السابق: أنها تكون حالّة. إذ لم يرو عنه صلى الله عليه وسلم تأجيلها. قال في (البحر) قلنا: روي عن عليّ رضي الله عنه أنه قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين . وقاله عمر وابن عباس. ولم ينكر. انتهى. قال الشافعيّ في (المختصر) : لا أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين. قال الرافعيّ: تكلم أصحابنا في ورود الخبر بذلك. فمنهم من قال: ورد. ونسبه إلى رواية عليّ عليه السلام. ومنهم من قال: ورد أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة. وأما التأجيل فلم يرد به الخبر. وأخذ ذلك من إجماع الصحابة. وقال ابن المنذر: ما ذكره الشافعيّ لا نعرفه أصلا من كتاب ولا سنة. وقد سئل عن ذلك أحمد بن حنبل فقال: لا نعرف فيه شيئا. فقيل: إن أبا عبد الله، يعني
الشافعيّ، رواه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال: لعله سمعه من ذلك المدنيّ. فإنه كان حسن الظن به. يعني إبراهيم بن أبي يحيى. وتعقبه ابن الرفعة: بأن من عرف حجة على من لم يعرف. وروى البيهقيّ من طريق ابن لهيعة عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: من السنة أن تنجّم الدية في ثلاث سنين. وقد وافق الشافعيّ، على نقل الإجماع، الترمذيّ في (جامعه) وابن المنذر. فحكى كل واحد منهما الإجماع. كذا في (نيل الأوطار) . وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا أي: إلا أن يتصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل فلا تجب عليه. وسمي العفو عنها صدقة حثّا عليه وتنبيها على فضله. قال السيوطيّ في (الإكليل) : فيها (أي: هذه الآية) تعظيم قتل المؤمن والإثم فيه، ونفيه عن الخطأ، وأن في قتل الخطأ كفارة ودية. لا قصاص. وأن الدية مسلمة إلى أهل المقتول. إلا أن يصدقوا بها، أي: يبرءوا منها. ففيه جواز الإبراء من أهل الدية. مع أنها مجهولة. وفي قوله (مسلمة) دون (يسلمها) إشارة إلى أنها على عاقلة القاتل. ذكره سعيد بن جبير. أخرجه ابن أبي حاتم واستدل بقوله: إِلى أَهْلِهِ، على أن الزوجة ترث منها. لأنها من جملة الأهل خلافا للظاهرية. واحتج بها من أجاز إرث القاتل منها. لأنه من أهله. واحتج الظاهرية بقوله: إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا. على أن المقتول ليس له العفو عن الدية. لأن الله جعل ذلك لأهله خاصة. وعموم الآية شامل للإمام إذا قتل خطأ. خلافا لمن قال: لا شيء عليه ولا على عاقلته. واستدل بعمومها أيضا من قال: إن في قتل العبد الدية والكفارة. وإن على الصبيّ والمجنون، إذا قتلا، الكفارة. وإن المشارك في القتل عليه كفارة كاملة. انتهى. فَإِنْ كانَ أي: المقتول خطأ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ أي: محاربين وَهُوَ مُؤْمِنٌ فلم يعلم به القاتل لكونه بين أظهر قومه، بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم، أو بأن أتاهم بعد ما فارقهم لمهمّ من المهمات فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي: فعلى قاتله الكفارة، لحق الله دون الدية. فإنها ساقطة. إذ لا إرث بينه وبين أهله. لأنهم محاربون. وقال الإمام زيد بن عليّ بن الحسين عليهم السلام: لا تؤدى الدية إليهم لأنهم يتقوّون بها. ومعلوم أن سقوط الدية لمن هذه حاله أخذا من إيجاب الله تعالى على قاتله الكفارة، ولم يذكر الدية كما ذكرها في أول الآية وآخرها، وقد روى الحاكم وغيره عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان الرجل يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى قومه وهم مشركون: فيصيبه المسلمون في سرية أو غزاة. فيعتق الذي يصيبه رقبة وَإِنْ كانَ أي: المقتول خطأ مِنْ قَوْمٍ أي: كفرة بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي: عهد من هدنة أو أمان. أي: كان على دينهم ومذهبهم فَدِيَةٌ أي: فعلى قاتله دية مُسَلَّمَةٌ
تنبيه:
إِلى أَهْلِهِ إذ هم كالمسلمين في الحقوق وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لحق الله تعالى. وتقديم الدية هاهنا مع تأخيرها فيما سلف، للإشعار بالمسارعة إلى تسليم الدية تحاشيا عن توهم نقض الميثاق. قال السيوطيّ: روى الحاكم وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى: وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ إلخ: هو الرجل يكون معاهدا. ويكون قومه أهل عهد. فتسلم إليهم الدية ويعتق الذي أصابه رقبة. قال السيوطيّ: ففيه أن المقتول إذا كان من أهل الذمة والعهد ففيه دية مسلمة إلى أهله مع الكفارة. وفيه رد على من قال: لا كفارة في قتل الذميّ. والذين قالوا ذلك قالوا: إن الآية في المؤمن الذي أهله أهل عهد. وقالوا: إنهم أحق بديته لأجل عهدهم. ويرده تفسير ابن عباس المذكور، وأنه تعالى لم يقل فيه: وهو مؤمن، كما قال في الذي قبله. انتهى. تنبيه: استدل بالآية من قال: إن دية المعاهد حربيا أو كتابيا، كالمسلم. لأنه تعالى ذكر في كل منهما الكفارة والدية. فوجب أن تكون ديتهما سواء كما أن الكفارة عنهما سواء. إذ إطلاق الدية يفيد أنها الدية المعهودة. وهي دية المسلم. وقد أخرج الترمذيّ «1» عن ابن عباس وقال: غريب أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ودى العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمريّ، وكان لهما عهد من النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يشعر به عمرو، بدية المسلمين، وأخرج البيهقيّ عن الزهريّ أنها كانت دية اليهوديّ والنصرانيّ في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل دية المسلم. وفي زمن أبي بكر وعمر وعثمان. فلما كان معاوية، أعطى أهل المقتول النصف وألقى النصف في بيت المال. قال: ثم قضى عمر بن عبد العزيز بالنصف وألقى ما كان جعل معاوية. وأخرج أيضا عن ابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ودى ذميّا دية مسلم. وفي أثري البيهقيّ المذكورين مقال. إذ علل الأول بالإرسال. والثاني بأن في إسناده أبا كرز. وهو متروك. وروى أحمد «2» والنسائيّ والترمذيّ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: عقل الكافر نصف دية المسلم. وأخرج أبو داود «3» عنه بلفظ: دية المعاهد نصف دية الحر. وفي
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 93]
لفظ: قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين: وهم اليهود والنصارى. رواه أحمد والنسائيّ وابن ماجة. وعندي: لا تنافي بين هذه الروايات المذكورة. لأن الظاهر أن الفرض في دية الكافر إنما هو النصف. ولا حرج في الزيادة عليه، إلى أن يبلغ دية المسلم تبرعا وتفضلا. وبه يحصل الجمع بين الروايات. والاستدلال بالآية على تماثل ديتي المسلم والكافر المتقدم- غير ظاهر. لما في الدية من الإجمال المرجوع في بيانه إلى السنة، وقد بيّنته وصح فيها أنه النصف فرضا. والله أعلم فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أي: رقبة ليحررها. بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ أي: فعليه صيام شهرين متواصلين لا إفطار بينهما. بحيث لو صام تسعة وخمسين، وتعمد بإفطار يوم، استأنف الجميع. لأن الخطأ إنما نشأ من كدورة النفس. وهذا القدر يزيلها ويفيد التزكية. قاله المهايميّ. تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ أي: قبولا من الله ورحمة منه. من (تاب عليه) : إذا قبل توبته. (فتوبة) منصوب على أنه مفعول له. أي: شرع لكم ذلك توبة منه. أو مصدر مؤكد لمحذوف. أي: تاب عليكم توبة منه وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بجميع الأشياء التي منها مقدار كدورة هذا الخطأ العظيم حَكِيماً في دواء إزالتها. قال المهايميّ: وإذا كان للخطأ هذه الكدورة مع العفو عنه، فأين كدورة العمد؟ أي: وهي التي ذكرت في قوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 93] وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً لقتله فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذ قتل وليّه عمدا وَلَعَنَهُ أي أبعده عن الرحمة وَأَعَدَّ لَهُ وراء ذلك عَذاباً عَظِيماً أي: فوق عذاب سائر الكبائر، سوى الشرك. قال الإمام ابن كثير: هذا تهديد شديد ووعد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم. الذي هو مقرون بالشرك بالله، في غير ما آية في كتاب الله. حيث يقول سبحانه في سورة (الفرقان) : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ... [الفرقان: 68] الآية. وقال تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ... [الأنعام: 151] الآية. والآيات
والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا. فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين «1» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء. وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود «2» عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حراما. فإذا أصاب دما حراما بلّح. وفي حديث «3» آخر: لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم. قلت: رواه الترمذيّ والنسائيّ عن ابن عمرو. وفي الحديث الآخر: لو اجتمع أهل السموات وأهل الأرض على قتل رجل مسلم لكبهم الله في النار . قلت: رواه الترمذيّ «4» عن أبي سعيد وأبي هريرة بلفظ: لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله عز وجل في النار. وفي الحديث الآخر «5» : من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله. قلت: رواه ابن ماجة عن أبي هريرة. وقد كان ابن عباس يرى أن لا توبة لقاتل المؤمن عمدا. وقال البخاريّ «6» : حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا المغيرة بن النعمان قال: سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة. فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها. فقال: نزلت هذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ. هي آخر ما نزل وما نسخها شيء. وكذا رواه هو أيضا ومسلم والنسائيّ من طرق عن شعبة، به. ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن ابن مهديّ عن سفيان الثوريّ عن مغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ فقال: ما نسخها شيء. وقال ابن جرير «7» : حدثنا ابن بشار، قال حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قال لي عبد الرحمن بن
أبزى: سئل ابن عباس عن قوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ... الآية. فقال: لم ينسخها شيء. وقال في هذه الآية: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى آخرها قال: نزلت في أهل الشرك. وروى ابن جرير «1» أيضا عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ. قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام، وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم، ولا توبة له. فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من ندم. وروى الإمام أحمد «2» عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس أن رجلا أتى إليه فقال: أرأيت رجلا قتل رجلا عمدا؟ فقال: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها ... الآية. قال: لقد نزلت من آخر ما نزل. ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال: وأنّى له بالتوبة؟ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ثكلته أمه. رجل قتل رجلا متعمدا يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره، أو آخذا رأسه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دما قبل العرش يقول: يا رب! سل عبدك فيم قتلني! ورواه النسائيّ وابن ماجة. وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة. وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف، زيد بن ثابت وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد ابن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم. نقله ابن أبي حاتم. وفي الباب أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: يجيء المقتول متعلّقا بقاتله يوم القيامة، آخذا رأسه بيده الأخرى، فيقول: يا رب! سل هذا فيم قتلني؟ قال فيقول: قتلته لتكون العزة لك. قال: فإنها لي. قال ويجيء آخر متعلقا بقاتله فيقول: رب! سل هذا فيم قتلني؟ قال فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان. قال: فإنها ليست له. بوء بإثمه. قال، فيهوي به في النار سبعين خريفا. ورواه النسائيّ «3» . وأخرج الإمام أحمد والنسائيّ «4» عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا. وقال الإمام أحمد «5» : حدثنا النضر. حدثنا سليمان بن المغيرة.
حدثنا حميد قال: أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي: فقال لنا: هلما فأنتما أشب سنّا مني، وأوعى للحديث مني. فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم. فقال له أبو العالية: حدث هؤلاء حديثك. فقال: حدثنا عقبة بن مالك الليثيّ، قال: بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم سرية فأغارت على قوم. فشد مع القوم رجل فاتّبعه رجل من السرية شاهرا سيفه. فقال الشادّ من القوم: إني مسلم. فلم ينظر فيما قال. فضربه فقتله. فنمى الحديث إلى رسول الله. فقال فيه قولا شديدا. فبلغ القاتل. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذ قال القاتل: والله! ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل. قال فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وعمن قبله من الناس. وأخذ في خطبته. ثم قال أيضا: يا رسول الله! ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل. فأعرض عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته. ثم لم يصبر حتى قال الثالثة: والله! يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل. فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعرف المساءة في وجهه فقال: إن الله أبى على من قتل مؤمنا. (ثلاث مرات) ورواه النسائيّ. ثم قال ابن كثير: والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها. أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله عز وجل. فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن ظلامته. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [الفرقان: 68- 70] الآية. وهذا خبر لا يجوز نسخه. وحمله على المشركين وحمل هذه الآية على المؤمنين- خلاف الظاهر. ويحتاج حمله إلى دليل. والله أعلم. وقال تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: 53] الآية. وهذا عام في جميع الذنوب: من كفر وشرك وشك ونفاق وقتل وفسق وغير ذلك. كل من تاب من أيّ ذلك تاب الله عليه. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48- 116] . فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك. وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها، لتقوية الرجاء. والله أعلم. وثبت في الصحيحين «1» خبر الإسرائيليّ الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله
فيه. فهاجر إليه فمات في الطريق. فقبضته ملائكة الرحمة. وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة، التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى. لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم. وبعث نبينا بالحنيفية السمحة. فأما الآية الكريمة وهي قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ... الآية، فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه. وقد رواه ابن مردويه بإسناده مرفوعا. ولكن لا يصح. ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه. وكذا كل وعيد على ذنب. لكن قد يكون لذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة والإحباط. وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد. والله أعلم بالصواب. وبتقدير دخول القاتل في النار، إما على قول ابن عباس ومن وافقه، أنه لا توبة له. أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به- فليس بمخلد فيها أبدا. بل الخلود هو المكث الطويل. وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من الإيمان . ثم قال ابن كثير: وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه من حقوق الآدميين. وهي لا تسقط بالتوبة. ولكن لا بد من ردها إليهم. ولا فرق بين المقتول والمسروق منه والمغضوب منه والمغبون والمقذوف وسائر حقوق الآدميين. فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة. ولكن لا بد من ردها إليهم في صحة التوبة. فإن تعذر ذلك فلا بد من المطالبة يوم القيامة. لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة. إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول، أو بعضها. ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة. أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها ورفع درجته فيها ونحو ذلك. والله أعلم. انتهى. وقال النوويّ في (شرح مسلم) في شرح حديث الإسرائيليّ الذي قتل مائة نفس: استدل به على قبول توبة القاتل عمدا. وهو مذهب أهل العلم وإجماعهم. ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس. وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا، فمراد قائله الزجر والتوبة. لا أنه يعتقد بطلان توبته. وهذا الحديث وإن كان شرع من قبلنا،
وفي الاحتجاج به خلاف، فليس هذا موضع الخلاف. وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره. فإن ورد كان شرعا لنا بلا شك. وهذا قد ورد شرعنا به. وذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ إلى قوله: إِلَّا مَنْ تابَ ... [الفرقان: 68] ، الآية. وأما قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ... الآية. فالصواب في معناها: أن جزاءه جهنم. فقد يجازى بذلك وقد يجازى بغيره. وقد لا يجازى بل يعفى عنه. فإن قتل عمدا مستحلّا بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتدّ. يخلد في جهنم بالإجماع. وإن كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص. مرتكب كبيرة، جزاؤها جهنم خالدا فيها. لكن تفضل الله تعالى وأخبر أنه لا يخلد من مات موحدا فيها. فلا يخلد هذا. ولكن قد يعفى عنه ولا يدخل النار أصلا. وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر عصاة الموحدين. ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد في النار. قال: فهذا هو الصواب في معنى الآية. ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة، أن يتحتم ذلك الجزاء. وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم. وإنما فيها أنها جزاؤه. أي: يستحق أن يجازى بذلك. وقيل: وردت الآية في رجل بعينه. وقيل: المراد بالخلود طول المدة، لا الدوام. وقيل: معناها: هذا جزاؤه، إن جازاه. وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة. لمخالفتها حقيقة لفظ الآية. فالصواب ما قدمناه. انتهى. وقال علاء الدين الخازن: اختلف العلماء في حكم هذه الآية. هل هي منسوخة أم لا؟ وهل لمن قتل متعمدا توبة أم لا؟ فروي «1» عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا. فتلوت عليه الآية التي في الفرقان: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان: 68] . إلى آخر الآية. قال: هذه آية مكية. نسختها آية مدنية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ. وفي رواية، قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن. فرحلت إلى ابن عباس. فقال: نزلت في آخر ما نزل. ولم ينسخها شيء. وفي رواية أخرى «2» ، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالمدينة: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ
مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ... إلى قوله: مُهاناً. فقال المشركون: وما يغني عنا الإسلام، وقد عدلنا بالله، وقد قتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش؟ فأنزل الله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً ... [الفرقان: 70] ، إلى آخر الآية. زاد في رواية: فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل فلا توبة له. أخرجاه في الصحيحين. وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه ناظر ابن عباس في هذه الآية فقال: من أين لك أنها محكمة؟ فقال ابن عباس: تكاثف الوعيد فيها. وقال ابن مسعود: إنها محكمة، وما تزداد إلا شدة. وعن خارجة بن زيد قال: سمعت زيد بن ثابت يقول: أنزلت هذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها، بعد التي في الفرقان: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، بستة أشهر. أخرجه أبو داود والنسائيّ، وزاد النسائيّ في رواية: بثمانية أشهر. وقال زيد بن ثابت: لما نزلت هذه الآية في الفرقان: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ، عجبنا من لينها. فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد الليّنة. فنسخت اللينة. وأراد بالغليظة هذه الآية التي في سورة النساء. وباللينة آية الفرقان. وذهب الأكثرون من علماء السلف والخلف إلى أن هذه الآية منسوخة. واختلفوا في ناسخها. فقال بعضهم: نسختها التي في الفرقان. وليس هذا بالقويّ. لأن آية الفرقان نزلت قبل آية النساء. والمتقدم لا ينسخ المتأخر. وذهب جمهور من قال بالنسخ إلى أن ناسخها الآية التي في النساء أيضا. وهي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48] ، وأجاب، من ذهب إلى أنها منسوخة، عن حديث ابن عباس المتقدم المخرّج في الصحيحين: بأن هذه الآية خبر عن وقوع العذاب بمن فعل ذلك الأمر المذكور في الآية. والنسخ لا يدخل الأخبار. ولئن سلمنا أنه يدخلها النسخ، لكن الجمع بين الآيتين ممكن بحيث لا يكون بينهما تعارض. وذلك بأن يحمل مطلق آية النساء على تقييد آية الفرقان. فيكون المعنى: فجزاؤه جهنم إلا من تاب. وقال بعضهم: ما ورد عن ابن عباس إنما هو على سبيل
التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل. فهو كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يقتل يقال له: لا توبة لك. وإن قتل ثم ندم وجاء تائبا يقال له: لك توبة. وقيل: إنه قد روي عن ابن عباس مثله. وروي عنه أيضا أن توبته تقبل. وهو قول أهل السنة. ويدل عليه الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [طه: 82] . وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر: 53] . وأما السنة فما روي عن جابر بن عبد الله قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله! ما الموجبتان؟ قال: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. ومن مات يشرك به شيئا دخل النار. أخرجه مسلم «1» . وروى الشيخان عن عبادة بن الصامت قال «2» : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال: تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. وفي رواية: ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف. فمن وفي منكم فأجره على الله. ومن أصاب من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه. فبايعناه على ذلك. انتهى. وقال العلامة أبو السعود: تمسّكت الخوارج والمعتزلة بها في خلود من قتل المؤمن عمدا في النار. ولا متمسّك لهم فيها. لا لما قيل من أنها في حق المستحل، كما هو رأي عكرمة وأضرابه. بدليل أنها نزلت في مقيس بن صبابة الكنانيّ المرتد. فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. بل لأن المراد بالخلود هو المكث الطويل لا الدوام. لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم. وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدا. وكذا ما روي عن سفيان: أن أهل العلم كانوا إذا سئلوا قالوا: لا توبة له- محمول على الاقتداء بسنة الله تعالى في التشديد والتغليظ. وعليه يحمل ما روي عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة. وقال عون بن عبد الله وبكر بن عبد الله وأبو صالح: المعنى هو جزاؤه إن
جازاه. قالوا: قد يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر: إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب. ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا. قال الواحديّ: والأصل في ذلك أن الله عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد، وأن امتنع أن يخلف الوعد. والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل المذكور. لأنه إخبار منه تعالى أن جزاءه ذلك. لا بأنه يجزيه بذلك. كيف لا؟ وقد قال الله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: 40] . ولو كان هذا إخبارا بأنه تعالى يجزي كل سيئة بمثلها، لعارضه قوله تعالى: وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] . انتهى. وقال العلامة الشوكانيّ في (نيل الأوطار) : وأما بيان الجمع بين هذه الآية وما خالفها فنقول: لا نزاع أن قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً من صيغ العموم الشاملة للتائب وغير التائب. بل للمسلم والكافر. والاستثناء لمذكور في آية الفرقان. أعني قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ [الفرقان: 70] . بعد قوله تعالى: وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان: 68]- مختص بالتائبين فيكون مخصصا لعموم قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً. أما على ما هو المذهب الحق من أنه ينبني العامّ على الخاص مطلقا، تقدم أو تأخر أو قارن- فظاهر، وأما على مذهب من قال: إن العامّ المتأخر ينسخ الخاص المتقدم، فإذا سلمنا تأخر قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً، على آية الفرقان، فلا نسلم تأخرها من العمومات القاضية بأن القتل مع التوبة من جملة ما يغفره الله. كقوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر: 53] . وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 116] . ومن ذلك ما أخرجه مسلم «1» عن أبي هريرة. أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه. وما أخرجه الترمذيّ «2» وصححه من حديث صفوان بن عسّال.
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: باب من قبل المغرب يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين سنة. خلقه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض. مفتوح للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها. وأخرج الترمذيّ أيضا عن ابن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. وأخرج مسلم «1» من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار. ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها. ونحو هذه الأحاديث مما يطول تعداده- لا يقال: إن هذه العمومات مخصصة بقوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ... الآية. لأنا نقول: الآية أعم من وجه، وهو شمولها للتائب وغيره. وأخص من وجه، وهو كونها في القاتل. وهذه العمومات أعم من وجه، وهو شمولها لمن كان ذنبه القتل ولمن كان ذنبه غير القتل. وأخص من وجه، وهو كونها في التائب. وإذا تعارض عمومان لم يبق إلا الرجوع إلى الترجيح. ولا شك أن الأدلة القاضية بقبول التوبة مطلقا أرجح لكثرتها وهكذا أيضا يقال: إن الأحاديث بخروج الموحدين من النار وهي متواترة المعنى، كما يعرف ذلك من له إلمام بكتب الحديث، تدل على خروج كل موحد. سواء كان ذنبه القتل أو غيره. والآية القاضية بخروج من قتل نفسا هي أعم من أن يكون القاتل موحدا أو غير موحد. فيتعارض عمومان. وكلاهما ظنّي الدلالة. ولكن عموم آية القتل قد عورض بما سمعته. بخلاف أحاديث خروج الموحدين، فإنها إنما عورضت بما هو أعم منها مطلقا. كآيات الوعيد للعصاة الدالة على الخلود الشاملة للكافر والمسلم. ولا حكم لهذه المعارضة، أو بما هو أخص منها مطلقا. كالأحاديث القاضية بتخليد
بعض أهل المعاصي. نحو: من قتل نفسه. وهو يبني العام على الخاص. وبما قررناه يلوح لك انتهاض القول بقبول توبة القاتل إذا تاب، وعدم خلوده في النار إذا لم يتب. ويتبيّن لك أيضا أنه لا حجة فيما احتج به ابن عباس من أن آية الفرقان مكية منسوخة بقوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ... الآية. كما أخرج ذلك عنه البخاريّ ومسلم وغيرهما. وكذلك لا حجة له فيما أخرجه النسائي «1» والترمذيّ «2» عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يجيء المقتول متعلقا بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دما. يقول: يا رب! قتلني هذا. حتى يدنيه من العرش. وفي رواية للنسائيّ «3» فيقول: أي رب! سل هذا فيم قتلني؟ لأن غاية ذلك وقوع المنازعة بين يدي الله عز وجل. وذلك لا يستلزم أخذ التائب بذلك الذنب. ولا تخليده في النار، على فرض عدم التوبة. والتوبة النافعة، هاهنا، هي الاعتراف بالقتل عند الوارث، إن كان له وارث. أو السلطان، إن لم يكن له وارث. والندم على ذلك الفعل، والعزم على ترك العود إلى مثله. لا مجرد الندم والعزم، بدون اعتراف. وتسليم للنفس أو الدية إن اختارها مستحقها. لأن حق الآدميّ لا بدّ فيه من أمر زائد على حقوق الله. وهو تسليمه أو تسليم عوضه بعد الاعتراف به. فإن قلت: فعلى ما تحمل حديث أبي هريرة وحديث معاوية المذكورين في أول الباب؟ فإن الأول يقضي بأن القاتل أو المعين على القتل يلقى الله مكتوبا بين عينيه: الإياس من الرحمة. والثاني يقضي بأن ذنب القتل لا يغفره الله- قلت هما محمولان على عدم صدور التوبة من القاتل. والدليل على هذا التأويل، ما في الباب من الأدلة القاضية بالقبول عموما وخصوصا. ولو لم يكن من ذلك إلا حديث الرجل القاتل للمائة، الذي تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وحديث عبادة بن الصامت المذكور قبله. فإنهما يلجئان إلى المصير إلى ذلك التأويل. ولا سيما مع ما قدمنا من تأخر تاريخ حديث عبادة. ومع كون الحديثين في الصحيحين. بخلاف حديث أبي هريرة ومعاوية. وأيضا في حديث معاوية نفسه ما يرشد إلى هذا التأويل. فإنه جعل الرجل القاتل عمدا مقترنا بالرجل الذي يموت كافرا. ولا شك أن الذي يموت كافرا مصرّا على ذنبه غير تائب منه، من المخلدين في
النار. فيستفاد من هذا التقييد أن التوبة تمحو ذنب الكفر. فيكون ذلك القرين الذي هو القتل أولى بقبولها. وقد قال العلامة الزمخشريّ في (الكشاف) : إن هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ. قال: ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي، من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة. وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له. وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد: وإلّا فكل ذنب ممحوّ بالتوبة. وناهيك بمحو الشرك دليلا. ثم ذكر حديث: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم، وهو عند النسائيّ «1» من حديث بريدة، وعند ابن ماجة «2» من حديث البراء. وعند النسائيّ «3» أيضا من حديث ابن عمرو. أخرجه أيضا الترمذيّ «4» انتهى. كلام الشوكانيّ. وقال الإمام ابن القيّم في (الجواب الكافي) : لما كان الظلم والعدوان منافيين للعدل الذي قامت به السموات والأرض، وأرسل الله سبحانه رسله عليهم الصلاة والسلام وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط- كان (أي الظلم) من أكبر الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظمة بحسب مفسدته في نفسه: وكان قتل الإنسان المؤمن من أقبح الظلم وأشده. ثم قال: ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة- قال الله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة: 32] . ثم قال: وفي صحيح البخاريّ «5» عن سمرة بن جندب قال: أول ما ينتن من الإنسان بطنه. فمن استطاع منكم أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل. ومن استطاع أن لا يحول بينه وبن الجنة ملء كف من دم أهرقه فليفعل. وفي جامع الترمذيّ «6» عن نافع
قال: نظر عبد الله بن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة منك. قال الترمذيّ هذا حديث حسن. وفي صحيح البخاريّ «1» أيضا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما. وذكر البخاريّ أيضا عن ابن عمر قال: من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حله. وفي الصحيحين «2» عن أبي هريرة يرفعه: سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر. وفيهما أيضا عنه صلى الله عليه وسلم «3» : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. وفي صحيح البخاريّ «4» عنه صلى الله عليه وسلم: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة. وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما. هذه عقوبة قاتل عدوّ الله، إذا كان معاهدا في عهده وأمانه. فكيف بعقوبة قاتل عبده المؤمن؟. وإذا كانت امرأة قد دخلت النار، في هرة حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا، فرآها النبيّ صلى الله عليه وسلم في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها، فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جرم؟ وفي بعض السنن عن صلى الله عليه وسلم «5» : لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق. وقال ابن القيّم أيضا قبل ذلك: وقد جعل الله سبحانه وتعالى جزاء قتل النفس المؤمنة عمدا، الخلود في النار وغضب الجبار ولعنته وإعداد العذاب العظيم له. هذا موجب قتل المؤمن عمدا ما لم يمنع منه مانع. ولا خلاف أن الإسلام الواقع بعد القتل، طوعا واختيارا، مانع من نفوذ ذلك الجزاء. وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه؟ فيه قولان للسلف والخلف. وهما روايتان عن أحمد. والذين قالوا: لا تمنع التوبة من نفوذه رأوا أنه حق لآدميّ لم يستوفه في دار الدنيا وخرج منه بظلامته فلا بد
فصل
أن يستوفى له في دار العدل. قالوا: فما استوفاه الوارث فإنما استوفى محض حقه الذي خيره الله، من استيفائه والعفو عنه. وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه؟ وأي استدراك لظلامته حصل له باستيفاء وارثه؟ وهذا أصح القولين في المسألة. إن حق المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث. وهي وجهان لأصحاب الشافعيّ وأحمد وغيرهما. ورأت طائفة أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث. فإن التوبة تهدم ما قبلها. والذنب الذي قد جناه قد أقيم عليه حده. قالوا: وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر، وهما أعظم إثما من القتل، فكيف تقصر عن محو أثر القتل؟ وقد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا أولياءهم، وجعلهم من خيار عباده. ودعا الذين أحرقوا أولياءه وفتنوهم عن دينهم ودعاهم إلى التوبة. وقال تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً. وهذا في حق القاتل. وهي تتناول الكفر فيما دونه. قالوا: وكيف يتوب العبد من الذنب ويعاقب عليه بعد التوبة؟ هذا معلوم انتفاؤه في شرع الله وجزائه. قالوا: وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه، ولا يمكن تسليمها إلى المقتول. فأقام الشارع وليّه مقامه. وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول، بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه. فإنه يقوم مقام تسليمه للموروث. والتحقيق في المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله، وحق للمظلوم المقتول، وحق للوليّ. فإذا سلّم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الوليّ، ندما على ما فعل، وخوفا من الله، وتوبة نصوحا- فقطع حق الله بالتوبة، وحق الوليّ بالاستيفاء أو الصلح أو العفو، وبقي حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا. فصل ومن العلماء من اختار التوقف في هذا المقام. منهم الإمام أبو عبد الله محمد بن المرتضى اليمانيّ. فإنه قال في كتابه (إيثار الحق) في (بحث الوعد والوعيد) . ما نصه: لا شك أن الاستثناء من الوعد والوعيد، وتخصيص العمومات بالأدلة المتصلة والمنفصلة مقبول. إما على جهة الجمع، ولا شك في جوازه وصحته وحسنه، والإجماع على ذلك وكثرة وقوعه من سلف الأمة وخلفها. بل لا شك في تقديمه في الرتبة والبداية بذلك قبل الترجيح. فإن تعذر الجمع فالترجيح. فإن وضح عمل به. فإن لم يتضح وجب الوقف لقوله تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
[الإسراء: 36] . ولذلك اخترت الوقف في حكم قاتل المؤمن. بعد الانتصاف منه للمظلوم والقطع على أنه فاسق ملعون، واجب قتله والبراءة منه. والقطع أن جزاءه جهنم خالدا فيها، كما قال تعالى على ما أراد. وإنما وقفت في محل التعارض الذي أوضحته في (العواصم) لا على حسب ما قيل في أن الله تعالى في هذه الآية، هل بيّن جزاءه الذي له أن يفعله إن شاء؟ أو بيّن جزاءه الذي تخيّر له في تنجيزه حين لم يبق إلا حقه بعد استيفاء حق المظلوم المقتول؟ والله سبحانه أعلم. فمن رجح الجمع بين وعيد القاتل وبين قوله تعالى: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48] ، وسائر آيات الرجاء وأحاديثه- قال بالأول. ومن رجح وعيد القاتل في هذه الآية، وفي الأحاديث المخصصة لقتل المؤمن، بقطع الرجاء، كما أوضحته في (العواصم) - رجح وعيد القاتل. ومن تعارضت عليه ولم ير في تنجيز الاعتقاد مصلحة ولا له موجبا ولا إليه ضرورة- رجح الوقف. والله عند لسان كل قائل ونيته. ولا شك في ترجيح النص الخاص على العموم وتقديمه. وعليه عمل علماء الإسلام في أدلة الشريعة. ومن لم يقدمه في بعض المواضع لم يمكنه الوفاء بذلك في كل موضع. واضطر إلى التحكم والتلوّن من غير حجة بيّنة وقد أجمع من يعتدّ به من المسلمين على تخصيص الصغائر من آيات الوعيد العامة على جميع المعاصي، متى كان أهل الصغائر من المسلمين. ولم يلزم من ذلك خلف في آيات الوعيد ولا كذب ولا تكذيب لشيء منها. فكذلك سائر ما صح من أحاديث الرجاء ليس فيه مناقضة لعمومات آيات الوعيد، ولا يستلزم تجويز الخلف على الله تعالى. وذلك باب واحد. ولذلك اشتهرت أحاديث الرجاء في عصر الصحابة والتابعين. ولم ينكرها أحد. بل رواتها أكابرهم وأئمتهم. وفي (العواصم) من ذلك عن عليّ عليه السلام بضعة عشر أثرا. بل المخصصات للعمومات في ذلك قرآنية. وعمومات الوعد مانعة قبل تخصيص الوعيد من الجزم على وقوع عمومه دون عموم الوعد. على أن الخلف عند جماعات كثيرة لا يكون إلا في عدم الوفاء بالوعد بالخير. وأما الوعيد بالشر فقد اختلف في تركه. وأجمعوا على أنه يسمى عفوا. كما قال كعب بن زهير: أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول وإنما اختلفوا، مع تسميته عفوا، هل يسمى خلفا أم لا؟ ومن منع من ذلك، منع صحة النقل له لغة. واحتج على امتناعه بأنه لا يصح اجتماع اسم مدح واسم ذم على مسمى واحد. انتهى.
فصل
فصل تشرع الكفارة في قتل العمد. لما رواه الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع قال: أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم فقالوا: إن صاحبا لنا قد أوجب. قال: فليعتق رقبة. يفدي الله بكل عضو منها عضوا منه في النار. ورواه أيضا بسند آخر عنه. قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب، قال: أعتقوا عنه، يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار. وهذا رواه أبو داود «1» والنسائيّ. ولفظ أبي داود: قد أوجب (يعني النار) بالقتل. قال الشوكانيّ في (نيل الأوطار) : في حديث واثلة دليل على ثبوت الكفارة في قتل العمد. وهذا إذا عفي عن القاتل أو رضي الوارث بالدية. وأما إذا اقتصّ منه فلا كفارة عليه بل القتل كفارته. لحديث عبادة المذكور في الباب. ولما أخرجه أبو نعيم في (المعرفة) : أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: القتل كفارة . وهو من حديث خزيمة بن ثابت. وفي إسناده ابن لهيعة. قال الحافظ: لكنه من حديث ابن وهب عنه فيكون حسنا. ورواه الطبرانيّ في الكبير عن الحسن بن عليّ موقوفا عليه. ثم حذر تعالى عما يؤدي إلى القتل العمد من قلة المبالاة في الأمور بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 94] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ أي: ذهبتم فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى أرض العدوّ للغزو فَتَبَيَّنُوا أي: اطلبوا بيان كل ما تأتون وما تذرون. ولا تعجلوا فيه بغير تدبر
ورويّة وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً نهي عما هو نتيجة لترك المأمور به، وتعيين لمادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين. أي: لا تقولوا (لمن أظهر الانقياد لدعوتكم فقال: لا إله إلا الله، أو سلّم عليكم فحياكم بتحية الإسلام) : لست مؤمنا في الباطن. وإنما قلته باللسان لطلب الأمان. بل اقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه تَبْتَغُونَ أي: تطلبون بقتله عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: ماله الذي هو سريع النفاد. والجملة حال من فاعل (لا تقولوا) منبئة عما يحملهم على العجلة وترك التأنّي. وقوله تعالى فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ تعليل للنهي عن ابتغاء ماله بما فيه من الوعد الضمنيّ. كأنه قيل: لا تبتغوا ماله، فعند الله مغانم كثيرة يغنمكموها، فيغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتموه. أفاده أبو السعود. ثم قال: وقوله تعالى كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. تعليل للنهي عن القول المذكور. أي: مثل ذلك الذي ألقى إليكم السلام، كنتم أنتم أيضا. في مبادئ إسلامكم. لا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم، من تحية الإسلام ونحوها. فمنّ الله عليكم، بأن قبل منكم تلك المرتبة، وعصم بها دماءكم وأموالكم، ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم. والفاء في قوله تعالى فَتَبَيَّنُوا فصيحة. أي: إذا كان الأمر كذلك، فاطلبوا بيان هذا الأمر البيّن وقيسوا حاله بحالكم. وافعلوا به ما فعل بكم. في أوائل أموركم. من قبول ظاهر الحال، من غير وقوف على تواطؤ الظاهر والباطن إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك. قال ابن كثير (في سبب نزولها) : أخرج الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس قال: مرّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يرعى غنما له. فسلم عليهم. فقالوا: ما يسلم علينا إلا ليتعوذ منا. فعمدوا إليه فقتلوه. وأتوا بغنمه النبيّ صلى الله عليه وسلم. فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... إلى آخرها. ورواه الترمذيّ «1» ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن أسامة بن زيد. ورواه الحاكم وصححه. وروى البخاريّ «2» عن عطاء عن ابن عباس في هذه
الآية قال: كان رجل في غنيمة له. فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم. فقتلوه، وأخذوا غنيمته. فأنزل الله في ذلك ... إلى قوله: عرض الحياة الدنيا: (تلك الغنيمة) . وقال البخاريّ «1» : قال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل. هكذا رواه البخاريّ معلقا مختصرا. ورواه الحافظ أبو بكر البزار مطولا موصولا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود. فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا. وبقي رجل له مال كثير لم يبرح. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. وأهوى إليه المقداد فقتله. فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله؟ والله! لأذكرنّ ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد. فقال: ادعوا لي المقداد. يا مقداد! أقتلت رجلا يقول: لا إله إلا الله! فكيف لك ب (لا إله إلا الله) غدا؟ قال: فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- إلى قوله- كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ ... الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار. فأظهر إيمانه فقتلته. وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل. قال ابن كثير: فقوله تعالى: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسرّ إيمانه ويخفيه من قومه. كما تقدم في الحديث المرفوع، وكما قال تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ ... [الأنفال: 26] الآية. وهذا وجه آخر في مرجع الإشارة، غير ما سلف، وهو الأدق. وبالقبول أحق. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : يستفاد من هذه الرواية (أي: رواية البزار) تسمية القاتل. وأما المقتول، فروي الثعلبيّ من طريق الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة نحوه. واللفظ للكلبيّ: أن اسم المقتول مرداس بن نهيك. من أهل فدك. وأن اسم القاتل أسامة بن زيد. وأن اسم
أمير السرية غالب بن فضالة الليثيّ. وأن قوم مرداس لما انهزموا بقي هو وحده. وكان ألجأ غنمه بجبل. فلما لحقوه قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم. فقتله أسامة بن زيد. فلما رجعوا نزلت الآية. وكذا أخرج الطبريّ «1» من طريق السّديّ نحوه. وفي آخر رواية قتادة: لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال: أنزلت هذه الآية في مرداس. وهذا شاهد حسن. وأسند ابن أبي حاتم أن أسامة حلف لا يقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه. قال بعض المفسرين من أئمة الزيدية: وبهذا اعتذر إلى عليّ عليه السلام حتى تخلف عنه، وإن كان عذرا غير مقبول. لأن القتال مع الإمام واجب عند خروج البغاة ويكفر يمينه. قال الحاكم: إلّا أن أمير المؤمنين أذن له. انتهى. وروى الإمام أحمد «2» عن عبد الله بن أبي حدرد رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم. فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعيّ، ومحلّم بن جثّامة بن قيس. فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعيّ على قعود له. معه متيّع له (تصغير متاع. وهو السلعة) ووطب من لبن. فلما مر بنا سلم علينا. فأمسكنا عنه. وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله، لشيء كان بينه وبينه. وأخذ بعيره ومتيّعه. فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلى قوله تعالى خَبِيراً. ورواه ابن جرير «3» عن ابن عمر وزاد: فجاء محلم في بردين. فجلس بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم ليستغفر له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا غفر الله لك. فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه. فما مضت له سابعة حتى مات. ودفنوه في الأرض. فلفظته الأرض، فجاؤوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له. فقال إن الأرض تقبل من هو شرّ من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم. ثم طرحوه بين صدفي جبل، وألقوا عليه الحجارة، ونزلت.
