تفسير القرآن الكريم - المقدم
محمد إسماعيل المقدم
الفاتحة
تفسير سورة الفاتحة
مقدمة في فضل تعلم القرآن وتعليمه ومكانة أهله
مقدمة في فضل تعلم القرآن وتعليمه ومكانة أهله الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قد صح عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يعطي القرآن الكريم اهتماماً عظيماً جداً، وعلى هذا ربى أصحابه رضي الله تبارك وتعالى عنهم، ومن مظاهر هذا الاهتمام بكتاب الله تبارك وتعالى: أن إقراء القرآن وتحفيظ القرآن كان أول ما عمد إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إبلاغ دعوته الكبرى، فكان مبعوثوه إلى مختلف الجهات أول ما يقومون بإقراء الناس القرآن. وكتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لـ عمرو بن حزم حين وجهه إلى اليمن كتاباً أمره فيه بأشياء منها: أن يعلم الناس القرآن ويفقههم فيه كما جاء في سيرة ابن هشام. وروى البخاري عن أبي إسحاق عن البراء قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا ويحفظاننا القرآن. وكان مصعب رضي الله تعالى عنه يسمى: المقرئ، يعني: الذي يقرئ الناس القرآن ويعلمهم كتاب الله تبارك وتعالى. وكان الرجل من المسلمين إذا هاجر من المدينة دفعه النبي صلى عليه وآله وسلم إلى رجل من الحفظة ليعلمه القرآن. ولما فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة ثم أراد الرجوع إلى المدينة استخلف عتاب بن أسيد وخلف معه معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه يقرئهم القرآن ويفقههم في دينهم. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث معنا رجالاً يعلموننا القرآن والسنة، فبعث معهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم: القراء) إلى آخر الحديث كما هو في صحيح مسلم، وفيه ذكر غدر هؤلاء القوم بالقراء، حيث قتلوهم رضي الله تعالى عنهم. وأوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإكرام أهل القرآن إكراماً خاصاً ومتميزاً، حتى إنه صلى الله عليه وآله وسلم سماهم اسماً ينبض بأعظم المعاني، حيث سمى أصحاب القرآن وأهل القرآن: أهل الله وخاصته، كما رواه ابن ماجة وأحمد والدارمي من حديث أنس رضي الله تبارك وتعالى عنه. وكان النبي عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يميز بين الناس ويرتبهم ترتيباً يخضع لحفظ كل منهم من القرآن الكريم، فمثلاً: في إمامة الصلاة يقول: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، حتى عند دفن الموتى كان يقدم أكثرهم قرآناً، وعند اختيار أمير على مجموعة من الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم اختار ذلك الصحابي الذي كان يحفظ سورة البقرة وقال: (أنت أميرهم). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن من إجلال الله -يعني: من علامات تعظيم الله سبحانه وتعالى وإجلاله- إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقصد) رواه أبو داود عن أبي موسى رضي الله تبارك وتعالى عنه. قوله: (وحامل القرآن) يعني: وإكرام حامل القرآن. قوله: (غير الغالي فيه) يعني: الذي لا يغلو في تعامله مع القرآن، حتى يضيع غير ذلك من الواجبات عليه. قوله: (والجافي عنه) وهو البعيد عن القرآن الهاجر للقرآن. وقال صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، فدل على أن أشرف الوظائف الانشغال بتعليم القرآن وتعلمه؛ ومن أجل هذا الحديث قعد الإمام الجليل أبو عبد الرحمن السلمي أربعين عاماً يقرئ الناس القرآن بجامع الكوفة مع جلالة قدره وكثرة علمه. وسئل سفيان الثوري رحمه الله تعالى أيهما أفضل الجهاد أم تعليم القرآن؟ فرجح تعليم القرآن في الثواب والفضل على الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). وعن عمرو بن العاص رضي الله تبارك وتعالى عنه -كما في الحديث الذي رواه الحاكم)، والله أعلم بصحته. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يؤم القوم أكثرهم قرآناً، فإن كانوا في القراءة واحداً فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة واحداً فأفقههم فقهاً، فإن كانوا في الفقه واحداً فأكبرهم سناً)، فهذا فيه رد على بعض الناس الذين حينما يختارون إمامهم في الصلاة يقدمون السن على ما عداه من الاعتبارات، وينبغي التقديم على الترتيب الذي دلنا عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يؤم القوم أكثرهم قرآناً)، وهذا في حالة عدم وجود إمام راتب للمسجد. وكان القراء أصحاب مجلس عمر بن الخطاب رضي الله تبارك وتعالى عنه وأصحاب مشاورته. ففضل الاشتغال بالقرآن الكريم لا يدانيه فضل، وكل من انتسب إلى الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى عامة، وإلى الدعوة السلفية بصفة خاصة، فينبغي أن يتميز باهتمامه بالقرآن العظيم، ووجود علاقة خاصة بكلام الله عز وجل. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين). وقد ثبت في فضيلة حفظ كتاب الله عز وجل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يقال لصحاب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق ورتل فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها). ومما يرغب في حفظ القرآن الكريم كثرة الأحاديث في فضل ذلك، ومنها: أن الله تبارك وتعالى لا يحرق أو لا يعذب بالنار صدراً هو وعاء للقرآن، فإن ضم القلب كلام الله تبارك وتعالى فيرجى من رحمة الله تبارك وتعالى ألا يعذب بالنار هذا القلب الذي وعى القرآن وتشرف به، فالقرآن يغني صاحبه عن كل حسب ونسب، وجاء في بعض التفاسير لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من لم يتغن بالقرآن فليس منا) أن الإنسان إذا نال شرف القرآن فعليه أن يستغني به عما عداه، عليه ألا ينزل إلى مرتبة التنافس مع الناس في الدنيا، وألا يذل نفسه وقد حمل القرآن الكريم، وأن يكون عزيزاً، وهذا على أحد أوجه تفسير الحديث. فالقرآن يغني صاحبه عن كل حسب ونسب، ويكفي أنك إذا شرفت بنيل إجازة من القراء المشايخ فقد نلت شرفاً عظيماً جداً لا يدانيه شرف، ويكفي أنك ستكون في سلسلة تظل تتدرج من شيخك إلى شيخ شيخك، إلى التابعين، إلى الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم، إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ثم إلى جبريل عليه السلام، ثم إلى رب العزة، فكأنه حبل طرفه عندك والطرف الآخر عند الله عز وجل، فهل يعلم أحد شرف ونسب أعظم من هذا النسب؟! طرف سلسلة الإسناد تبدأ به وتنتهي بالله عز وجل! فالقرآن يغني صاحبه عن كل حسب ونسب، وشرف التفقه فيه فوق كل شرف، ألا ترى أنه لا يصد واحداً من أهل القرآن عن إمامة الناس في الصلاة، حتى لو كان أعرابياً أو عبداً مملوكاً أو حتى ولد زنا على قول الإمام أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن الشيباني. إذاً: شرف القرآن يرفع عنه كل وضيعة، ويؤهله لإمامة الصلاة التي هي من الوظائف الشرعية الشريفة. كذلك القيام على خدمة المصحف الشريف وتعليمه للناس هو فخر الفاخرين، وشرف من يطلب الشرف، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). وفي الحقيقة نحن مقصرون تقصيراً شديداً بالنسبة للاهتمام بتحفيظ القرآن ومدارسته، وقد قال بعض السلف: عجبت لمن لم يحفظ القرآن ولا يعلم تأويله كيف يلتذ بتلاوته؟! أي: عجبت ممن يقرأ القرآن وهو لا يعرف تفسيره كيف يلتذ بتلاوته؟!
الفضائل التي اجتمعت للقرآن الكريم
الفضائل التي اجتمعت للقرآن الكريم الاشتغال بمعاني القرآن وتفسير القرآن، والاشتغال بتلاوته وحفظه وتجويده ومدارسته أمر مهم، ونحن على أعتاب هذا الشهر الكريم المبارك شهر رمضان، الذي أراد الله تبارك وتعالى أن يشرف هذا الشهر العظيم بربطه ربطاً وثيقاً بالقرآن، فقال تبارك وتعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185]، فاجتمع لهذا القرآن الشرف من كل الوجوه: شرف المكان، فقد أنزل في أشرف بقاع الأرض وهي مكة المكرمة والمدينة النبوية. شرف النبي، فقد أنزل إلى أشرف نبي وهو محمد عليه الصلاة والسلام. شرف اللغة، فقد نزل باللغة العربية التي هي لغة أهل الجنة. وقد نزل به أشرف الملائكة وهو جبريل عليه السلام. وهو لأشرف أمة وهي أمة الإسلام، وأمة التوحيد. ونزل في أشرف شهر، وهو شهر رمضان. ونزل في أشرف ليلة وهي: ليلة القدر: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [القدر:1 - 2]. فاجتمع للقرآن العظيم هذا الشرف العظيم، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أصحابه من بعده، ثم السلف الصالح من بعدهم إذا دخل شهر رمضان يزيدون من الاهتمام بكتاب الله تبارك وتعالى، حتى كان بعض السلف كـ سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك كل شيء من العلم، وانشغل فقط بتلاوة القرآن الكريم وتدبره.
الطريقة المثلى لحفظ القرآن وفهم معانيه
الطريقة المثلى لحفظ القرآن وفهم معانيه نبدأ بتفسير القرآن تيمناً بهذا الشهر الكريم، واستدراكاً لما نحن مقصرون فيه بالفعل، وهذه حقيقة لا تنكر، وللأسف الشديد أن بعض أهل البدع عندهم اهتمام بالقرآن الكريم حفظاً ومدارسة وتلاوة أكثر منا مع ما هم عليه من المخالفة للسنة، ونحن أولى بالقرآن منهم، فعلينا أن نستدرك ونصحح التقصير الواقع منا في حق كتاب الله تبارك وتعالى. فمن أجل ذلك نحاول أن نجتمع على هذه السنة الحسنة، وأن نشرع بإذن الله تبارك وتعالى في محاولة لتنظيم موضوع حفظ القرآن بالنسبة للإخوة الحضور إن شاء الله تبارك وتعالى، وقد تم اختيار كتاب (قرة العينين)، وهو حاشية القاضي محمد كنعان على تفسير الجلالين، وسنتكلم إن شاء الله على هذا التفسير بالتفصيل، على أساس أننا نجمع بين حفظ القرآن ودراسة التفسير دراسة مختصرة ومبسطة. وكثير من إخواننا الحضور قد حفظوا القرآن ولله الحمد، ومن الله عليهم بذلك، وحتى تكون لهم فضيلة أيضاً فإنهم يشاركوننا في المراجعة، وذلك بدراسة التفسير. ولن تكون الجرعة كبيرة، حتى نعين أكبر قدر من الإخوة مهما تفاوتت ظروفهم وإمكاناتهم في أن نكون معاً في قافلة واحدة بإذن الله تبارك وتعالى، والمجال مفتوح لمن أراد أن يسبق، فيعطى سورة أخرى أو في نفس السورة بمعدل أكبر حسب ظروفه، لكن المعدل الذي سنجتهد إن شاء الله في حفظه هو ربع حزب في كل أسبوع، وأعتقد أن هذا أقل ما ينبغي، فإذا حفظنا بمعدل ربع حزب في كل أسبوع فإن شاء الله بعد أربع إلى خمس سنوات يكون قد حفظ الإنسان القرآن كله. وقد يستبعد بعض الناس الزمن ويقول: خمس سنوات أو أربع سنوات هذا كثير! فنقول: ربما حاول شخص منذ عشر سنوات وهو إلى الآن لم يفعل شيئاً يذكر، ومعلوم أن الأيام تجري والزمان يجري، وطالب العلم يستثنى من كراهة طول الأمل، بل يستحب لطالب العلم طول الأمل؛ لأنه لولا طول الأمل لما أقدم أحد على حفظ القرآن، ولا على حفظ كتب السنة، ولا على طلب العلم الشرعي الشريف، فطول الأمل يباح لطالب العلم؛ من أجل تحصيل الفضائل، وتحصيل هذه العلوم العظيمة. نرجو من الإخوة ألا يخيبوا ظننا فيهم، فكل واحد لا يبعد نفسه عن هذه القافلة إن شاء الله تبارك وتعالى.
مميزات تفسير الجلالين وخصائصه
مميزات تفسير الجلالين وخصائصه إن المتأمل في تفسير الجلالين -إذا كان على علم بالتفسير ويراجع كتب التفسير- يجد أن فيه مميزات عظيمة جداً، فما وضعت فيه الكلمة إلا بحساب دقيق على وجازته، فكل كلمة فيه موضوعة نتيجة اختيار ودراسة وتحقيق وتمحيص، والكتاب يجمع كثيراً جداً من المميزات التي سنلمسها بأنفسنا. لكن كتاب تفسير الجلالين لا يستطيع أحد أن ينتزع منه الفائدة المرجوة إلا إذا درسه على غيره ممن يستطيع أن يوضح له سبب وجود هذه الكلمة بالذات دون غيرها في هذا الموضع، فربما كثير من الناس يقرءون فيه لوحدهم دون أن يكون لهم علم بالتفسير من قبل فيشعر أحدهم أنه كلام عادي، يعني: لا فائدة منه، والحقيقة بخلاف ذلك، ونحن لا نريد أن نتوسع في التفسير، بحيث إننا لا نزيد في التفسير على ربع حزب بحيث يواكب التفسير الحفظ. تفسير الجلالين شمل كثيراً جداً من الفوائد على وجازته، ومن أجل أن ننهي تفسيراً كاملاً للقرآن في هذا الوقت الوجيز، فإننا سنأخذ في الأسبوع ربع حزب، والكتب كثيرة جداً في التفسير، لكن العبرة بأقل حجم وأكثر فوائد. فمن مميزات تفسير الجلالين أن فيه تفسير المفردات الذي هو علم غريب القرآن، فعلم غريب القرآن موجود ضمن هذا التفسير بسهولة ويسر. تجد أسباب النزول. تجد القراءات المشهورة. تجد الناسخ والمنسوخ. تجد الإشارة إلى أحكام القرآن. تجد الأحاديث المرفوعة التي فسر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعض الآيات. تجد الإعراب. تجد كثيراً جداً من الفوائد. وفي مقابل ذلك ستجد بعض المؤاخذات وهي تنحصر في أمور محدودة: الأمر الأول: تأويل بعض صفات الله تبارك وتعالى. الأمر الثاني: الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة. الأمر الثالث: الإسرائيليات. من أجل ذلك قام القاضي محمد كنعان بعمل حاشية سماها: (قرة العينين على تفسير الجلالين)، فإن تيسرت لكم فبها ونعمت، وإن لم تتيسر فتفسير الجلالين أشهر تفسير موجود على الإطلاق، وهذا سر من أسرار اختيارنا له، وهناك بعض طبعات المصاحف الشريفة معها تفسير الجلالين، فما نذكر من فوائد مزيدة يمكن تقييدها بقلم في الهوامش. وأرجو من الإخوة كما أنهم يجتهدون في حفظ القرآن يجتهدوا أيضاً في حفظ تفسير الجلالين بجانب حفظ القرآن، فإن هذا مما يعين على فهم التفسير.
مقدمات متعلقة بتفسير الجلالين
مقدمات متعلقة بتفسير الجلالين
مقدمة محقق ومراجع تفسير الجلالين
مقدمة محقق ومراجع تفسير الجلالين يقول القاضي كنعان: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، أحمده حمداً يوازي نعمه، ويكافئ مزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن تفسير الجلالين من أوجز التفاسير وأدقها عبارة، قال عنه في كشف الظنون: وهو مع كونه صغير الحجم كبير المعنى؛ لأنه لب لباب التفسير-يعني: خلاصة خلاصة التفاسير- لذلك اعتبره العلماء تفسيراً للمنتهين من طلبة العلم لا للمبتدئين منهم، ولا عجب في ذلك؛ فلقد تضمن تفسيراً للآيات بعبارات مختصرة موجزة اكتفى في كثير منها بالتلميح والإشارة، واعتنى مؤلفاه رحمهما الله تعالى اعتناءً كبيراً؛ ببيان وجوه القراءات والإعراب، حتى بات هذا التفسير خلاصة من خلاصات العلوم، لا يستفيد منه الفائدة المرجوة، ولا يدرك قيمته سوى طلبة العلم بين أيدي العلماء. ولكنه مع ما فيه من فوائد لم يخل من إسرائيليات وروايات لا أصل لها، وأحاديث ضعيفة الإسناد أو موضوعة، نقلت إلى الجلالين من دون بيان ولا تنبيه، فأساءت هذه القصص والأخبار الباطلة إلى محاسن هذا التفسير ومكانته. ومع ذلك فقد انتشر انتشاراً واسعاً؛ بسبب طباعته على هوامش المصحف الشريف، الأمر الذي دفع أكثر الراغبين في الحصول على نسخة من كتاب الله تعالى الذي بهامشه تفسير الجلالين، فتهافتت مؤسسات الطباعة والنشر على طباعته وتوزيعه بأعداد كبيرة لا تحصى، من دون تنبيه أو انتباه إلى ما فيه. فلم نجد من بين دور النشر كافة من اعتنى بهذا التفسير كما هو الواجب حتى الآن، لا من حيث المعنى وذلك ببيان ما فيه من إسرائيليات وتفسيرات غير دقيقة؛ ليعرف القارئ وجه الصواب فلا يقع في اعتقاد باطل، أو يفهم معنىً غير صحيح لآية من كتاب الله عز وجل، ولا من حيث النص، وذلك بتحقيقه وضبطه وتحرير عبارة مؤلفيه الجلالين رحمهما الله تعالى، والغريب في الأمر أن ينتشر هذا التفسير كل هذا الانتشار، وتسمح السلطات في جميع بلاد المسلمين بتداوله، مع ما فيه من إسرائيليات وقصص باطلة وأخبار موضوعة! ثم يقول القاضي كنعان: لذلك رأيت واجباً علي بعد أن اطلعت على ما في تفسير الجلالين من فوائد مجهولة وغامضة، وما فيه بالمقابل من إسرائيليات وقصص وأقوال غير صحيحة، أن أقوم بمراجعته وقراءته على مهل، فأقبلت على العمل فيه بقراءة دقيقة وتحقيق هادئ، فتوقفت عند كل جملة غير مستقيمة المعنى فصوبتها، أو نقل غير محقق فبينت ما فيه ووجهته.
أسباب عدم تفسير المحقق للقرآن وتوجهه لتحقيق الجلالين
أسباب عدم تفسير المحقق للقرآن وتوجهه لتحقيق الجلالين بعض الناس قد يقول: لماذا بذل المحقق هذا الجهد الجليل في تصحيح ومراجعة تفسير الجلالين؟ فهلا وضع تفسيراً مستقلاً من البداية؟! قال كنعان: لم أرغب في ذلك لسببين: أولهما: قصور باعنا في هذا الفن، وتهيبنا الخوض في لجته؛ خوفاً من الوقوع في عثرات خطيرة كما فعل بعض المعاصرين الذين استهونوا هذا الشأن، فشت بهم الفكر، وعثرت أقلامهم عثرات جسام لا عذر لهم فيها، ولا مبرر يعفيهم من عقابها وعواقبها. فهو لا يرى من قدر نفسه أنه يستطيع أن يستبد بتصنيف كتاب مستقل في تفسير كلام الله تبارك وتعالى كما سهل ذلك على غيره ممن تسنم هذه الذروة دون أن يتأهل لها، وبالتالي تخبط وصدر منه تعد على كلام الله، وعلى معاني كتاب الله تبارك وتعالى. يقول كنعان: من ذلك قول أحدهم في تفسير قول الله تبارك وتعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256]: ولكنه رغم ذلك ترك للناس حرية اختيار الإله الذي يرضونه مصدراً لنظام حياتهم! انظر كيف فهم معنى: (لا إكراه في الدين)! فجعل معناها أن الله سبحانه وتعالى ترك للناس حرية اختيار الإله الذي يرضونه مصدراًَ لنظام حياتهم، بل ترك لهم حرية الكفر والإلحاد في الله تبارك وتعالى، ولكل إنسان أن يختار الإله الذي يعجبه! هذا الكلام فيه هدم للإسلام، وكل دين الإسلام يتحطم بمثل هذا التفسير المنحرف، وهذا عدوان على كتاب الله وليس تفسيراً لكتاب الله تبارك وتعالى. هذا نموذج من نماذج التحريف الشديد في كلام الله، ومثله ما حصل من بعض المعاصرين أيضاً مثلاً في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62] يقول: كل هؤلاء يمكن أن يدخلوا الجنة! واستدل بهذه الآية على أن الأديان كلها سواسية، فما دام أن اليهودي أو النصراني يؤمن بالله واليوم الآخر فقد يدخل الجنة! ثم يقول كنعان: وكأنه هو المفسر الذي لم يفسر قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [الأنفال:39]. (فتنة) يعني: شرك، والمعنى حتى لا يبقى في الأرض شرك. وإعراب (فتنة) فاعل، ولفظة (تكون) هنا تامة وليست ناقصة أو ناسخة، ففتنة فاعل لتكون. ومعناها: أي حاربوا المشركين حتى لا يبقى على وجه الأرض شرك، وهذا هو الهدف الأسمى من رسالة الإسلام، ومن الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى. يقول أيضاً: ومن هذه النماذج تفسير أحدهم الأكل من الشجرة في قوله تعالى: {وَكُلا مِنْهَا} [البقرة:35] بقوله: إن الأكل هو العلاقة الزوجية بين آدم وحواء عليهما السلام من وطء وغيره، فهذا هو المقصود بالأكل من الشجرة! إلى غير ذلك من الأقوال التي قيلت بدافع من التسرع والعجلة وعدم التحقيق، وأحياناً بدافع التشوف إلى التجديد، وإنه لمنزلق خطير. يقول: فلم أشأ أن أنشئ تفسيراً جديداً؛ لأن تفاسير القرآن الكريم كثيرة جداً ولله الحمد، وقد أخذ بعضها عن بعض، بل الذي ينقصنا هو القراءة الدقيقة الواعية لتلك التفاسير، والرجوع في فهم النص القرآني إلى مصادره الموثوقة؛ لكي لا يقول أحد في كتاب الله برأيه. إذاً: هذا هو السبب الأول الذي منع المحقق من تصنيف مصنف مستقل في التفسير. السبب الثاني: يقول: إن أي تفسير جديد لم يحقق الغاية التي نسعى إليها ألا وهي تبصير المسلمين بكتاب الله تعالى، ومساعدتهم على فهم آياته، وتنبيههم إلى ما في هذا التفسير وأمثاله من روايات وأقوال لا يجوز اعتقاد مضمونها؛ لأن التفسير الجديد لن ينتشر بين أيدي الناس على النحو الذي بلغه تفسير الجلالين، من حيث الشهرة وثقة الناس فيه. فمهما ألف معاصر في التفسير فهل سيقبل عليه الناس كإقبالهم على تفسير الجلالين؟ لا، إذاً نستثمر شهرة هذا التفسير، وإقبال الناس عليه، بأن نقوم بتصحيحه، فنستفيد مما فيه، ونتجنب ما فيه من الأخطاء. قال كنعان: فلدينا عدد من التفاسير الحديثة لا يعرفها أكثر الناس، فيكون إصلاح هذا التفسير الواسع الانتشار مع إبقائه على نحو ما هو عليه الآن بهامش المصحف الشريف أكثر فائدة وأعم نفعاً، بل نراه واجباً وجوب كفاية، لذلك قمنا بهذا الواجب بفضل الله تعالى وتوفيقه.
اسم تحقيق تفسير الجلالين ومعناه
اسم تحقيق تفسير الجلالين ومعناه قال كنعان: تنامى هذا العمل وكبر حتى صار جزءاً يتكامل مع التفسير، فسميناه: قرة العينين على تفسير الجلالين. ومن المناسب أن نعرف ما معنى قرة العينين؟ قال: قولهم: أقر الله عينه، القر ضد الحر. يعني: القر هو البرد، ومعنى أقر الله عينه يعني: أبرد الله دمعته؛ لأن العرب عندهم أن الدموع نوعان: دموع ساخنة. ودموع باردة. فما الفرق بينهما؟ دموع الفرح تكون باردة، ودموع الحزن تكون حارة ساخنة. يقول هنا: أقر الله عينه، يعني: أبرد الله دمعته، فهذا التعبير مقصود به أن يكون مسروراً، حتى إنه من شدة سروره يبكي دموعاً باردة. وقال الأصمعي: أقر الله عينه، أي: أبرد الله دمعته؛ لأن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، وأقر: مشتق من القرور، والقرور هو الماء البارد، وقال غير الأصمعي: معنى أقر الله عينك أي: صادفت ما يرضيك فتقر عينك من النظر إليه. وقال أبو طالب: معنى أقر الله عينه، يعني: أنام الله عينه، والمعنى: صادف سروراً أذهب سهره فنام. وقال عمرو بن كلثوم: بيوم كريهة ضرباً وطعناً أقر به مواليك العيونا يعني: نامت عيونهم لما ظفروا بما أرادوا منه، هذا معنى: قرة العينين.
ترجمة مؤلفي تفسير الجلالين وتحديد ما فسره كل منهما
ترجمة مؤلفي تفسير الجلالين وتحديد ما فسره كل منهما قولنا: تفسير الجلالين، من هما الجلالان؟ ومن الأسبق منهما؟ الجلالان كلاهما من مصر. لقد ألف هذا التفسير علمان مشهوران من أعلام الإسلام كل واحد من هذين الإمامين الجليلين لقبه جلال الدين، وهما: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد المحلي، نسبة إلى المحلة الكبرى مدينة في مصر، المتوفى عام 864 هجرية -يعني: سنة 1459 ميلادية، في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، وفي النصف الثامن من القرن التاسع الهجري - والإمام المحلي هو الذي فسر فاتحة الكتاب وحدها، ثم من أول سورة الكهف حتى آخر سورة الناس. أما الإمام الآخر فهو الإمام أبو الفضل عبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر الأسيوطي أو السيوطي، بضم السين، نسبة إلى أسيوط أو سيوط بضم الهمزة والسين، إحدى مدن الجنوب في مصر، وتعرف الآن بأسيوط بفتح الهمزة، المتوفى سنة 911 هجرية- الموافق سنة 1505 ميلادية- وهو الذي فسر التتمة، فكمل ما لم يفسره الإمام المحلي من البقرة إلى الإسراء، وقد وهم صاحب (كشف الظنون) في نسبة هذا القسم إلى الجلال المحلي، فكثير من الناس يظن ما دام أن هذا تفسير الجلالين: جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، فيتوهم أن المحلي فسر من الفاتحة إلى الإسراء، والسيوطي كمل؛ لأن: المحلي فسر الفاتحة، فظن أنه واصل التفسير إلى الإسراء، لكن المحلي فسر الفاتحة فقط ثم فسر من الكهف إلى الناس، أما السيوطي فمن البقرة إلى الإسراء. والإمام السيوطي رحمه الله تعالى وضع هذا التفسير وعمره اثنتان وعشرون سنة أو أقل منها بشهور، وذلك بعد وفاة الجلال المحلي بست سنين، وكتب كل هذا التفسير العظيم والدقيق دقة متناهية في أربعين يوماً! قال كنعان: لم يضع الجلالان رحمهما لله تعالى لهذا التفسير اسماً، بل عرف بين العلماء بتفسير الجلالين أو بالجلالين، وقد اعتمد الجلالان في تفسيرهما هذا على عدد من التفاسير، أشار إليها الجلال السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه بغية الوعاة في تراجم اللغويين والنحاة، عند ترجمته للإمام موفق الدين الموصلي، فقال: وله التفسير الكبير والصغير جود فيه الإعراب وحرر أنواع الوقوف، وأرسل منه نسخة إلى مكة والمدينة والقدس، قلت: وعليه اعتمد الشيخ جلال الدين المحلي في تفسيره، واعتمدت عليه أنا في تكملته مع الوجيز وتفسير البيضاوي وابن كثير. ولم يكتب الجلال المحلي مقدمة ولا خاتمة للقسم الذي فسره، أما الجلال السيوطي فقد كتب مقدمة مختصرة في أول سورة البقرة، وكتب خاتمة للقسم الذي فسره، وقد نقلناها من حيث كانت في آخر تفسير سورة الإسراء إلى هنا في هذه المقدمة لإفساح المجال ثمة للتفسير. قال السيوطي في خاتمة ما فسره: هذا آخر ما كملت به تفسير القرآن الكريم الذي ألفه الشيخ الإمام العالم العلامة المحقق جلال الدين المحلي الشافعي رضي الله عنه، وقد أفرغت فيه جهدي وبذلت فكري فيه، في نفائس أراها إن شاء الله تعالى تجزي، وألفته في مدة قدر ميعاد الكليم -أي: في أربعين يوماً-، وجعلته وسيلة للفوز بجنات النعيم، وهو في الحقيقة مستفاد من الكتاب المكمل، وعليه في الآي المتشابهة الاعتماد والمعول، رحم الله امرأً نظر بعين الإنصاف إليه، ووقف فيه على خطأ فأطلعني عليه، وقد قلت: حمدت الله ربي إذ هداني لما أديت مع عجزي وضعفي فمن لي بالخطا فأرد عنه ومن لي بالقبول ولو بحرف. قوله: (فمن لي بالخطأ فأرد عنه) يعني: من يبحث لي عن خطأ فينصحني وأرجع عنه. قوله: (ومن لي بالقبول ولو بحرف) يعني: من يضمن لي أن يقبل الله مني حتى ولو حرفاً واحداً مما كتبت. ثم قال: هذا لم يكن قط في خلدي أن أتعرض لذلك؛ لعلمي بالعجز عن الخوض في هذه المسالك، وعسى الله أن ينفع به نفعاً جماً -وفعلاً نفع الله به نفعاً جماً-، ويفتح به قلوباً غلفاً وأعيناً عمياً وآذاناً صماً، وكأني بمن اعتاد المطولات وقد أضرب عن هذه التكملة وأصلها حتماً -يعني: أن بعض الناس سيعرض عن هذا التفسير؛ لأنه متعود على المطولات، مثل تفسير ابن جرير والقرطبي وغيرها من المطولات، فيصرفه عنه الحجم، دون أن يلتفت إلى المعاني العظيمة المركزة في هذا التفسير- فعدل إلى صريح العناد ولم يتوجه إلى دقائقها فهماً، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى، رزقنا الله به هداية إلى سبيل الحق وتوفيقاً واطلاعاً على دقائق كلماته وتحقيقاً، وجعلنا به من الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
اهتمام العلماء بتفسير الجلالين ومكانته عندهم
اهتمام العلماء بتفسير الجلالين ومكانته عندهم لقد حظي تفسير الجلالين باهتمام عظيم جداً من العلماء منذ أن أُلف إلى يومنا هذا، وهذا دليل على مكانته عندهم، ولذلك فقد قام كثير منهم بشرحه وتوضيح دقائقه في مؤلفات وحواشي بلغت بعضها الأربعة مجلدات، وكما أشار كنعان في المقدمة أنه لطلاب العلم المنتهين وليس للمبتدئين، وأن المبتدئ يصعب أن يستقل بفهمه، بل لابد أن يقرأه على شيخ عالم بالتفسير، حتى يقف على حقائقه ودقائقه. ويكفي أن هذا الكتاب ألفت فيه كثير جداً من الشروح والحواشي، فنذكر هنا بعضها: حاشية للشيخ محمد بن عبد الرحمن العلقمي، سماها (قبس النيرين على تفسير الجلالين). حاشية للشيخ محمد بن محمد الكرخي، سماها (مجمع البحرين ومطلع البدرين على الجلالين)، في أربعة مجلدات، وله حاشية أخرى صغيرة عليه في مجلدين. حاشية للحافظ الملا علي القاري، سماها (حاشية الجمالين على الجلالين). حاشية للشيخ سليمان بن عمر الأزهري، وهي المشهورة بحاشية الجمل، سماها (الفتوحات الإلهية لتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية)، وهي في أربعة مجلدات. فانظر إلى هذا الكتاب الذي حجمه صغير كيف في أربعة مجلدات أو أكثر! فما معنى هذا؟! وإذا قرأت الشرح تجده أصعب من الأصل، فهذا يدل على أنه فعلاً لب لباب التفسير، وخلاصة خلاصات التفسير. وتوجد حاشية لتلميذ الشيخ الجمل الصاوي تسمى بحاشية الصاوي على الجلالين، وهي مشهورة هنا في مصر، ألفها الشيخ أحمد بن محمد الصاوي، وقال في مقدمتها: -ولما كان كتاب الجلالين من أجل كتب التفسير، وأجمع على الاعتناء به الجم الغفير من أهل البصائر والتنوير، وجاءني الداعي الإلهي بقراءته فاشتغلت به على حسب عجزي، ووضعت عليه كتابة ملخصة من حاشية شيخنا العلامة المحقق المدقق الورع الشيخ سليمان الجمل. وحاشية الصاوي وحاشية شيخه الجمل من أشهر الحواشي على تفسير الجلالين. وتوجد حاشية للشيخ سلام الله الدهلوي، سماها (حاشية الكمالين على الجلالين). وحاشية للشيخ محمد بن صالح آل السعود السبعي الحسنوي المصري في ثلاثة مجلدات. وحاشية للشيخ سعد الله بن غلام القندهاري، سماها (كشف المحجوبين عن خدي تفسير الجلالين). وحاشية للشيخ مصطفى الدومي، سماها (ضوء النيرين لفهم تفسير الجلالين). ثم قال كنعان: وأخيراً كتابنا المختصر الذي سميناه (قرة العينين على تفسير الجلالين). ثم ذكر في المقدمة كلاماً مفصلاً في منهجه وعمله في هذا التحقيق، وذكر لماذا لم يتوسع ولم يفصل في موضوع التفسير العلمي، وهو الاتجاه الحديث من التفسير للقرآن الذي يسمى: التفسير العلمي! وليس معنى هذا أن ما عداه ليس علمياً، لا، بل التفسير العلمي بمعنى: المعاصر للعلوم الحديثة، كعلوم الطب والتشريح والفضاء وهذه العلوم الطبيعية الحديثة، وهو محاولة لكشف وجوه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وقد طعن القاضي كنعان على هذا المنهج، وهو منهج ربط القرآن بالاكتشافات العلمية التي هي بعد في مرحلة النظرية التي يمكن أن يثبت فشلها إلى غير ذلك من المآخذ.
تفسير سورة الفاتحة
تفسير سورة الفاتحة
الأقوال في كون البسملة من الفاتحة أم لا
الأقوال في كون البسملة من الفاتحة أم لا يقول الإمام جلال الدين المحلي رحمه الله تعالى: [سورة الفاتحة مكية، سبع آيات بالبسملة إن كانت منها، والسابعة (صراط الذين) إلى آخرها، وإن لم تكن منها فالسابعة (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) إلى آخرها]. هناك إجماع على أن سورة الفاتحة سبع آيات، لكن الخلاف هل البسملة آية من الفاتحة أم ليست آية منها؟ وخلاصة الكلام في هذا: أنها آية منها في قراءة، وليست آية منها في قراءة أخرى، فعلى القول بأن البسملة آية من الفاتحة فتكون هي الآية الأولى، ثم تكون الآية الأخيرة {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7] إلى آخر السورة. وإن لم تكن البسملة آية من الفاتحة، فتكون الآية الأولى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، وتكون الآية السابعة: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7]. ويقدر قبل البسملة كلمة: أبدأ باسم الله أو أقرأ باسم الله، أو قولوا: باسم الله؛ لتكون مناسبة لقولنا فيما بعد: إياك نعبد، فمعناها: قولوا: (الحمد الله رب العالمين)، (الرحمن الرحيم)، قولوا: (إياك نعبد وإياك نستعين). فيقدر في أولها (قولوا) ليكون ما قبل (إياك نعبد) مناسباً له؛ لكونها من مقول العباد.
مشروعية التعوذ قبل التلاوة وبيان معنى الاستعاذة
مشروعية التعوذ قبل التلاوة وبيان معنى الاستعاذة يستحب قبل تلاوة القرآن أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فما معنى: أعوذ؟ أي: أستجير بالله دون غيره من سائر خلقه، يعني: أعوذ بالله من الشيطان أن يضرني في ديني أو أن يصدني عن حق يلزمني له. ومن هو الشيطان؟ الشيطان هو كل متمرد من الجن والإنس، فأي شيء يكون متمرداً من جنس معين يطلق عليه شيطان، لماذا؟ لأن أخلاقه وطباعه وأفعاله تفارق وتشذ عن أخلاق وصفات وأفعال باقي جنسه، ولبعده عن الخير، يقول الله تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام:112]، فدل على أن من الإنس شياطين ومن الجن شياطين. ومم اشتقت كلمة شيطان؟ اشتقت من مادة شطن بمعنى: بَعُدَ، يقال: شطنت داري من دارك، يعني: بعدت داري من دارك، ويقول الشاعر: نأت بسعاد عنك نوىً شطون فبانت والفؤاد بها رهين نوىً: يعني: رحل وسافر، وشطون يعني: بعيد، بمعنى أن سعاد رحلت إلى مكان بعيد. والرهين: فعيل بمعنى: مفعول، كما تقول: كف خضيب أي: مخضوب، ولحية دهين أي: مدهونة، ورجل لعين أي: ملعون، وكذلك الرجيم المقصود به: الملعون المشتوم، فكل مشتوم بقول رديء أو سب يطلق عليه لفظ المرجوم، والرجم هو الرمي بقول أو بفعل، وله شاهد من القرآن وهو قوله عز وجل: {لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ} [مريم:46] يعني: لأرمينك، وهذا من الرمي بالقول. وسمي الشيطان رجيماً لأن الله طرده من سماواته، ورجمه بالشهب والكواكب.
أسماء سورة الفاتحة
أسماء سورة الفاتحة سورة الفاتحة لها عدة أسماء منها: أم الكتاب. السبع المثاني. الشافية. الكافية. الواقية.
فضل سورة الفاتحة
فضل سورة الفاتحة يقول عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده! ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها -يعني: أم الكتاب-، وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته).
تفسير قوله تعالى: (الحمد لله)
تفسير قوله تعالى: (الحمد لله) يقول المفسر رحمه الله تعالى: [الحمد لله جملة خبرية قصد بها الثناء على الله بمضمونها، من أنه تعالى مالك لجميع الحمد من الخلق، أو مستحق لأن يحمدوه، والله علمٌ على المعبود بحق] يعني: كلمة إله تطلق على المعبود سواءً كان معبوداً بحق أم معبوداً بغير حق. لذلك يطلق على كل ما عبد من دون الله إله، فالشيطان -مثلاً- إله يعبد بدون حق، قال الله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس:60]، {يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} [مريم:44]. إذاً: الشيطان يعبد من دون الله بغير حق، والمال إله يعبد من دون الله بغير حق: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم)، والأصنام آلهة باطلة، وهكذا، فكل ما عبد عموماً مطلقاً فهو إله سواءً في ذلك الذي يعبد بحق أم بغير حق، والله سبحانه وتعالى وحده هو الإله المعبود بحق، لا إله إلا الله، معناها: لا إله حق إلا الله. (لا) في قوله: لا إله ما إعرابها؟ (لا) نافية للجنس. فأين خبرها؟ خبرها مقدر تقديره (حق) أي: لا إله حق إلا الله، ولا يجوز أن يقدر خبر (لا) النافية للجنس بكلمة موجود؛ لأنه توجد آلهة باطلة. وجملة (الحمد لله) المقصود بها الثناء على الله سبحانه وتعالى، من أنه تعالى مالك لجميع الحمد من الخلق، أو مستحق لأن يحمدوه، والحمد هنا بمعنى: الثناء على الله سبحانه وتعالى بما هو أهله من صفات الجمال والكمال.
تفسير قوله تعالى: (رب العالمين)
تفسير قوله تعالى: (رب العالمين) قوله تعالى: (رب العالمين) يعني: مالك جميع الخلق من الإنس والجن والملائكة والدواب وغيرهم، العالمين جمع عالم، فكل طائفة من هذه الأمم يطلق عليها عالم، عالم الملائكة، عالم الجن، عالم الإنس، وهكذا، كل هذه العالمين أو العوالم الله سبحانه وتعالى هو خالقها تبارك وتعالى. مم تشتق كلمة عالم؟ مشتقة من العلامة. لماذا سميت علامة؟ لأنها علامة على موجدها؛ وهو الله سبحانه وتعالى، فهي دالة عليه تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (الرحمن الرحيم)
تفسير قوله تعالى: (الرحمن الرحيم) قوله تعالى: (الرحمن الرحيم) أي: ذي الرحمة، وذي إرادة الخير لأهله. وللفائدة فإن أكبر كتاب توسع في تفسير سورة الفاتحة هو كتاب (مدارج السالكين شرح منازل السائرين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين) للإمام ابن القيم، ففي الجزء الأول منه توسع جداً في تفسير الفاتحة، وعموم الكتاب هو شرح لمعنى قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]، ويقع الكتاب في ثلاثة مجلدات كبار.
تفسير قوله تعالى: (مالك يوم الدين)
تفسير قوله تعالى: (مالك يوم الدين) قوله تعالى: (مالك يوم الدين) هذه قراءة صحيحة عن عاصم وغيره أيضاً، وفي قراءة صحيحة أخرى (ملك يوم الدين). ما المقصود بالدين هنا؟ الدين هنا المقصود به الجزاء، وهو يوم القيامة. لماذا خص يوم الدين بأن الله سبحانه وتعالى يملكه، مع أن الله يملك يوم القيامة ويملك أيام الدنيا، فلماذا خص يوم الدين بذلك؟! لأنه لا ملك ظاهر في ذلك اليوم لأحد إلا لله تبارك وتعالى، والدليل من القرآن: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر:16]؟ لا يجيب أحد، فيجيب الله عز وجل نفسه قائلاً: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر:16]. أما قوله على القراءة الأخرى: (مالك يوم الدين) فمعناه: أنه مالك الأمر كله في يوم القيامة أو هو الموصوف بذلك دائماً كغافر الذنب، فصح وقوعه صفة لمعرفة.
تفسير قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين)
تفسير قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] أي: نخصك بالعبادة من توحيد وغيره، فلا نوجه توحيدنا إلا إليك، ونطلب المعونة على العبادة منك وحدك لا من غيرك.
تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين)
تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين) قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6] (اهدنا) أي: أرشدنا إلى الصراط المستقيم. {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة:7]، وصراط إعرابها بدل. (صراط الذين أنعمت عليهم) أنعم عليهم بالهداية. {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ} [الفاتحة:7] وهم اليهود. {وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7] وهم النصارى. فدل على أن الهداية ليست عند اليهود ولا عند النصارى، وإنما هي عند الذين أنعم الله تبارك وتعالى عليهم. إذاً: هذه فائدة هي: أن المهتدين ليسوا يهوداً ولا نصارى.
استحباب قول آمين حين الفراغ من الفاتحة في الصلاة
استحباب قول آمين حين الفراغ من الفاتحة في الصلاة في حاشية القاضي كنعان: يسن بعد قراءة الفاتحة قول: (آمين) في الصلاة وغيرها. فمن السنة إذا سمع الإنسان الفاتحة سواءً داخل الصلاة أو غيرها أن يقول: آمين، لماذا؟ لما فيها من الدعاء، وكلمة (آمين) ليست من كلمات القرآن الكريم باتفاق العلماء، وهي اسم فعل طلب أو دعاء، ولا تقل: اسم فعل أمر؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يجوز أن تقول في حقه: فعل أمر، ولكن تقول: اسم فعل دعاء أو طلب، بمعنى: اللهم استجب! وهي اسم فعل أمر مبني على الفتح. عن وائل بن حجر الحضرمي قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: ((غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)) [الفاتحة:7]، فقال: آمين، يمد بها صوته)، وآمين فيها حركتان فقط للمد الذي في أول الكلمة، وليس ست حركات كما يفعل بعض الناس، فحينما يقول الإمام: (ولا الضالين)، فقولوا: (آمين) وتمد بمقدار حركتين فقط؛ لأنها لو كانت ست حركات في (آمين) لشدد الميم. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الإمام: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا: آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه).
البقرة [1 - 2]
تفسير سورة البقرة [1 - 2]
مقدمة في تفسير سورة البقرة
مقدمة في تفسير سورة البقرة يقول الإمام السيوطي رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً موافقاً لنعمه، مكافئاً لمزيده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وجنوده. وبعد: فهذا ما اشتدت إليه حاجة الراغبين في تكملة تفسير القرآن الكريم، الذي ألفه الإمام المحقق جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي رحمه الله، وتتميم ما فاته، وهو من أول سورة البقرة إلى آخر الإسراء، بتتمة على نمطه، من ذكر ما يفهم به كلام الله تعالى، والاعتماد على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتاج إليه، وتنبيه على القراءات المختلفة المشهورة على وجه لطيف، وتعبير وجيز، وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية، وأعاريب محلها كتب العربية، فالله نسأل النفع به في الدنيا، وحسن الجزاء عليه في العقبى بمنه وكرمه].
أسماء سورة البقرة وآياتها وأحكامها
أسماء سورة البقرة وآياتها وأحكامها سورة البقرة جميعها مدنية بلا خلاف، وعدد آياتها مائتان وست وثمانون آية. أما أسماؤها فتسمى: البقرة، وتسمى فسطاط القرآن؛ لعظمها وبهائها وكثرة أحكامها ومواعظها، تعلمها عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه بفقهها وما تحتوي عليه من الإيمان والعلم والعمل في اثنتي عشرة سنة، أما ابنه عبد الله فقد تعلمها في ثمان سنين. يقول الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: سمعت بعض أشياخي يقول: في سورة البقرة ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر.
فضائل سورة البقرة وخصائصها
فضائل سورة البقرة وخصائصها قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: (إن لكل شيء سناماً، وإن سنام القرآن سورة البقرة). إن الإشارة إلى فضيلة سورة البقرة مما يشجعنا على مزيد الاهتمام، واعلموا أن من تيسر له حفظ سورة البقرة سهل عليه ما عداها من القرآن الكريم، وهذه من خصائص سورة البقرة. يقول صلى الله عليه وسلم: (اقرءوا سورة البقرة في بيوتكم؛ فإن الشيطان لا يدخل بيتاً تقرأ فيه سورة البقرة). وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة). ويقول صلى الله عليه وسلم: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، واقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أصحابهما، واقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)، تلاحظ التدرج في الحديث، القرآن كله أولاً، ثم الزهراوين، ثم البقرة وحدها، يعني: إما أن تحفظ وتقرأ القرآن كله، وإن كان ولابد دون ذلك فتقرأ الزهراوين البقرة وآل عمران، فإن كنت لا تستطيع فعليك بسورة البقرة. وقوله: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، وجاء في الحديث الآخر: (القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار) فالقرآن شافع مشفع، أي أن القرآن إذا شفع فيمن يكثر تلاوته أو يحفظه فإن شفاعته لا ترد. وهناك سورة في القرآن ثلاثون آية، ما زالت تحاج عن صاحبها حتى أدخله الله الجنة، أو حتى غفر الله له، وهي سورة تبارك، فهي المانعة التي تمنع من عذاب القبر. إذاً: القرآن شفيع لأصحابه الذين تطول صحبتهم وتطول صلتهم بكلام الله تبارك وتعالى. قوله: (اقرءوا الزهراوين) يعني: المنيرتين، ففيه إعجاز وفيه وفرة الأحكام التي تضمنتها هاتان السورتان الجليلتان. (اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران؛ فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان -سحابتان- أو غيايتان -الغياية ما أظلك من فوقك- أو كأنهما فرقان من طير صواف) (فرقان) الفرق: هو القطعة من الشيء. يعني: مصطفة. قوله: (يحاجان عن أصحابهما) يعني: الذين يحفظونهما. (اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة) يعني: السحرة. قال بعض العلماء: لا يمكنهم حفظها، أي: لا يستطيع الساحر أن يحفظ سورة البقرة، وقال بعض العلماء: المقصود من قوله: (لا تستطيعها البطلة) يعني: لا يستطيع سحر البطلة النفوذ فيمن يقرأ سورة البقرة، فقارئها لا يؤثر فيه سحر السحرة. وهناك أحاديث كثيرة في فضيلة بعض الآيات من سورة البقرة كآية الكرسي، والآيتين الأخريين من سورة البقرة، نرجئهما إلى وقتهما بإذن الله تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (آلم)
تفسير قوله تعالى: (آلم) قال الله تعالى: {آلم} [البقرة:1]، فسرها الإمام السيوطي رحمه الله تعالى بأصح تفسير وأوجز تفسير، فقال: [الله أعلم بمراده بذلك]. ويقول القاضي كنعان: [ليس لهذه الأحرف المنزلة في أوائل بعض السور معنىً مستقل بالفهم بالنسبة إلينا، بل إنها نزلت متقطعة وتقرأ كذلك، فهي سر الله تعالى في القرآن كما قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: (نؤمن بها ونقرؤها كما نزلت)، ولكن ذلك لا يمنع منا التماس الحكمة من نزولها هكذا، فهي تشير إلى الحروف الهجائية العربية التي بها نزلت آيات القرآن تعجيزاً للعرب؛ لأنهم زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم يأتي بالقرآن من عنده، وهم يعلمون أنه أمي لم يتعلم القراءة ولا الكتابة، فلو كان زعمهم هذا صحيحاً لكانوا هم أقدر على الإتيان بمثله، بل بأحسن منه؛ لأنهم أهل اللغة، لكنهم عجزوا وبهتوا مع قيام التحدي إلى الآن، ولو استطاعوا لفعلوا: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:88]]، فهذا خلاصة الكلام. وبعض العلماء جمع جميع الحروف المقطعة في أوائل السور، وحذف المكرر منها، يعني: جمع (الم) مع (حم) مع (عسق) مع (طه)، ثم حذف المكرر ثم كون منها جملة، وهذه الجملة التي ذكرها هي: (نص حكيم قاطع له سر)، ولكن هذا في مجال الحجاج العلمي لا يعتبر دليلاً علمياً. وبعض العلماء يقول: هذه أسماء للسور، وبعضهم يقول: هي من أسماء الله تبارك وتعالى، لكن اختيار الإمام السيوطي رحمه الله تعالى هنا هو أفضل ما يقال: (الله أعلم بمراده بذلك)، لكن كما ذكرنا بعض العلماء أشار إلى أن هذه إشارة إلى إعجاز القرآن، واستدلوا بأن أغلب سور القرآن التي تبدأ بالحروف المقطعة يليها مباشرة ذكر القرآن الكريم، مثل: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:1 - 2]، وهكذا.
تفسير قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)
تفسير قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) قال الله تعالى: (ذلك الكتاب) يعني: هذا الكتاب وهو القرآن الكريم، فيستعمل (ذلك) للإشارة للبعيد، ويستعمل (هذا) في الإشارة إلى القريب، فالقرآن هنا قريب، فما السبب في أن الله سبحانه وتعالى قال: (ذَلِكَ الْكِتَابُ)، فأشار إليه بالبعيد؟ السبب أن (ذلك) تساوي (هذا)، ومعهود في لغة العرب التقارب بين هذا وذلك، يعني: أنه يذكر ذلك في موضع هذا وهذا في موضع ذلك، مثلاً قوله تبارك وتعالى: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [السجدة:6]، ذلك بمعنى: هذا، كذلك في قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ} [الأنعام:83]، (تلك) بمعنى: هذه، كذلك قوله: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} [البقرة:252] بمعنى: هذه؛ لأنها قريبة. كذلك العكس يستعمل هذا مكان ذلك كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تنبئه في ركوب بعض الصحابة البحر المجاهدين في سبيل الله: (يركبون ثبج هذا البحر) والمقصود: ذلك البحر، فهنا استعمل (هذا) مكان (ذلك). إذاً: قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة:2] يعني: هذا الكتاب. ومن قال: (ذلك) إشارة للبعيد على الأصل قالوا: هذه إشارة إلى بعد درجته وعلو منزلته في الهداية والشرف.
المقصود بالكتاب في قوله: (ذلك الكتاب)
المقصود بالكتاب في قوله: (ذلك الكتاب) قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ}، ما هو الكتاب؟ هو القرآن الكريم، ولا يصح أبداً أن يقال: إن كلمة (الكتاب) هنا مشار بها إلى التوراة أو إلى الإنجيل، فهذا لا يقبل بحال من الأحوال، بل هي إشارة إلى القرآن الكريم. (ذلك) أي: هذا الكتاب، يعني: الذي يقرؤه محمد صلى الله عليه وسلم.
معنى قوله: (لا ريب فيه)
معنى قوله: (لا ريب فيه) قوله تعالى: (لا ريب فيه) يعني: لا شك فيه، ريب مصدر رابني، والريب: هو قلق النفس واضطرابها، وقد تستعمل كلمة ريب في الشك مطلقاً، أو مع تهمة، كحديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، فمعنى قوله: (لا ريب فيه) يعني: لا ريب ولا شك في أنه نزل من عند الله تبارك وتعالى. والعرب مع بلوغهم النهاية في الفصاحة عجزوا عن معارضة أقصر سورة منه، وقد بلغت حجته في الظهور إلى درجة لا يمكن للعاقل الذي يعي ويفهم أن يرتاب في القرآن، لكن العقل الذي فيه آفة وفيه مرض فهذا هو الذي يرتاب؛ لأن الواقع أن الكفار يرتابون في القرآن. فالمقصود أن العاقل الذي يعي ويفهم آيات الله ويتدبر لا يقع أبداً في هذا الريب. قال بعض العلماء: (لا ريب فيه): هذا خبر بمعنى النهي، يعني: لا ترتابوا فيه، فهذا الخبر المراد به الإنشاء، يعني: لا ترتابوا فيه. ومن القراء من يقف على (ريب) يعني: يقرأ: (ذلك الكتاب لا ريب. فيه هدىً للمتقين) يعني: ذلك الكتاب لا شك، ثم يقرأ (فيه هدىً للمتقين) فأيهما أولى: أن نقول: (ذلك الكتاب لا ريب) أم أن نقول: (ذلك الكتاب لا ريب فيه. هدىً للمتقين). لو قلت: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) يعني: لا شك فيه أنه منزل من عند الله، وهذا أقوى من أن تقول: (فيه هدى)، ولذلك قال العلماء: الوقف على قوله تعالى: {لا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:2]، أولى؛ لقوله تعالى: {الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة:1 - 2]. ولأنه يصير قوله: (هدى) صفة للقرآن كله، وذلك أبلغ من كونه فيه هدى، فالأول يدل على أنه كله هدىً للمتقين. يقول: (لا ريب) لا شك فيه أنه من عند الله، وجملة النفي خبر مبتدؤه (ذلك)، والإشارة للتعظيم، (هدىً) خبر ثان، أي: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) هذا الخبر الأول، (هدىً للمتقين) خبر ثان.
معنى قوله: (هدى للمتقين) وأقسام الهداية
معنى قوله: (هدى للمتقين) وأقسام الهداية قوله تعالى: (هدىً للمتقين) المقصود أنه هاد للمتقين، وبعض العلماء قالوا: يحتمل هدىً أن تكون مرفوعة على النعت أو أن تكون منصوبة على الحال. وقوله تبارك وتعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:2] أي: الصائرين إلى التقوى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وهم يعملون الأعمال الصالحة؛ كي يقيهم ذلك عذاب النار، وأصل التقى في اللغة: قلة الكلام، ومنه قول القائل: التقي ملزم، يعني: لا يتكلم كثيراً. وهنا ملاحظة مهمة جداً: قوله تبارك وتعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:2]، ما نوع الهدى هنا؟ هداية الإرشاد والدلالة، وهذه الهداية يقدر عليها الرسل وأتباع الرسل، فهم يوصفون بأنهم هداة من هذه الحيثية، والدليل على ذلك من القرآن قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52] يعني: توضح وتبين وترشد. وقوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت:17]، (هديناهم) بمعنى: بينا وأوضحنا وأرشدنا. كذلك قوله تبارك وتعالى في سورة الرعد: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد:7] يعني: يبين ويرشد ويوضح ويفهم ويجادل عن الحق، فمعنى هذا النوع من الهدى: هداية الضال باعتبار أنه أُرشد إلى الحق، سواءً حصل له الاهتداء أم لم يحصل. النوع الآخر من الهدى: هداية التوفيق والتسديد، وهو خلق الله تبارك وتعالى الاهتداء في قلب العبد، فالإنسان قد يرى الحق ثم لا يوفقه الله سبحانه لاتباعه كاليهود والنصارى الذين عرفوا الرسول عليه الصلاة والسلام كما يعرفون أبناءهم، ويعرفون أنه رسول من عند الله، كما كان يعرف أبو طالب أنه رسول من عند الله، وكما كان يعرف فرعون أن موسى رسول من عند الله قطعاً بلا شك في هذا، لكن هؤلاء جحدوا واستكبروا وعاندوا. ففرعون هداه موسى من حيث البيان والإرشاد والتوضيح، لكن هل وفقه الله باتباع الحق؟! هل غرس في قلبه إرادة ذلك الحق وسدده وصوبه؟! لا، فهذه الهداية فضل من الله سبحانه وتعالى يختص بها عباده الصالحين. إذاً: النوع الآخر من الهدى: هو خلق الله سبحانه وتعالى الاهتداء في قلب العبد، يقول تبارك وتعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90]، وقال تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56]، وقال تعالى: {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ} [الزمر:37]. قوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:2] فيه اختصاص للمؤمنين بالهداية الخاصة التي هي البيان والإرشاد والتوفيق والتسديد، وخلق حب الحق والانقياد إليه في قلب هذا العبد، وهذا محض فضل من الله سبحانه وتعالى، وما مفهوم المخالفة لهذه الآية؟ مفهوم المخالفة أن هذا القرآن ليس هدىً لغير المتقين، وإنما هو هدىً للمتقين، فغير المتقين ليس هذا القرآن هدىً لهم، وهناك آيات في القرآن الكريم تؤكد هذا المعنى الذي استنبطناه من مفهوم قوله: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:2]، كقوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت:44]. وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء:82]. ويقول تبارك وتعالى أيضاً: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات:45]، فهل الرسول صلى الله عليه وسلم أنذر من يخشى الساعة فقط أم أنذر جميع الناس؟ أنذر جميع الناس، لكن لما كان الذين ينتفعون بإنذاره هم المؤمنون المتقون، عبر بذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات:45]، وبقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} [يس:11]، مع أنه كان نذيراً للعالمين صلى الله عليه وآله وسلم. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة:124 - 125]. ويقول تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة:64]، فهؤلاء الكفار كلما ازداد نزول القرآن ازدادوا طغياناً وكفراً، فليس هو -بهذا المعنى- هداية لهؤلاء، إنما هو هداية فقط للمتقين. والهداية هنا ليست بالمعنى الأول للهداية وإنما هي هداية خلق إرادة الحق والتوفيق إليه وتسديده، فالقرآن في نفسه هدى لكن لا يناله إلا الأبرار كالدواء الموضوع في الصيدلية، بعض الناس يأخذه وينتفع به والبعض الآخر يعرض عنه، وبالتالي لا يكون سبباً في شفائه، ويتضاعف مرضه، فهل إعراض هؤلاء عن التداوي بالدواء يقدح في أنه دواء وشفاء؟ لا يقدح، لكن الذي يتعاطاه هو الذي ينتفع به، فلذلك القرآن هو هدى حتى للكفار، لكن لا يناله ولا ينتفع به إلا الأبرار، يقول تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس:57]. {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:2]، والمتقون هم الصائرون إلى التقوى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي؛ لاتقائهم بذلك النار.
البقرة [8 - 20]
تفسير سورة البقرة [8 - 20]
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) يقول الله تبارك وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة:8]. الناس هنا المقصود بهم المنافقون، وكلمة الناس أصلها: أناس، لكن حذفت الهمزة تخفيفاً، وإذا دخلت (أل) على كلمة أناس فإنه يلزم أن تحذف هذه الهمزة، فلا يقال: الأناس، ولكن يقال: الناس، فحذف الهمزة مع لام التعريف كاللازم. وسموا ناساً لظهورهم، ولأنهم من المخلوقات التي يؤنس بها؛ بعكس الجن، فإنهم سموا جناً لاجتنانهم واختفائهم، ومادة (جن) تأتي في كل ما خفي، يقول عز وجل: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} [الأنعام:76]، والجنين في بطن أمه مستتر، والمجنون هو من غاب عقله واستتر؛ والجنة غائبة عنا لا ترى الآن. إذاً الجن سموا بالجن لاجتنانهم، والإنس سموا إنساً؛ لأنهم يؤنسون ويشاهدون. وقيل: سموا إنساً من الأُنس، وهو ضد الوحشة، والقول الأول أولى. قوله تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ)) يعني: يوم القيامة؛ لأنه آخر الأيام. قوله: ((وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)) جمع المؤمنين مراعاة لمعنى كلمة (مَنْ) في قوله: (ومن الناس من يقول) وأفرد الفعل (يقول) مراعاة للفظ (من).
تفسير قوله تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون)
تفسير قوله تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) قال الله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة:9]. (المخادعة) بوزن المفاعلة، وهي استعمال الخدع من الجانبين، وهذه المخادعة هي إظهار الخير واستبطان الشر. ومخادعة المنافقين لله سبحانه وتعالى هي مخادعة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]. وهذه المخادعة تتمثل في أنهم يظهرون الإيمان والمحبة، ويبطنون الكفر والعداوة، من أجل إجراء أحكام الإسلام عليهم، وحقن دمائهم وتحصين أموالهم وغير ذلك، لكن عاقبتهم وخيمة، فقد فضحهم الله في الدنيا بالوحي؛ وفي الآخرة يكونون في الدرك الأسفل من النار. والفرق بين خداع المنافقين وبين خداع الله سبحانه وتعالى والمؤمنين لهم أن خداع المنافقين لا ينجح ولا يكون له مفعول ولا أثر إلا على أنفسهم، فيعود وبال هذا الخداع على أنفسهم بإهلاكها وإشقائها، أما خداع الله سبحانه وتعالى فإنه يؤثر فيهم أبلغ التأثير، كما قال تبارك وتعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران:54]. يقول الإمام السيوطي رحمه الله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة:9] بإظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر؛ ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية. فالمنافقون يظهرون الإسلام ليدفعوا أحكام الكفر عنهم، كالقتل والأسر وضرب الجزية عليهم. قوله: ((وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ)) وفي القراءة الأخرى: (وما يخادعون إلا أَنْفُسَهُمْ) يقول السيوطي: لأن وبال خداعهم راجع إليهم، فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه على ما أبطنوه، ويعاقبون في الآخرة. قوله: (وما يشعرون) يعني: وما يعلمون خداعهم لأنفسهم، والمخادعة هنا من واحد. فالإمام السيوطي يرجح أن المخادعة هنا ليست مفاعلة تقتضي خداعاً من الجانبين، وإنما هي من جانب واحد كقولك: عاقبت اللص، فهل المعاقبة هنا من الطرفين؟ لا، فهذه الصيغة تقتضي وقوع المعاقبة من طرف واحد. ثم يقول: وذكر الله فيها تحسين، وفي قراءة: (وما يخادعون). وهنا قاعدة لا بد أن نستصحبها: فحينما يعبر الإمامان الجلالان عن القراءة، فإذا قال أحدهما: (في قراءة)، فهذه العبارة يشير بها كل من الجلالين إلى أن القراءة سبعية أو من القراءات العشر، أما القراءة الشاذة، فيوهنان الإشارة إليها بقولهما: (قُرئ) بصيغة المجهول. فتكون إشارة إلى أن هذه قراءة شاذة؛ ولذلك أضاف القاضي كنعان في هذه الطبعة بعد كلمة (قرئ) كلمة: شذوذاً؛ حتى لا ينسى القارئ هذا المعنى.
تفسير قوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا)
تفسير قوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً) يقول تبارك وتعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة:10]. المرض هو: السقم، وسبب هذا المرض ضعف يقينهم وضعف دينهم، وكما توصف قلوب المنافقين بالمرض والسقم، توصف قلوب المؤمنين بالسلامة، كما قال تبارك وتعالى: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88 - 89]. أو المقصود من قوله: (في قلوبهم مرض) مرض الشك ومرض التردد؛ لأن المنافق متردد، كما قال تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ} [النساء:143]، وفي صحيح مسلم يقول عليه الصلاة والسلام واصفاً المنافقين: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين: تَعِير إلى هذا مرة، وإلى هذا مرة)، والعائرة هي: المترددة. فالمرض هنا المراد به التردد، فهم لا يعرفون اليقين ولا الجزم، فمرض قلوبهم هو: التردد والشك؛ لأن سمة المنافق التردد؛ ولأن المريض متردد بين الحياة والموت. قوله: ((فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)) يعني: فزادهم مرضاً آخر من حقد وحسد وغل بإعلاء كلمة دينه ونصرة رسوله والمؤمنين، فبالتالي ازداد المرض الذي في قلوبهم.
الفرق بين عذاب الكافرين وعذاب المنافقين
الفرق بين عذاب الكافرين وعذاب المنافقين قوله: (ولهم عذاب أليم) أي: مؤلم موجع، يبلغ إيجاعه غاية البلوغ. ومنه يعلم إيثار كلمة (أليم) في عذاب المنافقين على (عظيم) المتقدم في عذاب الكافرين، فإن الله سبحانه وتعالى قال قبل ذلك عن الكافرين: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة:7] أما المنافقون فلأنهم في الدرك الأسفل من النار، ولأنهم أسوأ حالاً من الكافرين، عبر عن عذابهم بالأليم، لأنه بالغ في الإيلام الغاية العظمى!!
الكذب من الأسباب الموجبة للعذاب
الكذب من الأسباب الموجبة للعذاب قوله: ((بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)) هذه الباء إما للسببية، أو للمقابلة، يعني: إما أن المعنى: ((وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) بسبب كذبهم، وهو قولهم: (آمنا بالله وباليوم الآخر) وهم غير مؤمنين. أو ((وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)) أي: في مقابلة كذبهم حين قالوا: (آمنا بالله وباليوم الآخر). وفي هذه الآية تقبيح للكذب وتنفير منه. قوله: ((بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)) إشارة إلى أن السبب في عذابهم واستحقاقهم هذا الوعيد هو أنهم كانوا يكذبون، ومعلوم أن الكذب أحد الأسباب الموجبة لتعذيبهم، أما الأسباب الأخرى فهي كثيرة ومعروفة كما سيتضح في هذه الآيات، لكن قد يعبر الله سبحانه وتعالى عن إهلاك الكافرين أحياناً ببعض الذنوب؛ تنفيراً منها وتغليظاً في حق فاعليها واستعظاماً لها وتنفيراً عن ارتكابها، كما قال تبارك وتعالى في شأن قوم نوح عليه السلام: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} [نوح:25]، وقوم نوح كانوا كفرة، فإهلاكهم إنما كان بسبب كفرهم بجانب المعاصي، فتعظيماً لشأن الخطايا التي تدنسوا بها جعل السبب في تعذيبهم هو الخطيئات؛ استعظاماً لها وتنفيراً عنها فقال: (مما خطيئاتهم أغرقوا) وقال: هنا: (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون). إذاً: معنى قوله: ((فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)) أي: شك ونفاق أمرض قلوبهم وجعل اليقين فيها ضعيفاً. قوله: (فزادهم الله مرضاً) أي: بما أنزله من القرآن لكفرهم به؛ لأنه لا يجالس أحد القرآن إلا قام منه بزيادة أو نقصان، أما المؤمن فيزيد إيمانه، وأما الكافر فيزداد رجساً إلى رجسه، كما يقول تبارك وتعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة:124] إلى آخر الآيات، كذلك يقول تبارك وتعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء:82]. قوله: ((بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)) وفي قراءة أخرى: (بما كانوا يكذّبون) بالتشديد، أي: بما كانوا يكذبون نبي الله عليه الصلاة والسلام، وبالتخفيف بما كانوا يكذبون في قولهم: ((آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ)).
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون)
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) قال تبارك وتعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة:11]، هذه بداية نهيهم عن المنكر، ثم ثنى بعد ذلك بأمرهم بالمعروف؛ كي تتم النصيحة، ففي هذه الآية قال: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)) فهذا نهي عن المنكر، وفي الآية الثانية قال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ} [البقرة:13] وهذا أمر بالمعروف. وهنا شَرَعَ تبارك وتعالى في تعديد بعض مساوئهم المتفرعة والنابعة عن نفاقهم وكفرهم، فقال: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)) والفساد في الأرض مثل: تهييج الحروب وإثارة الفتن، كما قال عز وجل: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة:205] ومعنى إفساد المنافقين في الأرض: أنهم يمالئون الكفار على المسلمين، ويفشون أسرار المسلمين للكفار، ويغرون الكفار بقتال المسلمين، ويجرئونهم على نصب الحرب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ لطمعهم في الغلبة عليهم. قوله: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)) يعني: بما تفعلونه من تهييج الحروب وتأليب الكافرين على المؤمنين. ((قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)) يعني: هم تصوروا إفسادهم في صورة الإصلاح؛ لأن في قلوبهم مرضاً. وإذا مرض قلب الإنسان تنقلب عنده القيم وتنعكس عنده الموازيين، مثل المنافقين رأوا فسادهم إصلاحاً، وزين لهم هذا الإفساد فحسبوه إصلاحاً، ((قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)) كقوله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [فاطر:8] فهذا تزيين، وكما قال تبارك وتعالى: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:104]. قال بعض المفسرين: قوله: ((إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)) يعني: بين المؤمنين وأهل الكتاب، وقوله تعالى عنهم: {إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء:62] أي: نحن مصلحون بين المؤمنين وبين أهل الكتاب، فنحن نداري الفريقين ونريد الإصلاح بينهما.
تفسير قوله تعالى: (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)
تفسير قوله تعالى: (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) يقول تبارك وتعالى: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} [البقرة:12] يعني: لا يشعرون بكونهم مفسدين، وهذه الآيات عند عامة المفسرين في المنافقين؛ وزعم بعض المشايخ المعاصرين وهو أبو الفيض الغماري في كتاب له يتحدث عن إخبار النبي عليه الصلاة والسلام ببعض الأمور الغيبية، أن هذه الآيات ليس المراد بها المنافقين الأوائل، وإنما المراد بها أهل هذا العصر من المنافقين أو العلمانيين الذين يصورون أعمالهم في الأرض بصورة الإصلاح. وذكر من وجوه كثيرة انطباق هذه الصفات كلها عليهم، خاصة أنهم مولعون باستعمال عبارة الإصلاح الديني، وإذا مدحوا واحداً سموه مصلحاً، واليوم يسمونه مفكراً إسلامياً مستنيراً. وقد أفاض في ذلك فلا نطيل بذكر التفاصيل، ويُكتفى بهذه الإشارة، أما مصطلح الإصلاح الديني فتعبير خبيث لا يجوز أبداً أن يطلق، فالذي يحتاج إلى إصلاح هو واقع الناس، أما دين الله فلا يحتاج إلى إصلاح، الإصلاح إنما يكون لما يطرأ عليه فساد، أما الدين فهو وضع إلهي سائغ لذوي العقول السليمة؛ لما فيه صلاح دنياهم وسعادة أخراهم، هذا هو الدين وكله صلاح، فعبارة (الإصلاح الديني) عبارة خبيثة، يراد بها إدخال البدع، وتحريف لمعاني الإسلام بحجة الإصلاح، فترى القوم مولعين بهذه التعبيرات، فلان مصلح ديني، أو مصلح اجتماعي مع أنه من أشد المفسدين في الأرض: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ}.
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس)
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) يقول تبارك وتعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ} [البقرة:13] قوله: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا)) يعني: هذا أمر بالمعروف بعد نهيهم عن المنكر في قوله: ((لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ)) [البقرة:11]. قوله: (كما آمن الناس) يعني: كما آمن الناس الكمّل وهم المؤمنون؛ لأن المؤمنين هم الناس في الحقيقة، فالمقصود بالناس هنا هم المؤمنون. قوله: ((قَالُوا أَنُؤْمِنُ)) هذا استفهام فيه معنى الإنكار، أي: هم يستنكرون على من يأمرهم بذلك، ويقولون: (أنؤمن كما آمن السفهاء) فسموا المؤمنين الكمّل سفهاء! والسفه: هو خفة وسخافة في الرأي يورثهما قصور العقل، وقلة المعرفة بمواضع المصالح والمضار، وقد وصف الله تبارك وتعالى النساء والصبيان (بالسفهاء) بهذا الاعتبار؛ لعدم إحسانهم تقدير عواقب الأمور وميزانها بالميزان الصحيح حيث قال عز وجل: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء:5]. إذاً: هؤلاء المنافقون كانوا في يسار وسعة عيش، وكانوا في رياسة وجاه، وكان أكثر المؤمنين فقراء، منهم الموالي: كـ صهيب وبلال وخباب رضي الله تعالى عنهم أجمعين فدعوهم سفهاء؛ تحقيراً لشأن هؤلاء الصحابة؛ لأنهم ضعفاء، وقد ذكر أبو سفيان لـ هرقل حينما سأله: (أضعفاء الناس اتبعوه أم وجهاؤهم وأشرافهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم اتبعوه، فقال: كذلك أتباع الأنبياء). الشاهد هنا أن قوله: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ)) أي: الصحابة أو المؤمنون. قوله: ((قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ)) يعني: الفقراء الضعفاء كـ صهيب وبلال وخباب وغيرهم، نحن لا نفعل كفعلهم، فقال الله تبارك وتعالى رداً عليهم وذباً عن هؤلاء المؤمنين: ((أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ)) يعني: لا يعلمون ذلك، فكأن السفاهة كلها منحصرة فيهم هم، لا في غيرهم، ولا تخرج عنهم.
تفسير قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا)
تفسير قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) يقول تبارك وتعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة:14]. (لقوا) أصلها لقيوا، فحذفت الضمة للاستثقال، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الواو، ثم ضمت القاف للمناسبة، فأصلها لقي فصارت لقوا. قوله: ((وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا)) يعني: أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة نفاقاً ومصانعة وتَقيَّة، وليشركوهم فيما أصابوه من الخير ومن المغنم. قوله: ((وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ)) يعني: إذا خلوا منهم ورجعوا إلى شياطينهم وجلسائهم: ((قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)) يقال: خلوت بفلان أو خلوت إلى فلان، يعني: انفردت معه، وخلا تكون بمعنى مضى في تفسير آخر، ومنه قولنا: القرون الخالية، يعني: السالفة والماضية. قوله: ((وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ)) يعني: إلى أصحابهم أولي التمرد والعناد، والشيطان يكون من الإنس ويكون من الجن، والدليل قوله تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112]. قوله: ((وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ)) أضيفوا إلى الشياطين لأنهم مشتركون معهم في الكفر. قوله: ((قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ)) أي: اطمئنوا نحن معكم وعلى ما أنتم عليه. قوله: ((إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)) يعني: إنما نحن في إظهارنا الإيمان عند المؤمنين مستهزئون ساخرون بهم. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ((وَإِذَا خَلَوْا)) منهم ورجعوا ((إِلَى شَيَاطِينِهِمْ)) رؤسائهم. ((قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ)) في الدين. ((إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)) بهم بإظهار الإيمان.
تفسير قوله تعالى: (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون)
تفسير قوله تعالى: (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) يقول عز وجل: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة:15]. (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) يعني: الله سبحانه وتعالى يسخر بهم. قوله: {وَيَمُدُّهُمْ} يعني: يزيدهم على وجه الإملاء والاستدراج والترك لهم في عتوهم وتمردهم، كما قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام:110]. والطغيان هو: مجاوزة الحد، والشاهد من القرآن قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحاقة:11] ومنه أيضاً كلمة الطاغوت. قوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ذكر الله سبحانه أنه يستهزئ بهم، لكن لم يبين هنا تفاصيل هذا الاستهزاء، وقد بينه في سورة الحديد في قوله تبارك وتعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد:12 - 13] فهذا هو استهزاء الله تبارك وتعالى بهم جزاء وفاقاً، والجزاء من جنس العمل. قوله: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} العمه بالهاء مثل العمى؛ لكن الفرق أن العمى عام في البصر وفي الرأي، أي: العمى في البصيرة وفي البصر، أما العمه فهو خاص بالرأي، وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه؛ ولذلك يقول: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي: يزيدهم حيرة وتردداً وضلالاً. قوله: (في طغيانهم) فيه إشارة إلى أن هذا الطغيان غمرهم دنسُه وعلاهم رجسُه، حتى غرقوا في هذا الطغيان، فهم يترددون حيارى ضلالاً لا يجدون إلى المخرج منه سبيلاً، حيثما يمموا لا يرون إلا هذا الضلال، وهذا التردد، وهذا الطغيان!
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى)
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) يقول تبارك وتعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة:16]. (أولئك) إشارة للبعد؛ للإيذان ببعد منزلتهم في الشر وسوء حالهم. قوله: ((الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ)) الضلالة هي الجور عن القصد، والمقصود بها هنا العدول عن الصواب في الدين. قوله: (بالهدى) يعني: بالتوجه إلى الضلالة بدل الهدى، والمقصود بالهدى هنا الاستقامة على الدين. قوله: ((اشْتَرَوُا)) يعني: لتمكنهم من الهدى وسهولة وصولهم إلى الهدى لتيسير أسبابه عليه كأنه في أيديهم، بل إنهم يتصرفون فيه كتصرف المالك. قوله: ((فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)) معلوم أن الشراء هو استبدال السلعة بالثمن، وأخذ السلعة بدلاً من الثمن أخذاً منوطاً بالرغبة فيها، والإعراض عن الثمن. يعني: أنت إذا أردت أن تشتري أي جهاز مثلاً، وسعره غالٍ فكيف تتم عملية الشراء؟ تتم بأن تستبدل السلعة بالثمن، وما تفعل ذلك إلا لأنك تريد السلعة، فتضحي بالمال مقابل أن تنال السلعة، فهذا أصل عملية الشراء، فهذا الأخذ وهذا التبديل بين السلعة والثمن هو أخذ منوط بالرغبة في السلعة والإعراض عن الثمن، وتقبل مكانه وبدلاً منه هذه السلعة، فكذلك هؤلاء كأن الهدى كان معهم، وهم متمكنون منه، ثم زهدوا فيه ورغبوا عنه، واستبدلوه بالسلعة التي هي الضلالة، يقول عز وجل: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}. قد يقول قائل: كان يكفي لو أن الله سبحانه وتعالى اقتصر على قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} [البقرة:16]؛ لأنها تشير إلى نفس هذا المعنى؛ لكن بلا شك أن مثل هذا التعبير والتتميم يزيد المعنى وضوحاً، فهذه من مسالك البلغاء والفصحاء، كما في قول الخنساء، تصف أخاها صخراً فتقول: وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نارُ تعني: هو إمام للهداة والأدلة كأنه علم يعني: جبل عال مرتفع شامخ، ولم تقتصر على هذا حتى أضافت قولها: في رأسه نار، فلم تكتف بوصفه بأنه جبل مرتفع حتى أضافت إلى ذلك اشتعال النار في رأسه من شدة الوضوح. فقوله تبارك وتعالى: ((فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)) هذه إشارة إلى أنهم لا يفقهون في التجارة وما يستجلب الربح؛ فهم قد خسروا أعظم خسارة؛ لأنهم خسروا رأس المال، وهو هذه الهداية وهذا الهدى؛ فلذلك قال تبارك وتعالى: ((فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)). وقال بعض المفسرين: ليس المقصود بقوله: ((وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)) الهداية الدينية فقط، فلما وصفوا بالخسارة في هذه التجارة أشير إلى عدم اهتدائهم إلى طرق التجارة الصحيحة؛ لأنهم ليسوا خبراء بالتجارة، وهي: تحصيل أقصى قدر من الربح فضلاً عن ثبات رأس المال، فشأن التجار البصراء بالأمور الحرص على أعظم ربح ممكن، أما إذا أتى رجل يدعي أنه تاجر ثم إذا به يضيع الربح من أصله ثم يفقد أيضاً رأس المال فبلا شك أن هذا دليل على أنه غير عالم بأساليب التجارة الرابحة، وليس مثل التجار البصراء الذين عندهم بصيرة وعلم وخبرة بهذا العلم.
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (الله يستهزئ بهم) والآية التي بعدها
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (الله يستهزئ بهم) والآية التي بعدها يقول الإمام السيوطي رحمه الله تبارك وتعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) أي: يجازيهم باستهزائهم. (وَيَمُدُّهُمْ) أي: يمهلهم. (فِي طُغْيَانِهِمْ) بتجاوزهم الحد في الكفر. (يَعْمَهُونَ) يترددون تحيراً، والجملة في محل نصب حال. وقوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) أي: استبدلوها به. (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) أي: ما ربحوا فيها؛ بل خسروا لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم. (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) أي: فيما فعلوا.
تفسير قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا)
تفسير قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً) قال عز وجل: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ} [البقرة:17] ثم ضرب الله تبارك وتعالى هذين المثالين لأحوال هؤلاء المنافقين فقال تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ} [البقرة:17]. قوله: (مثلهم) أي: صفتهم في نفاقهم. ((كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا)) أي: مثل من أوقد ناراً، وقدر الإمام السيوطي هنا: ناراً في ظلمة، ولا بد أن يكون المعنى كذلك حتى يتم هذا المثل، وهذا من دقة تفسيره، وهو مأخوذ من سياق الآيات: ((وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)). قوله: ((نَارًا)) التنكير للتعظيم، يعني: أنه أوقد ناراً عظيمة في وسط هذه الظلمة. قوله: ((فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ)) أي: فلما أضاءت هذه النار ما حوله فأبصر واستدفأ وأمن مما يخافه. وهذه من فوائد النار: أنها تعطي الدفء في البرد، وتعطي الإضاءة والهداية والرؤية، وأيضاً الأمن مما يخاف. قوله: ((ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)) يعني: أطفأه، وجمع الضمير مراعاةً لمعنى: (الذي)؛ لأن معنى (الذي) الجمع. يعني: أطفأ نارهم التي هي مدار نورهم فبقوا في ظلمة وخوف. قوله: ((وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)) أي: حتى لا يبصروا ما حولهم فيبقوا متحيرين على الطريق خائفين. وتأمل قوله تبارك وتعالى: ((ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)) فقد كان يمكن أن يقول: (ذهب نورهم) لكن قال: ((ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)) فهذا فيه إشارة إلى فقدانهم معية الله سبحانه وتعالى الخاصة للمؤمنين، ولم يعد لهم حظ من قوله تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه:46]، ولا من قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:128]، وقوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:19]، فهذه إشارة إلى فقدانهم هذه المعية الخاصة التي إنما تكون للمؤمنين. وأيضاً قال: ((ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)) ولم يقل: بنارهم؛ لأن النار لها فائدتان: الإشراق، والإحراق، فالإشراق هو النور، والإحراق هو النار، فبين هنا أن الله سبحانه وتعالى أذهب عنهم الإشراق الذي هو النور، وأبقى لهم الإحراق وهو العذاب بالنار! وقوله: ((فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)) لم يقل: ذهب الله بضوئهم؛ لأنه لو قال: ذهب الله بضوئهم، فيحتمل أن يبقى معهم أصل النور، لكن نفى عنهم أصل النور، ومنع عنهم مادة النور بقوله تبارك وتعالى: ((ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)) أي: أطفأه. قوله: ((وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)) هنا جمع كلمة (ظلمات)، وهذا شأن الله سبحانه وتعالى في التعبير عن الحق والباطل، فالباطل لا يكاد ينحصر، وطرق الضلال كثيرة جداً، والأديان الباطلة والمذاهب الضالة لا تنحصر؛ ولذلك دائماً يعبر عنها القرآن بصيغة الجمع، تجدون في القرآن: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة:257]، وقال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام:1] دائماً تجد في القرآن الظلمات مجموعة والنور مفرداً؛ لأن الطريق إلى الله سبحانه وتعالى واحد لا يتعدد، وإنما الذي يتعدد هو الباطل. ولا يشكل على هذا قوله تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ} [المائدة:16] حيث جاءت سبل السلام بصيغة الجمع؛ لأن سبل السلام هي أنواع الخيرات وأنواع الطاعات المتعددة، وكلها تصب في طريق واحد، وهو هذا النور، وهو هذا السبيل الذي هو سبيل الله؛ ولذلك لما خط النبي صلى الله عليه وسلم خطاً في الأرض قال: (هذا سبيل الله، ثم رسم على جنبتيه خطوطاً متفرقة، وقال: هذه سبل على رأس كل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام:153]). قوله: ((وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)) يعني: لا يبصرون ما حولهم فهم متحيرون عن الطريق خائفون؛ فكذلك ارتباط المثل بصفة المنافقين الذين آمنوا بإظهار كلمة الإيمان، فاستمتعوا بها واستفادوا منها بحفظ أموالهم ودمائهم، وجريان أحكام الإسلام عليهم، فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب، وأذهب الله عنهم هذا النور عند الموت؛ بحيث يجازون على ما كانوا يُكنُّون في صدورهم لا على ما كانوا يظهرون بين الناس. والمنافق ينتفع في الدنيا بهذا النور الذي هو كلمة لا إله إلا الله، وبإظهارهم الإيمان والتوحيد ومحبة المؤمنين، ((فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ)) انتهت فترة استفادته من هذا الإظهار بالموت، انطفأ نوره، ولم يعد ينتفع بهذا النور، فهذا حاله بعد الموت! فالحاصل أنهم انتفعوا بكلمة: لا إله إلا الله مدة حياتهم القليلة، ثم قطع الله هذا الانتفاع عنهم بالموت، فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب.
تفسير قوله تعالى: (صم بكم عمي فهم لا يرجعون)
تفسير قوله تعالى: (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) يقول تبارك وتعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [البقرة:18]. (صم) يعني: هم صم عن الحق، فلا يسمعونه سماع قبول. قوله: (بكم) أي: خرس عن الخير فلا يقولونه. قوله: (عمي) أي: عن طريق الهدى فلا يرونه. قوله: ((فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ)) يعني: عن الضلالة. فهذه إشارة إلى أن هؤلاء المنافقين قد سُدت عليهم سُبُل الهداية كلها، وهي: سمع، وبصر، وعقل، فهم صم عن الحق فلا يسمعونه سماع قبول، وإذا سمعوه فكما تسمع الأنعام كما قال الله عنهم: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [البقرة:171]، قوله: ((كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ)) يعني: يرفع صوته وينادي البهائم أو العجماوات. قوله: (بما لا يسمع) أي: لا يسمع الدعاء والنداء، كالحيوان من البقر والقرود وغيرها من العجماوات، إذا ناديت سمع صوتك، لكن لا يفهم الكلام، فهذا الكافر لو تلوت عليه المعلقات السبع يفهمها ويعرف معانيها، لكن لا يفهمون ما ينفعهم! وهذا الكلام حقيقي يجب استحضاره حين نتكلم وليس مجازاً، فهؤلاء على قلوبهم أقفالٌ كما قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24] فالقلب له قفل والعياذ بالله، وضع الله سبحانه وتعالى على قلوب المنافقين أقفالاً، فلا يخرج الكفر والنفاق منها ولا يدخل الإيمان فيها، لا يسمح بالخروج ولا بالدخول، فداخلها -والعياذ بالله- هذا النفاق.
تفسير قوله تعالى: (أو كصيب من السماء فيه ظلمات)
تفسير قوله تعالى: (أو كصيب من السماء فيه ظلمات) قال عز وجل: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة:19]. قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ) يعني: مثلهم كأصحاب صيِّب، والصيِّب هو المطر، أصله صيوب، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغمتا، من صاب يصوب يعني: ينزل. قوله: ((مِنَ السَّمَاءِ)) أي: كصيب من السماء، والمقصود بالسماء هنا السحاب، والدليل على ذلك قوله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ} [الواقعة:69] يعني: من السحاب. قوله: ((فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ)) هذا التنكير للتفخيم والتهويل، كأنه قيل: في هذا السحاب ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف. قوله: (ورعد) قيل: هو الملك الموكل به، وقيل: صوته. قوله: (وبرق) يعني: لمعان بريقه الذي يلمع به، لكن الأولى أن يوصف الرعد بأنه قاصف، والبرق بأنه خاطف. قوله: ((يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ)) يعني: أصحاب الصيب يضعون أصابعهم في آذانهم، والمقصود بأصابعهم الأنامل، فهذا من إطلاق الكل، مع إرادة الجزء. قوله: ((يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ)) يعني: من أجل الصواعق. قوله: ((حَذَرَ الْمَوْتِ)) يعني: خوف الموت من سماعها، وكذلك هؤلاء المنافقون إذا نزل القرآن وفيه ذكر الكفر المشبَّه هنا بالظلمات، والوعيد عليه المشبَّه بالرعد، والحجج البينة المشبَّهة بالبرق، يسدون آذانهم؛ لئلا يسمعوه، فيميلوا إلى الإيمان وترك دينهم، وهو عندهم موت! وهذا المثل منطبق على أحوال هؤلاء المنافقين. إذاً: المقصود بقوله تبارك وتعالى: (فيه ظلمات) يعني: أن الوحي الذي ينزل من عند الله سبحانه وتعالى وهو القرآن يحتوي على وصف الكفر بالظلمات، ويحتوي على الوعيد على الكفر، وهو الذي شبهه بالرعد بقوله: (وَرَعْدٌ) والآيات التي تنزل عليهم كالرعد، وتنذرهم عاقبة هذا الكفر. قوله: (وبرق) أيضاً في هذا الوحي برق ونور ساطع وحجج بينة، فهم يسدون آذانهم؛ لئلا يسمعوا هذه الحجج فيميلوا إلى الإيمان، ويتركوا دينهم؛ لأنهم يخافون إذا سمعوا هذا الوحي الذي فيه تنفيرٌ عن الكفر وترغيب في الإيمان أن تميل قلوبهم؛ ولذلك يضعون أصابعهم في آذانهم من هذه الصواعق؛ حذر الموت الذي هو التحول مما هم عليه إلى الإسلام، كأن هذا التحول عندهم موت، فبالتالي يسدون منافذ الهدى؛ كي لا يصل الوحي إلى أسماعهم. قوله: ((وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ)) يعني: محيط بهم علماً وقدرة، فلا يفوتونه ولا يعجزونه، وهنا أظهر الله سبحانه وتعالى ما كان يمكن أن يضمر؛ لأن السياق يقتضي أن يقول: يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بهم، فإظهار كلمة الكافرين في قوله: (والله محيط بالكافرين) لبيان أن ما دهمهم من البلاء وحل بهم كان بسبب كفرهم، كقوله تعالى: {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} [آل عمران:117] فأظهر هذا الوصف، وهو أنهم قوم ظلموا أنفسهم؛ لأن الإهلاك الناشئ عن السخط والغضب لا عن قضاء وقدر فإنه يكون أشد على هؤلاء الكافرين؛ فلذلك أظهر وصفهم بالكافرين.
تفسير قوله تعالى: (يكاد البرق يخطف أبصارهم)
تفسير قوله تعالى: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) يقول تبارك وتعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:20]. قوله: ((يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ)) يعني: يأخذها بسرعة، وضوء البرق أضعاف ضوء الشمس؛ لأن ضوء البرق القاذف الذي نراه قوي جداً، ولو استدام قليلاً لربما أثر على بصر الإنسان. قوله: ((كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ)) يعني: مشوا في ضوء هذا البرق. قوله: ((وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا)) يعني: وقفوا أو جمدوا مكانهم بلا حراك، كما تقول: قام الماء إذا جمد وسكن، كذلك تقول: قامت السوق، يعني: كسدت وركدت. إذاً: الله تبارك وتعالى يبين أن ما في القرآن من الأمثلة يزعج قلوب هؤلاء المنافقين، فهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين، وبيان ما هم فيه من التحير والجهل بما يأتون وبما يذرون، إذا أضاء لهم البرق مشوا مع خوفهم من أن يخطف هذا البرق أبصارهم؛ لكنهم أيضاً يريدون أن يستفيدوا من هذه الإضاءة التي تحصل من البرق. إذاً: إذا ظهر البرق فهم بين أمرين: الأول: يخافون منه أن يخطف أبصارهم لشدة قوته. الثاني: يريدون أن ينتفعوا بهذا الضوء؛ لأنهم واقفون في ظلمات. قوله: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ)) أي: لو شاء الله في قصف الرعد أصمهم، أو في ضوء البرق أعماهم. يقول السيوطي: قوله تعالى: (وإذا أظلم عليهم قاموا) وقفوا، تمثيل لإزعاج ما في القرآن من الحجج قلوبهم، وتصديقهم لما سمعوا فيه مما يحبون، ووقوفهم عما يكرهون. يعني: هذا هو حال المنافقين إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من الحجج والبراهين فهذه الحجج تزعج قلوبهم، وهي المشار إليها في آيات القرآن بالبرق، فهذا البرق يزعج قلوبهم فهم إذا سمعوا فيه الوعيد والتهديد على عاقبة الكفر والكفرة والمنافقين خافوا، وإذا سمعوا فيه أشياء يحبونها فإنهم يصدقون بها ويأنسون بها ويريدون أن يستفيدوا منها، أما إذا أتاهم ما يكرهون فإنهم يقفون عما يكرهون، بمعنى: أنهم يعبدون الله على حرف، كحال من وصفهم الله تبارك وتعالى بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج:11] يريد أن يعبد الله على جانب واحد فقط وهو جانب الخير. {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} [الحج:11]، قال: هذا دين حسن، أصبنا فيه خيراً من كثرة الأموال والصحة ونتاج الخيل والإبل إلى غير ذلك من متاع الدنيا. ((وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ)) أي: اختبار وابتلاء. ((انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ)) أي: انقلب على عقبه. {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج:11]. فإذا ابتلي في صحته بمرض أو في ماله بفقر أو بأي مصيبة في الدنيا تراه ينقلب على عقبيه ويقول: هذا دين سوء ما رأينا فيه خيراً، ويتطير ويتشاءم من هذا الدين والعياذ بالله، فهذا حال هؤلاء المنافقين. قوله: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ)) يعني: ولو شاء الله لذهب بأسماعهم وأبصارهم الظاهرة كما ذهب بالباطنة، فكما طمس بصائرهم وختم على قلوبهم وأعمى قلوبهم عن رؤية الحق، كذلك أيضاً يمكن أن يفسد عليهم حواسهم الظاهرة، كما أفسد عليهم حواسهم الباطنة. قوله: ((إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) يعني: إن الله على كل شيء شاءه سبحانه وتعالى قدير، ومنه إذهاب ما ذكر من هذه الحواس.
البقرة [21 - 34]
تفسير سورة البقرة [21 - 34]
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا الله ربكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا الله ربكم) هنا التفات في أسلوب الخطاب حيث إن الله سبحانه وتعالى التفت مباشرة في خطابه إلى الناس أجمعين آمراً إياهم بأول صيغة أمر تأتي في القرآن، وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:21]. قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} يعني: كل المكلفين سواء منهم المؤمنون أو الكافرون، فكلهم مخاطبون. قوله: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} أي: وحدوا ربكم، كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] يعني: يعبدونني وحدي؛ فكذلك هنا: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} يعني: اعبدوا ربكم وحده ولا تشركوا به شيئاً. قوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ} يعني: أنشأكم ولم تكونوا شيئاً، والذي أنعم عليكم بنعمة الوجود بعد العدم. قوله: {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يعني: وخلق الذين من قبلكم. قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} يعني: لعلكم تتقون بعبادته عقابه وعذابه، و (لعل) أصلها في اللغة للترجي، لكنها في كلام الله سبحانه وتعالى لتحقيق الوقوع.
تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض فراشا)
تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض فراشاً) قال تبارك وتعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا} [البقرة:22]. قوله: {جَعَلَ} يعني: خلق. قوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا} يعني: بساطاً يفترش، لا هي غاية في الصلابة ولا هي في غاية الليونة، حتى لا تستطيعون أن تستقروا عليها، وإنما جعلت لكم فراشاً أي: بساطاً. قوله: {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} السماء هنا اسم جنس، أي: خلق السماوات سقفاً كالبناء يشد بعضه بعضاً، وهذه حقيقة ظهرت لمن يدرسون الفلك، فهم يعلمون هذا التناسق وهذا التماسك العجيب في تكوين هذه الأجرام السماوية، وثباتها ودورانها المحكم وغير ذلك مما يذهل العقول إذا تدبره الإنسان، فالسماوات بناء محكم يشد بعضه بعضاً، ودائماً يعبرون عن ذلك بالجاذبية، وإنما هي سنة الله سبحانه وتعالى وقوة الله وقدرة الله، وإلا فمن وراء كل هذه الخواص؟ إن المسبب الحقيقي لهذا التماسك والاتزان هو الله سبحانه وتعالى. قوله: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} أي: أخرج من أنواع الثمرات رزقاً تأكلونه وتعلفون به دوابكم. قوله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا} يعني: شركاء في العبادة. قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:22] يعني: تعلمون أن الله هو المنفرد بخلقكم ورزقكم، وتعلمون أن هذه الأنداد لا تملك لكم رزقاً ولا خلقاً ولا ضراً ولا نفعاً. فإذا كان هذا هو الحال، فإن الله سبحانه وتعالى لا يصلح أن يجعل له نداً واحداً فكيف بالأنداد الكثيرة؟! فإذا كان الأمر كذلك، وكان من يخلق ليس كمن لا يخلق، فلا يستقيم أن تجعل له شريكاً واحداً، فكيف بأنداد متعددة ومتكاثرة؟! فلا يكون إلهاً إلا من يخلق وهو الله سبحانه وتعالى. وهنا إشارة إلى حقيقة إيمانية مهمة جداً، واستدلال بثلاثة أدلة على قضية من قضايا الإيمان، وهي قضية البعث والنشور، وهذا هو الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد هان عليه وسهل عليه أن ينشئنا أول مرة فإن إعادتنا بالبعث والنشور يكون أسهل مرة ثانية. الدليل الثاني: الإشارة إلى عظيم خلق السماء والأرض: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة:22]، والله تبارك وتعالى يقول في شأن السماوات والأرض: {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر:57] يعني: هي أعظم آية لمن علم، فمن خلق هذا كله فهو بالأولى قادر على إعادته، وهو أهون عليه وأسهل عليه. الدليل الثالث على البعث والنشور: دليل حي وحسي نلمسه جميعاً وهو إحياء الأرض بعد موتها، فالذي يحيي الأرض بعد موتها -وهو سبحانه وتعالى- هو الذي يحيي الموتى، فهذا مظهر من مظاهر عموم قدرته على كل شيء سبحانه وتعالى؛ فلذلك يقول تبارك وتعالى هنا: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} [البقرة:22]، فهذه إشارة إلى إحياء الأرض بعد موتها، فالذي يحيي الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم، {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:22].
تفسير قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا)
تفسير قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) قال تبارك وتعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:23]. قوله: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ} أي: في شك، و (إن) كلمة تفيد الريب. قوله: {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} أي: عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم. قوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} هذا تعجيز وتحدِّ. وقوله عز وجل: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة:23] هذا التعبير للإيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم مع مكابرتهم وصدودهم هو الارتياب في شأنه؛ لكمال وضوحه وإعجازه كما قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:2]، ولا شك أنه من عند الله، فهنا يقول: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ} [البقرة:23] وهذه إشارة إلى أنكم لا تجرءون على تكذيبه؛ ولكن أقصى ما تصلون إليه هو الشك فقط. قوله: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة:23] هذا السياق إذا تأمله المؤمن يشعر أن القرآن له سلطة عليا وقاهرة هي التي تخاطب البشر، وتخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذه الروح التي تشعر بهذه القوى وبهذه العظمة مبثوثة في كل أجزاء القرآن، بحيث يستحيل أن يكون هذا الكلام هو كلام محمد عليه الصلاة والسلام، فتأمل نون العظمة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم: {نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة:23] {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة:44 - 47] فاستشعر بهذه القوى العظمى المسيطرة التي هي حاكمة حتى على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومهيمنة على قلوب المخاطبين بهذا الكتاب المجيد، وكقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، فتأملوا هذا وأنتم تقرءون القرآن، وستشعرون بأن هذه القوة هي كلام الله سبحانه وتعالى. قوله: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة:23] يعني: محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكره هنا فيه إشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم بعنوان العبودية التي هي أشرف المقامات؛ إيماء إلى أن شرفه إنما هو بتحقيقه العبودية لله تبارك وتعالى، ولهذا الأمر قرائن في القرآن في كون وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعبودية لله هي أشرف المقامات، ومن الشواهد ما جاء في الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء:1]، وهذا في مقام الإسراء. وفي مقام الدعوة قوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن:19] يعني: كاد الجن يزدحمون عليه طبقات فوق طبقات، وهذا في مقام الدعوة. وقوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم:10] في رحلة المعراج. وقوله تعالى: {نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1] في مقام الوحي؛ لأن هذه الآية عن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام. وقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} [الزخرف:59] هي في عيسى عليه الصلاة والسلام، فالأنبياء يوصفون بالعبودية لله تبارك وتعالى؛ لكننا هنا نذكر ما يخص النبي عليه الصلاة والسلام، فالوصف بالعبودية يدل على التشريف العظيم. قوله: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة:23] أضافه الله سبحانه وتعالى إليه تفخيماً له وتشريفاً لمقامه صلى الله عليه وسلم، والمقصود بقوله: {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} أي: من القرآن. يعني: إن كنتم في ريب أن هذا القرآن الذي نزلناه على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو من عند الله فأتوا بسورة من مثله، وهذا أسلوب تحدٍّ وتعجيز، مثل قوله تبارك وتعالى: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة:258]، ماذا يقول؟! وكيف يجيب؟! وكذلك هنا هو من نفس الباب: تعجيز وتحدٍّ. {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} يعني: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم -وهو رجل أميّ لا يقرأ ولا يكتب- أتى بهذا القرآن الكريم مع ما فيه من الإعجاز والفصاحة التي لم يسبق لها نظير على الإطلاق، وأنتم رءوس البلاغة ورءوس الفصاحة، والعرب مشهورون بذلك خليقة وطبيعة وفطرة؛ فنحن لا نكلفكم مع هذا بأن تأتوا بمثل القرآن كله، ولكن ائتوا بسورة من مثله، وهو رجل أمي أتى بأضعاف هذه السورة التي ستحاولون أن تفعلوها: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة:23] أي: من مثل هذا القرآن المنزل (ومن) للبيان، يعني: ائتوا بسورة هي مثل القرآن في البلاغة وحسن النظم والإخبار عن الغيب، فـ (من) هنا مثل قوله تبارك وتعالى حكاية عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:29]، فهل {مِنْهُمْ} تبعيضية؟ لا، بل هي بيانية؛ وكذلك هنا: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} {مِنْ}: للبيان، يعني: سورة تكون مثله في البلاغة وحسن النظم والإخبار عن الغيب. والسورة قطعة لها أول وآخر، وأقلها ثلاث آيات. وليس هذا فحسب؛ لكن: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:23]، استحضروا واستدعوا من شئتم من الجن والإنس ورؤسائكم وأشرافكم وعلمائكم وبلغائكم، وادعوا حتى آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، لتعينكم إن كنتم صادقين في أن محمداً قاله من عند نفسه، فافعلوا ذلك؛ فإنكم عربٌ فصحاء مثله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
تفسير قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا)
تفسير قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) أكبر وأقوى وأعظم معجزات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي التحدي بالقرآن، وألفت مئات الكتب في بيان إعجاز القرآن الكريم، وقد عجز المشركون عن أن يأتوا بسورة مثله، قال الله تبارك وتعالى لهم: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة:24] وهذا تحدٍّ، وبالفعل لم يجرؤ أحد منهم أن يواجه هذا التحدي، وكل من حاول أن يحاكي بلاغة القرآن، أتى بأشياء يضحك عليه كل من سمعه من العقلاء، فهذا مسيلمة يقول: الفيل، وما أدراك ما الفيل؟ ذو خرطوم طويل، وذنب قصير! وغير ذلك من الكلام البارد الذي إذا سمعه إنسان استخف عقل قائله وسفهه. قوله: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} [البقرة:24] يعني: إن لم تفعلوا ما ذكر من قبل بسبب عجزكم. قوله: {وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة:24] يعني: ولن تفعلوا ذلك أبداً؛ لظهور إعجازه، وهذه الجملة {وَلَنْ تَفْعَلُوا} جملة اعتراضية. وقوله: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} تعتبر أعظم دلالة على صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنهم لم يفعلوا كما أخبر الله تبارك وتعالى هذا أبداً، ولم يستطيعوا ولم يجرؤ واحد منهم مع أن التحدي قائم، وهم حريصون على الطعن في الدين بكل مستطاع؛ فلذلك لم يفعلوا، فهذا أقوى وأظهر وأوضح وأجلى دليل على صدق نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة:24] يعني: بالإيمان بالله وبأن القرآن ليس من كلام البشر، اتقوا النار التي وقودها الناس، والمقصود بالناس هنا هم الكفار، والحجارة هي أصنامهم المصنوعة من الحجارة، يعني: أنها من شدة الحرارة توقد بما ذكر لا كنار الدنيا توقد بالحطب ونحوه، فالناس أنفسهم هم الذين يكونون وقوداً للنار والعياذ بالله، وكذلك الحجارة تكون وقودها. قوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:24] أي: هيِّئت للكافرين يعذبون بها.
تفسير قوله تعالى: (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
تفسير قوله تعالى: (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات) بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى هذا الترهيب للكفر والكافرين ثنى بتبشير المؤمنين، والقرآن قد سُمي من هذه الحيثية مثاني؛ لأنه يثني دائماً الترغيب بالترهيب فقال سبحانه وتعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة:25] يعني: أخبرهم الخبر السار الذي يسعد ويسر، والذين آمنوا هم الذين صدقوا بالله تبارك وتعالى. قوله: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة:25] يعني: من الفروض والنوافل. قوله: {أَنَّ لَهُمْ} [البقرة:25] يعني: بشرهم بأن لهم. قوله: {جَنَّاتٍ} [البقرة:25] أي: حدائق ذات شجر ومساكن. قوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} أي: تجري من تحت الجنات أو من تحت الأشجار والقصور الأنهار، والذي يجري هو ماء الأنهار. قوله: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا} [البقرة:25] أي: كلما أطعموا من تلك الجنات. قوله: {مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة:25] يعني: هذا مثل الذي رزقنا قبله في الجنة؛ لتشابه ثمارها، بقرينة قوله تعالى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}. قوله: {وَأُتُوا بِهِ} [البقرة:25] أي: جيئوا بالرزق. قوله: {مُتَشَابِهاً} [البقرة:25] أي: يشبه بعضه بعضاً في اللون ويختلف في الطعم. قوله: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ} [البقرة:25] يعني: من الحور وغيرها، {مُطَهَّرَةٌ} [البقرة:25] يعني: من الحيض ومن كل قذر، {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:25] أي: ماكثون أبداً لا يخرجون.
تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة)
تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة) لما ضرب الله سبحانه وتعالى المثل بالذباب في قوله: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا} [الحج:73]، وفي قوله: {كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ} [العنكبوت:41] فكأن اليهود استغربوا وقالوا: كيف تزعمون أن القرآن كلام ربكم وكلام إلهكم ثم يذكر هذه الأشياء الحقيرة، مثل: الذباب والعنكبوت؟! فأنزل الله سبحانه وتعالى رداً عليهم هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26] و (مثلاً) المفعول الأول و (ما) المفعول الثاني؛ لأن (ما) هذه اسمية إبهامية، وإذا دخلت كلمة (ما) الاسمية الإبهامية على اسم نكرة أبهمته إبهاماً تاماً وزادته شيوعاً وعموماً، كقولك: أعطني كتاباً ما. أي: أعطني أي كتاب كان، فمعنى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا} [البقرة:26] يعني أن يجعل أي مثل كان، أو تكون (ما) زائدة لتأكيد حقارتها. قوله: {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} البعوض هو صغار البق قوله: {فَمَا فَوْقَهَا} يعني: ابتداء من البعوضة فما هو أكبر منها، أي: لا يترك الله سبحانه وتعالى بيانه لما في هذا المثل الذي يضربه الله من الحكم أو معنى: {فَمَا فَوْقَهَا} يعني: ما دونها، فيكون المقصود ما يكون أقل منها في الصغر، فهذا من الأضداد. إذاً: يريد الله سبحانه وتعالى أن يبين لهم أنه كما لا يستنكف الله عن خلقها كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها، وقد ضرب المثل في القرآن الكريم بالذباب فقال سبحانه: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73]، وضرب المثل بالعنكبوت فقال سبحانه: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:41] فالتمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى، بغض النظر عن الشيء الذي ضرب به المثل هل هو حقير أم عظيم، فالمقصود كشف هذه المعاني وتجليتها؛ فلذلك لا يستحيي الله أن يضرب مثلاً بهذه الأشياء. قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ} [البقرة:26] الهاء تعود على المثل. قوله: {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} أي: المثل الثابت الواقع موقعه {مِنْ رَبِّهِمْ}. قوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة:26] إعراب (مثلاً) هنا: تمييز، يعني: ماذا أراد الله بهذا المثل؟ و (ما) اسم استفهام وإنكار، يعني: أي فائدة في هذا المثل؟ فرد الله سبحانه وتعالى عليهم استنكارهم بقوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة:26] يعني: هذا المثل يضل الله به كثيراً عن الحق؛ لكفرهم به، ويهدي به كثيراً من المؤمنين؛ لتصديقهم به. قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة:26] أي: الخارجين عن طاعته.
تفسير قوله تعالى: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه)
تفسير قوله تعالى: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) قال تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} [البقرة:27] هذا وصف الفاسقين، والفسوق هو الخروج، تقول: فسقت الرطبة يعني: خرجت. يعني: ينقضون ما عهده إليهم في الكتب من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. قوله: {مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة:27]، يعني: من بعد توكيده عليهم. قوله: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [البقرة:27] يعني: من الإيمان بالأنبياء جميعاً دون تمييز ودون تفريق بينهم. ويوجد خلاف في معنى: (ما الله به أن يوصل) فقال بعض العلماء: أمروا أن يصلوا العلم بالعمل، وقال آخرون: أراد الله أن يوصل الرحم، أو أراد الله أن يوصل الإيمان بجميع الأنبياء، تؤمن بموسى فإذا بعث عيسى تؤمن بعيسى فإذا بعث محمد عليه الصلاة والسلام تؤمن بمحمد، ولا تفرق بين الأنبياء. إذاً: قوله: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [البقرة:27] من الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وصلة الرحم وغير ذلك. قوله: {وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ} [البقرة:27] بالمعاصي والتعويق عن الإيمان. قوله: {أُوْلَئِكَ} أي: الموصوفون بما ذكر {هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة:27] يعني: أن مصيرهم إلى النار المؤبدة إن لم يؤمنوا.
تفسير قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا)
تفسير قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً) قال الله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:28] أي: كيف تكفرون -يا أهل مكة بالله- وقد كنتم نطفاً في الأصلاب فأحياكم في الأرحام وفي الدنيا بنفخ الروح فيكم؟! والاستفهام للتعجب من كفرهم مع قيام البرهان أو الاستفهام للتوبيخ. قوله: {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة:28] أي: عند انتهاء آجالكم. قوله {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بالبعث والنشور. قوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:28] أي: تُردون بعد البعث، فيجازيكم بأعمالكم.
تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض) قال تبارك وتعالى تأكيداً على البعث الذي أنكروه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة:29]. يعني: خلق الأرض وما فيها لتنتفعوا به وتعتبروا. قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} يعني: بعد خلق الأرض قصد إلى السماء. قوله: {فَسَوَّاهُنَّ} الضمير يرجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه. قوله: {فَسَوَّاهُنَّ} يعني: صيرها، وفي آية أخرى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فصلت:12]. قوله: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة:29] يعني: يعلم على سبيل الإجمال وعلى سبيل التفصيل كل دقائق الأمور، أفلا تعتبرون أن القادر على خلق ذلك ابتداء -وهو أعظم منكم- قادر على إعادتكم؟ فخلق السماوات والأرض أعظم من خلق الناس، فمن خلق ذلك أفلا يقوى على إعادتكم أنتم؟!
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) قال عز وجل: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} [البقرة:30] يعني: واذكر يا محمد: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] يعني: يخلفني في تنفيذ الأحكام فيها، وهو آدم عليه السلام. قوله: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة:30] يعني: بالمعاصي. قوله: {وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة:30] يعني: يريقها بالقتل. كما فعل بنو الجان حين كانوا فيها، فلما أفسدوا أرسل الله عليهم الملائكة فطردوهم إلى الجزائر والجبال. وبعض العلماء يقول: فهمت الملائكة من كلمة (خليفة) أن الخليفة سيحكم بين الناس في أقضياتهم ونزاعهم، وفهموا أنه سيحصل فساد من هؤلاء المخلوقين، يحتاج إلى وجود خليفة يحكم بينهم في الدماء والأموال وغير ذلك، فمن ثم قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة:30]. قوله: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} يعني: نسبح متلبسين بحمدك؛ لأن التسبيح تنزيه لله عن النقائص التي لا تليق به، والتحميد إثبات الكمال له، فلذلك دائماً يقترن التسبيح بالتحميد، فنقول: سبحان الله وبحمده. قوله: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} أي: ننزهك عما لا يليق بك، ومعنى ذلك: أننا نحن أحق بالاستخلاف. قوله: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:30] أي: يقول تعالى: أنا أعلم ما المصلحة في استخلاف آدم عليه السلام، وأن ذريته فيهم المطيع والعاصي فيظهر العدل بينهم، فقالت الملائكة: لن يخلق ربنا خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلم منا لسبقنا له. يعني: لأننا سبقنا قبل هذا الخليفة في الخلق فنحن أفضل منه، ونحن نرى ما لم يره هذا الخليفة، فخلق الله آدم من أديم الأرض -أي: وجهها، بأن قبض منها قبضة من جميع ألوانها، وعجنت بالمياه المختلفة، وسواه ونفخ فيه الروح فصار حيواناً حساساً بعد أن كان جماداً.
تفسير قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها)
تفسير قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة:31] يعني: أسماء المسميات كلها، حتى القصعة والقصيعة، والفسوة والفسية، والمغرفة، وغير ذلك، بأن ألقى في قلبه علم هذه الأسماء. قوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} يعني: عرض المسميات، وفيه تغليب العقلاء وإن كانت المسميات تشمل العاقل وغير العاقل. قوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ} [البقرة:31]، فقال لهم تبكيتاً، وإلزاماً بالحجة لإظهار مكانة آدم: {أَنْبِئُونِي} [البقرة:31] يعني: أخبروني: {بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء} [البقرة:31] يعني: المسميات. {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:31] في أني لا أخلق أعلم منكم، أو أنكم أحق بالخلافة.
تفسير قوله تعالى: (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا)
تفسير قوله تعالى: (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا) قال تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ} [البقرة:32]، تنزيهاً لك عن الاعتراض عليك. قوله: {لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة:32] يعني: إياه. قوله: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة:32] أي: الذي لا يخرج شيء عن علمه وحكمته.
تفسير قوله تعالى: (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم)
تفسير قوله تعالى: (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم) قال تعالى: {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة:33] أي: أنبئ الملائكة بأسماء المسميات، فسمى آدم كل شيء باسمه، وذكر حكمته التي خلق لها. وقوله: {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ} يعني: قال تبارك وتعالى للملائكة موبخاً ومنبهاً: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة:33] {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ} يعني: ما غاب في السماوات والأرض. {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} يعني: ما تظهرون من قولكم: (أتجعل فيها) إلى آخره {وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} يعني: ما تسرون من قولكم: لن يخلق الله أكرم عليه منا ولا أعلم.
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة:34]. قوله: {وَإِذْ} يعني: واذكر إذ {قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} أي: سجود تحية بالانحناء. وقوله: {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} وهو أبو الشياطين، وهو من الجن أو أبو الجن، لكنه كان يعبد الله سبحانه وتعالى مع الملائكة، فشمله الأمر الذي شمل جميع الملائكة؛ لأن هذا الأمر شمل جميع الملائكة، حتى جبريل وإسرافيل لقوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر:30] وهذا تأكيد للعموم، فدل على أن جميع الملائكة وجه إليهم هذا الأمر، وإبليس كان يعبد الله سبحانه وتعالى معهم فمن ثمّ شمله هذا التكليف. وقوله: (أَبَى) أي: امتنع من السجود (وَاسْتَكْبَرَ) أي: تكبر عنه، السين هنا للمبالغة، وتفسيرها: تكبر عن أن يسجد. وقوله: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) يعني: في علم الله تبارك وتعالى، أو صار من الكافرين، لكن الأشهر أن يقال: (وكان من الكافرين) يعني: في علم الله تبارك وتعالى. وقوله عز وجل هنا: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) هذا الأمر بالسجود كان قبل خلق آدم، بدليل قوله تعالى في سورة الحجر: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر:28] يعني: في المستقبل؛ لأنه لم يكن قد خلق آدم عليه السلام، فالأمر بالسجود كان قبل خلقه، {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر:29]. وفي سورة (ص) قال سبحانه: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر:71 - 72]. إذاً: كان أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل خلقه.
الرد على قياس إبليس الفاسد
الرد على قياس إبليس الفاسد قوله عز وجل: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) لم يبين الله تبارك وتعالى هنا موجب استكبار إبليس، فما هو الذي دفع إبليس إلى الاستكبار؟ بين الله تبارك وتعالى الأمر الذي جعل إبليس في نظره يستكبر عن السجود لآدم عليه السلام فيما حكاه عنه بقوله: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12]، وفي قوله: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} [الإسراء:62]، وفي قوله: {قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر:33]. فهذا القياس الإبليسي هو الذي حمله على الاستكبار؛ فإبليس قاس نفسه على عنصره وهو النار، وقاس آدم على عنصره وهو الطين، ثم استنتج من ذلك أنه خير من آدم؛ لأن إبليس خلق من نار، وآدم خلق من طين، وكان ينبغي ألا يمتنع عن السجود مع وجود النص الصريح الذي هو قوله تبارك وتعالى: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة:34]. وهذا القياس يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار. وينبغي أن يذكر هنا شيء مهم جداً وهو: أن وجود النص أدل دليل على فساد القياس. فقول تعالى: (اسجدوا) هذا نص، فهذا أول وجه ينبغي أن يقدم على غيره في إبطال هذا القياس الفاسد، ولذلك يقول الإمام أبو السعود المالكي في (مراقي السعود): والخلف للنص أو اجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعا والخلف للنص: يعني: أي نوع من القياس فيه مخالفة أو مساومة للنص من قرآن أو سنة أو إجماع فقد دعا: أي سماه ودعاه: فاسد الاعتبار كل من وعا، أي: يسميه (فاسد الاعتبار) كل من عقل ووعى وعلم. فكل من رد نصوص الوحي بالأقيسة فسلفه في ذلك إبليس، وقياس إبليس هذا باطل من وجوه: الأول: أنه فاسد الاعتبار لمخالفته النص الصريح كما بينا، فقد ورد الأمر من الله: (اسجدوا لآدم)، وواضح من سياق الآيات أن هذا الأمر شمل إبليس لعنه الله. الوجه الثاني: أنا لا نسلم أن النار خير من الطين؛ لأنه بنى هذا القياس على أساس أن النار خير من الطين، بل في الحقيقة أن الطين خير من النار؛ لأن طبيعة النار الخفة والطيش والإفساد والتفريق، أما الطين فطبيعته الرزانة والإصلاح، فالطين تودعه الحبة فيعطيكها سنبلة، وتعطيه النواة فيعطيكها نخلة مباركة، وإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الرياض النظرة وما فيها من الثمار اللذيذة والأزهار الجميلة والروائح الطيبة وستعلم أن الطين خير من النار، وإذا أردت أن تعرف أضرار النار ومفاسدها فانظر إلى عنبر الحرائق في المستشفيات، أو انظر إلى صفحة الحوادث في الجرائد تعرف أثر النار وطيشها وفسادها وخفتها. ثالثاً: لو سلمنا تسليماً جدلياً أن النار خير من الطين كما زعم إبليس فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من آدم؛ لأن شرف الأصل لا يستلزم شرف الفرع، بل قد يكون الأصل رفيعاً والفرع وضيعاً، كما قال الشاعر: إذا افتخرت بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا يخاطب الشاعر رجلاً ينتسب إلى أجداد وآباء شرفاء وهو بئس الرجل؛ لأنه رجل سيئ، فماذا ينفعه ذلك؟! فشرف الأصل لا يستلزم شرف الفرع، وقال الآخر: وما ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من باهلة وباهلة قبيلة كان عامة العرب ينشدون الأشعار في هجائها ووصفها بالدونية والاحتقار والصفات الدنيئة. فلا تنفع الإنسان أخلاقه التي تنتمي إلى باهلة وإن كان نسبه وسلالته تنتهي إلى هاشم، فكل هذا يؤكد أن شرف الأصل لا يستلزم ولا يستوجب شرف الفرع.
حكم السجود لغير الله
حكم السجود لغير الله أمر الله سبحانه وتعالى الملائكة أن تسجد لآدم عليه السلام كرامة عظيمة من الله تبارك وتعالى لآدم عليه السلام، وهذا السجود اختلف المفسرون فيه، فبعضهم قال: إنه سجود تكريم لآدم، وقيل: السجود كان لله، وآدم قبلة، وقيل: إن السجود لآدم كان تحية، وقيل: كان السجود لآدم عبادة بأمر الله، وهو سبحانه الذي فرضه عليهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال أهل العلم: السجود كان لآدم بأمر الله وفرضه، وعلى هذا إجماع كل من يسمع قوله. أي: أن السجود كان لآدم بأمر وإيجاب الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله تعالى قال: (اسجدوا لآدم) ولم يقل: اسجدوا إلى آدم، وهذا يبطل قول من قال: إن آدم كان قبلة وإن السجود كان لله؛ لأنه لم يقل: اسجدوا إلى آدم أو إلى جهة آدم، لكن قال: (اسجدوا لآدم). يقول شيخ الإسلام: فإن الله تعالى قال: (اسجدوا لآدم) ولم يقل: إلى آدم. وكل حرف له معنىً، وفرق بين قولك سجد له وبين سجد إليه، قال تعالى: {لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ} [فصلت:37]، وقال تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الرعد:15] قال: وأجمع المسلمون على أن السجود للأحجار والأشجار والدواب محرم، وأما الكعبة فيقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس، ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، ولا يقال: صلى لبيت المقدس ولا صلى للكعبة؛ لأننا لا نعبد الكعبة، وإنما الكعبة قبلة للعبادة فقط. فلذلك نقول: صليت إلى القبلة أو إلى الكعبة، ولا نقول: صليت للكعبة. قال: والصواب أن صاحب الخضوع بالقلب والاعتراف بالعبودية لا يصلي على الإطلاق إلا لله سبحانه وتعالى، وأما السجود فشريعة من الشرائع يتبع الأمر. يعني: أن خضوع القلب والتعبد لا يكون إلا لله، وأما السجود في حد ذاته فشريعة من الشرائع يتبع الأمر، فلو أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نسجد لأحد من خلقه لسجدنا طاعة واتباعاً لأمره، ولو أمرنا الله أن نسجد لأحد من خلقه لأطعنا؛ لأنه أمر صادر من الله عز وجل. فسجود الملائكة لآدم عبادة لله وطاعة وقربة يتقربون بها إليه، وهو لآدم تشريف وتعظيم وتكريم، وكذلك سجود أخوة يوسف له كان تحية وسلاماً، ولم يأتِ أن آدم سجد للملائكة، بل لم يؤمر بالسجود إلا لله رب العالمين، وبالجملة أهل السنة قالوا: إنه سجود تعظيم وتكريم وتحية لآدم عليه السلام. وقالت المعتزلة: كان آدم بالقبلة يُسجد إليه، ولم يسجدوا له، قالوا ذلك هرباً من أن تكون الآيات الكريمة حجة عليهم؛ فإن أهل السنة قالوا: وصالح البشر أفضل من الملائكة، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم، وخالفت المعتزلة في ذلك وقالت: الملائكة أفضل من البشر، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة. ويبطله ما حكى الله سبحانه عن إبليس بقوله: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:62] فكان هذا السجود فعلاً تكريماً لآدم، والدليل هنا في قوله: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} [الإسراء:62].
نوعية الملائكة الذين سجدوا لآدم عليه السلام
نوعية الملائكة الذين سجدوا لآدم عليه السلام واختلف العلماء في الملائكة الذين أمروا بالسجود: فقيل: هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: هذا القول ليس من أقوال المسلمين واليهود والنصارى، وقيل: هم جميع الملائكة حتى جبريل وميكائيل، وهذا قول عامة أهل العلم بالكتاب والسنة، أي: أن الأمر كان موجهاً إلى جميع الملائكة، والدليل قوله تبارك وتعالى في هذه الآية ونحوها، يقول ابن تيمية: ومن قال خلافه فقد رد القرآن بالكذب والبهتان؛ لأنه سبحانه وتعالى قال: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) فانظر إلى التوكيد؛ فإنه تأكيد للعموم.
جنس إبليس
جنس إبليس اختلف العلماء في إبليس: هل كان من الملائكة أم لا؟ وفي المسألة قولان: أحدهما: أنه كان من الملائكة، وهذا قول أكثر المفسرين؛ لأنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم، فلولا أنه من الملائكة لما توجه الأمر إليه بالسجود، ولو لم يتوجه الأمر إليه بالسجود لم يكن عاصياً، ولما استحق الخزي واللعن. القول الثاني: أنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة؛ لقوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف:50] فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس؛ ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، كما قال تعالى حاكياً عنه: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12]، فهذا يدل على أنه لم يخلق مما خلقت منه الملائكة الذين خلقوا من نور، ولأن إبليس له ذرية، والملائكة لا ذرية لهم. قال في الكشاف: إنما تناوله الأمر وهو للملائكة خاصة؛ لأن إبليس كان في صحبتهم، وكان يعبد الله عبادتهم، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له كان الجني الذي معهم أجدر بأن يتواضع. والقول الأول هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء، وممن صححه البغوي، وأجابوا عن قوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) أي: من الملائكة الذين هم خزنة الجنة. وعلى أي الأحوال الخلاف في هذا الأمر موجود بين العلماء، والإمام ابن القيم رحمه الله تعالى لما حكى هذا الخلاف رجح ما يراه راجحاً كعادته في التحقيق، وهذا حري به، كما يعبر العلماء دائماً عنه فيقولون: قال الإمام المحقق ابن القيم الجوزية؛ لأن ابن القيم يتميز بتحقيق المسائل وتمحيصها من الناحية العلمية، ويذكر التفصيل في المسألة. فبعض العلماء يقولون: إن الصحيح: أنه كان من الملائكة، وهذا نوع من الملائكة اسمهم الجن؛ لأنهم يخفون ولا يظهرون، والبعض قال: كان هو أبو الجن أو أصل الجن، لكن كان يعبد الله مع الملائكة، وإن لم يكن من جنسهم، فلذلك شمله الأمر معهم، حتى قال بعضهم: إنه كان منافقاً يظهر موافقة الملائكة في العبادة فقط. يقول ابن القيم: الصواب التفصيل في المسألة، وأن القولين في الحقيقة قول واحد، فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته يعبد الله معهم، وليس منهم بمادته وأصله، فأصله من نار وأصل الملائكة من نور، فالنافي كونه من الملائكة والمثبت لم يتواردا على محل واحد، فمن يقول: هو من الملائكة يشير إلى صورته أنه كان مع الملائكة في عبادة الله، والذي يقول: ليس من الملائكة يتحدث عن أن أصله من نار، وليس كالملائكة الذين أصلهم من نور. وقيل: إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار، وإنما سموا جناً لاستتارهم عن الأعين، فإبليس كان منهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات:158] أي: وبين الجن؛ لأنهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، والعياذ بالله! قيل: ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية، وقد سئل الشعبي: هل لإبليس زوجة؟ فقال: ذلك عرس لم أشهده! أي: حفل زواج ما كنت حاضراً فيه، قال الشعبي: ثم قرأت هذه الآية فعلمت أنه لا يكون له ذرية إلا من زوجة. وقال قوم: ليس له ذرية ولا أولاد، وذريته هم: أعوانه من الشياطين.
تحديد وقت كفر إبليس
تحديد وقت كفر إبليس قوله تبارك وتعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة:34] فيها قولان: أحدهما: أنه وقت العبادة كان منافقاً من الكافرين، يعني: كان يعبد الله مع الملائكة، لكن كان منافقاً كذاباً في هذه العبادة. القول الثاني: أنه كان مؤمناً ثم كفر، يعني: أنه كان من الكافرين في سابق علم الله، أو صار من الكافرين، وهذا قول الأكثرين، أي: أنه كان مؤمناً ثم كفر. والذي عليه الأكثرون أن إبليس هو أول كافر بالله. واختلف الناس بأي سبب كفر إبليس لعنه الله: فقالت الخوارج: إنما كفر بمعصية الله، وكل معصية كفر، وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، إذ ليس كل معصية كفراً. وقال آخرون: كفر بترك السجود لآدم ومخالفته أمر الله. وقال آخرون: كفر لأنه خالف الأمر الشفهي من الله، فإن الله خاطب الملائكة وأمرهم بالسجود، ومخالفة الأمر الشفهي أشد قبحاً. وقال جمهور الناس: كفر إبليس لأنه أبى السجود واستكبر وعاند وطعن واعتقد أنه محق في تمرده؛ لأن إبليس طعن في حكمة الله وأمره، وهذا كفر لا شك، بخلاف المعصية الظاهرة، واستدل أيضاً إبليس بقوله: أنا خير منه، فكأنه ترك السجود لآدم تسفيهاً لأمر الله وحكمته، وهذا الكبر عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).
الرد على من قال: إن الشجرة التي نهي آدم عنها هي شجرة العلم والمعرفة
الرد على من قال: إن الشجرة التي نهي آدم عنها هي شجرة العلم والمعرفة العلماء يقولون: إن السجود كان بعد خلق آدم، بعد أن أظهر الله شرف آدم عليهم بالعلم؛ وذلك بعد أن علم آدم الأسماء كلها، ثم عرضها على الملائكة، فقال: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:31]، ثم قال: (يا آدم أنبئهم بأسمائهم) إلى آخر الآيات، والشاهد من ذلك: أن الله شرف آدم على الملائكة بالعلم، وبعدما شرفه بالعلم أمرهم بالسجود له. وفي هذا التفسير رد على ما يدعيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فإن أصل انحرافهم في العقيدة في هذا الباب هو ابتداءً من قصة آدم عليه السلام؛ فهم اقتبسوا هذا القصة من الهنادكة والبوذيين والبراهمة وقدماء المصريين. وهم يزعمون أن الله سبحانه وتعالى أباح لآدم وحواء أن يأكلا من أي شجرة من شجر الجنة ما عدا شجرة معينة، ويزعمون أنها شجرة العلم والبصيرة والمعرفة! ويزعم هؤلاء الكفار بأن الله سبحانه وتعالى كان يخشى من آدم؛ لأن آدم لو أكل من هذه الشجرة فسيصير عنده علم ومعرفة وبصيرة، فلذلك نهاه حتى يبقى بلا معرفة وبصيرة! قالوا: ولما خالف آدم الأمر، وأكل من شجرة المعرفة والبصيرة صار عنده علم ومعرفة وبصيرة، فلذلك -والعياذ بالله- غضب الله عليه، وطرده من الجنة من أجل ذلك!
الرد عل من يزعم أن آدم وحواء ورثا البشرية الخطيئة
الرد عل من يزعم أن آدم وحواء ورثا البشرية الخطيئة ليس عند أهل الكتاب أن الله سبحانه وتعالى تاب على آدم وحواء، بل تلوثا بالخطيئة، وليس هذا فحسب، بل ورثا البشرية هذه الخطيئة، وهو ما يسمونه بسر عظيم جداً من أسرار الكنيسة، وهو الخطيئة الأصلية، يعني: أن الإنسان يولد ملوثاً بالخطيئة! مع أن كل مولود يولد نقياً طاهراً كما يبين لنا النبي عليه الصلاة والسلام ذلك بقوله: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمته) فضرب المثل في النقاء والطهارة والصفاء والبراءة بالإنسان كما ولدته أمه بلا خطيئة. وأما عند هؤلاء فأسوأ يوم وأسود يوم على الإنسان هو يوم تلده أمه؛ لأنه يولد بلا ذنب وبلا جريمة ومع ذلك يكون ملوثاً بخطيئة آدم، ولا يتطهر من هذه الخطيئة حتى الأنبياء!! وفي زعم النصارى أن الأنبياء الذين ماتوا قبل المسيح عليه السلام سوف يدخلون سجن جهنم بعد موتهم! حتى نوح وهود وكل الأنبياء؛ لأنهم يتحملون وزر وخطيئة آدم! وعليه بنوا هذه النظرية الغسانية المشركة التي اقتبسوها من قدماء المصريين، وهذا ثابت بالأدلة التاريخية، والهنود وأهل الوثنية اقتبسوا منهم نظرية أن الخطيئة لابد منها والعياذ بالله! وأن ربنا ينزل ويجسد ويذبح حتى يمحوا عن البشرية هذه الخطيئة، وهم مع ذلك يتناقضون، فإذا كان المسيح تحمل خطايا البشر فلماذا يشترطون التعميد؟! والتعميد عندهم هو: أن الطفل الذي لا يغطس في الماء الذي يسمونه مقدساً -والله أعلم هو منجس أم مقدس- يبقى حاملاً هذه الخطيئة! فمعنى ذلك: أنه رغم ما يزعمون من نزول المسيح وصلبه والعياذ بالله! فما زالت البشرية ملوثة في اعتقادهم، حتى إنهم في بعض الأراضي الموقوفة للكنيسة في بعض البلاد يمنعون دفن أي مولود أو أي إنسان إذا لم يكن قد عمد؛ لأنهم لا يعتبرونه قد دخل في النصرانية؛ لأن هذه عندهم صبغة مهمة جداً، ولابد أن يعمد بهذا الماء الذي يصفونه بأنه مقدس! وليس الآن أوان التفصيل في موضوع التعميد، لكن الشاهد أن هذه نقطة مهمة جداً في العقيدة بيننا وبين أهل الكتاب، وهذا بسبب تحريفهم كلام الله عز وجل، ولذلك انعكست هذه القضية في موقف الحضارة الغربية المعاصرة في العلاقة بين العلم والدين، فهم لهم انطباع أن هناك عداوة بين العلم وبين الدين مبنية ومأخوذة من هذا التصور الموجود في التوراة، وهو أن هذه الشجرة كانت شجرة المعرفة، فالدين هو دين الله، والعلم هو شجرة المعرفة، فالدين يكره العلم ويخاف منه، وبينهما عداوة، ولذلك الله سبحانه وتعالى حذر آدم أن يأكل من هذه الشجرة لأنه كان يخاف أن يصير لآدم بصيرة وعلم! -تعالى الله وحاشاه-. فهذا الانطباع هو السبب في العداء بينهم وبين الدين والعلم دائماً، ويعتقدون أن الدين عدو للعلم، وأنهما متناقضان، ولا يمكن أن يلتقيا. ثم جاءت التجربة الواقعية فأكدت هذا الأمر حينما حصل الصراع بين الكنيسة وبين الاكتشافات الحديثة، فكلما كان يكتشف علماؤهم نظرية أو حقيقة علمية كان القساوسة وعلماء الطبيعة والفيزياء -إن جاز هذا التعبير- يتصادمون، فلما حصل هذا الصدام حصل التمرد والكفر بالكنيسة وظهور دين العلمانية الجديد! فهم لما فقدوا الثقة في النصرانية لم يبحثوا عن الدين الحق، لكن هجروا الحق وذلك الدين المحرف معاً. فقصة آدم عليه السلام لها تأثير خطير في التصور النصراني، وهي قضية أصلية جداً في العقيدة عندهم، وأن آدم وحواء لم يتب الله عليهما، وإنما نزلا ملوثين بالخطيئة، بل ورثا الخطيئة كل البشرية من بعدهم! هذا مظهر من مظاهر الانحراف عند أهل الكتاب، وهناك انحراف آخر عند الذين يتبنون نظرية دارون أو ما يسمى بنظرية التطور أيضاً؛ فهم ينكرون هذه الحقيقة التي يصدع بها القرآن، وينكرون أن أصل البشرية شيء اسمه آدم وحواء؛ لأن العملية عندهم موضوع خلية تركبت ونمت وحصل تطور عبر آلاف سحيقة من القرون، ثم كان منها الإنسان إلى آخر هذا الكلام! وليس الأوان أوان مناقشة هذا بالتفصيل، لكن هذه إشارة واضحة إلى فساد هذه العقيدة، وكما هو معلوم فقد بين القرآن أن بداية البشرية كانت خلقاً مباشراً من الله سبحانه وتعالى لآدم، ثم بعد ذلك لـ حواء، وليس كما يزعم أصحاب نظرية التطور، وقد هزمت الآن، وليس فقط بالأدلة الدينية حتى بالأدلة العلمية وأدلة علم الجينات أو الوراثة.
البقرة [35 - 49]
تفسير سورة البقرة [35 - 49]
تفسير قوله تعالى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا)
تفسير قوله تعالى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً) قال تبارك وتعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:35]. قوله: (اسْكُنْ أَنْتَ) هذا تأكيد للضمير المستتر في (اسكن) حتى يعطف عليه (وزوجك) وقوله: (وَزَوْجُكَ) يعني: حواء بالمد، خلقها الله من ضلع آدم الأيسر. وقوله: (وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا) أي: كلا منها أكلاً رغداً، يعني: واسعاً كثيراً لا حجر فيه، فمعنى (وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا): كلا منها أكلاً رغداً، ولابد من تقدير كلمة أكلاً، ورغداً هنا صفة. قوله: (حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) يعني: لا تقربا هذه الشجرة بالأكل منها، وليس المقصود الدنو في حد ذاته، إنما المقصود الأكل منها، والشجرة قيل: هي الحنطة أو الكرم، وقيل: غيرهما. وقوله: (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) يعني: فتصيرا من العاصين. لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام وخلق له زوجه وأقرهما في الجنة أباحهما الأكل منها بقوله: {وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا} [البقرة:35] أي: أكلاً واسعاً. وقوله: (حَيْثُ شِئْتُمَا) حيث للمكان المبهم، أي: من أي مكان من الجنة شئتما. وأطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة الغاية حيث لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول مما منعا منه، يعني: إذا كان الله سبحانه وتعالى أباح لهما كل ما في الجنة، فإذا حرم عليهما شيئاً واحداً فقط لا يبقى لهما عذر في مخالفة هذا الأمر؛ لأن الله قد أباح لهما الكثير. وهذا حتى الآن واقع معنا، فالناس دائماً يعيبون المتدينين، ويقولون لهم: أنتم كل شيء عندكم حرام! فنقول: لا، ليس كل شيء حراماً، بل إذا تأملت في نعم الله سبحانه وتعالى علينا وجدت كل شيء حلالاً إلا أشياء يسيرة، فالماء حلال، والعصير حلال، والفواكه حلال، واللحم حلال، ودائرة الحلال واسعة جداً، ودائرة الحرام ضيقة جداً. فهنا كذلك الله سبحانه وتعالى أباح لهما كل ما في الجنة فقال: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا) أي: أكلاً واسعاً من أي مكان شئتما، فلم يبق لهما عذر إذا خالفا هذا الأمر وقد وسع الله عليهما هذه التوسعة. وقوله تعالى: (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) أي: هذه الشجرة الحاضرة، يعني: لا تقربا منها، ولم يقل: ولا تأكلا من هذه الشجرة، ولكن قال: (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)، وهذا مبالغة في تحريم الأكل منها، ووجوب الابتعاد عنها، وهذا نلاحظه في كثير من تعبيرات القرآن، مثل قوله تبارك وتعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء:32]، وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} [البقرة:187]، وقوله: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام:152]. وفي الحديث: (وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى يحوم حول الحمى يوشك أن يرتع فيه)، فعلق النهي بالقربان منها مبالغة في تحريم الأكل ولزوم الاجتناب عنه؛ لأن القرب من الشيء يقتضي الألفة، والألفة داعية للمحبة، ومحبة الشيء تعمي وتصم، فالمحب لا يرى قبيحاً، ولا يسمع نهياً، فيقع في الحرام. والسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، فحكمة الله سبحانه وتعالى أنه لا يحرم شيئاً إلا ويحرم كل وسيلة تسهل وتؤدي إليه، فلما حرم الزنا حرم كل سبب يقرب إليه، وسد الذرائع من بعيد، حتى يكون الناس في مأمن وفي حصن من ذلك، فأمر بغض البصر، وحرم إطلاق البصر فيما حرم الله سبحانه وتعالى، وأمر المرأة بالحجاب، ومنع مصافحة الأجنبية، ومنع الخلوة بها، ومنع سفر المرأة بدون محرم؛ لأن هذه كلها وسائل للاعتداء على الأعراض. فالسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (العينان تزنيان) فلما كان النظر داعياً إلى الألفة، والألفة تدعو إلى المحبة، وذلك مفضٍ لارتكابه؛ صار النظر مبدأ الزنا.
سبب العطف في سورة البقرة بالواو وفي سورة الأعراف بالفاء
سبب العطف في سورة البقرة بالواو وفي سورة الأعراف بالفاء قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا} [البقرة:35] فعطف بالواو، وفي سورة الأعراف قال تبارك وتعالى: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا} [الأعراف:19] وهذا عطف بالفاء يقول القاسمي رحمه الله: جاء في آية الأعراف (فكلا)، وفي آية البقرة بالواو؛ لأن كل فعل عطف عليه شيء وكان ذلك الفعل كالشرح، وذكر الشيء كالجزاء؛ عطف بالفاء دون الواو؛ لأن الفعل يقع في جواب الشرط، فإذا فهم من سياق النص عطف بالفاء لا بالواو، كقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} [البقرة:58] يعني: كانوا خارج القرية، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: إذا دخلتم فكلوا منها، يقول: لما كان الأكل ووجود الأكل منها متعلقاً بدخولها ذُكر بالفاء، وكأنه قال: إن دخلتموها أكلتم منها، ففيها معنى فعل الشرط وجواب الشرط، فجاء فيها بالفاء فقال: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} [البقرة:58]. وقال في الأعراف: {اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا} [الأعراف:161] بالواو دون الفاء لأنه من السكنى، وهو المقام مع اللبث الطويل، فقوله: (اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ) المقصود هنا: التعبير بالإقامة فيها، فهل الإقامة فيها تستلزم الأكل؟ لا، لا تستلزم أن يظل الإنسان مقيماً في القرية لا يقوم فيها بشيء غير الأكل، فالسكون هنا هو مجرد اللبث في القرية، فلذلك يقول: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا} [الأعراف:161] بالواو دون الفاء لأنه من السكنى، وهو المقام مع اللبث الطويل، ومن دخل بستاناً قد يأكل منه وقد لا يأكل منه، فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط عطف بالواو، فلذلك قال في هذه الآية: {اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا} [الأعراف:161] لكن في الآية الأخرى قال: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا} [البقرة:58]؛ لأنهم كانوا خارج القرية، والمراد: إن دخلتموها فكلوا، أما هذه فالأمر منصب على معنى الاستقرار فيها، ولا يستلزم ذلك الأكل منها. يقول: وإذا ثبت هذا نقول: قد يراد بـ (اسكن) الزم مكاناً دخلته، ولا تنتقل عنه، وقد يراد: ادخله واسكن فيه، فقوله تعالى هنا في سورة البقرة: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا} [البقرة:35] يدل على أن آدم دخل الجنة، وكان موجوداً فيها، فلذلك عطف بالواو، فالمراد هنا: المكث، والأكل لا يتعلق به، فجيء بالواو، وفي الأعراف ورد الأمر قبل أن يدخل الجنة فقال: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأعراف:19]، والمراد: الدخول، والأكل متعلق به، يعني: إن دخلت فكل، فلذلك وردت بالفاء في الأعراف وبالواو في سورة البقرة. ولم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة تعيين هذه الشجرة؛ إذ لا حاجة إليه؛ لأنه ليس المقصود أن تعرف عين تلك الشجرة، وما لا يكون مقصوداً لا يجب بيانه. وقوله: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:35] أي: الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله تبارك وتعالى.
سبب أكل آدم من الشجرة
سبب أكل آدم من الشجرة آدم عليه السلام لم يخرج من الجنة إلا بالتأويل، وإلا فإن آدم لم يقصد المعصية والمخالفة، ولم يقصد أن يكون ظالماً مستحقاً للشقاء، لكن إبليس خدعه، كما أخبر الله عنه بقوله: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف:21] فآدم عليه السلام كان من طهارة وبراءة قلبه وسلامة نيته لا يتصور أبداً أن مخلوقاً من خلق الله يحلف بالله كاذباً، وهذا يدل على براءة آدم من تعمد المعصية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الصواب أن آدم عليه السلام لما قاسمه عدو الله -أي: حلف له أنه ناصح- وأكد كلامه بأنواع من التأكيدات: أحدها: القسم: (وقاسمهما). والثاني: الإتيان بجملة اسمية لا فعلية: (إني لكما لمن الناصحين). والثالث: تصديرها بأداة التأكيد. الرابع: الإتيان بلام التأكيد في الخبر. الخامس: الإتيان به اسم فاعل لا فعلاً دالاً على الحدث. السادس: تقديم المعمول على العامل فيه. ولم يظن آدم أن أحداً يحلف بالله كاذباً يميناً غموساً؛ فظن صدقه، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة، ورأى أن الأكل وإن كان فيه مفسدة فمصلحة الخلود أرجح، ولعله يتأتى له استدراك مفسدة المعصية بعد ذلك باعتذار أو توبة.
تفسير قوله تعالى: (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه)
تفسير قوله تعالى: (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه) قوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة:36]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (فأزلهما إبليس) أي: أذهبهما، وفي قراءة (فأزالهما) أي: نحاهما. وقوله: (عنها) أي: الجنة، بأن قال لهما: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} [طه:120] {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف:21]. وقوله: (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) أي: من النعيم. وقوله: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا) يعني: إلى الأرض. وإذا قلنا: إن الخطاب هنا موجه إلى آدم وحواء فيقصد به آدم وحواء وما اشتملا عليه من ذريتهما. وقوله: (بَعْضُكُمْ) أي: بعض الذرية (لبعض عدو) يعني: من ظلم بعضكم بعضاً. وقوله: (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) أي: موضع قرار. وقوله: (وَمَتَاعٌ) يعني: ما تتمتعون به من نباتها. وقوله: (إِلَى حِينٍ) أي: إلى وقت انقضاء آجالكم.
تفسير قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم)
تفسير قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) قوله تبارك وتعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:37] يعني: ألهمه الله سبحانه وتعالى كلمات، وفي قراءة أخرى (فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ). وقد بين الله تعالى هذه الكلمات في سورة الأعراف في قوله: {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:23] فلما تلقى هذه الكلمات دعا بها. وقوله: (فتاب عليه) أي: قَبِلَ الله سبحانه وتعالى توبته. وهل معنى ذلك أن حواء لم تقبل توبتها؟ A كلا! وإنما لم تذكر حواء في التوبة لأنه لم يجر لها ذكر في سياق هذه الآيات، لا أن توبتها لم تقبل، بل توبتها قبلت. وقوله: (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ) يعني: على عباده (الرَّحِيمُ) بهم.
تفسير قوله تعالى: (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى)
تفسير قوله تعالى: (قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى) قال تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:38]. قوله: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا) يعني: من الجنة، (جميعاً) كرره ليعطف عليه: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) وهذا فيه إدغام، يعني: أصلها (فإن ما) فأدغمت نون (إن) الشرطية في (ما) الزائدة، فصارت: (فإما). وقوله: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) يعني: كتاب ورسول. وقوله: (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) أي: فآمن بي وعمل بطاعتي. وقوله: (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) يعني: في الآخرة بأن يدخلوا الجنة.
الخلاف في ماهية ومكان الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام
الخلاف في ماهية ومكان الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام هناك خلاف كبير جداً بين العلماء في هذه الجنةالتي كان فيها آدم عليه السلام؟ فبعضهم قال: إنها كانت جنة في الأرض على رأس جبل بالمشرق تحت خط الاستواء، وقالوا: الهبوط يعني: الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى: {اهْبِطُوا مِصْرًا} [البقرة:61] واستدلوا بأدلة كثيرة. وفريق آخر من العلماء قال: إن هذه الجنة هي جنة الخلد، وجنة المأوى، وليست جنة في الأرض. يقول ابن مفلح رحمه الله: أكثر الناس على أن المراد بالجنة التي أسكنها الله آدم جنة الخلد دار الثواب، ثم قال: قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله: وهذا قول أهل السنة والجماعة، ومن قال: إنها جنة في الأرض بالهند أو جدة أو غير ذلك فهو من الملحدة المبتدعين، والكتاب والسنة يرد هذا القول. وقد استوفى الكلام فيهما الإمام العلامة ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتابين هما: مفتاح دار السعادة، وكذلك كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح. وابن القيم بعدما سرد بالتفصيل أدلة كل فريق من الفريقين لم يرجح، وإنما ختم كلامه ببيت شعر هو: إذا تلاقت الفحول في لجب فكيف حال الغصيص في الوسط يعني: أنه يعتذر عن الترجيح في هذه المسألة.
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:39] (بآياتنا) يعني: كتبنا. وقوله: (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي: ماكثون أبداً لا يفنون ولا يخرجون.
تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم)
تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) لما قدم الله تعالى دعوة الناس عموماً وذكر مبدأهم في الآيات السابقة، تكلم عن بدأ الخلق، وذكر قصة آدم وحواء عليهما السلام، ودعا وخص من كل بني آدم بني إسرائيل بالذات، فخص سبحانه وتعالى بالخطاب بني إسرائيل -وهم اليهود- لأنهم كانوا أولى الناس بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ ولأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، وقد جرى الكلام معهم هنا من الآية رقم (40) إلى الآية رقم (142)، فكل الخطاب في الآيات المقبلة إلى الآية رقم (142) هو في بني إسرائيل، يعني: أن مائة آية كلها في خطاب بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا أولى الناس بأن ينقادوا ويؤمنوا بهذا النبي الأمي العربي صلى الله عليه وآله وسلم. ونلاحظ في هذه الآيات المائة أنه تارة دعاهم بالملاطفة، وتارة بذكر إنعام الله سبحانه وتعالى عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وتارة بذكر عقوباتهم التي عاقبهم الله سبحانه وتعالى بها، فقال تبارك وتعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة:40]. قوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) هم أولاد يعقوب عليه السلام؛ لأن إسرائيل هو يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقد هيجهم الله تعالى بذكر أبيهم إسرائيل، كما قال لنا في أول سورة الإسراء: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء:3] يخاطبنا بذلك؛ لأن الأب الثاني للبشرية هو نوح عليه السلام، وذكرنا بنوح؛ لأن نوح عليه السلام كان عبداً شكوراً؛ كان يأكل اللقمة فيحمد الله عليها، ويشرب الشربة فيحمد الله عليها، فهذا تعريض بنا نحن. فقوله: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} [الإسراء:3] أي: كونوا كأبيكم نوح؛ {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء:3] أي: فكونوا أنتم كذلك شاكرين لله سبحانه وتعالى كأبيكم نوح، فهذا هو المقصود بقوله: (ذرية) يعني: يا ذرية (مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) أي: فكونوا مثله. وهنا خاطب بني إسرائيل باسم أبيهم يعقوب عليه السلام تهييجاً لعواطفهم، وتذكيراً بأن هذا العبد الصالح كان مطيعاً لله، يعني: فكونوا مثله، وكأنه قيل: يا بني العبد الصالح المطيع لله! كونوا مثل أبيكم، كما تقول: يا ابن الكريم! افعل كذا، يا ابن العالم! اطلب العلم، فكذلك هنا المراد: يا بني إسرائيل العبد الصالح المطيع لله! أطيعوا الله كما أطاعه أبوكم إسرائيل عليه السلام. وقوله: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) قال ابن جرير: نعمه التي أنعم بها على بني إسرائيل كثيرة جداً منها: اصطفاؤه منهم الرسل؛ لأن الأنبياء من بعد إبراهيم عليه السلام كانوا جميعاً من ذرية يعقوب عليه السلام، ولم تخرج عنهم إلا إلى محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو من ذرية إسماعيل عليه السلام. ومن هذه النعم إنزاله عليهم الكتب، واستنقاذه إياهم مما كانوا فيه من البلاء والضراء من فرعون وقومه إلى التمكين لهم في الأرض، وتفجير عيون الماء من الحجر، وإطعام المن والسلوى، فأمر جل ثناؤه أعقابهم أن يكون ما سلف منه إلى آبائهم على ذكر، وألا ينسوا صنيعه إلى أسلافهم وآبائهم، فيحل بهم من النقم ما أحل بمن نسي نعمه عنده منهم وكفرها وجحد صنائعه سبحانه وتعالى عنده. فالنعم نص الله عليها في كثير من الآيات مثل قوله تبارك وتعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة:57]، ومثل قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [البقرة:49]، ومثل قوله تعالى: {ونريد أن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص:5]. وقوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ العهد هو: الميثاق، وقد أشير إليه في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [المائدة:12] فهذا هو عهده، وهذا هو عهدهم. أما عهدهم هم فهو في قوله تعالى: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ} [المائدة:12] يعني: أن هذا هو حق الله على العباد، كما جاء في حديث معاذ. إذاً: العهد الذي أخذه الله عليهم بينه الله في قوله تعالى: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [المائدة:12]. ومن هذا العهد أيضاً ما جاء في قوله تبارك وتعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران:187] فهذا أيضاً داخل في عهدهم. أما عهد الله فهو: {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [المائدة:12] فهذا عهده، وهذا عهدهم، فعهد الله هو وصيته لهم بما ذكر في الآية، ومنها الإيمان برسله المتناول لخاتمهم عليه السلام؛ لأن الآية: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي} [المائدة:12] ومنهم خاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، وعهده تعالى إياهم هو أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة. وقوله: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) أي: اخشوني واتقوني أيها المضيعون عهدي من بني إسرائيل! والمكذبون رسولي الذي أخذت ميثاقكم فيما أنزلت على أنبيائي أن تؤمنوا به، وتتبعوه، فإن لم تتوبوا إلي باتباعه والإقرار بما أنزلت إليه أحل بكم عقوبتي.
تفسير قوله تعالى: (وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم)
تفسير قوله تعالى: (وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم) قوله: {وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة:41] يعني: من القرآن، {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} [البقرة:41] من التوراة، بموافقته له بالتوحيد، وإثبات النبوة: (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ)، يعني: من أهل الكتاب، فهذه أولية نسبية، وإلا فإن أول من كفر بالكتاب هم كفار قريش، لكن المقصود هنا: (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) ممن حقهم أن يكونوا أول المؤمنين به؛ لأن عندهم خبره في التوراة من قبل، فقوله (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) أي: لا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب؛ لأن مَنْ خلفكم تبعٌ لكم، فإثمهم عليكم، فكل من يأتي بعدكم ويقتدي بكم في هذه السُّنة القبيحة، وهي التكذيب بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ فإثمه عليكم مع تحمله لإثمه. {وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي} [البقرة:41] يعني: لا تستبدلوا، وهذه استعارة، (بآياتي) يعني: التي في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم (ثمناً قليلاً) أي: عوضاً يسيراً من الدنيا، أي: لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من سفلتكم، {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة:41] أي: خافونِ في ذلك دون غيري.
تفسير قوله تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون)
تفسير قوله تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) قوله: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:42] أي: لا تخلطوا الحق بالباطل، الحق الذي أنزلت عليكم، بالباطل الذي تفترونه (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) عطف يعني: ولا تكتموا الحق، وهو نعت وصفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة، (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: والحال أنكم تعلمون أنه الحق، والواو هنا (وأنتم تعلمون) واو الحال. هنا يذكر القاسمي رحمه الله تعالى تنبيهاً فيقول: كثيراً ما يستدل مجادلة أهل الكتاب على عدم تحريف كتبهم بهذه الآية وأمثالها، فيقولون: أيها المسلمون يوجد في كتابكم عبارات أو نصوص أو آيات تؤكد أن التوراة هي كلام الله، وأن التوراة من عند الله كقوله عز وجل: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة:89]، وقوله: {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [يونس:37] وقد ثبت بالبراهين القاطعة ذهاب قدر كبير من كتبهم، واختلاط حقها بباطلها فيما بقي، كما صنفت في ذلك مصنفات عدة بما يرد استدلالهم بهذه الآية وأمثالها، ومعنى كون القرآن مصدقاً لما معهم، أي: مصدقاً لما تحتويه من صدق نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصحة البشائر عنه؛ لأن التوراة محتشدة بعشرات الأدلة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسبق أن تكلمنا فيها من قبل في بحث الإيمان بالرسل، وأدلة صدق النبوة؛ والوقت الآن لا يحتمل التفاصيل، لكن معلوم أن الملائكة منذُ أن أتت بالبشارة إلى إبراهيم وهاجر بشرا أيضاً بخروج هذا النبي من نسل إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كما قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة:101] أي: أنه جاء صدق ما عندهم في التوراة والإنجيل، بمعنى: أن أحوالهم جميعاً توافق البشائر. قوله: {وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} [البقرة:41] أي: لا تكونوا أول كافر به من جنسكم أهل الكتاب، بعد سماعكم بمبعثي، فهذه الأولية نسبية، فإن يهود المدينة أول من خوطب بالقرآن من بني إسرائيل، أو هو تعريض بأنه يجب عليهم أن يكونوا أول من يؤمن به؛ لمعرفتهم به ولصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحي إليه، وكانوا يستفتحون على الذين كفروا بخروجه صلى الله عليه وسلم، ويقولون للعرب: نحن ننتظر نبياً يبعث فننضم إليه ونهزمكم ونغلبكم، فلما بعث كفروا به عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة:89]. ثم يقول تعالى: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:42]، وهذا تقبيح لحالهم، لأنهم إن كانوا لا يعلمون فربما عُذِر الجاهل، لكن كيف بمن يعلم أن هذا هو الحق، ويعرض عنه؟! أي: ليس لكم عذر؛ لأن الجاهل قد يعذر، أما العالم فلا يعذر في جحوده الحق.
تفسير قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين)
تفسير قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين) قال تبارك وتعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة:43]، هذا دليل على أن كل الأنبياء خوطبوا بالصلاة، وما خلت شريعة من الشرائع من إقامة الصلاة، وهنا الأمر متكرر في ظاهره (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)، فدار اللفظ بين التأسيس والتوكيد فيحمل هذا الأمر على التأسيس؛ لأن فيه معنىً زائداً. إذاً نقول: إن قوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين) ليست تأكيداً لـ (أقيموا الصلاة) وإنما هي أمر زائد على مجرد إقامة الصلاة وهو: أن تكون في جماعة، فهذا أمر بصلاة الجماعة، وقوله: (وأقيموا الصلاة) أمر بتأدية الصلاة. والأمر بإقامة الصلاة لا يأتي في القرآن بكلمة (صلوا)، ولكن يأتي بـ (أقيموا) يعني: مراعاة حدودها، وآدابها، وخشوعها، وحضور القلب فيها، وليس مجرد الصلاة، ودائماً القرآن يمتدح المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة، كما قال تعالى: {وَيُقِيمُونَ الصَّلاة} [البقرة:3]، وقال: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} [النساء:162]، وقال: {وَأَقَامَ الصَّلاةَ} [البقرة:177]، وما ذكر لفظ (صلى) إلا في المنافقين: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون:4 - 5]، إلى آخر الآيات، أما ما جاء في سورة المعارج من قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [المعارج:19 - 22]، هذه في المؤمنين فما الجواب؟ A أنه أتبعها بمعاني إقامة الصلاة، فوافقت كل ما ورد في القرآن من التعبير عن ذلك بإقامة الصلاة، فإنه لم يقل: (إلا المصلين) وسكت؛ لكن أتى بمعنى إقامة الصلاة بقوله: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج:22 - 23]، ثم ذكر جملاً من الصفات وختم الآيات بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج:34]، فأضاف نفس معنى إقامة الصلاة إلى وصف المصلين. يقول تبارك وتعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة:43]، هذا أمر بالصلاة مع المصلين، يقول الإمام السيوطي هنا: هم محمد وأصحابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورضي الله تعالى عنهم، ويؤخذ من هذا: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فهنا أمرهم بصلاة الجماعة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم)
تفسير قوله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) قال السيوطي رحمه الله تعالى: ونزل في علمائهم، وكانوا يقولون لأقربائهم المسلمين: اثبتوا على دين محمد فإنه دين الحق، {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة:44] يعني: يا أيها اليهود! أتأمرون الناس بالبر يعني: بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، (وتنسون أنفسكم) النسيان هنا بمعنى: الترك، والنسيان يأتي بمعنى ضد التذكر، وبمعنى الترك، فهنا: (وتنسون) يعني: تتركون أنفسكم فلا تأمرونها بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنتم تتلون الكتاب، يعني: التوراة، وفيها الوعيد على مخالفة القول العمل؛ لكن إذا قلنا: إن الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فالكتاب المقصود به هو القرآن الكريم، فإنه يستقيم أن يكون الخطاب لليهود، وذلك إذا قلنا: إن الكتاب هو التوراة، فإذا قلنا: هو القرآن فيعم كل من يخاطب بهذا القرآن الشريف. وقوله: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة:44] يعني: أفلا تعقلون سوء فعلكم، وترجعون؟! فجملة النسيان هي محل الاستفهام الاستنكاري أي: كيف يحصل منكم ذلك؟ هذا هو المقصود.
تفسير قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة)
تفسير قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة) يقول تبارك وتعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45]، هذا أمر بالاستعانة بالصلاة، غير أن الآيات هنا لم تبين نتائج الاستعانة بالصلاة، لكن بينت آيات أخرى نتائج الاستعانة بالصلاة، مثل قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45]، فمن نتائج الاستعانة بالصلاة: النهي عما لا يليق، ومنها: أنها تجلب الرزق، لقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132]، وكان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة، فالصلاة أفضل ما يفزع إليه الإنسان عند الكربات. قوله: {وَاسْتَعِينُوا} [البقرة:45] أي: اطلبوا المعونة على أموركم بالصبر، وهو حبس النفس على ما تكره، وأفرد الصلاة بالذكر تعظيماً لشأنها، وفي الحديث: (كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة)، وقيل: الخطاب لليهود، لما عاقهم عن الإيمان الشره وحب الرياسة أمروا بالصبر، وهو الصوم؛ لأنه يكسر الشهوة، والصلاة بأنها تورد الخشوع وتنفي الكبر. {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} [البقرة:45] (وإنها) يعني: الصلاة، (لكبيرة) يعني: ثقيلة، {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45] أي: الساكنين إلى الطاعة. {الَّذِينَ يَظُنُّونَ} [البقرة:46] يعني: يوقنون، والظن يأتي بمعنى الشك وبمعنى اليقين، ومثله قوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة:20]، (إني ظننت) يعني: أيقنت (أني ملاق حسابيه). إذاً: قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:46] أي: محشورون إليه يوم القيامة للجزاء، والظن هنا بمعنى: اليقين، كما في قوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة:20]، وكذلك يقول تعالى في صفة المؤمنين: {وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة:4]، يقول ابن جرير: العرب قد تسمي اليقين ظناً، نظير تسميتهم الظلمة: سُدفة، والضياء: سدفة، فكلمة سدفة -بالسين والدال والفاء- بمعنى: الظلام وبمعنى: الضياء؛ كذلك تسمي المغيث صارخاً، والمستغيث صارخ أيضاً، وما أشبه ذلك من الأسماء التي سمي بها الشيء وضده، والشواهد على ذلك من أشعار العرب أكثر من أن تحصى.
تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم)
تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) قال تبارك وتعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:47] يقول القاضي: محمد بن كنعان في قرة العينين: قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة:40] قد قصت الآيات من الآية: (40) إلى الآية: (123) من سورة البقرة أخبار بني إسرائيل، واليهود منهم خاصة مع موسى عليه السلام، وطرفاً من أخبار النصارى، فالتبس على بعض الناس ما فيها من ثناء على بني إسرائيل، وما في آيات أخرى من ذم اليهود ولعنهم، وسبب ذلك عدم التفريق بين بني إسرائيل واليهود، والظن بأنهما شيء واحد، وهذا خطأ واضح؛ لأن القرآن الكريم فرق بينهما، فإذا جمعنا الآيات التي تذكر بني إسرائيل في مقابلة الآيات التي نزلت في اليهود، نرى أن إسرائيل هو لقب نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وأن بني إسرائيل هم أولاده، يوسف وإخوته وذرياتهم، يعني: يوسف عليه السلام لما انتقل إلى مصر، وكان له مكان من المجد والوزارة والجاه العظيم، واستجلب إخوته ووالديه إلى مصر، كثروا كثرة عظيمة، فهؤلاء هم بنو إسرائيل، يعني: يوسف وإخوته وذرياتهم، قال تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} [آل عمران:93]، فإسرائيل وبنوه كانوا مسلمين، فعندما يذكر الله تبارك وتعالى بني إسرائيل بخبر فالمقصود أولاد يعقوب، الصالحين والطالحين من ذريتهم لا اليهود، أما اليهود فهم الذين عبدوا عجل السامري ثم تابوا، واسمهم مشتق من هادَ بمعنى: تاب ورجع، ولكن توبتهم لم تكن صادقة، قال الله حاكياً عن موسى: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف:156] يعني: رجعنا وتبنا إليك، ويقول تعالى في أمرهم: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة:93]، وهم فئة من بني إسرائيل، وليسوا كل بني إسرائيل، فليس كل إسرائيليٍّ يهودياً، كما أنه ليس كل يهودي إسرائيلياً. يقول تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) يعني: بالشكر عليها بطاعتي ((وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ)) يعني: فضلت آباءكم؛ لأن تفضيل الآباء شرف للأبناء، قال ذلك مع أنه يخاطب اليهود وبني إسرائيل الذين كانوا موجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: (عَلَى الْعَالَمِينَ)، هذا عام يراد به الخاص، أي: على عالَمِي زمانهم، واليهود كثيراً ما يتشدقون بهذه الآيات في المحافل الدولية، حتى كانوا في الأمم المتحدة من قبل يأتون بنصوص من القرآن لتثبت أحقيتهم بفلسطين، وبأن القرآن يمدحهم؛ ولذلك كان بعض العلماء لما كان يتناظر مع أحد اليهود وأراد أن يلزم العالم المسلم بقوله: أنا أقر بنبوة موسى، وأنت توافقني عليها، وفي نفس الوقت لا أقر بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فيلزمك أن توافقني أنا ولا أوافقك أنت! فأجابه العالم: إن كان موسى الذي بشر بمحمد فهذا الذي أوافقك على نبوته، وإن كان موسى الذي ما بشر به فهذا لا أقر بنبوته. فالشاهد: أن هذه الآيات فيها امتنان على بني إسرائيل، على عالمي زمانهم، وليس على الإطلاق، فهذا عام أريد به الخاص؛ لأن الله سبحانه وتعالى فضلهم بأن أنزل عليهم الكتب وجعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكاً.
تفسير قوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا)
تفسير قوله تعالى: (واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً) قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة:48]، (واتقوا يوماً) أي: خافوا عذاب يوم، أو اتقوا ((يَوْمًا لا تَجْزِي)) يعني فيه: ((نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ)) المقصود هنا: نفس كافرة يعني: لا تجزي نفس كافرة عن نفس شيئاً، والمراد باليوم يوم القيامة، وهنا قراءتان: ((وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ))، أو (لا تُقبل منها شفاعة) فلو أن الإمام قرأ في الصلاة: (ولا تقبل منها شفاعة) فلا ترد عليه؛ لأن هذه من القراءات المتواترة الثابتة.
نفي الشفاعة عن الكفار
نفي الشفاعة عن الكفار قوله تعالى: ((وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ)) أي: لا تجزي نفس كافرة عن نفس شيئاً، ولا يقبل منها شفاعة، وهل يفهم من هذه الآية: أن الكافر له شفاعة؟ لا، وهذا أسلوب من أساليب العرب، فإنه يوجد حذف، لذلك ننظر إلى دقة الإمام السيوطي رحمه الله حيث يقول: لا تجزي نفس عن نفس شيئاً وهو يوم القيامة، ولا تقبل منها شفاعة أي: ليس لها شفاعة فتقبل، وهذا خلاصة بحث كبير، فالمعنى: ليس لها شفاعة أصلاً حتى تقبل، فهو لا ينفي قبول الشفاعة إن وجدت بل ينفي وجود الشفاعة من أصلها، وهذا التفسير من أدق التفاسير لهذه الآية، وهذا الأسلوب له نظائر مثل قول الشاعر: على لاحب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود الديافي جرجرا هو يحكي هنا عن الجمل، فمن عادة الجمل أنه إذا طال به البعد عن المكان الذي يقيم فيه فيشم التراب، فهو يميز المسافات عن طريق رائحة التراب، فقوله هنا: على لاحب لا يهتدى بمناره: المقصود لا منار فيه أصلاً فيهتدى به، والصحراء القاحلة لا يوجد فيها منار أصلاً، لكن في الظاهر أن هناك مناراً، لكن هو يقول: على لاحب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود الديافي جرجرا (إذا سافه) يعني: شم (جرجرا) يعني: حن إلى الوطن أو إلى الأرض التي يقصدها، فمعنى: على لاحب لا يهتدى بمناره: يعني: لا منار فيه أصلاً. ومن ذلك قول الشاعر: بأرض فضاء لا يسد وصيدها عليّ ومعروفي بها غير منكر الوصيد هو الباب كقوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف:18]، فالشاعر يقول: بأرض فضاء لا يسد وصيدها عليّ ومعروفي بها غير منكر فمعناه: أرض فضاء ليس فيها وصيد أصلاً، لكن الظاهر أن الشاعر يثبت الوصيد. وهذا له نظير في القرآن كقوله تعالى: {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ} [يوسف:44]، فمعنى ذلك: أن الأحلام الباطلة ليس لها تأويل فنكون بها عالمين، فهنا نفي لأن يكون للأحلام الباطلة تأويل، وليس إثبات أنها لها تأويل ونحن على تأويلها من الجاهلين، لكن قالوا: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين، يعني: لا تأويل للأحلام الباطلة فنكون به عالمين. ومنه أيضاً في القرآن الكريم: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور:60] المعنى: لا زينة لهن أصلاً حتى يتبرجن بها. والشاهد من هذا كله: أن قوله تعالى: (لا تقبل منها شفاعة) يعني: ليس لها شفاعة فتقبل، كما حكى عن الكفار قولهم: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} [الشعراء:100]، وهذه نكرة في النفي فتفيد العموم (فما لنا من شافعين).
أقسام الشفاعة المنفية
أقسام الشفاعة المنفية الشفاعة المنفية في قوله تبارك وتعالى: {وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة:48]، هي شفاعة الكفار، وهناك نوعان من الشفاعة المنفية: أولاً: الشفاعة للكفار، ثانياً: الشفاعة لغير الكفار بدون إذن رب السماوات والأرض سبحانه، فدلت الآية على أن هناك شفاعتين منفيتين في الآخرة: شفاعة للكفار، أو الشفاعة لغير الكفار بدون إذن من الله سبحانه وتعالى، أما الدليل على نفي الشفاعة للكفار فقوله تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28]، وقد دلّت الآيات على أن الله لا يرضى لعباده الكفر، فإذاً: الكفار ليسوا من أهل الشفاعة، ولا يشفع لهم؛ وقد حكى الله عنهم في سياق التقرير أنهم يقولون: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} [الشعراء:100] فلا شفاعة للكفار أصلاً. أما الشفاعة لغيرهم بدون إذن الله فدليل نفيها قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة:255]، وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه:109]. والشفاعة للكفار مستحيلة شرعاً مطلقاً باستثناء شفاعته صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب، لنقله من محل في النار إلى محل آخر منها، فهذه الصورة من صور تخصيص عموم الكتاب بالسنة. وقد تمسكت المعتزلة كعادتهم بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ((ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع)) فعلم أنها لا تقبل الشفاعة للعصاة، و A أنها خاصة بالكفار، ويؤيده أن الخطاب للكفار من بني إسرائيل، فمعنى الآية: أنه تعالى لا يقبل ممن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحد من عذابه تعالى منقذ ولا يخلص منه أحد. الزمخشري في كتابه الكشاف ينصر مذهب المعتزلة، والكشاف مطبوع مع حاشيته لـ ناصر الدين الذي دافع فيها عن أهل السنة، وتتبع الزمخشري بكل ضلالاته وعدوانه على أهل السنة. ففي هذا الموضع: بدأ الإمام ناصر الدين بالرد على الزمخشري بعبارة -في الحقيقة- مفحمة، قال رحمه الله تعالى رداً على الزمخشري في هذا الاستدلال: من جحد الشفاعة فهو جدير بألا ينالها، وأما من آمن بها وصدقها -وهم أهل السنة والجماعة- فأولئك يرجون رحمة الله. فهذه سنة الله، أن كل من كذب بشيء يطمع فيه أن يعاقبه الله بأن يحرمه منه، فالذي يكذب برؤية الله في الآخرة لن ينالها، لأنه مكذب بها، كذلك من كذب بالشفاعة فإنه سيحرم منها، والله تعالى أعلم. وقوله في الحاشية: وأما من آمن بها وصدقها -وهم أهل السنة والجماعة- فأولئك يرجون رحمة الله، هذا من الأدب مع الله، حيث لم يقل: هم ينالون، وإنما قال: أولئك يرجون رحمة الله، يعني يطمعون في رحمة الله. قال: ومعتقدهم أنها تنال العصاة من المؤمنين، وإنما ادخرت لهم، وليست الآيات دليلاً لمنكريها؛ لأن قوله: (يوماً) في هذه الآية: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة:48] نكرة، لم يقل: اليوم، ولكن قال: يوماً، أي يوم من الأيام، فهذا تنكيل، يقول: ولا شك أن في القيامة مواطن، ويومها معدود بخمسين ألف سنة، فبعض أوقاتها ليس زماناً للشفاعة، وبعضها هو الوقت المعدود للشفاعة، وفيه المقام المحمود لسيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد وردت آي كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها، واختلاف أوقاتها، منها قوله تعالى: {فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:101] مع قوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصافات:27]. ففيها إثبات للتساؤل فيحمل على أنهم في موضع لا يتساءلون وفي موضع آخر يتساءلون، فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين، ووقتين متغيرين، أحدهما محل للتساؤل والآخر ليس محلاً له، وكذلك الشفاعة في وقت من أوقات يوم القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، أي نفس حتى ولو كانت مؤمنة، حتى الأنبياء أنفسهم يقولون: نفسي نفسي! ففي فترة من فترات يوم القيامة لا تجزي نفس حتى المؤمنة عن نفس شيئاً؛ لكن في يوم آخر تجزي نفس مؤمنة عن نفس شيئاً بالشفاعة، وأدلة ثبوت الشفاعة لا تحصى كثرة، رزقنا الله الشفاعة، وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة. إذاً: قوله تبارك وتعالى: (لا تقبل منها) بالتاء والياء (منها شفاعة) أي: ليس لها شفاعة فتقبل كما قال الله عنهم: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} [الشعراء:100]، (وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) والمقصود به: الفداء، قيل هنا: (عدل) لأنه يساوي المفدي، والعدل هو: مال يبذل بوزن الشخص الذي تفديه؛ لأنه يعدله ويساويه (ولا هم ينصرون) يعني: لا يمنعون من عذاب الله عز وجل.