تنبيه:
وروى أئمة السير أنه لما كان عام خيبر، جاء عيينة بن بدر يطلب بدم عامر وهو سيد قيس. وكان الأقرع بن حابس يردّ عن محلّم وهو سيد خندف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم عامر: هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا، وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟ فقال عيينة بن بدر: والله! لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرّ مثل ما أذاق نسائي. فلم يزل به حتى رضي بالدية. قال ابن إسحاق: حدثني سالم بن النضر قال: لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم. فقال: يا معشر قيس! سألكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه. أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيغضب عليكم الله لغضبه؟ أو يلعنكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيلعنكم الله بلعنته؟ والله! لتسلمنّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل ما صلى قط. فلأبطلن دمه. فلما قال ذلك أخذوا الدية. وأخرج ابن مندة عن جزء بن الحدرجان قال: وفد أخي، قداد إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم من اليمن. فلقيته سرية النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال لهم: أنا مؤمن. فلم يقبلوا منه وقتلوه. فبلغني ذلك. فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ ... الآية. فأعطاني النبيّ صلى الله عليه وسلم دية أخي. قال القفال: ولا منافاة بين هذه الروايات. فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها. فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته. انتهى. وتقدم لنا في مقدمة التفسير في سبب النزول ما يدفع التنافي في نحو هذا. فارجع إليه. تنبيه: قال الرازيّ: اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين، وأمر المجاهدين بالتثبت فيه، لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف. وفي (الإكليل) : استدل بظاهرها على قبول توبة الزنديق إذا أظهر الاستسلام. وعلى أن الكافر يحكم له بالإسلام إذا أظهر ما ينافي اعتقاده، على قراءة (السلام) وفي الآية وجوب التثبت في الأمور، خصوصا القتل ووجوب الدعوة قبل القتال. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : في الآية دليل على أن من أظهر شيئا من علامات الإسلام لم يحلّ دمه حتى يختبر أمره. لأن السلام تحية المسلمين. وكان
تحيتهم في الجاهلية بخلاف ذلك. فكانت هذه علامة. وأما على قراءة (السلم) بفتحتين، أو بكسر فسكون، فالمراد به الانقياد. وهو علامة الإسلام. انتهى. وقال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية الكريمة وجوب التثبت والتأني فيما يحتمل الحظر والإباحة. لقوله: فتبيّنوا (بالنون) وهذا قراءة الأكثر. وحمزة والكسائيّ قراءتهما: (فتثبتوا) من (الثبات) . ويدخل في هذا أحكام كثيرة من الاعتقادات والأخبار والأفعال من الأحكام وسائر الأعمال، فهذا حكم. والحكم الثاني أنه يجب الأخذ بالظاهر. فمن أظهر الإسلام أو شيئا من شعائر الإسلام، لا يكذّب بل يقبل منه. ويدخل، في هذا، الملحد والمنافق. وهذا هو مذهبنا والأكثر. ويدخل في هذا قبول توبة المرتدّ، خلافا لأحمد. وقبول توبة الزنديق. وهذا قول عامة الأئمة. وقال مالك: لا تقبل، لأن هذا عين مذهبهم أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون. قال الراضي بالله والإمام يحيى: إن أظهروا ما يعتادون إخفاءه قبلت توبتهم. وإلا فلا. قال علي خليل: تقبل توبتهم، ولو عرفنا من باطنهم خلاف ما أظهروا. كما قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم من المنافقين، وقد أخبر الله تعالى بكفرهم. وقال أبو مضر: تقبل ما لم يعرف كذبهم. وهذا الخلاف في الظاهر. وأما عند الله، إذا صدق، فهي مقبولة وفاقا. قال الحاكم: وتدل على أن التوصل بالسبب المحرم إلى المال لا يجوز. وقد ذكر العلماء صورا في التوصل إلى المباح بالمحظور، مختلفة. ذكرت في غير هذا الموضع. والحجة هنا من قوله تعالى تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا. لأن الذي قصد هنا أخذه، محظور. لأن إظهار الإسلام يحقن النفس والمال. فذلك توصل بمحظور إلى محظور. وقوله تعالى: لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً. قرئ (السلم) وهذه قراءة نافع وحمزة وابن عامر بغير ألف وهو الاستسلام. وقيل: إظهار الإسلام. وقرأ الباقون: (السلام) بألف وهو التحية. انتهى. وقال أبو منصور في (التأويلات) : فيه الأمر بالتثبت عند الشبهة، والنهي عن الإقدام عندها. وهكذا الواجب على المؤمن الوقف عند اعتراض الشبهة في كل فعل وكل خبر. لأن الله تعالى أمر بالتثبت في الأعمال بقوله: فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً. وقال في الخبر: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: 6] . أمر بالتثبت في الأخبار عند الشبهة، كما أمر في الأفعال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: 36] . وفي الآية دليل فساد قول المعتزلة. لأنه نهاهم أن يقولوا (لمن قال: إني مسلم) لست مؤمنا. وهم يقولون: صاحب
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 95]
الكبيرة ليس بمؤمن. وهو يقول ألف مرة (على المثل) أني مسلم. فإذا نهى أن يقولوا: ليس بمؤمن. أمرهم أن يقولوا: هو مؤمن. فيقال لهم: أنتم أعلم أم الله؟ على ما قيل لأولئك. انتهى. وقال الرازيّ: قال أكثر الفقهاء: لو قال اليهوديّ والنصرانيّ: أنا مؤمن، أو قال: أنا مسلم، لا يحكم بهذا القدر بإسلامه. لأن مذهبه أن الذي هو عليه هو الإسلام. وهو الإيمان. ولو قال: لا إله إلّا الله محمد رسول الله. فعند قوم لا يحكم بإسلامه، لأن فيهم من يقول: إنه رسول الله إلى العرب، لا إلى الكل. ومنهم من يقول: إن محمدا الذي هو الرسول الحق، بعد ما جاء، وسيجيء بعد ذلك. بل لا بد وأن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل، وأن الدين الموجود فيما بين المسلمين هو الحق والله أعلم. انتهى. أقول: كل من قال: أنا مؤمن أو أنا مسلم، من المحاربين، مظهرا الانقياد لنا، وأنه من ملتنا، فإنه يحكم بإسلامه، ويكف عن قتله وأخذ ماله. كتابيّا كان أو مشركا. وهذا هو المقصود من الآية. وأما مسألة من أراد الدخول في الإسلام وهو على عقيدة فاسدة، وأنه لا بد في صحة إسلامه من تبرئه عنها، ونبذها ظهريا، وأنه لا يكتفى بقوله: أنا مسلم- فذاك بحث آخر مسلّم. لكن ليس مما تشمله الآية. كما أن من أظهر الإسلام وأتى بالشهادتين ولم يدن بشرائع الإسلام وإقامة شعائره، كبعض القبائل البادية الجافية، فإن يجب على الإمام قتالهم. ولا يقال: إن الآية تشملهم لما ذكرنا. وظاهر أن مدار النهي في الآية إنما هو على سفك الدماء ابتغاء عرض الدنيا. لقوله (تبتغون) . وهو حال كما أسلفنا. والحال قيد لعاملها. فما ذكره الرازي عن الفقهاء ليس مما تشمله الآية. لأن البحث ليس في القدر الذي يصير به الكافر مسلما، بل في الكف عن قتل المنقاد لنا. فافهم. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 95] لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (95) لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بيان لتفاوت طبقات المؤمنين بحسب تفاوت درجات مساعيهم في الجهاد، بعد ما
مر من الأمر به وتحريض المؤمنين عليه، ليأنف القاعد عنه ويترفع بنفسه عن انحطاط رتبته، فيهتزّ له رغبة في ارتفاع طبقته. قاله أبو السعود. وأصله للزمخشريّ حيث قال: فإن قلت: معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان. فما فائدة نفي الاستواء؟ قلت: معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد. ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه، وفي ارتفاع طبقته. ونحوه: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: 9] . أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلّم ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم. انتهى. والمراد بهم، وقت النزول، القاعدون عن غزوة بدر والخارجون إليها. كما رواه البخاريّ «1» والترمذيّ عن ابن عباس. وقوله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، مخرج لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد: من العمى والعرج والمرض، عن مساواتهم للقاعدين. فإنهم مساوون المجاهدين بالنية. ولا يعتد بزيادة أجر العمل لهم لعظم أمر النية. كما روى الإمام أحمد والبخاريّ «2» وأبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه. قالوا: وهم بالمدينة؟ يا رسول الله! قال: نعم. حبسهم العذر. وفي هذا المعنى قال الشاعر: يا راحلين إلى البيت العتيق لقد ... سرتم جسوما، وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر وعن قدر ... ومن أقام على عذر كمن راحا وروى البخاريّ «3» عن البراء قال: لما نزلت: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها. فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته. فأنزل الله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وفي رواية للبخاريّ «4» عن زيد: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها عليّ. قال: يا رسول الله! والله! لو أستطيع الجهاد لجاهدت. وكان
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 96]
أعمى. فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتى خفت أن ترضّ فخذي. ثم سرّى عنه فأنزل الله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وقوله تعالى بِأَمْوالِهِمْ أي: التي ينفقونها على أنفسهم في الجهاد أو على مجاهد آخر وَأَنْفُسِهِمْ أي: التي هي أعز عليهم من كل شيء. وإن أنفق عليهم غيرهم إذا لم يكن عندهم مال. قال أبو السعود: وإيرادهم، يعني الغزاة، بعنوان المجاهدين، دون الخروج المقابل لوصف المعطوف عليه، كما وقع في عبارة ابن عباس رضي الله عنهما، وكذا تقييد المجاهدة بكونها في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، - لمدحهم بذلك والإشعار بعلة استحقاقهم لعلوّ المرتبة، مع ما فيه من حسن موقع السبيل في مقابلة القعود. انتهى. وظاهر أن نفي المساواة يستلزم التفضيل. إلا أنه للاعتناء به، وليتمكن أشد تمكن، لم يكتف بما فهم ضمنا، بل صرح به فقال فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ. لأنهم رجحوا جانبه بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ أي: غير أولي الضرر دَرَجَةً في القرب ممن رجحوا جانبه وَكُلًّا أي: كل واحد من القاعدين والمجاهدين وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة، لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم. والجملة اعتراض جيء به تداركا لما عسى يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بالجهاد عَلَى الْقاعِدِينَ أي بغير عذر أَجْراً عَظِيماً. أي: ثوابا وافرا في الجنة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 96] دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (96) دَرَجاتٍ مِنْهُ بدل من (أجرا) بدل الكل. مبيّن لكمية التفضيل و (منه) متعلق بمحذوف وقع صفة ل (درجات) دالة على فخامتها وجلالة قدرها. قاله أبو السعود. وقد ثبت في الصحيحين «1» عن أبي سعيد الخدريّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن
في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله. ما بين كل درجتين كما بين السماء، والأرض. وقال الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: قال «1» رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رمى بسهم فله أجره درجة. فقال رجل: يا رسول الله! وما الدرجة؟ فقال: أما إنها ليست بعتبة أمك: ما بين الدرجتين مائه عام وَمَغْفِرَةً أي: لذنوبهم وَرَحْمَةً فوق الأجر ودرجاته وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً تذييل مقرر لما وعد من المغفرة والرحمة . وهاهنا فوائد: الأولى- دلت الآية على أن الجهاد ليس بفرض عين. إذ لو كان فرضا من فروض الأعيان لم يكن للقاعد فضل، ولكن تفاوت الفضل بينه وبين المجاهد. وقال: وكلا وعد الله الحسنى. الثانية- دلت أيضا على أن الجهاد أفضل من القرب التي يفعلها القاعد. لأنه فضّله على القاعد مطلقا. ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: الجهاد سنام الدين. وقد فرّع العلماء على هذا أن رجلا لو وقف ما له على أحسن وجوه البر، أو أوصى أن يصرف في أحسن وجوه البرّ، فإنه يصرف في الجهاد. خلاف ما ذكره أبو عليّ أنه يصرف في طلب العلم. كذا في بعض التفاسير. الثالثة- قال السيوطيّ في (الإكليل) : في الآية تفضيل المجاهدين على غيرهم. وأن المعذورين في درجة المجاهدين، واستدل بقوله (بأموالهم) على تفضيل المجاهد بمال نفسه على المجاهد بمال يعطاه من الديون أو نحوه. الرابعة- قال الرازيّ: لقائل أن يقول: إنه تعالى قال: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ. فقدم ذكر النفس على المال. وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله: وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ قدم ذكر المال على النفس، فما السبب؟ وجوابه: أن النفس أشرف من المال. فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيها على
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 97]
أن الرغبة فيها أشد. والبائع أخر ذكرها تنبيها على أن المضايقة فيها أشد. فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب. الخامسة- قال أبو السعود: لعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة، وتقييده تارة بدرجة وأخرى بدرجات، مع اتحاد المفضل والمفضل عليه، حسبما يقتضيه الكلام ويستدعيه حسن النظام- إما لتنزيل الاختلاف العنواني بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتيّ تمهيدا لسلوك طريق الإبهام، ثم التفسير روما لمزيد التحقيق والتقرير. كما في قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ [هود: 58] . كأنه قيل: فضل المجاهدين على القاعدين درجة لا يقادر قدرها، ولا يبلغ كنهها. وحيث كان تحقيق هذا البون البعيد بينهما موهما لحرمان القاعدين، قيل: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى، ثم أريد تفسير ما أفاده التنكير بطريق الإبهام، بحيث يقطع احتمال كونه للوحدة، فقيل ما قيل. ولله درّ شأن التنزيل. وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات، على أن المراد بالتفضيل الأول ما خولهم الله تعالى عاجلا في الدنيا من الغنيمة والظفر والذكر الجميل الحقيق بكونه درجة واحدة، وبالتفضيل الثاني ما أنعم به في الآخرة من الدرجات العالية الفائتة للحصر، كما ينبئ عن تقديم الأول وتأخير الثاني، وتوسيط الوعد بالجنة بينهما، كأنه قيل: وفضلهم عليهم. في الدنيا درجة واحدة وفي الآخرة درجات لا تحصى. وقد وسط بينهما في الذكر ما هو متوسط بينهما في الوجود، أعني الوعد بالجنة، توضيحا لحالهما ومسارعة إلى تسلية المفضول. والله سبحانه أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 97] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (97) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ روى البخاريّ «1» عن ابن عباس أن
ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين ويكثّرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم. يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله. أو يضرب فيقتل. فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ... الآية. وأخرجه ابن مردويه، وسمى منهم (في روايته) قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبا قيس بن الفاكه بن المغيرة، والوليد بن عتبة بن ربيعة، وعمرو ابن أمية بن سفيان، وعليّ بن أمية بن خلف. وذكر في شأنهم أنهم خرجوا إلى بدر. فلما رأوا قلة المسلمين دخلهم شك وقالوا: غر هؤلاء دينهم. فقتلوا ببدر. وأخرجه ابن أبي حاتم، وزاد: منهم الحارث بن زمعة بن الأسود، والعاص بن منبه بن الحجاج. وأخرج الطبرانيّ عن ابن عباس قال: كان قوم بمكة قد أسلموا. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يهاجروا، وخافوا. فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ إلى قوله: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ. وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة قد أسلموا. وكانوا يخفون الإسلام. فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر. فأصيب بعضهم. فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين، فأكرهوا فاستغفروا لهم. فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ... الآية. فكتبوا بها إلى من بقي منهم، وإنه لا عذر لهم، فخرجوا. فلحق بهم المشركون ففتنوهم فرجعوا. فنزلت: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ [العنكبوت: 10] . فكتب إليهم المسلمون بذلك فتحزنوا. فنزلت: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ... [النحل: 110] الآية. فكتبوا إليهم بذلك فخرجوا. فلحقوهم. فنجا وقتل من قتل. وأخرج ابن جرير «1» من طرق كثيرة نحوه. كذا في (لباب النقول) . قال المهايميّ: ولما أوهم ما فهم مما تقدم، من تساوي القاعدين أولي الضرر والمجاهدين، أن من قعد عن الجهاد لكونه في دار الكفر محسوب منهم، وإن عجز عن إظهار دينه، فإن لم يحسب فلا أقل من أن يحسب من القاعدين غير أولي الضرر، الموعود لهم الحسنى- أزيل ذلك الوهم بأنهم بترك الهجرة من مكان لا يمكنهم فيه إظهار دينهم، مع إمكان الخروج عنه، صاروا ظالمين مستحقين لتوبيخ الملائكة، بل لعذاب جهنم، فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ أي: في حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة عن مكان لا يمكنهم فيه إظهار دينهم مع القدرة عليها وبموافقة الكفار. و (توفاهم) يجوز أن يكون ماضيا كقراءة من قرأ: (توفتهم)
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 98]
ومضارعا بمعنى تتوفاهم. بمعنى أن الله يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها. أي: يمكنهم من استيفائها فيستوفونها. كذا في (الكشاف) . و (الظلم) قد يراد به الكفر كقوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] . وقد يراد به المعصية كقوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر: 32] . ويصح إرادة المعنيين هنا كما أشرنا. روى أبو داود «1» عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله . قالُوا أي: الملائكة للمتوفين، تقريرا لهم بتقصيرهم وتوبيخا لهم فِيمَ كُنْتُمْ أي: في أي شيء كنتم من أمور دينكم قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ أي: أرض الأعداء. قال الزمخشريّ: كيف صح وقوع قوله كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ جوابا عن قولهم فِيمَ كُنْتُمْ وكان حق الجواب: كنا في كذا أو لم نكن في شيء؟ قلت معنى فِيمَ كُنْتُمْ التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا. فقالوا: كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به، واعتلالا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء. فبكتتهم الملائكة بقولهم أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها أرادوا: إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، ومن الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة. وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة- حقت عليه المهاجرة. انتهى. فَأُولئِكَ أي: النفر المذكور مَأْواهُمْ أي: مصيرهم جَهَنَّمُ لأنهم الذين ضعّفوا أنفسهم إذ لم يلجئهم الأعداء إلى مساكنة ديارهم وَساءَتْ مَصِيراً أي: جهنم. بدل المصير إلى دار الهجرة. ثم استثنى سبحانه من أهل الوعيد ما بينه بقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 98] إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ لعمى أو عرج أو مرض أو هرم أو فقر
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 99]
وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ أي: الصبيان فإنهم معذورون في ترك الهجرة لأنهم لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في الخروج، إذ لا قوة لهم على الخروج ولا نفقة وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا أي: لا يعرفون طريقا إلى دار الهجرة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 99] فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ أي يتجاوز عنهم بترك الهجرة. قال الرازيّ: هاهنا سؤال. وهو أن القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة، والعاجز عن الشيء غير مكلف به، وإذا لم يكن مكلفا به لم يكن عليه في تركه عقوبة- فلم قال: عسى الله أن يعفو عنهم؟ والعفو لا يتصور إلا مع الذنب. وأيضا (عسى) كلمة الإطماع. وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم. والجواب عن الأول: أن المستضعف قد يكون قادرا على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة. وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة، عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة، شاق ومشتبه. فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة، ولا يكون كذلك، ولا سيما في الهجرة عن الوطن. فإنها شاقة في النفس. وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزا. مع أنه لا يكون كذلك. فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام. والجواب عن الثاني- بأن الفائدة في (عسى) الدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه. حتى إن المضطر البيّن الاضطرار من حقه أن يقول: عسى الله أن يعفو عني. فكيف الحال في غيره؟ هذا ما ذكره صاحب (الكشاف) . والأولى في الجواب ما قدمناه. وهو أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن، ربما ظن نفسه عاجزا عنها. مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة. فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة (عسى) لا بالكلمة الدالة على القطع. انتهى. وقال أبو السعود: جيء بكلمة (الإطماع) ولفظ (العفو) إيذانا بأن الهجرة من تأكيد الوجوب بحيث ينبغي أن يعد تركها، ممن تحقق عدم وجوبها عليه، ذنبا يجب طلب العفو عنه، رجاء وطمعا. لا جزما وقطعا. وقال المهايميّ: فيه إشعار بأن ترك الهجرة أمر خطير. حتى إن المضطر حقه أن يترصد الفرصة ويعلّق قلبه بها. وإن الصبيّ إذا قدر فلا محيص له عنه. وإن قوّامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم. ثم أكد الإطماع لئلا ييأسوا فقال وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً وفي إقحام (كان) إشارة إلى اتصافه تعالى بهذه الصفة قبل خلق الخلق. أو أن هذه عادته تعالى، أجراها في حق خلقه. ووعده بالعفو والمغفرة
تنبيه:
مطلقا مما يدل على أنه تعالى قد يعفو عن الذنب قبل التوبة. تنبيه: قال السيوطيّ في (الإكليل) : استدل بالآية على وجوب الهجرة من دار الكفر، إلّا على من لم يطقها. وعن مالك: الآية تقتضي أن كل من كان في بلد تغيّر فيه السنن، فينبغي أن يخرج منه. انتهى. وقال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية وجوب الهجرة من دار الكفر. ولا خلاف أنها كانت واجبة قبل الفتح. ولذلك قال الله تعالى في سورة الأنفال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنفال: 72] . قيل: ونسخت بعد الفتح. والصحيح عدم النسخ. وقوله صلى الله عليه وسلم «1» : لا هجرة بعد الفتح، معناه من مكة. قال جار الله: وهذا يدل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب، لبعض الأسباب، وعلم أنه في غير بلده أقوم بحق الله، حقت عليه الهجرة. ثم قال رحمه الله: قال في التهذيب: وعن القاسم بن إبراهيم: إذا ظهر الفسق في دار، ولا يمكنه الأمر بالمعروف، فالهجرة واجبة. وهذا بناء على أن الدور ثلاث: دار إسلام، ودار فسق، ودار حرب. وهذا التقسيم هو مذهب الهادي والقاسم، وابن أبي النجم في كتاب (الهجرة والدور) عن الراضي بالله وجعفر بن مبشر وأبي عليّ. وذهب الإخوان وعامة الفقهاء وأكثر المعتزلة إلى النفي لدار الفسق. واعلم أن من حمل على معصية أو ترك واجب أو طالبه الإمام بذلك، فالمذهب وجوب الهجرة مع حصول الشروط المعتبرة. وقد قال الراضي بالله: إن من سكن دار الحرب مستحلّا، كفر. لأن ذلك رد لصريح القرآن. واحتج بهذه. وقد حكى الفقيه حسام الدين حميد بن أحمد عن القاسم والهادي والراضي بالله: التكفير لمن ساكن الكفار في ديارهم. وفي (مذهب الراضي بالله) : يكفر إذا جاورهم سنة. قال الفقيه شرف الدين محمد بن يحيى، حاكيا عن الراضي بالله: إنه يكفر بسكنى دار الحرب وإن لم يستحل لأن ذلك منه إظهار الكفر على نفسه. والحكم بالتكفير محتمل هنا. ثم قال: وإنما استثنى تعالى الولدان، وإن كانوا غير داخلين في التكليف، بيانا لعدم
حيلتهم. والهجرة إنما تجب على من له حيلة. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : الهجرة الترك. والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره. وفي الشرع: ترك ما نهى الله عنه. وقد وقعت في الإسلام على وجهين: الأول- الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن. كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة. الثاني- الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان. وذلك بعد أن استقرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة. وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين. وكانت الهجرة، إذ ذاك، تختص بالانتقال إلى المدينة. إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص. وبقي عموم الانتقال من دار الكفر، لمن قدر عليه، باقيا. انتهى. وقد أفصح ابن عمر بالمراد. فيما أخرجه الإسماعيليّ بلفظ: انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار. أي: ما دام في الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن على دينه. وقد روي في معنى الآية أحاديث كثيرة. أخرجها مجد الدين بن تيمية في (منتقى الأخبار) في ترجمة (باب بقاء الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها) ثم قال: عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» : من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله. رواه أبو داود. وعن جرير بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود. فأسرع فيهم القتل. فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم. فأمر لهم بنصف العقل، وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال: لا تراءى ناراهما. رواه أبو داود والترمذيّ. وعن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة. ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها. رواه أحمد «3» وأبو داود «4» . وعن عبد الله بن السعديّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «5» : لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدوّ. رواه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 100]
أحمد والنسائيّ. وعن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال «1» : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة. رواه الجماعة إلا ابن ماجة . وعن عائشة، وسئلت عن الهجرة، فقالت: لا هجرة اليوم. كان المؤمن يفر بدينه إلى الله ورسوله مخافة أن يفتن. فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام. والمؤمن يعبد ربه حيث شاء. رواه «2» البخاريّ. وعن مجاشع بن مسعود أنه جاء بأخيه مجالد بن مسعود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: هذا مجالد. جاء يبايعك على الهجرة. فقال: لا هجرة بعد فتح مكة. ولكن أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد. متفق عليه «3» . ولما تضمنت ترجمة المجد، رحمه الله، شقين، أورد لكلّ أحاديث، فمن قوله: لا هجرة بعد الفتح. إلخ، جميعه للشق الثاني. وهو قوله: وأن لا هجرة من دار أسلم أهلها، إشارة للجمع بين هذه الأحاديث. وهو ظاهر. ثم رغب تعالى في المهاجرة بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 100] وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ في طاعته يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً أي: طريقا يراغم فيه أنوف أعدائه القاصدين إدراكه كَثِيراً وَسَعَةً أي: في الرزق، أو في إظهار الدين، أو في الصدر، لتبدل الخوف بالأمن وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ بمكة
تنبيهات:
مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ إلى طاعته، أو إلى مكان أمر الله وَإلى رَسُولِهِ بالمدينة ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ أي: في الطريق قبل أن يصل إلى المقصد فَقَدْ وَقَعَ أي ثبت أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي: فلا يخاف فوات أجره الكامل، لأنه نوى مع الشروع في العمل. ولا تقصير منه في عدم إتمامه وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً فيغفر له ما فرط منه من الذنوب التي جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج. ويرحمه بإكمال ثواب هجرته. تنبيهات: الأول- فيما روي في نزول الآية. أخرج ابن أبي حاتم وأبو يعلى بسند جيد عن ابن عباس قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرا. فقال لأهله: احملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فنزل الوحي: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ ... الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة الزرقيّ، الذي كان مصاب البصر، وكان بمكة. فلما نزلت: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً، فقال: إني لغنيّ وإني لذو حيلة. فتجهز يريد النبيّ صلى الله عليه وسلم. فأدركه الموت بالتنعيم. فنزلت هذه الآية: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ ... إلى آخرها. وأخرج ابن جرير «1» نحو ذلك من طرق، عن سعيد بن جرير وعكرمة وقتادة والسدّيّ والضحاك وغيرهم. وسمي في بعضها ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة. وفي بعضها جندب بن ضمرة الجندعيّ. وفي بعضها الضمريّ. وفي بعضها رجل من بني ضمرة. وفي بعضها رجل من خزاعة. وفي بعضها رجل من بني ليث. وفي بعضها من بني كنانة. وفي بعضها من بني بكر. وأخرج ابن سعد في الطبقات عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أن جندع بن ضمرة الضمريّ كان بمكة. فمرض. فقال لبنيه: أخرجوني من مكة فقد قتلني غمها. فقالوا: إلى أين؟ فأومأ بيده نحو المدينة. يريد الهجرة. فخرجوا به. فلما بلغوا أضاة بني غفار، مات. فأنزل الله فيه: وَمَنْ يَخْرُجْ ... الآية.
وأخرج الأمويّ في (مغازيه) عن عبد الملك بن عمير قال: لما بلغ أكثم بن صيفيّ مخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم، أراد أن يأتيه. فأبى قومه أن يدعوه. قال: فليأت من يبلغه عني ويبلغني عنه. فانتدب له رجلان. فأتيا النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفيّ وهو يسألك: من أنت؟ وما أنت؟ وبم جئت؟ قال أنا محمد بن عبد الله. وأنا عبد الله ورسوله. ثم تلا عليهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ... [النحل: 90] الآية. فأتيا أكثم فقالا له ذلك. قال: أي قوم! إنه يأمر بمكارم الأخلاق. وينهى عن ملائمها. فكونوا في هذا الأمر رؤوسا ولا تكونوا فيه أذنابا. فركب بعيره متوجها إلى المدنة، فمات في الطريق. فنزلت فيه: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ ... الآية . قال السيوطيّ: مرسل. إسناده ضعيف. وأخرج أبو حاتم في كتاب (المعمرين) من طريقين من ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: نزلت في أكثم بن صيفيّ. قيل: فأين الليثيّ؟ قال: هذا قبل الليثيّ بزمان. وهي خاصة عامة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مندة والباورديّ في (الصحابة) عن هشام بن عروة، عن أبيه أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حرام إلى أرض الحبشة. فنهشته حية في الطريق فمات. فنزلت فيه: وَمَنْ يَخْرُجْ ... الآية. قال الزبير: فكنت أتوقعه وأنظر قدومه وأنا بأرض الحبشة. فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغتني. لأن قلّ أحد هاجر من قريش إلا ومعه بعض أهله، أو ذوي رحمه. ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى ولا أرجو غيره. قال الحافظ ابن كثير: وهذا الأثر غريب جدا. فإنّ هذه القصة مكية. ونزول الآية مدنيّ. فلعله أراد أنها تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول. والله أعلم. الثاني- ثمرة الآية، أن من خرج للهجرة، ومات في الطريق فقد وجب أجره على الله. قال الحاكم: لكن اختلف العلماء. فقيل: أجر قصده. وقيل: أجر عمله دون أجر الهجرة. وقيل: بل له أجر المهاجرة، وهو ظاهر في سبب نزول الآية. قال الحاكم: وقد استدل بعض العلماء أن الغازي يستحق السهم وإن مات في الطريق قال: وهو بعيد. لأن المراد بالآية أجر الثواب. قال الزمخشريّ، حكاية عن المفسرين: إن كل هجرة لغرض دينيّ من طلب علم أو حج أو جهاد، أو فرارا إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة، أو زهدا في الدنيا،
وابتغاء رزق طيب، فهي هجرة إلى الله ورسوله. وإن أدركه الموت في طريقه فأجره واقع على الله. ووقع في كلام الزمخشريّ على الآية السابقة هذا الدعاء. وهو: اللهم! إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني، فاجعلها سببا في خاتمة الخير، ودرك المرجوّ من فضلك، والمبتغى من رحمتك، وصل جواري لك بعكوفي عند بيتك، بجوارك في دار كرامتك، يا واسع المغفرة. وكلامه، رحمة الله، بناه على أنه يستحب للإنسان أن يدعو الله بصالح عمله. وقد ذكر البخاريّ «1» ومسلم حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار وانسد عليهم بصخرة. وصوبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دعا كل واحد منهم بصالح عمله. وانفرجت عنهم الصخرة. وقد اقتضت الآية لزوم الهجرة ولو ببذل مال كالحج. وفيما سبق من حديث
الذي حمل من مكة وقد قال: احملوني فإني لست من المستضعفين- إشارة إلى أنها تجب الهجرة إذا تمكن من الركوب ولو مضطجعا في المحمل. لأنه حمل على سرير. وقد ذكر المتأخرون (في الحج) أن الصحيح الذي يلزمه أن يمكنه الثبات على المحمل، قاعدا لا مضطجعا، لأن أحدا لا يعجز عن ذلك. فيحتمل أن يسوى بين المسألتين. وأنه يجب الحج ولو مضطجعا. وأنهما لا يجبان مع الاضطجاع. وفعل ضمرة على سبيل الشذوذ. ويحتمل أن يفرق بينهما وتجعل الهجرة أغلظ. لأن فعل المحظور، وهو الإقامة، أغلظ من ترك الواجب. وهذا يحتاج إلى تحقيق. كذا في تفسير بعض الزيدية. الثالث- روي في معنى هذه الآية أحاديث وافرة. منها ما في الصحيحين «1» والسنن والمسانيد: عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرء ما نوى . فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. قال ابن كثير: وهذا عام في الهجرة وفي جميع الأعمال. ومنه الحديث الثابت في الصحيحين «2» في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم أكمل، بذلك العابد، المائة. ثم سأل عالما: هل له من توبة؟ فقال له: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد أخرى يعبد الله فيه. فلما ارتحل من بلده مهاجرا إلى البلد الأخرى أدركه الموت في أثناء الطريق. فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقال هؤلاء: إنه جاء تائبا. وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد. فأمروا إن يقيسوا ما بين الأرضين. فإلى أيهما كان أقرب فهو
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 101]
منها. فأمر الله هذه أن تقترب من هذه وهذه أن تبعد. فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر. فقبضته ملائكة الرحمة. وفي رواية: أنه لما جاءه الموت نأى بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها. وروى الإمام أحمد «1» عن عبد الله بن عتيك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله، فخرّ عن دابته فمات، فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 101] وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101) وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي: سافرتم فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي: إثم أَنْ تَقْصُرُوا أي: تنقصوا شيئا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ أي: يقاتلكم الَّذِينَ كَفَرُوا في الصلاة إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً ظاهر العداوة. فلا يراعون حرمة الصلاة لعداوتهم. تنبيه: في مسائل تتعلق بالآية: الأولى- ذهب الجمهور إلى أن الآية عني بها تشريع صلاة السفر. وإن معنى قوله تعالى أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ هو قصر الكمية، وذلك بأن تجعل الرباعية ثنائية. قالوا: وحكمها للمسافر في حال الأمن كحكمها في حال الخوف لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقا. روى الترمذيّ «2» والنسائيّ وابن أبي شيبة عن ابن عباس. أن النبيّ صلى الله عليه وسلم: خرج من المدينة لا يخاف إلا الله رب العالمين. فصلى ركعتين. وروى البخاريّ «3» وبقية الجماعة عن حارثة بن وهب قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان، بمنى، ركعتين. وروى البخاريّ «4» والبقية عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة. فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى
رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا. وحينئذ فقوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ خرج مخرج الغالب، حال نزول الآية. إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة في مبدئها مخوفة. بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عامّ، أو سرية خاصة، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله. والمنطوق، إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. كقوله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً [النور: 33] . وكقوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ ... [النساء: 23] الآية. قالوا: ويدل على أن المراد بالآية صلاة السفر ما رواه الإمام أحمد «1» ومسلم وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب. قلت له: قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر رضي الله عنه: عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم. فاقبلوا صدقته. وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي حنظلة الحذاء قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان. فقلت: أين قوله: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا- ونحن آمنون؟ فقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى ابن مردويه عن أبي الوداك قال: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر؟ فقال: هي رخصة نزلت من السماء. فإن شئتم فردوها. قالوا: فهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات. وإن ذلك كان مفهوما عندهم من معنى الآية. قالوا: ومما يدل على أن لفظ (القصر) كان مخصوصا في عرفهم بنقص عدد الركعات. ولهذا المعنى، لما صلّى النبيّ صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين، قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ «2» . هذا، وذهب كثير من السلف، منهم مجاهد والضحاك والسدّيّ، إلى أن هذه
الآية نزلت في صلاة الخوف. وأن المعنيّ بالقصر هو قصر الكيفية لا الكمية. لأن عندهم كمية صلاة المسافر ركعتان. فهي تمام غير قصر. كما قاله عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم. قالوا: ولهذا قال تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقال تعالى بعدها وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ... الآية. فبين المقصود من القصر هاهنا. وذكر صفته وكيفيته. ولهذا لما عقد البخاريّ (كتاب صلاة الخوف) صدّره بقوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ... إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً. وهكذا قال جويبر عن الضحاك في قوله: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ، قال: ذاك عند القتال. يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه. وقال أسباط عن السديّ، في هذه الآية: إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام التقصير. لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة، فالتقصير ركعة. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ، يوم كان النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان. والمشركون بضجنان فتوافقوا. فصلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات. بركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعا. فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم. روى ذلك ابن أبي حاتم. ورواه بن جرير «1» عن مجاهد والسدّيّ، وعن جابر وابن عمر . واختار ذلك أيضا. فإنه قال، بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب. ثم روي عن أمية أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر. فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملا عملنا به. فقد سمى صلاة الخوف مقصورة. وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر. وأقره ابن عمر على ذلك. واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع. لا بنص القرآن. وأصرح من هذا ما رواه أيضا عن سماك الحنفيّ قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان تمام غير قصر. إنما القصر في صلاة المخافة. فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال. يصلي الإمام بطائفة ركعة. ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء. ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء. فيصلي بهم ركعة. فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة.
هذا ما نقله ابن كثير. وهو موافق لما نقله بعض مفسري الزيدية عن الهادوية والقاسمة أن الآية واردة في صلاة الخوف، وأن المراد بالقصر في الآية قصر الصفة. بمعنى أن المأموم يقصر ائتمامه فيأتمّ بركعة. ويصلي منفردا في ركعة. انتهى. قال العلامة أبو السعود: إن هذه الآية الكريمة مجملة في حق مقدار القصر وكيفيته. وفي حق ما يتعلق به من الصلوات. وفي مقدار مدة الضرب الذي نيط به القصر. فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من القصر في حال الأمن، وتخصيصه بالرباعيات على وجه التنصيف، وبالضرب في المدة المعينة- بيان لإجمال الكتاب. المسألة الثانية- إذا حمل القصر على قصر العدد، وأن الرباعية تكون ركعتين، فما حكم هذا القصر؟ قلنا: في هذا مذاهب أربعة: الأول- أن القصر رخصة والإتمام أفضل. الثاني- أنه حتم، الثالثة- أنه سنة غير حتم. الرابع- أنه مخير كما يخير في الكفارات. وأنهما، أعني القصر والإتمام، واجبان. وهاك بيان متعلق هذه المذاهب. تعلق أهل القوم الأول بقوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ. وهذه الكلمة تستعمل فيما هو مباح جائز، لا فيما هو فرض. نحو: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا [البقرة: 230] ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [البقرة: 236] . فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة: 229] . إن قيل: قد يستعمل ذلك في الواجب مثل: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [البقرة: 178] . أجابوا بأن ذلك على سبيل المجاز. ومن جهة السنة، ما روي عن عائشة قالت: اعتمرت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قلت: يا رسول الله! بأبي وأمي أنت! قصرت وأتممت. وصمت وأفطرت. فقال: أحسنت، يا عائشة! وما عاب عليّ. وكان عثمان يقصر ويتم. ومن جهة المعنى، أو المعقول والمفهوم من لفظ (القصر) إنما هو الرخصة لأجل مشقة المسافر. كما خص له في الإفطار. وفي الحديث: تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته. تعلق أهل المذهب الثاني بأن قالوا: حملنا لفظ الجناح على الفرض، وإن كان مجازا، لما روي عن ابن عباس «1» قال: فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين. وعن عمر «2» : صلاة الجمعة ركعتان وصلاة
السفر ركعتان. تمام غير قصر. على لسان نبيّكم. وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره ركعتين. وأقام بمكة ثمانية عشر يوما يقصر ويقول: أتموا، يا أهل مكة! فإنا قوم سفر. وعن الشعبيّ: من أتم في السفر فقد رغب عن ملة إبراهيم. وروي أن عثمان أتم الصلاة بمنى. فأنكر عليه عبد الله بن مسعود. وقال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين . وخلف أبي بكر ركعتين. منفصلتين. فاعتذر عثمان بضروب من الأعذار. منها أنه قد تأهل. وقيل: أتم لأن مذهبه أن القصر لمن لم يكن له زاد ولا راحلة. وهو مذهب سعد بن أبي وقاص. فيكون قولنا: قصرت الصلاة، مجازا، لأنها تامة إذا نقص من الأربع. ويقولون: هذه الأخبار تعارض ما يفهم من معقولية التسهيل. ومتعلق أهل القول الثالث والرابع بالجمع بين الروايات، وسائر الوجوه التي تعلق بها أهل القولين الأولين. فكان واجبا مخيّرا. ومن قال: إنه سنة، فلأن المشهور عنه صلى الله عليه وسلم القصر في الأسفار، كذا في تفسير بعض الزيدية. أقول: حديث عائشة المذكور. رواه النسائيّ والدّارقطنيّ والبيهقيّ. واختلف قول الدّارقطنيّ فيه، فقال في (السنن) : إسناده حسن. وقال في (العلل) : المرسل أشبه. وقال ابن حزم: هذا حديث لا خير فيه. وطعن فيه. وقال ابن النحويّ (في البدر المنير) : في متن هذا الحديث نكارة. وهو كون عائشة خرجت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان. والمشهور أن عمره كلهن في ذي القعدة. وأطال في ذلك. وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) : وكان صلى الله عليه وسلم يقصر الرباعية. فيصليها ركعتين من حين خرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة. ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة. وأما حديث عائشة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم فلا يصح. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى. وقد روي (كان يقصر وتتم) الأول بالياء آخر الحروف. والثاني بالتاء المثناة من فوق. وكذلك (يفطر وتصوم) أي تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين. قال شيخنا ابن تيمية: وهذا باطل. ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أصحابه. فتصلي خلاف صلاتهم. كيف؟ والصحيح عنها «1» أن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زيدت في
صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر. فكيف يظن بها، مع ذلك، أن تصلي بخلاف صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه؟. ثم قال ابن القيم: قلت: وقد أتمت عائشة بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس وغيره: إنها تأولت كما تأول عثمان. وإن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقصر دائما. فركب بعض الرواة من الحديثين حديثا وقال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصر وتتم هي. فغلط بعض الرواة فقال: كان يقصر ويتم. أي: هو. والتأويل الذي تأولته قد اختلف فيه. فقيل: ظنت أن القصر مشروط بالخوف والسفر. فإذا زال سبب الخوف زال سبب القصر. وهذا التأويل غير صحيح. فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم سافر آمنا. وكان يقصر الصلاة. والآية قد أشكلت على عمر رضي الله عنه وغيره. فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه بالشفاء. وأن هذا صدقة من الله وشرع شرعه للأمة. وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد. وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف. وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم، أو رفع له. وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرا يتناول الأركان بالتخفيف. وقصر العدد بنقصان ركعتين. وقيد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض والخوف. فإذا وجد الأمران، أبيح القصر. فيصلون صلاة تامة كاملة. وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده. فإذا وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفي العدد. وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق في الآية. فإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفى الأركان، وسميت صلاة أمن. وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق. وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة، باعتبار نقصان العدد. وقد تسمى تامة، باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية. والأول اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين. والثاني يدل عليه كلام الصحابة. كعائشة وابن عباس وغيرهما. قالت عائشة: فرضت الصلاة ركعتين. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر . فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع. وإنما هي مفروضة كذلك. وأن فرض المسافر ركعتان. وقال ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيّكم في الحضر أربعا. وفي السفر ركعتين. وفي الخوف ركعة. متفق على حديث عائشة. وانفرد مسلم «1» بحديث ابن عباس. وقال عمر بن الخطاب «2» : صلاة السفر ركعتان. والجمعة ركعتان. والعيد
ركعتان. تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. وقد خاب من افترى. وهذا ثابت عن عمر رضي الله عنه. وهو الذي سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما بالنا نقصر وقد أمنّا؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقة تصدق الله بها عليكم. فاقبلوا صدقته . ولا تناقض بين حديثيه. فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أجابه بأن هذه صدقة الله عليكم، ودينه اليسر السمح، علم عمر أنه ليس المراد من الآية قصر العدد، كما فهمه كثير من الناس، فقال: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر . وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أن قصر العدد مباح، منفيّ عنه الجناح. فإن شاء المصلي فعله وإن شاء أتم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب في سفره على ركعتين ركعتين ولم يربع قط إلا شيئا فعله في بعض صلاة الخوف. كما سنذكره هناك، ونبيّن ما فيه إن شاء الله تعالى. وقال أنس «1» : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة. وكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. متفق عليه. ولما بلغ «2» عبد الله بن مسعود أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين . وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر ركعتين. فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان. متفق عليه. ولم يكن ابن مسعود ليسترجع من فعل عثمان أحد الجائزين المخير بينهما. بلى الأولى على قول وإنما استرجع لما شاهده من مداومة النبيّ صلى الله عليه وسلم وخلفائه على ركعتين. وفي صحيح البخاريّ «3» عن ابن عمر رضي الله عنه قال: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان في السفر لا يزيد على ركعتين. وأبا بكر وعمر وعثمان (يعني في صدر خلافة عثمان) . وإلا فعثمان قد أتمّ في آخر خلافته. وكان ذلك أحد الأسباب التي نكرت عليه. وقد خرج لفعله تأويلات: أحدها- أن الأعراب كانوا قد حجوا تلك السنة. فأراد أن يعلمهم أن فرض الصلاة أربع، لئلا يتوهموا أنها ركعتان في الحضر والسفر. ورد هذا التأويل بأنهم كانوا أحرى بذلك في حج النبيّ صلى الله عليه وسلم. فكانوا حديثي عهد بالإسلام، والعهد بالصلاة قريب. ومع هذا فلم يربع بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم. الثاني- أنه كان إماما للناس. والإمام حيث نزل فهو عمله ومحل ولايته.