تفسير قوله تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب)
تفسير قوله تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب) قال تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة:49]. قوله: (وإذ نجيناكم) أي: واذكروا إذ نجيناكم، يعني: نجيناكم أنتم المخاطبون في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وآباءكم، والخطاب للموجودين في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم بما أنعم على آبائهم تذكيراً لهم بنعمة الله تعالى ليؤمنوا، (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ)، أي: يذيقونكم أشد العذاب، والجملة حال من ضمير: نجيناكم. قوله: (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ)، هذا بيان لسوء العذاب، فهو يشرح ما هو سوء العذاب، فأتى بأقسى وأشد مظاهره (يذبحون) بيان لما قبله، (أبناءكم) يعني: المولودين، (ويستحيون نساءكم) يعني: يستبقون نساءكم للإذلال والخدمة، فلم يقتلونهن كي يُتَّخذن خادمات، وقتلهم لأبنائهم هو بسبب قول بعض الكهنة لفرعون: يولد في بني إسرائيل مولود يكون سبباً لذهاب ملكك؛ فكان فرعون يقتل الذكور، ويستحيي النساء، والإمام الزجاج له تعليق طيب جداً على عقلية فرعون، فيقول هنا: فالعجب من حمق فرعون! إن كان الكاهن عنده صادقاً فما ينفع القتل؟! وإن كان كاذباً فما معنى القتل؟! يعني: من حمق فرعون الغبي الأحمق الذي يقول في حق موسى عليه الصلاة والسلام: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف:52]؛ أنه سمع كلام الكاهن، فإن كانت هذه فعلاً نبوة وخبر صادق من هذا الكاهن، أنه سيولد ولد من بني إسرائيل يكون زوال ملك فرعون على يديه؛ فماذا فعل فرعون الأحمق؟ قتل أبناءهم الذكور، فإن كان هذا كائناً لا محالة فما فائدة القتل؟! فهل سيمنع ما سبق به قضاء الله؟ لا يمنع! وإن كان الكاهن كاذباً فما معنى القتل؟! فالحالتان تدلان على ضعف عقله تماماً، كما أظلم الله قلبه وأطفأ بصيرته حينما تتبع بجنوده موسى وطارده هو وجنوده، ورأى الآية العظمى من آيات الله سبحانه وتعالى، تخيل أن البحر الأحمر يتحول إلى طرق يابسة، تخيل هذا المنظر! قال تعالى: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا} [الدخان:24]، ما معنى رهواً؟ يعني: ساكناً، يتحول الماء إلى أرض يابسة والناس ينظروا إليه بقدرة الله سبحانه وتعالى! فلما فلق موسى عليه السلام البحر بالعصا، انفلق فلقتين، فوقف الماء مثل الجدار كالطود العظيم أي: كالجبل العالي، وسكن الماء، (واترك البحر رهواً) يعني: ساكناً، فجدار من ماء متماسك بقوة الله وقدرته سبحانه وتعالى، ففرعون عمي قلبه أن يعتبر بهذه الآية، رأى الماء واقفاً، ورأى موسى ومن معه من بني إسرائيل ينجون ويمرون، والبحر واقف، ومع هذا لا يلتفت إلى هذه المعجزة القاهرة، وهذه الآية العظيمة، بل استمر في مطاردة موسى عليه السلام داخل البحر! قال الله: (واترك البحر رهواً) يعني: اسلكه ساكناً فإنه سينطبق عليهم حينما يدخلون، وكان ما كان، بعدما كان يقول: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف:51]، جعلها الله من فوقه، يعني: كان يفخر بأن مياه الأنهار تجري من تحته، فعاقبه بجنس عمله، فأجرى المياه من فوقه، وأغرقه في اليم. يقول تبارك وتعالى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [البقرة:49]، يقول القاسمي رحمه الله تعالى: فرعون لقب لمن ملك مصر كافراً، فكل من يحكم مصر وهو كافر يسمى فرعون؛ كما أن كسرى لقب لملك الفرس، وقيصر لملك الروم، وتبَّع لمن ملك اليمن كاملاً، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وخاقان لملك الترك؛ ولعتو فرعون اشتق من اسمه قولهم: تفرعن الرجل: إذا عتا وتمرد، وسبب سومه بني إسرائيل سوء العذاب من تذبيح أبنائهم على ما روي في التوراة: خوفه من نموهم وكثرة تواجدهم، وكانت أرض مصرَ امتلأت منهم؛ فإن يوسف عليه السلام لما استقدم أباه وإخوته وأهلهم من أرض كنعان فلسطين إلى مصر، أعطاهم ملكاً في أفضل أرض مصر كما أمره ملك مصر، وكان لهم في مصر مقام عظيم؛ بسبب يوسف عليه السلام فتكاثروا وتناسلوا، ولما توفي يوسف عليه السلام والملك الذي اتخذه وزيراً عنده؛ انقطع ذلك الاحترام عن بني إسرائيل، إلى أن قام على مصر أحد ملوكها الفراعنة، فرأى كثرة الإسرائيليين فقال لقومه: أضحى بنو إسرائيل شعباً أكثر منا، فهلم نحتال لهم لئلا ينموا، فيخشى أنه إذا حدث حرب أنهم يحاربوننا ويخرجونا من أرضنا، فسلط عليهم رؤساء تسخير كي يذلوهم بأثقالهم، وكان كلما اشتد تعبدهم ازدادوا كثرة وشدة، فشق على المصريين كثرتهم وخافوا منهم، فجعل أهل مصر يستعبدونهم جوراً، ويأمرونهم بالعمل الشديد بالطين واللبن وكل فلاحة الأرض وغيرها من الأعمال الشاقة. وأمر فرعون بذبح أبنائهم كما قص الله تعالى، ولم يزل الأمر من هذه الشدة عليهم حتى نجاهم الله بإرسال موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقوله تبارك وتعالى هنا: ((وَفِي ذَلِكُمْ)) أي: في ذلك العذاب أو الإنجاء ((بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ))، كلمة (في ذلك) إشارة إما إلى ذلك العذاب أو إلى ذلك الإنجاء في قوله: ((وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ)). إذاً: كلمة (بَلاءٌ) محتملة معنيين، فالبلاء إما أن يأتي بمعنى: النعمة أو بمعنى: النقمة، فإذا قلنا: (وفي ذلكم) الإنجاء (بلاء) أي: نعمة، وإذا قلنا: (وفي ذلكم) العذاب (بلاء) أي: نقمة، فبلاء بمعنى: ابتلاء أو بمعنى: إنعام؛ بحسب ما تترتب عليه الإشارة، إما إلى الإنجاء وإما إلى العذاب.
البقرة [51 - 66]
تفسير سورة البقرة [51 - 66]
تفسير قوله تعالى: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة)
تفسير قوله تعالى: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة) قال الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة:51]، قوله تعالى: ((وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)) فيها قراءتان: (واعدنا) وقراءة أخرى: (وعدنا) بدون الألف. ((وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً))، المقصود: واعدنا موسى تتمة أربعين ليلة؛ لأن الله أخبر أنه واعده ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر في قوله: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف:142]. و (موسى) كلمة معناها باللغة العبرانية: المنشول من الماء؛ لأنه انتشله آل فرعون من الماء وهو في التابوت. ((وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)) أي: من أجل أن نعطيه عند انقضائها التوراة لتعملوا بها؛ لأن الخطاب ما زال موجهاً لبني إسرائيل، (وإذ واعدنا) يعني: واذكروا -يا بني إسرائيل- الوقت الذي واعدنا فيه موسى تتمة أربعين ليلة؛ حتى نعطيه بعدها التوراة، لتعملوا بها. قوله: ((ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)) أي: العجل الذي صاغه لكم السامري إلهاً. وكلمة (اتخذ) تتعدى لمفعولين، المفعول الأول: هو العجل والمفعول الثاني: محذوف وتقديره: ثم اتخذتم العجل إلهاً. ((ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ)) يعني: من بعد ذهاب موسى عليه السلام إلى موعد الله سبحانه وتعالى، ((وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ)) أي: باتخاذه، والظلم في اللغة هو: وضع الشيء في غير محله، فهذا يسمى ظلماً، فقوله تعالى هنا: (وأنتم ظالمون) أي: باتخاذه، لوضعكم العبادة في غير محلها، فإن العبادة ينبغي أن توجه إلى الله سبحانه وتعالى وحده.
تفسير قوله تعالى: (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك)
تفسير قوله تعالى: (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك) قال تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ} [البقرة:52] أي: محونا ذنوبكم (من بعد ذلك) أي: من بعد ذلك الاتخاذ، فالاتخاذ هو الذي يعاتبون عليه، ((لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) أي: نعمتنا عليكم.
تفسير قوله تعالى: (وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون)
تفسير قوله تعالى: (وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون) قال تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة:53]. (والفرقان) عطف تفسير على الكتاب يعني: ((وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ)) الذي هو الفرقان، فعطف الفرقان على التوراة عطف تفسير، والمقصود من ذلك الكتاب الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام، فنزلت الصفات منزلة تغاير الذوات، فعطفها عليها، كما يقول الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم وهنا القاسمي زاد ذلك توضيحاً فقال: ((وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ)) يعني: الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل كقولك: (رأيت الغيث والليث)، فهذا مثال آخر غير بيت الشعر، فهل معنى ذلك (رأيت الغيث) المطر (والليث) الأسد أم أنك تقصد مدح رجل بصفتين؟ تقصد مدح رجل واحد بصفتين فقلت: (رأيت الغيث والليث) وتريد الرجل الجامع بين صفة الغيث، وصفة الليث، فالغيث صفة الكرم كما في الحديث: (كان أجود من الريح المرسلة)، ومعنى المثل: رأيت رجلاً جامعاً بين الكرم والجراءة والشجاعة، ونحو ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء:48]، ثلاث صفات في وصف شيء واحد وهو التوراة، {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء:48] يعني: الكتاب الجامع بين كونه فرقاناً وضياء وذكرى. ((لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) يعني: لكي تهتدوا بالعمل بما فيه من الأحكام.
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم) قال تبارك وتعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:54]. قوله: ((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ)) لمَنْ مِنْ قومه؟ للذين عبدوا العجل من قومه؛ لأن بني إسرائيل ليسوا كلهم عبدوا العجل، فسبط: (بني لاوي) لم يعبدوا العجل، فالخطاب هنا موجه للذين عبدوا العجل من قومه من بني إسرائيل، والقوم: اسم للرجال دون النساء، فالأصل في كلمة (القوم) أنها تطلق على الرجال دون النساء، والدليل من القرآن آية في سورة الحجرات هي قوله تعالى: {لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} [الحجرات:11] فغاير بينهما، فدل على أن القوم للرجال، ويقول الشاعر: ولا أدري وسوف إخالُ أدري أقوم آل حصن أم نساءُ يعني: أرجال هم أم نساء؟ فعبر عن الرجال بالقوم، وسموا قوماً لأنهم هم الذين يقومون بالأمور: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء:34]، فهم يقومون بالأمور، ويتولون الحروب والقيادة وغير ذلك. ((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ)) يعني: الذين عبدوا العجل: ((يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ)) إلهاً، ما إعراب العجل؟ مفعول أول للمصدر، والمصدر هنا عامل: (باتخاذكم العجل) والمفعول به الثاني محذوف وتقديره: إلهاً، يعني: يا قوم! إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلهاً؛ لأنهم قالوا: {هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [طه:88]. (فتوبوا إلى بارئكم) أي: خالقكم، يعني: توبوا من عبادة العجل: ((فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ))، ليقتل البريء منكم المجرم، والمقصود: الذين لم يعبدوا يقتلوا العجل الذين عبدوا العجل، ولم يكن الأمر موجهاً إلى جميع بني إسرائيل، وإنما كان الأمر موجهاً إلى الذين لم يعبدوا العجل أن يقتلوا إخوانهم ممن تلطخوا بعبادة العجل. ((ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ)) الإشارة هي إلى القتل، يعني: فوفقكم الله لفعل ذلك، وأرسل عليكم سحابة سوداء مظلمة؛ لئلا يرى بعضكم بعضاً فيرحمه، حتى قتل منكم نحو سبعين ألفاً. هذا هو القول الأول في تفسير: ((فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)) يعني: يقتل البريء منكم المجرم، وبعض العلماء قالوا: هذا خطاب للكل، أن يقتل بعضهم بعضاً، فجعل القتل للقتيل شهادة وللحي توبة، فالذي يقتل يكون شهيداً، والشهادة تمحوا عنه عبادة العجل، والذي يبقى حياً فإن هذا يكون توبة من الله سبحانه وتعالى عليه؛ لكن الذي اعتمده هنا الإمام السيوطي: قوله: ((فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)) أي: ليقتل البريء منكم المجرم الذي عبد العجل، والذين لم يعبدوا العجل هم من سبط (بني لاوي) سبط من أسباط بني إسرائيل من أبناء يعقوب عليه السلام، فهؤلاء اللاويون هم الذين لم يعبدوا العجل، ((فَتَابَ عَلَيْكُمْ)) أي: قبل توبتكم ((إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)).
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك) قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة:55] يعني: وإذ قلتم وقد خرجتم مع موسى؛ لتعتذروا إلى الله سبحانه وتعالى من عبادة العجل، وسمعتم كلامه. ((يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)) يعني: عياناً: ((فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ)) يعني: الصيحة، فمتم (وأنتم تنظرون) ما حل بكم. لكن هل قوله تبارك وتعالى: {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [الأعراف:143]، كان موتاً بالنسبة لموسى عليه السلام؟! لا، بدليل أن الله سبحانه وتعالى قال: {فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} [الأعراف:143]، فكان نوعاً من الغشيان، غشي عليه عليه السلام، أما هنا فقال الله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} [البقرة:56]، فالصيحة هنا: كانت موتاً (فأخذتكم الصاعقة) فمتم؛ لذلك انظر دقة السيوطي حيث يقول: (فأخذتكم الصاعقة) يعني: الصيحة فمتم، والدليل على تفسيرها بالموت أنه بعد ذلك قال: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة:56]؛ انظر إلى الدقة في اختيار الكلمات: ((فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ))، الصيحة، فمتم وأنتم تنظرون ما حل بكم.
تفسير قوله تعالى: (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون)
تفسير قوله تعالى: (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) قال الله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:56] ((ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ)) أي: أحييناكم ((مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) يعني: تشكرون نعمتنا لذلك الإحياء.
تفسير قوله تعالى: (وظللنا عليكم الغمام)
تفسير قوله تعالى: (وظللنا عليكم الغمام) قال الله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة:57] يعني: كانوا في فترة التيه في شدة الحر، فكان الله سبحانه وتعالى يظللهم بالغمام، وهو سحاب رقيق، فلذلك قال السيوطي: ((وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ)) أي: سترناكم بالسحاب الرقيق من حر الشمس في التيه، ((وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى)) يعني: وأنزلنا عليكم في التَّيِه المن والسلوى، يقول هما: الترنجبين، وهو شيء مثل العسل الأبيض، يقع على الشجر فيأكله الناس، ولا أستطيع أن أقطع وأجزم بأنه موجود حتى الآن؛ لكن حكى لي أحد إخواننا الأفاضل أنه منذ عشرين سنة سافر إلى العراق، فأحضر معه نوعاً من (البودرة) البيضاء وطعمها كالعسل تماماً، يقول: إنهم في تركيا والعراق في الصباح يجمعونها من فوق أوراق الأشجار، وهي تسقط من السماء، وهذه الظاهرة موجودة في تركيا والعراق، فيجمعونها ويضيفون لها بعض المكسرات ويسمونها في المحلات (مَنّ السماء)، وأنا قد أكلت منها، لكن هل هذا هو الملف الله تعالى أعلم. والطير السماني هو السلوى. ((كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)) يعني: ونزلنا عليكم المن والسلوى، وقلنا: كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تدخروا، وطبيعة اليهود معروفة، فكفروا النعمة وادخروا، فقطع الله تعالى عنهم النعمة لما ادخروا. ((وَمَا ظَلَمُونَا)) يعني: ما نقصونا وما ضرونا، ((وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ))؛ لأن وباله عليهم؛ هذا معنى الظلم، فهم الذين ظلموا أنفسهم بقطع هذه النعمة عنهم.
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية وسنزيد المحسنين)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية وسنزيد المحسنين) قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:58] يعني: بعدما بقوا في صحراء التيه وخرجوا منها: ((وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا)) قلنا لهم بعد خروجهم من التيه: ادخلوا هذه القرية بيت المقدس أو أريحا. ((فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا)) يعني: أكلاً واسعاً لا حجر فيه: ((رَغَدًا))، أي: لا حجر فيه: ((وَادْخُلُوا الْبَابَ)) يعني: ادخلوا بابها سجداً، والباب هنا المقصود به: باب القرية ((سُجَّدًا)) يعني: منحنين أو ركعاً، والانحناء قد يسمى سجوداً ((وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا)) أي: منحنين؛ لأجل مهمة كبرى، وهل يمكن أن يدخلوا الباب وهم ساجدون؟ سيبقى الأمر صعباً أن يزحف على الأرض وهو ساجد، فلذلك تعيَّن أن يفسر قوله: (وادخلوا الباب) أي: باب القرية (سجداً) أي: منحنين، لكي يستطيعوا أن يمشوا، والمقصود: وهم راكعون. (وقولوا حطة) يعني: مسألتنا حطةٌ؛ لأنها مرفوعة هنا، فلا بد أن تقدر كخبر، ولو قلنا إن تقديرها: (نسألك حطة) لكانت منصوبة، والمعنى: نسألك أن تحط عنا ذنوبنا، وتغفر لنا هذه الذنوب. وهنا أمرهم بفعل وقول، أما الفعل فهو: السجود، والقول: أثناء الدخول يقولون: حطة، يعني: حُطّ عنا خطايانا، فهم عكسوا الفعلين، لا امتثلوا في الأمر ولا في الفعل. وقوله: ((وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ)) في قراءة (يُغفر لكم خطاياكم). ((وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ)) يعني: بالطاعة ثواباً.
تفسير قوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم)
تفسير قوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم) قال تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة:59]، المقصود: فبدل اللذين ظلموا أي: منهم. ((قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ))، فبدل أن يقولوا: حطة، قالوا: حبة في شعرة، يعني: استبدلوا الكلمة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها كنوع من الاستهزاء، قالوا: حبة في شعرة، بدل كلمة (حطة)، وكأنهم زادوا فيها النون كما يقولون (حنطة)! ودخلوا يزحفون على أستاههم كما في حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قيل لبني إسرائيل: ((وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ)) [البقرة:58] فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا: حبة في شعرة))، وفي رواية: (قالوا: حنطة) بدل حطة؛ وذلك استهزاء منهم، فاستهزءوا بأمر الله، فبدل أن يقولوا: حطة، قالوا: حنطة، يسخرون. {فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} كان يقتضي السياق أن تكون الآية: (فأنزلنا عليهم) لكن وضع الظاهر موضع المضمر مبالغة في توضيح شأنهم؛ حتى يتكرر وصفهم بالظلم. ((فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا)) أي: طاعوناً، وقال بعض العلماء: ظلمة وموتاً، وقيل: الثلج ((رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ))، الباء هنا باء سببية، يعني: أنزل عليهم الرجز بسبب فسقهم، وأصل الفسق: الخروج، فسقت البيضة يعني: خرجت. فهلك منهم في ساعة سبعون ألفاً أو أقل.
تفسير قوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه)
تفسير قوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه) قال تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة:60] يعني: واذكر إذ (استسقى) أي: طلب السقيا، لما دخلوا في التيه لم يجدوا ماء، وكان هناك حر شديد، فقالوا: يا موسى! أهلكتنا وأخرجتنا من مصر وكنا هناك في عيش أحسن من هذا، وسنموت إن بقينا من العطش، فنريد ماءً (فاستسقى موسى لقومه)، وهذه السين تسمى: سين الطلب، مثل: استخار: سأل الله الخيرة، كذلك (استسقى) أي: طلب السقيا، ((وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ)) وقد عطشوا في التيه: ((فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ)) كأن (ال) هنا للعهد الذهني، يعني: الحجر الذي هو معلوم من قبل، وهو الذي فر بثوب موسى عليه السلام، يقولون: هو صغير مربع كرأس الرجل، ((فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا)). قال السيوطي: (قلنا اضرب) فضربه، (فانفجرت منه) يعني: انشقت وسالت منه (اثنتا عشرة عيناً) بعدد الأسباط. ((قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ)) أي: قد علم كل سبط منهم مشربهم، أي: موضع شربهم، فلا يشركهم فيه غيرهم، (كلوا واشربوا) يعني: وقلنا لهم: كلوا واشربوا من رزق الله، ((وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ))، عثى يعني: أفسد.
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد) قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة:61] يعني: لن نصبر على نوع واحد من الطعام، وهو المن والسلوى. ((فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ)) (يخرج لنا) يعني: شيئاً: ((مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا))، (من) هنا: للبيان، ما الذي يخرج من الأرض؟ وما الذي تنبته الأرض؟ ((مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا)) أي: حنطتها، أو (ثومها) في قراءة ابن مسعود، وهنا أشار القاسمي إشارة طيبة إلى أن العرب أحياناً يبدلون الفاء بالثاء، يقول أحد العلماء: ((فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا)) يقول: هو الثوم؛ لقراءة ابن مسعود: (وثومها) وللتصريح به في التوراة في هذه القصة، فالفوم المقصود به: الثوم، وقد ذكر ابن جرير شواهد لإبدال الثاء فاء، مثل الإبدال الذي في لفظ الخيل والخير، فكثيراً ما يعبر العرب عن الخيل بالخير؛ ولذلك سمى النبي عليه الصلاة والسلام زيد الخيل بـ (زيد الخير)، والحديث ربط بينهما: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة). يقول: ذكر ابن جرير شواهد إبدال الثاء فاء؛ لتقارب مخرجيهما، لذلك العرب يبدلونها كقولهم للأثاثي: أثافي، تقول: (ثالثة الأثافي)، فالعرب عندما كانوا يطبخون يأتون بحجرين صغيرين تحت القدر، ويأتون بحجر كبير وراءهما؛ لكي تكون ثلاثة أحجار، والإناء يستقر عليه، فيسمون الحجر الثالث: ثالثة الأثافي. وقولهم: (وقعوا في عاثور شر) عاثور هو الحفرة، أو يقال: (عافور شر)، كذلك المغافير يقولون فيها: المغاثير. ((وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ)) أي: قال لهم موسى ((أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى)) أدنى: أخف ((بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)) أي: بالذي هو أشرف، يعني: أتأخذونه بدله؟! والهمزة استفهام للإنكار، فأبوا أن يرجعوا، فدعا موسى الله سبحانه وتعالى بما طلبوه، والسيوطي يملأ ما بين الآيات بالمعاني التي ينبغي أن تكون موهبة الفهم يعني: فدعا موسى ربه سبحانه وتعالى بما طلبوه، فقال تعالى: ((اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ)). ما الفرق بين: ((اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ))، وبين قول يوسف عليه السلام: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف:99] وبين قول فرعون لعنه الله: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف:51]. قوله: (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) هذه علم على مصر المعروفة، وقوله: (اهبطوا مصراً) أي: مصراً من الأمصار، فلم تكن علماً على مكان فنونت. إذاً: قوله: ((اهْبِطُوا مِصْرًا)) أي: انزلوا مصراً من الأمصار، أيَّ بلدٍ، أنتم تسألون أشياء هينة لا تستحق هذا الذي تفعلونه كله، فانزلوا أي بلد فيها الثوم والعدس، فمعنى الكلام: اهبطوا مصراً من الأمصار فهذا شيء هيِّن، أنتم تطلبون شيئاً دنيئاً بالنسبة لما كان يعطيكم الله سبحانه وتعالى، انزلوا في أي بلد، فستجدون ما تطلبون، ولكن مصر الممنوعة من الصرف هي بلادنا، {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف:51]، أما قوله: (مصراً) بالتنوين يعني: بلداً من البلدان أو مصراً من الأمصار. ((اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ)) يعني: فإن لكم فيه ما سألتم من النبات. قوله: ((وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)) أي: جعلت عليهم الذلة والهوان (والمسكنة) وهو أثر الفقر؛ لأن الفقير إذا اشتد فقره وعناؤه فإنه يسكن، فالفقر يقترن بالسكون وقلة الحركة، فلذلك يعبر به عن المسكنة، (والمسكنة) أثر الفقر من السكون والخزي، فهي لازمة لليهود وإن كانوا أغنياء لزوم الدرهم المضروب لسكته، أي: طبعت عليهم فلا تفارقهم، مثل أي عملة معدنية عليها النقش المكتوب أو الرسم الموجود، فهذا هو السر في استعمال تعبير: (ضربت عليهم) يعني: لازمتهم فلا تفارقهم الذلة والمسكنة، كما أن الكتابة والنقوش التي تكون على المعادن -التي تسك- تكون لازمة لها لا تفارقها. وهنا القاسمي أتى بمعنى عظيم جداً، يقول رحمه الله تعالى: والمسكنة مفعلة من السكون؛ لأن المسكين قليل الحركة والنهوض لما به من الفقر، والمسكين: مفعيل منه، وفي الذلة: استعارة بالكناية، ضربت عليهم الذلة حيث شبهت بالقبة في الشمول والإحاطة، فالذل يحيط بهم، أو شبهت الذلة بهم بلصوق الطين بالحائط في عدم الانفكاك، وهذا الخبر الذي أخبر الله تعالى به هو معلوم في جميع الأزمنة؛ فإن اليهود أذل الفرق وأشدهم مسكنة، وأكثرهم تصاغراً، لم ينتظم لهم جمع، ولا خفقت على رءوسهم راية، ولا ثبتت لهم ولاية، بل ما زالوا عبيد العصي في كل زمن، وطروقة كل فحل في كل عصر، ومن تمسك منهم بنصيب من المال وإن بلغت الكثرة أي مبلغ فهو مرتد بأثواب المسكنة. وهذه الحقيقة لا يماري فيها أي إنسان يتعامل مع اليهود أو رأى اليهود واقترب منهم، حتى ولو كان اليهودي أغنى أغنياء العالم، فمهما يكن عنده من غنى فإنك تجد الذل والمسكنة وصفاً لازماً له لا يفارقه أبداً، أما ما هم عليه الآن فهذا خلاف الأصل، وهذا من العلو الذي ذكره الله سبحانه وتعالى: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء:4]، ولكن سنة الله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء:8]، إن عدتم إلى الإفساد عدنا لأن نسلط عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، فلا شك أنه لن يدوم لليهود ما هم فيه الآن من العلو والغلبة، وإن كنا نعتقد أنهم حتى في هذه الحالة ما زالت الذلة والمسكنة مضروبة عليهم قال الله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [الأعراف:167]، لا بد أن يسلط الله سبحانه وتعالى عليهم من يسومهم سوء العذاب حتى ولو كانوا أطفالاً يرمونهم بالحجارة، فما بالك بمن فوقهم؟! ((وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)) (باءوا) يعني: رجعوا ((بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)). ((ذَلِكَ)) يعني: ذلك الضرب والغضب المشار إليه بقوله: ((وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ))، (ذلك) أي: الضرب والغضب (بأنهم) أي: بسبب أنهم (كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق) كزكريا ويحيى عليهما السلام. ((بِغَيْرِ الْحَقِّ)) أي: ظلماً، ومثل هذا القيد لا مفهوم له؛ لأن كل نبي قتل لا بد أنه قتل بغير حق، فهذا ليس له مفهوم مخالفة، مثل قوله تعالى: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور:33]، فهل يفهم من ذلك أن الإماء إن لم يردن تحصناً يجوز أن يكرهن على البغاء؟! لا مفهوم له؛ وكذلك قوله: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء:31]، فهل يمكن لإنسان أن يقتل أولاده بسبب عدم الإملاق؟ لا، كذلك قوله: {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران:130]، هل مَنْ يأكل الربا بنسبة ضئيلة، وليس أضعافاً مضاعفة يحل له الربا؟! لا، فهذا كله مما لا مفهوم له، كذلك هنا: ((وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ))، هذا بيان بأن كل قتل للأنبياء يكون بغير حق، ولا يمكن لأحد أن يقتل الأنبياء ويكون على حق، فهو مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون:117] فهل يمكن لإنسان أن يعبد إلهاً غير الله إذا كان عنده برهان على ذلك؟! لا، فهذا لا مفهوم له. ((ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)) أي: يتجاوزون الحد في المعاصي.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا) قال تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:62]، هذه من الآيات التي ينبغي الرجوع إلى العلماء في تفسيرها كسائر آيات القرآن، فإن كثيراً ممن ينتسبون إلى العلم زوراً وبهتاناً في هذا الزمان يريدون هدم الإسلام بسوء تفسيرهم لهذه الآية، وتأويل المنتسب لها، فهذه الآية من الآيات التي ظهر في الأزمنة الأخيرة منحرفون انتسبوا إلى العلم زوراً وبهتاناً يستدلون بها على صحة كل العقائد الباطلة، يعني: كأن الأديان كلها حقٌّ؛ لأن كل هؤلاء سيدخلون الجنة! فهذا قطعاً وبإجماع المسلمين معنى فاسد لا يمكن أن يقصده أبداً عالم ولا إمام من أئمة المسلمين، وهذه الآية تحتمل في محاضرة كاملة مستقلة، لكن سنمر عليها مروراً سريعاً جداً بما يسمح به الوقت. ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا)) قال بعض العلماء: يعني في الظاهر، وهم المنافقون، آمنوا في الظاهر، وليس إيمانهم حقيقياً؛ لأنهم عطفوا على أشكالهم، فبما أن الذين آمنوا في الظاهر من المنافقين: ((وَالَّذِينَ هَادُوا)) كفار، ((وَالنَّصَارَى)) كفار ((وَالصَّابِئِينَ))، كفار فأي إنسان من هذه الطوائف -المنافقون أو اليهود أو النصارى أو الصابئون- إذا آمن، يعني: تاب (إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً) فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. أو يكون المقصود: (إن الذين آمنوا) بالأنبياء من قبل، (والذين هادوا) وهم اليهود، (والنصارى والصابئين) وهم طائفة من اليهود أو النصارى، ((مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) يعني: من آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم وعمل صالحاً بشريعته؛ لأن شريعته صارت منسوخة: ((فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)). أو: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا)) وثبتوا على ذلك حتى الممات، من آمن منهم (بالله واليوم الآخر) يعني: في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم، (وعمل صالحاً) أي: بشريعته، (فلهم أجرهم) أي: ثواب أعمالهم، ((عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)).
تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور)
تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور) قال تبارك وتعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:63] يعني: واذكر إذ أخذنا ميثاقكم أي: عهدكم بالعمل بما في التوراة، (ورفعنا فوقكم الطور) يعني: وأخذنا ميثقاكم وقد رفعنا فوقكم الطور، فأخذ الميثاق كان حالة رفع الطور، حيث اقتلع الله الجبل من أصله ورفعه فوقهم، وقال: ((خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ))، خذوا هذه التوراة، واقبلوا العمل بها. (وإذ أخذنا) يعني: واذكر إذ أخذنا ميثاقكم أي: عهدكم بالعمل بما في التوراة (ورفعنا فوقكم الطور) يعني: وقد رفعنا فوقكم الطور، أي: الجبل، واقتلعناه من أصله ورفعناه فوقكم لما أبيتم قبولها، ((خُذُوا)) أي قلنا: ((خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)) أي: بجد واجتهاد. ((وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ)) بالعمل به. ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) أي: النار أو المعاصي.
تفسير قوله تعالى: (ثم توليتم من بعد ذلك)
تفسير قوله تعالى: (ثم توليتم من بعد ذلك) قال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} [البقرة:64] أي: أعرضتم، {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة:64] أي: من بعد ذلك الميثاق أعرضتم عن الطاعة: {فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} [البقرة:64] لكم بالتوبة، أو بتأخير العذاب، {لَكُنتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [البقرة:64].
تفسير قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت)
تفسير قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت) قال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة:65]، اللام هنا لام القسم: (ولقد علمتم) أي: عرفتم، (الذين اعتدوا) أي: تجاوزوا الحد، (منكم في السبت) وقصة السبت معروفة، وقد حصلت لأهل المدينة التي اسمها الآن (إيلات) على خليج العقبة، وكانت تسمى (أيلة). ((وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ)) أي: الذين تجاوزوا الحد منكم في السبت؛ لصيد السمك وقد نهيناهم عنه، ((فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)) يعني: مبعدين، فمسخهم الله سبحانه وتعالى مسخاً حقيقياً فكانوا قردة، وهلكوا بعد ثلاثة أيام؛ لأن سنة الله سبحانه وتعالى أن القوم الذين يمسخون لا يعيشون، فيمسخون أولاً ثم يموتون، ولا يكون لهم عقب ونسل: ((فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)) (خاسئين) يعني: مبعدين، فكانوا كذلك وهلكوا بعد ثلاثة أيام.
تفسير قوله تعالى: (فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها)
تفسير قوله تعالى: (فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها) قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:66] يعني: تلك العقوبة، (نَكَالًا) يعني: عبرة لغيرهم مانعة من العمل بمثل ما عملوا: ((نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا)) أي: الأمم التي في زمانها وبعد زمانها، ((وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)) أي: المتقين لله، وخصوا بالذكر لأنهم هم الذين ينتفعون بالموعظة، بخلاف غيرهم.
البقرة [67 - 81]
تفسير سورة البقرة [67 - 81]
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة:67] يعني: واذكر إذ قال موسى لقومه، انظر دقة السيوطي في التفسير، يقول: (وإذ قال موسى لقومه) يعني: واذكر إذ قال موسى لقومه، وقد قُتل لهم قتيل لا يدرى قاتله، وقد سألوه أن يدعو الله أن يبينه لهم فدعاه، فأصل الآية هنا كأن فيها تقديماً وتأخيراً، فالذي حصل أن قتل لهم قتيل، ولم يعرفوا من الذي قتله، ففزعوا إلى موسى وقالوا له: ادع لنا ربك يبين لنا من الذي قتل هذا القتيل، فدعاه؛ فلذلك يقول تعالى: ((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً))، أَيَّ بقرةٍ، (قالوا أتتخذنا هزؤاً) وفي قراءة أخرى: ((قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا)) أو (هزءاً) ثلاث قراءات، وقولهم: (أتتخذنا هزؤاً) هذا من سوء أدبهم مع نبيهم عليه السلام، وهذه سنتهم وأخلاقهم، وهم يرون كل هذه المعجزات، سبحان الله!! (أتتخذنا هزءاً) بالهمز مع ضم الزاي وسكونها، أو (هزواً) بضم الزاي، مع إبدال الهمزة واواً، أي: مهزوءاً بنا! حيث نأتيك ونشكو لك أنه قتل منا قتيل، ولا ندري من قاتله، ونسألك أن تسأل ربك سبحانه وتعالى أن يبين لنا الذي قتله، فتجيب علينا وتقول: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً))، أتهزأ بنا؟ أتسخر منا؟! (أتتخذنا هزواً) أي: مهزوءاً بنا، حيث تجيبنا بمثل ذلك: ((قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ))، يعني: أمتنع بالله من أن أكون من الجاهلين أي: المستهزئين، فلما علموا أن الموضوع عزم وجد وفرض لا هزل فيه، قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟ فشددوا على أنفسهم، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة لقبل الله سبحانه وتعالى ذلك منهم؛ لكن شددوا على أنفسهم فعاقبهم الله بالتشديد عليهم؛ وذلك أن التوراة كان فيها آصار وأغلال، فقد كانت الشرائع أحياناً تنزل عقوبة لهم؛ لطبائعهم الخبيثة، فكان من رحمة الله سبحانه وتعالى أن بعث لهم محمداً عليه الصلاة والسلام: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157]؛ لأن في التوراة أصراراً وأغلالاً شديدة جداً، وهي تتلاءم مع طبيعتهم الخبيثة واللئيمة.
تفسير قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي)
تفسير قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) فلما علموا أنه عزم أي: فرض لا هزل فيه: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} [البقرة:68] انتبهوا! هنا جاءت كلمة (ما هيَ) جاءت مرتين، في كل مرة عن سؤال مخالف لسؤال آخر، وعن موضوع غير الآخر فكيف نميز بينهما؟ ففي الحالة الأولى كان المسئول عنه سنها، والدليل قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة:68]، فالجواب يدل على أن السؤال كان عن السن. الحالة الثانية: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة:70]، يعني: هل هي عاملة أم سائمة؟! بدليل: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا} [البقرة:71]. ((قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ)) أي: ما سنها؟ ((قَالَ)) أي: موسى ((إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ)) يعني: ليست كبيرة السن ((وَلا بِكْرٌ)) يعني: ولا هي بكر صغيرة، ((عَوَانٌ)) أي: نَصَفٌ في سنها ((عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ)) يعني: بين ذلك المذكور من السنين {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} [البقرة:68] أي: ما تؤمرون به من ذبحها.
تفسير قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها)
تفسير قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها) قال تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} [البقرة:69] أي: شديدة الصفرة، {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} [البقرة:69] أي: تعجب الناظرين إليها، وهذا معروف فعلاً، فاللون الأصفر من الألوان التي تدخل السرور على النفس، ويدخل البهجة والفرحة والسرور على النفس. وتخيل بقرة في لون أصفر صافٍ، يعني: لا يخالطه أي لون آخر، فسوف تدخل السرور على نفسك عندما تراها بهذا المنظر. (فاقع لونها) أي: شديد الصفرة، (تسر الناظرين) أي: إليها من حسنها.
تفسير قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا)
تفسير قوله تعالى: (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا) قال تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} [البقرة:70] يعني: أسائمة هي أم عاملة؟ أتشتغل في الحرث أم لا؟ {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة:70] أي: البقر المنعوت بما ذكر، ((تَشَابَهَ عَلَيْنَا))، لكثرته؛ فلم نهتد إلى المقصود. {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} [البقرة:70]، إليها، وفي الحديث: (لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد)، وهذا الحديث أخرجه الطبري بإسناد منقطع عن ابن جريج وقتادة السدوسي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروي متصلاً. فهم في هذه المرة تأدبوا مع الله وقالوا: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ، فنفعتهم. {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ} [البقرة:71] يعني: غير مذللة بالعمل، {تُثِيرُ الأَرْضَ} [البقرة:71] أي: لا تثير الأرض؛ فهي بقرة معززة مكرمة لا تشتغل بالحرث، ولا تسقي الحرث، وكلمة (لا) هنا تنفي الاثنين، الذل وإثارة الأرض، يعني: هي معززة مكرمة، لا تعمل في الحرث ولا الزراعة. (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ)، ما لها؟ (لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ)؛ لأن التي تثير الأرض تكون مذللة بالعمل، فهذه البقرة لا تثير الأرض، أي: لا تقلبها للزراعة، والجملة (تثير الأرض) صفة لذلول داخلة في النفي أي: لا تعمل في حراثة الأرض. {وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ} [البقرة:71]، المقصود بالحرث الأرض المهيأة للزراعة، فهي لا تسقي الأرض المهيأة للزراعة. {مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا} [البقرة:71]، (مسلمة) يعني: من العيوب وآثار العمل، ((لا شِيَةَ فِيهَا)) يعني: لا لون آخر فيها، ولا يخالط لونها الأصفر الفاقع أي لون آخر. {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} [البقرة:71]، انظر إلى سوء الأدب مع نبيهم عليه السلام، وكأنه من قبل لم يأت به! (قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ)، يعني: نطقت بالبيان التام. فطلبوها فوجدوها عند الفتى اليتيم المقيم مع أمه فاشتروها بملء مسكها ذهباً، والمسك هو الجلد. {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة:71] يعني: وما كادوا يفعلون بسبب غلاء ثمنها. وفي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام: (لو ذبحوا أي بقرة كانت لجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم؛ فشدد الله عليهم).
تفسير قوله تعالى: (وإذا قتلتم نفسا فادارأتم فيها)
تفسير قوله تعالى: (وإذا قتلتم نفساً فادارأتم فيها) قال تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ} [البقرة:72] أصلها: فاتدارأتم، فأدغم التاء في الدال، أي: تخاصمتم وتدافعتم فيها، واتهم بعضكم بعضاً بقتل تلك النفس. {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة:72] أي: إن الله مظهر ما كنتم تكتمون من أمرها، وهذه الجملة اعتراضية، ومن هنا تبدأ أول قصة البقرة. {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} [البقرة:73]، الهاء تعود على القتيل، أي: اضربوا القتيل، أي: بجزء منها، فضرب بجزء منها، قيل: بلسانها أو عقب ذنبها، فحيي وصحى وأعيدت إليه الحياة، وقال: قتلني فلان وفلان لابن عمه ومات، نطق بهذا ومات، فحرم الميراث وقتل، لماذا حرم الميراث؟ لأن القاتل لا يرث، والقاعدة: من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه. {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} [البقرة:73]، (كذلك) الإشارة هنا إلى الإحياء، يعني: كذلك مثل ذلك الإحياء الذي حصل مع هذا القتيل يحي الله الموتى، وهذا دليل رابع من أدلة البعث والنشور من الحزب الأول من سورة البقرة، والأدلة الثلاثة ناقشناها من قبل بالتفصيل في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة:21]. {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} [البقرة:73] أي: دلائل قدرته. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة:73] أي: تتدبرون فتعلمون أن القادر على إحياء نفس واحدة قادر على إحياء نفوس كثيرة فتؤمنون.
تفسير قوله تعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك)
تفسير قوله تعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك) قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة:74] أيها اليهود وصلبت عن قبول الحق. {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة:74] أي: من بعد ذلك المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات. {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} [البقرة:74] في القسوة. {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة:74] يعني: أشد من الحجارة. {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ} [البقرة:74]، هنا أيضاً إدغام حيث أدغم التاء في الشين لأن أصلها: (يتشقق) فأدغمت التاء في الشين فصارت (يشقق). {فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة:74] أي: ينزل من علو إلى سفل من خشية الله، وهذه حقائق ليست مجازاً، فالجبل قد يسقط من خشية الله، وقلوبكم لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع، وأنتم ثابتون على هذه القسوة! {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:74] يعني: وإنما يؤخركم لوقتكم، وفي قراءة: (وما الله بغافل عما يعملون)، وعلى هذا يكون التفات من الخطاب إلى الغيبة.
تفسير قوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم)
تفسير قوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم) بعدما حكى الله سبحانه وتعالى بعض أحوال بني إسرائيل مع نبيهم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأفعالهم الذميمة، وأحوالهم الميئسة من إيمانهم، قال تبارك وتعالى مخاطباً المؤمنين: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} [البقرة:75]، أي: أفتطمعون -أيها المؤمنون- أن يؤمن لكم اليهود بعد أن علمتم تفاصيل شئون أسلافهم الميئسة من إيمانهم، وهم متماثلون في الأخلاق الذميمة؟! فلا يأتي من أخلاقهم إلا مثل الذي أتى به أسلافهم، وهم يورثون طباعهم اللئيمة وخصالهم الذميمة إلى الأجيال من بعدهم، فالخطاب للمؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) يعني: وقد كان طائفة منهم وهم أحبارهم؛ لأن سياق الآيات كما سيأتي يبين أن الذين كانوا يفعلون هذا الفعل هم الأحبار بالذات. وعبر هنا بالللام في كلمة: (لكم) لكي يضمّن الكلام معنى الاستجابة، وهي مثل قوله تبارك وتعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت:26]، ولم يقل: فآمن به لوط؛ لأن المقصود أنه استجاب له لوط، فضمن معنى الاستجابة، فيكون المعنى: أفتطمعون في إيمانهم مستجيبين لكم؟ أو أن اللام هنا للتعليل، يعني: أفتطمعون في أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم؟ (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) يعني: طائفة منهم وهم أحبارهم. (يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ) أي: في التوراة. (ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ)، يغيرونه. (مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) من بعد ما فهموه. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) وهم يعلمون أنهم مفترون كذابون. والهمزة في قوله تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ) للاستفهام الإنكاري، والمقصود: لا تطمعوا في إيمانهم فلهم سابقة بالكفر، وبقاياهم الموجودة في العصر المحمدي على مثل ما كان عليه آباؤهم في العصر الموسوي.
تحريف اليهود للتوراة
تحريف اليهود للتوراة هذا هو أول موضع في القرآن يشار فيه إلى التحريف الذي وقع في التوراة، فقوله: (ثم يحرفونه) أي: ثم يغيرونه، يقول القاضي كنعان: لا شك أن التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام قد حرفت، وأن الإنجيل الذي أنزل على عيسى بن مريم عليه السلام قد غير وبدل، وأن الذين فعلوا ذلك هم الأحبار والرهبان الذين يعلمون الكتاب ويقرءونه دون سواهم من عامة اليهود والنصارى. فعلماؤهم قد ضلوا وحرفوا، وعوامهم قد قلدوا كما سيأتي الكلام على الطائفتين. وهنا مسألة مشهورة جداً في مثل هذا الموضع وفي كثير من الكتب التي تتعرض لنقد عقائد النصارى وإثبات تحريف كتبهم، وهي: هل التحريف كان تحريفاً في المعاني فقط أم كان تحريفاً أيضاً في أصل كتبهم؟ حكي عن بعض العلماء وبعض السلف أن التوراة حفظت كما هي، والإنجيل حفظ كما هو، وإنما حصل تحريف في المعاني وليس في الألفاظ، وهذا القول مرجوح ومخالف لما ذهب إليه الجماهير وعامة العلماء في كافة الأعصار من أن التحريف يشمل الأمرين معاً: التحريف للمعاني بالتأويل، والتحريف أيضاً للألفاظ. يقول القاسمي رحمه الله تعالى في هذه الآية وهو يؤيد تفسير ابن جرير الطبري: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} [البقرة:75] يعني: يغيرونه، يقول: ما نقلناه عن ابن جرير وابن كثير في تفسير: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} [البقرة:75]، هو الأنسب باعتبار السياق -يعني: سياق الآيات القرآنية-، ولا يتوهم من ذلك دفع التحريف اللفظي عن التوراة، يعني: في هذا الموضع يمكن أن يقال: إن التحريف هنا تحريف للمعاني، لكن هذا لا ينفي أنهم حرفوا الألفاظ، فهذا ثابت في مواضع أخرى في القرآن، لكن في هذا الموضع بالذات الأقرب لسياق الآيات أن يقال: إن التحريف هنا تحريف معنوي. ولا يتوهم من ذلك دفع تحريفهم اللفظي عن التوراة فإنه واقع بلا ريب، فقد بدلوا بعضاً منها وحرفوا لفظه، وأولوا بعضاً منها بغير المراد، وكذا يقال في الإنجيل، ويشهد لذلك كلام أحبارهم، فقد نقل العلامة الجليل الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه إظهار الحق: أن أهل الكتاب سلفاً وخلفاً عادتهم جارية بأن يبدلوا غالباً الأسماء في تراجمهم، ويذكرون بدلها معانيها، وهذا خطأ عظيم، ومنشأ للفساد، مثلما فعلوا في كلمة: (الفراقليد) أو كلمة: (حمد)، كما قال الله: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6] عليه الصلاة والسلام، فإنهم ترجموا معناها فقالوا: يعني: المستحق للحمد والمجد والثناء والمديح، فحولوها وترجموها بالمعنى، وبالتالي صارت تلك الكلمة المشهورة عندهم وهي: الفراقليد أو البراقليط، بالباء والفاء، وهذه الكلمة معناها في اللغة اليونانية القديمة التي ترجم إليها الإنجيل أولاً: الذي في اسمه حمد كثير، أو الأمجد، أو الأشهر، أو الذي يستحق الثناء والحمد، وهو محمد صلى الله عليه وسلم من حيث الاشتقاق، فالفراقليد تعني: أفعل تفضيل من حمد يعني: أحمد، تماماً كما قال الله تبارك وتعالى، ولكن في القوم سجية غير محدثة وهي التبديل والتحريف، هذه حرفة يهودية قديمة، وتأسى بهم في ذلك أيضاً النصارى، فحرفوها، والآن بدأت التراجم الحديثة تخلو من كلمة (الفراقليد)، لما رأوا أن هذه الكلمة قد استدل بها المسلمون، وجعلوا بدلها المعزي أو المخلص حتى يهربوا، وكل من يتابع التراجم المتعددة لكتبهم يجد عشرات الآلاف من الشواهد على هذا التحريف! يقول: وأنهم يزيدون تارة شيئاً بطريق التفسير في الكلام، فبحجة التفسير يزيدون في الكتاب الذي هو كلام الله في زعمهم، ولا يشيرون إلى التفسير، ولا يفصلون بين كلام الله الأصلي وبين الكلام الذي يزيدونه! وهذان الأمران بمنزلة الأمور العادية عندهم، ومن تأمل في تراجمهم المتداولة بألسنة مختلفة وجد شواهد تلك الأمور كثيرة، ثم ساق بعضاً منها. وبعض علماء النصارى قال: إن يد المسلمين استطاعت أن تصل إلى الأناجيل وتحرفها، والدليل على ذلك وجود كلمة الفراقليد في الأناجيل، فهذا يدل على أن المسلمين وصلوا للإنجيل وحرفوا فيه! قال: إننا لا نستطيع أن ننكر أن الفراقليد تعني أحمد، فهذا يدل على أن المسلمين هم الذين وضعوها! وهذا مسكين، إذ إن هذه الكلمة في كل الكتب القديمة والحديثة، وهذه الكلمة موجودة عندهم من قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وأهل الكتاب إذا قرأوا كلامه سيضحكون منه، لكن في نفس الوقت نحن نستفيد من ذلك الدلالة الواضحة والصريحة بوجود اسم أحمد عليه الصلاة والسلام في الأناجيل. يقول أحد علماء النصارى في مسيرة البابا: إن بعضهم ذهب إلى أن روح القدس -من الوقاية- الكتبة عثرة الخطأ الطفيف، وإن روح القدس تساهل معهم، يعني: أن روح القدس لم يثبت كتبة الأناجيل في كل الأحوال، لكنه أحياناً كان يتساهل معهم في التصحيح، أي: أنه لم يقهم عثرة الخطأ الطفيف، ولا كفاهم زلة القدم، حتى لم يستحل أنهم خلطوا البشريات بالإلهيات! وفيه أيضاً: إن بين النسخة العبرانية والسامرية واليونانية من الأسفار الخمسة خلافاً عظيماً في أمر التاريخ. إذاً: تحريف الأسفار الخمسة أمر بين بشهادة أحد علمائهم. وفيه أيضاً في الفصل الواحد والثلاثين: إن بعض علمائهم زعم أنه وجد في الترجمة اللاتينية العامية للعهدين: العتيق والجديد نيفاً وأربعة آلاف غلطة، ورأى آخر فيها ما يزيد على ثمانية آلاف خطأ، فثبت من شهادتهم وقوع التحريف اللفظي فيها، وهذا هو المقصود. إذاً: التحريف اللفظي مما لا ينكره أحد. أما القول بتحريف الأسفار كلها أو جلها، وأن كل ما في التوراة وكل ما في الإنجيل محرف فهذا إسراف، قال الحافظ ابن حجر في أواخر شرح الصحيح في باب قول الله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج:21 - 22]: إن القول بأنها -أي: هذه الكتب- بدلت كلها مكابرة، والآيات والأخبار كثيرة تدل على أنه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل، من ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ} [الأعراف:157]، وهذا كثير جداً، وهذا بحث في الحقيقة يطول، وسبق أن تكلمنا فيه في دراسة العقيدة في أدلة صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، كمثل قول المسيح مثلاً: (إنني يجب أن أذهب الآن، فإني إذا لم أذهب لم يأتكم الفراقليد، فإن الله سبحانه وتعالى سيبعثه ويجعل كلامه في فمه)، وهذه إشارة إلى أمية النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك القصة التي أخرجها البخاري في كتاب المناقب في باب قوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة:146]، معنى ذلك: أن هذا من الحق الذي بقي في كتبهم، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم! إن فيها آية الرجم؛ فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدقت -يا محمد- فإن فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة)، والشاهد أن هذا يدل على وجود الرجم كما قال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران:93]، وهو يدل على أنه بقي في التوراة والإنجيل شيء من الحق، مع ما حصل من التحريف فيهما. ونكتفي بالإشارة إلى أن هذا البحث الطويل موجود في كتاب جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، وفي مقدمة القاسمي في تفسيره من صفحة أربعين فما فوق، وفي كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، وفي إغاثة اللفهان في الجزء الثاني أيضاً بحث مفصل حول موضوع التحريف الواقع في التوراة، وهل هو معنوي فقط أم لفظي ومعنوي؟
تفسير قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا)
تفسير قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) قال الله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة:76]، الواو هنا تعود إلى طائفة من اليهود، جمعوا بين كفر اليهودية وبين النفاق. قال السيوطي رحمه الله: (وإذا لقوا) أي: منافقوا اليهود. {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} [البقرة:76]، آمنا بأن محمداً عليه الصلاة والسلام نبي وهو مبشر به في كتابنا، فإما أنهم قالوا ذلك مجاملة لحلفائهم من الأوس والخزرج، أو أنهم قالوا ذلك باعتبار أن هذه حقيقة أجلى من أن تذكر؛ فكانوا لا يستطيعون أن ينكروها إذا قابلوا المسلمين. {وَإِذَا خَلا} [البقرة:76] أي: رجع، {بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا} [البقرة:76] أي: إذا انضم اليهود بعضهم إلى بعض، (قال) رؤساؤهم الذين لم ينافقوا لليهود الذين نافقوا عاتبين عليهم: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ} [البقرة:76] أي: المؤمنين، {بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} [البقرة:76]، أي: أتحدثون المؤمنين بما فتح الله عليكم، يعني بما عرفكم في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، وأصل الفتح في اللغة الحكم والقضاء، أي: بما حكم الله عليكم وقضاه، وأخذ عليكم من الميثاق بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث، ومعنى هذا الفتح: أن تؤمنوا به إذا بعث. (لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) يعني: ليخاصموكم، واللام للصيرورة، والمقصود: ليصيروا خصماءكم عند ربكم، في الآخرة، ويقيموا عليكم الحجة في ترك اتباعه مع علمكم بصدقه. ومقصود هؤلاء الرؤساء: أن ذلك يكون أشد خزياً وفضيحة لكم؛ لأن الذي يعلم الحق ويكتمه واضح خزيه، وفضيحته أخف ممن علم الحق وأظهره ومع ذلك عانده. إذاً: هؤلاء المنافقون اليهود يقولون: إن هذا سيكون أشد لخزيكم يوم القيامة، وأخزى لكم وأفضح؛ لأن من يعلم ويكتم أخف حالاً ممن يظهر الحق، ثم يظهر أيضاً مخالفته عناداً واستكباراً وجحوداً. (لِيُحَاجُّوكُمْ) أي: ليخاصموكم، واللام للصيرورة، يعني: ليصيروا خصماءكم، وهي أيضاً لام العاقبة، (لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) يعني: في الآخرة، ويقيموا عليكم الحجة في ترك اتباعه مع علمكم بصدقه. {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة:76] أنهم يحاجونكم إذا حدثتموهم؟ انتهوا عن هذا؛ لأنكم إذا ناقشتموهم سيقولون لكم: ألم تعترفوا من قبل بهذه الحقيقة؟!
تفسير قوله تعالى: (أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون)
تفسير قوله تعالى: (أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) قال الله تعالى: {أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة:77]. ((أَوَلا يَعْلَمُونَ))، الاستفهام هنا للتقرير، والواو الداخلة عليها للعطف. ((أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ))، ما يخفون وما يظهرون من ذلك وغيره؛ فيرعووا عن ذلك، وينكفوا عنه. وبعد أن ساق الكلام في حق الذين حرفوا التوراة وهم الأحبار، انتقل الكلام إلى المقلدين الذين ضلوا بتقليد هؤلاء الرؤساء الضالين، فقال: {وَمِنْهُمْ} [البقرة:78] أي: اليهود، {أُمِّيُّونَ} [البقرة:78] عوام. {لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} [البقرة:78]، أي: التوراة. {إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة:78]، أي: لكن أماني، وهذا استثناء منقطع، أي: لكن يعلمون أماني، والأماني هي أكاذيب تلقوها من رؤسائهم فاعتمدوها، وقلدوهم في ذلك. {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة:78] (إن) بمعنى: ما، يعني: ما هم إلا يظنون، وذلك في جحد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وفي غيره مما يختلقونه، فهم يظنون ظناً ولا علم لهم، والظن لا يغني من الحق شيئاً. إذاً: قوله تبارك وتعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة:78]، هذه الآية في حق المقلدين من اليهود. (منهم)، من أهل الكتاب. (أميون)، جمع أمي، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة. (لا يعلمون الكتاب)، لا يدرون ما فيه؛ لأنهم لا يستطيعون الاطلاع على الكتاب؛ لأنهم لا يحسنون الكتابة، وصفة الأمية لا تعني عدم العلم؛ لأن العلم يحصل بواسطة طرائق أخرى أعلاها وأسماها وأجلها الوحي كما حصل لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهنا وصفهم بالأمية وبعدم العلم؛ فهم لا يدرون ما فيه من صفات النبي صلى الله عليه وسلم، ومن صفاته صلى الله عليه وسلم أنه أمي، لماذا؟ لأنه لم يكن يحسن الكتابة كما قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48]، فإن الله سبحانه وتعالى جعل معجزة النبي صلى الله عليه وسلم من أجلى المعجزات، فمع كونه أمياً أتى بهذا الكتاب الذي أعجز الفصحاء والبلغاء، وتحدى به الإنس والجن أجمعين، فلم يقبل واحداً منهم التحدي، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا)، أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتنا إلى كتاب ولا حساب، وهذا ليس مدحاً للأمية لكنه إشارة إلى يسر الشريعة الإسلامية، وأنها شريعة سهلة يستطيع أن يطبقها الشخص الأمي البدوي في الصحراء وعالم الفلك سواء بسواء، إذ كلاهما يستطيع أن يعرف متى وقت الفجر والظهر والعصر عن طريق الظل والشمس، كذلك متى يدخل الشهر ومتى يخرج. هذا معنى أمة أمية، يعني: شريعتنا شريعة تخاطبنا بما هو معهود للأميين البساطة والسهولة واليسر، فكل الناس يستوون في سهولة تحصيل العلم وتطبيق هذه الشرائع، قال تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة:2]، عليه الصلاة والسلام. يقول ابن جرير: نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط إلى أمه في جهله بالكتاب دون أبيه إشارة إلى أنه باق على أصل ولادة أمه، كما قال الله: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل:78]، أي: فهو باق على أصل هذه النسبة إلى أمه من ساعة ما ولد من بطن أمه وهو باق لم يكتسب التعلم بالكتابة والحساب. وقوله: {إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة:78]، هذا استثناء منقطع، وتأتي فيه إلا بمعنى لكن، مثل قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} [الحديد:27]، هل معنى ذلك: أن الله كتبها عليهم ابتغاء مرضاته؟ لا، لكن المقصود: ما أمرناهم بالرهبانية، وتحريم الطيبات، لكن كتبنا عليهم ابتغاء مرضات الله بالعبادات الشرعية، و (إلا) هنا أيضاً مثل قوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء:157] أي: لكن اتباع الظن؛ لأن العلم يتنافى مع الظن، وكذلك قوله: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} [الكهف:16] يعني: لكن لم تعتزلوا عبادة الله، وليس المعنى أنهم يعبدون الله مع غيره. وما الدليل على أن الاستثناء هنا منقطع في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة:78]؟ لأن ما يتمنى وما يختلق وما يتلى ليس من جنس علم الكتاب، أي: لا يعلمون الكتاب لكن يعلمون أماني منتهم بها أحبارهم، فإن هذه الأماني ليست من جنس الكتاب حتى تستثنى منه ويكون استثناءً منفصلاً، بل هي أماني وأكاذيب كان يخترعها أحبارهم. فلذلك نقول: ليس ما يتمنى ويختلق ويتلى من جنس علم الكتاب، أي: لا يعلمون الكتاب لكن يعلمون أماني منتهم بها أحبارهم. (وأماني) جمع أمنية، أصلها أمنوية على وزن أفعولة، فأعلت إعلال سيد وميت مع أن الألف فيهما أصلها الواو، وقال بعض العلماء: تمنى الشيء، يعني: قدره وأحب أن يصير إليه، وتمنى الكتاب قرأه، وتمنى أيضاً تأتي بمعنى كذب، يقول عثمان: ما تمنيت منذ أسلمت، يعني: ما كذبت منذ أسلمت. فهم لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون الأماني حسبما منتهم أحبارهم من أن الله سبحانه وتعالى يعفو عنهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وغير ذلك من أمانيهم الفارغة التي لا تستند إلى الكتاب بل هي على زعم رؤسائهم، مثلما ما حكى الله تعالى عنهم: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [البقرة:111] فهذه أحلامهم وأمانيهم وأكاذيبهم، وقال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء:123]، وقال تبارك وتعالى: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111]. أو يكون معنى الآية: لا يعلمون الكتاب لكن أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد، وحمله البعض على القراءة، وقالوا: الأماني المقصود بها القراءة، واستشهدوا على ذلك بقوله تبارك وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج:52] أي: في قراءته. وقال كعب بن مالك في عثمان رضي الله عنه: تمنى كتاب الله أول نيله وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر: تمنى كتاب الله آخر ليله تمني داود الزبور على رسل (تمنى) يعني: قرأ كتاب الله. على هذا يكون تفسير الآية: لا يعلمون الكتاب إلا مجرد تلاوة فقط وألفاظ يقرءونها دون إدراك معانيها، وهذا القول قول مرجوح، ولا يتناسب مع قوله تبارك وتعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة:78]، فالأمي لا يقرأ، فلذلك يترجح التفسير الأول: إلا أكاذيب اختلقها لهم أحبارهم ومنوهم بها، مثل قولهم: لو دخلنا النار فلن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، أو: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة:111]، أو: نحن شعب الله المختار، إلى غير ذلك من الأماني التي يمنيهم بها رؤساءهم وأحبارهم.
تفسير قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم)
تفسير قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) قال تبارك وتعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة:79]. (ويل) شدة عذاب. (للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) مختلقاً من عندهم. (ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً) من الدنيا، وهم اليهود الذين غيروا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وآية الرجم وغيرها وكتبوها على خلاف ما أنزل. (فويل لهم مما كتبت أيديهم) يعني: من المختلق. (وويل لهم مما يكسبون) من الرشاة، جمع رشوة. هنا وقفة يسيرة مع هذه الآية فقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة:79]، هنا اتجاهان في تفسير هذه الآية: الاتجاه الأول: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم)، هذا تتميم مثل قوله تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف:5]؛ لأن الكلام لا يخرج إلا من الفم، لكن هذا التصوير والتأكيد بمثل هذه التعبيرات يريد أن يجعل المستمع أو القارئ كأنه مشاهد لحاله وهو يكتب بيده، تأكيداً للفعل النفسي أو للحدث. (للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) على التفسير الأول: كما أنزله الله بدون اختلاق وبدون تحريف. أي: أن الحجة تقوم عليهم بأيديهم. (ثم يقولون) أي: أنهم يزيدون على الكتابة باليد الشهادة باللسان، شاهدين على أنفسهم، يقولون: (هذا من عند الله)، فالكتاب هنا جعل هذا التفسير باق على أصله، وانضم إلى الكتابة الفعلية الشهادة القولية وهم صادقون في هذا، ثم يطرأ بعد ذلك التحريف. (ليشتروا به ثمناً قليلاً) من الدنيا. هذا التفسير الأول، (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم)، كما يقول رجل: كتبته مقراً على نفسي، وإنني قلت هذا وأنا في كامل قواي العقلية، فكذلك هذا التصوير. (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) على أصله الذي أنزله الله، ثم يشهدون أن هذا من عند الله. وهذه حجة ثانية عليهم، (ثم يقولون هذا من عند الله) فهم يؤمنون به، ثم بعد ذلك يحرفونه، فيطرأ التحريف بعد هاتين الشهادتين القولية والعملية. الاتجاه الثاني: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) فيحرفونه ويغيرونه، ثم يكذبون على الله ويقولون: هذا من عند الله، فيزعمون أن ما كتبوه بأيديهم هو من عند الله، (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون). قوله تبارك وتعالى: (فويل لهم مما كتبت أيديهم) هذه الآيات في حق المتبوعين من الرؤساء، والآيات بدئت في حق المقلدين، (ومنهم أميون) جهلة لا يعلمون الكتاب. (إلا أماني) كل ما عندهم: نحن أفضل الأمم، نحن شعب الله المختار، نحن سندخل الجنة، ولن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً مثلنا أو نصرانياً، وهكذا. (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) الأول ماضي والثاني مضارع، تنبيهاً على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة -يعني: قالها في الإسلام ولها عموم يدل عليها- فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)، وحديث: (ما من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها)؛ لأنه أول من سن القتل ظلماً. فكذلك هؤلاء الذين حرفوا الكتاب أضلوا بعدهم أمماً من المقلدين والأتباع، ولما كانت الكتابة قد استغرقت زمناً في الماضي، ولذلك عبر عنها بالماضي، فقال: (ويل لهم مما كتبت أيديهم) من هذا التحريف؛ لأن كلاهما يثبت وقوع تحريف بالكتابة. وقوله: (وويل لهم مما يكسبون)، عبر عن هذا المعنى بالمضارع لإفادة استمرار الوزر، كما قال تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس:12] والمقصود: الآثار التي تبقى بعد موتهم من السنن الحسنة أو السيئة. والله أتى بوصف اللنبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل وبإشارة مدرجة لا يعرفها إلا الراسخون في العلم، وقد قال العلماء: كل كتاب منزل من السماء متضمن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بإشارات، فماذا تكون بإشارات، وليست في كل الأحوال إشارة واضحة وبينة تماماً؟ لو كان ذلك متجلياً للعوام لما عوتب علماؤهم على كتمانه، ثم ازداد الأمر غموضاً بنقله من لسان إلى لسان من العبري إلى السرياني إلى العربي، إلا أن محصلته عند الراسخين في العلم جلي، وعند العامة خفي، ولذلك توجه العتاب إلى العلماء؛ لأنهم كتموا هذا الحق؛ ولأنه لا يدرك هذه الإشارات إلا العلماء الراسخون.
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة) قال الله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة:80]، وذلك لما أوعدهم النبي عليه الصلاة والسلام وخوفهم بالنار ردوا وقالوا: لن تصيبنا النار إلا أياماً معدودة قليلة، ووصفها بمعدودة وصف دقيق جداً في التعبير عن هذا المعنى، يعني: حتى لو دخلنا النار فلن نخلد فيها: هذا كلام اليهود، لماذا؟ لأن كل معدود منقضي، وانظر إلى رمضان يقول الله تبارك وتعالى فيه: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة:184]، فما دام أن له عدداً فلابد أن ينقضي، ولذلك وصفها الله تعالى بأنها أياماً معدودات، فكل معدود منقضي، ولذلك قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، فهم يريدون أن يقولوا: حتى وإن دخلنا النار فلن نخلد فيها، ولن نمكث فيها إلا أياماً معدودات، وقد اختلف المفسرون في هذه الأيام المعدودات: فقال بعضهم -كما ذكر السيوطي -: هي أربعون يوماً مدة عبادة آبائهم العجل، أي: لأنهم عبدوا العجل أربعين يوماً فسيبقون في النار أربعين يوماً فقط. وبعضهم قال: سبعة أيام؛ لأن اليهود يزعمون أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وعن كل ألف سنة سيعذبون يوماً، وبالتالي يبقون في النار سبعة أيام. {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا} [البقرة:80] يعني: بأن الله سبحانه وتعالى لن يعذبكم سوى هذا المقدار! (قل)، قل لهم يا محمد. (أتخذتم) أصلها: (أأتخذتم) فحذفت منها همزة الوصل استغناءً بهمزة الاستفهام، (قل أتخذتم عند الله عهداً) أي: ميثاقاً من الله بذلك. {فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ} [البقرة:80] يعني: إذا كان الله فعلاً وعدكم بهذا فلن يخلف عهده، لكن هذا لم يحصل وليس عندكم عهد من الله تبارك وتعالى بذلك. {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:80]، (أم) هذه منقطعة مقدرة ببل والهمزة، يعني: بل أتقولون على الله ما لا تعلمون؟! (بَلَى)، يعني بلى تمسكم النار وتخلدون فيها، هذا هو المقصود. قال تبارك وتعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:81]، ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الخلود في النار إنما هو للكفار والمشركين، لما ثبت في السنة متواتراً من خروج عصاة الموحدين من النار، فيتعين على من أخطأ خطأ واحداً أن يدخل النار، ولابد من امتحانه في الدنيا، وأما من قال بالعكس فهذا لا يعلم عقيدته، لأن هذه عقيدة الخوارج، والسنة قد تواترت بخروج عصاة الموحدين من النار؛ فيتعين تفسير السيئة والخطيئة في هذه الآية بالكفر والشرك، ويؤيد ذلك كونها نازلةً في اليهود، يعني: من كسب سيئة مثل سيئتكم، وكفر مثل كفركم أيها اليهود؛ فمجرد اكتساب السيئة لا يوجب الخلود في النار، بل لابد أن يكون سببه محيطاً به، {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة:81] أي: غمرته من جميع جوانبه فلا تبقي له حسنة، وسدت عليه هذه الخطيئة مسالك النجاة بأن عمل مثل عملكم أيها اليهود، وكفر بما كفرتم به حتى يحيط كفره بما له من حسنة، يعني: له حسنات ولكن هذه الحسنات تغمر في هذا البحر المحيط به من كل جانب وهو هذه الخطيئة التي هي خطيئة الشرك، فتحبط كل ما عنده من أعمال صالحة. والقاعدة: أن المعلق على شرطين لا يتم بأقلهما، وهنا الخلود في النار معلق على أمرين فلا يتم بواحد منهما، حتى لو قلنا بأن السيئة معصية، لكن إذا انضمت إليها الخطيئة التي تحيط به تماماً بحيث تبطل كل عمله، وهي الشرك، حينها يقع في النار. إن اكتساب السيئة وحدها لا يتوجب به الخلود في النار إذا قلنا بأن السيئة هي المعصية، وذلك حتى تنضم إليها خطيئته بالشرك، فتحيط به من كل جانب، وتبطل كل أعماله الصالحة، (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). مثلاً: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ} [فصلت:30]، لا تتنزل عليهم الملائكة إلا إذا جمعوا بين الأمرين: يقولون: ربنا الله، ثم يستقيمون، كذلك حديث: (قل: آمنت بالله، ثم استقم)، فالمعلق على شرطين لا يتم بواحد منهما، فلابد من انتفاء الشرطين. قال ابن جرير: قلت لـ عطاء: من كسب سيئة؟ قال: الشرك، وتلا، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} [النمل:89] أي: لا إله إلا الله وهي التوحيد، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:89 - 90]، والسيئة المقصود بها هنا الشرك، ولذلك من أسماء كلمة التوحيد: كلمة النجاة، وهي لا إله إلا الله، ولها أسماء كثيرة منها الحسنة، وكذلك السيئة تطلق على الشرك. إذاً: لابد إذا تكلمت عن تفسير هذه الآية أن تربطها بتلك الآية، {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} [النمل:90] يعني: من جاء بالشرك، فالسيئة هنا مثل: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} [البقرة:81]. وقوله تبارك وتعالى: (بلى) يعني: ليس الأمر كما ذكرتم، بل إنها سوف تمسكم النار وتخلدون فيها. و (بلى) إثبات لما بعد حرف النفي، يعني: إذا سألت رجلاً فقلت له: ألم تعط نسخة من تفسير الجلالين؟ فيجيب بقوله: بلى. يعني: أخذت، لكن لو قال: نعم، فيكون المعنى أنه لم يأخذ، فإذا كان السؤال فيه نفي بعد صيغة الاستفهام فيكون الجواب في حالة الإثبات بـ: بلى، مثل قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين:8]، تقول: بلى. {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف:172]، بلى، ولو قالوا: نعم. لكفروا. إذاً: (بلى) إثبات لما بعد حرف النفي، فقوله: (لن تمسنا النار)، يعني: بلى ستمسكم النار، ولو قال قائل: ألم تأخذ ديناراً؟ فقلت: نعم، لكان المعنى: لم آخذ ديناراً؛ لأنك حققت النفي وما بعده، فإذا قلت: بلى، صار المعنى قد أخذت. قال الفراء: إذا قال الرجل لصاحبه: ما لك علي شيء، فقال الآخر: نعم، كان ذلك تصديقاً لئلا شيء له عليه، ولو قال: بلى كان رداً كقوله: لا، بل لي عندك شيء، وفي التنزيل: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف:172]، ولو قالوا: نعم لكفروا. الخلاصة: (بلى) يعني: ليس الأمر كما زعمتم، بلى ستمسكم النار وتخلدون فيها. (من كسب سيئة) شركاً. (وأحاطت به خطيئته) هنا بالإفراد، وفي قراءة أخرى الجمع (خطيئاته) أي: استولت عليه وأحدقت به من كل جانب بأن مات مشركاً. (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) روعي فيه معنى (من)، لا لفظ (من)، فـ: (من) قد تكون مفرداً لكن باقي الآية تراعي المعنى؛ (من) يعبر في لفظها عن واحد، لكن من حيث المعنى بالجمع، فروعي في (من) هنا معنى الجمع، (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).
البقرة [82 - 91]
تفسير سورة البقرة [82 - 91]
تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله)
تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة:83]. (وإذ) أي: واذكر إذ، (أخذنا ميثاق بني إسرائيل) في التوراة، (لا تعبدون)، يعني: وقلنا: لا تعبدون، بالتاء والياء (لا يعبدون) خبر بمعنى النهي، وقرئ شذوذاً: (لا تعبدوا)، لكن القراءة الصحيحة بإثبات النون، فالفعل مضارع مرفوع بثبوت النون مثل قوله تعالى: (لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم)، جاء الفعل المضارع في المواضع الثلاثة مرفوعاً؛ لأن (لا) التي قبله ليست ناهية، فالجملة خبرية جاء النهي فيها بلفظ الخبر، وهذا أبلغ من صريح النهي، فمثلاً حديث: (لا ضرر ولا ضرار)، لا هنا نافية؛ فهو خبر لكن من حيث المعنى إنشاء، أو بعبارة أخرى: هو نفي يراد به النهي، مثل قوله تعالى: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة:197]، فهذه ظاهرها الخبر، والمقصود بها الإنشاء، ولا يمكن أن يكون المقصود بها الخبر؛ إذ ليس كل الحجاج فيهم أحد يرفث أو يفسق أو يجادل. فكذلك هنا: {لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} [البقرة:83]، (لا) هنا لا نافية وليست ناهية؛ لأنها لو كانت ناهية فسوف تكون الآية هكذا (لا تعبدوا إلا الله)، فيلزم حذف النون، لكن الآية: (لا تعبدون) فالفعل مرفوع، فدل على أن: (لا) هنا هي النافية، لكن من حيث المعنى: هي خبر مقصود به الإنشاء. كل الكلام الكثير الذي قلناه الآن حول كلمة (لا تعبدون) لخصه السيوطي رحمه الله في ثلاث كلمات فقال: خبر بمعنى النفي. قوله: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أي: وأحسنوا بالوالدين إحساناً يعني: براً. (وَذِي الْقُرْبَى) يعني: القرابة، وهذا عطف على الوالدين. قوله: {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، القراءة التي يعتمدها الجلال السيوطي: (حَسَناً). أي: قولوا للناس حُسنا أو حَسناً، أي: قولاً حسناً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد صلى الله عليه وسلم والرفق بهم. وهذه الآية نحتاجها كثيراً جداً؛ لأن كثيراً من الإخوة الملتزمين يتصورون أن الفظاظة والإساءة والغلظة وسوء الخلق جائز مع الكفار، وهذه الآية دليل على استحباب التزام الرفق وحسن الخلق مع كل الخلق حتى لو كانوا كفاراً، كما قال الله واصفاً نبيه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، صلى الله عليه وسلم. فهذه الآية من الآيات التي ينبغي أن يفهمها الإخوة فهماً جيداً، (قولوا للناس) تشمل المسلمين والنصارى واليهود وكل خلق الله سبحانه وتعالى، فحسن الخلق واجب مع جميع الناس خصوصاً عند النصيحة أو عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فالكلمة الطيبة صدقة. فهذه الآية دليل على التزام أدب الرفق وحسن الخلق حتى مع المخالفين في العقيدة والدين، ولذلك قال تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت:46]، أما المبادأة بالظلم أو العدوان أو السب أو غير ذلك مما يتنافى مع حسن الخلق فلا يليق بالمسلم؛ لأن الله يقول: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)، فلا يقابل القسيس ويصرخ في وجهه ويعتبر أن هذه بطولة، أو يشتمه بألفاظ قبيحة، وقد يجره ذلك إلى أن يقابله بالمثل فيسب الله أو يسب محمداً عليه الصلاة والسلام، فسداً لهذه الذريعة ينبغي تجنب ذلك.
الفرق بين الإحسان والولاء مع الكفار
الفرق بين الإحسان والولاء مع الكفار ينبغي أن نفرق بين الإحسان والولاء؛ لأننا الآن في زمان يعج بالفتن، ونحن الآن -والله تعالى أعلم- في الزمن الذي يصبح فيه الرجل مؤمناً ويمسي كافراً من الفتن والمحن التي تسلط علينا من كل جهة، وبالذات في شيء من أخطر قضايا العقيدة، بل هي القضية التي لم تتكاثر الأدلة على مسألة من مسائل التوحيد مثلما تكاثرت عليها بعد توحيد الله تبارك وتعالى، وهي قضية الولاء والبراء، ولم يعرف في الإسلام أدلة أعظم منها بعد التوحيد في أمور العقيدة من قضية الولاء والبراء، والناس الآن تذوب عقيدتها كما يذوب الملح في الماء، وحرب ليل نهار من كل الجهات سواء من الداخل أو الخارج، من الجهلة أو من علماء السوء، من الساسة أو من اليهود والنصارى، قضية تذويب قضية الولاء والبراء، ويصفون الشخص الذي يكفر اليهود والنصارى بأنه متعصب، حتى أصبحت كلمة التعصب الآن والتطرف وغيرها تطلق إطلاقاً معيباً وخطأً. فموضوع التعصب لا يمس العقيدة، ولا يوجد شيء في العقيدة اسمه تعصب، وكونه يعتقد أن الكافر مخلد في النار، أو أن من قال: عيسى ابن الله. فقد كفر، أو أن اليهود كفار، وغير ذلك من العقائد التي هي من أصول الإسلام والحد الفاصل بين الإيمان والكفر، هذا لا يمكن أن يدخل فيه تعصب، إنما التعصب يأتي في المعاملة فقط، ومتى يكون تعصباً؟ إذا كان لنصراني عندك حق، فجحدت هذا الحق أو ظلمته وضيعت ماله هذا هو التعصب، فالتعصب يكون في المعاملة، أما الاعتقاد فليس فيه تعصب؛ إنما هناك كفر وإيمان. فقولوا للناس حسناً ليس معنى ذلك أن تزيف الحقائق، أو أن تحرف العقيدة أو تتنازل عنها، لكن (قولوا للناس حسناً) في المعاملة، فالمعاملة هي مجال التعصب والتسامح. (وقولوا للناس حُسْناً أو حَسَناً) إذا قلنا: حَسَناً، نقدر كلمة: قولاً: أي قولاً حسناً، وفي القراءة التي بضم الحاء وسكون السين، على أنه مصدر وصف به مبالغة، كما تقول: رجل عدل، وممكن أن يقال: رجل عادل، لكن رجل عدل تصفه بالمصدر مبالغة في إثبات هذا المعنى له، كذلك كلمة: طول وكلمة: فطر ونحو ذلك.
خرق اليهود للعهود والمواثيق
خرق اليهود للعهود والمواثيق قوله: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وقبلتم هذا الميثاق، (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) ثم بعد قبوله توليتم وأعرضتم عن الوفاء به، وهذا فيه التفات عن الغيبة والمراد آباؤهم، فالآية من أولها: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة:83]، هذا كله حديث لهم، ثم: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} [البقرة:83]، يعني: تولى آباؤكم: {إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [البقرة:83]. الآيات التي تتكلم عن اليهود كثيرة في القرآن الكريم، وكذلك التي تتحدث عن بني إسرائيل في عصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمقصود بذلك آباؤهم، وأقصد الآيات التي تتكلم على جرائم ارتكبها آباؤهم ويخاطب بها ذريتهم من بعدهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والقرآن ما زال يخاطبهم إلى يومنا هذا؛ لأن هذه إشارة إلى أن ما ركز فيهم من الطباع الخبيثة والخصال الذميمة واللئيمة لا تتغير، وينبغي أن نيئس من أن يتغير اليهود إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى؛ فهذه طبيعتهم. وقد رأينا في الأحداث الأخيرة هذه المذبحة البشعة التي قام بها جبان من اليهود، عندما كان المسلمون يصلون في بيت الله سبحانه وتعالى وفي حالة سجود، وليسوا حتى في حالة قيام -فانظر كيف الجبن- قتلهم، وهل هذه بطولة؟ هل يعجز الإنسان عن أن يقتل آلاف الناس بهذه الطريقة؟! لا، لكنه الخبث والخسة اليهودية، هذا هو اللائق باليهود، ونحن نستغرب منهم هذا؛ لأن هذا هو الأصل، وهذه هي أخلاقهم وطباعهم، أناس قتلوا الأنبياء، قتلوا يحيى عليه السلام وأهدوا رأسه إلى امرأة بغي من بغايا بني إسرائيل لما طلبته، فهم قتلة الأنبياء، وأخس خلق الله سبحانه وتعالى وأرذلهم، فلن تتغير هذه الطباع فيهم. وفي التلفزيون البريطاني استضافوا بعض أحبار اليهود -لعنهم الله- من داخل فلسطين المحتلة، وسألوهم: ما رأيكم عما حصل في مسجد الخليل؟ فقالوا: هذا الإنسان بطل، لقد فعل ما نتمنى نحن جميعاً أن نفعله، ولكننا لا نجرؤ على ذلك! هذا الشخص بطل، وهذه بطولة؛ لأنه يقتل هؤلاء الأجانب الموجودين في بلاد ليست بلادهم، فهم يستحقون القتل وإلا فليخرجوا! فيصفون هذه الجرائم وهذه الخسة والنذالة بأنها بطولة. كذلك مناحن بيجن نفسه كان مشرفاً على مذبحة دير ياسين المعروفة، وكان يقول في أحد كتبه متحدثاً عن القتل الذي ارتكبه ضد المسلمين: أنا أقاتل إذاً أنا موجود، مثل الذي قال: أنا أفكر إذاً أنا موجود، فهو لا يحس بوجوده في الحياة إلا إذا قتل، فالقتل والإجرام والخسة والنذالة هذه الطباع لا تتغير في اليهود أبداً، فلذلك لا تعجبوا إذا لاحظتم أن الآيات كلها تخاطبهم على أفعال فعلها أسلافهم، ثم يعاتب بها من كان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وإلى يومنا هذا، لماذا؟ لأن طباعهم لا تتغير، {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} [البقرة:75]، يعني: ايئسوا فلا أمل فيهم إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم)
تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم) قال الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} [البقرة:84]، وقلنا: لا تسفكون دماءكم، ولا تريقونها بقتل بعضكم بعضاً، وقلنا في قوله: {إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [البقرة:83]، إشارة إلى أن المحسنين فيهم قلة، {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا} [البقرة:83]، يعني: هناك قلة أحسنت، فلئلا يبخس الله سبحانه وتعالى هذه القلة حقها استثناهم، ولكن في نفس الوقت أشارت هذه الآية إلى أن الخير إذا صار قليلاً في الأمة والشر هو الغالب فإن ذلك لا ينجي الصالحين من عقاب الله إذا نزل؛ فإنه يعم الصالح والطالح، فوجود قلة من الصالحين لا يمنع العقاب الإلهي إذا فشى فيهم المنكر، وقل فيهم المعروف. ثم قال تبارك وتعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة:84]، قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم) يعني: اذكر إذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم، فيقدر هنا: وقلنا: لا تسفكون دماءكم، (لا) هنا نافية، ولو كانت ناهية لقال تبارك وتعالى: (لا تسفكوا دماءكم)، لكن قال تبارك وتعالى: (لا تسفكون) بالنون كما أتى بها من قبل في قوله تعالى: {لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} [البقرة:83]، وكذلك: لا تسفكون، ولا تخرجون، عبر في هذه المواضع الثلاثة بالمضارع، وأتى بالفعل مرفوعاً بثبوت النون؛ لأن (لا) التي قبل هذه الأفعال ليست ناهية بل نافية، فما بعدها جملة خبرية لكن المقصود بها الإنشاء والنهي، وهذا يكون أبلغ من صريح النهي؛ كقوله تعالى: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة:197]، فهذه (لا) نافية، لكن المقصود بها النهي، ومثله حديث: (لا ضرر ولا ضرار) (لا) نافية لكن المقصود بها النهي عن الضرر، كذلك هنا: {لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ}، (لا) نافية، والمقصود بها النهي عن سفك الدماء. قال تعالى: {وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} [البقرة:84]، هذا مما أخذ الله سبحانه وتعالى الميثاق به على بني إسرائيل، ألا يخرجوا بعضهم بعضاً من هذه الديار. {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة:84]. (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ)، قبلتم ذلك الميثاق. (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ)، وأنتم تشهدون على أنفسكم.
تفسير قوله تعالى: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم)
تفسير قوله تعالى: (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم) قال تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} [البقرة:85]، مع أن الميثاق سبق وأقررتم به وهو أنكم لن تقتلوا إخوانكم، (ثم أنتم هؤلاء) أي: يا هؤلاء، فيقدر (يا) في التفسير، (تقتلون أنفسكم) يعني: يقتل بعضكم بعضاً. إذاً: (تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ) أي: إخوانكم، عبر عن الإخوان في الله بالأنفس، وهذه من لطائف القرآن الكريم حيث يعبر عن الإخوة في الله بعبارة الأنفس إشارة إلى قوة الرابطة على الاجتماع على الإيمان وعلى العقيدة؛ فإنها تكون أقوى من رابطة النسب، وآية ذلك: أن الرجل المسلم الميت إن لم يكن له أقرباء يرثونه إلا ولد واحد من صلبه فقط يرثه، وهذا الولد كافر فإن هذا الولد لا يستحق أن يرث أباه، بل تؤول ثروة أبيه المسلم إلى بيت مال المسلمين، وتنفق على إخوانه في العقيدة، مع أن هذا ابنه الصلبي لكنه لا يستحق الميراث، لوجود حاجز الكفر حائلاً بينه وبين ميراثه، فينقطع الولاء بسبب العقيدة، فالعقيدة أقوى رباط يكون بين المسلمين، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، وتصل شدة هذه الآصارة وقوة هذه الرابطة إلى حد التعبير عن الإخوة في الله بالنفس، أخوك كأنه نفسك التي بين جنبيك، ولهذا شواهد في القرآن الكريم، منها: {وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} [الحجرات:11]، أي: لا تلمزوا إخوانكم، وقوله: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ} [النور:61]، على أحد التفسيرين، يعني: على إخوانكم، وقوله: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة:54]، يعني: بعض إخوانكم، يعني: يقتل البريء منكم المجرم الذي عبد العجل. وقوله: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور:12] يعني: بإخوانهم، وكذلك قوله: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء:29]. وكذلك قوله تبارك وتعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188] يعني: أموال إخوانكم، فعبر عنها بأنها أموالكم. وقال عليه الصلاة والسلام: (مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ} [البقرة:85]، هناك قراءة أخرى هي: (تظّاهرون)، يعني: تتظاهرون، فأدغمت التاء في الظاء، ومعنى: تَظَاهرون أو تَظَّاهرون: تتعاونون. {عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ} [البقرة:85]، بالمعصية. {وَالْعُدْوَانِ} [البقرة:85]، بالظلم.
ميثاق الله إلى بني إسرائيل بمفاداة أسراهم
ميثاق الله إلى بني إسرائيل بمفاداة أسراهم قوله تعالى: {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ} [البقرة:85]، وفي قراءة أخرى: (وإن يأتوكم أسرى تفادوهم) وفي قراءة: (تفدوهم)، يعني: تنقذوهم من الأسر بالمال أو بغير المال. وهذا مما أخذ عليهم في العهد: أن يخلصوا إخوانهم من الأسر بفدائهم بالمال. {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} [البقرة:85]، (وهو) يعني: الشأن، (محرم عليكم إخراجهم) هذا متصل بقوله تعالى: (وتخرجون)، والجملة بينهما اعتراض، أي على قوله: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ} [البقرة:85]. فالجملة: (وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم)، تعود على الأولى يعني: كما حرم ترك الفداء حرم عليكم الإخراج، كما أن الله سبحانه وتعالى في ميثاقه الذي أخذه عليكم حرم عليكم ترك الفداء، وأمر ببذل المال أو غير المال من أجل تحرير إخوانكم من الأسر؛ كذلك حرم عليكم إخراجهم من ديارهم. وكانت بنو قريظة من اليهود حالفوا الأوس، وبنو النضير حالفوا الخزرج، فكان كل فريق من اليهود يقاتل مع حلفائه، هؤلاء مع الأوس وهؤلاء مع الخزرج، فكانوا يقاتلون إخوانهم، ويخربون ديارهم ويخرجونهم، فإذا أسروا -مع أنهم كانوا يقاتلونهم- امتثلوا بحكم الله وبعهد الله الذي أخذه عليهم في بذل المال لفدائهم! وكانوا إذا سئلوا: لم تقاتلونهم وتفدونهم؟ يعني: أنتم بقتالهم تسببتم في أسرهم أو أسرتموهم بالفعل، ثم بعد ذلك تبذلون المال لفدائهم! قالوا: إن الله سبحانه وتعالى أخذ علينا الأمر بفداء أسرانا، فيقال: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: حياءً أن تستذل حلفاؤنا، فقال تعالى منكراً عليهم: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة:85]، بعض الكتاب هنا هو الفداء، وعرفنا أنه الفداء من السياق المتقدم، فإنه يتبين أن الذي آمنوا به هو فداء الأسرى، أما البعض الذي كفروا به فهو ترك القتل، والإخراج، والمظاهرة، فهم أخرجوا إخوانهم وقتلوهم وظاهروا عليهم، فهنا الله سبحانه وتعالى وصفهم بالكفر ببعض الكتاب وبالإيمان ببعض آخر، فقوله تعالى: (وتكفرون ببعض) أي: الكفر بهذا والإيمان بهذا، وإن كانوا قد كفروا بغير هذا من الكتاب وآمنوا بغيره، فهذه الآية دليل على أنه قد يجتمع في الشخص كفر وإيمان، {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف:106]، كذلك هنا: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة:85]، ولهذا بحث مستقل سبق أن ذكرناه بالتفصيل في بحوث حكم التفسير، ومن أراد التفصيل فليرجع لكتاب الصلاة وحكم تاركها لـ ابن القيم، حيث ناقش فيه تفصيل حكم الله إذا اجتمع الكفر والإيمان؛ فأيهما يغلب. {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة:85]، (خزي) هوان وذل، (في الحياة الدنيا)، وقد أذاقهم الله سبحانه وتعالى الخزي والهوان بقتل بني قريظة ونفي بني النضير إلى الشام وضرب الجزية عليهم. {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} [البقرة:85]، في نار جهنم. {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:85]، وفي قراءة: (عما يعملون). {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ} [البقرة:86]، وذلك بأن آثروها على الآخرة. {فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة:86]، لا يمنعون من العذاب، ولا يوجد من ينصرهم ويقيهم هذا العذاب.
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب) قال الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة:87]. قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب) اللام في (ولقد) لام القسم، فصدر الكلام بالجملة القسمية لإظهار كمال الاعتناء بهذا الكلام، و (آتينا) الإيتاء هو الإعطاء، ومعنى كلمة: (موسى) في اللغة العبرانية المنشول من الماء. وقوله: (الكتاب) مفعول به ثاني، وهو التوراة، قيل: المراد فهم الكتاب، أي: أفهمناه ما انطوى عليه من الحدود والأحكام والأنباء والقصص وغير ذلك مما في هذا الكتاب، فيكون الكلام على حذف المضاف، (ولقد آتينا موسى الكتاب) يعني: فهم الكتاب، وهذا التفسير ليس بظاهر، ولذلك اعتمد السيوطي رحمه الله تعالى هنا التفسير الأول، وهو أن المراد بالكتاب التوراة. {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ}، أي: هذا مثل قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا} [المؤمنون:44]، ومثل قوله تبارك وتعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة:44]. (وقفينا من بعده بالرسل)، التقفية هي: الأرداف والإتباع، مأخوذ من إتباع القفاء، وهو مؤخر العنق، فكون واحد يتلو واحداً يكون وصولهم تترا، فالمقصود هو أن يتبع بعضهم بعضاً، تقول: جئته من قفاه. إذا جئته من خلفه، ومنه سميت قافية الشعر، لأنها تتلو سائر الكلام، والقافية في اللغة هي القفاء، وفي الحديث: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد) يعني: في مؤخر العنق. وكل رسول جاء بعد موسى إنما جاء بإثبات التوراة والالتزام بحكم التوراة والأمر بلزومها إلى أن جاء عيسى المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. قيل: كان الأنبياء بعد موسى إلى عيسى أربعة آلاف، وقيل: سبعين ألفاً كلهم على شريعته عليه السلام، ومنهم: يوشع وشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياء وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم عليهم جميعاً وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقوله تبارك وتعالى: (وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ)، قرأ الحسن ويحيى بن يعمر: بتسكين السين، وهذه لغة أهل الحجاز، والتحريك لغة تميم. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب) يعني: التوراة، (وقفينا من بعده بالرسل) أي: أتبعناهم رسولاً في إثر رسول، (وآتينا عيسى بن مريم البيات) أي: المعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، (وأيدناه) قويناه، وفي قراءة: (وآيدناه)، (بروح القدس) هذا من إضافة الموصوف إلى الصفة، يعني: الروح المقدسة وهو جبريل عليه السلام.
معنى قوله تعالى: (وأيدناه بروح القدس)
معنى قوله تعالى: (وأيدناه بروح القدس)
تأييد الله لعيسى بروح القدس
تأييد الله لعيسى بروح القدس قوله تعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة:87] أي: قويناه، قوله: (بروح القدس) هذا من إضافة الموصوف إلى الصفة، وروح القدس هو جبريل عليه السلام. كان جبريل عليه الصلاة والسلام يسير مع المسيح عليه الصلاة والسلام حيث سار يعينه ويلهمه العلوم، فلم يستقيموا مع ذلك، يعني مع أننا أيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام بهذه الآيات وبجبريل عليه الصلاة والسلام لكنكم -أيها اليهود- لم تستقيموا ولم تؤمنوا به ولم تتبعوه عليه الصلاة والسلام. وقد قرأ مجاهد وابن محيصن: (وآيدناه) بالمد، وهما لغتان. ((وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ)) تشمل كل معجزة أوتيها المسيح عليه الصلاة والسلام، وقيل: المقصود الإنجيل. ونلاحظ في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أفرد المسيح عليه الصلاة والسلام عن سائر رسله، فإنه يقول تبارك وتعالى: {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} [البقرة:87] مع أن عيسى من الرسل الذين أتوا بعد موسى عليه الصلاة والسلام، فخص عيسى عليه الصلاة والسلام وأفرده عن سائر الرسل الذين جاءوا بعد موسى لتميزه عنهم، لكونه من أولي العزم من الرسل، كما أنه كان صاحب كتاب وهو الإنجيل، وقيل: لأنه ليس متبعاً لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام كغيره من الرسل الذين جاءوا بعد موسى، فإنهم ألزموا بالتوراة، أما المسيح عليه الصلاة والسلام فقد جاء بنسخ كثير من الأحكام التي كانت في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام. ويلاحظ في القرآن الكريم نسبة المسيح عليه الصلاة والسلام إلى أمه، يقول تعالى: (عيسى بن مريم)، والمقصود بذلك الرد على اليهود الذين زعموا أن له عليه الصلاة والسلام أباً، فاليهود يرمون مريم عليها السلام بالفاحشة والعياذ بالله، قال الله: {وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} [النساء:156]، فهم يزعمون أن المسيح -والعياذ بالله- ابن زنا، وأن له أباً والعياذ بالله! فالله سبحانه وتعالى لم ينسبه إلا إلى أمه؛ إشارة إلى أنه لا أب له، وهذا هين ويسير في قدرة الله سبحانه وتعالى، فإنه لما بشرت الملائكة مريم بالمسيح عليه الصلاة والسلام قالت: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم:20 - 21]، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82] فهذا فيه رد على اليهود -لعنهم الله- حيث زعموا أن للمسيح عليه الصلاة والسلام أباً. ومن سأل وقال: من هو أبو المسيح؟ فنقول له: من هو أبو آدم؟ فهذه من آيات الله سبحانه وتعالى لإظهار كمال قدرته، فإن الله سبحانه وتعالى نوع خلقه، وإن كان كل نوع من الخلق آية من آيات الله، فآدم عليه الصلاة والسلام خلق من غير أب وأم {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:59]، وحواء خلقت من ضلع آدم عليه الصلاة والسلام، فحواء خلقت من رجل دون امرأة بقدرة الله سبحانه وتعالى، والمسيح عليه الصلاة والسلام خلق من أم بدون أب، وسائر البشر خلقوا من أب وأم، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى الدائمة في البشر. وفي الحقيقة كل صورة من صور الخلق هي في حد ذاتها معجزة، لكن الله سبحانه وتعالى نوّع الخلق، لأن الأمور العادية يعتادها الناس فلا يلتفتون إلى ما فيها من الآيات البينات، لكونهم اعتادوها، فمثلاً: خروج الكتكوت من البيضة، أليست معجزة؟! لو اجتمع كل من على ظهر الأرض من علماء وخبراء وفنيين بكل ما أوتوا من علم، وأرادوا أن يخلقوا ذبابة أو فيروس أو بكتيريا، لم يستطيعوا ذلك، لكن الله سبحانه هو الذي انفرد بالخلق. فالمقصود من ذلك أن هذه كلها آيات لله سبحانه وتعالى، وأن المسيح مظهر من مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى على الخلق، حيث إنه نسب إلى أمه ولا أب له عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فإذا سأل المشركون الملحدون وقالوا: فمن أبوه؟ فالجواب كما يزعم النصارى -والعياذ بالله- أن الله سبحانه وتعالى هو أبوه، بل نقول لهم: من أبو آدم؟ بل من أم آدم؟ ولذلك أجاب الله سبحانه وتعالى على هذه الشبهة بقوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:59]. وعيسى بالعبرانية: (إيشور)، ومعناه: السيد، أو المبارك، {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ} [مريم:31]، أما مريم باللغة العبرية فمعناها: الخادم، سميت أم عيسى عليها السلام بهذا الاسم لأن أمها نذرتها لخدمة بيت المقدس، وقيل: معناها: العابدة، أما معنى مريم في اللغة العربية فهي المرأة التي تحب محادثة الرجال ولا تفجر، كالزير من الرجال، فهذان تعبيران معروفان في اللغة العربية، فالمرأة التي تتجرأ على الكلام مع الرجال بدون فجور تسمى مريم، والرجل الذي يحب الكلام مع النساء حتى لو لم يفجر يسمى زيراً، ويوجد خلاف ذلك، قال الأزهري: المريم المرأة التي لا تحب محادثة الرجال، وكأنه قيل لها ذلك تشبيهاً لها بـ مريم البتول؛ لانعزالها عن الناس وعدم اختلاطها بالرجال.
روح القدس هو جبريل عليه السلام
روح القدس هو جبريل عليه السلام ((وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)) قال ابن مسعود وابن عباس وقتادة: روح القدس هو جبريل عليه الصلاة والسلام، وهذا التعبير في حق جبريل عليه الصلاة والسلام كثير في القرآن والسنة كما قال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ} [النحل:102]، وقال تبارك وتعالى: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} [مريم:17] أي: جبريل عليه الصلاة والسلام، وقال تبارك وتعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} [الشعراء:193] وهو جبريل عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث قال عليه الصلاة والسلام لـ حسان بن ثابت رضي الله تعالى: (اهجهم -أي: المشركين- وروح القدس معك)، وقال له مرة: (اهجهم وجبريل معك)، فهذا تفسير واضح وصريح من النبي عليه الصلاة والسلام يدل على أن جبريل هو روح القدس. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لـ حسان بن ثابت منبراً في المسجد فكان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: يدافع عن الرسول عليه الصلاة والسلام ويدفع عنه إيذاء المشركين بشعره- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك) رواه البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي موصولاً، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مر بـ حسان وهو ينشد الشعر في المسجد؛ فلحظ إليه عمر بعينه، كأنه ينكر عليه، أتنشد الشعر داخل المسجد؟! فكأن حسان فهم من هذا اللحظ وهذا النظر من عمر رضي الله عنه أنه ينكر عليه أو يهم أن يفعل به شيئاً، فقال: قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم التفت إلى أبي هريرة رضي الله عنه فقال: أنشدك الله! أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أجب عني -يعني دافع ونافح عني- اللهم أيده بروح القدس)؟ فقال: اللهم نعم، يعني أبو هريرة قال: نعم سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول ذلك، وفي بعض الروايات: (اهجهم وجبريل معك)، فهذا كله يدل على فضيلة المنافحة عن الإسلام كما في بعض الأحاديث الأخرى، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لهو أشد عليهم من النبل أو من السهام) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، أي: أن هجاء المشركين بالشعر أشد عليهم من وقع النبل، وهذه صورة من صور الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، وهي الدفاع عن الإسلام ضد حملات أعدائه بالكلام، ولو بإنشاد الشعر، ولو بأي أسلوب من هذه الأساليب التي هي دون الصدام المسلح مع أعداء الله تبارك وتعالى. الشاهد: أن جبريل يطلق عليه الروح القدس كما أطلق عليه الروح الأمين. وكان حسان رضي الله تعالى عنه يقول في شعره: وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس به خفاء وجبريل رسول الله فينا، يعني: رسول من عند الله يأتي بالوحي للنبي صلى الله عليه وسلم. وقال الله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة:40]، المقصود به في هذه الآية: جبريل عليه السلام. قال النحاس: سمي جبريل روحاً، وأضيف إلى القدس؛ لأنه كان بتكوين الله عز وجل له روحاً من غير ولادة والد ولده، فجبريل عليه السلام خلقه الله سبحانه وتعالى روحاً خلقاً مباشراً، لم يكن عن طريق ولادة من والد، كذلك سمي عيسى روحاً أيضاً لأجل هذا؛ لأنه خلق بكلمة: (كن)، فلذلك يسمى أحياناً كلمة الله، أو روح الله؛ لأنه ولد مباشرة بدون والد، وإنما ولد بكلمة الله، وبأمر الله.
الحكمة من تخصيص عيسى بالذكر في قوله: (وأيدناه بروح القدس)
الحكمة من تخصيص عيسى بالذكر في قوله: (وأيدناه بروح القدس) ألم يؤيد الأنبياء جميعاً بروح القدس؟ ألم يؤيد نبينا عليه الصلاة والسلام بروح القدس؟ A بلى، إذاً ما الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى خص المسيح عليه السلام هنا بأنه أيده بروح القدس؟ خص الله سبحانه وتعالى عيسى عليه السلام بذكر التأييد بروح القدس؛ لأنه تعالى خصه به خصيصة لم تكن مع غيره، وهي: أن جبريل عليه السلام كان مع المسيح عليه السلام مؤيداً له من وقت صباه إلى حال كبره عليه السلام، كما قال تعالى: {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [المائدة:110] كيف؟ {يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} [المائدة:110] فهذا ما لم يقع لغيره من الأنبياء، فالأنبياء أوحي إليهم على كبر من السن، وجبريل كان يؤيدهم، لكن فيما بعد، أما المسيح عليه السلام فخص هنا بالتأييد لأن له خصيصة ليست لغيره، وهي: أن جبريل كان يؤيده منذ كان وليداً في المهد، والدليل قوله تعالى: {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} [المائدة:110] ما معنى كهلاً؟ هذه من آيات الله سبحانه وتعالى في حق المسيح عليه السلام، (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)، الكلام في المهد معجزة بلا شك، وعيسى عندما يتكلم وهو في المهد هذه معجزة، لكن هل من المعجزات أن يتكلم الكهل؟! الكهل الكلام بالنسبة إليه ليست معجزة وليست آية؛ لأنها شيء طبيعي أن يتكلم، لكن الإشارة هنا إلى معجزة أخرى خاصة بالمسيح عليه السلام حيث اقترن كلامه وهو كهل هنا بشيء غير عادي، وهو أنه سيبقى في السماء إلى أن يأذن الله سبحانه وتعالى بنزوله من السماء في آخر الزمان ويكلم الناس وهو كهل، أي كبير في السن، فالمقصود بذلك اقترانه بمعجزة نزوله من السماء في آخر الزمان حاكماً بالقرآن، فيقول تعالى: {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} [المائدة:110]، هذه خصيصة من خصائصه، ولأنه تعالى حفظه بجبريل حتى لم يدن منه الشيطان: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران:36] هكذا قالت امرأة عمران أم مريم، (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا يطعنه الشيطان في خاصرته؛ فيستهل صارخاً إلا ابن مريم وأمه)، وذلك استجابة لهذه الدعوة: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ). هناك تفسير بأن (روح القدس) هو الإنجيل نفسه، قالوا: لأن الله وصف القرآن أيضاً بأنه روح، كما قال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى:52]، فإن القرآن سبب الحياة الأبدية، والتحلي بالعلوم والمعارف التي هي حياة القلوب وانتظام المعاش، وهذا التفسير رده الحافظ ابن كثير مستدلاً بقوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} [المائدة:110] فذكر أنه أيده بالإنجيل، وأيده بروح القدس، فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل لكان قوله: (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) تكرير قول لا معنى له، فالله أعز من أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم، فيكون تكرار بلا فائدة وبلا جدوى، فدل هذا على المغايرة، وأن روح القدس في أول الكلام ليس هو الإنجيل المذكور في آخره. قال تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة:87] المقصود: فلم تستقيموا، ولم تؤمنوا به، ولم تستجيبوا له، هذا هو جواب الكلام.
اليهود قتلة الأنبياء
اليهود قتلة الأنبياء قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة:87]. (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى) أي: بما لا تحب أنفسكم من الحق، ولا بد أن نقول: من الحق لأهميتها. (اسْتَكْبَرْتُمْ) تكبرتم عن اتباعه. هذا هو جواب (كلما)، وهو محل الاستفهام، والمراد بهذا الاستفهام التوبيخ. (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ) المقصود ففريقاً منهم (كذبتم) كعيسى عليه السلام، (وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ)، وعبر عن الماضي بالمضارع لحكاية الحال الماضية، أي: قتلتم من الأنبياء كزكريا ويحيى. هذا الذي اعتمده السيوطي. قوله تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ) قيل: أصلها بما لا تهواه أنفسكم، وحذفت الهاء حتى لا تطول الكلمة، (اسْتَكْبَرْتُمْ) يعني: استكبرتم عن إجابة هذا الرسول احتقاراً للرسل واستبعاداً للرسالة، وأصل الهوى الميل إلى الشيء، ويجمع على أهواء كما جاء في التنزيل، وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، ولذلك لا يستعمل لفظ الهوى في الغالب إلا فيما ليس بحق، وفيما لا خير فيه، وهذه الآيات من ذلك، لكن قد يستعمل الهوى في الحق، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، وبعض العلماء يضعفون هذا الحديث وبعضهم يحسنه، ومنه أيضاً قول عمر رضي الله تعالى عنه في أسارى بدر: فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. أي: ولم يحب ما قلت، وقالت عائشة رضي الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: (والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) والحديثان أخرجهما مسلم، فهذه من المواضع القليلة التي يستعمل فيها الهوى في غير سياق الذم، لكن الغالب استعماله فيما لا خير فيه وفيما ليس بحق. (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) قدم فريقاً في الموضعين للاهتمام، وتشويق السامع إلى ما فعلوا بهم لا للقصر، والتقديم أحياناً يكون للقصر، لكن المقصود به هنا للاهتمام وتشويق السامع إلى ما فعلوا بهم، ثم هنا محذوف وهو كلمة (منهم)، يعني: فريقاً منهم كذبتم وفريقاً منهم تقتلون، وبدأ بالتكذيب ثم بعد ذلك ثنى بالقتل، لماذا؟ لأن التكذيب هو أول ما يفعلونه بالشخص، يبدءون أولاً بالتكذيب وبعد التكذيب يقتلونه، ولأنه المشترك بين المكذوب والمقتول، فيكذبون الرسول، وحتى الذي يقتلونه فإنهم لا يقتلونه إلا بعدما يكذبونه. ويلاحظ في السياق: أن الخطاب لبني إسرائيل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه قاعدة عظيمة جداً لفهم طبيعة هؤلاء المجرمين السفاحين القتلة اليهود لعنهم الله، حيث نسب الله القتل إليهم مع أن القتلة هم آباؤهم ولم ذاك؟ لأنهم يرضون بهذا القتل، ولحوق مذمته بهم، والمذمة ما زالت تلحق أيضاً بهؤلاء الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لرضاهم عن ذلك، وكما أشرنا من قبل؛ فإن نسبة هذه الأفعال إلى اليهود في عهد نبينا صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أن الطبيعة واحدة، الطبيعة الخبيثة اللئيمة والغدر والذل والهوان والخيانة وكل هذه الأخلاق الذميمة، فإن قلوب اليهود هي وعاء مستقر دائم لها، لا ينفك اليهودي أبداً عن هذه الأخلاق في كل الأمم -وهذه قاعدة- بغض النظر حتى عن الأدلة الشرعية، فبالاستقراء لا تزال فيهم هذه الصفات مغروسة في طباعهم لا يستطيعون منها فكاكاً ولا خلاصاً، والواقع الذي نعيشه خير شاهد على ذلك، وقد اهتم القرآن الكريم بالربط بين موسى ومحمد عليهما السلام، والربط بين القرآن وبين التوراة، وسردت كثير جداً من آيات القرآن الكريم للحديث عن بني إسرائيل، وكما تلاحظون فإن سورة البقرة بعامتها في الكلام على أحوال بني إسرائيل، إشارة إلى علاقة خصبة بين الأمة المحمدية وبين الأمة الإسرائيلية، هذه العلاقة التي ستستمر إلى آخر الزمان، حينما ينزل المسيح عليه السلام، وكل ما يحصل الآن في هذا الزمان هو عبارة عن تهيئة لما يؤمنون هم به ونؤمن نحن به، أمر واحد يؤمن به اليهود والنصارى والمسلمون، وهو أنه لا بد من صدام وملحمة عظيمة جداً، ومقتلة كبيرة تحصل بين أهل الإيمان وأهل الإسلام وبين هؤلاء الكافرين، مع اختلاف العقائد، وهم يجزمون بها قطعاً بلا شك وبلا جدال، لكن لا يظهرون لنا هذا، ويجزمون أن كل التحركات الموجودة الآن في العالم والتغييرات التي تحصل هي تهيئة لنزول المسيح المنتظر، هذا كلام اليهود في عام (2000)، وهم يحددون سنة ألفين لمجيء المسيح المنتظر الذي يحكم العالم -بزعمهم- من القدس ويعيد إليها اليهود، والنصارى يعتقدون نفس الشيء، لكن النصارى يعتقدون أن المجيء الثاني للمسيح هو بصفته -والعياذ بالله- إلهاً، والمسلمون يعتقدون أيضاً بمجيء المسيح، فالكل مجمعون على مجيء المسيح ولكن مع اختلافنا في حقيقة هذا المسيح؛ لأن اليهود يقولون: إن المسيح لم يأت بعد، والذي أتى هو ساحر وكذاب، ويسبون المسيح عليه السلام، ويقولون: إن المسيح الحقيقي هو الذي ننتظره، وسيأتي في آخر الزمان، وهم سيتبعونه، وهذا المسيح هو المسيح الدجال الأعور الكذاب، فهذا هو الذي سيتبعه اليهود كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمون يعتقدون بمجيء مسيح الضلالة المسيح الدجال، ومسيح الهدى وهو رسول الله عيسى عليه السلام ينزل من السماء ليحسم هذه المعركة، ويقتل بحربته الدجال، ويحكم بالقرآن وبالإسلام، ولا نريد التفصيل في هذا المعنى، لكن كل الأحداث التي تدور تنبع من هذه العقيدة، والتحضير لموقعة (هرم جد)، التي هي الملحمة الكبرى التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي كائنة لا محالة، وستكون الكلمة العليا والظهور فيها للمسلمين كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. قلنا: نسب القتل إليهم مع أن القاتل آباؤهم لرضاهم به ولحوق مذمته بهم، وعبر بالمضارع للحال الماضية استحضاراً لصورتها، ولفظاعتها واستعظامها، أو يكون (وفريقاً كذبتم) في الماضي (وفريقاً تقتلون) مشاكلة للأفعال المضارعة الواقعة في الفواصل فيما قبل، ففواصل الآيات التي سبقتها كلها أفعال مضارعة بهذه الصيغة، فهذه تكون من باب المشاكلة لهذه الأفعال المضارعة الواقعة في الفواصل السابقة، أو (وفريقاً تقتلون) إشارة إلى أنكم مستمرون في ذلك كما فعل آباؤكم في عهد موسى عليه السلام ومن بعده في قتل الأنبياء، وإنكم على ما كان عليه آباؤكم، فقد حاولوا بالفعل قتل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى: (وفريقاً تقتلون) تحاولون قتله، ولولا أني عصمته لقتلتموه، ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة، فالمضارع للحال، ولا ينافيه قتل البعض، والمراد من القتل مباشرة الأسباب الموجبة لزوال الحياة، سواء ترتب عليها القتل أو لا، (فريقاً تقتلون) إما أن يكون قتلاً حقيقاً للبعض، وإما أن يكون تسبباً في القتل ومباشرة لأسبابه كما فعلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث أنهم حاولوا قتله. وقيل: لا حاجة إلى التعميم، ولا أن نقول: فريقاً قتلتم، وفريقاً باشرتم الأسباب معه؛ لأن الذي وقع منهم مع النبي عليه الصلاة والسلام كان قتلاً بالحقيقة، فإنه عليه الصلاة والسلام قتل حقيقة بالسم الذي ناولوه على ما وقع في الصحيح بلفظ: (وهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم)، فالرسول صلى الله عليه وسلم صرح بهذا قرب وفاته، وكأن الله سبحانه وتعالى كتب له أيضاً ثواب الشهادة عليه الصلاة والسلام؛ لأن أثر هذا السم ظل معه حتى قال: (هذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم)، أي: هذا أوان خروج روحي ومفارقة الحياة، نتيجة لذلك السم الذي وجده بعدما نهش نهشة بسيطة من هذه الذراع المسمومة. ونفهم من ذلك: أن قتل النبي عليه الصلاة والسلام لم يتحقق منهم زمان نزول الآية، بل الذي وقع مباشرة الأسباب، ولم يكن عليه الصلاة والسلام قد فارق الحياة، فالمقصود هنا من قوله: (فريقاً تقتلون) أيضاً مباشرة الأسباب، فلابد من التعميم بأن نقول بالقتل حقيقة أو بمباشرة الأسباب، أي: تعميم النوعين. وقال بعض العلماء: لا حاجة إلى التعميم، بل نقول: قتل حقيقي فقط؛ لأنهم بالفعل قتلوا النبي عليه الصلاة والسلام، ورد فريق آخر من العلماء بأن هذه الآيات لما نزلت لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام قد فارق الحياة بعد، ولم يكن بعد قد أفضى إلى الرفيق الأعلى، فلابد من التعميم بذكر النوعين، القتل المباشر أو التسبب في القتل كما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان حياً وقت نزول هذه الآيات.
تفسير قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا غلف)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا غلف) قال تبارك وتعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة:88] قالوا: -أي: اليهود- للنبي صلى الله عليه وسلم استهزاءً: قلوبنا غلف، وغلف بتسكين اللام جمع أغلف، أي: مغشاة بأغطية فلا تعي ما تقول، ولا يصل إليها ما تقول من هذا الدين! قال تعالى: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة:88]، بل هنا للإضراب، يعني: ليست القضية أن قلوبهم غلف، بل هي أشد من ذلك، فقد لعنهم الله وأبعدهم من رحمته وخذلهم من القبول، وليس عدم قبولهم لخلل في قلوبهم. {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة:88] (ما) زائدة لتأكيد القلة، يعني: إيمانهم قليل جداً، ويزيد هذه الآية إيضاحاً قوله تبارك وتعالى: (وقالوا قلوبنا غلف) الواو هنا واو عطف على استكبرتم، فتكون تفسيراً للاستكبار، يعني التكذيب بسبب الاستكبار، وعلى التقديرين ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة؛ لأن استكبرتم وكذبتم فيها خطاب، فسواء كان العطف في (وقالوا قلوبنا غلف) على استكبرتم أو عطف على كذبتم ففي الحالتين يوجد صورة من صور البلاغة وهي الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، فالالتفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضاً عن مخاطبتهم وإبعاداً لهم عن عز الحضور الذي يقتضيه سياق المخاطب. وقولهم: (قلوبنا غلف) أي: لا فائدة منا، كما قال غيرهم: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} [الشعراء:136]، وقصدوا بهذا إقناط النبي صلى الله عليه وسلم عن الإجابة، وقطع طمعه عنهم بالكلية، يعني: ليس هناك أي أمل، فلا تطمع أبداً أننا نستجيب لدينك! وقال السدي: يقولون: عليها غلاف، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله (غلف): قلبي عليه غلاف فلا يخلص إليه ما تقول، أي عندما تريد أن تقول لإنسان: لن يؤثر فيَّ كلامك، فتقول له: قلبي عليه غلاف فلن يصل إليه هذا الكلام الذي تقول، وقرأ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت:5]، وهذا هو الذي رجحه ابن جرير، واستشهد له بما روي عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (القلوب أربعة -فذكر منها-: وقلب أغلف مغضوب عليه، وذاك قلب الكافر). أي: أنه موضوع داخل غلاف. والغلف جمع أغلف، مثل كلمة حمر جمع أحمر، وهناك جمع ثانٍ غلُف، لكن الغلْف بتسكين اللام جمع أغلف، كأحمر وحمر، والأغلف هو الذي لا يفقه، وأصله في الذي لم يختن، يعني: أن قلوبنا مغشاة بأغشية خلقية مانعة عن وصول ما جئت به إليها، وهذا مثل قولهم: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت:5] أو جمع غلاف، ويجمع على غلُف، يعني: إما أن قلوبنا غلف جمع أغلف أو جمع غلاف، كخمار وخمر، ويجمع على غلف، فهي داخل أغطية وأغشية وأغلفة فلا يصل إليها ما تقول من هذا الدين، أو هي أوعية للعلم، ونحن مستغنون عما تأتينا به، ولا نحتاج إلى ما عندك من العلم أو الوحي، فيمدحون أنفسهم ويزكونها لعنهم الله، أي: فلو كان ما تقوله حقاً وصدقاً لوعته، فقلوبنا مملوءة علماً فلا تسع بعد ذلك شيئاً، فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، وما عندنا من التوراة نحن مستغنون به عن القرآن، فهذا تفسير آخر أنهم أرادوا أنها أوعية مملوءة بالعلم، فكيف لمثلنا أن يتبع إنساناً أمياً؟! وهذا تفسير بعيد. عن ابن عباس قال: يقولون: (قلوبنا غلف) يعني أوعية مملوءة، ولا نحتاج إلى علم محمد ولا غيره، قال ابن جرير: (وقالوا قلوبنا غلف) جمع غلاف، أي: أوعية، بمعنى أنهم ادعوا أن قلوبهم مملوءة بالعلم، لا يحتاجون معه إلى علم آخر، ولهذا قال تعالى: (بل لعنهم الله بكفرهم) أي: ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها، كما قال في سورة النساء: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء:155] إلى آخر الآية. وقوله تعالى: (بل لعنهم الله بكفرهم)، هذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه، والمعنى: أن قلوبكم أصلاً خلقت على فطرة التمكن من النظر الصحيح الذي يوفق إلى الحق كما قال عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة)؛ فقلوبكم أصلاً كانت مهيئة للهداية والانقياد للحق، والنظر الصحيح الذي يئول ويؤدي إلى الحق، لكن الله تبارك وتعالى أبعدهم وأبطل استعدادهم الخلقي الفطري للنظر الصحيح بسبب اعتقاداتهم الفاسدة، وجهالاتهم الباطلة الراسخة في قلوبهم، يعني: لما زاغوا أزاغ الله قلوبهم. أو المقصود: أنها لم تأب قبول ما تقوله لعدم كونه حقاً وصدقاً، فهؤلاء اليهود رفضوا ما دعوتهم إليه من الحق ليس لأنه ليس حقاً ولا صدقاً، وإنما لأنه سبحانه وتعالى طردهم وخذلهم بكفرهم فأصمهم وأعمى أبصارهم. أو أن المعنى: أن الله سبحانه وتعالى أقصاهم عن رحمته؛ فأنى لهم ادعاء العلم الذي أعظم أثر له هو حصول رحمة الله، فالله سبحانه وتعالى طردهم من رحمته، فمن يطرد من رحمة الله لن يكون عالماً علماً ينفعه، فإذا كانت فعلاً قلوبكم فيها علم، فالعلم يكون سبباً لحصول الرحمة، وأنتم مطرودون من الرحمة، فالمسألة أنكم مطرودون مخذولون، وليست المسألة علماً تدعونه في قلوبكم. {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة:88] الفاء هنا سببية، يعني: بسبب لعنة الله إياهم، (فقليلاً ما يؤمنون) المقصود أنهم يؤمنون إيماناً قليلاً و (ما) مزيدة لتأكيد معنى القلة، (فقليلاً ما يؤمنون) قيل: أي يؤمنون ببعض الكتاب، وقيل: لأن المؤمنين منهم قليلون، وقيل: زماناً قليلاً يؤمنون فيه بالحق، قيل: هو زمن الاستفتاح، كانوا يستفتحون فيه على الذين كفروا، إذا حصل بينهم وبين المشركين قتال يقولون لهم: إن هذا الزمان زمان بعثة نبي، فنأوي إليه، وسنؤمن به ونقاتلكم ونغلبكم، أو هو زمان بلوغ الروح التراقي فيؤمنون عندما تبلغ أرواحهم التراقي، وقيل: هو إيمان مؤقت، وهو المشار إليه في قوله تبارك وتعالى حكاية عنهم: {آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ} [آل عمران:72] حرب نفسية، أي: تظاهروا بالدخول في الإسلام في الصباح ثم ارتدوا عنه في المساء، وهذا طعن في هذا الدين وتشكيك للناس فيه، يقولون: لماذا ارتدوا؟! لأنهم ما وجدوا فيه خيراً -والعياذ بالله- فهذه الفترة قليلة (فقليلاً ما يؤمنون) يعني مثل هذه الفترة الوجيزة. إذاً: (قليلاً ما يؤمنون) يعني: إيماناً قليلاً. إما أن إيمانهم ببعض الكتاب، أو أن المؤمن منهم قليل، أو زماناً قليلاً يؤمنون وهو زمن الاستفتاح، لكن لما بعث فعلاً النبي الذي كانوا يستفتحون به كفروا، فإيمانهم كان إيماناً مؤقتاً لفترة قصيرة من الزمن، أو عند بلوغ الروح التراقي يؤمنون بحقيقة بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء:159]، والهاء هنا تعود على أهل الكتاب، أو: الإيمان القليل وهو المذكور في قوله: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ) هذه الفترة فقط. وقيل: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، وقال الواقدي -وهو تفسير غريب في هذه الآية-: يعني لا يؤمنون لا قليلاً ولا كثيراً، واستدل لصحة تفسيره بقوله: تقول: ما أقل ما يفعل فلان كذا! لشخص لا يفعل الشيء أبداً، ولا يفعله ألبتة، وقال الكسائي: تقول العرب: مررنا بأرض قل ما تنبت الكراث والبصل، يعني لا تنبت شيئاً، ورد الألوسي على الواقدي تفسيره، وقال: إنه قول بارد جداً، ولو أوقد عليه الواقدي ألف سنة!
تفسير قوله تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند الله)
تفسير قوله تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند الله) قال تبارك وتعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة:89]. (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) ما الذي معهم؟ التوراة، وما هو الكتاب؟ القرآن الكريم، (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ) قبل مجيء هذا الكتاب الكريم (يستفتحون) يستنصرون، يقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث آخر الزمان، هذا أحد التفاسير لمعنى (يستفتحون)، (فلما جاءهم ما عرفوا) من الحق، وهو بعثة النبي صلى الله عليه وسلم (كفروا به) حسداً وخوفاً على الرياسة، وجواب (لما) الأولى دل عليه جواب (فلما) الثانية، الذي هو: (كفروا به فلعنة الله على الكافرين). قوله تعالى: (ولما جاءكم كتاب من عند الله) الواو هنا عاطفة على قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا غلف). وقوله تعالى: (ولما جاءكم كتاب) كتاب بالتنكير للتعظيم، (من عند الله) ووصفه بأنه من عند الله أيضاً زيادة تشريف لهذا الكتاب، فمعروف أنه من عند الله، لكن ذكر هنا (كتاب من عند الله) فوصفه بأنه من عنده للتفريق والإيذان بأنه جدير بأن يقبل ما فيه ويتبع؛ لأنه من خالقهم وإلههم، أي: هو من عند الله الذي خلقكم، فأولى بكم أن تؤمنوا به. (مصدق لما معهم) هنا جعله مصدقاً (لما معهم) باللام، ولم يقل: مصدقاً بما معهم؛ لأنه لو قال: مصدقاً بما معهم، كان فيه إعطاء وصف التبعية للقرآن لما معهم هم، وقد آمن وصدق بما معهم، لكن (لما معهم) فيه إعطاء القرآن وصف الهيمنة، كما قال: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة:48]. إذاً: لم يقل: مصدقاً بما معهم، فجعله مصدقاً له لا به، إشارة إلى أنه بمنزلة الواقع ونفس الأمر لكتابهم، لكونه مشتملاً على الإخبار عنه محتاجاً في صدقه إليه، وإلى أنه في إعجازه مستغن عن تصديق الغير، فالقرآن يصدق غيره؛ لأنه نوه بالتوارة ومدحها، فهذه الحكمة من استعمال اللام بدل الباء في قوله: (مصدقاً لما معهم)، لكن لو قال: بما معهم، فكأن التوراة هي التي تشهد للقرآن، لكن الحقيقة أن القرآن مهيمن على ما عندهم من الكتب. (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) الاستفتاح هو الاستنصار، ومعنى الفتح هو الحكم والقضاء، فالاستفتاح يعني أن يحكم الله سبحانه وتعالى ويقضي بينهم وبين أعدائهم بالنصر، وفي الحديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين)، يعني: يستنصر بدعائهم وصلاتهم، ومنه أيضاً قوله تعالى: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} [المائدة:52]، وكلمة النصر تعني فتح شيء مغلق، فهو يرجع إلى قولهم: فتحت الباب. وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها؛ بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم). وروى النسائي أيضاً عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم). وقيل: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) أي: يستخبرون عنهم، من بين وقت وآخر وهم يسألون: هل ولد مولود صفته كذا وكذا؟ (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)، مع أنكم كنتم تستفتحون به من قبل عليه الصلاة والسلام، لكن لما جاءهم كفروا به، وهذا مثل قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14]، إشارة إلى أن نوع كفرهم إنما هو كفر الجحود والاستكبار. وهنا قوله تعالى: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) (ما) موصولة، أي: فلما جاءهم الذي عرفوا كفروا به، فإيراد الموصول هنا بالإضمار لبيان كمال مكابرتهم، ولم يقل الله سبحانه وتعالى: فلما جاءهم كفروا به، ولكن قال: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) فأورد الموصول ولم يستعمل الضمير؛ لأنه لو قال: (فلما جاءهم) سيكون الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الكتاب أو على الرسول، وإنما قال: (فلما جاءهم ما عرفوا) والذي كانوا يستفتحون بمجيئه من قبل كفروا به، فهذا لبيان كمال مكابرتهم وجحودهم، أو (فلما جاءهم ما عرفوا) المقصود به هنا الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس الكتاب على التفسير الأول، لكن المقصود بقوله: (جاءهم ما عرفوا) يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وقد يعبر عن العاقل (بما) إذا أريد الصفة، فأحياناً يعبر العرب (بما) عن صفات من يعقل مثل قوله تبارك وتعالى في سورة الكافرون: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون:3] يعني إلهي الذي أعبده الذي صفته كذا وكذا، فعبر عن الله سبحانه وتعالى (بما أعبد)، ويقول تبارك وتعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس:5] المقصود: ومن بناها وهو الله سبحانه وتعالى، وقوله: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:3]، النساء عاقل، فعبر عنهن (بما)، لكن المقصود هنا الصفة في الطيب، فلذلك قال: (فانكحوا ما طاب لكم)؛ لأنه هنا يعبر (بما) عن صفات من يعقل، وهكذا (فلما جاءهم ما عرفوا)، وعلى التفسير الآخر يكون المراد: الكتاب، أي: فلما جاءهم الكتاب كفروا به، فتكون: (ما عرفوا) اسم موصول، أو: (فلما) الثانية تكرير لطول العهد، واقتضى الأمر التكرار لما بعد العهد، كما في قوله تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} [آل عمران:188]، فهذا تكرار أيضاً بسبب طول العهد أو الفصل. وقيل: (ولما جاءهم كتاب من عند الله) جوابه محذوف، وهو: كذبوا به، فهذه معاملتهم مع الكتاب المصدق، (فلما جاءهم كتاب) وهنا ليس تكراراً، وفي تفسير آخر: أن (لما) الثانية: (فلما جاءهم) ليست تكراراً لـ (ما) الأولى، وإنما هذه يقصد بها الأمر غير تلك، فالأولى (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم) تقديره: كذبوا به، فهذه معاملتهم مع الكتاب الذي يصدق ما معهم، أما قوله: (فلما جاءهم ما عرفوا)، فالمقصود بها الرسول عليه الصلاة والسلام، (كفروا به) فهذه معاملتهم مع الرسول المستفتح به، ورجح هذا التفسير بأن لما الأولى المقصود بها شيء غير لما الثانية؛ لأن التكرار يحتمل التوكيد، أما هنا فيكون تأسيساً وليس تكراراً للمعنى؛ فالتأسيس أولى من التأكيد. أي: أن أي كلام يحتمل أن يدور بين أمرين، إما أن يكون التكرار فيه للتوكيد أو لتأسيس معنى جديد، وما دام يحتمل الأمرين فيترجح أن يكون للتأسيس، مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [محمد:1]، وصدوا ممكن أن تكون بمعنى أعرضوا، فتكون توكيداً لمعنى الكفر، وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} [النساء:55] أي: أعرض عنه، ومثل: كلمني فصددت عنه. يعني: أعرضت عنه، لكن كلمة صدوا ربما تحتمل معنى آخر، أي: كفروا في أنفسهم وصدوا غيرهم، مثل أي داعية للكفر والفساد، يصد غيره عن سبيل الله، فهنا توكيد لكلمة صدوا، فعلى القول الأول تكون تكراراً، وعلى القول الثاني تكون بمعنى صدوا غيرهم، وفيها معنى التأسيس لمعنى جديد، كفروا في أنفسهم وصدوا غيرهم. كذلك هنا (ولما جاءهم كتاب من عند الله): (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) فيحتمل أن التكرار للتوكيد لبعد العهد، أو للتأسيس؛ لأن هذه مقصود بها معنى غير الآخر، فقوله: (فلما جاءهم كتاب) هذه لها معنى مستقل جوابه وتقديره: كذبوا بالكتاب المصدق، (ولما جاءهم ما عرفوا) وهو الرسول المبعوث الذي كانوا يستفتحون به أيضاً كفروا به، فهنا يترجح التأسيس على التوكيد.
تفسير قوله تعالى: (بئسما اشتروا به أنفسهم)
تفسير قوله تعالى: (بئسما اشتروا به أنفسهم) قال تبارك وتعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة:90]. (بئسما اشتروا) أي: باعوا (به أنفسهم) أي: حظهم من الثواب، و (ما) نكرة بمعنى شيئاً، تمييز لفاعل بئس، يعني بئس شيئاً، والتقدير: بئس الشيء شيئاً اشتروا به أنفسهم، والمخصوص بالذم (أن يكفروا) يعني: بئس الشيء كفرهم، (بما أنزل الله) من القرآن، (بغياً) مفعول له، مفعول لفعل يكفروا، وبغياً يعني حسداً، (أن ينزل الله) حسداً للمؤمنين على أن ينزل الله فضله على من يشاء من عباده، (ينزّل الله) أو (ينزِل الله) قراءتان بالتخفيف والتشديد (من فضله) الوحي، (على من يشاء) للرسالة (من عباده فباءوا) رجعوا (بغضب) غضب من الله لكفرهم بما أنزل، والتنكير هنا للتعظيم، (على غضب) استحقوه من قبل بتضييع التوراة والكفر بعيسى، (وللكافرين عذاب مهين) أي ذو إهانة. وقوله تبارك وتعالى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) يعني: على من يصطفيه ويختاره للرسالة، وقيل: المراد به محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم حسدوه؛ لأنه لم يكن منهم، وكان من العرب من ولد إسماعيل، ولم يكن من ولده نبي سواه صلى الله عليه وسلم، وإضافة العباد إلى ضميره تعالى فيه تشريف، (على من يشاء من عباده)، هذا تشريف لكل الأنبياء عليهم السلام بإضافتهم إلى الله سبحانه وتعالى. (فباءوا بغضب) أي: رجعوا (بغضب على غضب) هنا تفسيران: إما أنه غضب على غضب يعني هما غضبان، وإما غضب على غضب المقصود تعدد هذا الغضب، فالذين قالوا: هما غضبان اختلفوا في تفسير ما الغضب الأول وما الغضب الثاني، قال بعضهم: الغضب الأول غضب الله سبحانه وتعالى عليهم لعبادتهم العجل، والثاني: بسبب كفرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: الغضب الأول: هو بسبب كفرهم بالإنجيل، والثاني: بسبب كفرهم بالقرآن، أو كفرهم بعيسى ثم كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو غضب أولاً بقولهم: عزير ابن الله، والغضب الثاني بقولهم: يد الله مغلولة، وبكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. القول الآخر: أنه ليس المقصود غضبين وإنما المراد به الترادف والتكاثر، وليس غضبان فقط، فهذا فيه إيذان بتجديد الحال عليهم، كما في قول الشاعر: ولو كان رمحاً واحداً لاتقيته ولكنه رمح وثان وثالث المقصود أنها رماح كثيرة. (وللكافرين عذاب مهين) ويلاحظ أنه قدم قوله: (وللكافرين) ولم يقل: وعذاب مهين للكافرين، وهذا التقديم يفيد أن غير الكافرين إذا عذب فإنما يعذب للتطهير لا للإهانة والإذلال، وهذا أمر مهم جداً، فالعذاب المهين في القرآن لا يأتي إلا في حق الكافرين فقط، أما من عداهم من عصاة الموحدين فلا يعذب للإهانة، وتلاحظ أن التقديم هنا لبيان هذا المعنى، وأن هذا النوع من العذاب -الذي يراد به الإهانة- إنما هو في حق الكافرين، ولذلك قدمه، فقال (وللكافرين عذاب مهين)، فعذاب الكافرين المقصود به إهانتهم، أما غيرهم من عصاة الموحدين فالمقصود بعذابهم تطهيرهم من أثر هذه الذنوب، وإذا استقرأت القرآن الكريم وتتبعت المواضع التي ذكر فيها: عذاب مهين، ستجد أن العذاب المهين لا يكون إلا في حق الكافرين كفراً أكبر والعياذ بالله، وتقديم هذا الخبر (وللكافرين عذاب مهين) يفيد أن غير الكافرين إذا عذب فإنما يعذب للتطهير لا للإهانة والإذلال، ولذا لم يوصف عذاب غيرهم به في القرآن، فلا متمسك للخوارج في أنه خص العذاب بالكافرين، فقد قالوا: هذا يدل على أن كل من يعذب فهو من الكافرين، فيرد عليهم بأن العذاب المهين لا يكون إلا للكافرين، ومن عدا ذلك من الموحدين يعذب عذاباً للتطهير لا للإهانة والإذلال، فالمسلم الفاسق أو الموحد العاصي فإنه سيعذب لكن ليس عذاب الإهانة. روى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر) أي: الغبار الدقيق الذي يرى في ظل الشمس، (يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجناً في جهنم يقال له: بولس، فتعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار)، وهذا الحديث صحيح.
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله)
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله) قال الله تبارك وتعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:91]. (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله) جمهور العلماء على أن المقصود به القرآن الكريم، وقال بعض العلماء: المقصود به كل ما أنزل الله من الكتب الإلهية على العموم، ومع هذا فإن جل الغرض الإيمان بالقرآن، لكن سلك مسلك التعميم إشعاراً بتحتم الامتثال من حيث مشاركته لما آمنوا به في أنه منزل من عند الله، وتنبيهاً على أن الإيمان بما عداه من غير إيمان به ليس إيماناً بما أنزل الله، ويفهم منها: أنكم لا تؤمنون بما أنزل عليكم حتى تؤمنوا بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، (قالوا نؤمن بما أنزل علينا) نعم نؤمن بما أنزل الله، لكن فقط بما أنزل علينا نحن، ونستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها مما أنزل لتقرير حكمها، ولا نقبل من قرآنكم إلا ما يوافق حكم توراتنا فحسب، (علينا)، يعني: على أنبياء بني إسرائيل، وليس عليهم أنفسهم، وفيه إيماء إلى أن عدم إيمانهم بالقرآن كان بغياً وحسداً على نزوله على من ليس منهم، ولو كان من بني إسرائيل لآمنوا، وفيها إشارة إلى أن كفرهم كان حسداً للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان من ولد إسماعيل، ولذلك يقولون دائماً في تعيير العرب: إنهم أبناء الجارية، احتقاراً لهم، وهم يحسدوننا من أجل ذلك على هذا الإسلام، ولم يؤمنوا بالرسول حسداً وبغياً. أو قولهم: (نؤمن بما أنزل علينا) يعني على أنفسنا، أي: تكليفهم بما في المنزل من الأحكام، وذموا بهذه المقالة لما فيها من التعريض بشأن القرآن، أي: أنهم عندما قالوا: (نؤمن بما أنزل علينا) هذا فيه تعريض بالقرآن أنه ليس من عند الله، ودسائسهم مشهورة. أو لأنهم تأولوا الأمر المطلق العام ونزلوه على خاص هو الإيمان بما أنزل عليهم كما هو ديدنهم في تأويل الكتاب على غير المراد منه. (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله) يقولون: نحن نؤمن فعلاً بما أنزل الله، نحن نؤمن بما أنزل علينا، فحملوا اللفظ العام الآمر بالإيمان بكل ما أنزل الله -من القرآن وما عداه من الكتب- على ما أنزل عليهم فقط، والواجب أن يؤمنوا بجميع الكتب على وجه العموم. (ويكفرون بما وراءه) بما سواه، وقيل: بما وراءه بما بعده، والمعنى واحد، فوراء بمعنى خلف، وقد تكون بمعنى قدام، فكلمة وراء من الأضداد، تأتي بمعنى الكلمة وضدها، كما قال تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} [الكهف:79] المقصود بها هنا: أمامهم ملك، فلو مشوا بالسفينة قليلاً فإن جنود الملك سيأخذون السفينة لصالحهم، والوراء ولد الولد، الحفيد، ويقول تبارك وتعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء:24] يعني: ما سوى ذلك، (ويكفرون بما وراءه) يعني: بما سواه، فالهاء تعود على قوله تعالى: (قالوا نؤمن بما أنزل علينا)، ما أنزل عليهم فقط، ويكفرون بما وراء ما أنزل عليهم. (وهو الحق مصدقاً لما معهم) كلمة مصدقاً لما معهم تتضمن الرد على قولهم: (نؤمن بما أنزل علينا)؛ حيث إن من لم يصدق بما وافق التوراة لم يصدق بها. (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين)؟ فأنتم تزعمون أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم، وأن آباءكم وأسلافكم قد آمنوا بما أنزل عليهم من التوارة، والتوراة لا تسوغ قتل الأنبياء، وأنتم تزعمون أنكم تؤمنون فقط بما أنزل عليكم، فماذا فعلتم على ما أنزل عليكم؟! هل التوراة تبيح لكم قتل الأنبياء؟! قال تعالى: (فلم تقتلون)، وعبر بالمضارع، مع أن كلمة: (من قبل) تشير إلى الماضي، فكان الأصل: فلم قتلتم الأنبياء من قبل، لكن أتى بها في صيغة المضارع للدلالة على استمرارهم على القتل في الأزمنة الماضية، وهذا شأنهم وديدنهم، وهذه عادتهم لا تتغير أبداً، هذه الطبيعة اللئيمة والخبيثة في القتل والغدر والخيانة، فالتعبير بالمضارع لاستمرار أسلافهم في العهد المحمدي وما بعده كما كانوا في العهد الموسوي وما بعده، فالقتل والغدر والخيانة من طبيعتهم ومن فطرهم التي لا يستطيعون منها فكاكاً، وتعلمون الحادث الذي حصل في رمضان السابق من قتل العدد الهائل غدراً وخيانة في داخل مسجد الخليل، فهذا فيهم أمر طبيبعي، ورغم أن الناس ثاروا وقاموا وكأن الأمر جديد على اليهود، إلا أن هذه هي طبيعة اليهود، تجد أحدهم في أحد كتبه يقول: أنا قاتل إذاً أنا موجود، هذا شعارهم! كما يقول الرجل: أنا أفكر إذاً أنا موجود، يعني لا يتصور وجوده بدون أن يكون سفاكاً للدماء قتالاً، ومعروف عن هؤلاء المذابح في صبرا وشاتلا ودير ياسين وغير ذلك من تاريخهم الأسود. هتلر كان يقول: أنا قتلت نصف اليهود واستبقيت النصف الآخر حتى يعلم العالم لماذا قتلت النصف الأول! يعني: حتى يذوقوا أخلاق اليهود ويعرفوا فساد اليهود في الأرض، فقتلت نصفاً وأبقيت نصفاً حتى يعلم الناس لماذا قتلت النصف الأول حينما يرون أخلاقهم وبقاياهم وماذا يفعلون! يقول العلماء: الخطاب لمن حضر محمداً صلى الله عليه وسلم والمراد أسلافهم، وإنما توجه الخطاب لأبنائهم لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا، كما قال تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} [المائدة:81]، فإذا تولوهم فهم بمنزلتهم، فلذلك كانوا راضين عن قتل الأنبياء، ولا نبي بعد محمد عليه الصلاة والسلام، ولذلك نقول: (فلم تقتلون أنبياء الله) المراد به أسلافهم، وإن كان الخطاب موجهاً إلى من كانوا معاصرين للنبي عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأنهم كانوا يتولون أولئك القتلة الذين قتلوا الأنبياء، والله يقول: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ) فإذا تولوهم فهم بمنزلتهم، وقيل: إنهم رضوا فعلهم فنسب ذلك إليهم (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) يعني: إن كنتم مؤمنين فلم رضيتم بقتل الأنبياء؟! وقيل: (إن) بمعنى (ما)، أداة شرطية، أي: لم رضيتم بقتلهم إن كنتم مؤمنين؟ وقيل: (إن) بمعنى (ما) نافية. تنبيه: (فلم تقتلون أنبياء الله) لم، أصلها لما بالألف، وحذفت الألف فرقاً بين الاستفهام والخبر، ولا ينبغي أن يوقف عليها؛ لأنه إن وقف عليها بلا هاء كان لحناً، ونقف عليها بالهاء في غير القرآن، وهذا بحث متعلق بالتجويد وليس من صلب موضوعنا. نختم بكلام السيوطي في تفسير هذه الآية، يقول: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله)، القرآن وغيره، قالوا: (نؤمن بما أنزل علينا) أي: التوراة، قال تعالى: (ويكفرون بما وراءه)، الواو هنا للحال، (بما وراءه) يعني: سواه أو بعده من القرآن، (وهو الحق) حال، (مصدقاً) حال ثانية مؤكدة، (لما معهم. قل فلم تقتلون) يعني: قل لهم: (فلم تقتلون) أي: قتلتم (أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) يعني: بالتوراة وقد نهيتم فيها عن قتلهم، والخطاب للموجودين في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم بما فعل آباؤهم لرضاهم به.
البقرة [106 - 120]
تفسير سورة البقرة [106 - 120]
تفسير قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)
تفسير قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) قال الله تبارك وتعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:106]. قوله عز وجل: (ما ننسخ من آية) (ما) شرطية، ولذلك جزمت فعل الشرط وجواب الشرط، والنسخ هو الرفع والإزالة، تقول: نسخت الشمس الظل، أي: أزالت الظل، فقوله تعالى: (ما ننسخ من آية) أي: ما نُزل حكم آية، من الإزالة. والنسخ على أنواع: إما أن يرفع حكم الآية لكن يبقى اللفظ، وإما أن يبقى الحكم ويرفع اللفظ، وهو ما يعرف بنسخ التلاوة، ولذلك يقول السيوطي: (ما ننسخ من آية) أي: نُزِل حكمها إما مع لفظها أو لا، وفي قراءة بضم النون (ما ننسخ) من أنسخ، فيكون تفسيرها على هذه القراءة: ما نأمرك أو نأمر جبريل عليه السلام بنسخها. (أو نَنْسَأْها) وفي القراءة الأخرى: (أو نُنْسِها) وعلى قراءة (ننسأها) من النسأ، أي: نؤخرها، فلا نزل حكمها ولكن نرفع تلاوتها، أو نؤخرها في اللوح المحفوظ، وفي قراءة بلا همز (أو ننسها) أي: من النسيان، أي: نمحها من قلبك. وجواب الشرط قوله تعالى: (نأت بخير منها) أي: أنفع للعباد في السهولة أو كثرة الأجر. (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) ومما يشمله عموم قدرته: النسخ والتبديل، والاستفهام هنا للتقرير، والمقصود: أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. يقول القاسمي رحمه الله تعالى في هذه الآية: (ما ننسخ من آية) أي: ما نبدل من آية بغيرها، كنسخنا آيات التوراة بآيات القرآن، (أو ننسها) أي: نذهبها من القلوب، كما أخبر بقوله: {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة:13] وقرئ: (أو ننسأها) أي: نؤخرها ونتركها بلا نسخ، كما أبقى كثيراً من أحكام التوراة في القرآن، وعلى هذه القراءة الثانية: (أو ننسأها) نشر على ترتيب هذا اللف، قوله: (نأت بخير منها) أي: من المنسوخة المبدلة، وذلك كما فعل في الآيات التي شرعت في هذه الملة الحنيفية، شرع فيها اليسر ورفع الحرج والعنت، فكانت خيراً من تلك الآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، وجاء فيها اليسر والسماحة، ورفعت الآصار والأغلال كما جاء في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157]؛ لأن بني إسرائيل شرعت لهم أحكام مغلظة عقوبة لهم وتأديباً، فرفعت في هذه الملة السمحة الحنيفية (أو مثلها) أي: مثل تلك الآيات الموحيات من قبل، فيوحي الله عز وجل إلى نبيه مثلما أوحى من قبل، كما يرى في كثير من الآيات في القرآن الموافقة لما بين يديها مما اقتضت الحكمة بقاءه واستمراره، مثل قول الله تبارك وتعالى في سورة الأعلى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى:18 - 19] ويقول تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة:45] إلى آخره.
تفسير قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) قال تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [البقرة:107]. (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) أي: يفعل فيهما ما يشاء سبحانه وتعالى، (وما لكم من دون الله) أي من غير الله، (من ولي) (من) زائدة، والأصل أن تكون: (ما لكم من دون الله ولي ولا نصير)، (من ولي) يحفظكم (ولا نصير) يمنع عذابه عنكم إن أتاكم. يقول القاسمي: (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) فهو يملك أموركم ويدبرها، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ أو منسوخ، (وما لكم من دون من ولي) يلي أموركم (ولا نصير) أي: ناصر يمنعكم من العذاب، وقضية العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة هو الجزم والإيقان؛ لأنه تعالى لا يفعل بهم في أمر من أمور دينهم أو دنياهم إلا ما هو خير لهم، والعمل بموجبه من الثقة به، والتوكل عليه، وتفويض الأمر إليه، فهذا الخطاب وربط هذا الموقف بصفة علم الله سبحانه وتعالى فيه إرشاد المؤمنين إلى أن يحسنوا ظنهم بربهم تبارك وتعالى، ويؤمنوا به حق الإيمان، ويعلموا أن الله سبحانه وتعالى لا يريد فيهم في الدين ولا في الدنيا إلا ما هو الخير والأفضل لهم. وفيه إرشاد إلى عدم الإصغاء إلى أقاويل اليهود وتشكيكاتهم التي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ. ويجب أن نستصحب هنا أن هذه الآيات كلها تمهيد لما سيأتي عما قريب من الآيات التي فيها نسخ القبلة، فهنا نوع من الإرهاصات والتمهيد في القرآن الكريم لما سيأتي عما قريب من نسخ القبلة، فالسبب: تمهيد لقلوب المؤمنين كي لا تفتتن بأقاويل اليهود وتشكيكاتهم بسبب ما وقع من تغيير القبلة، كذلك أيضاً الآيات التي ستأتي عما قريب وفيها قصة إبراهيم عليه السلام وإسماعيل وبناء البيت والتنويه بعظمة البيت وشرفه وعلو مقامه، ففيها أيضاً تنويه إرهاص وتقدمة بين يدي تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام. فالمقصود: أن ينتفي عن المؤمنين الإصغاء إلى أقاويل اليهود وتشكيكاتها التي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ، حيث أنكروا نسخ أحكام التوراة، وقالوا: إن التوارة أحكامها لا تنسخ، ولذلك جحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام لمجيئهما من عند الله بتغيير من حكم التوارة، فأخبرهم الله سبحانه وتعالى أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته، عليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، والذي حمل اليهود على منع النسخ إنما هو الكفر والعناد، وإلا فقد وجد في شريعتهم النسخ بكثرة، وقد كثرت المطاعن التي يأخذها المستشرقون والببغاوات الذين يوردون شبهاتهم من وقوع النسخ في القرآن الكريم، وقد تولى الجواب عنها برد مفحم واف العلامة ابن خليل الرحمن الهندي رحمه الله في كتابه: إظهار الحق، وهو من أروع الكتب التي فيها تفنيد عقيدة النصارى، حيث ذكر فيه أمثلة وافرة مما وقع من النسخ في التوراة والإنجيل، وهي موجودة في الباب الثالث من هذا الكتاب. قال بعض الفضلاء: نزلت هذه الآية لما قال المشركون أو اليهود: إن محمداً صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه، يشيرون إلى ما وقع من النسخ في بعض الأحكام، وفي الآية رد عليهم؛ لأن المقصود بنسخ الحكم السابق تهيئة النفوس لأرقى منه، وحتى ترقى النفوس إلى ما هو أعلى منه وأفضل، وهو معنى قوله تعالى: (نأت بخير منها)؛ لأن الخالق تعالى ربى الأمة المسلمة في ثلاث وعشرين سنة تربية تدريجية لا تتم لغيرها بواسطة العوامل الاجتماعية إلا في قرون عديدة، لذلك كان نزول الأحكام عليها على حسب قابليتها، ومتى ارتقت قابليتها بدل الله لها ذلك الحكم بغيره، وهذه سنة الخالق عز وجل في الأفراد والأمم على حد سواء، فإنك لو نظرت في الكائنات الحية من أول الخلية النباتية إلى أرقى شكل من أشكال الأشجار، ومن أول رتبة من رتب الحيوانات إلى الإنسان؛ لرأيت أن النسخ ناموس طبيعي محسوس في الأمور المادية والأدبية معاً، فإن انتقال الخلية الإنسانية إلى جنين، ثم إلى طفل فيافع فشاب فكهل فشيخ، وما يتبع كل دور من هذه الأدوار من الأحوال الناسخة للأحوال التي قبلها يريك الدليل على أن التبدل في الكائنات ناموس طبيعي محقق، وإذا كان هذا النسخ ليس بمستنكر في الكائنات فكيف يستنكر نسخ حكم وإبداله بحكم آخر في الأمة، وهي في حالة نمو وتدرج من الأدنى إلى الأرقى، فهذا باختصار ما أشار إليه القاسمي في هذا المعنى.
تفسير قوله تعالى: (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل)
تفسير قوله تعالى: (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) قال الله تبارك وتعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [البقرة:108] قوله تعالى: (أم تريدون) (أم) هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، فهي تساوي بل والهمزة، يعني: بل أتريدون، وهذه تتكرر كثيراً في القرآن، ولذلك قال السيوطي رحمه الله تعالى: (أم تريدون) بمعنى بل وبمعنى همزة الإنكار، يعني بل أتريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى؟ يعني: كما سأله قومه بنو إسرائيل، والإشارة بذلك إلى قولهم: (أرنا الله جهرة) وغير ذلك من أسئلتهم. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: لم يبين هنا الذي سئله موسى من قبل ما هو، ولكنه بينه في موضع آخر وذلك في قوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء:153]. (ومن يتبدل الكفر بالإيمان) أي: من يأخذه بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها، (فقد ضل سواء السبيل) أي: أخطأ الطريق الحق، والسواء في الأصل هو الوسط.
تفسير قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا)
تفسير قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً) قال عز وجل: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:109]. (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم) (لو) هنا مصدرية، ولو تأتي بمعنى أن، كقوله: {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة:2] أي: ودوا أن تكفروا، كذلك هنا (لو) مصدرية بمعنى أن كقول الشاعر: ما كان ضرك لو مننت وربما منَّ الفتى وهو المريض المحنق (لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً) هذا مفعول له (من عند أنفسهم) يعني: حسداً كائنا ًمن عند أنفسهم حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة، وهذه إشارة إلى أن الحسد إنما هو من أخلاق الكفار، وأنه يتنافى مع الإيمان، فالمؤمن ليس بحسود، ونرى في كثير من آيات القرآن أن الحسد قرين الكفر، وهو تمني زوال نعمة الله عز وجل عن الغير، (من بعد ما تبين لهم الحق) الموجود في التوراة في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، (فاعفوا) عنهم، واتركوهم، وأعرضوا عنهم، (واصفحوا) أي: أعرضوا عنهم فلا تجازوهم بما يقولون، (حتى يأتي الله بأمره) فيهم من القتال، (إن الله على كل شيء قدير). يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى موضحاً بصورة أوسع المراد بقوله تعالى: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره): هذه الآية في أهل الكتاب كما هو واضح من السياق، والأمر في قوله تعالى: (حتى يأتي الله بأمره) قال بعض العلماء: هو واحد الأوامر، يعني: كلمة (أمره) مفرد، جمعها أوامر أو أمور، فأتى هنا بلفظ المفرد فاحتمل أن يكون (حتى يأتي الله بأمره) المقصود به الأمر الذي جمعه أوامر، أو بأمره الأمر الذي جمعه أمور، يقول: قال بعض العلماء الأمر هو واحد الأوامر، وقال بعضهم: هو واحد الأمور، فعلى القول الأول بأنه الأمر الذي هو ضد النهي فإن الأمر المذكور وهو المصرح به في قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]، وتكون مشابهة لقوله تعالى: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء:15]، والسبيل هو ما نزل فيما بعد من الأحكام فيما يتعلق بالمرأة التي تأتي الفاحشة، فكذلك هنا: (حتى يأتي الله بأمره) إذا قلنا: أمره هو واحد الأوامر، فالمعنى اصبروا واعفوا عنهم ولا تجازوهم إلى أن يأمركم الله بجهادهم، وجهاد أهل الكتاب شرع في سورة التوبة في قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]. وعلى القول بأن الأمر. واحد الأمور، فهو ما صرح الله سبحانه وتعالى به في الآيات الدالة على ما أوقع في اليهود من القتل والتشريد؛ كقوله تعالى: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ * وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} [الحشر:2 - 3]، والآية غير منسوخة على التحقيق، والنسخ الذي يقصده الشنقيطي رحمه الله تعالى هنا هو النسخ الاصطلاحي، فبعض الناس يقولون: إن آية براءة نسخت كل موادعة، نسخت الآيات الآمرة بالعفو والصفح والصبر والإعراض وعدم مؤاخذة المشركين والصبر على أذاهم، فيقول: الآية غير منسوخة على التحقيق، فإن لكل مقام مقالاً، ولكل حدث حديثاً، ففي حالة الضعف كان هذا هو التكليف الخاص بالمؤمنين أن يصبروا ويعفوا ويصفحوا إلى أن يأتي أمر الله بجهادهم. يقول تبارك وتعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة:110] أي: من طاعة كصلة رحم وصدقة (تجدوه) أي: تجدوا ثوابه {تجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة:110] يعني: فيجازيكم به سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) قال الله تبارك وتعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة:111]. (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً) هوداً جمع هائد، (أو نصارى) قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران لما تناظروا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، أي قال اليهود: لن يدخلها إلا اليهود، وقالت النصارى: لن يدخلها إلا النصارى، وهنا تصحيح من القاضي محمد كنعان في الحاشية، يقول: قول السيوطي رحمه الله تعالى: قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران لما تناظروا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. هذا سهو من الجلال السيوطي رحمه الله، فإن التي أشار إليها لم ينزل بشأنها قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى)، بل نزل فيها قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} [البقرة:113]، وذلك أن اليهود والنصارى تناظروا، فقالت اليهود للنصارى: لستم على شيء، وكفروا بعيسى والإنجيل، فقال النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، ونحن نقول للفريقين: صدقتم، لا هؤلاء على شيء ولا هؤلاء على شيء، فقال النصارى لليهود: ما أنتم على شيء وجحدوا نبوة موسى، وكفروا بالتوراة، فنزلت هذه الآية وهي قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء). وهذه الآية إخبار عما يظنه كل فريق لنفسه من النجاة وللآخر من الهلاك، وليست مرتبطة بسبب النزول؛ لأنه لا يشترط أن كل آية في القرآن يكون لها سبب نزول، لكن هذا إخبار عن اعتقاد كل فريق من هذين الفريقين. وفي قوله: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) أسلوب من الأساليب البلاغية، كلمة: (قالوا) فيها نوع من الإجمال، وهذا كلام ملفوف، ثم نشر وأوضح بقوله: (وقالوا) فالواو فيها لف، ثم نشر ما لفته الواو بقوله: (إلا من كان هوداً أو نصارى). {تِلْكَ} [البقرة:111]، أي: القولة (أمانيهم)، أي: شهواتهم الباطلة، {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [البقرة:111]، (قل)، أي: قل لهم، (هاتوا برهانكم) حجتكم على ذلك، انظر إلى أسلوب القرآن الكريم في طلب الاعتداد بالبرهان وبالحجة، وطلب إقامة الحجة والكلام بعلم، {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111]، فالذي يدعي دعوى هو المسئول على أن يؤديها بالبرهان، لا أن يدعي الإنسان دعوى ويلزم من يدعوه إليها بأن يثبتها له، المفروض أنت الذي تدعو تكون مسلحاً بالبرهان ولا تتكلم إلا بما قام عليه الدليل والبرهان، وإلا كنت كاذباً، وهذا هو المفهوم من قوله تعالى: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)؛ فالصادق هو من يأتي بالبرهان، (إن كنتم صادقين) فيما تقولون.
تفسير قوله تعالى: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره)
تفسير قوله تعالى: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره) يقول تبارك وتعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:112] (بلى) المقصود بها: بلى يدخل الجنة غيرهم، اليهود قالوا: لا يدخل الجنة غير اليهود، والنصارى قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً، ولا يشاركنا فيها غيرنا، فجاءت الآية بقوله: (بلى)، وهذا إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، ونحن نعلم أن بلى تأتي لإثبات ما نفي، وكأن قائلاً يقول: من هؤلاء الغير؟ فيأتي A ( من أسلم وجهه لله) أي: انقاد لأمر الله سبحانه وتعالى، وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء، فإذا أسلم الإنسان وجهه لله سبحانه وتعالى فغيره من الأعضاء أولى؛ لأن الوجه هو أشرف أجزاء البدن، فحينما يسجد الإنسان على الأرض، ويضع وجهه وجبهته التي هي أشرف جزء في بدنه على الأرض تذللاً لله سبحانه وتعالى فأولى أن ينقاد لله غير ذلك من أعضاء بدنه، (بلى من أسلم وجهه لله) أي انقاد لأمره، (وهو محسن) أي: موحد لله سبحانه وتعالى موافق لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزيد حقاً من حقوق التوحيد وهو من أوكد حقوق التوحيد يقترن دائماً بتوحيد المعبود: ألا وهو توحيد الطريق الموصلة إليه، فأي إنسان لا ينجو إلا بهذين التوحيدين: توحيد العبادة، وتوحيد الاتباع، توحيد المعبود وهو الله سبحانه وتعالى، وتوحيد الطريق الموصلة إليه، وهو طريق على رأسه محمد عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، (فله أجره عند ربه)، أي: ثواب عمله، وهو الجنة، (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) يعني في الآخرة.
تفسير قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء)
تفسير قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة:113]. (وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) أي: ليسوا على شيء يعتد به، وإن كانوا هم على شيء باطل، فلذلك لا بد هنا في تفسيرها أن نقول: ليست النصارى على شيء حق، ولكنهم على شيء باطل، فبما أنه لم يذكر صفة البطلان هذه فلا بد من هذا التقدير، أن تقول: على شيء معتد به من الدين، أو على شيء له قيمة يذكر أو ينجي، لأن ما معهم مهلكهم، فهذا إخبار عن كفر اليهود، قالوا: ليست النصارى على شيء، وبالتالي كفروا بالمسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من أجل ذلك، (وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) أي: شيء معتد به، وكفرت النصارى بموسى، (وهم يتلون الكتاب) الفريقان: فريق اليهود وفريق النصارى (يتلون الكتاب)، والكتاب هنا اسم جنس؛ لأنهما في الحقيقة كتابان، التوراة والإنجيل، فالمقصود هنا اسم جنس، مثل قوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} [السجدة:11] على أحد التفسيرين، وفي الكتاب المنزل على اليهود تصديق عيسى، وفي كتاب النصارى تصديق موسى، والجملة (وهم يتلون الكتاب) جملة حالية. وهذه الواقعة بعينها وقعت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن كل طائفة من أهل البدع والضلال تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن، فهذا المعنى موافق لما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) يعني: من غير اليهود والنصارى؟ فمما وافق فيه الضلال من الفرق الضالة في هذه الأمة اليهود والنصارى: هذا الانقسام والتفرق في الدين بأن تكفر كل طائفة من لا يوافقها، وكفرت كل طائفة الأخرى مع اتفاقهم جميعاً على تلاوة القرآن! (كذلك قال الذين لا يعلمون) يعني: كما قال هؤلاء، والإشارة إلى اليهود والنصارى، (قال الذين لا يعلمون) المقصود بالذين لا يعلمون هم المشركون من العرب وغيرهم، (مثل قولهم) هذا بيان لمعنى كلمة (كذلك)، أي: قالوا لكل ذي دين: ليسوا على شيء، فكما قالت اليهود للنصارى: لستم على شيء، وقالت النصارى لليهود: لستم على شيء، فإن هذه العبارة التي واجهوا بها الحق ليسوا هم وحدهم في ذلك، بل قالها أيضاً المشركون سواء مشركوا العرب أو غيرهم ممن دعاهم الرسل إلى التوحيد. والآية فيها توبيخ شديد لليهود والنصارى، لماذا؟ لأنه وصفهم بأنهم أتوا بما أتى به الذين لا يعلمون، فالمشركون العرب كانوا أمة أمية، ولم ينزل عليهم كتاب من قبل، أما اليهود والنصارى فأنزلت عليهم الكتب، وفيها الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالرسل والرسالات والقدر وسائر أمور الإيمان، فكان المفترض أن يكون أهل الكتاب أول مؤمن بالقرآن، ففي هذه الآية توبيخ شديد لهم؛ لأنهم بفعلهم وبقولهم هذا نظموا أنفسهم -مع علمهم. يقول تعالى: (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) يعني من أمر الدين، فيدخل المحق الجنة والمبطل النار.
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها)
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) الآيات السابقة في توبيخ أهل الكتاب، فبعد توبيخ أهل الكتاب توجه الخطاب إلى المشركين الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وصدوهم عنه عام الحديبية، وكل هذا تخريب للمسجد الحرام، وعمارة المسجد إحياء المكان وشغله بما وضع له. عمارة المسجد لها معنيان: عمارة المساجد ببنائها، وأيضاً عمارة المسجد بإحياء هذ المكان وإشغاله بما وضع له، فالمسجد أقيم لعبادة الله، فعمارته بالاعتكاف، بصلاة الجماعة، بقرءاة القرآن، بمجالس الذكر، هذه العمارة أو أحد نوعي العمارة المشار إليها في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:18]، والمقصود هنا توبيخ المشركين بعد توبيخ أهل الكتاب. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [البقرة:114] يعني: لا أحد أظلم ممن صد عن بيوت الله سبحانه وتعالى كي لا يذكر فيها اسمه بالصلاة والتسبيح والذكر، (وسعى في خرابها)، خرابها إما أن يكون بالهدم أو بالتعطيل. يقول السيوطي: نزلت إخباراً عن الروم الذين خربوا بيت المقدس، أو نزلت في المشركين لما صدوا النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية من البيت، وصحح القرطبي رحمه الله تعالى أنها عامة في كل مسجد إلى يوم القيامة، والآية عامة، والوعيد فيها عام لكل من يرهب أو يخيف أو يؤذي أو يتسبب في تخريب بيوت الله سبحانه وتعالى؛ فاللفظ هنا عام ورد بصيغة الجمع، فتخصيصها قول ضعيف؛ لأن الآية: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله)، فإذا جاءت بصيغة الجمع وفي سياق العموم فلا يصح تخصيصها، ويكون القول بتخصيصها بمسجد واحد كبيت المقدس أو المسجد الحرام عام الحديبية قولاً ضعيفاً، فالقول الآخر للعموم يشمل هذه الأمثلة، ويشمل كل من يخرب بيوت الله سبحانه وتعالى إلى يوم القيامة. {أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} [البقرة:114] (أولئك) الذين يخربونها هذا التخريب (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين)، قال بعض العلماء: هو خبر بمعنى الأمر، والمقصود بذلك: أخيفوهم بالجهاد، فلا يدخلها أحد منهم آمناً، يعني: لا يدخلها المشركون الذين يخربونها آمنين أبداً، فأخيفوهم فلا يدخلون بيوت الله وهم آمنون، {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} [البقرة:114]، يعني: هوان بالقتل والسبي والجزية، {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة:114] وهو النار. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في هذه الآية الكريمة: قال بعض العلماء: نزلت في صد المشركين النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت الحرام في عمرة الحديبية عام ست، وعلى هذا القول فالخراب معنوي، أي أن معنى قوله: (وسعى في خرابها) خراب معنوي، وهو خراب المساجد بمنع العبادة فيها، وهذا القول يبينه ويشهد له قوله تعالى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الفتح:25]. وقال بعض العلماء: الخراب المذكور هو الخراب الحسي بالهدم، والآية نزلت فيمن خرب بيت المقدس، وهو بختنصر أو غيره، وهذا القول يبينه ويشهد له قوله جل وعلا: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء:7].
تفسير قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله)
تفسير قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) قال تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:115]. يقول السيوطي: نزلت لما طعن اليهود في نسخ القبلة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيث ما توجهت به الراحلة، لأنه في السفر يجوز للإنسان أن يصلي النافلة على الراحلة، ولا يشترط أن يستقبل القبلة في أثناء صلاة النافلة. (ولله المشرق والمغرب) المقصود من المشرق والمغرب كل الأرض؛ لأن المشرق والمغرب هما ناحيتاها؛ لأن الأرض إما شرق وإما غرب، (فأينما تولوا) وجوهكم في الصلاة بأمره، فالمفعول هنا محذوف تقديره: وجوهكم، فأينما تولوا وجوهكم في الصلاة بأمره، (فثم) هناك، (وجه الله) أي: قبلته التي رضيها، (إن الله واسع عليم) واسع يسع فضله كل شيء، عليم بتدبير خلقه.
تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الله ولدا)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الله ولداً) قال الله تبارك وتعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة:116]. قوله عز وجل: (وقالوا) في بعض القراءات بواو: (وقالوا اتخذ الله ولداً) وفي قراءة أخرى: (قالوا اتخذ الله ولداً) وهما قراءتان سبعيتان متواتران، بالواو وبدون الواو، والمقصود بها اليهود والنصارى والمشركون، لأن المشركين زعموا أن الملائكة بنات الله، فالآية تعود على اليهود والنصارى وكل من زعم لله ولداً، {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [الكهف:4]، وكلمة (ولد) تعم الذكر والأنثى، كما في قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء:11]، فأدرج الذكر والأنثى في صفة الأولاد. (وقالوا اتخذ الله ولداً) فقال الله سبحانه وتعالى رداً عليهم: (سبحانه) يعني: تنزيهاً له عن الولد، (بل له ما في السماوات والأرض) ملكاً وخلقاً وعبيداً، ملكاً: فهو سبحانه وتعالى مالك من في السماوات ومن في الأرض، وخلقاً: فهو خالقهم سبحانه وتعالى، وعبيداً: فهو ربهم، والملكية تنافي الولادة، وعبر بما تغليباً لا يعقل، وإن دخل فيه من يعقل من الإنس والجن والملائكة. (كل له قانتون) أي: مطيعون، كل بما يراد منه، وفيه تغليب العاقل، وإن كان القنوت والخشوع والانقياد لأمر الله لا يصدر فقط من العاقل، بل يصدر مما سوى الإنس والجن والملائكة من الكائنات، وقد سبق أن عرضنا بحثاً مستفيضاً في هذا الأمر بعنوان: عبودية الكائنات، ولخصنا فيه رسالة لبعض إخواننا الأفاضل وهي رائعة جداً في هذا الباب، وفيها إثبات العبودية للجبال والأحجار وغير ذلك من الجمادات، فكل الكائنات عبيد لله سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (بديع السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (بديع السماوات والأرض) قال الله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [البقرة:117] أي: موجدهما على غير مثال سابق، فكل كلمات الابتداع أو البدعة أو الإبداع هي للتعبير عن الشيء الذي يوجد دون أن يوجد له نظير من قبل، فالاختراع والابتداع على غير مثال سابق، فتقول مثلاً: هذا شيء بديع، يعني حسن بالغ في الحسن مبلغاً؛ بحيث أنه لم يسبقه نظيره في الجمال أو الحسن، كذلك قوله: (بديع السماوات والأرض) يعني: أنشأهما وفطرهما وخلقهما على غير مثال سابق لهما. {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} [البقرة:117] يعني: أراد أمراً، أي: إيجاد هذا الأمر، {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة:117] بالرفع، أي: فهو يكون، وفي قراءة بالنصب جواباً للأمر. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله: (قالوا اتخذ الله ولداً) هذا الولد المزعوم -على زاعمه لعائن الله- قد جاء الرد عليه مفصلاً في آيات أخر، كقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة:30]، وقوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} [النحل:57]. وهذه الآية نحتاج إلى أن نزيدها إيضاحاً، ولذلك ننقل هنا كلام القاسمي رحمه الله تعالى: يقول: (وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون) يريد هنا الذين قالوا: المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، والملائكة بنات الله، هؤلاء هم المقصودون بكلمة (وقالوا) بالواو، فأكذب الله تعالى جميعهم في دعواهم، وقولهم: إن لله ولداً، فقال سبحانه وتعالى: (سبحانه) أي: تقدس وتنزه عما زعموا تنزهاً بليغاً. (بل له ما في السماوات والأرض) (بل) هنا كلمة يراد بها الإضراب عما تقتضيه مقالتهم الباطلة من مجانسته سبحانه وتعالى لشيء من المخلوقات، أي: ليس الأمر كما زعموا، بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة، فالله سبحانه وتعالى خالق هذه الموجودات بمن فيها هؤلاء الذين زعموا أنهم أولاد الله أو بنات الله، فهو خالقهم وهو مالكهم، وهو ربهم سبحانه وتعالى. وقوله: (كل له قانتون)، التنوين في كلمة (كل) عوض عن الاسم الذي يكون مضافاً إليه، كما تقول مثلاً: كل رجل قائم، فبدل أن تكرر كلمة رجل تضع تنويناً في (كل) فينوب عن كلمة رجل، فتقول: كلٌ قائم، فالتنوين الذي يلحق كلمة كل هو تنوين التعويض عن المضاف إليه، فكذلك هنا (كل له قانتون) أي: كل ما فيهما.