فكأنه وطنه، وردّ هذا التأويل بأن إمام الخلائق على الإطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان هو أولى بذلك. وكان هو الإمام المطلق ولم يربّع، التأويل الثالث- أن منى كانت قد بنيت وصارت قرية كثر فيها المساكن في عهده. ولم يكن ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل كانت فضاء. ولهذا قيل له: يا رسول الله! ألا تبني لك بمنى بيتا يظلك من الحر؟ فقال: لا. منى مناخ من سبق. فتأول عثمان أن القصر إنما يكون في حال السفر. ورد هذا التأويل بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشرا يقصر الصلاة. التأويل الرابع- أنه أقام بها ثلاثا. وقد قال «1» النبيّ صلى الله عليه وسلم: يقيم المهاجر بعد نسكه ثلاثا. فسماه مقيما . والمقيم غير مسافر. ورد هذا التأويل بأن هذه إقامة مقيّدة في أثناء السفر، ليست بالإقامة التي هي قسيم السفر. وقد أقام صلى الله عليه وسلم بمكة عشرا يقصر الصلاة. وأقام بمنى بعد نسكه، أيام الجمار الثلاث، يقصر الصلاة. التأويل الخامس- أنه كان قد عزم على الإقامة والاستيطان بمنى، واتخاذها دار الخلافة. فلهذا أتم. ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة. وهذا التأويل أيضا مما لا يقوى. فإن عثمان رضي الله عنه من المهاجرين الأولين. وقد منع صلى الله عليه وسلم المهاجر من الإقامة بمكة بعد نسكه. ورخص له ثلاثة أيام فقط. فلم يكن عثمان ليقيم بها وقد منع النبيّ صلى الله عليه وسلم من ذلك. وإنما رخص فيها ثلاثا. وذلك لأنهم تركوها لله. وما ترك الله فإنه لا يعاد فيه ولا يسترجع. ولهذا منع النبيّ صلى الله عليه وسلم من شراء المتصدق لصدقته. وقال لعمر «2» : لا تشترها ولا تعد في صدقتك. فجعله عائدا في صدقته مع أخذها بالثمن. التأويل السادس- أنه كان قد تأهل بمنى. والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج فيه أو كان له به زوجة، أتم. ويروى في ذلك حديث مرفوع عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. فروى عكرمة عن إبراهيم الأزديّ عن أبي ذياب عن أبيه قال: صلى عثمان بأهل منى أربعا وقال: يا أيها الناس! لما قدمت تأهلت بها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا تأهل الرجل ببلدة فإنه يصلي بها صلاة مقيم رواه الإمام أحمد «3» في (مسنده) وعبد الله بن الزبير الحميديّ في (مسنده) أيضا. وقد أعله البيهقيّ بانقطاعه وتضعيف عكرمة.
قال أبو البركات ابن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف. فإن البخاريّ ذكره في تاريخه ولم يطعن فيه. وعادته ذكر الجرح والمجروحين. وقد نص أحمد، وابن عباس قبله، أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام. وهذا قول أبي حنيفة ومالك وأصحابهما. وهذا أحسن من اعتذر به عن عثمان. وقد اعتذر عن عائشة أنها كانت أم المؤمنين. فحيث نزلت فكان وطنها. وهو أيضا اعتذار ضعيف. فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين. وأمومة أزواجه فرع على أبوته. ولم يكن يتم لهذا السبب. وقد روى هشام ابن عروة عن أبيه أنها كانت تصلي في السفر أربعا. فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت: يا ابن أختي! لا يشق عليّ. قال الشافعيّ رحمه الله: لو كان فرض المسافر ركعتين، لما أتمها عثمان ولا عائشة ولا ابن مسعود. ولم يجز أن يتمها مسافر مع مقيم. وقد قالت عائشة: كل ذلك قد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. أتم وقصر. ثم روي عن إبراهيم عن محمد عن طلحة ابن عمر عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت: كل ذلك فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم. قصر الصلاة في السفر، وأتم. قال البيهقيّ: وكذلك رواه المغيرة بن زياد عن عطاء. وأصحّ إسناد فيه ما أخبرنا أبو بكر الحازميّ عن الدّارقطنيّ عن المحامليّ: حدثنا سعيد بن محمد بن أيوب. حدثنا أبو عاصم. حدثنا عمر بن سعيد عن عطاء، عن عائشة، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقصر الصلاة في السفر ويتم. ويفطر ويصوم . قال الدّارقطنيّ: وهذا إسناد صحيح. ثم ساق من طريق أبي بكر النيسابوريّ عن عباس الدوريّ: أنا أبو نعيم. حدثنا العلاء بن زهير. حدثني عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة، أنها اعتمرت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة. حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! قصرت وأتممت وصمت وأفطرت. قال: أحسنت، يا عائشة! وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الصحابة. وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم وحدها بلا موجب. كيف وهي القائلة: فرضت الصلاة ركعتين. فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر. فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله؟ وتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟
قال الزهريّ لعروة، (لما حدثه عن أبيه عنها بذلك) : فما شأنها؟ كانت تتم الصلاة. فقال: تأولت كما تأول عثمان. فإذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد حسن فعلها وأقرها، فما للتأويل حينئذ وجه. ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير. وقد أخبر ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في السفر على ركعتين ولا أبو بكر ولا عمر. أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي تراهم يقصرون؟ وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم فإنها أتمت. كما أتم عثمان. وكلاهما تأول تأويلا. والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم. مع مخالفة غيره له. والله أعلم. وقد قال أمية بن خالد لعبد الله بن عمر: إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن. ولا نجد صلاة السفر في القرآن. فقال له ابن عمر: يا أخي! إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا. فإنما نفعل كما رأينا محمدا صلى الله عليه وسلم يفعل. وقد قال أنس «1» : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة. فكان يصلي ركعتين ركعتين. حتى رجعنا إلى المدينة. وقال ابن عمر: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان لا يزيد في السفر على ركعتين. وأبا بكر وعمر وعثمان رضي عنهم. وهذه كلها أحاديث صحيحة. انتهى كلام ابن القيّم. قال الإمام الشوكانيّ في (نيل الأوطار) : وقد استدل، بحديثي عائشة، القائلون بأن القصر رخصة. ويحاب عنهم بأن الحديث الثاني لا حجة لهم فيه. لما تقدم من أن لفظ (تتم وتصوم) بالفوقانية. لأن فعلها، على فرض عدم معارضته لقوله وفعله صلى الله عليه وسلم، لا حجة فيه. فكيف إذا كان معارضا للثابت عنه من طريقها وطريق غيرها من الصحابة؟ وأما الحديث الأول، فلو كان صحيحا، لكان حجة. لقوله صلى الله عليه وسلم في الجواب عنها: أحسنت . ولكنه لا ينتهض لمعارضة ما في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة. وهذا بعد تسليم أنه حسن، كما قال الدّارقطنيّ. فكيف؟ وقد طعن فيه بتلك المطاعن المتقدمة. فإنها بمجردها توجب سقوط الاستدلال به عند عدم المعارض. انتهى. المسألة الثالثة- استدل بعموم الآية من جوّز القصر في كل سفر طويلا أو قصيرا. ووجهه أن قوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ يصدق على كل ضرب.
ولكنه خرج الضرب أي: المشي لغير السفر، لما كان يقع منه صلى الله عليه وسلم من الخروج إلى بقيع الغرقد ونحوه، ولا يقصر. ولم يأت في تعيين قدر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء. فوجب الرجوع إلى ما يسمى سفرا لغة وشرعا. ومن خرج من بلده قاصدا إلى محل، يعد في مسيره إليه مسافرا، قصر الصلاة. وإن كان ذلك المحل دون البريد. ولم يأت من اعتبر البريد واليوم واليومين والثلاث وما زاد على ذلك، بحجة نيرة. وغاية ما جاءوا به حديث «1» : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم. وفي رواية: يوما وليلة. وفي رواية: بريدا . وليس في هذا الحديث ذكر القصر ولا هو في سياقه. والاحتجاج به مجرد تخمين. وأحسن ما ورد في التقدير ما رواه شعبة عن يحيى بن زيد الهنائيّ قال: سألت أنسا عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ، صلى ركعتين. والشك من شعبة. أخرجه مسلم وغيره . فإن قلت: محل الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون محرم، هو كونه صلى الله عليه وسلم سمى ذلك سفرا. قلت: تسميته سفرا لا تنافي تسمية ما دونه سفرا. فقد سمى النبيّ صلى الله عليه وسلم مسافة الثلاث سفرا. كما سمى مسافة البريد سفرا، في ذلك الحديث باعتبار اختلاف الرواية. وتسمية البريد سفرا لا ينافي تسمية ما دونه سفرا. فإن قلت: أخرج الدّارقطنيّ والبيهقيّ والطبرانيّ من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال: يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة برد . من مكة إلى عسفان- قلت: هو ضعيف لا تقوم به الحجة. فإن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر. وهو متروك. وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها. والحاصل أن الواجب هو الرجوع إلى ما يصدق عليه اسم السفر شرعا أو لغة. كذا في (الروضة الندية) . (وفي المصباح) : سفر الرجل سفرا مثل طلب، خرج للارتحال. وفي (القاموس) : قوم سفر وسافرة وأسفار وسفار: ذوو سفر، لضدّ الحضر. هذا وللقصر مباحث مقررة في شروح السنة. ولما كان النص السابق الوارد في مشروعية القصر مجملا بيّن كيفيته بصورة في مزيد الحاجة إليها، ويكتفي فيما عداها ببيان السنة، فقال تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 102]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 102] وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102) وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ أي: مع أصحابك شهيدا وأنتم تخافون العدوّ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ أي: أردت أن تقيم بهم الصلاة بالجماعة التي، لوفور أجرها، بتحمل مشاقها فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ في الصلاة. أي بعد أن جعلتم طائفتين. ولتقف الطائفة الأخرى بإزاء العدوّ ليحرسوكم منهم. وإنما لم يصرح به لظهوره وَلْيَأْخُذُوا أي الطائفة التي قامت معك أَسْلِحَتَهُمْ معهم لأنه أقرب للاحتياط فَإِذا سَجَدُوا أي: القائمون معك، سجدتي الركعة الأولى وأتموا الركعة، فارقوك وأتموا صلاتهم. وتقوم إلى الثانية منتظرا. فإذا فرغوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ أي: فلينصرفوا إلى مقابلة العدوّ للحراسة وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا وهي الطائفة الواقعة تجاه العدوّ فَلْيُصَلُّوا ركعتهم الأولى مَعَكَ وأنت في الثانية. فإذا جلست منتظرا، قاموا إلى ثانيتهم وأتموها ثم جلسوا ليسلموا معك. ولم يبين في الآية الكريمة حال الركعة الرابعة الباقية لكل من الطائفتين اكتفاء ببيانه صلى الله عليه وسلم لهم. كما يأتي وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ أي: تيقظهم. لأن العدوّ يتوهمون في الأولى كون المسلمين قائمين في الحرب. فإذا قاموا إلى الثانية ظهر لهم أنهم في الصلاة فههنا ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم. فلذا خص هذا الموضع بزيادة تحذير فقال: وليأخذوا حذرهم وجعله كالآلة، فأمر بأخذه وعطف عليه وَأَسْلِحَتَهُمْ قال الواحديّ: فيه رخصة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة. قال أبو السعود: وتكليف كل من الطائفتين بما ذكر، لما أن الاشتغال بالصلاة مظنة لإلقاء السلاح والإعراض عن غيرها، ومئنّة لهجوم العدوّ. كما ينطق به قوله تعالى وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي تمنوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ فتضعونها وَأَمْتِعَتِكُمْ أي: حوائجكم التي بها بلاغكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً أي يحملون حملة واحدة فيقتلونكم. فهذا علة الأمر
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 103]
بأخذ السلاح. والأمر بذلك للوجوب. لقوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أي لا حرج ولا إثم عليكم إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ يثقل معه حمل السلاح أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى يثقل عليكم حمله أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ أخرج البخاريّ «1» عن ابن عباس قال: نزلت: إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى، في عبد الرحمن بن عوف كان جريحا. ثم أمروا مع ذلك بالتيقظ والاحتياط. فقيل وَخُذُوا حِذْرَكُمْ لئلا يهجم عليكم العدوّ غيلة إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً أي: يهانون به. ويقال: شديدا. قال أبو السعود: هذا تعليل الأمر بأخذ الحذر. أي: أعدّ لهم عذابا مهينا. بأن يخذلهم وينصركم عليهم. فاهتموا بأموركم ولا تهملوا في مباشرة الأسباب. كي يحل بهم عذابه بأيديكم. وقيل: لما كان الأمر بالحذر من العدوّ موهما لتوقع غلبته واعتزازه، نفي ذلك الإيهام بأنه الله تعالى ينصرهم ويهين عدوّهم لتقوى قلوبهم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 103] فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (103) فَإِذا قَضَيْتُمُ أي: أتممتم الصَّلاةَ أي: صلاة الخوف، على ما فصّل فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ أي: فداوموا على ذكره تعالى في جميع الأحوال. فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدوّ جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه. قاله الرازيّ. وقال ابن كثير: أمر تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف، وإن كان مشروعا مرغبا فيه أيضا بعد غيرها. ولكن هنا آكد لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب، وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها كما قال تعالى (في الأشهر الحرم) : فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: 36] . وإن كان هذا منهيّا عنه في غيرها، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمها. فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ أي: سكنت قلوبكم بالأمن فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي: على الحالة التي كنتم تعرفونها. فلا تغيروا شيئا من هيئاتها إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً أي: فرضا موقتا، لا يجوز إخراجها عن أوقاتها وإن لزمها نقائص في رعايتها.
فصل
فصل في أحكام تتعلق بهذه الآية. الأول- في هذه الآية مشروعية صلاة الخوف وصفتها. وأنه لا يجب قضاؤها. وأنه يطلب فيها حمل السلاح إلا لعذر. الثاني- تعلّق بظاهر قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ من لم ير صلاة الخوف بعده صلى الله عليه وسلم. زاعما أنها خاصة بعهده صلى الله عليه وسلم. لاشتراطه كونه فيهم. ولا يخفى أن الأئمة بعده نوّابه قوّام بما كان يقوم به. فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له صلى الله عليه وسلم. كما في قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة: 103] . وقد قال صلى الله عليه وسلم «1» : صلوا كما رأيتموني أصلي. وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم. وقد روى أبو داود «2» والنسائيّ والحاكم وابن أبي شيبة وغيرهم، عن سعيد بن العاص أنه قال (في غزوة ومعه حذيفة) : أيكم شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. فأمرهم حذيفة فلبسوا السلاح ثم قال: إن هاجمكم هيج فقد حل لكم القتال. فصلى بإحدى الطائفتين ركعة. والأخرى مواجهة العدو ثم انصرف هؤلاء. فقاموا مقام أولئك. وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى. ثم سلم عليهم. وكانت الغزوة بطبرستان. قال بعضهم: وكان ذلك بحضرة الصحابة رضي الله عنهم. فلم ينكره أحد. فحل محلّ الإجماع. وروى أبو داود «3» أن عبد الرحمن بن سمرة صلى، بكابل، صلاة الخوف. الثالث- روى الإمام احمد «4» وابن أبي شيبة وسعيد بن
منصور وأبو داود والنسائيّ وغيرهم (في نزول الآية عن ابن عباس رضي الله عنه) قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان. فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد. وهم بيننا وبين القبلة. فصلى بنا النبيّ صلى الله عليه وسلم الظهر. فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم. ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ... فحضرت الصلاة. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح. فصفنا خلفه صفين. ثم ركع فركعنا جميعا. ثم رفع فرفعنا جميعا. ثم سجد النبيّ صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم. فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون. فسجدوا في مكانهم. ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء. ثم ركع فركعوا جميعا. ثم رفع فرفعوا جميعا. ثم سجد النبيّ صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم. فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا. ثم سلم عليهم. وروى عبد الرزاق عن الثوريّ عن هشام، مثل هذا، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. إلا أنه قال: نكص الصف المقدم القهقرى حين يرفعون رؤسهم من السجود. ويتقدم الصف المؤخر فيسجدون في مصاف الأولين. وروى عبد الرازق وابن المنذر وابن جرير «1» عن ابن أبي نجيح قال: قال مجاهد (في قوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) : نزلت يوم كان النبيّ صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان فتواقفوا. فصلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربعا. ركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعهم، فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم ويقاتلوهم، فأنزل الله عليهم: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ. فصلى النبيّ صلى الله عليه وسلم العصر وصف أصحابه صفين وكبر بهم جميعا. فسجد الأولون بسجوده والآخرون قيام لم يسجدوا. حتى قام النبيّ صلى الله عليه وسلم والصف الأول. ثم كبر بهم وركعوا جميعا. فقدموا الصف الآخر واستأخروا. فتعاقبوا السجود كما فعلوه أول مرة. وقصر النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ركعتين . وفي هذه الأحاديث أن صلاة الطائفتين مع الإمام جميعا. واشتراكهم في الحراسة. ومتابعته في جميع أركان الصلاة إلا السجود. فتسجد معه طائفة وتنتظر الأخرى حتى تفرغ الطائفة الأولى. ثم تسجد وإذا فرغوا من الركعة الأولى تقدمت الطائفة المتأخرة مكان الطائفة المتقدمة. وتأخرت المتقدمة. (فإن قلت) : لا ينطبق ما في الآية على هذه الروايات التي حكت سبب نزولها. وذلك لأن قيل في الآية: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ
وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا ... الآية. وفي هذه الروايات أنهم قاموا جميعا معه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وإنما ينطبق ما فيها على ما رواه «1» الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة ، والطائفة الأخرى مواجهة للعدوّ. ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدوّ. وجاء أولئك. ثم صلى بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم. ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة. وما روياه عن صالح بن خوّات عمن صلى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع أن الطائفة صف معه وطائفة وجاه العدوّ. فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما. فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه العدوّ. وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته. فأتموا لأنفسهم فسلم بهم- (قلت) : بمراجعة ما أسلفناه في المقدمة من قاعدة سبب النزول يندفع الإشكال. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ضجنان وعسفان فقال المشركون: لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم. وهي العصر. فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة. وأن جبريل عليه السلام أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأمره أن يقسم أصحابه، شطرين. فيصلي بهم وتقوم طائفة أخرى وراءهم. وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم. فتكون لهم ركعة وللنبيّ صلى الله عليه وسلم ركعتان. أخرجه أصحاب السنن «2» . ثم رأيت القرطبيّ بحث في (تفسيره) نحو ما سبق لي حيث قال: وما ذكرناه من سبب النزول في قصة خالد بن الوليد. لا يلائم تفريق القوم إلى طائفتين. ثم قال (بعد رواية حديث أبي هريرة المذكور) قلت: ولا تعارض بين هذه الروايات. فلعله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة أخرى مفترقين. انتهى. الرابع- ظاهر الآية الكريمة الترخيص لكل طائفة بركعة واحدة. لأنه لم يبين فيها حال الركعة الباقية. وقد روى النسائيّ «3» عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بذي قرد فصف الناس خلفه صفين: صفا خلفه وصفا موازي العدوّ. فصلى بالذين خلفه ركعة. ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء. وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا ركعة. وكذا روى أبو داود والنسائي «4» أيضا عن حذيفة أنه صلى بطبرستان بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. وروى
أحمد ومسلم «1» وأبو داود والنسائيّ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض الله الصلاة على نبيّكم صلى الله عليه وسلم، في الحضر، أربعا. وفي السفر ركعتين. وفي الخوف ركعة. فهذه الأحاديث تدل على أن من صفة صلاة الخوف، الاقتصار على ركعة لكل طائفة. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف، يقول الثوريّ وإسحاق ومن تبعهما. وقال به أبو هريرة وأبو موسى الأشعريّ وغير واحد من التابعين. ومنهم من قيّد بشدة الخوف. وقال الجمهور: قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد. وتأولوا هذه الأحاديث بأن المراد بها ركعة من الإمام وليس فيها نفي الثانية. ويرد ذلك قوله في حديث ابن عباس وحذيفة: (ولم يقضوا ركعة) وكذا قوله في حديث ابن عباس الثاني: (وفي الخوف ركعة) وأما تأويلهم قوله (لم يقضوا) بأن المراد منه لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن- بعيد جدا. كذا في (نيل الأوطار) نعم. وقع في حديث ابن عمر المتفق عليه وقد قدمناه: ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة. وعند أبي داود من حديث ابن مسعود: ثم سلم، وقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة. ثم سلموا ثم ذهبوا. ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا. وبالتحقيق، كل ما روي هو من صورها الجائزة. ولما ذكر الإمام ابن القيّم في (زاد المعاد) هديه صلى الله عليه وسلم في أدائها، قال في آخر صورة: وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة فتذهب ولا تقضي شيئا. وتجيء الأخرى فيصلي بهم ركعة ولا تقضي شيئا. فيكون له صلى الله عليه وسلم ركعتان. ولهم ركعة ركعة. وهذه الأوجه كلها يجوز الصلاة بها. قال الإمام أحمد: كل حديث يروى في باب صلاة الخوف فالعمل به جائز. انتهى. وقال ابن كثير: صلاة الخوف أنواع كثيرة. فإن العدوّ تارة يكون تجاه القبلة. وتارة يكون في غير صوبها. ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة. بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. ورجالا وركبانا. ولهم أن يمشوا والحالة هذه، ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة. ومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة لحديث ابن عباس المتقدم، وبه قال أحمد ابن حنبل.
قال المنذريّ: وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد. وإليه ذهب طاوس والضحاك. وقد حكى أبو عاصم العباديّ عن محمد بن نصير المروزيّ أنه يرى ردّ الصبح إلى ركعة في الخوف. وإليه ذهب ابن حزم أيضا. وقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها إيماء. فإن لم تقدر فسجدة واحدة. لأنها ذكر الله. وقال آخرون: يكفي تكبيرة واحدة. فلعله أراد ركعة واحدة. كما قاله الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه. وبه قال جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وكعب وغير واحد من الصحابة والسدّيّ. ورواه ابن جرير. ولكن الذين حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة واحدة. كما هو مذهب إسحاق بن راهويه: وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت المكيّ حتى قال: فإن لم يقدر على التكبير فلا يتركها في نفسه. يعني بالنية. رواه سعيد بن منصور في (سننه) عن إسماعيل بن عياش عن شعيب بن دينار عنه. فالله أعلم. ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة. كما أخر النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب الظهر والعصر، فصلاهما بعد الغروب. ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء. وكما قال بعدها، يوم بني قريظة حين جهز إليهم الجيش: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة. فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق. فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعجيل المسير. ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها. فصلّوا الصلاة لوقتها في الطريق. وأخر آخرون منهم صلاة العصر فصلوها في بني قريظة بعد الغروب. ولم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من الفريقين. فاحتج في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد من الطائفة الملعونة، اليهود. وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف فإنها لم تكن نزلت بعد. فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك. وهذا أبين في حديث أبي سعيد الخدريّ الذي رواه الشافعيّ رحمه الله وأهل السنن. ولكن يشكل عليه ما حكاه البخاريّ «1» في (صحيحه) حيث قال (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدوّ) وقال الأوزاعيّ: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء. كل امرئ لنفسه. فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال أو يأمنوا فيصلوا ركعتين. فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين. فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول. وقال أنس بن مالك: حضرت عند مناهضة
حصن تستر عند إضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة. فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار. فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا. وقال أنس: وما يسرني، بتلك الصلاة، الدنيا وما فيها. انتهى. ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب ثم بحديث «1» أمره إياهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة وكأنه كالمختار لذلك. والله أعلم. ولمن جنح له أن يحتج بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر فإنه يشتهر غالبا. وكان ذلك في إمارة عمر بن الخطاب. ولم ينقل أنه أنكر عليهم ولا أحد من الصحابة. والله أعلم. قال هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق لأن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق في قول جمهور علماء السير والمغازي. وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة والواقديّ ومحمد بن سعد، كاتبه وخليفة بن الخياط وغيرهم. وقال البخاريّ «2» وغيره: كانت ذات الرقاع بعد الخندق، لحديث أبي موسى. وما قدم إلا في خيبر. والله أعلم. الحكم الخامس- استدل بقوله تعالى طائِفَةٌ على أنه لا يشترط استواء الفريقين في العدد. لكن لا بد أن تكون التي تحرس تحصل الثقة به في ذلك. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : والطائفة تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد. فلو كانوا ثلاثة ووقع لهم الخوف. جاز لأحدهم أن يصلي بواحد. ويحرس واحد. ثم يصلي الآخر. وهو أقل ما يتصور في صلاة الخوف جماعة. السادس- استدل بالآية على عظم أمر الجماعة بل على ترجيح القول بموجبها. لارتكاب أمور كثيرة لا تغتفر في غيرها. ولو صلى كل امرئ منفردا لم يقع الاحتياج إلى معظم ذلك. أفاده الحافظ ابن حجر في (الفتح) . قال ابن كثير: وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة. حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة. فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك.
السابع- قال بعض المفسرين: اختلف في المأمور بأخذ السلاح في قوله تعالى وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فقيل: هم الطائفة الذين يواجهون العدوّ. وهذا ظاهر. وقيل: بل هم الطائفة المصلون. وأراد ما لا يشغل عن الصلاة من الدرع والخنجر والسيف ونحو ذلك. وقيل: للطائفتين. وهو قول القاسم. انتهى. قال الناصر في (الانتصاف) : والظاهر أن المخاطب بأخذ الأسلحة المصلون. إذ من لم يصل إنما أعد للحرس. فالظاهر الاستغناء عن أمرهم بذلك وتنبيههم عليه. وهم إنما أخروا الصلاة لذلك. أما المصلون فهم في مظنة طرح الأسلحة لأنهم لم يعتادوا حملها في الصلاة. فنبهوا على أنهم لا ينبغي لهم طرح الأسلحة وإن كانوا في الصلاة. لضرورة الخوف وخشية الغرة. وأيضا فصنيع الآية يعطي ذلك. لأنه قال فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وعقب ذلك بقوله وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فالظاهر رجوع الضمير إليهم. وحيث يعاد إلى غير المصلين يحتاج إلى تكلف في صحة العود إليهم، بدلالة قوة الكلام عليهم، وإن لم يذكروا. وناقش الناصر أيضا، الزمخشريّ في جعله المراد بقوله تعالى فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا غير المصلين. فقال: الظاهر أن معنى السجود هاهنا الصلاة، وقد عبر عنها بالسجود كثيرا. والمراد: فإذا صلت الطائفة، (أي أتمت صلاتها) فليكونوا من ورائكم. انتهى. الثامن- قال أبو علي الجرجانيّ صاحب النظم: قوله تعالى: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ يدل على أنه كان يجوز للنبيّ صلى الله عليه وسلم أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذرا، غير غافل من كيد العدوّ. والذي نزل به القرآن في هذا الموضع هو وجه الحذر. لأن العدوّ يومئذ بذات الرقاع كان مستقبل القبلة. فالمسلمون كانوا مستدبرين القبلة. ومتى استقبلوا القبلة صاروا مستدبرين لعدوّهم. فلا جرم، أمروا بأن يصيروا طائفتين: طائفة في وجه العدوّ، وطائفة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة. وأما حين كان النبيّ صلى الله عليه وسلم بعسفان وببطن نخل، فإنه لم يفرق أصحابه طائفتين. وذلك لأن العدوّ كان مستدبر القبلة. والمسلمون كانوا مستقبلين لها. فكانوا يرون العدوّ حال كونهم في الصلاة. فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود. فلا جرم، لما سجد الصف الأول بقي الصف الثاني يحرسونهم. فلما فرغوا من السجود. وقاموا، تأخروا وتقدم الصف الثاني وسجدوا. وكان الصف الأول حال قيامهم يحرسون الصف الثاني. فثبت بما ذكرنا أن قوله تعالى: خُذُوا حِذْرَكُمْ يدل على جواز كل هذه الوجوه. والذي يدل على أن المراد من هذه الآية ما ذكرناه، أنا لو لم نحملها
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 104]
على هذا الوجه لصار تكرارا محضا من غير فائدة. ولوقع فعل الرسول بعسفان وببطن نخل على خلاف نص القرآن. وإنه غير جائز. نقله الرازيّ. وقال الخطابيّ: صلاة الخوف أنواع صلاها النبيّ صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة. يتحرى في ذلك كله ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ في الحراسة. فهي مع اختلاف صورها متفقة المعنى. انتهى. وأنواعها مبينة في شروح السنة. ثم حثهم تعالى على الجهاد بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 104] وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (104) وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ أي: لا تضعفوا في طلب عدوّكم بالقتال بل جدّوا فيهم واقعدوا لهم كل مرصد. ثم ألزمهم الحجة بقوله سبحانه إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ أي: ليس ما تجدون من الألم بالجرح والقتل مختصا بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم. كما قال تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران: 140] . ثم زاد في تقرير الحجة، وبيّن أن المؤمنين أولى بالمصابرة على القتال من المشركين بقوله تعالى: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ يعني وتأملون من القرب من الله واستحقاق الدرجات من جناته وإظهار دينه، كما وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ما لا يأملونه، فأنتم أولى بالجهاد منهم وأجدر بإقامة كلمة الله وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً أي: فلا يكلفكم إلا بما يعلم أنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم. فجدوا في الامتثال بذلك فإن فيه عواقب حميدة. قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة وجوب الجهاد وأنه لا يسقط لما يحصل من المضرة بالجراح ونحوه. وأن التجلد وطلب ما يقوّى لازم، وما يحصل به الوهن لا يجوز فعله. وتدل على جواز المعارضة والحجاج لقوله فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ وتدل على أن للمجاهد أن يجاهد لطلب الثواب لقوله وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ فجعل هذا سببا باعثا على الجهاد. هذا معنى كلام الحاكم. ونظير هذا: لو صلى لطلب الثواب أو السلامة من العقاب. وقد ذكر في ذلك خلاف. فعن الراضي بالله: يجزي ذلك. وقواه الفقيه يحيى بن أحمد. وعن أبي مضر: لا يجزي. لأنه لم ينو الوجه الذي شرع الواجب له. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : الآيات 105 إلى 109]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : الآيات 105 الى 109] إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ، وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً. وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ، كانَ غَفُوراً رَحِيماً. وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ، وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً. ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا. روى الحافظ ابن مردويه في سبب نزولها من طريق العوفيّ عن ابن عباس «1» : أن نفرا من الأنصار غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته. فسرقت درع لأحدهم. فأظنّ (أي: اتهم) بها رجلا من الأنصار. فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء. وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ليلا فقالوا: يا نبيّ الله! إن صاحبنا بريء وإن صاحب الدرع فلان. وقد أحطنا بذلك علما. فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه.
فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرّأه وعذره على رؤوس الناس. فأنزل الله: إِنَّا أَنْزَلْنا ... الآية . ثم قال تعالى- للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب-: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ . يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائنين. ثم قال عز وجل: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً ... الآية. يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب. ثم قال: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً . يعني السارق والذين جادلوا عن السارق. قال ابن كثير: وهذا سياق غريب. وقد ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسّديّ وابن زيد وغيرهم (في هذه الآية) أنها نزلت في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم، وهي متقاربة. وقد روى هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق مطولة. ورواها عنه، من طريقه، أبو عيسى الترمذيّ في (جامعه) في كتاب التفسير، عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر وبشير (قال أبو ذرّ الخشنيّ: بشير بن أبيرق. كذا وقع هنا: بشير بفتح الباء. وقال الدّارقطنيّ: إنما هو بشير بضم الباء) ومبشّر. وكان بشير رجلا منافقا. وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ينحله إلى بعض العرب. ثم يقول: قال فلان كذا أو قال فلان كذا. فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: والله! ما يقول هذا الشعر إلا الخبيث. فقال: أو كلما قال الرجال قصيدة ... أضموا وقالوا: ابن الأبيرق قالها! قال: وكانوا أهل بيت فاقة وحاجة في الجاهلية والإسلام. وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة، التمر والشعير. وكان الرجل إذا كان له يسار، فقدمت ضافطة من الشام بالدرمك، ابتاع الرجل منها فخص به نفسه. فأما العيال، فإنما طعامهم التمر والشعير. فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك فجعله في مشربة له. وفي المشربة سلاح له: درعان وسيفاهما وما يصلحهما. فعدي عليه من تحت الليل، فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي! تعلّم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا فذهب بسلاحنا وطعامنا.
قال: فتحسست في الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى، فيما نراه، إلا على بعض طعامكم. قال: وقد كان بنو أبيرق قالوا: ونحن نسأل في الدار: والله! ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل. رجلا منا له صلاح وإسلام. فلما سمع بذلك لبيد اخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق فقال: والله! ليخالطنكم هذا السيف أو لتبيّننّ السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل. فو الله! ما أنت بصاحبها. فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها. فقال عمي: يا ابن أخي! لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكرت ذلك له. قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقلت: يا رسول الله! إن أهل بيت منا أهل جفاء. عمدوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه. فليردوا علينا سلاحنا. وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنظر في ذلك. فلما سمع بذلك بنو أبيرق، أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة. فكلموه في ذلك. واجتمع إليه ناس من أهل الدار. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا، أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة في غير بيّنة ولا ثبت. قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته. فقال عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت؟ قال فرجعت. ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. فأتيت عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي! ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان. فلم نلبث أن نزل القرآن إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً يعني: بني أبيرق. وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ أي: مما قلت لقتادة إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ أي: بني أبيرق إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ إلى قوله ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً أي: إنهم إن يستغفروا الله يغفر لهم وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً قولهم للبيد وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ يعني: أسيرا وأصحابه وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ إلى قوله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً.
فلما نزل القرآن: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة. قال قتادة: فلما أتيت عمي بالسلاح، وكان شيخا قد عسا في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولا، فلما أتيته بالسلاح، قال: يا ابن أخي! هو في سبيل الله. قال فعرفت أن إسلامه صحيحا. فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين. فنزل على سلافة ابنة سعد بن شهيد. فأنزل الله فيه وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ إلى قوله وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً. فلما نزل على سلافة، رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر. فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمت به في الأبطح، ثم قالت: أهديت إليّ شعر حسان! ما كنت تأتيني بخير «1» . وقال الترمذيّ: هذا حديث غريب لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحرانيّ. وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلا. لم يذكروا فيه: عن أبيه عن جده «2» . ورواه ابن أبي حاتم عن هاشم بن القاسم الحرانيّ عن محمد بن سلمة به، ببعضه. ورواه ابن المنذر في (تفسيره) بسنده عن محمد بن سلمة. فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصفهانيّ في (تفسيره) بسنده عن محمد بن سلمة به. ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إسرائيل. ورواه الحاكم في كتابه (المستدرك) بسنده عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق بمعناه، أتم منه، وفيه الشعر. ثم قال: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. كذا نقله ابن كثير. قال السيوطيّ في (اللباب) : وأخرج ابن سعد في الطبقات بسنده عن محمود بن لبيد قال: عدا بشير ابن الحارث على علّيّة رفاعة بن زيد، عم قتادة بن النعمان. فنقبها من ظهرها وأخذ طعاما له ودرعين بأداتهما. فأتى قتادة النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك. فدعا بشيرا فسأله فأنكر. ورمى بذلك لبيد بن سهل، رجلا من أهل الدار ذا حسب ونسب. فنزل القرآن
بتكذيب بشير وبراءة لبيد: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ... الآيات. فلما نزل القرآن في بشير وعثر عليه، هرب إلى مكة مرتدّا. فنزل على سلافة بنت سعد. فجعل يقع في النبيّ صلى الله عليه وسلم وفي المسلمين. فنزل فيه: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ... [النساء: 115] الآية. وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع. وكان ذلك في شهر ربيع سنة أربع من الهجرة. انتهى. وأما إيضاح ألفاظ الآيات وثمراتها فنقول: قوله تعالى: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ. أي: بما عرفك وأعلمك وأوحى به إليك. سمي ذلك العلم بالرؤية. لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية، في القوة والظهور. قال الزمخشريّ: وعن عمر رضي الله عنه: لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله. فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم. ولكن ليجتهد رأيه. لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيبا. لأن الله كان يريه إياه. وهو منا الظن والتكلف. قلت: روى هذا الأثر البيهقي في (المدخل) وابن عبد البر، بنحو ما ذكر. قال ابن الفرس: في هذه الآية إثبات الرأي والقياس. وتعقبه السيوطيّ بما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: إياكم والرأي. فإن الله تعالى قال لنبيه: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ. ولم يقل: بما رأيت. ثم قال السيوطيّ: وقال غيره: يحتمل قوله بِما أَراكَ اللَّهُ. الوحي والاجتهاد معا. انتهى. وقال ابن كثير: احتج من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان صلى الله عليه وسلم له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية. وبما ثبت في الصحيحين «1» عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته. فخرج إليهم فقال: ألا إنما أنا بشر. وإنما أقضي بنحو مما أسمع. ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار. فليحملها أو ليذرها. ورواه الإمام أحمد «2» عنها أيضا بلفظ: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في موارث بينهما قد درست. ليس بينهما بينة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم تختصمون إليّ. وإنما أنا بشر. ولعل بعضكم ألحن بحجته (أو قد قال:
لحجته) من بعض. فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه. فإنما أقطع له قطعة من النار. يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة. فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إذ قلتما، فاذهبا فاقتسما. ثم توخيا الحق بينكما. ثم استهما. ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه. وقد رواه أبو داود «1» وزاد: إني إنما أقضي بينكما برأيي. فيما لم ينزل عليّ فيه. انتهى. قال السيوطيّ: وفي الآية الرد على من أجاز أن يكون الحاكم غير عالم. لأن الله تعالى فوّض الحكم إلى الاجتهاد. ومن لا علم عنده كيف يجتهد؟ انتهى. وقوله تعالى: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ. أي: لأجلهم والذبّ عنهم. وهم طعمة ومن يعينه من قومه على ما تقدم خَصِيماً أي مخاصما. وفيه أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق. وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ. أي مما قلت لقتادة، كما تقدم مفسرا. قال الرازيّ: تمسك بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء. وقالوا: لو لم يقع من الرسول صلى الله عليه وسلم ذنب لما أمر بالاستغفار. ثم أجاب عن ذلك بوجوه. وقال القاضي عياض في (الشفا) : إن تصرف الأنبياء عليهم السلام بأمور لم ينهوا عنها ولا أمروا بها، ثم عوتبوا بسببها، أو أتوها على وجه التأويل- إنما هي ذنوب بالإضافة إلى عليّ منصبهم وإلى كمال طاعتهم. لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم. وأطال في هذا المقام وأطاب. ثم قال: وأيضا، فإن في التوبة والاستغفار معنى آخر لطيفا أشار إليه بعض العلماء. وهو استدعاء محبة الله. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222] . انتهى. وقوله تعالى: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ أي: يخونونها بالمعصية. جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم. كما جعلت ظلما لها لرجوع ضررها إليهم. قال الرازيّ: واعلم أن في الآية تهديدا شديدا. وذلك لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما مال طبعه قليلا إلى جانب طعمة، وكان في علم الله أن طعمة كان فاسقا، فالله تعالى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب. فكيف حال من يعلم من الظالم
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 110]
كونه ظالما، ثم يعينه على ذلك الظلم، بل يحمله عليه ويرغّبه فيه أشد الترغيب؟ وإنما قيل للخائنين (ويختانون) مع أن الخائن واحد، لأن المراد به هو ومن عاونه من قومه، وهم يعلمون أنه سارق. أو ذكر بلفظ الجمع ليتناوله وكل من خان خيانته. كما أنه إنما ذكر بلفظ المبالغة في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً لأنه تعالى علم منه أنه مفرط في الخيانة وركوب المآثم. ويدل له أنه هرب إلى مكة وارتدّ. كما أسلفنا. قيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. وعن عمر رضي الله عنه، أنه أمر بقطع يد سارق. فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه. فقال: كذبت. إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة. وقوله تعالى يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ أي: يستترون حياء منهم وخوفا من ضررهم وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ فلا يستحيون منه وَهُوَ مَعَهُمْ أي: وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليه خاف من سرهم. قال الزمخشريّ: وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياء والخشية من ربهم، مع علمهم، إن كانوا مؤمنين، أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح. وقوله تعالى: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ أي: يدبرون ويزوّرون الحلف الكاذب ورمي البريء وشهادة الزور. وقوله تعالى ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ... الآية. المجادلة: أشد المخاصمة. والمعنى هبوا أنكم خاصمتم عن السارق وقومه في الدنيا، فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه؟ وقوله تعالى أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا حافظا ومحاميا من بأس الله تعالى وانتقامه. قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة هذه الآيات وجوب الحكم من غير محاباة ولا ميل، والنهي عن التعصب والمجادلة عن كل خائن وعاص. ويدل تقييد النهي عن الجدل بالذين يختانون أنفسهم، على إباحة المجادلة. انتهى. واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد في هذا الباب، أتبعه بالدعوة إلى التوبة بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 110] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (110) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أي: قبيحا متعديا. يسوء به غيره، كما في القصة أَوْ
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 111]
يَظْلِمْ نَفْسَهُ فيخصها بالمعصية ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ بالتوبة الصادقة يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً لذنوبه كائنة ما كانت رَحِيماً أي متفضلا عليه. قال أبو السعود: وفيه مزيد ترغيب لطعمة وقومه في التوبة والاستغفار. لما أن مشاهدة التائب لآثار المغفرة والرحمة نعمة زائدة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 111] وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ أي فليتحرز عن تعريضها للعقاب. وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 112] وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (112) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً الخطيئة الذنب، أو ما تعمد منه. والإثم الذنب أيضا. وأن يعلم ما لا يحل له (كذا في القاموس) . قال الراغب: الإثم أعم من العدوان. وقال غيره: هو فعل مبطئ عن الثواب ثُمَّ يَرْمِ بِهِ أي: يقذف به بَرِيئاً أي: مما رماه به، كما اتهم بنو أبيرق بصنيعهم القبيح، ذلك الرجل الصالح، وهو لبيد بن سهل. كما تقدم. وقد كان بريئا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وهو الكذب على الغير بما يبهت منه وَإِثْماً مُبِيناً أي بيّنا فاحشا. لأنه بكسب الإثم، آثم. وبرمي البريء، باهت. فهو جامع بين الأمرين. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 113] وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ بإعلامك ما هم عليه بالوحي وتنبيهك على الحق لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ برمي البريء والمجادلة عن الخائنين. يعني أسير ابن عروة وأصحابه. يعني بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء برءاء. ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وَما
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 114]
يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن وباله عليهم وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك. ولما أنزل تعالى فصل القضية وجلّاها لرسوله صلى الله عليه وسلم، امتنّ عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال بقوله وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ أي: القرآن والسنة وَعَلَّمَكَ من أمور الدين والشرائع ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أي: قبل نزول ذلك عليك. كقوله: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا، ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ ... [الشورى: 52] الآية. وقال تعالى: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص: 86] . ولهذا قال تعالى: وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً أي: فيما علمك وأنعم عليك. قال الرازيّ: هذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب. ثم أشار تعالى إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيّتون ما لا يرضى من القول. بقوله سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 114] لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114) لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ أي: مساررتهم. والسياق، وإن دل على مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض، إلا أنها في المعنى عامة. والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث. ثم استثنى النجوى في أعمال الخير بقوله سبحانه إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أي: إلا في نجوى من أمر، بخفية عن الحاضرين، بصدقة ليعطيها سرا، يستر به عار المتصدّق عليه أَوْ مَعْرُوفٍ أي: بطاعة الله. وأعمال البر كلها معروف. وسر التناجي فيه أن لا يأنف المأمور عن قبوله لو جهر به أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ يعني الإصلاح بين المتخاصمين ليتراجعا إلى ما كانا فيه من الألفة والاجتماع. على ما أذن الله فيه وأمر به. وسر النجوى فيه أنه لو ظهر أولا ربما لم يتم. قال المهايميّ: قيل في الحصر: الخير إما نفع جسمانيّ وهو في الأمر بالصدقة. أو روحانيّ وهو في الأمر بالمعروف. وإما دفع وهو في الإصلاح ويمكن أن يقال: الخير إما نفع متعد من المأمور وهو الصدقة. أو لازم له وهو المعروف. أو دفع ضرر
متعد أو لازم له، وهو الإصلاح. وإنما تتم خيريتها إذا ابتغى بها رضاء الله تعالى كما قال وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ أي: طلب مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ يعني في الآخرة أَجْراً عَظِيماً يساوي أجر الفاعل أو يفوقه. وقد دلت الآية على الترغيب في الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس. وقد أكد تعالى الترغيب بقوله عَظِيماً وأن النية فيها شرط لنيل الثواب. لقوله تعالى ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وعلى أن كلام الإنسان عليه لا له. إلا ما كان في هذا ونحوه. كما جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه بسنده إلى محمد بن يزيد بن حنيش قال: دخلنا على سفيان الثوريّ نعوده. فدخل علينا سعيد بن حسان، فقال له الثوريّ: الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح اردده عليّ. فقال: حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلام ابن آدم كله عليه لا له. إلا ذكر الله عز وجل. أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر . فقال سفيان: أو ما سمعت الله في كتابه يقول: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ؟ فهو هذا بعينه. أو ما سمعت الله يقول: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً؟ [النبأ: 38] ، فهو هذا بعينه. أو ما سمعت الله يقول في كتابه: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: 1- 2] إلخ. فهو هذا بعينه. وقد روى هذا الحديث الترمذيّ «1» وابن ماجة «2» من حديث ابن حنيش عن سعيد بن حسان به. ولم يذكر أقوال الثوريّ إلى آخرها. ثم قال الترمذيّ: حديث غريب لا يعرف إلا من حديث ابن حنيش. قلت: هو مقبول، كما في (التقريب) لابن حجر. فحسن حديثه. وروى الجماعة «3» عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا. وقالت: لم أسمعه
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 115]
يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب. والإصلاح بين الناس. وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. وروى الإمام أحمد «1» وأبو داود «2» والترمذي «3» عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. يا رسول الله! قال: إصلاح ذات البين. قال: وفساد ذات البين هي الحالقة. قال الترمذيّ: حسن صحيح. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 115] وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (115) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ أي يخالفه ويعاديه مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى أي اتضح له الحق وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أي غير ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل، وهو الدين القيّم نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى أي. نجعله واليا مرجحا ما تولاه من المشاقة ومتابعة غير سبيلهم فنزينه له تزين الكفر على الكفرة، استدراجا له ليكون دليلا على شدة العقوبة في الآخرة. كما قال تعالى: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم: 44] . وقال تعالى: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5] . وقال سبحانه: وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: 110] وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ أي: ندخله إياها وَساءَتْ مَصِيراً وجعل النار مصيره في الآخرة. لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة. كما قال تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات: 22] . الآية. وقال تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً [الكهف: 53] . قال الإمام ابن كثير: قوله تعالى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ هذا ملازم للصفة الأولى. ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقا. فإنه قد ضمنت لهم العصمة، في
اجتماعهم، من الخطأ، تشريفا لهم وتعظيما لنبيهم. وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك. ومن العلماء من ادعى تواتر معناها. والذي عوّل عليه الشافعيّ رحمه الله في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته، هذه الآية الكريمة. بعد التروّي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها. وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها على ذلك. انتهى. وقال بعض مفسري الزيدية: الآية دلت على أن مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم كبيرة. وقد تبلغ إلى الكفر. ودلت على أن الجهل عذر. لقوله: مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى. ودلت على أن مخالفة الإجماع كبيرة. وأنه دليل كالكتاب والسنة لكن إنما يكون كبيرة إذا كان نقله قطعيا، لا آحاديا. انتهى. وقال المهايميّ: في الآية دليل على حرمة مخالفة الإجماع. لأنه عز وجل رتب الوعيد الشديد على مشاقة الرسول ومخالفة الإجماع، فهو إما لحرمة أحدهما وهو باطل. إذ يقبح أن يقال من شرب الخمر وأكل الخبز استوجب الحدّ، إذ لا دخل لأكل الخبز فيه. أو لحرمة الجمع بينهما وهو أيضا باطل. لأن مشاقة الرسول حرام وإن لم يضم إليها غيرها. أو لحرمة كل واحد منهما وهو المطلوب. انتهى. ونقل الخفاجيّ قصة استدلال الشافعيّ من هذه الآية عن الإمام المزنيّ قال: كنت عند الشافعيّ يوما. فجاءه شيخ عليه لباس صوف وبيده عصا. فلما رآه ذا مهابة استوى جالسا، وكان مستندا لأسطوانة، فاستوى وسوى ثيابه. فقال له: ما الحجة في دين الله؟ قال: كتابه قال: وماذا؟ قال: سنة نبيه. قال وماذا؟ قال: اتفاق الأمة. قال: من أين هذا الأخير؟ أهو في كتاب الله؟ فتدبر ساعة ساكتا. فقال له الشيخ: أجّلتك ثلاثة أيام بلياليهن. فإن جئت بآية، وإلا فاعتزل الناس. فمكث ثلاثة أيام لا يخرج وخرج في اليوم الثالث بين الظهر والعصر، وقد تغير لونه. فجاءه الشيخ وسلم عليه وجلس. وقال: حاجتي. فقال: نعم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله عز وجل: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ- إلى آخر الآية. لم يصله جهنم، على خلاف المؤمنين، إلا واتّباعهم فرض. قال: صدقت. وقام وذهب. وروي عنه أنه قال: قرأت القرآن في يوم وفي كل ليلة ثلاث مرات. حتى ظفرت بها. وأورد الراغب عليه، أنه لا حجة فيها على ما ذكره. بأن كل موصوف علق به
حكم فالأمر باتباعه يكون في مأخذ ذلك الوصف. فإذا قيل اقتد بالمصلي فالمراد في صلاته. فكذا سبيل المؤمنين، يعني به سبيلهم في الإيمان، لا غير. فلا دلالة في الآية على اتباعهم في غيره. وردّ بأنه تخصيص بما يأباه الشرط الأول. ثم إنه إذا كان مألوف الصائمين الاعتكاف، تناول الأمر باتباعهم ذلك أيضا. فكذلك يتناول ما هو مقتضى الإيمان فيما نحن فيه. فسبيل المؤمنين، وإن فسر بما هم عليه من الدين، يعمّ الأصول والفروع، الكل والبعض. على أن الجزاء مرتب على كل من الأمرين المذكورين في الشرط، لا على المجموع. للقطع بأن مجرد مشاقة الرسول كافية في استحقاق الوعيد، معنى على أن ترك اتباع سبيل المؤمنين اتباع لغير سبيل المؤمنين. لأن المكلف لا يخلو من اتباع سبيل، البتة. انتهى. ورأيت للإمام تقيّ الدين بن تيمية في كتابه (الفرقان بين الحق والباطل) مقالة بديعة في هذه الآية والإجماع. أجال فيها جواد قلمه وأجاد. وأطال وأطاب. قال رحمه الله: ما يسميه ناس الفروع والشرع والفقه، فهذا قد بينه الرسول أحسن بيان. فما بقي مما أمر الله به أو نهى عنه أو حلله أو حرمه إلا بيّن ذلك. وقد قاله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] . وقال تعالى: ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: 111] . وقال تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89] . وقال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [الشورى: 10] . وقال تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ [التوبة: 115] . فقد بيّن للمسلمين جميع ما يتقونه. كما قال: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام: 119] . وقال تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59] . وهو الردّ إلى كتاب الله، أو إلى سنة الرسول، بعد موته. وقوله فَإِنْ تَنازَعْتُمْ شرط. والفعل نكرة في سياق الشرط. فأي شيء تنازعوا فيه ردّوه إلى الله والرسول. ولو لم يكن بيان الله والرسول فاصلا للنزاع لم يؤمروا بالرد إليه. وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «1» : تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا
هالك. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلام نحو هذا. والحاصل أن الكتاب والسنة وافيان بجميع أمور الدين. وأما إجماع الأمة فهو في نفسه حق. لا تجتمع الأمة على ضلالة. وكذلك القياس الصحيح حق. فإن الله بعث رسله بالعدل وأنزل الميزان مع الكتاب. والميزان يتضمن العدل وما يعرف به العدل. وقد فسروا إنزال ذلك بأن ألهم العباد معرفة ذلك. والله ورسوله يسوي بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين وهذا هو القياس الصحيح، وقد ضرب الله في القرآن من كل مثل. وبيّن بالقياس الصحيح وهي الأمثال المضروبة، ما بينه من الحق. لكن القياس الصحيح يطابق النص. فإن الميزان يطابق الكتاب. والله أمر نبيّه أن يحكم بالعدل. فهو أنزل الكتاب. وإنما أنزل الكتاب بالعدل. قال تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة: 49] . وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [المائدة: 42] . وأما إجماع الأمة فهو حق. لا تجتمع الأمة، ولله الحمد، على ضلالة، كما وصفها الله بذلك في الكتاب والسنة. فقال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110] . وهذا وصف لهم بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر. فلو قالت الأمة في الدين بما هو ضلال لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك، ولم تنه عن المنكر فيه. وقال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: 143] . والوسط العدل الخيار وقد جعلهم الله شهداء على الناس وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول. وقد ثبت في الصحيح «1» أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا. فقال: وجبت. ثم مرّ عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا. فقال: وجبت. قالوا: يا رسول الله! ما قولك وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا. فقلت: وجبت لها الجنة. وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا. فقلت: وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض.
فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء لم يشهدوا بباطل. فإذا شهدوا أن الله أمر بشيء فقد أمر به. وإذا شهدوا أن الله نهى عن شيء فقد نهى عنه. ولو كان يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله في الأرض. وقال تعالى: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ [لقمان: 15] . والأمة منيبة إلى ربها فيجب اتباع سبيلها وقال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة: 100] . فرضي عمن اتبع السابقين إلى يوم القيامة. فدلّ على أن متابعهم عامل بما يرضي الله. والله لا يرضى إلا بالحق لا بالباطل. وقال تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً، والشافعيّ، رضي الله عنه، لما جرد الكلام في أصول الفقه احتج بهذه الآية على الإجماع. كما كان يسمع هو وغيره من مالك. ذكر ذلك عن عمر بن عبد العزيز. والآية دلت على أن متبع غير سبيل المؤمنين، مستحق للوعيد كما أن مشاقّ الرسول من بعد ما تبين له الهدى، مستحق للوعيد. ومعلوم أن هذا الوصف يوجب الوعيد بمجرده. فلو لم يكن الوصف الآخر يدخل في ذلك لكان لا فائدة في ذكره. وهنا للناس ثلاثة أقوال: قيل: اتباع غير سبيل المؤمنين هو بمجرده مخالفة الرسول المذكورة في الآية. وقيل بل مخالفة الرسول مستقلة بالذم. فكذلك اتباع غير سبيلهم مستقل بالذم. وقيل: بل اتباع غير سبيل المؤمنين يوجب الذم كما دلت عليه الآية. لكن هذا لا يقتضي مفارقته للأول بل قد يكون مستلزما له. فكل متابع غير سبيل المؤمنين هو في نفس الأمر مشاقّ للرسول. وكذلك مشاق الرسول متبع غير سبيل المؤمنين. وهذا كما في طاعة الله والرسول. فإن طاعة الله واجبة وطاعة الرسول واجبة. وكل واحد من معصية الله ومعصية الرسول موجب للذم. وهما متلازمان. فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله. وفي الحديث الصحيح «1» عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني. ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني. ثم قال تقيّ الدين رحمه الله (بعد ثلاثة أوراق) : ومن الناس من يقول: إنها لا تدل على مورد النزاع. فإن الذم فيها لمن جمع الأمرين. وهذا لا نزاع فيه. أو لمن اتبع غير سبيل المؤمنين التي بها كانوا مؤمنين. وهي متابعة الرسول. وهذا لا نزاع
فيه. أو إن سبيل المؤمنين هو الاستدلال بالكتاب والسنة. وهذا لا نزاع فيه. فهذا ونحوه قول من يقول: لا تدل على محل النزاع. وآخرون يقولون: بل تدل على وجوب اتباع المؤمنين مطلقا. وتكلفوا لذلك ما تكلفوه. كما قد عرف كلامهم ولم يجيبوا عن أسئلة أولئك بأجوبة شافية. والقول الثالث الوسط: إنها تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين وتحريم اتباع غير سبيلهم. ولكن مع تحريم مشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى. وهو يدل على ذم كلّ من هذا وهذا. كما تقدم. لكن لا ينفي تلازمهما. كما ذكر في طاعة الله والرسول. وحينئذ يقول: الذم إما أن يكون حقّا لمشاقة الرسول فقط، أو باتباع غير سبيلهم فقط، أو أن يكون الذم لا يلحق بواحد منهما. بل بهما إذا اجتمعا. أو لحق الذم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر، أو بكل منهما لكونه مستلزما للآخر. والأوّلان باطلان. لأنه لو كان المؤثر أحدهما فقط، كان ذكر الآخر ضائعا لا فائدة فيه. وكون الذم لا يلحق بواحد منهما باطل قطعا. فإن مشاقة الرسول موجبة للوعيد مع قطع النظر عمن اتبعه. ولحوق الذم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر لا تدل عليه الآية. فإن الوعيد فيها إنما هو على المجموع. بقي القسم الآخر وهو أن كلا من الوصفين يقتضي الوعيد. لأنه مستلزم للآخر. كما يقال مثل ذلك في معصية الله والرسول ومخالفة القرآن والإسلام. فيقال: من خالف القرآن والإسلام أو من خرج عن القرآن والإسلام فهو من أهل النار. ومثله قوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً. فإن الكفر بكل واحد من هذه الأصول يستلزم الكفر بغيره. فمن كفر بالله كفر بالجميع. ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل، فكان كافرا بالله. إذ كذب رسله وكتبه. وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل. فكان كافرا. وكذلك قوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [آل عمران: 71] ذمهم على الوصفين. وكل منهما مقتض للذم. وهما متلازمان. ولهذا نهى عنهما جميعا في قوله وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فإن من لبس الحق بالباطل فغطاه به، فغلط به، لزم أن يكتم الحق الذي تبين أن هذا باطل، إذ لو بينه زال الباطل الذي لبس به الحق. فهكذا مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين. من شاقّه، فقد اتبع غير سبيلهم. وهذا ظاهر. ومن اتبع غير سبيلهم فقد شاقه أيضا فإنه قد جعل له مدخلا في الوعيد. فدل على أنه وصف مؤثر في الذم. فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعا، والآية توجب ذم ذلك. وإذا قيل: هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول. قلنا: لأنهما متلازمان. وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصا عن الرسول. فالمخالف لهم مخالف للرسول.
كما أن المخالف للرسول مخالف لله. ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه الرسول قد بيّنه الرسول. وهذا هو الصواب. فلا يوجد مسألة قط مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس. ويعلم الإجماع فيستدل به. كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص. وهو دليل ثان مع النص، كالأمثال المضروبة في القرآن. وكذلك الإجماع دليل آخر. كما يقال: قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها. فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة. وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ. فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه. ولا توجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص. وقد كان بعض الناس يذكر فيها الإجماع بلا نص كالمضاربة. وليس كذلك. بل المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية، لا سيما قريش. فإن الأغلب كان عليهم التجارة. وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد سافر بمال غيره قبل النبوة كما سافر بمال خديجة. والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان وغيره. فلما جاء الإسلام أقرّها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان أصحابه يسافرون بمال غيرهم مضاربة. ولم ينه عن ذلك. والسنة قوله وفعله وإقراره. فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة. والأثر المشهور فيها عن عمر الذي رواه مالك في الموطأ «1» ، ويعتمد عليه الفقهاء، لما أرسل أبو موسى بمال أقرضه لا بنيه واتّجرا فيه وربحا. وطلب عمر أن يأخذ الربح كله للمسلمين لكونه خصّهما بذلك دون سائر الجيش. فقال له أحدهما: لو خسر المال لكان علينا. فكيف يكون الربح وعلينا الضمان؟ فقال له بعض الصحابة: اجعله مضاربة. فجعله مضاربة.
وإنما قال ذلك لأن المضاربة كانت معروفة بينهم. والعهد بالرسول قريب. لم يحدث بعده. فعلم أنها كانت معروفة بينهم على عهد الرسول. كما كانت الفلاحة وغيرها من الصناعات كالخياطة والخرازة. وعلى هذا فالمسائل المجمع عليها قد تكون طائفة من المجتهدين لم يعرفوا فيها نصا فقالوا فيها باجتهاد الرأي الموافق للنص. لكن كان النص عند غيرهم. وابن جرير وطائفة يقولون: لا ينعقد الإجماع إلا من نص نقلوه عن الرسول. مع قولهم بصحة القياس. ونحن لا نشترط أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه بالمعنى، كما نقل الأخبار، ولكن استقرينا موارد الإجماع فوجدنا كلها منصوصة. وكثر من العلماء لم يعلم النص وقد وافق الجماعة. كما أنه قد يحتج بقياس، وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع. كما يكون في المسألة نص خاص وقد استدل فيها بعموم. كاستدلال ابن مسعود وغيره بقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: 4] . وقال ابن مسعود «1» : سورة النساء القصرى نزلت بعد الطولى. أي: بعد البقرة. وقوله: أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، يقتضي انحصار الأجل في ذلك. فلو أوجب عليها أن تعتد بأبعد الأجلين لم يكن أجلها أن تضع حملها. وعليّ وابن عباس وغيرهما أدخلوها في عموم الآيتين. وجاء النص الخاص في قصة «2» سبيعة الأسلمية بما يوافق قول ابن مسعود. وكذلك. لما تنازعوا في المفوضة إذا مات زوجها هل لها مهر المثل، أفتى
ابن مسعود فيها برأيه أن لها مهر المثل. ثم رووا حديث بروع بنت واشق بما يوافق ذلك. وقد خالفه عليّ وزيد وغيرهما. فقالوا: لا مهر لها. فثبت أن بعض المجتهدين قد يفتي بعموم أو قياس، ويكون في الحادثة نص خاص لم يعلمه فيوافقه. ولا يعلم مسألة واحدة اتفقوا على أنه لا نص فيها. بل عامة ما تنازعوا فيه كان بعضهم يحتج فيه بالنصوص وأولئك يحتجون بنص. كالمتوفى عنها الحامل. هؤلاء احتجوا بشمول الآيتين لها. والآخرون قالوا: إنما تدخل في آية الحمل فقط، وإن آية الشهور في غير الحامل. كما أن آية القروء في غير الحامل. وكذلك لما تنازعوا في الحرام احتج من جعله يمينا بقوله: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ [التحريم: 1- 2] . وكذلك تنازعوا في المبتوتة هل لها نفقة أو سكنى. احتج هؤلاء بحديث فاطمة «1» وبأن السكنى التي في القرآن للرجعية. وأولئك قالوا: بل هي لهما. ودلالات النصوص قد تكون خفية. فخص الله بفهمها بعض الناس. كما قال عليّ «2» : إلّا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه . وقد يكون النص بيّنا ويذهل المجتهد عنه، كتيمم الجنب. فإنه بيّن في القرآن في آيتين. ولما «3» احتج أبو موسى على ابن
مسعود بذلك قال الحاضر: ما درى عبد الله ما يقول، إلا أنه قال: لو أرخصنا لهم في هذا لأوشك أحدهم إذا وجد البرد أن يتيمّم. وقد قال ابن عباس وفاطمة بنت قيس وجابر: إن المطلقة في القرآن هي الرجعية بدليل قوله: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [الطلاق: 1] وأي أمر يحدثه بعد الثلاثة؟ وقد احتج طائفة على وجوب العمرة بقوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: 196] . واحتج بهذه الآية من منع الفسخ. وآخرون يقولون: إنما أمر بالإتمام فقط. وكذلك أمر الشارع أن يتم. وكذلك في الفسخ قالوا: من فسخ العمرة إلى غير حج فلم يتمها. أما إذا فسخها ليحج من عامه فهذا قد أتى بما تم مما شرع فيه فإنه شرع صلى الله عليه وسلم أصحابه عام حجة الوداع. وتنازعوا في الذي بيده عقدة النكاح وفي قوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [النساء: 43] . ونحو ذلك مما ليس هذا موضع استقصائه. وأما مسألة مجردة اتفقوا على أنه لا يستدل فيها بنص جلي ولا خفيّ، فهذا ما أعرفه. والجدّ، لما قال أكثرهم: إنه أب، واستدلوا على ذلك بالقرآن بقوله: كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [الأعراف: 27] ، وقال ابن عباس: لو كانت الجن تظن أن الإنس تسمى أبا الأب جدّا لما قالت: وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا [الجن: 3] . نقول: إنما هو أب، لكن أب أبعد من أب. وقد روي عن عليّ وزيد أنهما احتجا بقياس، فمن ادعى إجماعهم على ترك العمل بالرأي والقياس مطلقا فقد غلط. ومن ادعى أن من المسائل ما لم يتكلم أحد منهم إلا بالرأي والقياس فقد غلط. بل كان كل منهم يتكلم بحسب ما عنده من العلم. فمن رأى دلالة الكتاب ذكرها. ومن رأى دلالة الميزان ذكرها. والدلائل الصحيحة لا تتناقض. لكن قد يخفى وجه اتفاقهما أو ضعف أحدهما على بعض العلماء. وللصحابة فهم في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين. كما أن لهم معرفة بأمور من السنة وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المتأخرين. فإنهم شهدوا التنزيل وعاينوا الرسول. وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله ما يستدلون به على مرادهم، ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك فطلبوا الحكم مما اعتقدوه من إجماع أو قياس. ومن قال من المتأخرين: إن الإجماع مستند معظم الشريعة، فقد أخبر عن حاله. فإنه لنقص معرفته بالكتاب والسنة احتاج إلى ذلك. وهذا كقولهم: إن أكثر الحوادث يحتاج فيها إلى القياس لعدم دلالة النصوص عليها. فإنما هذا من قول من لا معرفة له بالكتاب والسنة ودلالتهما على الأحكام وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه: إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها. فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام، حدثت جميع أجناس الأعمال.
فتكلموا فيها بالكتاب والسنة. وإنما تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة. والإجماع لم يكن يحتج به عامتهم ولا يحتاجون إليه. إذ هم أهل الإجماع، فلا إجماع قبلهم. لكن لما جاء التابعون كتب عمر إلى شريح: اقض بما في كتاب الله. فإن لم تجد، فبما في سنة رسول الله. فإن لم تجد، فبما قضى به الصالحون قبلك. وفي رواية: فبما أجمع عليه الناس. فقدم عمر الكتاب ثم السنة: وكذلك ابن مسعود قال مثل ما قال عمر. قدّم الكتاب ثم السنة، ثم الإجماع. وكذلك ابن عباس كان يفتي بما في الكتاب ثم بما في السنة ثم بسنة أبي بكر وعمر. لقوله «1» : اقتدوا باللّذين من بعدي: أبي بكر وعمر. وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود وابن عباس. وهم من أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء. وهذا هو الصواب. ولكن طائفة من المتأخرين قالوا: يبدأ المجتهد ينظر أولا في الإجماع. فإن وجده لم يلتفت إلى غيره. وإن وجد نصّا خالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه. وقال بعضهم: الإجماع نسخه. والصواب طريقة السلف. وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص فلا بد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أن ذاك منسوخ. فأما أن يكون النص المحكم قد ضيعته الأمة، وحفظت النص المنسوخ، فهذا لا يوجد قط. وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه. وإضاعة ما أمرت باتباعه. وهي معصومة عن ذلك. ومعرفة الإجماع قد تتعذر كثيرا أو غالبا. فمن الذي يحيط بأقوال المجتهدين؟ بخلاف النصوص، فإن معرفتها ممكنة متيسرة. وهم إنما كانوا يقضون بالكتاب أوّلا. لأن السنة لا تنسخ الكتاب. فلا يكون في القرآن شيء منسوخ بالسنة. بل إن كان فيه منسوخ، كان في القرآن ناسخه. فلا يقدم غير القرآن عليه. ثم إذا لم يجد ذلك طلبه في السنّة. ولا يكون في السنة شيء منسوخ إلا والسنة نسخته. لا ينسخ السنة إجماع ولا غيره. ولا تعارض السنة بإجماع. وأكثر ألفاظ الآثار. فإن لم يجد فالطالب قد لا يجد مطلوبه في السنة. مع أنها فيها. وكذلك في القرآن. فيجوز له إذا لم يجده في القرآن أن يطلبه في السنة. وإذا كان في السنة لم يكن ما فيه السنة معارضا لما في القرآن. وكذلك الإجماع الصحيح لا يعارض كتابا ولا سنة. انتهى كلامه قدس الله روحه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 116]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 116] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (116) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ قد مر الكلام على هذه الآية الكريمة في أوائل هذه السورة مطولا. قالوا: تكريرها إما تأكيدا وتشديدا أو لتكميل قصة طعمة، وقد مر موته كافرا. أو إن لها سببا آخر في النزول. على ما رواه الثعلبيّ عن ابن عباس قال: جاء شيخ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني شيخ منهمك في الذنوب. إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به. ولم أتخذ من دونه وليّا. ولم أوقع المعاصي جراءة. وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا. وإني لنادم تائب. فما ترى حالي عند الله سبحانه وتعالى؟ فنزلت. واستظهر بعضهم الوجه الأخير قال: لأن التأكيد، مع بعد عهده، لا يقتضي تخصص هذا الموضع، فلا بدّ له من مخصص. وأغرب المهايميّ حيث جعلها مشيرة إلى شقي الآية الكريمة، حيث قال: ثم أشار إلى أن وعيد مشاقة الرسول جازم دون مخالفة الإجماع. لأن مشاقة الرسول دليل تكذيبه. وهو مستلزم للشرك بالله. إذ خلق المعجزات لا يكون إلا لكامل القدرة. ولا يكون إلا لإله. فإذا نفاها عن الله فقد أثبت له شريكا وأن الله لا يغفر أن يشرك به. ومخالفة الإجماع يجوز أن تكون مغفورة. لأنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، إذ لا تنتهي إلى الشرك. وكل هذه المناسبات دالة دون ذلك قطعا على دلالة هذه الآية، على أن ما سوى الشرك مغفور قطعا. سواء حصلت التوبة أو لم تحصل. وقد روى الترمذيّ «1» عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ - الآية وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً. أي: عن الحق. فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة. وإنما ذكر في الآية الأولى فَقَدِ افْتَرى لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب. ومنشأ شركهم كان نوع افتراء. وهو دعوى التبني على الله تعالى بقولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قاله القاضي. وفي (السمين) : ختمت الآية المتقدمة بقوله فَقَدِ افْتَرى وهذه بقوله
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 117]
فَقَدْ ضَلَّ لأن الأولى في شأن أهل الكتاب وهم عندهم علم بصحة نبوته، وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع، ومع ذلك فقد كابروا في ذلك وافتروا على الله. وهذه في شأن قوم مشركين ليس لهم كتاب ولا عندهم علم. فناسب وصفهم بالضلال. وأيضا قد تقدم هنا ذكر الهدى وهو ضد الضلال. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 117] إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (117) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يعبد مشركو مكة ونحوهم من دون الله إِلَّا إِناثاً قال الرازيّ: (يدعون) بمعنى (يعبدون) لأن من عبد شيئا فإنه يدعوه عند احتياجه إليه. انتهى. وقد روى الإمام أحمد «1» وابن أبي شيبة وأصحاب السنن وغيرهم، عن النعمان ابن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدعاء هو العبادة. ورواه أبو يعلى عن البراء. ورواه الترمذيّ «2» عن أنس بلفظ: الدعاء مخ العبادة. وفي قوله تعالى إِلَّا إِناثاً وجوه: الأول- ما رواه ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: يعني أوثانا. وعليه فمرجع التسمية بالإناث كون أسماء غالبها مؤنثة. كمناة والعزّى واللات ونحوها. ولأنهم كانوا يلبسونها أنواع الحليّ ويزيّنونها على هيئات النسوان. وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومجاهد وأبي مالك والسدّيّ ومقاتل نحو ما لعائشة. الوجه الثاني- أنه عنى الملائكة. لأن بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون عنها: بنات الله. روى ابن جرير «3» عن الضحاك في الآية: قال المشركون، للملائكة: بنات الله. وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. قال: فاتخذوهن أربابا وصوروهن جواري فحكوا وقلّدوا وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده. يعنون الملائكة.