حجج نفي الولد عن الله تعالى
حجج نفي الولد عن الله تعالى كل ما في السماوات والأرض كائن ما كان من أولي العلم وغيرهم (له قانتون) أي منقادون لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته، ومن كان هذا شأنه لم يتصور مجانسته لشيء، لماذا؟ لأن من حق الولد أن يكون من جنس الوالد؛ فهؤلاء الذين تعبدونهم أو الذين تزعمون أنهم أولاد الله كالمسيح وعزير والملائكة؛ كلهم قانتون لله سبحانه وتعالى منقادون له، لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته، فبالتالي لا يتصور أنهم يجانسون الله سبحانه وتعالى؛ لأن من حق الولد أن يكون من جنس الوالد. قال الراغب في تفسيره: نبه على أقوى حجة على نفي ذلك، أي: أن هذه الآية فيها أقوى حجة على نفي الولد لله سبحانه وتعالى، يقول: وبيانها هو أن لكل موجود في العالم مخلوقاً طبيعياً أو معمولاً صناعياً غرضاً وكمالاً أوجد لأجله. كل مخلوق في هذا العالم سواء كان مخلوقاً طبيعياً أو معمولاً صناعياً، مصنوعاً غرضاً وكمالاً أوجد لأجله، وإن كان قد يصلح لغيره على سبيل العرض، أي: بصفة عارضة، فمثلاً: صنعت السيارة للركوب وتوصيل الناس إلى الأماكن التي يحتاجونها، لكن هل السيارة مثلاً تتخذ غرفة لاستقبال الضيوف؟ يمكن أن يحصل للإنسان أن يستقبل ضيوفه مثلاً بصفة عارضة ويجلسهم في غير مكان الجلوس المعتاد، لكن هل هذا الغرض الأساسي لها؟ فهذا مثال في المعمولات المصنوعة، أما المخلوقات الطبيعية فأيضاً كل كائن خلق لهدف أساسي له غرض وكمال أوجد لأجله، وإن كان قد يصلح لغيره عرضاً، فاليد مثلاً خلقت للبطش والتناول والأخذ والعطاء، فهذه وظيفة اليد، والرجل خلقت للمشي، وإن كان الإنسان قد يمشي على يديه، ويمكن أن يتناول الأشياء بقدمه، لكن هل هذا هو الغرض الأسمى المقصود منه؟ لا، كذلك السكين لقطع مخصوص، والمنشار للنشر. يقول: إن لكل موجود في العالم مخلوقاً طبيعياً أو معمولاً صناعياً غرضاً وكمالاً أوجد لأجله، وإن كان قد يصلح لغيره على سبيل العرض، كاليد للبطش، والرجل للمشي، والسكين لقطع مخصوص، والمنشار للنشر، وإن كانت اليد قد تصلح للمشي في حال والرجل للتناول، لكن ليس على التمام، والغرض في الولد للإنسان إنما هو لأن يبقى به نوعه، وجزء منه لما لم يجعل الله له سبيلاً إلى بقائه بشخصه؛ فجعل له بذراً لحفظ نوعه. كل إنسان لابد أن يموت، له فترة حياة معينة ثم يموت بعدها، فمن أجل ذلك جعل الله سبحانه وتعالى الحكمة تعمير هذه الأرض وبقاء النوع الإنساني فجعل البذر -وهو ما يخرج من صلب الرجال- بذوراً وحرثاً كي يتوالى ويخلف بعضهم بعضاً، أجيالاً تخلف أجيالاً ولا تخرب الأرض، بل يبقى النوع الإنساني من خلال هذا التوالد ومن خلال هذا التناسل، ويقوي ذلك: أنه لم يجعل للشمس والقمر وسائر الأجرام السماوية بذراً واستخلافاً لما لم يجعل لها فناء النبات والحيوان، فهل الشمس أو القمر تفنى وتموت كما يموت النبات والحيوان؟ لا، ولذلك لم يجعل الله للشمس والقمر بذوراً حتى إذا ما فنيت أو ماتت يخلفها غيرها، فهذه المخلوقات لما لم يجعل الله لها سبحانه وتعالى الفناء الذي هو فناء النبات والحيوان لم يجعل لها بذراً. يقول: ولما كان الله تعالى هو الباقي الدائم بلا ابتداء ولا انتهاء سبحانه وتعالى، لم يكن لاتخاذه الولد لنفسه معنى، ولهذا قال: {سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء:171] أي: هو منزه عن السبب المقتضي للولد، يعني: الله سبحانه وتعالى غني عن أن يكون له ولد؛ لأن الله هو الأول الذي لا شيء قبله، وهو الآخر الذي لا شيء بعده، وكل شيء هالك إلا وجهه، قال الله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]، فالشاهد من هذا: أن الغرض من اتخاذ الولد؛ بقاء النوع الإنساني، فالله هو الباقي الذي لا يفنى ولا يزول ولا يبيد سبحانه وتعالى، فمن ثم لا حاجة لله سبحانه وتعالى الذي يتنزه عن الافتقار وعن الحاجة في الولد، فهو الغني وأنتم الفقراء إلى اتخاذ الولد، هذا هو المعنى الأول، ولذلك قال الله تعالى: (وقالوا اتخذ الله ولداً) انظر A ( سبحانه) تنزه، {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة:116] جاء A { قَالَ سُبْحَانَكَ} [المائدة:116] تنزيهاً لك، هذا لا يليق بك، فكيف أقوله؟! كذلك هنا قال عز وجل: (سبحانه) هو منزه عن هذا؛ لأن هذا نقص، ولا يليق هذ النقص بالله سبحانه وتعالى. يقول: ثم لما كان اقتناء الولد لفقر ما يعني: أن الإنسان يقتني الأولاد لفقره؛ يريد امتداد نسله، فهذا نوع من الفقر، ونوع من الاحتياج إلى امتداد النسل وبقاء النوع، والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، أو الفقر إلى أن يعينه هذا الولد ويتحمل عنه مسئوليات الحياة، أو يعينه لشدة حاجته إليه. قال: ثم لما كان اقتناء الولد لفقر ما، وذلك لما تقدم أن الإنسان افتقر إلى نسل يخلفه؛ لأن الإنسان غير كامل في نفسه، بين تعالى بقوله: (بل له ما في السماوات والأرض) أنه لا يتوهم له فقر، فيحتاج إلى اتخاذ ما هو سد لفقره، فصار في قوله: (له ما في السماوات والأرض) دلالة ثانية، إذا كان الله سبحانه وتعالى غنياً حميداً له ما في السماوات والأرض فهل يحتاج ويفتقر إلى ولد؟ ثم زاد حجة بقوله: (كل له قانتون)، فإذا كان هو يملك هؤلاء جميعاً بما فيهم المسيح وعزير والملائكة، (بل له ما في السماوات والأرض) هؤلاء عبيده، وهو ربهم ومالكهم وخالقهم، فكيف يحتاج إليهم؟! ولما كان الولد يعتقد فيه خدمة الأب ومظاهرته كما قال عز وجل: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل:72]، بين أن كل ما في السماوات والأرض مع كونه ملكاً له قانت له أيضاً: إما طائعاً وإما كارهاً وإما مسخراً، يعني كل من في السماوات والأرض قانتون بمعنى مطيعون منقادون، إما طواعية وإما رغم أنوفهم تجري عليهم أحكام الله، يمرضه إذا شاء أن يمرضه، ويميته إذا شاء أن يميته، ويبتليه إذا شاء أن يبتليه، ولا يملك دفعاً لأمره، هذا هو القنوت الاضطراري، وهو غير القنوت الاختياري الذي عليه أهل الطاعة والتوحيد، وهذا كقوله: {ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [الرعد:15] وقوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء:44]، وهكذا أبلغ الحجة لمن هو على المحجة.
الشبه التي جعلت اليهود والنصارى تنسب لله الولد
الشبه التي جعلت اليهود والنصارى تنسب لله الولد قال الراغب: إن قيل: من أين وقع لهم الشبهة في نسبة الولد إلى الله تعالى؟ قيل: قد ذكر في الشرائع المتقدمة: أنهم كانوا يطلقون على البارئ تعالى اسم الأب، وعلى الكبير منهم اسم الإله، حتى إنهم قالوا: إن الأب هو الرب الأصغر، وإن الله هو الأب الأكبر، وكانوا يريدون بذلك: أنه تعالى هو السبب الأول في وجود الإنسان، وأن الأب هو السبب الأخير في وجوده، وأن الأب معبود الابن من وجه -يعني مخدومه؛ لأن الابن يخدم أباه- وكانوا يقولون للملائكة: آلهة، كما قالت العرب للشمس: إله، وكانوا يقصدون معنى صحيحاً، كما يقصد علماؤنا بقولهم: الله محب ومحبوب ومريد ومراد، ونحو ذلك من الألفاظ، وكما يقال للسلطان: الملك، وقول الناس: رب الأرباب وإله الآلهة ومالك الملوك، مما يكشف عن تقدم ذلك التعارف، ويقوي ذلك: ما يروى أن يعقوب كان يقال له: بكر الله، وأن عيسى كان يقول: أنا ذاهب إلى أبي، ونحو ذلك من الألفاظ. وهذه عبارات وجدت في الشرائع السابقة بهذه المعاني، وهي معاني صحيحة، لكنها ألفاظ متشابهة أدت إلى أن الجهلة فيما بعد طوروا لجهلهم هذه الألفاظ إلى معنى الولادة الطبيعية، فصار ذلك منهياً عن التفوه به في شرعنا، فلا يصح في شرعنا أن نستعمل هذه العبارات تنزهاً عن هذا الاعتقاد، بل نهي عن ذلك في شرعنا واجتنب حتى صار إطلاقه -وإن قصد به ما قصده هؤلاء- قرين الكفر. ثم قال عز وجل: (بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون). (بديع السماوات والأرض)، أي: مبدعهما وخالقهما على غير مثال سبق، وكل من فعل ما لم يسبق إليه يقال له: أبدعت، ولهذا قيل لمن خالف السنة والجماعة: مبتدع؛ لأنه أتى بما لم يسبق إليه السلف الصالح، ولأنه يأتي في دين الإسلام بما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم، وهذه الجملة حجة أخرى لدفع تشبثهم بولادة عيسى بلا أب، وعلم عزير بلا تعلم، لأنهم قالوا: نحن نعبد عيسى لأن عيسى ليس له أب من البشر، فتشبثوا بهذا كحجة على عقيدتهم الباطلة بولادة عيسى بدون أب، وكذلك اليهود الذين عبدوا عزيراً تشبثوا بعلم عزير بلا تعلم، فقالوا: هو ابن الله، وتقرير الحجة من خلال هذه الآية وهي قوله: (بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) إن الله سبحانه وتعالى مبدع الأشياء كلها، فلا يبعد أن يوجد أحد بلا أب، أو يتعلم أحد بلا واسطة بشر. يقول الراغب: ذكر تعالى في هذه الآية حجة رابعة شرحها: إن الأب هو عنصر للابن منه تكون، والله مبدع الأشياء كلها، فلا يكون عنصراً للولد؛ لأن الأب عنصر الابن. يعني الابن يتكون من أبيه، والله سبحانه وتعالى هو الذي أبدع الأشياء كلها، فلا يكون عنصراً للولد، فمن المحال أن يكون المنفعل فاعلاً. (وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) أي: إذا أراد أمراً، والقضاء: هو إنفاذ المقدر، والمقدر: ما حد من مطلق معلوم.
خلق الله المخلوقات بكلمة كن
خلق الله المخلوقات بكلمة كن هنا بحث مفصل جداً نختصره اختصاراً شديداً: بعض الناس أورد سؤالاً على شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فقال: إن كان هذا المخاطب (بكن) موجوداً فتحصيل الحاصل محال، وإن كان معدوماً فكيف يتصور خطاب المعدوم؟ والجواب مفصل وطويل وممتع في نفس الوقت، لكن باختصار شديد جداً نقول: إن قوله تبارك وتعالى كما في هذه الآية: (وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) هذا السؤال يكون صحيحاً إذا كان المخاطب معدوماً بالفعل، يقول تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل:40] لكن هل ذلك الشيء معدوم؟ ليس بمعدوم في الحقيقة، بل هو معلوم، وسبق في علم الله سبحانه وتعالى بأنه يخلق، فذلك الشيء معلوم قبل إبداعه، وقبل توجيه هذا الخطاب إليه، وبذلك كان مقدراً مقضياً، كما قال عليه الصلاة والسلام: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء)، كما في صحيح مسلم، فهذا الشيء الذي يخاطب هو شيء باعتبار وجوده العلمي الكلامي الكتابي، يعني: له وجود في علم الله، وكتب الله أنه يكون، فهو له وجود كتابي، وله وجود كلامي بقوله: (كن) أي: كن كما سبق في علم الله سبحانه وتعالى، وإن كانت حقيقته -التي هي الوجود العيني- ليست ثابتة في الخارج، لكنها ثابتة في علم الله، وفي كلام الله، وفي كتابة المقادير في اللوح المحفوظ. فإذاً الخطاب هو موجه إلى من توجهت إليه الإرادة، وتعلقت به القدرة، وخلق وكون، كما قال تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل:40] فالذي يقال له: كن. هو الذي يراد، وهو حين يراد قبل أن يخلق له ثبوت وتميز علمي تقديري، ولولا ذلك لما تميز المراد المخلوق من غيره، وبهذا يحصل الجواب عن التقسيم. ومعلوم أن جميع المخلوقات لا توجد عيناً في هذا الوجود إلا بعد وجودها في العلم والإرادة، أما الشيء المعلوم المذكور المكتوب إذا كان توجيه الخطاب التكويني إليه مثل توجيه الإرادة إليه فليس ذلك محالاً، بل هو أمر ممكن، بل مثل ذلك يجده الإنسان في نفسه، فيقدر أمراً في نفسه يريد أن يفعله ويوجه إرادته وطلبه إلى ذلك المراد المطلوب الذي قدره في نفسه، ويكون حصول المراد المطلوب حسب قدرته، فإن كان قادراً على حصوله حصل مع الإرادة والطلب الجازم، وإن كان عاجزاً لم يحصل، وقد يقول الإنسان: ليكن كذا ونحو ذلك من صيغ الطلب، فيكون المطلوب بحسب قدرته عليه، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82]. وقال القاسمي رحمه الله تعالى هنا: (وإذا قضى) أراد، (أمراً) إيجاد أمر، (فإنما يقول له كن فيكون) يعني فهو يكون.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [البقرة:118] من كفار مكة، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: {لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} [البقرة:118] هلا يكلمنا الله، يقترحون على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم الله خطاباً مباشراً، {أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ} [البقرة:118] يعني: مما اقترحناه على صدقك، ((كَذَلِكَ)) [البقرة:118]، كما قال هؤلاء {قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [البقرة:118] من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم، فليست القضية قضية حجة، فإن الله سبحانه وتعالى لا يرسل نبياً إلا مؤيداً بالحجة والمعجزة والبراهين، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون جحوداً وعناداً، وإلا فجميع الأنبياء أتوا بحجج، فحتى لو استجاب الله سبحانه وتعالى لهم لما يطلبون لما ازدادوا إلا كفراً وعتواً، ولذلك أعرض الله سبحانه وتعالى عن إجابتهم. {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} [البقرة:118] من التعنت وطلب الآيات، {تشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة:118] في الكفر والعناد. وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، كما قال في آية أخرى: {أَتَوَاصَوْا بِهِ} [الذاريات:53] تشابه الكلام حتى كأن كل جيل كان يوصي الذي بعده: إذا أتاك النبي فقل له نفس هذا الكلام! كأنهم تواصوا به، وقيل: يوصي بعضهم بعضاً بها، فيكون ردهم بنفس الألفاظ والشبهات والشتائم والظلم، تشابهت قلوبهم في الكفر والعناد، وبالتالي تشابهت مواقفهم، ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. {قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة:118] يعني: يعلمون أنها آيات فيؤمنون، فاقتراح آية معها تعنت، فهلا يوقنون بهذه الآيات التي جاءتهم، ولا يقترحون آيات جديدة؛ لأن هذا يكون تعنتاً.
تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا)
تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً) قال عز وجل: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} [البقرة:119] يا محمد صلى الله عليه وسلم، {بِالْحَقِّ} [البقرة:119] أي: بالهدى، {بَشِيرًا} [البقرة:119] أي: تبشر من أجاب إليه بالجنة، {وَنَذِيرًا} [البقرة:119] أي: تنذر من لم يجب إليه بالنار، {وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة:119] وهي النار، وأصحاب الجحيم هم الكفار، أي: لا نسألك: ما لهم لم يؤمنوا؟ ولن نحاسبك على استجابتهم، لكن نحاسبك على البلاغ: هل بلغتهم أم لا؟ وهو صلى الله عليه وسلم قد بلغ، قال الله له: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية:21 - 22]، وقوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف:6] فسؤال المرسلين: هل بلغتم البلاغ المبين أم لا؟ ولا يحاسب الأنبياء على كفر الكافر؛ لأن الهداية لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى، فمعنى قوله: {وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} يعني: لن نسألك ما لهم لم يؤمنوا، إنما عليك البلاغ، وعلى هذه القراءة تكون (لا) نافية، وفي قراءة بالجزم (ولا تَسألْ) بفتح التاء على الخطاب، على أنها ناهية، ينهاه عن أصحاب الجحيم فهم هالكون، فلا تسأل عنهم ولا تهتم لهم.
تفسير قوله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى)
تفسير قوله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى) قال الله عز وجل: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120] أي: أن اليهود لن يرضوا عنك حتى تكون يهودياً، والنصارى لن يرضوا عنك حتى تكون نصرانياً، وهذا خبر الله سبحانه وتعالى، ومن أصدق من الله حديثاً؟ ومن أصدق من الله قيلاً؟ فنأخذ القضية على أنها يقينية مسلم بها، ولا نشك فيها لحظة، وأنهم بدون ذلك لن يرضوا، ومهما فعلتم لن يرضوا أبداً! ففي هذا مخرج من كثير من المضائق التي يعيشها المسلمون في هذا الزمان، يطبقون خداعهم ونفاقهم وكذبهم ودجلهم، لكن إذا استصحبنا هذه الآية، وأن الله هو الذي خلقهم، وهو الذي يعلم دخائل نفوسهم، وما جبلوا عليه من الصفات الذميمة والغدر والخيانة والغش؛ لوجدنا المخرج، فالله يقول: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)، وما دمت لم تصل إلى هذه الغاية فلن يرضوا عنك أبداً مهما فعلت، وهذا مشاهد محسوس كما تعلمون. {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} [البقرة:120]، تنفي المستقبل، فهم لن يرضوا أبداً، ولهذا فإن مثل هذه المعاني جاءت في صيغة الاستمرار كثيراً، (ولا يزالون) استمرار، {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة:217] وغيرها من الآيات في نفس هذا المعنى تفيد ثبات هذا الموقف. {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} [البقرة:120] أي: الإسلام (هو الهدى) وما عداه الضلال، ولا يمكن أبداً أن يوجد طريق آخر غير دين الإسلام يكون فيه هدى. {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [البقرة:120] (ولئن) هذه اللام لام القسم، أي: والله لئن اتبعت أهواءهم التي يدعونك إليها فرضاً، وإلا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام معصوم مما هو دون ذلك بكثير، فكيف بهذا الأمر الخطير، ولكن هذا نوع من الفرض لبيان هذه المعاني، كقوله تعالى: {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء:74].
البقرة [124 - 134]
تفسير سورة البقرة [124 - 134]
تفسير قوله تعالى: (وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات)
تفسير قوله تعالى: (وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) قال الله تبارك وتعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة:124]. يقول السيوطي: (وإذ) واذكر إذ، (ابتلى) اختبر، (إبراهيم) إبراهيم مفعول به مقدم للاهتمام به، (ربه بكلمات) فالذي يبتلي هو الله سبحانه وتعالى، لكن قدم المفعول هنا للاهتمام؛ لأن المبتلى هو إبراهيم، وفي قراءة: (إبراهام)، وكلمة إبراهيم عليه السلام فيها ست لغات: إبراهيم وهي اللغة الفاشية المشتهرة، وإبراهُم، وإبراهَم، وإبراهِم، وإبراهام، وإبرهم كما قال عبد المطلب: عذت بما عاذ به إبرهم مستقبل القبلة وهو قائم وقال أيضاً: نحن آل الله في كعبته لم يزل ذاك على عهد إبرهم فاللغة الفاشية والمشهورة في ذلك هي إبراهيم، أما إبراهام فهي اللغة التي يتعامل بها أهل اللغات الأعجمية. وإبراهيم باللغة السريانية يعني أب رحيم، وكثيراً ما يقع الاتفاق بين اللغة السريانية واللغة العربية، فإن كلمة إبراهيم تفسيرها: أب راحم لرحمته بالأطفال، ولذلك جعل إبراهيم عليه السلام هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغاراً إلى يوم القيامة، وقد دل على هذا ما خرجه البخاري في حديث الرؤيا الطويل عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في تلك الروضة العظيمة شيخاً كبيراً جالساً وحوله أطفال صغار كثيرون، فقال له الملكان: إن هذا إبراهيم عليه السلام، وحوله أولاد الناس الذين يموتون وهم صغار، فهو لرحمته بالأطفال كان كافلاً لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغاراً إلى يوم القيامة.
اجتماع الأمم على حب إبراهيم
اجتماع الأمم على حب إبراهيم قوله: (وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) يقول السيوطي: بأوامر ونواه كلفه الله سبحانه وتعالى بها، قيل: الكلمات هي مناسك الحج، وقيل: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وفرق شعر الرأس، وقلم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، كما جاء في بعض الأحاديث: (خمس في الرأس وخمس في الجسد)، ومنها كما ترون خصال الفطرة. (فأتمهن) أي: أداهن تامات، (قال) الله تعالى له عليه السلام: (إني جاعلك للناس إماماً) أي قدوة في الدين. وهذه من دقة السيوطي رحمه الله تعالى، إمام دين لا إمام دنيا كما سيأتي، وفعلاً هذا ما كان حيث جعله الله سبحانه وتعالى محل اجتماع الأمم كلها عليه، الأمم الثلاث اليهود والنصارى والمسلمون كلهم مجتمعون على حب إبراهيم عليه السلام، واتخاذه إماماً وقدوة، والجميع يدعون أنه كان على دينهم، حتى اليهود يزعمون أن إبراهيم كان يهودياً، والنصارى يزعمون أنه كان نصرانياً، وبلا شك أن أولى الناس بإبراهيم عليه السلام (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران:68] كما سيأتي إن شاء الله تعالى فيما بعد، لكن الخلاصة: أنه إمام وقدوة لجميع الأمم، فقد اجتمعت الأمم على محبته وإمامته، واعترف به كل أهل الأديان، سواء في ذلك اليهود أو النصارى أو المسلمون، ونحن نعلم الأحداث الأخيرة التي وقعت في مسجد الخليل، والمجزرة التي حصلت للمسلمين وهم يصلون في رمضان ناشئة عن اليهود، الذين يعتبرون أن لهم حقاً في هذا المكان، حيث يزعمون أن فيه قبر الخليل عليه السلام وبعض آله، فالمسجد مبني أساساً وكان فيه المسلمون، والمسجد نفسه مقفل من الداخل، فقالوا: إبراهيم هذا أبونا، وأنتم -أيها المسلمون- تقولون هو أبوكم أنتم، فلابد لنا من نصيب في المسجد، ثم قسموا المسجد من الداخل بحبل، جزء صغير لليهود يصلون فيه، وكانوا يصلون أحياناً مع المسلمين في نفس الوقت داخل المسجد، وإذا بالحبل يتسع في نصيب اليهود، وينحاز على نصيب المسلمين إلى أن بلغ تقريباً الشطر أو أكثر من ذلك، ولما وقعت هذه الحادثة كنا نقول: كيف تمكنوا وبهذه السهولة أن يدخلوا المسجد ويقتلوا هذا العدد من المسلمين وبهذه البساطة؟! ثم بعد ذلك عرف أن هذا هو الوضع، وأن المسجد مقسم بحبل من الداخل بين اليهود وبين المسلمين، وأن اليهود يدخلون في نفس الوقت يصلون مع المسلمين اعتداداً بأبيهم إبراهيم عليه السلام. (قال ومن ذريتي) يعني واجعل من أولادي أئمة، وبعض العلماء قالوا: هي على الاستفهام، يعني: ومن ذريتي ماذا يكون؟ كأن إبراهيم يسأل، وهذا تفسير آخر، (قال لا ينال عهدي الظالمين) أي: لا ينال عهدي بالإمامة الكافرين منهم، فدل على أن الإمامة تنال غير الظالم. نعود لبعض التفصيل في تفسير هذه الفقرة من الآيات، يقول تبارك وتعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن)، يقول القاسمي رحمه الله تعالى: لما عاب سبحانه أهل الضلال، وكان جلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام، وجميع طوائف الملل تعظمه ومنهم العرب، وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم وأعظم مآثرهم، ذكر الجميع -سواء في ذلك اليهود أو النصارى أو مشركي العرب- ما أنعم به على إبراهيم عليه السلام، تذكيراً يؤدي إلى ثبوت هذا الدين باطلاع هذا النبي الأمي الذي لم يخالف عالماً قط على ما لا يعلمه إلا خواص العلماء، وذكر البيت الذي بناه فجعله عماد صلاحهم، وأمر بأن يتخذ بعض ما هنالك مصلى تعظيماً لأمره وتفخيماً لعلي قدره، وفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة، وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر حث على الاقتداء به في توحيده وحنيفيته، كذا في ذكر الإسلام والتوحيد. وهذا الربع من هذا الجزء يشتمل على معان عظيمة جداً في قضية الإسلام والتوحيد، وفي ذكر الإسلام والتوحيد. (وإذ ابتلى) إذ منصوب على المفعولية بمضمر مقدم خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم بطريق التنويه، أي: واذكر لهؤلاء جميعاً من العرب واليهود والنصارى الذين يفتخرون بإبراهيم ويعتدون به عليه السلام، اذكر لهم وقت ابتلائه عليه السلام ليتذكروا؛ لما فيه من الأمور الداعية إلى التوحيد، الوازعة عن الشرك، فيقبلوا الحق ويتركوا ما هم عليه من الباطل، ولا يبعد أن ينتصب بمضمر معطوف على اذكروا في الآية التي قبلها مباشرة: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:47] أي: واذكروا -يا بني إسرائيل- إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات، خوطب به بنو إسرائيل ليتأملوا فيما يحكى عمن ينتهون إلى ملته من إبراهيم وبنيه عليهم السلام من الأفعال والأقوال، فيقتدوا بهم ويسيروا سيرهم، أي: واذكروا إذ ابتلى أباكم إبراهيم، فأتم ما ابتلاه به، فوفوا وتمسكوا بالإسلام فكونوا مثله، فما لكم لا تقتدون به فتفعلوا عند الابتلاء فعله في إيفاء العهد، والثبات على الوعد؛ ليجازيكم الله على ذلك جزاء المحسنين؟
ابتلاء الله لإبراهيم وتوفيته بما ابتلي به
ابتلاء الله لإبراهيم وتوفيته بما ابتلي به الابتلاء في الأصل الاختبار، (وإذ ابتلى) يعني اختبر، أي: تطلب الخبرة بحال المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه غالباً فعله أو تركه، هذا هو تعريف كلمة الابتلاء أو الاختبار. والاختبار تطلب الخبر بحال المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه غالباً فعله أو تركه، والاختبار إذا وقع من مخلوق في حق مخلوق فإنما يختبره ليظهر له ما لا يعلمه من حاله، وهو من الله لإظهار ما قد علم، فالله سبحانه وتعالى حينما يقول: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2] (لنبلوكم) أو (ليبلوكم) أو ما شابه ذلك من الكلمات فإنما المقصود من هذا الابتلاء، مثل قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:31] حتى نعلم علم شهادة وإظهار بعدما علمناه علم غيب، فإنه بلا شك وقطعاً أن الله سبحانه وتعالى يعلم هذه الأشياء قبل وقوعها، وإنما يبتلي العباد ليعلم علم شهادة بعد وقوعها في عالم الواقع، فالاختبار من الله لإظهار ما قد علم، وعاقبة الابتلاء: ظهور الأمر الخفي في الشاهد والغائب جميعاً، فلذا تجوز إضافة الابتلاء إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال الله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [البقرة:124] يعني: بشرائع وأوامر ونواه، وقوله (كلمات) يرجع تحقيقها إلى كلام الباري تبارك وتعالى، يعني أن الكلمات هي كلمات الله، وكلام الله الذي تكلم الله سبحانه وتعالى به، لكنه عبر عنها عن الوظائف التي كلفها إبراهيم عليه السلام، ولما كان تكليفها بالكلام سميت به، كما سمي عيسى كلمة؛ لأنه صدر عن كلمة (كن) فهذا من باب تسمية الشيء بمقدمته، يعني عيسى عليه السلام خلق بكلمة: (كن) فلما خلق بكلمة (كن) التي هي مقدمة خلقه سمي كلمة الله من باب تسمية الشيء بمقدمته، كما قال سبحانه: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} [النساء:171] كذلك أيضاً هنا (بكلمات) أي: كلام الله؛ لأن تكليف إبراهيم عليه السلام إنما تم بكلام الله، فتكلم الله مكلفاً جبريل أن يبلغ إبراهيم عليه السلام أحكاماً معينة: أوامر ونواهي، وشرائع، فتكلم الله بها فأوحاها جبريل إلى إبراهيم عليه السلام، فلذلك سماها كلمات، وللمفسرين أقاويل فيها وفي تعدادها. قال ابن جرير: ولا يجوز الجزم بشيء مما ذكروه منها أنه المراد على التعيين إلا لحديث أو إجماع، ويرجح الفاطمي فيقول: وعندي أن الأقرب في معنى الكلمات هو ابتلاؤه بالإسلام؛ فأسلم لرب العالمين، وابتلاؤه بالهجرة؛ فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجراً إلى الله، وابتلاؤه بالنار؛ فصبر عليها، ثم ابتلاؤه بالختان، فصبر عليه، ثم ابتلاؤه بذبح ابنه فسلم واحتسب كما يؤخذ ذلك من تتبع سيرته في التنزيل العزيز وسفر التكوين من التوراة، ففيهما بيان ما ذكرنا في شأنه عليه الصلاة والسلام من قيامه بتلك الكلمات حق القيام، وتوفيتهن أحسن الوفاء، وهذا معنى قوله تعالى: (فأتمهن) وهذا كقوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم:37] أي: بالإسلام، أسلم ووفى؛ لأن الإسلام هو التوفية، فهنا عبر بقوله: (فأتمهن)، وفي الآية الأخرى قال: (وإبراهيم الذي وفى)، ووفى تساوي تمام الكلمة (فأتمهن) عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
عهد الله بالإمامة لإبراهيم ولذريته
عهد الله بالإمامة لإبراهيم ولذريته قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة:124]. (قال) هذه جملة مستأنفة وقعت جواباً عن سؤال مقدر بعد الكلام، يعني: إذا كان إبراهيم عليه السلام أتم هذه الكلمات وامتثل هذه الشرائع التي كلفه الله سبحانه وتعالى بها، (فأتمهن) كأنه قيل: فما جوزي على شكره؟ ما جوزي على هذه التوفية؟ قيل: قال له ربه: (إني جاعلك للناس إماماً)؛ فشكر الله بذلك صنيعه بإتمام هؤلاء الكلمات، ومعنى (إماماً) أي: قدوة لمن بعدك، والإمام اسم لمن يؤتم به، ولم يبعث نبي بعد إبراهيم إلا كان مأموراً باتباع ملته، فهو أبو الأنبياء جميعاً، وكان هؤلاء الأنبياء جميعاً من ذريته، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت:27]. (قال ومن ذريتي) إما أن يكون المراد: أن إبراهيم عليه السلام قال: (ومن ذريتي) يعني واجعل من ذريتي أئمة، وهذا حب الإمامة، وهناك فرق بينه وبين حب الرئاسة في الدين، والزعامة والظهور، فإن حب الإمامة إنما هو لخدمة الدين وللبذل في سبيله، والتمكن من إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما التنازل عن الرياسة طلباً للظهور في الدنيا فهذا من الدنيا وليس من الدين، ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى لنا في دعاء عباد الرحمن: أنهم يدعون الله تبارك وتعالى بسؤال وطلب الإمامة أيضاً، قال سبحانه: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74] يعني: اجعلنا نأتم بمن قبلنا، فنصلح لأن يأتم بنا من بعدنا. {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة:124] أي: واجعل من ذريتي أيضاً أئمة كما جعلتني إماماً، قال: {لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة:124] قال: قد أجبتك وعاهدتك أن أحسن إلى ذريتك، ولكن لا ينال عهدي الذي عهدته إليك بالإمامة الظالمين من هذه الذرية، وهذه إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى علم أن من ذرية إبراهيم عليه السلام ظالمين؛ لأن الله سبحانه وتعالى بين في مواضع أخر أن منهم ظالماً وغير ظالم، وذلك في قوله عز وجل: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات:113]، وقال أيضاً: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف:28]. وعلى التفسير الآخر قوله: (ومن ذريتي) كأنها على الاستفاهم، يعني وذريتي كيف يكون الحال منهم؟ فأتى الجواب (لا ينال عهدي الظالمين) ولا تعارض، فقوله: (لا ينال عهدي) أي: بالإمامة الظالمين. وقد اختلف العلماء في المراد بالعهد هنا، فأصح الأقوال: أن العهد هنا هو الإمامة، وقيل: الرحمة، والدين، والنبوة، والأمان، والميثاق، وأصحها: الإمامة في الدين؛ لإن هؤلاء الظالمين هم من ذريتك، وهم أبناء صلبك، ومن ذريتك من ناحية النسل، أما من ناحية الدين فإنهم بظلمهم وكفرهم وانحرافهم قد انتفت عنهم أبوتك إياهم، فليسوا أبناءك في الدين، وإن كانوا أبناءك من ذريتك، تماماً كما قال الله عز وجل في حق نوح عليه السلام: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود:45 - 46] وفي قراءة: (إنه ليس من أهلك إنه عَمِلَ غير صالح)، وهو قطعاً من صلبه، ولكن ليس على دينك، وليس من المؤمنين الذين وعدتك بإنجائهم، فهؤلاء -يا إبراهيم- ليسوا من أبنائك في الدين وإن كانوا من نسلك وذريتك. وفي قوله: (لا ينال عهدي الظالمين) إجابة خفية لدعوته عليه السلام، ووعد إجمالي منه تعالى بتشريك بعض ذريته بنيل عهد الإمامة، يفهم منها: أن من ذريته فعلاً من سينال الإمامة، أما الظالمون منهم الذين ليسوا أبناءه في الدين فلن ينالوا هذه الإمامة، كما قال تعالى: (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب)، وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه، يعني: إن كنتم يا عرب أو يا يهود أو يا نصارى تزعمون أن أباكم إبراهيم عليه السلام، فإن كنتم من الظالمين الذين انحرفوا عن ملته فلن تكونوا أئمة في الدين، فتخلقوا بأخلاقه، ووفوا بالذي وفى به حتى تكونوا على طريقته عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فهذه إشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم كما أدام رفعته، وإن ظلموا لم تنلهم دعوته، فضربت عليهم الذلة وما معها، لا يجزي أحد عنهم شيئاً ولا هم ينصرون.
المراد بالإمامة في قوله: (إني جاعلك للناس إماما)
المراد بالإمامة في قوله: (إني جاعلك للناس إماماً) استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الظالم ليس بأهل للإمامة، والكشاف أوسع المقال في ذلك، وأبدع في إيراد الشواهد، كما أن الشيعة استدلت بها على صحة قولهم بوجوب عصمة الأئمة ظاهراً وباطناً، يقول القاسمي: (إن استدلال الفرقتين على مدعاهما وقوف مع عموم اللفظ، إلا أن الآية الكريمة بمعزل عن إرادة خلافة السلطنة والملك)، فالعهد هنا صحيح يراد به الإمامة، لكن ليس الإمامة التي هي السلطنة والملك والمنصب السياسي، لكنها إمامة الدين، فالمراد بالعهد تلك الإمامة المسئول عنها. قال: (وهل كانت إلا الإمامة في الدين، وهي النبوة التي حرمها الظالمون من ذريته عليه السلام، كما قال تعالى: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات:113]، ولو دلت الآية على ما ادعوا لخالفه الواقع)، لو كانت الآية بمعنى الإمامة التي هي السلطنة والملك والخلافة لا ينالها الظالم، لكان الواقع مخالفاً لذلك، لماذا؟ لأنه نال الإمامة الدنيوية كثير من الظالمين، وهذا لا يحتاج لشاهد، سواء في واقع التاريخ الماضي أو المعاصر، فقد وقعت الإمامة في أيدي الظالمين في فترات كثيرة في عهد الخلافة الأموية والعباسية وما بعدهما إلى يومنا هذا، فالواقع يشهد أن الإمامة التي لا ينالها الظالمون إنما هي إمامة الدين، مثل النبوة، أما الواقع فيشهد بأن السلطنة والخلافة والملك والحكم كثيراً ما تكون في أيدي الظالمين، فظهر أن المراد من العهد إنما هو الإمامة في الدين خاصة، والاحتجاج بها على عدم صلاحية الظالم للولاية تمحل؛ لأنه اعتبار لعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا إلى السياق، أو ذهاب إلى أن الخبر في معنى الأمر بعدم تولية الظالم، كما قاله بعضهم وهو أشد تمحلاً. وقضية الحاكم الجائر الظالم فيها تفصيل في كتب السياسة الشرعية ليس هذا أوانه وإن كنا قد فصلنا الكلام فيه في بحث: نصيحة موضوعية للتيارات الجهادية.
تفسير قوله تعالى: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس)
تفسير قوله تعالى: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) قال الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125] (وإذ جعلنا البيت) يعني الكعبة. (مثابة للناس) يقول السيوطي: مرجعاً يثوبون إليه من كل جانب، ومأمناً لهم من الظلم والإغارات الواقعة في غيره، كان الرجل يلقى قاتل أبيه فلا يهيجه. (واتخذوا من مقام إبراهيم) اتخذوا -أيها الناس- من مقام إبراهيم عليه السلام وهو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت (مصلى) أي: مكاناً تصلوا خلفه ركعتي الطواف، وفي قراءة: (واتَخَذوا من مقام إبراهيم مصلى) على الخبر. قوله تبارك وتعالى: (وإذ جعلنا) يعني: صيرنا، (البيت) يعني الذي بناه إبراهيم بأم القرى، وهو اسم للكعبة غالباً، كالنجم للثريا، والألف واللام تدخل للمعهود، والمخاطبون هنا في هذه الآية يعلمون أنه سبحانه وتعالى لم يرد هنا جنس البيت، وإنما يقصد بيتاً معهوداً في الأذهان، كما قال: {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل:16]، مع أنه لم يصرح باسم الرسول، لكن أل هنا للعهد الذهني، والرسول هو موسى عليه السلام، فلما علم المخاطبون أنه لم يرد الجنس انصرف إلى المعهود. (مثابة للناس) أي: مباءة ومرجعاً للحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه ويحنون ويعودون ويئوبون إليه، و (مثابة) على وزن مفعلة من الثوَب، وهو الرجوع بالكلية، وليس مجرد رجوع فقط، إنما رجوع مع انجذاب القلب كما يجذب المغناطيس الحديد، فهكذا حال القلوب مع هذا البيت المشرف، وسر هذا التفضيل ظاهر في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها له، لم يقل: وإذ جعلنا البيت مرجعاً للناس يرجعون إليه، لكن استعمل كلمة مثابة، لأنه رجوع مع انجذاب شديد، فالقلوب ترتمي وتنجذب إليه انجذاباً قوياً؛ فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، فهو الأولى بقول القائل: محاسنه هيولى كل حسن ومغناطيس أفئدة الرجال الهيولى بضم الياء مخففة أو مشددة، مادة الشيء التي يصنع منها، فهيولى الكرسي الخشب، أو هيولى المسمار الحديد، أو هيولى الملابس القطنية القطن، وهكذا. والقائل هنا يمدح أحد المخلوقين ويذكر محاسنه، وبلا شك فإن الكعبة المشرفة أولى بهذا الثناء وهذا المديح؛ فهم يثوبون إلى البيت على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطراً، وكلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقاً، بل بالعكس تجد الذي يزور البيت الحرام ويشرفه الله سبحانه وتعالى بذلك لا يكون كمن لم يزره في شدة الشوق إليه، فإن من ذاق وعرف ليس كمن لم يذق ولم يعرف، فتجد من زاره لا يقضي منه وطراً، ولا يشبع أبداً من مجاورة هذا البيت والحج إليه، يقول: فكلما ازدادوا له زيارة ازدادت قلوبهم به تعلقاً، وازدادوا له تعطشاً واشتياقاً. جعل البيت مثاباً لهم ليس منه الدهر يقضون الوطر ويقول آخر واصفاً الكعبة المشرفة: لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقاً فالإنسان إذا نظر من بعيد عنها ينجذب من جديد إلى النظر إليها كي يملأ عينه منها، وهذا استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام. ويقول آخر: سل الله كم لها من قتيل وسليب وجريح وكم أنفق في حبها من الأموال والأرواح ما الذي يدفع الإنسان إلى أن يبذل الآلاف؟ تجد شركات الطيران والسفارات يصعبون على الناس الحصول على تأشيرات الحج والعمرة، ومع ذلك هل يتوقف الناس؟! لا، بل يثوبون إلى البيت، ويضحي المسلم بكل شيء، بالمال الذي يدخره، وبفراق أهله وأولاده، بترك عمله، بمفارقة وطنه، بكل هذه التضحيات! هل سيجد هناك منصباً دنيوياً فيعطيه أحد مالاً؟ هل سيجد جنات وبساتين ومناظر جميلة وجبال تكسوها الثلوج كما يجد الذين يحجون إلى سويسرا وأوروبا؟! لا يجد إلا الحر الشديد، وقد يجد المعاملة الغليظة من بعض أهل تلك البلاد، فلا شيء من أمور الدنيا يجذبه، وليس إلا هذا المغناطيس الذي وضعه الله سبحانه وتعالى في هذا البيت المشرف، زاده الله تشريفاً وتكريماً. فقد رضي المحب بمفارقة فلذات الأكباد والأهل والأحباب والأوطان، مقدماً بين يديه أنواع المخاوف والمتالف والمصاعب والمشاق، وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه. فهذا معنى مثابة للناس، يثوبون إليه لايشبعون منه، إذا ذهبوا إليه يعودون منه من كل حدب وصوب، ومن كل جهة منجذبين إليه، هذا معنى قوله: (مثابة للناس).
معنى وصف البيت بالأمن
معنى وصف البيت بالأمن قوله تعالى: (وأمناً) أي: موضع أمن، وهنا أطلق اللفظ لكن المقصود به الموضع، كقوله تعالى: {حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت:67]، وكقوله: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:97]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (وأمناً) يريد أمن من أحدث حدثاً في غيره، ثم لجأ إليه فهو آمن، ولكن ينبغي لأهل مكة ألا يبايعوه ولا يطعموه ولا يسقوه ولا يئووه، ولا يكلم حتى يخرج، فإن خرج أقيم عليه الحد. يعني من أحدث حدثاً خارج الحرم ثم أوى إلى الحرم؛ يترك ولا يقرب منه أحد، حتى في الجاهلية كان الرجل يرى قاتل أبيه في الحرم -مع أنهم كانوا مشركين- فيتورع عن أن يناله بسوء إلى أن يخرج من الحرم فيقتله، لكن ما دام أنه داخل الحرم فهو آمن. قال القاضي أبو يعلى: وصف البيت بالأمن والمراد جميع الحرم، (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً)، فالبيت المقصود به الكعبة المشرفة، لكن المراد من قوله: (وأمناً) كل الحرم، كما قال تعالى: {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة:95] فهنا صرح بالكعبة، لكن هل المقصود الكعبة ذاتها؟ لا، لماذا؟ لأنه لا يذبح أحد الهدي داخل الكعبة؛ فالمراد: هدياً بالغ الحرم؛ لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام، وهذا على طريق الحكم لا على وجه الخبر فقط. فقوله: (مثابة للناس وأمناً) ليس فقط خبراً أنه آمن، لكنه فيه تكليف، بمعنى: أمِّنوا من يدخله، ولا تروعوا من يدخله، فهو خبر ومقصود منه أيضاً الأمر والإنشاء والتسلية، وهذا ظاهره خبر، والمراد منه الإنشاء وإصدار الحكم الشرعي لتأمين من يدخل البيت الحرام، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يسبون، أهل مكة بالذات لا يقترب أحد منهم، ولا يؤذيهم ولا يروعهم أحد، اعتداداً بحرمة البيت، وهذا الأمان الذي شرعه الله لهم، وكان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يعرض له.
البيت الحرام مهوى أفئدة الناس
البيت الحرام مهوى أفئدة الناس البيت الحرام تشتاق إليه الأرواح ولا تقضي منه وطراً، ولو ترددت إليه كل عام استجابة من الله تعالى لدعاء خليله في قوله: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم:37] وهذه آية من آيات الله سبحانه تعالى، إذ تجد القلوب تنجذب إليه مهما كانت التضحية، ومهما كانت الأموال، ومهما كانت المشقة، ومع ذلك فألذ شيء عنده أن يرحل، خصوصاً الذين يأتون من الباكستان والهند، تجد علامات الفقر الشديد بادية ظاهرة عليه، وتجد الرجل قد أتى بزوجته، وربما بأبيه وجده ونسائه وأولاده، تمشي قافلة أسرة واحدة في حالة من الفقر البادي والظاهر عليهم، ومع ذلك يأتون وهم أشد الناس فرحاً بوصولهم إلى هذا البيت الحرام، فهذه من آيات الله سبحانه وتعالى، وهي ظهور أثر استجابة دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام. جماعة من المنصرين في أندونيسيا ظنوا أنهم أفلحوا في استعباد واستغلال الفقر والجهل والمرض عند المسلمين هناك، فأقنعوهم في الظاهر، وانقاد لهم العشرات مقابل الأدوية والأموال والملابس والإعانة؛ لأنهم في حالة فقر شديد، فاستطاعوا أن يغرروا ببعض المسلمين الجهلة، واستجابوا في الظاهر لهؤلاء المنصرين المكفرين المبشرين بالنار، حتى أفلحوا وأخذوهم إلى الكنيسة وعمدوهم في الكنيسة، فقال لهم القسيس بعدما فرغ من تعميدهم: الآن نريد أن نكافئكم على دخولكم في النصرانية، كل واحد يطلب الأمنية التي يحبها، ونحن ننفذها له مهما كانت، فبصوت واحد أجابوا جميعاً وقالوا: الحج إلى مكة! ونسوا كل شيء، لماذا؟ لأن القلوب تهوي إلى هذا البيت الحرام، وكل مؤمن في قلبه إيمان وحب لله ورسوله عليه الصلاة والسلام يجد هذا الانجذاب، وهذا أثر إجابة دعوة إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: (إن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار)، والحرم المكي حرمه إبراهيم عليه السلام، والمدينة جعلها حرماً النبي محمد صلى الله عليه وسلم بشرعه وشريعته، وما عدا ذلك فكل الأرض حلال، فليس في الأرض حرم إلا مكة والمدينة، وهناك خلاف في واد في الطائف، لكن الظاهر والمشهور أن الحرم حرمان: الحرم المكي والحرم المدني، والمسجد الأقصى لا دليل على أنه حرم، وكذا الحرم الخليلي، فليسا بحرم، ولا تنطبق عليهما أحكام الحرم، صحيح أن المسجد الأقصى من المواضع الشريفة، لكنه ليس حرماً؛ لأن كلمة حرم كلمة لها حدود وأحكام تخالف بها سائر أرجاء الأرض، فمثلاً: لا يدخلها الكافر، ولا يقطع شوكها، ولا تلتقط لقطتها، وغير ذلك من الأحكام، فلا يوجد حرم خليلي أو حرم إبراهيمي، فضلاً عن حرم الجامعة وحرم كذا وكذا، فكل هذا الكلام لا يجوز، فلا يطلق على هذه المواضع هذا اللفظ الشريف؛ لأن فيه تسوية لم يأذن بها الله سبحانه وتعالى في غير هذين البلدين.
الصلاة في المقام الإبراهيمي
الصلاة في المقام الإبراهيمي قوله تبارك وتعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قرئ بكسر الخاء وقرئ بفتحها، إما أنه أمر معترض بين الجملتين الخبريتين أو بتقدير (واتخذوا)، أي: وقلنا اتخذوا، وقرئ بفتح الخاء ماضياً معطوفاً على جعلنا، فتكون (واتخذوا) معطوفاً على جعلنا، أي: اتخذوه مصلى، ومقام إبراهيم هو الحرم كله كما ورد عن مجاهد، وعنه قال: جمع (مزدلفة) ومنى ومكة، ويقال: مقامه الذي هو في المسجد الحرام، فقد قال قتادة: إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت الأمة شيئاً مما تكلفته الأمم قبلها، قال الراغب الأصفهاني: والأولى أنه الحرم كله، فما من موضع ذكروه إلا وهو مصلى أو مدعى أو موضع صلاة، يقول القاسمي: أقول كأن الأصل في الآية: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ومصلى، ذكرنا من قبل أن البيت المقصود به الكعبة، وهو يطلق على الكعبة، لكن المقصود الأمن داخل الحرم كله، فالمصلي في الحرم كله آمن، إلا أنه عدل إلى هذا الأسلوب الحكيم دون ذاك، فلم يقل تبارك وتعالى مثلاً: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ومصلى، مع أن هذا هو المعنى، لكنه عدل عن ذلك إلى هذا الأسلوب الحكيم في قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ولم يقل: واتخذوا منه مصلى، لوجوه: أحدها: التنويه بأمر الصلاة فيه، والتعظيم لشأنها، حيث أفرده للعناية بها جملة على حدة. ثانيها: التذكير؛ لأنه مقام الأب الأكبر للأنبياء كافة، وما كان مقامه فجدير بأن يحترم ويعظم. ثالثها: التنصيص على أن هذا الاتخاذ بأمر رباني لا بتشريع بشر، ولم يقل: ومصلى، وإنما قال: (واتخذوا)، فعدل عن الخبر إلى الأمر، إظهاراً أن هذا تشريع من الله سبحانه وتعالى، فالتنصيص على أن هذا الاتخاذ بأمر رباني لا بتشريع بشر تمهيداً للأمر باستقباله، لأن هذه الأجزاء في الآيات كلها فيها إرهاصات بين يدي أمر خطير سيحصل قريباً، وهو تحويل القبلة، فالتنويه بقصة بناء البيت وتشريفه وجعله مثابة للناس وأمناً، ثم الأمر باتخاذه مصلى، إرهاص وتقديم وتوطئة وتمهيد بين يدي الأمر الذي سيأتي قريباً بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، فهذا تمهيد للأمر باستقباله، وإلزام لمن جادل فيه وهم اليهود، فإن اليهود جادلوا في تحويل القبلة، فالله سبحانه وتعالى يبين لهم شرف هذه القبلة الجديدة، وقد روى الشيخان وغيرهما أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: (يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)) والحديث نصه في البخاري عن أنس رضي الله عنه قال عمر رضي الله عنه: (وافقت ربي في ثلاث: فقلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله! لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت هذه الآية). قال ابن كثير: ومقام إبراهيم هو الحجر الذي يصلي عنده الأئمة، وذلك الحجر هو الذي قام إبراهيم عليه عند بناء البيت. ومن ذهب إلى هناك تمكن من أن يراه، وهم يضعونه داخل تلك القبة النحاسية، ويضعون عليه حراسة، لأن كثيراً من الجهلة يعمدون إليه ويتمسحون به، وهذا من البدع والضلال، ومن دقق النظر داخل هذه القبة الزجاجية رأى الحجر بالفعل، وعليه موضع قدمي إبراهيم عليه السلام كالحفر، وموضع القدمين واضح جداً في الحجر نفسه.
تاريخ مقام إبراهيم
تاريخ مقام إبراهيم يقول ابن كثير: ومقام إبراهيم هو الحجر الذي يصلي عنده الأئمة، وذلك الحجر هو الذي قام إبراهيم عليه عند بناء البيت، فلما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل عليه السلام به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة، فيضعها بيده لرفع الجدار، وكان كلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليه، وهكذا حتى أتم بناء جدران الكعبة، كما جاء بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت من رواية ابن عباس عند البخاري. قال ابن كثير: وقد كان هذا المقام ملصقاً بجدار الكعبة قديماً. ومن تأمل في الجهة الشرقية من الكعبة يجد مكان المقام ما زال واضحاً، يقول ابن كثير: ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر، يمين الداخل من الباب. والحرم كان ضيقاً جداً من قبل، وكأن الخليل عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك، ولهذا -والله أعلم- أمر عند الفراغ من الطواف بصلاة سنة الطواف هناك، وناسب أن تكون الصلاة عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لما قدم مكة طاف بالبيت سبعاً، وجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين. قال ابن كثير: وإنما أخره عن جدار الكعبة إلى موضعه الآن عمر رضي الله عنه، فالذي حوله من المكان اللصيق بالكعبة إلى المكان الموجود الآن هو عمر رضي الله تعالى، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة رضي الله عنهم، فقد روى البيهقي بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: (إن المقام كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر رضي الله عنه ملتصقاً بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه). قيل: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه.
تفسير قوله تعالى: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل)
تفسير قوله تعالى: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل) قال تبارك وتعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125]. (عهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل) أي: أمرناهما (أن) بأن (طهرا بيتي) من الأوثان (للطائفين والعاكفين) المقيمين فيه، (والركع السجود) جمع راكع وجمع ساجد، والمقصود بهم المصلون. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل) أي: أمرناهما ووصيناهما، (أن طهرا بيتي) عن كل رجس حسي ومعنوي، فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع، أو (طهرا بيتي) ابنياه على الطهر من الشرك به، كما قال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج:26] الطائفين حوله، وعن سعيد بن جبير: هم الذين يأتون من الغربة، يعني الآفاقيين، يأتون فيطوفون حوله، (والعاكفين) المقصود بهم أهله المقيمون به أو المعتكفون فيه. روى ابن أبي حاتم بسنده إلى ثابت قال: قلت لـ عبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مكلماً أمير المؤمنين أن يمنع الناس الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يجنبون ويحدثون، لأن العين وكاء السه؟ قال: لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم فقال: هم العاكفون. وقد ثبت في الصحيح أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان ينام في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عزب. قال في الكشاف: يجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين، يعني: القائمين في الصلاة، كما قال: {لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125]، جمع راكع وساجد، والمعنى للطائفين والمصلين؛ لأن القيام والركوع والسجود هيئات المصلي.
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً) قال الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة:126]. يقول تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمنا) يعني: اجعل هذا المكان ذا أمن، وقد أجاب دعاءه، فجعله حرماً لا يسفك فيه دم إنسان، ولا يظلم فيه أحد، ولا يصاد صيده، ولا يختلى خلاه، ولا يقطع حشيشه، ولا يعضد شجره.
رزق الله المجبى من كل مكان إلى مكة
رزق الله المجبى من كل مكان إلى مكة قوله تعالى: (وارزق أهله من الثمرات) هنا يذكر السيوطي كلاماً يحتاج إلى دليل، يقول: وقد فعل بنقل الطائف من الشام إليه كما قيل، وكان أقفر لا زرع فيه ولا ماء، والطائف بلد قريب من الحرم كان أقفر لا ماء فيه ولا زرع، كان منطقة بلقعاً، فنقلت الطائف من الشام إلى هذا المكان، وهذا يحتاج إلى دليل، والله تعالى أعلم. ولكن هل نحن نحتاج إلى بينة في تفسير هذه الآية؟! والله إنها لمن أعلام النبوة! وقوله تعالى: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص:57] هذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى، ولا يكاد ينكرها أحد أبداً، اذهب إلى مكة تجد كل أسواق العالم موجودة هناك، كل الثمرات، كل الفواكه، ما شيء من الثمرات والأرزاق إلا ويجبى إلى هذ البلد مع أنه واد لا زرع فيه، حتى الزرع الذي يفتعلونه الآن ويصطنعونه تشعر أن الأرض تقول: هذا ليس لي، وما أطيق هذا، فالأرض تلك ليس من طبيعتها أن تقبل الزراعة، ولذلك فإنهم يتكلفون أموالاً طائلة في إرغام الزرع على أن يتواجد في تلك التربة عندهم، ومع ذلك يجبى إليه ثمرات كل شيء، ولا يعلم مكان فيه من الخيرات والبركات وسعة الرزق ما يوجد في بلد الله الحرام، وهذا أيضاً أثر إجابة دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام، فإن الله بالفعل رزق أهله من كل الثمرات، {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} [القصص:57]. (وارزق أهله من الثمرات) هل كل أهله؟ لا، يقول تعالى: (من آمن منهم بالله واليوم الآخر) فهذا بدل من (أهلها)، وخصهم بالدعاء لهم موافقة لقوله: (لا ينال عهدي الظالمين) فإبراهيم عليه السلام كما قال الله سبحانه وتعالى من قبل، لما قال له: (ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) يعني: الظالمون من ذريتك لن يكونوا أئمة في الدين، والمحسنون منهم سيكونون أئمة في الدين، فالمحسنون هم الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولذلك إبراهيم عليه السلام أبدل من قوله: (وارزق أهله من الثمرات) قال: ليسوا كل أهله، لكن أدخل في دعائه (من آمن منهم بالله واليوم والآخر) فخصهم بالدعاء كي يوافق قوله تعالى من قبل: (لا ينال عهدي الظالمين). قال تعالى: (ومن كفر) يعني: أرزق هؤلاء الصالحين المحسنين من آمن بالله واليوم الآخر وسأرزق أيضاً من كفر، ماذا أفعل معه؟ (فأمتعه) إما بالتشديد أو بالتخفيف، يعني: فأمتعه في الدنيا فقط، (قليلاً) مدة حياته القليلة، (ثم أضطره إلى عذاب النار) يعني: ألجئه إلى عذاب النار، فلا يجد عنها محيصاً، (وبئس المصير) أي: بئس المرجع فيها.
أمان البيت الحرام
أمان البيت الحرام يقول القاسمي رحمه الله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا) الموضع الذي جعلت فيه بيتك وأمرتني بأن أسكنه من ذريتي، وهو مكة، (بلداً) كلمة البلد معناها المكان الذي يأنس الذي يحل به، (بلداً آمناً) أي: ذا أمن، لا يرعب أهله، وقد أجاب الله دعاءه، كقوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:97] والمقصود أمنوه، وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت:67]، إلى غير ذلك من الآيات. صحت أحاديث متعددة بتحريم القتال في مكة، ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح)، فهو آمن من الآفات، لم يصل إليه جبار إلا قصمه الله، كما فعل بأصحاب الفيل. وقوله تعالى في سورة إبراهيم: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم:35] بالتعريف، والكلام في هذا كثير ولن نفصل فيه الآن، لكن باختصار شديد: هنا قال: (اجعل هذا بلداً آمناً) بالتنكير باعتبار أنه لم يكن بنى البيت، وكان لا يزال في بداية بنائه، فلم يعمر بالحجاج والطائفين والمعتكفين وغير ذلك، وفي سورة إبراهيم قال: (رب اجعل هذا البلد)؛ لأن الكعبة كانت قد بنيت بالفعل، فقال: (هذ البلد آمناً). (وارزق أهله من الثمرات) سأل إبراهيم ذلك؛ لأن مكة لم يكن فيها زرع ولا ثمر، فاستجاب الله تعالى له فصارت يجبى إليها ثمرات كل شيء، (من آمن منهم بالله واليوم الآخر) هذه بدل من أهله، وهو بدل بعض، (وارزق أهله من الثمرات) بدل بعض من كل، (من آمن منهم بالله واليوم الآخر) يعني: ارزق المؤمنين من أهله خاصة، وإنما خصهم بالدعاء إظهاراً لشرف الإيمان، واهتماماً بشأن أهله، فالذي يهمه هم أهل الإيمان، وهذا من مراعاة حسن الأدب في المسألة، حيث ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة، في قوله: (لا ينال عهدي الظالمين)؛ فتأدب إبراهيم عليه السلام في الدعاء فلم يدخل الظالمين في دعوته، وإنما قال: (من آمن منهم بالله واليوم الآخر)، وفيه ترغيب لقومه في الإيمان وزجر عن الكفر، فقال الله تعالى معلماً أن شمول الرحمانية بأمن الدنيا ورزقها لجميع عمرة الأرض: (قال ومن كفر) يعني: رزقي في الدنيا أثر من آثار اسمي الرحمن، الذي هو رحمان الدنيا الذي تعم رحمته الكافرين والمؤمنين، ويرزق الجميع، ويعطي الجميع الصحة وأعراض الدنيا والأرزاق وغير ذلك مما هو مشاهد محسوس، فهذه الرحمة العامة تكون ابتلاء وفتنة للكافرين، ونعمة للمؤمنين، (قال ومن كفر) يعني: أنيله أيضاً ما ألهمتك من الدعاء بالأمن والرزق، فهو عطف على فعل محذوف دل الكلام عليه. (فأمتعه) والمقصود بالمتاع الرزق عبر عنه بكلمة المتعة وما معنى المتعة؟ المتعة هي زاد قليل وبلغة، تخسيساً لحظهم من الرزق كما قال: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [آل عمران:196 - 197]، وكذلك قال هنا: (ومن كفر) يعني: أرزقه وأمتعه قليلاً، فهذا تخسيس لهذا المتاع الذي ينالونه وتحقير له، وأكد ذلك بقوله: (فأمتعه قليلاً) يعني: تمتيعاً قليلاً، سواء بنعمة الأمن أو بنعمة الرزق. و (قليلاً) إما أن المعنى أن كمية المتاع تكون قليلاً أو أن زمان المتعة قليل إلى أن تنقضي آجالهم فيفضون إلى ربهم. (ثم أضطره إلى عذاب النار) يعني: ألجئه إلى عذاب النار، كما قال تعالى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور:13]، وقال تعالى: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} [القمر:48] وقرئ (فأمتعه قليلاً ثم أضطره) بلفظ الأمر فيهما على أنهما دعاء من إبراهيم عليه السلام. (وبئس المصير) يعني: عذاب النار، والمصير في اللغة هو ما ينتهي إليه الأمر.
تفسير قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل)
تفسير قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) قال الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127] يقول عز وجل: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد) (وإذ) أي: واذكر إذ يرفع إبراهيم القواعد والأسس، أو الجدر، (من البيت) يبنيه، متعلق بيرفع، (وإسماعيل) عطف على إبراهيم عليه السلام، وهنا يتقدر فعل: يقولان، أي: وهما يبنيان البيت يقولان: (ربنا تقبل منا) بناءنا هذا البيت الحرام، (إنك أنت السميع) للقول، (العليم) أي: بالفعل. (ربنا واجعلنا مسلمين) أي منقادين لك (ومن ذريتنا) واجعل من أولادنا (أمة) جماعة (مسلمة لك) (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) من هنا للتبعيض؛ لأنه تقدم قوله: (لا ينال عهدي الظالمين) وهو نفس المعنى الذي ذكرناه في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: (وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر) كذلك ذكر هنا مراعاة لنفس هذا الأدب قالا عليهما السلام: (ومن ذريتنا)، يقصدا بذلك المحسنين من الذرية، كما في قوله: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات:113]؛ فهي للتبعيض. (وأرنا) علمنا، (مناسكنا) شرائع عبادتنا أو حجنا، (وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم)، سألاه التوبة مع عصمتهما تواضعاً وتعليماً لذريتهما، وإشارة إلى أن هذا البيت هو موضع غسل الذنوب، فمن أراد أن يعود من ذنوبه كيوم ولدته أمه فليأت هذا البيت، وليدع الله سبحانه وتعالى فيه، فإنه مقام ومحل وموضع إجابة مثل هذا الدعاء. (ربنا وابعث فيهم) أي: في أهل البيت الحرام، (رسولاً منهم) أي: من أنفسهم، وقد أجاب الله دعاءه بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكل نبي كان يدعو لنفسه ولقومه، أما إبراهيم عليه السلام فقد دعا لنفسه ولقومه ولهذه الأمة المرحومة؛ أمة محمد صلى الله عليه وسلم، (يتلو عليهم آياتك) القرآن (ويعلمهم الكتاب) القرآن (والحكمة) ما فيه من الأحكام، (ويزكيهم) يطهرهم من الشرك، (إنك أنت العزيز) الغالب (الحكيم) في صنعه. يقول القاسمي رحمه الله تعالى هنا: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) أي: اذكر بناءهما البيت ورفعهما القواعد منه، وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية، ولم يقل: وقد رفع إبراهيم البيت وإسماعيل ودعوا بكذا وكذا، مع أن الكلام عن الماضي، لكنه عبر بصيغة المضارع الذي يفيد الاستقبال، لماذا؟ كي يستحضر الإنسان صورتها العجيبة، والقواعد: جمع قاعدة، وهي الأساس والأصل لما فوقه، قال الزجاج: القواعد أساطين البناء التي تعمده. وقد بين الله سبحانه وتعالى في سورة الحج أنه أراه موضع البيت، ولم يكن الأمر إلا تكليفاً من الله سبحانه وتعالى، حيث يقول عز وجل: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) يعني: عينا له محله وعرفنا إبراهيم به، وقد اختلف العلماء في تفصيل ذلك، قال بعضهم: الله سبحانه وتعالى دله على مكان البيت بسحابة، وكان ظلها على قدر مساحته، أي: جاءت سحابة مستطيلة فوقفت بحذاء البيت في السماء، وكان الظل موازياً لحدود الكعبة المشرفة، وقيل: دله عليه بريح تسمى الخدوج، كشفت عنه حتى ظهر أسه القديم، فبنى عليه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فإبراهيم ليس هو الذي أسس البيت ابتداءً، لكن القواعد كانت موجودة، والذي فعله رفع البناء على الأسس التي كانت موجودة أصلاً، ولذلك قال تعالى في سورة الحج: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج:26] أي: دللناه عليه وعرفناه به، وفي هذه الآية قال: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا) ولابد أن نقدر هنا: يقولان، مثل قوله تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:24] تقدر هنا: يقولون. وهنا ترك مفعول: تقبل، ولم ينص عليه، وما هو الذي يتقبل؟ ترك هكذا ليعم الدعاء وغيره من القرب والطاعات، والتي من جملتها ما هما بصدده من البناء. (إنك أنت السميع) لدعائنا، والسميع أبلغ من السامع؛ لأنها صيغة مبالغة، والاستماع يكون بمعنى القبول والإجابة، كقوله صلى الله عليه وسلم في الدعاء الطويل الذي رواه مسلم: (أعوذ بك من دعاء لا يسمع) أي: لا يستجاب، ومنه قول المصلي: سمع الله لمن حمده، يعني: استجاب الله لمن حمده، أو قبل الله حمد من حمده، وأنشدوا: دعوت الله حتى خفت ألا يكون الله يسمع ما أقول أي: يستجيب، وإلا فالله عالم بضمائرنا ونياتنا. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث مجيء إبراهيم عليه السلام لتفقد إسماعيل عليهما السلام، ثم قال: يا إسماعيل! إن الله قد أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان أثناء عملية البناء: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم).
تفسير قوله تعالى: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك)
تفسير قوله تعالى: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) قال تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:128]. (ربنا واجعلنا مسلمين لك) أي: مخلصين لك وجوهنا، من قوله: أسلم وجهه لله، أو مستسلمين، يقال: أسلم له وسلم واستسلم، إذا خضع وأذعن، والمعنى: أي زدنا إخلاصاً أو إذعاناً لك، (ومن ذريتنا) يعني واجعل من ذريتنا (أمة مسلمة لك). ولم يبين هنا تبارك وتعالى من هي هذه الأمة التي دعا لها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بقولهما: (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك)، لكن الله سبحانه وتعالى بين في سورة الجمعة أن تلك الأمة هي أمة العرب، وأن الرسول هو سيد الرسل عليه الصلاة والسلام، وذلك في قوله: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} [الجمعة:2 - 3]؛ لأن الأميين هم العرب بالإجماع، والرسول المذكور هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إجماعاً، ولم يبعث رسول من ذرية إسماعيل إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وحده، فإن الدعاء هنا (ومن ذريتنا) من إسماعيل الذي هو ابن إبراهيم عليه السلام، وما خرج من ذرية إسماعيل إلا رسول واحد هو سيد المرسلين وأشرفهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيتحتم أن تكون الأمة هي أمة العرب، والرسول هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يبعث رسول من ذرية رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وحده، وثبت في الصحيح: أنه هو الرسول الذي دعا به إبراهيم، ولا ينافي ذلك عموم رسالته إلى الأسود والأحمر؛ لأنه بعث لأمة العرب، ودعوته للعالمين كلهم في كل زمان ومكان. و (من) في قوله: (ومن ذريتنا) للتبعيض أو للتبيين، كقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} [النور:55]، وإنما خص الذرية بالدعاء؛ لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع. (وأرنا مناسكنا) أي: عرفنا متعبداتنا، ومناسكنا جمع منسَك أو منسِك بفتح السين وكسرها، وهو المتعبد، وشرعة العبادة، يقع على المصدر والزمان والمكان، من النسك وهو العبادة والطاعة، وكل ما تقرب به إلى الله تعالى، فلذلك يقال في الذبيحة التي يتقرب الإنسان بها إلى الله: النسيكة، ومن المفسرين من حمل المناسك على مناسك الحج، لشيوعها في أعماله ومواضعه، فالإراءة حينئذ لتعريف تلك الأعمال والبقاع، يعني عرفنا أعمال الحج والبقاع والأماكن التي نمارس فيها شعائر الحج، وقد رويت آثار عن بعض الصحابة والتابعين تتضمن أن جبريل أرى إبراهيم المناسك، وأن الشيطان تعرض له فرماه عليه السلام، قالوا: وفي ذلك ظهور لشرف عمل الحج، حيث كان متلقى عن الله بلا واسطة، لكونه علماً على آتي يوم الدين حيث لا واسطة هناك بين الرب والعباد، والذي عول عليه أئمة اللغة ما ذكرناه أولاً من حمل المناسك على ما يرجع إليه أصل هذه اللفظة، وهي: العبادة والتقرب إلى الله تعالى واللزوم لما يرضيه، وجعل ذلك عاماً لكل ما شرعه الله لإبراهيم عليه السلام، فيكون المعنى: علمنا كيف نعبدك، وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك، حتى نخدمك كما يخدم العبد مولاه. (وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم) هذا الدعاء للتفريط لأصحاب التقصير، فإن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه فإنه لا ينفك عن التقصير من بعض الوجوه، إما على سبيل السهو والنسيان، أو على سبيل ترك الأولى، فالدعاء منهما عليهما السلام لأجل ذلك.
تفسير قوله تعالى: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك)
تفسير قوله تعالى: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك) قال الله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة:129]، وهذا إخبار عن تمام بقية دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام لأهل الحرم، أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم، يعني من ذية إبراهيم عليه السلام، وهم العرب من ولد إسماعيل، وقد أجاب الله تعالى لإبراهيم عليه السلام هذه الدعوة، فبعث في ذريته رسولاً منهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه أنه دعوة إبراهيم، ومراده هذه الدعوة المذكورة في قوله: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم)، فقد أخرج الإمام أحمد عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم عليه السلام لمنجدل في طينته) يعني: في علم الله كان هو خاتم النبيين، وآدم ينفخ فيه الروح، ثم قال: (وسأنبئكم بأول ذلك؛ أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين)، وأخرج أيضاً نحوه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (قلت: يا نبي الله! ما كان أول بدء أمرك؟ قال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي، ورأت أمي أنه يخرج منها نوراً أضاءت منها قصور الشام) وهذا الحديث صحيح. وقوله عليه الصلاة والسلام: (أول أمري دعوة أبي إبراهيم) هي المذكورة هنا في هذه الآية {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة:129]، (وبشرى عيسى بي) وهي قول المسيح عليه السلام تصريحاً باسمه: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6]، بل إن البشارة برسالة محمد عليه الصلاة والسلام من أجلِّ مقاصد رسالة عيسى، فكلمة الإنجيل معناها البشارة.
تفسير قوله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم)
تفسير قوله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم) قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} [البقرة:130] يعني: لا يرغب عن ملة إبراهيم فيتركها {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130] يعني: إلا من جهل جهلاً مركباً أنها مخلوقة لله سبحانه وتعالى يجب عليها عبادة الله، أو استخف بها وامتهنها، {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} [البقرة:130] أي: اخترناه، (في الدنيا) بالرسالة والخلة، فهو خليل الله تعالى، {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة:130]، الذين لهم الدرجات العلى. {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} [البقرة:131] يقدر قبل (إذ) واذكر (إذ قال له رب أسلم)، أي: انقد لله وأخلص له دينك، {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة:131]. {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة:132] (ووصى)، وفي قراءة أخرى (وأوصى بها) أي: بملة إبراهيم عليه السلام، (وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب)، ويمكن أن تكون كلمة (بها) تعود على الكلمة التي أشار إليها تعالى في سورة الزخرف: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف:28] (إبراهيم بنيه ويعقوب) يعني: ويعقوب أيضاً أوصى بها بنيه، (يا بني) قال: يا بني (إن الله اصطفى لكم الدين) أي: دين الإسلام، (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، وهذا فيه نهي عن ترك الإسلام، وأمر بالثبات عليه إلى مصادفة الموت. قوله تبارك وتعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) بين تبارك وتعالى ملة إبراهيم عليه السلام في قوله عز وجل: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:161]؛ فملة إبراهيم عليه السلام هي دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، وكذا أيضاً في قوله عز وجل: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل:123]. وقوله عز وجل هنا: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم)، كما قال السيوطي: لا يرغب، فالاستفهام هنا فيه إنكار واستبعاد أن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم، وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، لأن محمداً عليه الصلاة والسلام يتبع ملة أبيه إبراهيم عليه السلام، ولا يمكن أن يوجد إنسان عاقل سوي أريد به الخير يعرض ويترك ملة إبراهيم التي يدعو إليها محمد صلى الله عليه وسلم. والسياق تعريض بمعاندي أهل الكتاب والمشركين، فلا يرغب عن ملته الواضحة الغراء إلا من سفه نفسه، وحمل نفسه على السفه وهو الجهل، وسفه نفسه أبلغ من جهلها، إذ لم يقل تعالى: إلا من جهل نفسه، لكنه قال: (إلا من سفه نفسه)، لماذا؟ لأن الجهل ضربان: جهل بسيط، وجهل مركب، والجهل البسيط هو ألا يكون للإنسان اعتقاد في شيء، والجهل المركب هو أن يعتقد في الحق أنه باطل، ويعتقد في الباطل أنه حق، والسفه أن يعتقد ذلك، أي أن السفه هو عبارة عن النوع المركب من الجهل، فليس هو الجهل البسيط، لكنه النوع المركب من الجهل، فالجهل البسيط لا يعتقد صاحبه شيئاً، أي أنه لا يتخذ موقفاً محدداً، أما الجهل المركب فهو يجهل، ويجهل أنه يجهل، فيعتقد أن الباطل هو الحق، وأن الحق هو الباطل، والسفه أن يعتقد هذه العقيدة الباطلة ويرى الحق باطلاً والباطل حقاً، ثم هو في سلوكه العملي وفعله وتصرفه يتحرى الفعل بمقتضى ما اعتقده، فيدافع عن الآلهة الباطلة، ويضحي في سبيلها، ويدعو إليها بهمة ونشاط! هذا هو السفه. فبين تعالى أن من رغب عن ملة إبراهيم فإن ذلك لسفه نفسه، وذلك أعظم مذمة، فهو مبدأ كل نقيصة، وذلك أن من جهل نفسه جهل أنه مصنوع، جهل أنه مخلوق، وإذا جهل كونه مصنوعاً جهل صانعه، كما نلاحظ ذلك جلياً ظاهراً في الكفار، فهو يجهل أنه مخلوق، ثم هو ينكر خالقه تبارك وتعالى، وإذا لم يعلم أن له صانعاً فكيف يعرف أمره ونهيه وهو أصلاً لا يعتقد وجود الله؟! وكيف يتحرى أمراً أو نهياً لله تبارك وتعالى؟! وكيف يرى الأشياء ويحكم بقبحها وحسنها؟! ولكون معرفة النفس ذريعة إلى معرفة الخالق جل ثناؤه، قال تبارك وتعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات:21] لماذا؟ لأننا إذا عرفنا أنفسنا وأبصرنا في أنفسنا وتدبرنا آيات الله سبحانه وتعالى في خلقنا وأنفسنا؛ فإن ذلك يدلنا على خالقنا وفاطرنا سبحانه وتعالى، فالتبصر بأحوال النفس يبصرنا بخالقها، وهذه من آيات الله سبحانه وتعالى، وقال عز وجل: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحشر:19]، فهذا معنى قوله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه).
معنى قوله تعالى: (ولقد اصطفيناه في الدنيا)
معنى قوله تعالى: (ولقد اصطفيناه في الدنيا) قوله تعالى: (ولقد اصطفيناه في الدنيا) أي: اخترناه من بين سائر الخلق بالرسالة والنبوة والإمامة، وتكثير الأنبياء من نسله، وإعطاء الخلة، وإظهار المناسك، وجعل بيته آمناً ذا آيات بينات إلى يوم القيامة، وكل هذه وجوه اصطفاء الله تبارك وتعالى لخليله إبراهيم أبي الأنبياء عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. وما وجه هذا الاصطفاء بالرسالة؟ جعله من أولي العزم من الرسل، وبالنبوة، وبالإمامة فقال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة:124]، وكان إبراهيم عليه السلام إمام لجميع الناس، وكل أهل الملل يتحرون أن ينتسبوا إلى إبراهيم عليه السلام، وأكثر الأنبياء من نسله، بل كل الأنبياء الذين أتوا بعده هم من نسله، سواء في ذلك الأنبياء الذين من نسل إسحاق ويعقوب، أو من نسل إسماعيل، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أعطاه الله الخلة، واتخذه الله سبحانه وتعالى خليلاً: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:125]. أما في الآخرة يقول تعالى: {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة:130] الذين لهم الدرجات العلى، وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة الصلاح؛ لأن هذا يدل على شرف وصف الإنسان بأنه إنسان صالح أو عبد صالح، لماذا؟ لأنه تعالى بين أن مقام إبراهيم عليه السلام المفخم المعظم في الآخرة إنما هو بكونه من الصالحين؛ فحيث جعل الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه السلام متصفاً بالصلاح فهو حقيق بالإمامة لعلو رتبته عند الله تعالى في الدارين، فأعطاه الله سبحانه وتعالى في الدنيا أعلى المراتب؛ فلا بد أن تكون رتبة الصالحين التي جعلها أيضاً لإبراهيم في الآخرة هي أفخم المراتب وأعلاها، ففي ذلك أعظم ترغيب في اتباع دينه والاهتداء بهديه، وفي هذا أيضاً أشد ذم لمن خالفه، كل ذلك تذكير لأهل الكتاب بما عندهم من العلم بأمر هذا النبي الكريم، وإقامة للحجة عليهم؛ لأن أكثر ذلك معطوف على قوله تعالى: (اذكروا) في قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:47]. فهذا تذكير، وما زلنا في سياق الكلام الذي يذكر الله سبحانه وتعالى ويعظ به بني إسرائيل وأهل الكتاب لما عندهم من أمر هذا النبي الكريم إبراهيم الخليل عليه السلام، ولما ذكر إمامته عليه السلام ذكر ما يؤتم به فيه، فإذا كان إبراهيم إماماً وإمامته شرفته بهذه الفضائل في الدنيا وفي الآخرة، ففي أي شيء نأتم بإبراهيم عليه السلام؟ وما الذي ينبغي أن نأتم بإبراهيم به حتى نحوز مثلما حاز في الدنيا والآخرة؟ وما هو سبب اصطفائه وصلاحه؟ الذي نأتم به فيه هو دينه وملته وما أوصى به بنيه، وما أوصى به بنيه سلفاً عن خلف، ولا سيما يعقوب عليه السلام المنوه بنسبة أهل الكتاب إليه؛ لأن يعقوب عليه السلام ينتسب أهل الكتاب إليه، وهو إسرائيل عليه السلام.
تفسير قوله تعالى: (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين)
تفسير قوله تعالى: (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) قال تبارك وتعالى مبيناً ما يؤتم بإبراهيم فيه: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة:131] معنى الآية: اصطفيناه؛ لأنه قال له ربه: أسلم، وذلك حين وقوع الاصطفاء، أي: انقد له، أخلص نفسك له، أو استقم على الإسلام واثبت على التوحيد، (قال أسلمت لرب العالمين) وظاهر الآيات الكريمة: أن هذا لفظ حقيقي، وأن الله سبحانه وتعالى خاطب إبراهيم بقوله: (أسلم) فأجاب إبراهيم عليه السلام بقوله: (أسلمت لرب العالمين)، وليس في كونه لفظاً حقيقياً أي مانع، وبالتالي لا يجوز تأويل كلمة: (قال أسلمت لرب العالمين) بقول بعض المفسرين: إنما هو ضرب مثل، ومعنى هذا القول: أنه أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام، فهذا الكلام ليس بشيء، لماذا؟ لأنه لا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما، ولا يوجد أي داع ولا أي مسوغ لأن نقول بأنه ضرب مثل.
تفسير قوله تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب)
تفسير قوله تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب) قال عز وجل: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة:132]. (ووصى بها إبراهيم بنيه) هذا شروع في بيان تكميله عليه السلام لغيره، وفي الآية السابقة بين تكميله لنفسه: (إذا قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين)، وهذا هو انقياده لله سبحانه وتعالى في نفسه، فهو كمل نفسه بالإسلام ولم يقتصر على ذلك، بل سعى في تكميل غيره، وبدأ في ذلك بعشيرته الأقربين. وكلمة: (وصى بها إبراهيم) الوصية تكون بأن تتقدم إلى غيرك في شيء نافع تحمد عاقبته، والضمير في قوله: (ووصى بها إبراهيم بنيه) إما أنه عائد لقوله: (أسلمت لرب العالمين) فوصى إبراهيم بهذه الكلمة -وهي أسلمت لرب العالمين- بنيه ويعقوب، وعلى هذا يكون رجوع الضمير مثل رجوعه في قوله تبارك وتعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف:28] فكلمة (وجعلها) الهاء فيها تعود إلى قوله عليه السلام كما حكاه الله عنه: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف:26 - 27]، ونلاحظ هنا أن إبراهيم عليه السلام عبر عن كلمة لا إله إلا الله بمعناها، لماذا؟ لأن لا إله إلا الله تتكون من شقين، شق فيه نفي، وشق فيه إثبات، (لا إله) معنى ذلك الكفر بالطاغوت، والكفر بكل إله باطل يعبد من دون الله، ونفي لكل ما عدا الله من الآلهة الزائفة، (إلا الله): إثبات لاستحقاقه وحده تبارك وتعالى بإفراده بالعبادة والتوحيد، فعبر إبراهيم عليه السلام عن كلمة لا إله إلا الله بشرح معناها: (إنني براء مما تعبدون) هذا معنى لا إله، كفر بالطواغيت، (إلا الذي فطرني) لكن الذي فطرني هذا استثناء منقطع، أي: ربي وخالقي سبحانه وتعالى هو الإله الذي أستمسك بعبادته وتوحيده، وإنما أبرأ مما تعبدون من دونه، (إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين) (وجعلها كلمة باقية في عقبه) أي: لا إله إلا الله جعلها كلمة باقية في عقبه، وكل طائفة من نسله توصي بها الذين من بعدهم، كما سيأتي بيان ذلك في وصية يعقوب عليه السلام، فلذلك أنثها، لأنها تعود إلى كلمة، (وجعلها كلمة) والمراد بها لا إله إلا الله، وكذلك هنا في قوله تبارك وتعالى: (ووصى بها إبراهيم) يعني بهذه الجملة التي قال فيها: (أسلمت لرب العالمين) وهي كلمة التوحيد وكلمة الإسلام، أو تأويل هذه الكلمة، أو أن قوله تبارك وتعالى: (ووصى بها) أي: بملة إبراهيم في قوله تبارك وتعالى الآنف الذكر: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه)؛ فتكون الهاء عائدة إلى ملة إبراهيم عليه السلام. ثم يقول تبارك وتعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه) صيغة الجمع تفيد أن إبراهيم عليه السلام رزق من الولد غير إسماعيل من هاجر، وإسحاق من سارة، وعند أهل الكتاب في سفر التكوين من التوراة أن إبراهيم عليه السلام تزوج بعد وفاة سارة أم إسحاق امرأة أخرى اسمها: قصورة، فولدت له ستة من الأولاد، فعلى هذا يكون بنوه ثمانية. (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب) هذا معطوف على إبراهيم عليه السلام، والمقصود: ووصى يعقوب بنيه؛ لأن يعقوب أوصى بنيه أيضاً كما أوصى إبراهيم بنيه، والدليل قوله تبارك وتعالى: (إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي) كما سيأتي. وبعض القراء قرءوا: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب) بالنصب عطفاً على بنيه، ومعناه: أن إبراهيم وصى بهذه الكلمة بنيه ونافلته يعقوب الذي هو ابن ابنه، لماذا؟ لأن يعقوب ولد في حياة جده إبراهيم وأدرك من حياته خمس عشرة سنة، كما يستفاد من سفر التكوين في التوراة، فإن فيها: أن إبراهيم عليه السلام ولد له إسحاق وهو ابن مائة سنة، ومات وهو ابن مائة وخمس وسبعين سنة.
وصية الأنبياء لبنهيم عند الموت
وصية الأنبياء لبنهيم عند الموت قال الله على لسان كل من إبراهيم ويعقوب عليهما السلام: (يا بني إن الله اصطفى لكم الدين) يعني: أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان، وهو دين الإسلام الذي لا دين غيره عند الله تبارك وتعالى، كما قال عز وجل: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران:19]، وقال أيضاً: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85]. {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ} [البقرة:132]، بما أن الله سبحانه وتعالى اختاره لكم، وأعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان، ولا دين غيره عند الله تبارك وتعالى، فإنه يتسبب عن هذا الاصطفاء أني أقول لكم وأوصيكم: (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) فالفاء في (فلا) سببية، يعني تسبب عن هذا الاصطفاء لهذا الدين أنني الآن أوصيكم بهذه الوصية: (لا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، والمعنى: الزموا الإسلام -لأن الموت ليس بأيدينا- واثبتوا على الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم وأنتم ثابتون على الإسلام. فالمقصود النهي عن حال بخلاف حال الإسلام وقت الموت، نظير ذلك قوله: لا تصل إلا وأنت خاشع، هل هذا نهي عن الصلاة؟ ليس نهياً عن الصلاة، ولكنك تنهاه عن ترك الخشوع في حال الصلاة، فهذه إشارة إلى أن الموت على حال غير حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه، وأنه ليس بموت السعداء، كما تقول في الأمر: مت وأنت شهيد، فليس مرادك الأمر بالموت، ولكن أن يكون على صفة الشهداء إذا مات، وهذه أشرف ميتة ينبغي أن يموت عليها الإنسان إذا أتاه الموت، وهي أن يموت على صفة الشهداء؛ لأن لها فضلية على غيرها. وقد قرر سبحانه وتعالى بهذه الآيات بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية، وبرأ خليله والأنبياء من ذلك.
تفسير قوله تعالى: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت)
تفسير قوله تعالى: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت) لما حكى الله عن إبراهيم عليه السلام أنه بالغ في وصية بنيه بالدين وبالإسلام ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك، تأكيداً للحجة على اليهود والنصارى، ومبالغة في البيان، لقوله تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:133]، قوله تعالى: (أم كنتم شهداء) يقول السيوطي: ولما قال اليهودي للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم أن يعقوب لما مات أوصى بنيه باليهودية؟ فنزل: (أم كنتم شهداء) (شهداء) هنا معناها حضوراً، وهذا مثل قوله تعالى حكاية عن المنافقين: {قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} [النساء:72] يعني حاضراً، كذلك هنا قوله تعالى: (أم كنتم شهداء) يعني: أكنتم حضوراً أيها اليهود ساعتها؟ وكيف تزعمون علم ما لم تشهدوه ولم تحضروه؟ (إذ حضر يعقوب الموت) إذ (قال لبنيه) بدل من (إذ) قبله، (إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي) يعني من بعد موتي، فهذا ما ينبغي أن يكون عليه اهتمام الإنسان إذا حضره الموت: أن يوصي أولاده وذريته بالثبات على ملة الإسلام، لا أن ينشغل بأمور الدنيا وينسى هذه الوصية الخطيرة. {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا} [البقرة:133] هذا بدل من إلهك، (ونحن له مسلمون) وقد عد إسماعيل من الآباء. قولهم: (نعبد آلهك) الخطاب ليعقوب، (وإله آبائك) من آباؤه؟ (إبراهيم وإسماعيل وإسحاق)، فإسحاق هو أبو يعقوب عليه السلام، أما إسماعيل فهو عمه، فعد إسماعيل من الآباء على سبيل التغليب؛ لأن العم بمنزلة الأب، كما أن الخالة بمنزلة الأم؛ لاجتماعهما في الأخوة، فهذه أخت الأم، وهذا أخو الأب. و (أم) هذه للإنكار في قوله تعالى: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت)، والمقصود بهذا الإنكار: أنكم لم تحضروه وقت موته، فكيف تنسبون إليه ما لا يليق به؟ (تلك أمة قد خلت) الإشارة هنا إلى إبراهيم ويعقوب وبنيهما، لكنه أنث لتأنيث خبره، (تلك أمة) فالخبر -وهو (أمة) - مؤنث، فلذلك أنث لفظ الإشارة، مع أن المقصود به إبراهيم ويعقوب وبنيهما. (خلت) أي: سلفت ومضت، (لها ما كسبت) من العمل، والمقصود: لها ما كسبت من جزاء العمل، (ولكم ما كسبتم) هذا استئناف، والخطاب هنا لليهود، (ولكم ما كسبتم) ما عملتم، أو ثواب أو جزاء ما عملتم، (ولا تسئلون عما كانوا يعملون) كما أنهم لا يسألون عن عملكم، والجملة تأكيد لما قبلها. قوله تعالى: (أم كنتم شهداء) يعني: ما كنتم حاضرين حينئذ، فهذه (أم) المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، يعني: بل أكنتم حضوراً، فهذا إنكار يفيد التقريع والتوبيخ، والشهداء جمع شهيد أو شاهد، بمعنى الحاضر. وقوله: (إذ حضر يعقوب الموت) هل كان حضر الموت بالفعل؟ المقصود مقدمات الموت. (إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي) أي: أي شيء تعبدونه بعد موتي؟ والمقصود من ذلك: أن يقررهم بالثبات على الإسلام والتوحيد، وأخذ الميثاق منهم على الثبات عليهما. انظر إلى همة الأنبياء عند فراق الدنيا! اهتمامهم هو بأعظم شيء في الوجود، وهو توحيد الله سبحانه وتعالى.
الإسلام ملة الأنبياء قاطبة
الإسلام ملة الأنبياء قاطبة قوله تعالى: (قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) هذا العطف عطف بيان على (آبائك)، وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه؛ لأن العم أب والخالة أم، لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوة، إذ لا تفاوت بينهما، ومنه حديث الترمذي عن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ عمر في العباس: (إن عم الرجل صنو أبيه) أي: مثل أبيه، ولا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة، ومعنى صنوان وغير صنوان: النخلة ذات الساقين من جذر واحد، فكذلك عم الرجل صنو أبيه، يعني أنه لا تفاوت بين الأب والعم كما لا تفاوت بين صنوي النخلة، وفي الصحيحين عن البراء رفعه: (الخالة بمنزلة الأم) متفق عليه. (إلهاً واحداً) أي: نعبد إله آبائك إلهاً واحداً، والمقصود به: التبرؤ من الشرك للتصريح بالتوحيد. ثم أخبروا بعد التوحيد بإخلاصهم في عبادتهم لقولهم: (ونحن له مسلمون) أي: لله وحده لا لأب ولا لغيره، (مسلمون) أي: مطيعون خاضعون، كقوله تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران:83]. والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]، والآيات في الباب كثيرة. أما الأحاديث فمنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد وأمهاتنا شتى) أولاد العلات هم أولاد الضرائر، من صلب رجل واحد والأمهات مختلفة، فكذلك الأنبياء إخوة لعلات، إخوة في العقيدة، دينهم واحد، وكلهم دعاة إلى الإسلام، وإلى لا إله إلا الله، فكل رسالة أرسل بها نبي إلى قومه تتكون من شقين: شق مشترك بين جميع الأنبياء: لا إله إلا الله، ثم الشق الثاني: بيان الإيمان بالرسول الذي أرسل إليهم، فمثلاً: في عهد نوح عليه السلام: لا إله إلا الله، نوح رسول الله، وفي عهد موسى عليه السلام: لا إله إلا الله، موسى رسول الله، وفي عهد عيسى عليه السلام: لا إله إلا الله، عيسى رسول الله، فإذا كانت لا إله إلا الله تشير إلى توحيد العبادة، فإن الشهادة الثانية تشير إلى توحيد الطريق الموصل إلى الله في عهد ذلك النبي، ونوح رسول الله لقومه خاصة، لأنه لم يبعث إلى البشر كافة إلا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.
عبر وفوائد من وصية إبراهيم ويعقوب لبنيهما
عبر وفوائد من وصية إبراهيم ويعقوب لبنيهما اشتمل نبأ وصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام لبنيهما على دقائق مرغبة في الدين، منها: أنه تعالى لم يقل: وأمر إبراهيم بنيه، وإنما قال تبارك وتعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه) فلفظ الوصية أوكد من الأمر؛ لأن الإنسان يوصي عند الخوف من الموت، كما قال الله: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ} [المائدة:106]، فهي أخطر لحظة في حياة الإنسان، حين ينتقل إلى الدار الآخرة، حين يصدق الكاذب ويتوب المسرف، ففي هذا الوقت -وقت الخوف من حضور الموت- تكون الوصية مخلصة، وبأهم شيء يريد الإنسان أن يتركه لمن يوصيهم، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم، لأنه مقبل على الله سبحانه وتعالى، فدل على الاهتمام بالموصى به والتمسك به. ومنها: أنهما خصصا بنيهما بذلك؛ لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم، فلما أوصياهما بذلك في آخر عمرهما علمنا أن اهتمامهما بذلك كان أشد من اهتمامهما بغيره. ومنها: أنهما عليهما السلام ما مزجا بهذه الوصية وصية أخرى، وما خلطا بالوصية بالتوحيد أي وصية أخرى، لا بمال ولا بشيء من الدنيا، ولا بأي قضية أخرى، وإنما محضا النصح بالتوحيد فقط، فهذا يدل على خطورة مثل هذه الوصية، وشدة الاهتمام بأمر التوحيد، وكان يمكن أن يوصيا أولادهما بأمور أخرى كثيرة مهمة، حتى من قضايا الدين، لكنهما اصطفيا واختارا أهم المهم، وأعلى مطالب الدين، وهو الذي من أجله خلقت السماوات والأرض، ومن أجله خلقت الجنة والنار، وهو توحيد الله تبارك وتعالى، ولم يمزجا الوصية بأي وصية أخرى، لشدة الاهتمام في هذا الموقف الخطير بقضية التوحيد.
تفسير قوله تعالى: (تلك أمة قد خلت)
تفسير قوله تعالى: (تلك أمة قد خلت) قال الله تبارك وتعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة:134]، أمة ترد في القرآن وفي لغة العرب بعدة معان، منها: أن تأتي بمعنى فترة من الزمان، كقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف:45]، يعني بعد فترة زمنية، وبعد حين وزمان. ومنها: أن تأتي بمعنى الدين والملة، والدليل قوله تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء:92]، يعني ملة واحدة هي ملة الإسلام، والخطاب للأنبياء عليهم السلام، كذلك أيضاً قوله تعالى حاكياً عن المشركين: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف:22] أي: ملة ودين. ومنها: الأمة بمعنى الشعب أو الجيل أو الجماعة كما في هذه الآية. وهناك معان في اللغة العربية لا بأس بإيرادها استطراداً: الأمة بمعنى قامة الإنسان، فتقول مثلاً: هذا رجل حسن الأمة، يعني حسن القامة. ومنها: الأمة الشجة التي تبلغ الدماغ، إذا شج الإنسان في رأسه حتى بلغت الدماغ فهذه تسمى أمة، يقال: رجل مأموم، ورجل أليم، يعني جرح جرحاً، أو شج حتى وصل أو بلغ الشج الدماغ. أيضاً الأمة بمعنى: أم، تقول: هذه أمة زيد، أي هذه أم زيد. والمقصود هنا بقوله: (تلك) إشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبنيهما الموحدين، (أمة) دين وجماعة، (قد خلت) سلفت ومضت، (لها ما كسبت) في إسلامها من الاعتقادات والأعمال والأخلاق، (ولكم ما كسبتم) مما أنتم عليه من الهوى الخاص بكم، ولا يسألون هم عن أعمالكم ولا تسألون أنتم عما كانوا يعملون، والمعنى: أن أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدماً كان أو متأخراً، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم. قال الرضي: (هذه الآية دالة على بطلان التقليد؛ لأن قوله: (لها ما كسبت) يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزاً لكان كسب المتبوع نافعاً للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلباً منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنتبهوا على ما يلزمكم، فتستدلوا على الإيمان والتوحيد، وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق، يعني اتبعوهم لكن ببصيرة، اتبعوهم، ولكن عن طريق النظر في أدلة التوحيد)، ومعلوم أن اتباع الأنبياء عليهم السلام والإيمان بهم لا يسمى تقليداً، وهذا مما يرد به على الرضي، فاتباع الأنبياء عليهم السلام لا يسمى تقليداً؛ لأنه خارج عن حده المقرر في كتب الأصول؛ لأن كلام الأنبياء هو الدليل، لكن غير الأنبياء إذا اتبعتهم بدون دليل فهذا هو التقليد، أما الأنبياء فكلامهم نفسه حجة؛ لأنهم مؤيدون بالمعجزات التي تدل على أنهم مرسلون من قبل الله تبارك وتعالى.
البقرة [135 - 143]
تفسير سورة البقرة [135 - 143]
تفسير قوله تعالى: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا) الإسلام كان وصية إبراهيم لبنيه ويعقوب، ومع هذا لم يمتثل اليهود هذا التوجيه وهذا النصح، ولم يهتدوا بالأصفياء من أسلافهم، وإنما صاروا دعاة إلى الكفر، قال تبارك وتعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [البقرة:135] مع كل هذا الذي ذكره الله سبحانه وتعالى من شأن التوحيد وملة إبراهيم عليه السلام لم يمتثلوا الهداية، وإنما صاروا دعاة إلى الكفر! يقول السيوطي رحمه الله عند قوله تعالى: (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا): أو هنا للتفصيل، يعني: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى، وقائل الأول (كونوا هوداً) هم يهود المدينة، وقائل الثاني (كونوا نصارى) هم نصارى نجران. (قل بل ملة إبراهيم حنيفاً) قل لهم: بل نتبع ملة إبراهيم، يعني لن نتبعكم أنتم في دعوتكم إلى اليهودية أو النصرانية، بل نتبع ملة إبراهيم، فلذلك نصب بتقدير فعل نتبع، أي بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً، وحنيفاً: حال من إبراهيم، يعني مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيم. (وما كان من المشركين) هذه تبرئة لإبراهيم الخليل عليه السلام من الشرك. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: (وقالوا) أي: الفريقان من أهل الكتاب (كونوا هوداً) يعني قالت اليهود: كونوا هوداً تهتدوا، والنصارى قالوا: كونوا نصارى تهتدوا. قوله تعالى: (قل بل ملة إبراهيم) بل نتبع ملة إبراهيم، ونهتم بسنته، ولا نتحول عنها كما تحولتم.
معنى الحنيف في اللغة
معنى الحنيف في اللغة (حنيفاً) يعني: نتبع إبراهيم حال حنيفيته، مستقيماً أو مائلاً عن الباطل إلى الحق، لأن الحنَف محركة يطلق على الاستقامة، ومنه قيل للمائل الرجل: أحنف، كما هو الحال في الطفل الذي يصاب بالكساح في عظامه، فيحصل تقوس وميل وانحراف في ساقيه، فهذا هو الحنف، فالعرب يسمون الرجل المائل أو الشيء المائل حنيفاً أو أحنف، وهذه عادة العرب كما يسمون اللديغ سليماً تفاؤلاً له بالسلامة، وأن تئول حاله وعاقبته إلى السلامة، فكذلك أطلقوا على الرجل المائل أحنف تفاؤلاً باستقامة حاله، وكذلك المكان المهلك يسمونه مفازة، يعني منجاة، تفاؤلاً أن تنتهي به إلى النجاة، ويطلق الحنف أيضاً في اللغة على الاستقامة، فالحنيف المستقيم على إسلامه لله تعالى؛ المائل عن الشرك إلى دين الله سبحانه وتعالى، وهذا المصطلح يتكرر كثيراً جداً في القرآن وفي السنة، فعلينا أن نهتم به اهتماماً زائداً، والحنيف فيها قولان: أحدهما: أنه المائل إلى العبادة، الذي يميل عن الدنيا واللهو إلى العبادة. قال الزجاج: الحنيف في اللغة المائل إلى الشيء، أخذاً من قولهم: رجل أحنف، وهو الذي تميل قدمه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها، قالت أم الأحنف ترققه وتقول له: والله لولا حنف برجله ودقة في ساقه من هزله ما كان في فتيانكم من مثله هذا المعنى الأول، الحنيف المائل إلى العبادة. المعنى الثاني: الحنيف يعني المستقيم، ومنه قيل للأعرج: حنيفاً، نظراً له إلى السلامة. وقيل: الحنيف المخلص الذي يوحد الله ويحج ويضحي ويستقبل الكعبة.
شرك اليهود والنصارى
شرك اليهود والنصارى لما أثبت الله إسلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله: (وما كان من المشركين)، وفيه تعريض بأهل الكتاب، وإيذان ببطلان دعواهم باتباعه عليه السلام مع إشراكهم بقولهم: (عزير بن الله والمسيح ابن الله)، وهذا شرك. وقد أفادت هذه الآيات الكريمة أن ما عليه الفريقان محض ضلال وارتكاب بطلان، وأن الدين المرضي عند الله الإسلام، وهو دعوة الخلق إلى توحيده تعالى وعبادته وحده لا شريك له، ولما خالف المشركون هذا الأصل العظيم بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بدعوة الناس جميعاً إلى هذا الأصل، ولهذا أردف الله تبارك وتعالى قولهم هذا بقوله: (قولوا آمنا) وهذا أمر بالتوحيد.
تفسير قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا)
تفسير قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا) قال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:136]، يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (قولوا) هذا خطاب للمؤمنين (آمنا بالله) وحده (وما أنزل إلينا) من القرآن (وما أنزل إلى إبراهيم) وهي الصحف العشر (وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) التفسير المشهور في الأسباط أنهم أولاد يعقوب عليه السلام، لكن القاضي محمد كنعان صاحب حاشية قرة العينين أتى بتنبيه يتعلق بأولاد يعقوب فقال: أولاد يعقوب وهو إسرائيل عليه السلام، اتفق العلماء على أن يوسف بن يعقوب نبي، أما إخوته فقد قال بعضهم: إنهم أنبياء، ودليلهم على ذلك: أنهم هم المعنيون بقوله تعالى: (والأسباط) الذين هم أولاد يعقوب عليه السلام. ولكن الصواب: أن إخوة يوسف العشرة، ما عدا بنيامين ليسوا بأنبياء قطعاً؛ لأن ما صدر عنهم نحو أخيهم يوسف ووالديهم لا يصدر مثله من أنبياء، بل ولا يرضون بمثله، والأنبياء معصومون من مثل هذه الأشياء الشنيعة التي فعلها إخوة يوسف عليه السلام به وبأبيهم. قال القاضي عياض في الشفا: وأما إخوته فلم تثبت نبوتهم، وقال ابن كثير: لم يقم دليل على نبوتهم، وبمثله قال القرطبي والرازي، وقال السيوطي في رسالة سماها: رفع التعسف عن إخوة يوسف: لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين نبوتهم، وقال ابن كثير: ومن استدل على نبوتهم بقوله تعالى: (والأسباط) فليس استدلاله بقوي؛ لأن المراد بالأسباط شعوب بني إسرائيل، وكان يوجد فيهم من الأنبياء الذين نزل عليهم الوحي من السماء. فبطون بني إسرائيل يقال لهم: أسباط، كالقبائل في العرب، وكالشعوب في العجم، ولا وجه لتفسير الأسباط بأولاد يعقوب لصلبه، بل هي تعني الجماعات الكثيرة. (وما أوتي موسى) يعني من التوراة (وعيسى) من الإنجيل (وما أوتي النبيون من ربهم) من الكتب والآيات، (لا نفرق بين أحد منهم) فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كاليهود والنصارى (ونحن له مسلمون). قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم) بين الله عز وجل في سورة الأعلى أن الذي أنزل إلى إبراهيم كان صحفاً، كما قال: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى:18 - 19] أما صحف موسى فهي التوراة. (قُولُوا) يعني: أيها المؤمنون، وفيه إظهار لمزية فضل الله عليهم، حيث يلقنهم ولا يستنطقهم. (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ) يعني: آمنا بالأحكام التي كانوا متعبدين بها، (وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى) من التوراة كما قال: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [الأنعام:154] وهي التوراة بالإجماع، {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ} [الحديد:27]. (وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) يعني ذكرهم وذكر وغيرهم، (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) في الإيمان، وليس هذا في التفضيل؛ لأنه ثبتت المفاضلة بين الأنبياء {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:35]، ورسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فضل على سائر الأنبياء والمرسلين في الدنيا وفي الآخرة، فمعنى (لا نفرق بين أحد منهم) يعني: في الإيمان، نؤمن بهم جميعاً، ولا نكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى حيث كفر اليهود بعيسى وبمحمد عليهما الصلاة والسلام، وكفرت النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم. (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي: منقادون، وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا). وتلقين الله سبحانه وتعالى للمؤمنين بأن يقولوا هذه الشهادة العظيمة فيه إظهار لمزية فضل الله عليهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى يلقنهم ماذا يقولون تعبيراً عن إيمانهم وعقيدتهم في هذه الأمور الجسيمة. وقد بين تبارك وتعالى في موضع آخر أن المؤمنين استجابوا لهذا الأمر، وفعلوا ذلك، وامتثلوا تكليف الله سبحانه وتعالى لهم، فهنا قال: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:136]؛ فبين في آخر سورة البقرة أنهم امتثلوا هذا الأمر بقوله: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة:285] إلى آخر الآيات، وذكر جزاءهم على ذلك في آية أخرى فقال عز وجل: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:152].
تفسير قوله تعالى: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا)
تفسير قوله تعالى: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا) يقول تبارك وتعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:137] (فإن آمنوا) أي: اليهود والنصارى، (بمثل ما آمنتم به) يقول السيوطي: مثل زائدة، والمقصود: فإن آمنوا بالذي آمنتم به، (فقد اهتدوا وإن تولوا) عن الإيمان به، (فإنما هم في شقاق) أي: في خلاف معكم، (فسيكفيكهم الله) يعني: سيكفيك الله -يا محمد صلى الله عليه وسلم- شقاقهم، (وهو السميع) لأقوالهم، (العليم) بأحوالهم، وقد كفاه إياهم بقتل بني قريظة ونفي بني النضير وضرب الجزية عليهم.
تفسير قوله تعالى: (صبغة الله)
تفسير قوله تعالى: (صبغة الله) قوله تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ} [البقرة:138] هذا مصدر مؤكد لآمنا، ونصبه بفعل مقدَر، يعني صبغنا الله صبغة الله، فصبغنا الله بهذا التوحيد الذي نحن عليه، والمراد دينه الذي فطر الناس عليه، يقول السيوطي: والمراد بها دينه الذي فطر الناس عليه لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب، أليس الثوب إذا صبغته وغمسته في لون معين ينصبغ بهذا اللون ويظهر عليه أثره؟! كذلك نحن فطرنا الله على التوحيد، وظهر علينا أثر هذا التوحيد باعترافنا بتوحيد الله تبارك وتعالى. {وَمَنْ أَحْسَنُ} [البقرة:138] يعني: لا أحد أحسن من الله صبغة، {صِبْغَةً} [البقرة:138] هنا تمييز، {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة:138]. قوله تعالى: (صبغة الله) كأنه قيل صبغنا الله صبغة، أي: صبغ قلوبنا بالهداية والبيان صبغة كاملة لا ترتفع بالشبه، ولا تغلب صبغة غيره عليها، فصبغة الإسلام والتوحيد لا يمكن أبداً أن تتغير أو تتبدل أو يحل غيرها محلها، والصِبغة بالكسر ما يصبغ به وتلون به الثياب، فوصف الإيمان بذلك لكونه تطهيراً للمؤمنين من أوضار الكفر وحمية وتنزيهاً لهم بآثاره الجميلة، ومتداخلاً في قلوبهم، كما أن فعل الصبغ بالنسبة إلى الثوب كذلك، يقال: صبغ يده بالماء غمسها فيه، يقول ثعلب: دع الشر وانزل بالنجاة تحرزاً إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ وقال الراغب: الصبغة إشارة من الله عز وجل إلى ما أوجده في الناس من بدائه العقول التي ميزنا بها من البهائم، ووشحنا بها. صبغنا بالفطرة وبالعقل كي يقودنا هذا العقل إلى التفكر والوصول إلى التوحيد، ووشحنا بها لمعرفته ومعرفة حسن العدالة وطلب الحق، وهو المشار إليه بالفطرة في قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم:30]، وهو المعني بقوله عليه السلام: (كل مولود يولد على الفطرة)، وتسمية ذلك بالصبغة من حيث أن قوى الإنسان التي ركب عليها تجري مجرى الصبغة التي هي زينة المصبوغ. ولما كانت النصارى إذا لقنوا أولادهم النصرانية يقولون: صبغناه، وهو التعميد، فهم يصبغون المولود في الماء المقدس عندهم، والذي لا يغمس في هذا الماء فإنه لا تصح نصرانيته، ولا يدخل الملكوت الأحمر! فبين تعالى أن الإيمان بمثل ما آمنتم به هو صبغة الله وفطرته التي ركزها في الخلق، ولا أحد أحسن صبغة من الله تبارك وتعالى، وقال بعض المفسرين كـ الحسن وقتادة ومجاهد: (صبغة الله) دين الله، وقال بعضهم: إنها الشريعة، وقال بعضهم: هي الختان، وهي إشارة إلى مغزى واحد؛ لأن الختان من مقتضى هذه الشريعة. (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) استفهام للإنكار وللنفي، يعني لا صبغة أحسن من صبغته تعالى؛ لأنها صبغة قلب لا تزول لثباتها لما تولاها الحفيظ العليم، وهذه الصبغة من نوع الصبغات التي لا تزول أبداً؛ لأنها فطرة الله، ومن يصبغ مثل ما صبغنا الله؟! هو الذي صبغنا بالتوحيد والإسلام، بخلاف هذه الصبغة التي يفعلها هؤلاء؛ فيصبغ الله قلوبنا بالتوحيد صبغة لا تزول لثباتها؛ لأن الذي يتولاها هو الحفيظ العليم، فلا يرتد أحد عن دينه سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه، ولذلك كان من ضمن أسئلة هرقل لـ أبي سفيان في شأن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ أي: هل يوجد من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه بعدما يدخل في الإسلام ينتكس ويرتد عنه؟ فذكرت أن لا، يعني لا أحد من الصحابة رضي الله عنهم يرتد بعد أن يدخل في الإسلام، ثم قال: وسألتك هل يرتد أحد منهم بعد أن يدخل فيه سخطة عليه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب. فهذا فيه إشارة إلى نفس هذا المعنى الذي نذكره الآن. (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) يعني هذه الصفة لا تزول بتوفيق الله تبارك وتعالى، فهذا فيه معنى الابتهاج والفخر والاعتزاز بهذه الصبغة، فتباً وسحقاً للذين يريدون أن يحرفونا عن صبغة الله التي اصطفاها لنا، وهي الشرف بهذا الإسلام وباتباع خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام. {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة:138] يعني: شكراً له على هذه النعمة أن فطرنا على التوحيد، وصبغنا بصبغة الإسلام والإيمان، فنحن نشكر الله على نعمته هذه، ونشكر له سائر نعمه بأن نكون له وحده عابدين، ولذلك قال تعالى: (ونحن له عابدون) شكراً لتلك النعمة ولسائر نعمه، فكيف تذهب عنا صبغته ونحن نؤكدها بالعبادة، ونقويها بها؟ والعبادة تزيل رين القلب فينطبع فيه صورة الهداية، وهو عطف على (آمنا) داخل معه تحت الأمر (ونحن له عابدون).
تفسير قوله تعالى: (قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم)
تفسير قوله تعالى: (قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم) قال الله تبارك وتعالى: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} [البقرة:139] قل لهم: (أتحاجوننا) أي: أتخاطبوننا وتجادلوننا (في الله) أن اصطفى نبياً من العرب، ولم يكن هذا النبي من بني إسرائيل؟ (وهو ربنا وربكم)؛ فنحن سواء في هذه العبودية لله، فله أن يصطفي من عباده من يشاء، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} [القصص:68]، ليس لكم الخيرة، فالله سبحانه وتعالى كلنا سواء أمامه في العبودية، وكلنا مربوبون له، فله أن يصطفي من عباده من يشاء سبحانه وتعالى، وهو ربنا وربكم (ولنا أعمالنا) أي نجازى بها (ولكم أعمالكم) تجازون بها، فلا يبعد في أن يكون في أعمالنا ما نستحق به الإكرام، أو في أعمالكم ما تجازون عليه، فكلانا عبد مربوب لله تبارك وتعالى، فلا يبعد بعدما استوينا في هذه الأمور أن يكون في أعمالنا ما نستحق به إكرام ربنا، وقد كان بالفعل، فكانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، (ونحن له مخلصون) في الدين والعمل دونكم، فبالتالي نحن أولى بالاصطفاء. قوله: (قل أتحاجوننا) استفهام إنكاري، والجمل الثلاث أحوال، (أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم)، هذه جملة حال، (ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم)، حال ثانية، (ونحن له مخلصون) حال ثالثة. قوله تعالى: (قل أتحاجوننا) المحاجة المخاصمة في الدين، (قل) منكراً لمحاجتهم وموبخاً لهم عليها، (أتحاجوننا في الله)، أي: أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له، واتباع الهدى، وترك الهوى؟ (وهو ربنا وربكم) يعني المستحق لإخلاص العبودية له وحده لا شريك له ونحن وأنتم في العبودية له سواء (ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم) أي: نحن برآء منكم ومما تعبدون، وأنتم برآء منا، كما قال في الآية الأخرى: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس:41]، وقال تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} [آل عمران:20]. (ونحن له مخلصون) في العبادة والتوجه لا نشرك به شيئاً، بينما أنتم تشركون به عزيراً والمسيح والأحبار والرهبان.
تفسير قوله تعالى: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق)
تفسير قوله تعالى: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) لم يبق من البهت والكذب والافتراء والدعوى إلا أن اليهود يدعون أن أسلافهم كانوا على دينهم، فقال الله تبارك وتعالى موبخاً لهم: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:140]، يقول تعالى: (أم تقولون)؛ (أم) هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، وفيها إضراب عما قبلها، يعني: بل أتقولون، وهي بالياء في قراءة أخرى (يقولون). (قل) قل لهم: (أأنتم أعلم أم الله) والمقصود: أن الله أعلم، وقد برأ إبراهيم بقوله: (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً) فالذي أخبر هو الله سبحانه وتعالى، وهم ما شهدوا هذا الحال، فالله سبحانه وتعالى يبطل دعواهم بأن إبراهيم والمذكورين بعده من أبنائه كانوا هوداً أو نصارى (قل أأنتم أعلم أم الله) ف A أن الله أعلم، والله الذي هو أعلم منكم أخبر بأنه: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران:67] والمذكورون بعده تبع له؛ لأن المذكورين كما اتضح من سياق الآيات من يعقوب وبنيه كانوا جميعاً تبعاً لإبراهيم عليه السلام على ملة الإسلام. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} [البقرة:140] كتم يعني أخفى، (شهادة عنده) أي: كائنة عنده، (من الله) أي: لا أحد أظلم من هذا، وهم اليهود الذين كتموا شهادة الله في التوراة لإبراهيم بالحنيفية ولعقيدة التوحيد، (وما الله بغافل عما تعملون)، وهذا فيه تهديد لهم.
تفسير قوله تعالى: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم)
تفسير قوله تعالى: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم) قال تبارك وتعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة:141]، لما ذكر تعالى حسن طريقة الأنبياء المتقدمين، ولم يدع لليهود متمسكاً من جهتهم؛ أتبع ذلك الإشارة إلى أن الدين دائر مع أمره في كل زمان، وأنه لا ينفعهم إلا ما كانوا عليه بحكم ما تجدد من المنزل المعجز لكافة أهل الأرض أحمرهم وأسودهم. معنى الكلام: عليكم بترك الكلام في تلك الأمة، لا تجادلوا هذه الأمة المحمدية، أو المقصود: عليكم بترك الكلام في تلك الأمة الماضية، ولا تشتغلوا بالكلام بعد كل هذا في إبراهيم وإسماعيل وادعاء أنهما كانوا على اليهودية أو النصرانية، دعوكم من هذا، (تلك أمة قد خلت)، والإشارة إلى المذكورين في قوله: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة:140]، عليكم بترك الكلام في تلك الأمة، فلها ما كسبت، وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك أنفع لكم، وأعود عليكم بالنفع والفائدة، ولا تسألون إلا عن عملكم. قال الراغب: إعادة هذه الآية من أجل أن العادة مستحكمة في الناس صالحهم وطالحهم أنهم يفتخرون بآبائهم ويقتدون بهم في متحرياتهم، سيما في أمور دينهم، ولهذا حكى عن الكفار قولهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف:23]، فأكد الله تعالى الكلام هنا بأننا ينبغي ألا نقلد الآباء والأجداد، وألا نفتخر بما كان عليه الآباء والأجداد، وقد ذكر هذا على أثر ما حكى من وصية إبراهيم ويعقوب بنيه بذلك؛ تنبيهاً على أن الأمر سواء كان على ما قلت أو لم يكن، فليس لكم ثواب فعلهم ولا عليكم عقابه، يعني: سواء هذا الذي ذكرناه عن إبراهيم وإسماعيل وقع أو لم يقع، فأنتم غير مسئولين عن أفعالهم، فلا أنتم تثابون بأفعالهم ولا تعاقبون على مخالفاتهم إن فرض ذلك، وإنما: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، هذا لا يعنيكم أنتم، الآن انظروا فيما يدعوكم إليه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ولما ذكر ادعاءهم اليهودية والنصرانية لآبائهم عاب أيضاً عليهم تأكيداً وتنبيهاً على نحو ما قال: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء:13]، وقوله: (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور:21]، وقوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286]، وقوله: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164]، ولما جرت به عادتهم وتفردت به معرفتهم، يعني كما يقول العرب: كل شاة تناط برجليها، يعني تعلق برجليها، يعني لها حالها المستقل، ولا شأن لها بالآخرين.
تفسير قوله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها)
تفسير قوله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) قال الله تبارك وتعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة:142]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (سيقول السفهاء) الجهال (من الناس) الناس المقصود بهم هنا اليهود والمشركون، (ما ولاهم) يعني: أي شيء صرف النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي عن استقبالها في الصلاة وهي بيت المقدس، والإتيان بالسين في: (سيقول) دالة على الاستقبال، وهي من الإخبار بالغيب، فهذا من علامة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. (قل لله المشرق والمغرب) أي: أن الجهات كلها ملك لله، فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء فلا اعتراض عليه. (يهدي من يشاء إلى صراط) أي: طريق مستقيم، وهو دين الإسلام، ومنهم أنتم، دل على هذا قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143] يعني: أنتم -أيها المخاطبون- خير أمة أخرجت للناس، ومن أجل ذلك جعلناكم أمة وسطاً.
أحاديث تحويل القبلة
أحاديث تحويل القبلة روى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت)، كان يحن إلى قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، إلى الكعبة المشرفة، لكن في البداية صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت (وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه القوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد لله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت)، وهذا يؤخذ منه قبول خبر الواحد، وجواز العمل بخبر الواحد. وروى مسلم عن البراء رضي الله عنه نحو ما تقدم، ولفظه: (صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم صرفنا نحو الكعبة). وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (بينا الناس في قباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة)، وهذا لفظ مسلم. فالأحاديث في تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة متواترة، وفي هذا كفاية، وهذه الآية دليل واضح وبين على أن في أحكام الله تبارك وتعالى وفي كتابه ناسخاً ومنسوخاً، وهذا مما أجمعت عليه الأمة إلا من شذ، وإنكار الناسخ والمنسوخ هو من البدعة والضلالة ومن الشذوذ عن إجماع أمة المسلمين، فهذه الآية من أوضح الأدلة على وقوع النسخ في أحكام الله تبارك وتعالى.
رد الله على السفهاء منكري تحويل القبلة
رد الله على السفهاء منكري تحويل القبلة أعلم الله تعالى نبيه والمؤمنين أن فريقاً من الناس سينكرون تغيير القبلة، وسماهم سفهاء، فقال: (سيقول السفهاء) جمع سفيه، وهو الخفيف الحلم والأحمق والجاهل، من قولهم: ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج، وقال أبو السعود (سيقول السفهاء) أي: الذين خفت أحلامهم وعقولهم بالتقليد والإعراض عن التدبر والنظر. (ما ولاهم) أي: أيُ شيء صرفهم (عن قبلتهم التي كانوا عليها) أي: ثابتين على التوجه إليها، وهي بيت المقدس، ومدار الإنكار يختلف، إن قلنا: إن هؤلاء السفهاء من اليهود فيكون مدار الكلام والإنكار يختلف عما لو قلنا: إن هؤلاء السفهاء هم المشركون، إذا قلنا: إن المقصودين بقوله تعالى: (سيقول السفهاء) اليهود فمدار الإنكار كراهتهم للتحول عن بيت المقدس إلى الكعبة؛ لأنها قبلتهم، واليهود كانوا يحبون ذلك الثبات، أما إذا كانوا غير اليهود من المشركين فمدار الإنكار يراد به الطعن في الدين والقذف في أحكامه. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن القائلين هم اليهود، وعن الحسن: أنهم مشركو العرب، وعن السدي: أنهم المنافقون، قالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. يقول الإمام الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى بعدما ذكر قول ابن عباس والحسن والسدي: ولا تنافي بين أقوالهم، فكل قد عابوا، وكل سفهاء.
إرهاصات ما قبل تحويل القبلة
إرهاصات ما قبل تحويل القبلة قوله تبارك وتعالى هنا: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) سبق أن أشرنا أن سنة الله تبارك وتعالى في الآيات العظام وفي الأمور الجسيمة أن يسبقها بإرهاصات تمهد القلوب لتقبل هذا الأمر الجديد، فهناك أمور عجيبة تحصل قبل وقوع الآية العظمى التي ستأتي، من ذلك مثلاً: إذا راجعنا سورة آل عمران تجد أن الله سبحانه وتعالى قدم بين يدي مولد المسيح عليه السلام من غير أب قصة امرأة عمران وزكريا، وكيف أنها رأت كرامات الله التي كان يكرم بها مريم عليها السلام، {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران:37]، ثم يقول تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [آل عمران:38] وهذا تمهيد لحدوث الآية العظمى فيما بعد، فلما رأى هذه الكرامة، وأن الله قادر على أن يرزق من يشاء بغير حساب (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ) فطمع في رحمة الله، فدعا الله سبحانه وتعالى أن يهب له الولد فوهبه الله الولد مع أنه كان قد طعن في السن، فرزقه الله سبحانه وتعالى يحيى عليه السلام، فهذه إرهاصات ومقدمات تمهد القلوب لما هو أعظم مما سيأتي، وهو ميلاد المسيح عليه السلام، وهو من آيات الله سبحانه وتعالى. كذلك نلاحظ أن بعثة النبي عليه الصلاة والسلام حدث غير مجرى تاريخ البشرية كلها، فتجد إرهاصات كثيرة بين يدي بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، من ذلك: حادثة الفيل فقد ولد في نفس السنة، إشارة إلى أن هذا البيت وهذه البلدة وهذه الكعبة يراد بها أمر عظيم، ولذلك حماها الله سبحانه وتعالى من جيش أبرهة لما أراد هذا البيت وأهله بسوء، فحصلت حادثة الفيل، وهي آية من آيات الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ كي تمهد أيضاً القلوب لحدوث مثل هذه المعجزة العظمى، وهذا الأمر المهم، وهو بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك الجن وجدوا أن السماء حرست بالشهب والنيازك، وأنهم لن يستطيعوا أن يسترقوا السمع كما كان يحصل من قبل؛ وهذا أيضاً تمهيد بين يدي بعثته صلى الله عليه وسلم. ومن تلك الإرهاصات: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (رأت أمي كأن نوراً خرج منها أضاءت له قصور الشام). ومن هذه الإرهاصات: هواتف الجن كما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن الجن كانوا ينطقون ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الممهدات، فكلها أمور تمهد لحصول أمر أخطر منها وأعظم. وكذلك هنا أيضاً لو أننا تتبعنا الآيات السابقة في الأرباع الماضية، نجد إرهاصات وتقدمة وتوطئة وتمهيد لهذا الحدث الخطير، وهو حدث تحويل القبلة، وقد بدأت الآيات بالتنويه بدين الإسلام، ونسبة ذلك إلى ملة إبراهيم عليه السلام، وأنه كان مسلماً موحداً، وأن أبا الأنبياء الخليل عليه السلام كان على ملة الإسلام، وكذب من قال: إنه كان يهودياً أو كان نصرانياً. ثم أتت قصة بناء الكعبة المشرفة، وفضل هذه الكعبة، ودعاء إبراهيم وإسماعيل ببعثة النبي عليه السلام بعد ذلك، ثم أتت الآيات تتحدث عن النسخ في آيات الله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} [البقرة:106]، وكل هذا تمهيد للقلوب؛ حتى إذا ما حصل نسخ للقبلة تكون القلوب قد تقبلت هذا الحدث، ولم يبق حجة لأعداء الدين أن يطعنوا وينفذوا من خلال هذه الثغرة، فهذا نوع من الإرهاصات نحو الحدث، وهو الذي ينبه الله أيضاً قبل وقوعه بقوله: (سيقول السفهاء)، فقبل أن يقولوا ينبهنا ويقول: (سيقول السفهاء) ويصفهم بالسفه، وقد كان ذلك بالفعل وقالوا كما أخبر الله تبارك وتعالى، فهذا خبر حصل قبل وقوع الحدث، وفائدته: توطين النفس واستعدادها على ما بعد الحدث.
جواب الله للمشركين بصدد تحويل القبلة
جواب الله للمشركين بصدد تحويل القبلة إن الله تعالى يسلح المؤمنين بالحجج التي يهزمون بها أعداء الله من اليهود والمشركين، سيقول لكم السفهاء من الناس: (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) فاعلموا الجواب من الآن، وقولوا لهم: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة:142] فإن مفاجأة المكروه على النفس أشق وأشد، والجواب شديد على الخصم الألد، مع ما فيه من دلائل النبوة، لماذا؟ لأنه أخبر عليه الصلاة والسلام عن غيب وقد وقع كما أخبر، فيكون ذلك معجزة. (قل لله المشرق والمغرب) هذا جواب عن شبهتهم، وتقريره: أن الجهات كلها ملك لله، فهي لله من ناحية الملكية، وحدود الأرض من مشرقها إلى مغربها كل هذا ملك له تبارك وتعالى، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة، بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى هو الذي جعلها قبلة، فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى أخرى، وما أمر به فهو الحق. (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) هذا فيه تعظيم لأهل الإسلام، وإظهار عناية الله تبارك وتعالى بهم، وتفخيم شأن الكعبة، كما فخمه عند إضافته إليه في قوله تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} [الحج:26]، فهذه إضافة تفخيم وتشريف وتعظيم للكعبة المشرفة، كذلك هنا قال: (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) إشارة كما ذكرنا لتعظيم الكعبة وشرفها، وإشارة إلى شدة عناية الله سبحانه وتعالى بهذه الأمة، حيث امتن عليهم بأن هداهم إلى هذا الحكم، وهو استقبال الكعبة المشرفة.
تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) قال تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة:143]. يقول السيوطي رحمه الله: قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) كذلك كما هديناكم إليه جعلناكم -يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم- أمة وسطاً، يعني: خياراً عدولاً، (لتكونوا شهداء على الناس) يوم القيامة أن رسلهم بلغتهم، (ويكون الرسول عليكم شهيداً) ويشهد عليكم الرسول أنه بلغكم. (وما جعلنا) يعني: ما صيرنا (القبلة) لك الآن الجهة (التي كنت عليها) وهي الكعبة. إذاً: إعراب (التي كنت عليها) مفعول ثانٍ لـ: (جعلنا)؛ لأن (جعلنا) فعل يتعدى لمفعولين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل الكعبة حين يصلي بينه وبين بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة أمر أن يستقبل بيت المقدس، فصلى إليه ستة أو سبعة عشر شهراً، ثم حول عنها. {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة:143] إلا لنعلم علم ظهور، (من يتبع الرسول) أي: يصدقه، (ممن ينقلب على عقبيه) أي: يرجع إلى الكفر شكاً في الدين، وظناً أن النبي صلى الله عليه وسلم في حيرة من أمره، وقد ارتد لذلك جماعة. {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة:143] (إن) مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي: وإنها كانت كبيرة، أي: التولية والانصراف إلى الكعبة، (لكبيرة) أي: شاقة على الناس، (إلا على الذين هدى الله) منهم، (وما كان الله ليضيع إيمانكم) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، بل يثيبكم عليها؛ لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل التحويل؛ لأن الصحابة تساءلوا لما نزل هذا الحكم عن صلاة الذين ماتوا قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة، ولم يدروا ما يقولون فيهم، فأنزل الله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس، وهذا الحديث في البخاري. (إن الله بالناس) الناس المقصود بهم هنا المؤمنون، (لرءوف رحيم) في عدم إضاعة أعمالهم، والرأفة هي شدة الرحمة، وقدم الأبلغ هو الرءوف على الرحيم مراعاة لرءوس الآي.
حجية العمل بالسنة
حجية العمل بالسنة قال تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة:143]. قبل أن نستطرد في شرح هذه الآية، هل في هذه الآية دليل على حجية السنة من القرآن؟ قد نسمع بعض الضالين المنحرفين يقولون: لا حجة إلا في القرآن، ونحن لا نعترف بالسنة! فإذا أردت أن تفحمهم، وتقيم عليهم دليلاً من القرآن نفسه، لو كانوا قرآنيين فعلاً ويحترمون القرآن لالتزموا بهذا الدليل من القرآن، هل هذه الآية تثبت حجية الرسول عليه الصلاة والسلام؟ قوله تعالى: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) جعلنا، النون تعود على الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أن القبلة الأولى هل كانت بشرع الله أم بشرع الرسول عليه الصلاة والسلام؟ الرسول إذا شرع فإنما يشرع بإذن الله، لكنها ثبتت بمعنى آخر عن الله سبحانه وتعالى، فالذي أمر باستقبال البيت هو الله، ومن الذي أمر باستقبال بيت المقدس في أول الأمر؟ هل يوجد في القرآن دليل أو أمر يقول للمسلمين: استقبلوا بيت المقدس في الصلاة؟ أين هذا الدليل؟ الدليل على أن المسلمين كان عليهم أن يستقبلوا بيت المقدس في الصلاة لا نجده في القرآن الكريم، وإنما نجده فقط في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول: (وما جعلنا) فمن الذي جعل؟ هو الله، جعله في السنة؛ لأن السنة وحي مثل القرآن، فهذا من أوضح الأدلة الموجودة في القرآن -وما أكثرها- على حجية سنة النبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) يعني كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل وأفضلها جعلناكم أمة وسطاً، يعني عدولاً خياراً، كما قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] خياراً عدولاً، كقوله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم:28] يعني: أعدلهم وأفضلهم، ويقول زهير: هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) تعليل للجعل المنوه به الذي تمت المنة به عليهم، أي: ما جعلناكم أمة وسطاً إلا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً.
شهادة الرسل على أقوامهم
شهادة الرسل على أقوامهم يتكرر في القرآن الكريم وصف الأمة بالشهادة، ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً بالشهادة، كما في قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب:45]، فالشهود والشهادة هي الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر وإما بالبصيرة، وقد يقال للحضور كقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الأنعام:73]، فكلمة الشهادة أولى بالحضور وإن كانت تقال على الحضور أو المشاهدة بالبصر أو بالبصيرة، لكن الأصل فيها والأغلب أنها تكون في الحضور بالبصر، ويقال للمرأة التي يحضرها زوجها: مشهد، ولذلك سألت عائشة رضي الله عنها المرأة يوماً، قالت لها: أمشهد أم مغيب؟ يعني: زوجك حاضر أم مسافر. وجمع مشهد مشاهد، ومنه مشاهد الحج، لماذا؟ لأنها تحضرها الملائكة ويحضرها الأبرار من الناس، قال تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج:28] يعني: يحضروا، وقال تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا} [النور:2] يحضرون ويرون بالبصر، وقال تعالى حاكياً عن قوم صالح: {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} [النمل:49] ما حضرنا، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان:72] أي: لا يحضرون بنفوسهم ولا يسمعون بإرادتهم مجالس الزور، {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] أي: تحضره ملائكة الليل وملائكة النهار. فالشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر، هذا هو تعريف الشهادة، فأنت حينما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، تعني: أنك بعدما تدبرت ورأيت الآيات واستحضرت معناها شهدت بهذه الآيات على وجود الله سبحانه وتعالى وتوحيده، فالشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر، وليس عن تقليد، وقال تعالى: (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} [الزخرف:19] أي: أحضروا وشاهدوا خلق الملائكة؟ ثم قال تعالى: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ} [الزخرف:19]. ومن ذلك أيضاً قوله تبارك وتعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء:41] أي: على هؤلاء المشركين شهيداً، وقال تبارك وتعالى: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ} [الزمر:69 - 70]، قيل: الشهداء وصف للأنبياء أنفسهم؛ لقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء:41] فشهيد كل أمة هو رسولها، {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} [المائدة:109]. وقال تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف:6]، وقال تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ} [النحل:89]، ويقول تعالى هنا: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] (وسطاً) أي: خياراً عدولاً، ويدل بأن الوسط هم الخيار العدول: قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] وهذا المعنى معروف في لغة العرب، ومنه قول زهير: هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وقوله تعالى: (ويكون الرسول عليكم شهيداً)، لم يبين هل هو شهيد عليهم في الدنيا أو في الآخرة؟ ولكنه بين في موضع آخر أنه يكون شهيداً عليهم في الآخرة، وذلك في قوله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء:41 - 42].
معنى وسطية الأمة
معنى وسطية الأمة يقول القرطبي رحمه الله: قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) المعنى: كما أن الكعبة وسط الأرض، وهذا اكتشاف علمي اكتشف حديثاً، وهناك بحوث علمية مؤكدة بأن مكة هي مركز اليابس على سطح الكرة الأرضية، فانظر كيف استنبط القرطبي هذا المعنى من القرآن، يقول: كما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أيها الأمة أمة وسطاً، أي: جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. أي: أنتم أقل من الأنبياء وفوق كل أمم الأنبياء، فأنتم خير أمة أخرجت للناس، هذا أحد معاني الوسطية. والوسط العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها، وأفضل الأشياء الوسط. وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) قال: (عدلاً)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي التنزيل الكريم: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ} [القلم:28] أي: أعدلهم وخيرهم، وقال زهير: هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وقال آخر: أنتم أوسط حي علموا بصغير الأمر أو إحدى الكبر وقال آخر: لا تذهبن في الأمور فرطاً لا تسألن إن سألت شططاً وكن من الناس جميعاً وسطاً ووسط الوادي خير موضع فيه وأكثره كلأً وماءً، ولما كان الوسط مجانباً للغلو والتقصير كان محموداً، أي هذه الأمة أمة وسط، يعني أنها مبرأة من الغلو أو التطرف كما يقولون على المصطلح الشائع الآن، فالتطرف أخذ الأشياء بطرف الأمور: كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الخوادث حتى أصبحت طرفاً فالأخذ بأطراف الأمور سواء في الإفراط أو التفريط، الغلو أو الجفاء، هو التطرف، وذلك كأن تكون مغالياً في التعامل مع الأمور أو في فهمها، فهذه الأمة مبرأة من هذا الوصف، وكما ذكرنا من قبل مراراً: أن التعريف الوحيد الصحيح للمتطرف: هو كل من عدا المسلم من أهل السنة والجماعة، فكل رجل على غير ملة الإسلام فهو متطرف قطعاً ولا شك في ذلك، فاليهودي والنصراني والمجوسي والمشرك كلهم متطرف، وكل من ليس من أهل السنة والجماعة من المسلمين فهو أيضاً متطرف، فالخارجي متطرف، والمرجئ متطرف، والجبري متطرف، والقدري متطرف وهكذا، في كل قضية هناك طرفان ووسط، فالمعتدل الوحيد في هذا الوجود هو أولاً: المسلم، ثانياً: الذي يكون من أهل السنة والجماعة، وكل من خالفه في عقيدته ومنهجه فهو المتطرف.
شهادة أمة محمد على غيرها من الأمم
شهادة أمة محمد على غيرها من الأمم هذه الأمة أمة وسط لأنها لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم, ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم، فالنصارى غلو حتى عبدوا المسيح عليه السلام، واليهود جفو حتى شتموا الأنبياء وسبوهم ورموهم بعظائم الأمور، وفي الأثر: (خير الأمور أوسطها)، وثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب! فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول الله سبحانه وتعالى لنوح عليه السلام: من يشهد لك؟ فيقول نوح عليه السلام: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، فذلك قوله عز وجل: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)) [البقرة:143]). من أين ستشهد هذه الأمة أن نوحاً بلغ؟! لأنهم يؤمنون بالقرآن، والقرآن حكى لنا أن نوحاً عليه السلام بلغ أمته، وهو خبر الله سبحانه وتعالى الذي لا مراء فيه. وفي رواية ابن المبارك: (ستقول فيكم الأمم: كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟! فيقول لهم الرب سبحانه وتعالى-يعني للمسلمين-: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولاً، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصصت علينا أنهم قد بلغوا، فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الرب: صدقوا، فذلك قول الله عز وجل: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)). وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ثناء الناس على الميت، حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال صلى الله عليه وسلم: هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض)، قال الحافظ: المراد بالوجوب الثبوت؛ لأن الشيء الثابت في صحة الوقوع كالواجب، والأصل أنه لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله والعقاب عدله، لا يسأل عما يفعل. وقال أيضاً في قوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم شهداء الله في الأرض) أي: المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان، والبعض خصص ذلك بالصحابة رضي الله تعالى عنهم، والصواب أن ذلك يختص بالثقات المتقين. ويقول تبارك وتعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا} [النحل:89]، وهذا أيضاً بنفس معنى هذه الآية الكريمة. قوله تبارك وتعالى هنا: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143]، هذه اللام إما أنها لام الصيرورة والعاقبة، وإما أنها لام التعليل، فإذا قلنا: إنها لام الصيرورة والعاقبة، فالمعنى: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً؛ فآل الأمر بهدايتكم وجعلكم وسطاً أن كنتم شهداء على الناس. والناس هنا أهل الأديان الأخرى، وإذا قلنا أنها لام التعليل وهذا هو الأصل فالمعنى: جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا: أي: لأجل أن تكونوا شهداء على الناس أي رقباء عليهم، لدعائهم إلى الحق وإرشادهم إلى الهدى، وإنجائهم مما هم فيه من الزيغ والضلال، كما كان الرسول شهيداً عليكم بقيامه عليكم بما بلغكم وأمركم ونهاكم وحذركم وأنذركم، وعلى هذا القول، فتكون هذه الآية نظير قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110]، فكذلك هنا قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا} [البقرة:143]، وهذا تعليل، أي: كي تكونوا شهداء على الناس، فالوسط بمعنى الخيار، وقد صرح به في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] وإلى هذا المعنى يشير مجاهد في تفسيره لهذه الآية الكريمة حيث قال: لتكونوا شهداء لمحمد عليه الصلاة والسلام على الأمم: اليهود والنصارى والمجوس، لأنكم نواب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة الحجة على الأمم. يعني أن هذه الأمة نائبة عن الرسول عليه الصلاة والسلام في إقامة الحجة، فإذا قصرت هذه الأمة في ذلك فكيف يصلحون أن يكونوا شهداء؟ وكيف تكونون شهداء وأنتم ما بلغتموهم وقصرتم في إقامة الحجة عليهم؟ فلا بد أن نُشهِد نحن الأمم جميعاً على أحقية إرساله صلى الله عليه وسلم إليها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو وظيفة هذه الأمة كما وصفها الله تبارك وتعالى بذلك في قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110] وكما وصف نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} [الأعراف:157]، ووصف المؤمنين بقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [التوبة:71].
هذه الأمة هي أشرف الأمم على الإطلاق
هذه الأمة هي أشرف الأمم على الإطلاق نحن في هذا الزمان لابد أن نعرف مكان هذه الأمة التي ننتسب إليها، وهذا الدين الذي ننتسب إليه، نحن لسنا من سقط المتاع، ولسنا بذيول الأمم، وإنما الموقع الطبيعي لنا أن نكون في قمة البشرية، وأن نكون مهيمنين عليها لقيادتها إلى الخير وإلى ما يرضي الله تبارك وتعالى، فهذه الأمة هي أكمل الأمم على الإطلاق، وإذا تمسكت بالقرآن والسنة فحينئذ تكون أكمل الأمم وأعلى الأمم وأشرف الأمم على الإطلاق، وليس ذلك على أساس اللون ولا العنصر ولا الأجناس ولا الغنى ولا الدنيا؛ ولذلك ذم الله هؤلاء السفهاء الذين يفتنون بالكفار ويغترون بما آتاهم الله سبحانه وتعالى من متاع الدنيا وتقلبهم في البلاد، ولا يمكن أبداً أن يكون تفضيلهم للكفار على أساس دينهم، وإنما تفضيلهم لهم على المسلمين هو على أساس أي شيء من أمور الدنيا، أو عرض من أعراضها: الغنى، المباني، الجمال، الخضرة، التفوق في أمور الدنيا، لكن لا يمكن أبداً أن يكون ذلك تكريم، قارن في أي شيء من أمور الدين وفي أمور الآخرة ستجدهم في أسفل سافلين بل أحط من البهائم والأنعام كما قال تعالى: {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179]، ولذلك ندبنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ننظر في الدين إلى من هو فوقنا، وننظر في الدنيا إلى من هو أسفل منا؛ كي لا نزدري نعمة الله علينا، فالذين يفتنون بهؤلاء الكفار يعكسون وصية النبي صلى الله عليه وسلم ويخالفونها، فهم ينظرون إلى من فوقهم في الدنيا، ولا ينظرون لحالهم في الدين!! فانظر لأي وجه من وجوه الافتتان بما عليه الكفار الآن، وماذا يساوي بالنسبة لبعدهم وانسلاخهم عن الدين! فهم كفار مشركون، يعبدون الشركاء والأنداد من دون الله، وانظر في أخلاقهم تجد الفساد والعناد والإجرام والانحراف، انظر إلى أخلاقهم في التعامل مع الأمم تجد الظلم والقهر والإذلال، وانظر لكل شيء من أمور الدين وأمور الآخرة تجدهم صفراً، فهم كالأنعام بل هم أضل من الأنعام، يعيشون للشهوات ويعيشون للدنيا، فالذي يفتن بهم لا يفتن إلا بسبب الدنيا، لكن إذا عظم الدين في قلبه لاحتقرهم ولعاداهم ولأبغضهم كما أرشدنا الله تبارك وتعالى، فنحن المسلمين لسنا من سقط المتاع، نحن أفضل أمة على الإطلاق إذا تمسكنا بالقرآن والسنة، فأكمل الأمم عقولاً وأهداها سبيلاً هي الأمة المحمدية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وعند المسلمين من العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم المرسلين ما قد ملأ العالم نوراً وهدى) وهذا نلمسه الآن بأيدينا في ظل انحطاط هؤلاء المشركين، وكيف أن أمة المسلمين -على ما فيها من الضعف- أهدى الأمم عقولاً، وأنضجها عقولاً، وأقومها بأمر الله تبارك وتعالى.
من مظاهر وسطية وخيرية هذه الأمة
من مظاهر وسطية وخيرية هذه الأمة نقرأ الرسالة التي أرسلها شيخ الإسلام ابن تيمية إلى جماعة عدي بن مسافر -فنتلوها عليكم باختصار لأن فيها فوائد عظيمة جداً متعلقة بهذه الآية ولا نستطيع أن نمر عليها مراً عابراً سريعاً- يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (فعصم الله هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، وجعل فيها من تقوم به الحجة إلى يوم القيامة، ولهذا كان إجماعهم حجة كما كان الكتاب والسنة حجة، ولهذا امتاز أهل الحق من هذه الأمة بالسنة والجماعة، عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنة رسول الله وعما مضت عليه جماعة المسلمين -يعني أهل السنة، فهم ليسوا فقط أهل سنة ولكنهم أيضاً أهل جماعة يجتمعون- وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة رواه عنه أهل السنن والمسانيد كالإمام أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم أنه قال: (ستفترق هذه الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) وفي رواية: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) هذا هو المقياس للفرق الناجية عن النارية، وهذه الفرقة الناجية هي أهل السنة، وهم وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل، فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين -يعني وسط في مواقفهم من هؤلاء- لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31] ولا جفوا عنهم كما جفت اليهود فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، فكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقاً وقتلوا فريقاً، بل المؤمنون آمنوا برسل الله وعزروهم ونصروهم ووقروهم وأحبوهم وأطاعوهم، ولم يعبدوهم ولم يتخذوهم أرباباً، كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:79 - 80]. ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في المسيح، فلم يقولوا: هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة كما تقوله النصارى، ولا كفروا به وقالوا على مريم بهتاناً عظيماً، حتى جعلوه ولد زنا كما زعمت اليهود، بل قالوا: هذا عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه. وكذلك المؤمنون وسط في شرائع الله، فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء ويمحو ما شاء ويثبت، كما قالته اليهود كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: {وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:80]-لأن اليهود ينكرون النسخ، ويعيبون المسلمين بوقوع النسخ، وأنكروا رسالة المسيح أيضاً؛ لأن المسيح أتى بنسخ بعض الشرائع في التوراة- فاليهود يعيبون النسخ وينكرونه، ولذلك أنكروا نسخ القبلة، وحكى الله أيضاً بقوله {وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:80]، كذلك فالمسلمون لم يجوزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله، فيأمروا بما شاءوا وينهوا عما شاءوا، كما يفعله النصارى، كما ذكر ذلك عنهم بقوله {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31] قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: (قلت: يا رسول الله! ما عبدوهم! قال: ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم) والمؤمنون قالوا: لله الخلق والأمر، فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره، وقالوا: سمعنا وأطعنا، فأطاعوا كل ما أمر الله به، وقالوا: إن الله يحكم بما يريد، وأما المخلوق فليس له أن يبدل أمر الخالق تعالى ولو كان عظيماً، كذلك في صفات الله تعالى فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة، فقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقالوا -والعياذ بالله-: يد الله مغلولة، وقالوا -والعياذ بالله-: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت، إلى غير ذلك، والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب، والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى ليس له سمي ولا ند ولم يكن له كفواً أحد، وليس كمثله شيء، فإنه رب العالمين، وخالق كل شيء، وكل ما سواه عباد له، فقراء إليه، {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم:93 - 95]. ومن ذلك أمر الحلال والحرام، فإن اليهود كما قال الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء:160]، فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل والبقر، ولا شحم الثرب -وهو شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء والكليتين- ولا الجدي في لبن أمه إلى غير ذلك مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما، حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعاً من المحرمات -أما المحرمات من الطعام في الإسلام محصورة وضيقة جداً- والواجب عليهم مائتان وثمانية وأربعون أمراً، وكذلك شدد عليهم في النجاسات حتى لا يؤاكلوا الحائض ولا يجامعوها في البيوت -يعني لا يعيشون معها في البيوت-، وأما النصارى فاستحلوا الخبائث، -أي: عكس التشديد الذي كان عند اليهود- أما النصارى فاستحلوا الخبائث وجميع المحرمات، وباشروا جميع النجاسات، وإنما قال لهم المسيح: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران:50]، ولهذا قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]، فإذا كان هذا حالهم أيضاً في الحلال والحرام، فكيف نعت الله المؤمنين في هذا الباب، يقول تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف:156 - 157]. وهذا باب يطول وصفه. وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق، فهم في باب أسماء الله وآياته وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى يشبهونه بالعدم والموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات، فيؤمن أهل السنة والجماعة بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وهم في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدرة الله وبين المفسدين لدين الله، بين المجبرة وبين القدرية إلى أن يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد الوعيد وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء) ثم ناقش بالتفصيل طرفي النقيض في هذا الموضوع بين الفرق الضالة، كما ذكر وسطية هذه الأمة أهل السنة والجماعة في شأن الصحابة بين الغالية الذين يغالون في علي رضي الله عنه ويبن هؤلاء الجفاة الذين يعادونه ويعادون عثمان رضي الله تعالى عنه.
تفسير قول الله عز وجل: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه)
تفسير قول الله عز وجل: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا} [البقرة:143] أي ما شرعنا القبلة، كقوله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ} [المائدة:103] إلى آخره، يعني: ما شرعها، {الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا} [البقرة:143] ليست هذه الجملة صفة للقبلة، وإنما هي صفة ثاني مفعولي جعل، أي: وما جعلنا القبلة والجهة التي كنت عليها أي: في مكة. تستقبلها قبل الهجرة، يعني: الكعبة، وما رددناك إليها إلا امتحاناً للناس وابتلاءً، أو بمعنى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا} [البقرة:143] يعني التي أنت عليها أو التي صرت إليها الآن، كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران:110] يعني أنتم خير أمة، فكنت أنت عليها، أو التي كنت عليها حريصاً، {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا} [البقرة:143] يعني تطلبها، أي: حريصاً عليها وراغباً فيها، والدليل على هذا قوله تعالى فيما بعد ذلك: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة:144] يعني لشدة حرصه على أن تحول القبلة. {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} [البقرة:143] يعني الحكمة في هذا التشريع؛ لنعلم من يتبع الرسول في كل ما يؤمر به، فيثبت عند تقلب الأحكام لما في قلبه من صدق التعلق بالله والتوجه له على أي حال {مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة:143] أي يرتد عن دينه فينافق أو يكفر ممن كان يظهر الاتباع، وأصل المنقلب على عقبيه هو الراجع مستدبراً في الطريق الذي كان قد قطعه منصرفاً عنه، استعير لكل راجع عن أمر كان فيه من دين أو خير. قال ابن جرير: قد ارتد في محنة الله أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم في القبلة رجال ممن كان قد أسلم، يعني: هذا الامتحان والابتلاء بتحويل القبلة تسبب في ارتداد بعض من كان من المسلمين، وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم فقالوا: ما بال محمد يحولنا مرة إلى هاهنا ومرة إلى هاهنا، وقال المسلمون فيمن مضى من إخوانهم المسلمين وهم يصلون نحو بيت المقدس: بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت؛ لأن أول ما نسخ هو القبلة؛ فلذلك كان هذا الابتلاء وهذا الامتحان عظيماً حتى أن من المسلمين من قال: بطلت صلاتنا فيما مضى أي: التي كنا نستقبل فيها بيت المقدس، وكذلك بطلت صلاة إخواننا الذين ماتوا وهم لم يشهدوا هذا التحويل! وقال المشركون: تحير محمد في دينه، فكان ذلك فتنة للمؤمنين وتمحيصاً لهم، ومعنى قوله تعالى: {عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة:143] تثنية عقب، وهو مؤخر القدم، والانقلاب عليهما مثل قوله تعالى: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} [المدثر:23]، ومثل قوله {كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [العلق:13].
علم الله تبارك وتعالى
علم الله تبارك وتعالى قوله تعالى: {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة:143] هناك خلاف في تفسير هذه الآية، وباختصار شديد نقول: إن العلم الذي ينسب إلى الله سبحانه وتعالى نوعان: علم غيب، وعلم شهادة، فعلم الغيب هو: علم الله قبل التكليف، وعلم الشهادة هو: العلم الذي يترتب عليه الجزاء، فالله سبحانه وتعالى يعلم ما سيكون منا، وكل ما يأتي فالله تعالى يعلمه، والله سبحانه لا يحاسبنا طبقاً لعلمه السابق، وإنما يحاسبنا بعد وقوع ما علمه فينا، فهذا هو الذي يترتب عليه الجزاء، فقوله تبارك وتعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة:143]، وكذلك قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:31]، فظاهر هاتين الآيتين قد يتوهم منه الجاهل أن الله يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً!! وهذا كفر والعياذ بالله؛ لأن العلم إذا كان حادثاً في حق الله سبحانه وتعالى فمعنى ذلك أن عدم وجوده يكون صفة نقص، وإذا كان يحدث له علم من جديد فمعناه أن هذا العلم لم يكن من قبل! وهذا وصف لله سبحانه وتعالى بعكس العلم والعياذ بالله، وهذا كفر، وهو ما يتوهمه بعض الجهال، لكننا نعلم قطعاً أن الله سبحانه وتعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون، فهو يعلم ما سيعمله الخلق كما دلت عليه آيات كثيرة، كقوله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النجم:32]، وقال تعالى: {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون:63] وهذا يعني أن الله يعلمها، وبين الله تبارك وتعالى أنه لا يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه فقال عز وجل: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران:154] فانظر إلى قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران:154] بعد قوله تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ} [آل عمران:154] فهو دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئاً لم يكن عالماً به سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً؛ لأنه إذا كان عليماً بذات الصدور فهو غني عن الاختبار، لا يعزب عنه مثقال ذرة، فنحن نتوقف عند هذا اللفظ بالذات لأن هذا يتكرر في الآيات كثيراً. فهذه الآية وهي قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:31] فيها بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه، فقوله {حَتَّى نَعْلَمَ} [محمد:31] يعني: حتى نعلم علماً يترتب عليه الثواب والعقاب، وهذا لا ينفي أنه كان عالماً به قبل ذلك، بل هو يعلم قبل ذلك، لكن علم الماضي الذي هو صفة من صفات الله لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، فالله لا يعاقبك طبقاً لعلمه فيك، لكن يعاقبك طبقاً لما عملته، وهو موافق لعلمه السابق، وفائدة هذا الاختبار: ظهور الأمر للناس، والله هو عالم السر والنجوى، عالم بكل ما سيكون كما لا يخفى. يقول القرطبي رحمه الله تعالى: وهذا العلم هو العلم الذي يقع عليه الجزاء؛ لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم، فتأويله: {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ} [محمد:31] أي: حتى نعلم المجاهدين علم شهادة؛ لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا، فالجزاء والثواب والعقاب يقع على علم الشهادة، {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:31] أي: نختبرها ونظهرها. وقال الطبري رحمه الله: ولنبلونكم -أيها المؤمنون- بالقتل وجهاد أعداء الله، {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ} [محمد:31] يعني: حتى يعلم حزبي وأوليائي أهلَ الجهاد في الله منكم وأهلَ الصبر على قتال أعدائه، فيظهر ذلك لهم، ويَعرف ذوي البصائر منكم في دينه من ذوي الشك والحيرة، وأهل الإيمان من أهل النفاق، يقول تبارك وتعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران:179] وهذه الآية تؤيد هذا التفسير، (حتى نعلم) يعني: حتى يعلم حزبي وأوليائي المؤمنين الصادقين من المنافقين الكاذبين، لأن الله تبارك وتعالى أخبر أن معرفة الناس وتمييزهم الغرض منه أن ينكشفوا لأولياء الله، فيعلم من المؤمن ومن المنافق، من الصادق ومن الكاذب، وهذا يحتمل أن يكون من طريقين: إما وقوع الابتلاءات ثم يتمايز الناس ويظهرون من خلال الابتلاء، وإما من طريق آخر هو معرفة الغيب، وليس هناك سبيل لغير الله أن يعرف الغيب، وليس هناك سبيل للاطلاع على حقائق الناس من خلال معرفة الغيب؛ لأن الله يقول: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران:179]؛ لهذا فإن الباب مسدود في حق البشر والمخلوقين، ولا يعلم الغيب إلا الله، فلم يبق إلا طريق واحد فقط حتى يعرف الناس الخبيث من الطيب، وهو وقوع الابتلاء في الجهاد وغيره (حتى نعلم) يعني: حتى يعلم أوليائي ويتميز الناس؛ ولذلك يقول تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} [آل عمران:179] من اختفاء أموركم وعدم ظهور حقيقة إيمانكم {حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179] يعني: حتى يميّز أوليائي وحزبي الخبيث من الناس من الطيب، فلا سبيل إلى ذلك إلا بالاختبار والابتلاء وإظهار علم الشهادة حين تقع هذه الأعمال. يقول الإمام ابن جرير: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وكان من شأن العرب إضافة ما فعله أتباع الرئيس إلى الرئيس، وما فعل بهم إليه، فمثلاً تقول: فتح عمر بن الخطاب سواد العراق، وجبى خراجها، وإنما فعل ذلك أصحاب عمر وجنوده، ونسب إليه لأنهم يأتمرون بأمره، فهو سبب في ذلك، كما قال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين! مصر الله بك الأمصار، وفتح بك البلاد، فقوله: (بك) لأنه كان سبباً لذلك، أما الذي فتح فهم جنوده، فهذه هي عادة العرب، ونظيره حديث أبي هريرة في مسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني! قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب! وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمك أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني! قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي) فهنا نسب الله سبحانه وتعالى المرض والاستسقاء والاستطعام إلى نفسه، وكان ذلك لغيره. وحكي عن بعض العرب سماعاً: أجوع في غير بطني، وأعرى في غير ظهري، ومعنى ذلك أن بعض العرب كان يشتكي، أو أن المقصود التعبير عن جوع أهله وعياله وعري ظهورهم، كذلك قوله تعالى هنا: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ} [البقرة:143] يعني ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي، {مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة:143] والتاء في قوله: (وإن كانت) تعود على التولية أو الجعل أو التحويل أي: التولية إليها أو الجعل أو التحويل (لكبيرة) أي: ثقيلة شاقة؛ لأن مفارقة الإلف بعد طمأنينة النفس إليه أمر شاق جداً، {إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة:143] يعني هدى الله قلوبهم فأيقنوا بتصديق الرسول، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنهم كلما حدث أمر أحدث لهم شكاً، لكن يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، يقول تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة:125]، ويقول تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء:82].
عدم ضياع أعمال المؤمنين
عدم ضياع أعمال المؤمنين قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة:143] هذا تطمين، طمأنة لمن صلى إلى بيت المقدس من المسلمين. ومن أهل الكتاب قبل النسخ، وبيان أنهم يثابون على ذلك، يعني ما دمتم في الحالتين أطعتم أمر الله فلم تبطل صلاتكم كما توجستم، فقد روى البخاري من حديث أبي إسحاق عن البراء قال: وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة:143] أي صلاتكم، وإنما عدل إلى لفظ الإيمان الذي هو عام في الصلاة وغيرها ليوحي لهم أنه لم يضع شيء مما عملوه ومن ثم يصح منهم، فينبغي أن يكون المسئول عنه حكماً أولياً ويكون الحكم في الإجابة كلياً. وقوله عز وجل هنا: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143] أتى بلفظ الخطاب دون الغائب ليتناول الماضين والباقين، لتغليب حكم المخاطب على الغائب في اللفظ، وفي تتمة الآية إشارة إلى تعليل عدم الإضاعة، فلم يحبط الله صلاتهم إلى بيت المقدس لأنه رءوف رحيم، هذا تعليل بما اتصف به من الرأفة المنافية لما هجس في نفوسهم من الإضاعة، فإن الله سبحانه وتعالى لأنه رءوف رحيم بكم لا يمكن أبداً أن يحبط صلاتكم إلى بيت المقدس، يقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: إني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان -فالمرجئة يعتبرون أن الإيمان هو المعرفة فقط، ولا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان ومنها الصلاة- فهذه الآية رد على المرجئة، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143] فسمى الصلاة إيماناً.
البقرة [144 - 154]
تفسير سورة البقرة [144 - 154]
تفسير قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء)
تفسير قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء) لما انطوى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم على إرادة التوجه إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم ومفخرة العرب ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود؛ أجابه الله سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة:144]. هذه الآيات جاءت بعدما أخبر الله سبحانه وتعالى المؤمنين مسبقاً أنه سيحصل تحويل للقبلة، وأن السفهاء من الناس سوف يخوضون في هذا الأمر، {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة:142 - 143]. فلما انطوى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم على إرادة التوجه إلى الكعبة المشرفة لأنها قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، وهي مفخرة العرب ومزارهم، وأيضاً لشدة حرصه على مخالفة أهل الكتاب واليهود؛ أجابه الله تبارك وتعالى إلى تطلعه بقوله عز وجل: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة:144] و (قد) هنا للتحقيق، وليست للتقليل، وهي تأتي للتقليل وتأتي أيضاً للتحقيق كما هنا، (قد نرى) لتأكيد وقوع هذه الرؤية، يقول السيوطي: (تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) أي: في جهة السماء، متطلعاً إلى الوحي، ومتشوقاً للأمر باستقبال الكعبة، وكان صلى الله عليه وسلم يود ذلك لأنها قبلة إبراهيم؛ ولأنه أدعى إلى إسلام العرب؛ لأن العرب أيضاً يعظمونها، فإذا حولت القبلة إلى الكعبة المشرفة فهذا سيكون فيه تأليف لهم، وجذب لقلوبهم نحو الإسلام؛ لأنها قبلة إبراهيم عليه السلام. وفي هذه الآية الجليلة بيان لحسن أدب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان ينتظر، ولم يسأل ربه تبارك وتعالى ذلك، وإنما كان يتطلع بقلبه ويتطلع بعينه، وينظر إلى السماء منتظراً ومتشوقاً إلى نزول الوحي بالأمر باستقبال الكعبة المشرفة. يقول تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة:144] (فلنولينك) أي: لنحولنك إلى قبلة (ترضاها) أي: تحبها {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:144] (فول وجهك) يعني: في الصلاة، فاستقبل في الصلاة المسجد الحرام، (شطر) يعني: نحو (المسجد الحرام) أي: الكعبة المشرفة، وإنما لم يقل: فول وجهك شطر الكعبة؛ لأن المقصود استقبال الجهة، وليس عين الكعبة، وعين الكعبة معناه جسم الكعبة، وهذا يكون لمن هو قريب منها، أما من بعد عنها فإنه يستقبل الجهة فقط؛ ولذلك تكون الصفوف حول الكعبة مستديرة، لأنهم لو وقفوا بصورة صفوف مربعة في الجهات فإن الذين عند الأركان والزوايا لن يستقبلوا الكعبة، فلذلك لا بد على من كان مستقبلاً أحد الأركان أن يستقبل جسم الكعبة، وألّا ينعطف، بل يقع امتداد جسمه على جسم أو عين الكعبة المشرفة، فالقريب من الكعبة يجب عليه أن يستقبل عينها، ولذلك فالصفوف تكون مستديرة؛ لأنه بالاستدارة فقط يحصل هذا الاستقبال لكل المصلين. أما من بعد عن الكعبة فواجبه أن يستقبل جهتها؛ ولذلك قال تعالى هنا: ((فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ)) أي استقبل في الصلاة (شطر) أي نحو (المسجد الحرام) ولم يقل: الكعبة، وإن كان المقصود هو الكعبة. ((وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)) حتى يدفع الله تبارك وتعالى احتمال الخصوصية؛ لأنه يحتمل أن يكون هذا الأمر كالأمر بقيام الليل خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فلذلك نص الله تبارك وتعالى على الأمر باستقبال الكعبة لسائر المؤمنين كي يدفع احتمال الخصوصية في ذلك بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. ((وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)) الخطاب هنا للأمة، والمقصود ولوا وجوهكم في الصلاة؛ لأن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة. ((وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ)) الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه أي: التولي إلى الكعبة، (الحق) أي: الثابت (من ربهم) لما في كتبهم من نعت النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يتحول إليها. ((وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) والخطاب هنا للمؤمنين، أي: عما تعملون أيها المؤمنون من امتثال أمره، والقراءة الأخرى بالياء ((وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)) يعني: اليهود، والله ليس بغافل عما يعملون مثل استنكار أمر القبلة المشرفة. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: أما خطابه الخاص للنبي عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: ((فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)) فتشريفاً له وإجابة لرغبته، وأما خطابه العام بعده فهو خطاب للأمة (وحيث ما كنتم) أيها الأمة؛ لأنه كان يجوز أن يعتقد أن هذا أمر قد خص عليه الصلاة والسلام به كما خص بقوله تبارك وتعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل:2]، ولأنه لما كان الأمر في تحويل القبلة أمراً له فقط خصهم بخطاب مفرد؛ ليكون ذلك أبلغ؛ وليكون لهم في ذلك تشريف؛ ولأن في الخطاب العام تعليق حكم آخر به، وهو أنه لا فرق بين القرب والبعد في وجوب التوجه إلى الكعبة. ((وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ)) هذا ينطبق على ما تقدم ذكره، فإما أن يكون الضمير في (أنه) يعود إلى الرسول أي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام حق من عند الله تبارك وتعالى، وإما أن يكون المراد القبلة نفسها، فجاز أن يكون المراد بقوله: ((لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ)) أن القوم يعلمون أن الرسول مع شرعه ونبوته حق، فيشتمل ذلك على أمر القبلة وغيرها، ويحتمل أن يرجع الضمير في (أنه) إلى هذا التكليف الخاص بالقبلة، وهذا المعنى هو الأقرب للسياق، فاليهود كانوا يعلمون مما في كتبهم أن الكعبة هي البيت العتيق التي جعلها الله تعالى قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وكانوا يعلمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما ظهر عليه من المعجزات، ومتى علموا نبوته فقد علموا لا محالة أن كل ما أتى به فهو حق، فكان هذا التحويل حقاً، ففي هذه الحالة هم يلزمون بذلك، وعلى كلا الاحتمالين فهم يعلمون أن هذا الأمر حق من عند الله تبارك وتعالى. يقول القاسمي: وثم وجه آخر في علمهم أحقية ذلك التحويل، وأنه من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، وبيانه: أن أمره تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم ولكافة من اتبعه باستقبال الكعبة من جملة الاستعلان الذي هو مذكور في التوراة إشارة لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية، ويسمى: سفر الاستثناء، وهذا موجود في التوراة إلى اليوم: (وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته، -يعني: أن موسى قبل موته ذكر بني إسرائيل بهذه البشرى- فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من ساعير، وتلألأ من جبل فاران)، وفي بعض الألفاظ الأخرى: (واستعلن من فاران). فهذه البشارة تنبيه على موسى وعيسى ومحمد عليهم جميعاً الصلاة والسلام، فالله تعالى أنزل التوراة على موسى في طور سيناء وأشار إلى هذا بقوله: (جاء الرب من سيناء). وأشار إلى نزول جبريل على عيسى عليه السلام بقوله: (وأشرق لهم من ساعير)، وساعير: هي البلدة التي ولد فيها المسيح عليها السلام، وذلك في قرية تدعى الناصرة. وقوله: (وتلألأ أو استعلن من جبل فاران)، تلألؤه من جبل فاران عبارة عن إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في جبل فاران، وأهل الكتاب لا يشكون أبداً أن كلمة فاران في كتبهم تعني: جبال مكة، أي: الجبال المحيطة بمكة، يقول القاسمي: ولا يخالفنا في ذلك أهل الكتاب، فأهل الكتاب يعترفون فعلاً بأن فاران هي مكة، ففي الإصحاح الحادي والعشرين من سفر التكوين يحاور إسماعيل عليه السلام هكذا: (وكان الله مع الغلام فكبر وكان ينمو رامي قوس، -كما جاء في الحديث: (ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً) عليه السلام- وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران)، وفاران هي: الجبال المحيطة بمكة، فلا شك أن إسماعيل عليه السلام سكن في مكة، وفيها عاش وبها دفن. يقول ابن الأثير: وفي الحديث ذكر جبل فاران وهو من جبال مكة بالعبراني، له ذكر في أعلام النبوة. وفي القرآن الكريم إشارة إلى قريب من هذا المعنى في سورة التين، يقول تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} [التين:1 - 3] وهذا تأييد لهذه البشارة التي بشر بها موسى عليه السلام، (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) والبلد المعروف بالتين والزيتون: فلسطين، وهي الأرض المباركة التي منها ساعير حيث ولد المسيح عليه السلام، فهذه إشارة إلى رسالة المسيح عليه السلام، (وَطُورِ سِينِينَ) وهو طور سينا، فهذه إشارة إلى رسالة موسى عليه السلام، (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ) وهذه إشارة إلى مكة المكرمة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وأهل الكتاب يعلمون أن تعظيم القبلة واستقبالها في الصلاة كان فعل إبراهيم وإسماعيل، وأنها تدخل في
تفسير قوله تعالى: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك إنك إذا لمن الظالمين)
تفسير قوله تعالى: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك إنك إذاً لمن الظالمين) ولما ذكر تعالى أن أهل الكتاب يعلمون أن هذه القبلة حق أعلم أن صفتهم لا تتغير في الاستمرار على المعاندة، وأن الاستكبار عن الانقياد للحق صفة راسخة ثابتة فيهم لا تتبدل ولا تتغير، فأقسم الله تبارك وتعالى بعد هذه الآيات مباشرة فقال: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْض} [البقرة:145] (ولئن) هذه لام القسم ((أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ)) يعني على صدقك في أمر القبلة، ((مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)) أي: لا يتبعون قبلتك، ولا يوافقونك أبداً في اتباعها عناداً واستكباراً، ((وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ)) فاستقبال القبلة من الأمارات والعلامات المميزة للمسلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فهو المسلم) ((وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ)) وفي هذا قطع لطمعه في إسلامهم، وطمعهم في عودته إليها، فلن يعود أبداً إلى استقبال بيت المقدس. {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} أي: أن اليهود لن يتبعوا قبلة النصارى ولا العكس. ((وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ)) يعني التي يدعونك إليها ((مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)) يعني من الوحي ((إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ)) يعني: إن اتبعتهم فرضاً فإنك من الظالمين. يقول تعالى: ((وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ)) أي: من اليهود والنصارى (بكل آية) أي: برهان قاطع على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق، (ما تبعوا قبلتك) أي: التي حولت إليها؛ لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة بل قد قامت عليهم الحجة، ولو كانوا تركوا اتباعك والانقياد للإسلام عن شبهة عندهم، ثم أتيت لهم بالحجج التي تزيل هذه الشبهة فقد يتبعونك، والذي ينحرف عن الحق يكون لأحد سببين: إما بسبب الجهل، أو الهوى والعناد والاستكبار والجحود، فأما الجاهل فإنه يعالج بالعلم وإقامة الحجة، وأما مرض الهوى {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة:41]، وهنا يبين الله تبارك وتعالى أن مخالفة أهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم ليست ناشئة عن شبهة عندهم، وإلا لكان يمكن أن تعالج بإقامة الحجة، لكن هي ناشئة عن عناد وجحود وتكبر عن الحق، وبالتالي لن تنفع معهم الحجج {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما} يعني مهما تأت بآية ((ما تبعوا قبلتك)) أي: لن ينقادوا إليك؛ لأنهم امتنعوا عن اتباعك لا عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة، وإنما عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق، ((وما أنت بتابع قبلتهم)) وهذا حسم لأطماعهم في العود إليها، أو للمقابلة يعني: ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك، ((وما بعضهم بتابع قبلة بعض)) يعني فلا اتفاق بين فريقيهم مع كون الكل من بني إسرائيل. قال الزمخشري: أخبر تعالى عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه، فالمحق منهم -المسلمون- لا يتخلى عن مذهبه لتمسكه بالبرهان، والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده، وفيه إراحة للنبي صلى الله عليه وسلم من التطلع إلى هدي بعضهم، يعني: تيئيس له وقطع لطمعه في إيمانهم. قال الراغب: إن قيل: كيف أعلن بأنهم لا يتبعون قبلته وقد آمن منهم فريق؟ -فالمعلوم أن من أهل الكتاب فريقاً قد آمنوا وأسلموا، فكيف نفهم معنى قوله تبارك وتعالى: (ما تبعوا قبلتك)؟ - قيل: إن هذا حكم على الكل دون الأبعاض، فهذا الحكم يعم الأغلب، فإذا شذ البعض فإنه لا ينافي هذا الحكم الكلي، بدلالة أنك لو قلت: ما آمنوا، وقد آمن بعضهم، لم يكن منافياً، وقيل: عني به أقوام مخصوصون. أيضاً في قوله تبارك وتعالى: (وما أنت بتابع قبلتهم) إشارة إلى أن من عرف الله حق معرفته فمن المحال أن يرتد، ولذا قيل: ما رجع من رجع إلا من الطريق، ومعنى ذلك: أن الإنسان الذي يرتد وينتكس لم يصل إلى الله سبحانه وتعالى، ولم يصل إلى المعرفة بالله، أما الذي يصل حق الوصول فإنه لا يترك أبداً دين الله سبحانه وتعالى ومحبته؛ ولذلك فالذي يرجع إنما يرجع من أثناء الطريق قبل أن يصل؛ لأنه بعد أن يصل لا يمكن أبداً بعد أن يتمكن من معرفة الله سبحانه وتعالى وحبه أن يؤثر عليه غيره؛ ولذلك قالوا: ما رجع من رجع إلا من الطريق، أي ما أخل بالإيمان إلا من لم يصل إليه حق الوصول. وفي هذه الآية الكريمة أيضاً تنويه بفضل العلم، حيث سمى أمر النبوات والدلائل والمعجزات باسم العلم؛ فلذلك ننبه على أن العلم أعظم المخلوقات شرفاً ومرتبة، وذلك إشارة إلى قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} فأطلق لفظة العلم على الوحي والنبوة والدلائل والمعجزات، فدل على أن العلم أشرف المخلوقات لأنه ينتظم في معنى هذه الأمور الشريفة. ودلت الآية على أن توجه الوعيد إلى العلماء أشد من توجهه على غيرهم؛ لقوله تعالى: (من بعد ما جاءك من العلم).
تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)
تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) قال عز وجل: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة:146] أي: يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم (كما يعرفون أبناءهم) أي: بنعته في كتبهم، قال عبد الله بن سلام: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ومعرفتي لمحمد صلى الله عليه وسلم أشد، يعني من شدة انطباق الصفات الموجودة في التوراة وفي الكتب السابقة في شأن الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو يعرفه أشد من معرفته ابنه مع أن ابنه رآه بنفسه، وهذا وصف عن غيب لم يره، لكنه لما رآه صارت معرفته بالرسول صلى الله عليه وسلم أشد من معرفته بابنه؛ ولذلك أسلم عبد الله بن سلام رضي الله تبارك وتعالى عنه وكان من خيرة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. ومن هذه البشارات قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ} [الأعراف:157] حتى صفات الرسول عليه الصلاة والسلام الجسدية وجدت في التوراة، ومن أبرزها ختم النبوة أو خاتم النبوة، وإلى اليوم فإن الإشارة إلى ختم النبوة وإلى العلامة التي بين كتفيه موجودة في التوراة وفي كتبهم، فهو لا يلتبس عليهم، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فلا تلتبس أشخاص أبنائهم بغيرهم، فشبه المعرفة العقلية الحاصلة بمطالعة الكتب السماوية بالمعرفة الحسية؛ لأن كلاً منهما يقيني لا اشتباه فيه، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لـ عبد الله بن سلام رضي الله عنه: أتعرف محمداًَ كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه، فقبل عمر رأسه. {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} [البقرة:146] وإن من أهل الكتاب مع ذلك التحقق ومع ذلك الإيقان بصفته، (ليكتمون الحق) أي يخفونه ولا يعلنونه، (وهم يعلمون) أي: وهم يعلمون الحق، ويعلمون عاقبة ترك الحق، ولم يقل تبارك وتعالى مثلاً: وإن فريقاً منهم ليكتمونه وهم يعلمون؛ لأن في إظهار كلمة الحق وتفضيلها على الضمير إشارة إلى طبيعة هذا النبي، ولكنهم ينكرونه ويجحدونه (وهم يعلمون) وفي هذا إشارة إلى فظاعة ذنبهم، لأن المرتكب ذنباً عن جهل ليس كمن يرتكبه عن علم؛ ولذلك قال تعالى: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) الحق من ربك: يعني الحق كائن من ربك، (فلا تكونن من الممترين) أي: الشاكين في هذا الأمر، فلا تكونن من هذا النوع، وهذا أبلغ من قوله: الحق من ربك فلا تمتر، ولكن قال: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) يعني الشاكين، يقول الراغب: وليس هذا نهياً عن الشك؛ لأن الشك لا يكون بقصد من الشاك، بل قوله تعالى: (فلا تكونن من الممترين) حث على اكتساب المعارف المزيلة للشك واستعمالها، وعلى ذلك أيضاً قوله تعالى: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود:46].
تفسير قوله تعالى: (ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا)
تفسير قوله تعالى: (ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً) قال تبارك وتعالى: ((ولكل وجهة هو موليها)) ولكل من الأمم (وجهة) أي: قبلة (هو موليها) يعني: موليها وجهه في صلاته، وفي قراءة: (ولكل وجهة هو مولاها) أي مأمور بالتوجه إليها، (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148] أي: بادروا إلى الطاعات وخذوا بها، {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} [البقرة:148] أي: يجمعكم يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:148].
تفسير قوله تعالى: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام)
تفسير قوله تعالى: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) ثم إنه تعالى أكد حكم التحويل وبين عدم تفاوت أمر الاستقبال في حالتي السفر والحضر، فقال تبارك وتعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:149] وهنا إنشاء حكم جديد بخلاف الآيات المشابهة لذلك عما قريب، (ومن حيث خرجت) أي: لسفر (فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون) أو (عما يعملون) بالياء وبالتاء، فكرره لبيان أن حكم السفر وغيره سواء، فالمسافرون وغيرهم يستوون في اشتراط استقبال القبلة ما أمكن ذلك، فقوله عز وجل هنا: (ومن حيث خرجت) أي: ومن أي بلد خرجت للسفر، لأنه في الآية السابقة يقول تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) ثم قال (وحيث ما كنتم) أي: في حالة الإقامة، أما هنا قال: (ومن حيث خرجت) والخروج يكون في السفر، (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام). ولما عظم أمر القبلة وذكر انتفاء أقوال السفهاء وتنوع ضربهم وجدالهم كان الحال مقتضياً لما فيه تأكيد لأمرها وتعظيمٌ لشأنها، وتوهيةٌ لشبههم؛ فلذلك كرر الله تبارك وتعالى أيضاً الإشارة أو التنبيه إلى أمر استقبال القبلة فقال للمرة الثالثة: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة:150] يقول السيوطي رحمه الله تعالى: كرره للتأكيد، (لئلا يكون للناس) أي: اليهود أو المشركين، (عليكم حجة) أي: مجادلة في التولي إلى غيره، وتنتفي مجادلتهم لكم، من قول اليهود: يجحد ديننا ويتبع قبلتنا، وقول المشركين: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته، فهذا معنى قوله تعالى: (لئلا يكون للناس عليكم حجة) فإذا قلنا إن الناس المقصود بهم هنا اليهود لعنهم الله، فتكون الحجة هي: أن يكون لهم ما يحاجونكم ويجادلونكم به، وهو قول اليهود: يجحد ديننا ويتبع قبلتنا، أي: كيف تجحد ديننا ولا تكون مثلنا على اليهودية أو النصرانية، ثم تستقبل قبلتنا؟ فيكون في تحويل القبلة إلى البيت الحرام إبطال لهذه الحجة، فهو يخالف دينهم ويخالف قبلتهم. وإذا قلنا: المقصود بالناس هم المشركون، فإن المشركين قالوا: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته! فكان في تحويل القبلة إدحاض لهذه الشبهة. (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم) يعني بالعناد، فإنهم يقولون: ما تحول إليها إلا ميلاً إلى دين آبائه، والاستثناء هنا متصل، والمعنى: لا يكون لأحد عليكم كلام إلا كلام هؤلاء، (فلا تخشوهم) يعني: لا تخافوا جدالهم في التولي إليها، (واخشوني) أي: بامتثال أمري، (ولأتم نعمتي عليكم) وهذا العطف هنا هو على قوله: (لئلا يكون) يعني إنما عليكم أن تمتثلوا هذا الحكم وتنصاعوا إليه، أولاً: لئلا يكون للناس عليكم حجة، وثانياً: لأتم نعمتي عليكم، يعني بالهداية إلى معالم دينكم. قال العلماء في قوله: (ولأتم نعمتي عليكم) إن في هذا الجزء من الآية بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بفتح مكة وكافة جزيرة العرب والأرض، (ولعلكم تهتدون) يعني: إلى الحق.
تفسير قوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم)
تفسير قوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم) قال تبارك وتعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} [البقرة:151 - 152] في الآية السابقة في قصة إبراهيم عليه السلام قال: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة:129] فهنا الزاي والكاف قريبة من ختام الآية: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة:129] ففيها الزاي والكاف، ففي آخر دعاء إبراهيم عليه السلام أن يزكيهم، وفي آخر الآية العزيز الحكيم، والتزكية بالزاي والكاف قرينة للعزيز الحكيم، أما هنا فقال: (يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون). قوله تعالى: (كما أرسلنا) هذا متعلق بأتم أي: (ولأتم نعمتي عليكم) كما أرسلنا، يعني: أتمها أتماماً كإتمامها بإرسالنا فيكم رسولاً منكم محمداً صلى الله عليه وسلم، (يتلو عليكم آياتنا) أي: القرآن، (ويزكيكم) أي: يطهركم من الشرك (ويعلمكم الكتاب) وهو القرآن الكريم (والحكمة) وهي ما فيه من الأحكام، وقد ذكرنا من قبل أن أي آية يأتي فيها ذكر الكتاب مقروناً بالحكمة في سياق الامتنان على هذه الأمة المحمدية فلا بد من تفسير الحكمة بأنها. سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا باتفاق من السلف، (ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون). (فاذكروني أذكركم) يعني: اذكروني بالصلاة والتسبيح وغيره (أذكركم) يعني: أجازيكم، وفي الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى قال: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه) متفق عليه. (واشكروا لي) أي: نعمتي بالطاعة (ولا تكفرون) يعني: بالمعصية. (كما أرسلنا فيكم) يعني: أيها العرب (رسولاً منكم) المراد به أيضاً من العرب، وفي إرساله فيهم ومنهم نعمة عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف، ولأن المشهور من حال العرب: الأنفة الشديدة من الانقياد إلى الغير، فهم لا ينقادون لغيرهم من الأمم، فبعث الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب. (يتلو عليكم آياتنا) أي: يقرأ عليكم القرآن الذي هو من أعظم النعم؛ لأنه معجزة باقية، ولأنه يتلى فتؤدى به العبادات ويستفاد منه جميع العلوم ومجامع الأخلاق الحميدة، فتحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة. (ويزكيكم) أي: يطهركم من الشرك والأفعال الجاهلية وسفاسف الأخلاق (ويعلمكم الكتاب) يعني: القرآن، وهذا ليس بتكرار؛ لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم، ففي صدر الآية (يتلو عليكم آياتنا) فهذا مجرد تلاوة الآيات، أما هنا (يعلمكم الكتاب والحكمة) وهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها؛ ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: الحكمة هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. (ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) إشارة إلى أنه تعالى أرسل رسوله على حين فترة من الرسل، وجهالة من الأمم، والخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم، فبعث الله تعالى النبي بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم، فصاروا أعمق الناس علماً، وأبرهم قلوباً، وأقلهم تكلفاً، وأصدقهم لهجة، وذلك من أعظم أنواع النعم، قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} [آل عمران:164]، وفي هذا ذم لمن لم يعرف قدر هذه النعم، ذم للذين لا يشكرون الله سبحانه وتعالى على نعمة الإسلام ونعمة القرآن والوحي الذي علمنا الله به ما لم نكن نعلم، وهذا كقول الله تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم:28] قال ابن عباس: يعني: كفراً بنعمة الله بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأعظم نعمة امتن الله سبحانه وتعالى بها على البشرية هي بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد الأولين والآخرين، فهم بدلوا نعمة الله كفراً، أنعم الله عليهم بالرسول فكفروا به وكذبوه وجحدوه وحاربوه، (وأحلوا قومهم دار البوار)، ومن أجل ذلك ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره، فبعدما قال تعالى: (كما أرسلنا) الآية قال: (فاذكروني) يعني: كما أنعمت عليكم بهذه النعمة فاشكروها لي، فهناك ربط بين أول هذه الآية وبين الآية التالية، (فاذكروني أذكركم واشكروا لي) أي: هذه النعمة ولا تكفروا بها، (فاذكروني أذكركم) أي: اذكروني -أيها المؤمنون- بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم، وقد كان بعضهم يتأول ذلك: أنه من الذكر بالثناء والمدح، وقال القاشاني: اذكروني بالإجابة والطاعة: أذكركم بالمجيب والثواب، وهذا هو معنى ما قبله، لأن الله تعالى يقول: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7] إذا ذكرتموني بإجابتي وبطاعتي وبعبادتي أذكركم بالمزيد من النعم وبتواليها عليكم، (واشكروا لي) يعني: فيما أنعمت عليكم من الإسلام والهداية للدين الذي شرعته لكم، (ولا تكفرون) يعني: لا تجحدوا إحساني إليكم فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم. وقال السمرقندي: النعمة في الحقيقة هي العلم، وما سواه فهو تحول من راحة إلى راحة وليس بنعمة، فالعلم لا يمل منه صاحبه، بل يطلب منه الزيادة، فأمر الله تعالى بشكر هذه النعمة وهي نعمة بعثه رسولاً يعلمهم الكتاب والحكمة، ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم ووقائعهم جعل الله تعالى ذكره لهم عوض ما كانوا يذكرون، {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرً} [البقرة:200] فالانشغال بذكر الله سبحانه وتعالى بدل القعود فيما كانوا عليه في الجاهلية، فإنهم كانوا إذا انقضت المناسك يتفاخرون بالآباء والأجداد وبالعظام البالية الجاهلية، فالله تعالى يقول لهم: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً) أي: دعوكم من موضوع الافتخار بالآباء، وانشغلوا بذكر الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى هنا لما علم أن من طباع العرب: ولعهم وشغفهم بذكر آبائهم ووقائع آبائهم جعل تعالى ذكره لهم عوض ما كانوا يذكرون، كما جعل كتابه عوضاً عن أشعارهم، فالقرآن عوض عن الشعر الذي كانوا يتناشدونه، وذكرهم الله وذكر الله إياهم عوض عن التفاخر الذي كانوا يتفاخرون به بآبائهم، فهز عزائمهم بذلك بما يسره به من ذكره لهم، روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبراً اقتربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً، فإن أتاني يمشي أتيته هرولة) أخرجه البخاري. وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما شهدا على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده) والأحاديث في فضل الذكر متواترة، ويكفي فيه هذه الآية الكريمة: (فاذكروني أذكركم) جزاء أن تذكروا الله أن يذكركم الله، ولذلك بكى أبي بن كعب لما علم أن الله سبحانه وتعالى تكلم باسمه، قال: (أذكرني باسمي؟ قال: نعم، فبكى أبي رضي الله تعالى عنه) وهذا بلا شك شرف عظيم أن يذكرك الله، فاذكر الله يذكرك الله. أما قوله: (واشكروا لي ولا تكفرون) ففيه أمر بشكره على نعمه وعدم جحدها، فالكفر هنا كفر النعمة لا الشرك به، والكفر يطلق إما على الستر والتغطية، تقول: كفر البذر يعني: غطاه (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح:29] والتكفير للبذرة يعني دفنها في الأرض وكذلك الكفر هنا المقصود به: لا تكفروا نعمتي، وليس المقصود به هنا: كفر التكذيب، وقد وعد الله تعالى على شكره بمزيد الخير فقال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7] قال ابن عطية: اشكروا لي واشكروني بمعنى واحد، واشكروا لي أفصح وأبلغ من الشكر. فيمكن أن تقول: أشكرك، أو تقول: أشكر لك، وأشكر لك أفصح وأبلغ، قال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان:14] والذي أتى في القرآن أن الشكر يتعدى باللام، فيكون أبلغ وأفصح.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) أرشد الله تعالى المؤمنين إثر الأمر بالشكر إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153] لأن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر الله عليها، أو أن يكون في نقمة فيصبر عليها، كما جاء في حديث صحيح مرفوع: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). وذكر تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب في سبيل الله الصبر والصلاة، كما تقدم في قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45]، وفي الحديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى)، أي: كان إذا اشتد به الأمر أو نزل به الكرب يفزع إلى الصلاة. ثم إن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات، وصبر على المصائب والكربات. وذلك أن الصبر معناه حبس النفس، وبهذا المعنى فهو إما صبر على ترك المحارم والمآثم، وإما صبر على فعل الطاعات، وإما صبر على المصائب والكربات، والثاني أكثر ثواباً لأنه المقصود، أما الصبر الثالث -وهو الصبر على المصائب والنوائب- فهو واجب كالاستغفار من المعايب، فإنك تستغفر من المعايب والذنوب لأنك الذي تسببت فيها، أما الصبر على المصائب فإنه لا اختيار لك فيها، بل يقدرها الله سبحانه وتعالى عليك؛ ولذلك فإننا نحتج بالقدر في المصائب، ولا نحتج به في المعايب، فلا يجوز لإنسان أن يرتكب معصية ثم يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل! بل الواجب في المعاصي أن تظل إلى أن تلقى الله وأنت تستغفر وتندم وتتوب، حتى تعلم حالك عند الله، أما المصائب فهي التي تقول فيها: إنا لله وإنا إليه راجعون، وتصبر وتحتسب. وقوله: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} خص الصلاة ههنا بالذكر لتكررها وعظمها. (إن الله مع الصابرين) يعني بالمعونة. وهذه الآية من الآيات التي فيها ذكر معية الله سبحانه وتعالى لبعض خلقه: (إن الله مع الصابرين) وهذه هي المعية الخاصة؛ لأن من آيات القرآن ما تذكر فيها المعية مع الخلق كافة، ومنها ما يخصص الله سبحانه وتعالى بها بعض عباده، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لفظ المعية في كتاب الله جاء عاماً كما في قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد:4]، وفي قوله تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة:7] فهذه معية عامة بمعنى أن الله سبحانه وتعالى مع خلقه أجمعين، وهذه المعية ليست معية للذات -أي: ليس معناها أن ذات الله سبحانه وتعالى تختلط بذوات خلقه، معاذ الله- لكن هي معية للصفات، فهو سبحانه مع العباد بالعلم والمراقبة والشهادة والخبرة بأحوالهم. وجاء أيضاً لفظ المعية خاصاً كما في قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:128]، وقوله: {قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه:46] فهذه المعية المذكورة في هذه الآية لا تشمل فرعون وجنده وسحرته فهي معية خاصة. كذلك قوله تعالى حاكياً عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40]. فلو كان المراد: معنا بذاته، لكان التعميم يناقض التخصيص -يعني: لو أن معية الله سبحانه وتعالى هي بذاته لكان التعميم في بعض الآيات يناقض التخصيص في البعض الآخر؛ لأنه سيكون مع الجميع بذاته، تعالى الله عن ذلك- لكنه قد عرف أن قوله (لا تحزن إن الله معنا) أراد به تخصيص نفسه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار. كذلك قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:128] خصهم بذلك دون الظالمين والفجار. وأيضاً فلفظ المعية ليست في لغة العرب ولا في شيء من القرآن أنه يراد به اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى، فعندما تقول: سرت مع القمر، ليس معناه أن تختلط ذاتك بذات القمر، بل القمر في السماء وأنت في الأرض، وكذلك حينما ترسل ابنك أو أخاك إلى أطراف الأرض وتقول له: إنني معك، فلا تعني بذلك أن ذاتك مع ذاته، كما في قوله تبارك وتعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الفتح:29] فليس فيها اختلاط الذوات. وكذلك قوله: {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء:146]، وقوله: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119]، وقوله تعالى: {وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ} [الأنفال:75] ومثل هذا كثير، فامتنع أن يكون قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ} [الحديد:4] دالاً على أن ذاته مختلطة بذوات الخلق. وبين شيخ الإسلام أن لفظ المعية في اللغة وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم معيته لكل موقف بحسبه، فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالإعانة والنصرة والتأييد، وهي المعية الخاصة لأولياء الله من الأنبياء والمرسلين والصالحين، أما المعية العامة فهي لكل الخلق، فهو معهم بالسلطان أي: بالعلم بالقدرة وغير ذلك، لكن في الحالتين ليست تقتضي اختلاط الذوات، بل هو على العرش عليم بما يفعله خلقه تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون)
تفسير قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون) قال عز وجل: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة:154] (ولا تقولوا) هذا عطف على قوله من قبل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة:153] (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات) يعني: لا تقولوا: هم أموات مثل غيرهم من الأموات, بل موتهم ذو صفة خاصة، فهم ليسوا كغيرهم من الأموات، وهذا هو المقصود من النهي هنا. (بل أحياء) يعني: بل هم أحياء، وأرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت كما جاء في صحيح مسلم. (بل أحياء ولكن لا تشعرون) أي: لا تعلمون ما هم فيه. ففي هذه الآية ينهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يقولوا للشهداء: هم أموات، بمعنى الذين تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأصبحوا كالجمادات كما يتبادر من معنى الميت؛ ولذلك الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: (لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات) يعني: لا تقولوا: هم أموات مثل غيرهم من الأموات، (بل أحياء) يعني بل هم أحياء. ويقول القاسمي: ينهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يقولوا للشهداء: أموات، بمعنى لا تسووهم بالأموات، لا تظنوا أنهم أموات كالأموات الذين تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأضحوا كالجمادات، كما يتبادر من معنى الميت، ويأمرهم سبحانه بأن يقولوا لهم: (بل أحياء) بل قولوا: هم أحياء؛ لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، كما قال تعالى في آل عمران: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:169 - 171]. فقوله في هذه الآية الكريمة في آل عمران: (بل أحياء عند ربهم) هذا تفسير لهذه الآية: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة:154]، (بل أحياء) نفهمها من قوله: (أحياء عند ربهم).
البقرة [178 - 188]
تفسير سورة البقرة [178 - 188]
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة:178]، (كتب) أي: فرض (عليكم القصاص) القصاص مأخوذ من التتبع، اقتص الأثر يعني: تتبعه، أو من القطع؛ لأن الذي يقتص من الجاني يقطع منه مثلما قطع من المجني عليه، أو من المساواة والمعادلة، فأصل معنى القصاص العدل والتساوي والمساواة. ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ)) أي: فرض عليكم المماثلة، ((فِي الْقَتْلَى)) يعني: المساواة في القتلى، والمراد في وصف القتلى، يعني: من حيث الحرية والإسلام وغير ذلك. إذاً: القصاص في القتلى بمعنى المماثلة، والسؤال الذي نريد أن نطرحه الآن: ما وجوه العدل والمساواة عند القصاص؟ في الوصف وفي الفعل، في الوصف يعني: لا يقتل الحر بالعبد، بل كما قال الله: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة:178]، وكذا المماثلة في الإسلام، فلا يقتل مسلم بكافر. وتجب المماثلة بالفعل بأن يقتل القاتل بمثل ما قتل، فيقتص منه بنفس الطريقة التي قتل بها ذلك المقتول. (والأنثى بالأنثى) وكذلك جاءت السنة بأن الذكر يقتل بها، فقد (أمر النبي صلى الله عليه وسلم برض -أي: بدق- رأس يهودي بين حجرين لرضه رأس جارية) رواه الشيخان. كذلك تعتبر المماثلة في الدين، فلا يقتل مسلم ولو عبداً بكافر، ولو حراً؛ لماذا؟ لأن للإسلام التميز، والإسلام كمال، والكفر نقص، فلا يسوى بينهما، فلا يقتل المسلم ولو عبداً بكافر ولو كان حراً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقتل مسلم بكافر) رواه البخاري.
خلاف الفقهاء في القصاص
خلاف الفقهاء في القصاص هناك خلاف بين العلماء في هذه الآية، وفي ذلك أحكام مفصلة جداً، لكن نقول على وجه الاختصار: قوله تعالى: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)) أي: المعادلة والمساواة بينهم، ((الْحُرُّ بِالْحُرِّ))، لكن الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ذهب إلى أن الكلام فيما يتعلق بالقصاص انتهى عند قوله تبارك وتعالى: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)) يعني: العدل مطلق هنا في القتلى، فالحر يقتل بالعبد، والمسلم يقتل بالكافر. وقوله بعد ذلك: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} ليس شرحاً لما تقدم، ولا ربط بين قوله: (كتب عليكم القصاص) وبين ما أتى بعدها، وعلى هذا الأساس فالإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى يجوز قتل المسلم بالكافر؛ أخذاً بعموم قوله تعالى: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة:45]، وقوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة:45]. أما جمهور العلماء فذهبوا إلى قوله تبارك وتعالى: ((الْحُرُّ بِالْحُرِّ))، وقال الإمام أبو حنيفة: إن العلة في وجود كلمة: (الحر بالحر والعبد بالعبد) ليس المقصود بها المساواة، فيجوز أن يقتل الحر بالعبد أو المسلم بالكافر، لكن المقصود بها الرد على ما كان سائداً عند بعض القبائل العربية، فقد كان عندهم أن القبيلة إذا كانت في عز ومنعة وفرسان وقوة، فقتل منهم عبد؛ فيأنفون أن يقتل به عبد مثله، لكن يقولون: لا يقتل العبد منا بعبد ونحن أشهر القبائل، وأرفع القبائل، وأعزها وأمنعها، ولابد أن يقتل به حر، وإذا قتلت منهم امرأة فيقولون: لا نقبل قتل امرأة في مقابلها، لكن لابد أن يقتل بها رجل، وإذا قتل منهم وضيع يقولون: لا نقبل في مقابلته إلا شريف، وهكذا. فلهذا أبو حنيفة يذهب إلى أن قوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} إشارة إلى إسقاط هذا المعنى الذي كان سائداً في بعض القبائل العربية. أما جمهور العلماء فقالوا: لا يقتل الحر بالعبد؛ لأن العبودية أثر من آثار الكفر، والعبد قد يكون مسلماً، لكن أصل سبب الاسترقاق هو الكفر، فالذي جلب له الرق هو الكفر، فوجود هذا الأثر منقصة فيه، فبالتالي لا يستوي مع الحر، والحر لا يقتل إلا بالحر، ولا يقتل الحر بالعبد، والأنثى بالأنثى، وبينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى؛ لأنه تعتبر المماثلة في الدين، ولابد أن يكون هناك اتفاق ومعادلة وتساوي في الدين، فلا يقتل المسلم بالكافر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يقتل مسلم بكافر) رواه البخاري.
معنى قوله: (فمن عفي له من أخيه شيء)
معنى قوله: (فمن عفي له من أخيه شيء) قوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} يعني: من القاتلين، {مِنْ أَخِيهِ} يعني: من دم أخيه المقتول، وهذا اللفظ: (مِنْ أَخِيهِ) دليل على أن القاتل لا يكفر كفراً أكبر، ولا يكفر كل من فعل فعلاً سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كفراً، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، وقال أيضاً: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، ولا شك أن الذنب الذي يسمى كفراً يكون أخطر وأعظم من الذنب الذي لا يسمى كفراً، فهو كفر عملي لا يخرج من الملة إلا باستحلاله. ومما يستدل به على أن هذا الكفر كفر غير مخرج من الملة قوله تبارك وتعالى في سورة الحجرات: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات:9]، فأثبت الإيمان مع وجود القتال، {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات:9]، ثم قال بعد ذلك: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات:10]، كذلك صدر الآيات هنا بقوله: (يا أيها الذين آمنوا) فالخطاب للمؤمنين مع وقوع التقاتل بينهم، ثم قال أيضاً: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ) مع وجود القتل لكنه سماه أخاً، فهذا يدل على بقاء أخوة الإيمان مع حصول هذه الكبيرة. (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ) يعني: من القاتلين، (مِنْ أَخِيهِ) أي: من دم أخيه المقتول، (شَيْءٌ) يعني: بأن ترك القصاص منه، وتنكير (شيء) يفيد سقوط القصاص بالعفو من بعض الورثة، يعني: إذا عفا بعض الورثة وبعضهم لم يعفو يسقط القصاص. كذلك إذا عفي عن بعض القصاص يسقط كل القصاص، فقوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه، وبالعفو من بعض الورثة. وفي ذكر (أخيه) تعطف داع إلى العفو، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى، فإنه ذكر وصف الإخوة كي يعطف قلب الذي سيقتص على قلب أخيه الجاني لعله يعفو عنه أو يرأف به، وفيه إيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان. إذاً: فائدة التعبير بأخيه تعطف داع إلى العفو، وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان.
معنى قوله: (فاتباع بالمعروف)
معنى قوله: (فاتباع بالمعروف) قوله تعالى: (فمن عفي) (من) مبتدأ شرطية أو موصولة، والخبر (فاتباع بالمعروف) يعني: فعلى العافي اتباع القاتل المعفو عنه بالمعروف، يعني: إذا قبل منه الدية فليطالبه بالدية بلا عنف، وترتيب الاتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما، وهو أحد قولي الشافعي. والقول الثاني: أن الواجب القصاص، والدية بدل عنه، فله ألا يقتص على أن يأخذ الدية، فلو عفا ولم يسمها فلا شيء له، ورجح. وقوله: {وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} يعني: وعلى القاتل (أداء) أي: للدية، (إليه) أي: إلى العافي الذي هو الوارث، (بإحسان) يعني: بلا مطل ولا بخس، يعني: يؤدي الدية إلى العافي -وهو الوارث- بإحسان بدون أن يماطله ولا يضاره ولا ينقص من حقه. {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ} أي: ذلك الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية (تخفيف) أي: تسهيل (من ربكم) يعني: عليكم. {وَرَحْمَةٌ} أي: بكم، حيث وسع في ذلك، ولم يحتم واحداً منهما، كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية. {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} أي: ظلم القاتل بأن قتله، (بعد ذلك) أي: بعد العفو، فبعد أن يعفو لا يجوز أن يقتل القاتل، فإن هذا من الظلم، (فمن اعتدى) يعني: ظلم القاتل بأن قتله، (بعد ذلك) يعني: بعدما عفا، فلابد أن يلتزم بالعفو. {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل.
تفسير قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة)
تفسير قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة) قال تبارك وتعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة:179] أي: بقاء عظيم، بخلاف تنكير كلمة حياة في قوله: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة:96]، فالمقصود بذلك حتى لو كانت أخس حياة، وهذا من صفة اليهود لعنهم الله، (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) أي حياة حتى لو كانت حياة ذليلة فهم حريصون عليها، أما قوله هنا: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) يعني: بقاء عظيم. {يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:179] يعني: يا ذوي العقول؛ لأن القاتل إذا علم أنه يقتل ارتدع، فأحيا نفسه وأحيا من أراد قتله، فشرع القصاص ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) أي: تتقون القتل لمخافة القود؛ لأن هذا فيه زجر لكم من تجاسر بعضكم على إراقة دم بعض. (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي: تتقون أن تقتلوا إذا قتلتم، أو يقتص منكم إذا اعتديتم على أرواح غيركم.
كلام نفيس للقاسمي في هذه الآية
كلام نفيس للقاسمي في هذه الآية هنا كلام من أنفس ما يقرؤه الإنسان في إعجاز القرآن الكريم، ذكره القاسمي رحمه الله تبارك وتعالى في تفسير قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، والإنسان إذا لم يرتبط بالنور الذي آتاه الله سبحانه وتعالى لأهل العلم ربما لا يستطيع أن يتدبر ويتمعن في القرآن، وهذا أنموذج من نماذج التدبر في القرآن الكريم وهو من أروع ما يكون، والإنسان مع قلة علمه، وضعف وعيه في لغة العرب ولغة القرآن الكريم يعجب حينما يسمع العلماء يقولون: هذا الكلام لا يقوى على الإتيان به بشر، وهذا في القرآن كله لكن هناك مواضع إنما تظهر عند التأمل والتدبر من أولي العلم الراسخين في العلم، مثل قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام: {فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف:80]، فالعلماء يتكلمون عن قمة البلاغة في هذه الآية، وهذا الأسلوب ولم يعرفه العرب على الإطلاق، لم يرتق له أي مخلوق من العرب قبل القرآن الكريم. والآن سنذكر نموذجاً عملياً ونرى فعلاً أن هذا القرآن مستحيل أن يكون كلام البشر أبداً، ولا يقوى بشر على ذلك، يقول القاسمي: كلام في غاية الفصاحة والبلاغة لما فيه من الغرابة، ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ))، كيف يكون القصاص الذي هو قتل القاتل حياة؟ حيث جعل الشيء محل ضده، فإن القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكاناً ومرساً للحياة، وعرّف القصاص ونكّر الحياة، (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)، وهذا يدل على أن في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه حتى كاد يفني بكر بن وائل؟! كان يقتل بالمقتول غير قاتله كما يحصل الآن في الصعيد للأسف الشديد من عادة الثأر، يقتل القاتل فيقتلون رجلاً من العائلة يكون موازياً للمقتول في الوجاهة الاجتماعية أو غير ذلك من الأمور. فهذا من آثار الجاهلية والعياذ بالله، فيجب أن يقتل القاتل، وليس بهذه الطريقة الفوضوية الجاهلية التي نراها في الصعيد. يقول: وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة، ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة! وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل؛ لأن القاتل يمتنع من القتل، فإذا أراد أن يقتل، عرف أنه يقتل، فيرتدع وينزجر. ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) يعني: أن تقتلوا، فإذا انكف القاتل عن القتل ماذا يحصل؟ يحيا هو ويحيا الذين كان يريد أن يقتلهم، فهي حياة له ولهؤلاء؛ لأنه إذا هم بالقتل فعلم أنه يقتص منه ارتدع فسلم صاحبه من القتل وسلم هو من القود، والقود هو القصاص؛ سمي بذلك لأن القاتل كان يقاد بحبل إلى أن يقتص منه، فالقصاص سبب حياة نفسين.
بلاغة قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة)
بلاغة قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة) يقول القاسمي رحمه الله تعالى: اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني بالغة إلى أعلى الدرجات؛ لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة. فقد حاول العرب الفصحاء البلغاء أن يعبروا عن هذا المعنى بكثير من الألفاظ، وعددوها حتى تنوعت وتكاثرت، ومع ذلك لا يقوى واحد منها أبداً أن يوازى بكلام الله عز وجل. مثل قولهم: قتل البعض إحياء للجميع. وقولهم: أكثروا القتل ليقل القتل. يقول القاسمي سننتقي أجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب ونقارنها بقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) فانتقى القاسمي أروع ما عند العرب في هذا الباب, وأبلغ وأفصح ما أثر عنهم في التعبير عن هذه المعاني. يقول: وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم: القتل أنفى للقتل، وقد كانوا قبل نزول القرآن متفقين على استجادة معنى كلمتهم، واستجادة لفظها، ومعلوم لكل ذي لب أن بينها وبين ما في القرآن كما بين الله والمخلوقين، الفرق بين قوله تعالى: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)) وبين قول العرب: القتل أنفى للقتل كما بين كلام الله وبين كلام المخلوق، والفرق بينهما كالفرق بين الله وبين خلقه، وأنى لها الوصول إلى رشاقة القرآن وعذوبته؟! قال في الإتقان: وقد فضلت هذه الجملة على أبلغ ما كان عند العرب في هذا المعنى، وهو قولهم: القتل أنفى للقتل، وإنما كان هذا أفضل ما كان عند العرب من البلاغة لقلة الألفاظ مع سعة المعاني، فهذه أقل الألفاظ التي أثرت عن العرب: القتل أنفى للقتل، وقد فضلت هذه الآية بعشرين وجهاً أو أكثر على قولهم: القتل أنفى للقتل. وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل، وقال: لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق، وهذا كلام صحيح، كيف يقارن كلام الخالق بكلام المخلوق، حتى يقال: إنه أفضل من عشرين وجهاً؟! فلا وجه للمقارنة، ولكن العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك، وإن كان يخفى عليهم أضعاف أضعاف ما ذكروه مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى من الحكم، لكن من باب تدبر القرآن نتأمل في هذه الوجوه وننظر. يقول: الأول: أن ما يناظره من كلامهم -وهو القصاص حياة- أقل حروفاً، فإن حروفه عشرة، وحروف القتل أنفى للقتل أربعة عشر، فهذا أول الوجوه من حيث الوجازة. الثاني: أن نفي القتل لا يستلزم الحياة، فحينما نقول: القتل أنفى للقتل، فنفي القتل لا يستلزم الحياة، لكن حينما يقول الله تبارك وتعالى: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ))، فالقصاص حياة، فهنا نص على ثبوت الحياة، في حين أن عبارة العرب إنما تنفي القتل فقط لكنها لا تنص على ثبوت الحياة، والحياة هي الغرض المطلوب من القصاص. الثالث: أن تنكير حياة يفيد التعظيم، فيدل على أن في القصاص حياة متفاضلة كقوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة:96]، ذكرنا أنها حياة حتى ولو خفيفة، ويمكن أن يقال: القصاص حياة يعني: طويلة، ولا كذلك المثل، فإن اللام فيه للجنس؛ ولذا فسروا الحياة فيه بالبقاء. فإذاً: حياة تنكيرها يصير تعظيماً، فيدل على أن في القصاص حياة متفاضلة، ولا كذلك المثل. الرابع: أن الآية فيه مطردة بخلاف المثل، ففي كل قصاص حياة في كل الأحوال، أما القتل فلا يشترط أن كل قتل يكون أنفى للقتل، بل قد يكون أدعى له، وهو القتل ظلماً، بل إنما ينفيه قتل خاص، وهو القصاص، فلو قتل رجل آخر ظلماً فهل هذا القتل ينفي القتل أم أنه يكون مدعاة لمزيد من القتل؟ يكون مدعاة لحصول مزيد من القتل. فإذاً: كلامهم ليس على إطلاقه، وليس مطرداً؛ لأنه ليس كل أنواع القتل تكون أنفى للقتل بل بعضها قد تكون مجلبة للقتل، بخلاف القصاص الذي هو نوع مخصوص من القتل، فلذلك نراعي هنا الفرق بين كلمة القصاص وبين كلمة القتل. الخامس: أن الآية خالية من تكرار لفظ القتل الواقع في المثل، والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه وإن لم يكن مخلاً بالفصاحة، فقولهم: القتل أنفى للقتل، تكررت فيه كلمة القتل، وهذا لا يخل بالفصاحة، لكن بلا شك أن الخالي من التكرار أفضل من الذي يشتمل على التكرار. الوجه السادس: أن الآية مستغنية عن تقدير محذوف (القصاص حياة)، بخلاف قولهم ففيه حذف، فتقديره: القتل أنفى للقتل من عدم القتل، فإن (أنفى) أفعل تفضيل لابد أن يقدر له محذوف. أيضاً: حذف قصاصاً مع القتل الأول، وظلماً مع القتل الثاني، ففي المثل حذف كثير، فإن الذي يقصده العرب هو: القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً من عدم القتل، وحتى تفهم النص العربي لا بد أن تقدر كل هذا، أما الآية فهي مستغنية عن تقدير محذوف. السابع: أن في الآية طباقاً؛ لأن القصاص عكس الحياة، بخلاف المثل، فإن العرب قالوا: القتل أنفى للقتل، فهنا تشابه واضح، بخلاف الطباق بين القصاص والحياة، وهذا من أنواع البديع. الثامن: أن الآية اشتملت على فن بديع، وهو جعل أحد الضدين الذي هو الفناء والموت محلاً ومكاناً لضده الذي هو الحياة، وهذا من أروع ما يكون؛ لأن أحد الضدين الذي هو الفناء والموت جعله محلاً ومكاناً لضد الموت وهو الحياة، واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة، نقله في الكشاف، وعبر عنه صاحب الإيضاح بأنه جعل القصاص كالمنبع للحياة، ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)) كأن القصاص هو الذي تنبع منه الحياة، فهو بلا شك أروع ما يكون من البلاغة ومن البديع، فجعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال كلمة في: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ)). التاسع: أن في المثل توالي أسباب كثيرة خفية وهو السكون بعد الحركة وذلك مستكره، فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق به، وظهرت بذلك فصاحته، فالكلام الذي تكون حركاته سهلة ومتتالية غير الكلام الذي يكون فيه بين وقت وآخر السكون، كما في الآية: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) لكن في المثل: القتل أنفى للقتل. يقول: فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق به، وظهرت بذلك فصاحته، بخلاف ما إذا تعقب كل حركة سكون، فالحركات تنقطع. يقول: نظيره إذا تحركت الدابة أدنى حركة فحبست ثم تحركت فحبست لا تطيق إطلاقها، ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره فهي كالمقيدة. إذاً: هذا الفرق أيضاً من حيث اللغة، فالقتل أنفى للقتل غير (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ). العاشر: أن المثل كالمتناقض من حيث الظاهر؛ لأن الشيء لا ينفي نفسه، فقولهم: القتل أنفى للقتل، هل الشيء ينفي نفسه؟! الشيء لا ينفي نفسه، فهذا فيه تناقض من حيث الظاهر. الحادي عشر: سلامة الآية من تكرير القاف، وبعدها عن غنة النون.
تفسير قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت)
تفسير قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت) قال الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة:180]. قوله تعالى: (كتب عليكم) يعني: فرض عليكم. (إذا حضر أحدكم الموت) المقصود: إذا حضر أحدكم الموت يعني: أسباب الموت وأمارات الموت ومقدماته، وليس الموت الحقيقي؛ لأنه إذا حضر أحدنا الموت الذي تنزع فيه الروح لن يجد وقتاً للوصية، لكن المقصود هنا: أسباب الموت ومقدماته. (إن ترك خيراً الوصية) إن ترك خيراً أي: مالاً، وهذه أحد المواضع التي سمى فيها القرآن الكريم المال خيراً، ونظيرها قوله تبارك وتعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات:8]، (حب الخير) المقصود به المال، كذلك أيضاً قوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} [البقرة:272]، المقصود به المال، وكذلك قول موسى عليه السلام كما حكاه الله تبارك وتعالى: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24] فالمقصود بالخير المال. وقوله: ((إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ)) إشارة إلى إن المال الذي تحصل الوصية به ما كان مجموعاً من وجه حلال محمود، فهذا هو الذي يسمى خيراً، فإن المال لا يقال له خير إلا إذا كان كثيراً ومن مكان طيب، فالمال الذي يكون خيراً ويوصف بكلمة خير لابد أن يكون كثيراً ووفيراً وليس مالاً قليلاً، ومن مكان طيب، أي: من مصدر حلال، فهذا هو الذي يوصف بالخير، لكن مال قليل من مصدر حلال أو مال كثير من مصدر غير طيب لا يسمى خيراً. فقوله تعالى هنا: ((إِنْ تَرَكَ خَيْرًا)) فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا أتته علامات الموت أو أمارات الموت وليس عنده مال كثير، وورثته فقراء، فهذا لا يدخل في الأمر بالوصية هنا، إنما الوصية لمن ترك مالاً وفيراً. ((إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ)) (خيراً) يعني: مالاً، (الوصية) وهو مرفوع بِكُتِب، وتقدير الكلام: كتب عليكم الوصية إذا حضر أحدكم الموت، يعني: وقت حضور الموت، (إن ترك خيراً الوصية) يعني: فليوص. ((لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ)) يعني: بالعدل، ولا يكون عدلاً إلا إذا لم يزد عن الثلث، ولم يفضل الغني. وهذا الجزء من سورة البقرة حافل بالأحكام الشرعية الكثيرة جداً، فنحن نكتفي بهذه الإشارات العابرة ونرجو أن تفصل في أوقات أخرى. الوصية تكون -كما ذكرنا- لمن ترك مالاً كثيراً وورثته أغنياء، فيوصي بالثلث ولا يزيد على الثلث، واستحب بعض العلماء أن يقلل عن الثلث كما نصح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وأيضاً لا يفضل الغني في إعطاء الوصية. (حقاً على المتقين) مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله. (على المتقين) يعني: على المتقين الله، الذين يتقون الله. وقوله: ((كُتِبَ عَلَيْكُمْ)) يعني: فرض، وهذا الحكم منسوخ، وهذا الموضع أوضح نموذج يدل على جواز نسخ القرآن بالسنة، فإن هذه الآية منسوخة بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) والوارث هو الذي أنزل الله سبحانه وتعالى فريضته في القرآن الكريم كما في سورة النساء، فقد أعطى الله سبحانه وتعالى كل ذي حق حقه، فما دام الشخص يرث فليس له نصيب في الوصية، وهذا البلاء الآن منتشر للأسف بسبب جهل الناس، تجد الرجل يوصي لأولاده الذكور دون الإناث، ولا ينبغي أن يوصي للورثة ولو للذكور والإناث، والعطاء في حال الحياة هبة، أما أن يقول: إذا مت فأعطوا فلاناً كذا من أولاده فهذه وصية، والوصية لا تجوز للوارث؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أعطى هذا الوارث حقه بآيات الفرائض المعروفة في سورة النساء. إذاً: الوصية تكون لغير الوارثين، فيعطي -مثلاً- الأقارب الذين لا يرثون مثل أولاد ابنه المتوفى أو غيرهم من أقربائه، ويجوز أن يوصي إلى جهة من جهات الخير مثل ملاجئ أيتام مستشفيات وغير ذلك من الأعمال الخيرية. ووجوب الوصية منسوخ بآيات الميراث، وبحديث: (لا وصية لوارث) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
تفسير قوله تعالى: (فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه)
تفسير قوله تعالى: (فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه) قال تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} [البقرة:181] يعني: من بدل الإيصاء من شاهد أو وصي. (بعد ما سمعه) يعني: بعد ما علمه. {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} [البقرة:181] أي: إثم الإيصاء المبدل. {عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} [البقرة:181]، السياق كان يقتضي أن يقال: فإنما إثمه عليهم، أي: على الذين سبق ذكرهم في قوله: ((فَمَنْ بَدَّلَهُ))، لكنه أقام الظاهر مقام المضمر إشارة إلى جريمتهم بالتبديل، وأنها التي تستوجب عقوبتهم كما سيأتي. {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} [البقرة:181] لقول الموصي. {عَلِيمٌ} [البقرة:181] بفعل الوصي فمجاز عليه، ويترتب على أن الله سميع عليم أنه سيجازيه. {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا} [البقرة:182] أحياناً يطلق الخوف على العلم، مثل قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء:3] أي: إن علمتم، كذلك هنا: (فمن خاف) يعني: توقع أو علم، تقول مثلاً: أخاف أن تمطر السماء، يعني: أتوقع وأظن أن تمطر، فالتوقع والظن الغالب الجاري مجرى العلم يطلق عليه الخوف. (فمن خاف من مُوْصٍ) أو (من مُوَصٍّ) قراءتان. (جنفاً) يعني: ميلاً عن الحق خطأً، فالجنف هو الميل عن الحق عن طريق الخطأ لا العمد. (أو إثماً) بأن تعمد ذلك بالزيادة على الثلث أو تخصيص غني مثلاً. (فأصلح بينهم) يعني: أصلح بين الوصي والموصى له بالأمر بالعدل، وهذا الإصلاح يترتب عليه تبديل الوصية؛ لأن الوصي مال عن الحق خطأ أو أَثِم بتعمد الجور والظلم في الوصية. (فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم) بين الوصي والموصى له عن طريق إقامة العدل بينهم. {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة:182] أي: لا يأثم بهذا التبديل، بل هذا من فروض الكفاية، فيجب على المسلمين أن يتصدوا لمن يوصي وصية جائرة بأن يصلح بينهم بإقامة العدل وهو شرع الله سبحانه وتعالى. (فأصلح بينهم فلا إثم عليه) أي: في ذلك التبديل لماذا؟ لأنه بدل الباطل بالحق الذي يوافق شرع الله، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:182].
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام إن كنتم تعلمون)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام إن كنتم تعلمون) قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة:183] (كتب) يعني: فرض عليكم الصيام. (كما كتب) كما فرض على الذين من قبلكم، يعني: لستم وحدكم من الأمم في هذه الفريضة. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] أي: المعاصي؛ لأن الصيام يكسر الشهوة الباعثة إلى المعاصي. قال تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة:184] نصب بالصيام أو يقدر: صوموا أياماً معدودات. (معدودات) أي: قلائل أو مؤقتة بعدد معلوم وهي رمضان كما سيأتي، وقلله تسهيلاً على المكلفين، يعني: في كل السنة تصوم شهراً واحداً، لذلك قال: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)، رحمة وتسهيلاً على المكلفين وتخفيفاً. {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ} [البقرة:184] يعني: حين شهود شهر رمضان. {مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة:184] أي: مسافراً سفر القصر، وأجهده الصوم في الحالين المرض أو السفر فأفطر {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184] (عدة) يعني: فعليه عدة ما أفطر، يعني: نفس العدد الذي أفطره يقضيه. (من أيام أخر) يعني: يصوم هذا بدله. {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} [البقرة:184] يعني: وعلى الذين لا يطيقونه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه (مرض مزمن). {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة:184] يعني: فدية هي طعام مسكين، يعني: قدر ما يأكله المسكين في اليوم، وفي قراءة بإضافة (فدية) وهي للبيان. وقيل: (لا) غير مقدرة في قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} [البقرة:184]، فنحن قلنا: التقدير: وعلى الذين لا يطيقونه لكبر أو مرض مزمن فدية طعام مسكين، وقيل: (لا) غير مقدرة، وكانوا مخيرين في صدر الإسلام بين الصوم والفدية، ثم نسخ التخيير بتعيين الصوم بقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185]، قال ابن عباس: إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على الولد فإنها باقية بلا نسخ في حقهما. {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} [البقرة:184] يعني: بالزيادة على القدر المذكور في الفدية، بدل أن يخرج مداً أخرج صاعاً. (فهو خير له) أي: التطوع خير له وأفضل. {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:184] (أن تصوموا) مبتدأ مصدر مؤول من أن والفعل، وخبره (خير لكم)، والتقدير: وصيامكم خير لكم من الإفطار والفدية. {إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:184] أنه خير لكم فصوموا تلك الأيام.
تفسير قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن)
تفسير قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185] يعني: من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر منه. {هُدًى لِلنَّاسِ}، هدى حال، أي: هادياً من الضلالة. {وَبَيِّنَاتٍ} أي: آيات واضحات. {مِنَ الْهُدَى} مما يهدي إلى الحق من الأحكام. {وَالْفُرْقَانِ} يعني: ومن الفرقان الذي يفرق به بين الحق والباطل. {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ} يعني: من حضر ولم يكن مسافراً، {الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} تقدم تفسيره في الآية السابقة، فلماذا كرر؟ كرر لئلا يتوهم نسخه بتعميم (فمن شهد)؛ لأنه قد يتوهم أن قوله تبارك وتعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} يعني: كلكم يجب أن تصوموا حتى لو كنتم مرضى أو مسافرين، فكرر الله سبحانه وتعالى هذه الرخصة للمريض وللمسافر لأنه قد يتوهم أن هذه الآية تنسخ ما قبلها في قوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة:184]، فكررها حتى يدفع هذا التوهم. {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، ولذا أباح لكم الفطر في المرض والسفر، ولكون ذلك في معنى العلة أيضاً للأمر بالصوم فقد عطف عليه: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} (ولتُكْمِلوا) بالتخفيف، وبالتشديد: (ولتُكَمِّلوا) في القراءة الأخرى: أي: عدة صوم رمضان. {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} يعني: عند إكمال هذه العدة. {عَلَى مَا هَدَاكُمْ} أي: ما أرشدكم لمعالم دينه. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: تشكرون الله على ذلك.
تفسير قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب)
تفسير قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) سأل جماعة النبي صلى الله عليه وسلم: (أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزل: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)) [البقرة:186]) يعني: قريب منهم بعلمي. ويلاحظ أن هذه الآية امتازت عن غيرها من آيات السؤال كقوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ} [النساء:176]، يسألونك عن كذا، قل كذا، لكن في هذا الموضع بالذات لم يأت بصيغة يسألونك عن الله فقل إني قريب، لماذا؟ فالله سبحانه وتعالى هو الذي يبادر ويخبر العباد بهذه الحقيقة، فمن رحمته بهم يفتح لهم هذا الباب من الخير الذي هو باب الدعاء. {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} أي: قريب منهم، ويفسر القرب بالعلم بالسمع بالبصر بالإحاطة، وليس المقصود القرب بالذات، فإن الله سبحانه وتعالى بائن من خلقه لا يمتزج بهم، تعالى الله عن ذلك. {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} يعني: أجيبه ما سأل. {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} يعني: يجيبوا لي دعائي لهم بالطاعة. {وَلْيُؤْمِنُوا بِي} يعني: يدوموا على الإيمان ويثبتوا عليه. {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} أي: يهتدون.
تفسير قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم)
تفسير قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة:187] (الرفث) بمعنى: الإفضاء، والإفضاء يعدى بإلى، أما الرفث فيعدى بالباء، يقال: رفث بالمرأة، لكن لأن الرفث هنا بمعنى الإفضاء عداه بإلى فقال: (الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) يعني: بالجماع. والرفث أصله قول الفحش، قال الله: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة:197]، وكنى به هنا عن الجماع، وسنة الله سبحانه وتعالى التكنية عما يستقبح ذكره صريحاً كقوله تعالى: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} [الأعراف:189]، وكقوله تبارك وتعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223]. ((أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ))، نزل نسخاً لما كان في صدر الإسلام من تحريمه، وتحريم الأكل والشرب بعد العشاء أو إذا نام قبل ذلك، فقد كان الإنسان إذا تعشى يحرم عليه بعد ذلك المفطرات بقية الليل، أو إذا نام قبل أن يتعشى فلا يحل له أن يأتي شيئاً من المفطرات أيضاً في الليل، كما حصل لـ قيس بن صرمة فغشي عليه نصف النهار من الجوع إذ تأخرت امرأته في تحصيل الطعام وغابت عنه ساعات، فلما رجعت وهو نائم قالت له: خيبة لك! فصام اليوم الثاني ولم يكن قد أفطر في اليوم السابق ولا تسحر، فغشي عليه في نصف النهار، رواه البخاري. {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} هذا كناية عن تعانقهما أو احتياج كل منهما إلى صاحبه، يقول الراغب: جعل اللباس كناية عن الزوج لكونه ستراً لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء. فالمفروض أن الزوج يستر امرأته وهي أيضاً تستره، فكل منهما لباس بمعنى أنه يستر الآخر كما أن الملابس تستر البدن، فكل منهما ينبغي أن يكون ستراً للآخر، فلا يكشف عيبه، ولا يفشي سره، ولا يظهر أي عيب فيه، كما أن اللباس ستر يمنع أن يبدو منه السوءة، وعلى ذلك كني عن المرأة بالإزار، فوصفت بأنها إزار الرجل لأنها تستره. وأيضاً سمي النكاح حصناً لكونه حصناً لذويه من تعاطي القبيح، والمحصن أحياناً يأتي بمعنى المتزوج. إذاً: المعنى: (هن لباس لكم) يعني: أنتم تسترونهن وهن يسترنكم، وهذا ألطف من قول بعضهم: شبه كل واحد من الزوجين لاشتماله على صاحبه في الضم باللباس المشتمل على لابسه. قال الزمخشري: فإن قلت: ما موقع قوله: ((هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ))؟ قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، يعني: أشار بهذا التعبير إلى الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى أحل لهم الرفث إلى النساء في ليالي رمضان بعد أن كان قد حرم عليهم؛ لأنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن، وصعب عليكم اجتنابهن؛ فلذلك رخص لكم في مباشرتهن، ولذلك قال: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ}، اختيان النفس هو نزوعها إلى رغبتها، ومنه قولهم: خانته رجلاه، إذا لم يقدر على المشي. أي: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لو لم يحل لكم ذلك، علم الله أنه إذا لم يبح لكم هذا فإنكم كنتم سوف تختانون أنفسكم، فأحله رحمة بكم ولطفاً. وفي الاختيان وجه آخر وهو أنه عنى به مخالفة الحق بنقض العهد، أي: كنتم تظلمونها بتعريضها للعقاب لو لم يحل ذلك لكم، قالوا: والاختيان أبلغ من الخيانة، ففيه زيادة وشدة. {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ} أي: تخونون أنفسكم بالجماع ليلة الصيام، وقد وقع ذلك لـ عمر وغيره كما رواه أحمد وابن أبي حاتم بسند حسن وغيرهم، واعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا صح هذا فعلى العين والرأس، وإن لم يصح فيكون المعنى: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لو لم يبح لكم ذلك، لشدة ومشقة ذلك عليكم. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي: قبل توبتكم. {وَعَفَا عَنْكُمْ} يعني: إذ أحل لكم إتيانهن. {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} أي: جامعوهن. {وَابْتَغُوا} هذا الأمر على الإباحة ليس على الإيجاب؛ لأنه سبقه حظر، ومعنى (وَابْتَغُوا) أي: اطلبوا.
معنى قوله تعالى: (وابتغوا ما كتب الله لكم)
معنى قوله تعالى: (وابتغوا ما كتب الله لكم) قوله تعالى: {وَابتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي: ما أباحه لكم من الجماع أو ما قدره لكم من الولد. قوله تعالى: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}، تأكيد لما قبله، أي: ابتغوا هذه الرخصة التي أحلها لكم، و (كتب) هنا بمعنى: جعل، كقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة:22] يعني: جعل في قلوبهم الإيمان، وقوله تعالى: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران:53] يعني: فاجعلنا مع الشاهدين، وقوله تعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف:156] يعني: سأجعلها. وقد تكون بمعنى: قضى، (ابتغوا ما كتب الله لكم) يعني: ما قضى كقوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة:51] يعني: إلا ما قضاه لنا، وقوله تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة:21] يعني قضى، وقوله: {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران:154] يعني: قضي. قال الراغب: في الآية إشارة في تحري النكاح إلى لطيفة وهي: أن الله تعالى جعل لنا شهوة النكاح لبقاء نوع الإنسان إلى غاية، كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية، فحق الإنسان أن يتحرى بالنكاح ما جعل الله له على حسب ما يقتضيه العقل والديانة، فمتى تحرى به حظ النفس وحصن النفس على الوجه المشروع فقد ابتغى ما كتب الله له، وإلى هذا أشار من قال: على الولد، {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} يعني: الذرية والأولاد. وقال هنا: ((وَابْتَغُوا)) أي: اطلبوا. ((مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)) أي: أباحه من الجماع أو قدره من الولد.
معنى قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)
معنى قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} أي: الليل كله، وهذا الأمر على الإباحة، والمعنى: وكلوا واشربوا الليل كله، فهو مباح لكم. {حَتَّى يَتَبَيَّنَ} أي: يظهر. {لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} يعني: من الفجر الصادق، أي: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر الصادق من الخيط الأسود من الليل، فقوله: (من الفجر) متعلق بالخيط الأبيض، وحذف (من الليل) المتعلق بالخيط الأسود. شبه ما يبدو من البياض وما يمتد معه من الغبش بخيطين أبيض وأسود في الامتداد. {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} أي: ثم أتموا الصيام من الفجر إلى الليل، ولابد من تقدير كلمة (من الفجر) إلى الليل، وما الدليل على تقدير (من الفجر)؟ الدليل ما قبلها: (حتى يتبين لكم)، وقوله: (إلى الليل) يعني: إلى دخول الليل بغروب الشمس. {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ} أي: نساؤكم. {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ} المقصود هنا الوطء، (وأنتم عاكفون) يعني: مقيمون بنية الاعتكاف {فِي الْمَسَاجِدِ}، وهذا نهي لمن كان يخرج وهو معتكف فيجامع امرأته ويعود، وهذا لا يحل في الاعتكاف لا في الليل ولا في النهار. {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} تلك الأحكام المذكورة حدود الله حدها لعباده ليقفوا عندها. {فَلا تَقْرَبُوهَا}، هذا أبلغ من (لا تعتدوها) في هذا الموضع؛ لأنه إذا نهى عن الاقتراب فمن باب أولى أن ينهى عن التعدي. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ} يعني: بين لكم ما ذكر. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} يعني: يتقون محارمه.
تفسير قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)
تفسير قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) قال عز وجل: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188] أي: لا يأكل بعضكم مال بعض. ((بِالْبَاطِلِ)) أي: بالحرام شرعاً كالسرقة والغصب. {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} أي: ولا تدلوا، فهنا (تدلوا) معطوفة على ما قبلها، فالمقصود: ولا تأكلوا ولا تدلوا، أي: لا تلقوا بها إلى الحكام، لا تلقوا بها أي: بحكومتها، وذلك: بإقامة الدعوى بها باطلاً، أو بالأموال رشوة. {لِتَأْكُلُوا} يعني: بهذا التحاكم. {فَرِيقًا} أي: طائفة. {مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ} أي: متلبسين بالإثم. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يعني: أنكم مبطلون في هذا. ونزيد هذا المعنى إيضاحاً: يقول تبارك وتعالى: ((وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)) قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره بذلك: ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، فجعل بذلك آكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل. وهذا إشارة إلى حرمة مال المسلمين. وقوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) جعل مال الإخوة كأنه مالك أنت؛ فلذلك يجب الاجتهاد في حفظ أموال المسلمين كما تحفظ مالك، ونظير ذلك قوله تعالى: {وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} [الحجرات:11] أي: إخوانكم، وقوله: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء:29] يعني: لا يلمز بعضكم بعضاً، ولا يقتل بعضكم بعضاً؛ لأنه تعالى جعل المؤمنين إخوة، والعرب تكني عن نفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها؛ لأن أخا الرجل عندها كنفسه، فتأويل الكلام: ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل، وأكله بالباطل أكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه، فالفارق بين الحق والباطل في المال بين الذي يحل لك والذي لا يحل لك هو حكم الشرع، ليس الهوى وليس الاتفاق؛ لأن الناس قد يتراضون على أكل الأموال بالباطل، مثل بعض العقود المحرمة، كالذي يتعامل بالربا في عقد ربوي بالتراضي، ويقول: نحن متفقون. فنقول: التراضي أحد شروط صحة البيع، لكن هناك شروط أخرى، وأهمها وأعظمها: أن توافق الشرع. أيضاً: المال الذي يعطى لفرقة الموسيقى التي يأتون بها في الأفراح هو من أكل الأموال بالباطل، ويحرم على الرجل أن يدفع لهؤلاء مالاً، ويحرم على هؤلاء أن يأخذوا هذا المال؛ لأن الذي يحل ويحرم هو الله، والله حرم ذلك. وهكذا أي نوع من العقود المحرمة مثل: ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن الذي يدفع للسحرة والعرافين، والرشوة؛ كل هذا من أكل أموال الناس بالباطل، فكل مال يعطى للرجل وهو غير حلال له شرعاً فهذا من أكل الأموال بالباطل. وقوله: ((بَيْنَكُمْ)) إما أنها ظرف (لتأكلوا) يعني: لا تتناولوها فيما بينكم بالأكل، أو أنه حال من الأموال، أي: لا تأكلوها كائنة بينكم ودائرة بينكم، (بالباطل) يعني: متلبسين بالباطل.
تفصيل معنى قوله تعالى: (وتدلوا بها إلى الحكام)
تفصيل معنى قوله تعالى: (وتدلوا بها إلى الحكام) قوله: ((وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ)) المقصود أنكم تترافعون إلى الحكام، وتدعون دعاوى كاذبة في حق بعضكم حتى تأكلوا الأموال بالباطل. وقوله: (وتدلوا) مجزوم عطفاً على النهي، يعني: ولا تدلوا، وفي قراءة أبي (ولا تدلوا) بإثبات لا الناهية، والإدلاء مأخوذ من الدلو، وهو إرسال الدلو في البئر للاستقاء، ثم استعير لكل إلقاء قول أو فعل يتوصل به إلى شيء، فكل من ألقى شيئاً ليتوصل به إلى شيء يقال: قد أدلى، ومنه يقال للمحتج الذي يحتج ويقيم الحجة: أدلى فلان بحجته، كأنه يرسل الحجة حتى يصل إلى مراده، كإدلاء المستقي الدلو ليصل إلى مطلوبه من الماء، وفلان يدلي إلى الميت بقرابة أو رحم إذا كان منتسباً إليه؛ فيطلب الميراث بتلك النسبة، يدلي إليه بقرابة، فكأنه اتخذ من هذه القرابة سبباً يوصله إلى حقه من الميراث. والباء في قوله: (وتدلوا بها) صلة الإدلاء، والمعنى: لا تلقوا أمرها والحكومة بها إلى الحكام، أو لا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة ليعينوكم على اقتطاع أموال الناس، (وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش -وهو الواسطة الذي يمشي بينهما-) رواه أهل السنن، وذلك لأن ولي الأمر إذا أكل هذا السحت -وهي: الرشوة، وتسمى أحياناً بالهدية، والإكرامية، والقهوة- احتاج أن يسمع الكذب من شهادة الزور وغيرها مما فيه إعانة على الإثم والعدوان. وولي الأمر إنما جعل ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، هذا مقصود الولاية، وإذا كان الوالي يمكن من المنكر بمال يأخذه كان قد أتى بضد المقصود، مثل من نصبته ليعينك على عدوك فأعان عدوك عليك، وبمنزلة من أخذ مالاً ليجاهد به في سبيل الله فقاتل المسلمين، فالحاكم أو القاضي إنما جعل ليقيم العدل بين الناس، وليحمي الناس من ظلم بعضهم لبعض، فإن كان ظالماً فقد أتى بضد المقصود من ولايته، فيكون مثل من نصبته ليعينك على عدوك فأعان عدوك عليك. ((وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ)) (بها) الهاء تعود إلى الحكومة، وكلمة حكومة معناها في مثل هذا السياق وفي كلام السلف ليس المعنى السياسي الذي يتبادر الآن إلى أذهاننا، بل المعنى رفع الدعوة إلى القاضي، هذه تسمى حكومة. ((وَتُدْلُوا بِهَا)) يعني: بهذه الحكومة والدعوة، وترفعونها إلى القضاء. ((إِلَى الْحُكَّامِ)) جمع حاكم، وهو منفذ الحكم بين الناس.
معنى قوله تعالى: (لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم)
معنى قوله تعالى: (لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم) قوله تعالى: ((لِتَأْكُلُوا)) يعني: بواسطة حكمهم الفاسد وبالتحاكم إليهم. ((فَرِيقًا)) يعني: طائفة وقطعة. {مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ} (بالإثم) يعني: بأمر يوجب إثماً، كشهادة الزور، واليمين الفاجرة، والحكم الفاسد الناشئ عن رشوة، وهذا لا يفيد الحل. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يعني: وأنتم تعلمون أنكم على الباطل، وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبها أحق بالتوبيخ، فالتقييد بالعلم لزيادة تقبيح حالهم. فقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} مثل: أكل المال، سرقة الأرض، غصب أي شيء من الحقوق، فيدلي بها إلى الحكام، أي: يرفع الحكومة والدعوة الظالمة الكاذبة إلى القاضي ويعطيه الرشوة. {لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا}، قطعة من أموال الناس. ((بِالإِثْمِ)) الإثم إما الرشوة للحاكم الذي يطاوعكم في هذا الظلم، أو لا يكون الحاكم ظالماً لكن أنت تأتي بشاهد زور، أو تحلف يميناً غموساً محرمة، فهذه كلها أنواع من الإثم.
معنى قوله تعالى: (وأنتم تعلمون)
معنى قوله تعالى: (وأنتم تعلمون) قوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، إشارة إلى قبح حالكم؛ لأنكم لا تفعلون هذا وأنتم جاهلون بهذا، لكن أنت تعلم في قرارة نفسك أن هذا المال ليس من حقك، فأنت تعلم ولست تجهل، فهذا فيه تقبيح وتوبيخ لحالهم، والمقصود إن خفي ظلمكم على الناس، فإنهم لا يعلمون ما في نفوسكم، فأنت تعلم أن هذا حرام عليك. والناس الآن في أوضاع مؤلمة جداً،، الشيء الحرام عند بعض الناس هو الذي يعجز عنه، لكن ما قدر عليه يكون حلالاً، فالفيصل عنده ليس أن هذا الشيء حقي عند الله سبحانه وتعالى أم ليس حقي، لكن الفيصل عنده هل أقدر عليه أم لا أقدر؟ فإذا قدر عليه فهو حلال له، والحرام عنده هو الذي يعجز عنه، هذا حال كثير من الناس إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، وللأسف هذا في عامة ما حرم الله، تجد مثلاً الفروج الحرام منها عند بعض الفسقة ما عجز عنه، أما إذا قدر عليه فهو حلال عنده، وهذا بلا شك مصادمة لشرع الله تبارك وتعالى، وعدم خوف منه تبارك وتعالى. هذه الآية المقصود بها أن الحاكم يحكم بما يظهر له، والقاضي بشر يتعامل مع الوثائق بما يظهره الناس من شهادات أو يمين أو غير ذلك، فيمكن أن تعلم أن هذا ليس من حقك، والقاضي حكم لك، فلا تعتقد أن هذا حلال لك، ما دمت تعرف أنه حرام فهو حرام، وحكم الحاكم لا يحله، والحاكم أو القاضي معذور؛ لأنه حكم بما يظهر له بحسب الوثائق، لكن إن كنت تعلم أنه عند الله سبحانه وتعالى ليس حلالاً لك فسيبقى حراماً، ولا يحله لك حكم الحاكم، ولذلك قال: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: إن خفي ظلمكم على الناس فإنه لا يخفى عليكم، وهذا تنبيه على أن الاعتبار بما عليه الأمر في نفسه، وما علمتم منه، لا بما يظهر. قال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآية في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة، فيأتي الآخر يريد حقه، فيجحد هذا المال، ويخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آكل حرام، فإذا حكم له القاضي لا يحل له ذلك. وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم، وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له) أي: عنده قدرة على الكلام وتأويل الكلام كحال كثير من المحامين الذين لا يخافون الله سبحانه وتعالى، وظيفته محامي، ويعتقد أنه يحل له أن يدافع عن الظالم، يكون الرجل قاتلاً ويدافع عنه، ويحاول أن يبرئه، ويفخر المحامي الظالم بأنه أخرجه من القضية كما تخرج الشعرة من العجين، وقد يكون المجرم تاجر مخدرات يحارب المسلمين أشد من الحرب النووية، ومع ذلك يفخرون بأن المحامي هذا ماهر؛ لأنه تمكن أن يبرئه تماماً من القضية، وهذا بسبب لحن القول، وقدرته على تزيين الكلام وزخرفته وتمويهه لستر هذه الجريمة أو غيرها من الجرائم، فالقاضي يحكم بما يظهر له. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ألا إنما أنا بشر مثلكم -يعني: لا أعلم الغيب- وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له -في بعض الروايات: فأقضي له بنحو مما أسمع-، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار) إذا كنت تعلم أن هذا ليس من حقك، ولكن لأنك فصيح والآخر عيي لا يستطيع الكلام غلبته بالكلام، فأنا أحكم على ما يظهر لمن يأتيني بالبينة، فقد يكون صاحب الحق ليس عنده بينة، وضع أمانته عند خائن، ففي هذه الحالة إذا حكمت بما يظهر فاعلم أن ما تأخذه إنما هو قطعة من النار، فليحملها أو ليذرها حسب خوفه من الله. فدلت الآية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير حقيقة الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حراماً ولا يحرم حلالاً، وإنما حكم القاضي يلزم قضاءً لا ديانة في الظاهر فقط، فإن طابق في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره؛ لأنه اجتهد، وعلى المحتال وزره، ولهذا قال تعالى في آخر الآية: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم. قال قتادة: اعلم -يا ابن آدم- أن قضاء القاضي لا يحل لك حراماً ولا يحق لك باطلاً، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض. يعني: القضاء حسم الخصومة في الدنيا فقط، ولكنها ستحسم يوم القيامة، فليس كل ما تقدر عليه بحكم قاضي أو بسلطة أو بغير ذلك يكون حلالاً لك، إنما الحلال ما أحله الله. يقول: واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة فيقضي على المنكر للحق بأجود مما قضي به للمبطل على المحق في الدنيا.
البقرة [189 - 195]
تفسير سورة البقرة [189 - 195]
تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج)
تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) قال الله تبارك وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة:189]، يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (يسألونك) يعني: يا محمد صلى الله عليه وسلم. (عن الأهلة) جمع هلال، لم تبدو دقيقة ثم تزيد حتى تمتلئ ثم تعود كما بدأت ولا تكون على حالة واحدة كالشمس؟! (قل هي مواقيت) يعني: قل لهم: هي مواقيت، جمع ميقات. (للناس) يعني: يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم وعدد نسائهم. العدد جمع عدة، أي: ليحصوا عدة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، وصيامهم وإفطارهم. (والحج) الحج يدخل فيما سبق لكن الله سبحانه وتعالى أفرد الحج بالذكر لبيان شرفه وفضيلته على ما عداه من الأعمال. (قل هي مواقيت للناس والحج) عطف على الناس، أي: ليعلم بها وقت الحج، فلو استمرت على حالة واحدة لم يعرف ذلك. (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) يعني: في الإحرام، بأن تنقبوا فيها نقباً تدخلون منه وتخرجون، وتتركوا الباب، وهم ناس من الأنصار كانوا يفعلون ذلك ويزعمونه براً. (ولكن البر) يعني: ولكن ذا البر (من اتقى) يعني: الذي يتقي الله بترك مخالفته. (وأتوا البيوت من أبوابها) يعني: في الإحرام وغيره، يعني: في حالة الإحرام كغير الإحرام ائتوا البيوت من أبوابها. (واتقوا الله لعلكم تفلحون) أي: تفوزون. أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله! لم خلقت الأهلة؟ فنزلت هذه الآية. وروى أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يطلع دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان، ولا يكون على حال واحدة؟ يعني: لماذا القمر تعتريه هذه التغييرات زيادة ونقصاناً في حين الشمس تكون ثابتة على حال واحدة؟ فنزلت هذه الآية.
معنى قوله تعالى: (قل هي مواقيت للناس)
معنى قوله تعالى: (قل هي مواقيت للناس) قوله تعالى: ((قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ)) يعني: معالم لهم في حل دينهم، فيعتمدون عليها في مواعيد حلول الدين، ولصومهم ولفطرهم وأوقات حجهم، وأجائرهم -يعني الإجارات- وأوقات الحيض، وعدد نسائهم، والشروط التي إلى أجل، فكل هذا مما لا يسهل ضبط أوقاتها إلا عند وقوع الاختلاف في شكل القمر زيادة ونقصاً؛ ولهذا ميزها عن الشمس التي تبقى دائماً على حالة واحدة. قال بعض المفسرين: ثمرة الآية أن الأحكام الشرعية كالزكاة والعدد للنساء والحمل تتعلق بشهور الأهلة لا بشهور الفرس، أما ما يتعلق بالعقود والأفعال المتعلقة بفعل بني آدم فيتبع فيه العرف من حسابهم بالأهلة أو بشهور الفرس فهذا حكم وذاك حكم آخر. إذاً: أي فعل علق الله سبحانه وتعالى عمله على زمن معين فهذا يجب الالتزام فيه بالأهلة وليس بالتقويم الشمسي، كالزكاة مثلاً، إذا أراد الإنسان أن يبحث هل حال الحول على زكاته أم لا، فلابد أن ينتبه إلى أن المقصود الحول الهجري وليس الحول الميلادي، فلابد من اعتبار حول السنة الهجرية المعروفة. كذلك عدد النساء لا تحسب إلا بالشهور الهجرية، كذلك أيضاً الحمل، وغير ذلك، فهذه الأحكام التي لها علاقة بالأحكام الشرعية لابد من الالتزام فيها بالشهور الهلالية، أما العقود التي ينشئها الناس فيما بينهم أو غير ذلك من الأعمال التي لم تربط بأفعال شرعية فهذه يرجع فيها إلى العرف بالأهلة أو بغيرها. وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في آيات كقوله سبحانه وتعالى: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس:5]، وقال تعالى: {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء:12]، آية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس، {وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [الإسراء:12] أي: من غير افتقار إلى مراجعة المنجم وحساب الحاسب رحمة منه تعالى وفضلاً. وإفراد الحج بالذكر هنا تنويه بشأنه، وتشريف له، وقال القفال: نكتة إفراده -يعني: النكتة في إفراد الحج بالذكر رغم دخوله في عموم ما قبلها- بيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرضه، وأنه لا يجوز نقل الحج من تلك الأشهر إلى أشهر غيرها كما كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية. والجمهور من القراء على فتح الحاء من كلمة (الحج)، والحسن على كسرها في جميع القرآن، وقال سيبويه: هما مصدران كالرد والذكر، وقيل: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم. والأهلة جمع هلال، وجمعه باختلاف زمانه، والمقصود هنا جمع هلال بمعنى أنه يختلف في الزمان من وقت إلى آخر، فالهلال غرة القمر إلى ثلاث ليال أو سبع، غرة القمر من أول ما يبدو الهلال من الليلة الأولى إلى ثلاث أو سبع ليال يسمى هلالاً، ثم يسمى بعد ذلك قمراً، وليلة البدر لأربعة عشرة. قال أبو العباس: سمي الهلال هلالاً؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، فالإهلال رفع الصوت بالإخبار عن الهلال، وسمي بدراً لمبادرته الشمس بالطلوع كأنه يعجلها المغيب، وسمي بدراً لتمامه وامتلائه، وكل شيء تم فهو بدر.
سبب نزول هذه الآية
سبب نزول هذه الآية روى أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يطلع دقيقاً مثل الخيط؟ يعني: كان يشغل السائلين تفسير هذه الظاهرة وبتعبير معاصر كأنهم كانوا يسألوه عن التفسير العلمي للزيادة والنقصان في الهلال، وكان يمكن أن يقول لهم النبي عليه الصلاة والسلام: إن هذا ناشئ عن الظل حينما تكون الأرض بين الشمس والقمر، فإذا حجب ظل الأرض القمر لا يظهر منه شيء، ثم إذا انحسر قليلاً يبدو الهلال، وكلما مر الوقت فإنه يزيد حتى يصير بدراً ثم ينعكس كما هو معروف في دورة القمر. فهذا كأنه سؤال عما لا يغني وعما لا يفيد، فلذلك كان الجواب بما ينفع، فلم يفسر لهم هذا الذي كانوا يسألون عنه، وإنما انتقل إلى ما يفيدهم ويعود عليهم بالنفع تماماً كما أجاب النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي سأله: متى الساعة؟ فقال: (ما أعددت لها؟) فهو انصرف عن جواب سؤاله الذي لا يعنيه إلى ما يعنيه، ليس المهم متى الساعة، الساعة آتية ولو بعد أربعمائة سنة أو خمسمائة سنة أو أكثر أو أقل، وهذا لا يعنيك أنت، أنت لن تخلد شئت أم أبيت، أنت لك ساعتك، وقيامتك أنت يوم تموت، أما عمر الدنيا فهذا لا يعنيك، وهذا مما استأثر الله بعلمه، فانتقل إلى جوابه عما يفيده وما يعنيه، فقال: (ما أعددت لها؟ قال: لا شيء غير أني أحب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت). كذلك هذان الصحابيان قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو أو يطلع دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان، ولا يكون على حال واحدة؟ فنزلت هذه الآية: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ))، فهنا أجاب السائل بغير ما كان يطلب، ونزل سؤاله منزلة غيره تنبيهاً للسائل على أن ذلك الغير هو الأولى بحاله، أو هو المهم له، فلما سأله عن السبب الفعلي للتشكلات النورية في الهلال، أجيب بما ترى من السبب الغائي تنبيهاً على أن السؤال عن الغاية والفائدة هو أليق بحالهم؛ لأن درك الأسباب الفاعلية لتلك التشكلات مبني على أمور من علم الهيئة لا عناية للشرع بها، وهذه تترك لأهل الدنيا يتكلمون فيها، كعادة القرآن في أن أمور الدنيا يترك الله سبحانه وتعالى الأمر فيها للناس؛ لأن الله أوضع فيهم القوة والقدرة العقلية على استنباط واكتشاف هذه الأشياء، لكن الشرع يخبرنا بالأمور المهمة التي تفيدنا، مثلاً: صراخ المولود الطبيعي حين يولد نجد الأطباء لهم تفسيرات تتواءم مع علمهم وأمور الدنيا، فيقولون مثلاً: من أجل أن يتنفس ويتفتق حلقه وغير ذلك من الأشياء التي هي من فوائد هذا الصراخ، في حين أن الوحي أخبرنا عن سبب آخر لا يتعارض مع هذه الأمور التي يمكن أن يعلمها الناس من أمور الدنيا، فتركها لهم ليكتشفوها، أما الذي لا سبيل إلى دركه فهو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ما من مولود يولد إلا ويستهل صارخاً إلا ابن مريم وأمه)؛ وذلك استجابة لدعوة امرأة عمران وهي أم مريم عليها السلام حينما قالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران:36]، فيثبت النبي عليه الصلاة والسلام أن كل مولد يولد يطعنه الشيطان في خاصرته؛ إعلاناً له بالعداوة من أول لحظة، وأنه سيتلقاه بالعداوة كما عادى أبويه من قبل، فهذا إعلان لعداوته له من أول لحظة ينزل فيها إلى الدنيا، فهذا لا يمكن أن يصل إليه العلم البشري، فلذلك تكفل الله سبحانه وتعالى بإيحائه إلى نبيه عليه الصلاة والسلام. أما تفسيرات الظواهر الموجودة والمبثوثة في الآفاق وفي الكون وفي أنفسنا فتركت لأهل الدنيا يكتشفونها ويتحدثون عنها، أما الشرع فلا يهمه تفسير الهلال لماذا ينقص ويزيد وغير ذلك، فإنما يهمه الحكمة من وراء ذلك والغاية. فذكر أن الغاية هي أن ذلك مواقيت للناس والحج. يقول: فلو أجيبوا بأن اختلاف تشكلات الهلال بحسب محاذاته للشمس فإذا حاذاها طرف منه استنار ذلك الطرف، ثم تزداد المحاذاة والاستنارة حتى إذا تمت بالمقابلة امتلأ، ثم تنقص المحاذاة والاستنارة حتى إذا حصل الاجتماع أظلم بالكلية؛ لكان هذا الجواب اشتغالاً بعلم الهيئة الذي لا ينتفع به في الدين ولا يتعلق به صلاح معاشهم ومعادهم، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث لبيان ما يصلح ديننا ودنيانا. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال علي رضي الله عنه: من طلب علم النجوم تكهن. وهو من العلم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (علم لا ينفع وجهل لا يضر) وإن كان لا يصح هذا الحديث. على أي حال هذا أسلوب من الأساليب الحسنة في الجواب، إشعاراً بأن الأولى السؤال عن الحكمة فيه وليس عن كيفية تشكله، ونظيره عند العرب أن شاعراً أتته امرأته تشكو إليه من كثرة الضيفان وقرى الأضياف، ونحتاج إلى الاستشهاد بهذه الأشعار؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، يقول الشاعر: أتت تشتكي عندي مداولة القرى وقد رأت الضيفان ينحون منزلي فقلت كأني ما سمعت كلامها هم الضيف جدي في قراهم وعجلي فلم يجبها فيما شكت إليه، وانتقل إلى ما يفيد ويجدي. وكما قال أيضاً تبارك وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة:215]، سألوا عن بيان الشيء الذي يخرجونه، فأجيبوا ببيان المصرف الذي ينفقونه؛ لأن هذا هو الذي يفيدهم، فينزل سؤال السائل منزلة غير سؤاله لتوخي التنبيه له بألطف وجه على موضع سؤال هو أليق بحاله أن يسأل عنه، أو هو أهم له إذا تأمله، وهذا بلا شك: ينشط السامع إلى ما سمعه، وهذا الأسلوب الحكيم لربما طابق المقام فحرك من نشاط السامع ما سلبه حكم الوقوف، وأبرزه في معرض المذكور، وهل ألان شكيمة الحجاج في ذلك الخارجي، وسل سخيمته حتى آثر أن يحسن على أن يسيء، غير أن سحره بهذا الأسلوب؟ إذ توعده الحجاج بالقيد في قوله: لأحملنك على الأدهم، فقال متغاضياً -أي: الرجل قالها بصيغة التغاضي-: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب! فـ الحجاج كان يتهدده أنه يركبه على الفرس الأدهم، ويطاف به في الأسواق، وهذا أسلوب من أساليب المعاقبة من قبل. فالرجل تغاضى عن ذلك وسحر الحجاج بأسلوبه حينما لجأ إلى هذا الأسلوب الحكيم الذي نتحدث عنه، فلما قال له: لأحملنك على الأدهم، أظهر له أنه فهم غير ما أراد، وهو يعلم حقيقة ذلك، ولكنه تغابى، وكأنه فهم أنه يريد أن يكرمه، وسيحمله على الفرس الأدهم، فقال: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب يعني: مثلك رجل شريف ذو سلطان ولا يليق بك أن تحمل على الأدهم، بل تحملنا على شيء أعظم من ذلك، فقال متغاضياً: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، مبرزاً وعيده في معرض الوعد، مترتباً بأن يريه بألطف وجه أن امرأ مثله في مكمل الإمرة المطاعة خليق بأن يفد لا أن يوفد، وأن يعد لا أن يوعد.
معنى قوله تعالى: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها)
معنى قوله تعالى: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) قوله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة:189]. الباب: معروف، واستعير لمدخل الأمور المتوصل به إليها، فكل شيء يوصل إلى شيء يسمى باباً، ويقال في العلم: باب كذا. وقد ذكرنا أن سبب نزول الآية السابقة أنهم سألوا: ما بال الهلال يبدو دقيقاً ثم يكبر ويزيد إلى أن يصير بدراً؟ وكأن هذه الآية أيضاً فيها توبيخ لهم على الاهتمام بمالا يعنيهم في أمر العلم: ((وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)) يعني: انشغلوا بما يفيدكم، وهذا المعنى فصله ووضحه الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بكلام رائع في مقدمة كتابه الموافقات، وبفصل مستقل، وجعل ذلك مثلاً لسؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم عما ليس من العلم المختص بالنبوة؛ لأن ذلك عدول عن المنهج؛ وذلك أن العلوم ضربان: ديني ودنيوي يتعلق بأمر المعاش، كمعرفة الصنائع، ومعرفة حركات النجوم، ومعرفة المعادن والنبات وطبائع الحيوانات، وقد جعل لنا سبيلاً إلى معرفته من غير طريق النبي صلى الله عليه وسلم، تصوروا لو أن الصحابة أنفقوا عمرهم مع النبي عليه الصلاة والسلام في تفسير كيف تهطل الأمطار، وكيف تدور الأفلاك، وكيف ينشأ عنها الليل والنهار، وكيف كذا وكذا مما يدرس الآن في العلوم الحديثة، فأي خسارة كانت ستعود على المسلمين إذا انشغل المسلمون والصحابة بذلك عما يصلح الدين وما يصلح الآخرة، وعن أركان هذا الدين، وعن تفاصيل العبادات والمعاملات، وتفاصيل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتفاصيل الأخلاق الإسلامية؟! هذه الأمور نعرفها بالخبرة البشرية، وبمرور الوقت تنكشف علوم الدنيا؛ لأنها متعلقة بالمعاش وبالدنيا. أما الأمور الشرعية -وهو البر- فلا سبيل إلى أخذه إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أحكام التقوى: ((وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا))، فعوتبوا عندما جاءوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عما يمكنهم معرفته من غير جهته، فلو سألوا عالماً من أهل الهيئة فإنه سيشرح لهم موضوع الهلال كيف يزيد وينقص، فلما جاءوا يسألونه عما أمكنهم معرفته من غير جهته بين لهم أنه ليس البر سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عما ليس مختصاً بعلم نبوته، ولكن البر هو مجرد التقوى؛ وذلك يكون بالعلم والعمل المختص بالدين. قال أبو مسلم الأصبهاني: المراد بهذه الآية ما كانوا يعملونه من النسيء، فإنهم كانوا يؤخرون الحج عن وقته الذي عينه الله له، فيحرمون الحلال ويحلون الحرام، فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثل لمخالفة الواجب في الحج وشهوره. وقد روى البخاري وغيره عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء رضي الله تعالى عنه يقول: نزلت هذه الآية فينا، كان الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها -يعني: من النافذة أو من فتحة الجدار- قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه، وخالف هذه العادة التي كانت عند الأنصار في الجاهلية، فعيروه فنزلت: ((وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا))، وقول البراء: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا إلى آخر الأثر؛ هذا بحسب ما ظنه هو، وليس معنى ذلك أنها نزلت فيهم فقط، ولكن نقول: هي تصدق على هذا الحال، لا أن ذلك كان سبب نزولها، فأحياناً يقول العلماء: نزلت هذه الآية في كذا، وليس المقصود أن هذا هو سبب النزول، وإنما المقصود أن هذه الآية تصدق على هذا الحال، وإن لم يكن هو سبب النزول. ((وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)) أي: تحروا لكل عمل إتيان الشيء الديني منه، تنبيهاً على أن ما يطلب من غير وجهه يصعب تناوله. ثم قال: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ))، حثاً لنا أن نجعل تقوى الله شعارنا في كل ما نتحراه، وبين أن ذلك ذريعة إلى تحصيل الفلاح.
تفسير قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا)
تفسير قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا) قال تبارك وتعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة:190]، لما صد النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية، وصالح الكفار على أن يعود العام القادم، ويخلوا له مكة ثلاثة أيام، وتجهز لعمرة القضاء؛ خاف المسلمون ألا تفي قريش بذلك ويقاتلونهم، وكره المسلمون قتالهم في الحرم والإحرام والشهر الحرام؛ فنزلت هذه الآية: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} يعني: لا تتحرجوا عن القتال إذا قاتلكم المشركون أثناء إرادتكم عمرة القضاء، حتى ولو كنتم محرمين، ولو كنتم داخل البلد الحرام، ولو كنتم في الشهر الحرام؛ لأنكم لستم البادئين بهذا العدوان. ((وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: لإعلاء دينه. ((الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)) أي: من الكفار. ((وَلا تَعْتَدُوا)) أي: لا تعتدوا عليهم بابتداء القتال. {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190] أي: المتجاوزين ما حُد لهم، وهذا منسوخ بآية براءة: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36]، وبقوله: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة:191] وقد سبق أن تكلمنا بالتفصيل في معنى النسخ هنا، وأنه ليس المقصود به المعنى الاصطلاحي المتأخر، وهو أن يرد دليل شرعي متراخياً عن دليل شرعي آخر مقتضياً خلاف حكمه، ولكن النسخ هنا رفع الإيهام والإبهام يعني: حسب حال المسلمين من القوة والضعف، فإن كانوا في حال قوة وتمكين فإنهم يبدءون المشركين بالقتال، كما قال تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5] إلى آخر الآية، وإن كانوا لا يستطيعون إلا الدفاع فيجب عليهم الدفاع، وإن كانوا لا يستطيعون الدفاع فيصبروا ويأخذوا بآيات الإعراض عن المشركين والصفح والصبر على الأذى، وقد سبق أن تكلمنا عن هذا بالتفصيل مراراً.
تفسير قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم)
تفسير قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) قال تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة:191] أي: حيث وجدتموهم، {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} [البقرة:191] أي: من مكة، وقد فعل بهم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح. {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:191] (الفتنة) أي الشرك الذي يقع منهم (أشد) أي: أعظم، (من القتل) أي: من قتالهم في الحرم أو في الإحرام الذي استعظمتموه؛ لأنه إن كنتم تخافون أن يقاتلوكم وتنتهكوا بقتالهم حرمة الإحرام والشهر الحرام والبلد الحرام، فما هم عليه من الشرك وهم داخل الحرم الشريف وفي الشهر الحرام أشد من قتلكم إياهم. {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:191] يعني: في الحرم؛ لأن المسجد الحرام يطلق على عدة إطلاقات: يطلق على الكعبة نفسها كقوله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة:97]، ويطلق على المسجد، ويطلق على مكة ومنى، قال الله: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الفتح:25]، وقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الإسراء:1]، ومعلوم أن الإسراء كان من بيت أم هانئ من داخل مكة، فقوله هنا: ((وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)) يعني: في الحرم، وحدود الحرم أوسع من حدود مكة. {حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة:191] يعني: فإن قاتلوكم فيه، (فاقتلوهم) يعني: فيه، وفي قراءة: بلا ألف في الأفعال الثلاثة، يعني: (ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم). {كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة:191] يعني: كذلك القتل والإخراج جزاء الكافرين.
تفسير قوله تعالى: (فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم)
تفسير قوله تعالى: (فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم) قال تعالى: {فَإِنِ انتَهَوْا} [البقرة:192] أي: عن الكفر وأسلموا، لا بد أن ننتبه لهذا؛ لأن الله قال في آخرها: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:192]، والله سبحانه لا يغفر للمشرك، أو لا يرحم المشرك، فلا بد أن نفسر الانتهاء هنا بمثل قوله تبارك وتعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:38]، فإن انتهوا عن الكفر وأسلموا: فإن الله غفور لهم، رحيم بهم.
تفسير قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)
تفسير قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة:193]، ما إعراب كلمة (فتنة). (كان) هنا ليست ناسخة، بل هي تامة، والتقدير: وقاتلوهم حتى لا توجد فتنة، فكان هنا تامة مثل كان الله ولم يكن شيء معه، فالله: لفظ الجلالة هنا فاعل، ومثله قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة:280]، ذُو: فاعل. ((حَتَّى لا تَكُونَ)) أي: حتى لا توجد، ((فِتْنَةٌ)) أي: شرك. ثم قال تعالى: ((وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)) يعني: وحده لا يعبد إلا هو، ((فَإِنِ انتَهَوْا)) يعني: عن الشرك، فلا تعتدوا عليهم، دل على هذا التفسير قوله تعالى: ((فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)) يعني: فلا تعتدوا عليهم بقتل أو غيره، ومن انتهى وتوقف فليس بظالم، فلا عدوان عليه.
تفسير قوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام)
تفسير قوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام) قال تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} [البقرة:194]، المقصود بالشهر الحرام: الشهر المحرم، فكما قاتلوكم فيه فاقتلوهم في مثله، وهذا رد لاستعظام المسلمين ذلك؛ لأن المسلمين استعظموا أن يقاتلوا المشركين في الشهر الحرام، فبين الله سبحانه وتعالى أنه إذا كان قتالكم إياهم على سبيل المقابلة بالمثل، فلا حرج عليكم في ذلك. {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة:194] الحرمات: جمع حرمة، وهو ما يجب احترامه. ((قِصَاصٌ)) أي: يقتص بمثلها إذا انتهكت. {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194] أي: بقتال في الحرم أو في الإحرام أو في الشهر الحرام، {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194] هذا من باب المقابلة فقط، ولكن هو في الحقيقة لا يسمى عدواناً بل هذا من العدل، فمن اعتدى عليك فقابلته بالمثل لا يسمى عدواناً، ولكن أطلق الله سبحانه وتعالى عليه عدواناً من باب المقابلة فقط؛ لاجتماعهما في نص واحدٍ كما قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]، فهل السيئة الثانية التي تقابل أنت بها الأولى تعتبر سيئة؟ لا، بل هذا من العدل، وهي حسنة، وهذا من باب المشاكلة اللفظية لوجودهما في نص واحد، ومثل ذلك قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل:126]، فأطلق على الفعل الأول لفظ العقوبة من باب المشاكلة أو المقابلة. {وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة:194] يعني: في الانتصار وترك الاعتداء. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة:194] أي: بالعون والنصر.
تفسير قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)
تفسير قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) قال تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة:195] أي: في طاعته كالجهاد أو في غيره، {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} [البقرة:195] أي: بأنفسكم، عبر عن الأنفس بالأيدي، وهذه الباء يقول عنها النحاة: إنها زائدة، أي: لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بترك الجهاد؛ لأن هذا يقوي العدو عليكم. {وَأَحْسِنُوا} [البقرة:195] أي: بالنفقة وغيرها، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:195] أي: يثيبهم على هذه النفقة.
زيادة تفسير لقوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم)
زيادة تفسير لقوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190]، هذا تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، يعني: كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم. ((وَلا تَعْتَدُوا)) يعني بابتداء القتال، أو (لا تعتدوا) بتعدي حدود الله، وتجاوز الآداب الشرعية في القتال، كقتل النساء أو الصبية أو الرهبان المتعبدين من أصحاب الصوامع، والذين بينكم وبينهم عهد، أو التمثيل بالجثث أو المفاجئة بالقتال من غير دعوة، فكل هذا داخل في العدوان. {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} أي: المتجاوزين حكمه في هذا. ((وَاقْتُلُوهُمْ)) يعني: هؤلاء الذي يقاتلونكم اقتلوهم، {حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} يعني: المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان أشد عليه من القتل، ففتنتهم إياكم في الحرم عن دينكم بالتعذيب والإخراج من الوطن أشد قبحاً من القتل فيه، إذ لا بلاء على الإنسان أشد من إيذائه في اعتقاده الذي تمكن من عقله ونفسه، ورآه سعادة له في عاقبة أمره. فالجملة دفع لما قد يقع من استعظام قتلهم في الحرم، وإعلام بأن القصاص منهم بالقتل دون جرمهم بفتنة المؤمنين؛ لأن الفتنة أشد من القتل. وقوله: {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ}؛ لأن حرمته لذاته، وحرمة سائر الحرم من أجله، وهذا بمثابة الاستثناء من قوله: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} يعني اقتلوهم حيث ثقفتموهم إلا في المسجد الحرام فلا تبدءوهم بقتال في الحرم، إلا إذا قاتلوكم فيه، فهذا استثناء من عموم قوله: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}، يعني: اقتلوهم في أي مكان من الأرض وجدتموهم فيه إلا في المسجد الحرام، فلا تبدءوا بقتالهم حتى يبدءوا هم بقاتلكم فيه؛ مراعاة لحرمة الحرم. ((فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ)) يعني: في الحرم، فلا تفكروا في الفرار من الحرم، ولكن اثبتوا في الحرم، وقاتلوهم فيه؛ إذ لا حرمة لهم حينئذ عند المسجد الحرام. {كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}، لا يجعل لهم حرمة كما لم يراعوا حرمة الله في آياته، فدلت الآية على الأمر بقتال المشركين في الحرم إذا بدءوا بالقتال فيه؛ دفعاً لصولتهم، كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لما تألب عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم وقال: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح:24]، وقال صلى الله عليه وسلم لـ خالد ومن معه يوم الفتح: (إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصداً حتى توافوني على الصفا)، فما عرض لهم أحد إلا أناموه، وأصيب من المشركين اثنا عشر رجلاً كما في السيرة، والله سبحانه وتعالى أحل لنبيه مكة ساعة من النهار كما جاء في الحديث: (وإن الله قد أحلها لي ساعة من النهار، وإن حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس) أي: أباح الله له مكة ساعة من النهار عند فتحها، وبعد ذلك عادة حرمتها، وحتى أنه يحرم حمل السلاح بمكة بعد ذلك إلى الأبد. ((فَإِنِ انتَهَوْا)) أي: عن القتال، {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، قال القاسمي: فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم تخلقاً بصفتي الحق تبارك وتعالى: المغفرة والرحمة، وقال بعضهم: (فإن انتهوا) أي: عن الشرك والقتال، (فإن الله غفور) لما سلف من طغيانهم، (رحيم) بقبول توبتهم وإيمانهم. ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)) أي: حتى لا توجد في الحرم فتنة، ((وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ))، وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله). ((فَإِنِ انتَهَوْا)) يعني: عن قتالكم في الحرم ((فَلا عُدْوَانَ)) أي: لا سبيل لكم بالقتل ((إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)) الذين يبتدئون بالقتال. قيل لـ ابن عمر: أنت صاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج معنا في هذا القتال؟ -أي: القتال في الفتنة- فقال: يمنعني أن الله حرم ذلك، قالوا: فإن الله قال: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ))! فقال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله، رواه البخاري، ثم ساق رواية أخرى فيها: قال ابن عمر رضي الله عنهما: (على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قليلاً وكان الرجل يفتن في دينه، إما قتلوه وإما يعذبونه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة).
زيادة تفسير لقوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام)
زيادة تفسير لقوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهر الحرام) قال تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} يعني: مراعاة حرمة الشهر واجبة مع من راعى حرمة الشهر، وأما من هتكها اقتص منه، فهتك حرمته بهتكه لحرمته، فيقاتلون عند المسجد الحرام إذا قاتلوا فيه، فإن البادئ أظلم. وقوله: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} القصاص بمعنى المساواة والعدل، فمعنى: (والحرمات قصاص) يعني: متساوية، فلا يفضل شهر حرام على آخر بحيث يمتنع هتك حرمته لهتكهم حرمة ما دونهم، على أنا لا نهتك حرمة الشهر الحرام والمسجد الحرام والحرم، بل نهتك حرمة من هتك حرمة أحدهما؛ لأن هؤلاء المشركين قاتلونا في المسجد الحرام أو قاتلونا في الشهر الحرام فقاتلناهم، فهل معنى ذلك أننا نهتك حرمة الحرم؟! لا، نحن لا نهتك حرمة الحرم، ولا حرمة الشهر، وإنما نهتك حرمة من لم يراع حرمة الحرم ولا حرمة الشهر. والحرمات: جمع حرمة، وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك، والقصاص المساواة، {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} أي: والحرمات ذوات قصاص. {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}، هذا أمر بالعدل حتى مع المشركين، يعني: عاقب بقدر الظلم الذي وقع بك، ولا تتجاوزه وإلا كنت ظالماً؛ ولذلك قال: ((فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ))، وذلك لأن الحرمات قصاص كما قال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل:126]، وقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]. ((وَاتَّقُوا اللَّهَ)) أي: في هتك حرمة الشهر والمسجد والحرم بدون هتكهم له، واتقوا الله أيضاً بألا تزيدوا في الاعتداء. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} أي: بالمعونة والنصر والحفظ والتأييد.
زيادة تفسير لقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة)
زيادة تفسير لقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة) قال تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة:195] أمر بالإنفاق في سائر وجوه القربات والطاعات، ومن أهمها صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم، ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) أي: إلى ما يقود ويؤدي إلى الهلاك، للتعرض لما تستوخم عاقبته جهلاً به. يقول الراغب الأصفهاني: وللآية تأويلان بنظرين: أحدهما: أنه نهي عن الإسراف في الإنفاق وعن التهور في الإقدام، هذا هو التفسير الأول: ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) يعني: لا تسرفوا في النفقة، أنفقوا ولكن لا تسرفوا في النفقة، ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) يعني: لا تتهوروا في الإقدام على مقاتلة الأعداء. الثاني: أنه نهي عن البخل بالمال، وعن القعود في الجهاد. إذاً: التفسير الأول: فيه النهي عن الإفراط في القتال وعن التهور في الإقدام. التفسير الثاني: فيه النهي عن البخل بالمال، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة لأنكم إن امتنعتم عن النفقة في سبيل الله سيضعف جيش المسلمين، وبالتالي تهلكون جميعاً الفقير والغني. قال بعض المفسرين: ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) نهي عن البخل بالمال، ونهي عن القعود عن الجهاد، فإذا نكل الناس عن الجهاد فهذا إلقاء بالأيدي إلى التهلكة؛ لأن المشركين يعلون على المسلمين، فهو نهي عن البخل والإحجام عن الجهاد؛ ولهذا قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان:67]، وقال تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} [الإسراء:29]، ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال لتجرد المهاجرين عنها اشتهر في هذه الآية استدلال العلماء بهذا الحديث الصحيح الذي رواه جمع من العلماء منهم أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم، فأرسلوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيه! فصاح الناس: سبحان الله!! يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه فقال: يا أيها الناس! إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار -ولم يذكر المهاجرين لأنهم تركوا الأموال والتجارة والبيوت وكل متاع الدنيا؛ ابتغاء رضوان الله سبحانه وتعالى، ونصرة لرسوله عليه الصلاة والسلام، فلما أتوا المدينة كانوا فقراء، والذين كان لهم أموال هم الذين كانوا يستوطنون المدينة من الأنصار- لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سراً -يعني: ما جهروا بهذا في المدينة، وإنما كان يستخفون به-: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها -أي: نجلس ونستثمر الأموال وننميها-؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا. مع أن الرسول ما سمع منهم ذلك، لكن الله سبحانه وتعالى أنزل هذه الآية يرد عليهم هذا الذي قالوه خفية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول أبو أيوب: فكانت التهلكة الإقامة على الأموال، وإصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم، رضي الله تعالى عنه. يقول القاسمي: إنكار أبي أيوب رضي الله عنه إما لكونه لا يقول بعموم اللفظ، بل بخصوص السبب، وإما لرد زعم أنها نزلت في القتال، يعني: في حمل الواحد على جماعة العدو كما تأولوها، وهذا هو الظاهر. والأقرب -والله تعالى أعلم- في تفسير هذه الآية: ليس المقصود عدم الإسراف في النفقة؛ لأنه كما لا خير في السرف، فلا سرف في الخير، فلو أن إنساناً تصدق بماله في سبيل الله ابتغاء وجه الله فإنه لا يذم، أو أنفق المال في وجوه الخير كقرى الأضياف وإكرامهم، والنفقة على اليتامى والفقراء والمساكين أو في الجهاد في سبيل الله، فهذا لا يذم، فكما أنه لا خير في الإسراف؛ كذلك لا إسراف في الخير. إذاً: معنى قوله تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} أي: بترك النفقة؛ لأنكم إذا تركتم النفقة يضعف جيش المسلمين ويتقوى الأعداء فيهلكوكم ويستأصلوكم، أو: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) أي: بترك الجهاد، خلاف ما يفهم بعض الناس في هذا الزمان، كلما عملت أي شيء من أعمال الدين تجد من ينكر عليك ويقول: ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ))! فيقولون: لمن ينصح الناس: (لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، ويقولون للذي يصلي في المساجد: (لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)!! إذاً: من يقوم بالدين؟! ترك هذه الأعمال هو عين إلقاء الأيدي إلى التهلكة، فتضييع الواجبات الشرعية هو عين إلقاء الأيدي إلى التهلكة. هذا الرجل الذي حمل على صف الروم لا شك أنه سيكسر هؤلاء الرومان، لما يرون من شجاعة المسلمين، وبيعهم للدنيا، وكيف يخرج الواحد منهم وحده ولا يخاف منهم، ويطعن في كل هؤلاء، ويقابل كل هذا الصف، فيكفي الانكسار والهزيمة النفسية التي تحصل لأعداء الدين، فإنهم يقولون: هذا رجل واحد، فكيف بهذا الجيش العظيم من المسلمين؟! حينئذٍ تنكسر قلوبهم ويذلون، ويخافون ويرهبون من المسلمين، فهذا الرجل أدخل الرهبة والرعب في قلوب الكافرين حينما يرون هذا الاستبسال من جنود المسلمين، فهذا لا يسمى إلقاءً بالأيدي إلى التهلكة؛ لأن الذي يدخل في صفوف الكفار ويقاتلهم غير منتحر، ولهذا نظائر كثيرة في التاريخ الإسلامي، كحادثة حديقة الموت المشهورة لما حملوا البراء على ترس ورموه داخل الحصن، مع تكدس الجيوش الكافرة فيه، فقاتلهم حتى تمكن من فتح الباب ودخل المسلمون. إذاً: الجهاد في سبيل الله ليس إلقاءً بالأيدي إلى التهلكة، الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو أن يضيع الجهاد، والنفقة في سبيل الله ليست إلقاءً بالأيدي إلى التهلكة، بل البخل عن النفقة هو الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة. وقد استشهد بعموم الآية عمرو بن العاص فيما رواه ابن أبي حاتم بسنده أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبر أنهم حاصروه، فانطلق رجل من أزد شنوءة فأسرع إلى العدو وحده ليستقبله، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فرده، وقال عمرو: قال الله: ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)). إذاً: هناك مذهبان في تفسير هذه الآية: ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)): التفسير الأول: أنه نهي عن البخل عن النفقة في سبيل الله، ونهي عن ترك الجهاد. التفسير الآخر: أي: بالإسراف في النفقة في الجهاد، وأيضاً التهور بالإقدام في الجهاد، فمن قال بالعموم ذهب هذا المذهب، ومن قال بالخصوص ذهب إلى ما ذهب إليه أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وعلى أساس الأخذ بالعموم يكون من الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: التهور في الإقدام في الجهاد، قال الحاكم: تدل الآية -على أساس هذا التفسير- على جواز الهزيمة في الجهاد إذا خاف الإنسان على نفسه، وتدل على جواز ترك الأمر بالمعروف إذا خاف على نفسه؛ لأن كل ذلك إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وتدل على جواز مصالحة الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين، كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وكما فعله أمير المؤمنين علي عليه السلام في صفين، وكما فعله الحسن عليه السلام من مصالحة معاوية، وتدل أيضاً على جواز مصالحة الإمام الكفار بشيء من أموال الناس إذا خشي التهلكة، ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يصالح الأحزاب بثلث ثمار المدينة حتى شاور سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فأشارا بترك ذلك، والرسول عليه الصلاة والسلام لا يعزم إلا على ما يجوز. والتهلكة والهلاك والهلك واحد، فهي مصدر، ولا أعلم في كلام العرب مصدراً على وزن التفعلة إلا التهكلة، وهو من نوادر المصادر، ولا يجرى على مثلها. قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} قال: أي: يثيبهم عليها، يعني: على النفقة وغيرها. وهذا تأويل لصفة المحبة، حيث فسر (يحب) بمعنى: يثيب، فهو يؤول صفة المحبة التي وصف الله سبحانه وتعالى بها نفسه بالإثابة، وهذا مخالف لمنهج السلف في إمرار آيات الصفات على ما جاءت دون تأويل أو تعطيل أو تشبيه.
البقرة [196 - 199]
تفسير سورة البقرة [196 - 199]
تفسير قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله)
تفسير قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) قال تبارك وتعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196] (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) يعني: أدوهما بحقوقهما، والإتمام هنا بمعنى: الفعل نفسه، أتموا يعني: أدوا. وتوجد قراءة غريبة وهي: (وأتموا الحج والعمرةُ لله)، فمن قرأها ذهب إلى عدم وجوب العمرة، فقال: إنما الأمر متوجه إلى الحج؛ لكن القراءة المعروفة: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ)) وقد استدل بها بعض العلماء على وجوب الحج والعمرة. إذاً: (أتموا) من الإتمام، وذلك بتأديتهما تامتين بجميع مناسكهما المشروعة، لوجه الله تبارك وتعالى، أو يكون المقصود: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) يعني: أن الإنسان إذا شرع في الحج أو العمرة ولو تطوعاً يجب عليه إتمامه، ولا يقطع الأداء كما قال تبارك تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]، فمن شرع في عبادة لزمه إتمامها، إذا كانت عبادة واجبة، أما أعمال التطوع لا يلزمه إتمامها إلا الحج والعمرة لهذه الآية: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ)). وهذه الآية اختلف العلماء فيها هل هي دليل على فرضية الحج أم لا، فمن قال: إنها دليل على فرضية الحج فإنه يفسر (أتموا) بمعنى: أدوا الحج والعمرة لله، فتكون مثل قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97]. وفريق آخر قالوا: هذه الآية ليست دليلاً على فرضية الحج، فإنها نزلت سنة خمس من الهجرة، والحج فرض بقوله تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97] وذلك في سنة تسع من الهجرة، وأجاب عن هذه الآية بأنها لا علاقة لها بموضوع الفرضية، وإنما هي توجب إتمامهما بعد الشروع فيهما فقط، ولا علاقة لها بفرضية الحج. قال الراغب: (أتموا) خطاب لمن خرج حاجاً أو معتمراً، فأمر ألا يصرف وجهه حتى يتمهما، وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى، واحتج به في وجوب إتمام كل عبادة دخل الإنسان فيها متنفلاً، وأنه متى أبطلها وجب قضاؤها، وقيل: إنه خطاب لهم ولمن لم يتلبس بالعبادة، وذكر لفظ الإتمام تنبيه على توفية حقها وإتمام شرائطها كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] وإلى هذا ذهب الشافعي رحمه الله، واحتج به على وجوب العمرة، وإنما قال في الحج والعمرة: (لله) ولم يقل ذلك في الصلاة والزكاة، من أجل أنهم كانوا يتقربون ببعض أفعال الحج والعمرة إلى أصنامهم، فخصهما بالذكر لله تعالى، حثاً على الإخلاص فيهما.
معنى قوله تعالى: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي)
معنى قوله تعالى: (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) قوله تعالى: ((فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)) أي: إن حبستم عن إتمام الحج والعمرة فما استيسر من الهدي، وهناك خلاف مشتهر بين العلماء في الإحصار، هل الإحصار يكون بالعدو فقط؟ ذهب بعض العلماء إلى أن الإحصار لا يكون إلا بالعدو، واستدلوا بقوله تبارك وتعالى بعد ذلك: {فَإِذَا أَمِنتُمْ}، فلا يقال لمن مرض: فإذا أمنتم، وإنما يقال ذلك لمن حبسه العدو. وفريق آخر من العلماء قالوا: إن الإحصار يشمل الإحصار بالعدو، ويشمل الإحصار بالمرض أو بالسلطان الظالم أو بأي سبب من الأسباب التي يحصر بها الإنسان. وقوله: (فما استيسر) أي: فاذبحوا أو فانحروا الواجب عليكم أو أهدوا ما استيسر من الهدي، والهدْي أو الهديّ جمع هدية، وهو: ما أهدي إلى مكة من النعم لينحر تقرباً إلى الله تعالى. والهدي يجب على من أحصر ما لم يشترط، فإذا اشترط الإنسان عند الإحرام فلا يجب عليه إذا أحصر أن يذبح هدياً؛ لأنه ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج، وأنا شاكية -أي: مريضة- فقال: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني)، فإذا أراد الإنسان أن يحرم بالحج أو العمرة، ويخشى أنه قد يحبسه حابس من سلطان ظالم أو عدو أو مرض أو غير ذلك من الأعراض، ويريد ألا يكون عليه هدي إذا أحصر؛ فيشترط عند الأحرام بأن يقول مثلاً: لبيك اللهم بعمرة، ومحلي من الأرض حيث تحبسني أي: محلي حيث حبستني. يعني: أنا أحرم لكن بشرط: إن حبست وأحصرت فأنا محل ولست محرماً، وهذا يسمى الاشتراط في الإحرام.
معنى قوله تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله)
معنى قوله تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله) قوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} يعني: الموضع الذي يحل فيه نحر الهدي، والمقصود به موضع الإحصار، وهذا أقرب إلى يسر الإسلام من أن يقال: إن المحل هو أن يواعد رجلاً في الحرم ليذبحه له في موعد معين، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما حصره وأصحابه كفار قريش عن الدخول في الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم بالحديبية، ولم يبعثوا بالهدي إلى الحرم. قوله تعالى: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) يقول السيوطي: أدوهما بحقوقهما. وهناك أقوال كثيرة في تفسيرها: القول الأول: (الإتمام) المقصود به: الأمر بالأداء كما قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة:124] يعني: أداهن، ومنه أيضاً قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187]. القول الثاني في تفسير (وأتموا) يعني: إتمامهما بعد الشروع فيهما، فمن أحرم بنسك وجب عليه المضي فيه، ولا يفسخه. القول الثالث: إتمامهما: أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وهذا قول علي رضي الله تعالى عنه وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن تفرد كل واحد منهما بسفره، يعني: اجعل سفرة واحدة للحج، وسفرة واحدة للعمرة، وهذا دليل لمن فضل الإفراد على التمتع والقران، فإنهم استدلوا بهذا التفسير فقالوا: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) يعني: أن تحرم بهما من دويرة أهلك، يعني: تنشئ سفراً مستقلاً لكل نسك، وقالوا: إن التمتع فيه جمع نسكين في سفر واحد، وذهبوا إلى أنه يجب على المتمتع الذبح ليجبر النقص في عبادته؛ لأنه لم يسافر لكل نسك، بل أدى الحج والعمرة في سفرة واحدة، فإنه يؤدي العمرة في أشهر الحج ثم يبقى في مكة متمتعاً حتى يوم التروية، فيهل بالحج، ففي سفرة واحدة أدى العمرة والحج وتمتع ووفر على نفسه مشقة سفر ثان، قالوا: يجب عليه الدم في حالة التمتع حتى يجبر هذا النقص الذي نشأ عن عدم سفرة أخرى، وموضوع المفاضلة بين أنواع الحج بحث طويل، وليس هو مقصود كلامنا الآن. القول الرابع في معنى قوله تعالى: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)): قال سفيان الثوري: إتمامهما أن تخرج قاصداً لهما، لا لتجارة ولا لغير ذلك، يعني: أن تجرد النية لإرادة الحج والعمرة، وهذا لا يعني تحريم التجارة في الحج أو زيارة الأقارب أو صلة رحم أو غير ذلك، لكن قال: إتمامهما أن تكون قاصداً الحج أو العمرة فقط. القول الخامس: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) يعني: أدوهما كاملتين ظاهراً وباطناً. يقول السيوطي: ((وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)) أدوهما بحقوقهما، (فإن أحصرتم) أي: منعتم عن إتمامهما بعدو (فما استيسر) يعني: ما تيسر (من الهدي) عليكم، يعني: عليكم أن تذبحوا ما تيسر أو تهدوا ما تيسر، وأقل ما يجزئ شيء شاة. {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} أي: لا تتحللوا حتى يبلغ الهدي المذكور محله، يعني: حيث يحل ذبحه، وهو مكان الإحصار، بدلالة فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما أحصر في الحديبية نحر في نفس الموضع، فيذبح المحصر في موضع الإحصار بنية التحلل، ويفرق اللحم على مساكين ذلك الموضع، ثم يحلق، وبه يحصل التحلل.
معنى قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية)
معنى قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية) قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} أذى كقمل أو صداع أو أي علة مرضية أدت إلى أن يحلق رأسه وهو محرم، ومعروف أن قص الشعر أو حلقه في أثناء الإحرام من محظورات الإحرام، وفي الأثر المعروف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: من ترك شيئاً من نسكه أو نسيه فليهرق دماً. {فَفِدْيَةٌ} يعني: فعليه فدية؛ لأنه حلق {مِنْ صِيَامٍ} يعني: ثلاثة أيام {أَوْ صَدَقَةٍ} ثلاثة آصع من غالب قوت البلد على ستة مساكين {أَوْ نُسُكٍ} أي: ذبح شاة، و (أو) للتخيير، فيختار شيء من هذه الثلاث، وألحق به من حلق لغير عذر؛ لأنه أولى بالكفارة، وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب واللبس والدهن لعذر، فمن تعاطى من هذه الأشياء المحظورة في الإحرام فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك. وقوله تعالى: ((فَمَنْ تَمَتَّعَ)) أي: استمتع ((بِالْعُمْرَةِ)) أي: بسبب فراغه منها تمتع بمحظورات الإحرام، ويكون الإنسان متمتعاً بأن يؤدي عمرة في أشهر الحج، وهي من أول شوال، فمن أدى العمرة يمكث في الحرم ولا يخرج إلى مسافة قصر، واختلف العلماء إذا خرج مسافراً من مكة ثم عاد مُهلاً بالحج، والراجح أنه مفرد لا متمتع؛ لأنه سافر سفرتين للعمرة وللحج، فمن أدى -مثلاً- عمرة في شوال، ثم رجع إلى مصر، ثم أحرم بالحج من مصر وذهب ليؤدي الحج فهل هذا متمتع؟ لا ليس متمتعاً، وبعض العلماء يقولون: إنه لا ينقض تمتعه إلا إذا عاد إلى الميقات الذي أتى منه أو أي ميقات من المواقيت المعروفة أو إذا سافر مسافة قصر، وهذا أقرب الأقوال، وهو مذهب الإمام أحمد، فإذا خرج من مكة دون مسافة السفر وعاد مهلاً بالحج فلا زال متمتعاً. قال الراغب: لا يجب الدم أو بدله في التمتع إلا بأربعة شرائط: الأول: إيقاع العمرة في أشهر الحج، والتحلل منها في أشهر الحج. الثاني: أن يتمم بالحج من سنته، يعني: إذا أدى العمرة، ثم بقي في مكة حتى حج السنة القادمة، فهل هذا متمتع؟ لا، فلابد أن يؤدي العمرة في أشهر الحج. الثالث: ألا يرجع إلى الميقات لإنشاء الحج. الرابع: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام؛ لأن أهل مكة ليس لهم تمتع، فلو أن رجلاً يعيش في مكة أدى العمرة في أشهر الحج، ثم أهل بالحج في يوم التروية، فهل هو متمتع؟ لا، فأهل مكة ليس لهم تمتع. وقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ} أي: بسبب فراغه من العمرة بمحظورات الإحرام {إِلَى الْحَجِّ} أي: إلى الإحرام به بأن يكون أحرم بها في أشهره ((فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)) وهو شاة يذبحها بعد الإحرام به، ولا بد أن يذبح في يوم النحر؛ لقوله تعالى: ((حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)) والمحل نوعان: محل زماني، ومحل مكاني. المحل المكاني: هو الحرم، سواء في منى أو في مكة، فالحرم كله منحر يذبح فيه. المحل الزماني: هو: يوم النحر، فهذا هو المحل الزماني الذي يحل فيه ذبح الأنعام، أما الذبح قبل ذلك فهذا -والله تعالى أعلم- لا يصح.
معنى قوله تعالى: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام)
معنى قوله تعالى: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} أي: من لم يجد الهدي، لفقد الهدي أو فقد ثمنها {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} يعني: عليه صيام ثلاثة أيام في الحج. واختلفوا في صيام هذه الأيام الثلاثة، فبعضهم قال: في أشهر الحج، وبعضهم قال: بعد الإحرام بالحج، وأقرب الأقوال -والله تعالى أعلم- أنه يكون السادس والسابع والثامن من ذي الحجة، ولا يكون في التاسع (يوم عرفة) حتى لا يضعف عن الدعاء. وبعض العلماء قالوا: يحرم بالحج، ثم يصوم وهو محرم. وقام الدليل على جواز صيام أيام التشريق الثلاثة التي هي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وهي بعد يوم العيد، وصوم أيام التشريق منهي عنه لغير المحرم الذي لم يجد الهدي. إذاً: يجوز صوم الثلاثة الأيام يوم ستة وسبعة وثمانية من ذي الحجة، ولا يجوز صومها أيام التشريق على أصح قولي الشافعي، قاله السيوطي، وقد تقدم أن هناك دليلاً يدل على جواز صيامها. {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} أي: إلى وطنكم مكة أو غيرها، وقيل: إذا فرغتم من أعمال الحج، وفيه التفات عن الغيبة {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}، هذا تأكيد لما قبله. {ذَلِكَ} أي: الحكم المذكور، وهو الصيام على من تمتع: {لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} يعني: بأن لم يكونوا على دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي، فإن كان فلا دم عليه ولا صيام وإن تمتع. {وَاتَّقُوا اللَّهَ} أي: فيما يأمركم به وينهاكم عنه {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
تفسير قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات)
تفسير قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات) قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة:197] يعني: وقت الحج أشهر معلومات، وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، ومذهب الإمام مالك أن كل ذي الحجة داخل في أشهر الحج؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، والآية تقول: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ)) يعني: ثلاثة وليس اثنين. ومن العلماء من قال: لا، فالآية (فمن فرض فيهن) تدل أنه يجوز أن ينوي الإنسان فيها بالحج، وهل يجوز أن يحج إنسان في اليوم العاشر من ذي الحجة؟ لا، فاليوم العاشر هو يوم العيد، فأصح المذاهب في هذا هو قول من قال: أشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، وتسع من ذي الحجة؛ لأن اليوم التاسع يجوز بدء الحج منه، فالله يقول: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ}، (فيهن): ظرف لفعل الحج، وهذا لا يكون إلا من بداية شوال حتى اليوم التاسع من ذي الحجة. ((فَمَنْ فَرَضَ)) أي: على نفسه، ((فِيهِنَّ الْحَجَّ)) بالإحرام به، {فَلا رَفَثَ} يعني: لا جماع فيه، {وَلا فُسُوقَ} يعني: لا معاصي، {وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} يعني: لا خصام في الحج، وفي هذه القراءة: (فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ في الحج)، وفي قراءة: (فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالٌ في الحج)، والمراد النهي. {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة:197]، فيجازيكم به. ونزل في أهل اليمن وكانوا يحجون بلا زاد، فيكونون كلاً على الناس، ويزعمون أنهم متوكلون، ويأكلون من الصدقات {وَتَزَوَّدُوا} يعني: ما يبلغكم لسفركم، {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} قيل: التقوى هنا ما يتقى به سؤال الناس، أي: المال الذي يقيك أن تسأل الناس. {وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} يعني: يا ذوي العقول.
تفسير قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم)
تفسير قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا} [البقرة:198] يعني: في أن تبتغوا، أي: تطلبوا. {فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198] بالتجارة في الحج، نزل رداً لكراهتهم ذلك، فبعض الناس كانوا يتحرجون من التجارة في الحج، فنزلت هذه الآية لإباحة ذلك، ((لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ)) وهذه الصيغة تفيد الإباحة. {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} أي: دفعتم {مِنْ عَرَفَاتٍ} بعد الوقوف بها، {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} بعد المبيت بمزدلفة للتلبية والتهليل والدعاء، وقيل: المشعر الحرام هو جبل في آخر المزدلفة يقال له: قزح، وأغلب الناس لا يقفون هذه الوقفة، وهذه غير وقفة عرفات، ووقفة عرفات كل الناس يهتمون بها، أما وقفة المزدلفة فيندر من يهتم بها من الحجاج، وهي وقفة تكون بعد صلاة الفجر، فيصلي الحاج الفجر مبكراً جداً بقدر المستطاع ثم يستقبل القبلة، ويظل واقفاً يدعو حتى إذا أسفر جداً -يعني: ينتشر الضوء وتكاد الشمس أن تطلع- يتجه إلى منى لرمي جمرة العقبة الكبرى، فهذه الوقفة من المواضع المباركة في الحج، ولكن أكثر الناس يغفل عنها، وفي الحديث: (أنه صلى الله عليه وسلم وقف في المشعر يذكر الله ويدعو حتى أسفر جداً) رواه مسلم. {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} لمعالم دينه ومناسك حجه، والكاف هنا للتعليل، يعني: لأنه هداكم، {وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ} يعني: من قبل هداه، {لَمِنَ الضَّالِّينَ} يعني: عن هذه الشرائع.
معنى قوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس)
معنى قوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) قال تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة:199] ثم أفيضوا يا قريش، وهو عام لجميع من حج ((مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)) يعني: من عرفة، بأن تقفوا بها معهم، وكانوا يقفون بالمزدلفة ترفعاً عن الوقوف معهم، و (ثم) للترتيب في الذكر {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} [البقرة:199] يعني: من ذنوبكم {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:199] أي: غفور للمؤمنين رحيم بهم. والإفاضة هنا: ليست من المزدلفة، بل من عرفات مع أن سياق الكلام ظاهره أن الإفاضة من المزدلفة، على أن (ثم) للترتيب، فسياق الآيات: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة:198 - 199]. فالأصل أن المعنى: أفيضوا من مزدلفة، لكن الأقرب أن (أفيضوا) هنا أي: من عرفات، و (ثم) هنا ليست للتراخي، بل هي للتفاوت بين الإفاضة من عرفات والإفاضة من المزدلفة. فالأمر في قوله: (أفيضوا) إما أنه موجه إلى بعض الناس، أو أنه موجه إلى قريش بالذات؛ لأن قريشاً كانوا يترفعون على الناس ويتكبرون عليهم في الجاهلية، ويقولون: نحن أهل حرم الله، ونحن أولى بالكعبة. فيترفعون عنهم أن يخرجوا مع الناس إلى عرفات اعتداداً بحرمة الحرم، وكانوا يسمون الحمس. يقول القاسمي: في الخطاب وجهان: أحدهما: أنه لقريش، وذلك لما كانوا عليه من الترفع على الناس والتعالي عليهم، وتعظمهم أن يساووهم في الموقف، وكانوا يقولون: نحن أهل الله، وقطان حرمه -أي: سكان حرمه- فلا نخرج منه، فيقفون في المزدلفة وسائر الناس بعرفات، وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} أي: من عرفات، يعني: أنتم وسائر الناس سواء. إذاً: (ثم) هنا ليست لترتيب الأفعال، ولكن للتفاوت بين الإفاضتين. القول الثاني: أن قوله: ((ثُمَّ أَفِيضُوا)) أمر لجميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، والمقصود الناس هنا: إبراهيم عليه السلام، باعتبار أن إبراهيم عليه السلام يمثل المجتمع، وهذا على سبيل المدح لإبراهيم عليه السلام؛ لأن الواحد قد يسمى باسم الجماعة تنبيهاً على أنه يقوم مقامهم في الحكم، يقول الشاعر: وليس على الله بمستبعد أن يجمع العالم في واحد وقال الله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [النحل:120] فأطلق على إبراهيم أمة؛ ولذلك قالوا: إن الناس هنا: ((مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)) إبراهيم عليه السلام، يعني: من حيث أفاض إبراهيم عليه السلام. فإن قيل: (ثم) تستلزم تراخي الشيء عن نفسه سواء عطف على مجموع الشرط والجزاء أو الجزاء فقط. ف A أن كلمة (ثم) ليست للتراخي، بل لذكر التفاوت بين الإفاضتين، أي: الإفاضة من عرفات والإفاضة من مزدلفة، واختلاف الحكم بينهما، فأحدهما صواب والأخرى خطأ، فالإفاضة من عرفات صواب، والإفاضة من مزدلفة خطأ على النحو الذي كانت تفعله قريش. قال: التفتازاني: لما كان المقصود من قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} المعنى التعريضي كان المعنى لا تفيضوا من مزدلفة؛ ولكن أفيضوا من عرفة من حيث أفاض الناس، والمقصود من كلمة (ثم): التفاوت بين الإفاضتين في الرتبة بأن إحداهما صواب والأخرى خطأ. {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} يعني: عما سلف من المعاصي {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وكثيراً ما يأمر الله سبحانه وتعالى في نهاية العبادات بالاستغفار وبذكره، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من الصلاة استغفر ربه ثلاثاً.
البقرة [203 - 217]
تفسير سورة البقرة [203 - 217]
تفسير قوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات)
تفسير قوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات)
معنى التشريق
معنى التشريق التشريق في اللغة: هو تقديد اللحم، فاللحم يقطع قطعاً صغيرة ويجفف في الشمس، فهذا اللحم يسمى القديد، وتقديد اللحم اسمه عند العرب: التشريق، ومنه قيل: أيام التشريق، فبعض الحجاج يأتون باللحم -لحوم الهدي- فيقطعونها قطعاً صغيرة وينشرونها من أجل أن تجف حتى يأخذوها معهم إذا رجعوا من الحج ويأكلوها، فهذا هو التشريق. وأيام التشريق ثلاثة أيام بعد يوم النحر، ويوم التروية هو يوم الثامن من ذي الحجة؛ لأنهم كانوا يحملون الماء في القرب حتى يرويهم، يليه يوم التاسع الذي هو يوم عرفة، ويلي يوم عرفة يوم العاشر وهو يوم النحر، أما اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر فهذه أيام التشريق. واليوم الأول من أيام التشريق يسمى: يوم القر -من القرار-، واليوم الثاني يسمى: يوم النفر الأول؛ لأنه يجوز لمن أراد أن يتعجل أن ينفر من منى ثاني يوم، بشرط ألا تغرب عليه الشمس وهو في منى، واليوم الثالث من أيام التشريق يسمى: يوم النفر الثاني. إذاً: التشريق هو تقديد اللحم، ومنه سميت أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر؛ لأن لحوم الأضاحي تشرّق فيها أو لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس.
معنى قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه)
معنى قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) قال تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة:203]. قوله: (من تعجل) أي: بالنفر من منى بعد رمي الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث، واكتفى برمي الجمار في يومين من هذه الأيام فلا يأثم بهذا التعجيل. فيرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة، كل جمرة يرميها بسبع حصيات، ثم من رمى اليوم الثاني، وأراد أن يدع البيتوتة الليلة الثالثة ورمي يومها فهذا سائغ له، بشرط ألا تغرب عليه الشمس وهو في منى، أي: إذا رمى الجمرات ونوى أن يتعجل لكنه قبل أن يخرج من منى ويغادرها غربت الشمس عليه، فيجب عليه في هذه الحالة أن يبيت، فمن أراد التعجل يجب عليه أن يخرج من منى قبل غروب الشمس. (ومن تأخر) يعني: من أخر الرمي أو بقي في منى حتى رمى في اليوم الثالث (فلا إثم عليه)، أي: في تأخره، والسُّنة هي التأخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتعجل في يومين، بل تأخر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة. ولا يقال هذا اللفظ -أي: (فلا إثم عليه) - في حق من أتى بتمام العمل، والأصل أن كلمة (فلا إثم عليه) تقال في حق المقصر، ولا تقال أصلاً في حق من كمّل العمل وأتى بكماله، فقوله: (ومن تأخر فلا إثم عليه) هي مجرد مشاكلة للفظ الأول في قوله: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه)، وإلا فإن الذي يأتي بالعبادة على أكمل وجوهها لا يقال في حقه: (فلا إثم عليه)، ولكن هذا من باب المشاكلة، ولها نظائر في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]، هل السيئة التي تعاقب أنت فيها بالمثل تسمى سيئة؟ لا، فمثلاً: القصاص أو العقوبة بالمثل هي عدل، وسميت سيئة فقط لمجرد المشاكلة؛ لاشتمالهما في لفظ واحد مشاكلة للفظ الثاني. كذلك أيضاً قوله تبارك وتعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل:126]، (عوقبتم به) هذه يراد بها الإيذاء الذي بدئ به، فهل هذا الابتداء للإيذاء يسمى عقوبة؟ كلا! لا يسمى عقوبة، لكن هذا من باب المشاكلة. كذلك قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194]، هل مقابلة المعتدي بمثل عدوانه يسمى عدواناً؟ في الحقيقة ليس عدواناً، لكنه عدل، لكن تسميته بالاعتداء من باب المشاكلة اللفظية، ونحن نعلم أن جزاء السيئة والعدوان ليس بسيئة ولا عدوان، فإذا حمل على موافقة اللفظ ما لا يصح في المعنى فلأن يحمل على موافقة اللفظ ما يصح في المعنى أولى؛ لأن المقصود نفي الاسم عنه، يعني: أنه من حيث المعنى صحيح، فمن تأخر فلا إثم عليه. وقيل: رفع الإثم عن المتعجل والمتأخر على وجه الإباحة، أي: المقصود: فلا إثم في الحالتين، بمعنى: إباحة التعجل وإباحة التأخر. وقيل: رفع الإثم أنه حق ظهورهما بإقامتهما الحج، فعجل أو تأخر، (فلا إثم عليه) يعني: ستغفر له ذنوبه، أو ستحط عنه آثامه بسبب أنه أدى الحج بشرطه. (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) بمعنى: أن الله سبحانه وتعالى سيغفر له ذنوبه وآثامه. كذلك: (ومن تأخر فلا إثم عليه) أيضاً له نفس هذا الثواب، وعلى ذلك دل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، والشرط في ذلك هو التقوى، لذلك قال: {لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة:203]، فما دام الأول اتقى الله، والثاني اتقى الله، فحج ولم يرفث ولم يفسق كان جزاءه رفع الآثام عنه وتطهيره منها. (لمن اتقى) أي: أن الذي ذكر من التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر أو من الأحكام إنما هو لمن اتقى؛ لأنه هو الذي ينتفع بهذا الحج، فالذي ينتفع بالحج هو الذي يتقي الله تبارك وتعالى، كما في قوله تبارك وتعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} [الروم:38]، وكذلك قوله تعالى: (هدى للمتقين)، فكذلك هنا قوله: (فلا إثم عليه) إنما يكون هذا (لمن اتقى). (واتقوا الله) أي: في جميع أموركم. (واعلموا أنكم إليه تحشرون) أي: للجزاء على أعمالكم، وهذا تأكيد للأمر بالتقوى، وحث على التشديد في أمرها؛ لأن من تصور أنه لابد له من حشر ومحاسبة ومساءلة، وأن بعد الموت لا دار إلا الجنة أو النار صار ذلك من أقوى الدواعي له إلى تقوى الله عز وجل. والحشر: اسم لما يقع من أحداث ابتداء من خروج الموتى من الأجداث -من القبور- للبعث والنشور إلى انتهاء موقف الحساب ودخول الناس الجنة أو النار، هذا هو ما يطلق عليه اسم: الحشر. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (واذكروا الله): بالتكبير عند رمي الجمرات. (في أيام معدودات): وهي أيام التشريق الثلاثة. (فمن تعجل) أي: استعجل بالنفر من منى. (في يومين) أي: في ثاني أيام التشريق بعد رمي الجمار، و (تعجل) أي: بأن يرمي الجمار ثم ينفر. (فلا إثم عليه): لا إثم عليه في التعجيل. (ومن تأخر) أي: بها حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره، (فلا إثم عليه) يعني: بذلك. والمقصود: أنهم مخيرون في ذلك، ونفي الإثم في قوله: (فلا إثم عليه لمن اتقى) أي: اتقى الله في حجه. (واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون) يعني: في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم.
تفسير قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه)
تفسير قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا والله لا يحب الفساد)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا والله لا يحب الفساد) يقول تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة:204 - 205]. قوله تعالى: (يعجبك قوله في الحياة الدنيا) أي: يعظم في نفسك حلاوة حديثه وفصاحته في أمر الحياة الدنيا التي هي مبلغ علمه. (ويشهد الله على ما في قلبه) أي: يحلف بالله على الإيمان به، يقول: الله يشهد أن في قلبي الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، الله يشهد أنني صادق في ذلك، الله يشهد أنني مؤمن بالقرآن! فهو يحلف بالله على الإيمان به والمحبة له، وأن الذي في قلبه موافق للسانه؛ لئلا يُتفرس فيه الكفر والعداوة. أو أن معنى: (ويشهد الله على ما في قلبه) أي: يظهر لك الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، وهذا معنى دقيق ينبغي التنبه له. فحظك أنت منه الكلام المعذور والإقرار بالإيمان والتصديق، فهو يخبئ في قلبه ما الله مطلع عليه، وحظ الله منه أنه مطلع على ما في قلبه، فيجعل الله يرى في قلبه النفاق، وحظك أنت التصديق باللسان! يقول القاسمي رحمه الله تعالى: (ويشهد الله على ما في قلبه) أي: يحلف بالله على الإيمان به والمحبة له، وأن الذي في قلبه موافق للسانه؛ لئلا يُتفرس فيهم الكفر والعداوة. أو معناه: يظهر لك الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، على نحو ما وصف به أهل النفاق، كما وصف الله أهل النفاق بقوله حاكياً عنهم حين قالوا: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون:1]، كقوله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ} [النساء:108]. وقوله عز وجل: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة:204] أي: شديد الخصومة والجدل بالباطل. ثم يقول تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة:205]. (وإذا تولى) أي: إذا انصرف عمن خدعه بكلامه، سواء الرسول عليه السلام أو غيره، وانصرف من أمام هذا الذي قال له هذا الكلام المعقول، وأشهده على ما في قلبه من الإيمان والتصديق كاذباً. (سعى) أي: مشى. (سعى في الأرض ليفسد فيها): ليدخل الشُّبه في قلوب المسلمين، وباستخراج الحيل في تقوية الكفر، وهذا المعنى يسمى: فساداً، وهو إثارة الشبهات والتشويش على الناس بإيمانهم. كذلك أيضاً: استخراج الحيل والأساليب التي بها يقوي الكفار على المسلمين فهذا فساد، كقول الله عز وجل حاكياً عن الملأ من قوم فرعون قولهم: {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} [الأعراف:127] أي: يردوا قومك عن دينهم ويفسدوا عليهم عقيدتهم. إذا حصل هذا التشويش والتشكيك بإثارة الشبهات في الدين وفي العقيدة وفي غير ذلك من أمور الدين، فيحصل بذلك أن الناس ينقسمون ويختلفون، وبالتالي تتفرق كلمتهم، ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض، فتنقطع الأرحام، وتسفك الدماء، وبيان هذا كثير في القرآن المجيد. (ويهلك الحرث) أي: الزرع، (والنسل) أي: النواسل الناتجة. قال بعض المحققين: إن إهلاك الحرث والنسل كناية عن الإيذاء الشديد، والتعبير به عن ذلك صار من قبيل المثل. أي: إذا أردت أن تعبر عن شخص تمادى في الإفساد فإنك تذكر أن هذا قد أدى إلى إهلاك الحرث والنسل. (والله لا يحب الفساد) أي: لا يرضى فعله. فكل فساد يبغضه الله سبحانه وتعالى ولا يرضى عنه، ولذلك نقول: إنه لا ينبغي أن يسمح بوجود الفساد حتى في الكفار، وبعض الناس يقول: عندي جهاز خبيث مثلاً كالدش أو هذه الأجهزة المعروفة بالفجور، فهل أعطيها لرجل نصراني؛ لأني أريد أن أتوب، فلو أعطيتها لمسلم فسيفسد أهله وأولاده؟! ف A إن الله سبحانه وتعالى لا يحب الفساد سواء أتى من مسلم أو أتى من كافر، وتقليل الفساد ما أمكن هو أمر يحبه الله عز وجل، سواء كان المفسد مسلماً أو كافراً. وأنت تلاحظ في أوائل الآيات في سورة البقرة حينما حكى الله سبحانه وتعالى صفات هؤلاء المنافقين، بدأ أولاً بنهيهم عن الفساد، ثم ثنى بأمرهم بالإيمان، فدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة على التفصيل الذي نذكره في مناسبات أخرى، فالله سبحانه وتعالى قبل أن يأمرهم بالإيمان قال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} [البقرة:11 - 12]، ثم قال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} [البقرة:13]. إذاً: (والله لا يحب الفساد) عامة، فكل فساد لا يحبه الله سبحانه وتعالى، سواء كان الذي قام به مسلماً أم مشركاً.
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم)
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم) يقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة:206]. (إذا قيل له) أي: تذكيراً وموعظة له، (اتق الله) يعني: في النفاق، واحذر سوء عاقبته، أو (إذا قيل له اتق الله) أي: في هذا الإفساد الذي تفسده في الأرض، وهذا الإهلاك، وهذا الجدال بالباطل. (أخذته العزة بالإثم) أي: حملته الأنفة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم وهو: التكبر. فيقول مثلاً: نحن في حضارة منذ سبعة آلاف سنة، ولا يمكن أن يعقب طارئ يغيرنا عن عقيدتنا! فقوله تبارك وتعالى: (أخذته العزة) أي: يتكبر عن الانقياد للحق، تحمله الأنفة وحمية الجاهلية، يحمى ويحمر أنفه، أي: بحمية الجاهلية على الفعل بالإثم، وتدفعه هذه الحمية إلى إثم التكبر وعدم الانقياد للحق. أو المعنى، (أخذته العزة بالإثم) أي: أخذته الحمية للإثم الذي في قلبه فمنعته عن قبول الناصح. (فحسبه جهنم) أي: فتكفيه جهنم إذا صار إليها واستقر فيها جزاءً وفاقاً. (ولبئس المهاد) أي: الفراش الذي يستقر عليه بدل فراش عزته، والمهاد والمهد معروف، وكل شيء وطيء يطلق عليه: ممهد، كطريق ممهد، والمهاد يجعل تارة جمعاً وتارة يجعل الآلة، (مهاد) جمع مهد، أو (مهاد) الآلة التي هي الفراش. وجعل جهنم مهاد الظالم كما جعل العذاب مبشراً به في قوله تبارك وتعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران:21]، فكلمة التبشير أو البشارة أو البشرى مأخوذ من البشرة؛ لأن الإنسان إذا سمع الخبر الحسن الطيب يظهر على بشرته السرور والانشراح، فلذلك سميت البشرى لأثرها على البشرة وعلى الجلد والملامح. كذلك في هذه الآية فإن الله سبحانه وتعالى يتهكم بهم ويقول: (فبشرهم) وهم إذا سمعوا كلمة تبشرهم ينشرحون، فإذا صدموا بكلمة: (بعذاب أليم) يكون أمعن وأوغل في معاقبتهم وتوبيخهم والتنكيل بهم. فكذلك هنا قال تبارك وتعالى: (ولبئس المهاد)، والمهاد: هو المكان الذي ينام عليه الإنسان أو يستريح أو يفترشه، فمهادهم هو جهنم، فهذا من نفس الباب. وقال الحاكم عبارة ينبغي حفظها والاهتمام بها جداً وهي قوله: هذه الآية تدل على أن من أكبر الذنوب عند الله أن يقال للعبد: اتق الله فيقول: عليك نفسك. وهذا حال أغلب الناس، وبعضهم إذا قلت له: اتق الله، يقول لك: أنا أتقي الله أحسن منك! أو يقول: عليك بنفسك، أو: هذا لا يخصك. إلى غير ذلك من العبارات الغليظة. فمن صور أخذ العزة بالإثم عند المنصوح أنه إذا قيل له: اتق الله، يقول: عليك نفسك. فالإنسان إذا قيل له: اتق الله. عليه أن يحمر وجهه ويصفر وتنتابه الرعدة والخوف والوجل والخشية من هذا التحذير، لا أن يتكبر على من يقول له: اتق الله، فقد قيلت لأشرف خلق الله وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب:1]، بل جعلها الله وصية لجميع الأمم الأولين والآخرين، {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:131] أي: اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية من الأعمال الصالحة. قال الزمخشري: ومنه: رد قول الواعظ. فهو يدخل في هذا الإثم العظيم. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحج:72]. ولما أتم تعالى الإخبار عن هذا الفريق من الناس الضال أتبعه بقسيمه المهتدي، ليبعث العباد على تجنب صفات الفريق الأول والتخلق بنعوت الثاني، فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة:207]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى في الآية السابقة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة:204] أي: ولا يعجبك في الآخرة لمخالفته لاعتقاده. إذا تكلم في الدنيا فيحسن الكلام ويعجبك كلامه جداً في الدنيا، كما يتكلم كثير من الناس في السياسة في الرياضة في الفن في أسماء الممثلين أو أسماء اللاعبين، تجده موسوعة في هذه الأمور الدنيوية، وإذا سمعت له في الآلات والأجهزة وكافة عروض الدنيا فتسمع منه ما يعجبك فقط في الدنيا ولو كانت حراماً، بخلاف الآخرة، فإذا أتى أمر الآخرة فكالأنعام بل هم أضل سبيلاً، لا يفقهون شيئاً ولا يعرفون شيئاً من أمور الآخرة مع أنها خير وأبقى، وهذا هو مفهوم هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة:204]، إذا تكلم في الآخرة لا يعجبك، إما لأنه معرض عن الآخرة، وإما لفساد اعتقاده في الآخرة، كأن يكون عابداً للمسيح، أو يكون عابداً للأوثان أو غير ذلك من العقائد الفاسدة في الآخرة. (وهو ألد الخصام) أي: شديد الخصومة لك ولأتباعك بعداوته لك، وهو الأخنس بن شريق كان منافقاً حلو الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم، يحلف أنه مؤمن به ومحب له، فيدنو من مجلسه، فأكذبه الله في ذلك، ومر بزرع وحمر -أي: حمير لبعض المسلمين- فأحرقه وعقرها ليلاً، كما قال تعالى: (وإذا تولى) أي: إذا انصرف عنك، (سعى) أي: مشى، (في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل) وهذا من جملة الفساد. (والله لا يحب الفساد) أي: لا يرضى به. (وإذا قيل له اتق الله) أي: في فعله. (أخذته العزة) أي: حملته الأنفة والحمية على العمل بالإثم الذي أمر باتقائه. (فحسبه جهنم) أي: كافيه جهنم. (ولبئس المهاد) أي: لبئس الفراش هي.
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) يقول تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة:207]. قوله: (يشري) أي: يبيع نفسه بأن يبذلها في طاعة الله عز وجل. (ابتغاء مرضاة الله) أي: طلب رضا الله عز وجل. (والله رءوف بالعباد) حيث أرشدهم لما فيه رضاه، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة مع كفرهم به وتقصيرهم في أمره، وهذا يتعلق برحمة العباد في الدنيا وهي عامة للمؤمن والكافر. تنبيه مهم: قال بعض العلماء: كان مقتضى المقابلة للفريق الأول أن يوصف هذا الفريق بالعمل الصالح، مع عدم الدعوى والتبجح بالقول، أو مع مطابقة قوله لعمله، وموافقة لسانه لما في جنانه. فالآية: (ومن الناس من يشري نفسه) تتضمن عكس الصفات السابقة كلها، وإن لم تنص عليها صراحة، فإن من يبيع نفسه لله، ويجود بها، فهذا يدل على أقصى غاية الجود، فالجود بالنفس يدل على أقصى وأعلى درجات الإيمان واليقين التي تستلزم ما عداها وما دونها من صفات الإيمان، فإن من يبيع نفسه لله لا يريد ثمناً لها غير مرضاته، فلا يتحرى إلا العمل الصالح وقول الحق والإخلاص في القلب، فلا يتكلم بلسانين، ولا يقابل الناس بوجهين، ولا يؤثر على ما عند الله عرض الحياة الدنيا، وهذا هو المؤمن الذي يعتز بالقرآن وبإيمانه. فهذه تتضمن الصفات المقابلة لصفات الفريق الأول، إلى أن يأتي في الدلالة على اتصاف المؤمن بهذه الصفات قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)، إذ بلغ اجتهاده في إرضاء الله إلى حد أنه حمل روحه على كفيه وجاد بها إرضاء لله، فهل مثل هذا يكون ذا وجهين؟! وهل مثل هذا يتكلم بلسانين؟! وهل مثل هذا يرتضي عرض الدنيا بدلاً عن الآخرة؟! إذاً: هذا الوصف يتضمن كل الصفات المقابلة لصفات الفريق الأول. وقد أخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وأخرج ما في كنانته - أي: أخرج السهام من الكنانة- ثم قال: يا معشر قريش! لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وايم الله! لا تصلون إلي حتى أرمي كل سهم معي في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم -ثم بعد هذا الإرهاب لهم يقول-: وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي؟ قالوا: نعم. فالباطل أمام المال يسيل لعابه، نسوا أنهم خرجوا يطاردون هذا المهاجر إلى الله سبحانه وتعالى وإلى رسوله، فبعدما أرهبهم بهذه الطريقة أغراهم بالمال فخضعوا أمام المال وسال لعابهم، فنسوا ما عندهم من العقائد الباطلة التي خرجوا يقاتلونه من أجلها، فلما قال لهم: وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي؟ قالوا: نعم، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال: (ربح البيع أبا يحيى! ربح البيع أبا يحيى!) ونزلت هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة:207]. وهناك قول لبعض العلماء وهو: أن هذه الآية نزلت في قصة قريش، فإذا صحت فلا يعني ذلك أنها بالفعل نزلت في هذا الحديث بالذات، وإنما يعني أنها تصدق على هذه الواقعة، فإن من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في وجودها، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع في أسباب النزول التي يدخلها قدر من الاجتهاد، لكن لا يعول في أسباب النزول إلا على ما صح منه، وارتفع عن درجة الضعف. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه) أي: يبيع نفسه. والبيع قد يطلق على الشراء، والشراء يطلق على البيع، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)، (البيعان) يعني: البائع والمشتري، فهو يطلق على البائع والمشتري. (ومن الناس من يشري) أي: يبيع نفسه ويبذلها في طاعة الله. (ابتغاء) أي: طلب. (مرضاة الله) أي: رضاه، وهو صهيب لما آذاه المشركون هاجر إلى المدينة وترك لهم ماله. (والله رءوف بالعباد): حيث أرشدهم لما فيه رضاه.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) يقول تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة:208]. (السلم): بكسر السين وفتحها -إما السِّلم أو السَّلم- وكلاهما قراءة متواترة في السبع، والمقصود به الإسلام. قال امرؤ القيس بن عابس: فلست مبدلاً بالله رباً ولا مستبدلاً بالسلم دينا يعني: بالإسلام، ومنه قول أخي كندة: دعوت عشيرتي للسلم لما رأيتهم تولوا مدبرينا يعني: للإسلام. قال الرازي: أصل هذه الكلمة من الانقياد، قال الله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة:131] أي: انقدت وخضعت، والإسلام إنما سمي إسلاماً لهذا المعنى؛ لأن معنى الإسلام يعني: الخضوع والانقياد لأمر الله تبارك وتعالى. وغلب اسم السَّلم على الصلح وترك الحرب، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال:61]، وهذا -أيضاً- راجع إلى هذا المعنى؛ لأن المتخاصمين إذا رضوا بالصلح فكل طرف ينقاد للطرف الثاني ولا ينازعه، فهي من نفس هذا المعنى. ومعنى الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة:208] أي: ادخلوا في الاستسلام والطاعة، أي: استسلموا لله وأطيعوه، ولا تخرجوا عن شيء من شرائعه كافة. فهذا أمر بالالتزام بكل أحكام الإسلام، وكل شريعة نزل بها القرآن أو جاء بها المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ يجب عليكم أن تطيعوها وتنقادوا لها، وتستسلموا لحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم دون أن تقولوا: هذا ظاهر وهذا باطن، وهذا قشر وهذا لب، وهذه أمور مهمة وهذه سفاسف، كما يقول بعض الجهلة، فإنه لا يجوز أبداً أن يطلق هذا على شيء تناوله النبي صلى الله عليه وسلم بأمر أو بنهي ودخل من العادة إلى العبادة بهذا الأمر أو النهي، لا يمكن أن يكون هذا من السفاسف، والسفاسف هي أمور الدنيا، أما شيء من أمور الدين فلا يجوز أبداً أن يطلق عليه سفاسف، صحيح هناك أصول وهناك فروع، وهناك مهم وهناك ما هو أهم منه، لكن لا يوصف أبداً أي حكم شرعي ثابت بالقرآن أو بالسنة بأنه سفاسف كما يقول بعض الجهلة من أفراخ هذا الزمان، ويحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها)، وسفاسف الأمور: هي أمور الدنيا لحقارتها، أما أمور الدين فكلها معالي. نعم؛ هناك مراتب وهناك أصول وهناك فروع، وهناك ما هو أهم، وهناك ما هو مهم، فيراعى فعلاً مراتب الأعمال بالذات عند تناقضها أو اصطدامها، ويرجح الأهم، لكن لا يوصف شيء من أمر الدين أبداً بأنه قشور، وأننا ينبغي أن نهتم باللب؛ لأن الذي تراه أنت لباً يراه غيرك قشراً، فتصبح الأمور فوضى، فهذه الآية من أعظم ما يستدل به على إبطال هذه البدعة والضلالة، وهي تقسيم الدين إلى قشور ولباب، أو إلى مظاهر وجواهر. ثم يتبع ذلك التقسيم المناداة بإهمال هذه القشور، والتمسك باللباب والروح! فبعضهم يقول لك: كن مع روح النص! فكأنه يقول: علينا أن نستمسك بروح النصوص لا بحرفيتها! وهم يريدون أن يهلكوا روح النصوص لا أن يتبعوا أرواح النصوص. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة:208] أي: التزموا بجميع شرائع الإسلام، وأنت -أيها المسلم- ادفع بهذه الآية في نحر كل من يعاندك أو يعارضك، إذا نصحته بقول الله أو بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورددت على قوله بأن هذه سفاسف أو أنها أمور تافهة، أو أنها قشور، فقل له: يقول الله عز وجل: (ادخلوا في السلم كافة) يعني: التزموا بكل وجميع شرائع الإسلام دون استثناء. {وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة:208] أي: طرقه التي يأمركم بها. وقد جاء التعبير بخطوات الشيطان؛ لأن الشيطان خبير في استدراج الإنسان إلى المحرمات، فلا يأمره مباشرة أن يرتكب الفاحشة، لكن يسهل الأمر، يسهل له النظر في البداية، وربما زين له هذا بقوله: تأمل في خلق الله وإبداع الله في خلقه، كما يزيغ بذلك بعض زنادقة العصر فيقول: إن غض البصر لابد أن نفهمه فهماً عصرياً، أنت تنظر للمحرمات مثلاً من النساء المتبرجات أو غير ذلك وقلبك سليم، بنية التأمل في إبداع خلق الله وغير ذلك من الكلام! فهذا من خطوات الشيطان حيث يستدرج الإنسان خطوة خطوة. كذلك أيضاً: الفسق والفجور يسمونه فناً، وأن الموضوع بعيد جداً عن هذا التفكير الحيواني الذي تتهموننا به يا معشر المتدينين!! وهم أشد الناس فساداً وغرقاً فيما حرم الله سبحانه وتعالى. إذاً: الشيطان يضل الإنسان عن طريق خطوات يتم فيها استدراج الإنسان خطوة خطوة، فلو أتى بك من أعلى السلم وقال لك: ارمِ نفسك! فستقول: لا، سأهلك! لكنه يأخذك خطوة خطوة، درجة درجة، وهذه حيلته: نظرة فابتسامة فكلام فسلام فموعد فلقاء! والله أعلم ما يكون من البلاء بعد ذلك! فهذه حكمة من الله سبحانه وتعالى أنه يقول: (خطوات الشيطان)، عندما يستدرجك إلى الحرام. وضمّ الطاء من (خُطُوات) وإسكانها لغة، أي: في اللغة يمكن أن تكون: (خُطُوات) أو (خُطْوات)، وقد قرئ بهما في القراءات السبع. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة:208] أي: ظاهر العداوة أو مظهر لها. كما أخبرناكم عن قصته مع أبيكم آدم عليه السلام وغيره مما شواهده ظاهرة. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)) (السلم) بفتح السين وكسرها يعني: الإسلام. (كافة) حال من السلم أي: في جميع شرائعه. (ولا تتبعوا خطوات) أي: طرق (الشيطان) أي: تزيينه بالتفريق بين أمور الدين. (إنه لكم عدو مبين) أي: بيّن العداوة.
تفسير قوله تعالى: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات)
تفسير قوله تعالى: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات) يقول تعالى: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:209]. (إن زللتم) يعني: عن الدخول في السلم. (من بعد ما جاءتكم البينات) أي: الآيات الظاهرة على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق (فاعلموا أن الله عزيز حكيم). يقول السيوطي: (فإن زللتم) أي: مِلْتم عن الدخول في جميعه. (من بعد ما جاءتكم البينات) أي: الحجج الظاهرة على أنه حق. (فاعلموا أن الله عزيز) لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم. (حكيم) أي: في صنعه.
تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله)
تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) يقول تبارك وتعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [البقرة:210]. (هل ينظرون) يعني: هل ينتظرون، وكلمة: (نظر) تماماً ككلمة: (انتظر) يقال: نظرت وانتظرت إذا ارتقبت حضوره، وهذا استفهام إنكاري في معنى النفي، (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) يعني: لا ينتظرون بما يفعلون من العناد والمخالفة بعد طول الحلم عنهم (إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام). ظلل: جمع ظلة، كقُلل جمع قلة، أي: في ظلة داخل ظلة، وهي ما يستر من الشمس، كما يقال: الشمسية لكل ما يسترك من الشمس، فهي عبارة عن طبقات بعضها داخل بعض، فهي في غاية الإظلام والهول والمهابة؛ لما لها من الكثافة التي تحجب على الرائي ما فيها، وتجعله لا يرى ما فيها من شدة كثافتها. {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ} [البقرة:210] عطف على لفظ الجلالة أي: ويأتي جند الله من الملائكة الذي لا يعلم كثرتهم إلا هو، وهذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة أبي جعفر بالخفض يعني: (والملائكة) فهو عطف على ظلل أو الغمام. (وقضي الأمر) أي: أتم أمر إهلاكهم وفرغ منه. قال الراغب: نبه به على أنه لا يمكن في الآخرة تلاقي ما فرط منهم في الدنيا. (وإلى الله ترجع الأمور) أي: فمن كانوا نافذي الملك والتصرف في الدنيا فإن ملكهم وتصرفهم مسترد منهم يوم القيامة، وراجع إليه تعالى؛ لأن الله مالك يوم الدين، يقول يوم القيامة: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر:16]، فلا يجيبه أحد سبحانه وتعالى، فيجيب نفسه عز وجل قائلاً: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر:16]، فكذلك هؤلاء الذين كانوا نافذي الملك، وكان لهم قدرة على التصرف والرياسة والملك والحكم والتحكم في الناس؛ فكل هذا راجع إلى الله تعالى يوم القيامة. (وإلى الله ترجع الأمور) يقال: رجع الأمر إلى الأمير، أي: استرد ما كان فوضه إليهم، فلو أن ملكاً مثلاً خرج من بلاده واستناب مثلاً ولي العهد، فبعد أن يقضي الزيارة ويرجع يقال: رجع الأمر إلى الأمير أو رجع الأمر إلى الملك، بمعنى أنه أخذ ما كان قد وكله فيه، أو فوضه فيه، فبنفس هذا المعنى يكون قوله: (وإلى الله ترجع الأمور) ولله المثل الأعلى سبحانه. وقيل: (الأمور) هي الأرواح والأنفس دون الأجسام، وهذا تفسير آخر، وسماها أموراً من حيث أنها إبداعات مشار إليها بقوله: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54]، فكأن معنى (الأمور) على التفسير الثاني: الأرواح كما قال تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف:29]. وقد قرئ في السبع: (تُرجعُ الأمور) بمعنى: تُرد، وبفتحها: (تَرجِعُ الأمور) بمعنى: تصير، كقوله تعالى: {أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} [الشورى:53]، والمعنى في القراءتين متقارب؛ لأنها ترجع إليه تعالى، وهو سبحانه يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة.
بيان خطأ السيوطي في تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله)
بيان خطأ السيوطي في تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) يقول السيوطي رحمه الله تعالى في قوله عز وجل: (هل ينظرون) أي: ما ينتظر التاركون الدخول فيه، (إلا أن يأتيهم الله) يعني: إلا أن يأتيهم أمر الله، كقوله: {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل:33] أي: عذابه. اهـ. وفي مثل هذه المواضع في التفسير لا يجوز الاعتماد على كلام الجلالين، أي: في مواضع التأويل المخالف لمنهج السلف، وهذا من المواضع التي خالف فيها السيوطي منهج السلف، ولابد من الاعتماد في مثل هذه المواضع على منهج السلف، فلا نقول مثلاً: (والله يحب المتقين) أي: يثيبهم! أو {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134]، أي: يثيبهم! بل هذه صفة من صفات الله لا يجوز تأويلها وتعطيلها. كذلك قوله هنا: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ} [البقرة:210] هذه الآية لها أسباب تدل على أن هذا الوعيد أخروي، ولذلك قال ابن كثير في معنى هذه الآية: يقول تعالى مهدداً للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ} [البقرة:210] يعني: يوم القيامة؛ لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. ولهذا قال تعالى: (وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور) كما قال تعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} [الفجر:21 - 23]، وقال عز وجل: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام:158]، فوصف الله سبحانه وتعالى نفسه بالإتيان في ظلل من الغمام كوصفه بالمجيء في آيات أخر، ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه أو صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم. والقول في الصفات كالقول في الذات، والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فمن قال: كيف يجيء الله سبحانه وتعالى؟ فيقال له: كيف ذاته؟ فسيقول: لا أعلم كيفية ذاته، فيقال له: وكذلك لا نعلم كيفية صفاته؛ فالكلام على الصفات فرع عن الكلام في الذات، فلأنك تثبت ذاتاً لا كذوات المخلوقين، كذلك تثبت صفات لا كصفات المخلوقين، فالسلف يقولون: نحن نجري هذه الصفات على ظاهرها، ويعنون أن ظاهرها هو ما يليق بالله سبحانه وتعالى، والظاهر لائق بالله سبحانه وتعالى، يعني: إذا سمعت صفة من صفات الله كقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:54]، أو: {يَدُ اللَّهِ} [المائدة:64] أو غير ذلك من الصفات، مثل: أن الله يحب أو يفرح أو يعجب، أو غير ذلك من الصفات، فظاهرها هو كما يليق به سبحانه وتعالى، وليس ظاهرها مشابهة المخلوقين، فمن قال كما قال السلف: ظاهرها على ما يليق بالله، فبالتالي لن يحتاج لها إلى تأويل ولا إلى تعطيل، ولا إلى غير ذلك من المسالك الضالة. ومن العلماء من فهم أن ظاهرها هو مشابهة المخلوقين، فاحتاج إلى أن ينفي الصفة ليحترز من ذلك فقال: الظاهر غير مراد، ومعنى القول بأن الظاهر غير مراد، أي: إذا قال: (استوى على العرش) يكون ظاهر الكلام غير مقصود؛ لأن ظاهره يقتضي التشبيه، وهو مشابهة المخلوقين كما يزعمون. وهذا المسلك يترتب عليه كثير من المخاطر، وأول شيء أنه لما سمع صفات الله لم يقل: هي كما يليق بالله سبحانه وتعالى، وإنما قال: كالمخلوقين، فانصرف ذهنه إلى التشبيه، فأراد الهروب من هذا التشبيه فوقع في حفرة أخرى وهي حفرة التعطيل، فعطل الصفة وأنكرها، فبالتالي يكون قد حرف الكلام؛ لأنه نفى عن الله ما وصف به نفسه. أما منهج السلف ففيه السلامة من هذا؛ لأنك لا تقع في التشبيه، بل أنت تقول: ظاهرها هو كما يليق بالله سبحانه وتعالى، وتؤكد ذلك بقولك: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11]، فكما أننا لا نعلم كيفية ذات الله، كذلك لا نعلم كيفية صفاته، وقد مر الكلام في هذا مرات كثيرة. ومجيء الملائكة في ظلل من الغمام أمر مألوف، فقد جاء في الصحيح عن البراء رضي الله عنه قال: (كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بخطمين، فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن). وعن أسيد بن حضير قال: (بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس -يعني: هاجت وتحركت ومالت- فسكت عن القراءة فسكنت، فقرأ فجالت، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريباً منها، فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى لا يراها حتى اختفت، فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: اقرأ يا ابن حضير -المقصود: يا ليتك لم تتوقف عن القراءة- قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريباً، فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم). يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (هل ينظرون) يعني: ما ينتظر التاركون الدخول فيه (إلا أن يأتيهم الله): أمره، كقوله: (أو يأتي أمر ربك) أي: عذابه. واللفظ أنه يأتي الله، فكيف يصح هذا التأويل وفيه نفي لصفة الإتيان؟! أما المنهج السلفي فسيثبت ما وصف الله به نفسه كما يليق به سبحانه. (في ظلل): جمع ظلة (من الغمام) أي: السحاب (والملائكة وقضي الأمر) يعني: تم أمر هلاكهم (وإلى الله تُرجَع الأمور) وفي قراءة أخرى: (تَرجِع الأمور) يعني: سيجازي كلاً بعمله في الآخرة.
تفسير قوله تعالى: (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة)
تفسير قوله تعالى: (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة) يقول تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة:211] أي: (سل) يا محمد! (بني إسرائيل)، وهذا تبكيت لهم وإلزام لهم بالحجة، (كم آتيناهم) (كم) استفهامية، وهي معلَّقة بـ (سل) عن المفعول الثاني، فـ (كم) ثاني مفعولي لـ (آتينا)، ومميزها قوله: (من آية بينة) أي: ظاهرة كفلق البحر، وإنزال المن والسلوى؛ فبدلوها كفراً. ولذلك قال تعالى: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ} [البقرة:211] أي: يبدل ما أنعم الله به عليه من الآيات؛ لأنها سبب الهداية (من بعد ما جاءته) أي: يبدلها كفراً بدل أن يتعظ بها ويستدل بها على الإيمان والتوحيد والرسالة. (من بعد ما جاءته): كفراً. (فإن الله شديد العقاب) ولذلك قال تعالى في سورة إبراهيم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم:28]. يقول البقاعي: لما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في الغمام، لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر، وفي جبل الطور، وقبة الزمان، وما في ذلك على ما نقل إليهم من وفور الهيئة وتعاظم الجلال؛ قال تعالى جواباً لمن قال: كيف يكون هذا؟ وهو إشارة إلى إتيان الله سبحانه وتعالى والملائكة في ظلل من الغمام، فجاء الجواب مباشرة: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة:211]، فإن بني إسرائيل عندهم علم من هذا، وهذا موجود ومكتوب في كتبهم، وهو مجيء الله سبحانه وتعالى في ظلل من الغمام والملائكة.
تفسير قوله تعالى: (زين للذين كفروا الحياة الدنيا)
تفسير قوله تعالى: (زين للذين كفروا الحياة الدنيا) قال عز وجل: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [البقرة:212]، الذين كفروا: سواء من أهل مكة أو غيرها (الحياة الدنيا) أي: لزخارفها الظاهرة بالتمويه، فأحبوها لهذه الزينة الظاهرة. (ويسخرون من الذين آمنوا) أي: وهم يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم كـ بلال وعمار وصهيب، فيستهزئون بهم ويتعالون عليهم بالمال. يقول الحرابي: ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر بالله، واستحباب زينة الدنيا نوع من أنواع الكفر؛ لقوله قبل ذلك قال: (ومن يبدل نعمة الله) يعني: كفراً (من بعد ما جاءته)، ثم قال هنا: (زين للذين كفروا) فالافتتان بزينة الدنيا من خصال الكفار، حيث أن نظر العقل والإيمان يبصر غايتها، ويشهد جيفتها، فلا يغتر بزينتها، وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحق. (ويسخرون من الذين آمنوا) يهزءون منهم كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين:29 - 30]، إلى آخر الآيات. ثم يقول تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة:212] (الذين اتقوا): وهم المؤمنون، وإنما ذكروا بعنوان التقوى؛ لحضهم عليها، وإيذاناً بترقب الحكم عليه، فلم يقل: والذين آمنوا، لكن قال: (الذين اتقوا) حتى يلفت نظر المؤمنين إلى أنهم إنما نالوا ذلك بصفة التقوى. (والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) يقول: (والذين اتقوا) الشرك، وهم هؤلاء الفقراء. (فوقهم يوم القيامة) أي: أنهم في عليين وهؤلاء في أسفل سافلين، أو: لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا، كما في قوله تعالى: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود:38]، وقال تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} [المطففين:22 - 23]، فالمهم أن المؤمنين يضحكون أخيراً، ولذلك قال بعض العلماء: يحتمل قوله تعالى: {فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة:212] وجهين: الأول: أن حال المؤمنين في الآخرة أعلى من حال الكفار في الدنيا. الثاني: أن المؤمنين في الآخرة هم في الغرفات، والكفار في الدرك الأسفل من النار. ثم قال تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة:212]، والمقصود: رزقاً واسعاً رغداً لا فناء له ولا انقطاع كقوله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر:40]، فإن كل ما دخل تحت الحساب والحق والتقدير فهو مُتناهٍ، وما لا يكون متناهياً كان لا محالة خارجاً عن الحساب، فهو ثواب إلى ما لا نهاية؛ لأنه إذا دخل في الحساب صار محصوراً معدوداً، أما إذا كان بغير حساب فلا نهاية له ولا حصر.
تفسير قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة)
تفسير قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة) يقول تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة:213] قال السيوطي: أي: على الإيمان، فاختلفوا بأن ثبت بعضهم على الإيمان وكفر البعض الآخر، وكلمة: (فاختلفوا) ليست من كيس السيوطي، بل هي من فقهه، حيث إنه قدر الكلام: (كان الناس أمة واحدة) فاختلفوا (فبعث الله النبيين)؛ لأنه لو لم نقدر كلمة (فاختلفوا) قبل بعثة الأنبياء فكأن الآية تعني أن الأنبياء بعثوا كي يفرقوا الناس بعد أن كانوا متوحدين! وهذا مستحيل. إذاً: معنى الآية: (كان الناس أمة واحدة) فاختلفوا، {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [البقرة:213]. والدليل على صحة تقدير هذه الكلمة موجود في الآية نفسها، في قوله تعالى: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} [البقرة:213] إلى آخر الآية. (فبعث الله النبيين) يعني: إليهم. (مبشرين) يعني: من آمن بالجنة. (ومنذرين) يعني: من كفر بالنار. (وأنزل معهم الكتاب): (الكتاب) هنا اسم جنس بمعنى: الكتب. (بالحق) يعني: أنزله بالحق. (ليحكم بين الناس) يعني: يحكم به بين الناس فيما اختلفوا فيه، أي: من الدين. (وما اختلف فيه) أي: في الدين. (إلا الذين أوتوه) يعني: الكتاب، فآمن بعض وكفر بعض. (من بعد ما جاءتهم البينات) يعني: الحجج الظاهرة على التوحيد. (بغياً) من الكافرين (بينهم). (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق) (من) هنا للبيان وليست للتبعيض؛ لأن كل ما أنزل في الكتاب هو حق. (بإذنه) أي: بإرادته. (والله يهدي من يشاء) أي: هدايته. (إلى صراط مستقيم) وهو طريق الحق.
تفسير قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة)
تفسير قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) يقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة:214]. أنزلت هذه الآيات لما أصاب المسلمين الجهد والمشقة يوم الأحزاب، حيث أصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بلاء شديد بعد حصار المدينة، فقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ} [البقرة:214] يعني: بل حسبتم. {أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا} [البقرة:214] و (لما) تنفي إلى وقت التكلم، أي: ولما {يَأْتِكُمْ مَثَلُ} [البقرة:214] أي: شبه ما أتى الذين خلوا من قبلكم من المؤمنين والمحسنين، فتصبروا كما صبروا. وكأن سائلاً يقول: ما مثل الذين خلوا من قبلهم؟ ما الذي حصل لهم؟ فأتى A { مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ} [البقرة:214] أي: شدة الفقر. {وَالضَّرَّاءُ} [البقرة:214] أي: المرض. {وَزُلْزِلُوا} [البقرة:214] أي: أزعجوا بأنواع البلاء. {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} [البقرة:214]، بالنصب أو الرفع (حتى يقولَ) أو (حتى يقولُ). {الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [البقرة:214]، استبطاءً للنصر؛ لتناهي الشدة عليهم. {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة:214] أي: متى يأتي نصر الله الذي وعدَنَاه؟ فأجيبوا من قبل الله: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214] أي: قريب إتيانه.
تفسير قوله تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون)
تفسير قوله تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون) قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} [البقرة:215] أي: الذي ينفقونه، والسائل هو: عمرو بن الجموح وكان شيخاً ذا مال، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما ينفق وعلى من ينفق. (قل) يعني: قل لهم: {مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة:215]، بيان شامل للقليل والكثير، وفيه بيان الشيء المنفق، الذي هو أحد شِقّي السؤال، وأجاب عن المصرف الذي هو الشق الآخر بقوله: {قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ} [البقرة:215]، وكلمة: (من خير) تطلق على المال {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة:215] أي: هؤلاء أولى بهذا الجانب. {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} [البقرة:215] يعني: إنفاق أو غيره. {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة:215]، فيجازي عليه.
تفسير قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم)
تفسير قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) قال عز وجل: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [البقرة:216] يعني: فرض عليكم القتال للكفار. {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216] يعني: مكروه لكم طبعاً لمشقته. {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة:216]، لميل النفس إلى الشهوات الموجبة لهلاكها ونفورها عن التكليفات الموجبة لسعادتها، فلعل لكم في القتال -وإن كرهتموه- خيراً؛ لأن فيه إما الظفر والغنيمة أو الشهادة والأجر، وفي تركه -وإن أحببتموه- شراً؛ لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} [البقرة:216] يعني: ما هو خير لكم. {وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] يعني: ذلك، فبادروا إلى ما يأمركم به.