قال ابن كثير: وهذا التفسير شبيه بقول الله تعالى أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم: 27] الآيات وقال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزخرف: 19] ... الآية. وقال وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصافات: 137] انتهى. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى. الوجه الثالث- ما رواه ابن أبي حاتم عن أبيّ بن كعب في الآية قال: مع كل صنم جنية. الرابع- قال عليّ بن أبي طلحة والضحاك عن ابن عباس والحسن: إناثا يعني موتى. قال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح. إما خشبة يابسة وإما حجر يابس. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير «1» . وفي (القاموس. وشرحه) : الإناث جمع الأنثى. وهو خلاف الذكر من كل شيء. والموات الذي هو خلاف الحيوان. كالشجر والحجر والخشب، عن اللحيانيّ. وعن الفراء: تقول العرب اللات والعزى وأشباههما من الآلهة المؤنثة. انتهى. وقال الإمام أبو البقاء: قوله تعالى إِلَّا إِناثاً هو جمع أنثى على (فعال) ويراد به كل ما لا روح فيه من صخرة وشمس ونحوهما. ويقرأ (أنثى) على الإفراد. ودل الواحد على الجمع. ويقرأ (أنثا) مثل رسل فيجوز أن تكون صفة مفردة مثل امرأة جنب، ويجوز أن يكون جمع أنيث كقليب وقلب. وقد قالوا: حديد أنيث، من هذا المعنى. ويقرأ اثنا والواحد وثن وهو الصنم وأصله وثن، في الجمع كما في الواحد إلا أن الواو قلبت همزة لما انضمت ضمّا لازما وهو مثل أسد. وأسد. ويقرأ بالواو على الأصل جمعا. ويقرأ بسكون الثاء مع الهمزة والواو. انتهى. قال البيضاوي: ولعله تعالى ذكرها بهذا الاسم تنبيها على أنهم يعبدون ما يسمونه إناثا. لأنه ينفعل ولا يفعل. ومن حق المعبود أن يكون فاعلا غير منفعل، ليكون دليلا على تناهي جهلهم وفرط حماقتهم وَإِنْ يَدْعُونَ أي: ما يعبدون من دون الله إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً وهو إبليس لعنه الله لطاعتهم له في عبادتها. وإذا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 118]
أطاعوه فيما سوّل لهم فقد عبدوه. كما قال تعالى أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ [يس: 60] وقال تعالى بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ: 41] والمريد المتمرد العاتي الطاغي. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 118] لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (118) لَعَنَهُ اللَّهُ صفة ثانية ل (شيطانا) أي: أبعده الله عن رحمته. فأراد إبعاد من أبعد بسببه وَقالَ حين أبعد لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ أي: الذي أبعدتني بسببهم أي: لأجعلن لي منهم نَصِيباً أي: حظّا مَفْرُوضاً أي: مقطوعا ومقدرا من عبادتهم بأن يعبدوا غيرك، أو يراءوا فيها، أو يعجبوا بها، أو يتلفوها في المظالم، أو يحبطوها بالكفر بعدها. قال العلامة أبو السعود. قوله تعالى وَقالَ إلخ عطف على الجملة المتقدمة أي: شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله، وهذا القول الشنيع الصادر عنه عند اللعن. ولقد برهن على أن عبادة الأصنام غاية الضلال بطريق التعليل بأن ما يعبدونها ينفعل ولا يفعل فعلا اختياريا. وذلك ينافي الألوهية غاية المنافاة. ثم استدل عليه بأن ذلك عبادة للشيطان وهو أفظع الضلال من وجوه ثلاثة: الأول- أنه منهمك في الغيّ لا يكاد يعلق بشيء من الخير والهدى. فتكون طاعته ضلالا بعيدا عن الحق. والثاني- أنه ملعون لضلاله. فلا تستتبع مطاوعته سوى اللعن والضلال. والثالث- أنه في غاية السعي في إهلاكهم وإضلالهم. فموالاة من هذا شأنه غاية الضلال، فضلا عن عبادته. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 119] وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (119) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ أي: عن الهدى وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ أي: الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال. قال الرازيّ: إن الشيطان لما ادعى أنه يضل الخلق قال وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الإضلال أقوى من إلقاء الأماني في قلوب الخلق. وطلب ما يورث شيئين: الحرص والأمل. والحرص والأمل يستلزم أكثر
الأخلاق الذميمة. وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان. قال «1» صلى الله عليه وسلم: يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان: الحرص والأمل. والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين. فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق. وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقا في الدنيا. فلا يكاد يقدم على التوبة ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة وَلَآمُرَنَّهُمْ أي على خلاف أمرك إضلالا لهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ أي: فليقطعنها ويشقنها سمة وعلامة للبحائر والسوائب ليحرموها، بعد ما أحللتها. قال الواحديّ رحمه الله: التبتيك، هاهنا، هو قطع آذان البحيرة، بإجماع المفسرين. وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، وجاء الخامس ذكرا ثم تسيّب وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها. فأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح. ولا يردّونها عن ماء ولا مرعى. وإذا لقيها المعيى المنقطع به لم يركبها. وسوّل لهم إبليس أن هذا قربة، وهي البحيرة. قال ابن سيده: بحر الناقة والشاة يبحرها: شق أذنها بنصفين. وقل بنصفين طولا وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ أي: دين الله عزّ وجلّ. رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس وكثيرين. وهذا كقوله تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: 30] على قول من جعل ذلك أمرا. أي: لا تبدلوا فطرة الله، ودعوا الناس على فطرتهم، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال «2» رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه . كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء. هل تجدون بها من جدعاء؟ وفي صحيح مسلم «3» عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال
الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم. وحرمت عليهم ما أحللت لهم. وروى الإمام أحمد «1» والشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بن عامر الخزاعيّ يجر قصبه في النار. وكان أول من سيّب السوائب وبحر البحيرة. وروى الطبرانيّ عن ابن عباس مرفوعا: أول من غير دين إبراهيم عمرو بن لحي ابن قمعة بن خندف، أبو خزاعة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس: أنه عنى بالآية خصي الدواب. وقال أنس: منه الخصا. وقد روى ابن عساكر عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإخصاء. ورواه الإمام أحمد «2» أيضا عنه بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خصاء الخيل والبهائم. وروى الطبرانيّ عن ابن مسعود: نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يخصى أحد من ولد آدم. وروى البيهقيّ عن ابن عباس: نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن صبر الروح وخصاء البهائم . وقال الحسن: عنى بالآية الوشم (بالشين المعجمة) أخرجه ابن أبي حاتم. روى الإمام أحمد «3» عن أبي هريرة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوشم. وفي الصحيح «4»
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 120]
عن ابن مسعود: لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات المتفلجات للحسن المغيّرات خلق الله عز وجل. ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهو في كتاب الله عز وجل؟ يعني قوله وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. قال السيوطيّ في (الإكليل) : فيستدل بالآية على تحريم الخصاء والوشم وما يجري مجراه، من الوصل في الشعر. والتفلج، وهو تفريق الأسنان، والتنميص، وهو نتف الشعر في الوجه. انتهى. قال بعض الزيدية: ويلحق بالوشر ما يفعل في الخدّ من الشرط للزينة. وحكى الزجاج عن بعضهم، في معنى الآية: إن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها، فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل. وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها، فعبدها المشركون فغيروا خلق الله. ولا يخفى أن عموم الآية يصدق على جميع المعاني. إذ كلها من تغيير خلق الله. فلا مانع من حمل الآية عليها. قال البيضاويّ: قوله فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ أي: عن وجهه وصورته، أو صفته. ويندرج فيه ما قيل من فقء عين الحامي، وخصاء العبيد، والوشم والوشر، واللواط، والسحق، ونحو ذلك. وعبادة الشمس والقمر، وتغيير فطرة الله تعالى التي هي الإسلام. واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا، ولا يوجب لها من الله سبحانه وتعالى زلفى. انتهى. وهذه الجمل المحكية عن اللعين مما نطق به لسانه مقالا أو حالا. وما فيها من (اللامات) كلها للقسم. والمأمور به في الموضعين محذوف، ثقة بدلالة النظم عليه. ثم حذر تعالى عن متابعته فقال وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ بإيثار ما يدعو إليه، مجاوزا ولاية الله، بترك ما يدعو إليه فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً أي: بينا لمصيره إلى النار المؤبدة عليه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 120] يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (120) يَعِدُهُمْ بأنهم الفائزون وَيُمَنِّيهِمْ أي: ما لا ينالونه وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً باطلا وضلالا، وإيهام نفع مما ليس فيه إلا الضرر.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 121]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 121] أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121) أُولئِكَ أي: أولياء الشيطان مَأْواهُمْ مصيرهم ومآلهم يوم القيامة جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً معدلا ومفرّا. ثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء ومآلهم من الكرامة فقال سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 122] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (122) وَالَّذِينَ آمَنُوا أي: صدقت قلوبهم وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي: عملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي: من تحت غرفها ومساكنها الْأَنْهارُ أنهار الخمر والماء واللبن والعسل خالِدِينَ فِيها مقيمين في الجنة. لا يموتون ولا يخرجون منها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا صدقا واقعا لا محالة. وكيف لا يكون وعد الله حقّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا وعدا وخبرا. وهو استفهام بمعنى النفي. أي: لا أحد أصدق منه قيلا. لا إله إلا هو ولا رب سواه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «1» في خطبته: إن أصدق الحديث كلام الله. وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم. وشر الأمور محدثاتها. وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. وكل ضلالة في النار والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه، بوعد الله الصادق لأوليائه. والمبالغة في توكيده ترغيبا للعباد في تحصيله. و (القيل) مصدر، كالقال والقول. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 123] لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (123) لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ أي: ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم أيها المشركون أن تنفعكم الأصنام وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ولا على شهوات اليهود والنصارى حيث
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 124]
قالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: 18] لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: 80] مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ. أي: من المشركين وأهل الكتاب بدليل قوله وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً وهذا وعيد للكفار لأنه قال بعده: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 124] وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ جملة حالية. و (من) الأولى زائدة عند الأخفش. وصفة عند سيبويه. أي: شيئا من الصالحات فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً أي: لا ينقص من حسناتهم قدر نقير. وهو النقرة التي على ظهر النواة. وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم. ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان. والراجع في وَلا يُظْلَمُونَ لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا. وجاز أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دليلا على ذكره عند الآخر. وقوله تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وقوله وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ بعد ذكر تمني أهل الكتاب كقوله سبحانه بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة: 81] وقوله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ عقيب قوله وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً. تنبيه: ما قدمناه من أن الخطاب في قوله تعالى لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ للمشركين وأن قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أي: من أهل الكتاب والمشركين- هو الذي يدل عليه سياق الآية ونظمها الكريم كما بينا. ورواه الطبريّ «1» عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن. قال الأولان رضي الله عنهما: (السوء) هاهنا هو الشرك. وقال الحسن: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً هو الكافر. ثم قرأ وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ. ولما كان لعموم هذا الخطاب روعة، وأيّ روعة، أشفق كثير من الصحابة لأجله. قال ابن كثير: وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 125]
الصحابة. قال الإمام أحمد «1» : حدثنا عبد الله بن نمير. حدثنا إسماعيل عن أبي بكر بن أبي زهير قال: أخبرت أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله! كيف الفلاح بعد هذه الآية لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فكل سوء عملنا جزينا به؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: غفر الله لك، يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ قال: بلى. قال: هو مما تجزون به. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ شق ذلك على المسلمين. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: سددوا وقاربوا. فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة. حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها. رواه سعيد بن منصور وأحمد «2» ومسلم «3» والترمذيّ والنسائيّ. وقال عطاء بن يسار عن أبي سعيد وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر الله عن سيئاته. أخرجاه. «4» وروى ابن مردويه عن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس قال قيل: يا رسول الله! من يعمل سوءا يجز به؟ قال: نعم. ومن يعمل حسنة يجز بها عشرا. فهلك من غلب واحدته عشراته . القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 125] وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (125) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أي: أخلص نفسه له تعالى فلم يتخذ ربا سواه. وَهُوَ مُحْسِنٌ أي آت بالحسنات تارك للسيئات. أو آت بالأعمال الصالحة على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفيّ المستلزم لحسنها الذاتيّ. وقد فسر
النبيّ «1» صلى الله عليه وسلم الإحسان بقوله: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ الموافقة لدين الإسلام، المتفق على صحتها وقبولها حَنِيفاً أي: مائلا عن الشرك قصدا. أي: تاركا له عن بصيرة، ومقبل على الحق بكليته، لا يصده عنه صادّ، ولا يرده عنه رادّ. قال الرازيّ: اعلم أنه تعالى لما شرط حصول النجاة والفوز بالجنة بكون الإنسان مؤمنا، شرح الإيمان وبين فضله من وجهين: أحدهما- أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والخضوع والانقياد لله تعالى. والثاني- أنه الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام. وكل واحد من هذين الوجهين سبب مستقل بالترغيب في دين الإسلام. أما الوجه الأول فاعلم أن دين الإسلام مبنيّ على أمرين: الاعتقاد والعمل. أما الاعتقاد فإليه الإشارة بقوله أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وذلك لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع. والوجه أحسن أعضاء الإنسان. فالإنسان إذا عرف بقلبه ربه، وأقر بربوبيته وعبودية نفسه، فقد أسلم وجهه لله. وأما العمل فإليه الإشارة بقوله وَهُوَ مُحْسِنٌ ويدخل فيه فعل الحسنات وترك السيئات. فتأمل في هذه اللفظة المختصرة واحتوائها على جميع المقاصد والأغراض. وأيضا فقوله أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ يفيد الحصر، معناه أنه أسلم نفسه لله وما أسلم لغير الله. وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق، وإظهار التبرئ من الحول والقوة. وأيضا ففيه تنبيه على فساد طريقة من استعان بغير الله. فإن المشركين كانوا يستعينون بالأصنام ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. والدهرية والطبيعيون يستعينون بالأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها. واليهود كانوا يقولون في دفع عقاب الآخرة عنهم: إنهم من أولاد الأنبياء. والنصارى كانوا يقولون: ثالث ثلاثة. فجميع الفرق استعانوا بغير الله. وأما الوجه الثاني في بيان فضيلة الإسلام فهو أن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما دعا الخلق إلى دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وقد اشتهر عند كل الخلق أن إبراهيم ما كان يدعو إلا إلى الله تعالى كما قال وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: 19] ، وما كان يدعو إلى عبادة فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة لصنم ولا استعانة بطبيعة. بل كان ديدنه الدعوة إلى الله والإعراض عن كل ما سوى الله. وهكذا دعوة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم إن شرع إبراهيم مقبول عند الكل. وذلك لأن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم. وأما اليهود والنصارى فلا شك
في كونهم مفتخرين به. وإذا ثبت هذا لزم أن يكون شرع محمد مقبولا عند الكل وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا أي: صفيّا خالص المحبة له. وإظهاره، عليه السلام، في موضع الإضمار، لتفخيم شأنه والتنصيص على أنه الممدوح. وسر هذه الجملة الترغيب في اتباع ملته عليه الصلاة والسلام. فإن من بلغ من الزلفى عند الله تعالى مبلغا مصححا لتسميته خليلا، حقيق بأن يكون اتّباع طريقته أهم ما يمتد إليه أعناق الهمم، وأشرف ما يرمق نحوه أحداق الأمم. فإن درجة الخلة أرفع مقامات المحبة. وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه. كما صفه به في قوله: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم: 37] قال كثير من علماء السلف: أي: قام بجميع ما أمر به، وفي كل مقام من مقامات العبادة. فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير. ولا كبير عن صغير. وقال تعالى وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ... [البقرة: 124] الآية. وقال تعالى إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ... [النحل: 120] الآية. والخليل، لغة، الصديق المختص. وقال ابن الأعرابيّ: الخليل الصادق. وقال الزجاج: هو المحب الذي لا خلل في محبته. وبه فسر الآية. أي: أحبه محبة تامة لا خلل فيها. وقال ابن دريد: الخليل من أصفى المودة وأصحّها. قال: ولا أزيد فيه شيئا لأنها في القرآن. انتهى. قال الرازيّ: ذكروا في اشتقاق الخليل وجوها: منها أن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره. والذي دخل حبه في خلال أجزاء قلبه. ولا شك أن ذلك هو الغاية في المحبة. قيل: لما أطلع الله إبراهيم عليه السلام على الملكوت الأعلى والأسفل، ودعا القوم مرة بعد أخرى إلى توحيد الله، ومنعهم عن عبادة النجم والقمر والشمس، ومنعهم عن عبادة الأوثان، ثم سلّم للنيران، وولده للقربان، وماله للضيفان، جعله الله إماما للخلق ورسولا إليهم، وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته. فلهذه الاختصاصات سماه خليلا، لأن محبة الله لعبده عبارة عن إرادته لإيصال الخيرات والمنافع إليه. انتهى. وقوله: (لأن محبة الله لعبده إلخ منزع كلاميّ لا سلفيّ) . ثم قال الرازيّ: وعندي وجه آخر. وهو أن جوهر الروح، إذا كان مضيئا مشرقا علويا قليل التعلق بالذات الجسمانية والأحوال الجسدانية، ثم انضاف إلى مثل هذا الجوهر المقدس الشريف، أعمال تزيده صقالة عن الكدورات الجسماني، أفكار تزيده استنارة بالمعارف القدسية والجلايا الإلهية، صار مثل هذا الإنسان متوغلا في عالم القدس والطهارة، متبرئا عن علائق الجسم والحسّ. ثم لا يزال هذا الإنسان
يتزايد في هذه الأحوال الشريفة إلى أن يصير بحيث لا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا الله، ولا يتحرك إلا بالله، ولا يسكن إلا بالله، ولا يمشي إلا بالله فكأن نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانية. وتخلل فيها وغاص في جواهرها. وتوغل في ماهياتها. فمثل هذا الإنسان هو الموصوف، حقا، بأنه خليل. لما أنه تخللت محبة الله في جميع قواه. وإليه الإشارة بقول «1» النبيّ صلى الله عليه وسلم، في دعائه: اللهم! اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وفي عصبي نورا . انتهى. قال الإمام العلامة شمس الدين بن القيّم في كتابه (الجواب الكافي) : الخلة تتضمن كمال المحبة ونهايتها. بحيث لا يبقى في القلب سعة لغير محبوبه. وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما. وهذا المنصب خاصة للخليلين صلوات الله وسلامه عليهما: إبراهيم ومحمد. كما قال صلى الله عليه وسلم: إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. وفي الصحيح «2» عنه صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ولكن صاحبكم خليل الله. وفي حديث «3» آخر: إني أبرأ إلى كل خليل من خلته. ولما سأل إبراهيم عليه السلام الولد، فأعطيه، فتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة، غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره. فأمر بذبحه. وكان الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحانا. ولم يكن
المقصود ذبح الولد. ولكن المقصود ذبحه من قلبه. ليخلص القلب للرب. فلما بادر الخليل عليه الصلاة والسلام إلى الامتثال، وقدم محبة الله على محبة ولده، حصل المقصود. فرفع الذبح وفدي بذبح عظيم. فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأسا. بل لا بد أن يبقى بعضه أو بدله. كما أبقى شريعة الفداء. وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة. وكما أبقى الخمس الصلوات بعد رفع الخمسين، وأبقى ثوابها. وقال: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق: 29] . هي خمس في الفعل وخمسون في الأجر. ثم قال ابن القيّم قدس سره: وأما ما يظنه بعض الظانين أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله ومحمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله، فمن جهله. فإن المحبة عامة والخلة خاصة. والخلة نهاية المحبة. وقد أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن الله اتخذ إبراهيم خليلا. ونفى أن يكون له خليل غير ربه. مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم. وأيضا فإن الله سبحانه يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [البقرة: 222] ، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222] ، ويُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 146] ، ويُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195] ، ويُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران: 76] ، ويُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: 8] . وخلته خاصة بالخليلين عليهما الصلاة والسلام. والشاب التائب حبيب الله. وإنما هذا عن قلة العلم والفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. انتهى. وقد تمسك من زعم أن المحبة أصفى من الخلة بما رواه ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه. فخرج، حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون. فسمع حديثهم. وإذا بعضهم يقول: عجبا إن الله اتخذ من خلقه خليلا. فإبراهيم خليله. وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما. وقال الآخر: فعيسى روح الله وكلمته. وقال آخر: آدم اصطفاه الله. فخرج عليهم فسلم وقال: قد سمعت كلامكم وتعجبكم. أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك. وموسى كليمه. وعيسى روحه وكلمته. وآدم اصطفاه الله. وهو كذلك. وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم قال: ألا وإني حبيب الله. ولا فخر. وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر. وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح الله لي ويدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر. وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر. قال ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه. ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 126]
قلت: ورواه الترمذي «1» أيضا في جامعه في فضائله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: هذا حديث غريب. وظاهر أن قوله صلى الله عليه وسلم: ألا وإني حبيب الله، لا يدل على أن درجة المحبة أرفع. لأنه لم يورد للتفاضل بينهما. وإنما سيقت هذه الجملة مع ما بعدها للتعريف بقدره الجسيم، وفضله العظيم. وبيان خصائصه التي لم تجتمع قبل في مخلوق. وما يدان الله تعالى به من حقه الذي هو أرفع الحقوق. لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً [المدثر: 31] ، وروى ابن أبي حاتم عن إسحاق بن يسار قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلا ألقى في قلبه الوجل. حتى إن خفقان قلبه ليسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير في الهواء. وهكذا جاء في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، إذا اشتد غليانها، من البكاء. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 126] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (126) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جملة مبتدأة. سبقت لتقرير وجوب طاعة الله تعالى على أهل السموات والأرض، ببيان أن جميع ما فيهما من الموجودات، له تعالى خلقا وملكا. لا يخرج عن ملكوته شيء منها. فيجازي كلّا بموجب أعماله خيرا وشرّا. وقيل: لبيان أن اتخاذه عز وجل لإبراهيم عليه السلام خليلا ليس لاحتياجه سبحانه إلى ذلك في شأن من شؤونه كما هو دأب الآدميين. فإن مدار خلتهم افتقار بعضهم إلى بعض في مصالحهم. بل لمجرد تكرمته وتشريفه عليه السلام. وقيل: لبيان أن الخلة لا تخرجه عن رتبة العبودية. وقيل: لبيان أن اصطفاءه عليه السلام للخلة، بمحض مشيئته تعالى. أي: له تعالى ما فيهما جميعا. يختار منهما ما يشاء لمن يشاء. أفاده أبو السعود. وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً يعني عالما علم إحاطة. لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ [يونس: 61] .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 127]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 127] وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ أي: ويسألونك الإفتاء في النساء. والإفتاء تبيين المبهم، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ذكروا في (ما) وجوها: المختار منها أنها في موضع رفع بالعطف على المبتدأ، وهو لفظ الجلالة. أي: والمتلوّ في الكتاب يفتيكم فيهن أيضا. أو بالعطف على ضميره في يُفْتِيكُمْ وساغ، لمكان الفصل بالمفعول والجارّ والمجرور. وذلك المتلوّ في الكتاب هو قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ قال الرازيّ: وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من أحوال النساء. فما كان منها غير مبين الحكم، ذكر أن الله يفتيهم فيها. وما كان منها مبين الحكم في الآيات المتقدمة، ذكر أن تلك الآيات المتلوّة تفتيهم فيها. وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب. ألا ترى أنه يقال في المشهور: إن كتاب الله بيّن لنا هذا الحكم. وكما جاز هذا، جاز أيضا أن يقال: إن كتاب الله أفتى بكذا. قال أبو السعود: وإيثار صيغة المضارع للإيذان باستمرار التلاوة ودوامها و (في الكتاب) إما متعلق ب (يتلى) أو بمحذوف وقع حالا من المستكنّ فيه. أي يتلى كائنا فيه فِي يَتامَى النِّساءِ متعلق ب (يتلى) أي: ما يتلى عليكم في شأنهن. وهذه الإضافة بمعنى (من) لأنها إضافة الشيء إلى جنسه. وقيل: من إضافة الصفة إلى الموصوف. أي: النساء اليتامى اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ أي: ما وجب لهن من الميراث وغيره وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ روى البخاريّ «1» ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت، في هذه الآية: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليّها ووارثها. فأشركته في ماله حتى في العذق. فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما
شركته. فيعضلها. فنزلت هذه الآية. وعنها «1» أيضا قالت: وقول الله عز وجل وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره. حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط. من أجل رغبتهم عنهن. وهذا المرويّ عن عائشة يدل على أن الآية نزلت في المعدمة. وأن الجار المقدّر مع (أن) هنا هو (عن) . وقد تأولها سعيد بن جبير على المعنيين. أي تقدير (عن) و (في) فقال نزلت في المعدمة والغنية. قال الحافظ ابن حجر: والمرويّ عن عائشة أوضح، في أن الآية الأولى، أي: التي في أول السورة، نزلت في الغنية. وهذه الآية نزلت في المعدمة. قال ابن كثير: والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزوجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها، أسوة أمثالها من النساء. فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء. فقد وسع الله عز وجل. وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة. وتارة لا يكون له فيها رغبة، لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر. فنهاه الله عز وجل أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها. كما قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، وهي قوله فِي يَتامَى النِّساءِ الآية: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه. فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا. فإن كانت جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدا حتى تموت. فإذا ماتت ورثها. فحرّم الله ذلك ونهى عنه.
تنبيه:
تنبيه: ما ذكرناه عن ابن جبير من حمل الآية على المعنيين، أي: أن حرف الجر المقدّر مع (أن) هو (عن) و (في) ، وأن كلا منهما مراد منها على سبيل البدل لصلاحيتها لهما بالاعتبارين المتقدمين. قال الخفاجيّ: مثله لا يعدّ لبسا بل إجمالا. كما ذكره بعض المحققين. انتهى. قلت: وهذا بناء على أن اللبس هو أن يدل اللفظ على غير المراد. والإجمال أن لا تتضح الدلالة. وبعبارة أخرى: إيراد الكلام على وجه يحتمل أمورا متعددة. وقد نظم بعضهم الفرق بينهما فقال: والفرق بين اللّبس والإجمال ... مما به يهتمّ في الأقوال فاللفظ، إن أفهم غير القصد، ... فاحكم على استعماله بالرد لأنه اللّبس. وأما المجمل ... فربما يفهمه من يعقل وذاك أن لا تفهم المخالفا ... ولا سواه بل تصير واقفا وحكمه القبول في الموارد ... فاحفظه نظما أعظم الفوائد وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ عطف (على يتامى النساء) . وما يتلى في حقهم: قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ ... إلخ. وقد كانوا في الجاهلية لا يورثونهم كما لا يورثون النساء. وإنما يورثون الرجال القوّام. قال ابن عباس، في الآية: كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات. وذلك قوله لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ فنهى الله عن ذلك. وبيّن لكل ذي سهم سهمه. فقال لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ صغيرا أو كبيرا. وكذا قال سعيد بن جبير وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ بالجر، عطف على ما قبله. وما يتلى في حقهم: قوله تعالى وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النساء: 2] ونحو ذلك مما لا يكاد يحصر. قال سعيد بن جبير: المعنى: كما أنها إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال وجمال، فانكحها واستأثر بها. والخطاب للولاة، أو للأولياء والأوصياء. تنبيه: استنبط من الآية أحكام: الأول- جواز نكاح الصغيرة. لأن اليتيم: الصغير
الذي لم يبلغ. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يتم بعد احتلام. رواه أبو داود «1» . وعن الأصم: أراد البوالغ قبل التزوج. وسماهن باليتم لقرب عهدهن باليتم. والأول أظهر. لأنه الحقيقة. قالوا: قد يطلق اليتيم على البالغة. وبدليل قوله «2» صلى الله عليه وسلم: تستأمر اليتيمة في نفسها. فإن سكتت فهو إذنها. وإن أبت فلا جواز عليها. رواه أهل السنن . والاستئمار لا يكون إلا من البالغة. وقد ورد قول الشاعر: إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى فسمى البالغات يتامى، لانفرادهن عن الأزواج. وكل شيء منفرد لا نظير له يقال له يتيم. كقولهم: درة يتيمة. وهذه المسألة فيها أقوال للعلماء: الأولى- جواز نكاح الصغيرة لجميع الأولياء. وهذا مذهب الهادوية ومالك وأبي حنيفة وصاحبيه. الثاني- للناصر والشافعيّ: لا يجوز ذلك إلا للأب والجد. والثالث- لا يجوز ذلك إلا للأب فقط. وهذا قول الأوزاعيّ. ومرويّ عن القاسم. دليل الأولين، ما اقتضاه قوله تعالى وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وهي نزلت في شأن اليتيمة ينكحها وليها ولا يقسط لها في المهر. فنهوا عن ذلك وأمروا أن يقسطوا في المهر بقوله في سورة النساء وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ واليتم الحقيقيّ مع الصغر. وغيره مجاز. وأدنى الأولياء الذي يجوز له النكاح، ابن العم. فإذا صح فيه صح. وحجة القول الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: تستأمر اليتيمة. الحديث المتقدم. والإذن لا يكون إلا بعد البلوغ. وروى الإمام أحمد والدّارقطنيّ: أن قدامة بن مظعون زوّج ابنة أخيه، وكان وصيّها، ممن أبته. فرفع ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال: هي يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها . كذا ذكره بعض مفسري الزيدية. وتخريج الأحاديث من زيادتي. وما نقله من أن الإذن لا يكون إلا بعد البلوغ يحتاج إلى دليل. إذ لا يدل عليه الخبر بمنطوقه ولا مفهومه. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : وفي حديث: لا تنكح الأيّم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن: ظاهر الحديث اشتراط رضاء المزوجة. بكرا كانت أو ثيبا. صغيرة أو كبيرة. انتهى.
قال الترمذيّ «1» في (جامعه) : قال بعضهم: لا يجوز نكاح اليتيمة حتى تبلغ. وقال أحمد وإسحاق: إذا بلغت اليتيمة سبع سنين فزوجت فرضيت فالنكاح جائز. ولا خيار لها إذا أدركت. واحتجا بحديث عائشة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنى بها وهي بنت تسع سنين. وقد قالت عائشة: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. انتهى. الحكم الثاني- أنه يجوز أن يتولى طرفي العقد واحد في النكاح. لقوله وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وقد روى ابن سعد من طريق ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد، أن أم حكيم بنت قارظ قالت لعبد الرحمن بن عوف: إنه قد خطبني غير واحد. فزوجني أيّهم رأيت. قال: وتجعلين ذلك إليّ؟ فقالت: نعم. قال: قد تزوجتك. قال ابن أبي ذئب: فجاز نكاحه. وروى عبد الرزاق ووكيع والبيهقيّ أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة وهو وليّها. فأمر أبعد منه، فزوجه. وروى عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: امرأة خطبها ابن عم لها، لا رجل لها غيره. قال: فلتشهد أن فلانا خطبها، وإني أشهدكم أني قد نكحته. ولتأمر رجلا من عشيرتها. أخرج هذه الآثار الثلاثة البخاري في (صحيحه) تعليقا في (باب إذا كان الوليّ هو الخاطب) أي: هل يزوج نفسه أو يحتاج إلى وليّ آخر. قال ابن المنير: ذكر في الترجمة ما يدل على الجواز والمنع معا، ليكل الأمر في ذلك إلى نظر المجتهد. قال الحافظ ابن حجر: لكن الذي يظهر من صنيعه أنه يرى الجواز. فإن الآثار التي فيها أسر الوليّ غيره أن يزوجه- ليس فيها التصريح بالمنع من تزويجه نفسه.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 128]
ثم قال: وقد اختلف السلف في ذلك. فقال الأوزاعيّ وربيعة والثوريّ ومالك وأبو حنيفة وأكثر أصحابه: يزوّج الوليّ نفسه. ووافقهم أبو ثور. وعن مالك: لو قالت الثيب لوليّها: زوجني بمن رأيت، فزوجها من نفسه، أو ممن اختار، لزمها ذلك. ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعيّ: يزوجهما السلطان أو وليّ آخر مثله، أو أقعد منه. ووافقه زفر وداود. وحجتهم أن الولاية شرط في العقد. فلا يكون الناكح منكحا، كما لا يبيع من نفسه. انتهى. الحكم الثالث- أنه يجوز للأولياء التصرف في المال. لأن القيام بالقسط لا يتم إلا بذلك وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ لا سيما في حق الضعفاء من حفظ أموالهم والقيام بتدبيرهم والإقساط لهم فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً فيجزيكم به. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 128] وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128) وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها أي: زوجها نُشُوزاً أي: تجافيا عنها وترفعا عن صحبتها، بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها أَوْ إِعْراضاً أي: تطليقا. أو أن يقلّ محادثتها ومجالستها. كراهة لها أو لطموح عينه إلى أجمل منها فَلا جُناحَ أي لا إثم عَلَيْهِما حينئذ أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً بحطّ شيء من المهر أو النفقة. أو هبة شيء من مالها أو قسمها، طلبا لبقاء الصحبة إن رضيت بذلك. وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها. قال في (الإكليل) : الآية أصل في هبة الزوجة حقها من القسم وغيره. استدل به من أجاز لها بيع ذلك وَالصُّلْحُ خَيْرٌ أي من الفرقة والنشوز والإعراض. قال ابن كثير: بل الطلاق بغيض إليه سبحانه وتعالى. ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود «1» وابن ماجة «2» عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبغض الحلال إلى الله الطلاق. قال بعض مفسري الزيدية: وفي هذه الآية حث على الصبر على نفس الصحبة. لقوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ أي:
من الفرقة وسوء العشرة. أو خير من الخصومة. أو خير من الخيور. كما أن الخصومة شر من الشرور. وقد كان من كرم أخلاقه صلى الله عليه وسلم «1» أنه كان يكرم صواحب خديجة بعد موتها. وعنه صلى الله عليه وسلم «2» : إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه . وهذا فيه صبر. وفي الصبر ما لا يحصر من المحاسن والفضائل. والصلح فيه من أنواع الترغيب. روى عنه صلى الله عليه وسلم: من أصلح بين اثنين استوجب ثواب شهيد. وعن أنس: من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة. انتهى. وفي (الإكليل) : قوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ عام في كل صلح، أصل فيه. وفي الحديث «3» : الصلح جائز بين المسلمين. إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. واستدل بعموم الآية من أجاز الصلح على الإنكار والمجهول وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ بيان لما جبل عليه الإنسان. أي: جعلت حاضرة له مطبوعة عليه، لا تنفك عنه أبدا. فلا تكاد المرأة تسمح بالنشوز، والإعراض، وحقوقها من الرجل. ولا الرجل في إمساكها مع القيام بحقوقها على ما ينبغي، إذا كرهها أو أحب غيرها. والجملة
الأولى للترغيب في المصالحة. والثانية لتمهيد العذر في المشاحة وللحث على الصلح. فإن شح نفس الرجل وعدم ميلها عن حالتها الجبليّة بغير استمالة، مما يحمل المرأة على بذل بعض حقوقها إليه لاستمالته. وكذا شح نفسها بحقوقها مما يحمل الرجل على أن يقتنع من قبلها بشيء يسير، ولا يكلفها بذل الكثير، فيتحقق بذلك الصلح وَإِنْ تُحْسِنُوا في العشرة وَتَتَّقُوا النشوز والإعراض ونقص الحق فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من تحمل المشاق في ذلك خَبِيراً فيجازيكم ويثيبكم. قال أبو السعود: وفي خطاب الأزواج بطريق الالتفات، والتعبير عن رعاية حقوقهن بالإحسان، ولفظ (التقوى) المنبئ عن كون النشوز والإعراض مما يتوقى منه، وترتيب الوعد الكريم عليه- من لطف الاستمالة والترغيب في حسن المعاملة، ما لا يخفى. وما قدمنا في تفسير الآية هو زبدة ما نقل عن السلف، صحابة وتابعين في معناها. قال ابن كثير: ولا أعلم في ذلك خلافا. وفي البخاريّ «1» عن عائشة، في هذه الآية قالت: الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر منها. يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حلّ. فنزلت هذه الآية. وروى ابن أبي حاتم عن خالد ابن عرعرة قال: جاء رجل إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام فسأله عن قول الله عز وجل: وَإِنِ امْرَأَةٌ ... الآية، قال عليّ: يكون الرجل عنده المرأة. فتنبو عينه عنها من دمامتها، أو كبرها، أو سوء خلقها، أو قذذها، فتكره فراقه. فإن وضعت له من مهرها شيئا، حلّ له. وإن جعلت له من أيامها، فلا حرج. وكذا رواه أبو داود الطيالسيّ «2» وابن جرير . وروى ابن جرير «3» أيضا عن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن هذه الآية فقال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها. فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها. فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. وروى سعيد بن منصور عن
لطيفة:
عروة قال: أنزل في سودة وأشباهها: وَإِنِ امْرَأَةٌ الآية وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت. ففرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وضنّت بمكانها منه وعرفت من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة ومنزلتها منه. فوهبت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة. فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى نحوه أبو داود «1» الطيالسيّ والترمذيّ عن ابن عباس. وروى الحاكم عن عروة عن عائشة أنها قالت له: يا ابن اختي! كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضّل بعضنا على بعض في القسم في مكثه عندنا. وكان قلّ يوم إلا وهو يطوف علينا. فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى من هو يومها. فيبيت عندها. ولقد قالت سودة بنت زمعة، حين أسنّت وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! يومي هذا لعائشة. فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منها. قالت: نقول في ذلك أنزل الله تعالى، وفي أشباهها، أراه قال: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً ... الآية. وكذلك رواه أبو داود «2» . وفي الصحيحين «3» عن عائشة قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة، وهبت يومها لعائشة. فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقسم لها بيوم سودة. ولا يخفى أن قبوله صلى الله عليه وسلم ذلك من سودة، إنما هو لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه. فهو أفضل في حقه عليه الصلاة والسلام. وقول بعض المفسرين في هذه القصة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان عزم على طلاق سودة- باطل وسوء فهم من القصة. إذ لم يرو عزمه صلى الله عليه وسلم على ذلك. لا في الصحاح ولا في السنن ولا في المسانيد. غاية ما روي في السنن أن سودة خشيت الفراق لكبرها. وتوهمته. وجليّ أن للنساء في باب الغيرة أوهاما منوعة. فتقدمت للنبيّ صلى الله عليه وسلم بقبول ليلتها لعائشة. فقبل منها. وما رواه ابن كثير عن بعض المعاجم من كونه صلى الله عليه وسلم بعث إليها بطلاقها، ثم ناشدته فراجعها- فهو (زيادة عن إرساله وغرابته، كما قاله) فيه نكارة لا تخفى. لطيفة: حكى الزمخشريّ هنا أن عمران بن حطان الخارجيّ كان من أدمّ بني آدم. وامرأته من أجملهم. فأجالت في وجهه نظرها يوما. ثم تابعت الحمد لله. فقال:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 129]
مالك؟ قالت: حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة. قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت. ورزقت مثلك فصبرت. وقد وعد الله الجنة، عباده الشاكرين والصابرين. انتهى. قلت: عمران المذكور ممن خرّج له البخاريّ في صحيحه. ولما مات سئلت زوجته عن ترجمته؟ فقالت: أوجز أم أطنب؟ فقيل: أوجزي. فقالت: ما قدمت له طعاما بالنهار، وما مهدت له فراشا بالليل. تعني أنه كان صوّاما قوّاما رحمه الله تعالى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 129] وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ أي: تساووا بينهن في جميع الوجوه، بحيث لا يقع ميل مّا إلى جانب إحداهن، في شأن من الشؤون. فإنه وإن وقع القسم الصوريّ ليلة وليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع. كما قاله ابن عباس وغيره وَلَوْ حَرَصْتُمْ أي على إقامة العدل، وبالغتم في ذلك. لأن الميل يقع بلا اختيار في القلب. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه، فيعدل. ثم يقول: اللهم! هذا قسمي فيما أملك. فلا تلمني فيما تملك ولا أملك. يعني القلب. رواه الإمام أحمد «1» وأهل السنن فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ أي: إذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل إليها. وقال المهايميّ: فلا تميلوا، أي عن امرأة كل الميل فتتركوا المستطاع من القسط فَتَذَرُوها أي: التي ملتم عنها كَالْمُعَلَّقَةِ بين السماء والأرض. لا تكون في إحدى الجهتين. لا ذات زوج ولا مطلقة. وروى أبو داود «2» الطيالسيّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شدقيه ساقط.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 130]
كذا رأيته في (ابن كثير) شدقيه، بشين معجمة ثم دال. ورواية أصحاب السنن المنقولة: وشقه (بمعجمة ثم قاف) ساقط. وفي رواية: مائل وَإِنْ تُصْلِحُوا أي نفوسكم بالتسوية والقسمة والعدل فيما تملكون وَتَتَّقُوا الحيف والجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً فيغفر لكم ما سلف من ميلكم. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 130] وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (130) وَإِنْ يَتَفَرَّقا أي الزوج والمرأة بالطلاق، بأن لم يتفق الصلح بينهما، فاختارا الفرقة يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا أي: منهما. أي يجعله مستغنيا عن الآخر مِنْ سَعَتِهِ أي: غناه وجوده وقدرته. وفيه زجر لهما عن المفارقة رغما لصاحبه، وتسلية لهما بعد الطلاق وَكانَ اللَّهُ واسِعاً أي: واسع الفضل حَكِيماً في جميع أفعاله وأقداره وشرعه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 131] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (131) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جملة مستأنفة منبهة على كمال سعته وعظم قدرته أي: كيف لا يكون واسعا وله ما فيهما من الخلائق والأرزاق وغيرهما؟ فله أن يعطي ما شاء منهما لمن شاء من عبيده. وعلى هذا، فهي متعلقة بما قبلها. أو أتى بها تمهيدا لما بعدها من العمل بوصيته، إعلاما بأنه مالك ما في السموات والأرض والحاكم فيهما. ولهذا قال وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي: من الأمم السابقة. والْكِتابَ اسم جنس يتناول الكتب السماوية وَإِيَّاكُمْ معطوف على (الذين) أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ أي: وصينا كلّا منكم ومنهم بالتقوى. وهي عبادته وحده. لا شريك له. والمعنى: أن وصيته قديمة ما زال يوصي الله بها عباده، ولستم بها مخصوصين. لأنهم بالتقوى يسعدون عنده وَإِنْ تَكْفُرُوا أي: بالله فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي: فهو مالك الملك كله. لا يضره كفركم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 132]
لغناه المطلق. فما الوصية إلا لفلاحكم رحمة بكم. كما في الآية الأخرى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم: 8] ، وقال تعالى: فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [التغابن: 6] وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا عن عباده حَمِيداً أي: محمودا في ذاته، حمدوه أو لم يحمدوه. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 132] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (132) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ذكره ثالثا، إما لتقرير كونه تعالى غنيا حميدا فإن جميع المخلوقات تدل، بحاجتها على غناه. وبما أفاض عليها من الوجود وأنواع الخصائص والكمالات، على كونه حميدا. وإما تمهيدا للاحقه من الشرطية. وهو بيان كونه تعالى قادرا على جميع المقدورات. أي: له سبحانه ما فيهما من الخلائق خلقا وملكا. فهو قادر على الإفناء والإيجاد. فإن عصيتموه، أيها الناس، فهو قادر على إعدامكم وإفنائكم بالكلية. وعلى أن يوجد قوما آخرين يشتغلون بعبادته وتعظيمه. فذكر هذه الكلمات في هذا المقام ثلاث مرات لتقرير ثلاثة أمور في سياقها. كما بيّنا. قال الرازيّ: إذا كان الدليل الواحد دليلا على مدلولات كثيرة، فإنه يحسن ذكر ذلك الدليل ليستدل به على أحد تلك المدلولات. ثم يذكر مرة أخرى ليستدل به على الثاني. ثم ثالثا ليستدل له على المدلول الثالث. وهذه الإعادة أحسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة واحدة. لأن عند إعادة ذكر الدليل يخطر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول. فكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجلى. فظهر أن هذا التكرير في غاية الحسن والكمال. وأيضا، فإذا أعدته ثلاث مرات، وفرّعت عليه في كل مرة إثبات صفة أخرى من صفات جلال الله، تنبّه الذهن حينئذ لكون تخليق السموات والأرض دالّا على أسرار شريفة ومطالبه جليلة. فعند ذلك يجتهد الإنسان في التفكر فيها والاستدلال بأحوالها وصفاتها على صفات الخالق سبحانه وتعالى. ولما كان الغرض الكليّ من هذا الكتاب الكريم صرف العقول والأفهام، عن الاشتغال بغير الله، إلى الاستغراق في معرفة الله، وكان هذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده. لا جرم كان في غاية الحسن والكمال. انتهى. وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي: ربّا حافظا توكل بالقيام بجميع ما خلق. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 133] إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (133)
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 134]
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أي: يفنكم ويستأصلكم بالمرّة أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ أي: ويوجد، دفعة مكانكم، قوما آخرين من البشر. أو خلقا آخرين مكان الإنس يعني أن إبقاءكم على ما أنتم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم، ولعدم تعلق مشيئته المبنيّة على الحكم بالبالغة بإفنائكم. لا لعجزه سبحانه وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ أي: إهلاككم بالمرة وتخليق غيركم قَدِيراً بليغ القدرة، كما قال تعالى وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد صلى الله عليه وسلم: 38] . وقال تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم: 19] . ففيه تقرير لغناه وقدرته، وتهديد لمن كفر به. قال بعض السلف، ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره! القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 134] مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا كالمجاهد يجاهد للغنيمة فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي: فما له يطلب أخسهما. فليطلبهما، أو الأشرف منهما. كما قال تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ [البقرة: 200- 202] . وقال تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ... [الشورى: 20] الآية. وقال تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ... [الإسراء: 18] الآية. قال بعضهم: عني بالآية مشركو العرب. فإنهم كانوا يقرون بالله تعالى، خالقهم، ولا يقرون بالبعث يوم القيامة. وكانوا يتقربون إلى الله تعالى ليعطيهم من خير الدنيا ويصرف عنهم شرها وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً فلا يخفى عليه خافية. ويجازي كلّا بحسب قصده. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 135] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ أي مقتضى إيمانكم المبالغة والاجتهاد في القيام بالعدل والاستقامة. إذ به انتظام أمر الدارين الموجب لثوابهما. ومن أشده القيام بالشهادة على وجهها. فكونوا شُهَداءَ لِلَّهِ أي: مقيمين للشهادة بالحق، مؤدين لها لوجهه تعالى، ولو كانت الشهادة عَلى أَنْفُسِكُمْ فاشهدوا عليها بأن تقروا بالحق عليها ولا تكتموه أَوِ على الْوالِدَيْنِ أي الأصول وَالْأَقْرَبِينَ أي الأولاد والإخوة وغيرهم. فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم. فإن الحق حاكم على كل أحد إِنْ يَكُنْ أي: من تشهدون عليه غَنِيًّا يبتغي في العادة رضاه ويتقي سخطه أَوْ فَقِيراً يترحم عليه غالبا. أو يخاف من الشهادة عليه أن يلجئ الأمر إلى أن يعطي ما يكفيه فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما أي: من المشهود عليه، واعلم بما فيه صلاحهما. فلولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها. لأن أنظر لعباده من كل ناظر فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا أي: إرادة العدول عن أمر الله الذي هو مصلح أموركم، وأمور المشهود عليهم، لو نظرتم ونظروا إليه. قال ابن كثير: أي: لا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم، على ترك العدل في شؤونكم. بل الزموا العدل على أي حال كان. كما قال تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: 8] ومن هذا قول عبد الله بن رواحة «1» ، لما بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله! لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليّ. ولأنتم أبغض إليّ من أعدائكم من القردة والخنازير. وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض وَإِنْ تَلْوُوا أي: تحرفوا ألسنتكم عن الشهادة على وجهها أَوْ تُعْرِضُوا أي: عنها بكتمها فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فيجازيكم على ذلك. قال تعالى: وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: 283] .
تنبيه:
تنبيه: قال بعض مفسري الزيدية: لهذه الآية ثمرات. هي أحكام: الأول- وجوب العدل على القضاة والولاة. وأن لا يعدل عن القسط لأمر تميل إليه النفوس وشهوات القلوب من غنى أو فقر أو قرابة. بل يستوي عنده الدنيء والشريف والقريب والبعيد. ويروى أن عمر أقام حدّا على ولد له. فذاكره في حق القرابة. فقال: إذا كان يوم القيامة شهدت عند الله أن أباك كان يقيم عليك الحدود. الحكم الثاني- أنه يجب الإقرار على من عليه الحق ولا يكتمه. لقوله تعالى: وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ والمراد بالشهادة على النفس الإقرار. وهذا ظاهر. وقيل المعنى: ولو كانت الشهادة وبالا ومضرة على أنفسكم وآبائكم. بأن تكون الشهادة على سلطان ظالم. وهذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء إذا خشي مضرة دون القتل، هل يجب عليه الشهادة أم لا؟ فقيل: يجب لأنه لا يحفظ ماله بتلف مال غيره. وعن الشافعية والمتكلمين، وصحح للمذهب، أنه لا يجب. لأن الشهادة أمر بمعروف، وشرطه أن لا يؤدي إلى منكر. ولكن إنما يسقط عنه أداء الشهادة بحصول الظن لمضرته، لا بمجرد الخشية. وقد قال المؤيد بالله في (الإفادة) : على الشاهد أن يشهد وإن خشي على نفسه وماله. لأن الذي يخشاه مظنون. ولعله غير كائن. يؤول على أن مراده مجوّز لا أنه قد ظن حصول المضرة. وهذا يجوز له الشهادة مع الخشية على نفسه، قال في (شرح الإبانة) : يجوز إذا كان قتله إعزازا للدين. كالنهي عن المنكر. أمّا لو كتم لغير عذر فلا إشكال في عصيانه. وعن ابن عباس: ذلك من الكبائر. الحكم الثالث- يتعلق بقوله تعالى شُهَداءَ لِلَّهِ أي: تشهدون لوجه الله كما أمركم. وفي هذا دلالة على أن أخذ الأجرة على تأدية الشهادة لا يجوز. لأنه لم يقمها لله. وقد استثنى أهل الفقه صورا جوّزوا أخذ الأجرة على تأدية الشهادة. منها: إذا طلب إلى موضع. لأن الخروج غير واجب عليه. ومنها: إذا كان غيره يشهد ويحصل به الحق، فإن شهادته غير لازمة. انتهى. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 136] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا أي: اثبتوا على إيمانكم بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ محمد صلى الله عليه وسلم. يعني القرآن وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ على
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 137]
الرسل، بمعنى الكتب وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً أي: خرج عن الهدى وبعد عن القصد كل البعد. ما الكفر بالله فظاهر. وأما بالملائكة فلأنهم المقربون إليه. وأما بالكتب فلأنها الهادية إليه. وأما بالرسل فلأنهم الداعون إليه. وأما باليوم الآخر فلأن فيه نفع إقامته وضرر تركه. فإذا أنكر لزم إنكار النفع الحقيقيّ والضرر الحقيقيّ فهو الضلال البعيد. ثم الكفر بالملائكة كفر بمظاهر باطنة. وبالكتب كفر بمظاهر صفة كلامه. وبالرسل كفر بأتم مظاهره. وباليوم الآخر كفر بدوام ربوبيته وعدله. ثم الكفر بالملائكة يدعو إلى الإيمان بالشياطين. وبكتب الله إلى الإيمان بكتب الكفرة. وبالرسل إلى تقليد الآباء، وباليوم الآخر إلى الاجتراء على القبائح. وكل ذلك ضلال بعيد. أفاده المهايميّ. ولما أمر تعالى بالإيمان ورغب فيه، بيّن فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان، فقال: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 137] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا في الآية وجوه: الأول- أن المراد الذين تكرر منهم الارتداد، وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه، يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف، من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله. لأن قول أولئك، الذين هذا ديدنهم، قلوب قد ضريت بالكفر ومرنت على الردّة. وكان الإيمان أهون شيء عندهم وأدونه حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى. وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردة، ونصحت توبتهم، لم يقبل منهم ولم يغفر لهم. لأن ذلك مقبول. حيث هو بذل للطاقة واستفراغ الوسع. ولكنه استبعاد له واستغراب. وإنه أمر لا يكاد يكون. وهكذا نرى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع، ثم يتوب ثم يرجع، فإنه لا يكاد يرجى منه الثبات. والغالب أنه يموت على الفسق. فكذا هنا. الثاني- قال بعضهم: هم اليهود. آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا حين عبدوا العجل. ثم آمنوا بعد عوده إليهم ثم كفروا بعيسى والإنجيل. ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقد أورد على هذا الوجه أن الذين ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم ليسوا مؤمنين بموسى. ثم كافرين بالعجل، ثم مؤمنين بالعود، ثم كافرين بعيسى. بل هم إما مؤمنون بموسى وغيره، أو كفار لكفرهم بعيسى والإنجيل. والجواب: أن هذا إنما يرد لو أريد قوم بأعيانهم:
تنبيه:
الموجودين وقت البعثة. أما لو أريد جنس ونوع، باعتبار عدّ ما صدر من بعضهم كأنّه صدر من كلهم، فلا إيراد. والمقصود حينئذ استبعاد إيمانهم لما استقر منهم ومن أسلافهم. الثالث- قال آخرون: المراد المنافقون. فالإيمان الأول إظهارهم الإسلام. وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم. وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم. والإيمان الثاني هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسلمين قالوا إنا مؤمنون. والكفر الثاني هو أنهم إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: 14] . وازديادهم في الكفر هو جدهم واجتهادهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حق المسلمين. وإظهار الإيمان قد يسمى إيمانا. قال تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة: 221] : قال القفال رحمه الله: وليس المراد بيان هذا العدد. بل المراد ترددهم. كما قال: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ. قال: والذي يدل عليه، قوله تعالى بعد هذه الآية: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ. الرابع- قال قوم: المراد طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة والكفر أخرى. على ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران: 72] ، وقوله ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً معناه أنهم بلغوا في ذلك إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام. نقل هذه الوجوه الزمخشريّ والرازيّ وغيرهما. وكلها مما يشمله لفظ الآية. تنبيه: في الآية مسائل: الأولى- قال في (الإكليل) : استدل بها من قال: تقبل توبة المرتد ثلاثا. ولا تقبل في الرابعة. وقال بعض الزيدية (تفسيره) : دلت على أن توبة المرتد تقبل. لأنه تعالى أثبت إيمانا بعد كفر، تقدمه إيمان. وأقول: دلالتها على ذلك في صورة عدم تكرار الردة. وأما معه، فلا. كما لا يخفى. ثم قال: وعن إسحاق: إذا ارتد في الدفعة الثالثة لم تقبل توبته، وهي رواية الشعبيّ عن عليّ عليه السلام. انتهى. وذهبت الحنابلة إلى أن من تكررت ردته لم تقبل توبته. كما أسلفنا ذلك في آل عمران في قوله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً ... [آل عمران: 86] ، الآية.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 138]
وقوله بعدها: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً ... [آل عمران: 90] ، وذكرنا، ثمة، أن هذه الآية كتلك الآية. وأن ظاهرهما يشهد لما ذهب إليه إسحاق وأحمد. وأما الوجوه المسوقة هنا فهي من تأويل أكثر العلماء القائلين بقبول توبة المرتد، وإن تكررت. وبعد. فالمقام دقيق. والله أعلم. الثانية- دلت على أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان. فوجب أن يكون الإيمان نصّا كذلك. لأنهما ضدان متنافيان. فإذا قبل أحدهما التفاوت، قبله الآخر. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 138] بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ من باب التهكم بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً فإنهم آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن. ويدل على مقارنة إيمانهم للكفر ترجيحهم جانب الكفرة في المحبة إذ هم: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 139] الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أي: يتخذونهم أنصارا مجاوزين موالاة المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ أي: أيطلبون بموالاتهم القوة والغلبة. وهذا إنكار لرأيهم وإبطال له. وبيان لخيبة رجائهم. ولذا علله بقوله: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أي: له الغلبة والقوة. فلا نصرة لهم من الكفار. والنصرة والظفر كله من الله تعالى. وهذا كما قال تعالى في آية أخرى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8] . قال ابن كثير: والمقصود، من هذا، التهييج على طلب العزة من جناب الله، والإقبال على عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين، الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي ريحانة. أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وكرما، فهو عاشرهم في النار. تفرد به أحمد «1» .