وقفة عند قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم)
وقفة عند قوله تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216] هذا في قتال المتعرضين لقتال المسلمين، كما قال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة:190]. والمراد بقتالهم: جهادهم بما يبيدهم أو يقهرهم ويخذلهم ويضعف قوتهم. قال بعض الحكماء: سيف الجهاد والقتال هو آية العز -أي: علامة العز-، وبه مُصّرت الأمصار، ومُدّنت المدن، وانتشرت المبادئ والمذاهب، وحفظت الشرائع والقوانين، وبه حمي الإسلام من أن تعبث به أيدي العابثين في الغابر، وهو الذي يحميه من طمع الطامعين في الحاضر، وبه امتدت سيطرة الإسلام إلى ما وراء جبال الأورال شمالاً، وخط الاستواء جنوباً، وجدران الصين شرقاً، وجبال البرانس غرباً، فيجب على المسلمين ألا يتملصوا من قول بعض الأوروبيين: إن الدين الإسلامي قد انتشر بالسيف، فإن هذا القول لا يضر جوهر الدين شيئاً، فإن المنصفين منهم يعلمون أنه قام بالدعوة والإقناع، وأن السيف لم يجرد إلا لحماية الدعوة، وإنما التملص منه يضر المسلمين. أي: التبرؤ من الجهاد، فبعضهم يجعل الإسلام كأنه وضع داخل قفص الاتهام، وكأنه هو المحامي الذي يدافع ويبرر جريمة الجهاد، ويقولون: لا، كل الغزوات كانت دفاعاً ورداً للعدوان، ولم يكن هناك مبادأة، وغير ذلك من هذا الكلام الاستسلامي الانهزامي! وأخطر ما في التملص من هذا الكلام هو أنهم يضرون المسلمين؛ لأن هذا سيقعدهم عن نصرة الدين بالسيف، ويقودهم إلى التخاذل والتواكل، ويحملهم على الاعتقاد بترك الوسائل، فيخلدون إلى الضعف كما هي حالتهم اليوم، وتقتلعهم الأمم القوية التي جعلت شعار تمدنها: السيف أو الكوخ، ولعلكم سمعتم كلمة كلينتون أو قرأتموها في الأيام الأخيرة حينما قال: إننا اتفقنا -هو وميتران - على ألا تقوم قائمة لإسلام قوي، وسنستعين على ذلك بالدول الإسلامية ذات الموارد الفقيرة! يقول هذا العالم: فيجب على المسلمين أن يدرسوا آيات الجهاد صباح مساء، ويطيلوا النظر في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال:60] لعلهم يتحفزون إلى مجاراة الأمم القوية. {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216] المقصود هنا: الكراهة الجِبِلّية الطبعية، وهي أن الإنسان يكره أن يُقتل أو يموت، لكن شرعاً: المؤمن يحب الجهاد، فلا تناقض. {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا} [البقرة:216] كالجهاد في سبيل الله. {وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:216] كما ذكرنا. {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216]، بعض العلماء قال: قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] المقصود صنف معين من الأعراب وغيرهم، فهم الذين يصدق عليهم أنهم لا يعلمون، وأما المؤمنون الراسخون فقد أعلمهم الله من عنده ما علموا أن القتال خير لهم، وأن التخلف شر لهم، حتى إن علمهم ذلك ظهر على ألسنتهم بما يسيل الدموع وينير القلوب من شدة علمهم بهذه الحقيقة، فحين شاورهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى غزوة بدر، قام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن، ثم قام عمر رضي الله عنه فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو رضي الله عنه فقال: (يا رسول الله! امض بما أمرك الله فنحن معك، والله! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ((اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)) [المائدة:24]، ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق! لو سرت إلى برك الغماد -وهو مكان وراء مكة بخمس ليالي مما يلي البحر- لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له) ثم قام سعد بن معاذ فقال: (امض -يا رسول الله- لما أردت ونحن معك، فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً). فقوله: (ما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً) يدل على أن الصحابة من الراسخين في الإيمان، وهم برآء من هذه الكراهة، بل تضلعوا من علم الوحي حتى أيقنوا بمحبة هذا الجهاد، ولم يكرهوه. ثم قال سعد: (إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، فلعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله). ونحن إذا توسعنا في هذا الكلام سنجد نماذج عظيمة جداً من السلف رضي الله تعالى عنهم في الجهاد؛ لأنه لا يمكن أن هؤلاء يكرهون الجهاد في سبيل الله أبداً، بل كما قال خالد بن الوليد لبعض قواد الكفار: جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة! وكما في قصة عبد الله بن حذافة رضي الله تعالى عنه لما أسر مع مجموعة من المسلمين، وأغراه ملك الروم أن يتنصّر ويخلي سبيله فأبى، فأتى بأسير ووضع في إناء زيت يفور ويغلي ثم أخرج وهو عظام تلوح. فعرض عليه الدخول في النصرانية فأبى، فعُلق عبد الله بن حذافة رضي الله عنه وأمر الملك أن يرمى بالسهام قريباً من يديه ورجليه ورأسه؛ إخافة له وإرهاباً فأبى، ولما وضعوا في هذا الإناء الذي يغلي أحد الأسرى وأخرج فإذا هو عظام تلوح بكى في هذه اللحظة، فطمع الملك في تنصّره لما رآه يبكي، فعرض عليه النصرانية فقام فأبى، فقالوا: إذاً ما يبكيك؟! قال: حينما رأيت هذا الأسير الذي قد فعل به كذا، تذكرت أن لي نفساً واحدة، وكنت أود أن لي سبعين نفساً تعذب كلها في الله كما عذبت هذه النفس! فبكى لأن له نفساً واحدة فقط ستعذب هذا العذاب في سبيل الله. هل يمكن أن هذا يكره الجهاد في سبيل الله؟!! إذاً: هناك نماذج في الحقيقة تطول جداً من سير السلف تثبت أنهم ما كرهوا القتال في سبيل الله. فهذان تفسيران للآية: الأول: إما أن يكون {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216] يعني: كراهة طبعية كقول عائشة: كلنا يكره الموت. الثاني: أن قوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] أي: في طبقة معينة من الناس كالأعراب وغيرهم، أما الذين رسخ إيمانهم وتعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم ومن الوحي فهم لا يكرهون الجهاد، بل بعضهم كان يبكي لما اعتذر لهم النبي صلى الله عليه وسلم عن حملهم معه للجهاد كما قال الله: {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} [التوبة:92].
تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه)
تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:217]. اختلف المفسرون في هؤلاء الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: هم أهل الشرك أفضوا إلى تعيير المسلمين لما تجاوزوه من القتل في الشهر الحرام، وقيل: هم أهل الإسلام. (يسألونك) فإما أن الواو تعود إلى أناس من المسلمين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم القتال في الشهر الحرام، وإما أنها تعود إلى المشركين؛ لأن المشركين كانوا يعيرون المسلمين ويقولون لهم: ما حكم القتال في الشهر الحرام في شرعتكم وفي دينكم وقد تجاوزتم هذا الحكم بإجراء القتال في الشهر الحرام؟ والمقصود بالشهر الحرام: شهر رجب، وكان شهر رجب يدعى عند العرب: الشهر الأصم؛ لأنه لم يكن يسمع فيه للسلاح قعقعة تعظيماً لهذا الشهر، وكانوا يعظمونه أكثر من بقية الأشهر الحرم، فكانوا يسمونه الشهر الأصم؛ لأنه لا يسمع فيه قعقعة السلاح ولا قتال. وقد أخرج الطبراني في الكبير والبيهقي في سننه وابن جرير وابن أبي حاتم عن جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطاً واستأمر عليهم أبا عبيدة، فلما انطلق ليتوجه طاعة لأمر الرسول عليه السلام ولشدة خوفه وحبه للرسول عليه السلام فلم يملك نفسه أن بكى صبابة وشوقاً إلى الرسول عليه السلام وحزناً على فراقه، فبعث مكانه عبد الله بن جحش واستبقى أبا عبيدة رضي الله تعالى عنه، وهذا كان قبل غزوة بدر الكبرى، وسمي عبد الله بن جحش في هذه الغزوة: أمير المؤمنين؛ لكونه أميراً على جماعة من المؤمنين، وهذا يرويه ابن مسعود، فلقي الصحابة ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب، وكانوا يظنون أنه ليس من الشهر الحرام، وكان ذلك اليوم يحتمل أن يكون آخر يوم من جماد الآخرة أو أول رجب، وهم لم يقطعوا بذلك، وظنوا أنه من جماد الآخرة، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام. فأنزل الله هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة:217]، فبعض الناس قالوا: هؤلاء الصحابة الذين قتلوا في الشهر الحرام إن كانوا قد فعلوا ما عليهم بسبب جواز وإباحة القتال في هذه الظروف التي كانوا فيها، فهم على أقل تقدير ليس لهم أجر لفعلهم هذا، فأنزل الله تعالى الآية التي تليها: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:218]، لإثبات أن لهم أجراً في هذا. وأخرج ابن مندة في الصحابة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يظنون تلك الليلة من جمادى وكانت أول رجب. وفي رواية ابن أبي حاتم وصححها الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش الأسدي في جيش على رأس سبعة عشر شهراً من الهجرة في اثني عشر رجلاً من المهاجرين، كل اثنين يعتقبان على بعير، فوصلوا إلى بطن نخلة يرصدون عيراً لقريش، وبعث معه كتاباً وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فلما سار يومين فتح الكتاب فوجد فيه: (إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بنخلة -موضع بين مكة والطائف- ارصد بها عيراً لقريش، وتعلم لنا من أخبارهم)، فقال: سمعاً وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، ولم يستكرههم بل خيرهم من شاء أن يستمر معه فليستمر، ومن شاء أن يعود فليعد، قال: فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، أما أنا فناهض، فنهضوا كلهم، فلما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة، فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، ولئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام! فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا على مقاتلتهم، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت نوفل فأعجزهم، ثم أقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عزلوا من ذلك الخمس، وهو أول خمس كان في الإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلوه، واشتد تعييب قريش وإنكارهم ذلك، وزعموا أنهم قد وجدوا مقالاً، فقالوا: قد أحلّ محمد الشهر الحرام، ويروى أن اليهود أيضاً دخلوا في هذه المعمعة ولم يفوتوا الفرصة، بل ضلوا يخوضون في التشنيع على المسلمين، واستعملوا بعض العبارات كنوع من التفاؤل بإثارة الحرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: عمرو أي: عُمرت الحرب، الحضرمي: حضرت الحرب، قتله واقد: وقدت الحرب، فجعل الله عليهم ذلك وبهم، ولما كثر الكلام في هذه الحادثة، وأكثر الناس في ذلك القيل والقال أنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية الكريمة. قوله تعالى: (قتال فيه) هذا بدل من الشهر وهو بدل اشتمال: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) فهو بدل اشتمال من الشهر؛ لأن السؤال اشتمل على الشهر وعلى القتال، وسؤالهم إنما كان عن الشهر؛ لأجل القتال فيه، فأبدل (قتال) من (الشهر) كما أنشد سيبويه: فما كان قيس ملكه ملك واحد ولكنه بنيان قوم تهدّما قوله: ملكه ملك واحد بدل اشتمال. تقول مثلاً: أعجبني زيد علمه، فـ (علمه) بدل اشتمال؛ لأن زيداً يشتمل على العلم ويشتمل على غيره، فأبدل منه هذا، كذلك تقول مثلاً: نفعني زيد كلامه، فـ (كلامه) بدل اشتمال من زيد، ومثله قولك: سُرق زيد ماله، أو: سلب زيد ثوبه، وهكذا. فقوله: (قتالٍ فيه) بدل من الشهر؛ لأن القتال يقع في الشهر.
البقرة [229 - 242]
تفسير سورة البقرة [229 - 242]
تفسير قوله تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)
تفسير قوله تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) قال تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:229]. قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا) يعني: إلا أن يخاف الزوجان. (أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) يعني: ألا يأتيا بما حده لهما من الحقوق. وفي قراءة (إلا أن يُخافا) بالبناء للمفعول، أي: يخافا من قبل ولاة الأمور. فـ (أن لا يقيما) بدل الاشتمال من الضمير فيه، وقرئ شذوذاً بالفوقانية في الفعلين، أي: (إلا أن تخافا أن لا تقيما) وهذه قراءة شاذة. قوله تعالى: ((فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)) هذه الآية دليل على جواز الخلع، والخلع هو: أن تختلع المرأة من زوجها، وهذا جائز إذا كان بعذر وبسبب، أما المرأة التي تطلب من زوجها الخلع من غير ما سبب فقد ورد فيها وعيد شديد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (المختلعات أو المنتزعات هن المنافقات)، فلا يجوز للمرأة أن تطلب من زوجها الطلاق بين الحين والآخر لأتفه الأسباب أو بدون سبب أو بسبب اختلاف، لكن إن كان هناك سبب وجيه وبأس وعذر فلها أن تطلب الطلاق ولا حرج عليها، أما أن تطلبه لغير ذلك فقد ثبت في ذلك هذا الوعيد الشديد. يقول تعالى: ((فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)) لا جناح على الرجل ولا على المرأة فيما افتدت به نفسها من المال ليطلقها، فلا حرج على الزوج في أخذه، فهذا معنى (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي: ليس على الزوج حرج في أن يأخذ هذا المال الذي تفتدي نفسها به، وليس هناك حرج -أيضاً- على الزوجة أن تبذل هذا المال لتفتدي نفسها به. (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: تلك الأحكام المذكورة حدود الله: (فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
تفسير قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره)
تفسير قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره) قوله تعالى: (فإن طلقها) هذا مرتبط بما قبله، حيث قال تعالى: (الطلاق) يعني: التطليق (مرتان)، ثم قال: (فإن طلقها) يعني: إن طلقها الزوج بعد الثنتين (فلا تحل له من بعد) يعني: من بعد الطلقة الثالثة لا تحل له (حتى تنكح زوجاً غيره) أي: حتى تتزوج زوجاً غيره ويطأها، للحديث الذي رواه الشيخان، فلا تحل له بعد الطلقة الثالثة حتى تتزوج زوجاً غيره ويطأها؛ لأن كلمة (تنكح) كما هو معلوم لفظ مشترك بين العقد وبين الوطء، فبالتالي نص هنا في التفسير على الوطء كي لا يظن أنه يكفي مجرد العقد؛ لأن الحديث دل على ذلك، ودلت الشريعة على تحريم نكاح المحلل، فقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له، وسماه النبي عليه الصلاة والسلام بالتيس المستعار، فمن الحيل المحرمة نكاح التحليل. فلذلك قال: (حتى تنكح) يعني: تتزوج (زوجاً غيره) ويطأها، ولابد من وطئها؛ لحديث رواه الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي -أي: طلقني الطلاق البتة ثلاثاً- فتزوجني عبد الرحمن بن الزَّبير، وما معه إلا مثل هدبة الثوبة -أي: هو عنين- فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)، وهذا كناية عن الوطء. فيجب أن يكون النكاح الثاني مقصوداً لذاته، لا لتحليل المرأة للزوج الأول، فأي نكاح لابد أن يكون الزوج ناوياً فيه التأبيد، لابد أن ينوي التأبيد، وأي عقد زواج يكون مؤقتاً فهو نكاح متعة، وهذا قد نسخ وحرم، فعقد النكاح لمدة معينة لا يجوز عندنا أهل السنة، وإنما يجب أن يكون على التأبيد، والتأبيد أن ينوي أن يعيش معها إلى الأبد ويتزوجها إلى الأبد. فلذلك ينبغي أن يكون هذا النكاح الثاني مقصوداً لذاته لا لمجرد التحليل، فمن وطأها لابد أن ينوي، لا أن ينوي بالوطء أن يحللها لزوجها، لكن ينوي بالعقد أن يتزوجها إلى الأبد. يقول: يجب أن يكون النكاح الثاني مقصوداً لذاته لا لتحليل المرأة للزوج الأول، فإن قصد به التحليل كان الطرفان آثمين بالإجماع مع خلاف في صحة العقد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لعن الله المحلل والمحلل له) رواه النسائي والترمذي. قوله تعالى: (فإن طلقها) الفاعل هنا الزوج الثاني، (فإن طلقها) أي: الزوج الثاني طلقها لأي سبب، فهو نوى التأبيد لكن حصل بينهما نزاع أو أي شيء حتى طلقها لا لقصد التحليل، لكن طلقها لمشاكل عائلية. (فإن طلقها) أي: الزوج الثاني (فلا جناح عليهما) يعني: الزوجة والزوج الأول (أن يتراجعا) يعني: أن يتراجعا إلى النكاح بعد انقضاء العدة، ولابد من هذا الشرط، لابد أن يكون النكاح بعد انقضاء العدة. {إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [البقرة:230] أي: تلك المذكورات حدود الله. (يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي: يتدبرون.
تفسير قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن)
تفسير قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن) قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة:231]. قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي: قاربن انقضاء عدتهن {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}. وإنما كان معنى (بلغن) قاربن لأنه لو كانت العدة قد انقضت بالفعل فلا يمكنه أن يمسكها، بل تكون قد بانت منه بينونة صغرى، لذلك فسر قوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن) بأن معناه: قاربن انقضاء عدتهن. فقوله تعالى: (فأمسكوهن) الإمساك لابد أن يكون في جزء من العدة، وهو الذي يكون عند اقتراب نهاية العدة. قوله تعالى: (فأمسكوهن بمعروف) أي: أمسكوهن بأن تراجعوهن. وقوله تعالى: (بمعروف) أي: من غير إضرار. وقوله تعالى: (أو سرحوهن بمعروف) أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن. وقوله تعالى: (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا) أي: ولا تمسكوهن بالرجعة. (ضراراً) مفعول له. (لتعتدوا) أي: تعتدوا عليهن بالإلجاء إلى الافتداء والتطليق وتطويل العدة، وذلك أن ينوي الرجل بمراجعتها تطويل العدة، فإذا قاربت العدة الانتهاء يراجعها، ويتعسف في استعمال هذا الحق الذي أعطاه الله إياه كي يطيل عليها عدتها، يعني فيراجعها من جديد ثم يطلقها لتطول عليها العدة؛ لأنها إذا طلقت منه ستكون لها الحقوق المادية من المتعة أو المهر، أو مؤخر الصداق، لكن هو يمسكها بنية أن يضايقها ويؤذيها كي تطلب هي الافتداء فتبرئه من حقوقها، فيمسكها بنية الضرار. ولا شك أن هذه الأشياء متفشية إلى الآن، حتى إن بعض الذين يزعمون أنهم متدينون نجد أن الإنسان منهم إذا غلبه الهوى والظلم والتعسف لا يلتفت إلى هذه الأمور الشرعية، وقد رأينا ذلك في أناس كثيرين. إلا أن التقي -كما قال بعض السلف- ملجم، فليس كل ما يقدر عليه يفعله، فالتقوى تلجمه وتكبح هواه وبغيه. وبعض الناس الحلال عنده هو ما قدر عليه، والحرام هو ما عجز عنه، فإن قدر على مال كان عنده حلالاً له، وإن قدر على عرض كان حلالاً له، والحرام هو الذي عجز عنه، وليس الحرام عنده ما حرم الله، وليس الحلال عنده ما أحله الله سبحانه وتعالى! فإذا كنت قادراً على الظلم فتذكر أن الله أقدر عليك منك على المظلوم، حتى ولو كانت المرأة لا يوجد لها من يدافع عنها أو يحميها أو يتولى صيانة حقوقها، وبالتالي يُعدُّ هذا التصرف منه منافياً لما أوصى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: (استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم) يعني: أسيرات عندكم. وقوله عليه الصلاة والسلام: (إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة) يعني: أنتم في حرج إذا ضيعتم حق هذين الضعيفين: اليتيم والمرأة. فالشاهد أن الرجل لا يجوز له أن يمسكها ضراراً. تجد الرجل يتزوج مثلاً، ثم يطلق مرتين ويبقي الثالثة، ثم يتزوج امرأة أخرى، ويضعها على ذمته دون أن يراجعها، فتصبح معلقة لا هي ذات زوج ولا هي مطلقة، ولا شك أن هذا يتنافى مع الأخلاق الإسلامية، ومثل هذه التصرفات لا يأتي بها من يخاف الله سبحانه وتعالى أو يستحيي من الله، فليس كل ما تقدر عليه أو ما يوفره لك القانون أو يحرره لك المحامي يكون حقاً لك، فإذا كنت تتقي الله فينبغي أن تلتزم بشرع الله عز وجل. قال تعالى: ((وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ)) أي: بالرجعة (ضِرَارًا) أي لأجل الضرار لتعتدوا عليهن بالإلجاء إلى الافتداء، فيضيق عليها حتى تفتدي نفسها بالمال، أو تتنازل عن حقوقها عنده. قال تعالى: ((وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا)). هنا عدة قراءات، فقد قرئ (هُزواً) بالهمزة مع ضم الزاي (هُزُءًا)، وبالهمزة مع سكون الزاي (هُزْءًا)، وفي قراءة بضم الزاي وإبدال الهمزة واواً، وهي رواية حفص عن عاصم أي: مهزوءاً بها. والمعنى: لا تهزءوا بآيات الله بأن تخالفوها ولا ترفعوا بها رأساً ولا تلقوا لها بالاً. ثم يقول تعالى: ((وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)) يعني: بالإسلام. ((وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ)) [البقرة:231] أي: القرآن. (والحكمة) يعني: ما في القرآن من الأحكام. وحيث ما وردت الحكمة مقترنة بالكتاب في سياق الامتنان على هذه الأمة المحمدية فالمقصود بها السنة، وهذا لا يتعارض مع تفسير السيوطي للحكمة هنا بما في القرآن من الأحكام، ولكن المعروف أن الحكمة هنا هي السنة كما سبق الاستدلال على ذلك. ((يَعِظُكُمْ بِهِ)) يعني: اذكروا هذه النعمة بأن تشكروها وتعملوا بهذه الأحكام التي أنزلها الله سبحانه وتعالى وامتن بها عليكم. ((وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) أي: لا يخفى عليه شيء.
تفسير قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجهلن فلا تعضلوهن)
تفسير قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجهلن فلا تعضلوهن) ثم يقول تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة:232] ليس المقصود ببلوغ الأجل هنا مقاربة انقضاء عدتهن، بل المراد بـ (بلغن أجلهن) هنا انقضاء العدة بالفعل، حيث بانت من زوجها بينونة صغرى. فـ (إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) أي: انقضت عدتهن (فلا تعضلوهن) الخطاب هنا للأولياء، والعضل: هو مضارة المرأة بأن يمنعها من زوجها. أي: أن يأتيها زوج كفء فلا يزوجها، فهذا هو العضل، وهو صورة من صور التعسف أو سوء استعمال السلطة التي أعطاها الله سبحانه وتعالى الأولياء. وهذه الآية من أوضح الأدلة على أن الولي هو صاحب الحق في تزويج المرأة، فالنهي عن العضل يثبت أن له سلطة، وأن الولي أبا المرأة -مثلاً- أو وليها الشرعي هو الذي يتولى تزويجها؛ لأنه لو كان الأمر إليها لما احتيج إلى النهي عن العضل، فالنهي عن العضل لأن سلطة التزويج من سلطة الولي فقط، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا نكاح إلا بولي)، والآيات في هذا كثيرة، منها الآية التي أشرنا إليها سابقاً في قوله تبارك وتعالى: {وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة:221]، و (تُنكِح) فعل مضارع، وماضيه (أنكح). وأما (ولا تَنكَحوا المشركات) فهو من (نَكَح) بمعنى: تزوج، أي: فلا تتزوجوا المشركات، أما حينما نزوج نحن بناتنا فيقول تبارك وتعالى: (ولا تُنكحوا) يعني: لا تُزوجوا بناتكم المشركين، فلم يقل: لا يَنكَحن هن المشركين حتى يؤمنوا؛ لأنه لا سلطة للمرأة في التزويج، فالسلطة هي للرجل، ولذلك قال: (ولا تُنكِحوا المشركين) يعني: لا تزوجوهن بناتكم حتى يؤمنوا. وهذا أيضاً دليل على اشتراط الولي في النكاح. وقوله تبارك وتعالى: ((فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن))، والخطاب هنا للأولياء، أي: لا تمنعوهن من أن ينكحن أزواجهن، وليس المراد: أي أزاوج! وإنما أزواجهن المطلقون لهن، وهو الزوج الذي طلقها فيما مضى حتى انقضت عدتها منه وبانت منه بينونة صغرى. يقول السيوطي: (فلا تعضلوهن) خطاب للأولياء، أي: لا تمنعوهن من أن ينكحن أزواجهن المطلقين لهن؛ لأن سبب نزولها أن أخت معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه طلقها زوجها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، وأخته هذه كان يتقدم إليها كثير من أشراف الناس ووجهائهم، فكان يتأبى عليهم، وفضله هو بتزويجها. فلما تزوجها طلقها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، فأراد أن يراجعها فمنعه معقل بن يسار وأبى وأخذته الحمية وقال: أكرمتك وزوجتك إياها فطلقتها ثم لم تراجعها حتى انقضت العدة، وبعد ذلك تطلب أن تراجعها! فأصر ألا يعيدها إليه، وهي ترغب أن تعود إلى زوجها، فلما نزلت هذه الآية قال معقل: سمعاً لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك تعظيماً لأمر الله سبحانه وتعالى. وهكذا الإيمان {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور:51]. ولا شك أن قوله تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) إنما هو إذا تراضوا بينهم بالمعروف؛ لأن المرأة إذا امتنعت عن العودة إلى زوجها الذي بانت منه بينونة صغرى فلا تلزم بالقبول إذا خطبها بعد ذلك. وقد رغب الله في إرجاع المرأة إلى زوجها الأول إذا خطبها بعد انقضاء عدتها؛ لما كان بينهما من العلاقة القائمة والمعاشرة الطويلة، فلا يؤمن أن يقع نوع من العلاقة والمواصلة المحرمة بينهما؛ لما كان بينهما سابقاً من الارتباط والعلاقة، فإذا سد الباب الحلال عليهما قد ينفتح باب الريبة في العلاقة بينهما لقوة العلاقة بينهما فيما مضى، ولذلك كان هذا الحكم سداً لهذا الباب من أبواب الفتنة. قوله تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) أي: المطلقين لهن. (إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) (إذا تراضوا) الواو تعود على الأزواج والنساء. (بينهم بالمعروف) أي: المعروف شرعاً؛ لأن المعروف هو ما عرفه الشرع، والمنكر هو ما أنكره ونهى عنه. (ذلك) أي: ذلك النهي عن العضل (يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)؛ لأن الذي يؤمن بالله واليوم الآخر ويخشى الله سبحانه وتعالى ويتقيه هو الذي ينتفع بهذه الموعظة. (ذلكم) يعني: ترك العضل (أزكى لكم وأطهر) (أزكى) أي: خير لكم وأطهر لكم ولهن، أي: للأزواج والزوجات، فهو أطهر لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة السابقة بينهما. (والله يعلم) أي: ما فيه من مصلحة. (وأنتم لا تعلمون) أي: ذلك، فاتبعوا أمره.
تفسير قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن)
تفسير قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن) قال تبارك وتعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} [البقرة:233]. (يرضعن) الكلام فيها مثل (يتربصن)، فظاهرها الخبر ولكن المقصود الأمر، يعني: ليرضعن. (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) (حولين): يعني عامين (كاملين) هذه صفة مؤكدة. (لمن أراد) يعني: ذلك الحكم لمن أراد (أن يتم الرضاعة)، ولا زيادة عليها، فلا تزيد الرضاعة على سنتين هجريتين. وقوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهم بالمعروف) (وعلى المولود له) أي: الأب (رزقهن) يعني: إطعام الوالدات، فينفق عليها، فـ (رزقهن) أي: الإطعام، (وكسوتهن) يعني: النفقة والكسوة عن الإرضاع إذا كن مطلقات. (بالمعروف) أي: بقدر طاقته. {لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:233] أي: إلا طاقتها. (لا تضار والدة بولدها) الباء هنا سببية، يعني: لا يجوز أن تضار امرأة بسبب ولدها، كأن تكره -مثلاً- على إرضاعه إذا امتنعت، أو تمنع من إرضاعه إذا رغبت، وهذا -أيضاً- من الأخلاق السيئة الموجودة الآن في كثير من الرجال والنساء، تجد البعد عن شرع الله سبحانه وتعالى وضعف اليقين في القلوب، نجد الذي يستطيع أن يفعل فعلاً لا يتورع أبداً، والشيطان يربي هذه الأخلاق السيئة، وقل من تجده يفارق زوجته بالتي هي أحسن؛ لأن ضعيف التقوى إذا قدر فإنه لا يرحم ولا يتورع عن أي نوع من الأذى، تجد المرأة وأسرتها يحاربون على أن يحجبوا الابن عن أبيه، وتجد الرجل -أيضاً- يحاول أن ينكر بقدر استطاعته مصادر دخله، بحيث إذا رفعت القضية إلى القاضي لا يستطيع القاضي أن يفرض عليه مبلغاً كبيراً من المال بسبب قلة دخله. لماذا لا تتراضوا بينكم بالمعروف؟! ولماذا لا تُحكِّموا شرع الله سبحانه وتعالى بصدق، فتعطى المرأة حقها ويعطى الزوج حقه؟! وقوله تعالى: (لا تضار والدة بولدها) يعني: بسبب ولدها بأن تكره -مثلاً- على إرضاعه إذا امتنعت. (ولا مولود له بولده) أي: ولا يضار -أيضاً- الأب بولده أي: بسبب ولده- بأن يكلف فوق طاقته. وإضافة الولد إلى كل منهما في الموضعين للاستعطاف، فأضاف الله سبحانه وتعالى الولد إلى الأم فقال تعالى: (لا تضار والدة بولدها)، وهذه الإضافة المقصود بها الاستعطاف يعني: لتتذكر أن هذا هو ولدها فكيف تجعله سبباً لشقائها وسبباً في تعذيبها؟! كذلك قوله تعالى: (ولا مولود له بولده) ليعلم الطرف الآخر من النساء أن هذا ولده، فهذا نوع من الاستعطاف، فهو ولده فكيف تجعلونه سبباً في شقائه بمضارته؟! وهذا يفيد أن الولد لأبيه؛ لقوله تعالى (ولا مولود له بولده)، أما الأم فقال: (والدة)، وقال: (والوالدات)، وحين ذكر الأب قال: (مولود له)، فالولد مختص بأبيه، فهو له، وهو من كسبه. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (أنت ومالك لأبيك) فاختص الأب بهذا. قال تعالى: (وعلى الوارث مثل ذلك) الذي يرث الأب إذا مات هو الصبي ابنه، فقوله تعالى: (وعلى الوارث مثل ذلك) يعني: يجب على الوارث -الذي هو الصبي- أن ينفق على الأم التي ترضعه، فيعطيها الكسوة والطعام في أثناء فترة الرضاع مثلما يجب على المولود له المتوفى أيضاً، والذي يرضع -وهو الوارث- لا يتمكن من أن يعطي الأم نفقتها حال رضاعه، فإذاً لابد أن يكون المقصود ولي هذا الصبي؛ لأنه هو الذي يكون متمكناً من المال ويرعاه ويقوم بحاجاته منه. فالمقصود بقوله هنا: (وعلى الوارث) أي: وارث الأب وهو الصبي، أي: على وليه في ماله. و (على) هنا تطلق بمعنى الوجوب، فيجب على الولي أن ينفق من مال الصبي على أمه في الرضاع. (مثل ذلك) يعني: مثل الذي على الأب للوالدة من النفقة والكسوة. قال تعالى: (فإن أرادا) أي: الوالدان (فصالاً) أي: فطاماً له قبل الحولين، (فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور). فانظر كيف الإسلام يراعي مستقبل الأطفال حتى في حال فراق الوالدين، فتصور أن الأب والأم في حالة طلاق، لكن أوجب الله عليهما أن يتشاورا ويتحاورا فيما هو الأصلح لهذا الولد، ما هي مصلحته في الناحية البدنية وغيرها. (فإن أرادا فصالاً عن تراض) من غير أجبار وإكراه (وتشاور) يوجد أخذ ورد وشورى لأجل مصلحة هذا الصبي. (فإن أرادا) أي: الوالدان (فصالاً) أي: فطاماً له قبل الحولين (عن تراض) أي: اتفاق منهما (وتشاور) يعني: بينهما لتظهر مصلحة الصبي فيه. (فلا جناح عليهما) يعني: لا جناح عليهما في ذلك إن رأيا أن المدة إذا قلت يكون في ذلك مصلحة الولد، فلا جناح عليهما ولا يتحرجا من قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين)، ما دام في هذا مصلحة لهذا الصبي. قوله تعالى: (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم) (إن أردتم) هذا خطاب للآباء فقط (أن تسترضعوا أولادكم) يعني: تطلبون لهم مراضع غير الوالدات، فإذا كنت تريد أن ترضع ولدك غير هذه الأم المطلقة (فلا جناح عليكم إذا سلمتم) يعني: لا جناح عليكم في هذا الاسترضاع، وهو طلب المرضع غير الأم. (فلا جناح عليكم) أي: فيه (إذا سلمتم) أي: إليهن (ما آتيتم بالمعروف)، أي: إلى المرضعة غير الأم. أي: إذا سلمتم إلى هذه المرضعة التي تسترضعونها ما آتيتم -أي: أردتم إيتاءه- لهن من الأجرة (بالمعروف) أي: بالذي تطيب به النفس. (واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير) يعني: لا يخفى عليه شيء مما تعملون.
تفسير قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشرا)
تفسير قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشراً) قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234]. قوله تعالى: (والذين يتوفون) يعني: يموتون، والفعل مبني لما لم يسم فاعله (يُتَوفون)، وليس (يَتوفون) بالبناء للفاعل، ولذلك يحكى أن الخليل بن أحمد مشى في جنازة، فسأله سائل فقال: من المُتوفي؟ قال: الله. فغضب، ومن هنا بدأ في تدوين علوم النحو وضبط علوم اللغة، فنذر نفسه لحفظ اللسان العربي وقواعد اللغة العربية وفهم اللغة العربية؛ لأن الرجل قال له: من المتوفي؟ فرد عليه وقال: الله هو الذي يتوفى. فالله يتوفى الأنفس، أما الميت فيسمى "متوفى"، فهذا هو الصحيح، أن تقول: (متوفى) أو: (توفي فلانٌ)، أو تقول: (توفاه الله)، ولا تقول: (تَوَفَّى). يقول: (والذين يتوفون منكم) يعني: يموتون. (ويذرون) يتركون (أزواجاً يتربصن بأنفسهن) (يتربصن) أيضاً هنا ظاهره الخبر والمقصود به الإنشاء وهو الأمر، يعني: ليتربصن بأنفسهن يعني بعدهن عن النكاح، فيحبسن أنفسهن عن الزواج لمدة أربعة أشهر وعشر ليال، فهذه الآية موضوعها مدة إحداد المرأة على زوجها المتوفى. والمدة أربعة أشهر وعشر ليال، لا وعشرة أيام؛ لأنه لو كانت وعشرة أيام لقال: (أربعة أشهر وعشرة). وهذا في غير الحوامل، فالمرأة إما أن تكون حاملاً أو حائلاً، فالمرأة الحامل عدتها أن تضع حملها، ودليله آية الطلاق، وهي قوله تعالى: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4]، فلو أنها بعد وفاة الزوج -مثلاً- بيومين أو ثلاثة وضعت حملها فقد انقضت عدتها، فيمكن أن تكون العدة أياماً قليلة، ويمكن أن تقارب تسعة أشهر، فأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن. أما المرأة الحائل فعدتها أربعة أشهر وعشراً، والأمة على النصف من ذلك بالسُنَّة. (فإذا بلغن أجلهن) أي: انقضت عدة تربصهن فانقضت الأربعة الأشهر والعشر الليالي. (فلا جناح عليكم) يعني: أيها الأولياء (فيما فعلن في أنفسهن) أي: فيما فعلن في أنفسهن من التزين والتعرض للخطاب، وقد وردت السنة ببيان جواز هذا كما في حديث سبيعة الأسلمية وقول أبي السنابل بن بعكك لها. (بالمعروف) أي: شرعاً. (والله بما تعملون خبير) أي: عالم بباطنه كظاهره.
تفسير قوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء)
تفسير قوله تعالى: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء) قوله تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [البقرة:235] هذا أيضاً من أحكام إحداد المتوفى عنها زوجها، وهو أنه لا يجوز لأحد أن يصرح بطلب زواجها، لكن يعرض. فقوله: (ولا جناح عليكم فيما عرضتم) المقصود: ما لوحتم به من خطبة النساء، والمراد النساء المتوفى عنهن أزواجهن وهن في العدة، أما إذا انقضت العدة فيجوز التصريح، لكن المقصود هنا في أثناء العدة. (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به) أي: لوحتم. (من خطبة النساء) أي: المتوفى عنهن أزواجهن في العدة، كقول الإنسان مثلاً: إنك لجميلة، ومن يجد مثلك؟ وربَّ راغب فيك، هذا كله تعريض. (أو أكننتم في أنفسكم) فأنتم إما أن تُعرِّضوا، وإما أن تضمروا في أنفسكم قصد نكاحهن، (أو أكننتم) يعني: أضمرتم. (في أنفسكم) أي: من قصد نكاحهن. (علم الله أنكم ستذكرونهن) يعني: بالخطبة فلا تصبرون عنهن، فأباح لكم التعريض، فنفس لكم ووسع لكم في هذا الأمر؛ لأن الله علم أنكم قد لا تمسكون أنفسكم عن الاقتراب من هذا الأمر فأباح لكم التعريض. (ولكن لا تواعدوهن سراً) يعني: نكاحاً. (إلا أن تقولوا قولاً معروفاً) (إلا) هنا بمعنى (لكن)، فهو استثناء منقطع، أي: لكن يباح لكم أن تقولوا قولاً معروفاً والمعروف هو ما عرف شرعاً، والذي عرف شرعاً هنا هو إباحة التعريض. (إلا أن تقولوا) يعني: لكن أن تقولوا قولاً معروفاً. أي: ما عرف شرعاً من التعريض فلكم ذلك. (ولا تعزموا عقدة النكاح) يعني: لا تعزموا على عقد النكاح. (حتى يبلغ الكتاب) يعني المكتوب من العدة (أجله) أن ينتهي. (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) يعني: ما في أنفسكم من العزم وغيره فاحذروه أن يعاقبكم إذا عزمتم، فلا تعزم عقدة النكاح، فإذا عزمت فهذا مخالف لهذا التشريع. (واعلموا أن الله غفور) أي: لمن يحذره (حليم) بتأخير العقوبة عن مستحقها.
تفسير قوله تعالى: (ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن)
تفسير قوله تعالى: (ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن) قال تعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة:236]، وفي قراءة (ما لم تُماسُّوهن) بضم التاء، أي: تجامعوهن. {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة:236] يعني: أو لم تفرضوا لهن فريضة. والفريضة هي المهر؛ لأن أحد أسماء المهر: الفريضة، فهو الأجر أو المهر أو الفريضة. والمقصود: لا تبعة عليكم في الطلاق -عدم المسيس والفرض- بإثم ولا مهر. فقوله تعالى هنا: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً}، الكلام هنا في النساء اللاتي عقد عليهن، كمن تزوج امرأة فعقد عليها ولم يبن بها (ما لم تمسوهن) يعني: لم تطئوهن. وأيضاً إذا لم يفرض لها مهراً، ومعروف أن العقد لا يكون إلا بمهر، ولا يجوز بحال من الأحوال التعاقد على إسقاط المهر، فلا يجوز أبداً إسقاط المهر قبل العقد، لكن يمكن للمرأة بعد العقد أن تتنازل عن المهر، لكن لا يجوز أبداً أن يتزوج الإنسان ويسقط المهر الذي فرض شرعاً لإظهار خطر المحل، لكن لا يشترط، فيصح العقد إذا لم يسم المهر ولم يحدد مهر معين. ويصح العقد بتقديم جزء من المهر وتأخير الجزء الآخر، لكن لا يجوز أبداً العقد على أن يسقط المهر، بل لابد من مهر وإن لم يعين، ولم تحدد قيمته. والدليل هذه الآية: ((لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً)) يعني: لم تحددوا الفريضة التي هي المهر. فهذه حالة امرأة معقود عليها لم يسم مهرها. فقوله تعالى: (ما لم تمسوهن) أي: تجامعوهن (أو تفرضوا) يعني: أو لم تفرضوا لهن فريضة. أي: مهراً. و (ما) مصدرية ظرفية، أي: لا تبعة عليكم -في الطلاق زمن عدم المسيس وعدم الفرض- بإثم ولا مهر. (ومتعوهن) يعني: أعطوهن ما يتمتعن به. (على الموسع قدره) أي: على الغني الموسر منكم قدره (وعلى المقتر قدره) أي: الضيق الرزق عليه قدره فلا ينظر إلى قدر الزوجة ولكن ينظر إلى استطاعة الزوج؛ لأنه لم ينسب القدر إلى المرأة. (متاعاً بالمعرف) (متاعاً) المقصود به: (تمتيعاً)؛ لأن الفعل (متعوهن) مصدره (تمتيعاً) (بالمعروف) أي: شرعاً. و (بالمعروف) متعلق بـ (متاعاً) أو متعلق بصفة (متاعاً) المقدرة. (حقاً) صفة ثانية أو مصدر مؤكد. (على المحسنين) أي: المطيعين.
تفسير قوله تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن)
تفسير قوله تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) قال تعالى مبيناً حالة أخرى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة:237] هذه حالة أخرى، وهي حالة معقود عليها لم يمسها زوجها -أي: لم يطأها- لكنه فرض لها فريضة المهر، فحدد قدره بالضبط، والفريضة من الفرض، وهو القطع، أي: محددة. (فإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) أي: قبل أن تطئوهن. (وقد فرضتم لهن فريضة) أي: المهر (فنصف ما فرضتم) يعني يجب لهن، ويرجع لكم النصف، وهذا في المعقود عليها التي لم يدخل بها ومهرها محدد معلوم، فأنتم لكم النصف وهي تعطى النصف أو يجب لهن النصف، فنصف ما فرضتم يجب لهن، ويرجع لكم النصف. (إلا أن يعفون) (إلا) بمعنى لكن (أن يعفون) أي: الزوجات فيتركنه، فإذا عفت عنك وسامحتك في هذا النصف؛ فلا حرج في ذلك. (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) وهو الزوج، إما أن تعفو الزوجة وإما أن يعفو الزوج فيترك لها الكل. وعن ابن عباس قال: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) يعني: الولي، فإذا كانت محجورة فلا حرج في ذلك، يعني أنه إذا كانت المرأة محجوراً عليها ولا تملك التصرف فلا حرج أن يعفوا الذي بيده عقدة النكاح الذي هو وليها، فله أيضاً أن يفعل ذلك. (وأن تعفوا أقرب للتقوى) (أن تعفو) مبتدأ، فهو مصدر مؤول في محل رفع مبتدأ، و (أقرب) خبره. (ولا تنسوا الفضل بينكم) أي: أن يتفضل بعضكم على بعض. (إن الله بما تعملون بصير) يعني سيجازيكم به.
تفسير قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)
تفسير قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) قال تبارك وتعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238]. (حافظوا على الصلوات) أي: الصلوات الخمس بأدائها في أوقاتها. (والصلاة الوسطى) وهي العصر أو الصبح أو الظهر أو غير ذلك، وأقواها الأول، فأقوى الأقوال أن الصلاة الوسطى هي العصر، وأفردها بالذكر لفضلها (حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى) فبعد أن عمم خصص. (وقوموا لله قانتين) (قوموا لله) يعني: في الصلاة، وهذه الآية دليل على فرضية القيام في صلاة الفريضة (وقوموا لله قانتين) قيل: مطيعين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل قنوت في القرآن فهو طاعة) أخرجه الطبراني في الأوسط. وقيل: (قانتين) أي: ساكتين؛ لحديث زيد بن أرقم: (كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: (وقوموا لله قانتين)، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) رواه الشيخان. (فإن خفتم) يعني: خفتم من عدو أو من سبع (فرجالاً) الرجال: جمع راجل. أي: صلوا مشاة (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً)، وهذا اللفظ مثل قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج:27] أي: يأتون مشاة وراكبين على الجمال الهزيلة التي هزلت من طول السفر، فكذلك هنا (رجالاً) جمع راجل، أي: مشاة، والمقصود: صلوا رجالاً. يعني: وأنتم واقفون على أرجلكم. (أو ركباناً) جمع راكب، أي: صلوا وأنتم راكبين مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، ويومأ بالركوع والسجود، (فإن خفتم فرجالاً) يعني: فصلوا رجالاً أو ركباناً. (فإذا أمنتم) يعني: من الخوف الذي ذكرنا أمثلة منه، كخوف من عدو أو من سبع أو السيل. (فإذا أمنتم فاذكروا الله) يعني: صلوا. فـ (اذكروا الله) هنا بمعنى: صلوا. (كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) يعني: كما علمكم ما لم تعلموه قبل تعليمه من فرائضها وحقوقها، والكاف بمعنى مثل، و (ما) مصدرية أو موصولة.
تفسير قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول)
تفسير قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول) قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة:240]. قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية) يعني: فليوصوا وصية. أي: يوصي الزوج لزوجته بعد موته أن يكون لها هذا القدر من المتاع. و (وصية) منصوب بفعل محذوف تقديره (فليوصوا وصية)، وفي قراءة: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجاً وصيةٌ) أي: عليهم وصية. قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية) يعني: فليوصوا وصية. (لأزواجهم متاعاً) يعني: وليعطوهن متاعاً، يعني ما يتمتعن به من النفقة والكسوة. (متاعاً إلى الحول) يعني: إلى تمام الحول الواجب عليهن تربصه؛ لأن هذا هو الحكم الماضي في فترة الإحداد، فقد كانت سنة كاملة كما سيأتي في هذه الآية. (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً) يعني: يوصون وصية لأزواجهم متاعاً، فـ (وصية لأزواجهم) أولاً، وثانياً: (متاعاً) يعني: يعطوهن متاعاً، وهو ما يتمتعن به من النفقة والكسوة. (إلى الحول) يعني: إلى تمام الحول من بعد موتهم الواجب عليهن تربصه. (غير إخراج) هذه حال، يعني: غير مخرجات من مسكنهن. وهذه قمة البلاغة في الحقيقة، والإنسان إذا تأمل هذا يظهر له أنه لا يمكن أن يكون كلام البشر، والحمد لله. (غير إخراج) يعني: غير مخرجات من مساكنهن، بل تقر في البيت. (فإن خرجن فلا جناح عليكم) يعني: إن خرجن بأنفسهن (فلا جناح عليكم) يعني: يا أولياء الميت (فيما فعلن في أنفسهن من معروف) يعني: شرعاً. كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها. (والله عزيز حكيم) يعني: عزيز في ملكه، حكيم في صنعه. والوصية المذكورة في هذه الآية منسوخة بآية الميراث، وهي قوله تعالى: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ} [النساء:12]، فهذه الآية تنسخ آية الوصية هنا، فهذه الوصية نسختها آية الميراث. إذاً: الوصية الواجبة هنا في هذه الآية منسوخة بآية الميراث. وكذلك تربص الحول المذكور في قوله تبارك وتعالى: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة:240]، فتربص سنة كاملة إذا مات زوجها من أول الموت إلى حول سنة هجرية كاملة بعد موته منسوخ بآية البقرة السابقة، وهي قوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234]، فنلاحظ في ترتيب الآيات أن الناسخ مقدم على المنسوخ، وأما من حيث الوقوع في الواقع فهذا الحكم كان أولاً ثم أتى الحكم الآخر في الآية الناسخة، وهي: (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً)، فهذه الآية السابقة هي المتأخرة في النزول، والسكنى ثابتة عند الشافعي رحمه الله تعالى، فيثبت لها حق السكنى.
تفسير قوله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف)
تفسير قوله تعالى: (وللمطلقات متاع بالمعروف) قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:241] (متاعاً) يعني: يعطين متاعاً (بالمعروف) أي: بقدر الإمكان. (حقاً على المتقين) يعني: يُعطَيْنهُ حقاً على المتقين أي: المتقين الله تعالى، كرره ليعم المنسوخة أيضاً؛ إذ الآية السابقة في شأن المطلقة التي لم تمس، فالمتاع في قوله تبارك وتعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:236] هو في شأن المرأة التي طلقت ولم تمس، فهذه الآية تشمل جميع النساء، سواءٌ المبتوتة أو التي لم تبت؛ ولذلك قال: (حقاً) أي: متاعاً بالمعروف حقاً على المتقين. كرره ليعم هذه المرة كل المطلقات، وليس اللائي لم يبتتن فحسب. (كذلك) أي: كما يبين لكم ما ذكر (يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون) أي: تتدبرون.
خلاصة أحكام المطلقات
خلاصة أحكام المطلقات هنا فائدة من روائع البيان للصابوني نختم بها الكلام فيما يتعلق بحكم المطلقة قبل الدخول، فأحكام المطلقات ذكرتها الآيات وذكرت أنواعهن، وهن كالآتي: الأولى: مطلقة مدخول بها مسمىً لها المهر، ذكر الله سبحانه وتعالى حكمها أن عدتها ثلاثة قروء، ولا يسترد منها شيء من المهر، فقال تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، فهذا هو الدليل على أن المدخول بها المسمى لها المهر عدتها إذا طلقت ثلاثة قروء، ولها المهر لا يسترد منها شيء من المهر، والدليل: ((وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا)). الثانية: مطلقة غير مدخول بها ولا مسمى لها المهر، فهذه ذكر الله سبحانه وتعالى حكمها أنه ليس لها مهر وليس عليها عدة، وإنما لها المتعة بالمعروف؛ لقوله تعالى: ((لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ))، وليس عليها عدة لقوله تعالى: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب:49]، ولها المتعة لقوله تعالى: (ومتعوهن). الثالثة: مطلقة غير مدخول بها، أي: معقود عليها، لكن فرض لها المهر، فهذه لا عدة عليها، ولها نصف المهر، والدليل قوله: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة:237]. الرابعة: مطلقة مدخول بها وغير مفروض لها المهر، ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة النساء في قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24]، فهذه المطلقة المدخول بها يجب لها مهر المثل، وإذا كانت موطوءة بشبهة فيفرض لها مهر المثل، فالموطوءة بنكاح صحيح أولى أن يثبت لها مهر المثل. وهل المتعة واجبة لكل مطلقة؟ دل قوله تعالى: ((وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ)) على وجوب المتعة للمطلقة قبل المسيس وقبل الفرض، وقد اختلف الفقهاء: هل المتعة واجبة لكل مطلقة؟ ذهب الحسن البصري إلى أنها واجبة لكل مطلقة؛ لعموم قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة:241]. وقال مالك: إنها مستحبة للجميع وليست واجبة؛ لقوله تعالى: ((حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)) وقوله: ((حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ))، ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين. وذهب الجمهور -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى أنها واجبة للمطلقة التي لم يفرض لها مهر؛ لأن هذه هي التي قال الله في شأنها: (ومتعوهن)، وأما التي فرض لها مهر فتكون المتعة لها مستحبة، وهذا مروي عن ابن عمر وابن عباس وعلي رضي الله عنهم، ولعله يكون الأرجح وفيه الجمع بين الأدلة، والله أعلم. والحكم الأخير: ما معنى المتعة؟ وما هو قدرها؟ المتعة: ما يدفعه الزوج من مال أو كسوة لمطلقته إيناساً وإكراماً ودفعاً لوحشة الطلاق الذي وقع عليها، وتقديرها مفوض إلى الاجتهاد. قال مالك: ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها ولا كثيرها. وقال الشافعي: المستحب على الموسع خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً، وعلى المقتر مقنعة. وقال أبو حنيفة: أقلها درع وخمار وملحفة، ولا تزاد على نصف المهر. وقال أحمد: فيها درع وخمار بقدر ما تجوز فيه الصلاة، ونُقل عنه أنه قال: هي بقدر يسار الزوج وإعساره لقوله تعالى: (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره)، وهي مقدره باجتهاد الحاكم، ولعل هذا الرأي الأخير أرجح، والله تعالى أعلم.
البقرة [243 - 252]
تفسير سورة البقرة [243 - 252]
تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) قال الله تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} [البقرة:243]. (ألم تر) بمعنى: ألم تعلم، والرؤية إما تكون رؤية بصرية، وإما أن تكون بمعنى الرؤيا العلمية، كقوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل:1] يعني: ألم تعلم، وكذلك هنا (ألم تر) يعني: ألم تعلم. (ألم ترى إلى الذين خرجوا) يعني: ممن تقدمكم من الأمم، خرجوا من ديارهم التي ألفوها لما وقع فيها مالا طاقة لهم به من الموت، وقع بهم كرب وبلاء، إما أنه الطاعون كما جاء في بعض الروايات، وإما أنهم دعوا إلى الخروج من ديارهم التي اعتادوا عليها وألفوها إلى الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، والأظهر أنهم دعوا إلى الخروج إلى الجهاد. ولفظة (ألم تر) قد تذكر لمن تقدم علمه بالفعل، وقد تذكر لمن لم يتقدم له علم بالفعل. فيمكن أن يكون المعنى ألم تعلم. ويمكن أن تقال لشخص علم بالفعل وقُصد من هذه الصياغة التعجب أو التعجيب، والتقرير والتذكير، كما تقول -مثلاً-: ألا ترى إلى ما يصنع فلان؟! ويكون قد علم ما يصنع فلان، لكن المقصود منه التعجب من فعله ومن حاله. فقوله عز وجل هنا: (ألم تر) تقال لمن تقدم علمه، فتكون للتعجيب والتقرير، كإخبار من يعرف التاريخ، وقد تذكر لمن لا يكون كذلك فتكون لتعريفه وتعجيبه. وفعل (رأى) متعدٍّ أصلاً، ولا يحتاج إلى حرف الجر (إلى)، لكن لما ضمن الفعل معنى (تنظر) عدي بـ (إلى)، يعني: ألم تنظر إلى، وفائدة استعارته أن النظر قد يتعدى عن الرؤية فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة للرؤية استعيرت له. (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف) ألوف في العدد جمع ألفٍ، أو ألوف جمع آلف، كشاهد جمعها شهود، كذلك (وهم ألوف)، وهذا قول آخر، بمعنى أنهم خرجوا وهم مؤتلفون، لم يدفعهم إلى الخروج من ديارهم أنهم كانوا متقاتلين فيما بينهم أو متناحرين أو متخاصمين، إنما كانوا مؤتلفين. فقوله تعالى: (وهم ألوف) إما أن يكون في العدد جمع ألف، أو: وهم ألوف مؤتلفون ومجتمعون جمع آلف بالمد كشاهد وشهود. أي: إن خروجهم لم يكن عن افتراق كان منهم وخصام، ولكن حذر الموت، و (حذر) مفعول له، أي: فراراً من الموت.
قدرة الله تعالى على الإماتة والإحياء
قدرة الله تعالى على الإماتة والإحياء قوله تعالى: (فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) كان يمكن أن يقول الله تبارك وتعالى: فأماتهم الله بدل قوله: (فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم)، وإنما جيء به على هذا التركيب للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد لأمر الله ومشيئته، وتلك مشيئة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالاً من غير إباء ولا توقف، فلذلك قال: (فقال) ولم يقل: (فأماتهم) إنما قال: (فقال لهم الله موتوا) يعني: ماتوا في الحال في وقت واحد أجمعين. كأنهم أمروا بالموت فامتثلوه في الحال دون توقف ودون إباء أو اعتراض، فلذلك أتى بهذه الصيغة كي يبين قدرته تبارك وتعالى ومشيئته التي لا راد لها، قال لهم الله: موتوا. فماتوا في الحال! وهذا كقوله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82]. (ثم أحياهم) هذا عطف بـ (ثم) إما على مقدر يستدعيه المقام، والمعنى: ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله: موتوا فماتوا ثم أحياهم، فتكون (أحياهم) معطوفة على (فماتوا). وحذف قوله: (فماتوا) للدلالة على الاستغناء عن ذكره، فإنه لا أن يتخلف مراد الله تبارك وتعالى عن إرادته، فالله أراد منهم أن يموتوا، فلا يتخلف أبداً مراد الله {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82]، فلما قال لهم: موتوا كان لابد أن يموتوا كما أراد الله، وقد ماتوا بالفعل، ولشدة اليقين بوقوع هذا المراد من الله سبحانه وتعالى لم يذكر (فماتوا)؛ لأن هذا واقع ولابد، لاستحالة عدم وقوعه، فاستغني عن ذكره باستحالة عدم وقوع مراد الله. أو تكون (ثم أحياهم) معطوفة على (قال) (فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) والتقدير: (قال ثم أحياهم)، فهي معطوفة على (قال) فهذه فعل ماض وهذه فعلٌ ماض.
فضل الله تعالى على الناس
فضل الله تعالى على الناس قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} قاطبة بما في ذلك أولئك الذين قال لهم الله: موتوا ثم أحياهم، فتفضل الله عليهم بذلك ليعتبروا بما جرى عليهم من قدرة الله سبحانه وتعالى في إماتتهم ثم إحيائهم، فيعتبروا بهذه العبرة فيفوزوا بالسعادة. وأما الناس الذين سمعوا قصتهم فقد هداهم إلى مسلك الاعتبار والاستبصار، فقد تفضل على الجميع ليشكروه. (إن الله لذو فضل على الناس) هؤلاء الذين أماتهم ثم أحياهم وكل من يسمع قصتهم أيضاً الله ذو فضل عليهم لما هداهم إليه من الاعتبار والاستبصار بقصتهم. فتفضل الله على الجميع ليشكروه {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} [البقرة:243] يعني: لا يشكرون فضله كما ينبغي.
الحث على الجهاد
الحث على الجهاد روي عن ابن عباس أن الآية نزلت في الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله ثم أحياهم، فأمرهم أن يجاهدوا عدوهم، فكأنها ذكرت ممهدة للأمر بالقتال بعدها في قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله). ومعلوم أن سورة البقرة نزلت في المدينة إثر الهجرة قبل فتح مكة، وكان العدو في مكة وما حولها في كثرة وقوة ومنعة، فأُمِر المسلمون المهاجرون ومن آواهم أن يقاتلوا في سبيل الله، وقص لهم من الأنباء ما فيه باعث لهم على الجهاد، وتبشير لهم بالفوز والعاقبة وإن كانوا في قلة وضعف، حتى لو كانوا في قلة وضعف فلا يمنعنهم ذلك من الخروج في سبيل الله، ما داموا مستمسكين بحبل الوثاق والصبر والمصابرة، وما قص الله من حوادث الإسرائيليين كان معروفاً في الجملة؛ لمخالطة اليهود للعرب في قرون كثيرة.
الحكمة من ذكر القصص في القرآن
الحكمة من ذكر القصص في القرآن قال الدهلوي ولي الله في الفوز الكبير: واختار سبحانه في تنزيله من أيام الله -يعني الوقائع التي أحدثها الله سبحانه وتعالى- كإنعام المطيعين وتعذيب العصاة ما قرع سمعهم، وهذا من مقاصد القرآن، تذكر القصص كي تكون عبرة للجميع. وذكر لهم إجمالاً قصص قوم نوح وعاد وثمود، وكانت العرب تتلقى هذه القصص أباً عن جد، ومثل قصص سيدنا إبراهيم وأنبياء بني إسرائيل، فإنها كانت مألوفة عند العرب، مألوفة لأسماعهم؛ لأنهم كانوا يخالطون اليهود العرب في قرون كثيرة. وانتزع من القصص المشهورة ما ينفع في تذكرهم، ولم يسرد القصص بتمامها مع جميع خصوصياتها، والحكمة في ذلك أن القرآن الكريم لو سرد تفاصيل القصص وتفاصيل كل الأحداث التي تتعلق بهذه القصص فإن العوام إذا سمعوا القصص النادرة غاية الندرة، أو سمعوا الخصوصيات يميلون إلى القصص نفسها ويفوتهم التذكر والاعتبار الذي هو الغرض الأصلي هنا. فإذا ذكرت القصة كلها من أولها إلى آخرها بجميع ما يتعلق بها من أحداث ووقائع، فالناس ينجرون إلى متابعة تسلسل الأحداث، وينبهرون به، وينجذبون إليه، ويفوتهم الاعتبار، فلذلك القرآن الكريم ما ذكر كل تفاصيل قصصهم، وإنما ذكر ما ينفعهم لأجل الاعتبار. وهذا يظهر لنا إذا قارنا بين كثير من قصص القرآن الكريم وبين نفس القصص إذا ذكرت في التوراة مثلاً، فنجد القصص في التوراة موجودة بتفاصيل عجيبة جداً، وتفاصيل كثيرة جداً، بما في ذلك الأسماء، ومواقع البلاد، وأنواع الضيوف، والطيور وغير ذلك من تفاصيل وخصوصيات القصة، أما القرآن الكريم فحذراً وتجنباً لما يحصل من العوام، لأنهم إذا سمعوا القصص بجميع خصوصياتها وتفصيلاتها يميلون إلى هذه الخصوصيات وتسلسلها، وينسون وينشغلون عن موضع العبرة، مع أن العبرة والاعتبار والتذكر هو الغرض الأصلي من سردها، فيذكر الله من القصة في القرآن. ونظير هذا الكلام في موضوع القصص ما قاله بعض العارفين: إن الناس لما حفظوا قواعد التجويد شغلوا عن الخشوع في التلاوة! ولذلك ينبغي أن ينتبه الإنسان إذا درس علم التجويد ألا يلبس عليه الشيطان بأن يصرف كل همه إلى مراعاة قواعد التجويد ومخارج الحروف دون الاعتبار بالمعاني.
تفسير قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم)
تفسير قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم) قال تبارك وتعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:244] من المخاطبون هنا في قوله: (وقاتلوا)؟ إما أن يكون المخاطبون هم الذين أماتهم الله ثم أحياهم، فبعدما أحياهم أمرهم قائلاً: (وقاتلوا في سبيل الله)، وإما أن يكون الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون المقصود تحذيرهم، أي: لا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء، فلا ينفعكم الهرب، ولكن قاتلوا في سبيل الله إذا استنفرتم إلى الجهاد. قال المفسرون: في إتباع القصة المتقدمة الأمر بالقتال دليل على أنها سيقت بعثاً على الجهاد، فحرض على الجهاد بعد الإعلام بأن الفرار من الموت لا يغني، كما قال تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران:168]. وقوله: (سبيل الله) السبيل أصلاً هو الطريق، سميت المجاهدة سبيلاً إلى الله تعالى من حيث إن الإنسان يسلكها ويتوصل إلى الله بها ليتمكن من إظهار عبادته تعالى ونشر الدعوة إلى توحيده وحماية أهلها والمدافعة عن الحق وأهله. فالجهاد سبيل الله لأنه يحمي الحق وينشره في ربوع الأرض، والقتال في سبيل الله شرع لإزالة الضرر العام، والضرر العام هو منع الحق وتأييد الشرك، فالجهاد هو لإزالة هذا المانع. وفي قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:244] باعث على صدق النية والإخلاص، (سميع عليم) سميع لأقوالكم عليم بأحوالكم وضمائركم. فهذا حث على أن يكون الجهاد في سبيل الله لا رياء ولا سمعة ولا لطلب الغنيمة، كما في الصحيحين عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).
تفسير قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا)
تفسير قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:245]. هذا حث من الله تعالى لعباده على الصدقة، وهذه الآية مكررة في الكتاب الكريم في أكثر من موضع، يقول القرطبي: (من ذا الذي يقرض الله) طلب القرض في هذه الآية هو تقريب للناس بما يفهمون، هذا هو الأسلوب الذي يفهم به الناس، وهذا نوع من البساطة في التعبير حتى يفهموا عن الله سبحانه وتعالى آياته، والله سبحانه وتعالى هو الغني الحميد، لكنه تعالى شبه إعطاء المؤمنين وإنفاقهم في الدنيا بالقرض، كما شبه إعطاء النفوس والأموال في طلب الجنة بالبيع والشراء كما يأتي في سورة براءة، وكنى الله سبحانه وتعالى عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيباً في الصدقة، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة كما في الحديث المعروف. وأشير هنا إلى أن قوله سبحانه وتعالى: (من ذا الذي يقرض الله) لا نفهم منه كما فهم اليهود -لعنهم الله- حينما قالوا: (إن الله فقير ونحن أغنياء) يسخرون من القرآن الكريم، فقالوا: الله -سبحانه وتعالى- يستقرضنا ويسألنا القرض، فالله فقير ونحن أغنياء. وقد علم ما رد الله سبحانه وتعالى عليهم في مقالتهم الشنيعة هذه. ففي حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم! مرضت فلم تعدني! قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟!)، إذاً معنى قله: (مرضت فلم تعدن)، أنك لو أتيته لنلت ثواب عيادة المريض. (يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب! وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟! يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك -سألك سقيا الماء- عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي؟!). فمن نفس هذا الباب جاء قوله تعالى: ((مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا))، فهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كني عنه ترغيباً لمن خوطب به. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (لما نزلت هذه الآية قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله! وإن الله يريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح. قال: أرني يدك يا رسول الله! فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وكان له حائط فيه ستمائة نخلة، وفيه أم الدحداح وعيالها، فجاء أبو الدحداح فناداها يا أم الدحداح! قالت: لبيك. قال: اخرجي؛ فقد أقرضته ربي عز وجل. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (رب عرق لـ أبي الدحداح مدلل في الجنة)، وفي رواية: (كم من عذق رداح في الجنة لـ أبي الدحداح). قوله تعالى: ((مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)) يعني: طيبة به نفسه بغير من ولا أذى، (فيضاعفه له أضعافاً كثيرة)، وهذا كقوله عز وجل: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:261]. ولما رغب رهب، فرغب أولاً في إقراضه سبحانه وتعالى بهذه الآية، ثم أتبعه جملة مرهبة مرغبة فقال: ((وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ)) أي: يضيق على من يشاء من عباده في الرزق ويوسعه على من يشاء. وما دام الذي يبسط ويقبض والذي يوسع ويضيق الرزق هو الله سبحانه وتعالى إذاً فلا تبخلوا بما وسع عليكم؛ لئلا يبدل الله سبحانه وتعالى السعة التي أودعها فيكم بالتضييق. ((وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) يعني: يوم القيامة فيجازيكم. قال المهايمي: وكيف ينكر بسط الله وقبضه وهو الذي يعطي الفقير الملك ويسلبه من أهله الملوك الذين هم سلالة الملوك وأبناء الملوك؟! فالله سبحانه وتعالى يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، فالملك الذي هو سبط الملوك ومن سلالتهم يمنعه الله الملك ويؤتيه للفقير! وهو أيضاً سبحانه وتعالى يقوي الضعفاء في الجمع القليل ويضعف الأقوياء في الجمع الكثير، فلا ينكر هذا، وهذا تمهيد بين يدي هذه القصة التي حكاها الله سبحانه وتعالى عن الملأ من بني إسرائيل، حيث آتى طالوت الملك مع أنه لم يكن من سبط الملوك ولم يكن من سلالة الملوك، وأيضاً نصر جنوده الذي كان فيهم داود عليه السلام على قوم جالوت رغم قلة عَدَدِهم وعُدَدِهم بالنسبة إليهم.
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (أم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف)
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (أم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف) يقول السيوطي رحمه الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} [البقرة:243] استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع ما بعده، يعني: ألم ينته علمك إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف أربعة يعني إما أربعة آلاف، أو ثمانية، أو عشرة آلاف، أو ثلاثون، أو أربعون أو سبعون ألفاً، كلها أقوال. (حذر الموت) هذا مفعول له، وهم قوم من بني إسرائيل وقع الطاعون ببلادهم ففروا، وهذا الذي قاله السيوطي مرجوح، والأرجح أنه دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا من وجه عدوهم حذر الموت، وهذا القول أقرب، ويشير إليه قوله تعالى: {وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة:243] فخافوا القتال مع كثرة عددهم، فالفرار من الطاعون لا يستدعي الإشارة إلى أنهم ألوف، بل الذي يستدعي الإشارة إلى أنهم كانوا ألوفاً هو دعوتهم إلى القتال. (فقال الله لهم موتوا ثم أحياهم) ماتوا ثم أحياهم بعد ثمانية أيام أو أكثر بدعاء نبيهم حزقيل، فعاشوا دهراً عليهم أثر الموت. وقوله: (عليهم أثر الموت) هذه المبالغة لا دليل عليها؛ لأنه يقول: عاشوا دهراً بعدما أحيوا عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوباً إلا عاد كالكفن! واستمرت في أسباطهم، وهذا القول -كما ترى- حكاه السيوطي بغير دليل، فلا ينبغي التعويل عليه. {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} [البقرة:243] ومن هذا الفضل إحياء هؤلاء، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} [البقرة:243] وهم الكفار {لا يَشْكُرُونَ} [البقرة:243]. والقصد من ذكر خبر هؤلاء تشجيع المؤمنين على القتال، ولذا عطف عليه {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة:244] أي: لإعلاء دينه {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} [البقرة:244] لأقوالكم {عَلِيمٌ} [البقرة:244] بأحوالكم فيجازيكم. {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} [البقرة:245] يعني: بإنفاق ماله في سبيل الله {قَرْضاً حَسَناً} [البقرة:245] يعني: بأن ينفقه لله عز وجل عن طيب قلب -كما ذكرنا- بغير من ولا أذى، {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [البقرة:245]، وفي قراءة أخرى: (فيُضعِّفه له). {أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة:245] من عشرة إلى أكثر من سبعمائة. {وَاللَّهُ يَقْبِضُ} [البقرة:245] أي: يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء {وَيَبْسُطُ} [البقرة:245] تقرأ بالصاد أو السين، أي: يعطيه لمن يشاء سبحانه. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:245] يعني: في الآخرة بالبعث فيجازيكم بأعمالكم.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل) قال تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة:246]. (ألم تر إلى الملأ) الملأ هم القوم ذوو الشارة والتجمع. (من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم) نكر اسم هذا النبي، فلم يقل: لنبيهم أو النبي وإنما قال: (لنبي لهم)؛ لعدم وجود مقتض لتعريفه، ولن نستفيد شيئاً إذا عرفنا اسمه، والذي يفيدنا هو العبرة، وزعم الكتابيون أنه (سموائيل). (ابعث لنا ملكاً) أي: أقم لنا أميراً. (نقاتل) أي: معه وعن أمره، فيقودنا ويأمرنا بالجهاد وينظمنا في الجهاد. (في سبيل الله) وذلك حين ظهرت العمالقة قوم جالوت على كثير من أرضهم. (قال هل عسيتم) يعني: قال لهم نبيهم لما قالوا له ذلك: (هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا)، والمعنى: أنا أتوقع أنكم أناس غير جادين في هذا الطلب، فأتوقع منكم أنكم لا تقاتلون، فهذا مجرد كلام منكم. فأراد أن يقول: (هل عسيتم أن لا تقاتلوا) بمعنى: أنا أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل (هل) مستفهماً عما هو متوقع عنده ومضمون، وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن؛ لأنه صائب في توقعه، كقوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان:1] يعني: (قد أتى) فهو تقرير، وفي (عسيتم) قراءة أخرى بكسر السين سبعية. (قالوا وما لنا أن لا نقاتل) يعني: أي سبب لنا في ترك قتال عدونا أن لا نقاتل في سبيل الله؟ (وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) أي: والحال أنه قد عرض ما يوجب القتال إيجاباً قوياً مِنْ أخذ بلادنا وسبي أولادنا. (فلما كتب عليهم القتال) يعني: بعد إلحاحهم (تولوا) أي: أعرضوا عن قتال عدوهم جبناً، (إلا قليلاً منهم) من المؤمنين. (والله عليم بالظالمين) وعيد لهم على ظلمهم بالتولي عن القتال وترك الجهاد عصياناً لأمره تعالى. وثمرة هذه الآية الكريمة أنها دلت على جملة من الأحكام: الأول: وجوب الجهاد؛ لأن الله تعالى إنما ذكر هذه القصة المشهورة في بني إسرائيل وما نالهم تحذيراً من سلوك طريقهم، ولأن شرائع من قبلنا تلزمنا. الثاني: أن الأمير يحتاج إليه في أمر الجهاد لتدبير أمورهم، لذلك قالوا لنبيهم: (ابعث لنا ملكاً) أي: أميراً يأمرنا، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية أمر عليها أميراً، وأيضاً جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)، وفي رواية: (إذا كان ثلاثة في سفر). الثالث: مما تدل عليه الآية: وجوب طاعة الأمير في أمر السياسة وتدبير الحرب؛ لأن سياق الآية يقتضي ذلك، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)، وقد ذكر أهل علم المعاملة أنه ينبغي في الأسفار أن يجعل أهل السفر لهم أميراً ودليلاً وإماماً، وهذا محمود؛ إذ بذلك ينقطع الجدال، وينتظم أمرهم، ويلزم مثل هذا في كل أمر يحتاج فيه إلى ترداد في الآراء نحو أمور الأوقاف والمساجد والإمامة لكل مسجد ونحو هذا. قال الحاكم: وفيه دلالة على أن للأنبياء تشديد العهود والمواثيق فيما يلزمهم، ووجه ذلك أنه قال: ((هَلْ عَسَيْتُمْ))، وهذا نوع من التأكيد عليهم، وكذا يأتي في الإمام قياس ما ذكر الحاكم في النبي، وكذلك أن الإمام أو الخليفة ينبغي له أن يجدد عهده مع جنده على السمع والطاعة، ويؤكد مواثيقهم معه.
تفسير قوله تعالى: (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا)
تفسير قوله تعالى: (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً) قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة:247]، هذا شروع في تفصيل ما جرى بينه عليه السلام وبينهم من الأقوال والأفعال، إثر الإشارة الإجمالية إلى مصير حالهم، يعني: قال لهم بعدما أوحي إليه ما أوحي: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا)) يعني: ملَّكه عليكم، فانتهوا في تدبير الحرب إلى أمره، وكان طالوت من سبط لم يكن الملك فيهم، وطالوت اسم أعجمي كـ جالوت وداود؛ لذلك لم ينصرف، وإن كان بعض العلماء زعم أنه اسمٌ عربي مأخوذ من الطول، لما وصف به من البسطة في الجسم؛ لكن هذا البناء ليس من أبنية العرب، فمنع صرفهُ؛ للعلمية وشبه العجمة، وقد زعم الكتابيون أنه المعروف عندهم: بـ شاءول. {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} [البقرة:247] ثلاث جرائم، جريمة إثر جريمة -لعنهم الله- فهذا اعتراض على نبيهم؛ بل على الله تعالى بعدما أوحى الله إليه ما أوحى؛ لأن نبيهم لا يتكلم لهم من قبل نفسه، وإنما بالوحي، وهذه هي عادة القوم في سوء الأدب مع الأنبياء ومع الله عز وجل، قالوا: ((أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا)) يعني: كيف يكون له الملك علينا ((وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ))؟! يعني: لأن فينا من هو من سلالة الملوك الذين توارثوا الملك، وهذا ليس من أبناء الملوك، قال الحرالي: فثنوا اعتراضهم، يعني: هم أولاً اعترضوا فقالوا: ((أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا))، ثم ثنوا بجريمة ثانية فقالوا: ((وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ))، فافتخروا بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم، فكان فيهم حظ من فخر إبليس حيث قال حين أُمر بالسجود لآدم: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الأعراف:12]، وهؤلاء أيضاً قالوا: ((وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ))، قال الحرالي: وثلثوا جرائمهم بقولهم: ((وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ))، فهذا كما عبر عنه بعض العلماء: استصنام للمال، جعلوا المال صنماً يعبد: ((وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ))، فصار لهذا الملك مانعان من استحقاق الملك في نظرهم: الأول: أنه ليس من سبط الملوك. الثاني: أنه مملق، أي: فقير ليس عنده مال، والملك لا بد له من مال يعتضد به. قال الحرالي: فكان في هذه الثالثة -يعني قولهم: ((وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ)) -: استصنام المال -أي: اتخاذ المال صنماً يعبد- وأنه مما يقام به الملك، وإنما الملك بإيتاء الله، وليس بالمال، فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم. {قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة:247] لما استبعدوا تملكه بسقوط نسبه وفقره رد عليهم أن ملاك الأمر هو اصطفاء الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} [القصص:68]، فهذا هو الجواب الأول على باطلهم وهو: أن ملاك الأمر إنما هو اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم. ثانياً: أن العمدة في الملك وفور العلم، ليتمكن به من معرفة أمور السياسة، وبسطة البدن؛ ليعظم خطره في القلوب، ويقدر على مقاومة الأعداء، ومكابدة الحروب، وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر، فالله الذي آتاه الملك، زاده بسطة في العلم والجسم، فصار في غاية الوفرة من القوة العلمية، والقوة العملية، التي هي أساس القائد والأمير. {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:247] يعني: من غير إرث ولا مال، إذ لا يشترط على الله تعالى شيء، فهو الفعال لما يريد، فلا رادَّ لحكمه، ولا معقب لقضائه، {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]؛ وليس لأحد أن يشترط على الله شروطاً، فيقول: يشترط في الملك أن يكون من سلالة كذا أو من سبط الملوك أو يشترط أن يكون ذا مال، وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي يصطفي، وهو الذي يؤتي الملك، فهو الذي اصطفاه عليكم، وهو الذي زاده بسطة في مؤهلات الملك، فزاده بسطة في العلم والجسم (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} فهو الفعال لما يريد، {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:247] أي: يوسع على الفقير ويغنيه، وهو يعلم من يليق به الملك ممن لا يليق به، وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة، يعني: لم يقل تعالى: (والله يؤتي ملكه من يشاء وهو واسع عليم) وإنما قال: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:247]، فكرر لفظ الجلالة لتربية المهابة في قلوبهم من الله سبحانه وتعالى. وثمرة هذه الآية: أن النبوة والإمامة لا تستحق بالإرث، وأن الحِرف الدنيئة لا تمنع الغنى والسيادة؛ لأنه روي أن طالوت كان دباغاً أو سقاءً مع فقره. وتدل هذه الآيات على أنه يشترط في الأمير ونحوه القوة على ما تولى، فيكون سليماً من الآفات، عالماً بما يحتاج إليه؛ لأن الله تعالى ذكر البسطة في العلم والجسم؛ رداً على ما اعتبروه، فدائماً يشير القرآن إلى مؤهلات الإمامة، وهي: القوة العلمية والعملية كما في قوله تبارك وتعالى حاكياً عن يوسف على السلام: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55]، وكذلك في قوله تبارك وتعالى: {أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ} [ص:45]، وكذلك في قول بنت الرجل الصالح: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص:26]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ)) يعني: الجماعة ((مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى)) أي: من بعد موت موسى، يعني: ألم ينته علمك إلى قصتهم وخبرهم؟ ((إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ)) هو شمويل، وأحياناً يقولون: صاموئيل ((ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا)) أي: أقم لنا ملكاً ((نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: نقاتل معه في سبيل الله، يعني: تنتظم به كلمتنا، ونرجع إليه. ((قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ)) قال النبي لهم: (هل عسيتم) بالفتح والكسر، ((إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا)) والاستفهام لتقرير التوقع بها يعني: أنا أتوقع منكم جبنكم هذا ما قاله لهم نبيهم ((قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا)) يعني: بسبيهم وقتلهم، وقد فعل بهم ذلك قوم جالوت، أي: لا مانع منه مع وجود مقتضيه، يعني: لا يوجد مانع، وفي نفس الوقت المقتضي موجود، فيجب أن يوجد الفعل وهو القتال، قال تعالى: ((فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ)) لما فرض عليهم القتال ((تَوَلَّوْا)) عنه وجبنوا ((إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)) وهم الذين عبروا النهر مع طالوت كما سيأتي إن شاء الله ((وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)) فمجازيهم. وسأل النبي -أي: المذكور في الآية السابقة- ربه إرسال ملك، فأجابه إلى إرسال طالوت: ((وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى)) يعني: كيف ((يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ))؛ لأنه ليس من سبط المملكة ولا النبوة، وكان دباغاً أو راعياً ((وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ)) يعني: يستعين بها على إقامة الملك ((قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ)) قال النبي لهم: (إن الله اصطفاه عليكم) أي: اختاره للملك ((وَزَادَهُ بَسْطَةً)) أي: سعة، بالسين والصاد ((فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ)) وكان أعلم بني إسرائيل يومئذ، وأجملهم وأتمهم خلقاً {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} إيتاءه، لا اعتراض عليه، ((وَاللَّهُ وَاسِعٌ)) أي: فضله ((عَلِيمٌ)) بمن هو أهل له.
تفسير قوله تعالى: (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت)
تفسير قوله تعالى: (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت) قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:248] يعني: لما طلبوا منه آية على ملكه، قال: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} [البقرة:248] يعني: الصندوق، يقول السيوطي: كان فيه صور الأنبياء أنزله الله على آدم إلخ هذه من المآخذ الشديدة على السيوطي في تفسير الجلالين، وهي التساهل في سرد مثل هذه الإسرائيليات بلا سند وبلا دليل، كما سبق أن أشرنا إلى قوله رحمه الله تعالى في قوله تبارك وتعالى: ((فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ)) حيث قال: فعاشوا دهراً عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوباً إلا عاد كالكفن! ما الدليل على هذا؟ أيضاً قال السيوطي هنا: إن التابوت -وهو الصندوق- كان فيه صور الأنبياء أنزله الله على آدم واستمر إليهم فغلبتهم العمالقة عليه، وأخذوه، وكانوا يستفتحون به على عدوهم، ويقدمونه في القتال ويسكنون إليه! وقد رد القاضي كنعان على قول السيوطي: كان فيه صور الأنبياء، فقال: لقد تساهل السيوطي رحمه الله في هذا من غير دليل، ثم إن قوله هذا مخالف لإخباره تعالى عما في التابوت؛ لأن الله ما قال: فيه صور الأنبياء، وإنما قال: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:248]، وأيضاً ففي تصوير الأنبياء بعد وغرابة، بالإضافة إلى أن حكم التصوير في الشرائع السابقة غير معلوم لدينا، فلنقف عند حدود ما أخبر الله تعالى به، ولنترك المبالغة؛ فإنها غير محمودة. وهذه الملاحظات أنتم مسئولون عنها في التفسير؛ حتى لا تعتمد كلام السيوطي فيها، فتذكر الكلام الأصح. {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:248] يقول: (فيه سكينة) أي: طمأنينة لقلوبكم {مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} [البقرة:248] أي: تركاهما، وهي نعلا موسى، وعصاه، وعمامة هارون، وقفيز من المنّ الذي كان ينزل عليهم، ورضاض من الألواح يعني: فتات من الألواح {تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ} [البقرة:248] هذا حال من فاعل يأتيكم: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ} [البقرة:248] يعني: على ملكه {إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:248]، فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت؛ فأقروا بملكه وتسارعوا إلى الجهاد، فاختار من شبابهم سبعين ألفاً. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ)) أي: إن علامة أن ملكه من الله تعالى ((أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ)) أن يرد الله إليكم التابوت الذي أخذ منكم، وهو صندوق التوراة: ((فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ)) فيه وقار وجلال وهيبة، أو فيه سكون نفوس بني إسرائيل، يتقوون به على الحرب، (وبقية) أي: جملة مما ذهب جلها ((مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ)) يعني: من آثارهم الفاضلة. ((تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ)) أي: في رد التابوت إليكم، ((لَآيَةً لَكُمْ)) لعلامة لكم على أنه ملكه الله ((إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) أي: بآيات الله وأنبيائه. قال البقاعي رحمه الله: التابوت -والله أعلم- الصندوق الذي وضع فيه اللوحان اللذان كتب فيهما العشر الآيات، ويسمى تابوت الشهادة، وكانوا إذا حاربوا حمله جماعة منهم، ويتقدمون به أمام الجيش، فيكون ذلك سبب انتصارهم، وكان العمالقة أصحاب جالوت قد أخذوه منهم في جملة ما أخذوا من نفائسهم، وقد ذكرهم بمآثره ترغيباً فيه وحملاً لهم على قبول قيادة طالوت لهم، قال: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
تفسير قوله تعالى: (فلما فصل طالوت بالجنود)
تفسير قوله تعالى: (فلما فصل طالوت بالجنود) ثم قال تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:249] أي: فلما التقى الجيشان قال لهم طالوت: ((إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي)) وهذا فيه إشعار بأنه محذور تناوله ولو مع الطعام؛ فمنعهم من تناوله كشراب، ومنعهم أيضاً من تناوله ولو مع الطعام. ثم قال تعالى: ((إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)) من اغترف غرفة واحدة فلا يخرج عن كونه مني؛ لأنه في معنى من لم يشربه، وبلا شك فإن هذا امتحان وابتلاء شديد؛ ليميز الله سبحانه وتعالى الخبيث من الطيب الذي ينقاد لشرع الله، وبلا شك أن الذي يغترف غرفة ففتنته أشد مع شدة الحر، فعند أن يتناول غرفة واحدة من الماء، يكون شوقه إلى المزيد أكثر. وفي قراءة: (إلا من اغترف غَرْفةً بيده) يعني: أي غرفة سواء كانت قليلة أو كثيرة، أما على قراءة: (غُرفة بيده) فهي إعلام بملئها. ((فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)) يعني: شربوا منه إلى حد الارتواء، ولم يكتفوا بغرفة واحدة، وإنما شربوا وتمادوا في الشرب إلى حد الارتواء، قال تعالى: ((إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)) لم يشربوا إلا بما أذن الله تعالى. ((فَلَمَّا جَاوَزَهُ)) الهاء تعود على النَّهر أو النهَر ((فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ))، المشار إليه طالوت ((وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)) الذين شربوا غرفة واحدة أو لم يشربوا، ((قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ)) فقد سلبت شجاعتهم، يظنون هنا بمعنى: يوقنون. ((قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ)) أي: أنهم يرجعون إليه بعد الموت، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:249]، يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ((فَلَمَّا فَصَلَ)) أي: خرج طالوت بالجنود من بيت المقدس، وكان الحر شديداً، وطلبوا منه الماء (قال إن الله مبتليكم) أي: مختبركم (بنهر) يعني: ليظهر المطيع منكم والعاصي، وهذا النهر هو: النهر الذي بين الأردن وفلسطين: ((فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ)) من مائه؛ لأن النهر المقصود به ماء النهر؛ لأن النهر هو الأخدود نفسه. ((فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ)) أي: من مائه ((فَلَيْسَ مِنِّي)) أي: من أتباعي ((وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ)) يعني: يتركه ((فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)) بالضم أو بالفتح غُرفة أو غَرفة بيده، فاكتفى بها ولم يزد عليها فإنه مني ((فَشَرِبُوا مِنْهُ)) يعني: لما وافوه شربوا بكثرة ((إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)) فاقتصروا على الغرفة التي اغترفها كل واحد منهم كما تقدم، روي أنها كفتهم لشربهم ودوابهم، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وهذه الحكاية ضعيفة جداً. ((فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)) الذين اقتصروا على الغرفة، ((قَالُوا))، أي: الذين شربوا ((لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ)) يعني: لا قوة ((لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ)) أي: بقتالهم، وجبنوا ولم يجاوزوه. (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ) يوقنون ((أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ)) أي: بالبعث، وهم الذين جاوزوه، (كم) بمعنى: كثير ((كَمْ مِنْ فِئَةٍ)) أي: جماعة ((قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ)) أي: بإرادته، ((وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)) أي: بالعون والنصح.
تفسير قوله تعالى: (ولما بروزا لجالوت وجنوده)
تفسير قوله تعالى: (ولما بروزا لجالوت وجنوده) ثم قال تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:250] أي: ظهروا لقتالهم وتصافوا يعني: وقفوا صفوفاً {قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا} [البقرة:250] أفرغ أي: أصبب {عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [البقرة:250] بتقوية قلوبنا على الجهاد، {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:250 - 251] أي: كسروهم بإذن الله وبإرادته: {وَقَتَلَ دَاوُدُ} داود كان في عسكر طالوت، وهذا خير دليل على أن داود بعد موسى عليه السلام؛ لأن في صدر القصة ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى)) قال الله: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة:251] الهاء تعود إلى داود عليه السلام ((وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ)) آتاه الله الملك في بني إسرائيل، (والحكمة) أي: النبوة بعد موت شمويل وطالوت، ولم يجتمعا لأحد قبله أي: الملك والنبوة لم يجتمعا معاً لأحد قبل داود عليه السلام. {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة:251] كصنعة الدروع. {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [البقرة:251] هذا بدل بعض من الناس {لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة:251] بغلبة المشركين، وقتل المسلمين، وتخريب المساجد {وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:251] وسنة التدافع من سنن الله سبحانه وتعالى، يدفع الناس بعضهم ببعض؛ كي لا تفسد الأرض.
تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين)
تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين) قال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ} [البقرة:252] أي: هذه الآيات (آيات الله نتلوها) أي: نقصها، (عليك) يا محمد صلى الله عليه وسلم {بِالْحَقِّ} [البقرة:252] أي: بالصدق {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [البقرة:252] التأكيد بإن وغيرها ردٌّ لقول الكفار له صلى الله عليه وسلم: (لست مرسلاً) فالله سبحانه وتعالى يحامي عنه ويقول: ((وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ))، يشهد له بصدق رسالته صلى الله عليه وآله وسلم.
تفسير القاسمي لقوله تعالى: (ولما برزوا لجالوت وجنوده)
تفسير القاسمي لقوله تعالى: (ولما برزوا لجالوت وجنوده) يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَلَمَّا بَرَزُوا)) أي: ظهروا ((لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا)) أي: صبه علينا، حتى نثبت لقتالهم فلا نجزع للجراحات، وإنما طلبوه أولاً؛ لأنه ملاك الأمر: ((وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا)) أي: في ميدان الحرب، فلا نهرب منه ((وَانْصُرْنَا)) أي: لأننا مؤمنون بك، ((عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)) أي: بك، وهم: جالوت وجنوده، وهذه الآية تدل على أن من حَزَبَهُ أمرٌ فإنه ينبغي له سؤال المعونة والتوفيق من الله والانقطاع إليه تبارك وتعالى. ونلاحظ في سياق هذه الآيات وصف طالوت وجنوده بأنهم معسكر الإيمان، ووصف جالوت وجنوده بأنهم معسكر الكفر؛ ولذلك قال هنا: {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:250]، وجالوت وجنوده هم العمالقة الفلسطينيون الذين كانوا كافرين في ذلك الوقت، فانظر كيف يجعل القرآن مقياس الولاء والبراء هو الإيمان أو الكفر، ليست الجنسية أو الوطنية أو القومية، فتجد هنا أن القرآن يربينا على الولاء للمؤمنين أياً كانوا، وعلى شريعة أي نبي، ما داموا تابعين له على الإسلام، فهؤلاء الذين كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام كانوا مسلمين موحدين، أما جالوت وجنوده مع أنهم كانوا فلسطينيين فقد كانوا كافرين، ولا شك أن الفلسطينيين مسلمون اليوم، أما اليهود فهم أخبث أعداء الله سبحانه وتعالى، وأكفر خلق الله، فينبغي أن يدور الإنسان مع القرآن حيث دار، فالولاء والبراء على أساس الإيمان والكفر، لا على أساس الانتماء للوطن. قال تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة:251] (فهزموهم) أي: هؤلاء القليلون هزموا أولئك الكثيرين (بإذن الله) أي: بنصره، إذ شجع القليلين وجبن الكثيرين (وقتل داود) وكان داود في جيش طالوت (جالوت) الذي كان رأس الأقوياء، (وآتاه الله الملك) أي: أعطى الله داود ملك بني إسرائيل (والحكمة) أي: الفهم والنبوة (وعلمه مما يشاء) من صناعة الدروع وغيرها. ((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ)) الذين هم أهل الشر (ببعض) من أهل الخير، أي: بغلبة الكفار، وظهور الشرك والمعاصي كما قال تعالى: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج:40] {وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:251] أي: مَنَّ عليهم بالدفع، فالله سبحانه يدفع عن الضعفاء فساد الأقوياء بالسيف. {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [البقرة:252] أي: تلك المذكورات من إماتة الألوف وإحيائهم وتمليك طالوت وإتيان التابوت، وانهزام جالوت، وقتل داود إياه وتملكه؛ آيات الله؛ إذ هي أخباره بالمغيبات، وتدل على كمال قدرته سبحانه وحكمته. ((نَتْلُوهَا عَلَيْكَ)) أي: ينزل عليك جبريل بها ((بِالْحَقِّ)) أي: اليقين الذي لا يرتاب فيه ((وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)) بما دلّت عليه هذه الآيات من علمك بها من غير مُعلِّم من البشر، ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر. وفي هذه القصص معتبر لهذه الأمة في احتمال الشدائد في الجهاد كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة، كما أن فيها تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم من الكفار والمنافقين، كأنه يقال له: لقد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء عليهم السلام في بني إسرائيل من الخلاف عليهم والرد لقولهم، فلا يعظمنَّ عليك كفر من كفر بك، وخلاف من خالفك؛ لأنك مثلهم، وإنما بعث الكل لتأدية الرسالة، ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والطوع لا على سبيل الإكراه، فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم، والوبال في ذلك يرجع عليهم. ((وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)) هي كالتنبيه على ذلك، فستجري عليك السنة التي جرت على إخوانك السابقين من المرسلين.
قصة طالوت وجالوت في التوراة
قصة طالوت وجالوت في التوراة يقول القاسمي رحمه الله تعالى: هذه القصة مسوقة في الإصحاح السابع عشر من سفر صاموئيل الأول، ولا حرج في تلاوة هذه الإسرائيليات التي تكون موافقة لما عندنا، جاء في هذا السفر في التوراة: وجمع الفلسطينيون جيوشهم للحرب، فاجتمعوا في (سوكاه) التي ليهوذا ونزلوا بين (سوكيا) و (هريقاء) في (آكفيدميل)، واجتمع شاءول ورجال إسرائيل ونزلوا في وادي البطن، واصطفوا للقاء الفلسطينيين، وكان الفلسطينيون وقوفاً على جبل من هنا، وإسرائيل وقوفاً على جبل من هناك، والوادي بينهم، فخرج مبارز من جيوش الفلسطينيين اسمه جليات من (جتا)، طوله ستة أذرع وشبر -يعني: ثلاثة أمتار تقريباً؛ لذلك كانوا يسمون العماليق- وعلى رأسه خوذة من نحاس، وكان لابساً درعاً وزنه خمسة آلاف شاقل، وجرموق نحاس، ورمحه ستمائة شاقل حديد، وحامل الترس كان يمشي قدامه، فوقف ونادى صفوف إسرائيل وقال لهم: لماذا تخرجون لتصطفوا للحرب، أما أنا الفلسطيني وأنتم عبيد لـ شاءول؟ اختاروا لأنفسكم رجلاً ولينزل إليّ، فإن قدر أن يحاربني ويقتلني نصير لكم عبيداً، وإن قدرت أنا عليه وقتلته تصيرون أنتم لنا عبيداً وتخدموننا، وقال الفلسطينيّ: أنا عيرت صفوف إسرائيل هذا اليوم، أعطوني رجلاً سنتحارب معاً -تلاحظون الفرق الشاسع بين أسلوب القرآن وبلاغته وبين هذا الكلام! وأنا أظن أن النسبة إلى فلسطين ليست فلسطيني، بل فلسطي- ولما سمع شاءول وجميع إسرائيل كلام الفلسطيني هذا ارتاعوا وخافوا جداً، وداود هو ابن ذلك الرجل الأفراتي من بيت لحم يهوذا الذي اسمه يفتى، وله ثمانية بنين، وقد شاق وكبر بين الناس، وذهب بنو يفتى الثلاثة الكبار، وتبعوا شاءول إلى الحرب، وأسماء بنيه الثلاثة الذين ذهبوا إلى الحرب: إليائاب -وهو البكر- وأبينا دابو وشمتو، وداود هو الصغير، والثلاثة الكبار ذهبوا وراء شاءول، وأما داود فكان يذهب ويرجع من شاءول ليرعى غنم أبيه في بيت لحم، وكان الفلسطيني يتقدم ويقف صباحاً ومساءً أربعين يوماً، وكان شاءول هو وجميع رجال إسرائيل في وادي البطن يحاربون الفلسطينيين، فبكَّر داود صباحاً وترك الغنم مع حارس، وحمل وذهب كما أمره يفتى إلى الجيش خارج إلى الحرب، واصطف الإسرائيليون والفلسطينيون صفاً مقابل صف، فقال رجل من إسرائيل: أرأيتم هذا الرجل الصاعد، ليعير إسرائيل، فيكون الرجل الذي يقتله يغنيه الملك، ويعطيه بنته، ويجعل بيت أبيه حراً في إسرائيل، فكلم داود الرجال الواقفين معه قائلاً: ماذا يفعل للرجل الذي يقتل ذلك الفلسطيني ويزيل العار عن إسرائيل؟ ومن هو هذا الفلسطيني الأغلف حتى يعير صفوف الله الحي؟ فكلمه الشعب مثل هذا الكلام قائلين: كذا يفعل بالرجل الذي يقتل، يعني: يثاب بكذا وكذا. وسمع أخوه الأكبر إليائاب كلامه مع الرجال فحمي غضبه على داود وقال: لماذا نزلت؟ فقال داود: ماذا عملت الآن؟ أما هو كلام؟ -يعني: أنا ما شاركت في الحرب، وما خالفت كلام أبي، لكن أنا الآن أتكلم-، فتحول من عنده نحو آخر وتكلم بمثل هذا الكلام، فرد له الشعب جواباً كالجواب الأول، وسمع الكلام الذي تكلم به داود وأخبروا به أمام شاءول فاستحضره، فقال داود: عبدك يذهب ويحارب هذا الفلسطيني، فقال شاءول لداود: لا تستطيع أن تذهب إلى هذا الفلسطيني فهو رجل حرب منذ صباه، فقال داود لـ شاءول: كان عبدك يرعى لأبيه غنماً فجاء أسد مع دب -يعني: أراد أن يقيم له الدليل على أنه شجاع وأنه يستطيع القتال- وأخذ شاة من القطيع فذهبت وراءه، ولما قام عليّ أمسكته من ذقنه وضربته فقتلته، قتل عبدك الأسد والدب جميعاً، وهذا الفلسطيني الأغلف يكون لواحد منهما ليرى صفوف الله الحي، وقال داود: الرب الذي أنقذني من يد الأسد ومن يد الدب هو ينقذني من يد هذا الفلسطيني، فقال شاءول لداود: اذهب وليكن الرب معك. وألبس شاءول داود ثيابه، وجعل خوذة من نحاس على رأسه، وألبسه درعاً، فتقلد داود ذلك ولم يكن من قبل قد جرب، فقال داود لـ شاءول: لا أقدر أن أمشي بهذه لأني لم أجربها، ونزعها داود عنه -أي: خلع الدرع، لأنه لا يستطيع أن يمشي بها- وأخذ عصاه، وانتقى له خمسة حجارة ملساء من الوادي، وجعلها في كنف الرعاء الذي له -أي: في الجراب-، ومقلاعه بيده، ليتقدم نحو الفلسطيني، ولما نظر الفلسطيني ورأى داود استحقره؛ لأنه كان غلاماً أشقر جميل المنظر، فقال الفلسطيني لداود: ألعلي أنا كلب حتى تأتي إليّ بعصا؟! ولعن الفلسطيني داود! وقال الفلسطيني لداود: تعال إليّ لأعطي لحمك لطيور السماء ووحوش البرية، فقال داود للفلسطيني: أنت تأتي إليّ بسيف وبرمح وبترس، وأنا آتي إليك باسم رب الجنود إله صفوف إسرائيل الذين عيرتهم، هذا اليوم يحبسك الرب في يدي، فأقتلك وأقطع رأسك وأعطي جثث جيش الفلسطينيين هذا اليوم لطيور السماء وحيوانات الأرض، فتعلم كل الأرض أنه يوجد إله لإسرائيل، وتعلم هذه الجماعات كلها أنه ليس بسيف ولا برمح يخلص الرب؛ لأن الحرب للرب وهو يدفعكم ليدنا، وكان لما قام الفلسطيني وذهب وتقدم للقاء داود أن داود أسرع وركض نحو الصف للقاء الفلسطيني، ومد داود يده إلى الكنف وأخرج منه حجراً، ورماه بالمقلاع وضرب الفلسطيني في جبهته، فارتز الحجر في جبهته، وسقط على وجهه إلى الأرض فتمكن داود من الفلسطيني بالمقلاع والحجر، وضرب الفلسطيني وقتله، ولم يكن سيف بيد داود، فركض داود ووقف على الفلسطيني وأخذ سيفه واخترطه من غمده -يعني أخذ سيف جالوت - وقطع به رأسه، فلما رأى الفلسطينيون أن جبارهم قد مات هربوا، فقام رجال إسرائيل ويهوذا وهتفوا ولحقوا الفلسطينيين إلى الوادي وحتى أبواب عقرون إلى آخر القصة. تلاحظون الفرق الشاسع بين القرآن الكريم والتوراة، والقرآن لا يذكر كل هذه التفاصيل، ويكتفي بذكر موضع العبرة.
البقرة [253 - 256]
تفسير سورة البقرة [253 - 256]
تفسير قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض)
تفسير قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) قال الله تبارك وتعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة:253]. قوله تعالى: (تلك الرسل) تلك: مبتدأ، والرسل: صفة، والخبر: (فضلنا بعضهم على بعض) يعني: بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره، ((مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ)) كموسى، ((وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ)) أي: محمداً صلى الله عليه وسلم (درجات) يعني: رفعه على غيره درجات، بعموم الدعوة والنبوة، وتفضيل أمته على سائر الأمم، والمعجزات المتكاثرة، والخصائص العديدة. وهذا فيه إشارة إلى ما رواه البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة). وليست هذه الخمس فقط هي خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي كثيرة جداً، وقد خصها بعض الأئمة بعلم مستقل من علوم الدين يسمى: الخصائص النبوية، وأشهر ما ألف في ذلك وأقدمه: الشفاء بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم للقاضي عياض، والخصائص الكبرى للسيوطي، وظهر مؤخراً مختصر لأحد العلماء، وقد حقق أحاديثه بعمل جيد، فهذا علم مستقل من علوم الدين وهو معرفة خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد تكلمت هذه المصنفات على مئات الخصائص، وأيضاً الغماري له كتاب في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: ((وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ)) أي: قويناه ((بِرُوحِ الْقُدُسِ)) يعني: الروح المقدسة وهو جبريل عليه السلام، كان يسير معه حيث سار. ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ)) يعني: لو شاء الله أن يهدي الناس جميعاً ((مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ)) من بعد الرسل من أممهم ((مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ))؛ لاختلافهم، وتضليل بعضهم بعضاً، ((وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا))؛ لأن الله سبحانه وتعالى شاء ذلك ((فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ)) أي: ثبت على إيمانه ((وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ)) دعوى المسيح ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا)) هذا تأكيد، ((وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)) يعني: من توفيق من شاء، وخذلان من شاء.
تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض)
تفسير الشنقيطي لقوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) قوله تبارك تعالى: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)) يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان: لم يبين هنا هذا الذي كلمه الله منهم، وقد بين أن منهم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بقوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164]، وقوله: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي} [الأعراف:144]، فهذه الآيات توضح ما أجمله في قوله: ((فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ))، فبينت آيات أخر أن ممن كلم الله موسى عليه السلام. وقال ابن كثير: (منهم من كلم الله) موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام؛ وكذلك آدم كما ورد في الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قال مقيدة -أي: الشنقيطي - عفا الله عنه: تكليم آدم الوارد في صحيح ابن حبان يبنيه قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة:35] وأمثالها من الآيات، فإنه ظاهر بأنه غير واسطة الملك، وإنما كان تكليماً مباشراً من الله سبحانه وتعالى. ويظهر من هذه الآية نهي حواء عن الشجرة على لسانه، فهو رسول إليها بذلك، يعني: الله سبحانه وتعالى كلم آدم عليه السلام، وآدم بلغ حواء كما قال تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة:35]، فالتكليف لآدم. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ((مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ))، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آدم: أنبي مرسل هو؟ فقال: (نعم، نبيٌّ مكلم)، فهذا يدل على دخول آدم عليه السلام في قوله تعالى: ((مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ)) يعني: بلا واسطة. قال ابن عطية: وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصية موسى عليه السلام. وقال ابن جرير: لأن آدم كان هو النبي أيام حياته بعد أن أُهبط إلى الأرض، والرسول من الله جل ثناؤه إلى ولده، فغير جائز أن يكون معنياً -وهو الرسول- بقوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} [البقرة:38] أي: رسل. وقد وصف نوح عليه السلام بأنه أول رسول في حديث الشفاعة: (فيأتون نوحاً فيقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض)، ويشهد له قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء:163]، وهذا يشكل على ما تقدم أن آدم رسول! والظاهر: أنه لا طريق للجمع بين هذه النصوص إلا من وجهين: آن آدم أرسل لزوجه في الجنة، ونوح أول رسول أرسل في الأرض، ويدل على هذا الجمع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما في حديث الشفاعة ففيه: (ائتوا نوحاً فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض) فمفهومه: أن آدم عليه السلام أول رسول من الله إلى زوجه حواء في الجنة، وليس رسولاً إلى أهل الأرض، فلا تعارض، فقوله: (إلى أهل الأرض) لو لم يرد به الاحتراز عن رسول بعث لغير أهل الأرض لكان ذلك الكلام حشواً، لكن المقصود به الاحتراز عن رسالة آدم إلى زوجه في الجنة كما ذكرناه، ويستأنس له بكلام ابن عطية الذي ذكرناه سابقاً عند حديث: (نعم، نبي مكلم)، قال ابن عطية: وقد تأوّل بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا يبقى التكليم خاصية لموسى عليه السلام. أما الوجه الثاني للجمع فهو أن آدم أرسل إلى ذريته وهم على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه، ونوح هو أول رسول أرسل إلى قوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى، ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده، ويدل على هذا الوجه قوله تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً} [يونس:19] يعني: كانوا على الدين الحنيف حتى كفر قوم نوح، وقوله: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} [البقرة:213] إلى آخر الآية. وقوله تعالى: ((وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)) أشار في مواضع أخر إلى أن منهم محمداً صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء:79]، وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ:28]، وقوله: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]، فبلا شك أن من أعظم خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم عموم رسالته إلى البشر كافة، وهو الرسول الوحيد الذي بعث إلى الناس كافة، أما من قبله فكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]. وأشار أيضاً في مواضع أخر إلى أن من هؤلاء الذين رفعهم الله درجات إبراهيم عليه السلام كقوله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:125]، وإن كانت الخلة ليست خاصة لإبراهيم عليه السلام، فقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)، ومن ذلك قوله تعالى لإبراهيم عليه السلام: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة:124]، إلى غير ذلك من الآيات. وأشار في موضع آخر إلى أن من هؤلاء الأنبياء الذين فضَّلهم الله، ورفعهم درجات داود عليه السلام في قوله: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} [الإسراء:55]. وأشار أيضاً إلى أن منهم إدريس عليه السلام في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم:57]. وأشار إلى أن منهم عيسى لقوله: ((وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ)).
حكم التفضيل بين الرسل وذكر أفضلهم
حكم التفضيل بين الرسل وذكر أفضلهم في قوله تعالى: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) إشكال قوي معروف، وجهه أنه ثبت في حديث أبي هريرة المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا تخيروني على موسى، فإن الناس يَصعقون -أو يُصعقون- يوم القيامة فأكون من أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله؟)، فهنا يخبر في الحديث بقوله: (لا تخيروني على موسى) يعني: لا تقولوا: أنا خيرٌ من موسى عليه السلام، وفي رواية: (لا تفضلوا بين أنبياء الله)، وفي رواية: (لا تخيروني من بين الأنبياء). قال القرطبي: وهذه الآية مشكلة، والأحاديث ثابتة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تخيروا بين الأنبياء، ولا تفضلوا بين أنبياء الله) أي: لا تقولوا: فلان خيرٌ من فلان، ولا فلان أفضل من فلان. قال ابن كثير في الجواب عن هذا الإشكال ما نصه: والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل. يعني: يحتمل أن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى الصحابة عن التفضيل كما في هذا الحديث، وكما في قوله أيضاً: (لا تقولوا: أنا خير من يونس بن متى) قبل أن يوحى إليه بتفضيله صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء والمرسلين كقوله مثلاً: (أنا سيد الناس يوم القيامة، ولا فخر). الثاني: أن هذا قاله من باب هضم النفس فقال: (لا تخيروا بين أنبياء الله). الثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاتم يعني: في هذه الحال بالذات ينهى عن وقوع المفاضلة فيها؛ لأن سبب ورود الحديث: أن رجلاً يهودياً قال: والذي اصطفى موسى على العالمين! فغضب المسلم ولطمه منكراً عليه؛ لأن الله اصطفى محمداً عليه الصلاة والسلام على العالمين. الرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية. الخامس: ليس مقام التفضيل إليكم وإنما هو إلى الله عز وجل، وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به. واختار القرطبي أن منع التفضيل إنما هو في خصوص النبوة، يعني: في أصل النبوة لا تفاضل، وإنما يحصل التفاضل في أمور أخر زائدة على النبوة، وجوز القرطبي التفاضل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات، فقد قال ما نصه: قلت: وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص -التي هي الخصائص- والألطاف والمعجزات المتباينة، أما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما يتفاضلوا بأمور أخر زائدة عليها؛ ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتخذ خليلاً، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات، وهذا قول حسن فيه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ. وقد أشار ابن عباس إلى هذا المعنى فقال: إن الله فضل محمداً صلى الله عليه وسلم على الأنبياء وعلى أهل السماء، فقالوا: بم -يا ابن عباس - فضله على أهل السماء؟! فقال: إن الله تعالى قال: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:29]، وهذا في حق الملائكة، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح:1 - 2]، قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم:4]، وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ:28]، فأرسله إلى الجن والإنس. وأشار أيضاً القاسمي إلى بعض الفوائد التي تتعلق بهذه الآية: ((تِلْكَ الرُّسُلُ)) فيقول: هذه إشارة إلى من ذكر منهم في سورة البقرة، أو تلك الرسل المعلومة المعروفة للنبي صلى الله عليه وسلم: ((فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) بأن خص بمنقبة ليست لغيره ((مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ)) هذا تفصيل للتفضيل، أي: منهم من فضَّله الله بأن كلمه من غير واسطة، وهو موسى عليه السلام، ((وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)) يعني: كإبراهيم اتخذه الله خليلاً، وداود آتاه الله النبوة والخلافة والملك. والظاهر أنه أراد بقوله تعالى: ((وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)) محمداً صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو المفضل عليهم؛ حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثر المرتقية إلى ألف آية أو أكثر، ولو لم يؤت صلى الله عليه وسلم إلا القرآن وحده لكفى به فضلاً منيفاً على سائر ما أوتي الأنبياء؛ لأنه المعجزة الباقية على مرِّ الدهر دون سائر المعجزات، وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لقوله: ((وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)) فاكتفى بهذا عن أن يقول: إنه محمد عليه الصلاة والسلام، فهذا فيه زيادة تعظيم وتفخيم لمقام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا فيه شهادة بأنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس بغيره، فمن شدة تميزه صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء لم يكن هناك داع للتصريح باسمه؛ بل قال تعالى: ((وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ))، على أساس أن هذا معروف فلا يحتاج للتنصيص على اسمه، وهو محمد عليه الصلاة والسلام، كما يقال للرجل: من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم. ويريد به الذي عرف واشتهر بتلك الأفعال، مثل رجل يستطيع رفع أوزان ثقيلة جداً، وهو معروف في وسط مجموعة من الناس، فتقول: من رفع هذه الأثقال؟ فيقول: أحدهم أو أحدكم أو بعضكم، وهو معروف أنه لا يفعله إلا هذا، فيكون الإيهام وعدم التصريح أفخم من التصريح به، كما سئل الحطيئة عن أشعر الناس؟ فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث؟ يعني: بذلك نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي. لم يفخم أمره، فلو صرح لكان أضعف من أن يقول: لو شئت لذكرت الثالث، فكأن الثالث هذا معروف، وليس محتاجاً أن يذكر أنه متمكن من الشعر. قالوا: ويجوز أن يريد إبراهيم ومحمداً وغيرهما من أولي العزم. وقوله: ((وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ)) كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ((وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)) وهو جبريل عليه السلام. قوله تعالى: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ)) يعني: من بعد الرسل؛ لاختلافهم في الدين، وتشعُّب مناهجهم، وتكفير بعضهم بعضاً ((مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)).
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم) قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:254]. ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ))، هذا أمر بالإنفاق لبعض من المال، (مما) من هنا: تبعيضية، يعني: من بعض ما رزقناكم، قيل: وهو أمر إيجاب، وإذا كان الأمر هنا على سبيل الإيجاب فالمراد بالنفقة الزكاة، والذي يرجح ويؤكد ويقوي القول بأن المراد هنا: النفقة الواجبة؛ الوعيد الذي عقب الله سبحانه وتعالى أمره بالنفقة هنا فقد قال: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) فوصف مانع هذه النفقة بالكفر والظلم، وهذا الوعيد يدل على أنه أراد النفقة الواجبة، وليس نفقة التطوع. فقوله: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ))، عنى بهم مانعوها، فالمقصود بالكافرين هنا: مانعوا الزكاة. وقال الأصم وأبو علي: أراد النفقة في الجهاد. وقال أبو مسلم وابن جريج: أراد الفرض والنفل، وهو المتجه، يعني: أن المقصود بالنفقة الواجبة والنافلة. ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ)) وهو يوم القيامة ((لا بَيْعٌ فِيهِ)) لأن الإنسان ما دام السوق قائماً يستطيع أن يبيع، فعن طريق هذا البساط التجاري يستطيع أن يحصل مالاً في الدنيا ينفع به نفسه، أما في الآخرة فيقول تعالى: ((لا بَيْعٌ فِيهِ)) يعني: لا بيع فيه فتحصلون ما تنفقونه، أو تفتدون به من العذاب، فالإنسان في الدنيا يبيع ويشتري فيحصل على المال، وهذا المال إما أن ينفقه في سبيل الله وإما أن يفتدي به، أما في الآخرة فلا يستطيع أن يبيع، ولا يستطيع أن ينفق، فإذا قصر في النفقة في الدنيا لا يستطيع أن يفتدي بماله نفسه في الآخرة؛ لأنه لا بيع فيها، (ولا خلة) يعني: لا صداقة تنفع، {الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67]، والمتقون لا يمنعون الزكاة. ((وَلا شَفَاعَةٌ)) فلا تتكلوا على شفعاء {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه:109]، وهذا الاستثناء لا بد منه؛ لأن النفي هنا ليس لمطلق الشفاعة يعني: ليست كل الشفاعات منتفية في الآخرة كما هو معلوم من مقتضى الجمع بين هذه الآية وغيرها من النصوص في القرآن أو في السنة التي تثبت أن هناك شفاعة مشروطة بأن تكون بإذن الله تبارك وتعالى كما سيأتي. ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) الكافرون هنا المراد بهم تاركوا الزكاة، وهذا الأسلوب معروف في القرآن، وله نظير في فريضة الحج قال سبحانه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97] فعبر عن تارك الحج بالكفر؛ لأن هذا من فعل الكفار، وقال الله في الزكاة أيضاً في سورة فصلت: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [فصلت:6 - 7]. إذاً: قوله: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) أراد: والتاركون الزكاة هم الظالمون، واستعمال لفظة (الكافرون) بدل (التاركون الزكاة) للتغليظ في هذه المعصية وللتهديد كما في قوله تعالى في آخر آية الحج: {وَمَنْ كَفَرَ} [آل عمران:97] ولم يقل: ومن لم يحج فإن الله غني عن العالمين، فآثر لفظة: (من كفر) على من لم يحج، للتغليظ ولبيان أن ترك الزكاة من صفات الكفار، ويحتمل أن يكون المعنى: ((وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) أي: لأنفسهم لوضع الأموال في غير مواضعها، فلا تكونوا -أيها المؤمنون- مثلهم في عدم الإنفاق فتضعون أموالكم في غير مواضعها. وفي هذه الآية دلالة على حسن المسارعة إلى الخيرات قبل فواتها بهجوم ما يمنع منها من مرض أو غيره. يوم القيامة هو يوم الموقف الأكبر، لكن كل إنسان منا له يوم القيامة موقف خاص به، وله ساعة وله يوم آخر نسبي، وهي لحظة موته التي بها يبتدئ رحلته إلى اليوم الآخر، فبمجرد خروج روحك فأنت تنتقل من الدنيا إلى الدار الآخرة؛ فلذلك ينبغي أن ننفق: كما قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون:10 - 11]، وقال هنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. قال السيوطي: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ)) زكاته ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ)) فداء ((فِيهِ وَلا خُلَّةٌ)) يعني: صداقة تنفع ((وَلا شَفَاعَةٌ)) يعني: بغير إذنه وهو يوم القيامة، وفي قراءة بنصب الثلاثة: (من قبل أن يأتي يوم لا بيعَ فيه ولا خلةَ ولا شفاعةَ). ((وَالْكَافِرُونَ)) أي: بالله أو بما فرض عليهم، ((هُمُ الظَّالِمُونَ)) لوضعهم أمر الله في غير محله.
تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم)
تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) قال تبارك وتعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة:255]. ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)) أي: لا معبود بحق في الوجود إلا هو، فإن كلمة (الإله) تطلق على الإله الحق والإله الباطل، وهناك أدلة من القرآن تدل على أن هناك آلهة باطلة، كقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً} [مريم:81]، وقوله: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [هود:101]، قوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية:23]، فكلمة (إله) تطلق على الإله الحق والإله الباطل، فالشيطان (إله) لكن إله باطل، والدليل قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس:60]، والطاغوت هو الشيطان، وقال تعالى: {وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا} [طه:97] وهو عجل السامري، وفي السنة حديث معروف يدل على أن المال إله يعبد: (تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فالآلهة الباطلة كثيرة جداً لا تنتهي ولا تنحصر، ومنها ما يعبد برضاه، ومنها ما لا يعبد برضاه، ومنها ما لا يشعر كالأحجار والأصنام، والمسيح عيسى عليه السلام إله باطل عبده النصارى زوراً؛ وكذلك عزير عليه السلام عبده اليهود، وهما بريئان بلا شك من هذا؛ كذلك الأولياء والصالحون قد يعبدون بعد موتهم، وهم غير راضين عن هذا، أما الآلهة التي عبدت من دون الله وهي راضية فإنها تكون في النار يوم القيامة. إذاً: نحن لا نقدر: (موجود) في خبر لا التي للجنس في كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فلا نقول: التقدير لا إله موجود إلا الله؛ لأن هناك آلهة كثيرة باطلة غير الله، لكن نقول: لا إله حق إلا الله، يعني: لا إله يعبد بحق إلا الله سبحانه وتعالى، أما كل إله دون الله عز وجل فهو إله باطل، ويجب أن تكفر به. يقول السيوطي هنا رحمه الله تعالى: (الله لا إله) أي: لا معبود بحق في الوجود (إلا هو الحي) أي: الدائم البقاء (القيوم) المبالغ في القيام بتدبير خلقه. ((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ)) أي: نعاس ((وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) ملكاً وخلقاً وعبيداً. ((مَنْ ذَا الَّذِي)) يعني: لا أحد ((يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)) يعني: إلا بإذنه له فيها، فلا تكون شفاعة إلا بأن يأذن الله لمن يشفع في هذه الشفاعة ((يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)) أي: الخلق ((وَمَا خَلْفَهُمْ)) أي: من أمر الدنيا والآخرة ((وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ)) أي: لا يعلمون شيئاً من معلوماته ((إِلَّا بِمَا شَاءَ)) يعني: إلا بما شاء أن يعلمهم به منها بإخبار الرسل. ((وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)) قيل: أحاط علمه بهما، وهذا القول ضعيف، وقيل: ((وَسِعَ كُرْسِيُّهُ)) أي: ملكه، وقيل: الكرسي نفسه مشتمل عليهما لعظمته، لحديث: (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس) يقول القاضي كنعان: هذا حديث موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما، ولم يوجد مسنداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال القرطبي: والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وأخرج الآجري وأبو حاتم البستي في صحيحه والبيهقي وذكر أنه صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما السماوات السبع! في جنب الكرسي إلا كحلقة ملقاة في صحراء) يعني: صحراء شاسعة مترامية الأطراف، ألقيت فيها حلقة صغيرة، فكل السماوات السبع بما فيها بالنسبة إلى الكرسي كحلقة ألقيت في أرض فلاة، قال: (وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة) يعني: النسبة بين العرش وبين الكرسي كالنسبة بين الكرسي وبين السماوات السبع، فالعرش غير الكرسي وأعظم منه، وبعض العلماء قالوا: إن الكرسي هو العرش، لكن هذا الحديث يثبت أن العرش غير الكرسي، وهو أعظم منه، وهذا هو الصحيح، وذهب بعضهم إلى أن العرش هو الكرسي، وعلى هذا القول مشى الجلالان في هذا التفسير، وقد نبهنا على ذلك في مواضعه.
تفسير القاسمي لآية الكرسي
تفسير القاسمي لآية الكرسي يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ)) أي: الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء (القيوم) أي: الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظهم. وهذه الآية تثبت أن الله سبحانه وتعالى لا يغفل أبداً عن تدبير أمر هذا الكون كله، لكن هذا بطريق الالتزام المقتضي عدم الغفلة التي يتنزه الله عنها، وقد أكد ذلك بالنص الصريح فقال: ((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ))، فهذا تأكيد لقيوميته؛ لأنه لا يكون قيوماً من كان يغفل عن تدبير مصالحه، فالله لا يغفل أبداً، وبالتالي لا تأخذه النعاس ولا النوم. و (السِّنَة) على وزن عِدَة، وهي شدة النوم أو أوله أو النعاس، قال المهايمي: السنة فتور يتقدم النوم، الفتور الذي يكون في أول مبادئ النوم هو السنة، ثم يكون النوم الذي هو أعمق، وهو: حال تعرض للحيوان من استرخاء دماغه تمنع الحواس الظاهرة من الإحساس. والسنة والنوم على هذا منقصان للحياة، ومنافيان للقيومية؛ لأنهما من التغيرات المنافية لوجوب الوجود الذي للقيوم، ونفى النوم أولاً التزاماً، ثم نفاه تصريحاً بقوله: ((الْحَيُّ الْقَيُّومُ))، فإنه يلزم من حياته وقيوميته أنه لا يغفل أبداً سبحانه وتعالى، ثم صرح فقال: ((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ)) وهذا النفي يدل على ثبوت كمال ما ينافيه. ومن كمال قيوميته اختصاصه بملك العلويات والسفليات المشار إليها بقوله: ((لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ)) يعني: من الملائكة والشمس والقمر والكواكب ((وَمَا فِي الأَرْضِ)) يعني: من العوالم المشاهدات، وهذا إخبار بأن الجميع في ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا} [مريم:93 - 94]. قوله: ((مَنْ ذَا)) يعني: مَن مِن الأنبياء أو من مِن الملائكة فضلاً عما ادعى الكفار شفاعته من الأصنام؟! يعني: إذا كان الأنبياء والملائكة أنفسهم لا يملكون شفاعة إلا بإذن الله، فكيف تزعمون أنتم -أيها الكافرون الذين خاطبهم القرآن- أن أصنامكم وآلهتكم تملك الشفاعة من دون الله؟! الأنبياء والملائكة لا يملكون الشفاعة إلا بإذن الله. وإذا كان هنا نفي هذا النوع من الشفاعة، فبالأولى أن فيها نفياً لأن يقاوم الله سبحانه وتعالى أحد أو أن يناصبه أو يبطل إرادته. ((مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ)) أي: لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه يعني: بتمكينه تحقيقاً للعبودية كما قال تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم:26]، وقال تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28]، وهذا من جلاله وكبريائه عز وجل، فلا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة يقول عليه الصلاة والسلام: (آتي تحت العرش -يعني: لا يشفع مباشرة- فأخر ساجداً فيدعني الله ما شاء أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع -صلى الله عليه وسلم- قال: فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة)، وقال له أبو هريرة: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم: لقد ظننت -يا أبا هريرة - ألا يسألني عن هذا الحديث أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) فهذه الشفاعة هي لأهل الإخلاص والتوحيد بإذن الله، ولا تكون أبداً لمن أشرك بالله. المشركون يدعون لآلهتهم الشفاعة، وهم ليسوا بموحدين ولا مخلصين، فبالتالي ليسوا من أهل هذه الشفاعة. قوله: (يعلم ما بين أيديهم) يعني: ما عملوه بالفعل من أمور الدنيا أو مما يخصهم. ((وَمَا خَلْفَهُمْ)) يعني: ما حجب عنهم ولم يعلموه؛ لأن الخلف هو ما لا يناله الحس، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم، وهو محيط بعملهم فيما علموا وما لم يعلموا، فهذه الجملة كقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الأنعام:73]، فقوله: ((يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)) هو الشهادة، وقوله: ((وَمَا خَلْفَهُمْ)) هو الغيب. وقوله: ((وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ)) أي: لا يعلمون شيئاً من معلوماته إلا بما أراد أن يعلمهم به منها على ألسنة الرسل كما قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن:26 - 27] ليكون ما يطلعه عليه من علم غيبه دليلاً على نبوته. روى ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الكرسي: العلم. وقوله: ((وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا)) يعني: لا يئوده حفظ ما علم وأحاط به مما في السماوات والأرض، كما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف:89]، فأخبر أن علمه وسع كل شيء فكذلك قوله: ((وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)). قال ابن جرير: وقول ابن عباس هذا يدل على صحة قول من قال: إن العلماء هم الكراسي؛ لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض، يعني: أنهم الذين تصلح بهم الأرض، ومنه قوله الشاعر: يحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأحداث حين تنوب يعني: بذلك علمه في حوادث الأمور ونوالها، وروى ابن جرير أيضاً عن الحسن: أن الكرسي في الآية: هو العرش، وأيده بعضهم بأن لفظ عرش المملكة وكرسيها مترادفان؛ ولذلك قال تعالى على لسان سليمان: {قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:38]، يقول: فالعرش والكرسي هما شيء واحد.
تنبيه مهم في طبعة تفسير القاسمي
تنبيه مهم في طبعة تفسير القاسمي الغماري صوفي، وعليه ملاحظات شديدة ليست هينة، وعنده بدع غليظة، وهو ليس سلفياً، بل يحارب السلفية -سامحه الله وعفا عنه-، لكن مع ذلك لما ذكر نبذة عن التفاسير المشهورة المطبوعة ومنها تفسير القاسمي ذكر تعليقاً مهما جداً، فقال: إن الشخص الذي قام على أول طبعة لمحاسن التأويل للقاسمي كان شخصاً مخبولاً أو في عقله شيء! هكذا وصفه، ودلل على ذلك بأنه أتى إلى بعض المواضع التي لم تعجبه من كلام القاسمي فضرب عنها صفحاً وأضاف إليها كلاماً من عنده، وعلل ذلك بأن القاسمي إمام محقق لا يليق به أن يوجد هذا الكلام في كتابه، فحصل منه تحريف في الكتاب، وحرف بعض المواضع على خلاف ما ذكره القرطبي نفسه في المخطوطة الأصلية، وعلل استحلاله لهذا التحريف أن ابن القاسمي فوضه بأن يعدل ما يراه مناسباً، وقال له: إذا وجدت شيئاً لا يليق بمقام الوالد فلك أن تغيره! فنخشى أشد الخشية مما نالته يد هذا المعتدي؛ لأنا نجد القاسمي نفسه السلفي واضح جداً، وإذا قرأتم مقدمة هذا التفسير التي طبعت في الجزء الأول منه والتي سماها: تمهيد خطير في قواعد التفسير، نجد أن القاسمي ينتصر لمنهج السلف بكل وضوح، ولا يسلك أبداً مسلك الذي يمسك العصا من النصف؛ لكنه دائماً في قضايا العقيدة السلفية من الناس الواضحين جداً في هذا الباب، فيصعب جداً أن يكون كلام القاسمي الأصلي لهذه الآية التي ليس فيها إلا حكاية قولين، أنه اعتمد أن الكرسي هو العلم، وقول آخر أشار إليه عرضاً وهو: أن الكرسي هو العرش، ويبعد جداً أن القاسمي لا يذكر هذا وهو رجل مطلع على السنة، ومطلع على الأحاديث، وتغيب عنه الآثار التي دلت على أن الكرسي غير العرش وغير العلم. ويوجد هنا تعليق سأقرؤه عليكم لكي تعلموا أن هذا هو فعلاً الذي كان يليق بـ القاسمي، فالله أعلم من المسئول عن ترحيل هذا الجزء من أعلى إلى أسفل، من المتن إلى الحاشية، يقول المعلق: كان المؤلف رضي الله عنه فسر الكرسي بما يأتي: الكُرسي: -بالضم وبالكسر- السرير والعلم، كما في القاموس، قال الأزهري: والصحيح عن ابن عباس ما رواه عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الكرسي موضع القدمين، وأما العرش فإنه لا يقدر قدره، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها، قال: ومن روى عنه في الكرسي أنه العلم فقد أبطل، وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الكرسي الذي يوضع تحت العرش إلى داخله، وبالفتح الكرسي هنا الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته، يقول: ثم إن المؤلف عدل عن ذلك إلى ما تراه. أي الكلام الأول: بأن الكرسي هو العلم، وأتى بمقولة: التراث والعلماء سلاطين الأرض إلى غير ذلك، والله أعلم من الذي عدل في الحقيقة؛ لكن أنا أحببت أن أنوه إلى هذا الأمر لئلا تغتروا بمثل هذا التأويل.
معنى قوله تعالى: (ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم)
معنى قوله تعالى: (ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) قوله تعالى: ((وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا)) لا يثقله، ولا يشق عليه، يقال: آده الأمر أوداً وأووداً بلغ منه المجهود والمشقة، أي: لا يثقله ولا يتعبه حفظ السماوات والأرض، فلا يفتقر إلى شريك، ولا ولد، وكيف يشق عليه (وهو العلي العظيم)؟! قال ابن جرير في معنى (العلي): قال بعضهم: يعني بذلك علوه عن النظير والأشباه، تعالى أن يكون له نظير عن كذا، وقال آخرون: (العلي) على خلقه، بارتفاعه مكانه عن أماكن خلقه؛ لأنه تعالى فوق جميع خلقه، وخلقه دونه، كما وصف نفسه أنه على العرش، فهو عالٍ بذلك عليهم. (العظيم) أي: أعظم من كل شيء، ذو الجلال والكبرياء والفخر والقدرة والسلطان.
فضل آية الكرسي
فضل آية الكرسي آية الكرسي لها شأن عظيم، وفضل كبير، وقد صح في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها أعظم آية في كتاب الله، وأنها مشتملة على اسم الله الأعظم، والأحاديث كثيرة في فضل آية الكرسي، ويكفي فيها هذه الإشارة اختصاراً. فإن قلت: لم فضلت هذه الآية وورد في فضلها ما ورد؟ قلت -أي: في الجواب-: كما فضلت سورة الإخلاص وصارت ثلث القرآن، فضلت مثل هذه الآية وكانت أعظم آية في كتاب الله؛ لأنها اشتملت على صفة الرب تبارك وتعالى، ولاشتمالها على توحيد الله تعالى وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى، ولا مذكور أعظم من رب العزة، فما كان ذكراً له كان أفضل من سائر الأذكار، وكما أن القرآن أفضل ذكر؛ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى، فإن أفضل ما يذكر الله به من هذا الذكر هو ما تمحض لذكر رب العزة سبحانه وتعالى. وفي القصة المعروفة لما كان يكرر الصحابي سورة الإخلاص في كل ركعة في الصلاة، وسأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن سر ذلك فقال: (إني أحبها لأن فيها صفة الرب، قال: إن حبك إياها قد أدخلك الجنة، وإن الله يحبك بحبك إياها)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام؛ وكذلك هنا: أعظم آية في كتاب الله هي آية الكرسي؛ لأنها تمحضت لذكر أعظم مذكور، وهو الله سبحانه وتعالى: ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ))، فهي إثبات للكمال ونفي للنقص.
تفسير قوله تعالى: (لا إكراه في الدين)
تفسير قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) قال تبارك وتعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} [البقرة:256]. قال الله تعالى: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) يعني: لا إكراه على الدخول فيه. وقد ذكر الإمام النحاس في ناسخه قولاً سديداً في معنى هذه الآية فقال: من العلماء من قال: هي منسوخة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام، وقاتلهم، ولم يرض منهم إلا الإسلام فقال: (أمرت أن أقاتل الناس)، وقال بعض العلماء: ليست منسوخة، ولكنها نزلت في أهل الكتاب لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، والذين يكرهون هم أهل الأوثان، إذ هم الذين نزل فيهم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ} [التوبة:73]، واحتج لذلك: (بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لعجوز نصرانية: أسلمي أيتها العجوز تَسلمي؛ فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، قالت: أنا عجوز كبيرة والموت إليّ قريب، قال عمر: اللهم اشهد، ثم تلا: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))، اللهم اشهد: يعني أني بلغتها، ودعوتها، فكانت الآية تعني: لا سبيل إلى إكراهها على الدخول في الدين. وممن قال: إنها مقصورة على اليهود والنصارى: ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كانت المرأة تجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجلي بني النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله هذه الآية، وهذا القول بلا شك قول صحيح: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) يعني: لا يكره أحد على الدخول في الدين، فهذا إنما هو في اليهود والنصارى، وإلا فالمشركون لا يقبل منهم إلا الإسلام، ولذلك نلاحظ أن السيوف التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم تنوعت، فهناك سيف على المشركين، وسيف على أهل الكتاب، وسيف على أهل القبلة. أما سيف المشركين فهو قوله تعالى في سورة البراءة: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا} أي: من الشرك {وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:5]. أما السيف الذي على أهل الكتاب فهو المذكور في قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]. أما السيف الذي سُل على البغاة من أهل القبلة، فدليله في سورة الحجرات: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات:9]، والبغاة هم الذين يخرجون على الإمام المسلم بسبب تأويل فاسد كما هو معروف ومفصل في كتب الفقه. أما من أعلن قبوله للإسلام وشهد الشهادتين، ودخل في حكم الإسلام؛ فهذا لا يقال في حقه: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))، فما دمت مسلماً فعليك إذاً أن تحترم قوانينه وشريعته ونظمه، فلا ينبغي لمسلم أعلن إسلامه وشهد الشهادتين أن يضيع الصلاة أو الزكاة -إن وجبت عليه- أو الحج أو غير ذلك من واجبات الدين، ويقول: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))! لا يجوز له أن يعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقول: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))، فإن هذا لغير المسلم. أما المسلم فيجب عليه أن يحترم نظم هذا الدين وقوانينه وشريعته، وإن كان هذا لا تعتمده القوانين الوضعية، وأي دولة إذا أراد أحد رعاياها أن يغير نظمها ودساتيرها وقوانينها يحاكمونه بتهمة الخيانة المتعمدة، وأقل ما يكون في حقه أن يقتل؛ لأنه خرج عن النظام أو يريد أن يغيره، وإذا كان هذا في القوانين الوضعية -ولا يعد هذا إكراهاً ولا سبيلاً إلى أن يقولوا: لا إكراه في هذا- فكيف بدين الله سبحانه وتعالى؟! فمن دخل في هذا الدين يجب عليه أن يحترم شريعته، وألا يحيد عنها، فلذلك لا ينبغي أبداً الرجوع في هذا إلى بشر فمثلاً: من تركت الحجاب لا يحتج لفعلها بقوله تعالى: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))، تقال هذه الآية في حق يهودية أو نصرانية، أما المسلمة فينبغي أن تذكر بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36]، فالإنسان عبد لله مقيد بأوامر الله عز وجل، ليس حراً في أن يبتدع ما شاء من الشرائع بعد أن أعلن انتماءه إلى الدين. {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} يعني: لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام، فإنه بينٌ واضح جلية دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله إلى الإسلام وشرح صدره ونوره بصيرته دخل فيه على بينة، ومن عمي قلبه فإنه لا يفيده الدخول فيه مكرهاً مغصوباً؛ فالنفي بمعنى: النهي، وهو ما ذهب إليه في تأويل الآية كثير من العلماء. ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) ظاهر الخبر النفي، ومعناه النهي، يعني: لا تكرهوا أحداً على الدخول في الدين. إذاً: ما الجواب عما هو مشهور عن بعض السلف من أنه قال: نحن خير الناس للناس، نسوقهم إلى الجنة بالسلاسل؟ هل هذا إكراه في الدين؟ هذا تفسيره أن المسلمين في حالة الجهاد مع الأعداء يحصل من نتائج المعركة أنهم يأسرون بعض الكفار، فيؤخذون بالسلاسل إلى ديار الإسلام؛ فإذا عاشوا وسط المسلمين ورأوا الإسلام مطبقاً، وأنصتوا لعقيدة التوحيد؛ فإنهم يدخلون في هذا الدين أفواجاً. فمن علم الله في قلبه منهم خيراً فتح قلبه وشرح صدره للإسلام، فتكون السلاسل هي التي قادته للدخول في الإسلام، وليس المقصود بذلك الإكراه على الدين.
تفسير القاسمي لقوله تعالى: (لا إكراه في الدين)
تفسير القاسمي لقوله تعالى: (لا إكراه في الدين) قال القاسمي: لما بين الله تعالى دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً أخبر بعد ذلك بأنه لم يبق مع إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر، والإكراه لا يتنافى مع كون الدنيا دار ابتلاء. وبعض الناس ينخرفون في فهم آيات الله، ويخدعون الناس بأن الإسلام يقدس حرية الرأي، بمعنى: حرية الكفر! ويقولون: إن الله سبحانه وتعالى قال: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29]، فيظنون أنها على التخيير، يعني: أنت حر، اكفر أو آمن؟! فهذه حرية شخصية! ليس هذا هو المقصود؛ لأن هذا فيه إبطال وإفساد لمعاني كلام الله، وإنما المقصود بهذا التهديد، كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت:40]، والدليل أنه قبل هذه الآية مباشرة قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} [الكهف:29]، فلا يوجد تخيير بين الحق والباطل، وللأسف أن كبار الخطباء استدل على تقديس حرية الرأي في الإسلام بما وقع بين الله سبحانه وتعالى وبين إبليس، ويقولون: حتى إبليس قد أعطاه الله حرية الرأي!! وهذا في الحقيقة إفساد لمعاني القرآن، وهذا تأثر ذميم بهذه الأفكار الإلحادية التي تشيع الآن بين المسلمين في زمن الغربة، ولا ينجو منها إلا من أراد الله سلامته من هذه الفتن التي تحيط بنا من كل جانب، إلى هذا الحد يستدل على حرية الرأي بأن إبليس ترك الله له حرية الرأي ليعبر عما في نفسه! وهذه الآية: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} انظر إلى قوله بعدها: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:29]؛ كذلك: ((اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)) [فصلت:40] أي: فسوف تحاسبون. هذا المقصود، وليس معناها: التخيير والإباحة، وإلا كان هذا تحطيماً لدين الإسلام كله، لأنه يدخل في: (اعملوا ما شئتم): عبادة الأصنام، وشرب الخمر والفواحش وغير ذلك، وليس هناك قول يفسد الإسلام أكثر من هذا التأويل القبيح. فليعلم من هذه الآية أن سيف الجهاد المشروع في الإسلام والذي لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر لم يستعمل للإكراه على الدخول في الدين، وإنما لحماية الدعوة إلى الدين، والإذعان لسلطانه، والحكم بالعدل، فحكمة الجهاد إزالة الحواجز التي تعيق وصول الدعوة إلى عباد الله لإنقاذهم من النار، فهذا الذي فعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم وجزاهم عنا خيراً، فهم فتحوا البلاد، وتركوا الأوطان، وأنفقوا الأموال، وبذلوا النفس والنفيس، وأراقوا الدماء من أجل أن ينقذوا البشرية من الخلود في نار جهنم بالكفر -والعياذ بالله-؛ وذلك بالدخول في دين الإسلام، ويكفي أن هناك أصقاعاً وبلاداً ممتدة من أطراف الأرض كشرق آسيا كلها من الهند إلى الفلبين والصين ما فتحت بسيف واحد، وإنما فتحت بأناس انتدبوا أنفسهم للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فكانوا يتقمصون أزياء التجار -كما يقول أحد الكتاب الأوروبيين- ويتاجرون ويتجهون إلى شرق آسيا، وكان الواحد منهم داعية في لباس تاجر، ليس هدفه التجارة؛ لكن الدعوة، فكان المسلم إذا نزل بلداً من البلدان يجتمع إليه الناس من حسن خلقه، ولما يستمعون من دعوته إلى التوحيد، وإصابة الحجج والبراهين وإبطال عبادة غير الله سبحانه وتعالى، وكانوا بخلقهم وحسن مسلكهم أعظم سفراء للإسلام، وعلى أيديهم أسلمت أمم كاملة، فأغلب هذه البلاد ما استعمل السيف فيها أبداً، مثل إندونيسيا والفلبين والصين وغيرها من البلاد التي فيها ملايين المسلمين كماليزيا، وغيرها أيضاً ما دخلها الإسلام بالسيف أبداً، إنما بالخلق الحسن وبالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. المقصود من الجهاد هو إزالة الجيوش التي تقف عقبة في سبيل إيصال الحق إلى عباد الله عز وجل، فإذا زالت هذه العقبة فحينئذٍ يتعاملون مباشرة مع الشعوب، لماذا؟ لأن سنة الله سبحانه وتعالى التي ذكرها في القرآن الكريم لا تتخلف، وسنة الله أن الباطل خبيث ونجس لا يتغير ولا يتطهر أبداً شيء ثبت فيه، وهذه القاعدة التي أشير إليها هي قوله تبارك وتعالى: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً} [التوبة:8]، فالباطل لا يعرف عهوداً ولا مواثيق ولا قوانين، ولا أخلاق ولا أعراف ولا دين، ولا حقوق إنسان ولا أي شيء، وفي الغرب عندهم مثل مشهور يقولون فيه: القوة هي الحق، لا يوجد شيء اسمه حق، لكن متى كانت معك العضلات والقوة فهذا هو الحق، افرض على الناس عقيدتك وباطلك وفسادك ما دامت القوة معك! فهذا المبدأ هو الذي عليه الكفار في كل بقاع الأرض وذيولهم وأحذيتهم، {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً} [التوبة:8]، ولا يستحيون، ولا يوجد عندهم أدنى قدر من الاستحياء حتى فيمن يحملوا أسماء المسلمين من هؤلاء الأنذال الذين يفنون أعمارهم ويوقفون حياتهم في الصد عن سبيل الله، وإعلان الحرب على الله ورسوله وعباد الله المؤمنين، وفتنتهم في دينهم، لعنهم الله وأخزاهم وقصم ظهورهم! فالمقصود: ما أكره أحد على الدخول في دين الإسلام أبداً، لكن من دخل في الدين فإنه يكره على احترامه؛ لأن هذه شريعته وهذا نظامه. قوله تعالى: ((فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ)) أي: بالشيطان وبما يدعو إليه من عبادة الأوثان. ((وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ)) وحده، ((فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى))، والعروة الوثقى أحد أسماء كلمة النجاة كلمة الشهادة لا إله إلا الله، ولذلك يقول هنا: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا} [البقرة:256] أي: فقد تمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصل؛ فهي في نفسها محكمة، مبرمة قوية، ورأسها قوي شديد. روى الشيخان عن عبد الله بن سلام قال: رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت كأني في روضة خضراء، وسطها عمود حديد، أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: اصعد عليه، فقلت: لا أستطيع، فجاءني منصف -أي: وصيف- فرفع ثيابي من خلفي فقال: اصعد، فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك بالعروة، واستيقظت وإنها لفي يدي، وعبد الله بن سلام كان من كبار أحبار اليهود، استيقظ وهو يمسك هذه العروة في يده، قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه فقال: (أما الروضة فروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، وأنت على الإسلام حتى تموت). {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:256]، هذا اعتراض تذليلي حامل على الإيمان، رادع عن الكفر والنفاق؛ لما فيه من الوعد والوعيد.
البقرة [257 - 263]
تفسير سورة البقرة [257 - 263]
تفسير قوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور)
تفسير قوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) قال الله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:257]. بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى شأن هذه الولاية، وكيف أنه يتولى عباده المؤمنين فيخرجهم من الظلمات؛ شرع تبارك وتعالى في ذكر نماذج من هدايته للمؤمنين، وتوليه عباده وأنبياءه بالنصرة والحجة والبرهان على مناوئيهم، فبدأ أولاً بذكر قصة إبراهيم عليه السلام مع النمرود، فقال تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258]، فهذا أنموذج لولاية الله عز وجل لأوليائه بالنصرة والتأييد والحجة والبرهان. قوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ))، هذه ألف التوكيد، وهي في الكلام بمعنى التعجب أي: اعجبوا من هذا الذي (حاج إبراهيم في ربه) أي: جادل إبراهيم في ربه. ((أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ)) يعني: لأن الله آتاه الملك، فحمله بطره بنعمة الله على ذلك، وهو الملك الكافر نمرود، ولا شك أن في هذا التعبير إشارة إلى أن الملك فتنة على من أوتيه؛ ((أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ))، فبدل أن يحمد الله سبحانه وتعالى حملته هذه النعمة لما آتاه الله الملك على المحاجة في الله، وهذا أقبح وجوه الكفر في موضع ما يجب عليه من الشكر، كما تقول في شخص: عاداني فلان لأني أحسنت إليه! تريد أنه فعل عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان الذي صار إليه، وهذا مثل قوله تبارك وتعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة:82]، أهذا شكر نعمي ورزقي عليكم أنكم تكذبون بآياتي وبرسلي؟! وهذا من نفس هذا الباب، قال تبارك وتعالى هنا: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ))، فمع أن الله آتاه الملك، وأنعم عليه به، إلا أنه أبدل النعمة كفراناً وبطراً وكبراً. (إذْ) بدل من (حاجّ): ((إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ)) يعني: لما قال له النمرود: من ربك هذا الذي تدعونا إليه؟ ((قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)) يعني: يخلق الحياة والموت في الأجساد، كان المقصود بقوله هنا: (يحيي ويميت)، نفخ الروح في الجسم، وإخراجها منه بإذن الله تبارك وتعالى، فقال النمرود: ((قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)) يعني: بالقتل والعفو، ودعا برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر، فظن أن هذا يعطيه حقاً أنه يحيي ويميت! فلما رآه إبراهيم عليه السلام غبياً لا يفهم ولا يعقل ولا يعرف أصول المناظرة، قال إبراهيم: ((فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ))، فانتقل إبراهيم عليه السلام إلى حجة أوضح منها، فقال له: ((فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)). فهذا الطاغية سلك مسلك التلبيس والتمويه؛ وهذا يدل على جهله، ويتضح من الآيات: أن إبراهيم عليه السلام وصف ربه بالإحياء والإماتة قال: ((إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ))، لكن الإحياء والإماتة أمر له حقيقة وله مجاز، وإبراهيم عليه السلام قصد الحقيقة، بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يدخل الروح في البدن فيحييها أو ينزعها منه ويخرجها فيميتها، فإبراهيم ما أراد إلا الحقيقة، أما النمرود فإنه فزع إلى المجاز وموه على قومه ((قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)) يقول: إني إذا أتيت برجلين فأقتل هذا فأكون أنا الذي قد أمته، وأعفو عن هذا، فأكون قد أحييته. فسلم له إبراهيم تسليم الجدل، وليس معنى ذلك أن إبراهيم عليه السلام ما استطاع أن يبطل حجته، إلا أنه لما رآه غبياً لا يعقل ولا يفهم انتقل إلى ما لا يستطيع أبداً أن يموه به على العوام، وانتقل معه من الخصام إلى أمر لا يحتمل إلا الحقيقة، ولا مجاز فيه على الإطلاق، فقال له: ((فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)). فلما سلك الطاغية مسلك التلبيس والتمويه على الرعاع، وكان بطلان جوازه من الجلاء -الظهور- بحيث لا يخفى على أحد؛ لأن هذا الجواب الذي أجاب به هذا النمرود واضح في بطلانه بحيث لا يحتاج إلى جهد في إبطاله، فبطلانه يغني عن إبطاله، وسقوطه يغني عن إسقاطه، فما انشغل بالجواب عنه؛ لأن هذا تمويه حيث يقول: أنا أحيي وأميت بهذا المعنى، فكان التصدي لإسقاط كلامه من قبيل السعي في تحصيل الحاصل؛ لذلك انتقل إبراهيم عليه السلام إرسالاً لعنان المناظرة معه إلى حجة أخرى لا تجري فيها المغالطة، ولا يتيسر للطاغية أن يخرج عنها بمخرج المكابرة أو المشاغبة أو التلبيس على العوام. فقال إبراهيم عليه السلام: ((فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا)) أنت ((مِنَ الْمَغْرِبِ))، ولا شك أن من قدرته تبارك وتعالى أنه لا تقوم الساعة حتى يأتي الله سبحانه وتعالى بالشمس من المغرب، فهذه من علامات الساعة الكبرى، أن تطلع الشمس من المغرب؛ لأن الله وحده هو الذي يقدر على ذلك تبارك وتعالى. ((فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ))، لما قال له: فائت بها من المغرب، يعني: إذا كنت كما تدعي تحيي وتميت، فالذي يحيى ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته، وفي تسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تطلع كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهاً كما ادعيت فائت بها من المغرب: ((فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ))، تحير ودهش وأرغم بالحجة، لما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا. ((وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) بالكفر إلى محجة الاحتجاج، أي: أن الله لا يهديهم إلى إقامة الحجة وإلى فهم الحجج والبراهين، وما يحتج به، فلا يلهمهم حجة ولا برهاناً بل: {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى:16].
تفسير قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها)
تفسير قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها) قال الله تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ} [البقرة:259] إلى آخر الآية. ((أَوْ كَالَّذِي)) يعني: أو رأيت كالذي، النموذج الأول هو قصة إبراهيم عليه السلام، فيها تعهد الله سبحانه وتعالى لأوليائه بأن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويؤيدهم بالحجة والبرهان، وهذا مثال آخر أيضاً فيه إخراج الله سبحانه وتعالى لأوليائه من ظلمات الحيرة والاشتباه إلى نور الحجة والبرهان. ((أَوْ كَالَّذِي)) الكاف زائدة، والمعنى: كيف هداه الله تعالى وأخرجه من ظلمات الاشتباه إلى نور العيان والشهود: ((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ))، والقرية سميت قريةً لاجتماع الناس فيها، ومنه قولهم: قريت الماء، أي: جمعته، فالقرية سميت قرية لاجتماع الناس فيها. ((مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ)) يقول السيوطي هنا: هي بيت المقدس، وكان راكباً على حمار، ومعه سلة تين وقدح وعصير، وهو عزير عليه السلام، وقيل غيره، قال ابن كثير في تاريخه: المشهور أنه عزير نبي من أنبياء بني إسرائيل. ((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا))، (وهي خاوية) أي: ساقطة (على عروشها) والعروش هي السقوف، وذلك لما خرب بختنصر بيت المقدس، وتلاحظون أن السيوطي رحمه الله أحياناً يعتمد على بعض الإسرائيليات، لكننا إذا وقفنا على ما أوقفنا الله عليه فلن يؤثر هذا بشيء، سواء صح أنها بيت المقدس أو غيرها؛ فهذا مما لم يتعرض الله سبحانه لبيانه صراحة. ((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ)) هذا الوصف يبين مفهومه ما ذكره السيوطي بقوله: راكباً على حمار ومعه سلة تين وقدح وعصير، يعني: معه طعام وشراب، وكان راكباً على حمار، وهذا وفقاً لما يأتي من الآيات؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال له: {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ}، وقال له: {فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ}، (وهي خاوية) أي: ساقطة حيطانها، ومعنى ذلك أنها سقطت سقوفها، وبعدما سقطت السقوف سقطت الحيطان فوق السقوف، هذا معنى: (وهي خاوية) أي: ساقطة حيطانها على عروشها أي: سقوفها، لما خربها بختنصر. ((قَالَ أَنَّى يُحْيِي)) يعني: كيف يحيي ((هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)) استعظاماً لقدرة الله تبارك وتعالى. ((يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)) بأن يعمرها ويعيد أهلها إليها ويحييها بعد موتها. ((فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ)) يعني: أبقاه ميتاً مائة عام ثم بعثه، وكان إبقاؤه ميتاً مائة عام يكفي لأن يزول بدنه تماماً ويتلاشى، (ثم بعثه) جمع أجزاؤه بعد تفرقها، وبعث روحه إلى بدنه، قال بعض المفسرين: أنه أحيا سبحانه وتعالى جزءاً من بدنه ثم أراه باقي الأجزاء وهي تجتمع بعضها إلى بعض، وينفخ الله سبحانه وتعالى فيها الروح وهي الحياة. قال: (ثم بعثه) أي: أحياه ليريه كيفية ذلك، (قال كم لبثت) يعني: قال الله تبارك وتعالى له: ((كَمْ لَبِثْتَ))، قال بعض العلماء: إن الذي قال له ذلك هو جبريل أو سمع هاتفاً من السماء، لكن سياق الآيات يظهر أن القائل هو الله سبحانه وتعالى، والدليل قوله عز وجل بعد ذلك: {وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا}، وهذه نون العظمة إشارة إلى أن الذي قال له هو الله سبحانه وتعالى: ((قَالَ كَمْ لَبِثْتَ)) أي: كم مكثت ميتاً؟ ((قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ))، وقد قال أصحاب الكهف أيضاً: {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [الكهف:19]، فالمقصود هنا: أنهم قالوا ذلك على سبيل التفكير أو التخمين أو استقصاراً للمدة، يقول السيوطي: لأنه نام أول النهار فقبض، وبعث عند الغروب، يعني أول يوم من موته كان في بداية النهار في الصباح، ثم أحيي بعد مائة سنة عند الغروب، وأول ما سئل: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً، لما ظن أن الشمس قد غربت، فلما رأى أن الشمس قد بقي عليها وقت يسير للغروب، وما زال القرص ظاهراً، استدرك فقال: ((أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)). لأنه نام أول النهار فقبض وأحيي عند الغروب فظن أنه نفس اليوم، وهل هذا يعتبر كذباً؟ ليس كذباً، ولكنه إخبار بما عنده، كما لو سألتك مثلاً: هل أخوك في البيت؟ فأنت على حسب علمك أنه ليس في البيت قلت: ليس في البيت، وهو في الحقيقة في البيت، فليس هذا كذباً، وإذا أطلق عليه كذب فهو من حيث اللغة وليس من حيث الشرع الذي يستوجب الإثم، كقوله في الحديث: (كذب أبو السنابل) يعني: أخطأ، وكل إخبار بما يخالف الواقع فهو كذب، لكن من الكذب ما يأثم به صاحبه، ومنه لا يأثم به صاحبه، فإذا سمينا هذا القول منه: ((لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)) كذباً؛ لأنه يخالف الحقيقة، فنقول: هذا كذب لا يأثم عليه؛ لأنه لا يقصد الإخبار بخلاف الحقيقة، وهو غير متعمد، وإنما يقوله تقديراً وتخميناً وإخباراً بما عنده. ما الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى سأله هذا السؤال؟ الحكمة ليظهر له عجزه عن الإحاطة بشئونه، يعني: أنت أيها العبد لا تحيط علماً بما يخصك أنت، وبقيت ميتاً مائة عام وأنت لا تدري، وأنت غافل، حتى إنك لتظن أنك بقيت يوماً أو بعض يوم، حتى الأمور التي تخصك أنت لا تعرفها، ولا يعرفها إلا الله سبحانه وتعالى الذي أحاط بكل شيء علماً. وأيضاً: من الحكمة من السؤال بيان أن إحياءه لم يكن بعد مدة يسيرة؛ لأنه لو أحياه الله سبحانه وتعالى بعد مدة يسيرة ربما يحصل توهم أن البعث هين في الجملة، إذ إن جسمه ما زال باقياً، أما والأمر أنه أماته مائة عام حتى زال جسمه بالكلية وتحول إلى تراب، وتفرقت أجزاؤه، ثم يحييه الله تبارك وتعالى؛ فإحياؤه بعد مدة طويلة تنحسم به تماماً مادة استبعاد وقوع البعث والنشور، ثم يطلع في تضاعيفه على أمر آخر من بدائع آثار قدرته تعالى عندما يقول: كم لبثت؟ فيقول: لبثت يوماً أو بعض يوم، فيقول الله له: ((بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ)). ((فَانظُرْ)) بعدما بين له أنه لبث مائة عام نبهه إلى آية أخرى يراها الآن في هذه الحال بعد مائة عام، وهي من آثار وبدائع قدرته تبارك وتعالى، وهي إبقاء الغذاء فقال: {فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة:259]، فالطعام الذي من طبعه أن يتسارع إليه الفساد والتعفن بقي على ما كان عليه دهراً طويلاً من غير تغير! ((فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ))، وهو التين، أو غير التين في قول آخر، ولا إشكال في ذلك، ((وَشَرَابِكَ)) أي: العصير، ((لَمْ يَتَسَنَّهْ)) يعني: لم يتغير مع طول الزمان، مع تداعيه إلى الفساد، والهاء في (يتسنه): قيل: أصل في الكلمة، من سانهت، وقيل: مشتقة من: ساميتُ، وفي قراءة بحذفها: (لم يتسن)، ويحتمل أن يكون الضمير هنا في قوله تبارك وتعالى: {فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ}، إما أنه عبر عن المثنى بهاء المفرد، وهذا جائز في اللغة، ويحتمل أن يكون الضمير لأقرب مذكور، ويكون عائداً إلى الشراب؛ لأنه أقرب، ثم تكون هناك ثمّ جملة أخرى حذفت بدلالة هذه عليها، فيكون التقدير: وانظر إلى طعامك لم يتسنه، وإلى شرابك لم يتسنه. {وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} [البقرة:259]، انظر إلى حمارك كيف هو؟ فرآه ميتاً، ورأى عظامه بيضاً تلوح نخرة، وكأن الله عز وجل يقول له: فعلنا ذلك لتعلم أن الله على كل شيء قدير. {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً} [البقرة:259] على البعث والنشور، ونحن بلا شك إذا أردنا أن نسرد من القرآن أدلة البعث والنشور فمن الأدلة الواضحة هذه القصة التي حكاها الله سبحانه وتعالى. وروي في بعض الآثار الإسرائيلية: أنه بعدما عاد إلى قريته وجدها قد عمّرت، وأحياها الله بعد موتها، ثم لقي جارية كانت لهم، قد طعنت جداً في السن، فسألها عن عزير، فقالت: عزير قد افتقدناه من كذا وكذا سنة، فقال لها: أنا عزير، قالت: لو كنت عزيراً فإن عزيراً كان نبياً، وكان يمسح على المريض فيبرأ بإذن الله، وكانت قد عميت، فمسح على عينها فأبصرت، ثم رجعت إلى قومها تقول لهم: إن هذا هو عزير! فوجد حفيده يكبره بخمسين سنة! ولا شك أن أهل القرية لما رأوه يعود بعد مائة سنة بنفس الأمارات التي تدل على أنه هو؛ لا شك أن هذا آية للناس الذين عاصروا هذه الواقعة، وآية لمن يأتي بعدهم من الأجيال، ويسمع هذه العبرة كما قصها الله سبحانه وتعالى في كتابه. ((وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ)) أي: عظام حمارك، (كيف ننشزها) كيف نحييها، -بضم النون والزاي-، وفي القراءة الأخرى: (كيف نُنشرُها) بالراء، وقرئ شذوذاً بفتح النون، من أنشر ونشر لغتان، وعلى قراءة: (كيف نُنْشِزُها) أو (ننشُزها) أي: نحركها ونرفعها، من النشر وهو الارتفاع. {كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} [البقرة:259]، فنظر إليها وقد تركبت العظام، وكسيت لحماً، ونفخ فيها الروح، فأول نوع من أنواع البعث أن الله سبحانه وتعالى نفخ الروح في الحمار، فقام الحمار ونهق علامة على عودة الحياة إليه بالصوت أيضاً! {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} [البقرة:259]، لهم بالمشاهدة والمعاينة {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:259] يعني: أعلم علم مشاهدة (أن الله على كل شيء قدير)، وفي قراءة: (فلما تبين له قال اعلم) على أنها أمر من الله سبحانه وتعالى له: (أن الله على كل شيء قدير).
تفسير قوله تعالى: (وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى)
تفسير قوله تعالى: (وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى) قال الله تعالى مبيناً كيف أنه يتولى عباده فيخرجهم من الظلمات إلى النور، ويؤيدهم بالحجة والبراهين: (وإذ) يعني: واذكر إذ؛ {قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} [البقرة:260]، ليصير علمي عين يقين بالرؤية بعدما كان عندي علم يقين؛ لأن العلم درجات: علم يقين، وعين يقين، وحق يقين. لو أخبرتك بأن في هذه الحجرة عسلاً وكنت تقطع بصدقي فهذا علم يقين، فإذا فتحت لك الغرفة ودخلت ورأيت بعينك العسل فهذا عين يقين، أما إذا ذقته ووجدت طعمه ومذاقه فهذا حق اليقين؛ فالعلم نفسه على مراتب، فإبراهيم عليه السلام أراد أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين بالمشاهدة عياناً، وهذا أكمل، وبلا شك أن الإنسان دائماً يكون مستشرفاً إلى مطالعة ما يخبر عنه، فالذي لم ير الكعبة يكون دائماً متطلعاً إلى أن يراها، فنحن لا نرى الملائكة، ولذا تجد عندنا استشراف وتطلع إلى أن نرى الملائكة، نريد أن نرى كل ما هو غائب عنا، وهذا من فطرة الإنسان، حب الاستطلاع، والاستزادة في مراتب العلم ودرجاته. {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ}، قال تعالى له: أو لم تؤمن بقدرتي على الإحياء؟! سأله مع علمه بإيمانه بذلك ليجيبه بما سأله فيعلم السامعون غرضه، وهذا تنبيه مهم جداً سنفصله عما قريب إن شاء الله تعالى: ((قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى)) يعني: آمنت، {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260]، لكن سألتك ليسكن قلبي بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال، يعني: أعرف أنك تحيي الموتى عن طريق الوحي، وعن طريق الاستدلال بالأدلة على البعث والنشور، فأريد أن أضيف إلى ذلك أيضاً دليل المعاينة والرؤيا. إذاً: المقصود: بلى آمنت، ولكن سألت لأزداد بصيرة وسكون قلب برؤية الإحياء، فقلبي ساكن مطمئن لحقيقة البعث والنشور لما أوتيته من العلم بالوحي، ومما يؤيد هذا التفسير، وينفي الشك عن إبراهيم عليه السلام أن الله سبحانه وتعالى قال في مناقشة إبراهيم عليه السلام للنمرود: ((إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ))، فإبراهيم عليه السلام يعرف أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يحيي ويميت، فهذه الآية بلا شك تدل على نفي الشك عن إبراهيم عليه السلام. لكن تضافر الأدلة وتواردها أسكن للقلوب، وأزيد للبصيرة واليقين.
سبب سؤال إبراهيم رؤية إحياء الله للموتى
سبب سؤال إبراهيم رؤية إحياء الله للموتى جمهور العلماء على أن إبراهيم عليه السلام لم يكن شاكاً قط في إحياء الموتى، ما شك إبراهيم عليه السلام، ولا ينبغي له أن يشك، وإذا كان الأنبياء معصومين من كبائر الذنوب ومن صغائر الذنوب، فكيف يجوز على الأنبياء الشك؟ وكيف يظن أن نبياً من الأنبياء يشك في الله سبحانه وتعالى؟! فجمهور العلماء أنه لم يشك قط في إحياء الله سبحانه وتعالى للموتى، وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس البشرية من استشراف وحب رؤية ما أخبرت عنه؛ لهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ليس الخبر كالمعاينة، إن الله عز وجل أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت) رواه أحمد والحاكم وغيرهما، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه أيضاً الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى. فهنا تأكيد لهذه القاعدة أنه: ليس الخبر كالمعاينة، يقول الله تبارك وتعالى عن حال أهل الكهف: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف:18]، لكن لماذا لم يول صلى الله عليه وسلم فراراً، ولم يمتلئ رعباً من هذا؟ لأن الخبر ليس كالمعاينة، فالله سبحانه وتعالى وصف له حالهم وهم رقود في الكهف، ثم قال: لو زدت إلى ذلك السماع والإخبار المعاينة بالبصر؛ لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً، فهذا يؤكد أنه ليس الخبر كالمعاينة.
تنزيه إبراهيم عن الشك
تنزيه إبراهيم عن الشك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم فيه نفي الشك تماماً عن إبراهيم عليه السلام؛ لأن الشك هو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، بحيث لا تملك أن ترجح أحدهما على الآخر، فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) معناه: أنه لو كان شاكاً لكنا نحن أولى وأحق بالشك، ونحن لا نشك، فإبراهيم أحرى ألا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم عليه السلام، هذا هو المعنى المقصود، ومن شروط الإيمان: اليقين المنافي للشك والريبة، فأي تردد في قضايا الإيمان يحبط الإيمان كله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات:15]، لكن إذا آمنوا ثم ارتابوا فهذا يحبط الإيمان؛ فلذلك الشك يتنزه عنه المؤمن، فمقصود الحديث: لو كان إبراهيم قد شك، فنحن أولى منه بالشك، فبما أننا لا نشك فإبراهيم عليه السلام أولى وأحرى ألا يشك، ولا يجوز الشك على الأنبياء، هذا وهو خليل الرحمن سبحانه وتعالى، وهو إبراهيم عليه السلام؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر:42]، وقال أيضاً لما حكى عن إبليس: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر:40]، وإذا لم تكن لإبليس عليهم سلطنة، فكيف يشككهم؟ وإنما أراد إبراهيم عليه السلام أن يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين، و Q كان عن كيفية الإحياء، والسؤال بكيف هو للسؤال عن الحال. ونظير هذا Q أن يقول القائل: كيف يحكم زيدٌ في الناس؟ فهل يفهم من هذا السؤال أنه يشك في أنه يحكم؟ لا يشك بأنه يحكم؛ لأن هذا مقر أن زيداً إذا كان حاكماً أو قاضياً فهو يحكم؛ لكن السؤال هنا هو عن كيفية الحكم، فهل هو حال الحكم يعدل أم يجور؟ كيف حكمه في الناس وكيف سيرته؟ فالمقصود ليس الشك في أنه يحكم، ولكن المقصود هو السؤال عن حاله من العدل والإنصاف وغير ذلك، فهو لا يشك أنه يحكم فيهم، ولكنه سأل عن كيفية حكمه لا ثبوته. قد يتلاعب الوهم ببعض الخواطر، فيطرق إلى إبراهيم شكاً من هذه الآية، فأتى هذا الحديث وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)؛ ليقطع به صلى الله عليه وسلم دابر هذا الواهم، يعني: ونحن لم نشك، فلئلا يشك إبراهيم عليه السلام أحرى وأولى. وسؤال إبراهيم عليه السلام إنما كان عن كيفية الإحياء: ((رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى))، ولا يشترط في الإيمان الإحاطة بصورتها، فإنما هو طلب علم ما لا يتوقف الإيمان على علمه، يعني: أنت مطالب بأن تؤمن بالبعث والنشور والإحياء، لكنك غير مطالب بأن تؤمن بكيفية البعث والنشور، وكيفية هذا الإحياء، وهذا من السؤال عما ليس بشرط أو ما لا يتوقف الإيمان على علمه.
سبب قول الله لإبراهيم: (أولم تؤمن)
سبب قول الله لإبراهيم: (أولم تؤمن) Q إذا كان سؤال إبراهيم هو عن كيفية الإحياء، والعلم بكيفية الإحياء ليس من واجبات الإيمان، وليس من شروط صحة الإيمان، فهو سؤال ما لا يتوقف الإيمان على علمه، فلماذا قال الله تبارك وتعالى: ((أَوَلَمْ تُؤْمِنْ))؟ A لما كانت هذه الصيغة (كيف) تستعمل ظاهراً في السؤال عن الكيفية، لكنها قد تستعمل في الاستعجاز أيضاً، مثاله: لو أن رجلاً أتى يدعي أنه يستطيع أن يحمل الجبل فوق رأسه، فتقول له أنت: أرني كيف تحمل الجبل؟ فكيف هنا المقصود بها الاستعجاز، أو يدعي مدع أنه يحمل ثقلاً من الأثقال وأنت جازم بعجزه عن حمله، فتقول له: أرني كيف تحمل هذا؟ فالصيغة في الأصل ظاهرة في السؤال عن الكيفية، لكن لما كانت قد تستعمل في السؤال للاستعجاز، ولما كانت هذه الصيغة قد يعرض لها هذا الاستعمال، وقد أحاط علم الله تبارك وتعالى بأن إبراهيم عليه السلام مبرأ عن أن يسأل استعجازاً والعياذ بالله؛ فلذلك أراد الله سبحانه بقوله: ((أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)) أن ينطق إبراهيم بقوله: (بلى) وأنه مؤمن، وأن هذا ليس شكاً منه عليه السلام، وليس استعجازاً، فهو سأله حتى يأتي بهذا الجواب، فيبعد وينفي الشك عن إبراهيم عليه السلام كلما تليت هذه الآية إلى أن يرفع القرآن. قال: (أولم تؤمن)؟ قال: (بلى) يعني: آمنت، أنا مؤمن بلا شك بالبعث وبالنشور والإحياء، وبهذا يدفع عنه ذلك الاحتمال اللفظي في العبارة الأولى، وليكون إيمانه مخلصاً نص عليه بعبارة يفهمها كل من يسمعها فهماً لا يلحقه فيه شك.
سبب قول إبراهيم: (ليطمئن قلبي)
سبب قول إبراهيم: (ليطمئن قلبي) سؤال آخر: ما موقع قوله تبارك وتعالى: ((قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)) فهل كان القلب غير مطمئن؟ A أنه قال ذلك ويريد به: ليزول عن قلبي الفكر في كيفية الإحياء؛ لأني إذا شاهدتها سكن قلبي عن الجولان في كيفياتها المتخيلة، وتعينت عندي بالتصوير المشاهد (ليطمئن قلبي) حينما أرى، فلا أظل أتخيل كيف يحصل هذا الإحياء؟ ويشير السيوطي رحمه الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله رحمه الله تعالى: (وإذ) يعني: واذكر: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} يعني: قال تعالى له: أولم تؤمن بقدرتي على الإحياء؟ سأله مع علمه بإيمانه بذلك، ليجيبه عما سأله فيعلم السامعون غرضه، (قال بلى)، آمنت، (ولكن) سألتك (ليطمئن) أي: يدخل بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال، وكي لا أسرح وأحوم في التخيلات عن كيفية ذلك الإحياء؛ لأنني إذا رأيتها استقر قلبي إلى كيفيتها حينما أراها معاينة.
إجابة الله لدعاء إبراهيم
إجابة الله لدعاء إبراهيم قوله تعالى: {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ}، أي: إذا أردت الطمأنينة (فخذ) والفاء دخلت على (خذ)؛ لأنها واقعة في جواب الشرط المقدر، أي: إذا أردت الاطمئنان ((فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ))، إما أن تقول: صُرهن، أو صِرهن يعني: أملهن إليك، يعني: هات أربعة أنواع من الطيور وضمهن إليك، ولماذا سأل الله سبحانه وتعالى أن يضمهن إليه؟ لأنه إذا ضم هذه الأنواع من الطيور سواء كانت الغراب والنسر مثلاً أو غيرها من الأنواع التي ذكرها بعض العلماء، والمهم هي: أربعة أنواع مختلفة يضمها إليه حتى تكون قريبة جداً من عينه وحسه، ويضمها إليه فيراها فيتأملها، ويعرف أشكالها وهيئاتها؛ لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء، ليعرف أنها هي التي أحياها الله سبحانه وتعالى بعد موتها، ولا يتوهم أنها غير تلك، ويعرف هذه الطيور بعلاماتها وبأسمائها، وبأشكالها وبأحجامها، وأمره أن يضمهن إليه حتى يتيقن صفاتها، وهذا مثل قوله تبارك وتعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه:17]، لماذا؟ حتى يكون على يقين أنها نفس العصا التي قال فيها: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:18]، ويؤكد له أنها نفس العصا، بحيث إذا رأيتها انقلبت حية آمنت بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي قلبها حية، وأعادها مرة أخرى بقدرته تبارك وتعالى؛ فكذلك هنا قال: ((فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)) يعني: أملهن إليك، وقطعهن بعدما تتحقق منهن وتضمهن إليك، فصِّل الرءوس وخلِّط اللحم بالعظام بالعصب بالريش، يعني: صارت كتلة مسحوقة من اللحم والدم والعصب والعظام، فقد قطعها إرباً، وخلط بعضها ببعض ومزجها في كتلة واحدة. {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} [البقرة:260]، ثم اجعل على كل جبل من جبال أرضك: {مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا}، ثم ادعهن إليك، بعد أن تضع كل جزء على جبل من الجبال نادي هذه الطيور بأسمائها، فتحيا بإذن الله ((يَأْتِينَكَ سَعْيًا)) أي: يأتينك مسرعات. وقوله تبارك وتعالى هنا: ((ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا))، في الأصل أن الطيور تطير، فما هي الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى عبر عنها هنا بالسعي؟ لأنها لو كانت تطير في الهواء، فقد لا يستطيع التحقق من صفاتها التي تثبت منها من قبل لما ضمهن إليه وتأمل في صفاتهن؛ ولذلك قال: ((ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا))، ولم يقل: طيراناً؛ لأنها إذا كانت ساعية كان ذلك أثبت لنظره عليها من أن تكون طائرة، ويستطيع أن يتحقق من صفاتها وهي تمشي على الأرض أكثر من أن يتحقق منها وهي تطير في السماء. {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} لا يعجزه شيء، {حَكِيمٌ} في صنعه، فأخذ طاووساً ونسراً وغراباً وديكاً، وفعل بهن ما ذكر، وأمسك رءوسهن عنده ودعاهن: فتطايرت الأجزاء إلى بعضها حتى تكاملت، حتى جاء في بعض كتب التفسير: أنه كان يمسك -مثلاً- رأس النسر وينادي الطاووس، فيأتي جسم الطاووس عند الرأس، فإذا قرب له رأس النسر اقترب إليه! والله سبحانه وتعالى أعلم.
أدلة البعث والنشور
أدلة البعث والنشور قبل أن أتجاوز هذه الآية أشير إشارة سريعة إلى أن أدلة البعث والنشور قد تكاثرت جداً في القرآن الكريم، وسبق أن ذكرناها ودرسناها بالتفصيل في كتاب (الإيمان باليوم الآخر) للدكتور عمر الأشقر حفظه الله في الجزء الثاني في صفات اليوم الآخر وهو القيامة الكبرى، فنعيد تذكرتكم بالعناوين فقط دون الأمثلة. أولاً: من أدلة البعث والنشور إخبار العليم الخبير بوقوعه يوم القيامة، وهذا له صور شتى. ثانياً: الاستدلال على النشأة الأخرى بالنشأة الأولى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء:104]. ثالثاً: الاستدلال بأن القادر على خلق الأعظم قادر على خلق ما دونه. رابعاً: الاستدلال بقدرته تعالى على تحويل الخلق من حال إلى حال: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:28]. خامساً: إحياء بعض الأموات في هذه الحياة الدنيا، مثل: قوم موسى عليه السلام، وهذه القصص أكثر ما تكون في سورة البقرة: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:55 - 56]، فهذا بعث ونشور بعد الموت. وكذلك قوله تبارك وتعالى في قصة البقرة: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} [البقرة:73]، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة:243]. وقوله تعالى: ((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)). وقوله تعالى هنا حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ((رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى)). سادساً: ضربه المثل بإحياء الأرض بالنبات بعد موتها، فالذي قدر على أن يحيي الأرض بعد موتها قادر على بعث الناس ونشورهم. سابعاً: ما ذكرناه من أن حكمة الله تقتضي بعث العباد للجزاء والحساب، ولا يمكن أبداً أن تكون من حكمة الله عز وجل أن تنتهي الدنيا بهذه الصورة، نجد المظلوم قد ظلم الناس وأخذ حقوقهم، وآذاهم وعذبهم واضطهدهم ثم يموت الظالم والمظلوم، فالحكمة تقتضي أن هذه ليست النهاية، بل لا بد من يوم آخر ينتصف فيه المظلوم من ظالمه، ويعاد الحق إلى صاحبه.