تنبيه:
وأبو ريحانة هذا هو أزديّ واسمه (شمعون) بالمعجمة فيما قاله البخاريّ. وقال غيره: بالمهملة والله أعلم. تنبيه: قال الحاكم: دلت الآية على وجوب مولاة المؤمنين، والنهي عن موالاة الكفار. قال: والمنهيّ عن موالاتهم في الدين فقط. وقد ذكر المؤيد بالله، قدس الله روحه، معنى هذا. وهي: أن تحبه لما هي عليه. وهذا ظاهر. وهو يرجع إلى الرضا بالكفر، وما أحبه لأجله. فأما الخلطة فليست موالاة. وقد جوز العلماء رحمه الله نكاح الفاسقة. وكذلك الإحسان. فقد مدح الله من أطعم الأسارى. وجوّز كثير منهم الوصية لأهل الذمة. وكذلك الاغتمام بغمه في أمر، كاغتمام المسلمين لغلب فارس للروم. كذا في تفسير بعض الزيدية. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 140] وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ قال المفسرون: إن المشركين بمكة كانوا في مجالسهم يخوضون في ذكر القرآن ويستهزئون به. فنهى الله تعالى المسلمين عن القعود معهم بقوله: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام: 68] . وهذه الآية من سورة الأنعام. وهي مكية. فامتنع المسلمون عن القعود معهم. ولما قدموا المدينة كانوا يجلسون مع اليهود والمنافقين. وكان اليهود يستهزئون بالقرآن. فنزلت هذه الآية وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ. يعني في سورة الأنعام أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها يعني يجحد بها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وفيها دلالة على أن المنزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإن خوطب به خاصة، منزل على الأمة وأن مدار الإعراض عنهم، هو العلم بخوضهم في الآيات. ولذلك عبر عن ذلك تارة بالرؤية وأخرى بالسماع. وأن المراد بالإعراض إظهار المخالفة بالقيام عن مجالسهم. لا الإعراض بالقلب أو بالوجه فقط إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ أي: إذا قعدتم معهم دل على رضاكم
تنبيه:
بالكفر بالآيات والاستهزاء بها. فتكونون مثلهم في الكفر واستتباع العذاب. فاجتماعكم بهم هاهنا سبب اجتماعكم في جهنم. كما قال إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً لأنهم لما شاركوهم في الكفر، واجتمعوا على الاستهزاء بالآيات في الدنيا، جمعهم الله في عذاب جهنم يوم القيامة. تنبيه: قال بعض مفسري الزيدية: اعلم أنه لا خلاف في تحريم القعود والمخالطة، إذا كان ذلك يوهم بأن القاعد راض. ولا خلاف أنه يحرم إذا خشي الافتتان. ولا خلاف أنه يجوز القعود للتنكير عليهم والدفع لهم. قال الحاكم: ولذلك يحضر العلماء مع أهل الضلالة يناظرونهم. ولهم بذلك الثواب العظيم. وأما إذا خلا عما ذكرنا، وكان لا يوهم بالرضا ولا يفتتن ولا ينكر عليهم، فاختلف العلماء في ذلك. فمنهم من أوجب المثل. لظاهر الآية. قال الحاكم: روي «1» أن قوما أخذوا على شراب في عهد عمر بن عبد العزيز. فأمر بضربهم الحدّ. فقيل: فيهم صائم. فتلا قوله تعالى: فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ إلى قوله إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ. وهذا أيضا ظاهر حديث: لا يحل لعين ترى الله يعصى، فتطرف حتى تغير وتنتقل. وقال أبو عليّ وأبو هاشم: إن أنكر بقلبه لم يجب عليه أكثر من ذلك. وجاز له القعود، يعني مع عجزه عن الإنكار باليد أو باللسان، وعدم تأثير ذلك. أقول: ما قالاه مخالف لظاهر الآية. فلا عبرة به. وقال القاضي والحاكم: أما لو كان له حق في تلك البقعة، فله أن لا يفارق. كمن يحضر الجنائز مع النوح، أو الولائم. فيسمع المنكر فيسعه أن يقعد. والنكير على قدر الإمكان واجب عليه. وعن الحسن: لو تركنا الحق للباطل لبطل الشرع. وقد كان خرج إلى جنازة، خرجت النساء فيها فلم يرجع. ورجع ابن سيرين. انتهى. أقول: من له حق في البقعة، فعليه أن يفارق كغيره. إذ ليس في مفارقته ضياع حقه. وعموم الآية يشمله، ولا تخصيص إلا بمخصص. والمسألة المقيس عليها غير ما نحن فيه. على ما فيها من الخلاف. كما حكى. ولا قياس مع النص. وقد حكى
الحاكم أقوالا كلها ترجع إلى تخصيص الآية. ولا مستند فيها إلا الرأي، والاحتمال. فلذا أعرضنا عنها. قال أبو عليّ: تحريم القعود في المجلس لما فيه من الإبهام. فإذا أظهر الكراهة جاز القعود في مكان آخر، وإن قرب. وأما إذا خاضوا في حديث غيره، جاز القعود. بمفهوم الآية. ثم إن الآية محكمة عند الجمهور. وروي عن الكلبيّ، أنها منسوخة بقوله تعالى: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 69] . وهو مردود. فإن من التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها. قال الحاكم: دلت الآية على أن الراضي بالاستهزاء بالرسول والدين، كافر. لأنه تعالى قال إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ودلت على أن الرضا بالكفر كفر. وقال السمرقنديّ: في هذه الآية دليل على أن من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم، فيكون معهم في الوزر سواء. وينبغي أن ينكر عليهم، إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها. فإن لم يقدر أن ينكر عليهم ينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وروى ابن جرير عن الضحاك أنه قال: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيامة. وقال في (فتح البيان) : وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب، دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقيص والاستهزاء، للدلالة الشرعية. كما يقع كثيرا من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة. ولم يبق في أيديهم سوى (قال إمام مذهبنا: كذا) و (قال فلان من أتباعه بكذا) أو إذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة بآية قرآنية أو بحديث نبويّ، سخروا منه، ولم يرفعوا إلى ما قاله رأسا، ولا بالوا به بالة. وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع وخطب شنيع. وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع. مع أن الأئمة، الذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم، برءاء من فعلهم. فإنهم قد صرحوا في مؤلفاتهم بالنهي عن تقليدهم. انتهى. وفي (الإكليل) : قال ابن الفرس. واستدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب اجتناب أهل المعاصي والأهواء. وفي هذه الآية أصل لما يفعله المصنفون من الإحالة على ما ذكر في مكان آخر، والتنبيه عليه. انتهى. وقوله تعالى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 141]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 141] الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ إما بدل من الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ وإما صفة للمنافقين: أي: ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو هزيمة فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ أي: نصر وتأييد وظفر وغنيمة قالُوا لكم أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ أي: مظاهرين لكم، فلنا دخل في فتحكم، فليكن لنا شركة في غنيمتكم وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان، كما وقع يوم أحد، فإن الرسل تبتلي ثم تكون لها العاقبة قالُوا أي: الكفرة توددا إليهم، ومصانعة لهم، ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم لضعف إيمانهم أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ أي: ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بأن ثبطناهم عنكم، وتوانينا في مظاهرتهم حتى انتصرتم عليهم. وإلا لكنتم نهبة للنوائب. وتسمية (ظفر المسلمين) فتحا، و (ما للكافرين) نصيبا لتعظيم شأن المسلمين وتخسيس حظ الكافرين. قال في (الانتصاف) : وهذا من محاسن نكت القرآن. فإن الذي كان يتفق للمسلمين فيه، استئصال لشأفة الكفار واستيلاء على أرضهم وديارهم وأموالهم وأرض لم يطؤها. وأما ما كان يتفق للكفار فمثل الغلبة والقدرة التي لا يبلغ شأنها أن تسمى فتحا. فالتفريق بينهما أيضا مطابق للواقع. والله أعلم. قال بعض الزيدية: في الآية دلالة على وجوب محبة نصرة المؤمنين وكراهة أن تكون اليد عليهم. وتحريم خذلانهم. وإن المنافق لا سهم له. لأن في الآية إشارة إلى أنهم طلبوا لما منعوا، فقالوا: ألم نكن معكم؟ ثم قال. يجوز التأليف من الغنيمة للمنافقين، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم يوم حنين. حتى أعطى الواحد منهم مائة ناقة، والواحد من المسلمين الشاة أو البعير. فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي حكما يليق بشأن كل منكم من الثواب والعقاب. أي: فلا يغترّ المنافقون بحقن دمائهم في الدنيا لتلفظهم بالشهادة. لما له تعالى في ذلك من الحكمة. فيوم القيامة لا ينفعهم ظواهرهم. وقوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ردّ على المنافقين فيما أمّلوه ورجوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين. وفيما سلكوه من
تنبيه:
مصانعتهم الكافرين خوفا على أنفسهم منهم، إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم. كما قال تعالى: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ إلى قوله نادِمِينَ [المائدة: 52] . أي: لن يسلط الله الكافرين على المؤمنين فيستأصلوهم بالكلية. وإن حصل لهم ظفر حينا مّا. أفاده ابن كثير وهذا التأويل روعي فيه سابق الآية ولا حقها، وأن السياق في (المنافقين) وهو جيد. ويقرب منه ما في تفسير ابن عباس من حمل (الكافرين) على يهود المدينة. ومن وقف مع عمومها، قال: المراد بالسبيل الحجة. وتسميتها (سبيلا) لكونها موصلا للغلبة. أو المراد: ما دام المؤمنون عاملين بالحق غير راضين بالباطل ولا تاركين للنهي عن المنكر. كما قال تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] . قال: فلا يراد أنه قد يدال للكافرين. تنبيه: قد يستدل بهذه الآية على أن الكافر لا ينكح مؤمنة. وأنه لا يلي على مؤمنة في نكاح ولا سفر. وأن الكافر لا يشفع المؤمن. وهذا قول الهادي في (الأحكام) والنفس الزكية والراضي بالله. وروي مثله عن الحسن الشعبيّ وأحمد. وقال في (المنتخب) والمؤيد بالله والحنفية والشافعية: له الشفعة. لعموم أدلة الشفعة. وبالقياس على رد المعيب فيما شرى من مسلم. ويستدل بأن المرتد تبين منه امرأته المسلمة. والخلاف: هل بنفس الردة كما يقول الحنفية، أو بانقضاء العدة كما يقول المؤيد بالله والشافعية؟ وكذلك بيع العبد المسلم من الذميّ. أجازه الحنفية ومنعه المؤيد والشافعية. لكن على الأول، يجبر على بيعه، فلا يستخدمه. قيل: والأمة مجمع على تحريم بيعها من الكافر إذا كانت مسلمة. ولا خلاف أن الآية مخصوصة بأمور. منها: الدّين يثبت للكافر على المؤمن. ومنها: أنه ينفق المؤمن على أبويه الكافرين ونحو ذلك. وإذا خص العموم فقد اختلف الأصوليون: هل تبقى دلالته على الباقي حقيقة أم مجازا؟ انتهى. وزاد بعض المفسرين: إن الكافر لا يرث المسلم. وإن المسلم لا يقتل بالذميّ. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 142] إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ أي: يفعلون ما يفعل المخادع من
إظهار الإيمان وإبطان الكفر. والله يفعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع. حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا، وأعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ أي: أتوها قامُوا كُسالى أي: متثاقلين كالمكر على الفعل. قال ابن كثير: هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها. وهي الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها. لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية، ولا يعقلون معناها. كما روى ابن مردويه عن عطاء عن ابن عباس قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان. ولكن يقوم إليها طلق الوجه عظيم الرغبة شديد الفرح. فإنه يناجي الله، وإن الله تجاهه، يغفر له ويجيبه إذا دعاه. ثم يتلو هذه الآية: وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى انتهى. قال الحاكم: وفي الآية دلالة على أن من علامات المنافق الكسل في الصلاة. والكسل: التثاقل عن الشيء لمشقته. فهذه الآية في صفة ظواهرهم كما قال وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى [التوبة: 54] ، ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة فقال يُراؤُنَ النَّاسَ أي: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ليحسبوهم مؤمنين. لا لإخلاص ومطاوعة أمر الله. ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبا. كصلاة العشاء في وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس. كما ثبت في الصحيحين «1» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر. ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام. ثم آمر رجلا فيصلي بالناس. ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار. وفي رواية «2» : والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء. ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم. وروى الحافظ وأبو يعلى عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة. استهان بها ربّه عز وجل . وقوله وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا فيه وجوه: الأول- معناه ولا يصلون إلا قليلا لأنهم إنما يصلون رياء ما دام من يرقبهم. فإذا خلوا بأنفسهم لم يصلوا. وتأويل (الذكر) بالصلاة، روي في غير ما آية عن السلف. الثاني- ولا يذكرون الله في
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 143]
صلاتهم إلا قليلا. لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون. بل هم في صلاتهم ساهون لا هون. وقد روى الإمام مالك «1» عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك صلاة المنافق. تلك صلاة المنافق. تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا. وكذا رواه مسلم والترمذيّ والنسائيّ . الثالث- معناه: ولا يذكرون الله بالتهليل والتسبيح إلا ذكرا قليلا في الندرة. على أن الذكر بمعناه المتبادر منه. وعليه، فمن علامات النفاق استغراق الأوقات بحديث الدنيا، وقلة ذكره تعالى بتحميد أو تهليل أو تسبيح. كما أن من صفات المؤمنين ذكر الله تعالى كثيرا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 143] مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ حال من فاعل (يراؤن) أو منصوب على الذم و (ذلك) إشارة إلى الإيمان والكفر. المدلول عليهما بمعونة المقام. أو إلى (المؤمنين والكافرين) ، فيكون ما بعده تفسيرا له. أي: مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطان والهوى. وحقيقة المذبذب الذي يذبّ عن كلا الجانبين. أي: يذاد ويدفع، فلا يقرّ في جانب واحد. إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب. كأنّ المعنى كلما مال إلى جانب ذبّ عنه لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ أي: لا منضمين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين. ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين. وقال مجاهد: لا إِلى هؤُلاءِ، يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وَلا إِلى هؤُلاءِ، يعني اليهود. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن دينه وحجته فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي: طريقا إلى الصواب والهدى. روى الشيخان عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال «2» : مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين: تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة: «العائرة المتحيرة المترددة لا تدري لأي الغنمين تتبع» .
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 144]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 144] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (144) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً هذا نهي عن موالاة الكفرة. يعني مصاحبتهم، ومصادقتهم، ومناصحتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم. كما قال تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: 28] . أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه. ولهذا قال هاهنا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً أي: حجة عليكم في عقابكم بموالاتكم إياهم. وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين. قال الحاكم: وهي الموالاة في الدين والنصرة فيه. لا المخالقة والإحسان. قال الزمخشريّ: وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له: خالص المؤمن وخالق الكافر والفاجر. فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن. وأنه يحق عليك أن تخالص المؤمن. قال أبو السعود: وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال: أتجعلون ... إلخ، للمبالغة في إنكار ذلك، وتهويل أمره ببيان أنه مما لا يصدر على العاقل إرادته، فضلا عن صدور نفسه. كما في قوله عز وجل: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ [البقرة: 108] . لطيفة: روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: كل سلطان في القرآن حجة. وكذا قال غيره من أئمة التابعين. قال محمد بن يزيد: هو من (السليط) . وهو دهن الزيت لإضاءته. أي: فإن الحجة من شأنها أن تكون نيّرة. وفي (البصائر) إنما سمى الحجة سلطانا لما يلحق من الهجوم على القلوب. لكن أكثر تسلطه على أهل العلم والحكمة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 145] إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ قرئ بسكون الراء وفتحها الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ أي الطبق الذي في قعر جهنم. والدرك كالدرج. إلا أنه يقال باعتبار الهبوط. والدرج
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 146]
باعتبار الصعود. وإنما عوقبوا بذلك لأنهم أخبث الكفرة. إذ ضموا إلى الكفر استهزاء بالإسلام وخداعا للمسلمين. قال الرازيّ: وبسبب أنهم لمّا كانوا يظهرون الإسلام، يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين ثم يخبرون الكفار بذلك. فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين. فلهذه الأسباب عوقبوا بذلك. ونقل عن ابن الأنباريّ أنه قال: إنه تعالى أخبر عن آل فرعون بقوله: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر: 46] ، وعن المنافقين بما في هذه الآية. فأيهما أشد عذابا؟ فأجاب: بأنه يحتمل أن أشد العذاب إنما يكون في الدرك الأسفل. وقد اجتمع فيه الفريقان. والله أعلم. روى الترمذيّ «1» عن الحسن قال: قال عتبة بن غزوان على منبر البصرة، إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عاما، وما تفضي إلى قرارها . وكان عمر رضي الله عنه يقول: أكثروا ذكر النار. فإن حرها شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد. وروى الترمذيّ «2» عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً أي: ينقذهم مما هم فيه ويخرجهم من أليم العذاب. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 146] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا أي: عن النفاق وَأَصْلَحُوا أي: أعمالهم وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ أي: وثقوا به بترك موالاة الكفار وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فلم يبق لهم فيه تردد. ولم يريدوا بطاعتهم إلا وجهه سبحانه، لا رياء الناس كما كانوا قبل. فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيّز الصلة. وما فيه من معنى البعد، للإيذان ببعد المنزلة وعلو الطبقة. أي: لعلو رتبتهم بهذه الأمور لا يكونون في درك من النار فضلا عن الأسفل، بل مع المؤمنين المستمرين على الإيمان بلا نفاق. أي: معهم في درجات الجنان. وقد بيّن ذلك بقوله سبحانه وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ثوابا وافرا في الجنة. فيشاركونهم فيه ويساهمونهم. وحذفت
تنبيه:
(الياء) في الخط هنا اتباعا للفظ. لسكونها وسكون اللام بعدها. ومثله: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ [القمر: 6] ، و: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: 18] ، و: يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ [ق: 41] ونحوها. فإن الحذف في الجميع لالتقاء الساكنين. فجاء الرسم تابعا للّفظ. والقراء يقفون عليه دون ياء، اتباعا للخط الكريم. إلا يعقوب والكسائيّ وحمزة. فإنهم يقفون بالياء، نظرا إلى الأصل. كذا في (الفتح) . تنبيه: قال الزمخشريّ: فإن قلت: من المنافق؟ قلت: هو في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر. وأما تسمية من ارتكب ما يفسق به ب (المنافق) فللتغليظ، كقوله «1» : من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر جهارا. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «2» : ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان . وقيل لحذيفة رضي الله عنه: من المنافق؟ فقال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به. وقيل لابن عمر: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه. فقال: كنا نعده من النفاق: انتهى كلامه. أقول: قول الزمخشريّ (فللتغليظ) يوجد مثله لثّلة من شراح الحديث وغيرهم. وقد بحث فيه بعض محققي مشايخنا بقوله: هذا الجواب لا يرتضيه من عرف قدر النبيّ صلى الله عليه وسلم. وكأنهم غفلوا عما يستلزمه هذا الجواب مما لا يرتضيه أدنى عالم أن ينسب إليه. وهو الإخبار بخلاف الواقع لأجل الزجر. انتهى. وقال بعض المحققين: عليك أن تقر الأحاديث كما وردت، لتنجو من معرة الخطر. وقوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 147] ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (147) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ قال أبو السعود: هو استئناف مسوق لبيان أن مدار تعذيبهم، وجودا وعدما، إنما هو كفرهم. لا شيء آخر. فيكون مقررا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 148]
لما قبله من إثابتهم عند توبتهم. و (ما) استفهامية مفيدة للنفي على أبلغ وجه وآكده. أي: أيّ شيء يفعل الله سبحانه بتعذيبكم؟ أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثار؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضررا؟ كما هو شأن الملوك. وهو الغنيّ المتعالي عن أمثال ذلك. وإنما هو أمر يقتضيه كفركم. فإذا زال ذلك بالإيمان والشكر، انتفى التعذيب لا محالة. وتقديم (الشكر) على (الإيمان) لما أنه طريق موصل إليه. فإن الناظر يدرك أوّلا ما عليه من النعم الأنفسية والآفاقية فيشكر شكرا مبهما. ثم يترقى إلى معرفة المنعم فيؤمن به. وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً الشكر منه تعالى المجازاة والثناء الجميل. كما في (القاموس) . ويرحم الله ابن القيم حيث يقول في (الكافية الشافية) : وهو الشكور فلن يضيّع سعيهم ... لكن يضاعفه بلا حسبان ما للعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشان كلا ولا عمل لديه ضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان إن عذّبوا فبعدله، أو نعّموا ... فبفضله، والحمد للرحمن القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 148] لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148) لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ أي: لا يحب الله تعالى أن يجهر أحد بالقبيح من القول إِلَّا مَنْ ظُلِمَ إلا جهر المظلوم بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه ويذكره بما فيه من السوء. فإن ذلك غير مسخوط عنده سبحانه، حتى إنه يجيب دعاءه. ومعلوم أن أنواع الظلم كثيرة. فما نقل عن السلف هنا من ذكر نوع منه، فليس المراد حصر معنى الآية فيه. بل القصد تنبيه المستمع على النوع. فمن ذلك ما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس «1» في الآية، يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما. فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه. وذلك قوله إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وإن صبر فهو خير له. ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق وابن إسحاق وهنّاد بن السريّ عن مجاهد قال: هي في رجل أضاف رجلا فأساء قراه، فتحول عنه. فجعل يثني عليه بما أولاه. فرخص له أن يثني عليه بما أولاه. وفي رواية عنه: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن. وفي
رواية: هو الضيف المحول رحله. فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول. قال ابن كثير: وقد روى الجماعة (سوى النسائيّ والترمذيّ) عن عقبة بن عامر «1» قال: قلنا: يا رسول الله! إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا. فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم. وروى الإمام أحمد «2» عن المقدام أبي كريمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: أيما مسلم ضاف قوما فأصبح الضيف محروما، فإن حقا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله. وروى هو وأبو داود «3» عنه أيضا. سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليلة الضيف واجبة على كل مسلم. فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا عليه. فإن شاء اقتضاه وإن شاء تركه . ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي جارا يؤذيني. فقال له: أخرج متاعك فضعه على الطريق. فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق. فكل من مرّ به قال: ما لك؟ قال جاري يؤذيني. فيقول: اللهم! العنه. اللهم! أخزه. قال فقال الرجل: ارجع إلى منزلك. والله! لا أوذيك أبدا. ورواه أبو داود «4» في كتاب الأدب. وقال عبد الكريم بن مالك الجزريّ، في هذه الآية. هو الرجل يشتمك فتشتمه. ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه. لقوله تعالى وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: 41] . وقال قطرب: معنى الآية: إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول، من كفر أو نحوه. فهو مباح له. وسئل المرتضى عنها فقال: لا يحب الله ذلك ولا يجيزه لفاعله. إلا من ظلم. وذلك مثل ما كان من مردة قريش وفعلهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من العقاب والضرب، ليشتموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبرءوا منه. ففعل ذلك عمار. فخلّوه وصلبوا صاحبه. فأطلق لمن فعل به هكذا أن يتكلم بما ليس في قلبه. وفي عمار وصاحبه نزل قول الله في سورة النحل: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [النحل: 106] . فكانت هذه الآية مبينة لما في قلب عمار من شحنه بالإيمان. انتهى.
فوائد:
وكل هذا مما تشمله الآية بعمومها. وما نقله السمرقنديّ وغيره عن الفراء في قوله تعالى: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ أن إِلَّا بمعنى (لا) يعني: ولا من ظلم- فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه: فإن الآية صريحة في أنه يجوز للمظلوم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه. ويؤيده الحديث الذي رواه الإمام أحمد «1» وأبو داود والنسائيّ وابن ماجة والحاكم، عن الشريد بن سويد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «2» : ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته. وأما من لم يظلم فجهره بالسوء داخل في الغيبة المحظورة. فوائد: قال بعض مفسري الزيدية: أفادت الآية جواز الجهر بالدعاء على الظالم والجهر بمساويه. ودلت على أن من جهر بكلمة الكفر مكرها، لم يكفر. لأنه مظلوم. وإذا ثبت بطلان حكم لفظ (الكفر) مع الظلم، فكذا يلزم في سائر الأحكام من البيع والعتاق والطلاق والإقرار. ثم قال: والمحبة هاهنا بمعنى الإباحة. لا أن ذلك يريده الله تعالى. أقول: هذه نزغة اعتزالية. ثم قال: وتسميته سوءا، لكونه يسوء المقول فيه. وإلا فليس بقبيح في هذه الحال. ثم قال: وقول من قال (إلا) هنا بمعنى (الواو) أي: ومن ظلم، مثل: وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان فخلاف الظاهر. انتهى. وقد نقل في معنى هذه الآية حكم ونوادر بديعة. قال الشعبيّ: يعجبني الرجل إذا سيم هونا، دعته الأنفة إلى المكافأة. وجزاء سيئة سيئة مثلها، فبلغ كلامه الحجاج فقال: لله دره! أي رجل بين جنبيه! وتمثل: ولا خير في عرض امرئ لا يصونه ... ولا خير في حلم امرئ ذل جانبه وقال أعرابيّ لابن عباس رضي الله عنهما: أتخاف عليّ جناحا إن ظلمني رجل
لطيفة:
فظلمته؟ فقال له: العفو أقرب للتقوى. فقال: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ. وقال المتنبي: من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتّسعت في الحلم طرق المظالم لطيفة: الاستثناء في قوله تعالى إِلَّا مَنْ ظُلِمَ إما متصل أو منقطع. فعلى الأول فيه وجهان: الأول- قول أبي عبيدة: هذا من باب حذف المضاف، أي: إلا جهر من ظلم. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والثاني- قول الزجاج: المصدر هاهنا بمعنى الفاعل. أي: لا يحب الله المجاهر بالسوء إلا من ظلم. وعلى أنه منقطع، فالمعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته. وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً فيه وعد للمظلوم بأنه تعالى يسمع شكواه ودعاءه ويعلم ظلم ظالمه. كما قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: 42] . ووعيد له أيضا بأن يتعدّى في الجهر المأذون فيه. بل ليقل الحق ولا يقذف بريئا بسوء فإنه يصير عاصيا لله بذلك. ثم حث سبحانه على العفو بعد ما جوّز الجهر بالسوء وجعله محبوبا، حثّا على الأحب إليه والأفضل عنده. وإلا دخل في الكرم والتخشع والعبودية، فقال سبحانه: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 149] إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أي: طاعة وبرّا أَوْ تُخْفُوهُ أي: تعملوه سرّا أَوْ تَعْفُوا أي: تتجاوزوا عَنْ سُوءٍ أي: ظلم فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً أي: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام. فعليكم أن تقتدوا بسنة الله بالعفو مع القدرة. فثمرة هذه الآية الحث على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء، وإن كان على وجه الانتصار، حملا على مكارم الأخلاق. وإنما كان المقصود العفو لأن ما قبلها في ذكر السوء والجهر به. فمقتضى السياق: لا يحب الله الجهر بالسوء إلا من ظلم. فإن عفا المظلوم عنه، ولم يدع على ظالمه ويتظلم منه، فإن الله عفوّ قدير. وإنما ذكر قبله إبداء الخير وإخفاءه توطئة للعفو عن السوء. لأنه يعلم من مدح حالي الخير: السر والعلانية، أن السوء ليس كذلك جهرا وإخفاء. فينبغي العفو عنه وتركه. وإنما عطف
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 150]
(العفو) ب (أو) مع دخوله في الخير بقسميه، للاعتداد به، والتنبيه على منزلته، وكونه من الخير بمكان مرتفع. وليس المراد أنه حينئذ هو المقصود وأنه من قبيل: وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ [البقرة: 98] . لأن مثله يعطف بالواو لا ب (أو) ولذا حمل الخير على الطاعة والبر مما هو عبادة وقربة فعلية. لتغاير العفو. فالمراد بالتوطئة ذكر ما هو مناسب وقدم عليه. كذا في (العناية) . قال ابن كثير. ورد في الأثر: أن حملة العرش يسبحون الله. فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك. ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك. وفي الحديث الصحيح «1» : ما نقصت صدقة من مال. وما زاد الله عبدا يعفو إلا عزّا. وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله. وقال الرازيّ: اعلم أن معاقد الخير على كثرتها محصورة في أمرين: صدق مع الحق وخلق مع الخلق والذي يتعلق مع الخلق محصور في قسمين: إيصال نفع إليهم. ودفع ضرر عنهم. فقوله: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ إشارة إلى إيصال النفع إليهم. وقوله أَوْ تَعْفُوا إشارة إلى دفع الضرر عنهم. فدخل في هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر. ثم نزل في اليهود إلى أواخر السورة قوله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 150] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (150) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ قال ابن عباس: يعني كعبا وأصحابه وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ أي في الإيمان وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ من الرسل وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ منهم. كما قالوا: نؤمن بموسى والتوراة، ونكفر بما وراء ذلك. وما ذاك إلا كفر بالله تعالى ورسله، وتفريق بين الله تعالى ورسله في الإيمان. لأنه تعالى قد أمرهم بالإيمان بكل نبيّ يأتي مصدقا لما معهم، ونصره. ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل، وبالله تعالى من حيث لا يحتسب. لأنهم لما تساووا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 151]
في المعجزات والدعوة إلى الحق، والقيام بالخيرات في أنفسهم، كان الكفر بواحد منهم كفرا بالكل. بل وبالله. إذ يعتقدون فيه أنه صدّق الكاذب بخلق المعجزات. كذا في (التبصير) وَيُرِيدُونَ أي: بقولهم ذلك أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ أي بين الإيمان ببعض، والكفر ببعض سَبِيلًا دينا يسلكونه. مع أنه لا واسطة بينهما قطعا. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 151] أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (151) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا أي الذين كفروا كفرا ثابتا لا ريب فيه. فلا عبرة بمن ادعوا الإيمان به. لأنه ليس شرعيّا. إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله، لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانا منه وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً يهانون به. وهو عذاب جهنم. أي: كما استهانوا بمن كفروا به، إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله وإعراضهم عنه، وإقبالهم على جمع حطام الدنيا. وإما بكفرهم به، بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبارهم في عهده صلى الله عليه وسلم. حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة. وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه. فسلط الله عليهم الذل الدنيويّ الموصول بالذل الأخرويّ. وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله في الدنيا والآخرة. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 152] وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (152) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ كلهم وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ يعني بهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فإنهم يؤمنون بكل نبيّ بعثه الله. ولا يفرقون بين أحد منهم، بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخرين. كما فعله الكفرة أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أي: يعطيهم أُجُورَهُمْ ثواب إيمانهم بالله ورسله في الآخرة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً أي: لما فرط منهم رَحِيماً مبالغا في الرحمة عليهم، بتضعيف حسناتهم. ثم بيّن تعالى ما جبل عليه اليهود من اللجاج والعناد، والبعد عن طريق الحق، بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 153]
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 153] يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (153) يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ قال ابن عباس: كعب وأصحابه أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ أي: كما نزلت التوراة على موسى جملة في الألواح. مع أنه لا حاجة لهم إلى طلب ذلك بعد ما وضحت البراهين على نبوتك، لا سيما بإعجاز ما نزل عليك من الفرقان. إلا أن الذي حملهم على سؤالهم هو التعنت والكفر. كما قال قبلهم كفار قريش نظير ذلك: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ... [الإسراء: 90] الآيات. ولهذا قال تعالى: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ أي: مما سألوك فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً أي: رؤية ظاهرة فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي النار النازلة من السماء بِظُلْمِهِمْ أي: جراءتهم على الله وعتوّهم وعنادهم. إذ لا يرون آية إلا يطلبون أكبر منها. حتى يروا آية ملجئة إلى الإيمان. بحيث لا يفيد الإيمان معها. فلا يكادون يؤمنون إيمانا يفيدهم أصلا، ولا يبعد منهم الكفر، بعد رؤية الآيات. فإنهم رأوا آيات موسى ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ أي: إلها وعبدوه مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي: الدلائل القاطعة على نفي الشرك. ثم تابوا عنه فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ أي: تركناهم ولم نستأصلهم وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً أي: حجة بينة وتسلطا ظاهرا على إهلاك من خالفه. وفي ذلك بشارة للنبيّ صلى الله عليه وسلم بنصره، وإن بالغوا في العناد والإلحاد. ثم أشار إلى أنهم مع رؤيتهم الآيات، لم ينقادوا لأوامر موسى. كما قال تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 154] وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ أي: الجبل ليتحملوا التكليف بِمِيثاقِهِمْ أي: بسبب أخذ ميثاقهم. ليخافوا فلا ينقضوه. قال ابن كثير: وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء على ما جاءهم به موسى عليه السلام، رفع الله على رؤوسهم جبلا. ثم ألزموا
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 155]
وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى ما فوق رؤوسهم، خشية أن يسقط عليهم. كما قال تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ ... [الأعراف: 171] الآية، وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً أي: ادخلوا باب إيلياء مطأطئين، عند الدخول، رؤوسكم. فخالفوا ما أمروا به. وقد تقدم في سورة البقرة إيضاح هذه الآيات مفصلا وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم ما دام مشروعا لهم وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً أي: عهدا شديدا. فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما حرم الله عز وجل. كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ ... [الأعراف: 163] . ثم بين تعالى ما أوجب لعنهم وطردهم ومسخهم من مخالفتهم بقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 155] فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ (ما) مزيدة للتأكيد، أو نكرة تامة. و (نقضهم) بدل منها. والباء متعلقة بفعل محذوف. أي فبسبب نقضهم ميثاقهم الذي أخذ عليهم، فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن والمسخ وغيرهما من العقوبات النازلة عليهم، أو على أعقابهم وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ أي: حججه وبراهينه والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء عليهم السلام وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ كزكريا ويحيى عليهما السلام. قال العلامة البقاعيّ: وهو أعظم من مطلق كفرهم. لأن ذلك سدّ لباب الإيمان عنهم وعن غيرهم. لأن الأنبياء سبب الإيمان. ولما كان الأنبياء معصومين من كل نقيصة، ومبرأين من كل دنية، لا يتوجه عليهم حق لا يؤدونه، قال تعالى بِغَيْرِ حَقٍّ أي: كبير ولا صغير أصلا. وهذا الحرف لكونه في سياق طعنهم في القرآن، الذي هو أعظم الآيات، وقع التعبير فيه بأبلغ مما في آل عمران. لأن هذا مع جمع الكثرة. وتنكير الحق، عبر فيه بالمصدر، المفهم لأن الاجتراء على القتل صار لهم خلقا وصفة راسخة. بخلاف ما مضى. فإنه بالمضارع الذي ربما دل على العروض. ثم ذكر أعظم من ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى الله تعالى فقال وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ جمع (أغلف) أي: هي مغشاة بأغشية جبلّية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. كما قال تعالى: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ...
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 156]
[فصلت: 5] . أي: فلا ذنب لنا: لأن قلوبنا خلقت بعيدة عن فهم ما يقول الأنبياء. وذلك سبب قتلهم ورد قولهم. وهذا بعد أن كانوا يقرون بهذا النبيّ الكريم ويشهدون له بالرسالة، وبأنه خاتم الأنبياء، ويصفونه بأشهر صفاته ويترقبون إتيانه. لا جرم ردّ الله عليهم بقوله، عطفا على ما تقديره (وقد كذبوا) لأنهم ولدوا على الفطرة كسائر الولدان. فلم تكن قلوبهم في الأصل غلفا بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ أي: ليس كفرهم، وعدم وصول الحق إلى قلوبهم لكونها غلفا بحسب الجبلّة. بل الأمر بالعكس. حيث ختم الله عليها بسبب كفرهم. لأنه خلقها أولا على الفطرة متمكنة من اختيار الخير والشر. فلما أعرضوا بما هيأ قلوبهم له من قبول النقص عن الخير، واختاروا الشر باتباع شهواتهم الناشئة من نفوسهم، وتركوا ما تدعو إليه عقولهم، طبع سبحانه عليهم فجعلها قاسية محجوبة. ولذا سبب عنه قوله فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا منهم. كعبد الله بن سلام وأضرابه. أو: إلا إيمانا قليلا لا يعبأ به لتمرن قلوبهم على الكفر والطغيان. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 156] وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) وَبِكُفْرِهِمْ أي: بعيسى عليه السلام. وهو عطف على (قولهم) وإعادة الجار لطول ما بينهما. وقد جوز عطفه على (بكفرهم) فيكون هو وما عطف عليه من أسباب الطبع. وقيل هذا المجموع معطوف على مجموع ما قبله. تكرير الكفر للإيذان بتكرر كفرهم. حيث كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد عليهم الصلاة والسلام. كذا في أبي السعود وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً أي: مع قولهم الذي يجترءون به على مريم عليها السلام، بعد ظهور كراماتها وإرهاصات ولدها ومعجزاته، يبهتونها به. القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 157] وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ. قال أبو السعود: نظم قولهم هذا في سلك سائر جناياتهم التي نعيت عليهم
لطيفة:
ليس لمجرد كونه كذبا، بل لتضمنه لابتهاجهم بقتل النبيّ عليه السلام والاستهزاء به. فإن وصفهم له عليه السلام بعنوان الرسالة إنما هو بطريق التهكم به عليه السلام. كما في قوله تعالى: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [الحجر: 6] . ولإنبائه عن ذكرهم له عليه السلام بالوجه القبيح، على ما قيل من أن ذلك وضع للذكر الجميل من جهته تعالى، مكان ذكرهم القبيح. وقيل: هو نعت له عليه الصلاة والسلام من جهته تعالى. مدحا له، ورفعا لمحله، وإظهارا لغاية جراءتهم، في تصديهم لقتله، ونهاية وقاحتهم في افتخارهم بذلك. لطيفة: قال الراغب: سمي عيسى بالمسيح لأنه مسحت عنه القوة الذميمة، من الجهل والشره والحرص وسائر الأخلاق الذميمة. كما أن الدجال مسحت عنه القوة المحمودة من العلم والعقل والحلم والأخلاق الحميدة. وقال شمر: لأنه مسح بالبركة. وهو قوله تعالى: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ [مريم: 31] . أو لأن الله مسح عنه الذنوب. وذكر المجد في كتابه (البصائر) في اشتقاقه ستة وخمسين قولا. وتطرّق شارح القاموس لبعضها. فانظره وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ أي: لا يصح لهم الفخر بقتله. لأنهم ما قتلوه. ولا متمسك لهم فيما يزعمونه من صلبهم إياه. لأنهم ما صلبوه ولكن قتلوا وصلبوا من ألقى عليه شبهه وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي: في شأن عيسى لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي: من قتله. وسنبينه بعد ما لَهُمْ بِهِ أي: بقتله مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ استثناء منقطع. أي: لكن يتبعون فيه الظن الذي تخيلوه وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً أي: قتلا يقينا بمعنى متيقنين أنه عيسى عليه السلام، بل فعلوه شاكّين فيه. أو المعنى: انتفى قتله انتفاء يقينا بمعنى انتفائه على سبيل القطع. قال البرهان البقاعي: وهو أولى لقوله: القول في تأويل قوله تعالى: [سورة النساء (4) : آية 158] بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ردّ وإنكار لقتله. وإثبات لرفعه. أي: اليقين إنما هو في رفعه إليه وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً أي: لا يبعد رفعه على الله. لأنه عزيز لا يغلب على ما يريده. وحكيم اقتضت حكمته رفعه. فلا بد أن يرفعه. وهي حفظه لتقوية دين محمد صلى الله عليه وسلم، حين انتهائه إلى غاية الضعف بظهور الدجال، فيقتله. أفاده المهايميّ.
تنبيه:
تنبيه: لا خفاء في أن هذه الآية الكريمة لتكذيب اليهود في دعوى الصلب التي تابعهم عليها أكثر النصارى، ولتبرئة ساحة مقام عيسى عليه السلام مما توهموه في ذلك. ولما كانت هذه الآية من مباحث الأمتين، ومعارك الفرقتين- أردت بسط الكلام في هذا المقام. انتهاجا للحق. وأخذا بناصر الصدق. وردّ أباطيل المكذبين. وتزييف أقوال الملحدين. نورد أولا ما زعموه ورووه. مما نفاه التنزيل الكريم. ثم بطلان المرويّ عندهم وتهافته بالحجج الدامغة. ثم ما رواه أئمة سلفنا رضي الله عنهم في هذه القصة. ثم رد زعمهم أن إلقاء الشبه سفسطة. ثم سقوط دعواهم التواتر في الصلب. ثم تزييف تفسير بعض النصارى لهذه الآية، وأنها مطابقة لمعتقدهم على زعمه. مع ذكر من رفض عقيدة الصلب من فرق النصارى. وذكر ما روي في إنجيل خامس يوافق عقيدة المسلمين، ويطابق هذه الآية. ونختم هذه المباحث بما قاله شيخ الإسلام تقيّ الدين ابن تيمية رضي الله عنه في هذه الآية، وأبدع، على عادته قدس سره. فهذا المطالب ينبغي معرفتها لكل طالب. إذ تفرعت إلى مباحث فائقة. وفوائد شائقة. فنقول وبالله التوفيق: ذكر ما زعموه ورووه مما نفاه التنزيل الكريم جاء في الفصل الثاني والعشرين من إنجيل لوقا ما نصه: 2- كان رؤساء الكهنة والكتبة يلتمسون كيف يقتلون يسوع لكنهم كانوا يخافون من الشعب. 38- أي لأن الشعب كلهم كانوا يبكرون إليه في الهيكل (وهو الكنيسة) ليستمعوه. إنجيل لوقا الأصحاح الحادي والعشرون (37) وكان في النهار يعلّم في الهيكل وفي الليل يخرج ويبيت في الجبل الذي يدعى جبل الزيتون. (38) وكان كل الشعب يبكّرون إليه في الهيكل ليسمعوه. 37- وكان في النهار يعلم في الهيكل وفي الليل يخرج ويبيت في الجبل المسمى
الأصحاح الثاني والعشرون
جبل الزيتون. كما ذكر لوقا قبل الفصل. 3- فدخل الشيطان في يهوذا الملقب بالأسخريوطيّ وهو أحد الاثني عشر. 4- فمضى وفاوض رؤساء الكهنة والولاة كيف يسلمه إليهم. 5- ففرحوا وعاهدوه أن يعطوه فضة. 6- فواعدهم وكان يطلب فرصة ليسلمه إليهم بمعزل عن الجمع. 7- وبلغ يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يذبح فيه الفصح. 8- فأرسل بطرس ويوحنا قائلا: امضيا فأعدّا لنا الفصح لنأكل. 9- فقالا له: أين تريد أن نعدّ. 10- فقال لهما: إذا دخلتما المدينة يلقاكما رجل حامل جرة ماء. فاتبعاه إلى البيت الذي يدخله. الأصحاح الثاني والعشرون 1- وقرب عيد الفطير الذي يقال له الفصح. 2- وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يقتلونه. لأنهم خافوا الشعب. 3- فدخل الشيطان في يهوذا الذي يدعى الإسخريوطيّ وهو من جملة الاثني عشر. 4- فمضى وتكلم مع رؤساء الكهنة وقوّاد الجند كيف يسلّمه إليهم. 5- ففرحوا وعاهدوه أن يعطوه فضة. 6- فواعدهم. وكان يطلب فرصة ليسلّمه إليهم خلوا من جمع. 7- وجاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يذبح فيه الفصح. 8- فأرسل بطرس ويوحنّا قائلا اذهبا وأعدّا لنا الفصح لنأكل. 9- فقالا له أين تريد أن نعدّ. 10- فقال لهما إذا دخلتما المدينة يستقبلكما إنسان حامل جرّة ماء. اتبعاه إلى البيت حيث يدخل. 11- وقولا لرب البيت: المعلم يقول لك أين يكون المنزل الذي آكل فيه الفصح مع تلاميذي. 12- فهو يريكما غرفة كبيرة مفروشة. فأعدّا هناك. 13- فانطلقا فوجدا كما قال لهما وأعدا الفصح.
14- ولما كانت الساعة اتكأ هو والرسل الاثنا عشر معه. 15- فقال لهم: لقد اشتهيت شهوة أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم. 16- فإني أقول لكم: إني لا آكله بعد حتى يتم في ملكوت الله. 17- ثم تناول كأسا وشكر وقال: خذوا فاقتسموا بينكم. 18- فإني أقول لكم: إني لا أشرب من عصير الكرمة حتى يأتي ملكوت الله. 19- وأخذ خبزا وشكر وكسر وأعطاهم قائلا: هذا هو جسدي الذي يبذل لأجلهم. اصنعوا هذا لذكري. 20- وكذلك الكأس من بعد العشاء قائلا: هذه هي الكأس العهد الجديد بدمي الذي يسفك من أجلكم. 21- ومع ذلك فها إن يد الذي يسلمني معي على المائدة. 22- وابن البشر ماض كما هو محدود ولكن الويل لذلك الرجل الذي يسلمه. 23- فطفقوا يسألون بعضهم بعضا: من كان منهم مزمعا أن يفعل ذلك. 24- ووقعت بينهم مجادلة في أيهم يحسب الأكبر. 25- فقال لهم: إن ملوك الأمم يسودونهم والمسلطين عليهم يدعون محسنين. 26- وأما أنتم فلستم كذلك. ولكن ليكن الأكبر فيكم كالأصغر. والذي يتقدم كالذي يخدم. 28- وأنتم الذين ثبتّم معي في تجاربي. 29- فأنا أعدّ لكم الملكوت كما أعدّه لي أبي. 30- لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي وتجلسوا على كراسي تدينون أسباط بني إسرائيل الاثني عشر. 31- وقال يسوع: سمعان سمعان هو ذا الشيطان سأل أن يغربلكم مثل الحنطة. 32- لكني صليت من أجلك لئلا ينقص إيمانك وأنت متى رجعت فثبّت إخوتك. 33- فقال له: أنا مستعد أن أمضي معك إلى السجن وإلى الموت. 34- قال: إني أقول لك يا بطرس إنه لا يصيح الديك اليوم حتى تنكر ثلاث مرات أنك تعرفني. 39- ثم خرج ومضى على عادته إلى جبل الزيتون وتبعه التلاميذ. 40- فلما انتهى إلى المكان قال لهم: صلوا لئلا تدخلوا في تجربة.
41- ثم فصل عنهم نحو رمية حجر وخر على ركبتيه وصلى. 42- قائلا: يا رب إن شئت فأجز عني هذه الكأس لكي لا تكن مشيئتي بل مشيئتك. 43- وتراءى له ملاك من السماء يشدّده. 44- ولما أخذ في النزاع أطال في الصلاة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض. 45- ثم قام من الصلاة وجاء إلى تلاميذه فوجدهم نياما من الحزن. 46- فقال لهم: ما بالكم نائمين. قوموا فصلوا لئلا تدخلوا في تجربة. 47- وفيما هو يتكلم وإذا بجمع يتقدمهم المسمى يهوذا أحد الاثني عشر فدنا من يسوع ليقبله. 48- فقال له يسوع: يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن البشر. 49- فما رأى الذي حوله ما سيحدث قالوا له: أنضرب بالسيف. 50- وضرب أحدهم عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه اليمنى. 51- فأجاب يسوع وقال: قفوا لا تزيدوا. ثم لمس أذنه فأبرأه. 52- ثم قال يسوع للذين جاءوا إليه من رؤساء الكهنة وولاة الهيكل والشيوخ: كأنما خرجتم إلى لص بسيوف وعصي. 53- إني كل يوم كنت معكم في الهيكل ولم تمدوا علي أيديكم ولكن هذه ساعتكم وهذا سلطان الظّلمة. حينئذ تركه تلاميذه وهربوا. 54- فارتموا على يسوع قبضوا عليه وقادوه إلى بيت رئيس الكهنة. وكان الكتبة والرؤساء مجتمعين. وهناك أعطى يهوذا الحواري الثلاثين درهما التي أخذها رشوة على تسليم المسيح. وكان بطرس يتبعه من بعيد ... 54- فجلس داخلا مع الخدام لينظر الغاية. 55- وأضرموا نارا في وسط الدار وجلسوا حولها فجلس بطرس بينهم. 56- فرأته جارية جالسا عند الضوء فتفرست فيه ثم قالت: إن هذا أيضا كان معه. 57- فكفر أمام الجمع وأنكره قائلا: إني لست أعرفه.
58- وبعد قليل رآه آخر فقال: أنت أيضا منهم. فأخذ بطرس يحلف لا أعرف هذا الرجل ولست منهم. 59- وبعد نحو ساعة أكد عليه آخر قائلا: في الحقيقة هذا أيضا كان معه فإنه جليلي. 60- فقال بطرس: يا رجل لا أدري ما تقول. قال مفسروهم: إن خطأ بطرس هذا كان ثقيلا: لأن المسيح قال: من ينكرني أمام الناس أنكره أمام أبي الذي في السموات. 60- وفي الحال بينما هو يتكلم صاح الديك. 61- فالتفت يسوع ونظر إلى بطرس فتذكر كلامه إذ قال: إنك قبل أن يصيح الديك. تنكرني ثلاث مرات. 62- فخرج بطرس وبكى بكاء مرّا. 63- وكان الرجال الذين قبضوا عليه يهزئون به ويضربونه. 64- وغطوه وطفقوا يلطمونه ويسألونه قائلين: تنبأ من الذي ضربك. 65- وأشياء آخر كانوا يقولونها عليه مجدفين. 66- ولما كان النهار اجتمع شيوخ الشعب ورؤساء الكهنة عليه ليميتوه وأحضروه إلى محفلهم. 67- وقالوا: إن كنت أنت المسيح فقل لنا. فقال لهم: إن قلت لكم لا تؤمنون. 68- وإن سألتكم لا تجيبوني ولا تطلقوني. 69- ولكن من الآن يكون ابن البشر جالسا عن يمين قدرة الله. 70- فقال الجميع: أفأنت ابن الله. فقال لهم: أنتم تقولون إني أنا هو. 71- فقالوا ما حاجتنا إلى شهادة إنا قد سمعنا من فمه. فأوثقوه. وأما يهوذا الأسخريوطي الدافع، لما رأى يسوع قد دين ندم ومضى فأعاد الثلاثين الفضة إلى رؤساء الكهنة قائلا: لقد أخطأت بتسليمي دما زكيا. فقالوا له: ما علينا أنت أخبر. فطرح الفضة في الهيكل وذهب فخنق نفسه، وأما رؤساء الكهنة فأخذوا الفضة وقالوا لا يحل لنا أن نضعها في بيت التقدمة لأنها ثمن دم. 1- ثم ذهب جميع جمهورهم ومضوا بيسوع إلى بيلاطس. 2- وطفقوا يشكونه قائلين: إنا وجدنا هذا يفسد أمتنا ويمنع من أداء الجزية لقيصر
ويدعي أنه هو المسيح الملك. 3- فسأله بيلاطس قائلا: هل أنت ملك اليهود؟ فأجابه قائلا: أنت قلت. 4- فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة وللجموع: إني لم أجد على هذا الرجل علة. 5- فلجّوا وقالوا: إنه يهيج الشعب إذ يعلم في اليهودية كلها مبتدئا من الجليل إلى هاهنا. 6- فلما سمع بيلاطس ذكر الجليل سأل: هل الرجل جليليّ. 7- ولما علم أنه من إيالة هيرودس أرسله إلى هيرودس وكان في تلك الأيام في أورشليم. 8- فلما رأى هيرودس يسوع فرح جدّا لأنه من زمان طويل كان يشتهي أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة ويرجو أن يعاين آية يصنعها. 9- فسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء. 10- وكان رؤساء الكهنة والكتبة واقفين يشكونه بلجاجة. 11- فازدراه هيرودس مع جنوده وهزأ به وألبسه ثوبا لا معا وردّه إلى بيلاطس. 12- وتصادق هيرودس وبيلاطس في ذلك اليوم وقد كانا من قبل متعاديين. 13- فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة والعظماء والشعب. 14- وقال لهم: قد قدمتم إليّ هذا الرجل كأنه يفتن الشعب. وها أنا قد فحصته أمامكم فلم أجد على هذا الرجل علة مما تشكونه به. 15- ولا هيرودس أيضا لأني أرسلتكم إليه وهو ذا لم يصنع به شيء من حكم الموت. 16- فأنا أؤدبه وأطلقه. 17- وكان لا بد له أن يطلق لهم في كل عيد رجلا. 18- فصاحوا كلهم جملة قائلين: ارفع هذا وأطلق لنا برأبّا. 19- كان ذاك قد ألقي في السجن لأجل فتنة حدثت في المدينة وقتل. 20- فناداهم بيلاطس مرة أخرى وهو يريد أن يطلق يسوع. 21- فصرخوا قائلين: اصلبه، اصلبه. 22- فقال لهم مرة ثالثة: وأي شر صنع هذا؟ إني لم أجد عليه علة للموت فأنا أؤدبه وأطلقه. 23- فألحوا عليه بأصوات عالية طالبين أن يصلب واشتدت أصواتهم.
24- فحكم بيلاطس أن يجرى مطلبهم. 25- فأطلق لهم الذي طلبوه ذاك الذي ألقي في السجن لأجل فتنة. وجلد يسوع بالسياط وأسلمه ليصلب. قال مفسروهم: ولذا يظهر أن اللصين اللذين صلبا معه جلدا أيضا والجلادون كانوا ستين نفرا. وأرشاهم اليهود ليميتوه بالجلد خشية أن يطلقه بيلاطس ونزعوا ثيابه وألبسوه لباسا قرمزيا وضفروا إكليلا من شوك العوسج ووضعوه على رأسه، وأنشبوا في رأسه عنفا أشواكه الحادة. ومن هنا أخذت الكنيسة العادة على إبقاء إكليلا من شعر في رأس الكهنة تذكارا لإكليل المسيح الشوكيّ. ثم جثوا على ركبهم مستهزئين به وقائلين: السلام يا ملك اليهود وتناولوا قصبة يضربون بها رأسه. ولما هزؤا به نزعوا عنه ذلك اللباس وألبسوه ثيابه واستاقوه ليصلب. وكان يتقدمه مبوّق يدعو الشعب إلى هذا المنظر بحسب عادة اليهود. وخشبة الصلب على منكبيه. 32- وانطلق معه بآخرين مجرمين ليقتلا. ولما بلغوا إلى المكان المسمى الجمجمة صلبوه هناك هو والمجرمين، أحدهما عن اليمين والآخر عن اليسار ... وناولوه خلّا بمرارة أو خمرا ممزوجا بعلقم بعد أن طلب الماء فذاقه ولم يشرب. ولما صلبوه بالمسامير وبالحبال معها. وكانت المسامير في راحة اليدين والرجلين، ضربوا جنبه بالحربة فنفذت من صدره. وفي الصليب محل يسند إليه رجليه. واقتسموا ثيابه بالقرعة وهي ثلاثة: القميص والرداء والجبة. ولم يكن يلبس السروال كعادة تلك البلاد. وجلسوا هناك يحرسونه لئلا يسرقه أحد. وكان الشعب واقفين ينظرون. والرؤساء يسخرون منه معهم قائلين: قد خلص آخرين فليخلص نفسه إن كان هو مسيح الله المختار. 36- وكان الجند أيضا يهزئون به. 37- وقائلين: إن كنت أنت ملك اليهود فخلص نفسك. 38- وكان عنوان فوقه مكتوبا بالحروف اليونانية واللاتينية والعبرانية: هذا هو ملك اليهود.
44- ولما كان نحو الساعة السادسة حدثت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة. 45- وأظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل من وسطه. 46- ونادى يسوع بصوت عظيم قائلا: إيل إيل لم شبقتني؟ أي: إلهي إلهي لم ذا تركتني؟ فكان أناس من القائمين يقولون: دعوا ننظر هل يأتي إيليا فيخلصه. ثم صرخ أيضا بصوت عال وأسلم الروح. 47- فلما رأى قائد المائة ما حدث مجّد الله قائلا: في الحقيقة كان هذا الرجل صديقا. 48- وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين على هذا المنظر، لما عاينوا ما حدث، رجعوا وهم يقرعون صدورهم. 49- وكان جميع معارفه والنساء اللواتي تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظرون ذلك. 50- وإذا برجل اسمه يوسف وهو صالح صديق. 51- ولم يكن موافقا لرأيهم وعملهم. 52- فدنا إلى بيلاطس وسأله جسد يسوع فأعطاه إياه. 53- فأنزله ولفه في كتان ووضعه في قرب منحوت لم يكن وضع فيه أحد. 54- وكان يوم التهيئة أي: الجمعة وقد أخذ السبت يلوح ... وفي يوم السبت اجتمع عظماء الكهنة عند بيلاطس قائلين له: قد تذكرنا أن ذاك المضل كان يقول وهو حيّ: إني أقوم بعد ثلاثة أيام. فمر أن يحرسوا القبر حتى اليوم الثالث. لئلا يأتي تلاميذه فيسرقوه ليلا ويقولوا للشعب: إنه قام من بين الأموات. فتكون الضلالة الأخيرة شرّا من الأولى. فأمر لهم بجنود يحرسون وحصنوا القبر وختموا الحجر مع الجنود. وفي عشية السبت المسفر صباحه عن الأحد أتت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظر القبر. قال مفسروهم: إن هذه الآية أتعبت العلماء في تفسيرها والتوفيق بين أجزائها وبين أقوال باقي الإنجيليين. انتهى. وإذا بزلزلة عظيمة قد ضارت لأن ملك الرب انحدر من السماء. وكان الملك جبريل ظهر بهيئة شاب وجاء فدحرج الحجر عن باب القبر وجلس فوقه. وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج. ومن الخوف منه اضطرب الحراس وصاروا كالأموات.
وقال لوقا:
فقال للنسوة: لا تخفن. فقد عرفت أنكن تطلبن يسوع المصلوب. إنه ليس هاهنا. فإنه قد قام. وقال لوقا: 55- كانت النساء اللواتي أتين معه من الجليل. يتبعن. فأبصرن القبر وكيف وضع فيه جسده. 56- ثم رجعن وأعددن حنوطا وأطيابا. وفي السبت قررن على حسب الوصية. 1- وفي أول الأسبوع باكرا جدّا أتين إلى القبر وهن يحملن الحنوط الذي أعددناه. 2- فوجدن الحجر قد دحرج عن القبر. 3- فدخلن فلم يجدن جسد يسوع. 4- وبينما هن متحيرات في ذلك إذا برجلين قد وقفا عندهن بلباس برّاق. 5- وإذ كن خائفات ونكّسن وجوههن إلى الأرض قالا لهن: لماذا تطلبن الحيّ بين الأموات. 6- إنه ليس هاهنا لكنه قام. اذكرن كيف كلمكن وهو في الجليل. 7- إذ قال إنه ينبغي لابن البشر أن يسلم إلى أيدي أناس خطأة ويصلب ويقوم في اليوم الثالث. فذكرن كلامه. ورجعن من القبر وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله. وقلن لهم: قد أخذوا يسوع من القبر ولا نعلم أين وضعوه. 10- ومريم المجدلية وحنّة ومريم أم يعقوب وأخر معهن هن اللواتي أخبرن الرسل بهذا. فكان عندهم عند الكلام كالهذيان ولم يصدقوهن. 12- فقام بطرس وأسرع إلى القبر وتطلع فرأى الأكفان موضوعة على حدة فانصرف متعجبا في نفسه مما كان. 13- وإن اثنين منهم كانا سائرين في ذلك اليوم إلى قرية اسمها عمّاوس بعيدة عن أورشليم ستين غلوة. 14- وكانا يتحادثان عن تلك الحوادث كلها. 15- وفيما هما يتحادثان ويتساءلان دنا منهما يسوع نفسه وكان يسير معهما.
16- ولكن أمسكت أعينهما عن معرفته. 17- فقال لهما: ما هذا الكلام الذي تتحاوران فيه وأنتما سائران مكتئبين. 18- فأجاب أحدهما: أفأنت غريب في أورشليم ولم تعلم ما حدث بها في هذه الأيام. 19- فقال لهما: وما هو؟ قالا له ما يخص يسوع الناصري الذي كان رجلا نبيّا ذا قوة في العمل والقول أمام الله والشعب كله. 20- وكيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه. 21- واليوم هو اليوم الثالث لحدوث ذلك. 22- إلا أن نساء منا أدهشننا لأنهن بكرن إلى القبر. 23- فلم يجدن جسده فأتين وقلن: إنهن رأين مظهر ملائكة قالوا إنه حي. 24- فمضى قوم من الذين معنا إلى القبر فوجدوا كما قالت النساء لكنهم لم يروه. 25- فقال لهما: يا قليلي الفهم وبطيئي القلب في الإيمان بكل ما نطقت به الأنبياء. 26- أما كان ينبغي للمسيح أن يتألم هذه الآلام ثم يدخل إلى مجده. 27- ثم أخذ يفسر لهما، من موسى ومن جميع الأنبياء، ما يختص به في الأسفار كلها. 28- فلما اقتربوا من القرية التي كانا يقصدانها تظاهر بأنه منطلق إلى مكان أبعد. 29- فألزماه قائلين: امكث معنا لأن المساء مقبل وقد مال النهار. فدخل ليمكث معهما. 30- ولما اتكأ معهما أخذ خبزا وبارك وكسر وناولهما. 31- فانفتحت أعينهما وعرفاه فغاب عنهما. 32- فقال أحدهما للآخر: أما كانت قلوبنا مضطرمة فينا حين كان يخاطبنا في الطريق ويشرح لنا الكتب. 34- وقاما في تلك الساعة ورجعا إلى أورشليم فوجدا الأحد عشر والذين معهم مجتمعين. وهم يقولون: لقد قام يسوع في الحقيقة وتراءى لسمعان. 35- فأخذا يخبران بما حدث في الطريق وكيف عرفاه عند كسر الخبز. 36- وبينما هم يتحدثون بهذه وقف يسوع في وسطهم وقال لهم: السلام لكم. أنا هو لا تخافوا.
فصل في بطلان ما رووه وتهافته بالحجج الدامغة
37- فاضطربوا وخافوا وظنوا أنهم يرون روحا. 38- فقال لهم: ما بالكم مرتعدين ولماذا ثارت الأوهام في قلوبكم. 39- انظروا يديّ ورجليّ إني أنا هو جسّوني وانظروا فإن الروح لا لحم له ولا عظام كما ترون لي. 40- ثم أراهم يديه ورجليه. 41- وإذ كانوا غير مصدقين بعد من الفرح ومتعجبين قال: أعندكم هاهنا طعام. 42- فأعطوه قطعة من سمك مشويّ وشهد عسل. 43- فأخذ وأكل أمامهم. ثم أخذ الباقي وأعطاهم ... وبعد مفاوضته معهم. 50- خرج بهم إلى بيت عنيا ورفع يديه وباركهم. 51- وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وصعد إلى السماء. هذا ما جاء في إنجيل لوقا ممزوجا ببعض تفاسيرهم. وإنما آثرت النقل عنه لزعمهم أن كلامه أصح وأفصح، وأشد انسجاما من كلام باقي مؤلفي العهد الجديد. كما في (ذخيرة الألباب) من كتبهم. فصل في بطلان ما رووه وتهافته بالحجج الدامغة اعلم أن في كتبهم الموجودة من التضارب في هذه القصة ما يقضي بالعجب ويبرهن على عدم الوثوق بها. كما قال تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء: 157] . قال البرهان البقاعيّ رحمه الله في (تفسيره) بعد (أن ساق أزيد مما سقناه عن أناجيلهم، وقال: أحسن ما ردّ على الإنسان بما يعتقده) ما نصه: فقد بان لك أن أناجيلهم كلها اتفقت على أن علمهم في أمره انتهى إلى واحد. وهو الأسخريوطيّ. وأما غيره من الأعداء فلم يكن يعرفه. وإنه إنما وضع يده عليه ولم يقل بلسانه إنه هو. وأن الوقت كان ليلا. وأن عيسى نفسه قال لأصحابه: كلكم تشكّون فيّ هذه الليلة. وأن تلاميذه كلهم هربوا فلم يكن لهم علم بعد ذلك بما اتفق في أمره. وإن
بطس إنما تبعه من بعيد. وإن الذي دل عليه خنق نفسه. وإن الناقل لأن الملك قال إنه قام من الأموات، إنما هو نسوة كن عند القبر في مدى بعيد. وما يدري النسوة الملك من غيره. ونحو ذلك من الأمور التي لا تفيد غير الظن. وأما الآيات التي وقعت على تقدير تسليمها لا يضرنا التصديق بها.. وتكون لجراءتهم على الله بصلب من يظنونه المسيح. وهذا كله يصادق القرآن في أنهم في شك منه. ويدل على أن المصلوب، إن صح أنهم صلبوه، من ظنوه إياه، هو الذي دل عليه. قال بعض العلماء: إنه ألقى شبهه عليه. ويؤيد ذلك قولهم إنه خنق نفسه. فالظاهر أنهم لما لم يروه بعد ذلك ظنوا أنه خنق نفسه: فجزموا به. والله أعلم. انتهى. وقال العلامة خير الدين الآلوسي في (الجواب الفسيح) : اعلم أن ما ذكره هذا النصرانيّ من أن المسيح عليه السلام مات بجسده، وأقام على الصليب إلى وقت الغروب من يوم الجمعة، ثم أنزل ودفن، وأقام في القبر إلى صبيحة يوم الأحد، ثم انبعث حيّا بلاهوته وتراءى للنسوة اللاتي جئن إلى قبره زائرات، وظهر بعد لحوارييه ... إلى آخر ما قاله- هو ما أجمع عليه النصارى. ويرد ذلك العقل والنقل. وإن صدقتهم اليهود في قتله. فاستمع من المنقول ما يتلى عليك بأذن واعية. وخذ ما يأتيك من المعقول بالدلائل الهادية. على أن المقتول هو الشبه. وأن الحال عند صالبيه اشتبه. وأن المسيح رفعه الله تعالى، قبل القتل، إليه. لشرفه عنده ومكانته. لديه. قال الله تعالى في بيان حال اليهود: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ ... الآية. وفي الإنجيل أن رئيس الكهنة أقسم على المأخوذ بالله أأنت المسيح بن الله؟ فقال له: أنت قلت. ولم يجبه بأنه المسيح. فلو كان المقسم عليه هو المسيح لقال له: نعم. ولم يورّ ولم يتلعثم. وهو محلّف بالله. لا سيما وهو بزعمهم الإله. الذي نزل لخلاص عباده بإفداء نفسه ودخول الجحيم ولأواه. وقال لوقا في الفصل التاسع من إنجيله. 28- إن المسيح صعد قبل الصلب إلى جبل الخليل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا. 29- فبينما هو يصلي إذ تغير منظر وجهه عما كان عليه وابيضت ثيابه وصارت تلمع كالبرق. 30- وإذا موسى بن عمران وإيليا. 31- قد ظهرا له وجاءت سحابة فأظلتهم.
وقال يوحنا التلميذ:
32- وأما الذين كانوا مع المسيح فوقع عليهم النوم فناموا. وهذا من أوضح الدلالات على رفعه وحصول الشبه الذي نقول به. إذ لا معنى لظهور موسى وإيليا ووقوع النوم على أصحابه إلا رفعه. ألا ترى أن اليهود كانوا يسمعون منه، عليه السلام أن إيليا يأتي. فلما رفعوه على الخشبة، كما في الأناجيل، قالوا: دعوه حتى نرى أن إيليا يأتي فيخلصه. فصاروا في شك يريدون تحقيقه. فإن أتى إيليا فما رفعوه هو المسيح. وإن لم يأت فهو غيره كما في ظنهم. فلما لم يأت ازدادوا ريبة في أمره. ومن رآه الحواريون بعد يقظتهم، يجوز أن يكون طورا من أطوار روحه. لأنه عليه السلام لا يبعد أن يكون له قوة التطور. وتشكل الروح بعد الموت أمر ممكن. لا سيما وقد صدرت على يديه معجزات أعظم من ذلك. كإحياء الموتى وكثرة الخبز والحيتان وإبراء الأكمه والأبرص. وقال يوحنا التلميذ: 1- كان يسوع مع تلاميذه بالبستان فجاء اليهودي في طلبه. 4- فخرج إليهم يسوع وقال لهم: من تريدون؟ قالوا: يسوع. (وقد خفي شخصه عنهم) . فقال: أنا يسوع. وفعل ذلك مرتين وقد أنكروا صورته. فانظر أيها العاقل كيف اعترف هنا أنه يسوع لما علم أن الله تعالى تولّى حراسته منهم، وأنهم لا يقدرون أن ينالوه بسوء. وكيف لم يعترف بأنه المسيح لما سأله رئيس الكهنة عن نفسه. فعدم اعترافه هناك واعترافه هنا دليل واضح أيضا على أن ما قاله الله سبحانه في القرآن العظيم هو الحق. ثم من الأدلة على عدم قتله ما اشتملت عليه الأناجيل من اختلاف المباني والمعاني والمقاصد والاضطراب في حكاية هذه الواقعة والتناقص في ألفاظها. كدعواهم الألوهية مع قوله عليه الصلاة والسلام (عند صلبه بزعمهم) : إلهي! إلهي! لم تركتني. وقوله كما في الفصل السادس والعشرين من إنجيل متى: يا أبتاه إن كان لا يمكنك أن تفوتني هذه الكأس أي: الموت ولا بد لي أن أشربها فلتكن مشيئتك. وقام يصلي. وقوله لرئيس الكهنة: إنكم من الآن لا ترون ابن الإنسان حتى ترونه جالسا عن يمين القوة وآتيا في سحاب السماء. يريد بالقوة البارئ تعالى شأنه. وفي الفصل السابع من إنجيل يوحنا: إن المريسيين ورؤساء الكهنة
أرسلوا شرطا ليقبضوا على المسيح (يعني ليقتلوه كما قال مفسروهم) قال أنا ماكث أيضا معكم زمانا. ثم أنطلق إلى من أرسلني وتطلبونني فلا تجدونني. وحيثما أكن فلا تستطيعون إليه سبيلا. قال اليهود في ذواتهم: فإلى أين؟ هذا عتيد أن ينطلق حتى لا نجده نحن، قال مفسروهم أي: يصعد إلى السماء. وغير ذلك مما لو أردنا ذكره والتنقير عنه لطال البحث. ثم نقل خير الدين نحوا مما أسلفناه عن أناجيلهم وقال بعض ذلك: فأجل في تناقضها قداح فكرك. وفي تهافتها خيول ذهنك. لترى في هذه القصة ما يدلك على وقوع الشبه ونجاة المسيح عقلا ونقلا. كما قال تعالى: وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. وليتبين لك عبوديته ورسالته عليه السلام. فإن ذلك ظاهر من العبارات. ولنزدك في البيان وضوحا بما ننبهك عليه بكلمات يسيرة مقدوحا ومشروحا. منها: قولهم إنه صلب قبل غروب يوم الجمعة ودفن مساءها. ولما جاءت النسوة عشية السبت المفسر صباحه عن الأحد، وجدنه فارغا، وقد قام منه المدفون. مع أن النصارى يزعمون، كما في أناجيلهم، أنه يبقى في قبره ثلاثة أيام. كما بقي يونان، أي: يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام بلياليها، فما هذا إلا دليل على الاختلاف والتهافت في هذا الأمر. ومنها: سؤالة اليهود مرتين من تطلبون؟ وهم يقولون: يسوع الناصريّ. فلم يعرفوه وهو يقول لهم: أنا. ومنها: أن يهوذا ارتشى ليدلهم عليه. وجعل العلامة على تعيينه لهم تقبيل يده. فلو كان معلوما لهم لعرفوه بلا دلالة وبلا سؤال. مع أنه كان بين أظهرهم وفي غالب الأيام في هيكلهم. ومنها: أنه لما أقسم عليه رئيس الكهنة أنه هو المسيح لم يقل له: أنا المسيح. بل قال له: أنت قلت. ومنها: إنكار بطرس له وهو من أعظم رسله. وإنكاره كفر. ومنها: أنه لما سأله الوالي: أنت هو؟ لم يردّ له جوابا. فلو كان هو لاعترف وأقرّ. ومنها: أنه لما كان أخذه ليلا، وقد شوهت صورته وتغيرت محاسنه بالضرب والنكال، فهي حالة توجب اللبس بين الشيء وخلافه. فكيف بين الشيء وشبهه؟
فمن أين يحصل القطع بأنه هو؟ لا سيما والنصارى قد حكموا أن المسيح عليه السلام قد أعطي قوة التحوّل من صورة إلى صورة. ويحتمل أن المسيح ذهب في الجماعة الذين أطلقهم الأعوان، وكان المتكلم معهم تلميذ أراد أن يبيع نفسه من الله تعالى وقاية للمسيح. فألقى الله تعالى عليه الشبه. وأتباع الأنبياء يفدون أنفسهم لأنبيائهم. وهذا فدى نفسه لإلهه، بزعم النصارى. ومنها: أنه يحتمل أن الأعوان ارتشوا على إطلاقه كما ارتشى يهوذا على الدلالة عليه. وأخذوا غيره ممن يريد أن يفدي نفسه للمسيح. والدليل عليه عدم اعترافه بأنه المسيح. ومنها: قوله عليه السلام الذي تقدم آنفا: أنا ماكث معكم زمانا. ثم أنطلق إلى من أرسلني. فتطلبوني فلا تجدوني. وحيثما أكن فلا تستطيعون إليّ سبيلا، فهذا صريح في الثاني عشر من (إنجيل يوحنا) ما لفظه: قال له الجموع: نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يمكث إلى الأبد. فكيف تقول أنت أن ابن البشر سوف يرتفع. من هو هذا ابن البشر؟ قال لهم يسوع: إن النور معكم زمانا آخر يسيرا. امشوا ما دام لكم النور. لئلا يدرككم الظلام. ومن يمش في الظلام فلا يدري أين يذهب. آمنوا بالنور ما دام لكم النور. قال يسوع هذا وذهب متواريا عنهم. انتهى. ففي هذا الكلام أدلة كثيرة مؤيدة لقوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء: 158] . منها: أن اليهود قالوا لعيسى: إن المسيح المذكور في العهد القديم يمكث إلى الأبد. أي: فإن كنت أنت المسيح فأنت لا تموت في هذا الزمان. بل تبقى إلى قيام الساعة. ولم يكذبهم في نقلهم ذلك. والمسلمون يقولون: إنه رفع حيّا إلى السماء وهو الآن حيّ فيها. وسينزل آخر الزمان عند قرب الساعة. ويقتل الدجال ويحكم بالشريعة المحمدية. ويتوفى ويدفن عند النبيّ صلى الله عليه وسلم. فهو حيّ إلى الأبد، يعني إلى قرب قيام الساعة ونزوله وموته من أمارات الساعة الكبرى. وفي هذا القول دلالات ظاهرات أيضا على أنه ليس بإله: أحدها- أنه قال: ابن البشر. يعني لا تظنوا أني أدعي الألوهية وإن أحييت الموتى. لأن ذلك معجزة خلقها الله تعالى على يده للإيمان بنبوّته. ثانيها: لو كان إلها لما توارى منهم خائفا من قتلهم له. لأن الإله هو خالق لهم ولعملهم. وعالم بزمن قدرتهم عليه. فكيف يفرّ وهو يعلم وقت موته؟ وهو خالق
الموت والحياة؟ ثم إنه يحتمل أن الله تعالى ألقى شبهه على شيطان أو مارد من مردة الجن ليخلص نبيه ورسوله من أيدي أعدائه، ويرفعه إليه محفوظا مكرما. كما أجرى عليه يديه إحياء الموتى، وخلقه من غير أب، وأبرأ الأكمه والأبرص. لا سيما وهو بزعمهم إله العالم وخالق الإنس والجن وبني آدم. فأي ضرورة تدعو لإثبات أنواع الإهانة والعذاب، على ما زعموا، لرب الأرباب. مع وجود التناقض فيما نقلته أناجيلهم في هذا الفصل والباب. عجبا للمسيح بين النصارى ... وإلى أيّ والد نسبوه أسلموه إلى اليهود وقالوا: ... إنهم بعد ضربه صلبوه فإذا كان ما يقولون حقّا ... وصحيحا، فأين كان أبوه؟ حين خلى ابنه رهين الأعادي ... أتراهم أرضوه أم أغضبوه؟ فلئن كان راضيا بأذاهم ... فاحمدوهم لأنهم عذّبوه ولئن كان ساخطا فاتركوه ... واعبدوهم لأنهم غلبوه وفي كتاب (الفاصل بين الحق والباطل) ما نصه: وفي الذي اتخذتموه شهيدا على صلبه من كلام عاموص النبيّ. أن الله تعالى قال على لسانه: ثلاثة ذنوب أقبل لبني إسرائيل. والرابعة لا أقبلها. بيعهم الرجل الصالح- حجة عليكم لا لكم. لأنه لم يقل بيعهم إياي. ولا قال بيعهم إلها متساويا معي. ويجزي تأويل ذلك على وجهين: إما أن يكون عنى بالمبيع عيسى كما تزعمون فقولوا حينئذ إنه (الرجل الصالح) كما قال عاموص، وليس بالإله المعبود. وإما أن يريد بالمبيع غيره وهو الذي شبه لليهود فابتاعوه وصلبوه. ويلزمكم وقتئذ إنكار مصلوبية عيسى عليه السلام. كيف لا ونصوص الإنجيل والكتب النصرانية متضافرة دالة على عدم الصلب لعيسى عليه السلام. ووقوع الشبه على غيره. وذلك من وجوه: أحدها- يوجد في الإنجيل أن عيسى عليه السلام صعد إلى جبل الجليل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا. فبينما هو يصلي إذ تغير منظر وجهه عما كان عليه وابيضت ثيابه فصارت تلمع كالبرق. وإذا بموسى بن عمران وإيليا قد ظهرا له وجاءت سحابة فأظلتهم. فوقع النوم على الذين معه. فأي مانع يمنع من أن يكون ذلك قد وقع في اليوم الذي طلبته فيه اليهود. وإنما قد اختلفتم في نقلها كما اختلفتم وتناقضتم في غير ذلك. وغيرتم الكلم عن مواضعه. وظهور الأنبياء عليهم السلام وتظليل السحابة ووقوع النوم على التلاميذ، يكون حينئذ دليلا ظاهرا على الرفع إلى
فصل
السماء وعدم الصلب. وإلا فلا معنى لظهور هذه الآيات. وثانيها- ما في الإنجيل أيضا أن المصلوب قد استسقى اليهود فأعطوه خلّا مضافا بمر. فذاقه ولم يشربه. فنادى: إلهي إلهي لم خذلتني؟ والأناجيل كلها مصرحة بأنه عليه السلام كان يطوي أربعين يوما وأربعين ليلة. ويقول للتلاميذ: إن لي طعاما لستم تعرفونه. ومن يصبر على العطش والجوع أربعين يوما وليلة كيف يظهر الحاجة والمذلة لأعدائه بسبب عطش يوم واحد؟ هذا لا يفعله أدنى الناس، فكيف بخواصّ الأنبياء؟ أو كيف بالرب على ما تدعونه؟ فيكون حينئذ المدعى للعطش غيره. وهو الذي شبه لكم. وثالثها- قوله: إلهي إلهي لم خذلتني وتركتني؟ هو كلام يقتضى عدم الرضا بالقضاء، وعدم التسليم لأمر الله تعالى. وعيسى عليه السلام منزّه عن ذلك. فيكون المصلوب غيره. لا سيما وأنتم تقولون: إن المسيح عليه السلام إنما نزل ليؤثر العالم على نفسه، ويخلّصه من الشيطان ورجسه. فكيف تروون عنه ما يؤدي إلى خلاف ذلك، مع روايتكم في توراتكم أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون، عليهم السلام، لما حضرهم الموت كانوا مستبشرين بلقاء ربهم، فرحين بانقلابهم إلى سعيهم، لم يجزعوا من الموت ولم يستقيلوا منه. ولم يهابوا مذاقه. مع أنهم عبيده. والمسيح بزعمكم ولد وربّ. فكان ينبغي أن يكون أثبت منهم. ولما لم يكن كذلك دلّ على أن المصلوب غيره، وهو الذي شبه لكم. فصل فيما روي عن سلفنا الكرام رضي الله عنهم في تفسير هذه الآية. قال الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقيّ رحمه الله تعالى في (تفسيره) هنا ما نصه: وكان من خبر اليهود، عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والمعجزات. التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. ويصوّر من الطين طائرا ثم ينفخ فيه فيكون طائرا يشاهد طيرانه بإذن الله عز وجل. إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه. ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم. حتى جعل نبيّ الله عيسى عليه السلام لا يساكنهم في بلدة. بل يكثر السياحة هو وأمه عليهما السلام. ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلا مشركا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته اليونان، وأنهوا إليه أن في بيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم ويفسد
على الملك رعاياه. فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالقدس أن يحتاط على هذا المذكور. وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه. ويكفّ أذاه عن الناس. فلما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى عليه السلام. وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر وقيل سبعة عشر نفرا. وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت. فحصروه هنالك. فلما أحس بهم، وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم، قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم. فكأنه استصغره عن ذلك. فأعادها ثانية وثالثة. وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب. فقال: أنت هو. وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو. وفتحت روزنة من سقف البيت وأخذت عيسى سنة من النوم فرفع إلى السماء. وهو كذلك كما قال الله: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ ... الآية. فلما رفع، خرج أولئك النفر. فلما رأى أولئك النفر ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه. وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك، لجهلهم وقلة عقلهم. ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا رفعه. وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم. حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت. ويقال إنه خاطبها. والله أعلم. وهذا كله من امتحان الله عباده، لما له في ذلك من الحكمة البالغة. وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبيّنه وأظهره في القرآن العظيم الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات، والدلائل الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق القائلين: ورب العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان ويكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء: 157] . أي: رأوا شبهه فظنوا أنه إياه. ولهذا قال: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء: 157] . يعني بذلك من ادعى أنه قتله من اليهود ومن سلمه إليهم من جهال النصارى. كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسعر. ولهذا قال: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً [النساء: 157] . أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو بل شاكّين متوهمين: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً، أي: منيع الجناب لا يرام جنابه ولا يضام من لاذ ببابه. حَكِيماً أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها. وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان
العظيم والأمر القديم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان. حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين. يعنى فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء. فقال: إن منكم من يكفر بي اثني عشر مرة بعد أن آمن بي. قال ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكن معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنّا فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام ذلك الشاب فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا فقال: هو أنت ذاك. فألقي عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء. قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه. فكفر به بعضهم اثني عشر مرة بعد أن آمن به. وافترقوا ثلاث فرق. فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه إليه. وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها. فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. ورواه النسائيّ عن أبي كريب عن أبي معاوية نحوه. وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة؟ وقال ابن جرير «1» حدثنا ابن حميد. حدثنا يعقوب القميّ عن هارون بن عنترة عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت. فأحاطوا بهم. فلما دخلوا عليه صورهم الله عز وجل كلهم على صورة عيسى. فقالوا لهم: سحرتمونا. لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا. فقال عيسى لأصحابه: من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا. فخرج إليهم وقال: أنا عيسى. وقد صوره الله على صورة عيسى. فأخذوه فقتلوه وصلبوه. فمن ثم شبه لهم فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى. وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى. ورفع الله عيسى من يومه ذلك. قال ابن كثير: وهذا سياق غريب جدا. ثم قال ابن جرير: وقد روي عن وهب نحو هذا القول وهو «2» ما حدثني المثنى. حدثنا إسحاق. حدثنا إسماعيل عن عبد الكريم. حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول: إن عيسى بن مريم لما
أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشقّ عليه. فدعا الحواريين فصنع لهم طعاما فقال: احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة. فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم. فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه. فتعاظموا ذلك وتكارهوه. فقال: ألا من ردّ عليّ الليلة شيئا مما أصنع فليس مني ولا أنا منه. فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة. فإنكم ترون أني خيركم فلا يتعاظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي الليلة التي استعنتكم عليها، فتدعون الله لي وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي. فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء. فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله! أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها. فقالوا: والله! ما ندري ما لنا! لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا. وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه. فقال: يذهب بالراعي وتتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى نفسه. ثم قال: الحقّ، ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات. وليبيعنّي أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني! فخرجوا فتفرقوا. وكانت اليهود تطلبه. وأخذوا شمعون أحد الحواريين وقالوا: هذا من أصحابه. فجحد وقال: ما أنا بصاحبه. فتركوه. ثم أخذه آخرون فجحد كذلك. ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه. فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهما. فأخذها ودلهم عليه. وكان شبّه عليهم قبل ذلك. فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل. فجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى وتنتهر الشيطان وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك. حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها. فرفعه الله إليه. وصلبوا ما شبّه لهم. فمكث سبعا. ثم إن أمّه والمرأة التي كان يداويها عيسى عليه السلام فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان حيث المصلوب. فجاءهما عيسى فقال: علام تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال: إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير. وإن هذا شيء شبّه لهم. فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقد الذي كان باعه ودل عليه اليهود فسأل عنه أصحابه فقالوا: إنه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه. فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام يتّبعهم يقال له يحنّى. فقال: هو معكم، فانطلقوا فإنه يصبح كلّ
فصل في رد زعم النصارى أن إلقاء الشبه يفضي إلى السفسطة
إنسان يحدث بلغة قوم. فلينذرهم وليدعهم. قال ابن كثير: سياق غريب جدا. وقال ابن جريج عن مجاهد: صلبوا رجلا شبه بعيسى. ورفع الله عز وجل عيسى إلى السماء حيّا. فصل في رد زعم النصارى أن إلقاء الشبه يفضي إلى السفسطة قال خير الدين في (الجواب الفسيح) قال النصارى: القول بإلقاء الشبه على عيسى عليه السلام قول يفضي إلى السفسطة، والدخول في الجهالات، وما لا يليق بالعقلاء. لأنا إذا جوزنا ذلك فينبغي إذا رأى الإنسان ولده أو زوجته لم يثق بأنه ولده أو زوجته. وكذلك سائر المعارف. لا يثق الإنسان بأحد منهم ولا يسكن إليه. ونحن نعلم بالضرورة أن الإنسان يقطع بأن ولده هو ولده. وإن كل واحد من معارفه هو، من غير شك ولا ريبة. بل القول بالشبه يمنع من الوثوق بمدينة الإنسان ووطنه إذا دخله. ولعله مكان آخر ألقي عليه الشبه. بل إذا غمض الإنسان عينه عن صديقه بين يديه لحظة، ثم فتحها، ينبغي أن لا يقطع بأنه صديقه. لجواز إلقاء الشبه على غيره. وكل ذلك خلاف الضرورة. فالقول بإلقاء الشبه على غير عيسى خلاف الضرورة. كالقول بأن الواحد نصف العشرة مثلا، فلا يسمع. والجواب عنه من وجوه: أحدها- أن هذا تهويل ليس عليه تعويل. بل البراهين القاطعة، والأدلة الساطعة قائمة على أن الله تعالى خلق الإنسان وجملة أجزاء العالم. وإن حكم الشيء حكم مثله: فما من شيء خلقه الله تعالى في العالم إلا هو قادر على خلق مثله. لتعذر خلقه في نفسه. فيلزم أن يكون خلق الإنسان مستحيلا. بل جملة العالم، وهو محال بالضرورة. وإذا ثبت أن الله تعالى قادر على خلق مثل لكل شيء في العالم، فجميع صفات جسد عيسى عليه السلام لها أمثال في حيز الإمكان في العدم، يمكن خلقها في محل آخر غير جسد المسيح. فيحصل الشبه قطعا. فالقول بالشبه قول بأمر ممكن. لا بما هو خلاف الضرورة. ويؤنس ذلك أن التوراة مصرحة بأن الله تعالى خلق جميع ما للحية في عصا موسى عليه السلام. وهو أعظم من الشبه. فإنّ جعل حيوان يشبه حيوانا، وإنسان يشبه إنسانا- أقرب من جعل نبات يشبه حيوانا. وقلب العصا مما أجمع عليه اليهود والنصارى. كما أجمعوا على قلب النار بردا وسلاما. وعلى قلب لون يد موسى عليه السلام. وعلى انقلاب الماء
خمرا وزيتا للأنبياء عليهم السلام. وإذا جوزوا مثل هذا فيجوز إلقاء الشبه من غير استحالة. على أن عيسى عليه السلام قد خولفت عادة الله تعالى الأغلبية في خلقه من ماء واحد. ونفخ جبريل في جيب مريم. فجعل شبهه على غيره ليس بأبعد من العادة، من خلقه. على أن إحياءه للموتى وإبراءه للأبرص والأكمه أعظم من إلقاء شبهه على غيره. على أن عروجه إلى السماء بناسوته وخرق السماء والتئامها، ليس بأهون من ذلك. على أن رد الشمس ليوشع بن نون، ومشي عيسى وحواريّه على الماء، وسائر معجزات أنبياء بني إسرائيل، ليس بأهون مما هنالك. وإذا صح عند النصارى انقلاب الخبز إلى جسد المسيح، والخمر إلى دمه في العشاء السرّي، لم لا يمكن أن يوقع شبهه على أحدهم؟ كما لا يخفى. وثانيها- أن الإنجيل ناطق بأن المسيح عليه السلام نشأ بين ظهراني اليهود. وحضر مرارا عديدة في مواسمهم وأعيادهم وهياكلهم. يعظهم ويعلمهم ويناظرهم. ويتعجبون من براعته وكثرة تحصيله. حتى إنهم (كما في الإنجيل) يقولون: أليس هذا ابن يوسف؟ أليست أمه مريم؟ أليس إخوته عندنا؟ فمن أين له هذه الحكمة؟ وإذا، كان في غاية الشهرة والمعرفة عندهم. وقد نص الإنجيل على أنهم عند إرادة الصلب لم يحققوه، حتى دفعوا لتلميذه ثلاثين درهما ليدلهم عليه. فما حاجتهم حينئذ أن يكتروا رجلا من تلاميذه ليعرفهم شخصه؟ لولا وقوع الشبه الذي نقول به. وثالثها- أنه كما تقدم في الأناجيل، أخذ في حندس من الليل المظلم في حالة شوّهت صورته وغيّرت محاسنه وهيئته، بالضرب والسحب وأنواع النكال الموجبة لتغير الحال. ومثل ذلك يوجب اللبس بين الشيء وخلافه. فكيف بين الشيء وشبهه؟ حتى إن رئيس الكهنة عند إحضاره أقسم عليه هل هو يسوع المسيح ابن الله؟ فلم يجبه. ولو كان هو لأجابه. فمن أين للنصارى واليهود القطع بأن المصلوب هو عين عيسى عليه السلام دون شبهه؟ بل إنما يحصل الظن والتخمين كما قال تعالى في كتابه المبين: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. رابعها- قد تقدم في الأناجيل أنه لما جاء اليهود إلى محله خرج إليهم وقال: من تريدون؟ قالوا: يسوع. وقد خفى شخصه عليهم. ففعل ذلك مرتين وهم ينكرون صورته. وهذا دليل الشبهة، ورفع عيسى عليه السلام. ولا سيما وقد نقل غير واحد من العلماء عن بعض النصارى القول بأن المسيح عليه السلام كان قد أعطي قوة التحول من صورة إلى صورة. خامسها- قول متى في (الفصل الخامس والعشرين) من (إنجيله) ما لفظه:
حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكون فيّ هذه الليلة. لأنه مكتوب أني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية. ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل. فأجاب بطرس وقال له: وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك أبدا. قال له يسوع: الحق أقول لك. إنك هذه الليلة، قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات. انتهى. فقد شهد عليهم بالشك. بل خيرهم بطرس الذي هو خليفة عليهم، شك. فقد انخرمت الثقة بأقوالهم. وصح قوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ. سادسها- إن في (الفصل السابع والعشرين) من (إنجيل متى) ما لفظه: حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين، ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ. قائلا: قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا. فقالوا: ما علمنا. أنت أبصر. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف. ثم مضى وخنق نفسه. انتهى. فهذه الأناجيل ليست قاطعة في صلبه. بل فيها اختلافات. فيحتمل أن يهوذا كذب عليهم في قوله (هو هذا) ويدل على وقوع ذلك، ويقرّبه ظهور ندمه بعد هذا. ولا سيما وهو من جملة الاثني عشر الذين شهد لهم المسيح بالسعادة الأبدية. والسعيد لا يتم منه مثل هذا الفساد العظيم. فيلزم إما أنّ يهوذا ما دل عليه، أو كون المسيح ما شهد لهم بالسعادة الدائمة. أو إن أناجيلهم محرفة مبدلة. ويحتمل أن أحد أتباع المسيح باع نفسه من الله تعالى وقاية للمسيح عليه السلام. وادعى أنه هو. ومثل هذا كثير في أتباع الأنبياء. حيث يريدون أن يفدوا أنفسهم بدل أنبيائه. ويحتمل أن الأعوان أخذوا عليه رشوة وأطلقوه، وأخذوا بدله. كما أن يهوذا، مع أنه صديقه ورسوله، أخذ رشوة ودلهم عليه. ويحتمل أن الله تعالى أرسل شيطانا على صورته وصلبوه. ويحتمل أن الملك الذي نزل عليه ليقويه، كما تقدم في إنجيل لوقا بزعمهم، صار فداء له. ويحتمل أن هذا الذي نزل إنما نزل لرفعه. لأنه لو كان نازلا لتقويته لقوّاه. فلما لم نر أنه قواه فيقتضي أنه رفعه إلى السماء، أو فدى نفسه له. وقال بعض الأفاضل: ومن الأدلة على رفعه وصلب شبهه ما في الفصل التاسع من (إنجيل لوقا) ما لفظه: أن المسيح صعد إلى جبل ليصلي وأخذ بطرس ويوحنا ويعقوب معه. وفيما هو يصلي صارت هيئته ووجهه متغيرة، ولباسه مضيئا لامعا. إلخ. فهذا فيه دلالة على رفعه وحصول الشبه الذي نقول به. إذ لا معنى لظهور موسى وإيلياء، ووقوع النوم على أصحابه، وتغير وجهه وإضاءة لباسه، إلا رفعه..