تفسير قوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله)
تفسير قوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) قال الله تبارك وتعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:261]. (مثل الذين) أي: صفة نفقات الذين (ينفقون أموالهم في سبيل الله) أي: طاعته، (كمثل حبة أنبتت) يعني: حبة ألقيت في الأرض ثم أنبتت ساقاً، وكانت الساق على سبع شعب، وخرج من كل شعبة سنبلة فيها مائة حبة، فصارت الحبة الواحدة سبعمائة بمضاعفة الله تبارك وتعالى لها. لا شك أن هذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة؛ لأن فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل لأصحابها كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة، ومصداقه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه؛ حتى تكون مثل الجبل) متفق عليه. الفلو: هو المهر الصغير، وقيل: هو الفطيم من أولاد ذوات الحوافر، ولا شك أن قوله سبحانه وتعالى: ((كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ)) أقوى وأبلغ وأعظم وأعجز، وهل هناك إعجاز أكثر من أن تقول: كمثل حبة صارت سبعمائة؟ لا، لماذا؟ لأن هذا التفصيل يبين أن الله ينميها ويضاعفها لصاحبها شيئاً فشيئاً ويربيها؛ فكذلك أيضاً الذي ينفق ماله في سبيل الله تبارك وتعالى ينميها الله له، فتضاعف بسبعمائة ضعف، وفي الحديث عن خريم بن فاتك الأسدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف). ((وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ)) يعني: يضاعف أكثر من ذلك لمن يشاء، وقد وردت هذه المضاعفة في السنة في عدة نصوص منها قوله صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف)، وقال الله عز وجل: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، متفق عليه، ومنها حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: (جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة) رواه الإمام أحمد ومسلم. فبلا شك أن الإنسان الذي عنده يقين بوعد الله سبحانه وتعالى وفي خبر الله لا يفرط في هذا الباب من أبواب الخير، ولا يفرط فيه إلا إنسان مغبون محروم. وإذا كنا نصدق بمثل هذه الآيات فلا ينبغي أن يكون سلوكنا على ما نحن عليه من الشح عن النفقة في سبيل الله، وانظر كيف يتهافت الناس على الأرباح إذا وجدت شركة تجارية تعطي ربحاً عشرين بالمائة والذي سيزيد فالناس إليه أزيد، ويهرع الناس إليه من كل مكان، وإذا كان سيضاعفها إلى 200% مثلاً، فكيف سيكون حال الناس؟ هم على يقين من الدنيا، ويرغبون في المضاعفة، فإذا صدّقنا الوعد منه سبحانه وتعالى بهذه المضاعفة، وأن الصدقة الواحدة بسبعمائة صدقة؛ فلا يفرط في هذا شخص يوقن به إلا مغبون أو ضعيف اليقين بما وعد الله سبحانه وتعالى؛ فلذلك مثل هذه الآيات تغسل قلوبنا من الشح الذي يصيبها بتأثير الدنيا، القرآن ينظف قلبك باستمرار إذا ربطت نفسك به، فختم القرآن وتلاوة القرآن وسماع القرآن يطهر عقلك ومفاهيمك من هذا الدرن الذي يصيبها من جراء هذه البيئة الملوثة، القرآن ينقي ويطهر قلوبنا ويعلينا إلى القيم والموازين الصحيحة. ((وَاللَّهُ وَاسِعٌ)) فضله، ((عَلِيمٌ)) بمن يستحق المضاعفة.
تفسير قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى)
تفسير قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى) قال الله تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى} [البقرة:262]. قوله عز وجل: ((الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ))، لا يعقبون ما أنفقوا مناً ولا أذى، هنا عبر الله سبحانه وتعالى: بـ (ثم) {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى}، هل (ثم) هنا على بابها على التراخي وتباعد الأزمنة؟ A لا، ليست لتباعد الأزمنة، لكن استعيرت (ثم) هنا من تباعد الأزمنة لتباعد المرتبة، أو لإظهار التفاوت بين الإنفاق وبين ترك المن والأذى، فالسياق هنا يأبى حملها على الطرفين، والمقصود هنا: تباعد الأزمنة لتباعد المرتبة، ولإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى، وفي قول آخر: أن ثم لا تخرج عن الإشعار ببعد الزمن، يعني: عنصر التفاوت الزمني موجود، لماذا التفاوت الزمني؟ المقصود: الدلالة على دوام الفعل المعطوف بها وإرخاء زمان بقائه، وهو هنا ليس لتراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه، لكن لدوام وجود الفعل وتراخي زمان بقائه، يعني: أنهم ينفقون أموالهم (ثم لا يتبعون) بل يستمرون على نفقة المال محصنين هذه الصدقة من المن ومن الأذى، متمادين في ذلك إلى النهاية، حتى يلقوا الله سبحانه وتعالى دون أن يفسدوا صدقاتهم بالمن والأذى، فمعناها: ليس لتراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه، ولكن معناها: دوام وجود الفعل، وتراخي زمن بقائه، وعليه حمل قوله تعالى: (ثم استقاموا)، إذ معناها داوموا على الاستقامة دواماً متراخياً ممتداً، وتلك الاستقامة هي المعتبرة، لا ما هو منقطع إلى ضده من الميل إلى الهوى والشهوات، فالمقصود بذلك الثبات حتى الممات: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت:30] يعني: ثبتوا على ذلك إلى الموت، وإلى الخاتمة الحسنة. والسين في قوله: (ثم استقاموا) للتنفيس، ففيها تنفيس ومد، كقوله: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات:99]، في حين أنه قال في سورة الشعراء: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء:78]، فقطع أن الله سبحانه وتعالى يهدي؛ لكن المقصود هنا دوام الاهتداء، واستصحابه إلى النهاية؛ كذلك قوله: ((ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى)) يعني: يداومون على تناسي الإحسان وترك الاعتداد به والامتنان، ليسوا بتاركيه في أزمنة إلى الأذية وتقليد المنن بسببه ثم يتوبون، لا، بل هم مستمرون على ستر صدقاتهم، أو المحافظة عليها وصيانتها من المن والأذى، لا ينقضون ذلك بمن ثم يتوبون منه، بل هم لا يرتكبون أصلاً المن والأذى. ((ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا)) أي: لا يعقبون، ((مَا أَنفَقُوا مَنًّا)) مناً على المنفق عليه، وهو ذكره لمن أنفق عليه ليريه أنه أوجب بذلك عليه حقاً، والواجب أن يكون المنفق مخلصاً {لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا} [الإنسان:9]؛ لكن إذا منّ عليك، فمعنى ذلك أنه يريد حقاً في مقابلة صدقته؛ ((ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى))، الأذى يكون بذكر ذلك لغيره، والمن أن تمن على الشخص الذي أنفقت عليه نفسه، والأذى أن تخبر غيره بأنك مننت عليه، وذلك مما يؤذيه، وهو يكره أن يعرف الناس أنك أديت إليه ذلك المعروف. {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} يعني: ثواب إنفاقهم الموعود به من قبل وهو المضاعفة. {عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}، (لا خوف عليهم) فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة، ((وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) على فائت من زهرة الدنيا؛ لصيرورتهم إلى ما هو خير من ذلك، وهذا كله في الآخرة.
تفسير قوله تعالى: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى)
تفسير قوله تعالى: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى) قال الله تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة:263]. (قول معروف)، كلمة طيبة ودعاء للسائل، وكلام حسن، ورد على السائل جميل. (ومغفرة) عن ظلمه القولي أو الفعلي، إذ ممكن أن السائل يسيء أحياناً في سؤاله ويلح، أو يضايقك بطريقة فيها نوع من الأذية، وهنا حث على أن تغفر له هذا الإلحاح؛ فإنك تثاب على ذلك، وقد أرشد الله تبارك وتعالى إلى هذا الأدب في قوله: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} [الضحى:10]. والمغفرة أن تسامحه وتعفو عنه في إلحاحه إذا فعل، أو إذا ظلمك بظلم قولي أو فعلي، (ومغفرة) ربما إذا لم تعطه يسيء إليك بكلام أو بفعل، فأنت أيضاً هنا إذا فتح الله عليك واستحضرت هذه الآية واعتبرت بها، فتحتسب الأجر بالصبر عليه، وأن تغفر له وتسامحه في هذه الإساءة. ((خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى)) لماذا؟ لأن الصدقة التي يتبعها (منّ وأذى) ماذا يترتب عليها؟ لا يحصل بها ثواب الصدقة؛ ثم يحصل إثم الأذى، شخص تصدق يريد وجه الله سبحانه وتعالى، ويريد الثواب الذي يضاعفه الله من الواحد إلى السبعمائة ضعف، فهو يتصدق لأجل الله، ثم بعد ذلك منّ أو آذى الذي أحسن إليه، فعادت صدقته عليه وبالاً وشؤماً عليه؛ لأنه أولاً: أحبط ثواب صدقته، وأوقع نفسه فيما لا طائل من ورائه، وثانياً: حصل إثم الأذى؛ لأنه سيعاقب على هذا الأذى؛ فلذلك يقول تعالى: ((قَوْلٌ مَعْرُوفٌ)) كلمة طيبة (ومغفرة خير) من مثل هذه الصدقة، لماذا خير؟ لأنه سيحبط ثواب الصدقة أولاً، ثم يحصل إثم الأذى. ((وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى)) بالمنّ والتعيير له بالسؤال، إذا كان الشخص ممن يحل له السؤال، ((وَاللَّهُ غَنِيٌّ)) عن صدقة العباد، ((حَلِيمٌ)) بتأخير العقوبة عن المانّ والمؤذي.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} [البقرة:264] يعني: لا تبطلوا أجور صدقاتكم، ولا تحبطوا هذا الثواب بالمنّ والأذى. ((كَالَّذِي)) يعني: إبطالاً كإبطال نفقة الذي (ينفق ماله رئاء الناس. وفي هذه الآيات الكريمة تقبيح لشأن المن، والعرب كانت تقول لمن يعطي صدقة ثم يمن بها: هذه يدٌ سوداء، وتطلق العرب على ما يعطى من غير مسألة: هذه يد بيضاء، أما الذي يعطى عن مسألة فيقولون: يد خضراء، يقول الشاعر: وصاحب سلفت منه إلي يد راثت عليه مكافاتي فعاداني لما تيقن أن الدهر حاربني أبدى الندامة فيما كان أولاني وقال آخر: أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ليس الكريم إذا أسدى بمنان وقال ثالث: أحسن من كل حسن في كل وقت وزمن صنيعة مربوبة خالية من المنن
البقرة [283 - 286]
تفسير سورة البقرة [283 - 286]
تفسير قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة)
تفسير قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة) قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [البقرة:283]. قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر) يعني: إن كنتم مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى، ولابد من ربط هذا الشرط بما قبله، يعني: إن كنتم على سفر وتداينتم؛ لأن صدر هذه الآية مرتبط بالآية التي قبلها، وهي أطول آية في القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [البقرة:282] فلابد من ربط هذه الآية بما قبلها يعني: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى وكنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة، يعني: الذي يستوثق به في هذه الحالة: رهان مقبوضة يقبضها صاحب الحق وثيقة لدينه. وهذا الرهان إنما يكون إذا لم يأمن بعضكم بعضاً بلا وثيقة، والدليل على هذا أنه سبحانه قال بعد ذلك مباشرة: ((فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)) يعني: لحسن ظنه به واستغنى بالثقة فيه وبأمانته عن الوثيقة ((فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ)) يعني: من باب: أدِ الأمانة إلى من ائتمنك (فليؤد الذي اؤتمن) وهو الشخص المدين، وإنما عبر عنه بذلك ولم يقل: فليؤد المدين الدين وإنما قال: (فليؤد الذي اؤتمن أمانته) لأن الرجل إذا وثق فيك وكان بوسعه ألا يعطيك هذا المال إلا باستيثاق برهن أو غيره، فإنه يجب ألا تخيب ظنه وقد أحسن الظن فيك. وكثيراً ما يحصل نزاع بين الناس بسبب هذا الأمر، ويشتكي كثير من الناس من أن بعض الناس لا يؤدي الحقوق إذا حان أجلها، بل منهم من يجحد ويماطل! فنذكر في هذا المقام عبارة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حينما قال: ما خان أمين قط، ولكن اؤتمن غير أمين فخان. فإذا كان الشخص فعلاً متصفاً بصفة الأمانة فالأمين لا يمكن أبداً أن يخون إلا أن يشاء الله، لكن الذي يحصل أنك تضع ثقتك في غير موضعها، ولكن اؤتمن غير أمين فخان، فهذا هو الواقع الذي يحصل، فالله سبحانه وتعالى كما ترون قد أنزل أطول آية في القرآن -وهي آية الدين السابقة- لأجل حفظ مال المسلم في جنيهات معدودة، فبين كيف تحفظ له؛ ولذلك يعتبرون هذه الآية من آيات الرجاء، وهناك بحث لطيف يذكره بعض العلماء وهو مبحث بعنوان: ما هي أرجى آية في القرآن؟ وفي المقابل أيضاً ما هي أخوف آية في القرآن؟ فبعض العلماء ذهب إلى أن أرجى آية في القرآن لأهل المعاصي والكبائر من الموحدين هي هذه الآية آية الدين، ووجه ذلك أن هذه الآية تبين كيف أن الله سبحانه وتعالى يرعى ويحفظ ويشرع من التشريعات ما يضمن حق المسلم ويراعي شئونه حتى في أشياء دقيقة، فأنزل أطول آية في القرآن لحفظ مال يسير من الدريهمات أو الجنيهات، وإذا كان كذلك فلا شك أن عناية الله سبحانه وتعالى بعبده المؤمن في عرصات القيامة وفي أهوالها يرجى أن تكون أعظم، وأن تكون رحمته أوسع، فهذا هو وجهها. بعض الناس يستحيي في هذا المقام من كتابة الدين، وهذا غير صحيح؛ لأن الاستيثاق بالكتابة أو بالإشهاد ليس معناه أنك تخونه أو أنك لم تثق به، لكن هذا يكون لاعتبارات كثيرة، منها: أنك يمكن أن تموت أنت أو يموت هو وبالتالي ينتقل لورثته الحق، وورثته إذا قالوا: أين ما يثبت أنه كان لك دين على الميت؟ فلا شك أن التوثيق يثبت الدين ويحسم الخلاف ويضبط حقوق الناس. والأمر الآخر: أن بعض الناس قد ينسى، فبعض الناس يكون حريصاً في قلبه على أن يوثق الدين، لكنه يستحي وهذا الاستحياء لا يسمى استحياء لكنه عجز، وهو لا يدخل في الحياء المحمود وإنما هو عجز. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم - وذكر من هؤلاء الثلاثة- رجل أدان ديناً فلم يشهد عليه) أي: أقرض رجل رجلاً مالاً ولم يشهد عليه ولا كتبه، فلما جاء موعد حلول أجل الدين وطالبه به جحده وقال: ما لك عندي شيء، فهنا إذا دعا صاحب المال على هذا المدين المقترض لا يستجيب الله سبحانه وتعالى دعاءه عليه؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد شرع من الأحكام ما يضمن له حقه، وهو الذي بمحض إرادته تخلى عنها وتنازل عنها، أو هو الذي وضع ثقته في محل لا يستحقها، أي: ائتمن شخصاً وهو غير أمين. فالشاهد من ذلك: أنه إذا دعا عليه لا يستجاب له، وكيف يدعو عليه وقد أنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية الطويلة التي هي أطول آية في القرآن، ثم هو بمحض إرادته لم يعمل بها، فليلم نفسه ولا يلم غيره؛ فهو الذي قصر. يقول تبارك وتعالى هنا: ((فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)) يعني: لحسن ظنه به واستغنى بالثقة والأمانة عن أن يأخذ منه رهناً. (فليؤد الذي اؤتمن أمانته) المقصود به: المدين، وإنما عبر عنه بذلك لأنه العنوان لتعينه طريقاً للإعلام؛ لأنه لا يوجد طريق للإعلام الحق سوى الائتمان والثقة ولحمله على الأداء (أمانته) أي: دينه، وإنما سمي أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به. (وليتق الله ربه) يعني: في رعاية حقوق هذه الأمانة، وفي الجمع بين عنوان الألوهية وصفة الربوبية من التحذير والتأكيد ما لا يخفى. (ولا تكتموا) يعني: أيها الشهود! لا تكتموا الشهادة. (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) قال الزمخشري: فإن قلت: هلا اقتصر على قوله: (فإنه آثم)، وما فائدة ذكر القلب، والجملة هي الآثمة لا القلب وحده. يعني: الرجل هو الآثم وليس قلبه فقط. قال الزمخشري: قلت: كتمان الشهادة هو أن يضمرها في قلبه، فلما كان إثماً مقترفاً بالقلب أسند إلى القلب؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني، ومما عرفه قلبي؛ ولأن القلب هو رئيس الأعضاء، وهو المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: قد تمكن الاسم في أصل نفسه، وملك الاسم أشرف مكان فيه وهو قلبه، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط، ولكنه أيضاً متعلق بالقلب (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه). فاللسان عبارة عن ترجمان عما في القلب؛ ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح. (وإن كنتم على سفر) يعني: إن كنتم مسافرين وتداينتم بدين إلى أجل مسمى (ولم تجدوا كاتباً فرهان) وفي القراءة الأخرى (فرهُنُ) وكلاهما جمع رهن (مقبوضة) مقبوضة أي: تستوثقون بها، وهذا القيد الذي جاء في هذا الحكم معلق بقيدين (إن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً) فالقيد الأول: أن يكونوا في السفر، والقيد الثاني: عند افتقاد الكتَّاب، لكن بينت السنة جواز الرهن في الحضر، وجواز الرهن مع وجود الكاتب، حتى لو وجدنا كاتباً وأمن بعضنا بعضاً ولم نكتب فلا حرج في ذلك. والدليل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً من يهودي إلى أجل ورهنه درعاً من حديد) فهذا كان في الإقامة ولم يكن في السفر، وهم كانوا في المدينة، وسيجدون كاتباً، لكنه مع ذلك لم يكتب. فالتقييد بما ذكر من السفر ووجود الكتاب؛ لأن التوثيق فيه أشد؛ فالتوثيق في حالة السفر يحتاج الإنسان إليه أكثر من حالة الحضر. وأفاد قوله تعالى: (فرهان مقبوضة) اشتراط القبض في الرهن يعني: أنه لابد من قبض الشيء المرهون، وأن يحوزه الشخص المرتهن. وأفاد قوله: (مقبوضة) اشتراط القبض في الرهن والاكتفاء به من المرتهن. (فإن أمن بعضكم بعضاً) أي: أمن الدائن المدين على حقه فلم يرتهن (فليؤد الذي اؤتمن) أي: المدين (أمانته) دينه (وليتق الله ربه) في أدائه (ولا تكتموا الشهادة) إذا دعيتم لإقامتها (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) خص بالذكر لأنه محل الشهادة، ولأنه إذا أثم تبعه غيره فيعاقب عليه معاقبة الآثمين.
تفسير قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون)
تفسير قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون) قال الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:285]. قوله: (لا نفرق بين أحد من رسله) يعني: يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى، ومعنى التفريق هنا هو في الإيمان، وليس معناه عدم المفاضلة بين الأنبياء؛ لأن الله سبحانه وتعالى فضل الأنبياء بعضهم على بعض؛ لأن بعض الناس يتوهم أن الاعتقاد في أفضلية نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء هو من التفريق بين الرسل!! ليس هذا هو المقصود، وإنما (لا نفرق بين أحد من رسله) يعني: في الإيمان، بل نؤمن بجميع الرسل. وقوله: (وقالوا سمعنا) يعني: سمعنا ما أمرنا به سماع قبول. (وأطعنا غفرانك ربنا) يعني: نسألك غفرانك ربنا. (وإليك المصير) أي: المرجع للبعث. ولما نزلت الآية التي قبلها شكا المؤمنون من الوسوسة، وشق عليهم المحاسبة بها، والآية التي قبلها هي قوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة:284] إلى آخر الآية فلما نزلت شكا المؤمنون من الوسوسة؛ لأن الوسوسة مما يشق عليهم أن يحاسبوا بها، والخواطر التي ترد على القلب ليس في طاقتهم أن يدفعوها، فأنزل الله: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286].
تفسير قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)
تفسير قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) قال الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:286]. قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] وهذا كلام مستأنف من الله سبحانه وتعالى أي: اطمئنوا فإن الله لن يكلفكم إلا ما في طاقتكم، ولن يحاسبكم على هذه الوساوس والخواطر ما لم تتكلموا أو تعملوا بها. ويحتمل أن تكون هذه العبارة من باقي ذكر المؤمنين ودعائهم. وقوله: (وسعها) يعني: ما تسعه قدرتها. (لها ما كسبت) يعني: من الخير، والمقصود ثوابه. (وعليها ما اكتسبت) أي: من الشر، فلا يؤخذ أحد بذنب أحد ولا بما لم يكسبه مما وسوست به نفسه. (ربنا لا تؤاخذنا) يعني: وقالوا: (ربنا لا تؤاخذنا) أي: بالعقاب، (إن نسينا أو أخطأنا) يعني: تركنا الصواب لا عن عمد، كما أخذت به من قبلنا، وقد رفع الله سبحانه وتعالى ذلك عن هذه الأمة كما ورد في الحديث الصحيح: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فسؤالهم اعتراف منهم بنعمة الله سبحانه وتعالى، وقد رفع عنهم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. ولأن من خصال هذه الأمة رفع الآصار ورفع المشقة وإعذار الأمة بهذه الأعذار، كالإكراه والجهل والنسيان وغير ذلك، فمن خصائص هذه الأمة العذر بالإكراه، فهذه من الآصار التي كانت على من قبلنا، فمثلاً إذا تأملنا حكاية الله سبحانه وتعالى عن أصحاب الكهف، أنهم قالوا: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} [الكهف:20] ثم ذكروا احتمالين فقط {يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف:20] يعني ما كان لهم عذر في أن يعودوا في ملتهم، بل كان يجب عليهم أن يثبتوا على الدين، فإما أن يرجموا وهم ثابتون عليه، وإما أن يعودوا كفاراً، فلم يكن لهم سعة في الاعتذار بالإكراه؛ وإنما هذا من خصائص هذه الأمة. (ربنا ولا تحمل علينا إصراً) يعني: أمراً يثقل علينا حمله. (كما حملته على الذين من قبلنا) يعني: بني إسرائيل، وإذا تتبعنا شرائع التوراة وجدنا من ذلك شيئاً عظيماً جداً، ففي التوراة كثير من الآصار والأغلال التي بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم برفعها، فالشرائع السابقة كانت تأتي خاصة لكل أمة تعالج العوج الذي في أخلاقها وفي قلوبها، وكانت بنو إسرائيل من أكبر الأمم عوجاً وعتواً وعناداً، فكما أنهم لما عاشوا تحت القهر بسبب فرعون وملائه أذلوهم واستعبدوهم وآذوهم واضطهدوهم؛ فمشوا على الخنوع والمذلة، فمن أجل ذلك عوقبوا بالتيه في الأرض حتى ينشأ جيل جديد يتحرر من آثار هذا الذل الذي عاشوا عليه من قبل، كذلك العوج الذي في أخلاق وطباع اليهود -لعنهم الله- أدى إلى أن الله سبحانه وتعالى كان يشرع لهم كثيراً من الآصار والأغلال عقوبة لهم، وكان يتم التشديد عليهم بسبب تنطعهم وعنادهم وعتوهم، وخبث طباعهم ولؤمهم، كما قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء:160] بكذا وبكذا، هذه كلها باء السببية أي: بسبب كل هذا الإجرام من اليهود -عليهم لعائن الله- حرم الله عليهم الطيبات، وانظر في قصة البقرة، أمروا أن يذبحوا أي بقرة عندما قال لهم موسى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة:67] لكن لما شددوا شدد الله سبحانه وتعالى عليهم، فإذا تتبعنا هذه الأحكام سنجد كيف أن الله سبحانه وتعالى أرسل نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين أجمعين، ورحمة لليهود، لكنهم أبوا وبقوا في هذه الآصار والأغلال كما سنبين إن شاء الله. فكان من هذه الآصار أن التوبة تكون بقتل النفس، فإذا أرادوا أن يتوبوا يقتل بعضهم بعضاً، كما قال الله: {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة:54] وكذلك في الزكاة كان الواحد منهم يخرج ربع المال في الزكاة، وكذلك كان الواحد منهم إذا تنجس ثوبه فإنه يقطع ويقرض موضع النجاسة من الثوب، وغير ذلك من الأحكام الشديدة. ولهذا فإن هذا اعتراف بنعمة الله سبحانه وتعالى {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة:286] أي: الذين عاقبتهم بهذه التشريعات، وقد فعل الله سبحانه وتعالى ذلك فخفف عن هذه الأمة، وهذا الباب واسع جداً، ولضيق الوقت لا نستطيع أن نفصل فيه القول، فهذه الشريعة تميزت برفع الحرج ورفع الآثار ورفع الأغلال، وبالسماحة وباليسر حتى قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة). (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) المقصود بقوله: (لا طاقة) يعني: لا قوة لنا به من التكاليف والبلاء. (واعف عنا) أي: امح ذنوبنا. (واغفر لنا وارحمنا) الرحمة فيها الزيادة على المغفرة. (أنت مولانا) أي: سيدنا ومتولي أمورنا. (فانصرنا على القوم الكافرين) يعني: بإقامة الحجة والغلبة في قتالهم، فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء، وفي الحديث (لما نزلت هذه الآية فقرأها صلى الله عليه وسلم قيل له عقب كل كلمة: قد فعلت) أي: رحمة من الله سبحانه وتعالى، وأي شرف أن ننتسب إلى هذه الأمة المرحومة! فتأمل إذا قرأت هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يجيبك ويقول لك بعد كل دعاء: قد فعلت، قد فعلت، قد فعلت! وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بنا أيتها الأمة.
تنبيهات تتعلق بالآيات الآخيرة من سورة البقرة
تنبيهات تتعلق بالآيات الآخيرة من سورة البقرة هناك بعض التنبيهات تتعلق بهذه الآيات الأخيرة: قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:285] قال الزجاج: لما ذكر الله عز وجل في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والصيام والحج والطلاق والحيض والإيلاء والجهاد وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والربا والدين ختمها بقوله: {آمَنَ الرَّسُولُ} [البقرة:285] آمن الرسول بتعظيمه وتصديق نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بجميع ذلك المذكور قبله وغيره، فكأن هذا تأكيد لكل ما مضى من الأحكام في هذه السورة العظيمة، أي أن موقف المؤمنين من جميع ما تقدم من هذه الأحكام وهي مئات الأحكام في سورة البقرة كان هو الإيمان والتسليم: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} [البقرة:285] فصدقه عليه الصلاة والسلام بما أنزل إليه وتخلق به حتى صار خلقه القرآن صلى الله عليه وآله وسلم. {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286] قال الزمخشري: لما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي مجبولة عليه وأمارة به، كما قال عليه الصلاة والسلام: (حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره) فالشهوات النفس مجبولة عليها ووراءها النار، والجنة تحتاج إلى مجاهدة، فأسهل شيء على الإنسان أن يدخل النار؛ لأن النفس تعينه على فعل المعاصي والكبائر بل والكفر الذي يئول به إلى النار؛ ولذلك تحتاج النجاة من النار إلى مجاهدة، بخلاف الذي يريد أن يدخل النار فهذا سهل عليه؛ لأن الشهوات تجذبه كما يجذب الضوء الفراش الأحمق، ونفسه وهواه وشيطانه تسول له وتجذبه إلى هذه الشهوات، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وهي أمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد فجعلت بذلك مكتسبة فيه، فلهذا قال: (وعليها ما اكتسبت) ولم يقل: (ما كسبت)، ففي الخير قال: (ما كسبت) وفي الشر قال: (اكتسبت)، ومعروف أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فقال هنا في الشر: (اكتسبت)؛ لأنها تنجذب إلى هذا الشر وتحصله بالاجتهاد. ولما لم تكن في باب الخير كذلك لفتورها في تحصيله وصفت بما لا دلالة له على الاعتماد والتصرف فقال: (لها ما كسبت).
أمثلة من آصار اليهود
أمثلة من آصار اليهود قوله تبارك وتعالى: {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة:286] هو ما كلفه بنو إسرائيل مما يهد الأركان، وقد ذكر القاسمي رحمه الله تعالى هنا حوالى خمس صفحات وهي تؤكد ما وصف به هذا التفسير (محاسن التأويل) من أنه أحياناً ينساق وراء الإسرائيليات، لكن له عذر في بعض المواضع، فإنه أراد أن يأتي بأمثلة حية من التوراة التي بين يدي القوم على هذه الآثار والأغلال التي عاقبهم الله سبحانه وتعالى بها. فمثلاً: من ضرب أباه وأمه يقتل قتلاً! ومن سرق إنساناً وباعه أو وجد في يده يقتل قتلاً! ومن شتم أباه وأمه يقتل قتلاً. وإذا مات إنسان في خيمة -مثلاً- فكل من دخل الخيمة وكل من كان في الخيمة يكون نجساً سبعة أيام! وكل إناء مفتوح ليس عليه سداد بعصابة فإنه نجس! وكل ماء مكشوف لم يسد ويربط على فمه فهو نجس!! وهناك أشياء كثيرة جداً بهذا المعنى، مثل إيجاب القتل في القصاص يعني لا تقبل دية من القاتل المذنب بل إنه يقتل! وإذا كان لرجل ابن معاند ومارد ولا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمه ويؤدبانه فلا يسمع لهما فإن أباه وأمه يمسكانه ويأتيان به إلى شيوخ مدينتهم ويقولون لهم: ابننا هذا معاند ومارد ولا يسمع لقولنا وهو مسرف وسكير؛ فيرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت!
معنى قوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا)
معنى قوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا) قوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) أي: من بليات الدنيا والآخرة، فالدعاء الأول (ربنا ولا تحمل علينا إصراً) هذا طلب رفع شدائد التكليف، أما قوله: (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) فهذا فيه رفع شدائد البليات. (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) فإن من حق المولى أن ينصر عبده وأن يتولى أمره على أعدائه، وفيه إشارة إلى أن إعلاء كلمة الله والجهاد في سبيل الله تعالى حسبما مر في تضاعيف السورة الكريمة هي غاية مطلبهم. ثم تختم هذه السورة الطويلة بقوله تعالى: {أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} وذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله، وهو لتمكين كل الدين، فأقصى غاية عند المؤمنين والمسلمين الصادقين إعلاء كلمة الله والجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى. يقول الرفاعي فتضمن ذلك وجوب قتال الكافرين وأنهم أعدى الأعداء، وأن قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256] ليس ناهياً عن قتال المشركين وأعداء الدين، وإنما هو إشارة إلى أن الدين صار في الوضوح إلى حد لا يتصور فيه إكراه، بل ينبغي لكل عاقل أن يدخل فيه بغاية الرغبة دون الإحواج إلى القتال، فمن نصح نفسه دخل فيه بما دل عليه عقله، ومن أبى دخل فيه قهراً بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام وماطر السهام.
فضل الآيتين من آخر سورة البقرة
فضل الآيتين من آخر سورة البقرة روى البخاري والجماعة عن أبي مسعود رضي الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه) قيل: كفتاه من كل سوء، وقيل: كفتاه عن قيام الليل، يعني: أنه يؤجر كأنه قام هذه الليلة كلها، فهذه من الأذكار الليلية، وتقال في أي وقت من الليل، ويفضل أن الإنسان إذا خشي أنه لا يأتي بهما أن يأتي بهما في أول الليل حتى لا يفوته هذا الثواب العظيم. وروى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خواتيم سورة البقرة من بيت كنز من تحت العرش لم يعطهن أحد قبلي). وأخرج مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهي به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها قال: ((إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى)) [النجم:16] قال: فراش من ذهب، قال: فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً إلا المقحمات) يعني: الكبائر. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما -وهذا في مسلم - قال: (بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لما يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لم تقرأ حرفاً منهما إلا أعطيته) فلا يسمع بمثل هذا الثواب ويزهد فيه إلا إنسان خاسر!! وأخرج الترمذي والنسائي والدارمي والحاكم وصححه عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان). فهذه الرحلة الطويلة التي يقطعها الإنسان إذا قرأ سورة البقرة؛ كأن الله سبحانه وتعالى جعل نهاية هذه السورة العظيمة المباركة هدية للمؤمنين ومكافئة للمؤمنين إذا ختموا هذه السورة الكريمة؛ فلذلك كان الحسن البصري رحمه الله تعالى -كما أخرج عبد بن حميد في مسنده- إذا قرأ آخر البقرة يقطعها ويقول: يا لك نعمة! يا لك نعمة! إذاً: أنعم الله سبحانه وتعالى علينا بهذه السورة العظيمة، وبالذات خواتيمها، ولها من الفضل ما ذكرناه.
فضل سورة البقرة
فضل سورة البقرة رويت في فضل سورة البقرة أحاديث كثيرة منها ما أخرجه مسلم والترمذي من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران). وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة) أي السحرة. وقال صلى الله عليه وسلم: (تعلموا البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان يجيئان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تجادلان عن صاحبهما) أي: تأتي هاتان السورتان تجادلان عن الإنسان الذي يكون قد استحق العذاب فتأتي هذه السورة تحامي عنه، فنعم المحامي ونعم المدافع!! تجادلان عن صاحبيهما وتشفعان له. وأخرج أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت التي قرأ فيه سورة البقرة)، ولفظ الترمذي: (وإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان). وينبغي أن نكف عن هذه الظاهرة الشائعة الآن، وهي أن بعض الناس يظن أنه يرضي ضميره بأن يشغل التسجيل والشرائط لسورة البقرة في البيت!! فهل التسجيل الذي يثاب أم أنت الذي تثاب؟! أما وجدت سبيلاً إلى القراءة بلسانك وبقلبك؟! فينبغي أن تقرأ أنت، أما هذا التسجيل فهو حديد، وأنت الذي تطالب بقراءة سورة البقرة، وهذا من الاستهتار الذي يدخل في العبادات، فهو لا يقرأ ويظن أنها تقرأ سورة البقرة في البيت عن طريق التسجيل، صحيح أنه من الممكن أن يكون ذلك عند العجز كرجل أو امرأة عجوز لا يستطيع أن يقرأ أو أمي أو إنسان له أي عذر من الأعذار، لكن لا ينبغي أن تكون القاعدة أن ينوب عنا التسجيل، بحيث إن الإنسان يظن أنه يثاب إذا قرأ سورة البقرة بحديد أنطقه الله سبحانه وتعالى من معدن أو جماد!! فأنت المتعبد بالتلاوة، فينبغي ألا يزحف التكاسل في حياتنا إلى حد أن نقيم هذه الجمادات التي لا تعقل مقام عقولنا وقلوبنا وأسماعنا وأبصارنا. وأخرج سعيد بن منصور والترمذي والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل شيء سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي).
خاتمة تفسير القاسمي لسورة البقرة
خاتمة تفسير القاسمي لسورة البقرة القاسمي رحمه الله تعالى ختم تفسير سورة البقرة باقتباس جميل جداً هو في الحقيقة في غاية الروعة، وما أشد مناسبته لختام سورة البقرة؛ لأنه جمع فيه الفضائل العظيمة جداً في القرآن، يقول رحمه الله تعالى: تأمل خطاب القرآن تجد ملكاً له الملك كله وله الحمد، كله يثيب ويعاقب ويكرم ويهين ويخلق ويرزق ويحيي ويميت ويقدر ويقضي، ويدبر الأمور النازلة من عنده دقيقها وجليلها والصاعدة إليه، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه. فتأمل كيف تجده يثني على نفسه، ويمجد نفسه، ويحمد نفسه، وينصح عباده، ويدلهم على ما فيه سعادتهم وصلاحهم ويرغبهم فيه، ويحذرهم مما فيه هلاكهم، ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه، يذكرهم بنعمه عليهم، ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها، ويحذرهم من نقمه، ويذكرهم ما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه، ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه، وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء، ويثني على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوقاتهم، ويذم أعداءه بسيئ أعمالهم وقبيح صفاتهم. ويضرب الأمثال، وينوع الأدلة والبراهين، ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة، ويصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويقول الحق، ويهدي السبيل، ويدعو إلى دار السلام، ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها، ويحذر من دار البوار، ويذكر عذابها وقبحها وآلامها. ويذكِّر عباده بفقرهم إليه، وشدة حاجتهم إليه من كل وجه، وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين، ويذكر لهم غناءه عن جميع الموجودات، وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته، ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته. وتشهد من خطابه عتابه لأحبابه بألطف عتاب، وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم، وغافر زلاتهم، ومقيم أعذارهم، ومذهب فسادهم، والدافع عنهم، والحامي لهم، والناصر لهم، والكفيل لمصالحهم، والمنجي لهم من كل كرب، والموفي لهم بوعده، وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه، فهو مولاهم الحق وناصرهم على عدوهم، فنعم المولى ونعم النصير. وإذا علمت القلوب من القرآن أن الله جواد رحيم جليل، هذا شأنه؛ فكيف لا تحبه، وتتنافس في القرب منه، وتنفق أنفاسها في التودد إليه، ويكون أحب إليها من كل ما سواه، ورضاه آثر عندها من رضا كل من سواه؟! وكيف لا تلهج بذكره وتصير حبه والشوق إليه والأنس به هو رضاؤها وقوتها ودواؤها، بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها؟! اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء حزننا، وأعنا على إكمال ما قصدناه بفضلك يا أرحم الراحمين!
آل عمران [1 - 20]
تفسير سورة آل عمران [1 - 20]
تفسير سورة آل عمران
تفسير سورة آل عمران سورة آل عمران مدنية، وآياتها مائتان، سميت بذلك لأن اصطفاء آل عمران -وهم عيسى ويحيى ومريم وأمها- نزل فيه منها ما لم ينزل في غيرها، وذلك بضع وثمانون آية، وقد جعل هذا الاصطفاء دليلاً على اصطفاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وجعله متبوعاً لكل محب لله ومحبوب له سبحانه. وتسمى الزهراء؛ لأنها كشفت عما التبس على أهل الكتابين من شأن عيسى عليه السلام. وتسمى الأمان؛ لأن من تمسك بما فيها أمن من الغلط في شأن المسيح عليه السلام. وتسمى الكنز؛ لتضمنها الأسرار العيسوية. وتسمى المجادلة؛ لنزول نيف وثمانين آية منها في مجادلة رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى نجران. وتسمى سورة الاستغفار؛ لما فيها من قوله {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران:17]. وتسمى طيبة؛ لجمعها أصناف الطيبين في قوله: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران:17]. والمراد بعمران هو والد مريم عليه السلام، كما يأتي التنويه به في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران:33].
تفسير قوله تعالى: (الم.
تفسير قوله تعالى: (الم. الله لا إله إلا هو الحي القيوم والله عزيز ذو انتقام) {الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [آل عمران:1 - 4]. قال تعالى: ((ألم)) الله أعلم بمراده بذلك، حيث إن هذا من المتشابه. ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)) سبق تفسيره في سورة البقرة في آية الكرسي. (نزل عليك) يعني: يا محمد. (الكتاب) أي: القرآن. (بالحق) أي: متلبساً بالحق أي: بالصدق في أخباره. (مصدقاً لما بين يديه) يعني: مصدقاً بما قبله من الكتب. (وأنزل التوراة والإنجيل) والتوراة بالعبرانية معناها: الشريعة، والإنجيل معناه: البشارة، وأصل الإنجيل بشارة؛ لأن أحد مقاصد بعثة عيسى عليه السلام الأساسية هي ما عبر عنه في قوله: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6]، ولذلك تأتي في نصوص الإنجيل -حتى بعد تحريفها- كثير من النصوص التي تدل على أن هذا كان هدفاً ومقصداً أساسياً لبعثة عيسى عليه السلام. وهناك رجل من كبار أحبار الكلدانيين وهو داود الأشوري وكان من الأحبار، وقد أسلم وأنار الله قلبه بالإسلام فكتب كتباً قيمة، هي في الحقيقة من أرقى الكتب في هذا الموضوع، وأفرد بعض الفصول لهذه المسألة، وقد ناقش أن كلمة الإنجيل تعني البشارة، وقال: إن العبارة المشهورة عند النصارى عبارة محرفة وهي قولهم: المجد لله في الأعالي، وفي الناس المسرة، وعلى الأرض السلام، قال: إن حقيقة هذه الكلمة هي: المجد لله في الأعالي وفي الناس أحمد، وعلى الأرض إسلام. وأتى بالنقول التي تدل على هذا. فإذاً حتى كلمة الإنجيل تعني باللغة العبرية الأصلية: البشارة، والبشارة هي التبشير ببعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. (وأنزل التوراة والإنجيل من قبل) يعني: من قبل تنزيل القرآن. (هدىً للناس) هذا حال بمعنى: هاديين من الضلالة. وقوله: (للناس) يعني: لمن تبعهما، وعبر هنا في (التوراة والإنجيل بـ (أنزل)، لكن في القرآن قال: (نزل عليك الكتاب بالحق) لأن القرآن لم ينزل دفعة واحدة، فكلمة (نزل) تقتضي التكرار، لأن القرآن نزل مفرقاً بحسب المناسبات والنوازل. أما التوراة والإنجيل فقد أنزل كل منهما دفعة واحدة. وقوله: (وأنزل الفرقان) بمعنى: الكتب الفارقة بين الحق والباطل، وذكره بعد ذكر هذه الثلاثة من الكتب ليعم كل ما عداها، فيعم أيضاً صحف إبراهيم عليه السلام، وكل كتاب أنزله الله على نبي. ثم قال تعالى: (إن الذين كفروا بآيات الله) أي: بالقرآن وغيره، (لهم عذاب شديد). (والله عزيز) أي: غالب على أمره، فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيده. (ذو انتقام) يعني: ذو عقوبة شديدة لمن عصاه لا يقدر على مثلها أحد، وليس من أسماء الله الحسنى المنتقم، لكن قال سبحانه: (والله عزيز ذو انتقام).
تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء العزيز الحكيم)
تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء العزيز الحكيم) ((إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:5 - 6]. قال تعالى: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض) يعني: لا يخفى عليه شيء كائن في الأرض (ولا في السماء) لعلمه تبارك وتعالى بما يقع في العالم من كليٍّ وجزئي، وخصهما بالذكر لأن الحس لا يجاوزهما أعني الأرض والسماء. (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وغير ذلك. (لا إله إلا هو العزيز) أي: في ملكه (الحكيم) في صنعه.
تفسير قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات إن الله لا يخلف الميعاد)
تفسير قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات إن الله لا يخلف الميعاد) {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ * رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران:7 - 9] قال تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات) أي: واضحات الدلالة. (هن أم الكتاب) يعني: أصل الكتاب المعتمد عليه في الأحكام. (وأخر متشابهات) يعني: لا تفهم معانيها، فلها معانٍ لكن لا تفهم كأوائل السور. وفي موضع من القرآن وصف الله كل القرآن بأنه محكم، وذلك في قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود:1] ومعنى كونه محكماً: أنه ليس فيه عيب في ألفاظه ولا في معانيه. وفي موضع آخر وصفه بأنه متشابه، وذلك في قوله تبارك وتعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر:23] ومعنى كونه متشابهاً: أنه يشبه بعضه بعضاً في الحكم والصدق. قوله تعالى: ((فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ)) أي: ميل عن الحق. ((فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ)) أي: طلب الفتنة لجهالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس. ((وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)) أي: ابتغاء تفسيره أو حقيقته، فإما أن يكون تأويله بمعنى تفسيره فيفسر له تفسيراً باطلاً لا أصل له، وإما أن يكون تأويله بمعنى حقيقته وهو الأقرب؛ ومعنى حقيقته كما في قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف:53] يعني: حقيقته واقعاً كما هو، وهذه الأشياء التي لا يعلم تأويلها إلا الله مثل الروح {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85] كذلك مفاتح الغيب الخمس المعروفة، كذلك مثلاً معاني الحروف المقطعة في أوائل السور، كذلك نعيم الجنة: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة:17]. ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)) وهنا تقف وقفاً لازماً، أي: لا يعلم تأويله إلا الله وحده، ثم تستأنف وتقول: ((وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) أي: الثابتون المتمكنون في العلم، وهذا مبتدأ وخبره ((يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)) يعني: بالمتشابه أنه من عند الله ولا نعلم معناه. ((كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)) كل من المحكم والمتشابه هو من عند الله تبارك وتعالى. ((وَمَا يَذَّكَّرُ)) بإدغام التاء في الذال؛ لأن أصلها يتذكر، والمعنى: وما يتعظ (إلا أولوا الألباب) أي: أصحاب العقول. ويقولون أيضاً إذا رأوا من يتبع المتشابه: ((رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا)) يعني: لا تزغ قلوبنا عن الحق بابتغاء تأويله الذي لا يليق بنا، كما أزغت قلوب أولئك. ((بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)) أي: أرشدتنا إليه. ((وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ)) أي: من عندك. ((رَحْمَةً)) أي: تثبيتاً {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران:8]. (ربنا) أي: يا ربنا. (إنك جامع الناس ليوم) يعني: تجمعهم ليوم أو في يوم. (لا ريب فيه) أي: لا شك فيه، وهو يوم القيامة، فتجازيهم بأعمالهم كما وعدت بذلك. (إن الله لا يخلف الميعاد) يعني: موعده بالبعث، وهذا فيه التفات عن الخطاب. روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: (تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ)) [آل عمران:7] إلى آخرها وقال: فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم).
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا والله شديد العقاب)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً والله شديد العقاب) {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [آل عمران:10 - 11]. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ} [آل عمران:10] يعني: لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم. (من الله) أي من عذاب الله شيئاً. (وأولئك هم وقود النار) الوقود: بفتح الواو ما يوقد به. (كدأب) المقصود به: دأبهم كدأب، يعني: عادتهم كعادة (آل فرعون والذين من قبلهم) من الأمم كعاد وثمود. (كذبوا بآياتنا فأخذهم الله) أي: أهلكهم. (بذنوبهم والله شديد العقاب). ونزلت هذه الآية لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم منتصراً من بدر ودعا اليهود إلى الإسلام، فقالوا له: لا يغرنك منا أن قتلت نفراً من قريش أغماراً لا يعرفون فنون القتال، لكن إذا قاتلتنا سترى أننا نحن الناس، فنزلت هذه الآيات في الرد على اليهود لعنهم الله!
تفسير قوله تعالى: (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار)
تفسير قوله تعالى: (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ} [آل عمران:12 - 13]. (قل للذين كفروا) يعني: قل يا محمد (للذين كفروا) من اليهود. (ستغلبون) في قراءة أخرى (سيغلبون) يعني: في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية، وقد وقع ذلك. (وتحشرون) وفي قراءة (ويحشرون) أي: في الآخرة. (إلى جهنم) فتدخلونها. (وبئس المهاد): يعني الفراش. (قد كان لكم آية) أي: عبرة، وذكّر الفعل (كان) هنا مع أن فاعله مؤنث (آية)؛ وذلك لأنه فصل بينهما بالخبر (قد كان لكم آية). ومعنى (آية): علامة، أي: يا أيها اليهود قد ظهرت لكم آية على صحة دين الإسلام، إذ لو كان الإسلام غير حق لما غلبت الفئة القليلة الضعيفة المتمسكة بالحق الفئة الكثيرة القوية التي لم تتمسك به. (في فئتين) أي: فرقتين (التقتا) يوم بدر بالقتال. ويوم بدر وصفه الله سبحانه وتعالى في بعض الآيات بأنه بينة كما قال تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال:42] ووصفه الله سبحانه وتعالى بأنه فرقان كما في قوله تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ} [الأنفال:41] وهو يوم بدر فرق الله فيه بين الحق والباطل. ((قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا)) يعني: أن ما حصل في بدر كان علامة على صحة دين الإسلام. ((فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: في طاعته، وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، ومعهم فرسان وست أدرع وثمانية سيوف، وأكثرهم رجالة لم يكونوا راكبين. ((وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ)) أي: الكفار. (يرونهم مثليهم) يعني: يرون الكفار مثليهم، أي: مثلي المسلمين، وكانوا نحو ألف رأي العين، يعني: رؤية ظاهرة معاينة، وقد نصرهم الله مع قلتهم. (والله يؤيد بنصره من يشاء) أي: يقوي بنصره من يشاء نصره. (إن في ذلك) المذكور (لعبرة لأولي الأبصار) أي: لذوي البصائر، أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنون.
تفسير قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والله عنده حسن المآب)
تفسير قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والله عنده حسن المآب) {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران:14]. قال تعالى: ((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ)) وهي ما تستميل النفس وتدعو إليه، زينها الله ابتلاءً أو زينها الشيطان. (من النساء) قدم النساء لعراقتهن في الفتنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء) وقال أيضاً: (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء). ((وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ)) أي: الأموال الكثيرة (المقنطرة) أي: المجمعة. (من الذهب والفضة): وخصهما بالذكر من أنواع الأموال لأن من ملك الذهب والفضة وهما أصل المال يستطيع أن ينال كل ما يتحصل بهما. (والخيل المسومة) أي: الحسان. (والأنعام) أي: الإبل والبقر والغنم، وقد بين تبارك وتعالى أن الأنعام ثمانية أزواج فقال: {مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} [الأنعام:143] ثم قال: {وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} [الأنعام:144]، (من الضأن اثنين) أي: الذكر والأنثى ويسميان: الكبش والنعجة، (ومن المعز اثنين) التيس والعنز (ومن الإبل اثنين) يعني: الجمل والناقة. (ومن البقر اثنين) الثور والبقرة؛ ولذلك قال تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر:6]. (والحرث) وهو الزرع. (ذلك) أي: المذكور (متاع الحياة الدنيا) يعني: يتمتع به فيها ثم يفنى. (والله عنده حسن المآب) أي: المرجع وهو الجنة، فينبغي الرغبة فيه دون غيره.
تفسير قوله تعالى: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها والمستغفرين بالأسحار)
تفسير قوله تعالى: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها والمستغفرين بالأسحار) قال تبارك وتعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران:15 - 17]. هذه الآيات جاءت مباشرة بعد قوله تبارك وتعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} [آل عمران:14] فبعدما ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الأشياء التي هي أصول الفتنة في الدنيا وجذورها أشار إليها جميعاً بقوله تعالى: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران:14]. فهذا هو الذي زين للناس وهذا الذي يبتلى الناس بفتنته من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، وهذه هي التي تراد لذاتها من عباد الدنيا، أو ترغب في تحصيل ما لم يذكر من متاع الدنيا، وأشار تبارك وتعالى لكل هذا بقوله: (ذلك متاع الحياة الدنيا) أي: كالبلاغ الذي ينبغي أن يتبلغ الإنسان به لفترة وجيزة في سفر قصير. وهذا يتوافق مع ما يرد في القرآن الكريم ثم في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التحذير من فتنة الدنيا، الأمر الذي يحقق صدق تلك المقولة المشهورة: حب الدنيا رأس كل خطيئة! فإنك إذا فتشت وراء أي معصية تقع تجد حب الدنيا وراءها، فالحروب التي تقع إذا فتشت عن أسبابها تجد أنها ترجع إلى حب الدنيا، والاطمئنان لها والخلود إليها والركون إليها، فأما الشهوات فمعلوم كيف يهلك كثير من الناس بسببها، والحروب التي تقع على نطاق فردي أو على نطاق أممي وجماعي فإنما هي من أجل قطعة من الأرض فيها بترول أو معادن أو ثروات زراعية أو غير ذلك من الثروات، والتناحر والتحاسد الذي يكون بين الجار وجاره، وبين الأخ وأخيه، وبين الإنسان وشريكه كله بسبب حب الدنيا، فما يخطر ببالك شيء إلا يكون حب الدنيا هو سببه وهو من ورائه، حتى التنافس على الرئاسات وعلى الوجاهات وعلى الشهرة، وإن كان ليس تنافساً في الدنيا، فإنه تنافس في حظ من حظوظ الدنيا. فلذلك إذا أخرج الإنسان الدنيا من قلبه سلم من هذه الآفات جميعاً؛ لأنه لن يحوز شيئاً من الدنيا إلا وهناك من هو أكثر منه حظاً فيه؛ ولذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ومن لم يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إليَّ عذبها وعذابها فلم أر إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها وإن تجتذبها ناهشتك كلابها فالسلامة هي في ترك الدنيا والإعراض عنها إلا ما يتبلغ به ويوصله إلى الدار الآخرة، على حد قول بعض الصالحين في الشعر الذي هو ذكره النووي في مقدمة رياض الصالحين: إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا وقال علي رضي الله عنه للدنيا: (غري غيري، لي تشوفت أم إلي تزينتِ، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيهن) أو كما قال رضي الله تبارك وتعالى عنه. وهنا أشار الله تعالى لكل هذه الفتن الدنيوية بقوله: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران:14] ثم لما أخبر الله تبارك وتعالى بحال الدنيا وفتنتها أخبر أن ما عنده خير مما في الدنيا وإن كان محبوباً؛ لأنه إذا كان قد زين لنا فتنة الدنيا من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، فهذا أيضاً قد زين لنا، وما زين لنا لابد أن نحبه وأن نميل إليه بطبعنا وبما ركب فينا من الميل لهذه الدنيا، فأشار أولاً بقوله: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران:14]. وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية قال: يا رب! كيف وقد زينتها؟! فنزل قوله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران:15]. فأراد الله تبارك وتعالى بهذه الآيات أن يخبرنا أن ما عنده خير مما في الدنيا وإن كان محبوباً؛ لنترك ما نحبه من فتنة الدنيا لما نرجوه، حيث إنه أعظم وخير؛ لشهادة الله سبحانه وتعالى هنا في الآية: ((قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا)) إلى آخر الآية. واختلف العلماء في منتهى هذا الاستفهام: فمنهم من قال: إنه يقف عند قوله تعالى: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم) ثم يكون A ( للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) إلى آخرها. ومنهم من قال: إن الاستفهام ينتهي عند قوله تعالى: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم) فيكون A ( جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها). قوله تعالى: (قل أؤنبئكم بخير من ذلك) أي: بخير من الشهوات المزينة لكم من زهرة الدنيا وزينتها الزائلة لا محالة؛ ولذلك نلاحظ أن القرآن يذم من يؤثر الحياة الدنيا، {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى:16 - 17]، {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النازعات:37 - 38] فالذي يؤثر الحياة الدنيا هو الخاسر كما يعلم هذا من تتبع الكثير من الآيات في القرآن الكريم. (للذين اتقوا) يعني: للذين اتقوا الله سبحانه وتعالى ولم ينهمكوا في شهواتهم. (عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار) يعني: تنخرق بين جوانبها، ونحن قلنا من قبل إن النهر هو عبارة عن الشق الذي يكون في الأرض، فالأصل أن يقال: ماء النهر هو الماء الذي يجري في هذا الشق، لكن أطلق تجاوزاً استعمال النهر في المياه التي تجري، والنهر في الأصل هو الخندق المحفور، فمعنى هذا أنها تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء، وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. و (للذين اتقوا) خبر المبتدأ الذي هو (جنات) يعني: جنات للذين اتقوا، و (تجري) صفة لها، والعندية في قوله تبارك وتعالى: (للذين اتقوا عند ربهم) مفيدة لكمال علو رتبة الجنات وسمو طبقاتها، لأنها أضيفت إلى الله سبحانه وتعالى. (خالدين فيها) أي: ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولا، والذي يعمل أعمالاً صالحة في سنوات محددة لا تساوي الحياة الخالدة إلى أبد الآباد في جنات النعيم، إنما يدخل الجنة ويخلد فيها برحمة الله سبحانه وتعالى، لكن ما هو السر في أن الكافر يخلد في جهنم مع أنه عصى الله سنوات محددة، والمؤمن يخلد في الجنة مع أن عمل كل منهما محدد، والخلود الأبدي لهما بلا نهاية؟! قد أخذنا في كتاب (فضائل النية) أن من فضائل النية أن يحصل بها الخلود في الجنة أو الخلود في النار. فالخلود في النار كان بسبب نية البقاء على الكفر، والمؤمن من كانت نيته أن يبقى على طاعة الله سبحانه وتعالى حتى لو عاش بلا نهاية، فكانت نيته تلك سبباً للخلود في جنة الرضوان. (وأزواج مطهرة) أي: أزواج مطهرة من الأرجاس والأدناس البدنية والطبيعية، مما لا تخلو منه نساء الدنيا غالباً، وتلاحظون هنا كيف أنه سبحانه وتعالى بعد ما ذكر زينة الدنيا من حب الشهوات من النساء وغيرها ذكر بعدها نعيم الجنة وما فيه من الأزواج المطهرة من الآفات والأدناس، فهن مطهرات من الحيض والنفاس وغير ذلك من الأذى الذي يوجد في نساء الدنيا، فهذه إشارة إلى أفضلية نساء الآخرة على نساء الدنيا، ولذلك يستحب علماء السلف للشباب أن يكثروا من التشوق إلى الحور العين. كان بعض السلف يقول: يا معشر الشباب! تشوقوا إلى الحور العين؛ لأنه يحرض ويحض على الأعمال الصالحة التي تبذل في خطبة الحور العين، ومن أهم وأفضل المهور للحور العين كما يقول بعض الشعراء: أيها النائم دعني لست أصغي للمنام إنني أطلب ملكاً نيله صعب المرام الخلد والفردوس في دار السلام وعروساً فاقت الشمس مع بدر التمام أحسن الأتراب قداً في اعتدال وقوام مهرها من قام ليلاً وهو يبكي في الظلام فالذي يخطب به الحور العين هو الأعمال الصالحة كالجهاد في سبيل الله وقيام الليل وقراءة القرآن، لا كما يحصل من العناء والشقاء في سبيل الحصول على الحور الطين. النساء في الدنيا خلقن من طين. قوله: (ورضوان من الله) هنا التنوين والتكبير للفظ (رضوان) أي رضوان من الله سبحانه وتعالى قدره عظيم، وهو أعظم لذة للروح والجسد وأكبرها، كما قال تبارك وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة:72] أي: أنه أكبر من كل هذا النعيم، {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:72]، وهذا يتضمن رداً على الكفرة من المستشرقين والنصارى وغيرهم ممن يطعنون في دين الإسلام بزعم أنه دين شهواني، وذلك حين رغب في الحور العين في الجنة، قال هؤلاء: لقد أتاكم من جانب الملاذ الحسية، فهذا من جهلهم وظلمة قلوبهم؛ لأن الإنسان روح وجسد، فكما أنه يتنعم ب
تفسير قوله تعالى: (الذين يقولون ربنا إننا آمنا)
تفسير قوله تعالى: (الذين يقولون ربنا إننا آمنا) قال تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:16]. (الذين يقولون) قيل: إنها بدل من قوله: (للذين اتقوا)، فإذا قلنا إنها بدل تكون مجرورة في محل رفع بتقدير (هم الذين)، أو نصب على المدح. (ربنا) أي: يا ربنا، لكن حذفت أداة النداء. (إننا آمنا) أي: صدقنا (فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار). قال الحاكم: في الآية دلالة على أنه يجوز للداعي أن يذكر طاعاته وما تقرب به إلى الله ثم يدعو. بمعنى: أن هذا نوع من التوسل بالأعمال الصالحة، وهذا الأدب يؤخذ من مواضع كثيرة في القرآن الكريم منها قوله تعالى: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران:53]، فتوسلوا هنا بإيمانهم. ومنها: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران:193]، إلى آخره، هذا توسل بالأعمال الصالحة، وأشرفها وأعظمها الإيمان. ومن الأدلة أيضاً: سورة الفاتحة، فإنها بدأت بالثناء على الله سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:2 - 5]، ثم {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6]، فقبل الدعاء أتى أيضاً بالتوسل بالعمل الصالح. ومن السنة حديث الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار وتوسل كل منهم بصالح عمله، ثم فرج الله سبحانه وتعالى عنهم.
تفسير قوله تعالى: (الصابرين والصادقين والقانتين)
تفسير قوله تعالى: (الصابرين والصادقين والقانتين) قال الله تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران:17]. (الصابرين) أي: على البأساء والضراء وحين البأس، وكذلك الصبر عن المعاصي والشهوات، وقيل: الصبر على الطاعات. (والصادقين) أي في إيمانهم وأقوالهم ونياتهم. (والقانتين) أي: المطيعين لله الخاضعين له. (والمنفقين) أي: أموالهم في سبيل الله تعالى وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات.
اهتمام السلف بالطاعات وخاصة الاستغفار
اهتمام السلف بالطاعات وخاصة الاستغفار قوله تعالى: (والمستغفرين بالأسحار) أي: أن الله سبحانه وتعالى وصفهم بهذه الطاعات، ومع هذه الطاعات الصبر والصدق والقنوت والإنفاق في سبيل الله، وختمها بالاستغفار في الأسحار؛ وفي هذا إشارة إلى أنهم شديد والخوف من ربهم، مع أنهم يأتون بهذه الطاعات، كما قال عز وجل: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون:60]، ليس معنى الآية: (يؤتون ما آتوا) أي: يؤتون ما آتوا من الطاعات من صدقة وصلاة وصيام وغير ذلك ثم هم مع ذلك يخافون أن لا يتقبل الله سبحانه وتعالى منهم، فلذلك وصفهم مع الطاعات بشدة الخوف الذي يدفعهم إلى أن يستغفروا. (والأسحار) جمع سَحَر أو سَحْر، وهي الوقت الذي قبيل طلوع الفجر، وتسحر إذا أكل في ذلك الوقت، قال الحرالي: ويفهم من هذا أنهم يتهجدون في الليل كما قال تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات:17 - 18]. وقال الرازي: اعلم أن المراد منه من يصلي بالليل، ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء. أي: من يكون له ورد من قيام الليل ثم يكون له في النهاية ورد الاستغفار. يقول: لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلى قبل ذلك. وقد روى ابن أبي حاتم: (أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح). وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة). وروى ابن جرير عن حاطب قال: (سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا رب أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فنظرت فإذا هو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه).
علاقة حديث النزول بالعقيدة والرد على منكر نزول الرب سبحانه
علاقة حديث النزول بالعقيدة والرد على منكر نزول الرب سبحانه ثبت في الصحيحين وغيرهما من المسانيد والسنن من غير وجه، عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟). وفي رواية لـ مسلم: (ثم يبسط يديه تبارك وتعالى ويقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم)؟ وفي رواية: (حتى ينفجر الفجر)، يعني: أن ذلك الفضل يظل إلى أن ينفجر الفجر. سبق أن تكلمنا أن المبدأ الذي أرساه السلف في عقيدة الأسماء والصفات مقتبس من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11]، فهو سبحانه يثبت السمع والبصر، لكن ليس كمثله شيء كما بينا ذلك مراراً، فالمشكلة أن بعض الناس لم يلتزم بهذه القواعد الذهبية في فهم العقيدة السلفية في الأسماء والصفات فيقعون حتماً في إحدى الضلالتين أو كليهما معاً، فهو ينفر طبعاً من التشبيه إلى التعطيل، فينفي الصفة. أحياناً تصدر أسئلة غريبة عن مثل هذا الحديث، فإذا قلت: ينزل ربنا لا كنزول المخلوقين {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11]، تجد البعض يتصور نزولاً كنزول المخلوقين والعياذ بالله، فلذلك تجد الأسئلة الشيطانية الغريبة كقولهم مثلاً: الكرة الأرضية مستديرة، ومعروف أن الليل يكون في مكان والنهار في مكان آخر ومعنى ذلك: أن الليل يكون موجوداً مدة أربعة وعشرين ساعة، فمعنى ذلك: أن هذا النزول سيستمر طول الليل؟ وهذا السؤال صادر عن اعتقاد تشبيه الخالق بالمخلوق، أما إذا قلت: (ليس كمثله شيء) فلن تحتاج أبداً لذكر هذه الأسئلة. وبعضهم يسأل: هل هذا النزول يستلزم أن يخلو منه العرش أم لا؟ لماذا تسأل هذه الأسئلة؟ إن نزول الله عز وجل لا كنزول المخلوقين، أما أنت فنزولك يستلزم أن تنزل عن شيء، ويستلزم خلو هذا المكان منك، لكن الله سبحانه وتعالى في استوائه على عرشه ليس كمثله شيء، ونزوله في الثلث الأخير ليس كنزول المخلوقين، فلا نحتاج إذا طبقنا فهم السلف الصالح لمثل هذه الإيرادات. لكن الإمام القرطبي رحمه الله تعالى لما تكلم عن تفسير هذا الحديث في هذه الآية قال: وقد اختلف في تأويله، وأولى ما قيل فيه: ما جاء في كتاب النسائي مفسراً عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر منادياً فيقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟)، والفرق في الرواية واضح! فالحديث المشهور الذي ذكرناه: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟) والمتكلم هنا هو الله سبحانه وتعالى. فهنا الإمام القرطبي قال: إننا نحمل هذا الحديث على ذاك الحديث ونفسره به، يقول: لو صححه أبو محمد عبد الحق فإنه يرفع الإشكال ويوضح كل احتمال، وتكون الرواية الأولى: (ينزل ربنا) من باب حذف المضاف، وقد روي: (ينزل ملك ربنا). وهو الشاهد من هذا الكلام الذي استروح له الإمام القرطبي رحمه الله تعالى والإمام ابن عطية. واسم الإمام ابن عطية الأندلسي هو أبو محمد عبد الحق بن غالب كان من أعيان أئمة المالكية المضربين في العلم. وللإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى كتاب يسمى (شرح حديث النزول)، ناقش فيه هذه النقطة فقال رحمه الله تعالى رداً على هؤلاء الذين قالوا في تأويل الحديث: (ينزل ربنا) أنه بمعنى: أنه ينزل ملك من عند ربنا: فإن قلت: الذي ينزل ملك، قيل: هذا باطل من وجوه: الأول: أن الملائكة لا تزال تنزل بالليل والنهار إلى الأرض كما قال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [النحل:2]، وقال تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم:64]، وفي الصحيحين أيضاً في الحديث: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، إلى آخر الحديث، كذلك حديث (إن لله ملائكة سياحين يتتبعون مجالس الذكر)، إلى آخر الحديث. فإذاً نزول الملائكة أمر مستمر فما وجه تخصيص ثلث الليل الآخر؟ الوجه الثاني: أنه قال فيه: (من يسألني فأعطيه؟ من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟)، وهذه العبارة لا يجوز أن يقولها الملك! بل الذي يقول الملك ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)، وذكر في البغض مثل ذلك، فهذا فعلاً ينادي به ملك من عند الله، فالملك إذا نادى عن الله لا يتكلم بصيغة المخاطبة كما قال جبريل في الحديث هنا: (إن الله يحب فلاناً فأحبوه). يقول شيخ الإسلام معلقاً على تأويل حديث نزول الله: هذا تأويل من التأويلات القديمة للجهمية، فإنهم تأولوا تكليم الله لموسى عليه السلام، وقالوا: إنه أمر ملكاً فكلمه، فقالوا في قوله: (وكلمه ربه) أي: كلمه ملك ربه. يقول شيخ الإسلام: هذا من تأويلات الجهمية، وهو باطل إذا لو كلمه ملك لما قال الملك: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه:14]، لقوله عز وجل: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:29]، فالملائكة رسل الله إلى الأنبياء، تقول كما كان جبريل عليه السلام يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} [مريم:64]، ويقول: إن الله يأمرك بكذا، ويقول كذا، ولا يمكن أن يقول ملك من الملائكة ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي))، ولا أن يقول: (من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)، ولا يقول: (لا يسأل عن عبادي غيري) كما رواه النسائي وابن ماجة وغيرهما وسندهما صحيح. وهذا أيضاً مما يبطل حجة بعض الناس، فإنه احتج بما رواه النسائي في بعض طرق الحديث أنه يأمر منادياً ينادي، إشارة إلى الحديث الذي احتج به القرطبي تبعاً للإمام ابن عطية رحمه الله، فإن هذا إن كان ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن الرب يقول ذلك، ويأمر منادياً بذلك، جمعاً بين الحديثين، لا أن المنادي هو الذي يقول: (من يدعوني فأستجيب له)، ومن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المنادي يقول ذلك فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنه خلاف للفظ المتواتر، الذي نقلته الأمة خلفاً عن سلف.
فضل الاستغفار بالأسحار
فضل الاستغفار بالأسحار قال بعض الصالحين لابنه: يا بني! لا يكن الديك أحسن منك، ينادي بالأسحار وأنت نائم. والحكمة في تخصيص الأسحار كونها وقت غفلة الناس عن التعرض للنفحات الرحمانية والنفحات السبحانية، ومعروف أن أفضل أوقات العبادة وقت غفلة الناس عنها، لذلك يعظم ثواب من ذكر الله سبحانه وتعالى في السوق؛ لأن السوق مكان الغفلة والاشتغال بالدنيا، فمن ذكر الله في الغافلين فإنه ينال ثواباً عظيماً، كذلك ثبتت فضيلة شهر شعبان، وعللها النبي صلى الله عليه وسلم بأنه شهر يغفل عنه الناس ما بين رجب ورمضان، هكذا أوقات غفلة الناس تضاعف فيها الأجور، وعند ذلك تكون العبادة أشق، والنية خالصة، والرغبة وافرة من عباده مع قربه تعالى وتقدس. في الآية فضيلة الاستغفار في السحر، وأن هذا الوقت أفضل الأوقات. وجاء في كتب التفسير في قوله عز وجل: {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف:97 - 98] أنه أراد أن يؤخر ذلك إلى وقت السحر؛ لأنه أدعى للإجابة. يقول الرازي: واعلم أن الاستغفار في السحر له مزيد أثر في قوة الإيمان، وفي تمام العبودية، من وجوه: الأول: أن وقت السحر يطلع نور الصبح بعد أن كانت الظلمة شاملة للكل، وبسبب طلوع نور الصبح كأن الأموات يصيرون أحياء، فهناك وقت الجود العام والفيض التام، فلا يبعد أن يكون عند طلوع صبح العالم الكبير يطلع صبح العالم الصغير، وهو ظهور نور جلال الله تعالى في القلب. الثاني: أن وقت السحر أطيب أوقات النوم، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة وأقبل على العبودية كانت الطاعة أكمل. الثالث: نقل عن ابن عباس {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران:17]، يريد المصلين صلاة الصبح. قالوا: إن الصلاة هنا سميت استغفاراً؛ لأنهم طلبوا بفعلها المغفرة. إذاً: ينبغي أن نتواصى بهذا الأمر، وهو الاهتمام بالاستغفار في السحر؛ لأننا إذا كنا محتاجين إلى الاستغفار من قبل حاجة ماسة وشديدة، فنحن الآن في ظروف يعتبر الاستغفار فيها مثل سفينة نوح، فنحن في أوضاع كلها شؤم، وكلها تنذر بالويل والثبور وعظائم الأمور، وتنذر بنزول عذاب من الله سبحانه وتعالى يستأصل من شاء من عباده، وقد بارزنا الله بكل أنواع المعاصي، ومن آخرها ما يسمى بمؤتمر السكان وغير ذلك من ألوان محاربة الإسلام. والآن نسوا كلمة التطرف والإرهاب وعادوا للحقيقة وهي محاربة دين الإسلام محاربة صريحة بلا خجل ولا استحياء، لا من الخالق ولا من المخلوقين، ولا يرفع هذا البلاء إلا الاستغفار، أعني: أن الاستغفار قد يحول دون نزول البلاء والعذاب؛ لأننا حشدنا كل ما يستنزل غضب الله سبحانه وتعالى، وأصبح الطعن في الكتاب والسنة وظيفة عند الملحدين كما ترون في مزبلة الصحافة المصرية المسماة روز اليوسف، ولا يجوز لأحد أن يدخل هذه المجلة في بيته، وأن يريها أولاده وبناته وزوجته؛ لما تحويه من الفسوق والفجور، ويكفي أن أمثال هؤلاء الملاحدة الزنادقة حينما يكتبون فيها يكتبون بالخط العريض مقالة عنوانها كفر بواح وردة عن الدين مثل "الأخطاء النحوية في القرآن الكريم" ومقالة مثلاً في الدفاع عن المرأة الهندية التي شتمت الرسول عليه السلام وطعنت في القرآن، وإظهارها في مظهر المظلومة، وأن هذا ضد الحريات، وأنها مضطهدة، وغير ذلك من الأشياء التي ذكرنا مقتطفات منها ومن بعض الكتب الممنوعة مثل: "آيات شيطانية" لـ سلمان رشدي ورواية "أولاد حارتنا" للخبيث نجيب محفوظ وغير ذلك من كتب الإلحاد والكفر والزندقة، والله تعالى أعلم. إذا لم يتداركنا الله سبحانه وتعالى برحمته فسيعمنا جميعاً عذاب، نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء والملاحدة والزنادقة منا. يقول تبارك وتعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25]، فالاستغفار قد يكون مانعاً يحول دون نزول العذاب على العامة والخاصة. ويقول الله تعالى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ * فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32 - 32]، فجاء الجواب من الله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال:33]، يعني: كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وجوده صلى الله عليه وسلم أمن من العذاب، {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33]، هذا هو الأمان الثاني ضد العذاب، وذكر بعض العلماء أقاويل كثيرة في تفسير هذه الآية منها: أن (هم) هنا تعود على من هو موجود في وسطهم من المؤمنين ممن يستغفر، فلما خرجوا وتزيلوا عذبهم الله سبحانه وتعالى يوم بدر وغيره. حكي: (أن رجلاً من العرب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان مسرفاً على نفسه بالمعاصي، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم رجع عما كان عليه، وأظهر الدين والنسك، فقيل له: لو فعلت هذا والنبي صلى الله عليه وسلم حي لفرح بك، قال: كان لي أمانان مضى واحد وبقي الآخر، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال:33]، فهذا أمان. والثاني: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33]. إذاً فهذه الأمة كان لها أمانان: الأول: في حياة النبي عليه الصلاة والسلام وهو وجوده فيهم، فلا ينزل العذاب كرامة له عليه الصلاة والسلام. الثاني: هو الاستغفار، فهو سبب آخر للأمن من العذاب. فالذي بقي لنا أن نستغفر الله سبحانه وتعالى من هذه الذنوب. قال الزمخشري: الواو المتوسطة بين الصفات في قوله تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران:17] للدلالة على كمالهم في كل واحدة منهم.
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم) والآيتين بعدها
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم) والآيتين بعدها يقول السيوطي رحمه الله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ} قل يا محمد لقومك: (أؤنبئكم) أي: أأخبركم. ((بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ)) المذكور من الشهوات، وهذا استفهام تقرير. ((لِلَّذِينَ اتَّقَوْا)) الشرك. ((عِنْدَ رَبِّهِمْ)) خبر مبتدؤه ((جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ)) أي: مقدرين الخلود (فِيهَا) إذا دخلوها. ((وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ)) من الحيض وغيره مما يستقذر. ((وَرِضْوَانٌ)) بكسر أوله وضمه، لغتان -أي: قراءتان سبعيتان- أي رضاً كثير. ((مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ)) عالم ((بِالْعِبَادِ)) فيجازي كلاً منهم بعمله. ((الَّذِينَ)) نعت أو بدل من الذين قبله في قوله تعالى: ((للذين اتقوا)). ((يَقُولُونَ)) يا ((رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا)) صدقنا بك وبرسولك صلى الله عليه وسلم. ((فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)). ((الصابرين)) على الطاعة وعن المعصية نعت. ((والصادقين)) في الإيمان. ((والقانتين)) المطيعين لله. ((والمنفقين)) المتصدقين. ((والمستغفرين)) الله بأن يقولوا: اللهم اغفر لنا. ((بالأسحار)) أواخر الليل، خصت بالذكر لأنها وقت الغفلة ولذة النوم.
تفسير قوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو)
تفسير قوله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) قال تبارك وتعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:18]. ((شهد الله)) أي: علم وأخبر، أو: قال أو بين (أنه لا إله إلا هو) معبود حقيقي. ((والملائكة)) وشهد بذلك الملائكة. ((وأولوا العلم)) وفي مقدمتهم الأنبياء عليهم السلام فإنهم أشرف أولو العلم. (وأولوا العلم) وهذه مرتبة جليلة للعلماء، إذ لو كان هناك أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء، ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ))، والعلم هنا المقصود به العلم بالدين وبالعلوم الشرعية كعلم التوحيد وغيره. هناك حديث يقول فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ويقل العلم ويظهر الجهل)، كما هو الحال في هذا الزمان. فإذا نظرنا في أحوال الناس نجد أن العلم بالدنيا يزيد، والعلم بالدين يقل، فدلت الآية على أنه إنما أراد بالعلم علوم الآخرة وليست علوم الدنيا. ((قائماً بالقسط)) أي: بالعدل في أحكامه تبارك وتعالى. ((لا إله إلا هو)) كرره تأكيداً. وليبني عليه قوله: ((العزيز)) فلا يضام جنابه عظمة. ((الحكيم)) فلا يصدر شيء عنه إلا على وفق الاستقامة. هذا التكرار معروف عند العرب؛ فإذا طال عهدك بالكلام تعيد ما ذكرته حتى تصل الأول بالآخر؛ لأن الكلام هنا طال: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:18] حتى يصلها بالعزيز الحكيم. هنا يقول السيوطي: (شهد الله) أي: بيّن لخلقه بالدلائل والآيات. ((أنه لا إله)) أي: لا معبود في الوجود بحق. ((إلا هو)) شهد بذلك ((والملائكة)) بالإقرار. ((وأولوا العلم)) من الأنبياء والمؤمنين بالاعتقاد واللفظ. ((قائماً)) بتدبير مصنوعاته، ونصبه على الحال، والعامل فيها معنى الجملة أي: تفرد بذلك. ((بالقسط)) يعني: بالعدل. ((لا إله إلا هو)) كرره تأكيداً. ((العزيز)) في ملكه ((الحكيم)) في صنعه.
تفسير قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام)
تفسير قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) يقول السيوطي: قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران:19]. ((إن الدين)) المرتضى. ((عند الله)) هو ((الإسلام)) أي: الشرع المبعوث به الرسل أجمعون المبني على التوحيد. هل المقصود منه الإسلام العام أم الإسلام الخاص؟ المقصود الإسلام العام ((إن الدين عند الله)) الذي لا يقبل لا من الأولين ولا الآخرين سواه هو الإسلام. إذاً: الإسلام هو الدين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى من السماء، وهو دين آدم ونوح وموسى وإبراهيم وعيسى، وهو قاسم مشترك في دعوة جميع الأنبياء: {أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36]. ((وما اختلف الذين أوتوا الكتاب)) أي: اليهود والنصارى في الدين؛ بأن وحّد بعض وكفر بعض ((إلا من بعد ما جاءهم العلم)) بالتوحيد، ما اختلفوا بسبب عدم الحجة أو البيان، وإنما ((بغياً بينهم)) حسداً وظلماً وعدواناً. (وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) أي: المجازاة له. قوله تبارك وتعالى هنا: ((وما اختلف)) في الكلام تقديم وتأخير، والمقصود: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم.
تفسير قوله تعالى: (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله)
تفسير قوله تعالى: (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله) قال تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران:20]. ((فإن حاجوك)) أي: خاصمك الكفار يا محمد في الدين. ((فقل)) أي: فقل لهم. ((أسلمت وجهي لله)) أي: انقدت له أنا ((ومن اتبعن)) وخص الوجه بالذكر لشرفه فغيره أولى. ((وقل للذين أوتوا الكتاب)) من اليهود والنصارى. ((والأميين)) مشركي العرب. ((أأسلمتم)) هذا استفهام قصد به الأمر، أي: أسلموا. ((فإن أسلموا فقد اهتدوا)) من الضلال. ((وإن تولوا)) عن الإسلام. ((فإنما عليك البلاغ)) أي التبليغ للرسالة. ((والله بصير بالعباد)) فيجازيهم بأعمالهم، وهذا قبل الأمر بالقتال.
آل عمران [21 - 41]
تفسير سورة آل عمران [21 - 41]
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يكفرون بآيات الله)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يكفرون بآيات الله) قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران:21]. قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ))، وهم اليهود لعنهم الله، فقد قتلوا زكريا وابنه يحيى عليهما السلام، وقتلوا حزقيال عليه السلام قتله قاض يهودي لما نهاه حزقيال عن منكر فعله. وزعموا أنهم قتلوا عيسى بن مريم عليهما السلام، وسعوا بالفعل إلى قتل المسيح عليه السلام، لكن الله عز وجل أنجاه منهم. ولما كان اليهود الذين في المدينة راضين بصنيع أسلافهم صحت هذه الإضافة إليهم. وقوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) إشارة أن قتلهم للأنبياء كان بغير حق في اعتقادهم أيضاً، ومعلوم أن مثل هذا القيد لا مفهوم له، أي لا يفهم منه أنه يمكن أن يقتل رجل نبياً ويكون على حق، فمفهوم المخالفة هنا ملغي غير معتبر، بل كل من يقتل نبياً أو يؤذيه فهو بلا شك على غير الحق، ولهذا المفهوم نظائر في القرآن الكريم، وذلك مثل قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء:31]، فليس معنى ذلك أنه يجوز قتلهم لسبب آخر غير خوف الإملاق؟ ومثل قوله تعالى: {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران:130]، فليس معنى ذلك أنه يجوز أكل الربا إن كان قليلاً لا يصل إلى أضعاف مضاعفة. ومثل قوله عز وجل: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [المؤمنون:117]، هل يحتمل أن يعبد رجل غير الله ويكون له عنده برهان عليه؟ لا يمكن، فمفهوم هذا لا يعتبر بل هو ملغي. إذاً: فكل قتل للأنبياء يكون بغير حق، ولكن الحكمة من نصه تعالى هنا على قوله: (بغير حق) الإشارة إلى أنهم يعتقدون أن قتلهم للأنبياء محرم عليهم، وأنه ليس لهم حق في قتلهم. إن رأس يحيى عليه السلام لما قطعوه أهدوه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. فقتل الأنبياء حرفة يهودية قديمة، فهم مجرمون سفاكو دماء سفاحون، لم تتغير فيهم هذه الطبيعة الخبيثة. لا شك أن ما هم عليه من قتل الأنبياء بغير حق فكذلك هم (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ)، وهذا وإن كان في اليهود نزوله، لكنه عام في كل من يتصف بهذه الصفات، فإن قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس؛ بسبب أنهم يأمرونهم بالقسط، أقبح وأسوأ أنواع الكبر، كما قال النبي صلى الله عليه على آله وسلم: (الكبر بطر الحق وغمط الناس)، وهذا رواه مسلم، فيجمع بين التكبر على الحق وبين غمط الناس وذلك ببخسهم منازلهم وبخسهم حقوقهم، ولهذا لما تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة، فلذلك قال تعالى: ((فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)). يقول السيوطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ))، وفي قراءة: (يقاتلون). ((بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ))، أي بالعدل. ((مِنَ النَّاسِ))، وهم اليهود روي أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبياً، فنهاهم مائة وسبعون من عبادهم فقتلوهم من يومهم. (فبشرهم) أعلمهم. (بعذاب أليم) أي: مؤلم، وذكر البشارة تهكم بهم، ودخلت الفاء في خبر إن لشبه اسمها الموصول بالشرط.
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين حبطت أعمالهم)
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين حبطت أعمالهم) قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران:22] يقول السيوطي: قال تعالى: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ))، أي: بطلت. ((أَعْمَالُهُمْ)) ما عملوا من خير كصدقة وصلة رحم. ((فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)) فلا اعتداد بها لعدم شرطها، وشرطها هو الإيمان الصحيح. ((وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)) أي: مانعين من العذاب. فقوله تعالى هنا: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ))، أي: بطلت أعمالهم التي عملوها من البر والحسنات في الدارين، أما الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن، ويدخل فيه ما ينزل بهم أيضاً من القتل والسبي وأخذ الأموال منهم غنيمة، والاسترقاق لهم، إلى غير ذلك من الذل والصغار الظاهر فيهم، ولا ننخدع بالوضع الراهن الذي وصل إليه اليهود قبحهم الله في هذا الزمان، فهذا استثناء ليس هو الأصل، إذا جئنا للأصل والقاعدة: أنهم ضربت عليهم الذلة والمسكنة أينما كانوا، أما ما نحن فيه فهذا من الأحوال النادرة، باعتبارنا والله أعلم في آخر الزمان وهذا خلاف الأصل. وما هم عليه اليوم هو من العلو الذي عادوا إليه، وأخبر الله سبحانه وتعالى أنه سيعود لتسليط عباد له أولي بأس شديد عليهم، حتى يؤدبوهم ويذلوهم كما قال تعالى: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء:8]، أما حدوثها في الآخرة فإبدال الثواب بالعذاب المقيم. ((وما لهم من ناصرين)) أي: ليس لهم ناصرون ينصرونهم من عذاب الله. وقد دلت الآيات على عظم حال من يأمر بالمعروف وعظم مقامه وشرفه عند الله سبحانه وتعالى، ودلت أيضاً على عظم ذنب قاتله، وأن ذنب من يقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس ذنب عظيم؛ وذلك لأنه قرنه بالكفر بالله تعالى وقرنه بقتل الأنبياء. {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، وتدل هذه الآيات على صحة ما قاله بعض العلماء: إن للإنسان أن يأمر بالمعروف وإن خاف على نفسه، أو كان في ذلك تلف نفسه؛ لما يكون فيه من إعزاز دين الله عز وجل وتقوية قلوب أهل الإيمان، وإضعاف قلوب الفاسقين، كما جاء في الحديث: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).
تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب) قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [آل عمران:23]. قوله: ((أوتوا نصيباً من الكتاب)) أي: من التوراة، والمراد بهؤلاء أحبار اليهود. ((يدعون إلى كتاب الله)) وهو هنا القرآن. ((لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ))، هذا استبعاد لتوليهم بعد علمهم أن الرجوع إلى كتاب الله واجب، إذا قامت عليهم الحجج الدالة على تنزيله. وفي الآية تعجب واستغراب كيف للإنسان بعد أن علم أن الكتاب هو كتاب الله، وأن الحكم هو حكم الله عز وجل، ثم يتولى عن ذلك ويعرض عن حكم الله تبارك وتعالى. ((وهم معرضون)) هذا حال من ((فريق)). ((وهم معرضون)) أي: معرضون عن قبول حكمه.
وجه حمل لفظ كتاب الله في الآية على التوراة
وجه حمل لفظ كتاب الله في الآية على التوراة ومن المفسرين من حمل قوله تعالى: ((يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ))، لا على القرآن فقط كما ذكرنا وإنما حملوه على التوراة أيضاً، حيث أشاروا إلى أن هذا إشارة إلى قصة تحاكم اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما زنى منهم اثنان، فحكم عليهما النبي صلى الله عليه وسلم بالرجم فأبوا وقالوا: لا نجد في كتابنا إلا التعزير. يعني: تسويد وجوههم فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يأتوا بالتوراة فوجد فيها الرجم فرجما، فغضبوا فشنع عليهم بهذه الآية: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ))، المقصود بهذا التفسير به أيضاً التوراة، (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ). هذه القصة مروية في البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا فقال لهم: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا: نحممهما ونضربهما، فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئاً، فقال لهم عبد الله بن سلام كذبتم ((فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [آل عمران:93]، فوضع الذي كان يقرؤها منهم إصبعه على آية الرجم، فطفق يقرأ دونها وما وراءها، فنزع الرسول عليه الصلاة والسلام يده عن آية الرجم فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما صلى الله عليه وسلم فرجما قريباً من حيث موضع الجنائز عند المسجد، يقول ابن عمر: فرأيت صاحبها يجنأ عليها يقيها الحجارة).
فوائد وثمرة الآية الكريمة
فوائد وثمرة الآية الكريمة قال بعض المفسرين: وللآية ثمرتان: الأولى: أن من دعي إلى كتاب الله وإلى ما فيه من شرع وجب عليه الإجابة، وقد قال العلماء رضي الله تعالى عنهم: يستحب أن يقول: سمعاً وطاعة؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور:51]، أو يقول: نعم وكرامة، أو: على العين والرأس، أو غير ذلك من العبارات المهذبة التي تليق بالأدب مع حكم الله سبحانه وتعالى وكتابه، لا كما يقول بعض الأجلاف المعتدين الظالمين من عبارات قد تكفرهم! وزير العري والسفور لما صدر حكم المحكمة من أيام قليلة في قضية الحجاب، أول تصريح بادئ الرأي قال: سنحترم حكم القضاء. يا خبيث! وأين أنت من حكم الله الذي نزل من فوق سبع سماوات؟! آيات الحجاب التي تعبدنا الله بها في القرآن الكريم، أما تؤمن بها؟! قلها صراحة وأرحنا، ولا تخادع الناس وتقول: أنا مسلم. كيف يصدر قراراً يمنع الحجاب، ثم بعد ما يفضحه الله سبحانه وتعالى ويصدر الحكم ببطلان هذا القرار، إذا به يستأنف الحكم إصراراً وعناداً على هذه المحادة والمحاربة لله ولرسوله وللمؤمنين، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يذله وأن يقصم ظهره، وأن يريحنا من شره وأمثاله. الثمرة الثانية: أن الإسلام ليس بشرط في الإحصان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين ونزلت الآية مقررة له.
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات)
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات) قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران:24]. ((ذَلِكَ)) يعني ذلك التولي وذلك الإعراض. ((بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)) الباء هنا سببية يعني: بسبب تسهيلهم أمر العقاب على أنفسهم، فهم غروا أنفسهم وخدعوا أنفسهم لما دعوا إلى كتاب تبارك وتعالى ليحكم بينهم، ((ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ)) أي: هم يعلمون أنهم آثمون، وأنهم عاصون، لكنهم يغرون أنفسهم ويقولون: حتى لو عذبنا بسبب هذه الأشياء فنحن لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات. ((وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)) أي: من الكذب والقول الباطل من أنهم لن يعذبوا إلا أياماً معدودات، وفي التعبير بالغرور والافتراء إعلام بأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل، كما مر نظير ذلك في قوله تبارك وتعالى في أوائل سورة البقرة: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة:78]، أي: يمنون أنفسهم بهذه الأماني، على ما يقوله لهم أحبارهم من هذه الأماني الكاذبة.
تفسير قوله تعالى: (فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه)
تفسير قوله تعالى: (فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه) قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [آل عمران:25]، أي: فكيف يصنعون أو كيف تكون حالهم -إذا جمعناهم ليوم- اللام هنا بمعنى في، يعني: في يوم. ((لا رَيْبَ فِيهِ)) أي: لا شك فيه وهو يوم القيامة. ((وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ)) أي: جزاء ما عملت من خير أو شر. ((وهم لا يظلمون)) الضمير يعود لكل نفس على المعنى، وإلا فالأصل أن يكون الضمير (وهي لا تظلم نفس شيئاً)، لكن لم ينظر إلى اللفظ وإنما نظر إلى المعنى؛ لأن كل نفس تعبر عن عدد كبير، فلذلك قال تعالى: (وهم لا يظلمون)؛ لأنه في معنى كل إنسان، أي: لا يظلمون لا بزيادة عذاب ولا بنقصان الثواب.
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) والآيتين بعدها
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب) والآيتين بعدها يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ)) ألم تنظر: ((إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا)) أي: حظاً. ((مِنَ الْكِتَابِ)) أي: التوراة. ((يُدْعَوْنَ)) هذا حال. ((يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ))، أي: عن قبول حكمه، نزلت في اليهود زنى منهم اثنان فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فحكم عليهما بالرجم فأبوا، فجيء بالتوراة فوجد حكم الرجم فيها فرجما فغضبوا. السيوطي كأنه يميل إلى القول إلى أن لفظ (كتاب الله) في الآية المقصود به التوراة. قوله: (ذلك) أي: ذلك التولي والأعراض. ((بِأَنَّهُمْ قَالُوا)) أي: بسبب قولهم. ((لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)) هنا السيوطي يميل إلى تفسير هذه الأيام المعدودات بأنها أربعون يوماً مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول عنهم. ((وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)) من قولهم ذلك. إذاً: إعراب كلمة ((ما)) في قوله تعالى: ((وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)) هو أنها اسم موصول بمعنى الذي مبني على السكون في محل رفع فاعل. ((فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ)) يعني: كيف يكون حالهم إذا جمعناهم في يوم. ((لا رَيْبَ)) أي: لا شك ((فِيهِ)) وهو يوم القيامة: ((وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ)) من أهل الكتاب وغيرهم جزاء ((مَا كَسَبَتْ)) عملت من خير وشر، ((وهم)) أي: الناس ((لا يظلمون)) بنقص حسنة أو زيادة سيئة.
تفسير قوله تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء بغير حساب)
تفسير قوله تعالى: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء بغير حساب) يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ثم علم نبيه صلى الله عليه وسلم كيف يدعوه ويمجده بقوله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:26 - 27]. (قل اللهم مالك الملك) أي: مالك جنس الملك على الإطلاق ملكاً حقيقياً، فهو المالك الحق لكل ما في هذا الوجود بحيث يتصرف فيه كيفما يشاء، إيجاداً وإعداماً، وإحياء وإماتة، وتعذيباً وإثابة، من غير مشارك ولا ممانع. (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) هذا بيان لبعض وجوه التصرف الذي تستدعيه مالكية الملك، وتحقيق لاختصاصها به تعالى حقيقة، فلا يوجد مالك في الحقيقة إلا الله سبحانه وتعالى، ما الذي عندك؟ لا الملك ولا الرياسة ولا الحكم، ولا حتى أرواحنا التي بين جنبينا ما هي إلا ملك لله عز وجل، إنا لله وإنا إليه راجعون. (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) هي تؤكد ما قبلها وتحققه وتجزم به، ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ))، يعني أنت المالك لهذا الملك كله على الحقيقة، وملكيتك له ملكية كاملة وتامة وشاملة لا يشاركك فيها أحد، ولا يمانعك فيها أحد.
أسباب الحصول على الملك وأسباب نزعه
أسباب الحصول على الملك وأسباب نزعه (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) فكلمة: (تؤتي) الذي يؤتي الملك هو الله الذي يملك كل ما في الدنيا وكل ما في هذا الوجود، فهو الذي يعطي، فلذلك أثر في النظم الكريم لفظ: (تؤتي) على لفظة (تملك) إشارة إلى أن مالكية غيره هي على سبيل المجاز، أما الملكية الحقيقية فهي لله سبحانه وتعالى، ولذلك كان بعض السلف إذا سئل عن شيء معين كان يملكه، يقول: هي لله عندي، ويتحرج أن يقول: هي ملكي. يقول تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7]. وقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق:6 - 7]، لم يقل: أن استغنى؛ لأنه في الحقيقة يظل فقيراً إلى الله سبحانه وتعالى، ولكنه يرى نفسه أنه استغنى، وهو لا يملك شيئاً في الحقيقة وفي التعبير بمن العامة للعقلاء إشعار بأن الملك يناله من لم يكن من أهله، وأخص الناس بالبعد منه العرب؛ لأن العرب كانت من أذل الأمم قبل الإسلام، كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: (إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما نبتغي العزة في غيره أذلنا لله)، وفي قصة أبي سفيان مع هرقل وذلك عندما رأى كأنه ينظر في النجوم وقال لهم: إني أرى ملك الختان قد ظهر، فقالوا له: إنه لا يختتن إلا اليهود فلا يهمنك شأنهم. وفسر ذلك بأنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم. كانت الأمم كلها تحتقر العرب وكانوا في أذل الأوضاع وفي ذيول الأمم، فالله سبحانه وتعالى اصطفى أمة العرب بهذا الدين، وأعزها بهذا الدين كما قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10]، أي فيه رفعة شأنكم ومجدكم، فإذا كفرت هذه الأمة بنعمة الله سبحانه وتعالى، فمن عدل الله فيها أنه يعيدها إلى ما كانت عليه من قبل، وهو الذل والهوان والصغار، ولا يترجم لهذا المعنى شيء أبلغ مما نحن فيه الآن من الذل والصغار والدمار الذي حل على هذه الأمة لما تخلت عن دينها، وبحثت عن العزة في غير جناب ربها تبارك وتعالى، يتذللون على أعتاب أمريكا وعلى أعتاب الغرب وغيرهم الكفار، ويتمسحون بأحذيتهم، ومع ذلك: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120] فهاهم المسلمون في البوسنة والهرسك ليس لهم من الإسلام إلا اسمه، فهم في انحراف شديد جداً عن الإسلام ما بين خمر وفواحش وفساد في النساء وفي الرجال، وعدم صلاة وغفلة عن الدين إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك ما رضي عنهم الغرب، وعاملهم على أنهم ما زالوا أعداء لهم. فهم لم يعودوا إلى دينهم، فكذلك كل هؤلاء الذين يبتغون العزة في غير جناب الله لم يجدوا إلا الذل. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعل الذل والصغار على من خالف أمري)، قد يقول قائل: كيف يعيش الغرب الكافر في ذل وصغار مع أنهم يعيشون في قصور، ويعذبون الناس، ويجولون في الأرض متكبرين مغرورين يتقلبون فيها كيفما يشاءون؟ نقول: مهما أظهروا من العزة فهم في الحقيقة مهزومون في أنفسهم. يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: إنهم وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم الخيول، فإن ذل المعصية لا يفارق رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه. لا يمكن أبداً لهذا الذي يحارب دين الله سبحانه وتعالى أن يكون آمناً، لابد أن يكون في قلبه انهزام، ومهما أظهر من عناد أو تبجح أو إصرار على محاربة الله ورسوله فهو في الحقيقة ذليل حقير، ولابد أن يكون منهزماً ومغموراً بالذل، لكن عندما تكون إنساناً ضعيفاً وأنت متوكل على الله سبحانه وتعالى موحد لله، طائع لله، قائم بحق الله، أنت أقوى منه وأعز، حتى وإن كان في أبهته وغروره وزينته. فالشاهد الذي دفعنا إلى هذا: أن الله سبحانه وتعالى كأنه يلفت أنظارنا إلى أن العرب كانوا أحقر أمة، ومن آياته أنه آتاهم ملكه وائتمنهم على دينه، وجعلهم سادة العالم كله حتى امتدت دولتهم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في مدة وجيزة جداً تقل عن خمسين سنة. الدولة الإسلامية انطلقت من قلب الجزيرة العربية وحطمت تماماً فارس والروم، وامتدت شرقاً وغرباً حتى تغلغلت في أحشاء سويسرا، ودخلت على حدود فرنسا، ودخل الناس في دين الله أفواجاً. من الذي آتى هذه الأمة الضعيفة المهينة الذليلة هذا الملك؟ إنه الله سبحانه وتعالى. وفي قوله تعالى: ((تؤتي الملك من تشاء)) إشعار بأن الله ينيل ملك فارس والروم للعرب، مع أنهم كانوا من أبعد الأمم عن الملك، حتى ينتهي الأمر إلى أن يطلب الله الملك من جميع أهل الأرض، وذلك بظهور ملك يوم الدين، فآتى الله هذه الأمة الملك والتمكين على سائر الأمم؛ بسبب تمسكها بالدين، وإقامة دين الله تبارك وتعالى. يقول عز وجل: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور:55]، فكما هو معلوم أن أقوى مؤثر في الإنسان هو مؤثر البيئة المحيطة به (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، ولا يوجد شيء يغلب تأثير البيئة إلا شيئاً واحداً فقط وهو العقيدة والدين. تجد أن الناس في هذه البيئة كسالى مقصرون خاملون متخلفون، فلم يلغ هذه الصفات ولم يطهرهم من هذه الرذائل إلا الإسلام، فإذا تخلوا عن الدين فإنهم سيعودون إلى الوضع الأصلي، وهذا ما نحن فيه الآن، إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى أن يمكن لدينه ويعيد المسلمين إلى عزهم ومجدهم.
تفسير قوله تعالى: (تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل)
تفسير قوله تعالى: (تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل) قوله تعالى: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:27] ((تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ))، أي: تدخل أحدهما في الآخر؛ إما بالتعقيب وإما بالزيادة أو بالنقص. ((وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ))، كالحيوان من النطفة والنطفة منه، والبيض من الطير وعكسه، وقيل: ((تخرج الحي من الميت)) أي: تخرج المؤمن الحي من صلب الكافر الميت. قال القفال: والكلمة محتملة للكل، أما الكفر والإيمان فقد قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاه} [الأنعام:122]، أي: كان ميتاً بالكفر فهديناه، فجعل الكفر موتاً والإيمان حياة، وأخرج النبات من الأرض فصارت حية وكانت قبل ذلك ميتة فقال: {وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الروم:19]، وقال: {فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [فاطر:9]، وقال: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:28]. ((وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ))، أي: ترزق رزقاً واسعاً غير محدود من غير تضييق ولا تقصير، كما تقول: فلان يعطي بغير حساب، يعني: لا يحسب ما يعطيه، فكذلك هنا قال تعالى: ((وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)).
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (قل اللهم مالك الملك) والآية بعدها
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (قل اللهم مالك الملك) والآية بعدها يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ونزلت لما وعد صلى الله عليه وسلم أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون: هيهات! يعد أتباعه ملك فارس والروم، فنزل قوله تعالى: (قل اللهم) يعني: يا ألله (مالك الملك) أي: يا مالك الملك. (تؤتي الملك) أي: تعطي الملك (من تشاء) من خلقك. (وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء) تعزه بإيتائه الملك. (وتذل من تشاء) أي: بنزعه منه (بيدك) أي: بقدرتك. السيوطي فسر اليد بالقدرة، وهذا تأويل باطل بلا شك. (بيدك الخير) أي: والشر. قوله: أي: والشر؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلق الخير وهو الذي يخلق الشر، وإن كان لا يحب الشر، ولا ينسب الشر إليه سبحانه وتعالى. (إنك على كل شيء قدير). (تولج) أي: تدخل (الليل في النهار وتولج النهار) أي: تدخله (في الليل) فيزيد كل منهم بما نقص من الآخر. (وتخرج الحي من الميت) كالإنسان والطائر من النطفة والبيضة. (وتخرج الميت) كالنطفة والبيضة (من الحي وترزق من تشاء بغير حساب) أي: رزقاً واسعاً.
تفسير قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء والله رءوف بالعباد)
تفسير قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء والله رءوف بالعباد) قال تبارك وتعالى: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران:28 - 30]. (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ) أولياء جمع ولي ومعانيه كثيرة منها: المحب والصديق والنصير. قال الزمخشري: نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر، وقد كرر ذلك في القرآن، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51]، لذلك قال بعض الصحابة محذراً: (ليحذر أحدكم أن يصير يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر، وتلا هذه الآية: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة:22]، إلى آخر الآية). والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73] إذا فقد موضوع الولاء والبراء من قلوب الناس فإنه ستقع فتنة وفساد كبير جداً، إن قضية الولاء والبراء من أكثر القضايا التي تظاهرت عليها الأدلة في القرآن والسنة بعد توحيد الله سبحانه وتعالى، فهي أصل متين من أصول الدين، لكن في ظل العلمانية التي تزخر بها وسائل الإعلام الآن، وفي ظل دعاوى حقوق الإنسان المزعومة، تعتبر التفرقة على أساس الدين جريمة، أما الإسلام فيفرق -لا التفرقة العنصرية- لكنه تفريق على أساس الدين؛ لأنه يقسم الناس إلى مؤمن وكافر، فالمؤمن يحب في الله ويبغض في الله، فإذا انهار هذا الجدار وقع الفساد، كما قال تعالى: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73]، وذلك كما نرى اليوم، فإن انهيار هذا الحاجز بين المسلمين والكافرين أدى إلى التمييع والذوبان بين الحق والباطل بحيث يلتبس على عامة الناس. قوله: (من دون المؤمنين) أي: لا يجعل المؤمن ولايته لمن هو غير مؤمن، والمعنى: لا يتناول الولاية من مكان دون مكان المؤمنين، وهذا كلام جرى على المثل في المكان؛ لأنه كلمة (دون) تستعمل في المكان، فتقول: مثلاً: زيد دونك، أي: تحتك، وأنت لست تريد المكان، وإنما تريد أن زيداً دونك في الشرف، فجعلت الشرف بمنزلة الارتفاع في المكان، والخِسّة كالاستفال في المكان؛ ولذلك قال تعالى هنا: ((لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)). وقوله تعالى: (من دون المؤمنين) أي: حال كونكم متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالاً أو اشتراكاً، بمعنى: أن يترك المؤمنين ويوالي الكافرين، أو يوالي المؤمنين ويوالي معهم المشركين، فلا ينبغي لمؤمن أن يوالي ويحب بقلبه وجوارحه أعداء الله تبارك وتعالى. ففيه إشارة إلى أن الأحق بالموالاة هم المؤمنون، وأنهم الذين يستحقون الموالاة، وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة. قوله تعالى: ((وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ)) أي: أن من يوالي الكفرة فليس من ولاية الله في شيء، فالله سبحانه وتعالى بريء منه وهو يفعل ذلك؛ لأن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان، كما يقول بعض الشعراء: تود عدوي ثم تزعم أنني صديقك ليس النوك عنك بعازب أي: تحب عدوي ثم تزعم أنني صديقك، ليست الحماقة عنك ببعيدة. قوله تعالى: ((إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)) أي: إلا أن تخافوا منهم محذوراً، فأظهروا لهم الموالاة باللسان دون القلب لدفعه؛ لأن البغض بالقلب فرض عين على المسلم في كل حال؛ لكن يجوز إظهار الموالاة تقية إذا خشي على نفسه بشرطه. كما روى البخاري عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: (إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم)، يعني: تقية. فثمرة هذه الآية: ((لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ)) هو تحريم موالاة الكفار. إذاً: هناك مسالك محددة يستنبط منها الحكم بالتحريم. والدليل على التحريم في هذه الآية هو النهي المستفاد من قوله: (لا) وهي هنا ناهية. ومن أقوى ما يستفاد منه التحريم قوله تعالى: ((وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ)) أي: من يوالي الكفار، ((فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)) وقضية البراء من الكفار وبغضهم في الله سبحانه وتعالى من أخطر الفتن التي يتعرض لها الناس، فلا شك أن الناس يتأثرون كثيراً بهذا الواقع. فتضيع معالم الدين بسبب الإلحاح والتكرار على هذه المبادئ وهذه الديانة الجديدة التي طلعت تحت مسمى: حقوق الإنسان، ونحن قد ذكرنا من قبل أن أعظم حق من حقوق الإنسان هو ألا يحال بينه وبين هذا الدين، وأن من حق كل إنسان أن يسمع سماعاً صحيحاً عن الإسلام، وأن كل من يشوه الدين أو يصد عن سبيل الله سبحانه وتعالى أو ينفر الناس من دين الله عز وجل، فهو منتهك لأعظم حق من حقوق الإنسان.
تفسير قوله تعالى: (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله)
تفسير قوله تعالى: (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله) قال تبارك وتعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:29]. هذا توعد لمن أراد إخفاء مودة الكفار وموالاتهم أو إظهارها، أو تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم أو الكفر. وهذا فيه تخويف للناس من أن يقعوا في ذلك.
تفسير قوله تعالى: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا)
تفسير قوله تعالى: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً) قال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران:30]. قال تبارك وتعالى من قبل: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران:28]؛ وقال هنا أيضاً: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران:30] فكرره؛ ليكون على بالهم ولا يغفلون عنه. وقيل: التكرار هنا ليس للتأكيد فحسب، بل فيه إشارة إلى أن تحذير الله سبحانه وتعالى في قوله: ((وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ))، باعثه، والدافع له هو رأفة الله سبحانه وتعالى ورحمته بعباده؛ لأنه سبحانه وتعالى غني عن تعذيبهم، قال عز وجل: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء:147]، الله سبحانه لا يريد أن يهلككم أو يعذبكم؛ لأنه رحيم بكم، ورءوف بكم، ومن رأفته أنه يحذركم نفسه حتى لا تتعرضوا لعقابه، وكذلك قال: ((وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)).
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون) إلى قوله تعالى: (يوم تجد كل نفس) الآيات
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون) إلى قوله تعالى: (يوم تجد كل نفس) الآيات يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ((لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ)) أي: يوالونهم. ((مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)) أي: من غير المؤمنين. ((وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ)) أي: يواليهم. ((فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ)) أي: ليس من دين الله في شيء. ((إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)) مصدر تقيته، أي: تخافوا مخافة فلكم موالاتهم باللسان دون القلب. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (التقاة: التكلم باللسان والقلب مطمئن بالإيمان)، رواه البيهقي في السنن والحاكم وغيرهما. وهذا قبل عزة الإسلام، ويجري حكم التقية في كل بلدة ليس الإسلام قوياً فيها. ((وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)) أي: يخوفكم الله نفسه أن يغضب عليكم إن واليتموهم. ((وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)) أي: المرجع فيجازيكم. ((قُلْ إِنْ تُخْفُوا)) أي: قل لهم إن تخفوا. ((مَا فِي صُدُورِكُمْ)) أي: ما في قلوبكم من موالاتهم. ((أَوْ تُبْدُوهُ)) أي: تظهروه. ((يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ)) يعني: وهو يعلم ((مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) ومنه تعذيب من والاهم. ثم يقول تعالى: ((يَوْمَ تَجِدُ)) أي: اذكر: ((يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ))، أي: ما عملته ((مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ)) أي: ما عملته ((مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا))، أي: أن النفس التي عملت السوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً. فإذاً: (وما عملت) ما: هنا مبتدأ خبره: (تود) ((لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا))، يعني: غاية في البعد فلا يصل إليها. ((وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)) كرر للتأكيد: ((وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)).
تفسير قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)
تفسير قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31]، أي: قل لهم يا محمد: ((إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)). يقول السيوطي: إن معنى يحببكم يثيبكم، وهذا التأويل مرفوض وغير مقبول؛ لكن منهج السلف في هذا إثبات صفة المحبة لله عز وجل. ((وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) أي: إن اتبعتموني يغفر لكم ما قد سلف. ((رَحِيمٌ)) أي: رحيم بكم.
تفسير قوله تعالى: (قل أطيعوا الله والرسول)
تفسير قوله تعالى: (قل أطيعوا الله والرسول) قال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:32] ((قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ)) أي: قل لهم: أطيعوا الله والرسول فيما يأمركم به من التوحيد. ((فَإِنْ تَوَلَّوْا)) أي: أعرضوا عن الطاعة. ((فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ))، فيه إقامة الظاهر مقام المضمر؛ والمقصود أن الله لا يحبهم، لكن أبرز صفة الكافرين إيماءً إلى أن سبب بغض الله سبحانه وتعالى أو عدم محبته لهم هو هذا الكفر. لم يقل: (فإن تولوا فإنه لا يحبهم)؛ لأن العرب إذا عظمت الشيء أعادت ذكره، أنشد سيبويه يقول: لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقير فحين عظم الموت فكرر ذكره. يؤخذ من هذه الآية: أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم هي اتباعه صلى الله عليه وسلم، فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر، إذ لو كان محباً له لأطاعه، ومن المعلوم عند العامة أن المحبة قد تجلب الطاعة، ومنه قول الشاعر: لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع وعمر بن أبي ربيعة المخزومي يتكلم عن محبوبته ويقول: ومن لو نهاني من حبه عن الماء عطشان لم أشرب يعني: أنه لو نهاني -من حبه- عن الماء، وقال لي: لا تشرب، وأنا عطشان وأعاني الظمأ الشديد لم أشرب؛ طاعة ومحبة لامتثال أمره. وقد أجاد من قال: قالت وقد سألت عن حال عاشقه بالله صفه ولا تنقص ولا تزد فقلت لو كان رهن الموت من ظمأ وقلت قف عن ورود الماء لم يرد فإذا كان هذا في مخلوق ضعيف يحبه إنسان فيطيعه هذه الطاعة، فكيف بطاعة الله سبحانه وتعالى؟! يقول: (قالت وقد سألت عن حال عاشقها) أي: سألت صديقاً لعاشقها يعرف أحواله وأخباره فتقول: بالله صفه ولا تنقص ولا تزد، فأجابها بهذا A ( فقلت لو كان رهن الموت من ظمأ) أي: لو كان يكاد يموت من شدة العطش، وكنت أنت حاضرة، وقلت له: قف عن ورود الماء لم يرد. أي: أنه يقدم طاعتك التي فيها الموت على الحياة التي فيها معصية لأمرك مع شرب الماء. قال سهل بن عبد الله: علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة، وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبي صلى الله عليه وسلم وحب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة أن يحب نفسه، وعلامة حب نفسه أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا ألا يأخذ منها إلا الزاد والبلغة.
تفسير قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم)
تفسير قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم) قال تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران:33]. قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى)) أي: اختار للنبوة، أو اصطفى بالنبوة آدم ونوحاً. (وآل إبراهيم وآل عمران)، بمعنى: أنفسهما، ولا شك أنه لا يفهم من الآية أن هذا الاصطفاء لكل من انحدر من ذرية هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وإنما المقصود الثناء على المؤمنين منهم والصالحين، ولا يدخل في هذا الثناء من كفر بالله تبارك وتعالى من ذرية إبراهيم وعمران. وآل إبراهيم: هم عشيرته وذوو قرباه، وهم: إسماعيل وإسحاق والأنبياء من أولادهما، ولا شك أن من جملتهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يدخل في الاصطفاء بطريق الأولى، وعدم التصريح به اختلف فيه المفسرون؛ ولم يصرح الله تبارك وتعالى هنا بأفضلية محمد صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الأنبياء المذكورين عليهم السلام؛ للإيذان باستغنائه صلى الله عليه وسلم عن أن يذكر في هذا السياق؛ ولكمال شهرة أمره في الخلة، فإن الله سبحانه وتعالى اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولشهرة مقامه الشريف حتى على لسان من سبقه من الأنبياء، فإنه كما قال عليه الصلاة والسلام عن نفسه: (أنا دعوة أبي إبراهيم)، والمقصود دعوته التي سبق الكلام عليها في سورة البقرة: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [البقرة:129] إلى آخر الآية، فلشدة شهرته بأنه أفضل خلق الله سبحانه وتعالى أجمعين، أو أفضل بني آدم على الإطلاق لم يحتج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يذكر هنا في هذا السياق. أو لم يذكر؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم جاوز مرتبة الاصطفاء، وارتفع على جميع الأنبياء والمرسلين، فالرسل عليهم الصلاة والسلام خلقوا للرحمة، أما محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد خلق بنفسه رحمة ولم يخلق للرحمة، كما قال تبارك وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، وكما جاء في بعض الأحاديث قال صلى الله عليه وسلم: (أنا رحمة مهداة)، ولذلك جعله الله سبحانه وتعالى أماناً للخلق مؤمنهم وكافرهم؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لما بعثه الله أمنت البشرية كلها من العذاب الذي يستأصل هذه البشرية، فلن يهلك الله سبحانه وتعالى هذه الأمة بسنة عامة، أو بعذاب عام يستأصلهم كما حصل للأمم الكافرة من قبلهم. إذاً: هو داخل في هذا الاصطفاء بطريق الأولوية، وإنما استغني عن ذكره؛ لأن رتبته أعلى من مجرد الاصطفاء المذكور هنا. ((وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ)) اصطفى آل عمران؛ لأنه جعل فيهم عيسى عليه السلام؛ لأن من آل عمران عليه السلام عيسى، وعمران هنا هو والد مريم التي هي أم عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ((عَلَى الْعَالَمِينَ)) أي: عالمي زمانهم، أما الذي فضل على العالمين بإطلاق فهو نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. قوله (عَلَى الْعَالَمِينَ) أي: بجعل الأنبياء من نسل هؤلاء المذكورين، ويستدل بهذه الآية على تفضيل الأنبياء على الملائكة لدخولهم في العالمين؛ لأن العالم يشمل الأنبياء ويشمل الملائكة، فهذه الآية مما يحتج به لمذهب من فضل الأنبياء عليهم السلام على الملائكة.
تفسير قوله تعالى: (ذرية بعضها من بعض)
تفسير قوله تعالى: (ذرية بعضها من بعض) قال تعالى: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران:34]. ((ذريةً)) أي: نسلاً. ((بعضها من بعض)) أي: أن هذه الذرية مسلسلة في وراثة هذا الاصطفاء؛ وأن بعضها من ولد بعض. ((وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)).
تفسير قوله تعالى: (إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا)
تفسير قوله تعالى: (إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً) قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [آل عمران:35] ((إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ)) أي: اذكر إذ قالت امرأة عمران، واسمها: حنة، لما أسنت واشتاقت للولد فدعت الله عز وجل، فلما أحست بالحمل قالت: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [آل عمران:35]. (إِنِّي نَذَرْتُ) أي: نذرت أن أجعل، (لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا). يقول الزجاج: كان على أولادهم فرضاً أن يطيعوهم في نذرهم، وهذا في شريعتهم، أي: لو أن الأب نذر ابنه للتفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى كان على الولد أن يطيع أباه في ذلك، فكان الرجل ينذر في ولده أن يكون خادماً في مكان العبادة. وقال القاضي أبو يعلى: والنذر في مثلما نذرت صحيح في شريعتنا، فإنه إذا نذر الإنسان إن ينشئ ولده الصغير على عبادة الله وطاعته وأن يعلمه القرآن والفقه وعلوم الدين صح مثل هذا النذر. وانظر إلى قولها: ((ما في بطني)) ولذلك قدر السيوطي -وهذا من دقته في التفسير- في الجملة السابقة: ((إذ قالت امرأة عمران)) قال: لما أسنت واشتاقت للولد فدعت الله وأحست بالحمل، فقوله: أحست بالحمل، استنبطها من قولها: ((ما في بطني)) لأنها أحست بهذا الحمل. ((محرراً)) أي: عتيقاً خالصاً من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس. هذا التعبير في غاية الدقة في الحقيقة، فهو يتحرر من أن يعبد الدنيا، ويتذلل في طلبها؛ ليكون خالصاً لعبادة الله وحده. معنى قولها: ((نذرت لك ما في بطني محرراً)) أي: نذرته وقفاً على طاعتك، لا أشغله بشيء من أموري، فلم تطلب منه الاستئناس به، ولا ما يطمع الناس من أولادهم؛ لأن الناس يطمعون من وجود الذرية إشباع ما في الفطرة من الاستئناس بالأولاد، كذلك أيضاً الاستنصار بهم، والاستعانة بهم، فهي تنازلت عن حظ نفسها من هذا الولد. يقول العلماء: وهكذا على كل أحد إذا طلب ولداً أن يطلبه بالوجه الذي طلبت امرأة عمران وطلب زكريا حيث قال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران:38] أي: صالحة. وما سأل إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات:100]. وقال تعالى في دعاء عباد الرحمن: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان:74] هبة من الله سبحانه وتعالى. فهكذا الواجب أن يطلب الولد لا من أجل الاستئناس والاستنصار والاستعانة بأمر المعاش بهم، فانظر إلى امرأة عمران لما منّ الله تعالى عليها بالولد نظرت أن حظها من الأنس به متروك، فنذرته على خدمة الله تعالى في مكان العبادة، وهذا نذر الأحرار من الأبرار. قال القرطبي رحمه الله تعالى: وأرادت بقولها: ((محرراً)) أي: محرراً من رق الدنيا وأشغالها. وهذه إشارة إلى أن من لا يشتغل بطاعة الله سبحانه وتعالى اشتغالاً محضاً فهو لا بد له من نوع من الاسترقاق لمطالب الدنيا ومآربها، ويشبه هذا ما حكاه القرطبي أيضاً عن رجل من العباد أنه قال لأمه: يا أمه! ذريني لله أتعبد له وأتعلم العلم، فقالت: نعم، فسار حتى تبصر، ثم عاد إليها فدق الباب، فقالت: من؟ فقال لها: ابنكُ فلان، قالت: قد تركناك لله ولا نعود فيك. هذه القصة قد يكون فيها شيء من النظر. و ((محرراً)) كما ذكرنا مأخوذ من الحرية، والحرية ضد العبودية، ومن هذا تحرير الكتاب، يقال: الكتاب الفلاني حرره المصنف الفلاني، وخلصه من الاضطراب والفساد، والمحرر: هو الخالص لله عز وجل لا يشوبه شيء من أمر الدنيا، تقول: طين حر، أي طين لا رمل فيه، وهناك عبارة مشهورة عند الناس يقولون: ذهب حُر، أي: لم يخالطه النحاس ولا غيره. ((فَتَقَبَّلْ مِنِّي))، التقبل: هو أخذ الشيء على وجه الرضا. ((إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ)) أي: السميع للدعاء، والمقصود بالسميع هنا هو المجيب، كما تقول في الصلاة: سمع الله لمن حمده، يعني: أجاب الله سبحانه وتعالى. ((الْعَلِيمُ)) أي: بالنيات.
تفسير قوله تعالى: (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى)
تفسير قوله تعالى: (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى) قال تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران:36] قال بعض المفسرين: هلك عمران بعد ذلك وهي حامل، كلمة هلك تأتي في سياق الذم، كما تقول: هلك الطاغوت الفلاني مثلاً، لكن قد يعبر بها أحياناً عن الموت، كما قال تبارك وتعالى حاكياً على لسان مؤمن آل فرعون: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا} [غافر:34]، كذلك قوله تعالى: {إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ} [النساء:176] أي مات؛ ولذلك يشيع في مسائل الميراث هلك هالك عن كذا وكذا. ((فَلَمَّا وَضَعَتْهَا)) أي: ولدتها جارية. يعود الضمير في قوله: ((وضعتها)) إلى مذكور من قبل في الآية السابقة: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} [آل عمران:35 - 36]، الضمير يعود إلى؟ إلى ((ما)) التي في قولها: ((ما في بطني محرراً)) والأصل أنه يكون مذكراً؛ لكن أنث على المعنى؛ لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله. أو يكون على تأويل: ((فلما وضعتها)) أي: هذه النسمة أو هذه النفس، وهي مؤنث. ((فلما وضعتها)) أي: ولدتها جارية، وكانت ترجو أن يكون غلاماً، إذ لم يكن يحرر إلا الغلمان، قالت: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} [آل عمران:36] إما أنها قالت ذلك على سبيل الاعتذار، أو أنها تحسرت؛ لأنها كانت أنثى، إذ جهلت قدرها، ولو علمت أم مريم عليها السلام قدر مريم لما تحسرت، لكن إن قلنا: إنها تحسرت فيكون ذلك على أنها جهلت قدر مريم عليها السلام. ((فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ)) أي: معتذرة أو متحسرة، إذ جهلت قدرها: ((رَبِّ)) أي: يا رب، ((إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ)) أي: أن الله عالم بما وضعت. وفي قراءة: ((وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتُ))، بضم التاء، أو: ((وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتِ)) بكسر التاء على أنه خطاب من الملائكة. ((وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ))، هذه جملة اعتراض من كلامه سبحانه وتعالى. ((وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى))، أي: ليس الذكر الذي طلبتُ كالأنثى التي وهبت؛ لأن الذكر يحرر ويقصد للخدمة، والأنثى لا تصلح لها؛ لضعفها وعورتها، وما يعتريها من الحيض ونحوه، مما يمنع أن تتفرغ لهذه العبادة. ((وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ))، ومريم في لغتهم هي العابدة، سمتها بذلك تفاؤلاً ورجاء أن يكون فعلها مطابقاً لاسمها. وهكذا ينبغي عند اختيار الأسامي أن يتفاءل الإنسان عندما يسمي ابنه أو بنته، عسى أن يكون مثل هذا المسمى. ((وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا)) أي: أولادها، ولم يكن لها من الذرية سوى المسيح عليه السلام. ((مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)) بمعنى: المرجوم المطرود، وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً إلا مريم وابنها)، وهذا رواه الشيخان وغيرهما. فقوله: (ما من مولود يولد): هذا يعم كل مولود بما في ذلك الأنبياء والمرسلين، وإلا لما كان لاختصاص مريم وعيسى عليهما السلام بهذا الأمر معنى. ليس معنى ذلك: أن الشيطان إذا نزغ أو نفث في خاصرة هذا المولود أنه يكون مسلطاً عليه؛ لا يشترط ذلك؛ لأن الأنبياء معصومون من ذلك: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر:42] لكن هو عبارة عن إعلان بالعداوة منذُ اللحظة الأولى، لا شك أن هذا الصراخ الذي يحصل من الطفل المولود عند ولادته له سببان: السبب الأول: سبب مادي يمكن التوصل إليه بالخبرات البشرية والعلم البشري، فلذلك تركه الله سبحانه وتعالى للأطباء والمتخصصين في هذا المجال، برقي علمهم يكتشفون هذه الأسباب، وفوائد الصراخ بالنسبة للمولود وغير ذلك. السبب الثاني: وهو السبب الغيبي الذي لا يمكن أن يدرك بالحواس، ولا بتجارب ولا بعلوم مادية تترقى من وقت لآخر، فهو سبب غيبي لا نراه؛ ولذلك أخبرنا عنه الله تبارك وتعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً)، كما جاء في بعض الروايات: (يصرخ)، لماذا يصرخ؟ السبب الذي لا نستطيع أن نعرفه إلا من طريق الوحي، هو هذا الذي ذكره عليه الصلاة والسلام، وهو: (أن الشيطان يعلن له العداوة منذُ اللحظة الأولى فينخسه ويطعنه في خاصرته أو في جنبه فيستهل صارخاً إلا ابن مريم وأمه، استجابة لدعوة امرأة عمران حينما قالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران:36]، فهذا الحديث يدل على إجابة هذه الدعوة.
تفسير قوله تعالى: (فتقبلها ربها بقبول حسن)
تفسير قوله تعالى: (فتقبلها ربها بقبول حسن) قال تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:37] ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا)) أي: قبل مريم من أمها، والقبول هو أخذ الشيء على وجه الرضا. ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ)) يعني: أنها صالحة؛ لأن تكون محررة، وأن امرأة عمران وفت بنذرها، وذلك كما جاء في بعض التفاسير: أنها لفتها في خرقة وأرسلتها إلى المسجد، وورد أنها ربتها حتى كبرت وصلحت لخدمة المسجد فأرسلتها؛ لكن الإمام القرطبي رحمه الله تعالى لم يفته أن ينوه على شيء مهم جداً قال: حتى لو كانت تصلح في شريعتهم أن تقوم بخدمة المسجد، فلعل الحجاب لم يكن عندهم كما كان في صدر الإسلام. واستدل بالحديث المتفق عليه: (أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فماتت) والحديث معروف، فمعنى ذلك: أن هذا كان في بداية الإسلام، وفي صدر الإسلام؛ كذلك كانت المرأة تصلح أو الأنثى تصلح في شريعتهم لمثل هذا، ولم يكن الحجاب بنفس الصورة في الإسلام موجوداً عندهم، فلأجل ذلك كانت في المسجد، والله أعلم. بعض القضايا نريد أن نتوقف عندها قليلاً: فأولى هذه القضايا: قوله تعالى هنا: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} [آل عمران:36]، يخبرنا سبحانه وتعالى بهذه القضية السالبة، والكفرة والملحدون الآن يقولون: بل الذكر كالأنثى فيجعلونها موجبة، فلا شك بعد قول الله سبحانه وتعالى في صدق هذه السالبة، وكذب هذه الموجبة. ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا))، أي: أنشأها بخلق حسن. وجاء في التفسير أنها من حيث معدل النمو قد كانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام، وأتت بها أمها. وهناك تفاسير أخرى لقوله تعالى: {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} أي: بجعل ذريتها من كبار الأنبياء. والتفسير الأول يحتاج إلى دليل مرفوع. أما التفسير الثاني فقد جعل الله من ذريتها المسيح عليه السلام من أولي العزم من الرسل ومن كبار الأنبياء. قال الزمخشري عند قوله تعالى: ((وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا)) مجاز عن التربية الحسنة، هي العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها، كالصلاح والسداد والعفة والطاعة. وأتت بها أمها الأحبار سدنة بيت المقدس، فقالت: (دونكم هذه النذيرة خذوها، فتنافسوا فيها؛ لأنها بنت إمامهم وسيدهم عمران، فقال زكريا: أنا أحق بها؛ لأن خالتها عندي، فقالوا: لا، حتى نقترع. فالأقرب أنهم تنافسوا أيهم يكفل مريم تنافساً في الخير؛ لأنهم جميعاً كانوا يحبون ذلك ويتنافسون عليه، لا كما زعم بعضهم أنهم أصابهم فقر، وتنازعوا فيمن يتحمل نفقتها كأنهم كانوا متضررين من ذلك، فحسماً للنزاع اقترعوا. هذا بعيد! فقال زكريا: (أنا أحق بها؛ لأن خالتها عندي، فقالوا: لا، حتى نقترع، فانطلقوا وهم تسعة وعشرون إلى نهر الأردن، وألقوا أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها، ومن غرق قلمه أو ذهب مع الماء فلا حق له فيها، فثبت قلم زكريا، فأخذها وبنى لها غرفة في المسجد بسلم لا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها، فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، كما قال تعالى: ((وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا)) [آل عمران:37])، أحد الصحابة رضي الله تعالى عنهم أيضاً كان له مثل هذه الكرامة، وذلك عندما كان مأسوراً عند الكفار، فكان يوجد عنده قطف من العنب في الشتاء، والله أعلم. ((وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا)) أي: ضمها إليه، أصل كلمة: ((زكريا)) تذكار الرب، يعني: تذكر الرب سبحانه وتعالى، وهي تقرأ: ((زكريا)) أو (زكرياء) والمكفل هو الله سبحانه وتعالى: ((وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا))، إذاً: إعراب زكريا مفعول ثان. ((وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ))، المحراب: هو أشرف المجالس؛ لأن المحراب هو الغرفة والموضع العالي، وهو سيد المجالس ومقدمها وأشرفها. وسمي محراب المسجد بهذا الاسم؛ لانفراد الإمام فيه وبعده عن القوم يقال: فلان حرب لفلان؛ يعني: إذا كان بينهما مباغضة ومباعدة وخصام، فيعبرون عن ذلك بكلمة: (حرب) لأن فيه معنى البعد. وقيل: المحراب مأخوذ من المحاربة؛ لأن المصلي يحارب الشيطان، ويحارب نفسه بإحضار قلبه. وعلى أي الأحوال فالمحراب المقصود به أنه أشرف الأماكن وأكرم المواضع من المجلس، وأشرف المسجد هو مقام الإمام. ((كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ))، (كلما) صيغة عموم تعم الوقت كله، أي: كلما دخل الغرفة ((وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا)) أي: من أين لك هذا؟ ((قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ))، مع أنها كانت صغيرة؛ لكنها أجابت هذه الإجابة التي تفصح عن يقينها وإيمانها، بالله عز وجل، ((هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)) أي: أنه يأتيني به من الجنة. ثم ذكرت التعليل؛ حيث قالت: ((إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ))، الحساب هنا بمعنى: التضييق والتقتير. فقولها: ((إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ))، فيه كرامة لـ مريم عليها السلام. ((بِغَيْرِ حِسَابٍ)) أي: رزقاً واسعاً بلا تبعة، أو ((بِغَيْرِ حِسَابٍ)) أي: بغير تقدير لكثرته، أو بغير استحقاق تفضلاً منه تبارك وتعالى ومحض فضل ومنّة من الله عز وجل.
تفسير قوله تعالى: (هنالك دعا زكريا ربه)
تفسير قوله تعالى: (هنالك دعا زكريا ربه) قال تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران:38]. زكريا عليه السلام رأى هذه الآية وهذه العلامة على قدرة الله سبحانه وتعالى، فلما رآها قد رزقها الله سبحانه وتعالى شيئاً في غير حينه وفي غير أوانه وكان يتوق إلى الولد، حينها طمع في رحمة الله سبحانه وتعالى، فلما سمعها تقول له ذلك: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:37]. ((هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ))، أي: أنه طمع في أن يحقق الله سبحانه وتعالى له ما يصبو إليه؛ لأنه لما رأى أن الله سبحانه وتعالى رزقها الفاكهة في غير حينها، وعلم أن القادر على الإتيان بالشيء في غير حينه قادر على الإتيان بالولد حين الكبر، وكان أهل بيته انقرضوا. ((هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ))، أي: لما دخل المحراب للصلاة في جوف الليل: ((قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ)) أي: من عندك، ((ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً)) أي: ولداً صالحاً. ((إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)) أي: مجيب الدعاء.
وقفة مع قوله تعالى: (هب لي ذرية)
وقفة مع قوله تعالى: (هب لي ذرية) نود أن نقف وقفة عند قوله تعالى: ((هَبْ لِي)). نقول: إن الذرية هبة من الله سبحانه وتعالى، ونعمة من الله عز وجل لا ينبغي أبداً السعي في إنقاصها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول: (اللهم زدنا ولا تنقصنا)، والملحدون اليوم يقولون: اللهم انقصنا ولا تزدنا، هؤلاء سفهاء العقول والأحلام، حالهم وطريقتهم في التعامل مع ما يسمونه: الانفجار السكاني، يريدون بذلك أن يستروا خيبتهم وفشلهم وتآمرهم على شعوبهم باسم الانفجار السكاني، وكأن الناس لم تخلق إلا بأفواه فقط لتأكل، ولم تخلق معها أيدي تعمل وتكتسب! قال الشاعر: لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق أي: أن عقولهم هي الضيقة. فحالهم كحال شخص عنده ثوب، هذا الثوب قصير عليه جداً، فيريد أن يحل مشكلة الثوب القصير! فيقوم ببتر ساقيه حتى يناسب طول الثوب! مثلاً: في مصر بلد الخير والفضل العميم من الله سبحانه وتعالى: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ:15] بكل ما فيها من الخير، فإنه لا يستثمر من أرض مصر ويستغل إلا بنسبة قد لا تصل إلى (5%) من مساحة الجمهورية كلها، ثم نشكو بعد ذلك ضيق الرزق، إنما هو ضيق العقول والتآمر على المسلمين.
تفسير قوله تعالى: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب)
تفسير قوله تعالى: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب) قال تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران:39]. ((فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ))، قيل: الملائكة على ظاهرها، وقيل: المقصود بها: ملك واحد وهو جبريل عليه السلام. ((وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ)) أي: المسجد أو مكان العبادة. ((أَنَّ اللَّهَ)): يعني: بأن الله، وفي قراءة بالكسر: بتقدير أن الملائكة أو أن جبريل قال: (إن الله). ((يُبَشِّرُكَ))، إما يُبشِّرُك، أو يَبْشُرك، البَشَرة هي ظاهر الجلد. ((بِيَحْيَى))، يحيى أصلها في لغتهم: يوحنا، ومعناها في نعمة الرب. ((مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ)) أي: بكلمة كائنة من الله سبحانه وتعالى، وهي كلمة: كن؛ لأن هناك آية أخرى فصلت ما هي هذه الكلمة كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل:40]. ((بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ)) أي: يحيى، مصدقاً بعيسى أنه روح الله وأمره وكلمته؛ لكن روح المسيح كباقي أرواح المخلوقات، أي أن قوله تعالى: {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء:171] ليس المقصود البعضية أو الجزئية والعياذ بالله، لا يمكن أبداً أن يكون المسيح جزءاً من الله سبحانه وتعالى معاذ الله، هذا كفر بلا شك. لكن المقصود بـ (من) هنا، مِن الابتدائية أي: أن ابتداء خلقه منه سبحانه وتعالى، وذلك كما في قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية:13] هل كل ما في السماوات والأرض جزء من الله؟! لا، لكن ابتداء خلقها من الله، كذلك قوله: ((بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ)) هي (كن). أما قوله: ((وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ)) [السجدة:9]، فكل مخلوق ينفخ الله فيه من روحه، وهذه الروح مخلوقة بلا شك خلقها الله، كما تقول: بيت الله، ناقة الله، هذه إضافة تشريف، فروح الله يعني: الروح التي خلقها الله له. ويقول تعالى: {وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة:7]، {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة:9]. ((وَسَيِّدًا)) أي: متبوعاً يسود قومه ويفوقهم ((وَحَصُورًا)) أي: ممنوعاً من النساء من غير علة، بمعنى: أنه لا يرغب فيهن؛ بسبب اشتغاله بطاعته لله سبحانه وتعالى وعبادته، فإنما يمتنع من ذلك عفة وزهداً واجتهاداً في الطاعة؛ لأن هذا بلا شك وارد في سياق الثناء على يحيى عليه السلام، فالثناء يكون بالأمر المكتسب، لا بالأمر الجبلي، بهذا يبطل قول بعض المفسرين: إنه كان عنيناً لا يأتي النساء. وصيغة (حصور) بوزن فعول، وهي بمعنى: حاصر، أي: أنه يحصر نفسه عن الشهوات، ونقول: إن هذا لعله كان في شرعهم، أما شرعنا فهو بخلاف ذلك، فإنه لا يمدح الإنسان بالزهد في هذا الأمر، بل بالعكس حرض نبينا صلى الله عليه وسلم على هذا، ونهى عن التبتل كما نهى عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه، وكما نهى أبا هريرة عن الاختصاء، وكما قال في حديث الرهط الثلاثة: (وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). إذاً: ديننا وشرعنا بخلاف ذلك، وإنما فيه حث وتحريض على النكاح، أما الرهبانية في هذه الأمة فهو الجهاد، وقال عليه الصلاة والسلام: (تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة)، وفي حديث عياض بن حمار المشهور في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (وأهل النار خمسة)، فذكر من أهل النار: (الضعيف الذي لا زبر -أي: لا عقل- له، والذين هم فيكم تبعاً لا يبغون أهلاً ولا مالاً)، أي: من لا يطمح في أن يتزوج ويكون له أهل أو يجتهد في توسيع رزقه. قوله: (لا يبغون أهلاً ولا مالاً)، هذا من دناءة الهمة وخستها، يقول: حتى لا أتحمل المسئولية، وإذا انضم إلى ذلك ما يدعو إليه من الفواحش، فإن الأمة تصير إلى المهالك والمفاسد. ((وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ))، أي: ناشئاً من الصالحين؛ لأنه من ذرية قومٍ صالحين ومن أصلابهم، أو كائناً من جملتهم، والصالح: هو الذي يؤدي لله ما افترض عليه، ويؤدي إلى الناس حقوقهم، هذا حد الرجل الصالح. وروي (أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها عليه السلام).
تفسير قوله تعالى: (قال رب أني يكون لي غلام وقد بلغني الكبر)
تفسير قوله تعالى: (قال رب أني يكون لي غلام وقد بلغني الكبر) قال تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [آل عمران:40]. قال عز وجل حاكياً عن زكريا عليه السلام: ((قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ))، قال بعض المفسرين: لما تحققت البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر! ((قَالَ رَبِّ أَنَّى)) أي: كيف؟ أو من أين؟ ((يَكُونُ لِي غُلامٌ)) أي: ولد. قولهم للطفل: غلام على معنى التفاؤل، أي: أنه سيكبر ويصير غلاماً، ولا يموت طفلاً، وقولهم للكهل: غلام، بمعنى: أنه كان من قبل غلاماً. ((وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ))، أي: بلغت الكبر وبلغني الكبر. قال بعض المفسرين: ليس المقصود هنا أن زكريا يستبعد هذا الأمر، وإنما كان يريد أن يستفهم عن كيفية وجود الولد، هل ستعود زوجته شابة؟ لأنها كانت عاقراً، وكان كبيراً في السن، أم يأتي وهما على هذه الحال قد بلغا من الكبر عتياً. أو أن قوله: ((رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ)) كان على وجه التواضع، بمعنى: بأي منزلة أستوجب هذا وأنا لست مستحقاً لهذه الكرامة أو لإجابة هذا الدعاء. ((وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ)) أي: بلغت نهاية السن مائة وعشرين سنة. ((وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ)) أي: معقورة قد بلغت ثمانية وتسعين سنة: ((قَالَ كَذَلِكَ)) أي: أن الأمر كذلك في كونه يخلق غلاماً منكما، وأنتما كبيران في السن، بمعنى: أنكما لن ترجعا شباباً. ((اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)) أي: لا يعجزه شيء، ولا يحتاج إلى سبب. ولإظهار هذه القدرة العظيمة ألهمه الله أن يسأل هذا Q (( رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ)) كي يأتي المقصود من الجواب بإظهار قدرة الله عز وجل. وهنا في قصة زكريا قال: (يفعل) أما في قصة المسيح: {قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ} [آل عمران:47]، وسنوضح الفرق إن شاء الله.
تفسير قوله تعالى: (قال رب اجعل لي آية)
تفسير قوله تعالى: (قال رب اجعل لي آية) قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} [آل عمران:41] ((قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً)) أي: علامة على حمل امرأتي، وسأل الآية لأن شأن الحمل في بداية وقوعه يكون خفياً، وأعراض الحمل تتأخر، فأراد أن يعلمه الله به من أوله، وأن يجعل له آية ظاهرة يعلم بها حصول الحمل من بدايته؛ كي يستصحب الشكر من بداية حصول هذه النعمة ولا يؤخره إلى أن يظهر ظهوراً معتاداً. ((قَالَ آيَتُكَ))، أي: آيتك عليه. ((أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ)) أي: تمنع من كلامهم، بخلاف ذكر الله تبارك وتعالى فلا تمنع عنه. ((ثَلاثَةَ أَيَّامٍ)) يعني: بلياليها، جمعاً بين هذا وقوله تعالى: {ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} [مريم:10]. ((إِلَّا رَمْزًا)) أي: إشارة، والإشارة لا تكون إلا باليد أو بالرأس، أي: تتكلم مع الناس بالإشارة؛ ولذلك بوب الإمام البخاري في صحيحه بقوله: باب وقوع الطلاق بالإشارة، وهو يفيد وقوع الطلاق بالإشارة بالنسبة للأخرس الذي لا يتكلم. والمعنى: أنه يحال بينه وبين الكلام من غير آفة فيه، إنما هذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى، بحيث إنه إذا أراد أن يتكلم كلاماً عادياً لا يستطيع أبداً، أما إذا أراد أن يذكر الله أطلق الله لسانه؛ لكن يتعامل مع الناس بالرمز وبالإشارة بالشفتين أو باليد أو بالرأس وغير ذلك، وذلك لمدة ثلاثة أيام. يقول محمد بن كعب رحمه الله تعالى: لو رخص الله لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا؛ لأنه منعه من الكلام وأمره في نفس الوقت بذكر الله تبارك وتعالى. ((وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ)) أي: صل؛ لأن التسبيح يطلق على الصلاة أحياناً. ((بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ)) أي: أواخر النهار وأوائله.
آل عمران [42 - 51]
تفسير سورة آل عمران [42 - 51]
تفسير قوله تعالى: (وإذ قالت الملائكة يا مريم)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قالت الملائكة يا مريم) {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:42]. ((وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ)) أي: واذكر إذ قالت الملائكة، أي: جبريل عليه السلام. ((يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)). ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ)) أي: اختارك، بالتقريب وبالمحبة. ((وَطَهَّرَكِ))، أي: وطهرك عن الرذائل، أو وطهرك عن مسيس الرجال. ((وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)) أي: أهل زمانك، وهذا فيه موضوع طويل ليس مقام بسطه الآن: وهو هل مريم هي أفضل نساء زمانها فقط أم هي أفضل النساء على الإطلاق؟ وهل مريم عليها السلام نبية أم ليست نبية؟ والصحيح -والله تعالى أعلم- هو المتفق عليه أن مريم ليست نبية؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يبعث إلا رجالاً، كما قال عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [النحل:43]، وكلام الملك لها لا يكفي دليلاً على كونها نبية؛ لأن الملك تصور لها في في صورة رجل: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم:17] وكان جبريل يتصور في صورة دحية الكلبي، وفي حديث عمر بن الخطاب: (إذ طلع علينا رجل شديد سواد الشعر -إلى آخر الحديث- فقال: ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). فهل صار الصحابة بمجرد أن يشاهدوا جبريل عليه السلام أنبياء.
تفسير قوله تعالى: (يا مريم اقنتي لربك)
تفسير قوله تعالى: (يا مريم اقنتي لربك) {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران:43]. ((يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ)) أي: أطيعيه شكراً على هذا الاصطفاء. ((وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)) أي: صلي مع المصلين. قال مجاهد: سجدت حتى تقرحت ركبها، أو جبهتها.
تفسير قوله تعالى: (ذلك من أنباء الغيب)
تفسير قوله تعالى: (ذلك من أنباء الغيب) {ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران:44]. ((ذَلِكَ)) أي: المذكور من أمر زكريا ومريم عليهما السلام: ((مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ))، أي: من أخبار ما غاب عنك. ((نُوحِيهِ إِلَيْكَ)) يا محمد عليه الصلاة والسلام، يعني: أنه ليس هناك سبيل لمعرفة هذا الغيب إلا الوحي، فهذه من علامات صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو إخباره عما كان من قبل ولم يشهده، والإتيان في ذلك بما هو مهيمن على كل ما خالفه، فبعث النبي عليه الصلاة والسلام لأجل حكم كثيرة منها: أن يبين لهؤلاء اليهود والنصارى من بني إسرائيل ما اختلفوا فيه من شأن المسيح عليه السلام، حتى يأتي بالقول الفصل في كل من تنازعوا فيه، فالقرآن حاكم على ما جاء قبله ومخبر بالصدق في ذلك، فهذا كقوله تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ نادينا) [القصص:44]، وكقوله تبارك وتعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ} [القصص:46]، وكقوله في قصة يوسف عليه السلام: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف:102] وقوله: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [هود:49]، فهذه إشارة إلى أن مصدر هذه الأخبار كلها الوحي لا غير. ((وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ)) أي: في الماء يقترعون ليظهر لهم ((أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ))، أي: أيهم يضمها إليه وأيهم يربيها. قال العلماء: هذه الآية أصل في جواز القرعة عند التنازع. ((وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ))، أي: في كفالتها، وكما ذكرنا أنهم يختصمون تنافساً في حيازة هذا الشرف، لا تدافعاً كما زعم بعض الناس.
تفسير قوله تعالى: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك)
تفسير قوله تعالى: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك) {إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران:45]. ((إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ)) أي: اذكر إذ قالت الملائكة وهو جبريل عليه السلام: ((يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ)) أي: بولد. فالمقصود بالكلمة هو الولد يحصل بكلمة من الله بلا واسطة أب، فهذا من إطلاق السبب وإرادة المسبب. ((اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)). يجوز في غير القرآن أن تقول: بكلمة منه اسمها، لكن ذكَّر الضمير الراجع إلى الكلمة؛ لكونها عبارة عن مذكر وهو المسيح عيسى بن مريم. وبدأ باللقب لأنه أشهر، ولذلك كثير من العلماء يشتهرون بألقابهم. ((اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)) المسيح معناه: المدهون بدهن القدس، أو المسيح بمعنى: أنه كان لا يوجد له أخمص قدمين، أو المسيح بمعنى: أنه كان كثير السياحة في الأرض، أو المسيح بمعنى: أنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ بإذن الله تبارك وتعالى. والمسيح: مسيح الحق وهو المسيح عليه السلام، ومسيح الضلالة وهو الدجال الأعور. وفي قوله: ((اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)) أنه ابن مريم لا ابن الله، كما يزعم الملحدون من النصارى، وصرح بنسبته إليها تنبيهاً على أنه يولد بلا أب، ولو كان له أب لنسبه إليه. فهذا فيه رد على ملاحدة النصارى الذين يزعمون أنه ابن الله. ((وجيهاً)) أي: ذا جاه. والوجيه: هو المحبب المقبول، وهو ذو الجاه والمنزلة الرفيعة عند ذوي القدر والمعرفة. ((وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا)) بالنبوة. (والآخرة) بالشفاعات والدرجات العلى. ((وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ))، أي: من المقربين عند الله تبارك وتعالى يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (ويكلم الناس في المهد وكهلا)
تفسير قوله تعالى: (ويكلم الناس في المهد وكهلاً) {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران:46]. ((وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ))، والمهد: هو الموضع الذي يهيأ ويوطأ للصبي لينام فيه، وهو يكلم الناس حال كونه طفلاً، ويكلمهم حال كونه كهلاً. فهو عليه السلام مجرد أن ولد تكلم كلاماً حكيماً ذا معاني سامية ورفيعة؛ لأن كلام الأنبياء أكمل وأعظم وأفصح الكلام، قال لهم وهو في المهد: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم:30]، بدأ بالإعلان عن العبودية {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ} [مريم:30 - 31]، إلى آخر الآيات. كلام الأنبياء من غير تفاوت بين الحالتين لا شك أنه في غاية الإعجاز، وفي ذلك أيضاً بشارة ببقائه وامتداد أجله وأنه لن يموت صغيراً، بل يبقى إلى أن يشاء الله. أما الكهل: فهو من بدأ الشيب يخالط شعره، أو من جاوز الثلاثين إلى الأربعين أو من الأربعين إلى الخمسين، وقيل له: كهل؛ لانتهاء شبابه وكمال قوته، والانتهاء ليس معناه: أنه انتهت قوته، بل الانتهاء هو وصولها إلى أكمل ما يكون في هذه السن، بمعنى: أن الإنسان يكون كاملاً بدنياً وكاملاً عقلياً تتوافر قوته العقلية والبدنية، ومنه يقال: قد اكتهل النبات، أي: بلغ عنفوان قوته ونموه ونضجه. الغلام يكون طفلاً ثم بعد ذلك إذا اقترب من البلوغ يسمى: مراهقاً، فالمراهق هو من كان قبل البلوغ، ثم بعد المراهق يسمى: محتلماً، ثم إذا بدأت اللحية تنبت فيه يقال: اتصلت لحيته، ثم يوصف بأنه مجتمع، ثم كهل، والكهل هو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
الحكمة من تكليم عيسى عليه السلام الناس في المهد وعند الكهولة
الحكمة من تكليم عيسى عليه السلام الناس في المهد وعند الكهولة أما الحكمة من تكليمه الناس في تلك الحال ففيها قولان: الأول: أنه تكلم لتبرئة أمه مما قذفها به اليهود لعنهم الله من البهتان: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم:30]. قال ابن عباس: (تكلم ساعة في مهده ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق)، أي: أنه لم يتكلم باستمرار، وإنما أنطقه الله سبحانه، ثم عاد مثل سائر الأطفال. القول الثاني: أنه تكلم لتحقيق معجزته الدالة على نبوته. فإن قيل: قد علم أن الكهل يتكلم، إذاً: ما الحكمة من قوله تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} [آل عمران:46]؟ ف A أنه يتكلم في المهد كلاماً مستوياً مع كلام الكهل، مع أن فارق السن كبير. فالمقصود أن الكهل هو الحليم، أو أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة بطول عمره وأنه يبلغ سن الكهولة. روي عن ابن عباس قال: (((وَكَهْلًا)) قال: ذلك بعد نزوله من السماء عليه السلام)، وهذا تفسير قوي، وقد مال إليه الدكتور محمد خليل هراس رحمه الله تعالى في كتابه (فصل المقال في رفع عيسى حياً ونزوله وقتله الدجال)، فتكلم بالتفصيل على هذا الأمر. وفي قوله: ((وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)) إشارة إلى أن المسيح عليه السلام سينزل في آخر الزمان؛ لأن كلامه في المهد معجزة؛ إذاً لا بد أن يكون هناك مظهر من مظاهر الإعجاز في كلامه كهلاً، وهو نزوله من السماء في آخر الزمان يكلمهم بهذا الكلام. وفي قوله: (وَكَهْلًا) إشارة إلى أنه يمر بالمراحل التي يمر بها سائر الأطفال، وأنه مع الأيام ينتقل من حال إلى حال، ولو كان عيسى عليه السلام إلهاً لم يدخله هذا التغيير. أي: أن الزمان ومرور الأيام تؤثر فيه بالنمو وبالزيادة وغير ذلك مما هو من صفات الحوادث من التغير والتفاعل، والله سبحانه وتعالى لا يغيره شيء. ((وَمِنَ الصَّالِحِينَ} أي: وجعلناه من الصالحين.
تفسير قوله تعالى: (قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر)
تفسير قوله تعالى: (قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر) {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:47]. ((قَالَتْ رَبِّ)) تخاطب الله سبحانه وتعالى. ((أَنَّى))، أي: كيف؟! ((يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ)) أي: بتزوج ولا غيره. والمسيس: هو الجماع. ((قَالَ كَذَلِكِ)) أي: قال جبريل: الأمر كذلك، من خلق ولد منك بلا أب، هذا أمر الله سبحانه وتعالى. ((يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ)) أي: قد يخلقه بسبب وقد يخلقه بدون سبب، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لو أن الماء الذي يكون منه الولد أرقته على صخرة لكان منه الولد، وليخلقن الله نفساً هو خالقها)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ((كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يشاء)) أي: لا يحتاج إلى سبب ولا يعجزه شيء. وصرح هاهنا بالخلق بقوله: ((يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ)) أما في قصة زكريا قال: {يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [آل عمران:40]؛ لأن الخلق المنبئ عن الإحداث للمكون أنسب بهذا المقام؛ لئلا يبقى لمبطل شبهة. ((إِذَا قَضَى أَمْرًا))، أي: إذا أراد خلقه. ((فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ))، أي: فهو يكون من غير تأخر ومن غير حاجة إلى سبب، كما قال تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر:50] أي: إنما نأمر مرة واحدة لا تثنية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعاً كلمح البصر.
تفسير قوله تعالى: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل)
تفسير قوله تعالى: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} [آل عمران:48]. {وَيُعَلِّمُهُ} [آل عمران:48]، بالياء، وفي قراءة: (ونعلمه) بالنون. ((الْكِتَابَ)) إما الكتابة نفسها أو الخط، أو الكتاب هنا المقصود به جنس الكتاب، أي: جنس الكتب الإلهية. ((وَالْحِكْمَةَ))، وهي تهذيب الأخلاق. ((وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ))، إذا قلنا: إن الكتاب المقصود به جنس الكتب الإلهية فيكون ذكر التوراة والإنجيل هنا من باب ذكر الخاص بعد العام، وإنما خصصا بالذكر لشرفهما وزيادة فضلهما على غيرهما.
تفسير قوله تعالى: (ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم)
تفسير قوله تعالى: (ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم) {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ} [آل عمران:49]. ((وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ)) أي: ونجعله رسولاً، (ورسولاً) منصوب بمضمر يقود إليه المعنى، معطوف على: ((وَيُعَلِّمُهُ)). ((إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ)) أي: إلى جميع بني إسرائيل، فالمسيح عليه السلام ما أرسل إلا إلى بني إسرائيل، وهو نفسه قال ذلك حتى في الإنجيل الذي بين أيديهم: (إنما أرسلت إلى خراف بني إسرائيل الضالة). ما أرسل نبي من الأنبياء إلى جميع البشر، إنما اختص بذلك خاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما الأنبياء فكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، فموسى عليه السلام كان رسولاً إلى بني إسرائيل: {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:17]، كان كل طلبه من فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل. كذلك المسيح عليه السلام إنما كان رسولاً إلى بني إسرائيل، وإنما بولس الخبيث أو شاول كان يهودياً وهو الذي أفسد الديانة النصرانية، وكان يعذب النصارى ويضطهدهم أشد الاضطهاد، ثم تظاهر بولس بالدخول فيها ليفسدها. فهو الذي ابتدع مسألة الذهاب في أقطار الأرض ليعمدوا النصرانية وينشروها باسم كذا وكذا، وموضوع التبشير الذي ابتدعه بولس الخبيث تحت زعم أنه حصل له رؤيا أو كشف أو شيء من هذا، فيمكن أن يكون من الشفافية، ويمكن أن يكون كذاباً؛ لأنه نفسه كان شيطاناً. على أي الأحوال فالمسيح عليه السلام ما بعث إلى البشرية كلها، وما يسمى الآن بالتبشير ودعوة الناس إلى النصرانية كله افتراء وباطل؛ لأن المسيح لم يبعث إلى القبط ولا إلى الفرنجة ولا إلى كذا وكذا، وإنما بعث إلى قومه بني إسرائيل فقط، أما الديانة التي ينبغي أن تكون عالمية فهي ديانة واحدة فقط وهي الإسلام، ودعوة واحدة وهي دعوة رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ((وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ))، أي: في الصبا أو بعد البلوغ، فنفخ جبريل في جيب درعها، وجيب درعها هو فتحة الصدر، فحملت، وكان من أمرها ما ذكر في سورة مريم. فلما بعثه الله إلى بني إسرائيل قال لهم: ((أَنِّي)) أي: بأني رسول الله إليكم، ((قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ))، الآية هي العلامة على صدقه، وهي ليست آية واحدة بل آيات متعددة، فالتنكير هنا للتفخيم، والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً، أي: جئتكم متلبساً ومحتجاً بآية من ربكم، وهي علامة على صدقي. قوله: (أَنِّي) وفي قراءة بالكسر استئنافاً، أي: (بآية من ربكم إني أخلق لكم). ((أَخْلُقُ)) أي: أصور. فلا يصح هنا إلا أن نفسر كلمة: (أَخْلُقُ) بمعنى: أصور؛ لأنه لا يجوز إسناد فعل الخلق بمعنى الإيجاد إلى غير الله تعالى، فإن الله سبحانه وتعالى كما قال: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد:16]، وقال: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر:3]، فلا خالق على سبيل الإيجاد إلا الله سبحانه وتعالى، وما فعله المسيح عليه السلام كانت معجزات أجراها الله تعالى على يديه؛ تصديقاً له ليؤمن بنو إسرائيل برسالته ويتبعوه. ((أَنِّي أَخْلُقُ لكم)) أي: أصور لكم. ((مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)) أي: مثل هيئة الطير، فالكاف هنا اسم مفعول. ((فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ))، الضمير هنا يعود على الكاف الذي في قوله: (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ). ((فَأَنفُخُ فِيه)) أي: في المصور الذي هو مثل هيئة الطير. ((فَيَكُونُ طَيْرًا)) أي: حقيقياً ذا حياة، وفي قراءة: (فيكون طائراً). ((بِإِذْنِ اللَّهِ)) أي: بإرادته وأمره لا باستقلال مني. يقول السيوطي: فخلق لهم الخفاش؛ لأنه أكمل الطير خلقاً، يطير وهم ينظرونه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً؛ ليتميز فعل المخلوق من فعل الخالق. وهذا الكلام يحتاج إلى خبر مرفوع إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم. ((وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ))، أي: أشفي، ((الأَكْمَهَ)) الذي ولد أعمى. ((وَالأَبْرَصَ)) وخصا بالذكر؛ لأنهما داء إعياء، وكان بعثه في زمن الطب. فأبرأ في يوم خمسين ألفاً بالدعاء بشرط الإيمان. أي: أنه اشترط عليهم إذا دعوت الله فشفاكم أن تؤمنوا، فوافقوا. فيقول: فأبرأ بإذن الله في يوم خمسين ألفاً، والله تعالى أعلم بصحة ذلك. ((وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ))، كرره لنفي توهم الألوهية فيه؛ لأن هذه معجزات قاهرة فعلية، فأحيا عاذر صديقاً له، وابن العجوز، وابنة العاشر، أي ابنة الذي كان يجبي الضرائب والعشر، فعاشوا وولد لهم، وأحيا سام بن نوح ومات في الحال. وكل هذا الكلام من الإسرائيليات التي تحتاج إلى نوع من التحفظ. ((وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ))، أي: مما تخبئون مما لم أعاينه، فكان يخبر الشخص بما أكل وبما لم يأكل بعد، ولم يقل هنا: بإذن الله؛ لأنه علم من السياق أن هذا كله إنما هو بإذن الله عز وجل، فاستغنى عن إعادته لشدة ظهوره. ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ}، أي: هذا المذكور فيه دلالة لكم على صدقي في دعوى الرسالة.
تفسير قوله تعالى: (ومصدقا لما بين يدي من التوراة صراط مستقيم)
تفسير قوله تعالى: (ومصدقاً لما بين يدي من التوراة صراط مستقيم) يقول تعالى: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران:50]. (ومصدقاً) أي: وجئتكم مصدقاًَ. ((لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ)) أي: جئت مقرراً ومثبتاً لما قبلي. ((وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ))، فهذا فيه دليل يؤيد القول بأن المسيح عليه السلام نسخ بعض شريعة موسى عليه السلام. بعض العلماء يقولون: لم يحصل نسخ وإنما كانت هناك أشياء مبهمة ومختلطة عليهم وضحها لهم، والله تعالى أعلم. فأحل لهم من السمك والطير ما لا شوكة له يؤذي بها. وقيل: أحل الجميع؛ لأن كلمة (بعض) تأتي بمعنى: كل. ((وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)) أي: جئتكم بآيات تعلمون بها صدقي، وإنما وحد الآيات وعبر عنها بكلمة آيةٍ؛ لأن الكل من جنس واحد. قوله: ((مِنْ رَبِّكُمْ)) أي: من عند ربكم، كرره تأكيداً وليبني عليه: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)) أي: فيما آمركم به من توحيد الله وطاعته. ((إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا))، أي: هذا الذي آمركم به ((صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ))، أي: طريق مستقيم، فكذبوه ولم يؤمنوا به عليه السلام.
الأسئلة
الأسئلة
حكم اتخاذ المحاريب في المساجد
حكم اتخاذ المحاريب في المساجد Q ما حكم اتخاذ المحاريب في المساجد؟ A بالنسبة لموضوع المحراب قد يحتج بعض الناس بما هو موجود في القرآن الكريم من تكرار هذا اللفظ، فباختصار شديد نقول: إن المحراب إذا أطلق الآن فهو التجويف الذي يصنع في المساجد. واتخاذ المحاريب لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في زمن الخلفاء الأربعة فمن بعدهم، وإنما حدث هذا في آخر المائة الأولى مع ورود الحديث بالنهي عن اتخاذه، وأنه من شأن الكنائس، وأن اتخاذه في المساجد من أشراط الساعة، فقد روى البيهقي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (اتقوا هذه المذابح) المذابح هي المحاريب. وعن ابن مسعود: (أنه كره الصلاة في المحراب وقال: إنما كانت في الكنائس فلا تتشبهوا بأهل الكتاب)، أخرجه البزار. وفي مصنف ابن أبي شيبة عن موسى الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال هذه الأمة - أو قال: أمتي- بخير، ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى) وهذا ضعيف، وفيه أيضاً عن أبي ذر قال: (إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد)، هذا مجرد اتخاذ المذابح، أي: المحاريب. إذاً: فالزخرفة للمساجد وتمويهها بالزينة وغير ذلك لا شك أن هذا كله يخالف سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه نهى عن زخرفة المساجد. ونجد أنهم يزخرفون المحاريب ويكتبون فيها قوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} [آل عمران:37]. السيوطي له كتاب اسمه (إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب) وجزم فيه أن المحراب في المسجد بدعة، وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن إبراهيم النخعي قال: قال عبد الله بن مسعود: (اتقوا هذه المحاريب). على أي الأحوال هذا باختصار، والتفاصيل موجودة في كتاب اسمه: (المسجد في الإسلام لخير الدين والدنيا) وهو لأحد تلامذة الشيخ الألباني حفظه الله.
حكم تحديد النسل والدعوة إليه
حكم تحديد النسل والدعوة إليه Q ما حكم الدعوة إلى تحديد النسل؟ A إن دعوة تحديد النسل إن طبقت فإنما هي عملية انتحار لهذه الأمة. إن الاستجابة لهذه الدعوة الشيطانية هو الانتحار بأدق معاني الكلمة. لا شك أن من أعظم مقاصد النكاح في الإسلام: هو تكثير عدد المسلمين. فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (إني أصبت امرأة ذات حسن وجمال وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ فقال: لا. ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم)، فهذا تحقيق لمباهاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بكثرة أمته يوم القيامة، وهذا الحديث صححه أبو محمد عبد الحق وهو ابن عطية الأندلسي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث رجلاً على بعض السقاية، فتزوج امرأة وكان عقيماً، فقال له عمر: أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعلمها ثم خيرها). يقول الدكتور الصباغ حفظه الله تعالى: إن غريزة الامتداد في الذراري والأحفاد لا يستطيع المرء السوي أن ينعم بها إلا عن طريق الزواج، فكما أحسن إليك والدك فكان سبب وجودك في هذه الدنيا، فكذلك ينبغي لك أن تقابل هذا الإحسان بالبر إليه والوفاء، فتنجب للدنيا نبتة كريمة، تتعاهدها بالتربية والتهذيب تحيي اسم والدك، ويكون عملها الطيب في سجلك. ويكفي الممتنع عن الإنجاب عقوقاً أن يكون هو الشخص الأول الذي يقطع هذه السلسلة، التي تبدأ بآدم وتنتهي به. أيضاً ورد من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له في وصية جامعة: (ولك في جماعك زوجتك أجر، قال أبو ذر: كيف يكون لي أجر في شهوتي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو كان لك ولد فأدرك ورجوت خيره فمات أكنت تحتسبه؟ قلت: نعم، قال: فأنت خلقته؟ قال: بل الله خلقه، قال: فأنت هديته؟ قال: بل الله هداه، قال: فأنت ترزقه؟ قال: بل الله كان يرزقه؟ قال: فكذلك تضعه في حلاله وجنبه حرامه فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته ولك أجر) فهذا يدل على أنه يستحب أن ينوي عند إتيان أهله طلب الولد الصالح. فعلى المسلم أن يستحضر هذه النية فإنه يثاب عليها، يقول تعالى: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة:187] المقصود ألا تباشروهن لقضاء الوطر وحده، ولكن لابتغاء ما وضع الله في النكاح من التناسل. وقال أبو هريرة وابن عباس وأنس: ((وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة:187] يعني: من أجل طلب الولد). وقال صلى الله عليه وسلم لـ جابر رضي الله تعالى عنه: (إذا قدمت فالكيس الكيس) أي: الجماع الجماع والعقل العقل، الحديث متفق عليه. قال العلماء: المقصود بالكيس أي: الجماع لطلب الولد، فهذا فيه تحريض على طلب الذرية. وأيضاً روى البخاري في صحيحه: باب من طلب الولد للجهاد، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، أو تسع وتسعين، كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون)، فالشاهد هنا كما في ترجمة الباب أنه ينوي عند المجامعة حصول الولد ليجاهد في سبيل الله، فيحصل له بذلك أجر، حتى لولم يرزق الولد لكنه يثاب على هذه النية. ويقول عمر رضي الله عنه: (إني لأكره نفسي على الجماع؛ رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبح الله تعالى). وقال رضي الله عنه: (تكثروا من العيال فإنكم لا تدرون ممن ترزقون). الموضوع يحتاج إلى كلام أوسع من هذا، لكن باختصار شديد ذكرنا أن موضوع تحديد النسل أو ما إلى ذلك من المسميات، قد يباح بالجزء سواء بالإجهاض أو بتحديد النسل في حياة فردية حسب ظروف معينة ومعطيات معينة، فيباح مثل هذا الفعل خلافاً للأصل لبعض الأفراد، لكن أن يكون هناك إعلان عام للناس يرغبون في تحديد النسل أو في الإجهاض أو غير ذلك من هذه الأشياء فهذا حرام قطعاً؛ لأن هذا يخالف المقاصد العليا للشريعة الإسلامية. والمقاصد العليا للشريعة الإسلامية: هي حفظ الدين والعقل والدم والنسل والعرض والمال. إذاً: فكل ما يخل بهذه الضروريات أو هذه المصالح فإنه يحرم في الشريعة. فإذا قالوا: هذه سياسة عليا للدولة، نقول: كذلك الدولة الإسلامية عندها سياسات عليا لا تقبل النقاش، من هذه السياسات العليا للدولة الإسلامية أنه لا يجوز الجهر بأي دعوى تتصادم مع المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، فمثلاً: الشريعة الإسلامية حرضت على الزواج، وسلكت في سبيل ذلك كل ما أمكن من الوسائل لتسهيل الزواج وتيسيره والحض عليه، فهذه هي السياسة العليا للدولة الإسلامية في هذه المسألة، فلا يجوز بحال من الأحوال تبني دعوى تناقض هذه السياسة، بمعنى: أن يحرض الشباب على العزوبية، أو تأخير الزواج، أو منع الزواج المبكر أو غير ذلك من الوسائل المضادة للمقاصد العليا للشريعة الإسلامية، ولذلك لا تستعجب ولا تستغرب إذا وجدت علماء الحديث يدلون بقاعدة كلية في هذا الباب، فيقولون: أي حديث فيه التحريض على العزوبة فهو حديث لا يصح؛ لمنافاته مقاصد الشريعة، فهذا مما يستدل به على ضعف المتن؛ لأنه يخالف مقاصد الشريعة، حتى لو صح سنده، مع أنه لا يوجد أي حديث صح سنده يحرض على تقليل النسل أبداً، ولو صح وصادم المقاصد العليا للشريعة الإسلامية فيطعن في الحديث، وهذا لا يكون إلا للأئمة الكبار وليس لكل الناس نقد الحديث من جهة المتن. إذاً: أحد الأسباب التي يطعن بها في المتن مع صحة السند منافاته للمقاصد العليا للشريعة الإسلامية التي تعلم من الدين بالضرورة. هناك من الناس من يلعبون بعقول الناس، فتراهم يأتون إلى بعض الحالات الفردية التي يجوز فيها الإجهاض أو تحديد النسل ليعمموها، مع أن الحالات الفردية هذه محددة ومقيدة بظروف خاصة، ولا يجوز تبني ما يخالف المقاصد العليا للشريعة الإسلامية: ومن المقاصد العليا للشريعة الإسلامية: التحريض على الزواج. تيسير الزواج بكل وسيلة. منع أي دعوى للعزوبة. منع قضاء الوطر في خارج دائرة الزواج.
آل عمران [52 - 61]
تفسير سورة آل عمران [52 - 61]
تفسير قوله تعالى: (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله)
تفسير قوله تعالى: (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله) يقول الله تبارك وتعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:52]. قوله تعالى: ((فَلَمَّا أَحَسَّ)) أي: علم وعرف عن طريق الحس والمعرفة والمعاينة. ((مِنْهُمُ الْكُفْرَ)) أي: من بني إسرائيل الذي ذكروا في الآيات السابقة في خطاب المسيح عليه السلام، وأرادوا أن يقتلوه عليه السلام. ((قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)) أي: من أعواني ذاهباً ومتوجهاً وملتجئاً إلى الله؛ لأنصر دينه. وقال بعض المفسرين: ((إِلَى اللَّهِ)) أي: من أنصاري مع الله، أو من ينصرني مع الله، أو: من أعواني ذاهباً ومتوجهاً إلى الله، لأنصر دينه، كما قال بعض الأنبياء عليهم السلام: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود:80]. ((قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ)) أي: نحن أعوان دينه. هؤلاء الحواريون هم أصفياء عيسى عليه السلام، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلاً. قيل: الحواريون مأخوذة من الحور وهو البياض الخالص، قيل: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها. فالحواريون هم طائفة من بني إسرائيل انتدبت للإيمان بالمسيح عليه السلام، فعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه. والحواري هو الناصر الذي يبالغ في النصرة، وهو الوجيه والخليل والحميم، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ما من نبي بعثه الله إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يهتدون بهديه ويقتدون بسنته، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف) إلى آخر الحديث. فدل على أن هؤلاء الأصفياء والخلص من الأصحاب ليست خاصة بالمسيح عليه السلام، وإن جاء إطلاق الحواريين على تلامذته الأقربين عليه السلام، وإنما كل نبي له حواريون وأصفياء وأنصار وأعوان من أصحابه. ((آمَنَّا بِاللَّهِ)) أي: صدقنا بالله. ((وَاشْهَدْ)) أي: يا عيسى. ((بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)) أي: منقادون لرسالتك.
تفسير قوله تعالى: (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول)
تفسير قوله تعالى: (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول) بعد أن أشهدوا نبيهم عليه السلام على هذا الإيمان أشهدوا الله تبارك وتعالى فقالوا: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران:53]. ((رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ)) من الإنجيل. ((وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ)) عيسى عليه السلام. ((فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)) أي: فليكن جزاؤنا على إشهادنا إياك وعلى إيماننا بك أن تكتبنا مع الشاهدين لك بالوحدانية ولرسولك بالصدق. وهؤلاء الشاهدون يحتمل أنهم الذين تقدم ذكرهم في قوله تبارك وتعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:18]، أو اكتبنا مع الشاهدين أي: مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم أنهم آمنوا بهم وصدقوهم.
تفسير قوله تعالى: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)
تفسير قوله تعالى: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) قال تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران:54]. ((وَمَكَرُوا)) أي: كفار بني إسرائيل، مكروا بعيسى عليه السلام إذ وكلوا به من يقتله غيلة. الواو هنا تعود على الذين أحس عيسى منهم الكفر من بني إسرائيل. ((وَمَكَرَ اللَّهُ)) أي: في المقابل مكر الله سبحانه وتعالى بهم، بأن ألقى شبه عيسى على من قصد قتله، وهذا التفسير هو الذي اعتمده السيوطي. يقول القاضي كنعان: الصحيح أن الذي ألقي عليه شبه عيسى كان أحد تلاميذه من الحواريين، فقتلوا هذا الذي ألقي عليه الشبه ورفع عيسى إلى السماء، ونجاه الله سبحانه وتعالى من بين أيديهم. ((وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)) أي: أعلمهم به، وهذه الصفة بلا شك أنها في حق الله تبارك وتعالى على ما يليق بجلال الله سبحانه وتعالى، كقوله تبارك وتعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء:142]، وكقوله تبارك وتعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة:15]. يرد علينا سؤال وهو: هل يجوز في الدعاء أن يقال: يا خير الماكرين امكر لي؟ A أجاز بعض العلماء ذلك، واستشهدوا بدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: (اللهم امكر لي ولا تمكر علي).