فصل في سقوط دعواهم التواتر في أمر الصلب
ورؤيتهم له بعد ذلك، إنما هو من تطور روحه. لأنه عليه السلام كان له قوة التطور: وهذا من أحكام الروح والنفس. ولئن قلنا إنه لا يدل على الرفع بالوجه التام، غير أنا نتنزل ونقول: ما دام في هذه المرة تغيرت هيئته ووجهه ولباسه، واجتمع بالأنبياء وسمع من الغمامة هذا الصوت، فلا أقل من أن يكون ذلك مقدمة لرفعه ومقياسا، ومبدأ لتقويته وإيناسا. واليهود لم يتحققوا من أنفسهم أنه هو المسيح. بل اعتمدوا على قول يهوذا كما تقدم لك. ويهوذا قوله قول فرد، وغير صالح للاحتجاج. للاحتمالات والأدلة التي ذكرناها لك. فلم يبق في قول الفرقتين حجة أن المصلوب هو المسيح عليه السلام، لا شبهه. وأنا جيلهم حالها معلوم لديك. وبيان اشتباههم المحكيّ لك في القرآن، لا يخفى عليك. انتهى. وهنا سؤال يورده بعض النصارى وهو: أن عيسى عليه السلام إذا كان لم يصلب حقيقة، وإنما صلب رجل ألقي عليه شبهه، ورفع هو إلى السماء، فلم لم يخبر الحواريين بذلك قبل رفعه أو بعده؟ والجواب: أن عيسى عليه السلام لم يخبر بذلك لعلمه بأن أناسا سيفترون عليه ويقولون بألوهيته. فأبهم الأمر ليكون ذلك أدل على كونه عبدا من عبيد الله. لا يقدر على جلب نفع ولا دفع ضر. بخلاف ما لو أخير بأنه لا يصلب، أو لم يصلب، وأن المصلوب شبهه، فإنه ربما كان ذلك مقويا لشبهة أولئك الجماعة. ولعدم كون هذه المسألة من المسائل الاعتقادية في الأصل. إذ لو اعتقد أحد، قبل إرسال نبينا عليه الصلاة والسلام، بصلب عيسى، لم يضره ذلك. لكن لما ورد نبينا الذي لا ينطق عن الهوى، أبان خطأ النصارى في الوجهين: أحدهما- اعتقاد أن عيسى إله- والآخر اعتقاد أنه قد قتل وصلب. وأبان أنه عبد من عبيد الله تعالى تولاه بالرسالة. واصطفاه وحفظه من أيدي أعدائه وحماه، كذا في (منية الاذكاء في قصص الأنبياء) . فصل في سقوط دعواهم التواتر في أمر الصلب قال القرافيّ: اعلم أن النصارى قالوا: إنهم واليهود أمتان عظيمتان طبقوا مشارق الأرض ومغاربها. وكلهم يخبر أن المسيح عليه السلام صلب. وهم عدد
يستحيل تواطؤهم على الكذب. والإنجيل أيضا مخبر عن الصلب. فإن جوزتم كذبهم، وكذب ما يدعي أنه الإنجيل، وإن مثل هؤلاء ممكن تواطؤهم على الكذب- لزم المحال من وجوه: أحدها- أنه يتعذر عليكم أيها المسلمون، جعل القرآن متواترا. وثانيها- أن قاعدة التواتر تبطل بالكلية. فإن غاية خبر التواتر يصل إلى مثل هذا. وثالثها- أن إنكار الأمور المتواترة. جحد للضرورة، فلا يسمع. فلو قال إنسان: الخبر عن وجود بغداد ودمشق كذب، لم يسمع ذلك منه، وعدّ خارجا عن دائرة العقلاء. وحينئذ يتعين أن القول بالصلب حق وأن إخبار المسلمين والقرآن عن عدم ذلك، مشكل. والجواب من وجوه: أحدها- أن جميع النصارى واليهود يوردون هذا السؤال ولا يعلمون حقيقة التواتر ولا شروطه. وإنما فهم ذلك وغيره هذه الأمة المحمدية والملة الإسلامية! لعلو قدرها وشرفها واختصاصها بمعاقد العلوم وأزمتها. دون غيرها. كما هو مسلم عند كل درّي (كذا) منصف. وها نحن نوضح ذلك إن شاء الله تعالى فنقول: إن التواتر له شروط: الشرط الأول- أن يكون المخبر عنه أمرا محسوسا. ويدل على اعتبار هذا الشرط، أن الأمة العظيمة قد تخبر عن القضايا الجسيمة وهي باطلة. كإخبار المعطلة عن عدم الصانع والفلاسفة عن قدم العالم. مع بطلان ذلك عند أمم كثيرة. وسببه أن مجال النظر يكثر فيه وقوع الخطأ. فلا يثق الإنسان بالخبر عن العقليات، حتى ينظر فيجد البرهان العقليّ يعضد ذلك الخبر. فحينئذ يقطع بصحة ذلك الخبر. أما الأمور المحسوسة، مثل المبصرات ونحوها فشديدة البعد على الخطأ. وإنما يقع الخلل من التواطؤ على الكذب. فإذا كان المخبرون يستحيل تواطؤهم على الكذب حصل القطع بصحة الخبر. الشرط الثاني- استواء الطرفين والواسطة. وتحرير هذا الشرط أن المخبرين لنا، إذا كانوا يستحيل تواطؤهم على الكذب وكانوا هم المباشرين لذلك الأمر المحسوس، المخبر عنه، حصل العلم بخبرهم. وإن لم يكن المخبر لنا هو المباشر لذلك الأمور المحسوس، بل ينقلون عن غيرهم أنه أخبرهم بذلك، فلا بد أن يكون الغير المباشر عددا يستحيل تواطؤهم على الكذب، فإنه إن جاز الكذب عليه، وهو أصل هؤلاء المخبرين لنا، فإذا لم يبق الأصل لم يبق المفرع عليه. فلا يلزم من كون المخبر لنا يستحيل تواطؤهم على الكذب حصول العلم بخبرهم. لجواز فساد أصلهم المعتمدين عليه. فيتعين أن يكون الأصل عددا يستحيل توطؤهم على الكذب. فهذا معنى قولنا: (استواء الطرفين) في كونهما عددا يستحيل تواطؤهما على
مطلب:
يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأصلهم الذي ينقلون عنه كذلك، لكن أصلهم لم يباشر ذلك الأمر المحسوس، بل ينقل عن غيره أيضا، فأصل ذلك الأصل يجب أن يكون عددا يستحيل تواطؤهم على الكذب أيضا. لما تقدم. وفي هذه الصورة حصل طرفان وواسطة. فالطرفان المخبر لنا. والمباشر الأول الواسطة الذي بينهما. فيجب استواء الطرفين والواسطة. والوسائط تكثرت في كونهم عددا يستحيل تواطؤهم على الكذب. فينقسم، بهذا التحرير، التواتر إلى طرف فقط، وإلى طرفين بلا وساطة، وإلى طرفين وواسطة. والثلاثة أقسام مشتركة في هذا الشرط. فإذا تقرر حقيقة التواتر فنقول: الحس إنما يتعلق بأن هذا مصلوب على هذه الخشبة. وأما أنه عيسى عليه السلام نفسه أو غيره، فهذا لا يفيده الحس البتة. بل إنما يعلم بقرائن الأحوال إن وجدت، أو بأخبار الأنبياء عليهم السلام عن الله تعالى الذي أحاط بكل شيء علما. وأحصى كل شيء عددا. والذي يدل على أن الحس لا يفرق بين المتماثلات، أنا لو وضعنا في إناء رطلا من الماء مثلا. وأريناه لإنسان، ثم رفعنا ذلك الماء ووضعنا فيه رطلا آخر من ذلك الماء ثم أريناه ذلك الإنسان. وقلنا له: هذا الماء هو عين الماء الأول أو مثله؟ فإنه إذا أنصف يقول: الذي أدركه بحسّي أن هذا ماء بالضرورة. أما أنه عين الأول أو غيره مماثلا له، فلا أعلم. لكون الحس لا يحيط بذلك. هذا في المائعات. وكذلك كفّ من تراب أو أوراق الأشجار أو أنواع الحبوب. كالحنطة مثلا. إذا أخذ منها حفنتان ونحو ذلك. وكذلك الحيوانات الوحشية والطيور شديدة الالتباس على الحس. إذا اتحد النوع في اللون والسن والغلظ. وإنما كثرت الفروق في الحيوانات الإنسية كالفرس ونحوها. مطلب: وسر ذلك أن أسباب النشأة في الوحشية مشتركة بالمياه والمراعي والبراري. والحيوان الإنسيّ يختلف ذلك فيه، بحسب مقتنيه، اختلافا كثيرا. فينشأ بحسب دواعي بني آدم في السعة والضيق، وإيثار نوع من العلف على غيره، ومكان مخصوص على غيره، وإلزام الحيوان أنواعا من الأعمال والرياضة دون غيرها، فيختلف الحيوان الإنسيّ بحسب ذلك. ثم يتصل ذلك بالنّطف في التوليد، مضافا إلى ما يحصل للولد من داعية مريبة فيعظم الاختلاف. والحيوان الوحشيّ سلم عن جميع ذلك. فتشابهت أفراد نوعه. ولا يكاد الحس يفرق بين اثنين منه البتة. فإذا تقرر أن الحس لا سلطان له على الفرق بين المثلين، ولا التمييز بين الشيئين، فيجب القطع أن كون المصلوب هو خصوص عيسى عليه السلام دون شبهه أو مثله- ليس مدركا بالحس.
وإذا لم يكن مدركا بالحس، جاز أن يخرق الله تعالى العادة لعيسى عليه السلام شبهه في غيره. كما خرق له العادة في إحيائه الموتى وغيره. ثم يرفعه ويصونه عن إهانة أعدائه. وهو اللائق بكريم آلائه. في إحسانه لخاصة أنبيائه وأوليائه وإذا جوز العقل مثل هذا مع أن الحس لا مدخل له في ذلك، بقي إخبار القرآن الكريم عن عدم الصلب سالما عن المعارض. مؤيدا بكل حجة. وسقط السؤال بالكلية. وثانيها- سلمنا أن الحس يتعلق بالتفرقة بين المثلين. والتمييز بين الشبهين. لكن لا نسلم أن العدد المباشر للصلب كانوا بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب. ويدل على أنهم ليسوا كذلك، أن الحواريين فرّوا عنه. لأنه لو وجد أحد منهم لقتله اليهود. فحينئذ عدد التواتر متعذر من جهة شيعة النصارى عن أسلافهم. لا يفيد علما بل هو ظن وتخمين لا عبرة به. لذلك قال الله سبحانه في قرآنه المبين: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. أي: هم لا يتيقنون ذلك. بل يحزرون بالظن والتخمين. وأما من جهة الملة اليهودية، فلأن المباشر منهم للصلب إنما هو الوزعة وأعوان الولاة. وذلك في مجرى العادة يكون نفرا قليلا. كالاثنين أو الثلاثة ونحوها. يجوز عليهم الكذب ولا يفيد خبرهم العلم بكون العادة وخرج الصلب عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب يفتقر إلى نقل متواتر. فإنه لو وقع ونقل بأخبار الآحاد لم يحصل لنا علم بالصلب. فإن المتواترات إذا نقلت بأخبار الآحاد، سقط اعتبارها في إفادة العلم. لجواز كذب الناقل. فلا يكون عدد التواتر حاصلا في نفس الأمر. والنصارى واليهود إنما يعتمدون على التوراة والإنجيل. ولا يوجد يهوديّ ولا نصرانيّ على وجه الأرض يروي التوراة والإنجيل، عدلا عن عدل، إلى موسى وعيسى عليهما السلام. وإذا تعذرت عليهم رواية العدل عن العدل، فأولى أن يتعذر التواتر. ولم يبق في الكتابين إلا أخبار وتواريخ بعيدة الزمان جدا. بحيث إن التواريخ الإسلامية أصح منها، لقرب عهدها. مع أنه لا يجوز الاعتقاد في فروع الديانات على شيء من التواريخ. فضلا عن أصول الأديان. وإذا ظهر أن مستند هاتين الأمتين العظيمتين في العدد، في غاية الضعف- كانت أخبارها في نفسها في غاية الضعف. لأن الفرع لا يزيد على أصله. وثالثها- أن نصوص الإنجيل مشعرة بعدم صلب عيسى عليه السلام بخصوصه. كما نقلنا بعضها آنفا. وقال في (تخجيل الأناجيل) : فيقال للنصارى: ما ادعيتموه من قتل المسيح وصلبه، أتنقلونه تواترا أم آحادا؟ فإن زعموا أنه آحاد لم يقم بذلك حجة، ولم يثبت العلم الضروريّ. إذ الآحاد لم يأمن عليهم فيها السهو والغفلة والتواطؤ على الكذب.
وإذا كان الآحاد يعرض عليهم ذلك، فلا يحتج بهم في القطعيات. وإن عزوا ذلك إلى التواتر قلنا لهم: شرط التواتر استواء الطرفين فيه والوسط. وهو أن ينقل الجم الغفير عن الجم الغفير الذين شاهدوا المشهود به، وهو المصلوب. وعلموا أنه هو ضرورة. فإن اختل شيء من ذلك فلا تواتر. فإن زعم النصارى أن خبرهم في قتل المسيح وصلبه بهذه الصفة، أكذبتم نصوص أناجيلهم التي بأيديهم. إذ قال لهم نقلتها الذين دوّنوها لهم وعليها معوّلهم: إنه لما أخذ فقتل كان في شرذمة يسيرة من تلاميذه. فلما أقبل عليه هربوا بأسرهم. ولم يتبعه إلا بطرس من بعيد. ولما دخل الدار حيث اجتمعوا نظرت جارية منهم إلى بطرس فعرفته. فقالت: هذا كان مع يسوع. فحلف أنه لا يعرف يسوع بقوله. وخادعهم حتى تركوه. وذهب ولم يكد يذهب. وأن شابّا آخر تبعه وعليه إزار فتعلقوا به. فترك إزاره بأيديهم وذهب عريانا. فهؤلاء أصحابه وأتباعه، لم يحضر منهم ولا رجل واحد بشهادة أناجيلهم. وأما أعداؤه اليهود، الذين تزعم النصارى أنهم حضروا الأمر، فلم يبلغوا عدد التواتر. بل كانوا آحادا وأفرادا. لأن عموم الناس الذين حضروا لا يرون إلا شخصا على خشبة ومعه لصّان مصلوبان. ولا شك أن هيئتهم وصفتهم متغيرة عن الحالة التي قبل أخذهم. وأما المشايخ ونحوهم فلم يعرفوه أيضا. ففي الأصحاح الثاني والعشرين من (إنجيل لوقا) ما لفظه: فلما كان النهار اجتمع مشايخ الشعب ورؤساء الكهنة وأدخلوه إلى مجمعهم. وقالوا له: إن كنت أنت المسيح فقل لنا. قال لهم: إن قلت لكم لم تؤمنوا لي. وإن سألتكم لم تجيبوني ولم تخلوني. انتهى. وهذا يحتمل أنهم يسألونه عن ذاته أو عن رسالته. على أنا لو سلمنا كثرة عددهم وصدق معرفتهم فيمكن تواطؤهم على الكذب. لأنهم لما لم يجدوه هو، ولم يعلموا محل المسيح، وكان ذلك من تلاميذه، واستحلوا قتله أيضا، أشاعوا أنه هو المسيح ليترك الناس متابعته، ولئلا يتخذوا المسيح نبيّا. وصمموا، أنهم إذا وجدوا المسيح بعد هذا أيضا، يعملون به كما عملوا بصاحبه. ويؤيد هذا أنهم جعلوا على القبر حراسا لئلا ينبش القبر ويرى أنه غير المسيح. ومما يزيد الأمر وضوحا قول (إنجيل متى) في (الأصحاح الثامن والعشرين) : أن مريم لما جاءت لزيارة القبر رأت ملكا قد نزل من السماء برجّة عظيمة. فدحرج الحجر عن فم القبر. وجلس عنده. فكاد الحراس أن يموتوا من هيبته. وبادروا من فورهم إلى المشايخ فأعلموهم بالقصة. فأرشاهم المشايخ برشوة أن يستروا القصة وأن يشيعوا أن التلاميذ سرقوه ونحن نيام. فما يؤمنكم أن تكون هذه العصابة من اليهود. كما أنهم
ستروا الآية التي ذكرتم، صلبوا شخصا من أتباعه وأوهموا الناس أنه المسيح. فإذا تبين عدم الاحتجاج بإجماع اليهود والنصارى الآن على صلبه، فنرجع إلى القرائن العقلية والنقلية. فأما العقل فلا يجوّز أن الإله القادر على كل شيء يقتله أذل عباده، وهم اليهود. ويضربونه ويعملون به ما هو محرر في أناجيل النصارى المضطربة المحرفة المكتوبة بعد رفعه بسنين عديدة وأعوام مديدة. مع أنه يفرّ منهم مرات كثيرة ويستغيث ويطلب من الله تعالى تأخير أجله بقوله: أجز عني هذه الكأس. ويصرخ ويقول: إلهي! إلهي! لم تركتني؟ ويسلم روحه. وعند الصلب يطلب منهم الماء لكثرة عطشه. فيعطوه خلّا بدله. وأيّ خلاص لعباده في هذه الحالة، وهو بزعمهم أتى ليخلص العالم من الخطيئة. بل صار موقعا لهم في الإثم بسبب عدم إيمانهم به. فكيف يكون مخلصا بنفسه؟ وأما النقل، فقد تبين لك تهافت أناجيلهم واضطرابها، والدلالة على عدم المعرفة به، وعدم وجوده في قبره. والأعظم من ذلك عند كل ذي عقل سليم قوله تعالى: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. وأما قول متى في (الأصحاح السابع والعشرين) : فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا للكثيرين- فهو قول بهت ومحال. لا يخفى بطلانه على ذوي العقول من النساء والرجال. لأنه لو كان صحيحا لأطبق الناس على نقله. ولم يتفق إخفاء مثله. ولزال الشك عن تلك الجموع في أمر يسوع. فحيث داموا على الجحد له والتكذيب، دلّ على كذب ما نقله عباد الصليب. وإذا كان اليهود أعطوا دراهم رشوة، كما علمت سابقا، لحراس القبر حتى لا يخبروا القائد وسائر الناس بملك نزل من السماء على قبر يسوع، كي لا يظن براءته مما نسب إليه أعداؤه، فكيف تكون هذه الآيات العظيمة؟ وتقوم الأموات من قبورها؟ ويدخلون المدينة؟ ولا يكون ذلك حجة على من لا يؤمن به إذ ذاك؟ وأيضا، ما معنى تفتح القبور وقيام القديسين من قبورهم؟ فهل كان استبشارا بمصابه؟ فهم إذا ذاك ليسوا من أحبابه. أو كان جزعا على مماته؟ وخرجوا إعانة له قبل فواته؟ فوا عجبا لرب أحياهم بعد أن كانوا رفات. ولم يعينوه حتى قضى ومات. وأحيي الرمم، وصرخ عند تسليم الروح. ولم يقدر على إبراء ما فيه من جروح. وليت شعري ما عمل هؤلاء القديسون؟ أبقوا في المدينة المقدسة؟ أم كروا إلى قبورهم فهم راجعون؟ وهل التأم الهيكل والصخور؟ أم دامت على انشقاقها إلى كثير من الدهور؟
فإن قيل: إنما لم يشتهر ذلك، لأن أصحاب المسيح لم يحضر منهم أحد خوفا من اليهود، والذين شاهدوا هذه الآيات من اليهود تواطؤوا على الكتمان حسدا وبغيا. قلنا: مثل هذه الآيات العظيمة إذا وقعت، علمها من حضر ومن غاب، من الأعداء والأحباب. لأنها آيات نهارية. ومعجزات تشتهر في البرية. ويتناقلها أهل البلدان. وتبقى مؤرخة بكل لسان. في سائر الملل بكل أرض وزمان. فعلم بالضرورة أن هذه الأقوال. مما اخترعها وحررها أئمة الضلال. ليخدعوا بها ضعفاء العقول. ويتوصلوا إلى جذب الدنيا بالكذب على هذا الرسول. انتهى. وقال الإمام ابن حزم رحمه الله في كتابه (الملل) عند الكلام على النصارى: ومما يعترض به علينا اليهود والنصارى، ومن ذهب إلى إسقاط الكوافّ (جمع كافة) من سائر الملحدين، أن قال قائلهم: قد نقلت اليهود والنصارى أن المسيح عليه السلام قد صلب وقتل. وجاء القرآن بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقتل ولم يصلب. فقولوا لنا: كيف كان هذا؟ فإن جوزتم على هذه الكواف العظام المختلفة الأهواء والأديان والأزمان والبلدان والأجناس، نقل الباطل فليست بذلك أولى من كافتكم التي نقلت أعلام نبيكم وشرائعه وكتابه. فإن قلتم: اشتبه عليهم فلم يتعمدوا نقل الباطل، فقد جوزتم التلبيس على الكواف. فلعل كافتكم أيضا ملتبس عليها. فليس سائر الكواف أولى بذلك من كافتكم، وقولوا لنا: كيف فرض الإقرار بصلب المسيح عندكم قبل ورود الخبر عليكم ببطلان صلبه وقتله؟ فإن قلتم: كان الفرض على الناس الإقرار بصلبه، وجب من قولكم الإقرار أن الله فرض على الناس الإقرار بالباطل. وأن الله تعالى فرض على الناس تصديق الباطل والتديّن به. وفي هذا ما فيه. وإن قلتم: كان الفرض عليكم الإنكار لصلبه، فقد أوجبتم أن الله تعالى فرض على الناس تكذيب الكواف. وفي هذا إبطال قول كافتكم. بل إبطال جميع الشرائع. بل إبطال كل خبر كان في العالم، عن كل بلد وملك، ونبي وفيلسوف وعالم، ووقعتم. وفي هذا ما فيه. قال أبو محمد رضي الله عنه: هذه الإلزامات كلها فاسدة في غاية الحوالة والاضمحلال بحمد الله تعالى. ونحن مبيّنون ذلك بالبراهين الضرورية بيانا لا يخفى على من له أدنى فهم. بحول الله تعالى وقوته فنقول وبالله التوفيق: إن صلب المسيح لم يقله قط كافة. ولا صح بالخبر قط. لأن الكافة التي يلزم قبول نقلها هي إما الجماعة التي يوقن أنها لم تتواطأ، لتنابذ طرقهم، وعدم التقائهم، وامتناع اتفاق خواطرهم، على الخبر الذي نقلوه عن مشاهدة، أو رجع إلى مشاهدة، ولو كانوا اثنين فصاعدا. وإما أن يكون عدد كثير يمتنع منه الاتفاق في الطبيعة على التمادي على
سنن ما تواطؤوا عليه، فأخبروا بخبر شاهدوه، ولم يختلفوا فيه، فما نقلوه أحد أهل هاتين الصفتين على مثل إحداهما. وهكذا حتى يبلغ إلى مشاهدة. فهذه صفة الكافة التي يلزم قبول نقلها، ويضطر خبرها سامعها إلى تصديقه. وسواء كانوا عدولا أو فساقا أو كفارا. ولا يقطع على صحته إلا ببرهان. فلما صحّ ذلك نظرنا فيمن نقل خبر صلب المسيح عليه السلام، فوجدناه كوافّ عظيمة. صادقة بلا شك في نقلها جيلا بعد جيل. إلى الذين ادّعوا مشاهدة صلبه. فإن هناك تبدلت الصفة ورجعت إلى شرط مأمورين مجتمعين. مضمون منهم الكذب وقبول الرشوة على قول الباطل. والنصارى مقرّون بأنهم لم يقدموا على أخذه نهارا خوف العامة. وأنهم أخذوه ليلا عند افتراق الناس عن الفصح. وأنه لم يبق في الخشبة إلا ست ساعات من النهار. وأنه أنزل أثر ذلك. وأنه لم يصلب إلا في مكان نازح عن المدينة. في بستان فخّار متملك للفخار. ليس موضعا معروفا بصلب من يصلب. ولا موقوفا لذلك. وأنه بعد هذا كله رشي الشّرط على أن يقولوا إن أصحابه سرقوه. ففعلوا ذلك. وإن مريم المجدلانية، وهي امرأة من العامة، لم تقدم على حضور موضع صلبه. بل كانت واقفة على بعد تنظر. هذا كله في نص الإنجيل عندهم. فبطل أن يكون صلبه منقولا بكافة. بل بخبر يشهد ظاهره على أنه مكتوم متواطأ عليه. وما كان الحواريون ليلتئذ، بنص الإنجيل، إلا خائفين على أنفسهم، غيّبا عن ذلك المشهد. هاربين بأرواحهم مستترين. وإن شمعون الصفا غرّر ودخل دار قيقان الكاهن أيضا بضوء النهار. فقال له: أنت من أصحابه؟ فانتفى وجحد وخرج هاربا عن الدار. فبطل أن ينقل خبر صلبه أحد تطيب النفس عليه. على أن نظن به الصدق. فكيف أن ينقله كافة. وهذا معنى قوله تعالى: وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. إنما عنى تعالى أن أولئك الفساق، الذين دبّروا هذا الباطل، وتواطؤوا عليه، هم شبهوا على من قلدهم. فأخبروهم أنهم صلبوه وقتلوه. وهم كاذبون في ذلك. عالمون أنهم كذبة. ولو أمكن أن يشبه ذلك على ذي حاسة سليمة، لبطلت النبوات كلها. إذ لعلها شبهت على الحواس السليمة. ولو أمكن ذلك لبطلت الحقائق كلها. لأمكن أن يكون كل واحد منا يشبه عليه فيما يأكل ويلبس. وفيمن يجالس. وفي حيث هو فلعله نائم، أو مشبه على حواسه. وفي هذا خروج إلى السخف وقول السفسطائية والحماقة. وقد شاهدنا نحن مثل ذلك. وذلك أننا أنذرنا للجبل لحضور دفن المؤيد هشام بن الحكم المستنصر. فرأيت أنا وغيري نعشا فيه شخص مكفن. وقد شاهد غسله شيخان جليلان حكمان من حكام المسلمين ومن عدول القضاة، في بيت. وخارج البيت
أبي رحمه الله وجماعة عظماء البلد. ثم صلينا في ألوف من الناس عليه. ثم لم يلبث شهورا نحو السبعة حتى ظهر حيّا. وبويع بعد ذلك بالخلافة. ودخلت عليه أنا وغيري وجلست بين يديه. ورأيته. وبقي ثلاثة أعوام غير شهرين وأيام. قال أبو محمد رضي الله عنه: وأما قوله: قد جوّزتم التمويه على الكافة، فقد بيّنا أنها لم تكن كافة قط. وحتى لو صح أنها كافة فكيف لا يجوز ذلك في كل آية تحيل الطبائع والحواس؟ فهو ضرورة لا يحمل على الممكنات. فلو صح أنها كانت كافة، لكان خبر الله تعالى أنه شبه لهم، حاكما على حواسهم ومحيلا لها. كخروج النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة هاجر بحضرة مائة رجل من قريش. وقد حجب الله سبحانه أبصارهم عنه فلم يروه. وأما ما لم يأت خبر عن الله عز وجل بأنه شبه على الكافة، فلا يجوز أن يقال ذلك. لأنه قطع على المحال وإحالة طبيعة. وإحالة الطبائع لا تدخل في الممكن. إلا أن يأتي بذلك يقين عن الله عز وجل، فيلزم قبوله. وأما التشبيه على الواحد والاثنين ونحو ذلك فإنه جائز. وكذلك فقد العقل والسخافة يجوز ذلك على الواحد والاثنين ونحو ذلك. ولا يجوز على الجماعة كلها. وقوله تعالى: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ، إنما هو إخبار عن الذين يقولون تقليدا لأسلافهم من النصارى واليهود أنه عليه السلام قتل وصلب. فهؤلاء شبّه لهم القول. أي: أدخلوا في شبهة منه. وكان المشبهون لهم شيوخ السوء في ذلك الوقت. وشرطهم المدّعون أنهم قتلوه. وهم يعلمون أنه لم يكن ذلك. وإنما أخذوا من أمكنهم فقتلوه وصلبوه في استتار ومنع من حضور الناس. ثم أنزلوه ودفنوه تمويها على العامة التي شبه الخبر لها. ثم نقول لليهود والنصارى، بعد أن بينا بحول الله وقوته بيان ما شنعوه في هذه المسألة: إن كوافكم قد نقلت عن بعض أنبياءكم فسوقا ووطء إماء. وهو حرام عندكم. وعن هارون عليه السلام أنه هو الذي عمل العجل لبني إسرائيل وأمرهم بعبادته والرقص أمامه. وقد نزه الله تعالى الأنبياء عليهم السلام عن عبادة غيره. وعن الأمر بذلك، وعن كل معصية ورذيلة. فإذا جوزوا كلهم هذا على أنبياء، منهم موسى عليه السلام وسائر أنبيائهم- كان كل ما أمروهم به، مع جنس عمل العجل والرقص والأمر بعبادته. ومن جنس وطء الإماء وسائر ما نسبوه إلى داود وسليمان عليهما السلام وسائر أنبيائهم. لا سيما وهم يقرون بأن العجل كان يحور بطبعه. وأما نحن فجوابنا في هذا كله بأن ليس شيء منه نقل كافة. ولكن نقل آحاد كذبوا فيه. وأما خوار العجل فإنما هو على ما روينا عن ابن عباس رضي الله عنه، من أنه إنما كان
فصل
صفير الريح تدخل من فيه وتخرج من دبره. لا أنه خار بطبعه قط. وحتى لو صح أنه خار بطبعه، لكان ذلك من أجل القوة التي كانت في القبضة التي قبضها السامريّ من أثر جبريل عليه السلام. والذي يعتمد عليه فهو قول ابن عباس رضي الله عنه الذي ذكرناه. وبالله تعالى التوفيق. وأما قوله: كيف كان الفرض قبل ورود النص ببطلان صلبه؟ الإقرار بصلبه أم الإنكار له؟ فهذه قسمة فاسدة شغبية. قد حذر منها الأوائل كثيرا. ونبه عليها أهل المعرفة بحدود الكلام. وذلك أنهم أوجبوا فرضا ثم قسموه على قسمين: إما فرض بإنكار، وإما فرض بإقرار. وأضربوا عن القسم الصحيح فلم يذكروه. وهذا لا يرضى به لنفسه إلا جاهل أو سخيف مغابط غابن لنفسه، غاش لمن اغترّ به. وإنما الحقيقة هاهنا أن يقول. هل يلزم الناس، قبل ورود القرآن، فرض بالإقرار بصلب المسيح، أو بإنكار صلبه، أولم يلزمهم فرض بشيء من ذلك؟ فهذه هي القسمة الصحيحة والسؤال الصحيح. وحق الجواب أنه لم يلزم الناس قط، قبل ورود القرآن، فرض بشيء من ذلك. لا بإقرار ولا بإنكار. وإنما كان خبرا لا يقطع العذر ولا يوجب العلم الضروريّ. ممكن صدق قائله. فقد قتل أنبياء كثيرة وممكن أن يكون ناقله كذب في ذلك. وهو بمنزلة شيء مغيب في دار. فيقال لهذا المعرّض بهذا السؤال الفاسد: ما الفرض على الناس فيما في هذه الدار؟ الإقرار بأن فيها رجلا أم الإنكار لذلك؟ فهذا كله لا يلزم منه شيء. ولم ينزل الله عز وجل كتابا قبل القرآن بفرض إقرار بصلب المسيح صلى الله عليه وسلم ولا بإنكاره. وإنما ألزم الفرض بعد نزول القرآن بتكذيب الخبر بصلبه. فإن قالوا: قد نقل الحواريون صلبه وهم أنبياء وعدول. قيل لهم وبالله التوفيق: الناقلون لنبوتهم وأعلامهم ولقولهم بصلبه عليه السلام، هم الناقلون عنهم الكذب في نسبه والقول بالتثليث الذي من قال به فهو كاذب على الله تعالى، مفتر عليه، كافر به. فإن كان الناقل لذلك عنهم صادقا أو كانوا كافة، فما كان يوحنا ومتى وبولس إلا كفارا كاذبين. وما كانوا قط من صالحي الحواريين. وإن كان ناقل ما ذكرنا عنهم كاذبا، فالكاذب لا يقوم بنقله حجة. فبطل التمويه الم