تفسير قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي)
تفسير قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي) {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران:55]. ((إِذْ قَالَ اللَّهُ)) أي: اذكر إذ قال الله: ((يا عيسى إني متوفيك)). نلاحظ في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى ينادي عامة الأنبياء بأسمائهم: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود:46] وقوله: {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة:35] و ((يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)) و {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي} [الأعراف:144]، وهكذا. أما نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم يناده الله تبارك وتعالى باسمه قط في القرآن الكريم، إنما ناداه بصفاته الشريفة كـ: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل:1] و {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1] و {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} [الأنفال:64]، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} [المائدة:41]، وهذا من كرامته على الله سبحانه وتعالى وبلوغه في الشرف مقاماً لم يكن لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)) أي: قابضك. ((وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)) أي: من الدنيا من غير موت. ((وَمُطَهِّرُكَ)) أي: مبعدك. ((مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ)) أي: صدقوا بنبوتك من المسلمين. وهذه تشمل طائفتين: تشمل الطائفة التي آمنت بالمسيح عليه السلام ممن أدركوا بعثته، ووافقوه على دين الإسلام قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الطائفة الثانية التي شملتهم هذه الآية: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ) هم الذين اتبعوا رسول الله محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فنحن المسلمين أيضاً ندخل في قوله تعالى: ((وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ)) أي: الذين صدقوا نبوتك من المسلمين؛ لأننا اتبعنا المسيح عليه السلام على الحقيقة، وأما النصارى فهم أعداء المسيح عليه السلام يعاديهم ويبغضهم ويبرأ إلى الله منهم تماماً، كما أن اليهود يدعون كذباً مع اعتزازهم بموسى عليه السلام وأنهم على دينه وملته، كذلك نقول: نحن أتباع موسى على الحقيقة ونحن أولى به منهم، ولذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يعظمون يوم عاشوراء ويصومونه، فسألهم عن ذلك، فقالوا: (إنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من فرعون وقومه قال: نحن أولى بموسى منهم) وقال: (أنا أولى الأنبياء بالمسيح عليه السلام، ما بيني وبينه نبي) أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فإذاً: نحن أتباع المسيح، وأتباع موسى عليهما السلام؛ لأننا على نفس الدين الذي دعوا إليه، ولأننا نؤمن بالأنبياء كلهم، فالذي يكفر برسالة نبي واحد فإنه قد كفر بجميع الأنبياء، ويحبط كل إيمانه ويصير مرتداً، ومن كذب بنبوة المسيح فقد كفر، ومن كفر بالإنجيل الذي أنزله الله على عيسى فقد كفر ولا ينفع إيمانه بالقرآن ولا بالتوراة، بل الإيمان حقيقة متركبة من أجزاء مرتبطة ببعضها، لا ينفك ولا ينفصل بعض منها عن البعض الآخر. ((وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: فوق الذين كفروا بك وهم اليهود، وكذالك ومن حرف دين المسيح من النصارى، فالذين اتبعوك يعلونهم بالحجة وكذلك بالتمكين لهم في الأرض. الذين كفروا بالمسيح قسمان: الأول: اليهود لعنهم الله فهم الذين كفروا بالمسيح وسبوه وسبوا أمه ورموها بالبهتان وبالإفك المبين. الثاني: الذين حرفوا دين المسيح من النصارى وعبدوه وألهوه. ((إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ)) هذا وعد لا يتخلف، وما نحن عليه من الضعف والوضع الذي يعيشه المسلمون الآن، فهذا ليس هو الأصل بل هذا من الاستثناءات؛ لأن الغالب والأصل أن المؤمنين دائماً فوق الذين كفروا، ولا يجوز أن يظن بالله سبحانه وتعالى أنه يدع المسلمين مقهورين إلى الأبد، بل لابد أن تعود الكرة كما قال تعالى: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء:8]. فمن سوء الظن بالله أن يظن أنه يمكن للكفار أن يستأصلوا المسلمين ويبيدوهم وترتفع كلمتهم عليهم، هذا خلاف الأصل. خاصة إذا قلنا: إن أحد ركني هذه الفوقية المقصود به العلو في الحجة والبيان، فهذا بلا شك قائم في كون المؤمنين والموحدين يعلون الكفار دائماً بالحجة والبرهان، كما بيناه وكما سيأتي تفصيله إن شاء الله. وأحياناً يعلونهم بالسيف، أما ما نحن فيه من أوضاع آخر الزمان فهي تخالف في القاعدة الأصلية. ((فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)) أي: من أمر الدين.
تفسير قوله تعالى: (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا)
تفسير قوله تعالى: (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً) {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران:56]. ((فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا)) أي: بالقتل والسبي والجزية. ((وَالآخِرَةِ)) أي: بالنار. ((وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)) أي: مانعين يمنعونهم من هذا العذاب.
تفسير قوله تعالى: (وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم)
تفسير قوله تعالى: (وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم) {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران:57] وفي قراءة (فنوفيهم) بالنون. ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)) أي: يبغضهم. وهنا فسرها السيوطي بقوله: أي: يعاقبهم، (روي أن الله تعالى أرسل إليه سحابة فرفعته فتعلقت به أمه وبكت، فقال لها: إن القيامة تجمعنا، وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس وله ثلاث وثلاثون سنة، وعاشت أمه بعده ست سنين)، والله أعلم بصحة ذلك؛ لأنه لم يثبت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم. وروى الشيخان: (أنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا، ويقتل الدجال والخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية)، وفي حديث مسلم: (أنه يمكث سبع سنين) وفي حديث عن أبي داود الطيالسي: (أربعين سنة، ويتوفى ويصلي عليه المسلمون) فيحتمل أن المراد مجموع مكثه في الأرض قبل الرفع وبعده.
أقوال المفسرين في مسألة رفع المسيح إلى السماء وتوفي الله تعالى له
أقوال المفسرين في مسألة رفع المسيح إلى السماء وتوفي الله تعالى له قضية رفع المسيح عليه السلام إلى السماء وتوفي الله سبحانه وتعالى إياه، اختلف المفسرون في تفسيرها. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران:55] أي مستوف مدة إقامتك بين قومك. والتوفي يطلق على الإماتة، وكذلك يطلق على استيفاء الشيء كما في كتب اللغة، يقول تبارك وتعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر:42] أي: أنه يتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، وذلك بالنوم، فهذا تشبيه للنائمين بالموتى، ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} [الأنعام:60]، أي: أنهم لا يميزون ولا يتصرفون كما أن الموتى كذلك. ثم بين سبحانه في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته، ومجاورته لملائكته، ومعدن النزاهة عن الأدناس، {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران:55]، أي: من مكرهم وخبث صحبتهم. هذه الآية الكريمة: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)، ظاهرها يدل على أن الله تعالى فوق سماواته، كما قال تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء:158]، وفي قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل:50]، وقوله تعالى: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة:5]، وقال تعالى: {أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك:16]، أي: من فوق السماء. وهو مذهب السلف قاطبة كما نقله الإمام الذهبي في كتابه (العلو للعلي الغفار). قال أبو الوليد بن رشد في (مناهج الأدلة): لم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتون لله سبحانه وتعالى جهة الفوق حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشاعرة، كـ أبي المعالي الجويني ومن اقتدى بقوله. إلى أن قال أبو الوليد بن رشد: والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء. الشرائع هنا بالمعنى الأعم لا تقتصر فقط على الشرائع التي هي بمعنى الأحكام الفقهية؛ لأن الشريعة تطلق أحياناً على كل الدين. يقول: والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تتنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السماوات نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك بالمعقول. فإثبات العلو واجب بالشرع وبالعقل، وإبطاله إبطال للشرائع. يقول الدارمي: وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته. وقد بسط نصوص السلف الحافظ الذهبي في كتاب (العلو) فانظره. يقول القاسمي: هذا ولما كان ذوو الهمم العوالي أشد التفاتاً إلى ما يكون عليه خلفاؤهم من بعدهم، أراد الله تبارك وتعالى أن يبشر المسيح عليه السلام بذلك حتى يطمئنه، فقال تبارك وتعالى: ((وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). ثم يقول: وكذا كان ولم يزل من انتحل النصرانية فهم فوق اليهود، ولا يزالون كذلك إلى أن يعدموا فلا يبقى منهم أحد. الحقيقة أن هذه الآية إحدى الآيات الأساسية في موضوع الإيمان برفع المسيح عليه السلام حياً، ونزوله وقتل المسيح الدجال في آخر الزمان. فهناك عدة آيات في موضوع رفع المسيح إلى السماء حياً، الآية الأولى هي هذه الآية من سورة آل عمران: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران:55]. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في هذه الآية ما ملخصه: اختلف المفسرون في قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)، فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر، وتقديره: يا عيسى إني رافعك إلي ومتوفيك، يعني بعد ذلك. أي: أن الله سبحانه وتعالى رفعه إليه وهو حي لم يمت إلى اليوم، وقد لقيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رحلة الإسراء والمعراج. قوله: ثم متوفيك بعد ذلك أي: حينما ينزل في آخر الزمان، فإنه يعيش من جديد ويحكم بالإسلام ثم يتوفاه الله تبارك وتعالى. يرد سؤال عابر: من آخر الصحابة موتاً؟ المسيح عليه السلام؛ لأن المسيح عليه السلام هو نبي وصحابي في نفس الوقت؛ لأن تعريف الصحابي ينطبق على المسيح؛ لأنه لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فترة -ولو كانت قصيرة- في ليلة المعراج مؤمناً برسالته، فهذا هو حد الصحابي وتعريف الصحابي، فلذلك عيسى نبي وصحابي، وهو لم يمت حتى الآن، فهو آخر الصحابة موتاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ))، أي: مميتك). وقال محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه قال: توفاه الله ثلاث ساعات منه أول النهار حين رفعه إليه. وقال ابن إسحاق أيضاً: والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات ثم أحياه. قال إسحاق بن بشر عن إدريس عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام ثم بعثه ثم رفعه. قال مطر الوراق: ((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ))، من الدنيا، وليس بوفاة موت. وقال ابن جرير: توفيه هو رفعه. وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا النوم كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} [الأنعام:60]، وقال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر:42]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من نومه: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) الحديث. وعن الحسن أنه قال: ((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ))، يعني: وفاة المنام، رفعه الله في منامه، قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود: (إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة) وهذا الحديث مرسل ضعيف. ((وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: برفعي إياك إلى السماء، بعيداً عن هذه الصحبة من كفار اليهود. اختار الحافظ ابن كثير بعد هذا رأي الجمهور حيث فسر التوفي بالمنام، أي: ألقي عليه النوم، وأيده بقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء:159] معلوم أن الهاء في: (موته) يحتمل أنها تعود إلى المسيح، ويحتمل أن تعود إلى الكتابي، فإذا كانت الهاء عائدة على الكتابي فعندما يأتيه الموت يعلم بأن المسيح عليه السلام رسول الله، هذا معنى أحد القولين. (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل أن تقبض روح الكتابي سواء كان يهودياً أو نصرانياً ممن عبد المسيح، فسيكتشف الحقيقة ويعلم أن المسيح ما كان إلا عبداً رسولاً ويعلم أنه مات على الباطل وعلى الكفر. أو أن معنى قوله: (قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل موت المسيح، وتكون هذه إشارة إلى نزوله في آخر الزمان. المسيح عليه السلام لم يمت بعد، وإنما سيموت بعدما ينزل إلى الأرض في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به في ذلك الوقت؛ لأنه سيكتشف أنه كان على ضلال وكفر مبين؛ لأن المسيح يضع الجزية عن النصارى وغيرهم من الملل الأخرى فلا يقبل منهم إلا الإسلام، فإما أن يسلم وإما أن يقتله المسيح عليه الصلاة والسلام كما ما هو معلوم في الأحاديث. على أي الأحوال فلفظ (ومتوفيك) في الآية هنا لفظ متشابه، فيحتمل أن يكون معناه التوفي بالنوم، أو التوفي بالموت، أو التوفي بمعنى القبض والاستيفاء. قوله: ((وَرَافِعُكَ إِلَيَّ))، بعض الناس فسرها بقوله: رفع روحه، أو رفع مكانته، وهذا إلحاد في آيات الله وتحريف للكلم عن مواضعه. وأقرب المعاني أن يقال: إن الآية فيها تقديم وتأخير بمعنى: إني رافعك إلي ومتوفيك، وهذا ما سيحصل حينما يتوفاه عند نزوله في آخر الزمان. أو التوفي يكون بمعنى الإنامة لا الإماتة، إذ لا معنى لرفعه إلى الله ميتاً، إذاً ما الخصيصة التي اختص بها المسيح عليه السلام إذا كان رفعه ميتاً؟! مع أن المراد بالرفع هو حفظه من اليهود وإنجاؤه من مكرهم حين أرادوا قتله. فإذا كان المسيح عليه السلام قد توفي بالإماتة، فأي إنجاء يكون في هذا؟ إنما يكون الإنجاء وتكون الآية والبشارة بأن يتوفاه الله سبحانه وتعالى ويرفعه إليه رفعاً حقيقياً. فعلى تقدير التوفي بالإماتة لا تكون تلك البشارة بالتطهير والإنجاء قد تحققت، بل يكون قد أعان اليهود على قصدهم، وهو أن يتخلصوا من عيسى عليه السلام إما بالموت أو بالقتل. وكيف يفهم خلاف ذلك من قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران:54] فإنه من المناسب لمكر الله المقابل لمكر اليهود أن يرفعه إليه حياً؛ لينزل في آخر الزمان فينتقم من هؤلاء الذين كادوا له وآذوه، فيقاتلهم على الإسلام وحده، فمن أبى منهم قتل. خلاصة الأقوال في هذه القضية: الأول: رأي الجمهور الذي اختاره ابن كثير ورواه عن الحسن: وهو تفسير التوفي بالإنامة، ((مُتَوَفِّيكَ)) أي: ملق عليك النوم. الثا
تفسير قوله تعالى: (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم)
تفسير قوله تعالى: (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم) قال تبارك وتعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} [آل عمران:58]. ((ذَلِكَ)) أي: المذكور من أمر عيسى عليه السلام. ((نَتْلُوهُ)) أي: نقصه. ((عَليْكَ))، يا محمد ((مِنَ الآيَاتِ)). وقوله: ((ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ)) فيه إشارة إلى أنه لا مصدر لك كي تعلم هذه الأشياء إلا ما يطلعك الله سبحانه وتعالى عليه عن طريق الوحي. ((مِنَ الآيَاتِ)) حال من الهاء في (نتلوه)، وعامله ما في (ذلك) من معنى الإشارة. ((وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ)) أي: المحكم وهو القرآن الكريم، والمحكم بمعنى المعصوم من أن يتطرق إليه خلل. أو ((الْحَكِيمِ)) بمعنى: المشتمل على الحكم.
تفسير قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب)
تفسير قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب) {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:59]. ((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى)) أي: إن مثل شأنه العجيب الغريب في إنشائه من غير أب. ((عِنْدَ اللَّهِ)) أي: في تقدير الله وحكمه. ((كَمَثَلِ آدَمَ)) أي: كشأن آدم أيضاً العجيب في خلقه من غير أب، وهو من تشبيه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم، ولا يستطيع أن يجيب، أي: أيهما أعجب وأغرب خلق آدم أم خلق المسيح عليه السلام؟ لا شك أن خلق آدم أغرب، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: إن كنتم تستدلون على ألوهية المسيح المزعومة بكونه خلق من غير أب، فكان أولى أن تعبدوا آدم؛ لأن آدم خلق لا من أب ولا من أم، فهذا هو المقصود. ثم شرع تعالى في تبيين وجه الشبه بينهما بقوله: ((خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)) أي: آدم، والمقصود هنا أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم على هيئة الإنسان وقالبه وشكله، لم يكن قد نفخ فيه الروح؛ لأن الآية تقول: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:59] فكان. فالهاء هنا في قوله: ((خلقه)) تعود على قالب آدم، الذي هو العجين المعجون من طين. ((ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ)) أي: كن بشراً. ((فَيَكُونُ)) أي: فكان، وكذلك عيسى عليه السلام قال له: كن من غير أب، فكان.
تفسير قوله تعالى: (الحق من ربك فلا تكن من الممترين)
تفسير قوله تعالى: (الحق من ربك فلا تكن من الممترين) {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران:60]. أي: أمر عيسى عليه السلام، والذي قصصناه عليك من ربك هو الحق. (فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي: الشاكين فيه.
تفسير قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم)
تفسير قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم) {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران:61]. ((فمن حاجك)) أي: فمن جادلك من النصارى في عيسى. ((مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)) أي: من العلم بشأنه وبأمره. ((فَقُلْ تَعَالَوْا)) أي: فقل لهم تعالوا، والمقصود من هذا أن الله سبحانه وتعالى بعدما أقام عليهم الحجج على بطلان ما هم عليه من الارتياب في شأن المسيح عليه السلام، يأمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم: لم يبق من تفسير لما أنتم عليه من الإصرار على الكفر إلا أنكم معاندون وجاحدون؛ لأنكم إذا كنتم جهلة فقد كان ما أقمته عليكم من الحجج يستوجب زوال وصف الجهل عنكم، أما وقد أقيمت عليكم الحجج الواضحة وما استطعتم لها رداً ولا دفعاً، فلم يبق منكم إلا العناد، فلا سبيل لرفع هذا العناد إلا بالمباهلة. أي: فقل لهم: أيها المجادلون ((تعالوا)) أنا ادعوكم إلى الفيصل بيني وبينكم الذي يكشف من منا صاحب الحق ومن منا على باطل. ((فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ)) هذا الاختيار اختيار دقيق، حيث اختار أعز أهله وألصقهم بقلبه، فهم الذين يخاطر الرجل بنفسه من أجلهم، ويحارب دونهم، فيأتي بهؤلاء ويباهل. ((ثم نبتهل)) أي: نتضرع ونجتهد في الدعاء. الابتهال يشمل الاجتهاد في الدعاء سواء كان باللعنة أو بغيرها، والمقصود بالابتهال هنا أن نلعن من يكون على باطل، كما قال: ((فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ)) أي: طرده وإبعاده من رحمته. ((عَلَى الْكَاذِبِينَ)) أي: منا ومنكم، ليهلكهم الله وينجي الصادقين، فلا يبقي بعد أن أقمنا عليكم دلائل العقل ودلائل النقل إلا المباهلة.
حقيقة المباهلة
حقيقة المباهلة المباهلة طريقتها أن يفعلوا كما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام هنا: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران:61]، أي نقول: اللهم العن الكاذب في شأن عيسى. نحن المسلمين نعتقد في عيسى أنه كلمة الله، وروح منه، وأنه عيسى بن مريم عليهما السلام، ونعتقد أن الله هو الحق الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، والنصارى يقولون: هو الله أو ابن الله -والعياذ بالله- إلى آخر هذه العقائد الكفرية، فاللهم أنزل لعنتك على الكاذب منا؛ لأن الحق لا يعدو هؤلاء أو هؤلاء، فالمباهلة معناها: الدعاء بنزول اللعنة على الفريق الكاذب وإنجاء الصادقين.
ذكر الآثار الواردة في المباهلة
ذكر الآثار الواردة في المباهلة يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نصارى نجران لما قدموا المدينة، فجعلوا يحاجون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة رداً عليهم كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق وغيره، وكانوا ستين راكباً منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم: العاقب أمير القوم واسمه عبد المسيح. والسيد في مالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم. وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم. وفي القصة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه الخبر من الله عز وجل، والفصل من القضاء بينهم وبينه، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى المباهلة، فقالوا: يا أبا القاسم! دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه ثم خلوا بـ العاقب الذي هو أميرهم، فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم! قد رأينا ألا نلاعنك، وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا)، فلم يلاعنهم صلى الله عليه وسلم وأقرهم على خراج يؤدونه إليه. وعن جابر رضي الله عنه قال: (قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي بعثني بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي ناراً، قال جابر: وفيهم نزلت: ((فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)) [آل عمران:61] إلى آخر الآية. قال جابر: (وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ)، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب (أَبْنَاءَنَا) الحسن والحسين (وَنِسَاءَنَا) فاطمة) وهكذا رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم. وروى البخاري عن حذيفة رضي الله عنه قال: (جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبياً فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال: لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين، فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أمين هذه الأمة) وهذا أيضاً رواه مسلم. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال أبو جهل قبحه الله: إن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على رقبته قال: فقال: لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً)، وهذا رواه البخاري وغيره. يقول الزمخشري: فإن قلت: ما كان دعاؤه للمباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده، وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة. معناه: أن الاثنين يقفان في المواجهة، فالرسول عليه الصلاة والسلام ومن معه يدعون أن تنزل اللعنة على الكاذب في شأن عيسى، والآخرون أيضاً يدعون أن تنزل اللعنة على الكاذب في شأن عيسى عليه السلام، فلماذا أدخل غيره في ذلك مع أن المخاصمة كانت بين اثنين فقط؟ أدخلهم؛ لأن هذا أوكد في الدلالة على ثقته ويقينه من الحق الذي هو عليه، وأن الله سبحانه وتعالى فاطر السماوات والأرض ورب السماوات والأرض المطلع على هذا الحال معه، وسينصره، وسيخذل عدوه، بحيث إذا استجيبت الدعوة واستجيبت هذه المباهلة هلك الكافر وذووه فاستؤصلوا جميعاً ولم يبق منهم عين ولا أثر. ثم يقول: وخص الأبناء والنساء؛ لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب. ثم يقول: ويسمون الذادة عنهم بأرواحهم: حماة الحقائق، وقدمهم في الذكر على الأنفس: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} [آل عمران:61] لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام. وأصحاب الكساء من آل البيت، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، ولا يقتصر وصف آل البيت عليهم. ثم يقول: وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.
حكم المباهلة
حكم المباهلة هذه الآية تدل على جواز المحاجة في أمر الدين، وأن من جادل وأنكر شيئاً من الشريعة جازت مباهلته اقتداءً بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. والمباهلة هي الملاعنة، وهذا في الحقيقة مخرج لأصحاب الحق، إذا كان مع الإنسان حق أبلج وأوضح من الشمس في رابعة النهار، ومع ذلك يعاند خصمه ويصر على باطله، ففي هذه الحالة تجوز لك المباهلة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} [آل عمران:61]، فتحضر نفسك وأبناءك ونساءك وتقف في صف، وكذلك خصمك يحضر نفسه وأبناءه ونساءه، ثم تتباهلون وتجعلون لعنة الله على الكاذبين، فبلا شك أن هذا سيكون كفيلاً لتبرئة المظلوم، وإيضاح الحق من الباطل.
أنموذج للمباهلة
أنموذج للمباهلة في الحقيقة هناك حوادث كثيرة فيما يتعلق بموضوع المباهلة وقعت حتى مع أهل البدع، بل إن بعض الصحابة كـ ابن عباس وغيره لما اختلف مع بعض إخوانه من الصحابة في بعض القضايا الفقهية طلب المباهلة، كي يعلن وثوقه بما هو عليه من الرأي في هذه المسألة. لا أطيل في ذكر الأمثلة وإن كانت كثيرة، لكن أقتصر فقط على هذا الذي ذكره العلامة أبو المعالي محمود شكري الألوسي رحمه الله في كتابه (غاية الأماني في الرد على النبهاني) يقول في أثناء مناقشة مذهب ابن عربي الملحد: قال الإمام أحمد بن علي بن حجر الشافعي: إنه ذكر لمولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني أشياء من كلام ابن عربي، وسأله رجل عن ابن عربي، فقال له شيخنا: هو كافر. قال: وسمعت الحافظ شهاب الدين ابن حجر يقول: جرى بيني وبين بعض المحبين لـ ابن عربي منازعة كثيرة في أمر ابن عربي، حتى إن الرجل المنازع لي في أمره هددني بالشكوى إلى السلطان بمصر بأمر غير الذي تنازعنا فيه إذا لم أكف عن الكلام في ابن عربي، فقلت له: ما للسلطان في هذا مدخل، نحن نتناظر مناظرة علمية، فتعال نتباهل، وقلت: ما تباهل الاثنان فكان أحدهما كاذباً إلا وأصيب، فقال لي: باسم الله! هيا توكلنا على الله، قال: فقلت له: قل: اللهم إن كان ابن عربي على ضلال فالعني بلعنتك، فقال ذلك، فقلت أنا: اللهم إن كان ابن عربي على هدى فالعني بلعنتك، وافترقنا، قال: وكان يسكن الروضة، فاستضافه شخص من أبناء الهند، ثم بدا له أن يتركه وخرج في أول الليل مصمماً على عدم المبيت، فخرجوا يشيعونه إلى بيته، ففي أثناء رجوعه أحس بشيء مر على رجله، فقال لأصحابه: مر على رجلي شيء ناعم فنظروا فلم يروا شيئاً، وما رجع إلى منزله إلا وقد عمي في نفس الليلة، وما أصبح إلا ميتاً، وكان ذلك في ذي القعدة سنة سبع وسبعين، وكانت هذه المباهلة في رمضان منها، وعند وقوع المباهلة عرفت أن السنة لا تمضي عليه، وكانت بمحضر من جماعته.
آل عمران [137 - 148]
تفسير سورة آل عمران [137 - 148]
تفسير قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض) قال تبارك وتعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران:137]. هنا ندب إلى القياس أي: قيسوا بهم عاقبة اللاحقين بهم في الهلاك والاستئصال إذا فعلوا فعلهم، والأمر بالسير والنظر لمشاهدة آثار المتقدمين له أثر في الاعتبار أقوى من أثر السماع، فليس الخبر كالمعاينة.
تفسير قوله تعالى: (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين)
تفسير قوله تعالى: (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:138]. أي أن القرآن تخويف نافع للمتقين، وهو هدى لهم.
تفسير قوله تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) قوله تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139]. أي: لا تضعفوا عن الجهاد فيما نالكم من الجراح، ولا تحزنوا على من قتل منكم، والحال أنكم الأعلون الغالبون دون عدوكم، فإن مصير أمرهم إلى الدمار حسبما شاهدتم من عاقبة أسلافهم. (إن كنتم مؤمنين) أي: فلا تهنوا ولا تضعفوا إذا كنتم مؤمنين؛ لأن الإيمان يورث قوة القلب، والثقة بنصر الله تعالى، وعدم المبالاة بأعدائه، أو (إن كنتم مؤمنين) فأنتم الأعلون؛ لأن الإيمان يقتضي العلو لا محالة.
تفسير قوله تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله)
تفسير قوله تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) يقول تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران:140]. ((وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا))، الأيام دول يوم لك ويوم عليك. وسنة الحياة عدم ثبات الأحوال، لكن العاقبة للمتقين، فلابد من استحضار هذا عند الابتلاء. في هذا الزمان الذي عم فيه الظلم وطم، وتحققت فيه كثير من أشراط الساعة على يد أعداء الدين، فما على المسلم إلا أن يستحضر مثل هذه الآيات: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} [النساء:104]، لكن الفارق هو أنكم {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء:104]، مهما اشتدت المحن بالمؤمن، فما عليه إلا أن يفزع إلى الله ويستعمل سلاح الدعاء والتضرع لله تبارك وتعالى؛ لأن الله سبحانه هو نصير للمؤمن ومولى لهم قال عز وجل: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد:11]، وقال عز وجل: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج:71] يكفي أن المدد مقطوع بين الظالم وبين الله سبحانه وتعالى؛ لأن ما بينه وبين الله خراب ودمار. إذاً: يكفي المؤمن في البلاء أن يفزع إلى الله؛ ولأن الحبل بينه وبين الله متصل، وإذا فزع إلى الله سبحانه وتعالى فإن الله يمده بنصره وبمعونته، كما ذكرنا من قبل: أن قوة المؤمن ليست في عضلاته، بل في قلبه واتصاله بربه. وهذا حديث يطول، ويكفي أن نتذكر قصة غلام أصحاب الأخدود، فقوة المؤمن تكون في قلبه أساساً، ولا ينافي أن يكون المؤمن قوياً في بدنه. إذاً: المؤمن قوته تكون في قلبه، بتوكله وثقته بالله تبارك وتعالى، يقول عز وجل هنا: ((إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)) إذاً: ليس جديداً علينا هذا الذي يحصل من البلاء للمسلمين الآن، وليس أمراً مفاجئاً ولا بغتة ولا فلتة، وإنما هي سنة الله التي لابد أن تمضي، ولابد أن يخضع لها جميع الخلق، فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم، فقد أصابتهم القروح والآلام في سبيل الشيطان، وأنتم أصبتم في سبيل الله وابتغاء مرضاته. ((وَتِلْكَ الأَيَّامُ))، أي: أيام هذه الحياة الدنيا. ((نداولها بين الناس)) أي: نصرفها بينهم، تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، فهي عرض حاضر يقسمها بين أوليائه وأعدائه، (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، بلا شك أننا الآن نستحضر هذا الحديث أكثر من أي وقت مضى، فالدنيا سجن المؤمن انظر كيف يكون حاله في السجن، فإذا خرجت روحه انطلق إلى الرحب والسعة، وإلى رضوان الله سبحانه وتعالى والنعيم. فالمؤمن لابد أن يستحضر هذا الأمر؛ لأن الدنيا هي جنة بالنسبة للكافر، وهي في نفس الوقت سجن بالنسبة للمؤمن؛ لأنه مقيد بالأوامر والنواهي، مقيد بالبلاء وبحرب أعداء الدين وأعداء الله تبارك وتعالى. هذه سنة الله التي لن تتبدل ولن تتخلف، حتى الذي يتنازل عن دينه كي يخفف عن نفسه من وطأة هذا السجن، وكي يطلب العافية لن ينال العافية، بل سيكون أول من يعذبه هذا الذي ترك دينه من أجله، فإن الله قضى قضاء مبرماً محكماً لا ينقض ولا يخلف، أن من أطاع غيره أو أحب غيره في معصيته عذبه به ولابد، والأمثلة لا تكاد تنتهي، كم رأينا من جبار في الأرض قام بتعذيبه وزير من وزرائه، كأن ينقلب عليه بعد ذلك، أو يقتله أو يعذبه أو يسجنه أو يحاكمه، وكم رأينا من أناس شرعوا قوانين لقهر الناس وإذلالهم، ثم كانت هذه القوانين وبالاً عليهم، فمن حفر حفرة لأخيه وقع فيها، فهي سنة الله لن تتخلف أبداً: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30].
الحكم والغايات المحمودة من معركة أحد
الحكم والغايات المحمودة من معركة أحد يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد: ومنها: أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يدالوا مرة، ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنه لو انتصر المسلمون دائماً لدخل معهم المنافقون وغير الصادقين في الإسلام، ولم يميز الصادق من غيره، ولو هزم المسلمون دائماً لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فيضيع الدين، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين، أحياناً ينتصرون وأحياناً تكون الأخرى؛ ليتميز من يتبعهم ويطيعهم على الحق وما جاءوا به، ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة، ممن يعبدون الله على حرف: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} [الحج:11]، إذا كثرت الأموال وعوفي في صحته ووجد السعة والرخاء والرفاهية يقول: هذا دين طيب رأينا منه الخير، فإذا كانت الأخرى فابتلي بموت أولاده أو بمرض أو بفقر أو غير ذلك، يقول: هذا دين شؤم والعياذ بالله، فمثل هذا نزل فيه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج:11] يريد ديناً لا ابتلاء فيه، فإذا ابتلي: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا} [الحج:11] حرمها وابتلي بفقدانها، والآخرة أيضاً؛ بسبب ارتداده {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج:11]. فهذه من حكم الله سبحانه وتعالى في أن تكون الأيام دولاً بين الناس. ((وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا))، هذه حكمة أخرى أن يتميز المؤمنون من المنافقين، وقد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الفتن التي تكون في آخر الزمان تفرز الناس وتقسمهم، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، وهذا ما نراه. سبحان الله! في مثل هذه الأيام التي نعيشها كل يوم ينكشف منافقون جدد، فقد كانوا يخبئون هويتهم وعداءهم للدين، فظهروا على حقيقتهم؛ ليميز الخبيث من الطيب، وهذه من حكمة الله سبحانه وتعالى أن ينكشف هؤلاء، وينكشف حقدهم على دينه وعلى عباده الصالحين، فيعلمهم الله تعالى علم رؤية ومشاهدة، بعد أن كانوا معلومين في علم الغيب، الذي هو علمه السابق وهو صفة من صفات الله. وذكرنا من قبل أيضاً حكمة هذا الابتلاء في قوله تبارك وتعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179]، ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة:214]، وقوله تعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:3]، وقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} [محمد:31]. قوله: ((وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ)) هنا حكمة أخرى من حكم الابتلاء بالجهاد، وهي أن يكرم ناساً منكم بالشهادة؛ ليكونوا مثالاً لغيرهم في التضحية بالنفس، وهو تعالى يحب الشهداء من عباده، وقد أعد لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه، فلابد أن ينيلهم درجة الشهادة. والاتخاذ منبئ عن الاصطفاء والتقريب كما قال تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:125]. ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)) فيه تنبيه لطيف الوقع على كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخذلوا عن نبيه يوم أحد، فلم يتخذ منهم شهداء لأنه لم يحبهم، فأركسهم وردهم وخذلهم؛ ليحرمهم فضل الشهادة، فالله لا يحب الظالمين، ولذلك خذلهم وثبطهم حتى تخاذلوا وارتدوا عن الجهاد، وحرموا من أن ينالوا الشهادة في سبيل الله. فالتعريض بالمنافقين، ويحتمل أن يكون بالكفرة الذين أديل لهم تنبيهاً على أن ذلك ليس بطريق النصرة لهم، بل لما ذكر من الفوائد العائدة على المؤمنين.
تفسير قوله تعالى: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين)
تفسير قوله تعالى: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) قال تبارك وتعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:141]. ((وليمحص الله الذين آمنوا)) أي: لينقيهم ويخلصهم من الذنوب ومن آفات النفوس، وأيضاً يمحصهم ويخلصهم من المنافقين الذين يخالطونهم ولا يعرفونهم، فحصل للمؤمنين تمحيصان: تمحيص من نفوسهم، وتمحيص ممن كان يظهر أنه منهم ولكنه في الحقيقة عدو لهم. ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين فقال: ((وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ)) أي: ويهلكهم، فإنهم إذا كانت لهم الغلبة يبغون في الأرض وينشرون الفساد ويظلمون الناس، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم، إذا أراد الله تعالى أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم، كما جاء في الحديث: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى إذا لم يبق بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، لابد من السبب وهو العمل. فلذلك إذا أراد الله سبحانه وتعالى شراً بشخص لخبث نفسه وعدائه لدينه، فإنه ييسر له الأسباب ويمهله ويمده في الغي، ويتمادى في ظلم الناس وفي محاربة دين الله عز وجل، ويظن أنه سيحقق إنجازات وانتصارات بأن غلب دين الله وغلب أولياء الله عز وجل وحقق نصراً يتباهى به ويفخر ويتيه به، وهذا المسكين لا يدري أن كل ما يوقعه من البلاء بأولياء الله فسيوقع الله به أضعاف أضعافه في جهنم وبئس المصير، فلذلك يقيض الله لهم من الأسباب كما قال عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم:83] أي: تدفعهم إلى الشر دفعاً {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [فصلت:25]، فإذاً إذا أراد الله به هذا فإنه ييسره للعسرى، كلما أراد ظلماً لا يسد عليه باب الظلم، بل يجعله يتمادى في الظلم ويتمادى في محاربة الله عز وجل؛ حتى يوقعه في سوء عاقبة هذه الأعمال. قوله تعالى: ((وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ))، المحق: هو ذهاب الشيء بالكلية حتى لا يبقى منه شيء، أو لا يرى منه شيء، وقد محق الله الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وأصروا على الكفر جميعاً.
تفسير قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة)
تفسير قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) لقد أنكر تعالى عليهم حسبانهم وظنهم أنهم يدخلون الجنة بدون الجهاد في سبيله والصبر على أذى أعدائه، وأن هذا ممتنع، فقال تعالى: ((أَمْ حَسِبْتُمْ)) (أم) هنا المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، أي: بل أحسبتم، {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:142]، هذا لا يقع أبداً ولا يكون.
تفسير قوله تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه)
تفسير قوله تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه) قوله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [آل عمران:143]. ((تمنون)) فيه حذف إحدى التاءين، وأصلها (ولقد كنتم تتمنون). (الموت) أي: الحرب ولقاء العدو؛ لأن الحرب من مبادئ الموت ومن أسبابه. أو (تمنون الموت) أي: الشهادة في سبيل الله. ((مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ)) حيث قلتم: (ليت لنا يوماً كيوم بدر؛ فننال ما نال شهداء بدر من الأجر والثواب والشهادة). وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتفق عليه أنه قال: (لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف). وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: (كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر رضي الله عنه حدثني وصدق أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من رجل يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله عز وجل إلا غفر له)، وهذا حديث صحيح، وهذا الحديث هو المعروف بحديث صلاة التوبة. صلاة التوبة هي أن الإنسان إذا أذنب ذنباً فإنه يتوضأ ويحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله سبحانه وتعالى، فإذا فعل ذلك غفر الله له. قوله تعالى: ((فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ)) أي: رأيتم سبب هذا الموت، إما رأيتم سببه باستشهاد إخوانكم أو قتل إخوانكم وإما بالحرب نفسها. ((وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ))، أي: تبصرون الحال لما انهزمتم وقد كنتم تتمنون مثل هذا الموقف؛ لتنالوا مثل ما نال شهداء بدر؟!
تفسير قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)
تفسير قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) لما أشيع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل قال المنافقون: إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم، فنزل قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:144]. ((وما محمد)) صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا من المواضع التي ذكر فيها اسم النبي صلى الله عليه وسلم صراحة، وكما نلاحظ أنه لا يأتي اسمه إلا في حالة الخبر عنه بالرسالة: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} [الفتح:29] {وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ} [محمد:2]، أو هنا: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ))، لكن لم يناد النبي صلى الله عليه وآله وسلم باسمه في القرآن قط، إنما نودي بصفته؛ تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي، يا أيها الرسول، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، وهكذا، بخلاف غيره من إخوانه من الأنبياء فقد نودوا بأسمائهم: يا إبراهيم، يا نوح، يا موسى، يا عيسى، وهكذا، فهنا خبر عنه بصفة الرسالة: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ)) أي: مضت، ((مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ)) أي: أن المقصود ما محمد عليه الصلاة والسلام إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفتؤمنون به في حال حياته، فإن مات انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟! ((أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ)) أي: كغيره، والمقصود من الآية إثبات أنه لا منافاة بين الرسالة وبين القتل أو الموت؛ لأن هذه سنة الله الماضية في أنبيائه ورسله من قبل، فإنهم لابد أن يفارقوا الدنيا إما بموت وإما بقتل ظلماً، كما وقع من اليهود لعنهم الله حينما قتلوا يحيى عليه السلام وزكريا. ((أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) أي: ارتددتم ورجعتم إلى الكفر. والجملة الأخيرة محل الاستفهام الإنكاري أي: ما كان محمد صلى الله عليه وسلم معبوداً فترجعوا بموته؟! لو أنكم كنتم تعبدونه لحق لكم أن ترجعوا عن عبادته إذا مات، لكن أنتم تعبدون الله تبارك وتعالى. ((وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا)) أي: وإنما يضر نفسه. ((وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)). أي: سيجزي الله الذين يثبتون على الإسلام؛ لأن الكلام في حق من ينتكسون أو ينقلبون على أعقابهم ويرتدون، أو: سيجزي الذين يثبتون في القتال، والأول أقرب، والله تعالى أعلم. والله عز وجل سماهم هنا شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام التي هي أجل نعمة وأعز شيء يمن الله به على الإنسان، فهم يشكرون هذه النعمة بالثبات عليها وعدم جحودها أو النكوص على الأعقاب. وهذه الآية تلاها أبو بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه في يوم موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتلاها الناس كلهم، وذلك لما أنكر عمر موت النبي عليه الصلاة والسلام، فأعرض عنه أبو بكر وتلا هذه الآية في الناس، يقول عمر: (فكأني ما عرفت هذه الآية قبل يومئذ) أي: كأنه ما سمع هذه الآية من قبل، فنزلت عليه برداً وسلاماً وسكينة. معنى هذه الآية كما يقول القاسمي: أن من كان على يقين من دينه وبصيرة من ربه لا يرتد بموت الرسول وقتله، ولا يفتر عما كان عليه؛ لأنه يجاهد لربه لا للرسول، كأصحاب الأنبياء السالفين، كما قال أنس بن النضر عم أنس بن مالك يوم أحد حين أرجف المنافقون وأشاعوا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إليه تقاول بعضهم: ليت فلاناً يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وقول المنافقين أيضاً: لو كان نبياً ما قتل؛ يقول أنس بن النضر: (يا قوم! إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد حي لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه). وروى ابن أبي نجيح عن أبيه: (أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان! أشعرت أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ))). ومن الحكم من غزوة أحد: أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصاً بين يدي موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنبأهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قتل، بل الواجب عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده، ويموتوا عليه ويقتلوا، فإنهم إنما يعبدون رب محمد وهو حي لا يموت، وما بعث محمد صلى الله عليه وسلم إليهم ليخلد أو يخلدوا، بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد، فإن الموت لابد منه.
تفسير قوله تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله)
تفسير قوله تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:145]. ((وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)) أي: بقضاء الله تبارك وتعالى. ((كِتَابًا)) أي: كتب ذلك كتاباً. ((مُؤَجَّلًا)) أي: مؤقتاً لا يتقدم ولا يتأخر، فلم انهزمتم والهزيمة لا تدفع الموت والثبات لا يقطع الحياة؟! فالموت إذا كان مكتوباً لإنسان بسبب معين وبأجل معين فلابد أن يأتي، هذه عقيدة راسخة لا شك فيها على الإطلاق، ولذلك قال الشاعر: أي يومي من الموت أفر يوم لا قدر أو يوم قدر يوم لا قدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر فلذلك نلاحظ في آيات الجهاد عموماً كيف أن الله سبحانه وتعالى يؤكد على هذين الأمرين اللذين هما سبب نكوص كثير من الناس عن الجهاد: خوف انقطاع الرزق، أو خوف حضور الأجل، فبين الله تبارك وتعالى كما في هذه الآيات أن الأجل مكتوب، ولن يتقدم ولن يتأخر. يقول الصديق رضي الله عنه: (احرص على الموت توهب لك الحياة). وقال أبي سليمان خالد بن الوليد رضي لله تعالى عنه حينما مات على فراشه: (ما في جسدي موضع إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء). ((وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا)) أي: من يرد بعمله جزاءه من الدنيا ((نُؤْتِهِ مِنْهَا)) هذا تعريض لمن حضر الجهاد طلباً للغنائم فقط، أي: نؤته ما قسم له ولا حظ له في الآخرة. ((وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا)) أي: من ثوابها، ((وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)).
تفسير قوله تعالى: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير)
تفسير قوله تعالى: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير) {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:146]. قال تعالى: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)) أي: وكم من نبي قاتل، وفي قراءة: (قتل معه ربيون كثير) بالبناء للمفعول. ((قتل معه)) أي: لإعلاء كلمة الله وإعلاء دينه. ((ربيون كثير)) أي: جموع كثيرة من الأتقياء والعباد. ((فَمَا وَهَنُوا)) أي: فما جبنوا. ((لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: من الجراح وقتل أنبيائهم وأصحابهم. ((وَمَا ضَعُفُوا)) أي: عن الجهاد. ((وَمَا اسْتَكَانُوا)) أي: وما خضعوا لعدوهم، بل صبروا على قتالهم، ولم يفعلوا كما فعلتم حين قيل: قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} أي: على البلاء، أو على قتال أعدائه. إذاً: هذه الآية فيها بحث طويل عقده العلامة القرآني الشيخ: محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في كتابه "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" بين فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتل في حالة الجهاد أبداً؛ وذلك لقوله تعالى: {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ} [النساء:74] فهذا يدل على أن الذي يقابل الغلبة هو القتل، والله سبحانه وتعالى ضمن للأنبياء النصر وقال: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة:21]، فالرسل لا يمكن أن يقتلوا في جهاد، وإنما يمكن أن يقتلوا بصورة أخرى كما حصل ليحيى أو لزكريا. هذا ما رجحه العلامة القرآني الشنقيطي، فيمكن مراجعة هذا البحث المستفيض في كتابه الرائع "أضواء البيان" في الجزء الأول. في هذه الآية بين تبارك وتعالى محاسن الربيين الفعلية بقتالهم مع الأنبياء وثباتهم في الجهاد.
تفسير قوله تعالى: (وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا)
تفسير قوله تعالى: (وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا) شرع بعد ذلك في بيان محاسنهم القولية، وهو ما استنصر به الأنبياء وأممهم على قومهم من الاستغفار والاعتراف بالتقصير، ودعاء الله تبارك وتعالى والاستغاثة به، فبعد ما مدح أفعالهم مدح أقوالهم، قال عز وجل: ((وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ)) أي: عند قتل نبيهم مع ثباتهم وصبرهم، هذا على التفسير المرجوح بأن الأنبياء يمكن أن يقتلوا في الجهاد، وقد بينا من قبل أن هذا مذهب مرجوح. ((إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا)) الإسراف هو تجاوز الحد إيذاناً؛ بأن ما أصابهم لسوء فعلهم، وهذا اعتراف منهم بأنهم مسيئون، وقد أضافوا الذنوب لأنفسهم. ((وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا))، أي: بالقوة على الجهاد. ((وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)). فلما اعترفوا بأنهم مسيئون، كان هذا منهم إحساناً، فأعقبها بقوله: ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ))، فالتوبة والاعتراف بالذنب هو من الإحسان.
أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: (وما كان قولهم إلا أن قالوا)
أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: (وما كان قولهم إلا أن قالوا) يقول الرازي: فيه دقيقة لطيفة: وهي أن هؤلاء لما اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا))، إلى آخر الآية سماهم الله محسنين، كأن الله تعالى يقول: إذا اعترفت بإساءتك وعجزك فأنا أصفك بالإحسان، وأجعلك حبيباً لنفسي، حتى تعلم أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى النصر والتمكين والعزة والرفعة إلا بإظهار الذلة والمسكنة والعجز له سبحانه. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحد، وعلموا أيضاً أن النصر منوط بالطاعة، حينئذ قالوا: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)) أي: الذنوب التي بسببها تصبح الدولة والغلبة لأعدائنا، كما يقول الشاعر: بذنوبنا دامت بليتنا والله يكشفها إذا تبنا فكل المصائب التي تحل بالمسلمين في كل زمان، اعتاد الناس على أن ينظروا فيها إلى ظلم الحكام، ولا يلتفت كثير من الناس إلى حقيقة أن تسليط هؤلاء الظالمين على المسلمين في كل زمان ومكان إنما هو بسبب ذنوبهم، ودليل ذلك في قوله تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:129]، فالله عز وجل يولي ظالماً على الظالمين، ولولا أن الناس ظالمون لما عوقبوا بهذا السلطان، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن -وذكر هذه الذنوب وعقوبتها ومنها-: إلا ابتلوا بشدة المئونة، وجور السلطان عليهم)، يعني: أن المعاصي تكون عقوبتها أحياناً تسليط الظالمين على الرعية، ولذلك لما عوتب بعض الخلفاء أنه لا يسلك بهم سنن عمر بن الخطاب وأبي بكر رضي الله تعالى عنهما قال لهم: لو كنتم أنتم مثل الرعية التي حكمها أبو بكر وعمر لكنت أنا مثل أبي بكر أو مثل عمر، لكن ابتليتم بي وابتليت بكم. أو كما قال رحمه الله تعالى. ويشيع على لسان العلماء قولهم: عمالكم أعمالكم، أي: كيفما تكونوا يولى عليكم. وصف الله حال فرعون وقومه قال: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف:54]، فلا ينبغي أن نلتفت فقط إلى ظلم الظلمة وطغيانهم، وإنما ينبغي أن نلتفت إلى أننا سبب في ظلمهم لنا، وسر هذا الالتفات وأهمية هذا التشخيص هو أن نعرف من أين أُتينا، فنبادر إلى العلاج الصحيح، وهو كما فعل هؤلاء الربيون: ((وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)). ((وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا))، ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا على تثبيت أقدام أنفسهم والنصر على أعدائهم، فسألوه مغفرة ذنوبهم، وتثبيت أقدامهم ونصرهم على عدوهم، فوفوا المقامين حقهما: مقام المقتضي وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه وتعالى، ومقام إزالة المانع من النصرة وهو الذنوب والإسراف، وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن، سواء كانت المحن في الجهاد أو في غيره، كما قال تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11]. إذاً: التحول والتغيير ينبغي أن يبدأ من أنفسنا، كل إنسان يراجع نفسه ويفتش لعل ذنباً يفعله أو معصية يرتكبها، أو إسرافاً أو تجاوزاً للحد، هو السبب في كل المصائب التي تعم المسلمين.
تفسير قوله تعالى: (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة)
تفسير قوله تعالى: (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة) {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:148]. ((فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا)) أعطاهم النصر والغنيمة وقهر العدو، والثناء الجميل، وانشراح الصدر بنور الإيمان، وكفارة السيئات، هذا ثواب الدنيا. ((وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ)) أي: الجنة، وحسنه هو التفضل فوق الاستحقاق، بأن يعطيك الله سبحانه وتعالى ما تستحقه ويتفضل عليك بما هو أوسع وأعظم منة منه وتكرماً. ونلاحظ هنا أنه سبحانه وتعالى لم يصف ثواب الدنيا بالحسن بل قال: ((فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا))، بينما وصف ثواب الآخرة بالحسن، قال عز وجل: ((وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ)) فهو سبحانه أراد أن يميز ثواب الآخرة بهذا الحسن؛ لأنه هو المعتد به عند الله تبارك وتعالى، أما ثواب الدنيا فغير دائم، بل ينقطع وتشوبه الأكدار والمنغصات. ثم قال: أما ثواب الآخرة فإنه دائم لا ينقطع، ولذلك قال: ((وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)).
آل عمران [149 - 167]
تفسير سورة آل عمران [149 - 167]
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا) قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران:149]. الرد على الأعقاب هو مثل للحور بعد الكور، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو في السفر ويقول: (وأعوذ بك من الحور بعد الكور)، بالراء، وروي بالنون (الكون)، ومعنى ذلك: أن الإنسان في حالة السفر يبتعد عن بيئة إخوانه وأهله الذين يعرفونه، فقد يكون الشيطان أقوى عليه، وسمي السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن حقيقة الشخص، فتراه يتحول إلى سبع مفترس؛ لأنه ابتعد عن المراقبة. فالإنسان قد يتكلف الأخلاق في دار الإقامة، وقد يتكلف ذلك إذا قابل إخوانه ساعة أو ساعتين، أما في السفر فإنه لابد أن تغلبه شخصيته الحقيقية وتظهر طبيعته، ولذلك لما سأل عمر عن إنسان فقال رجل: (أنا أعرفه، فقال له عمر: هل التصقت به؟ هل تعاملت معه بالمال؟ هل سافرت معه؟) فهذه الأشياء هي التي تكشف الإنسان، ومن أراد أن يشهد على إنسان لابد أن يكون قد خالطه مخالطة دقيقة ومنها السفر. والكور مأخوذ من تكوير العمامة، فالإنسان إذا أراد أن يثبت العمامة على رأسه فإنه يكورها، وإذا أراد أن يفكها فكها، وعملية الفك للعمامة تسمى التحوير، فالحور بعد الكور هذا تعبير أريد به انفراط عقد الإنسان بعد استمساكه، أو زلل قدمه عن طريق الاستقامة بعدما كان مستقيماً، فهذا معنى الحور بعد الكور، أما إذا قلنا: بعد الكون بالنون أي: بعد كونه على الطريق المستقيم يحيد عنه ويرتد على عقبيه. فقوله تعالى: ((يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) هو مثل يضرب في الحور بعد الكور. ((فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ)) ذكر (خاسرين) لأننا إذا أطعنا أعداء الله عز وجل فسنخسر كل شيء، وأعظم ما نخسره -كما يفهم من سياق الآية- الإسلام؛ لأن الله تعالى قال: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة:217]. (خاسرين) أي: خاسرين للإسلام، خاسرين لمحبة الله عز وجل ورضوانه، خاسرين لثوابه الدنيوي والأخروي. أما ثمرة هذه الآية: فهي الدلالة للمؤمنين ألا ينزلوا على حكم الكافرين، ولا يقبلوا مشورتهم؛ خشية أن يردوهم عن دينهم؛ لأن الله عز وجل الذي يعلم من خلق أخبرنا بخفايا قلوبهم ودواخل أمورهم، وأنهم لن يقصروا في إيقاع الأذى بنا.
تفسير قوله تعالى: (بل الله مولاكم وهو خير الناصرين)
تفسير قوله تعالى: (بل الله مولاكم وهو خير الناصرين) يقول تعالى: {بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران:150]. أي: ناصركم فأطيعوه، فكونوا مع الله عز وجل ولا تلتفتوا إلى أعدائكم وأعداء دينكم. {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} أي: فأطيعوه دون هؤلاء الكافرين، فإنه سبحانه وتعالى ينصركم عليهم بالقتال، وينصركم بدون قتال.
تفسير قوله تعالى: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا)
تفسير قوله تعالى: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا) {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران:151]. بين تبارك وتعالى ذلك كيف ينصرهم بدون قتال قال عز وجل: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} سبق أن قلنا: إن قوة المؤمن في قلبه، وليست في بدنه، فالكافر إذا رأيته يعجبك جسمه لكن قلبه كقلب الفأر المذعور، ولذلك يقول تبارك وتعالى هنا: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} وكذلك قال تبارك وتعالى في وصف اليهود: {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ}. ولا شك أنكم قد سمعتم ما حكاه الجنود المسلمون في حرب رمضان مما رأوا من الفزع الذي نزل على اليهود بمجرد أن كانت الصيحة تدوي: الله أكبر! ففزعوا كالفئران وولوا هاربين مذعورين كالجرذان الهاربة، وخط برليف وما أدراك ما خط برليف، كيف دك بهذه الصيحة الإيمانية؟!! فالرعب يقذفه الله تبارك وتعالى في قلب الكافر؛ لأنه على قدر الشرك يكون الرعب في القلب، وعلى قدر الإيمان يكون الثبات؛ لأن الشجاعة والثبات ورباطة الجأش لا تكون تامة إلا للموحد الموقن في توحيده، وأعلى الموحدين الموقنين في توحيدهم هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك خصه الله تبارك وتعالى بخصال، منها ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (ونصرت بالرعب مسيرة شهر) أي: أن العدو إذا كان بينه وبين المسلمين مسافة تقطع في شهر، فإن الله سبحانه يلقي في قلبه الرعب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وعلينا ألا ننخدع بما نحن عليه الآن من ضعف ومن هوان؛ لأن خاصية رعب الكفار منه عليه الصلاة والسلام هي لأمته من بعده أيضاً، وآية ذلك أنك تجد في هذا الزمان مع شدة ضعف المسلمين أن العالم في حالة رعب وفزع وهلع وخوف من الإسلام ومن المسلمين، ويسلكون كل المسالك ليتخلصوا من هذا الذي يقض مضاجعهم. هناك تصريحات للوزير الفرنسي في حلف الأطلنطي في الأسابيع الماضية يقول فيها: إننا لا نخاف إلا الإسلام، وإننا نرعب من الإسلام، وإن المعركة القادمة ستكون مع الإسلام. ولذلك يتخذون إجراءات وقائية كثيرة حتى يتقوا خطر الإسلام، وهم يمشون إلى حتفهم، فكأن جمع اليهود بهذه الصورة من أجل أن يتحقق وعد الله عز وجل: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} [الإسراء:104]، كنا ونحن صغار نسمع العجائز يقلن: لو قام لليهود ملك لقامت القيامة، والعلامات والإرهاصات تتكاثر في هذا الزمان بصورة مذهلة، وهي تنبئ أن شيئاً ما سيحصل، والله تعالى أعلم. وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، وحتى يقول الحجر والشجر: يا عبد الله! يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله). إذاً: اليهود يقذف الله الرعب في قلوبهم. و (الرعب) بسكون العين وضمها وهو الخوف. لقد عزم المشركون بعد ارتحالهم من أحد على العود واستئصال المسلمين، فألقى الله في قلوبهم الرعب فلم يعودوا لقتال المسلمين كما عزموا. {بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ}، أي: بسبب إشراكهم ألقينا في قلوبهم الرعب؛ لأنه على قدر الشرك يكون الرعب، والشجاعة والثبات لا تكون تامة إلا للموحد الموقن في توحيده. {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا}، أي: حجة على عباده، وهي الأصنام أو غيرها. {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ}، أي: مأوى أو مقر أو مقام (الظالمين) أي: الكافرين.
تفسير قوله تعالى: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه)
تفسير قوله تعالى: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه) قال تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:152]. (ولقد صدقكم) أي: وعدكم الله تبارك وتعالى بالنصر، وقد صدقكم ولم يتخلف وعده تبارك وتعالى، فوعدكم بالنصر في قوله تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران:120]. ((إِذْ تَحُسُّونَهُمْ)) أي: تقتلونهم، يقال: حسه إذا قتله، أو (إذ تحسونهم) أي: إذ تقتلونهم قتلاً كثيراً. (بإذنه) بإرادته، أو بتيسيره وتوفيقه. ((حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ))، أي: جبنتم عن القتال. ((وَتَنَازَعْتُمْ))، أي: اختلفتم. ((فِي الأَمْرِ)) إما الشأن، وإما الأمر الذي هو ضد النهي، أي: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمقام في سفح الجبل للرمي. يقول القاضي كنعان هنا: إن موقع الرماة لم يكن في سفح جبل أحد كما هو شائع، بل كان على تلة صغيرة مشرفة على أرض المعركة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر خمسين رجلاً من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير رضي الله عنه بأن يثبتوا على تلك التلة؛ ليدفعوا خيل المشركين بالنبل؛ لئلا يأتوا من ورائهم. (حتى إذا فشلتم وتنازعتم) أي: اختلفتم في أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالمقام في سفح الجبل للرمي، فقال بعضكم: نذهب للغنيمة فقد نصر أصحابنا، وقال بعضكم: لا نخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأمر كان واضحاً حتى لو غلب المسلمون فعلى الرماة أن يثبتوا ولا يتحركوا من مواقعهم حتى يأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول. ((وَعَصَيْتُمْ))، أي: عصيتم أمره فتركتم المركز؛ لطلب الغنيمة. ((مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ))، أي: من بعد ما أراكم الله ما تحبون من النصر والغنيمة. ,جواب (إذا) يفهم من سياق الكلام، وتقديره حتى إذا فعلتم ذلك كله منعكم الله نصره. وقوله: ((وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ))، فيه التنبيه على عظم المعصية. {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا}، فترك الموقع للغنيمة. {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ}، فثبت به حتى قتل كـ عبد الله بن جبير رضي الله عنه وأصحابه. {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ}، أي: منعكم نصره ثم ردكم للهزيمة عنهم؛ ليظهر المخلص من غيره فهربتم. {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}، ولقد عفا عنكم ما ارتكبتموه من هذه المعصية. إذاً: ظاهر الآية أن الله عز وجل عفا عنهم من غير توبة، أي: أن الآية لم تذكر توبتهم، فدل على أنه تعالى قد يعفو عن أصحاب الكبائر بمشيئته، فهذا دليل على أن أصحاب الكبائر تحت المشيئة، إن شاء عفا عنهم وإن شاء عذبهم وعاقبهم. قوله: (والله ذو فضل على المؤمنين) فيه دليل أيضاً على أن صاحب الكبيرة مؤمن، فإن الذنب المذكور في الآية لاشك أنه كبيرة، ومع ذلك لم تزل عنهم صفة الإيمان، خلافاً للخوارج الذين يكفرون بالمعصية أو بالكبيرة.
تفسير قوله تعالى: (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد)
تفسير قوله تعالى: (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد) {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران:153]. {إِذْ تُصْعِدُونَ} أي: اذكروا (إذ تصعدون) أي: تبعدون في الأرض هاربين. وقوله (تصعدون) إما متعلق بقوله: (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم)، وإما بمقدر وهو اذكروا (إذ تصعدون). والإصعاد هو الإبعاد في الأرض والجري فيها فراراً من العدو. وهنا قراءة أخرى: (إذا تَصعدون) من الفعل الثلاثي صعد أي: على الجبل. {وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ} أي: لا تعرجون ولا تعطفون بالوقوف على أحد؛ لأنكم قد حددتم اتجاه الهرب من شدة الدهشة والروعة. {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} أي والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يدعوكم من ورائكم يقول: (إلي عباد الله! إلي عباد الله)، وأنتم فارون لا تلوون على أحد، لم يحاول أحد منكم أن يلتفت إلى الخلف،. (في أخراكم) أي: من ورائكم، أو في جماعتكم الأخرى، وهي جماعة الرماة. {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} أي: جازاكم عقوبة على هذا التولي وهذا الفرار، ولا يستعمل لفظ الثواب في الأغلب إلا في الخير، ويجوز استعماله أيضاً في الشر؛ لأنه مأخوذ من قوله: ثاب إليه عقله أي: رجع إليه، يقول تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ} [البقرة:125]، أي: إذا ذهبوا منه رجعوا إليه، والمرأة سميت ثيباً؛ لأن الواطئ عائد إليها، وأصل الثواب هو كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله، سواء كان خيراً أو شراً، لكن في العرف اختص لفظ الثواب بالخير. فإذا كان الثواب محمولاً على أصل اللغة، فإنه يستعمل في الخير وفي الشر، فيكون الثواب هنا مستعملاً بمعنى الشر. أما إذا حملنا الثواب على مقتضى العرف، بحيث يطلق على الخير، فيكون ذلك وارداً على سبيل التهكم بهم، فقوله: (فأثابكم غماً) كقوله: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران:21]، فهو يسمع كلمة: (فبشرهم) فيفرح ثم يصدم بكلمة: (بعذاب أليم) ففيه تهكم بهم، كقول الشاعر: تحيته الضرب وعتابه السيف. فقوله تبارك وتعالى هنا: (فأثابكم غماً بغم) أي: غماً بالهزيمة التي حصلت لهم هذا هو الغم الأول بسبب الهزيمة، أي: على غم آخر متصل بالغم الأول، وهو ما كان من صرخة الشيطان: بأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل. وقيل: الباء بمعنى: على (غماً بغم) أي: غماً مضاعفاً على غم فوت الغنيمة. أو الباء تكون باء المقابلة أو العوض، أي: كما أدخلتم على المشركين الغم في يوم بدر، دخل عليكم الغم في يوم أحد، فصرتم متكافئين من هذه الحيثية. {لِكَيْلا تَحْزَنُوا} متعلق بـ (عفا) في الآية السابقة في قوله تبارك وتعالى: ((وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ)) أو متعلق بأثابكم. (ولا ما أصابكم) أي من القتل والهزيمة {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
تفسير قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا)
تفسير قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً) {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران:154]. (أمنة) أي: أمناً. بعد نزول المسيح عليه السلام يقول عليه الصلاة والسلام: (وتقع الأمنة على الأرض) أي: الأمن (حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم). وهناك آية أخرى في القرآن استعملت فيها كلمة: (أمنة) في سورة الأنفال: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} [الأنفال:11]. فـ (نعاساً) بدل من أمنة، أي: نوماً، {يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ}، (يغشى) أو (تغشى) بالياء والتاء. (طائفة منكم) وهم المؤمنون، فكانوا يميلون تحت الحجف، وهي: التروس من الجلد، وتسقط السيوف منهم، فهذه من رحمة الله تبارك وتعالى بالمؤمنين أنه أنزل عليهم من بعد هذا الغم الذي وقع بهم (أمنة نعاساً). روى البخاري في التفسير عن أنس عن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه قال: (غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه). ويقول أبو طلحة: (رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحت حجفته من النعاس، فذلك قوله تعالى: ((ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا))). وقد ساق الرازي لذلك النعاس فوائد: منها: أن المشركين كانوا في غاية الحرص على قتل الصحابة في ذلك الموقف ثأراً ليوم بدر، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم، ولا شك أن هذه رحمة من الله سبحانه وتعالى، وأنه هو الذي يحفظهم ويعصمهم من القتل، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم، ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تبارك وتعالى. ثم أخبر عز وجل أن من لم يصبه ذلك النعاس فهو ممن أهمته نجاة وسلامة نفسه، لا هم الدين ولا النبي ولا الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولذلك قال: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} أي: ما بهم إلا هم أنفسهم وقصد خلاصها، فهؤلاء لم ينعموا بهذا النعاس، بل بقوا في القلق والجزع والفزع والخوف. {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} أي: غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به سبحانه وتعالى {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ}. يقول السيوطي: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} أي: حملتهم على الهم، فلا رغبة لهم إلا نجاتها دون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلم يناموا، وهم المنافقون. {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} يظنون بالله ظناً غير الظن الحق. {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} أي: كظن الجاهلية، حيث اعتقدوا أن النبي قتل أو لا ينصر. في الحقيقة هنا بحث طويل جداً للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى يشرح فيه ما المقصود بظن الجاهلية، ونحن نحاول اختصاره بقدر المستطاع، يقول رحمه الله تعالى: وهكذا اعتقد هؤلاء أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفاصلة، وأن الإسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة، وإذا وقع بلاء بالمسلمين ظنوا أن المسلمين سيستأصلون، وأنه لن تقوم لهم راية. فهذا ظن الجاهلية، فلنحذر هذا الظن في هذا الزمان الذي صار فيه الدين غريباً، والله سبحانه وتعالى وحده المستعان، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحبط كيد أعداء هذا الدين، وهناك حرب لا تقوى الكلمات على وصفها مثل: العلمنة بالإكراه، وكذلك ما نشر في بعض الجرائد أن هناك تعميمات بتطهير المكتبات المدرسية من الكتب الدينية، خاصة كتب العقيدة والحديث، لم يصبح الأمر تطرفاً ولا إرهاباً، فقد نسوا هذه الكلمات وما عادوا بحاجة إلى استعمالها، فاليوم يعلن عن إعدام اثني عشر مليون كتاب إسلامي جمعت من المكتبات الإسلامية في المدارس، وهذه الكتب هي تفسير القرآن العظيم لـ ابن كثير، وكتب ابن تيمية وكتب ابن القيم وعامة علماء المسلمين، حتى كتب عبد الحليم محمود والشيخ كشك وغيرهم من المعاصرين. وتقول التقارير: إنه يجري تتبع أي كتاب فيه شائبة دينية، على حسب زعمهم، فهل يظن هؤلاء أن الأمر سيظل بهذه الصورة؟ ألا نخشى أن يقع بنا ما وقع بشعب الصومال حينما قام الملحد المرتد سياد بري وأنكر آية من كتاب الله سبحانه وتعالى، فثار العلماء رحمهم الله تعالى في وجهه، فأحرق العلماء وهم أحياء في المدينة العامة وقتلهم، فما تحركت شعرة إلا ما شاء الله، وسكت الناس على هذا، ومرت السنون وابتلاهم الله سبحانه وتعالى بالأمراض، وابتلاهم بالمجاعات، وابتلاهم بالاحتلال الخارجي، وابتلاهم بالحروب الداخلية والقلاقل، فحرب الله عز وجل شؤم، فإحراق اثني عشر مليون كتاب إسلامي وإعدامها واستبدالها بكتب المواجهة والتنوير أمر ليس بالهين.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان) {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران:155]. {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ} أي: تولوا عن القتال. (يوم التقى الجمعان) جمع المسلمين وجمع الكفار بأُحُد، وهم المسلمون إلا اثني عشر رجلاً. {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ}، يعني: أزلهم بوسوسته {بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} من الذنوب، وهو مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم. {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} للمؤمنين، {حَلِيمٌ} أي: لا يعجل على العصاة بل يصبر ويمهل. ولا شك أن الحليم من أعظم أسماء الله الحسنى. (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، فالله يحلم ويصبر على الأذى، يشتمه بنو آدم وينسبون إليه الولد، ويصدون عن سبيله ويحاربون أولياءه، ومع ذلك هو حليم بهم، حتى إنه قال: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج:10]. فاشترط في تعذيبهم ألا يتوبوا، بحيث لو تابوا مع ما فعلوه من الجرم الشنيع، لتاب عليهم تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران:156]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا}، أي: لا تفعلوا كفعلهم، ولا تقولوا كقولهم. {وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ}، أي: المنافقين قالوا في شأنهم. {إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ}، أي: سافروا فماتوا أو قتلوا. {أَوْ كَانُوا غُزًّى} جمع غاز، فقتلوا. {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} لو جلسوا معنا في المدينة وما خرجوا للجهاد ولا سافروا للجهاد لما ماتوا وما قتلوا. {لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ}، أي: ذلك القول الذي قالوه في العاقبة. {حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ}، هذا الكلام الذي قالوه وتفوهوا به وهو قولهم: {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا}، سيتحسرون عليه في العاقبة، وسيعاقبون عليه. {وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ}، أي: لا يمنع عن الموت قعود. {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ}، أو (يعملون) {بَصِيرٌ} [آل عمران:156]، فيجازيكم به.
تفسير قوله تعالى: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم)
تفسير قوله تعالى: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم) {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران:157]. {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، هذه لام القسم، (في سبيل الله) أي: في الجهاد. {أَوْ مُتُّمْ} بضم الميم وكسرها، أي: أصابكم الموت فيه. {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ} أي: مغفرة كائنة من الله لذنوبكم، ورحمة منه لكم على ذلك، هذا هو جواب القسم، وتقدير الكلام: لئن قتلتم ليغفرن الله لكم ويرحمكم. {خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} أي: مما يجمعون من الدنيا.
تفسير قوله تعالى: (ولئن متم أو قتلتم)
تفسير قوله تعالى: (ولئن متم أو قتلتم) {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} [آل عمران:158]. {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} أي: في الجهاد وغيره. {لَإِلَى اللَّهِ} أي: لإلى الله لا إلى غيره. {تُحْشَرُونَ} أي: في الآخرة فيجازيكم.
تفسير قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم)
تفسير قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم) {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159]. {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}، أي: يا محمد سهلت أخلاقك مع أنهم خالفوك وعصوا أمرك. {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا} أي: سيئ الخلق. {غَلِيظَ الْقَلْبِ} أي: جافياً فأغلظت لهم. {لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} أي: تفرقوا. {فَاعْفُ عَنْهُمْ} أي: تجاوز عنهم ما أتوه. {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} أي: ذنبهم حتى أغفر لهم. {وَشَاوِرْهُمْ} أي: استخرج آراءهم. {فِي الأَمْرِ} أي: في شأنك، سواء في الحرب أو غيرها تطييباً لقلوبهم، وكي يستن بك المسلمون ويقتدوا بك في الشورى. وكان صلى الله عليه وسلم كثير المشاورة لهم، ولولا ضيق الوقت لذكرنا أمثلة كثيرة من الشورى وفوائدها. {فَإِذَا عَزَمْتَ} أي: على إمضاء ما تريد بعد المشاورة. {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} أي: ثق به بعد المشاورة.
تفسير قوله تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم)
تفسير قوله تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم) {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران:160]. قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ} أي: يعينكم على عدوكم كيوم بدر. {فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ} أي: يترك نصركم كما حصل يوم أحد. {فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ}، أي: بعد خذلانه لا ناصر لكم. {وَعَلَى اللَّهِ} لا على غيره. {فَلْيَتَوَكَّلِ}، أي: المؤمنون.
تفسير قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل)
تفسير قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل) {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [آل عمران:161]. لما فقدت قطيفة حمراء يوم بدر قال بعض الناس: لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها، فنزلت الآية مبينة عصمته صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال عز وجل: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} أي: ما ينبغي لنبي أن يخون في الغنيمة، فلا تظنوا به ذلك. {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: حاملاً له على عنقه كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ}، الغال وغيره، جزاء {مَا كَسَبَتْ} أي: ما عملت. {وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} أي: شيئاً.
تفسير قوله تعالى: (أفمن اتبع رضوان الله)
تفسير قوله تعالى: (أفمن اتبع رضوان الله) {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [آل عمران:162]. ثم قال عز وجل: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ الله} فأطاع ولم يغل. {كَمَنْ بَاءَ} أي: رجع. {بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ} لمعصيته وغلوله. {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} أي: المرجع.
تفسير قوله تعالى: (هم درجات عند الله)
تفسير قوله تعالى: (هم درجات عند الله) {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران:163]. {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} أي: أصحاب درجات. ((عِنْدَ اللَّهِ)) أي: مختلفو المنازل، فلمن اتبع رضوانه الثواب، ولمن باء بسخطه العقاب، ودرجات الجنة تذهب علواً، ودركات النار تذهب سفلاً. {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} فيجازيهم به.
تفسير قوله تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا)
تفسير قوله تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً) {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [آل عمران:164]. {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أي: عربياً مثلهم؛ ليفهموا عنه، وليشرفوا به؛ لأن الأمم السابقة من اليهود أو النصارى كانوا يفخرون على العرب؛ لأنهم أهل علم وأهل كتاب، فقد بعث فيهم عيسى وموسى وغيرهم من الأنبياء. هل العرب كان لهم شرف يشرفون به؟ قد يقال: كانوا يشرفون بالانتساب إلى إبراهيم عليه السلام. نقول: لكن هذا الانتساب يشترك معهم فيه اليهود والنصارى، وإنما شرفوا ببعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. {يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} أي: آيات القرآن. {وَيُزَكِّيهِمْ} أي: يطهرهم من الذنوب. ((وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ)) أي: القرآن. ((وَالْحِكْمَةَ)) أي: السنة، القاعدة التي ذكرناها من قبل باتفاق السلف: أن الحكمة إذا اقترنت بالقرآن في سياق الامتنان على هذه الأمة المحمدية فهي السنة. {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ} أي: وإنهم كانوا من قبل بعثه. {لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} أي: بين.
تفسير قوله تعالى: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها)
تفسير قوله تعالى: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها) {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:165]. يقول تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} بأحد حين قتل سبعون منكم. {قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} ببدر، حيث قتلتم سبعين من المشركين وأسرتم سبعين. {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} أي: تعجبتم وقلتم: من أين لنا هذا الخذلان، ونحن مسلمون، ورسول الله فينا؟! {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}، قل لهم: هو من عند أنفسكم؛ لأنكم تركتم المكان فخذلتم. نعيد التذكير بهذا المعنى الخطير جداً فنقول: ما نحن فيه اليوم فهو من عند أنفسنا، فالعلاج الحقيقي لمن كان صادقاً أن يسعى إلى التغيير إلى الأحسن في واقع نفسه وفي واقع المسلمين، وأن يفتش كل واحد في نفسه، ينظر ما هي المخالفات التي يرتكبها؟ لأن ما نحن فيه هو عقوبة من الله، وإذا كان في شأن الصحابة قال الله لهم: ((قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ))، فماذا نقول نحن الآن؟ أغلب بيوت المسلمين فيها (التلفاز) و (الفيديو)، وعلى الأصح بدأ ينتشر (الدش). هؤلاء يهوديات ونصرانيات يملأن الشوارع ويرتدين البنطلونات الضيقة، وهذا الفساد الذي انتشر هل الحكومة هي التي تطلع الناس على كل مظاهر الفساد؟ أم أن القسط الأعظم من الفساد هو من عند أنفسنا؟ نتفاعل مع هذا الفساد ونهرع إليه، وهناك قسط كبير جداً من المعاصي نقع فيها طوعاً واختياراً ولا يجبرنا عليها أحد، وإذا غلب الشر وظهر الفساد في الأرض أوشك أن يعمنا الله بعذاب من عنده، نسأل الله العافية!. فإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم قد قال لهم الله سبحانه وتعالى: ((قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ))، مع أن الرسول كان فيهم، ومع أنهم خير أمة أخرجت للناس، فكيف بنا؟ هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في يوم من الأيام كلف بعض جنوده أو عماله بأمر، فقال لهم: (هل عملتم ما أمرتم به؟ فقالوا: نعم، قال: أما إنكم لو لم تعملوا بما أمرتم لتركبن أعناقكم اليهود والنصارى عقوبة). {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:165] أي: ومن هذا الشيء النصر، وقد جازاكم بخلافه؛ بسبب مخالفتكم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالبقاء خلف المسلمين لحماية ظهورهم.
تفسير قوله تعالى: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان)
تفسير قوله تعالى: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان) {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:166]. يقول تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} أي: بأحد. {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} أي: بإرادته. {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} أي: الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا.
تفسير قوله تعالى: (وليعلم الذين نافقوا)
تفسير قوله تعالى: (وليعلم الذين نافقوا) {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران:167]. {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ} أي: والذين قيل لهم لما انصرفوا عن القتال وهم عبد الله بن أبي وأصحابه. {تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أعداء الله. ((أَوِ ادْفَعُوا)) أي: ادفعوا عنا القوم بتكثير سوادكم إن لم تقاتلوا، أو المعنى: حتى لو لم تشتركوا معنا في القتال تديناً فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وأموالكم. {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ} لو نحسن قتالاً لاتبعناكم، لكن الأمر في نظرنا ليس إلا إلقاء بالأيدي إلى التهلكة، ونحن لا نريد أن نلقي بأنفسنا إلى التهلكة، قال تعالى تكذيباً لهم: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} أي: بما أظهروا من خذلانهم للمؤمنين وكانوا قبل ذلك أقرب للإيمان من حيث الظاهر. {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} ولو علموا قتالاً لم يتبعوكم. {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} أي: من النفاق.
آل عمران [169 - 185]
تفسير سورة آل عمران [169 - 185]
تفسير قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا)
تفسير قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً) يقول تبارك وتعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:169 - 171]. قوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران:169]. إذا رجعنا إلى سياق الآيات السابقة يقول عز وجل: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} [آل عمران:167]، إلى قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران:168]. فنلاحظ أن الله تبارك وتعالى بين في هذه الآيات أن القتل الذي يحذرونه ويحذرون الناس منه ليس مما يحذر، كما ذكر أيضاً عن المنافقين في سورة النساء أنهم إذا غنم المسلمون وظفروا قال أحدهم: {يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [النساء:73]، هذا في حالة الغنيمة، أما إذا وقع البلاء وسقط الشهداء فيقول: {قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} [النساء:72] أي: حاضراً، ليس الشهيد المذكور هنا في الآية هو الذي يقتل في سبيل الله، بل المقصود بالشهيد: هو الذي حضر المعركة، والمنافق يحمد الله أنه لم يكن حاضراً ساعة الجهاد والقتال. فلذلك هنا يبين الله تبارك وتعالى لهم أن القتل الذي يحذرونه ويحذرون الناس منه ليس مما يحذر، بل إن كان في سبيل الله فهو من أجلَّ المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون. إن الحذر من القتل لا يجدي ولا يغني كما قال عز وجل: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران:154] أي: لا تحسبنهم أمواتاً تعطلت أرواحهم.
حياة الشهداء في الجنة
حياة الشهداء في الجنة {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} ليس المقصود هنا نفي حياة البدن؛ لأن البدن افتقد الحياة بالفعل، لكن المقصود هنا حياة الأرواح. يقول تعالى: ((بَلْ أَحْيَاءٌ)) أي: بل هم أحياء، فوق أحياء الدنيا؛ لأنهم مقربون من الله تبارك وتعالى. ((عند ربهم يرزقون))؛ لأنهم بذلوا له أرواحهم، فهم أحياء يرزقون، لا رزقاً معنوياً بل رزقاً حقيقياً كما روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن منقلبهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ))). وأخرج مسلم عن مسروق قال: (سألنا عبد الله عن هذه الآية: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا))، فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئاً؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا! ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا). وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشهداء على بارق نهر بباب الجنة فيه قبة خضراء، يخرج إليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية)، وهذا رواه الإمام أحمد، ورواه ابن جرير عن أبي كريب. قال ابن كثير: وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة. ومنهم من يكون على هذا النهر باب الجنة. وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله تعالى أعلم. ثم قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثاً فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح فيها أيضاً، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم. حديث عزيز عظيم، أي: خاصية تكاد تكون غير موجودة في غيره من الأحاديث، وهي أن ذلك الحديث اجتمع في روايته ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد رحمه الله تعالى رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى، عن مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله تبارك وتعالى إلى جسده يوم يبعثه). قوله: (يعلق) أي: يأكل، وفي هذا الحديث (أن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة)، وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان. يقول الواحدي: الأصح في حياة الشهداء ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (من أن أرواحهم في أجواف طير خضر، وأنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون).
علاقة الروح بالبدن
علاقة الروح بالبدن وقال البيضاوي: الآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس الذي نحسه ونراه، بل هو جوهر مدرك بذاته، لا يفنى بخراب البدن. أي: أن هذه الآية تدل أن في الإنسان غير هذا الهيكل الجسماني، وإنما له جوهر مدرك بذاته لا يفنى، عنده إحساس وإدراك؛ لأن الأرواح تتنعم وتستلذ، فلا يفنى الإنسان بخراب البدن ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه، وهذا واضح جداً في حالة النوم، فإذا كان الإنسان نائماً فإنه تطرأ عليه كل المشاعر الإنسانية من اللذة والفرح والغم والهم والسرور والبكاء، وغير ذلك من الأحاسيس التي يجدها الإنسان بروحه عند نومه، فالذي يتنعم أو ينقبض في المنام هو الروح، والبدن ساكن، فهكذا أيضاً بالنسبة للأموات. ومما يؤيد ذلك قول الله تبارك وتعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر:46]، وكذلك حديث: (أرواح الشهداء في جوف طير خضر). يقول الشهاب: ليس الإنسان مجرد البدن بدون النفس المجردة، بل هو في الحقيقة النفس المجردة، وإطلاقه على البدن لشدة التعلق به، وهو جوهر مدرك بذاته من غير احتياج إلى هذا البدن، فالبدن يحتاج للروح، لكن الروح في إدراكها وإحساسها لا تحتاج إلى البدن؛ لوصف هذا الإنسان أو الروح بعد مفارقة الجسد بالنعيم والسرور وغير ذلك. وقال أبو السعود: وفي الآية دلالة على أن روح الإنسان جسم لطيف، لا يفنى بخراب البدن، ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه. في الحقيقة هناك معنى مهم يتعلق بهذه الآية، سبق أن ناقشناه بالتفصيل في سورة البقرة عند قوله تبارك وتعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة:154]، فهذه الآية تثبت حياة للأرواح بعد الممات. لكن تنفي أيضاً إدراكنا لكيفية هذه الحياة؛ لأنه قال: {بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة:154]، فنحن لا نستطيع أن ندرك كنه وكيفية هذه الحياة.
تفسير قوله تعالى: (فرحين بما آتاهم الله من فضله
تفسير قوله تعالى: (فرحين بما آتاهم الله من فضله {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران:170]. قوله: ((فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)) أي: بما أعطاهم من الثواب والكرامة والإحسان. ((وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ)) أي: بإخوانهم المجاهدين الذين. ((لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ)) أي: لم يقتلوا فيلحقوا بهم حتى الآن. ((مِنْ خَلْفِهِمْ)) أي: بقوا من بعدهم وهم قد تقدموهم، أو لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم. ((وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) معنى الآية: ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين، وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة، بشرهم الله بذلك فهم مستبشرون به، وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم لمن خلفهم حث للباقين من بعدهم على الجد في الجهاد والرغبة في نيل منازل الشهداء.
تفسير قوله تعالى: (يستبشرون بنعمة من الله وفضل)
تفسير قوله تعالى: (يستبشرون بنعمة من الله وفضل) يقول تعالى: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:171]. أي: يسرون بما أنعم الله عليهم من زيادة الكرامة وتوفير أجرهم عليهم، فكرر الاستبشار المذكور في الآية السابقة. فالبشارة الأولى تتعلق بنفي الخوف والحزن، {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران:170]، أما هنا فالبشارة بشيء زائد على ذلك ((يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ)) وهو ما يقارن عدم الخوف وعدم الحزن من نعمة عظيمة لا يقدر قدرها وهي ثواب أعمالهم. ((وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)) أي: الشهداء، والتعبير عنهم بالمؤمنين للإيذان بسمو رتبة الإيمان وكونه مناطاً لما نالوه من السعادة. ذكر القاسمي رحمه الله تعالى كلاماً طيباً جداً عن ابن القيم رحمه الله تعالى في فضيلة الشهداء: يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (ولما انقضت الحرب انكفأ المشركون في غزوة أحد، فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة لإحراز الذراري والأموال، فشق ذلك عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم، ثم لأناجزنهم فيها، قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون؟ قال: فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل، ووجهوا مكة، ولما عزموا على الرجوع إلى مكة أشرف أبو سفيان على المسلمين ولم يكن قد أسلم، ثم ناداهم: موعدكم الموسم ببدر)، يعني: واعدهم العام القابل أن يلتقوا من جديد في بدر حتى يمحو المشركون المعرة التي لحقتهم في بدر، فأرادوا أن يوافوهم العام القابل في نفس المكان كي يثأروا من غزوة بدر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا: نعم قد فعلنا)، يعني: نحن مستعدون لمواجهتكم في بدر، قال أبو سفيان: فذلكم الموعد. ثم انصرف هو وأصحابه، فلما كان في بعض الطريق تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئاً، أصبتم شوكتهم وحدهم ثم تركتموهم، وقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم وقال: (لا يخرج معنا إلا من شهد القتال، فقال له عبد الله بن أبي: أركب معك؟ قال: لا). فاستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد والخوف، فأنزل الله عز وجل: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [آل عمران:172]. واستأذنه جابر بن عبد الله وقال: (يا رسول الله! إني أحب ألا تشهد مشهداً إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على بناته، فأذن لي أسير معك فأذن له، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد، وأقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، فأمره أن يلحق بـ أبي سفيان فيخذله، فلحقه بالروحاء ولم يعلم بإسلامه، فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم، إذ فاضوا عليكم ومستعدون لهزيمتكم، وخرجوا في جمع لم يخرجوا مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم. فقال: ما تقول؟ فقال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة. فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك). قال البخاري: عن عروة عن عائشة رضي الله عنها (((الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ)) الآية، قالت عائشة لـ عروة: كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر رضي الله تعالى عنهما لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصابه يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال: من يذهب في أثرهم، فانتدب منهم سبعون رجلاً فيهم أبو بكر والزبير).
تفسير قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم)
تفسير قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) في بعض كتب السيرة: أن المشركين أرسلوا رسولاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو في حمراء الأسد، فأخبروه بأنهم قد جمعوا المسير إليه وإلى أصحابه؛ ليستأصلوا بقيتهم، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، هذا الرسول بلغ الرسالة، فقال الصحابة رضي الله عنهم: (حسبنا الله ونعم الوكيل)، فأنزل الله تعالى في ذلك: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران:173]. ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ)) أي: الركب الذين استقبلوهم. ((إِنَّ النَّاسَ)) أي: أبا سفيان وأصحابه. ((قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)) أي: الجموع؛ ليستأصلوكم. ((فَاخْشَوْهُمْ)) فلا تأتوهم. ((فَزَادَهُمْ)) ذلك القول. ((إِيمَانًا)) أي: تصديقاً بالله ويقيناً، يعني: لم يلتفتوا إليه ولم يضعفوا، بل ثبت به الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به وينهى عنه، وفي الآية دليل على أن الإيمان يزيد وينقص ((فَزَادَهُمْ إِيمَانًا)). ((وَقَالُوا حَسْبُنَا الله)) أي: كافينا أمرهم. ((وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))، أي: نعم الموكول إليه، والمفوض إليه الأمر هو الله تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل)
تفسير قوله تعالى: (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل) {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران:174]. ((فَانْقَلَبُوا)) أي: رجعوا من حمراء الأسد. ((بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ)) أي: رجعوا بالعافية وكمال الشجاعة وزيادة الإيمان والتصلب في الدين. ((لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ)) أي: لم يصبهم قتل ولا جراح، مع أنهم كانوا مستعدين للجهاد. ((وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ)) بطاعته وطاعة رسوله بخروجهم. ((وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)) وفيه تحذير للمتخلف، وتخطئة رأيه، حيث حرم نفسه مما رجعوا به. وفي قوله تعالى: ((وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))، استحباب هذه الكلمة عند الغم والأمور العظيمة، وهي الكلمة التي قالها المؤمنون هنا كما في هذه الآية حينما قيل لهم: ((إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ))، وهي التي قالها إبراهيم عليه السلام حينما ألقي في النار. وهذا هو الراجح في هذه الآية أن تحمل على غزوة حمراء الأسد، وهي التي تسمى: غزوة بدر الصغرى، أو غزوة بدر الثانية. روى ابن جرير: أنه لما عمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعد أبي سفيان فجعلوا يلقون المشركين فيسألونهم عن قريش، فيقولون: قد جمعوا لكم، يريدون أن يكيدوهم بذلك ويرعبوهم، فيقول لهم المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى قدموا بدراً فوجدوا أسواقها عافية لم ينازعهم فيها أحد، وتخلف المشركون ولم يحضروا الموعد المتفق عليه. ((فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ))، النعمة أنهم سلموا، والفضل أن عيراً مرت في أيام الموسم فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح فيها مالاً فقسمه بين أصحابه. يقول ابن كثير: والصحيح أن الآية نزلت في شأن غزوة حمراء الأسد.
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا) وما بعدها من الآيات
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا) وما بعدها من الآيات يقول السيوطي رحمه الله تعالى في هذه الآيات: ونزل في الشهداء -يعني: شهداء أحد قالوا: (من يبلغ إخواننا أنا أحياء في الجنة نرزق؛ لئلا ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد، فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم). ثم قال تعالى: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا))، بالتخفيف والتشديد. أي: قُتِلوا أو قتِّلوا. ((فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، أي: لأجل دينه. ((أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ))، يعني: بل هم أحياء حياة لا يدرك أهل الدنيا حقيقتها، كما قال تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ} [البقرة:154]. ((بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ)) (أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت)، كما في الحديث الذي رواه مسلم وغيره. ((يُرْزَقُونَ)) أي: يأكلون من ثمار الجنة. ((فَرِحِينَ)) حال من ضمير يرزقون. ((بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ)) أي: يفرحون. ((بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ))، أي: من إخوانهم المؤمنين، ويبدل من الذين: ((أَلَّا خَوْفٌ)) أي: بأن لا (خوف عليهم) أي: الذين لم يلحقوا بهم (ولا هم يحزنون) أي: في الآخرة. المعنى: يفرحون بأمنهم وفرحهم. ((يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ)) أي: ثواب. ((مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ))، زيادة عليه. ((وَأَنَّ))، بالفتح عطفاً على نعمة، وبالكسر استئنافاً يعني: أنها قراءة أخرى (وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين) أي: بل يأجرهم. ((الَّذِينَ))، هذا مبتدأ. {اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} أي: استجابوا دعاءه بالخروج للقتال لما أراد أبو سفيان وأصحابه العود تواعدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه سوق بدر العام المقبل من يوم أحد. يقول القاضي كنعان: ما ذكره الجلال السيوطي هو قول مجاهد وعكرمة. وقال القرطبي: وقد شذا في قولهما هذا. وذلك أن جمهور المفسرين على أن هذه الواقعة هي غزوة حمراء الأسد، فهي بعد أحد مباشرة. يقول: وقال ابن إسحاق والواقدي: إنها نزلت ثناء على المسلمين الذين شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معركة أحد، ثم خرجوا معه في اليوم التالي ليوم أحد، خرجوا معه فساروا ثمانية أميال من المدينة وكانوا ستمائة وثلاثين رجلاً، ووصلوا إلى موضع يقال له: حمراء الأسد، فأقاموا به بضعة أيام، ثم رجعوا إلى المدينة من غير أن يلقوا عدوهم، فعرفت هذه بغزوة حمراء الأسد، وكانت جبراً لخللهم يوم أحد عندما خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتفرقوا عنه. قال القرطبي: وتفسير الجمهور لهذه الآية أنهم سبعون رجلاً انتدبهم النبي صلى الله عليه وسلم ليذهبوا في أثر كفار مكة مخافة أن يرجعوا. فلذلك كان قول السيوطي مرجوحاً كما ذكرنا، إنما المقصود هنا غزوة حمراء الأسد؛ وذلك لقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ}، أي: في أحد، وخبر المبتدأ (للذين أحسنوا منهم) يعني: بطاعته (واتقوا) أي: مخالفته. (أجر عظيم) وهو الجنة. (الذين) هذه بدل من (الذين) قبله أو نعت. (قال لهم الناس) أي: نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد أرسله أبو سفيان ليثبط المسلمين وهم يستعدون للقاء المشركين في موسم بدر. ((إِنَّ النَّاسَ)) أبا سفيان وأصحابه المشركين. ((قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)) الجموع ليستأصلوكم إن خرجتم للقائهم في موسم بدر. ((فَاخْشَوْهُمْ)) ولا تأتوهم. ((فَزَادَهُمْ)) أي: ذلك القول. ((إِيمَانًا)) تصديقاً بالله ويقيناً. ((وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ))، أي: هو كافينا أمرهم. إن كثيراً من الناس يقولون كلمة: (حسبنا الله) ولا يستحضرون معناها. حسبي الله معناها: الله يكفيني هذا الشر أو هذا الضر أو هذا الأذى، أو يكفيني الرزق أو غير ذلك من الأمور. ((وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) أي: نعم من يفوض إليه الأمر هو الله تبارك وتعالى. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ))، قال جماعة من العلماء: المراد بالناس القائلين: ((إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ))، نعيم بن مسعود الأشجعي أو أعرابي من خزاعة، كما أخرجه ابن مردويه من حديث أبي رافع. ويدل لهذا التفسير الإشارة المفردة في قوله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران:175]. قال صاحب الإتقان: قال الفارسي: ومما يقوي أن المراد به واحد بكلمة الناس قوله: ((إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ))، فوقعت الإشارة بقول: (ذلكم) إلى شخص واحد بعينه، ولو كان المعنى جمعاً لقال: (إنما أولئكم) فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ على أن المقصود شخص واحد. يقول: ((فَانْقَلَبُوا)) أي: رجعوا من بدر ((بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ)) بسلامة وربح. ((لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ)) أي: من قتل أو جرح. ((وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ)) أي: بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في الخروج. ((وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ))، أي: على أهل طاعته.
تفسير قوله تعالى: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه)
تفسير قوله تعالى: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:175]. قال تبارك وتعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران:175]. (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ) أي: إنما ذلك قول الشيطان. (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) أي: يخوفكم أولياءه الكفار، وحينئذ فـ (أولياءه) تكون مفعولاً ثانياً للفعل (يخوف)، والمفعول الأول محذوف، تقديره: يخوفكم أولياءه، كما قرئ كذلك. {فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. يقول السيوطي: (إنما ذلكم) أي: القائل لكم: إن الناس إلى آخره، (الشيطان يخوف) أي: يخوفكم (أولياءه) أي: الكفار. إذاً هنا المفعول الأول يكون محذوفاً وهو الضمير. ((فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ))، في ترك أمري وعصيان رسولي. ((إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) حقاً، فلا تأبهوا بهذا التخويف.
تفسير قوله تعالى: (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر)
تفسير قوله تعالى: (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) {وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:176]. قوله تعالى: {وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ}، أي: لا تهتم ولا تبال بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومضرة أهله، وقرئت في السبع: (ولا يحزِنك). {إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا}، أي: لأنهم لن يضروا الله شيئاً. قوله: (لن يضروا الله) أي: لن يضروا أولياء الله. قال عطاء: يريد أولياء الله، نقله الرازي. قال أبو السعود: تعليل للنهي وتكميل للتسلية بتحقيق نفي ضررهم أبداً، أي: لن يضروا بذلك أولياء الله ألبتة، وتعليق نفي الضرر به تعالى لتشريفهم، هذا معنى رائع جداً في الحقيقة، {إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} أي: لن يضروا أولياء الله. لماذا عبر الله تبارك وتعالى عن أوليائه بذاته المقدسة سبحانه وتعالى، (إنهم لن يضروا الله شيئا)؟ كما قلنا: إن تعليق نفي الضرر به تعالى لتشريف أولياء الله المؤمنين، والإيذان بأن مضرتهم بمنزلة مضارته سبحانه وتعالى، فإن من يؤذي أولياء الله كأنه يؤذي الله عز وجل، وجاء هذا صريحاً في الحديث القدسي المشهور: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) ففي هذا مزيد مبالغة في التسلية يعني: لن يضروا أولياء الله شيئاً، والله عبر عن أذية أوليائه بأذيته هو تبارك وتعالى. قال المهايمي: أي: لن يضروا أولياء الله؛ لأنه الله يحميهم {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38]، فلو أضروهم لأضروا الله بتعجيزهم إياه عن حمايتهم، ولا يمكنهم أن يعجزوه شيئاً، بل {يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ} أي: أنه يريد أن يضرهم الضرر الكلي الذي ليس بعده ضرر، ويريد الله أن يمكر بهم كي يوقع بهم الضرر الذي لا ضرر أعظم منه، وهذا الضرر هو أنه يريد ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: في النار. قال بعض المفسرين: ثمرة هذه الآية أنه لا يجب الاغتمام من معصية العاصين. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (يحزنك) بضم الياء وكسر الزاي، وبفتحها وضم الزاي من حزنه وهي لغة في أحزنه. ((الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)) أي: يقعون فيه سريعاً بنصرته، وهم أهل مكة أو المنافقون، أي: لا تهتم بكفرهم. {إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} بفعلهم، وإنما يضرون أنفسهم. ((يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا)) أي: نصيباً ((فِي الآخِرَةِ)) أي: الجنة، فلذلك خذلهم الله. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: في النار.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان) {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران:177] قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ} أي: أخذوه بدله. الإيمان: إما أنه الميثاق الذي أخذ عليهم في الأزل، أو الإيمان الفطري الذي فطروا عليه من التوحيد، فكأنهم أخذوا الكفر بدل الإيمان. {لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} بكفرهم. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: مؤلم.
تفسير قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا أن ما نملي لهم خير لأنفسهم)
تفسير قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا أن ما نملي لهم خير لأنفسهم) قال تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران:178]. (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ) الإملاء والاستدراج من الله سبحانه وتعالى لأعدائه المحاربين دينه وأوليائه. وقوله: ((أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ)) أي: بتطويل أعمارهم وإمهالهم وتأخيرهم دهراً طويلاً، حيث يدعهم الله سبحانه وتعالى يتقلبون في البلاد ويغترون بما هم عليه. فلا يحسبن هؤلاء أن هذا الإملاء خير لهم، بل هو في الحقيقة سبب مزيد عذابهم؛ لأنهم إذا طال عمرهم في الكفر والمعاصي والصد عن سبيل الله، فمعنى ذلك أن الزيادة في العمر شؤم عليهم يقول عليه الصلاة والسلام: (خيركم من طال عمره وحسن عمله) هذا هو منطوق الحديث، أما مفهومه: (شركم من طال عمره وساء عمله)؛ لأن من طال عمره في الشر زادت سيئاته، أما من مات قبل أن يطول عمره، وعنده معاص وظلم للناس فإنه ستقل سيئاته، فلذلك يقول الله تعالى هنا: ((وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ))، بل هو سبب مزيد عذابهم؛ لأنه ((إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا))، بكثرة المعاصي فيزادوا عذاباً. ((وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)) أي: لهم في الآخرة عذاب ذو إهانة، في أسفل دركات النار. قوله: ((أنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ))، في (ما) وجهان: أن تكون مصدرية أو موصولة. إذا قلنا إنها موصولة فقد حذف عائدها، أي: إملاؤنا لهم، أو الذي نمليه لهم، وإذا قلنا: إنها موصولة فحق كلمة (ما) أن تكون غير متصلة بـ (أن) وعندما تكون (ما) مصدرية فتوصل بـ (إن). ولكنها وقعت في مصحف الإمام متصلة، مصحف الإمام هو مصحف عثمان رضي الله عنه، فلا يخالف، وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف، وما الثانية (إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً) هذه متصلة فهي تسمى: ما الكافة؛ لأنها تمنع عمل إن، وأنا أذكر بيتين من الشعر ذكرهما أحد العلماء في شأن شخص أراد وظيفة، وكان من أراد أن ينال الوظيفة لابد أن يبذل رشوة أو هدية، فقال لهم هذا الرجل: ما أعطي، أو: ما أدفع الرشوة، فعزلوه وقالوا له: ما تستحق العمل، فكفوه عن العمل؛ فلذلك نظم أحد العلماء بيتين فقال مخاطباً هذا الرجل الشريف أو الأمين: عزلوك لما قلت ما أعطي وولوا من بذل أوما علمت بأن ما حرف يكف عن العمل ((وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ))، في قوله تعالى: (مهين) معنى لطيف، وهو أنه لما تضمن الإملاء التمتع بطيبات الدنيا وزينتها، كانت العاقبة هي النقيض، وذلك بالإهانة. وذلك أن الله سبحانه وتعالى عندما يملي للإنسان فإنه سبحانه وتعالى يعطيه المال والصحة والعافية، ثم تراه يغتر وقد يشتم الله سبحانه وتعالى ويفعل أقبح أفعال الكفر، ومع ذلك يمد له ويملي له حتى يكون نصيبه من العذاب أشد واستحقاقه له أكبر، ومثل هذا الشخص المتجبر المتكبر المغرور أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه سيعامله بنقيض قصده، فتكون عاقبته في الدنيا المهانة. قوله: ((وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)) إذا لاحظنا هذا المعنى، فإنها معاملة له بنقيض قصده؛ لتعززه وتجبره، فهو يريد العزة لنفسه، فعاقبه الله في الآخرة بالعذاب المهين، فوصف عذاب مثل هذا الشخص بالإهانة؛ ليكون جزاؤه جزاءً وفاقاً. يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في هذه الآية {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران:178]: ذكر في هذه الآية الكريمة أنه يملي للكافرين ويمهلهم لزيادة الإثم عليهم وشدة العذاب، وبين في موضع آخر أنه لا يمهلهم متنعمين هذا الإمهال إلا بعد أن يبتليهم بالبأساء والضراء، فإذا لم يتضرعوا أفاض عليهم النعم وأمهلهم حتى يأخذهم بغتة، كقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} [الأعراف:94] البأساء: الفقر والفاقة، والضراء: هي المرض، {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} [الأعراف:95]، لما ابتلاهم الله سبحانه وتعالى لم يتضرعوا، ولم يتوبوا، ولم يرجعوا إلى الله، فماذا يفعل بهم؟ يمد لهم ويملي لهم إملاء، ويستدرجهم استدراجاً، يقول تبارك وتعالى: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا} [الأعراف:95]، أي: كثر فيهم الخير والرزق والبركة {وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} [الأعراف:95]، أما نحن ففي مأمن {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [الأعراف:95]. وكقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:42 - 43]، إلى قوله تعالى: {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44]. بين سبحانه في موضع آخر أن ذلك الاستدراج من كيده المتين وهو قوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف:182 - 183]. وبين في موضع آخر أن الكفار يغترون بذلك الاستدراج، فيظنون أنه من المسارعة لهم في الخيرات، وأنهم يوم القيامة يؤتون خيراً من ذلك الذي أوتوه في الدنيا، كقوله تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ} [المؤمنون:55] * {نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون:56]، وقال عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} [مريم:77]، وقوله عز وجل: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا} [الكهف:36]، ما دام أكرمني في الدنيا لابد أن يكرمني في الآخرة، وقوله تعالى: {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت:50]، وقوله: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ:35]، ونظائر ذلك من القرآن الكريم.
تفسير قوله تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه)
تفسير قوله تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه) {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:179]. لقد أشار الله تبارك وتعالى إلى بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد: وهي أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وصار لهم الصيت، دخل معهم في الإسلام ظاهراً من ليس معهم فيه باطناً، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فأظهر المنافقون في هذه الغزوة ما كانوا يكتمونه، وظهر ما كانوا يسترونه ويخفونه، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقساماً ظاهراً، وعرف المؤمنون أن لهم عدواً بين أظهرهم وهم معهم لا يفارقونهم فاستعدوا لهم وتحرجوا منهم، ولذلك قال تبارك وتعالى هاهنا: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:179]. (ما كان الله ليذر) أي: ليترك (المؤمنين). (على ما أنتم عليه) من الاختلاط بالمنافقين وعدم التباين، بل لا يزال يبتليكم (حتى يميز الخبيث من الطيب) ولا يميز إلا بهذا الابتلاء؛ لأنه (ما كان الله ليطلعكم على الغيب). هناك طريقتان لمعرفة الطيب من الخبيث: الأولى: بالاطلاع على الغيب ومعرفة الغيب، وهذا لا يكون، نحن لا نستطيع أن نطلع على الغيب. الثانية: وهي أن يقع الامتحان والفتنة والابتلاء فيمتاز الناس فيظهر أولياء الله من أعدائه. (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) يعني: هذا الطريق ليس متاحاً لكم؛ لتعرفوا الطيب من الخبيث؛ لكن تأتي المحن والابتلاءات فيمتاز المؤمن من المنافق كما جاء في حديث: (فتنة الدهيماء)، إنها فتنة حرب وهرج، وجاء في آخر الحديث: (أن الفتنة تشتد حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه). يقول السيوطي: (ما كان الله ليذر) أي: (ليترك المؤمنين). (على ما أنتم) أيها الناس عليه من اختلاط المخلص بغيره (حتى يميز) بالتخفيف والتشديد قراءتان، يعني: يفصل. (الخبيث) أي: المنافق. (من الطيب) أي: المؤمن بالتكاليف الشاقة المبينة لذلك، ففعل ذلك يوم أحد. (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) فتعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز. (ولكن الله يجتبي) أي: يختار. (من رسله من يشاء) فيطلعه على الغيب كما أطلع النبي صلى الله عليه وسلم على حال المنافقين. (فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا) النفاق. (فلكم أجر عظيم).
تفسير قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله)
تفسير قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله) {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران:180]. قال تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ}، بالياء والتاء. {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، أي: بزكاته. {هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} أي: هذا البخل خيراً لهم. أي: لا تحسبن بخل الباخلين خيراً لهم، أو لا يحسبن الباخلون بخلهم خيراً لهم. {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ}، يعني: ما بخلوا بزكاته من المال. {يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، بأن يجعل حية في عنقه تنهشه كما صح في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه -اللهزمتان: جانبا الفم- ويقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ((سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ))). {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: يرثهما بعد فناء أهلهما، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} بالتاء والياء، {خَبِيرٌ} فيجازيكم به. يقول القاسمي: اعلم أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد في الآيات المتقدمة، شرع هاهنا في التحريض على بذل المال في سبيل الله، وبين الوعيد الشديد لمن يبخل ببذله فيه، وإيراد ما بخلوا به بعنوان إيتاء الله تعالى إياه من فضله، يعني: أن هذا المال ليس مالهم وإنما هو عطية من الله. (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) ليس مالهم وإنما هو مال الله تبارك وتعالى؛ للمبالغة في بيان سوء صنيعهم، فإن ذلك من موجبات بذله في سبيله، أي: إذا كان الله هو الذي أعطاك فيجب عليك أن تبذل في سبيله هذا القدر البسيط، وهو نسبة الزكاة المعروفة، كما قال تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7]، فلا يحسبن هؤلاء ذلك خيراً لهم بل هو شر لهم؛ لأنه سيجلب لهم العقاب (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) وقد جاءت أحاديث كثيرة في تفاصيل هذا العذاب أشرنا إلى طرف منها. ثم أشار تعالى إلى أنهم وإن لم ينفقوا أموالهم في سبيله فهي راجعة إليه: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}، أي: ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره، فما لهم يبخلون عليه بملكه، ولا ينفقون في سبيله؟ ونظيره قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7] فهذا على حقيقته، كما قال الزجاج: أي أن الله تعالى يفني أهلهما فيفنيان بما فيهما، فليس لأحد فيهما ملك فخوطبوا بما يعلمون؛ لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإنسان ميراثاً ملكاً له، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}، يعني: فيجازيكم على المنع والبخل، وفي قراءة أخرى (والله بما تعملون خبير) فيجازيكم به.
تفسير قوله تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء)
تفسير قوله تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) قال عز وجل: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [آل عمران:181]. لما نزل قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة:245]، قالت اليهود: يا محمد! افتقر ربك فسأل عباده القرض، فأنزل الله (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) الآية. وروى محمد بن إسحاق عن ابن عباس أيضاً قال: (دخل أبو بكر الصديق بيت المدراس -بيت العبادات عند اليهود- فوجد من يهود ناساً كثيرة قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له: فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له: أشيع، فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص! اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول من عند الله، قد جاءكم بالحق من عنده تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل، فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقره، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنياً ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر رضي الله عنه فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً، وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله، فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! أبصر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر؟! فقال: يا رسول الله! إن عدو الله قال قولاً عظيماً، يزعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربت وجهه، فجحد فنحاص ذلك، وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله عز وجل فيما قال فنحاص: ((لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ))). ولما كان مثل هذا القول لا يصدر إلا عن تمرد عظيم لكونه في غاية الشناعة أشار إلى وعيده الشديد فقال تعالى: ((سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا))، أي: ما قالوه مع هذه العظيمة الشنعاء، في صحائف الحفظة. (وقتلهم الأنبياء) أي: سنكتب أيضاً قتلهم الأنبياء بغير حق، وإنما ضمه مع ما قبله إيذاناً بسوابقهم القبيحة، فلذلك ربط الله سبحانه وتعالى هذا القول الشنيع بجرائم آبائهم، ونسبها إليهم مع أنهم ليسوا هم الذين قتلوا الأنبياء اليهود في حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا راضين بذلك، بل هم سعوا في قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فليس قولهم: ((إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ)) بأول جريمة يرتكبونها، ومعلوم أن من اجترأ على قتل الأنبياء لا يستبعد منه أن يقول هذا الكلام. ((وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)).
فوائد من قوله تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء)
فوائد من قوله تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) هنا بعض الفوائد منها: الأولى: إيراد صيغة الجمع في الآية مع كون قائلها شخص واحد: ((لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا)) فتكلم عن هذا الواحد بصيغة الجمع؛ لرضا الباقين بذلك، ونظائره في التنزيل كثيرة. الثانية: إضافة عذاب الحريق إضافة بيانية، بمعنى: ذوقوا العذاب الذي هو الحريق. حاسة الذوق تكون لإدراك الطعم، ثم اتسع فيه لإدراك سائر المحسوسات والحالات، وذكره هاهنا لأن العذاب مترتب على قولهم الناشئ عن البخل والتهالك على المال، وغالب حاجة الإنسان إليه هي تحصيل المطاعم، فالذي دفعهم إلى قولهم: ((إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ)) هو بخلهم، فهم يبخلون بأن يؤتوا مما آتاهم الله من فضله. المال إنما يقصد بصفة أساسية من أجل أن يأكل الإنسان منه، فأهم شيء عند الإنسان من تحصيل المال هو الطعام؛ فلذلك هم يتهالكون على هذا المال خوفاً من فقدان هذا الطعام، ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال؛ لأن أغلب استعمالات المال هي في الطعام. كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء:10] وقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188].
تفسير قوله تعالى: (ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد)
تفسير قوله تعالى: (ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد) {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران:182] قوله تعالى: ((ذَلِكَ)) أي: العذاب. ((بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ)) تقديم الأيدي هو عملها؛ لأن من يعمل شيئاً يقدم يده، والتعبير بالأيدي عن الأنفس؛ لأن عامة أفاعيلها إنما تزاول بهن، فهو من قبيل التعبير عن الكل بالجزء الذي مدار العمل عليه.
صيغة المبالغة في قوله: (ظلام) ووجه الإشكال والجواب عنه
صيغة المبالغة في قوله: (ظلام) ووجه الإشكال والجواب عنه {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران:182] (ظَلَّامٍ) صيغة مبالغة من الظلم، تفيد كثرة الظلم، ولا يلزم من نفي الظلم الكثير نفي الظلم القليل، فلو قيل: (وأن الله ليس بظالم) لكان أدل على نفي الظلم قليله وكثيره، فما الجواب عن ذلك؟ الجواب من أوجه: أحدها: أن الصيغة للنسب من قبيل نسبة البزاز إلى البز والحرير، والعطار إلى العطر، لا للمبالغة. أن الله لا ينسب إلى الظلم؛ لأنه عندما تقول -ولله المثل الأعلى-: هذا ليس بعطار، فأنت لا تقصد المبالغة، وإنما تقصد نفي نسبته إلى بيع العطر. الوجه الثاني: أن صيغة (فعال) استعملت في لغة العرب لا على معنى الكثرة والمبالغة، بل تأتي على معنى الفاعل كقول طرفة: ولست بحلال التلاع مخافة ولكن متى يسترشد القوم أرشد هذا في معلقة طرفة بن العبد التي مطلعها: لخولة أطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد يقول التبريزي في قوله: ولست بحلال التلاع: (التلاع) مجاري الماء من رءوس الجبال إلى الأودية. (وقوله: (ولست بحلال التلاع) أي أنني لا أتواجد في ذلك المكان ولا أسكنه مخافة أن يراني ابن السبيل والضيف، فهو ينزه نفسه عن البخل؛ لأن الذي يريد أن يهرب من الضيوف بسبب البخل يختبئ في هذه التلاع. قوله: (ولكن متى يسترشد القوم أرشد). أي: أنني لا أحل في التلاع، بل أنزل في الفضاء وأرشد من يسترشدني، وأعين من استعانني. والرشد يكون بالعطية، ويكون بالمعونة. فمثل هذا الشخص الكريم الذي ينزه نفسه عن البخل، بقوله: (ولست بحلال التلاع) لا يقصد بذلك نفي المبالغة، لأن المعنى سيكون مقتضياً أنه في بعض الأحيان يختبئ من الضيوف أو من ابن السبيل؛ فلذا كان يقصد مجرد الحلول بدون المبالغة؛ فهنا جاءت (فعال) لا يراد بها الكثرة؛ لأن تمام المدح لا يحصل بإرادة الكثرة. الوجه الثالث: هو أن المبالغة جاءت لمراعاة الجميع، كما تقول العرب مثلاً: فلان ظالم لعبده، ثم يقولون: وهو ظلام لعبيده، فتستعمل كلمة (فعال) إذا كان المتعلق به الفعل جمعاً. كذلك هنا نزه الله تعالى نفسه عن ذلك بقوله: ((وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ))، لرعاية صيغة الجمع في العبيد. الوجه الرابع: أنه إذا انتفى الظلم الكثير انتفى الظلم القليل ضرورة؛ لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم، فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضر، كان للظلم القليل المنفعة أترك. الوجه الخامس: أن المبالغة لتأكيد معنىً بديع؛ وذلك لأن جملة ((وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)) اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها، بمعنى: أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده لغير ذنب. والتعبير عن ذلك بنفي الظلم؛ لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك، ولتصويره بصورة يستحيل صدور الظلم عنها، كما يعبر عن ترك الإفادة عن الأعمال بإضاعتها، فصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى ولإبراز ما ذكر من التعبير بغير ذنب في صورة مبالغة في الظلم. ((وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)) فالله سبحانه وتعالى لو عذب الناس بدون ذنب يرتكبونه هل يكون ظلاماً للعبيد؟! هذه صيغة منفرة ينزه الله سبحانه وتعالى عنها؛ بل إنما يعذبهم بسبب ما اقترفوه من الذنوب.
تفسير قوله تعالى: (الذين قالوا إن الله عهد إلينا)
تفسير قوله تعالى: (الذين قالوا إن الله عهد إلينا) قال تبارك وتعالى: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران:183]. ((الَّذِينَ قَالُوا)) نصب بتقدير: أعني، أو على الذم، أو رفع بتقدير: هم الذين قالوا. (إن الله عهد إلينا) أي: أمرنا. (أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ) تبكيتاً لهم وإظهاراً لكذبهم: (قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ) أي: بالمعجزات الواضحات. (وَبِالَّذِي قُلْتُمْ) أي: وبنفس هذا الذي قلتموه، وهو القربان الذي تأكله النار. (فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ) أي: لم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم؟! (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، أي: في أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل.
تفسير قوله تعالى: (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك)
تفسير قوله تعالى: (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك) {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} [آل عمران:184]. (فإن كذبوك) أي: بعد بطلان عذرهم المذكور. (فقد كذب رسل من قبلك) فلا تحزن وتسلَّ. (جاءوا بالبينات والزبر)، الزبر: جمع زبور أي: الكتب الموحاة منه تعالى. (والكتاب المنير) أي: الواضح الجلي. والزبور والكتاب واحد في الأصل؛ وإنما ذكرا لاختلاف الوصفين، فالزبور فيه حكم زاجرة، والكتاب المنير هو المشتمل على جميع الشريعة.
حقيقة القربان عند أهل الكتاب وأنواعه
حقيقة القربان عند أهل الكتاب وأنواعه هنا فائدة تتعلق بقربان أهل الكتاب وتشريعه عندهم: القربان معناه لغة: ما يتقرب به إلى الله تعالى وسيلة لمرضاته، وكانت ذبائح العبرانيين عجيبة جداً، وكان المستعمل لهذه الذبيحة بتعيين الله: الثيران والنعاج والمعز والحمام واليمام، وكانت الذبائح على نوعين عامين: الأول: كانت تقرب لتكفير الخطايا. الثاني: كانت تقرب شكراً لله على نعمة وبركاته. ثم قال صاحب كتاب (مرشد الطالبين): فالذبيحة اليومية عند أهل الكتاب كانت مشهورة جداً، كان عليهم أن يتقربوا إلى الله سبحانه وتعالى يومياً في الصباح والمساء بهذه الذبائح. الذبيحة اليومية عندهم خروف ليس فيه عيب، يقدم كفارة للخطايا، وذلك مرتان: صباحاً ومساءً طول مدة السنة، فالتي في الصباح تقدم عن خطايا الشعب ليلاً، والتي في المساء عن خطاياهم نهاراً، وقبل فعل الذبيحة تعترف كل الشعوب بخطاياها فوق الحيوان المراد ذبحه على يد الكاهن الخادم. ولهذا ينقل الإثم إليه بواسطة وضع وكلاء الشعب أيديهم على رأسه، ثم يذبح ويقرب وقودا، وفي غضون ذلك تسجد الجماعة في الدار وتبخر الكهنة على المذابح الذهبية، ويقدمون الطلبات لله عن الشعب، وأما في يوم السبت فكانت تتضاعف الذبيحة، ويقرب في كل دفعة خروفان. خلاصة الكلام فيما يتعلق بهذه الآية يقول تعالى: ((تَأْكُلُهُ النَّارُ)) أي: أنه يذبح على هذه الكيفية، فبعدما يذبح تنزل نار من السماء فتأكله، وتكون معجزة وآية كما حصل في عهد موسى وهارون من نزول النار وأكلها الذبيحة، وفي عهد سليمان أيضاً كما جاء في كتبهم: (أن سليمان لما أتم الدعاء هبطت النار من السماء وأكلت الذبائح) وكان جميع بني إسرائيل يعاينون هبوط النار.
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (الذين قالوا إن الله عهد إلينا) وما بعدها
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (الذين قالوا إن الله عهد إلينا) وما بعدها يقول السيوطي رحمه الله تعالى هنا: ((الَّذِينَ)) هذه نعت للذين قبله ((قَالُوا)) أي: لمحمد صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا)) أي: قد عهد إلينا في التوراة ((أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ)) أي: لا نصدق رسولاً ((حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ))، فلا نؤمن لك حتى تأتينا أنت أيضاً بقربان تأكله النار، وهو ما يتقرب به إلى الله من نعم وغيرها، فإن قبل هذا القربان جاءت نار بيضاء من السماء فأكلته وإلا بقي مكانه. والعهد إلى بني إسرائيل كان موجوداً، لكن في حق المسيح ومحمد لم يعهد إليهم بذلك، قال تعالى: ((قُلْ)) لهم توبيخاً: ((قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ)) أي: بالمعجزات ((وَبِالَّذِي قُلْتُمْ)) كزكريا ويحيى فقتلتموهما، والخطاب لمن في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان الفعل لأجدادهم؛ لكنهم كانوا راضين بفعل أجدادهم. ((فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) أي: في أنكم تؤمنون عند الإتيان به. ((فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ)) أي: المعجزات ((وَالزُّبُرِ)) كصحف إبراهيم وفي قراءة بإثبات الباء فيهما. ((وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ)) أي: الواضح وهو التوراة والإنجيل، والمعنى: فاصبر كما صبر هؤلاء الرسل الذين كُذِّبوا.
تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم)
تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم) قال تبارك وتعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185]. (تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ) أي: جزاء أعمالكم يوم القيامة. {فَمَنْ زُحْزِحَ} أي: أبعد عن النار {وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} أي: نال غاية مطلوبه. فقد أخرج الترمذي والحاكم وصححاه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، أي: اقرءوا إن شئتم: ((فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ)) [آل عمران:185]). {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} أي: ما العيش في الحياة الدنيا. {إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} أي: الباطل الخادع الذي لا يدوم، بل يتمتع به قليلاً ثم يفنى.
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم)
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم) يقول القاسمي رحمه الله تعالى في هذه الآية: ((كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)) هذه كقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]. وفي هذه الآية تعزية لجميع الناس، ووعد ووعيد للمصدق والمكذب. وقوله: (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة) قال الزمخشري: فإن قلت: فهذا يوهم نفي ما يروى أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. قلت: كلمة التوفية تزيل هذا الوهم؛ لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون ذلك اليوم، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور. أي: فما يكون في القبر هو بعض الأجر ومن مقدمات الأجر، أما إكمال الأجر وكماله وغايته فإنما تكون يوم القيامة. وقال الرازي: بين تعالى أن تمام الأجر والثواب لا يصل إلى المكلف إلا يوم القيامة؛ لأن كل منفعة تصل إلى المكلف في الدنيا فهي مكدرة بالغموم والهموم، حتى الإنسان إذا جوزي في الدنيا فأي متاع في الدنيا لابد أن يصل إليه ما يكدره، ولو لم يكدره إلا خوف انقطاعه وزواله لكان كافياً في تكديره. والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل إلى المكلف يوم القيامة؛ لأن السرور هناك يحصل بلا غم، والأمن بلا خوف، واللذة بلا ألم، والسعادة بلا خوف انقطاع، وكذا القول في العقاب، فإنه لا يحصل في الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة، بل يمتزج به راحات وتخفيفات، وإنما الألم التام الخالص الباقي هو الذي يكون يوم القيامة، نعوذ بالله منه. ((فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ)) أي: أبعد عن النار التي هي مجمع الآفات والشرور. ((وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ)) التي هي جامعة للذات والسرور ((فَقَدْ فَازَ)) أي: حصل له الفوز العظيم، وهو الظفر بالمراد، والنجاة من سخط الله والعذاب السرمد، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه) أخرجه مسلم أيضاً. {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} أي: لذتها أو العيش فيها. {إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} المتاع: هو ما يتمتع وينتفع به. والغرور: مصدر غره أي: خدعه وأقنعه بالباطل. وإنما وصف عيش الدنيا بذلك لما تمنيه لذاتها من طول البقاء وأمل الدوام، فتخدعه ثم تصرعه. قال بعض السلف: الدنيا متاع متروك يوشك أن يضمحل ويزول، فخذوا من هذا المتاع واعملوا فيه بطاعة الله ما استطعتم.
آل عمران [186 - 200]
تفسير سورة آل عمران [186 - 200]
تفسير قوله تعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم)
تفسير قوله تعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم) قال تبارك وتعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [آل عمران:186]. ((لتبلون)) أي: لتختبرن. ((في أموالكم)) أي: بما يصيبها من الآفات. ((وأنفسكم)) أي: بالقتل والأسر والجراح، وما يرد عليها من أصناف المتاعب والمخاوف والشدائد. وهذا كقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} [البقرة:155] أي: لابد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سأله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (يا رسول الله! أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة، أي: أنه تكفر خطاياه). ((وإن تصبروا)) أي: على ذلك. ((وتتقوا)) أي: مخالفة أمر الله تعالى. ((فإن ذلك)) أي: الصبر والتقوى. ((من عزم الأمور)) أي: من كمال الأمور التي يتنافس فيها المتنافسون. والمقصود من معزمات الأمور التي يجب أن يعزم عليها كل أحد؛ لما فيه من كمال المزية والشرف، أو مما عزم الله تعالى عليه وأمر به وبالغ فيه، فلابد أن تصبروا وتتقوا. وفي إبراز الأمر بالصبر والتقوى في صورة الشرطية من إظهار كمال اللطف بالعباد ما لا يخفى. قال بعض المفسرين: ثمرة الآية وجوب الصبر، وأن الجهاد لا يسقط مع سماع ما يؤذي.
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم)
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم) يقول السيوطي رحمه الله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ} أي: بالفرائض فيها كفريضة الزكاة، والجوائح التي تجتاحها كالسيول والعواصف والقحط وغيرها. ((وَأَنْفُسِكُمْ)) أي: بالابتلاء في الأنفس إما بالعبادات التي يكلفها الإنسان، أو بالبلاء الذي يصيب الناس. ((وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) أي: اليهود والنصارى. ((وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا)) أي: من العرب. ((أَذًى كَثِيرًا)) أي: من السب والطعن والتشبيب بنسائكم وغير ذلك. ((وَإِنْ تَصْبِرُوا)) أي: على ذلك. ((وَتَتَّقُوا)) الله. ((فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)) أي: من معزوماتها التي يعزم عليها لوجوبها.
واجب المسلم تجاه الأذى الصادر من غير المسلمين
واجب المسلم تجاه الأذى الصادر من غير المسلمين إذاً الواجب مع هذه الصنوف من البلاء الصبر عليها والثبات على دين الله تبارك وتعالى، وفي هذا تهيئة لقلوب المؤمنين؛ لما قد يرد من البلاء والأذى، وهذا كائن في كل زمان وفي كل مكان، فهؤلاء الذين يصنفون الكتب من المستشرقين أو أعداء الإسلام في الطعن في الدين، وفي سب الأنبياء، وفي سب الله تبارك وتعالى، وغير ذلك مما هو مشاهد. ومن آخرها: إعادة نشر هذه الرواية الإلحادية التي لم يقل إبليس نفسه ما قال صاحبها فيها، ولم يجترئ على الله سبحانه وتعالى كما وقع في هذه الروايات، ولذلك ننبه الإخوة إلى: أنه لا يجوز لأحد بأي حال أن يقتني هذه الروايات، حتى وإن نشرت بالصورة التي ذكرت، ولا يجوز بحال من الأحوال أن تبقى في البيت ولا أن تشترى، فكيف وبعض الإخوة يقول: نحن نشتريها حتى نبين للناس الكفر والإلحاد الذي فيها. نقول: يكفي أن تقول ما قاله العلماء فيها، ممكن أن تنقل للناس خلاصة الدراسات التي قام بها من درسها أو علق عليها من العلماء، ويكفي أن العلماء من شيوخ الأزهر كان موقفهم صريحاً من هذه الروايات الإلحادية منذ الستينات. فإذاً كون الواحد يأتي بالرواية ويقول: أنا أقرؤها؛ لأعرف ما فيها من كفر وإلحاد، نقول: ما يدريك؟ قد ينتكس قلبك عند سطر من سطور الزندقة والإلحاد، وترتد عن الإسلام؟! أليست للفتن ذرائع تؤدي إليها؟! فلا تفتح باب الشر على نفسك؛ لأن هذه الرواية كلها شتائم فقراءتها وشراؤها فيه مشاركة في الأذية. فحينما تسمع أو تقرأ فإنك تقرأ كلاماً شنيعاً ترتج منه الجبال، حتى إن إبليس لم يقو على ذلك، بل إن إبليس عظم الله سبحانه وتعالى حيث قال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص:82]. أما هذا فيشتم الله ويشتم الأنبياء، هناك كثير من الناس من غير الملتزمين بالدين لما اطلعوا عليها، كان تعليقهم أنهم استفادوا معلومات لم يكونوا يطبقونها من قبل، فيما تضمنته من الكفر والإلحاد. فعلى أي الأحوال هذا من أبلغ الأذى الذي يسمعه المسلمون في هذا الزمان، وأنتم تعلمون أيضاً ما يأتي من الغرب بين وقت وآخر، مثل إحياء رواية آيات شيطانية للمدعو سلمان رشدي، وفيها أيضاً كل السب والأذى، فهذه الرواية خالية من المنهج العلمي، وليست منطقية، بل كلها خيالات وسب وتطاول وبذاءات، فكيف يرد على مثل هذا؟! لا يرد عليه إلا بالصبر على الأذى. فهذه الآية تواسي المؤمنين في كل عصر ومصر مما يلقونه من الأذى، فإن أشد ما يؤذي المؤمن أن يؤذى في الله، أو يؤذى في رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أو في دينه، وهنا إرشاد للمخرج من هذا ((وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)).
تفسير قوله تعالى: (وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب)
تفسير قوله تعالى: (وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) قال تبارك وتعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران:187]. ((وإذ)) أي: واذكر إذ ((أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب)) وهم علماء اليهود والنصارى، وكما ذكرنا من قبل: الغالب أنه إذا استعملت صيغة: أوتوا، أو أورثوا، بالبناء للمجهول، فإنه يكون في سياق ذمهم، أما إذا أتت منسوبة إلى الله سبحانه وتعالى فهذا فيه مدح لأهل الكتاب، وذلك مثل قوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [البقرة:121]، وقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر:32]. ((لتبيينه للناس)) أي: لتظهرن جميع ما فيه من الأحكام والأخبار التي من جملتها أمر نبوته صلى الله عليه وسلم. ((ولا تكتمونه)) فيها نهي عن الكتمان بعد الأمر بالبيان، مبالغة في إيجاب المأمور به؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإذا صرح بالأمر بالبيان ونهى عن الكتمان، فهذا أبلغ في إيجاب هذا المأمور به. ((فنبذوه)) أي: الميثاق. ((وراء ظهورهم)) أي: طرحوه ولم يراعوه، ونبذ الشيء وراء الظهر مثل في الاستهانة به والإعراض عنه بالكلية، يقول بعض الشعراء في هذا المعنى: لقد أخبرني من أرسلت أنما أخذت كتابي معرضاً بشمالكا نظرت في عنوانه فنبذته كنبذك نعلاً أخلقت من نعالكا فكلمة نبذ الشيء وراء الظهر، مثل يضرب في الاستهانة بالشيء والإعراض عنه بالكلية، كما أن جعله نصب العين دليل على كمال الاعتناء والاهتمام به. ((واشتروا به)) أي: استبدلوا به ((ثمناً قليلاً)) أي: شيئاً حقيراً من حطام الدنيا. ((فبئس ما يشترون)) أي: بتغيير كلام الله ونبذ ميثاقه. قال بعض المفسرين: ثمرة الآية: وجوب إظهار الحق وتحريم كتمانه، فيدخل فيه بيان الدين والأحكام والفتاوى والشهادات، وغير ذلك مما يجب إظهاره، ويفهم من ذلك أنه يجوز كتمان العلم إذا كان الشخص الذي تكلمه لا يطيقه ولا يستوعبه، أو يسيء فهمه، أو يسيء تطبيقه أو غير ذلك. ويدخل في كتمه منع الكتب المنطوية على علم الدين حيث تعذر الأخذ إلا منها.
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب)
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) قال الزمخشري: كفى بهذه الآية دليلاً على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه، وألا يكتموا منه شيئاً لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطييب لنفوسهم، واستجلاب لمسارهم، أو لجر منفعة وحطام دنيا، أو لتقية مما لا دليل عليه ولا أمارة، أو لبخل بالعلم وغيرة أن ينسب إليه غيرهم. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار) وهذا أخرجه الترمذي، ولـ أبي داود: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة). وقال أبو هريرة: (لولا ما أخذ الله عز وجل على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا: ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)) إلى آخر الآية. يقول العلامة أبو السعود في تصوير هذه المعاملة بعقد المعاوضة: ((فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً)) هذا نوع من المعاوضة، فهم بذلوا شيئاً في مقابل شيء، وفي حالة المعاوضة يكون الشراء مؤذناً بالرغبة في المأخوذ، والزهد أو الإعراض عن المعطى. يعني: أنت معك مال تبذل هذا المال لتشتري به السلعة: آلة أو سيارة أو أي شيء، فأنت ما تعمد إلى هذه المعاوضة إلا إذا كنت ترى أن الذي تأخذه أفضل مما تعطيه. والمقصود بالمعاملة الثمن الذي شأنه أن يكون وسيلة إليه، وجعلوا الكتاب الذي حقه أن يتنافس فيه المتنافسون مصحوباً بالباء الداخلة على الآلات والوسائل، وهذا يدل على فظاعة حالهم وغاية قبحها بإيثارهم الدنيء الحقير على الشريف الخطير، وبجعلهم المقصد الأصلي وسيلة، والوسيلة مقصداً.
تفسير قوله تعالى: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا)
تفسير قوله تعالى: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) بعد أن وصفهم تعالى بأنهم يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، ويستعملون آيات الله وكتاب الله وسيلة لنيل مآربهم الدنيوية، ومع ذلك فهم لا يستقبحون هذا الفعل ولا يندمون عليه، بل يفرحون به ويسرون: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران:188]. ((لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا)) أي: بما فعلوا من اشتراء الثمن القليل بتغيير كلام الله تعالى. ((ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا)) أي: من وفاء الميثاق من غير تغيير ولا كتمان. ((فلا تحسبنهم بمفازة)) أي: بمنجاة من العذاب. ((ولهم عذاب أليم)) أي: بكفرهم وتدليسهم. روى الإمام أحمد عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن مروان قال: (اذهب يا رافع -وهو بوابه- إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: مالكم وهذه، إنما نزلت في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس رضي الله عنهما: ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)) إلى قوله: ((وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) ثم قال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه) يعني: كأنهم استحقوا أن يحمدوا على هذا الذي أخبروا به النبي عليه الصلاة والسلام بخلاف الواقع والحقيقة. انظر كيف تتولى الآيات الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حصل ذلك في مواضع من القرآن الكريم، {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر:1 - 3]، وغير ذلك من النصوص. فكذلك هنا لما سألهم النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء معين أوهموه أنهم قد أجابوه، ومع ذلك أحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، وبما أتوا من كذبهم عليه وإخبارهم له بخلاف الذي كان يسألهم عنه، فانظر كيف نزل الوحي يفضح هؤلاء اليهود، ويكذبهم، ويذب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري (أن رجالاً من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ((ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا))) الآية. كذا رواه مسلم. لا منافاة بين الروايتين؛ لأن الآية عامة في جميع ما ذكر، ومعنى ذلك: أنه بعدما نزلت الآية قد تحصل واقعة يصدق عليها حكم الآية، فيقول واحد من الصحابة: نزلت في كذا؛ لأن معنى سبب النزول أعم من مجرد نزول الآية في واقعة بعينها، لكن يتعدى حكمها إلى نظائرها. وهذه الآية وإن كانت محمولة على الكفار لما تقدم، ففيها ترهيب للمؤمنين مما ذم عليه أهلها من الإصرار على القبائح والفرح بها، ومحبة المدح بما ليس عندهم من الفضائل. ويدخل في ذلك المراءون المتكثرون بما لم يعطوا، وقد جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة)، وفي الصحيحين أيضاً: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) يعني: الثوبان اللذان يلبسهما ليسا ملكه في الحقيقة، بل هما لغيره، وهو يلبسهما ويظهر للناس أنهما له. وهكذا المتشبع بما لم يعط، وهو الذي يظهر للناس ما ليس عنده من الفضائل والعلم وغير ذلك.
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) وما بعدها
تفسير السيوطي لقوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) وما بعدها يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)) أي: واذكر (إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) أي: العهد عليهم في التوراة ((لَتُبَيِّنُنَّهُ)) أو (ليبيننه) أي: الكتاب ((لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ))، بالياء والتاء. ((فَنَبَذُوهُ)) أي: طرحوا الميثاق ((وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)) أي: فلم يعملوا به. ((وَاشْتَرَوْا بِهِ)) أخذوا بدله ((ثَمَنًا قَلِيلًا)) من الدنيا من سفلتهم برئاستهم في العلم، فكتموه خوف فوته عليهم. ((فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)) أي: فبئس شراؤهم هذا. ((لا تَحْسَبَنَّ)) أو لا يحسبن ((الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا)) أي: بما فعلوا في إضلال الناس ((وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا)) من التمسك بالحق وهم على ضلال. ((فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ)) أي: بمكان ينجون فيه ((مِنَ الْعَذَابِ)) أي: في الآخرة، بل هم في مكان يعذبون فيه وهو جهنم. ((وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) أي: مؤلم فيها.
تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض) قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:189] (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: خزائن المطر والرزق والنبات وغيرها. (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ومنه تعذيب الكافرين وإنجاء المؤمنين.
تفسير قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض) قال تبارك وتعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ} [آل عمران:190]. ((إن في خلق السموات والأرض)) أي: في إيجادهما على ما هما عليه من الأمور المدهشة، تلك في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وبحار وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار وحيوان ومعادن، ومنافع مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص. ((إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار)) يذكر الله تعالى عناوين مما خلق من الآيات في السماوات والأرض، وهذه العناوين ينقسم الواحد منها في العلوم الحديثة إلى عشرات بل مئات التخصصات أحياناً، وهي رسائل من الله سبحانه وتعالى يتعرف إلى عباده عن طريقها، وكان حق هذا العلم الذي تطور في هذا الزمان تطوراً مدهشاً مذهلاً بفضل الله سبحانه وتعالى أن يبين آيات الله وعظمته. لكن المناهج العلمية الموجودة على مستوى العالم قائمة على العلمانية التي تعتبر إيراد الباحث لآية أو حديث خروجاً عن المنهج العلمي. وهذا جهل وجحود؛ قال بعض العلماء: كانت الجاهلية قبل الإسلام جاهلية الجهل، أما الآن فهي جاهلية العلم؛ لأنك تجد أنهم يفصلون فصلاً كاملاً بين آيات الله سبحانه وتعالى وبين خالقها تبارك وتعالى. وأيضاً كل هذه العلوم وما فيها من الآيات والبدائع ومظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى وحكمته وعظمته، لا يمكن أبداً أن يجترئ أحد على أن ينسبها إلى صانعها، فهل هناك جحود أكثر من هذا؟ في الحقيقة هذا العلم علم جاحد؛ لأنه يفصل هذا المصنوع عن صانعه، ويفصل المخلوقات عن خالقها تبارك وتعالى. ونحن عندما نقرأ كتب العلماء السابقين في مثل هذه المواضع نجد أنهم كانوا يأتون بمعلومات محدودة جداً، لعلوم كاملة: نبات، حيوان تشريح، وغيرها من العلوم، لكن هذه العلوم انفتحت فيها عوالم ومجالات واسعة جداً، وانكشف فيها ما لم يصل الأوائل منه إلى شيء ولم يقفوا له على خبر، وكان مقتضى ذلك أن يزيد إيمان الناس، وأن يخضعوا لربهم تبارك وتعالى وأن يسلموا له. ولذلك نحن نقول: هذه العلوم ليست من علوم الدنيا، بل هذه العلوم هي تطبيق لهذه الآية الكريمة: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [آل عمران:191] فهذه العلوم إذا درستها من هذا المنطلق فهي تماماً كعلم التوحيد، أو دراسة القرآن الكريم الذي هو آيات الله سبحانه وتعالى. الآيات إما آيات تكوينية في الكون، وإما آيات تنزيلية، فكما أن آيات القرآن تنزيلية، كذلك السماوات والأرض مملوءتان بالآيات الكونية، وكلها تشير إلى وحدانية الله تبارك وتعالى. فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فكل ما تقع عينك عليه ينطق بوحدانية الله تبارك وتعالى، وقد جاء (أن النبي عليه الصلاة والسلام قام ليلة من الليالي وظل يبكي حتى بل لحيته، ثم ظل يبكي حتى بل حجره، ثم ظل يبكي حتى بل الأرض، إلى أن جاء بلال يؤذنه بصلاة الفجر، فلما رآه يبكي بكى، ثم قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد أنزلت عليّ الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها، وتلا قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [آل عمران:190] إلى قوله: {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:191]). إذاً: التفكر في هذه الآيات المذكورة في آل عمران ليس مستحباً فقط، وإنما هو فريضة، بل عدم فعل ذلك من الكبائر؛ لأن من علامات الكبيرة التوعد عليها بالويل، فهذا يدل على أن الفرض على المسلم أن يتفكر في هذه الآيات، وأن يكون له ورد تفكر كما يكون له ورد من تلاوة القرآن. قوله: ((واختلاف الليل والنهار)) لقد قام السلف بتفسير هذه الآيات طبقاً لمعلوماتهم المحدودة، لكن الآن كشفت لنا كثير من الأسرار والمعلومات، والإنسان الجاهل المسكين يظن أنه إذا اكتشف كيف يسير هذا الكون، وكيف يتدبر أموره؟!! يظن أنه صار هو المستقل بتدبير أمور الكون. لو أن رجلاً اخترع جهازاً دقيقاً وخبأه في صندوق وأغلقه بالمفتاح، ثم استطاع بعض الناس أن يفتح هذا الصندوق ويصف لنا ما بداخله، ويقول: إن هذه القطعة وضعت هنا للحكمة الفلانية، وهذه وضعت هنا من أجل استعمالها في كذا، واستطاع من خلال الدراسة أن يكتشف ما فيها من الدقة والإحكام، وسخرها بعد ذلك لفائدته ومصلحته، هل يكون له الفضل في إبداع هذه الآلة؟ أم أن الفضل هو لخالقها وصانعها. لو تفكرنا في الوظائف الدقيقة التي تجري في جسم الإنسان، سواء النشاط الهرموني، أو نظام الجهاز البولي، أو الجهاز الهضمي، أو الدوري، أو العصبي، أو العضلي أو غير ذلك من أجهزة الجسم، لعرفنا عظمة الله تعالى في إتقانها وإحكامها. وقد اكتشف العلم الحديث هذه التفصيلات وعرفت للناس، وأنت تعلم أن كل هذه الأشياء تجري في بدنك وأنت لا سلطان لك عليها، بل أغلبنا لا يعرف شيئاً عنها، فليس عنده خبر عن الإنزيمات ولا الهضم ولا الامتصاص ولا غير هذه الأشياء بتفاصيلها الدقيقة جداً، بل تفنى الأعمار قبل أن يصلوا إلى كل ما أودعه الله من الأسرار في هذا الكائن، كذلك عندما تنام أيها الإنسان في الليل فأن هذه الأجهزة تعمل بحكمة الله سبحانه وتعالى. إذا ارتفعت نسبة هرمون معين بنسبة ضيئلة جداً فإنه يحصل خلل في وظائف الجسم فمن الذي يضبط هذه الأمور كله؟! الله سبحانه وتعالى يضبطها، فما من ذرة من ذرات الكون إلا وهو يدبرها ويوجهها، وهذا هو معنى قولنا: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: لا يجري شيء إلا بقدرة الله سبحانه وتعالى وتوجيهه. فالناس الذين ما عرفوا شيئاً عن هذه العلوم، كان الله سبحانه وتعالى يتولاهم ويرعاهم، وتسير أبدانهم ووظائف الكون كوظائف الشمس والقمر والنجوم والكواكب منذ أن أودعها الله سبحانه وتعالى، وفق قدرة الله سبحانه وتعالى، ولم تكن تنتظر هؤلاء الجهلة في آخر الزمان لينازعوا الله في ألوهيته وربوبيته، ويفصلوا الخلق عن الخالق. إذاً: الله سبحانه وتعالى خلقنا، وليس كما زعم هؤلاء الكفار أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان فحركه ثم تركه، وانتهت وظيفة الإله وصار في غفلة عن خلقه، معاذ الله! أو كما زعموا -والعياذ بالله- أن الله سبحانه وتعالى يملك في الكون ولا يحكم مثل ملكة الإنجليز، فهذا هو تصورهم عن الإله، وهذا هو سبب معاداتهم للدين، أو بتعبير أدق إيثارهم فصل الدين عن الحياة. أما الإسلام فأتى بالتصور الشامل والعقيدة الشاملة لطبيعة العلاقة بين الله سبحانه وبين خلقه، وبين الخلق وبعضهم البعض، وبين الإنسان وبين نفسه. يقول تعالى: ((واختلاف الليل والنهار)) أي: في تعاقبهما وكون كل منهما خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها، أو في تفاوتهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر، وانتقاصه بازدياده. قوله: ((لآيات)) أفضل طريقة لتفسير هذا الجزء من الآية أن نحضر من كل تخصص من هذه العلوم من يشرح لنا أسرار هذا العلم، وحكم الله سبحانه وتعالى في تدبير الكون بهذه المواضع كلها، وبالتالي سنحول المسجد إلى جامعة شاملة لتعلم كل هذه العلوم، وهذا هو المفروض أن العلوم تدرس من هذا المنطلق الإيماني: تأمل سطور الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل فهي آيات من الله سبحانه وتعالى، أما الطبيعة فهي مفتقرة إلى من يخلقها. ((لآيات)) أي: لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته، والتكثير للتفخيم كماً وكيفاً، أي: كثرة عظيمة. ((لأولي الألباب)) أي: لذوي العقول المجلوة بالتزكية والتصفية بملازمة الذكر دائماً. هنا إشارة إلى أن القلوب لا تصفو ولا تتجلى إلا بذكر الله سبحانه وتعالى؛ وذلك عقب أولي الألباب بقوله: ((الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا)) وهذا هو الذي يفهم ويعي ويعقل عن الله سبحانه وتعالى رسائله، فبدلاً من أن نقول: إن السيل ظاهرة طبيعية، نتذكر آيات الله سبحانه وتعالى {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} [الشمس:14] {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف:24] كل هذه الآيات تربط الوقائع في كونه سبحانه هو المسير الحقيقي لها. ذكرنا من قبل أيضاً: أننا عندما نقول: (آيات لأولي الألباب) أن الحقائق غير المرئية أو المغيبة عنا لا تخضع للتجربة ولا المشاهدة والاستنتاج ولكن ما لا نراه فإنه لا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق الوحي؛ لأنه إذا كان كل شيء يتم عن طريق المعاينة فستنتفي حكمة هذا الوجود كله، وحكمة الابتلاء في الدنيا. وهؤلاء الذين يحاربون الله ورسوله ويحاربون الدين لو أراد الله لأمر الملائكة أن تتخطفهم وتقطعهم إرباً إربا، أو لأنزل صاعقة من السماء على بيوت الظالمين على وجه الأرض، فهو قادر على أن تستمر الآيات بصورة تكشف لنا هذه الوقائع قبل أن يكشفها لنا الغيب، فنرى الملائكة ونرى الشياطين ونرى الجنة ونرى النار، ونرى عذاب القبر ونعيمه إلى آخره. ولكن لو عاينا هذه الأشياء لا نتفت حكمة التكليف، أي: أن كل الناس في هذه الحالة سيؤمنون بالإكراه عن طريق هذه الآيات، فيكون حالهم تماماً كيوم القيامة، حينما يقولون: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة:12] فهل ينفع هذا اليقين؟! كذلك اليقين لا ينفع عند رؤية العذاب، ولذلك يقتصر الله سبحانه وتعالى على أن تحدث بعض هذه الآيات بين وقت وآخر؛ تذكيراً للناس وتنبيهاً لهم واستعتاباً، لكن لا تستمر ولا تكون صالحة
تفسير قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا)
تفسير قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً) قال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:191]. أي: أنه لا يخلو حال من أحوالهم عن ذكر الله سبحانه وتعالى، لا كما يفهمه الضالون من الصوفية أن معنى قوله: (يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) أنهم يرقصون في أثناء الذكر، فتارة يقفون وتارة يقعدون وتارة يضطجعون، وهذه الحركات التي يفعلها هؤلاء الجهلة، إلحاد في فهم آيات الله سبحانه وتعالى. لقد كان صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحواله، فالمراد تعميم الذكر للأوقات، وعدم الغفلة عن ذكر الله سبحانه وتعالى في لحظة من اللحظات ولا في حال من الأحوال، بل المسلم يذكر الله عز وجل دائماً. ((ويتفكرون في خلق السموات والأرض)) أي: في إنشائهما بهذه الأجرام العظام، وما فيهما من عجائب المصنوعات وغرائب المبتدعات؛ ليدلهم ذلك على كمال قدرة الصانع سبحانه وتعالى، فيعلموا أن لهما خالقاً قادراً مدبراً حكيماً؛ لأن عظم آثاره وأفعاله تدل على عظم خالقها تبارك وتعالى. إنما يكون الرسام أو المصور أو الممثل ممدوحاً عند القوم، بأنه بارع ومتقن عندما يقترب من محاكاة ما يسمونه هم بالطبيعة. إذاً خلق الله سبحانه وتعالى هو أكمل الصور، والناس كأنهم يتعرفون بهذا ضمناً على عظيم صنع الله سبحانه؛ وذلك عندما يحاول الواحد في عمله أن يحاكي ما خلق الله تبارك وتعالى. فهذا الذي صنع الطائرة استفاد في تصميمها من محاكاة ما خلق الله سبحانه وتعالى من الطيور، وكيف تتم عملية الطيران مثلاً؟! فالشاهد أن خلق الله سبحانه وتعالى هو أكمل المخلوقات وأبدعها. معروف أن رسم ذوات الأرواح محرم، لكن أنا أضرب مثالاً: إذا كان الرسام يمدح بأنه قدير على الرسم والفنان على الفن والممثل على التمثيل، ويستدل على عظمته بعظمة ما صنع، فكل ما صنع هؤلاء إنما هو مجرد محاكاة لما خلق الله تبارك وتعالى، أفلا تدل أفعال الله سبحانه وتعالى في السماوات والأرض على عظمة خالقها؟! فعظم آثار الله سبحانه وتعالى وأفعاله تدل على عظمته سبحانه: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد وقال الشيخ أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله عليّ فيه نعمة، ولي فيه عبرة. إنها نعمة التفكر، فهو ينظر في كل شيء فيجد نعمة الله، فيشكر لله عز وجل، وكذلك على المؤمن أن يعتبر وأن يتفكر، وأنه يخصص وقتاً للتأمل والتفكر والتدبر. وهنا خصص التفكر بالخلق كما في هذه الآية: ((ويتفكرون في خلق السموات والأرض)) لم يقل: ويتفكرون في الله، وإنما يتفكرون فيما خلق الله؛ لأننا منهيون عن التفكر في ذات الله تبارك وتعالى؛ لأنه لا يمكن أن نصل إلى كنه ذاته تبارك وتعالى وصفاته، وإنما نتفكر في المخلوقات كما ندبنا إلى ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الحديث: (لا تفكروا في الله ولكن تفكروا فيما خلق).
دلائل التوحيد عند الإمام الرازي
دلائل التوحيد عند الإمام الرازي يقول الرازي: دلائل التوحيد محصورة في قسمين: الأول: دلائل الآفاق. الثاني: دلائل الأنفس. قال عز وجل: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} [فصلت:53] ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم، كما قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر:57]، ولما كان الأمر كذلك فلا جرم أن أمر في هذه الآية بالتفكر في خلق السماوات والأرض؛ لأن دلالتهما أعجب، وشواهدهما أعظم، وكيف لا نقول ذلك، وهو هنا يضرب مثلاً، وهذا المثل إذا تأملته على ضوء العلوم الحديثة رأيت من الأسرار ما هو عظيم جداً، وتجد كم نحن مقصرون في الاعتراف بقدرة الله سبحانه وتعالى وحكمته في خلقه، وقد انكشفت لنا أشياء، وعلماء المسلمين ما قصروا في جانب التفكر أبداً، بل العكس، فإذا راجعنا تراث العلماء فهذا الغزالي له كتب كثيرة في هذه الأشياء، فله كتاب مستقل في الإحياء اسمه (كتاب التفكر)، وأيضاً له كتاب آخر يدعى: (الحكمة في مخلوقات الله). وكذلك الإمام ابن القيم له عدة كتب ككتابه (مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة)، وله كتاب آخر اسمه (الاستبيان في أقسام القرآن) وغير ذلك من الكتب، كلها تفيد التدبر في مخلوقات الله، ويعطيك درساً عملياً كيف تتدبر، وإن كانت المعلومات مصدرها التجربة البشرية وليس الوحي الإلهي، فنجد في بعض المعلومات قصوراً أو أخطاء بينها علم التشريح اليوم أو غيره. لكن على أي حال فإنهم تساموا إلى أعلى مستوى ثقافي في عصرهم؛ لأنهم كانوا يهتمون بهذه العبادة وهي التفكر في خلق الله تبارك وتعالى، فنحن أولى أن نجتهد في هذا التفكر، خاصة وأنه قد كشف لنا أضعاف أضعاف ما كان عندهم، فانظر هنا إلى الرازي فهو يقوم بالتأمل في شيء من هذه الأشياء، ويقول: انظر إلى ورقة صغيرة من أوراق الشجر فسترى في تلك الورقة عرقاً واحداً ممتداً في وسطها، ثم يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين، ثم يتشعب منها عروق دقيقة، ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخرى حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصر، وعند هذا تعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكماً بالغة وأسراراً عجيبة. من منكم درس علم النبات يعرف هذا الكلام؟! فهناك عناوين من البحوث الهائلة في علم النبات وأنواع الورق والوظائف الحيوية التي يمارسها النبات باعتباره كائناً حياً. فالآيات الآن تكشفت لنا أكثر، فنحن مطالبون بأن نتأمل فيها؛ لأن هذه رسائل من الله سبحانه تكشف لنا عن قدرته، وهذه آيات الله التكوينية التي نحن مطالبون بالتفكر فيها. انظر كيف أن كلام الرازي عن ورق الشجر يعتبر بالنسبة للعلوم الحديثة الآن سطحياً إلى حد بعيد جداً، لكن هذا الذي استطاع اكتشافه بالنسبة لما تكشف لديه من هذه العلوم، فهو لم يتحدث عن عشرات العمليات التي تحدث داخل النبات ووظائفها. كما أن كل إنسان له بصمة تختلف عن بصمة الإنسان الآخر، وهذه أيضاً قد كشفها القرآن قبل أن تكتشف بعدة قرون، حينما قال تبارك وتعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [القيامة:4] اختار البنان بالذات؛ لأن البنان فيها البصمات المعروفة، حتى أصبحت حجة يستدل بها في معرفة مرتكب الجريمة، حتى إن بعض اللصوص والمجرمين في بريطانيا بعدما اكتشفت عملية البصمات هذه انتزع الجلد تماماً حتى يموه، لكنه ظهر له من جديد جلد فيه نفس البصمات. فكما أن لكل إنسان بصمة فكذلك كل نبات لا توجد ورقتا شجر في الدنيا كلها تتشابهان في هذا التعرق الذي يشير إليه الرازي. وهناك بصمة للصوت في كل إنسان، وهذه البصمة تختلف تماماً من إنسان إلى آخر موجود على ظهر الأرض، وفي الكمبيوتر والأجهزة الحديثة في الخارج الآن بصمة صوتية. فهذه الأشياء ليست لمجرد التسلية، ولا ينبغي أن نهجرها، فالإنسان يحاول أن يتعمق فيها بنية التعبد والتفكر في خلق الله سبحانه وتعالى، ادرس واقرأ في علم الفضاء وفي علم النبات وفي علوم الحيوان وفي علوم الطب وفي غير ذلك من العلوم التي تكشف آيات الله سبحانه وتعالى، حتى علوم الهندسة نفسها، إذا تأملت في علوم الذرة وتركيب المادة والقوانين التي تحكمها تجد أشياء تبهر العقول، وتنطق كلها بأن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له. يقول الرازي: وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكماً بالغة وأسراراً عجيبة، وأن الله تعالى أودع فيها قوىً جاذبة لغذائها من قعر الأرض. حتى الآن لم يستطيعوا أن يجزموا بنظرية تفسر لنا كيف يصل الغذاء من التربة إلى كل أجزاء النبات؟! بل كلها احتمالات. ثم إن ذلك الغذاء يسمونه القوة والجاذبية الأرضية، فهم لا يريدون أن يعترفوا بقدرة الله سبحانه وتعالى، فتراهم يشمئزون من ذكر الله، ويقولون: لو افترضنا أن هناك مغناطيساً داخل الكرة الأرضية، والقطب الشمالي أعلى والقطب الجنوبي أسفل، وعلى هذا الأساس وجدوا أن كل الظواهر تفسر تفسيراً صحيحاً طبقاً لهذا. يقول الرازي: ثم إن ذلك الغذاء يجري في تلك العروق حتى يتوزع على كل جزء من أجزاء تلك الورقة، بتقدير العزيز العلم. ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلق تلك الورقة لعجز عنه، فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلق تلك الورقة الصغيرة، فحينئذٍ يقيس تلك الورقة على الشمس والقمر والنجوم، والأرض مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، حينها سيعلم أن تلك الورقة بالنسبة إلى هذه الأشياء كالعدم، فإذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير عرف أنه لا سبيل له البتة إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله في خلق السماوات والأرض. وإذا عرف بهذا البرهان النير قصور عقله وفهمه عن الإحاطة بهذا المقام لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجل وأعظم من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين. يقول: إذا عجز عن الورقة فالأولى ألا يعرف شيئاً عن السماوات والأرض والجبال والكواكب وغير ذلك. ثم يقول: بل يسلم أن كل ما خلقه الله ففيه حكم بالغة وأسرار عظيمة، وإن كان لا سبيل إلى معرفتها، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ((رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا)) وكلمة: (هذا) متضمنة لضرب من التعظيم يعني: ما خلقت هذا المخلوق البديع العظيم الشأن عبثاً عارياً عن الحكمة خالياً عن المصلحة، بل منتظماً بحِكَمٍ جليلة ومصالح عظيمة، من جملتها: أن يكون دلالة على معرفتك، ووجوب طاعتك، واجتناب معصيتك، وأن يكون مداراً لمعايش العباد، ومناراً يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد. قوله: (سبحانك) أي: تنزيهاً لك من العبث من أن تخلق شيئاً بغير حكمة. (فقنا عذاب النار) فيه استحباب هذا الذكر عند النظر إلى السماء، ((ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار)) وفيه تعليم العباد كيفية الدعاء، ففي الدعاء تقدم الثناء على الله سبحانه وتعالى، فعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: (سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاته لم يمجد الله تعالى، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم -يعني: إذا دعا- فيبدأ بتحميد ربه سبحانه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعد بما شاء) وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وصححه. واعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى، وأبدانهم في طاعة الله، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار، مع أنهم يأتون بكل هذه الأشياء التي سبق ذكرها، وهو أنهم يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض إلى آخره، لكنهم مع ذلك وجلون خائفون من عذاب الله تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته)
تفسير قوله تعالى: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) قال تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [آل عمران:192]. ((فقد أخزيته)) أي: أهنته، وأظهرت فضيحته لأهل الموقف، وسر إتباع الدعاء بوصف شدة النار هو عظم موقع السؤال؛ لأن من سأل ربه حاجة وعرف عظمها وقوتها كانت داعيته في ذلك الدعاء أكمل، وإخلاصه في طلبه أشد. ((وما للظالمين من أنصار)) أي: ليس لهم من ينصرهم ويقوم بتخليصهم. وصرح بكلمة الظالمين للإشعار بتعليل دخولهم النار، وأنه كان بسبب ظلمهم ووضعهم الأشياء في غير مواضعها. ((من أنصار)) ليس معناها إمكان وجود نصير، ولكن جمع الأنصار نظراً لجمع الظالمين، والمقصود من الآية: ((وما للظالمين من أنصار)) أي: ما لظالم من الظالمين نصير من الأنصار. والمراد أيضاً أنه لا يوجد أحد ينصر هؤلاء بالمدافعة والقهر، بل من يشفع مثلاً في أهل الذنوب إنما يكون بإذن الله تبارك وتعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة:255] وإن قلنا: إن المقصود بالظالمين هم الكافرون فليس في الآية دلالة على نفي الشفاعة.
تفسير قوله تعالى: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان)
تفسير قوله تعالى: (ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان) قال تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ} [آل عمران:193]. كلمة (ربنا ربنا) جاءت خمس مرات في هذه الآيات، لإظهار كمال الضراعة والابتهال. ((سَمِعْنَا مُنَادِيًا)) المراد بالمنادي: الرسول صلى الله عليه وسلم، والنون هنا للتفخيم: ((سَمِعْنَا مُنَادِيًا))، وهذا كقوله: {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب:46]. وفي وصفه صلى الله عليه وسلم بالمنادِي دلالة على كمال اعتنائه بشأن الدعوة وتبليغها إلى الداني والقاصي، لما فيه من الإيذان برفع الصوت: ((مُنَادِيًا يُنَادِي)) فهذا فيه مدح للنبي صلى الله عليه وسلم: أنه استغرق طاقته كلها في دعوة الداني والقاصي إلى الإسلام، وأمته خليفة له في أداء هذه المهمة: ((رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي))، ينادي: يبلغ الناس، وبقدر استطاعته يوصل صوته ودعوته إلى القاصي والداني. ((يُنَادِي لِلإِيمَانِ)) يعني: ينادي لأجل الإيمان بالله، والمقصود أو الفائدة في الجمع بين: ((مُنَادِيًا يُنَادِي)) (للإيمان) أنه ذكر النداء مطلقاً، ثم قيده بالإيمان تفخيماً لشأن المنادي؛ لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان؛ لأن المنادي يمكن أن يكون منادياً إلى الحرب، منادياً إلى الانتقام إلى الثأر إلى بعض المنافع، فلا منفعة أعظم من النداء للإيمان. ((مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ))، فهو أشرف ما ينادى به. ((أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا)) أي: فامتثلنا أمره، وأجبنا نداءه. ((رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا)) أي: استر لنا ذنوبنا ولا تفضحنا بها. ((وكفر عنا سيئاتنا)) التكفير بمعنى التغطية، يكفر البذر يعني: يغطيها بالتراب، والمعنى: أذهب عنا سيئاتنا بتبديلها حسنات. ((وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ)) أي: معدودين في جملتهم حتى نكون في درجتهم يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك)
تفسير قوله تعالى: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) قال تعالى: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران:194]. يعني: ما وعدتنا على تصديق رسلك والإيمان بهم، أو المقصود: ما وعدتنا: على ألسنة رسلك، وهو الثواب. ((وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ))، المقصود هنا ما ذكر في قوله تعالى: {يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التحريم:8].
تفسير قوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم)
تفسير قوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم) قال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران:195] ((فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي)) يعني: بأني ((لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ)) أي: الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر. (منكم) وهذه الجملة معترضة مبينة سبب شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله عباده العاملين في الآخرة من ثواب الأعمال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما النساء شقائق الرجال). روى الحافظ سعيد بن منصور في سننه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (يا رسول الله! لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله تعالى: ((فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ)) إلى آخر الآية)، ((فَالَّذِينَ هَاجَرُوا)) أي: من أوطانهم فارّين إلى الله بدينهم من دار الفتنة. ((وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ)) أي: التي ولدوا ونشئوا فيها. ((وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي))، أي: سبيل الإيمان بالله وحده، وهو متناول لكل أذى نالهم من المشركين. ((وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا)) أي: غزوا المشركين، واستشهدوا. ((لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ))، هذه جملة قسمية. ((وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) أي: تجري من تحت قصورها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن، وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ((ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)).
تفسير قوله تعالى: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد)
تفسير قوله تعالى: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد) قال تعالى: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ} [آل عمران:196] بين تعالى قبح ما أوتي الكفرة من حظوظ الدنيا، وكشف عن حقارة شأنها وسوء مغبتها إثر بيان حسن ما أوتي المؤمنون من الثواب، ثم قال مباشرة: ((لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ)). إذا كنت تحيا من أجل الجنة، ومن أجل أن تنال هذا الثواب من تكفير السيئات وتزحزح عن النار، وتخلد في جنات النعيم، وقد صبرت في سبيله على الأذى وهاجرت، فلا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، أي: لا تغتر بتصرفهم فيها بالمتاجر والمكاسب، ولا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق ودرك العاجل، أو ما هم عليه في البلاد من كل المظاهر التي تغر الناس، وكذلك افتتانهم بأحوال الكفار، خاصة أن هذه الأحوال التي تفتنهم إنما هي في الدنيا، والكفار الذين فتن بهم هؤلاء ليسوا أفضل منا في الدين قطعاً، لكن قد يكونون أفضل منا في الدنيا، وكذلك في بعض الأمور التي يفخر بها هؤلاء المفتونون بهم، ولكن حالهم في الدين أن ما بينهم وبين الله خراب، فلا خير فيهم؛ فلذلك لا يغرنك هذه المظاهر: ((لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ)) لأن ما لديهم ((مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ)) كما قال بعض السلف: (لا خير في نعيم بعده النار، ولا شر في بلاء بعده الجنة، وكل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار عافية) فهذه مقاييس لأولي الألباب ولأولي العقول.
تفسير قوله تعالى (متاع قليل ثم مأواهم جهنم)
تفسير قوله تعالى (متاع قليل ثم مأواهم جهنم) قال تعالى: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران:197]. أي: هو متاع قليل لقصر مدته، وكونه بلغة فانية ونعمة زائلة، فلا قدر له في جانب ما أعد الله للمؤمنين. جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثلما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع؟!) ((ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ)) مصيرهم الذي يعودون إليه. ((وَبِئْسَ الْمِهَادُ))، أي: الفراش.
تفسير قوله تعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات)
تفسير قوله تعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات) قال تعالى: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ} [آل عمران:198]. النزل: هو ما يهيأ للضيف من منزل وما يقدم له من إكرام. ((وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ)) يعني: مما يتقلب به الفجار من المتاع القليل الزائل، فخيرٌ للأبرار أن يشعروا بأن أعمال البر هي التي جلبت لهم هذا الخير. ورد في البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو في مشربة له -أي: مكان عال- متكئ على حصير، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وعند رجليه قرظ، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هم فيه، وأنت رسول الله! فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟). وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (ما من نفس برة ولا فاجرة إلا الموت خير لها، لئن كان براً، لقد قال الله تعالى: ((وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ)). أي: إن كان من الأبرار وانتقل إلى الدار الآخرة، فما عند الله خير وأفضل للأبرار من الدنيا، ولكن إن كان كافراً أو فاجراً فكيف يكون الموت خيراً له؟! إنه إذا كان مصراً على كفره فكلما امتد أجله زادت جرائمه، وبالتالي زاد استحقاقه للعذاب؛ ولذلك قرأ ابن مسعود رضي الله عنه قوله تعالى: ({وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران:178]). وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (ما من مؤمن إلا والموت خيرٌ له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ}، ويقول: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران:178])
تفسير قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله)
تفسير قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله) قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران:199]. هذه جملة مستأنفة لبيان أن أهل الكتاب ليس كلهم كمن حكيت من قتل الأنبياء، ومن نبذ الميثاق وتحريف الكتاب وغير ذلك: ((وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)) يعني: بعض أهل الكتاب ليسوا بنفس الصفة التي سبق ذكرها، بل منهم طائفة يؤمنون بالله حق الإيمان، ويؤمنون بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة وهم خاشعون لله أي: مطيعون له، خاضعون متذللون بين يديه. ((لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً)) أي: لا يكتمون ما بأيديهم من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هوداً أو نصارى. لا يكون الإنسان في خير إلا إذا أسلم، لا يتصور أن القرآن يمدح أناساً لا يستحقون، كما يفعل بعض المنافقين الذين يأتون بأمثال هذه الآيات لمداهنة الكفار فيقولون: القرآن يمدحهم بكذا، وهذا يصور أن القرآن فيه تناقض، إذ كيف تصفهم آيات بالكفر ثم تمدحهم؟! نقول: إن الذين يمدحهم القرآن هم الذين آمنوا منهم بنبيهم حين كان مبعوثاً إليهم، أو آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ممن أدركوا بعثته. وبعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم سدت جميع الطرق المؤدية إلى الجنة، ما عدا طريقاً واحداً على رأسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن يدخل أحد الجنة إلا إذا اتبع طريقه وأسلم لله سبحانه وتعالى، يقول تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص:52 - 54]، وقال تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف:159]، وهذه هي الطائفة الناجية. وقال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران:113]، وهذه الصفات توجد في اليهود ولكن قليلاً، تجد عدد اليهود الذين يسلمون دائماً قليلين بالنسبة إلى عدد النصارى، كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:82 - 85]، وهكذا قال هنا: ((أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)). ومعروف أن جعفر بن أبي طالب لما قرأ سورة مريم بحضرة النجاشي، وعنده البطارقة والقساوسة بكى وبكوا معه حتى أخضبوا لحاهم، وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وصلى عليه. فالمقصود من قوله تبارك وتعالى: ((وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ)) يعني: مسلمة أهل الكتاب الذين يؤمنون بالله تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا) قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:200]. ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا)) يعني: اصبروا على مشاق الطاعات، وما يمسكم من المكاره والشدائد. ((وصابروا)) أي: غالبوا أعداء الله بالصبر على شدائد الجهاد، لا تكونوا أقل منهم صبراً وثباتاً. ذكر المصابرة بعد الصبر مما يدل على شدته وصعوبته. ((وَرَابِطُوا)) أي: أقيموا على المرابطة والغزو في سبيل الله، وذلك بالترصد والاستعداد لحرب الأعداء، وكذلك برباط الخيل كما قال تعالى: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60]. والأصل في الربط أو الرباط هو أن يربط كل من الفريقين خيولهم في الثغور، وكل معد لصاحبه، ثم صار لزوم الثغر رباطاً، مثل المناطق الساحلية -مثلاً- التي يمكن أن يغزى المسلمون من خلالها، وربما سميت الخيل نفسها رباطاً. وقد وردت الأحاديث بالترغيب في الرباط في سبيل الله وذكر فضله وأجره، منها: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها) أي: أن يقف في موقعه يحرس الثغر أو بلاد المسلمين. وقال صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذين كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان)، يعني: أمن فتنة القبر وعذاب القبر، فأحد أسباب النجاة من فتنة القبر: هو أن يموت مرابطاً في سبيل الله تبارك وتعالى. ويقول صلى الله عليه وسلم: (كل ميت يختم على عمله -أي: ينتهي عمله بموته- إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر). وقيل أيضاً: ((رابطوا)) يدخل في معناها انتظار الصلاة بعد الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط). عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (أقبل عليّ أبو هريرة رضي الله عنه يوماً فقال: أتدري يا ابن أخي فيم نزلت هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا))؟ قلت: لا. قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه؛ ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة) يعني: لم يكن هناك ثغور في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية، ولم تكن البلاد قد فتحت، حتى يرابطوا ويحرسوا هذه الثغور، ولكنها نزلت في قوم كانوا يعمرون المساجد ويصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم أنزلت: ((اصبروا)) أي: على الصلوات الخمس، ((وصابروا)) أي: أنفسكم وهواكم، ((ورابطوا)) في مساجدكم ((وَاتَّقُوا اللَّهَ)) فيما عليكم، ((لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) أي: تفوزون. (ولعل) لتغييب المآل، لئلا يتكلوا على الآمال، أي حتى لا يقطع لهم بالفلاح فيتكلوا في هذه الحالة على مجرد الآمال.
فضل خواتيم سورة آل عمران
فضل خواتيم سورة آل عمران نختم الكلام في تفسير هذه السورة الكريمة بذكر بعض ما ورد من فضائلها: فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بت عند خالتي ميمونة فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء، فقال: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ))، ثم قام فتوضأ واستن -يعني: تسوك- ثم صلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح) وهكذا رواه مسلم. ورواه البخاري بطريق أخرى: (حتى إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من منامه، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران). وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ صلاته، قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة العشاء الأخيرة، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيري، قام فمر بي، فقال: من هذا عبد الله؟ قلت: نعم، قال: فمه؟ قلت: أمرني العباس أن أبيت بكم الليل، فقال: الحق، فلما دخل قال: افرش عبد الله، فأتى بوسادة من مسوح، قال: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها حتى سمعت غطيطه، ثم استوى على فراشه قاعداً، قال: فرفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الملك القدوس، ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها) وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة بعدما مضى ليل، فنظر إلى السماء وتلا هذه الآية: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) إلى آخر السورة، ثم قال: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن بين يدي نوراً، ومن خلفي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، وأعظم لي نوراً يوم القيامة).
النساء [1 - 4]
تفسير سورة النساء [1 - 4]
مقدمة في فضل سورة النساء ووقت نزولها وسبب تسميتها بالنساء
مقدمة في فضل سورة النساء ووقت نزولها وسبب تسميتها بالنساء نشرع بإذن الله في تفسير سورة النساء، وقد روى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نزلت سورة النساء بالمدينة)، وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت، وقد زعم النحاس أنها مكية، مستنداً إلى أن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58]، نزلت بمكة اتفاقاً في شأن مفتاح الكعبة، وهذا المستند واهٍ، يعني: الاستناد إلى أن هذه الآية نزلت في مكة غير صحيح، حتى لو صح أن هذه الآية نزلت بمكة؛ لأنه يمكن أن تكون السورة مدنية وتكون فيها آية أو آيتان أو أكثر نزلت في مكة، خصوصاً أن الأرجح أن ما نزل بعد الهجرة فهو مدني، وما نزل قبل الهجرة فهو مكي، حتى لو كان هذا الذي نزل بعد الهجرة في خارج المدينة أو في مكة نفسها كهذه الآية. فحد المكي والمدني: أن ما نزل بعد الهجرة يكون مدنياً بغض النظر عن مكانه، ومن راجع أسباب نزول آياتها عرف الرد عليه، حيث تم فتح مكة في سنة ثمان من الهجرة، والقصة معروفة وسيأتي عليها الكلام إن شاء الله. ومما يرد عليه أيضاً ما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عند النبي صلى الله عليه وسلم) ودخول النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها كان بعد الهجرة اتفاقاً، وقيل: نزلت عند الهجرة. وآياتها مائة وسبعون وخمس، وقيل: وسبع، كذا في الإتقان. وروى الحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، الآية الأولى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:40]. الآية الثانية: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء:31]. الثالثة: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء:48]. الرابعة: قوله تبارك وتعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء:64]). وروى عبد الرزاق عنه أيضاً قال: (خمس آيات من النساء لهن أحب إليّ من الدنيا جميعاً: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء:31] إلى آخر الآية، وقوله: {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} [النساء:40]، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48]، وقوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:110]). وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (ثمان آيات نزلت في سورة النساء خيرٌ لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولهن: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء:26]. الثانية: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء:27]. الثالثة: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28])، ثم ذكر قول ابن مسعود سواءً في الخمسة الباقية. وسميت هذه السورة سورة النساء؛ لأن ما نزل منها في أحكام النساء أكثر مما نزل في غيرها.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
حقيقة التقوى وموجباتها
حقيقة التقوى وموجباتها ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)) أي: اخشوا أن تخالفوه فيما أمركم به أو نهاكم عنه، ثم نبههم على اصطفائه بكمال القدرة الباهرة، لتأييد الأمر بالتقوى، يعني: ما صفات هذا الإله سبحانه وتعالى الذي أنتم مأمورون باتقائه، قال عز وجل: ((الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ))، يعني: فرعكم من أصل واحد وهو نفس أبيكم آدم، وهذا مما يدل على القدرة العظيمة، ومن قدر على هذا كان قادراً على كل شيء، ومنه عقابهم على معاصيهم، فالنظر فيه يؤدي إلى الاتقاء من موجبات نقمته. كذلك أيضاً قوله سبحانه وتعالى: ((الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)) إلى آخر الآية، فإنها تعني: أنه سبحانه أهل لأن يتقى؛ لأنه هو الذي خلقنا من نفس واحدة، وخلق منها زوجها إلى آخره. كذلك أيضاً: جعله تعالى إيانا صنواناً مفرعة من أرومة واحدة، أي: أن أصلنا واحد وهو آدم عليه السلام، فمن موجبات هذا أن نحترز عن الإخلال بما أمرنا بمراعاته فيما بيننا من حقوق الأخوة، ومن صلة الأرحام، فحق هذه الأخوة أن تراعى حقوقها، وحق هذه الأرحام أن توصل، كذلك رعاية حال الأيتام، والعدل في النكاح، فهذه كلها من الحقوق التي تستوجبها هذه الرابطة التي تربطنا بني البشر بعضنا ببعض، سيما إذا وجدت معها الرابطة الإيمانية، ولو لم توجد الرابطة الإيمانية، فمعروف أن للأرحام حرمة، والعدل يكون محموداً مع كل الناس سواء اليتامى أو الزوجات. هذا كله مما يتفرع عن ثبوت هذه الرابطة النسبية في عودتنا جميعاً إلى أصل واحد وهو آدم عليه السلام، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه أولئك النفر من مضر، وهم مجتابو النمار -أي: من عريهم وفقرهم- قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} حتى ختم الآية، ثم قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر:18]، ثم حضهم على الصدقة، فقال: تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره)، إلى آخر الحديث. كذلك أيضاً صح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في حديث خطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقولها بين يدي كلامه وخطبه وحاجته، كان يقرأ ثلاث آيات وهذه الآية منها: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)) إلى آخر الآية. ((وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)) أي: من نفسها وهي حواء عليها السلام. لم يجعل الله سبحانه وتعالى الزوجات من خارج أنفسنا؛ لأن ذلك يتنافى مع ما يقتضيه الزواج من السكينة والمودة والرحمة، كما قال تبارك وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [الروم:21] يعني: من جنس البشر، فالإنسي لا يتزوج بجنية والجني لا يتزوج بإنسية. ثم قال تعالى: ((وَبَثَّ مِنْهُمَا)) أي: نشر من تلك النفس وزوجها المخلوقة منها عن طريق التوالد والتناسل: ((رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)) أي: كثيرة، هنا ترك التصريح بصيغة الكثرة في حق النساء للاكتفاء بالوصف المذكور؛ لأنها تفهم من السياق: وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء كثيرة.
صلة الأرحام حكمها وفضلها
صلة الأرحام حكمها وفضلها ((وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ)) تكرار للأمر بالتقوى، وتذكير بشيء آخر من موجبات الامتثال له؛ فإن سؤال بعضهم بعضاً بالله تعالى من موجبات تقوى الله سبحانه وتعالى، أي: اتقوا الله الذي أنتم جميعاً تعرفون قدره وتعظمونه تبارك وتعالى، حيث أن بعضكم حينما يريد أن يستعطف البعض الآخر، فإنه يقول: أسألك بالله، أو أنشدك بالله؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو أعظم شيء عند المؤمن؛ وذلك لأنكم تعظمون الله في أيمانكم هذه فينبغي أيضاً أن تتقوه. ((وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ)) أصلها (تتساءلون) فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً. وقرئت بإدغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس. وقرئ (تسألون به) يعني من الثلاثي يعني: (تسألون به غيركم) وقد فسر به القراءة الأولى والثانية. وحمل صيغة التفاعل (تساءلون به) على اعتبار الجمع، كما في قولك: إذا كنت وحيداً تقول: رأيت الهلال، أما إذا كنتم مجموعة فتقولون: تراءينا الهلال، لكن صيغة تراءى تفاعل، تكون في الجمع فكذلك هنا؛ لأنكم جميعاً تسألون الله فلذلك عبر بصيغة التفاعل (تساءلون به) أو (تتساءلون به). ((وَالأَرْحَامَ)) قرأها حمزة بالجر عطفاً على الضمير المجرور (به) أي: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ) أي: (الذي تتساءلون به وبالأرحام) لأن عادة العرب أنهم كانوا يناشدون بعضهم بعضاً بالله والرحم، يعني: وأسألك بالرحم. أما باقي القراء غير حمزة فإنهم قرءوها بالنصب عطفاً على لفظ الجلالة: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ))، يعني: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، فإن قطيعتها مما يجب أن يتقى، قرن الله عز وجل صلة الرحم باسمه الجليل دلالة على خطورة وأهمية صلة الرحم، كما في قوله تعالى: {لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة:83]؛ لأن الوالدين أقرب الرحم، وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} [النساء:36]، وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني، قطعه الله)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة قاطع -يعني: قاطع رحم-). وقال أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها). وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه)، والأحاديث في الترغيب بصلة الرحم، والترهيب من قطيعتها كثيرة.
حكم المسألة بالله تبارك وتعالى
حكم المسألة بالله تبارك وتعالى هذه الآية تدل على جواز المسألة بالله تبارك وتعالى، ووجه ذلك: أنه تعالى أقرهم على هذا التساؤل: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ)). أما من أداه التساؤل باسمه تعالى إلى التساهل في شأنه وجعله عرضة لعدم إجلاله فهذا محظور قطعاً، كما قال تعالى: {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة:224]، على أحد التفسيرين. إذاً لا ينبغي امتهان اسم الله عز وجل بأن تدخله في كل صغيرة وكبيرة وفي الأمور الحقيرة، أو الأمور التي ليس فيها تعظيم، بل اجعل اسم الله والحلف باسم الله في الأمور العظيمة التي لها شأن. فهذا هو الذي يحمل عليه الحديث الوارد بلعن من سأل بوجه الله (ملعون من سأل بوجه الله). ومن الأدلة على جواز السؤال بالله قوله صلى الله عليه وسلم: (من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه) والشاهد هنا قوله: (من سألكم بالله فأعطوه) لذلك فإن المتسولين إذا عرفوا هذا الحكم ظفروا به، وقد يخشى أن يسيئوا استخدامه، فإنه إذا سألك السائل بوجه الله فيجب عليك قطعاً أن تعطيه، وأن تجيبه تعظيماً لاسم الله تبارك وتعالى: (من سألكم بالله فأعطوه) لا ترده بأي حال من الأحوال. وعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: (من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بوجه الله فأعطوه). وعن ابن عمر مرفوعاً والحديث ضعيف: (من سئل بالله فأعطى كتب له سبعون حسنة). وفي البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع وذكر منها: وإبرار القسم)، يعني: إذا أقسم عليك أخوك أن تبرئ قسمه. وعن جابر رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: (لا يسأل بوجه الله تعالى إلا الجنة)، المقصود: من سأل بوجه الله في غير بر، أو وصولاً إلى مصالح دنيوية، أو كان ذلك على غير سبيل التعظيم والإجلال. روى الطبراني عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً: (ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله، ما لم يسأل هجراً) أي: ما لم يسأل أمراً قبيحاً لا يليق وهذا الحديث فيه كلام. وفي الحديث أيضاً: (شر الناس رجل سئل بوجه الله ولم يعط). قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا))، أي: مراقباً لجميع أحوالكم وأعمالكم فهو يراها ويعلمها، كما قال تعالى: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} [يونس:61] وكما قال تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة:6]، وفي الحديث: (اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). يقول السيوطي رحمه الله: سورة النساء مدنية وآياتها مائة وخمس أو ست أو سبع وسبعون آية. ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)) أي: أهل مكة. ((اتَّقُوا رَبَّكُمُ)) أي: عقابه بأن تطيعوه. ((الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)) آدم. ((وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)) حواء، بالمد، خلقها من ضلع من أضلاعه -أي: أضلاع آدم- اليسرى. ((وَبَثَّ)) أي: فرق ونشر ((مِنْهُمَا)) أي: من آدم ومن حواء. ((رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)) كثيرة. (واتقوا الله الذي تسَّاءلون) -بتشديد السين- فيه إدغام التاء في السين، وفي قراءة بالتخفيف بحذفها أي: (تساءلون). (به) أي: فيما بينكم، حيث يقول بعضكم لبعض: أسألك بالله، وأنشدك بالله. ((وَالأَرْحَامَ)) (و): واتقوا (الأرحام) أن تقطعوها، وفي قراءة بالجر عطفاً على الضمير في (به) وكانوا يتناشدون بالرحم. ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)) أي: حافظاً لأعمالكم فيجازيكم بها، أي: لم يزل متصفاً بذلك. (كان) في مثل هذا الموضع تفيد الاستمرار، ولا تفيد التعبير عن الماضي ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)) أي: وما زال عليكم رقيباً.
تفسير قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب)
تفسير قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) قوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء:2].
حقوق اليتامى في الإسلام
حقوق اليتامى في الإسلام (وآتوا اليتامى أموالهم) هنا شرع في تفصيل موارد التقوى ومظانها بعد الأمر بها، وقد قدم ما يتعلق باليتامى لإظهار كمال العناية بأمرهم، ولملابستهم بالأرحام، إذ الخطاب للأولياء والأوصياء، وقلما تفوّض الوصايا إلى الأجانب، بل الغالب أن الأولياء الذين يلون شئون اليتامى بعد موت آبائهم إنما يكونون من الأقارب كعمه أو جده. واليتامى لو طبقت تعاليم الإسلام في حقهم، لكانوا أعظم أو أرقى أو أغنى أو أرفه طبقة في المجتمع، فالإنسان له أب واحد، أما اليتيم فمقتضى الشرع أن المسلمين جميعاً مسئولون عنه ويحسنون إليه، ويلون أمره، فكأن كل المسلمين حوله بدلاً عن أبيه، ومع ذلك نرى ما نراه في واقعنا الآن للأسف الشديد. إن الله سبحانه وتعالى كما تلاحظون هنا قرن الكلام في حقوق اليتامى بحقوق النساء، كما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إني أحرج عليكم حق الضعيفين: اليتيم، والمرأة) يعني: أنتم في حرج إن ضيعتم حق هذين الضعيفين. فالخطاب هنا للأولياء.
تعريف اليتم لغة وشرعا
تعريف اليتم لغة وشرعاً اليتيم هو من مات أبوه، وهو من اليتم، ويعني: الانفراد؛ ولذلك يقولون (الدرة اليتيمة) أي: التي لا نظير لها، أو التي لا أخت لها. فاليتم لغة: الانفراد. أما من حيث الشرع فاليتيم هو: الذي مات أبوه ولم يبلغ الحلم، أما بعد الاحتلام فلا يعد يتيماً بعد احتلام، لكن هذا هو أصل الوضع اللغوي. والقياس الاشتقاقي يقتضي وقوعه على الصغار والكبار، وقد خصه الشرع بمن لم يبلغ الحلم، كما روى أبو داود بإسناد حسن عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتم بعد احتلام).
الأوجه المستنبطة من قوله: (وآتوا اليتامى أموالهم)
الأوجه المستنبطة من قوله: (وآتوا اليتامى أموالهم) هذه الآية: ((وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)) فيها وجوه: الوجه الأول: أن المراد باليتامى: الكبار الذين ألفي منهم رشداً، هذه إحدى الصور التي يطلق عليها المجاز الذي هو باعتبار ما كان من قبل. إذا قلنا: إن اليتيم بالمعنى الشرعي هو: الذي مات أبوه ولم يبلغ الحلم؛ إذا بلغ الحلم يزول عنه وصف اليتم، فبناءً على هذا المذهب، فإن المقصود باليتامى هم الكبار؛ لأن الأموال تؤتى لليتامى إذا كبروا وبلغوا سن الرشد، ويكون البلوغ والرشد معاً. عبر هنا باليتامى باعتبار الصفة التي كانت من قبل، مع أنهم الآن ليسوا يتامى، وهذا مثل قوله تبارك وتعالى: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} [الشعراء:46]. والمقصود: الذين كانوا سحرة منذُ وقت قريب؛ لأنه لا سحر مع السجود لله، فهم قد تابوا من السحر {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ} [طه:73] هذا باعتبار ما كان. فالإشارة هنا بقوله: (وآتوا اليتامى) إلى وجوب المسارعة إلى دفع أموالهم متى بلغوا وآنستم منهم رشداً. إذاً: الله سبحانه عبر عنهم بوصف اليتامى مع أنه قد زال عنهم هذا الوصف، فآثر هذا التعبير باعتبار أن العهد باليتم كان قريباً جداً. الوجه الثاني: ((وَآتُوا الْيَتَامَى)) أن المراد بهم: الكبار حقيقة، فتكون واردة على أصل اللغة، بمعنى أن اليتيم في اللغة: من مات أبوه وانفرد عنه، بغض النظر صغيراً كان أم كبيراً، وهذا الوجه مبني على أصل اللغة. الوجه الثالث: ((وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)) المقصود بهم: اليتامى الصغار، والمراد بالإيتاء هو ما يدفعه الأولياء والأوصياء إليهم من النفقة والكسوة زمن الوصاية عليهم، وليس المقصود دفع المال كله إليهم، وهذا الوجه في التفسير بعيد. الوجه الرابع: (وآتوا اليتامى أموالهم) المقصود بهم اليتامى الصغار، والمعنى أن ينفقوا عليهم وألا يطمع في الأموال الأولياء والأوصياء، وأن يكفوا عنها أيديهم الخاطفة حتى إذا ما بلغوا ورشدوا تؤتى إليهم أموالهم كاملة غير منقوصة، هذا هو الوجه الرابع.
صور إتلاف مال اليتيم وأكلها وحكمها
صور إتلاف مال اليتيم وأكلها وحكمها قوله تعالى: ((وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ)) أي: لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم، وما أبيح لكم من المكاسب التي أحلها الله من الأبواب الطبية. عندكم فرص كثيرة استثمروا أموالكم أو ازرعوا أو اصنعوا أو اتجروا، ولا تضيقوا على أنفسكم بأن تعتدوا على أموال اليتامى التي هي خبيثة في حقكم وحرام عليكم وأنتم قادرون على الطيبة. ((وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ))، نهي عن منكر آخر كانوا يتعاطونه، وهو أنهم كانوا يأكلونها مضمومة إلى أموالهم مخلوطة بها للتوسعة. في الصورة السابقة يعمد المرء إلى مال اليتيم ويستولي عليه ويأكله ظلماً. ((إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا))، (إنه) الهاء هنا تعود إلى أكل أموال اليتامى. ((كَانَ حُوبًا)) أي: ذنباً عظيماً ((كَبِيرًا)) مبالغة في بيان عظم ذنب الأكل المذكور. قوله تعالى هنا: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} قال بعض العلماء: إن هذا العموم مخصوص بالوصي الفقير، فإذا كان الوصي يعمل في مال اليتيم فله أن يأخذ أجرة المثل، أو كان العامل فيه أجنبياً فله أن يعطيه من مال اليتيم أجرة المثل، وليس هذا من أكل مال اليتامى ظلماً؛ لأن الله تعالى قال: {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:6]. يقول السيوطي: عندي أنه لا حاجة إلى تخصيص هذا النهي بالفقير في هذه الآية؛ لأن الآية هنا في الغني، وذلك قوله تعالى: ((وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)) أي: أنهم ذوو أموال. يقول السيوطي: ((وَآتُوا الْيَتَامَى)) أي: الصغار أموالهم إذا بلغوا. ((وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ)) أي: الحرام ((بِالطَّيِّبِ)) أي: الحلال، لا تأخذوه بدله، كما تفعلون من أخذ الجيد من مال اليتيم وجعل الرديء من مالكم مكانه. ((وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)) أي: مضمومة إلى أموالكم. (إنه): أي: أصلها. (كان حوباً) أي: ذنباً. (كَبِيرًا) أي: عظيماً.
تفسير قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى)
تفسير قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) يقول تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا} [النساء:3] (خفتم) بمعنى علمتم. وقال بعض العلماء: الخوف هنا معناه: الخشية. وإليك شاهد لغوي للمعنى الأول الذي هو بمعنى العلم، يقول أبو محجن الثقفي: إذا مت فادفني إلى جنب كرمة يروي عظامي في الممات عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت ألا أذوقها فقوله: (أخاف) أي: أعلم. وهذا الشاهد اللغوي موجود في أضواء البيان. {أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء:3] المقصود باليتامى هنا: يتامى النساء. قال الزمخشري ويقال للإناث: اليتامى كما يقال للذكور، وهو جمع يتيمة على القلب، كما قيل: (أيامى) والأصل (أيائم) ويتائم. فحصل قلب فصارت يتامى. {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:3] أي: من طبن لنفوسكم من جهة الجمال والحسن والعقل والصلاح منهن. ((مَا طَابَ لَكُمْ))، عبر هنا بـ (ما) التي هي لغير العاقل؛ لأنه يجوز التعبير بـ (ما) عن العاقل إذا أريد بها الصفة، تقول: ما زيد؟ يعني: هل هو رجل فاضل؟ هل هو رجل كريم أم بخيل؟ فإذا كان الكلام لبيان الصفة، فيجوز استعمال (ما) للعاقل كما في قوله: (فانكحوا ما طاب لكم) المقصود هنا أن (ما) صفة. هذه الآية دليل على أنه يجوز للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، إذ كانت هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى تطيب له إذا رآها. كذلك يستفاد هذا المعنى من آية أخرى في القرآن الكريم وهي قوله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} [الأحزاب:52]، وهذا لا يكون إلا بعد النظر. وهناك إشارة ضمنية في قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور:30] (من) هنا تبعيضية؛ لأن هناك بعض الحالات يجوز فيها إطلاق البصر كحالة إرادة الزواج. {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3] أي: إن خفتم يا أولياء اليتامى ألا تعدلوا فيهن إذا نكحتموهن بإساءة العشرة أو بنقص الصداق، فانكحوا غيرهن من الغريبات، فإنهن كثيرات، ولم يضيق الله عليكم. هذه الآية جاءت للتحذير من التورط في الجور عليهن، والأمر هنا في قوله: ((فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)) سوى اليتامى. ((فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ)) أي: اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، ففي غير يتامى النساء متسع إلى الأربع. روى البخاري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: (أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق -يعني: نخلة- وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء:3]، أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله). وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها: (هي اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثلما يعطيها غيره، فنهو عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن). قال عروة: قالت عائشة: (وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال قالت عائشة: فنهو أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كنّ قليلات المال والجمال). روى أبو داود رحمه الله تعالى عن ربيعة في قوله تعالى: ((وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا))، قال: أي اتركوهن إن خفتم ألا تقسطوا فقد أحللت لكم أربعاً. قوله تعالى: (ما طاب لكم) (ما) موصولة، وجاء بـ (ما) مكان (من)؛ لأنهما قد يتعاقبان فيقع كل واحد منهما مكان الآخر، يعني: أحياناً قد يعبر عن العاقل بـ (ما) كما يعبر عنه بـ (من) كما في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس:5]، والمعنى: (ومن بناها) وقوله تعالى: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون:3]، وقال تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} [النور:45] هنا التعبير عن غير العاقل، لكن عبر عنه بـ (من) لأنهما يتعاقبان. قال بعضهم: وحسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء وهن ناقصات العقول. إن في إيثار الأمر بنكاح غير اليتامى من النساء عن نكاح اليتامى مزيد لطف في استنزالهم لذلك؛ لأن الآية لو قالت: (لا تنكحوا اليتامى) كان فيها نهي، فالنفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه. ولذلك فهذه الآية قد حفت بالمرغبات لهن في غير اليتامى، حيث وصف النساء عدا اليتامى بقوله: (ما طاب) وهذا كما قلنا: فيه نوع من الحث والترغيب والاستمالة بعيداً عن اليتامى؛ حتى لا تظلمونهن. اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له، بمعنى أنه يجوز لمن لم يخف عدم القسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة.
حكم الزواج بأكثر من أربع
حكم الزواج بأكثر من أربع نذكر باختصار كلام الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار) يقول الشوكاني: إن الاستدلال بقوله: ((مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ))، على تحريم الزيادة على الرابعة في النساء هذا غير صحيح من حيث اللغة، لكن الاستدلال على ذلك بحديث قيس بن الحارث وحديث غيلان الثقفي وحديث نوفل بن معاوية، هو الذي ينبغي الاعتماد عليه وإن كان في كل واحد من هذه الأحاديث التي وردت في شأن بعض الصحابة الذين كان تحتهم أكثر من أربع نسوة مقال. لكن أصح ما ينبغي الاعتماد عليه، في هذا الباب هو انعقاد الإجماع على تحريم نكاح ما فوق الأربع من النساء. فقد يقول بعض الناس: كيف الإجماع مع أن الآية عامة: ((فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ))، بعض الناس قالوا: (مثنى وثلاث) تجمع على خمسة وزيادة (ورباع) المجموع تسع نساء، فأجازوا نكاح التسع، ولنا في رسول الله أسوة حسنة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قبض عن تسع نسوة. وقال بعضهم (مثنى) أي: ثنتين ثنتين، (وثلاث) أي: ثلاث ثلاث، (ورباع) أي: أربع أربع والمجموع ثمانية عشر. فإذا كانت الآية عامة، فهل الإجماع ينتسخ؟ الإجماع لا يَنسخ ولا يُنسخ، لكن الإجماع يكشف عن وقوع الدليل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والإجماع إنما يتم بناء على دليل، حتى ولو لم نقف على عين الدليل. إذاً أقوى ما يستدل به هنا هو الإجماع، يقول الإمام العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: إجماع الأمة على تحريم ما زاد على الأربع نسوة قبل ظهور المخالف الضال، ويرمي بذلك بعض الظاهرية؛ لأنهم هم الذين انحرفوا وشذوا عن هذا الإجماع، فالإجماع انعقد قبل ظهور داود الظاهري وابن حزم وغيرهما. والإجماع هو ممن يعتد به من أهل العلم، ويريدون بكلمة: (يعتد به) الاحتراز عمن يخالفون الإجماع خاصة الظاهرية؛ لأنهم بإنكارهم القياس يصيرون ممن لا يحتج بكلامهم إذا خالفوا، وعلى أي الأحوال هناك من قال: إن النقل عن الظاهرية لم يصح. قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا} [النساء:3]، إن خفتم أن لا تعدلوا بين الأربع النسوة {فَوَاحِدَةً} [النساء:3]، وفي قراءة (فواحدةٌ) بالضم. أي: فحسبكم واحدة.
حكم التسري بأكثر من واحدة والعدل بينهن
حكم التسري بأكثر من واحدة والعدل بينهن {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:3] أي: من الإماء، بالغة ما بلغت من مراتب العدد؛ لأنه لا يجب لهن من الحقوق مثلما يجب للحرائر، ولا قسم لهن. (أو) المقصود بها التسوية والتخيير. قال الزمخشري: سوى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة، وبين الإماء من غير حصر ولا توقيت عدد، ولعمري إنهن أقل تبعة وأقصر شغباً وأخف مؤنة من المهائر -يعني: من الحرائر-، لا عليك أكثرت منهن أم أقللت، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل، عزلت عنهن أم لم تعزل. {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء:3] أي: الاقتصار على واحدة، أو على نكاح الإماء بالتسري، (أدنى) أي: أقرب (أن لا تعولوا) أي: ذلك أقرب ألا تميلوا، ولا تجوروا لانتفائه رأساً بانتفاء محله في الأول، يعني: لو كانت حرة واحدة أصالة زال احتمال الجور، وانتفاء خطره في الثاني إذا نكحتم الإماء، في هذه الحالة ينتفي الخطر بخلاف اختلاف العدد في المهائر؛ لأن التعدد في الحرائر فيه الميل المحظور متوقع لتحقق أمرين: تحقق المحل، وتحقق الخطر، لتحقق المحل أم لمجرد التعدد في الحرائر، يصبح هو نفسه محل لهذه المخالفة التي هي عدم العدل، لكن إذا كانت واحدة فذلك يكون أدنى وأقرب ألا يقع في الجور والظلم والميل عن الحق، وهذا هو اختيار أكثر المفسرين {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء:3]. (تعولوا) من عال يعول إذا جار وعدل عن الحق. ومن الوجوه المحتملة فيه: كونه مضارعاً، بمعنى: عال فلاناً عولاً وعيالةً أي: كثر عياله كأعول وأعيل، وعلى هذا الوجه اقتصر الإمام المهايمي في تفسيره حيث قال: أي: ذلك أقرب من ألا تكثر عيالكم، فيمكن معه القناعة، بحيث لا يضطر إلى الجور في أموال اليتامى. تدل هذه الآية على أن من خشي الوقوع فيما لا يجوز، قبح منه ما دعا إلى ذلك القبيح، كأن يخشى الإنسان من نفسه أن يقع فيما لا يجوز فينبغي أن يسد الذرائع، مثل: أن الإنسان لا يأمن نفسه إذا التقط اللقطة أن يطمع فيها ولا يحفظها لصاحبها ولا يعرفها، ففي هذه الحالة يحرم عليه أن يلتقط اللقطة، كذلك هنا إذا خشي مع تعدد الزوجات أن يقع في الجور والظلم ففي هذه الحالة ينبغي له أن يكف عن الزواج بأكثر من واحدة، كذلك لا يجوز لمن عرف أنه يخون الوديعة ولا يحفظها فإنه لا يجوز له قبول الوديعة. هناك إشكال وإجمال في مسألة الربط بين قوله تبارك وتعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}. وهذه الآية التي بعدها مباشرة: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء:3]. وهو أن قوله تعالى: ((ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا)) أي: أدنى ألا تكثر عيالكم فتفتقروا وتضطروا إلى الجور في مال اليتيم الذي أنتم أوصياء عليه، في هذه الصورة يظهر لنا وجه الربط بين هذه الآية والتي قبلها.
تفسير قوله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)
تفسير قوله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) قال تبارك وتعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء:4]. (وآتوا النساء صدقاتهن) أي: أعطوا النساء مهورهن، جمع صدقة، أو صدُقة، والصدُقة هي: أحد أسماء المهر، فقد سمي أسماء كثيرة منها: (النحلة) أو (صدُقة) أو (مهر) أو (أجر). والمقصود بقوله: (نحلة) أي: عطاء غير مسترد بحيلة تدفعهن إلى الرد. والنحلة أو النُّحلة -بالكسر أو بالضم- اسم مصدر لـ (نَحلَ). والنُّحل: هو العطاء بلا عوض، والتعبير عن إيتاء المهور بالنحلة مع كونها واجبة على الأزواج؛ لإفادة معنى الإيتاء عن كمال الرضا وتطييب الخاطر. وهذا الخطاب في هذه الآية: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)، إما للأزواج، وإما لأولياء النساء. القول الأول: أن الخطاب للأزواج؛ لأن فيما قبله خطاباً للأزواج (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) ثم قال تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)، فمقتضى السياق أن يكون الخطاب هنا للأزواج. والقول الآخر: في قوله: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) أن الأمر هنا موجه إلى أولياء النساء؛ لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئاً؛ ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئاً لك الناتجة، ومعناه: أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها إلى إبلك، فتنتج مالك ويكثر. وقال ابن الأعرابي: الناتجة: ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته، فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمر بدفع الحق إلى أهله؛ ولذلك المهر هو من حق المرأة، ولا يجوز التصرف فيه إلا بإذن منها، سواء من وليها أو من أقاربها. للأسف الشديد يوجد هذا الوضع في بعض البلاد إذا تزوجت المرأة فإنها توزع على العائلة كلها، على الخال والعم والأب والإخوة، هذا الوضع للأسف الشديد موجود، فهنا يأمر الله تبارك وتعالى الأولياء ألا يأخذوا أبداً من مال المرأة أو مهرها شيئاً، بل يمكنوها منه وهي حرة التصرف فيه. {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء:4]. (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ) الهاء هنا تعود على (صدقاتهن)، أي: فإن أحللن لكم من المهر شيئاً بطيبة نفس؛ جلباً لمودتكم لا لحياء عرض لهن منكم أو من غيركم، ولا لاضطرارهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم، وسوء معاشرتكم.
حكم إسقاط المهر ابتداء
حكم إسقاط المهر ابتداءً لا يجوز إسقاط المهر ابتداءً بأي حال، ولا يصح أن يعقد على امرأة ويتفق مع وليها على إلغاء شيء من المهر أو كله، بل المهر لا بد منه في النكاح. قوله: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} أي: فخذوه وتصرفوا فيه كأنكم تملكونه، وتخصيص الأكل بالذكر؛ لأن الأكل هو معظم وجوه التصرفات المالية. ((هَنِيئًا مَرِيئًا)) صفتان: من هنأ الطعام ومرأ، إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه. وقيل الهنيء: هو ما أتاك بلا مشقة ولا تبعة، والمريء: هو حميد المغبة، وهما عبارة عن المبالغة في الإباحة وإزالة التبعة؛ لأنهن كالرجال في الصدقات والتبرعات.
ثمرات الآية الكريمة
ثمرات الآية الكريمة لهذه الآية ثمرات منها: أنه لا بد في النكاح من صداق؛ وذلك لقوله عز وجل: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}. ومنها: أنه حق واجب للمرأة كسائر الديون. ومنها: أن لها أن تتصرف فيه متى شاءت، ولم تفصل الآية بين أن تقبضه أو لا. ومنها: أنه يسقط عن الزوج بإسقاطها له، بشرط أن تطيب به نفساً. وقد رأى شريح إقالتها إذا رجعت واحتج بقوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ} ويقول: إن المرأة إذا وهبت زوجها من المهر شيئاً ثم أرادت أن تسترده فللقاضي أن يحكم بإرجاعه إليها. قالوا: إن هذه أمارة على أنها حينما أخرجته أخرجته عن غير طيب نفس منها؛ لأن هناك شبهة أن تكون أعطت برغبة أو بغير رغبة لم يتحقق الشرط فيه.
النساء [12 - 21]
تفسير سورة النساء [12 - 21]
تفسير قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم)
تفسير قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) انتهينا إلى تفسير الربع الأخير من هذا الحزب، والذي يبدأ بقوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} [النساء:12].
نصيب كل من الزوج والزوجة من بعضهما مع وجود الأولاد وعدمهم
نصيب كل من الزوج والزوجة من بعضهما مع وجود الأولاد وعدمهم قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) يعني: من المال. (إن لم يكن لهن ولد) يعني: ذكر أو أنثى منكم أو من غيركم، فكلمة (ولد) هنا تشمل الولد منكم أو من أزواج آخرين غيركم، سواء كان هؤلاء الأولاد ذكوراً أم إناثاً. (فإن كان لهن ولد) يعني: على هذا النحو الذي فصلناه {فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ}، أي: من المال، والباقي لباقي الورثة. {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}، أي: من بعد استخراج وصيتهن، ومن بعد قضاء دينهن. {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ}، يعني: من المال. {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ}، ذكر أو أنثى منهن أو من غيرهن. {فإن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ))، على النحو الذي فصلنا سابقاً. أي: ذكر أو أنثى، {فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ}، يعني: هذا نوع من الحجب، وهو حجب نقصان، لا حجب إسقاط. {فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}، وفي إعادة ذكر الوصية والدين دليل على الاعتناء بشأنهما ما لا يخفى، أي: تعظيم لشأن الوصية والدين، وقد سألنا من قبل: أيهما يكون مقدماً على الآخر الدين أم الوصية؟ فقلنا: يقدم الدين، لكن الله سبحانه وتعالى هنا قدم ذكر الوصية على الدين؛ للتنبيه إلى عظم شأنها والاهتمام بها. وفي الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء، فإذا تأملتم في الآية فستجدون أن الله سبحانه وتعالى ذكر الرجال على سبيل المخاطبة، وذكر النساء على سبيل المغايبة، انظر إلى قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ}، فخاطب الرجال بضمير المخاطبة، وقال تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} فقال: ((فلكم الربع)). أما النساء فخاطبهن بقوله: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ}، إلى آخر الآية {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} فكان الخطاب للنساء بضمير الغائب. يقول القاسمي: في الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء؛ لأنه تعالى حيث ذكر الرجال في هذه الآية ذكرهم على سبيل المخاطبة، وحيث ذكر النساء ذكرهن على سبيل المغايبة، وأيضاً خاطب الله الرجال في هذه الآية سبع مرات، وذكر النساء فيها على سبيل الغيبة أقل من ذلك، وهذا يدل على تفضيل الرجال على النساء كما فضلوا عليهن في النصيب.
حقيقة الكلالة ومن يرثه ومقدار إرث كل واحد منهم
حقيقة الكلالة ومن يرثه ومقدار إرث كل واحد منهم ثم قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ}، يعني: إن كان الرجل يورث كلالة أو امرأة تورث كلالة كذلك. {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا}، أي: هؤلاء الإخوة والأخوات من أم {أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ}، يعني: أكثر من واحد {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}، شركاء في الثلث يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم، وقلنا: إن هذه حالة من الحالات التي يستوي فيها الذكر مع الأنثى. والكلالة: من لا ولد له ولا والد، أي: لا أصل له ولا فرع، الأصل كالأب، والفرع كالأبناء، أو من تكلل نسبه بنسبك كابن العم وشبهه. والكلالة في الأصل مصدر، كل الميت يكل كلاً وكلالة، يعني: فهو كلّ إذا لم يخلف ولداً ولا والداً يرثانه، وأصل كلمة كلالة أنها مصدر، ثم قد تقع الكلالة على العين دون الحدث فتكون اسماً للميت الموروث، وإن كانت في الأصل اسماً للحدث على حد قولهم: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} [لقمان:11]، وما المقصود من: (هذا خلق الله)؟ أي: هذا مخلوق الله، وجاز أن تكون اسماً للوارث على حد قولهم: رجل عدل، أي: عادل، ورجل كلالة يعني: يرث كلالة، وماء غور أي: غائر. فالكلالة هو: الذي لم يخلف ولداً ولا والداً. ((وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً))، ذكر الله سبحانه وتعالى الكلالة في موضعين في سورة النساء: أولهما هذه الآية: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ}، والموضع الثاني: في آخر سورة النساء في قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء:176] إلى آخر الآية، فجعل الكلالة هنا الأخت للأب والأم، والأخ للأب والأم. وعن الشعبي قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: (إني قد رأيت في الكلالة رأياً، فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه: أن الكلالة ما خلا الولد والوالد). واتفق العلماء على أن المراد من قوله تعالى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ}، أن المقصود به الأخ والأخت من الأم، وهذا باتفاق العلماء، (وإن كان رجل يورث كلالة وله أخ) من الأم. ((أَوْ أُخْتٌ))، من الأم. قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الإخوة هاهنا هم الإخوة لأم. قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم أو للأب ليس ميراثهم هكذا؛ لأن هذا المذكور في الآية باتفاق العلماء يخالف ميراث المذكورين هنا. يعني: أن الأخ لأم أو الأخت لأم يخالف نصيبهما نصيب الإخوة للأبوين أو الإخوة لأب. فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء:176]، هم الإخوة لأبوين أو لأب.
تفسير قوله تعالى: (تلك حدود الله)
تفسير قوله تعالى: (تلك حدود الله) قال تبارك وتعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [النساء:13]، أي: تلك الأحكام محدودة لا تجوز مجاوزتها. {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، يعني: في قسمة المواريث وغيرها. {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} أي: تجري الأنهار من تحت أشجارها ومساكنها. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي: لا يموتون ولا يخرجون. {وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، أي: النعم الوافرة في الجنة.
تفسير قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله)
تفسير قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله) قال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء:14]، في قسمة المواريث وغيرها. {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ}، يعني: بتجاوز أحكامه وفرائضه في الميل والجور. {يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}؛ لكونه غيَّر ما حكم الله به، وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم، وقد روى أبو داود في باب الإضرار في الوصية من سننه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار، وقرأ أبو هريرة قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ} [النساء:11]، حتى بلغ {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ})، ورواه الإمام أحمد بسياق أتم ولفظه: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة، قال: ثم يقول أبو هريرة واقرءوا إن شئتم {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}، إلى قوله: {عَذَابٌ مُهِينٌ}). ثم بين تعالى بعضاً من الأحكام المتعلقة بالنساء إثر بيانه لأحكام المواريث، وكما تعلمون فإن هذه السورة من الطوال حملت اسم النساء لتضمنها الكثير من تفاصيل أحكام النساء، فبعدما فصل الله سبحانه وتعالى أحكام المواريث، ذكر بعض الأحكام المتعلقة بالنساء.
كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم وله عذاب مهين)
كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم وله عذاب مهين) أولاً نعود لكلام السيوطي يقول رحمه الله تعالى: ((وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ))، منكم أو من غيركم. ((فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ))، وألحق بالولد في ذلك ولد الابن بالإجماع. (ولهن) يعني: الزوجات تعددن أو لا. ((وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ))، منهن أو من غيرهن. ((فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ))، وولد الابن في ذلك كالولد إجماعاً. ((وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً)) (يورث) هذه الجملة في محل رفع صفة لرجل، والخبر أي: وخبر كان هو كلمة (كلالة). (وإن كان رجل يورث كلالة) يعني: إن كان رجل كلالة، وهذا الرجل صفته أنه يورث. ولم نقل: إن الجملة حال؛ لأن الرجل نكرة. (كلالة) مصدر كل، كل يعني: لا والد له ولا ولد. (أو امرأة) يعني: تورث كلالة لا ولد لها ولا والد. (وله) أي: للمورث كلالة سواء كان رجلاً أو أي شخص يورث كلالة. (وله أخ أو أخت) أي: من أم وقرأ ابن مسعود وغيره هذه القراءة، مثل هذه القراءة تسمى: قراءة تفسيرية، يعني: أن الصحابي عندما يقرأ الآية يزيد فيها كلمة من عنده لتفسير المعنى، وليس هذا إضافة للقرآن، لكن هذه القراءة تسمى: قراءة تفسيرية، فكذلك هنا ابن مسعود لما قرأ هذه الآية قرأها قراءة تفسير وبيان لمعناها فقال: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ}، من أم. (فلكل واحد منهما السدس) يعني: مما ترك. (فإن كانوا) أي: الإخوة والأخوات من الأم (أكثر من ذلك) يعني: أكثر من واحد، (فهم شركاء في الثلث) وكلمة (شركاء) هنا بمعنى أنه يستوي في ذلك ذكرهم وأنثاهم، فهذا من المواضع التي يستوي فيه الذكور والإناث. ((مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ))، حال من ضمير يوصى، أي: غير مدخلٍ الضرر على الورثة بأن يوصي المورث بأكثر من الثلث. والإضرار كما ذكرنا من قبل له صور كثيرة منها: الإضرار في الوصية؛ وذلك بأن يوصي أكثر من الثلث حتى يقلل نصيب الورثة من ميراثه. قوله: ((وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ))، فهذا مصدر مؤكد ليوصيكم، بمعنى: يوصيكم وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ. ((وَاللَّهُ عَلِيمٌ))، أي: بما دبره لخلقه من الفرائض. ((حَلِيمٌ)) [النساء:12]، أي: بتأخير العقوبة عمن خالفه. وخصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رق. يعني: هذه موانع الإرث، فإذا وجد مانع منها فإن السنة هنا تخصص عموم القرآن، بمعنى: أن الولد يرث أباه، أو أي شخص يرث من مورثه، فإذا اختلفا في الدين فإنه يمنع من الإرث. كذلك شخص قتل مورثه ليتعجل وراثته، فهذا يعاقب بنقيض قصده؛ لأن القاعدة تقول: من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. فكذلك إذا قام الوارث وقتل مورثه؛ ليتعجل ميراثه فالشرع هنا يعاقبه بالحرمان من الإرث منه، وهذا من حكمة الشارع؛ لأن هذا يسد باب اتخاذ ذلك القتل ذريعة للحصول على هذا الميراث؛ لأنه إذا علم أنه سيحرم لن يعمد إلى إراقة دمه، فإذاً السنة خصت توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل، أو اختلاف دين؛ لأنه (لا يتوارث أهل ملتين شتى) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو رق فلا يرث من فيه مانع من موانع الميراث الثلاثة هذه، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم)، وهذا متفق عليه. (تلك حدود الله) أي: تلك الأحكام المذكورة من أمر اليتامى وما بعده حدود الله وشرائعه التي حدها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها. (ومن يطع الله ورسوله) بما حكما به. (يدخله) أو (ندخله) بالياء والنون التفاتاً. (جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم). (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله) أو ندخله (ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) يعني: له فيها عذاب مهين ذو إهانة، وروعي في الضمائر في الآيتين لفظ (من)، وروعي في (خالدين) معناها.
تفسير قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة)
تفسير قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة) قال تبارك وتعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء:15].
حكم من أتت الفاحشة أول الإسلام قبل الجلد والرجم
حكم من أتت الفاحشة أول الإسلام قبل الجلد والرجم (واللاتي يأتين الفاحشة) أي: الخصلة البليغة في القبح وهي الزنا. (من نسائكم) يعني: حال كونهن من نسائكم. (فاستشهدوا عليهن) يعني: اطلبوا من القاذفين لهن بالفاحشة (أربعة منكم) يعني: من المسلمين، اطلبوا شهادة أربعة ممن قذفوهم أو قذفوهن. (فإن شهدوا) يعني: إن شهدوا عليهن بالفاحشة. (فأمسكوهن في البيوت) أي: احبسوهن فيها، ولا تمكنوهن من الخروج؛ صيانة لهن عن التعرض لسبب الفاحشة، وصيانة للمجتمع من شرهن، فهؤلاء يمسكن في البيوت. (حتى يتوفاهن الموت) أي: يستوفي الموت أرواحهن، وفيه تهويل للموت وإبراز له في صورة من يتولى قبض الأرواح وتوفيتها أو وتوفيها. أو (حتى يتوفاهن الموت) يعني: ملائكة الموت، {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة:11]. (أو يجعل الله لهن سبيلاً) أي: يشرع لهن حكماً خاصاً بهن، وفسرت (أو) بـ إلى أن يشرع لهن حكماً آخر، (فأمسكهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت) يعني: إلى أن يتوفاهن الموت، وقد مر بنا في تفسير مثل هذا المعنى، في آية سابقة في سورة آل عمران، حيث كانت كلمة (أو) بمعنى: إلى أن. وهي قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} [آل عمران:128]، ليس لك من الأمر شيء إلى أن يتوب الله عليهم، فكلمة (أو) هنا أتت بمعنى: إلى أن. فكذلك هنا (فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن) يعني: هذه الغاية، إلى أن يتوفاهن الموت (أو يجعل الله لهن سبيلا) أي: إلى أن يشرع لهن حكماً خاصاً بهن، يعني: يطبق عليهن حكم الحبس في البيوت إلى أن يشرع الله لهن حكماً خاصاً بهن.
حقيقة السبيل في قوله: أو يجعل الله لهن سبيلا
حقيقة السبيل في قوله: أو يجعل الله لهن سبيلاً قوله: (سبيلاً) أي: الطريقة المسلوكة. وقد بينت السنة أن الله تعالى أنجز وعده وجعل لهن سبيلاً، وهذه الآية من الآيات المهمة جداً في إثبات أن السنة فيها قسم يختص ببيان ما في القرآن، بل يستقل بأحكام غير موجودة في القرآن، وذلك فيما رواه الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أنزل الوحي كرب له وتربد وجهه، وإذا سري عنه قال: خذوا عني خذوا عني) يعني: ثلاث مرات، ففي هذه المرة قال بعدما سري عنه قال: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً: الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة والرجم، والبكر جلد مائة ونفي سنة). وهذا مذهب الإمام أحمد أن الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة والرجم، والبكر جلد مائة ونفي سنة. وكذا رواه أبو داود الطيالسي ولفظه عن عبادة رضي الله عنه: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي عرف ذلك فيه، فلما نزلت قوله تعالى: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} وارتفع الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة). إذاً هذا هو المقصود بقوله: (أو يجعل الله لهن سبيلاً).
تفسير قوله تعالى: (واللذان يأتيانها منكم)
تفسير قوله تعالى: (واللذان يأتيانها منكم) قال تعالى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء:16].
حكم من أتى الفاحشة من الرجال أول الإسلام قبل الجلد والرجم
حكم من أتى الفاحشة من الرجال أول الإسلام قبل الجلد والرجم (واللذان) بتخفيف النون وتشديدها (واللذانِّ). (يأتيانها) أي: الفاحشة. (منكم) أي من الرجال. (فآذوهما) بالسب والتعيير؛ ليندما على ما فعلا. (فإن تابا وأصلحا) أي: أصلحا أعمالهما. (فأعرضوا عنهما) بقطع الأذية والتوبيخ لهما، فإن التوبة والصلاح مما يمنع استحقاق الذم والعقاب. (إن الله كان تواباً) يعني: على من تاب. (رحيماً) أي: واسع الرحمة، وهو تعيين للأمر بالإعراض. وكما هو معلوم أن هذا الحكم في الآيتين بعضه منسوخ بالكتاب وبعضه منسوخ بالسنة. يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ثم نسخ الله الحبس والأذى في كتابه فقال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2]، فدلت السنة على أن جلد المائة للزانيين البكرين؛ لحديث عبادة بن الصامت. ثم قال: فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جلد المائة ثابت على البكرين الحرين، ومنسوخ عن الثيبين، وأن الرجم ثابت على الثيبين الحرين. ثم قال: لأن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)، أول ما نزل فنسخ به الحبس والأذى عن الزانيين، فلما رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزاً ولم يجلده، وأمر أنيساً أن يغدو إلى امرأة الأسلمي فإن اعترفت رجمها، دل على نسخ الجلد عن الزانيين الحرين الثيبين، وثبت الرجم عليهما. خلاصة الكلام: أن جلد مائة ثابت على البكرين الحرين، ومنسوخ عن الثيبين، والرجم ثابت على الثيبين الحرين.
كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة إن الله كان توابا رحيما)
كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة إن الله كان تواباً رحيماً) يقول السيوطي في الآيات السابقة (واللاتي يأتين الفاحشة) أي: الزنا. (من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) أي: من رجالكم المسلمين. (فإن شهدوا) عليهن بها. (فأمسكوهن) احبسوهن. (في البيوت) وامنعوهن من مخالطة الناس. (حتى يتوفاهن الموت) أي: ملائكة الموت. (أو) بمعنى: إلى أن. (يجعل الله لهن سبيلاً) طريقاً إلى الخروج منها، أمروا بذلك أول الإسلام ثم جعل لهم سبيلاً بجلد البكر مائة وتغريبها عاماً، ورجم المحصنة، وفي الحديث لما بين الحد قال صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب ترجم، والبكر تجلد)، وهذا رواه مسلم. (واللذان) بتخفيف النون وتشديدها. (يأتيانها) أي: الفاحشة من الزنا أو اللواط. (منكم) أي: من الرجال. (فآذوهما) بالسب والضرب بالنعال. (فإن تابا) أي: منها. (وأصلحا) أي: العمل. (فأعرضوا عنهما) ولا تؤذوهما. (إن الله كان تواباً) على من تاب. هذا أمر مهم جداً، انظر إلى دقة التفسير، تواباً على من تاب، وإنما أُخذ هذا من الآية التي بعدها: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء:17]، فالتوبة على من تاب وقال: يا ألله! تاب الله عليه. (رحيماً) به، وهذا منسوخ بالحد إن أريد به الزنا، وكذا إن أريد به اللواط عند الشافعي.
تفسير قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة)
تفسير قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة) يقول تبارك وتعالى {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء:17].
عدم إطلاق قبول التوبة في قوله: فإن تابا وأصلحا
عدم إطلاق قبول التوبة في قوله: فإن تابا وأصلحا (إنما التوبة على الله) هنا استئناف لبيان أن قبول التوبة من الله تعالى ليس على إطلاقه، كما ينبئ عنه وصفه تعالى بكونه تواباً رحيماً، قد يفهم شخص من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} في خاتمة الآية السابقة أن الله تعالى تواب على الإطلاق لكل من عصى، فجاءت هذه الآية لتبين أن هذا الإطلاق مقيد بما سينطق به النص الكريم، ولذلك قدرها وحصرها بكلمة: (إنما) وهي مسوقة لبيان الاستئناف أو لرفع هذا الإيهام الذي قد يتوهمه البعض من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} فاستأنف قائلاً: (إنما التوبة) لأن التوبة فقط لهؤلاء المذكورين في الآية. فقبول التوبة من الله ليس على إطلاقه كما ينبئ عنه وصفه تعالى بكونه تواباً رحيماً، بل هو مقيد بما سيأتي بعد كلمة (إنما) بما سينطق بها النص الكريم. (إنما التوبة) (التوبة) مبتدأ، وجملة: (للذين يعملون السوء) هذا هو الخبر.
معنى: (التوبة على الله) في الآية
معنى: (التوبة على الله) في الآية قوله: (إنما التوبة على الله) متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار، ومعنى كون التوبة عليه سبحانه في قوله: (إنما التوبة على الله) أي: إنما التوبة التي يقبلها الله. كلمة: (على) للدلالة على التحقق لحكم سبق الوعد، حتى كأنه من الواجبات عليه سبحانه وتعالى.
المقصود بالجهل في الآية
المقصود بالجهل في الآية قوله: (إنما التوبة على الله للذين يعلمون السوء بجهالة) السوء هو المعصية صغيرة كانت أو كبيرة. (بجهالة) يعني: يعملون السوء متلبسين بالجهالة، يعني: وهم جهلاء سفهاء، والباء للسببية، يعني: بسبب الجهالة، والمراد بالجهل: السفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل، لا عدم العلم، فالجهالة هنا ليس المقصود بها عدم العلم، وإنما المقصود الجهل العملي، فإن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة، لكن المقصود هنا بالجهل: السفه، وذلك بارتكاب ما لا يليق بالعاقل، {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63]، كذلك الجهل بهذا المعنى الذي هو الجهل العملي السلوكي حقيقة واردة في كلام العرب، كقول الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا يعني: نعاقبه ونهلكه بما هو أعظم من جهله، وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا خرج من بيته: (اللهم إني أعوذ بك أن أجهل أو يجهل علي).
معنى قوله: (ثم يتوبون من قريب)
معنى قوله: (ثم يتوبون من قريب) (ثم يتوبون من قريب) يعني: من زمان قريب، وظاهر الآية اشتراك وقوع التوبة عقب المعصية بلا تراخ، يعني: أن التوبة من أي معصية واجبة على الفور لا على التراخي. وهذا ما عبر عنه ابن القيم في كتابه الرائع (مدارج السالكين) الجزء الأول حينما قال: تأخير التوبة أو تسويف التوبة ذنب يجب التوبة منه. تأخير التوبة في حد ذاته ذنب، يجب التوبة منه على الفور، فكذلك هنا قوله: (ثم يتوبون من قريب) يعني: يجب أن يسارع إلى التوبة مباشرة بعد المعصية، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده. فإذا كانت التوبة من زمان قريب فهي بذلك تنال درجة قبولها المحتم تفضلاً، إذ بتأخير التوبة وتسويفها يدخل في زمرة المصرين. فيكون في الآية إرشاد إلى المبادرة بالتوبة عقب الذنب، والإنابة إلى المولى بعده فوراً. ووجوب التوبة على الفور مما لا يستراب فيه، إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من صميم الإيمان، وهو واجب على الفور، أما ما ذكره كثير من المفسرين من أن المراد من قوله تعالى: (من قريب) يعني: ما قبل حضور الموت فهو بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت إليه. فهنا القاسمي رحمه الله تعالى يذهب إلى مرجوحية القول بأن قوله تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} يعني: من زمن قريب من زمن المعصية، يعني: أنه يبادر فوراً إلى التوبة؛ لأنه إذا سوف التوبة وأخرها فهذا معناه أنه داخل في زمرة الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون. يقول: إنما ذكره كثير من المفسرين من أن المراد من قوله تعالى: (من قريب) ما قبل حضور الموت فهو بعيد من لفظ الآية وسرها التي أرشدت إليه، وإنما تعني: المبادرة إلى التوبة قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان عياذاً بالله تعالى، لكن هل المعنى الآخر هو أن التوبة تقبل ما لم يغرغر العبد؟ هل هذا المعنى صحيح أم غير صحيح؟ قطعاً هو صحيح، لكن نقول: لا يصح الاستدلال بهذه الآية على قبول التوبة قبل حضور الأجل وبالحديث الذي فيه: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) الحديث دليل واضح في المسألة، وكذلك بهذه الآية التي تلي السابقة مباشرة وهي قوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء:18]. قلنا: يستفاد من الآية السابقة، ومن الأحاديث الوافرة في ذلك، لا من قوله تعالى: (من قريب)؛ وذلك لأن الآية الثانية وهي قوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ}، صريحة بأن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقي ما وراءه في حيز القبول، كل ما قبل حضور الموت داخل في حيز قبول التوبة، أما إذا حضر الموت فليست هناك توبة؛ فقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر). وروى أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: (من تاب قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه، ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه قال أيوب فقلت له: إنما قال عز وجل: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ}، فقال: إنما أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم). وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه)، أجل التوبة في عمر الدنيا كلها تنتهي بطلوع الشمس من مغربها، {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام:158]، يغلق باب التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها، فهذا في حق عمر الدنيا كلها، أما في حق عمر كل إنسان فالتوبة تقبل ما لم يغرغر، وهي واجبة عليه بمجرد الوقوع في المعصية، لا يجوز له تأخيرها وتسويفها؛ لأن تسويفها ذنب جديد، بل يجب المبادرة إلى التوبة. وروى الحاكم مرفوعاً: (من تاب إلى الله قبل أن يغرغر قبل الله منه). وروى ابن ماجة عن ابن مسعود بإسناد حسن: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له). (فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) أي: يقبل توبتهم. (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).
تفسير قوله تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات)
تفسير قوله تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات) قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ}، يعني: عند النزع. {قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ}، قال ذلك عند مشاهدة ما هو فيه، حينما تنكشف الحجب، ويرى الملائكة، وتحضر الغرغرة، ففي هذه الحالة يقول: إني تبت الآن لا ينفعه ذلك ولا يقبل منه. قوله: {وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} أي: لا تقبل توبة الذين يموتون وهم كفار، فلا ينفعهم ندمهم ولا توبتهم؛ لأنهم بمجرد الموت يعاينون العذاب، ولهذا قال تبارك وتعالى: {أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء:18]، يعني: أعددنا لهم عذاباً مؤلماً. في هذه الآية دليل على أن الذي يموت على الكبائر وهو مصر عليها ولم يتب أنه غير كافر، وأنه يكون تحت المشيئة إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. والدليل كما قلنا في قوله تعالى: {وَهُمْ كُفَّارٌ} [البقرة:161]، فدل على أنهم ليسوا بكفار، خلافاً للخوارج -ومن قال بقولهم- الذين يقولون: إن الإنسان إذا مات على كبيرة ولم يتب منها فهو كافر مخلد في جهنم، أما هذه الآية فتنفي التوبة عنه، لكن لا تثبت له وصف الكفر كما قال في شأن الكافرين: ((وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ)).
كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (إنما التوبة على الله أعتدنا لهم عذابا أليما)
كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (إنما التوبة على الله أعتدنا لهم عذاباً أليماً) يقول السيوطي رحمه الله تعالى: قوله: (إنما التوبة على الله) أي: كتب على نفسه قبولها بفضله. (للذين يعملون السوء) أي: المعصية. (بجهالة) يعني: حال كونهم جاهلين إذا عصوا ربهم. (ثم يتوبون من قريب) أي: من زمن قريب قبل أن يغرغروا. هنا السيوطي نحا منحى عامة المفسرين في تفسير ثم يتوبون من قريب وقد ذكرنا ما فيه. (فأولئك يتوب الله عليهم) يعني: يقبل توبتهم. (وكان الله عليماً) أي: بخلقه. (حكيماً) في صنعه بهم. (وليست التوبة للذين يعملون السيئات) يعني: الذنوب. (حتى إذا حضر أحدهم الموت) يعني: أخذ في النزع. (قال) عند مشاهدة ما هو فيه. (إني تبت الآن) فلا ينفعه ذلك ولا يقبل منه. (ولا الذين يموتون وهم كفار) إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب لا تقبل منهم. (أولئك أعتدنا) أي: أعددنا. (لهم عذاباً أليماً) أي: مؤلماً.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً) شرع تبارك وتعالى في بيان جملة أخرى من أحكام النساء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} [النساء:19]، نهي عما كان يفعله أهل الجاهلية بالنساء من الإيذاء والظلم.
حال المرأة القريبة والمتوفى عنها زوجها في الجاهلية
حال المرأة القريبة والمتوفى عنها زوجها في الجاهلية روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كانوا إذا مات الرجل -هذا كان في شأن أهل الجاهلية- كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، يمسكها أهل الرجل). حتى ابنه يمكن أن يتزوجها، فكانوا أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا}. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إن الرجل كان يرث امرأته لقرابته فيعضلها حتى تموت). يعضلها يعني: يمنعها من الزواج حتى تموت، أو ترد إليه صداقها، فنهى الله عن ذلك. قال السيوطي: ففيه أن الحر لا يتصور ملكه ولا دخوله تحت اليد، ولا يجري مجرى الأموال بوجه. لأن هناك فرقاً بين المرأة الحرة وبين المال، فالمرأة ليست مالاً موروثاً يرثه أقرباء الميت كما يرثون المال، كما كان يفعل أهل الجاهلية، وإنما لا يجوز بحال استعباد الحر أو تملكه أو دخوله تحت اليد كما يفعل بالأموال. قوله تعالى: ((لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا))، (كرهاً) بفتح الكاف وضمها كَرهاً أو كُرها، قراءتان، والمقصود هنا لا يحل لكم أن ترثوا النساء حال كونهن كارهات لذلك، أو مكرهات على ذلك، والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه، يعني: التقييد بالكره لا يدل أنها عند حالة الرضا يكون ذلك جائزاً؛ لأن تخصيص الشيء للذكر لا يدل على نفي ما عداه، بل يجري هذا مجرى الغالب، ويخرج مخرج الغالب كما في قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء:31]، فالتقييد بخشية الإملاق هنا لا يدل على جواز قتل الأولاد عند عدم الإملاق.
سبب نزول قوله تعالى: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء)
سبب نزول قوله تعالى: (لا يحل لكم أن ترثوا النساء) روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن هذه الآية في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به) أي: أنه يؤذيها ويضايقها ويحرج عليها ويستفزها، حتى تطلب هي الإبراء أو تطلب الخلع، فتتنازل له عن صداقها. هو الذي كرهها وهو الذي لا يرغب في بقائها زوجة له أو الاستمرار معها، فبدل من أن يطلقها بالحسنى وبالمعروف، فإذا به يلجأ إلى هذه الحيلة اللئيمة، بأن يضيق عليها ويؤذيها حتى تطلب هي الطلاق، فانظر كيف يقول الله تعالى ((لا يَحِلُّ لَكُمْ)) ثم عطف على ذلك بقوله: {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء:19]، وللأسف الشديد نرى الآن كثيراً من الناس يتفننون في أذية المرأة، مثل هذه الحال هو يكرهها ولا يريد صحبتها، وفي نفس الوقت يريد ألا يعطيها حقها من الصداق أو مؤخر الصداق، فيستفزها ويضيق عليها من أجل أن تفتدي نفسها، وتطلب هي الطلاق مقابل التنازل عن المهر، فهذا يفعله من لا يتقون الله، ومن لا يخافون حساب الله، ولا يرجون لله وقاراً، فكون هذا الفعل يصدر من مسلم فهذه ليست أخلاق المسلمين، هذا العضل وهذه الأذية مما أنزل الله سبحانه وتعالى تحريمه صراحة في القرآن كما ترون. يقول ابن عباس: (إن هذه الآية في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به) والعضل هو: الحبس والتضييق. (ولا تضاروهن) يعني: ولا يحل لكم أن تضيقوا عليهن. (لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن) يعني: من الصداق، بأن يدفعن إليكم بعضه اضطراراً فتأخذوه منهن.
جواز مضايقة المرأة المرتكبة للفاحشة
جواز مضايقة المرأة المرتكبة للفاحشة (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) يعني: زنا، كما قاله جماعة من الصحابة والتابعين، في هذه الحالة إذا ارتكبت الفاحشة يجوز له أن يضيق عليها كي تقتدي وتختلع. يعني: إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها، وتضيق عليها حتى تتركه لك، كما قال تعالى في سورة البقرة: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة:229]، وقال ابن عباس: (الفاحشة المبينة: النشوز والعصيان). واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله؛ الزنا والعصيان والنشوز وبذاءة اللسان وغير ذلك، يعني: أن هذا كله يبيح مضايقتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها. وقال ابن كثير: وهذا جيد والله تعالى أعلم.
حقوق صحبة الزوج مع زوجته ومعنى المعاشرة بالمعروف
حقوق صحبة الزوج مع زوجته ومعنى المعاشرة بالمعروف بين تعالى حق الصحبة مع الزوجات بقوله عز وجل: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19]، في الحقيقة إن الآية الواحدة من سورة النساء مثل هذه الآية قد تستغرق حتى نحاول أن نوفيها بعضاً من حقها شهوراً كاملة، لكن التزامنا بالاختصار حتى نقطع الورد المطلوب أسبوعياً هو الذي يجعلنا نضطر إلى الإيجاز أحياناً، فمثل هذه الآية {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وغيرها من آيات الأحكام لا تكاد تنحصر معانيها، وتستغرق عمراً طويلاً إذا أردنا أن نستوفي ما فيها من المعاني. قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: صاحبوهن بالمعروف، يعني: الإنصاف في الفعل والإجمال في القول. حتى لا تكونوا سبب الزنا بتركهن، أو سبب النشوز، أو سوء الخلق فلا يحل لكم حينئذ. يقول السيوطي. في الآية: وجوب المعروف من توفية المهر والنفقة والقسم واللين في القول، وترك الضرب والإغلاظ بلا ذنب. (وعاشرهن بالمعروف) فالحقوق التي تجب طبقاً لهذه الآية حقوق كثيرة جداً مادية وأدبية، استدل بعمومها من أوجب لها الخدمة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها، فيجب على الزوج أن يأتي لها بخادمة تخدمها؛ لأن هذا من المعاشرة بالمعروف. {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ} [النساء:19]، يعني: إن كرهتم الصحبة معهن. {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19]، كلمة (عسى) في القرآن واجبة، يعني: وعد منجز من الله سبحانه وتعالى، والمقصود من الآية: أن اصبروا عليهن وأمسكوهن لعل الله سبحانه وتعالى يجعل فيهن خيراً كثيراً، بأن يرزقكم منهن ولداً صالحاً يكون فيه خير كثير، وبأن تنالوا الثواب الجزيل في العقبى بالإنفاق عليهن والإحسان إليهن على خلاف الطبع؛ لأن هذا يكون من المجاهدة التي تثابون عليها. قال إلكيا الهراسي: في هذه الآية استحباب الإمساك بالمعروف وإن كان على خلاف هوى النفس. حتى لو كان إبقاء المرأة والإمساك عليها مخالف لهواه، فإن التقي يمسكها ويعاملها بالمعروف، وهذا ومن المروءة، وفي الآية دليل على أن الطلاق مكروه، ونحن لا نستدل بالحديث الضعيف المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، لكن نستدل على كراهة الطلاق بقوله تعالى هنا: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}، في هذه الآية دلالة على كراهة الطلاق. وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)، الفرك: هو البغض من كل وجه، يعني: تبغضه من كل وجه بحيث لا ترى فيه حسنة. فيبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الزوج المؤمن لا يفرك زوجته المؤمنة؛ لأن الرجل المؤمن فيه الوقار والعقل الكامل والعدل والرزانة بحيث أنه يزن الأمور ويحسن تقديرها، فإنه إذا أبغض يكون معتدلاً في بغضه، فيحكم العقل والمروءة وقبل ذلك الشرع، فلا يبغضها من كل وجه، وإنما إذا كره منها خلقاً سرعان ما يتذكر أن لها خلقاً آخر يرضاه ويحبه، فهو يزن الأمور، لذلك لا يبغض المؤمن بغضاً من كل وجه، بخلاف المرأة فإنها إذا أبغضت تنسى كل ما مضى؛ لأنها لا تزن الأمور كما يفعل الرجال، هذا في الغالب إلا من رحم الله، وفي ذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، فإن رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط)، فهذه طبيعة عموم النساء إلا من رحم الله، أنها إذا أبغضت فإنها تكفر بالعشير، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء بكفران العشير، أي: كفران نعمة الزوج أو فضل الزوج عليها، فتنسى كل ما مضى بمجرد أن تغضب أو تنفعل، بخلاف الرجل فهو يعلم أن العوج الذي في المرأة هو عوج فطري ليس عوجاً متكلفاً، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وكسر المرأة طلاقها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وهي على هذا العوج)، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فالمؤمن يزن الأمور بهذه الطريقة بحيث يعلم أن العوج الذي في المرأة ليس من تكلفها، بل قسم كبير جداً منه يكون فطرياً جبلت عليه، فينبغي الصبر عليها، وعلى العموم في ضوء هذا الكلام ينبغي أن لا يغضب النساء من هذا؛ لأن هذا فيه عذر لهن، وتخفيف من وقوع الحرج عليهن، على أي الأحوال هذا هو الفرق بين الرجل والمرأة في البغض. ذكر الفعل الأول قال تعالى: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}، كان يمكن في غير القرآن الكريم الاستغناء عن هذا الفعل كأن يقال: فإن كرهتموهن فعسى أن يكون فيهن خير كثير، وحصر عليه هذا الحكم في الفعل الثاني الذي هو ((فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا))، لماذا؟ للتوصل إلى تعميم مفعوله، فكرر فعلين، يعني: إذا قال: فإن كرهتموهن فعسى أن يجعل الله فيهن خيراً كثيراً. فتكون هنا الكراهة تتعلق بالمرأة فقط التي يبغضها، لكن كرر الفعل فقال: ((فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ))، ثم قال: ((فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا))، يدل على عموم هذه القاعدة: أن الأمر ليس فقط مختصاً بكراهية الزوجات، ولكن المقصود به في عامة أحوالك وفي كل شئونك، هذه سنة من الله سبحانه وتعالى (فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)، كما نلاحظ عامة الناس يستدلون بها في كل مناسبة ولا يحصرونها في شأن النساء. يقول أبو السعود: ذكر الفعل الأول مع الاستغناء عنه وحصر العلية في الثاني للتوصل إلى تعميم مفعوله؛ ليفيد أن ترتيب الخير الكثير من الله تعالى ليس مخصوصاً بمكروه دون مكروه، بل هو سنة إلهية جارية على الإطلاق حسب اقتضاء الحكمة، وإنما نحن في جزء من جزئياتها الذي هو أمر النساء، وفيه من المبالغة في الحمل على ترك المفارقة وتعميم الإرشاد ما لا يخفى، يعني: لو لم يكرر الفعل لم تأت كلمة: (شيئاً)، ((فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا))، فصارت فيها عموم لكل الأحوال. في الحقيقة يذكر هنا تنبيهاً جليلاً في الوصية بالنساء والإحسان إليهن، نحاول أن نقتصر منه على ما نستطيع يقول: كفى في هذا الباب هذه الآية الجليلة الجامعة وهي قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. قال ابن كثير: أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله، يعني: من صور المعروف هنا طيب الأقوال والألفاظ، وحسن الأفعال، والتزين بأن يلبس ما تستحسنه بحسب القدرة، فإن هذا من المعاشرة بالمعروف. يقول تبارك وتعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة:228]، وهي درجة القوامة، وقال صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). وقال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: (ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم -عوان يعني: أسيرات- ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً)، بعض الناس يفهمون هذا الأمر فهماً خاطئاً، ويطبقونه تطبيقاً خاطئاً، ويجهلون أن ضرب النساء مكروه، وهو إنما يباح بشروطه وضوابطه.
بعض آداب عشرة النساء
بعض آداب عشرة النساء قال الغزالي في الإحياء: الأدب الثاني: حسن الخلق معهن، واحتمال الأذى منهن ترحماً عليهن؛ لقصور عقلهن قال الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وقال في تعظيم حقهن: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء:21]، (ميثاقاً غليظاً) لبيان حرمة هذه المعاشرة، وقال: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء:36]، قيل: هي المرأة. ثم قال الغزالي رحمه الله تعالى: واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، يعني: أن تحتمل الأذى الذي يصدر منها، والحلم عند طيشها وغضبها، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانت أزواجه يراجعنه الكلام وتهجره الواحدة منهن يوماً إلى الليل. وراجعت امرأة عمر عمر رضي الله تعالى عنه فقال: (أتراجعيني؟! فقالت: إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجعنه وهو خير منك). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لـ عائشة (إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبى، قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: أما أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم، قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله! ما أهجر إلا اسمك)، صلى الله عليه وسلم. ثم قال الغزالي رحمه الله تعالى: الأدب الثالث: أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة، فهي التي تطيب قلوب النساء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن، وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال، حتى روي: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يسابق عائشة في العدو، فسبقته يوماً، وسبقها في بعض الأيام، فقال صلى الله عليه وسلم: هذه بتلك). وقالت عائشة رضي الله عنها: (سمعت أصوات أناس من الحبشة وهم يلعبون في يوم عيد، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحبين أن تري لعبهم؟! قالت: قلت: نعم فأرسل إليهم فجاءوا، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين البابين فوضع كفه على الباب ووضعت رأسي على منكبه، وجعلوا يلعبون وأنا أنظر، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حسبك؟ وأقول: لا، لا تعجل مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: يا عائشة حسبك؟ فقلت: نعم). وفي رواية للبخاري قالت: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو). وفي بعض الروايات بينت أنها ما كانت تقصد فقط أن ترى لعب الحبشة، لكنها أرادت أن تنظر النساء وتعلم الأخريات قدرها عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال عمر رضي الله عنه: (ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي، فإذا التمسوا ما عنده وجدوه رجلاً). وقال صلى الله عليه وسلم لـ جابر: (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك)، وهذا رواه الشيخان. ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت: والله لقد كان ضحوكاً إذا ولج، سكوتاً إذا خرج، آكلاً ما وجد، غير سائل عما فقد.
تفسير قوله تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج)
تفسير قوله تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج) لقد نهى تبارك وتعالى عن أخذ شيء من صداق النساء ممن أراد فراقهن، نهى الذي يريد فراق امرأة أن يأخذ منها شيئاً من صداقها، قال تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء:20]. (وإن أردتم استبدال زوج) أي: إن أردتم تزوج امرأة ترغبون فيها. (مكان زوج) ترغبون عنها، بأن تطلق زوجتك وتتزوج أخرى مكانها. وكلمة: (زوج) هنا المقصود بها الزوجات يعني: هي هنا مفرد لكن المقصود بها الجمع، ولذلك قال بعدها: (وآتيتم إحداهن قنطاراً) أي: مالاً كثيراً مهراً. (فلا تأخذوا منه شيئاً) يعني: لا تأخذوا منه شيئاً يسيراً فضلاً عن الكثير، فإذا نهى عن القليل فهو يشمل بالأولى الكثير. (أتأخذونه بهتاناً) يعني: باطلاً. (وإثماً مبيناً) أي: بيناً، والاستفهام للإنكار والتوبيخ، أي: أتأخذونه باهتين وآثمين؟!
تفسير قوله تعالى: وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض
تفسير قوله تعالى: وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض قال تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء:21] في الآية إنكار لأخذه إثر إنكار على سبيل التعجب، أي: بأي وجه تستحلون المهر. (وقد أفضى بعضكم إلى بعض) أي: وصل بعضكم إلى بعض فأخذ عوضه. (وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً) أي: عهداً وثيقاً مؤكداً، هذا كله مزيد تأكيد، يعسر معه نقظه كالثوب الغليظ يعسر ويصعب جداً أن تشقه، فكذلك هنا الله سبحانه وتعالى يشير إلى أن العهد الوثيق الغليظ المؤكد هو الذي أخذه النساء من الرجال. قال الزمخشري: الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة. ووصفه بالغلظ؛ لقوته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة، بمعنى: أنك إذا صحبت قوماً عشرين يوماً فقد صارت لهذه الصحبة حرمة، ألسنا نسمع العوام يقولون: عيش وملح؟ وهذا الكلام كله في حق شخص سافر مع واحد في قطار ساعات أو أياماً، فكيف بما يكون بين الزوجين فهو أعظم حرمة من هذا الذي تعارف الناس على احترامه والوفاء بحقه؟! فقد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟! وقال الشهاب الخفاجي: قلت: بل قالوا: صحبة يوم نسب قريب، وذمة يعرفها اللبيب. صحبة يوم واحد نسب قريب تجعل لهذا الذي صحبته يوماً حرمة عندك، وذمة يعرفها اللبيب، يعني: حسن العهد من الإيمان. فهذا المعنى ينبغي أن يحيا وأن يجدد في قلوب الناس، وإلا فقد صرنا في هذه الأزمان نرى من التنكر للأخوة ولهذه الصحبة، وصار منتشراً الآن في أخلاق الناس إلا من رحم الله تبارك وتعالى، فالمؤمن يكون حسن العهد يراعي حرمة ما مضى. والسياق هنا في شأن النساء. قوله: (وكيف تأخذونه) يعني: كيف بك بين يوم وليلة إذا حصل بينك وبينها نزاع أو تريد أن تطلقها وتتزوج غيرها، وتقلب لها ظهر المجن وتنقلب رأساً على عقب بعدما كان لها هذه الحرمة وهذه الصحبة وهذه الحقوق وهذا العهد الغليظ الذي أخذه الله سبحانه وتعالى عليك؟! ثم بعد ذلك تنقلب إلى شخص لا ينظر إلا نظرة مادية يريد أن يستحوذ على حق هذه المرأة، وأن يأخذ من مالها الكثير؟ يقول تعالى: ((وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا))، يعني: وكنتم آتيتم إحداهن قنطاراً، يعني: مالاً كثيراً ومهراً (فلا تأخذوا منه شيئاً) هذا هو أول نهي وتنفير (شيئاً) يعني: ولو يسيراً فما بالك بالكثير؟! ثم يقول ثانياً: (أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبينا) يعني أتأخذونه آثمين باهتين ظالمين مبطلين؟ ثم مزيد من التعجب والاستغراب لهذا التطرف قوله تعالى: ((وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ)) يعني: وأنتم بينكم من الحرمة ما ليس له نظير. {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} يعني: ما يكون بين الزوجين من علاقة لا يمكن أن توجد بين شخصين آخرين. (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض) فهذا مما يوجب مزيداً من الحرمة. (وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً) الميثاق الغليظ هو العهد الوثيق المؤكد، الذي يعسر نقضه كالثوب الغليظ يعسر شقه، أو هو التأكيد الذي أتاكم في القرآن الكريم وفي السنة إثر التأكيد بالإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان {فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229]، فإن كنت ستمسكها فبمعروف، وإن كنت ستطلقها فبإحسان. لا ترتكب الفجور في الخصومة بأن تنقلب إلى إنسان مادي لا يبحث إلا عن المال حتى ولو تعدى حدود الله. وقيل: إن الميثاق الغليظ هو قول الولي عند العقد: أنكحتك على ما في كتاب الله من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
حكم المغالاة في المهور وآثاره
حكم المغالاة في المهور وآثاره قوله تعالى: (وآتيتم إحداهن قنطاراً) فيها دليل على جواز الإصداق بالمال الجزيل. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهى عن كثرته ثم رجع عن ذلك. كما روى الإمام أحمد عن أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (ألا لا تغلوا صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، ولا أصدق امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليبتلى بصداق امرأته). وقال: (إن الرجل ليغلي بصداق امرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه)، قد يشق عليه الولي ويغالي في المهر حتى يذوق الويل من أجل جمع هذا المهر العسير، الذي كلف بأن يجمعه إلى أن يكون هذا المهر سبباً في وجود عداوة بينه وبين زوجته. ثم ذكر القاسمي رحمه الله تعالى قصة المرأة التي راجعت عمر في ذلك إلى آخره، وهذه القصة لا تصح سنداً والله تعالى أعلم. رغم إباحة الإكثار من المهر كما في هذه الآية {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا} يعني: مالاً وفيراً مهراً صداقاً، لكن ورد ما يفيد الندب إلى تخفيف المهر وكراهة المغالاة فيه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (خير الصداق أيسره)، وذكر اليسير من المال هنا: (فلا تأخذوا منه شيئاً) تنبيه بالأعلى على الأدنى، خص تعالى ذكر من أتى القنطار من المال بالنهي، وذلك تنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لأنه إذا كان هذا على كثرة ما بذل لامرأته من الأموال منهياً عن أخذ الشيء اليسير الحقير منها على هذا الوجه. يعني: إذا كان الذي دفع قنطاراً منهياً عن أن يأخذ منه شيئاً يسيراً، فالذي دفع شيئاً حقيراً هو أولى أن لا يطلب منها شيئاً على الإطلاق.
معنى الإفضاء في الآية وما يستقر به المهر
معنى الإفضاء في الآية وما يستقر به المهر (وآتيتم إحداهن) معناها: وكنتم من قبل قد آتيتم إحداهن، إذ إرادة الاستبدال في ظاهر الأمر واقعة بعد إيفاء المال وبعد استقرار الزوجية. وقد اتفقوا على أن المهر يستقر بالوطء واختلفوا في استقراره بالخلوة المجردة، ومنشأ ذلك أن (أفضى) في قوله تعالى: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} يجوز حملها على الجماع كناية جرياً على قانون التنزيل من استعمال الكناية فيما يستحيا من ذكره، والخلوة لا يستحيا من ذكرها، فلا تحتاج إلى كناية، ويجوز إبقاؤها على ظاهرها. على أي الأحوال هذا فيه بحث طويل يتعلق بمعنى الإفضاء هنا، يعني: هل هو مجرد الخلوة أم أن المقصود به الوطء؟!
وجه الاستدلال بالآية في منع الخلع والأقوال في ذلك
وجه الاستدلال بالآية في منع الخلع والأقوال في ذلك قوله: ((وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)) بعض العلماء استدل بها على منع الخلع مطلقاً، وقالوا: إن هذه الآية ناسخة لآية البقرة التي تبيح الاختلاع. وقال غيرهم: بل إن هذه الآية منسوخة بآية البقرة. القول الثالث: لا ناسخ ولا منسوخ، بل إن هذه الآية تحرم أخذ الشيء من مال المرأة بدون طيب نفس منها، وآية البقرة تبيح أن تفتدي بأن يأخذ من مهر المرأة أو صداقها ما تطيب بها نفسها فلا تعارض إذاً بين الآيتين. والله تعالى قال في سورة البقرة: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة:229]، هذا صريح في أن الزوجة إذا كرهت خُلُقَ زوجها أو خَلْقَهُ أو نقص دينه أو خافت إثماً بترك حقه أبيح لها أن تفتدي منه، وحل له أخذ الفدية منها؛ لقوله تعالى: ((وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ))، يجوز في هذه الحالة أن تفتدي وتبرئه. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ)) أي: ذاتهن ((كَرْهًا)) بالفتح والضم لغتان وقراءتان، كانوا في الجاهلية يرثون نساء أقربائهم، فإن شاءوا تزوجوهن بلا صداق أو زوجوهن وأخذوا صداقهن، أو عضلوهن، يعني: منعوهن من الزواج حتى يفتدين بما ورثنه أو يمتن فيرثوهن، فنهوا عن ذلك. ((وَلا تَعْضُلُوهُنَّ)) يعني: ولا أن تعضلوهن أي: تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهن، ولا رغبة لكم فيهن وإنما تمسكوهن ضراراً. ((لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ)) يعني: من المهر. ((إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)) الفاحشة المبينة: هي الزنا، أو نشوز فلكم في هذه الحالة أن تضاروهن حتى يفتدين منكم ويختلعن. ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) أي: بالإجمال في القول، والنفقة، والمبيت. ((فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ)) فاصبروا. ((فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)) ولعله يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولداً صالحاً. ((وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ)) أي: أخذ بدلها بأن طلقتموها. ((وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ)) يعني: وقد آتيتم إحداهن أي: الزوجات. (قنطارا)
النساء [24 - 30]
تفسير سورة النساء [24 - 30]
تفسير قوله تعالى: (والمحصنات من النساء)
تفسير قوله تعالى: (والمحصنات من النساء) قال تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء:24]. قال الله تبارك وتعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ} [النساء:23] إلى آخر الآية، ثم أضاف تبارك وتعالى إلى هؤلاء اللائي حرمن ممن ذكر، قوله تعالى: ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ)) يعني: وحرمت عليكم أيضاً المحصنات من النساء. والمحصنات تأتي بعدة معانٍ في القرآن الكريم، فتأتي بمعنى المتزوجات، كما في هذه الآية، وتأتي بمعنى العفائف، وتأتي بمعنى الحرائر. ومعلوم أن الأصل في الفروج هو التحريم، وليس الإباحة، ولذلك نعجب كثيراً حينما نلاحظ بعض الإخوة يتساءل مثلاً يقول: هل أخو الزوج يعتبر أجنبياً على زوجة أخيه؟ نعم، يعتبر أخو الزوج أجنبياً على زوجة أخيه. كذلك يحرم عليه أن يجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها. والعبرة في الحكم على امرأة بالمحرمية، هو أن تحرم عليه على التأبيد، أما التحريم المؤقت فكل النساء حرام على الرجل إلا زوجته وما ملكت يمينه، كما سيأتي. فالأصل في الفروج التحريم، فالمرأة التي تمشي في الشارع هذه محرمة، وزوجة الجار محرمة، وهكذا. يقول تعالى هنا: ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ))، يعني: حرمت عليكم أيضاً المحصنات، وهي في غير هذا الموضع تقرأ: المحصِنات أو المحصَنات، أما في هذا الموضع فباتفاق القراء لا تقرأ إلا بالفتح، ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ))، يعني: ذوات الأزواج أو المزوجات، حرائر كن أو إماء، مسلمات أو غير مسلمات. الحكمة من هذا التحريم هو حفظ الأنساب، فإذا لم تراع هذه الحدود فإنه ستختلط الأنساب وتضيع. ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ))، يعني: ذوات الأزواج من النساء، وقد حرم عليكم أن تنكحوهن قبل مفارقة أزواجهن، يعني: ما دامت هي في عصمة رجل آخر، فكي لا يختلط النسب يحرم عليكم أن تتزوجوهن إلا بعد أن يتوفى زوجها أو بعد أن يفارقها بالطلاق.
معنى قوله تعالى: (إلا ما ملكت أيمانكم)
معنى قوله تعالى: (إلا ما ملكت أيمانكم) قوله: ((إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ))، لابد أن نفهمها فهماً صحيحاً، ((إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ))، لابد أن نقول: إلا من النساء اللائي سبين في الحرب ولهن أزواج. فقوله: (إلا ما ملكت أيمانكم) ليست على إطلاقها، وليس المقصود هنا إلا من سبين ولهن أزواج، ولذلك قال السيوطي هنا: ((إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ))، من الإماء بالسبي، يعني: ملكتموهن بالسبي، فلكم وطؤهن وإن كان لهن أزواج في دار الحرب، لكن بعد الاستبراء، يعني: بعد تبين براءة رحمها من الحمل وذلك بحيضة. والسبب في هذا التقدير الذي ذكرناه أن الآية تتكلم على المحصنات، وهن ذوات الأزواج، فذوات الأزواج كما ذكرنا مسلمات أو غير مسلمات، حرائر أو إماء لا يجوز نكاحهن، فالكلام هنا في ذوات الأزواج من النساء اللائي سبين في الحرب فصرن ملك يمين لكم، فهؤلاء يجوز لكم أن تتزوجوهن، حتى ولو كن ذوات أزواج في دار الحرب. لكن بشرط استبراء الرحم بأن تحيض حيضة فيستبين براءة رحمها من الحمل.
معنى قوله: (كتاب الله عليكم)
معنى قوله: (كتاب الله عليكم) قوله: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء:24]، هنا نصب على المصدر، يعني: كتب الله ذلك عليكم كتاباً، فكتاب الله هو مصدر مؤكد. (كتاب الله عليكم) يعني: كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتاباً وفرضه فرضاً فالزموه ولا تخرجوا عن حدوده وشرعه. {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء:24]، وأحل لكم قراءتان: إما بالبناء للفاعل أو بالبناء للمفعول، يعني: (وأُحل لكم) والقراءة الأخرى: (وأَحَلَّ لكم ما رواء ذلكم) يعني: وأحل لكم الله سبحانه وتعالى ما وراء ذلكم سوى ما حرم عليكم من النساء المحرمات المعدودات في هذه الآية.
معنى قوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) وما يستثنى من ذلك
معنى قوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) وما يستثنى من ذلك قوله: ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ))، يعني: أحل لكم سوى من ذكرنا من النساء غير الأم والبنت والأخت وهكذا، إلى هذه الآية: ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ))، ما سوى هؤلاء المذكورات في الآيتين فهن حلال لكم. ولا شك أن (ما) في هذه الآية تفيد العموم، لكن هذا العموم مخصوص بما استثناه الشرع، كالجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، كما صح ذلك في السنة. أما الجمع بين الأختين فقد ورد التحريم لذلك في القرآن كما في قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:23]، هذه في القرآن. إذاً: عموم قوله تعالى: ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)) مخصوص بمحرمات أُخر دلت عليها دلائل أخر، فمن ذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، وإن كان بعض المفسرين ذهب إلى أن العمة والخالة داخلة في قوله تبارك وتعالى: ((وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ)). لكن على كل حال فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، فلا يجوز للرجل أن يجمع بين المرأة وبين عمتها، ولا بين المرأة وبين خالتها، وقد حكى الترمذي المنع من ذلك عن كافة أهل العلم، وقال: لا نعلم بينهم اختلافاً في ذلك. ومن هذا التخصيص لهذا العموم: نكاح المعتدة، هذه المرأة التي تكون في العدة يحرم نكاحها أثناء العدة. كذلك أيضاً: القادر على الحرة لا يجوز له أن يتزوج الأمة كما سيأتي إن شاء الله، فالقادر على التزوج من حرة لا يجوز له أن يتزوج أمة. من ذلك أيضاً: الرجل الذي عنده أربع زوجات لا يحل له الخامسة وذلك بالإجماع، فهذا أيضاً تخصيص لهذا العموم. من ذلك أيضاً: الملاعنة، ونوع تحريم الملاعنة مؤبد، يعني: الرجل إذا لاعن امرأته وحصلت الملاعنة من الطرفين كما في سورة النور، في هذه الحالة بمجرد وقوع الملاعنة تحرم عليه إلى الأبد. والدليل على ذلك هو من السنة، لكن هل هناك دليل من القرآن الكريم؟ نعم، بل جملة من الأدلة من القرآن الكريم التي تدل على حجية سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في التشريع. هذا فيما يتعلق بالعموم في قوله تعالى: ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ))، يعني: من النساء المحرمات المعدودات، وهذا عموم خصصته السنة كما بيناه.
معنى قوله: (أن تبتغوا بأموالكم)
معنى قوله: (أن تبتغوا بأموالكم) قوله تعالى: ((أَنْ تَبْتَغُوا)) أي: أن تطلبوا النساء. ((بِأَمْوَالِكُمْ))، أي: بصداق أو ثمن، ((مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ)). قوله تعالى: ((أَنْ تَبْتَغُوا))، (أن) بدل من (ما). وهذا قول من الأقوال الصحيحة. هناك قول آخر: أنه مفعول لأجله، (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا) يعني: أحل لكم إرادة أن تبتغوا، أي: تطلبوا النساء. قوله تعالى: (بِأَمْوَالِكُمْ) يعني: أن تطلبوا ما رواء هؤلاء المحرمات من النساء تزوجهن ببذل الأموال وبصرفها في مهورهن بالصداق.
معنى الإحصان والمسافحة
معنى الإحصان والمسافحة قوله: (مُحْصِنِينَ) يعني: متزوجين. إعراب (محصنين) حال من فاعل (تبتغوا) يعني: حال كونكم محصنين. والإحصان: هو العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم. قوله: ((غَيْرَ مُسَافِحِينَ))، المقصود: غير زانين. والسفاح: هو الزنا والفجور، وهو مشتق من السفح وهو الصب؛ لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة، وكان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل المرأة قال: أنكحيني، فإن أراد الزنا قال: سافحيني، والمسافحة: أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح.
حكم تعجيل المهر وتأجيله والإسقاط منه قبل فرضه وبعده
حكم تعجيل المهر وتأجيله والإسقاط منه قبل فرضه وبعده ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ))، يعني: فما تمتعتم به منهن ممن تزوجتم بالوطء. ((فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً))، يعني: مهورهن التي فرضتم لهن. ((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ))، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم أنتم وهن به من بعد الفريضة، يعني: من الحط منه إذا حصل بعدما أثبتم المهر، حصل أن رجلاً أعسر أو المرأة أرادت أن تسامحه في المهر كله، برضا نفس لا بأس، أو بأن تحط عنه بعضه فلا بأس، أو بالزيادة عليه فلا بأس. لكن هل يجوز ابتداءً الاتفاق على إسقاط المهر؟ لا يجوز بحال أن يتم زواج بدون مهر، لكن يمكن بعدما يستقر المهر في ذمته أن تحط عنه كله أو بعضه برضاها. قد يحصل أن يتزوج بدون أن يحدد مهراً، وهو جائز، لكن يجب عليه المهر بعد العقد، لكن هناك فرق بين من يتزوج ولا يحدد المهر، وبين من يتزوج ويتفق على إسقاط المهر قبل الزواج، فهذا لا يجوز بحال من الأحوال باتفاق العلماء، لكن يمكن أن يتزوج ويبقى المهر إما مؤجلاً، أو معجلاً بعضه ومؤجلاً بعضه إلى آخره، فإن فرضتم المهر ورضيت المرأة وطابت عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً كما جاء في الآيات الأخرى مثل قوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء:4]، كذلك هو مثل قوله تبارك وتعالى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة:237]. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء:24]، (عليماً) أي: بخلقه، (حكيماً) أي: فيما دبره لهم. وقبل أن نتجاوز قوله تعالى: ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ))، قلنا: إنها تقرأ أحياناً بالفتح، وأحياناً بالكسر، لكن هنا في هذه الآية بالذات لا تقرأ إلا بالفتح باتفاق القراء، فإذا قرئت بالفتح فتكون هذه مشتقة من أحصَن، ومحصن مشتقة من أحصن، يعني: من الفعل المبني للمعلوم يشتق اسم الفاعل، أحصَن فهو محصن يعني: أحصن نفسه، أو محصَن فهو أحصن، يعني: أحصنه غيره. أما القراءة بالكسر: (وَالْمُحْصْنَاتُ) فتكون مشتقة من أحصنَّ، يعني: أحصن فروجهن أو أحصن أزواجهن، واشتقاق الكلمة من الإحصان الذي هو المنع.
حكم نكاح المتعة ووجه الاستدلال بالآية
حكم نكاح المتعة ووجه الاستدلال بالآية قبل أن أتجاوز هذه الآية فيها كلام مفصل وكلام كثير يتعلق بكلام بعض المفسرين حيث فسر قوله تعالى: ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)) بأنها نزلت في نكاح المتعة. فقوله تعالى: ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)) أي: من اللائي تزوجتموهن. ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)) معنى ذلك: أن المهر يلزم الرجل ويتأكد في حقه بدخوله بالزوجة. فقوله: ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)) قالوا: إن هذه إشارة إلى نكاح المتعة. ((فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً))، يعني: الأجر الذي يبذله لها. ((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ))، يعني: إن انتهى أجل هذا النكاح؛ لأن نكاح المتعة يكون مؤجلاً، فإذا انتهى ذلك الأجل فإنها في حل، وإذا مات هو لا ترثه، وإذا ماتت هي لا يرثها إلى آخره. ونكاح المتعة: هو الزواج إلى أجل معلوم بلفظ المتعة كمتعتك، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يرى نكاح المتعة، ثم نسخت هذه الآية بما روى ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سبرة الجهني رضي الله تعالى عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً بين الركن والباب وهو يقول: يا أيها الناس! إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع -يعني: في نكاح المتعة- ألا وإن الله حرمها إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها -أي: من كان عنده امرأة ممن نكحها نكاح المتعة فليخل سبيلها- ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً). وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه خطب وقال: (ما بال رجال ينكحون هذه المتعة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، لا أوتى بأحد نكحها إلا رجمته). وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيره عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الأنسية -يعني: الحمير الأهلية-). اختلف العلماء في بيان متى تم تحريم نكاح المتعة على أقوال: فمن قائل: يوم خيبر، استدلالاً بهذه الرواية المتفق عليها عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ومنهم من قال: إنه تم تحريم المتعة في عام فتح مكة. ومنهم من قال: بل هو عام حنين، وهذا القول الثالث هو بنفسه الثاني؛ لأن معركة حنين وفتح مكة متصلتان. القول الرابع: أن نكاح المتعة حرم عام حجة الوادع، وهو وجه من بعض الرواة، سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوادع، وسفر الوهم من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن واقعة إلى واقعة كثيراً ما يعرض للحفاظ، يعني: هذه الحالة تعرف عند علماء الحديث بسفر الوهم، وهو أن الراوي يسافر بوهمه وبخياله من موقع إلى موقع، فيبدل الأسماء أو الأماكن أو الوقائع. والعلماء لهم طرائف في الترجيح عند هذه الحالات، ومنها: هذا الذي نحن بصدده، والصحيح أن المتعة حرمت عام فتح مكة كما في صحيح مسلم، ولو كان التحريم زمن خيبر للزم النسخ مرتين، وهذا لا عهد لمثله في الشريعة ألبتة، ولا يقع مثله في هذه الشريعة. كما أن خيبر لم يكن فيها مسلمات، بل كان فيها يهوديات، ولم تكن قد نزلت آية المائدة التي فيها إباحة نكاح الكتابيات، {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة:5]، لأن آية المائدة نزلت في حجة الوداع يوم النحر، وهي في سياق قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة:3]، فلو كان التحريم في خيبر فمعنى ذلك أن النسخ حصل مرتين، وهذا لا يقع في الشريعة. أما ما جاء في رواية علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: (أنه نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية أو الأنسية) فهذا الحديث ثبت بلفظين: أحدهما: هذا اللفظ الذي الذي سبق. وهناك لفظ آخر: وهو الاقتصار على نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. يعني: اللفظ الآخر: (أنه نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الأنسية يوم خيبر). فإذاً يكون يوم خيبر فيه بيان تحريم أكل لحوم الحمر الأنسية، وليس فيه بيان تحريم نكاح المتعة. فإذاً هذا الجواب على من يستدل بأن تحريم المتعة حصل في خيبر. والصحيح أنه حصل في فتح مكة، وهذا الحديث كما ذكرنا ثبت في الصحيحين بهذا اللفظ، وثبت أيضاً في رواية أخرى بالاقتصار على نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، فكلمة (يوم خيبر) ليست لبيان تحريم المتعة، وإنما لتحريم لحوم الحمر الأهلية، فتوهم بعض الرواة أن يوم خيبر ربط بين تحريم الاثنين معاً. ليس هذا فحسب، بل بعض الرواة اقتصر على رواية الحديث: (حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعة زمن خيبر)، فقصرها على هذه المرتبة الثانية من الخطأ الذي وقع ومن الغلط البين. فإن قيل: فما سر جمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في هذا الحديث بين الأمرين؟ يعني: علي جمع في الحديث بين النهي عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الأنسية. فنقول: سر ذلك أنه كان يناظر ابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ لأن ابن عباس كان يبيحهما، فناظره في المسألتين، وروى له التحريمين، وقيد تحريم الحمر بزمن خيبر وأطلق تحريم المتعة، وقال له: (إنك امرؤ تائه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم المتعة وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر). إذاً: كلمة يوم خيبر جاء في تحريم لحوم الحمر الأهلية وليست في تحريم نكاح المتعة كما قاله سفيان بن عيينة وعليه أكثر الناس. فروى علي رضي الله عنه الأمرين محتجاً عليه بهما لا مقيداً لهما بيوم خيبر. لكن هل تحريم نكاح المتعة هو من باب تحريم الفواحش، أم أنه حرمها عند الاستغناء عنها وأباحها للمضطر؟ هي حرمت كتحريم الفواحش تماماً، والفواحش لا تباح بحال. أما القول بأنه حرمها عند الاستغناء عنها وأباحها فقط في حالة الاضطرار، فهذا القدر هو الذي نظر فيه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، فـ ابن عباس لم يبحها بإطلاق كما يزعم الشيعة، والشيعة إلى الآن يتمادون في موضوع نكاح المتعة كما هو معلوم عنهم، وهو من خبائثهم. إذاً ابن عباس نظر إلى أنها لم تحرم تحريماً مطلقاً كتحريم الفواحش، والفواحش لا تباح بحال، وإنما ذهب إلى أنها تحرم عند الاستغناء عنها وتباح للمضطر، فهذا هو الذي نظر فيه ابن عباس وقال: أنا أبحتها للمضطر كالميتة والدم، فلما توسع فيها من توسع ولم يقف عند الضرورة أمسك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الإفتاء بحلها ورجع عنه، وكان ابن مسعود يرى مثل قوله، أو قريباً منه. وقد روي أن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال لـ ابن عباس رضي عنهما: (أتدري ما صنعت بفتواك -فتواه التي هي إباحة نكاح المتعة-؟ فقد سارت بها الركبان وقيل فيها الشعر، وكان من الشعر الذي قيل: قد قلت للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون ما بهذا أفتيت، ولا أحللت إلا مثلما أحل الله الميتة والدم). إذاً معنى هذا الكلام: أن هذا هو القدر الذي اجتهد فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكما ذكرنا: فالإجماع منعقد على خلاف ذلك، يعني: الإجماع على تحريم نكاح المتعة.
تفسير قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات)
تفسير قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات) لقد شرع الله بعد ذلك في بيان نكاح ما يستباح للضرورة كنكاح المتعة، يعني: على قول ابن عباس أو على قول من يرى أنه في حالة الاضطرار يباح للمسلم المتعة، فكأن الله سبحانه وتعالى هنا يبين لنا ما يستباح للضرورة، لكن الفرق بين هذه الضرورة وما يأتي الآن هو أن الضرورة التي أبيح لأجلها نكاح المتعة كانت ضرورة مؤقتة انقطعت إلى يوم القيامة، بحيث عاد حراماً تحريماً شاملاً كاملاً أبدياً. فيشرع عز وجل هنا في بيان نكاح ما يستباح للضرورة كنكاح المتعة، لكنها ضرورة مستمرة لا تنقطع بكثرة الإسلام، أما الضرورة التي أبيح لأجلها نكاح المتعة فهي ضرورة مؤقتة انقطعت في ذلك الوقت وانتهت. أما الضرورة التي ستأتي فهذه مستمرة كما في قوله تبارك وتعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} [النساء:25]. ((وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا))، (طولاً) يعني: غنىً. ((أَنْ يَنكِحَ))، يعني: غنىً لأن ينكح. (من لم يستطع منكم) من لم يقدر، (منكم). (ومن لم يستطع منكم) الخطاب هنا للأحرار، أي: ومن لم يستطع منكم أيها الأحرار طولاً، يعني: لم يقدر أن يحصل غنىً يمكنه أن ينكح المحصنات المؤمنات.
معنى المحصنات في قوله: (طولا أن ينكح المحصنات)
معنى المحصنات في قوله: (طولاً أن ينكح المحصنات) المحصنات هنا بمعنى: الحرائر، لماذا قلنا: المحصنات هنا بالذات بمعنى: الحرائر؟ لأن الآية تبين أن من عجز عن نكاح الحرائر يجوز له نكاح الإماء، أي: لابد أن نفسر المحصنات بعكس الإماء، وهن الحرائر. يقول عز وجل: ((وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ))، أي: لم يستطع منكم غنىً أن يتزوج الحرائر. إذاً المحصنات هنا: الحرائر، والحرائر معروفات بالعفة، فالمحصنات المتعففات بخلاف الزواني، فإنه لا عبرة بهن، ويكن أيضاً مؤمنات؛ لأن الكوافر أيضاً لا عبرة بهن؛ لأن العفة عنوان الحرية، ولذلك لما بايعت هند رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعها على الصيغة المعروفة: (ولا يزنين) لما سمعت هذا الكلام اضطربت وقالت: (أوتزني الحرة؟) واستحيت من ذلك، فمعروف أن الحرة عفيفة.
معنى الإدناء من الجلابيب والحكمة منه
معنى الإدناء من الجلابيب والحكمة منه كما تعلمون في سبب نزول قوله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب:59]، هل المقصود أن يعرفن بأن فلانة زينب أو فلانة عائشة أو فلانة كذا، أم أن المقصود أن يعرفن بالصفة؟ المقصود: أن يعرفن بالصفة؛ لأن هناك قرينة في الآية واضحة جداً، وهي أن الخطاب هنا موجه لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، قال عز وجل: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ))، هل أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام كن يكشفن وجوههن؟ لا، بل معروف بالإجماع أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن محجبات حجاباً كاملاً يغطي جميع البدن بما في ذلك الوجه والكفين. ((قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ))، الإدناء شيء زائد على لبس الجلباب، يقال: أدن الثوب من وجهك، يعني: غطه به. هذا كلام العلماء في غير زمان الغربة الذي نحن فيه الآن، حيث صار كل من هب ودب يتطاول على الدين، ويسترسل مع الموجة الشيطانية -التي نحن فيها- حيث صرنا نسمع نوعاً من الافتراء على الله وعلى كتاب الله تبارك وتعالى في تفسيره، فهذه الآية باتفاق المفسرين في هذا المعنى. قوله تعالى: ((يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ))، يعني: هن في الأصل لابسات الجلباب، لكن أمرن بشيء زائد على الجلباب ألا وهو الإدناء بتغطية الوجه. ((ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ))، ذلك أدنى أن يعرفن بأنهن حرائر فلا يتعرض لهن المنافقون بالأذية، ولذلك (كان عمر رضي الله تعالى عنه إذا رأى أمة متقنعة أو مغطية وجهها كان يعلوها ضرباً بالدرة ويقول: تتشبهين بالحرة يا لكع) يضربها كي لا تشابه الحرائر في لبسهن وهيئتهن.
المرأة بين منافقي الأمس ومنافقي اليوم
المرأة بين منافقي الأمس ومنافقي اليوم ونحن في الحقيقة نعجب من هذا الزمان الذي نحن فيه! كانت علامة الحرية فيما مضى هي العفة والحشمة والتستر، أما الآن فصارت علامة الحرية أن المرأة تتعرى وتتكشف وتتبرج!! هل هذه حرة؟! فيقولون: تحرير المرأة حرية المرأة، فالحرية أصبحت علامة على التهتك والتبرج والسفور. في المقاييس الأولى كانت علامة الحرية أن المرأة تتعفف وتتصون؛ لأن التي تبالغ في ستر بدنها إلى هذا الحد لا يمكن أن يطلب منها الفاحشة أو يطمع فيها، فإنا لله من هذا الزمن العجيب الذي نعيشه الآن!! والمنافقون في ذلك الزمان كانوا أحسن وأفضل من المنافقين في أيامنا هذه، لماذا؟ لأن المنافقين فيما مضى إذا علموا أن المرأة حرة ووجدوها محجبة ففي هذه الحالة يكفون عنها، أما الآن فيسلطون سهامهم على المرأة الحرة المتعففة باسم الحرية، والحقيقة ليست حرية بل شيطانية. يقول تبارك وتعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ}، يعني: الحرائر، والحرائر يستلزم كونهن عفيفات. {الْمُؤْمِنَاتِ}، هذا القيد جرى على الغالب فلا مفهوم له، بتعبير آخر هو ليس قيداً في الحقيقة وإنما هو تعبير غالبي، أن أغلب المحصنات الحرائر اللاتي يتزوجهن المسلمون يكن مؤمنات، فيجوز نكاح المحصنات من أهل الكتاب أيضاً جمعاً بين ذلك وبين آية المائدة.
وجه تقييد نكاح الإماء بالإيمان
وجه تقييد نكاح الإماء بالإيمان قوله: ((فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ))، يعني: الذي يعجز عن نكاح الحرائر من المؤمنات فيجوز له أن ينكح مما يملكه أيمان إخوانكم، (فمن ما ملكت أيمانكم) يعني: من عجز ولم يجد غنىً كي يتزوج الحرائر المؤمنات فله أن ينكح بعض ما يملكه أيمان إخوانه المسلمين. {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ}، يعني: الإماء حال الرق، ليس حال الحرية أو العتق. {الْمُؤْمِنَاتِ}، يعني: لا يجوز نكاح الإماء الكتابيات، لماذا؟ حتى لا يجتمع عار الرق إلى عار الكفر كما سنبين إن شاء الله. {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ}، يعني: فاكتفوا بظاهره وكلوا السرائر إليه، فإنه العالم بتفصيلها، ورب أمة يكون عندها من قوة الإيمان ما يجعلها أفضل من الحرة عند الله تبارك وتعالى الذي هو أعلم بالإيمان. {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}، يعني: أنتم وهؤلاء الإماء أو الفتيات المؤمنات بينكم نوع من المناسبة، وهي أنكم تنتمون إلى أبيكم آدم عليه السلام، وكما أن دينكم هو دين الإسلام فبعضكم من بعض في الانتساب لآدم وفي ملة الإسلام، فلا تستنكفوا من نكاحهن، فهذا نوع من التسلية والتعزية لمن عجز على نكاح الحرة، واضطر إلى نكاح الأمة.
شروط نكاح الإماء
شروط نكاح الإماء قوله: ((فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ))، المقصود هنا: بإذن مواليهن لا استقلالاً. ((وَآتُوهُنَّ))، أي: أعطوهن. ((أُجُورَهُنَّ))، أي: مهورهن. ((بِالْمَعْرُوفِ))، يعني: من غير مطل ونقص، ومن غير ضرار. يقول تبارك وتعالى: {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ}، إعراب (محصنات) هنا: حال، يعني: حال كونهن عفائف من الزنا أو عن الزنا. ((غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ))، هذه حال مؤكدة لصفة الإحصان. ((مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ))، أي: غير زانيات جهراً. ((وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ))، الأخدان هم الأخلاء الذين يزنون بهن سراً، والأخدان هم الذين يجمعهم الفحش والفجور، يعني: واحدها خدن أو خدين ((وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ)). إذاً: هذه الآية الكريمة تبين شروط نكاح الإماء، ((وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ))، فكلمة المؤمنات قلنا: إن المقصود بها: الإماء المؤمنات لا الكتابيات، أي: لا يجوز لكم أن تنكحوا الأمة الكتابية، لكن الأمة التي تكون مسلمة؛ لأنه لا يحتمل مع عار الرق عار الكفر، ولأن عار الكفر بلا شك أشد من عار الرق. قوله تبارك وتعالى: ((ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ))، (ذلك) يعني: هذه الإباحة، (لمن خشي العنت منكم) العنت هو خوف الوقوع في الزنا والفاحشة. ((وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ))، وأن تصبروا عن نكاح الإماء حتى تحصلوا على المهر الذي به تستطيعون نكاح الحرة فهو خير لكم، وسنذكر إن شاء الله وجوه هذه الخيرية أو الأفضلية. إذاً هذه الآية نستطيع أن نستنبط منها ثلاثة شروط لجواز نكاح الإماء، اثنان منها في الشخص الناكح وواحدة في المنكوحة، أما الشرطان اللذان يشترطان في الناكح المتزوج فهما: الشرط الأول: أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق، وهو معنى قوله تعالى: ((وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا))، أي: لم يجد غنىً، ((وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ))؛ لأن العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة أسيادهن ومواليهن. الشرط الثاني: أن يخشى الوقوع في الزنا، والدليل قوله: (ذلك) يعني: هذه الإباحة (لمن خشي العنت منكم) أما من لم يخش الوقوع في الزنا فلا يحل له نكاح الأمة. ومعنى: (خشي العنت منكم) يعني: بلغ الشدة في العزوبة. الشرط الثالث هو شرط في المنكوحة من الإماء: أن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة، يعني: حتى لو كانت أمة كتابية فلا يجوز نكاح الأمة الكتابية، لماذا؟ لأن الأمة الكافرة ناقصة من وجهين: ناقصة من جهة الرق. وناقصة من جهة الكفر. والولد تابع للأم في الحرية والرق، إذا نكح الرجل أمة فالأولاد الذين تلدهم يكونون تبعاً لها، فإن كانت حرة فسيكونون أحراراً، وإن كانت أمة فالأولاد سيكونون أيضاً أرقاء لسيد أمهم. لو تزوج المسلم بأمة يهودي أو نصراني فالأولاد سيكونون تابعين لأمهم، وخاضعين لسيدهم النصراني أو اليهودي. فالأمة الكافرة ناقصة من وجهين: الرق، والكفر. والولد تابع للأم في الحرية والرق، وحينئذٍ لو كانت الأمة كتابية وهي ملك للكافر فالولد سيحصل فيه نقصان الرق ونقصان كونه ملكاً للكافر، فهذا فيه هذان العيبان.
حد الأمة بعد إحصانها وتزوجها
حد الأمة بعد إحصانها وتزوجها قال تعالى: {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ}، (فإذا أحصن) يعني: إذا زوجن، هنا انتقال لحكم آخر يتعلق بالإماء وهو: أن الأمة إذا تزوجت وبعد الزواج أتت بفاحشة مبينة فما حدها؟ هذا هو السؤال الذي تجيب عليه هذه الآية، يقول تعالى: ((فَإِذَا أُحْصِنَّ))، يعني: إذا أحصن هؤلاء الإماء بالزواج، وفي قراءة أخرى بالبناء للفعل، (فإذا أحصن) يعني: تزوجن. ((فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ))، أي: بزنا. ((فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ))، قوله تعالى: ((فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ))، (المحصنات) المقصود بهن هنا: الحرائر الأبكار إذا زنين. ((مِنَ الْعَذَابِ))، يعني: من الحد، إذا كانت الأمة متزوجة فإنها لا تستوي مع الحرة في كونها ترجم؛ لأنهن من أهل المهانة. وإن كان كلام السيوطي: (فعليهن نصف ما على المحصنات) يعني: حدهن مثل نصف حد الحرائر الأبكار. هذا الوجه الذي ينبغي أن يفهم عليه كلام السيوطي. إذا زنت الحرة البكر يكون حدها مائة جلدة، فهذا لبيان الحد فقط. يعني: بما أن حد الحرة البكر مائة جلدة، فإن الأمة إذا كانت متزوجة فحدها نصف هذا الحد الذي هو خمسون جلدة، هذا لبيان النسبة فقط، والمقصود: أنه ليس هناك رجم على الأمة المتزوجة، وليس حدها مثل نصف حد الحرة المحصنة؛ لأن الحرة المحصنة حدها الرجم. الخلاصة: أن عليهن نصف ما على المحصنات الحرائر الأبكار إذا زنين، ويكون حدهن خمسين جلدة.
الحكمة من عدم رجم الأمة المحصنة
الحكمة من عدم رجم الأمة المحصنة لماذا لا ترجم الإماء؟ قال بعض المفسرين: لأن الإماء من أهل المهانة، فلا يفيد فيهن المبالغة في الزجر، والحكمة من الرجم هو المبالغة في زجر الناس عن الفاحشة، قال عز وجل: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:2]، لزجر قوة هذا الدافع في الناس. وأيضاً فإنها إذا قتلت فسيعود ذلك بالضرر على سيدها الذي يملكها. ((فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ))، أي: الحرائر الأبكار إذا زنين.
الحكمة من التغريب للزاني البكر
الحكمة من التغريب للزاني البكر قوله: ((مِنَ الْعَذَابِ))، أي: الحد، فيجلدن خمسين ويغربن نصف سنة، هذا على مذهب من يقول بالجمع بين الجلد والتغريب، كي يجمع بين عقوبة البدن وعقوبة القلب؛ لأن الغربة عذاب على القلب، ولذلك لما قالوا لبعض العلماء: لماذا كان السفر قطعة من العذاب؟ قال: لأن فيه فراق الأحباب، فهذا عذاب للقلب. كذلك أيضاً هناك حكمة أخرى من تشريع التغريب، وهي تغيير البيئة التي تذكر العاصي بأصحابه الذين يؤزونه أزاً، وذكريات الفساد أو المعاصي التي كان يرتكبها، فإذا غيرت البيئة كان ذلك أعون له على فتح صفحة جديدة من حياته، وهذا الأسلوب تلجأ إليه بعض الجماعات -مثل جماعة التبليغ- في تربية أفرادها، فتراهم يعزلون الشخص عن بيئته حتى إنه مهما كان فاسداً في بيئته فهم يجعلونه يعيش معهم في حالة تعبد وذكر وغير ذلك فترة معينة، بحيث تتغير بالفعل صفاته وأخلاقه.
الاعتداد بمفهوم الشرط وعدمه وما يترتب عليه
الاعتداد بمفهوم الشرط وعدمه وما يترتب عليه قوله: ((فَإِذَا أُحْصِنَّ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ))، هنا مسألة تتعلق بهذا القيد وهو: (فَإِذَا أُحْصِنَّ): وهو مفهوم الشرط. معنى ذلك: أن الأمة إذا ارتكبت الفاحشة قبل الزواج هل عليها حد أم ليس عليها حد؟ هذا هو الخلاف الذي ترتب على مدى الاعتداد بمفهوم الشرط، هل مفهوم الشرط هنا يعتد به؟ بمعنى: إذا أحصن فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، لكن إذا لم تحصن الأمة وأتت بالفاحشة هل عليها حد أم لا؟ يؤخذ من ظاهر الآية أن الأمة بعد التزويج حدها نصف حد الحرة البكر من الجلد، أما قبل التزويج فقد أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بجلدها، لكن بلا شك مهما كان خلاف العلماء في هذه الآية أو في هذا الشرط فإنه طبقاً لهذه الآية لابد أن يخالف حالها بعد الإحصان حالها قبله، وإلا لم يكن للتقييد بالإحصان فائدة، (فإذا أحصن) لاشك أن هذه الكلمة لها مفهوم مهم جداً، وحكم شرعي ينبني عليها، وإلا لو كان الأمر يستوي قبل الإحصان مع ما بعد الإحصان لما كان في التقييد بهذا الشرط فائدة.
حد الأمة قبل الإحصان
حد الأمة قبل الإحصان هنا احتمالات ذكرها العلماء: الكلام هنا الآن في الأمة إذا ارتكبت الفاحشة قبل أن تحصن وتتزوج فهل عليها حد أم لا؟ بعض العلماء قالوا: لا حد عليها، ويجاب عن ذلك بأن السنة الصحيحة تبطل ذلك، بل ثبت في السنة أن الأمة التي لم تتزوج وزنت أنها تجلد، لكن يأتي سؤال بعد هذا هل هو حد أم تعزير؟ فلذلك لن نقول: حدت لكن نقول: جلدت. الاحتمال الثاني: أن يقال: حدها قبل الإحصان حد الحرة وبعد الإحصان نصف حد الحرة، وهذا باطل قطعاً؛ لأنه مخالف لقواعد الشرع وأصوله، ولأن المحصن الذي أعفه الله بالزواج ومع ذلك يرتكب الفاحشة فهذا يستحق عذاباً أشد من عذاب العزب، ولذلك شرع في حق المحصن الرجم وفي حق غير المحصن الجلد فقط؛ لأنهما لا يستويان في قوة الدافع إلى هذا الفعل، فكيف هنا تأتي في الأمة فتقول: إن حدها قبل الإحصان مائة جلدة فإذا أحصنت وزنت يكون حدها خمسين؟! هذا يتعارض مع قواعد الشرع في تغليظ العقوبة طبقاً لقوة الدافع. الاحتمال الثالث: أنه يعتبر قبل الإحصان تعزيراً وبعد الإحصان يعتبر حداً شرعياً، وهذا القول أقوى من سابقيه.
من يقيم الحد على الأمة
من يقيم الحد على الأمة الافتراق في الحالين قبل الإحصان وبعده في إقامة الحد لا في قدره، (فإذا أحصن فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب). فالكلام هنا متعلق بإقامة الحد وليس بقدر إقامة الحد، يعني: أنه في حالة الثيب الذي يتولى إقامة الحد هو الإمام، وهذا أقرب الأقوال التي تقال في هذه الآية. (فإذا أحصن) سر هذا القيد الشرطي هو ليس في مقدار الجلد، لأنه في الحالتين القدر واحد، لكن الذي يتولى إقامة الحد قبل الإحصان هو سيدها، والذي يتولى إقامة الحد عليها بعد الإحصان هو الإمام، وهذا أقرب ما يقال كما حققه بعض العلماء. ((فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ))، أي: زنا، ((فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ))، أي: الحرائر الأبكار إذا زنين، ((مِنَ الْعَذَابِ))، أي: الحد، فيجلدن خمسين، ويغربن نصف سنة، ويقاس عليهن العبيد، ولم يجعل الإحصان شرطاً لوجوب الحد، بل لإفادة أنه لا رجم عليهن أصلاً. ((ذَلِكَ))، يعني: إباحة نكاح الإماء المؤمنات عند عدم الطول، أي: الغنى والقدرة على نكاح الحرائر. ((ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ))، (خشي) أي: خاف، (العنت) أي: الزنا، ويفسر بالمشقة في التحفظ من الزنا؛ لأن أصل كلمة (العنت) هي المشقة، وهي تطلق على الزنا نفسه؛ لأن الفاحشة سبب لهذه المشقة؛ لماذا؟ لأنه إذا وقع فيه فإنه يترتب عليه الحد في الدنيا أو العقوبة في الآخرة. (ذلك لمن خشي العنت منكم) يعني: هذه الإباحة لمن خشي العنت منكم أيها الأحرار، بخلاف من لا يخافه من الأحرار، فلا يحل له نكاح الأمة إذا لم تتوافر هذه الشروط. وكذلك من استطاع طول حرة فإنه لا يجوز له أن يتزوج أمة وهو قول الشافعي. وخرج بقوله: ((مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ))، الإماء الكافرات فلا يحل له نكاح الأمة الكافرة ولو عدم القدرة وخاف العنت، يعني: لابد من اجتماع الشروط الثلاثة، فلو أن رجلاً كان غير قادر على نكاح الحرائر، ويخشى العنت، لكن الأمة التي تزوجها كافرة فهل يجوز له ذلك؟ لا، لابد من اجتماع ثلاثة شروط لا يتم الجواز إلا بجميعها.
كراهة التزوج بالإماء مع توافر شروط الجواز
كراهة التزوج بالإماء مع توافر شروط الجواز قوله: ((وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ))، في الآية كراهة نكاح الأمة عند اجتماع الشروط، يعني: هذا الجزء من الآية يدل على أنه مع إباحة نكاح الإماء وكونها مشروطة بهذه الشروط الثلاثة، مع ذلك أن تصبروا يكون أفضل لكم حتى لو كان مباحاً، فهذا يفهم منه كراهة نكاح الإماء حتى مع اجتماع الشروط، وإن سبقت الرخصة بذلك، فخيرية الصبر عن نكاح الإماء تكون من وجوه: الوجه الأول: لما فيه من تعريض الولد للرق، ولذلك لما تكلمنا في موضوع العزل، ذكرنا أن أحد الأسباب التي رخص فيها العزل هو أنه إذا كان متزوجاً أمة وأتت بأولاد فإنهم سيكونون أرقاء فأبيح العزل لهذا السبب. وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: (أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه) يقصد ولده. الوجه الثاني: أن حق المولى في الأمة أقوى من حق الزوج، فلا تخلص للزوج خلوص الحرائر. والواحد عند سرد هذه المقارنات التي ذكرها العلماء يتصور أحوال النساء الهاربات من وظيفتهن التي هي: تربية الأولاد، ورعاية الزوج، وأداء حقه، فنلاحظ الآن أن هناك نوعاً من الاسترقاق الجديد، يعني: عندما تكون المرأة متزوجة وهي موظفة وقوانين العمل وسلطة المدير تتحكم فيها، مثلاً: بعض النساء في التمريض أو بعض المهن المعينة، فإنها قد تكلف بأي عمل، وتحتاج أن تنتقل من مكان إلى مكان أو من بلد إلى بلد وغير ذلك، فهنا تكون هناك سلطة غير سلطة الزوج على المرأة، حتى لو أن الزوج صرخ واستغاث ما يسمع له. فهذه الأمة حق المولى فيها أقوى من حق الزوج، فلا تخلص للزوج خلوص الحرائر؛ ولأن المولى يقدر على استخدامها كيفما يريد في السفر والحضر، وعلى بيعها للحاضر والبادي، وفيه من اختلال حال الزوج وأولاده ما لا نزيد عليه؛ ولأن الأمة ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة، وذلك كله ذل ومهانة، والعزة هي اللائقة بالمؤمنين، كما أن مهر الأمة لمولاها، فلا تقدر الأمة على التمتع به، ولا على هبته للزوج. فخلاصة الكلام: أنه بنكاح الأمة لا ينتظم أمر المنزل، كما يقول الشاعر: إذا لم يكن في منزل المرء حرة تدبره ضاعت مصالح داره.
وظيفة المرأة الحقيقية
وظيفة المرأة الحقيقية يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها) فحدد دائرة عملها، وأن وظيفتها في بيت زوجها، فمن الخداع والكذب والتزوير والتضليل أن تسمى المرأة التي تنقطع لأداء وظيفتها المقدسة: امرأة عاطلة، والثانية يسمونها: امرأة عاملة، هي ليست عاملة بل هي هاربة من وظيفتها. انظر الموظف الذي يهرب من العمل كيف يعامل، وكيف يعاقب، وكيف ينظر إليه؟! فهذه المرأة في الحقيقة هي ليست عاطلة وليست خالية، بل عندها أهم وأخطر وظيفة، قارن بين وظيفة المرأة في البيت في رعاية الزوج والأولاد، وبين وظيفتها في الأعمال الخارجية، يعني: هل هناك أم في العالم تسمعون أنها أخذت إجازة سنوية قدرها شهر أو كذا أو كذا حتى تنقطع من خدمة الأولاد وخدمة الزوج؟! أي واحد يعمل عملاً خارجياً فإنه يعمل عدة ساعات، لكن الأم ليس لها وقت محدد من الساعة للعمل، هل سمعتم أماً تقول: أنا دوامي انتهى؟! هل هذا يحصل؟! فهذا عمل أم ليس بعمل؟ هذا عمل دائم في الليل والنهار، ولذلك الإنسان يلاحظ أن بعض الأمهات عندما تنجب ولداً أو اثنين فإن حياتها كلها تتلخبط، ولا تستطيع أن تقوم على خدمة الزوج والأولاد رغم وجود الأجهزة الحديثة التي تساعدها. وغالب النساء المتزوجات عندهن أولاد أكثر من ذلك ومع ذلك تريد أن تخرج للعمل فأكيد أنها ستضيع أولادها، وتتركهم للخدم أو لمدارس الإيواء، ويسمونها: مدارس إيواء، وهي لمن هم دون سن الحضانة، يقول الشاعر: ليس اليتيم من انتهى أبواه وخلفاه في الحياة ذليلا إن اليتيم من تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولا فهذا هو اليتيم الذي حرم من الأبوة أو الأمومة. على أي حال الذي قادنا إلى الاستطراء في هذا الكلام المقارنة بين الحرائر فيما مضى وحرائر زماننا، فالمرأة الحرة الآن عكس ما كان من قبل، من قبل الحرة العفيفة المحصنة -حتى إلى عهد قريب- كانت المرأة التي هي من العائلات العريقة، لابد أن تستتر، حتى كان الملوك عندهم ما يسمى (بالسرملك) (والحرملك) وهو مكان مستقل توضع فيه النساء حتى لا يختلطن بالضيوف ولا يراهن أحد، ويأتيهن البائعون والتجار في داخل (الحرملك) وهو الذي بيسمونه: منزل الحريم، يعني: المبنى الذي يستقل بالنساء حتى لا يختلطن بالرجال. وهذا كان إلى عهد قريب، أما الآن فالمرأة الحرة تتبرج وتتكشف مع أن هذا نوع من الاسترقاق، (فالمرأة راعية في بيت زوجها) ولذلك نجد المرأة تتعب نفسها حتى تعد الدكتوراه وتنفق شبابها وتتأخر في الزواج، أو تصير عانساً، وفي الأخير تكون غايتها في الحياة أن تتزوج، وتتمنى أن يكون لها أولاد وبيت، وتحرم من هذه النعمة، ويكون قد فاتها القطار، هذه حقيقة نحن نلمسها وليس مجرد كلام، لكن هي العجلة تدور بالمجتمع وتدور بالناس، ونحن نتعرض لجرعات كبيرة من السموم الفكرية التي قل من يسلم منها في هذا الزمان، لكن العجلة تدور ونحن ندور معها كتلك الدابة التي تربط في الساقية دون أن ينتبه الإنسان للحقيقة. {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:218] يعني: بالتوسعة في ذلك.
تفسير قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم)
تفسير قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم) قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء:26]. قال تبارك وتعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} [النساء:26]، يعني: يريد الله في تحليل ما أحل وتحريم ما حرم أن يبين لكم شرائع دينكم ومصالح أمركم. ((وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) أي: يهديكم طرائق الذين من قبلكم من الأنبياء في التحليل والتحريم فتتبعوهم. هذه الآية فيها دليل على أن كل ما بين الله عز وجل تحريمه لنا من النساء في الآيات المتقدمة فقد كان الحكم كذلك في الملل السابقة، فمعنى ذلك: أننا مستوون مع من سبقونا من الأنبياء في تحريم الأمهات والبنات والأخوات إلى آخره. قوله: ((وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) وهذا مثل قوله تعالى بعدما ذكر بعض المعاني: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى:18 - 19]، فقد نتوافق معهم في بعض الأحكام، وهنا بين أننا متوافقون ومتماثلون معهم في هؤلاء المحرمات من النساء. ((وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ))، يعني: يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته. ((وَاللَّهُ عَلِيمٌ))، أي: بكم. ((حَكِيمٌ))، أي: فيما دبره لكم.
تفسير قوله تعالى: (والله يريد أن يتوب عليكم)
تفسير قوله تعالى: (والله يريد أن يتوب عليكم) ثم قال تبارك وتعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء:27]. (والله يريد أن يتوب عليكم) تكرار للإرادة، لكن هنا لماذا كررها؟ كررها حتى يبني عليها، ((وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ))، يعني: في مقابلة ذلك، ((وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا))، الله سبحانه وتعالى رحيم بنا، وكل شرائعه رحمة بنا وخير لنا في الدنيا والآخرة، فهذا هو ما يريده الله سبحانه وتعالى بنا من وراء هذه التشريعات. ((وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ))، سواءً كانوا اليهود أو النصارى أو المجوس أو الفساق الزناة، {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه:15 - 16]، كذلك قال تبارك وتعالى: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]. فإذاً هذا تحرير من الاتباع أو من الاستجابة لأصحاب الشهوات. (ويريد الذين يتبعون الشهوات) هؤلاء كالبهائم التي تكون تابعة وليست متبوعة، فهم أسرى للشهوات، يتبعون الشهوات حيثما قادتهم ويمشون وراءها. ((وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا))، يعني: هم يريدون أن تنحرفوا عن هذا الحق، وأن تميلوا عنه ليس ميلاً هيناً ولكن ميلاً عظيماً، وبلا شك فإن في مقدمة الذين يتبعون الشهوات في هذا الزمان من يسمون بالفنانين، والفسقة الذين يصدون الناس عن سبيل الله سبحانه وتعالى، ويشغلونهم عن ذكر الله، ويزينون لهم الفواحش والشهوات، لاشك أنهم داخلون في هذه الآية ((وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ))، انظر موسماً مباركاً كهذا الموسم الذي نحن إن شاء الله مقدمون عليه وهو موسم رمضان، يعني: أعتقد أننا لو سألنا سؤالاً: من منكم يخطط أو بدأ يخطط من الآن لرمضان؟ قد يكون هناك بعض الإخوة بدءوا يخططون لرمضان من الآن، كيف يفرغ نفسه للعبادة ولا يضيع هذه الفرصة؟! وكيف يأخذ إجازة من العمل حتى يعتكف أو غير ذلك؟! هل منا من استعد لرمضان من بعد رمضان الماضي مباشرة؟! لكن أهل الفن يستعدون لرمضان ليس من هذا الشهر ولا من الذي قبله، بل من بعد رمضان تجدهم يقعدون ويتكلمون عن إقامة المسلسلات والفوازير، وكيف سيكون الاستمتاع برمضان القادم؛ لتحويله إلى شهر للشهوات، فهؤلاء هم بغاة الشر الذين يقال لهم: (يا باغي الشر أقصر، ويا باغي الخير أقبل). فالشاهد أن أولى الناس بهذا الوصف هم الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. ((وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا))، يعني: أن تعدلوا عن الحق بارتكاب ما حرم الله عليكم فتكونوا مثلهم؛ لأن الضائع يحب من الناس جميعاً أن يكونوا ضائعين مثله؛ لأنه إذا وجد مستقيمين فإنه يشعر بالوحشة فيريد أن كل الناس تضيع مثله.
تفسير قوله تعالى: (يريد الله أن يخفف عنكم)
تفسير قوله تعالى: (يريد الله أن يخفف عنكم) قال عز وجل: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28]، يعني: يسهل عليكم أحكام الشرع ولهذا أباح عز وجل نكاح الإماء؛ تخفيفاً عن الأمة بشروطه، وكما قال تبارك وتعالى أيضاً: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]، وقال تبارك وتعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، ولذلك هذه من أهم ومن أخص خصائص هذه الحنيفية السمحاء التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد وضع الله عز وجل عنا الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا. جاءت الشريعة للتخفيف والتسهيل والتيسير، وهذا الموضوع يطول الكلام فيه ولا يتسع له الآن. {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28]، أي: لا يصبر عن النساء والشهوات، فناسبه هذا التخفيف فدل على أنه لا سبيل إلى قضاء الوطر في هذا الباب إلا بنكاح الحرائر أو نكاح الإماء بشروطه، ولا يوجد طريق غير ذلك.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم وكان ذلك على الله يسيرا)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم وكان ذلك على الله يسيراً) قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء:29 - 30] (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم) المقصود: لا يأكل بعضكم أموال بعض. (بينكم بالباطل) أي: بالحرام شرعاً، كالربا والغصب والقمار والرشوة والسرقة والخيانة وسائر الحيل، وما أكثر هذه الحيل الآن التي تؤكل فيها الأموال بالباطل، كل المكاسب المحرمة التي تأتي عن طريق الحرام، أو تأتي بأكل أموال الناس بالباطل فهذا كله داخل في هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)). الربا من أكل أموال الناس بالباطل، الغصب، السرقة، القمار، الرشوة، وما أدراك ما الرشوة، والخيانة وأجر المغني والمطرب وحلوان الكهان وثمن البغي من المحرمات، كل هذه الأشياء تدخل في أكل الأموال بالباطل. {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً}، (تجارةٌ) أو (تجارةً) يمكن أن تقرأ بالوجهين: ((إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)) أو (إلا أن تكون تجارةٌ عن تراض منكم)، إذا قلنا: (إلا أن تكون تجارةٌ) فإعراب التجارة هنا نائب فاعل، وإذا قلنا: (إلا أن تكون تجارةً) فتجارة خبر تكون. التجارة المقصود بها هنا: معاوضة مع بعض كالبيع، أو تكون الأموال أموال تجارة. (عن تراض) يعني: هذه الأموال صادرة عن تراض منكم، فلكم في هذه الحالة أن تأكلوها. (عن تراض منكم) يعني: هنا البيان بأن شرط الربح في التجارة التراضي، والتراضي إما أن يكون بعبارة صريحة، وإما بإشارة مفهومة، فالعبارة الصريحة هي الإيجاب، مثل قولك: بعتك كذا وكذا بسعر كذا، هذا هو الذي يشترط فيه الإيجاب والقبول، أو يكون لفظ من الإنسان أو شيء غير اللفظ يدل على التراضي، كالتعاطي. من هذه الآية: ((إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ))، أخذ الشافعي اعتبار الإيجاب والقبول لفظاً، يعني: الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، اعتماداً على هذه الآية ذهب إلى عدم جواز بيع المعاطاة، وبيع المعاطاة هو الذي يتم بدون التلفظ بعبارة الإيجاب والقبول، كما يحصل مع أي واحد -مثلاً- يبيع سلعة ويعلق سعرها بجانبها، فتقول له: هات اثنين كيلو فيقوم بوزنها، ثم تعطيه الفلوس دون أن تقول له: بع لي، ودون أن يقول هو: قبلت. إلى آخر هذه العبارات. فما حجة الإمام الشافعي فيما ذهب إليه؟ قال: قوله تعالى: ((إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ))، يعني: إلا أن تكون الأموال تجارة صادرة عن تراض منكم. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: التراضي أمر قلبي، فلا بد من الدليل عليه، أي: لا بد من إقامة الدليل الظاهرة على ما في القلب؛ لأنك لا تستطيع النظر في قلب البائع أو المشتري، لذلك فلا بد من الدليل عليه، فجعل الشرع صيغة الإيجاب والقبول أمارة ودليلاً على وجود التراضي؛ لأن الناس يعجزون عن أن يطلع بعضهم على قلوب بعض ليطمئنوا إلى أنه قد حصل التراضي، فأقيمت عبارة الإيجاب والقبول مقام التراضي الذي محله القلب؛ لكن استدل من يبيح بيع المعاطاة بنفس الآية، قالوا: الآية تدل على جواز بيع المعاطاة؛ لأنها تقول: "عن تراض منكم" وكما أن الأقوال تدل على التراضي، فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعاً على التراضي، فصح بيع المعاطاة مطلقاً، فيكون من الأيسر على الناس أن ما تعارفوا على أنه يعبر عن التراضي يصح به البيع؛ مثل قول بعضهم: توكل على الله، أو بعتك أو أدخل يده في جيبه وأخرج النقود، فهذا كله بدل على التراضي. وقولهم إنه ورد في بعض النصوص كلمة بعت منك وبعتك، فنحن نقول: لا نختلف على أن البيع يصح بمثل عبارة: بعتك أو بعت منك، كما في هذه الروايات التي يحتج بها من اشترط الإيجاب والقبول؛ لكن النزاع في دعوى أن البيع لا يصح إلا بالإيجاب والقبول، ولم يرد في اشتراط ذلك شيء صريح؛ لأن الله تعالى قال: ((إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ))، فدل ذلك على أن التراضي هو المناط، ولابد من الدلالة عليه إما بنص أو بإشارة أو بكتابة، أو يقول له: توكل على الله، أو أي عبارة يفهم منها الرضا، ففي هذه الحالة يقع البيع، بأي لفظ وقع وعلى أي صيغة كان، وبأي إشارة مفيدة، يعني: لا يشترط اللفظ، بل يقبل ما يقوم مقام اللفظ الصريح ما دام يدل على التراضي.
معنى قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم)
معنى قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم) قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم) أي: بارتكاب الذي يؤدي إلى هلاكها سواء كان في الدنيا أو الآخرة. ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا))، يعني: في منعه لكم من أن تهلكوا أنفسكم. ((وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ)) يعني: ما نهي عنه. ((عُدْوَانًا)) كأن ينتحر، ومعنى: (عدواناً) تجاوزاً للحلال، وهي حال من فاعل (يفعل) أي: يفعل ذلك متعدياً فيه، ظالماً في تعاطيه، عالماً بتحريمه متجاسراً على انتهاكه {وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} [النساء:30] سوف ندخله ناراً هائلة شديدة الحرارة يحترق فيها. {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء:30]، يعني: كان إصلاؤه النار على الله يسيراً، وهيناً لا عسر فيه، ولا صارف عنه؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يعجزه شيء. قوله تبارك وتعالى: ((وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ))، فيه وجهان للتفسير: الوجه الأول: (ولا تقتلوا أنفسكم) أي: لا تقتلوا من كان من جنسكم من المؤمنين، فإن المؤمنين كلهم كنفس واحدة. والتعبير عنهم بالأنفس للمبالغة في الزجر عن قتلهم، وذلك بتصوير القتل بصورة لا يكاد يفعلها عاقل، وقد ذكرنا أمثلة مشابهة لهذا مما جاء في القرآن كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} [الحجرات:11]، (ولا تلمزوا أنفسكم) أي: ولا تلمزوا إخوانكم. وقوله تعالى: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور:12] المقصود هنا: بإخوانهم خيراً، قال تعالى: ((ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا)) أي: بإخوانهم. فقوله تعالى: ((وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)) يعني: لا يقتل المسلم أخاه المسلم.
حكم من يستحل قتل النفس
حكم من يستحل قتل النفس الوجه الثانية: (ولا تقتلوا أنفسكم) أي: لا يقتل الإنسان نفسه عمداً بالانتحار. وأما الذي يستحل قتل نفسه وقد حرمه الله تبارك وتعالى فهو بهذا الاستحلال يكفر، ويكون الحكم عليه بالخلود في النار على ظاهره. أما إن كان غير مستحل فحاله كحال سواه من أهل الكبائر يكون تحت المشيئة، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، يقول الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان:68]، وكما أنه لا يقتل الآخرين، كذلك لا يقتل نفسه.
الأحاديث المحذرة من قتل النفس
الأحاديث المحذرة من قتل النفس وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان ممن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده -أي: قطع الشرايين حتى سال الدم بسرعة- فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة)، والعياذ بالله، وهذا الحديث متفق عليه. قوله: (بادرني عبدي بنفسه) يعني: هو الذي تعجل الموت قبل أن أقبض أنا روحه، وقوله: (حرمت عليه الجنة)، فعقوبة المنتحر -والعياذ بالله- هي أن يحرم الله عز وجل عليه الجنة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جنهم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً)، وهذا متفق عليه. إذاً: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية، أي قاعدة: الجزاء من جنس العمل. وفي الصحيح حديث ذلك الرجل الذي أثقلته الجراح، فاستعجل الموت، فقتل نفسه بذبابة سيفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هو من أهل النار)، وهذا متفق عليه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعن المؤمن كقتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله، ومن قتل نفسه بشيء عذبه الله به يوم القيامة). وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: (أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه)، والمشاقص هي: سهام عريضة، وواحدها: مشقص فلما أتي به النبي صلى الله عليه وسلم على حاله تلك امتنع من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. إذاً: في هذه الأحاديث أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الاسم، يعني: لا بد أن نعرف هذه النعمة التي نحن نتمتع بها، هذا البدن، وهذه الحواس التي أعطانا الله عز وجل وهذه الروح، ليست ملكاً لنا، يعني: أنت لا تملك نفسك، وليس من حقك أن تقتل نفسك في أي وقت وتعطل هذه الحياة أو تكفر بنعمة الحياة، الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق ابن آدم: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:28]، فتعجل إنهاء الأجل بالانتحار هذا من العدوان على حرمات الله تبارك وتعالى. عندما كنا نتكلم على موضوع التبرع بالأعضاء، وذكرنا كلام العلماء الذين منعوا ذلك وقلنا: إنهم بنو المنع على أنك لا تملك هذه الأعضاء، بل هي وديعة الله سبحانه وتعالى عندك، فأنت لا تملكها كقطع غيار السيارات والآلات وغير ذلك. فيؤخذ من هذه الأحاديث أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره، فهل بعد ذلك لا نستطيع أن نفهم قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا))؟
الحكمة من تحريم قتل النفس
الحكمة من تحريم قتل النفس من رحمة الله بنا أنه حرم علينا أيضاً أن نقتل أنفسنا، ليس فقط أن نقتل غيرنا، لكن أن نقتل أنفسنا، هذه من رحمة الله عز وجل؛ لأن نفسك ليست ملكاً لك مطلقاً، بل هي لله تعالى، فلا تتصرف فيها إلا بما أذن لك فيه. والله حرم علينا الانتحار، والإنسان قد نهي عن تمني الموت كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما دامت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)، حتى إنه ذكر من أشراط الساعة: (أن يمر الرجل على قبر الرجل يتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني مكانه، ما به الدين إلا البلاء)، يعني: يكثر عليه البلاء والفتن ويتمنى الموت، ليس من باب أنه يخاف على دينه من الفتن، لكن ليس بقادر على أن يصبر على البلاء، وهذه من أشراط الساعة إلا أنها سيقت في سياق الذم، فهذا ذم لمجرد أنه يتمرغ على القبر ويتمنى الموت، فكيف بمن يقتل نفسه بالفعل؟! لا شك أنه يكون أشد، فهذا الإنسان الذي يقدم على الانتحار والعياذ بالله هو يريد التخلص من ألم سببه بلاء وقع عليه في الغالب، ولا شك أن هذا الإنسان لو كان عنده يقين وإيمان لا يمكن أبداً أن يقدم على هذا الفعل الشنيع؛ لأنه يتصور أنه نتيجة البلاء الذي وقع فيه يريد أن يستريح من البلاء فيقتل نفسه، لو أن عنده إيماناً بالغيب ويعرف هذه الأحاديث وهذه النصوص لأدرك أنه ينتقل من بلاء إلى بلاء أشد منه أضعافاً مضاعفة. كل بلاء في الدنيا يعوضه الله، إذا كان فقد ولداً أو عزيزاً عليه، فيمكن أن يخلف الله سبحانه وتعالى غيره من الأولاد، وإذا كان عليه دين -وكثير من الناس ينتحرون بسبب الدين- وليس عنده من الأموال ما يفي بهذا الدين، والمال غاد ورائح، والله سبحانه وتعالى أوجد مخارج كثيرة، منها: أنه حض صاحب المال بقوله: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280]، يؤجله إلى ميسرة، ويجتهد هو في السعي والكسب، ولو بدأ من الصفر حتى يرزقه الله سبحانه وتعالى ويؤدي عنه دينه، حتى لو مات مديوناً فهو أخف من أن يموت قاتلاً لنفسه، ونحن هنا لا نتكلم في الذي يموت لأن مطربه المحبوب مات، أو لأن فريقه خسر فهؤلاء السفهاء ما لنا بهم شأن، يعني: هؤلاء لا يدرجون في العقلاء، لأنهم لا عقول لهم. ومن المعلوم أنه إلى عهد قريب ما كانت تعرف مشكلة الانتحار إلا القليل النادر، يعني: لم تكن تلفت النظر، وما زالت -ولله الحمد- البلاد الإسلامية عموماً سليمة من هذه المشكلة، وذلك حينما يطالع الإنسان بعض البحوث الطبية في بعض المراجع التي كتبها الكفار، وجهات رسمية معتمدة سواء منظمة الصحة العالمية وغيرها، حين يطالعها يشعر أنهم يحسدوننا على ما آتانا الله من فضله، ويحسدوننا على نعمة الإسلام، قرأت إحصائيتين عن انتشار مرض الإيدز في أوروبا، ووحدت فيها أن المعدلات في الإصابات تصل إلى حوالي عشرة ملايين والعياذ بالله، بينما تكاد تجد البلاد الإسلامية خالية من هذا المرض، حتى إن منظمة الصحة العالمية في تقريرها تطالب للحد من مرض الإيدز بتدعيم التوجيه الديني الإسلامي؛ لأنه من أعظم طرق الوقاية والحماية من هذا المرض الخطير، ولأن القيم الإسلامية هي التي عصمت منطقة الشرق الأوسط كلها من هذا الشر، ومنطقة الشرق الأوسط المقصود بها البلاد الإسلامية، فقد أثبتت الإحصائيات أن عدد الحالات في شمال أفريقيا مائة ألف حالة، وهذا العدد يعتبر قليلاً جداً، وقالوا: إن جميع هذه الحالات إنما كانت بسبب نقل الدم، وبسبب الوافدين الذين يأتون من بلاد الغرب وينشرون هذا المرض الخبيث، ولكن هذا بلا شك إنما يعزى لفضل الله سبحانه وتعالى علينا والتقيد بالإسلام، مع أننا غير ملتزمين بالإسلام كما يرضي الله، ومع ذلك فقد حفظنا الإسلام وعصمنا من هذه الشرور، وانظر إلى كلامهم أيضاً عن البلاد الإسلامية فيما يتعلق بالكحولات، فهم قد أعيتهم الحيلة ولم يجدوا أي طريقة لزجر الناس عن الكحول وبيان أخطارها، بينما في البلاد الإسلامية بفضل الله مهما وجد المنحرفون والفاسدون بيننا، لكن الغالب الأعم أننا في عافية من بلاء الخمر والكحول، أما في الغرب حتى الأطفال ينتحرون. فهم في أمور كثيرة جداً في الحقيقة ينظرون إلينا بنوع من الحسد، ومع ذلك فهم يكرهون على الاعتراف بفضل الإسلام في حماية المسلمين من هذه الشرور. بالنسبة للانتحار فإنك تجد أنه كلما ارتقت المجتمعات بمستوى الرخاء المادي والعلمي كلما ازدادت نسب الانتحار، فتجد أن أعلى بلاد العالم في الدخل التي هي السويد، معدل الانتحار فيها معدل كبير جداً، أما في بلاد المسلمين فهو شيء نادر بالنسبة لغير البلاد الإسلامية، وهذه من نعمة الله ومن فضائل الإسلام، وفضائل وبركات هذه الملة الحنيفية. وما وجد هذا الداء إلا بعد أن تسربت المفاهيم الغربية في المجتمعات الإسلامية، وبدأ يظهر ضعف الإيمان، وضعف اليقين في الناس، وبالتالي بدأنا نسمع عن هذه الحالات، فهؤلاء يكفرون بنعمة الحياة، ومهما تعلل المنتحر بالأعذار فهو لا يعذر في قتل نفسه، ولن تشفع له، ولن تدفع عنه نقمة الله، إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى. لو أن شخصاً رسب في الامتحان، فإعادته للسنة أهون من أن يقتل نفسه فيصير إلى عذاب دائم، يعني: بهذه الصورة إن هو قتل نفسه فهذا ما عنده يقين، هل هذا عنده إيمان أو يقين؟! هو ما نظر للمصيبة التي تعود عليه في دينه بأن يعذب في قبره ويعذب بالنار يوم القيامة، وأن ما خسره في الدنيا فإنه يمكن تعويضه والتراجع عنه. ويعلم أن هذا البلاء لا يدفع إلا بمشيئة الله، واحد يغلب في مباراة أو في سباق أو واحد كما ذكرنا مات عزيز عليه أو أثقلته الديون، فضلاً عمن ذكرنا ممن يقتل نفسه؛ لأن الزعيم صاحبه مات، أو الذي يحبه أو المطرب أو المغنية أو غير ذلك من هذه الأشياء، أو قد لا يجد ما يقتات به فينتحر، فالإيمان هو الذي يحجز المؤمنين عن مثل هذه الأفعال الشنيعة؛ لأن المؤمن يصبر على قضاء الله عز وجل وقدره، يقول عليه الصلاة والسلام: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره له كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن!). نجد أيضاً الأمراض النفسية الفضيعة، معدلها في بلاد المسلمين قليل جداً بالنسبة لما هي عليه في بلاد الكفار، فهذا لا شك مما يجعلنا نتمسك بما تبقى لدينا من الإسلام وبحبل الله، مع أننا لسنا على الطريقة المرجوة. يقول الشافعي رحمه الله تعالى: فلا حزن يدوم ولا سرور ولا بأس عليك ولا رخاء فلا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء ويقول آخر: طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار فالدنيا دار ابتلاء، لابد من الصبر فيها مهما تنوع البلاء، المهم أن لا يكون البلاء في الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا)، إذا كانت المصيبة في غير الدين فلا تجزع؛ لأن الدنيا تعوض. من كل شيء إذا ضيعته عوض وليس في الله إن ضيعت من عوض سئل شيخ الإسلام عن رجل له مملوك هرب ثم رجع، فلما رجع أخذ سكينه وقتل نفسه، فهل يأثم سيده؟ يأثم على قتل نفسه فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الحمد لله، لم يكن له أن يقتل نفسه، وإن كان سيده قد ظلمه واعتدى عليه، بل كان عليه إذا لم يمكنه رفع الظلم عن نفسه أن يصبر إلى أن يفرج الله، فإن كان سيده ظلمه حتى فعل ذلك، مثل أن يقتر عليه في النفقة، أو يعتدي عليه في الاستعمال، أو يضر به، أو يضره بغير حق، أو يريد به فاحشة ونحو ذلك فإن على سيده من الوزر بقدر ما نسب إليه من المعصية، ولم يصل النبي صلى الله عليه وسلم على من قتل نفسه، فقال لأصحابه: (صلوا عليه)، فيجوز لعموم الناس أن يصلوا عليه، وأما أئمة الدين الذين يقتدى بهم، فإذا تركوا الصلاة عليه زجراً لغيره اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم فهذا حق، والله تعالى أعلم. إذاً المنتحر لا يصلي عليه من يقتدى به من العلماء وغير ذلك، لا يصلى عليه حتى ينزجر أمثاله من الناس وحتى يعرفوا أن هذه عقوبة من يفعل ذلك، لكن يترك عموم الناس يصلون عليه لبقائه في دائرة الإسلام حتى لو أتى بهذه الكبيرة، وهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فهذا ما تيسر في تفسير قوله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء:29 - 30].
النساء [31 - 42]
تفسير سورة النساء [31 - 42]
تفسير قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه)
تفسير قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) يقول الله تبارك وتعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء:31]. ((إِنْ تَجْتَنِبُوا)) أي: إن تتركوا. ((كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ)) أي: كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها، سواء ما ذكر قبل هذه الآية أو مما ذكر في غيرها من الآيات والأحاديث. ((نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)) أي: نمح عنكم صغائر ذنوبكم، وندخلكم الجنة؛ ولذلك قال: ((وَنُدْخِلْكُمْ)) أي: في الآخرة. ((مُدْخَلًا كَرِيمًا)) أي: حسناً وهي الجنة. و ((مدخلاً)) إما أنها اسم مكان، يعني: ندخلكم مكاناً مدخلاً، وإما أنها مصدر من أدخل يعني: إدخالاً مع كرامةٍ. وفي الآية دليل على أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر، وفيها أيضاً رد على من زعم أن المعاصي كلها كبائر، وأنه لا صغيرة، بل الواضح من الآية أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وإلى كبائر. كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم على أن من الذنوب كبائر وصغائر، قال الله تعالى: ((إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ))، وقال أيضاً: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم:32]، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، يعني: مكفرات الصغائر إذا اجتنبت الكبائر.
درجات الأعمال المكفرة
درجات الأعمال المكفرة هذه الأعمال المكفرة، لها ثلاث درجات: إحداها: أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها، والقيام بحقوقها، يعني: كالذي يتعاطى دواءً ضعيفاً يقصر عن مقاومة الداء كماً وكيفاً، فهذه الحالة الأولى بالنسبة للأعمال المكفرة التي تكفر الخطايا. الدرجة الثانية: أن تقاوم الصغائر، ولكنها لا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر. الدرجة الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر، وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وقول الزور)، وكما في الحديث: (اجتنبوا السبع الموبقات)، وغير ذلك من الأحاديث التي ذكرت كبائر الذنوب. يقول الإمام السيوطي رحمه الله تعالى: ((إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ)) وهي ما ورد عليها وعيد كالقتل والزنا والسرقة، قال ابن عباس: هي -أي: الكبائر- إلى السبعمائة أقرب، وفي رواية أخرى: إنها إلى السبعين أقرب، وهذه الرواية أصحهما عن ابن عباس، يعني: أن الكبائر عددها إلى السبعين أقرب منها إلى غيره. ((نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)) صغائر الذنوب بالطاعات. ((وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا)) بضم الميم وفتحها أي: إدخالاً أو موضعاً (كريماً) وهو الجنة.
تفسير قوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض)
تفسير قوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء:32]. نهى تبارك وتعالى عن التحاسد، وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من المال ونحوه، مما يجري فيه التنافس، ولذلك قال: {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء:32]. يقول السيوطي في قوله تعالى: ((وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ))، من جهة الدنيا أو الدين؛ لئلا يؤدي إلى التحاسد والتباغض. ((للرجال نصيب)) يعني: ثواب، ((مما اكتسبوا)) بسبب ما عملوا من الجهاد وغيره. ((وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ))، من طاعة أزواجهن، وحفظ فروجهن وغير ذلك، وقد نزلت هذه الآية لما قالت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها: (يغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله تعالى: ((وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ)))؛ لأن النساء على لسان أم سلمة يسألن كيف يغزو الرجال ونحن لا نغزو، وفي نفس الوقت نعطى نصف الميراث، فأنزل الله تعالى: ((وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ))، قال مجاهد: وأنزل فيها: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} [الأحزاب:35] إلى آخر الآية المعروفة في سورة الأحزاب، وحديث أم سلمة صحيح الإسناد. وفي رواية: نزلت لما قالت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها: (ليتنا كنا رجالاً فجاهدناً، وكان لنا مثل أجر الرجال). فالمقصود من الآية: ((لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ)) أنه ينبغي لكل فريق أن يرضى بما قسم له. ((وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)) يعني: ما احتجتم إليه يعطكم. ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)) ومنه محل الفضل وسؤالكم.
تفسير قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون)
تفسير قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون) قال تبارك وتعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} [النساء:33]. (ولكل) أي: لكل من الفريقين من الرجال أو النساء. ((جَعَلْنَا مَوَالِيَ))، موالي: جمع مولى، يعني: المقصود ورثة وعصبة يعطون مما ترك الوالدان والأقربون، فيرثون ما تركوا لهم من المال. {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:33]، أو: (والذين عاقدت أيمانكم) بالألف ودونها، وهذا المبتدأ ضمن معنى الشرط؛ لذلك وقع خبره مع الفاء؛ لأنه جاء بمعنى الشرط: يعني: (والذين إن عاقدتموهم فآتوهم نصيبهم) فكلمة: (الذين عقدت) أو (عاقدت أيمانكم) تضمنت فيها معنى الشرط؛ فلذلك جاءت الفاء في الخبر، فقال تعالى: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النساء:33]. أما قوله تعالى: ((أَيْمَانُكُمْ))، فهذا جمع يمين، إما أنها تكون يميناً بمعنى القسم، أو الأيمان من الأيادي، أي: اليد، اليمنى، ((وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)) جمع يمين بمعنى القسم، وإن كان هذا أولى؛ لأن العقد خلاف اليد. والله جل وعلا قال: {وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ} [النحل:91]، ما الذي ينصرف إليه كلمة (الأيمان) هنا؟ العقد وليس اليد: {وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل:91]، فلهذا يرجح أن يكون المقصود بالذين عقدت أيمانكم أنها جمع يمين بمعنى القسم، وهذا أرجح من القول بأنها اليد، حتى إن قلنا: ((وَالَّذِينَ عَقَدَتْ)) أو (عاقدت أيمانكم) بمعنى: اليد، فيلزم من ذلك أنهم كانوا يضعون الأيدي عند المعاهدات، أو يضع يده في يد من يتفق معه توثيقاً لهذا العقد، كما يحصل في عقود الزواج وغير ذلك، وحتى عند البيع، كانوا إذا وافق البائع والمشتري وحصل الإيجاب والقبول فيتم الصفق باليد على اليد الأخرى، إيماءً إلى توكيد هذا العقد ونفوذه. فقوله هناك: ((وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)) جمع يمين بمعنى القسم، أو اليد التي يضعونها في العهود. المقصود من الآية: هؤلاء الحلفاء الذين عاهدتموهم في الجاهلية على النصرة والإرث، فكان هذا الحلف يحصل في الجاهلية، بمعنى: أن الإنسان له أن يتخذ حليفاً أو ولياً ويتفق معه ويقول: إن دمي دمك، ومالي مالك، وإذا أنا مت فإنك ترثني بدون أسباب الميراث الذي هو عن طريق النسب. فيكون عقد اليمين في الحلف والعقود والعروض، ((وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)) أو (والذين عاقدت أيمانكم) يعني: من هؤلاء الحلفاء الذين عاهدتموهم في الجاهلية على النصرة وعلى الإرث. {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ}، فآتوهم الآن نصيبهم وحظوظهم من الميراث وهو السدس. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} [النساء:33] يعني: مطلع على حالكم، وهذا منسوخ بقوله تبارك وتعالى في سورة الأنفال: {وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال:75]. وهذه الآية المذكورة يؤخذ منها أنهم أمروا بأن يوفوا بعقود الموالاة التي كانت بينهم في الجاهلية على النصرة والإرث، فأمروا أن يوفوا بما عاقدوا، ونهوا أن ينشئوا بعد هذه الآية معاقدة جديدة، بمعنى: أنهم نهوا عن إنشاء معاقدة جديدة فيما يأتي، ولكن أمروا بأن يوفوا بما تم في الجاهلية.
تفسير قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء)
تفسير قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء) قال تبارك وتعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء:34]. (الرجال قوامون) أي: مسلطون. (قوامون) جمع قوام، وهو القائم بالمصالح والتأديب والتدبير، يعني: الرجال مسئولون عن هذه الأشياء. (على النساء) أي: يقومون عليهن آمرين ناهين قيام الولاة على الرعية، فمسألة القوامة هي مسألة تنظيمية، وليست مسألة استفزازية، وليس معنى ذلك أن الرجل يطغى على المرأة ويظلمها، لكن بما ميز وبما فضل به الرجل على المرأة فإنه بذلك يصير له حق القوامة، بمعنى: أنه مسئول عن تسيير أمرها، كما يلي الراعي أمر رعيته ويقوم على أمرها.
أسباب تفضيل الرجال على النساء
أسباب تفضيل الرجال على النساء بين الله تبارك وتعالى في هذه الآية إلى أن ذلك بسببين: أحدهما: وهبي، والآخر: كسبي. أما الوهبي: فهو فضل الذكورة، (بما فضل الله به بعضهم على بعض) والبعض المفضل هو الرجال على بعض وهو والنساء، وقد ذكروا في فضل الرجال على النساء أموراً كثيرة، فمثلاً في الرجال: العقل، والحزم، والعدل، والقوة، والفروسية، والرمي، ومن الرجال الأنبياء، وفيهم الإمامة الكبرى، والإمامة الصغرى، والجهاد والأذان والإقامة والشهادة في المجامع، والولاية في النكاح والطلاق، والرجعة، وعدد الأزواج، وزيادة السهم والتعصيب، وهم أصحاب اللحى والعمائم كما يذكر العلماء، والكامل بنفسه له حق الولاية على الناقص بنفسه، فهذا فيما يتعلق بالتفضيل الأول، وأشار للتفضيل الثاني وهو التفضيل الكسبي بقوله تبارك وتعالى: ((وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ))، فهذا السبب الثاني للقوامة: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ))، والنساء ما زلن يتذكرن قوله تعالى آنفاً: ((وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا)) إلى آخره، والنساء العاقلات لا يعترضن على هذا؛ لأن هذا أمر واقعي. وهناك استثناءات من هذا، فقد يكمل بعض النساء فتكون امرأة فعلاً بعدة رجال في دينها وعقلها وحفظها، لكن الغالب بخلاف ذلك، كما يقول الشاعر في فضليات النساء: فلو كان النساء كمن ذكرن لفضلت النساء على الرجال وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال ويكفي دليلاً على ذلك -حتى لا نطيل في هذه القضية التي يحلم كثير من الناس الإفاضة فيها- أن عامة النساء تفضل أن يكون مولودها ذكراً على أن يكون مولودها أنثى. فقوله تعالى: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ))، أي: يقومون على النساء، يؤدبونهن ويأخذون على أيديهن. ((بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ))، أي: بتفضيله لهم عليهن بالعلم والعقل والولاية وغير ذلك. ((وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ))، وبما أنفقوا عليهن من أموالهم، تكون في المهور وغير ذلك. ((فَالصَّالِحَاتُ)) أي: الصالحات من النساء ((قَانِتَاتٌ)) هذه صفة الصالحات من النساء وهي أنهن مطيعات لأزواجهن.
معنى حفظ الزوجات للغيب
معنى حفظ الزوجات للغيب قوله ((حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ)) يعني: حافظات لفروجهن ولأموال أزواجهن وبيوتهم في غيبتهم. ((بِمَا حَفِظَ اللَّهُ))، في الحقيقة هذه الآية فيها تفصيل كثير، ومعان كثيرة، وتحتاج إلى محاضرات عدة، لكن حتى ننجز القدر المطلوب من التفسير نحاول أن نمر مروراً سريعاً. أيضاً يدخل في حفظ الغيب، عدم نشر ما يكون بين الزوجين متعلقاً بالجماع، فهذا يذكر أيضاً في حفظ الغيب. (حافظات للغيب بما حفظ) لهن، (الله). فالباء هنا في قوله تعالى: ((بِمَا حَفِظَ اللَّهُ))، تحتمل أمرين: إما أنها للمقابلة، كما تقول: هذا في مقابلة ذاك، يعني: كما أن الله سبحانه وتعالى حفظ لهن حقوقهن، بأن أوصى الأزواج بالنساء، وكذلك فعل رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فشرع لهن الحقوق وأمر الأزواج بحفظ هذه الحقوق، فينبغي في مقابلة ذلك أن تحذر الزوجة من أن تخونه في غيبته في عرضه وماله ونفسها إلى آخره، فهذا معنى (حافظات للغيب بما حفظ الله)، يعني: في مقابلة ما حفظ الله لهن، فعليهن أن يطعن أزواجهن ويحفظن الغيب. أو الباء هنا في قوله تعالى: (بما حفظ الله) أي: مستعينات بحفظ الله تبارك وتعالى، فالباء للاستعانة، ومعنى ذلك: أن هؤلاء النساء الصالحات القانتات حافظات للغيب كما ذكرنا بما حفظ الله لهن، يعني: لا يتم حفظهن للغيب من حفظ الفروج والأموال وغير ذلك إلا باستعانتهن بالله، إذ لو تُركن لدواعي أهوائهن ونفوسهن لغلبت عليهن الأهواء، إلا أن يحفظهن الله؛ لأن الله خيرٌ حافظاً، فمهما كن صالحات فإنهن لا يثقن بأنفسهن وإنما يستعنّ بالله في حفظ الغيب بما حفظ الله تبارك وتعالى.
عدم جواز تولي المرأة للقضاء
عدم جواز تولي المرأة للقضاء واستدل بالآية على أنه لا يجوز للمرأة أن تلي القضاء، أو الإمامة العظمى؛ لأنه جعل الرجال قوّامين عليهن، فلم يجز أن يقمن هن على الرجال كما قال صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة). وفي الحقيقة وضع المرأة في الإسلام هذا موضوع ذو شجون، والكلام فيه طويل جداً.
صفة التعامل مع الزوجة الناشز ومراحله
صفة التعامل مع الزوجة الناشز ومراحله يقول تبارك وتعالى: ((وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ)). أي: عصيانهنّ لكم بأن ظهرت أمارته، هنا تفسيران لقوله تعالى: ((تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ)): الأول: أن المرأة قد وقع منها النشوز بالفعل. الثاني: أي أنكم تتوقعون نشوزهن. فقوله تعالى: ((وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ)) يعني: عصيانهن لكم بأن بدأت تظهر أمارة النشوز ودلائله، ففي هذه الحالة تطبق ما ذكر الله بعد ذلك من المراحل بالترتيب. الأولى: ((فَعِظُوهُنَّ)) أي: فخوفوهن الله. الثانية: ((وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ)) أي: اعتزلوا إلى فراش آخر إن أظهرن النشوز. الثالثة: ((وَاضْرِبُوهُنّ)) ضرباً غير مبرح إن لم يرجعن بالهجران، يعني: إن لم ينفع الهجران ننتقل إلى المرحلة الثالثة وهي الضرب غير المبرح. ((فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ)) يعني: فيما يراد منهن، ((فَلا تَبْغُوا)) لا تطلبوا ((عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا))، طريقاً إلى ضربهن ظلماً. وأيضاً: لا شك أن هذه الآية مما يحتاج إلى كثير من التفصيل؛ لأن بعض الناس يسيء فهم موضوع ضرب النساء، حتى إن أعداء الإسلام يشنعون على كلام الله تبارك وتعالى ويضلون الناس عن سبيله، بسبب سوء مسلك بعض الرجال الجهلة من المسلمين. فأعداء الدين من الكفار ينشرون في وسائل الأعلام أن المسلم يعتقد أنه يجب عليه أن يضرب زوجته كل يوم في الصباح وفي المساء، ويعتقد أيضاً أن هذه عبادة، وهذا مما يضحك، لكن هذا واقع، فهم يشنعون على الإسلام بهذه الافتراءات والأكاذيب، مع أن الضرب بعد استيفاء شروطه مكروه، أي: أن الضرب مباح مع الكراهة ولا يباح بإطلاق؛ ولذلك ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده لا امرأة ولا خادماً ولا شاة قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله تبارك وتعالى؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في هؤلاء الذين يظلمون النساء: (ما تجدون أولئك خياركم) يعني: مع الإباحة فإن خيار المسلمين لا يفعلون ذلك. فالموضوع فيه تفصيل، ومن ذلك أنه ينظر إن كان الضرب يجدي فليجأ إليه، أما إن كان الضرب يزيد في النشوز فلا داعي أصلاً للجوء إليه، وهذا ليس فقط في حق النساء، بل حتى الصغار، فالضرب ليس عملية تنفيس، بمجرد أن يغضب على الولد فهو يريد أن يستريح ويشفي غليله بضربه. فمع أن الضرب قد يؤدي إلى التشويه العضوي البدني في الولد لكن خطورته في التشويه النفسي أعظم وأكبر، حيث تصبح عنده عاهة نفسية. المقصود من الضرب أنه وسيلة للتأديب، فإذا لم يؤد للتأديب، ولم يعد بفائدة فسيكون ضرراً محضاً، وإنما يلجأ إليه لأجل تحصيل المنفعة من ورائه. ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)) يعني: فاحذروه أن يعاقبكم إن ظلمتموهن، وإذا كنتم قد جعلكم الله من القوامين عليهن وأعلى منهن فاعلموا أن الله أعلى منكم فاتقوا الله فيهن؛ ولذلك قال: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا))، أي أعلى منكم، وأكبر منكم، فإن ظلمتموهن ينتقم الله سبحانه وتعالى منكم؛ ولذلك قال بعض السلف: (إني لأستحيي من الله أن أظلم من لا يجد له ناصراً إلا الله تبارك وتعالى).
تفسير قوله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما)
تفسير قوله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما) {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء:35]. بعدما ذكر الله حكم النفور وحكم النشوز الذي يصدر من جانب الزوجة، ذكر بعده مباشرة النفور من الزوجين معاً، فقال تعالى: ((وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا)). (وإن خفتم) علمتم، (شقاق بينهما) يعني: خلاف بينهما، يعني: وجود نزاع بين الزوجة والزوج. فإذا كان النفور بين الزوجين من الطرفين: (فابعثوا حكماً). قوله تعالى: (شقاق بينهما) يعني: بين الزوجين، والإضافة للاتساع، والأصل: شقاقاً بينهما، فأضيف المصدر إلى ظرفه، كقوله تعالى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ:33]، بمعنى: بل مكر في الليل ومكر في النهار، وهو ظرف. ((فَابْعَثُوا))، إليهما برضاهما (حكماً) رجلاً عدلاً. (من أهله) أي: من أقاربه، (وحكماً من أهلها). ويوكل الزوج حكمه في طلاق وقبول عوض عليه، وتوكل هي حكمها في الاختلاع، فيجتهدان -أي: الحكمان- ويأمران الظالم بالرجوع، أو يفرقان إن رأياه. قال سبحانه: ((إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا)). (إن يريدا) قيل: الزوجان، وقيل: الحكمان، (إصلاحاً) يعني: بصدق نيتهما فيه. ((يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا)) يعني: بين الزوجين، أي: يقدرهما على ما هو الطاعة من إصلاح، أو تفريق. ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا)) بكل شيء ((خَبِيرًا)) بالبواطن كالظواهر.
مهمة الحكمين بين الزوجين ومدى سلطتهما
مهمة الحكمين بين الزوجين ومدى سلطتهما قول السيوطي رحمه الله تعالى: ويوكل الزوج، فيه اشتراط التوكيل وهو مذهب الشافعي والأحناف، ومعنى يوكله: أن صاحب السلطة الحقيقية هو الزوج لا الحكم؛ لأن مهمة الحكمين عند الشافعية والأحناف منحصرة فقط في الإصلاح، وليس لهما أي طريقة غير الإصلاح بين الزوجين إلا بتفويض من الزوجين. أما مذهب مالك فيمنح الحكمين حق الحكم بالتفريق من دون توكيل الزوجين لهما؛ لأن الحكم نفسه لا يكون حكماً إلا إذا كان له سلطة في اتخاذ مثل هذا القرار، فعند المالكية لا يفتقر إلى التوكيل؛ لأنه بوصفه حكماً له حق الطلاق حسبما يتفقان، أما عند الشافعية والأحناف فلا بد من التوكيل.
تفسير قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا)
تفسير قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) قال تبارك وتعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء:36]. (واعبدوا الله) وحدوه، (ولا تشركوا به شيئاً) كما جاء في الحديث المشهور من حديث معاذ أنه قال: (ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: أن يدخلهم الجنة) أو كما قال صلى الله عليه وسلم. تنزل ((وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)) أي: أحسنوا بالوالدين إحساناً، يقدر فعل قبله وهو: وأحسنوا. وهذا مما يبين عظم بر الوالدين، حيث إن الله سبحانه وتعالى يأتي به مقترناً بالأمر بعبادته، يعني: يأتي الأمر بالتوحيد ثم يليه مباشرة الأمر ببر الوالدين. ((وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا))، الإحسان إلى الوالدين لا يتوقف على حياتهما، وإنما يمتد حتى بعد وفاتهما، وذلك بالدعاء لهما وبالتصدق عنهما وغير ذلك. {وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء:36]، يعني: القرابة. {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء:36]. (وبذي القربى) يعني بذلك: القرابة. (واليتامى) لأن اليتامى فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم، تنزلاً لرحمته عز وجل.
حقيقة المسكين والفرق بينه وبين الفقير
حقيقة المسكين والفرق بينه وبين الفقير قوله: (والمساكين) يعني: المحاويج الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فالذي يكون عنده من الأولاد الكثير ولا يستطيع أن يفي بحاجاتهم هو مسكين. وذكرت من قبل الفرق بين الفقير والمسكين، وقلنا: إذا اختلط عليكم الفرق بين الفقير المسكين فتذكروا الآية في سورة الكهف، {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف:79]، إذاً المسكين هو الذي يعمل لكنه لا يفي بحاجته. أما الفقير فلا دخل له أصلاً. فتذكر قوله: (لمساكين يعملون).
أنواع الجيران وحقوقهم في الإسلام
أنواع الجيران وحقوقهم في الإسلام قوله: ((وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى))، أي: الذي قرب جواره، أو الذي له مع الجوار قرب واتصال نسب ودين. إذاً الجيران نوعان: جار ذو قربى، وجار جنب، الجار ذو القربى هو الجار القريب الذي يكون قريباً منك إما بنسب أو رحم، وإما بدين فيكون مسلماً. ((وَالْجَارِ الْجُنُبِ)) أي: الجار الأجنبي. قال نوف البكالي: (الجار ذي القربى) يعني: الجار المسلم، (والجار الجنب) يعني: اليهودي والنصراني. ولا شك أن من محاسن الإسلام الاهتمام حتى بالجار الكافر حيث جعل له حقه وحرمته، ونزل في حفظ حقه قرآناً. وقد وردت الوصية بالجار في أحاديث كثيرة، منها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، وهذا متفق عليه، وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: (خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يشفع الرجل دون جاره)، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (ما تقولون في الزنا؟ قالوا: حرمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال صلى الله عليه وسلم: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره. قال: فما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام إلى يوم القيامة، قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره)، وعن ابن مسعود (أنه صلى الله عليه وسلم سئل: أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك) يعني: بزوجة جارك. وعن أبي العالية عن رجل من الأنصار قال: (خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أنا به قائم ورجل معه مقبلٌ عليه، فظننت أن لهما حاجة، قال: فقال الأنصاري: والله لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هذا الرجل الذي كان معه مقبلاً عليه، ووقف وطال وقوفه مع هذا الرجل، حتى جعلت أرثي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول القيام -يعني: أشفق على الرسول عليه الصلاة والسلام من طول القيام الذي وقفه مع هذا الرجل- فلما انطلق قلت: يا رسول الله! لقد قام بك الرجل فجعلت أرثي لك من طول القيام، قال: ولقد رأيت؟ قال: قلت: نعم، قال: هل تدري من هو؟ قال: لا، قال: ذاك جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، ثم قال: أما إنك لو سلمت عليه لرد عليك السلام)، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد. في هذا الحديث لنا أن نتخيل وقوف الرسول صلى الله عليه وسلم الطويل، وهذا يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان من أقوى الناس بدناً، وكان إذا صارع أبطال العرب في المصارعة كان يصرعهم عليه الصلاة والسلام، ومع هذه القوة أشفق عليه الصحابي من طول القيام، فلك أن تتخيل ما مدة هذا القيام؟! وهذا الوقوف الطويل لم يكن في أمر وحكم عادي بل توقع الرسول صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام سيورث الجار، مع الأب والأم والابن وغير ذلك. إذاً: المسلم يتعبد الله بحفظ حقوق الجار، حتى وإن قدر على أذيته أو الانتقام منه فإنه لا يفعل ذلك؛ لأنه ينزجر خوفاً من الله سبحانه وتعالى، ورعاية لحق الله، فالدافع إلى الإحسان في الإسلام هو رقابة الله سبحانه وتعالى وليس أن يقابل بالمثل. إذاً: ما نجده في مجتمعات المسلمين اليوم هو أبعد ما يكون عن آداب الإسلام، حتى إن الجار لا يعرف اسم جاره في البنايات الجديدة، ونادراً ما تجد رغبة في التقارب أو أداء حقوق الجوار، هذا إذا لم يحصل الأذية، بل تجد صوراً كثيرة من الأذى وأحياناً تكون باسم الدين، كهذا الذي يستعمل مكبرات الصوت لسماع القرآن الكريم، هذه الصورة تؤذي الشيخ الكبير والطفل والمرأة والمريض وغيرهم، هل يصح أن يستعمل القرآن بهذه الصورة التي تعرفونها لأذية الناس، فضلاً عن الحفلات والأفراح وما يكون فيها من الأذية، فهذا كله من أذى الجار وهذا من الذنوب. وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك باباً). وروى الإمام مسلم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)، أكثر ماءها حتى تستطيع أن توزع منه على جيرانك، وفي رواية: (إذا طبخت مرقاً فأكثر ماءه ثم انظر إلى أهل بيت من جيرانك فأصبهم منه بمعروف). وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن! قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه)، ولـ مسلم: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)، يعني: غوائله وشروره ومؤامرته وأذيته، وقال صلى الله عليه وسلم: (يا نساء المؤمنات! لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)، يعني: الظلف الذي يكون محرقاً، والمقصود: حتى لو كان شيئاً حقيراً فأهده لجارتك، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً في الحديث المتفق عليه: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره). يقول تعالى: ((وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ)) هذه الآية عامة في الجيران سواء كان الجار يهودياً أو نصرانياً أو مسلماً، والمسلم له حق أعلى بلا شك، باعتبار أنه جار ذو قربى، يعني: إما أن يكون قريب المكان كما قال عليه الصلاة والسلام: (أهدي إلى أقربهما منك باباً)، ومعنى هذا: أن جار القربى مقدم على غيره حتى ولو كان غير مسلم.
أقوال المفسرين في الصاحب بالجنب
أقوال المفسرين في الصاحب بالجنب قال تعالى: ((وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ)). يقول السيوطي: الرقيق في سفر أو صناعة، وقيل: الزوجة. فانظر كيف أخلاق الإسلام لم تفوّت شيئاً، ما من شيء إلا فيه ما يرضي الله تبارك وتعالى ويصلح حال العباد. (والصاحب بالجنب) قال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح. وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر، يعني: إذا رافقك رجل في السفر فهو داخل فيمن أوصى الله بالإحسان إليه، فهو صاحب بالجنب؛ لأن الذي يرافقك في السفر كالجار. يقول الزمخشري: هو الذي صاحبك بأن يكون بجنبك. (والصاحب بالجنب) يعني: قدر أن تكون بجواره، وبجنبه، هذا معنى الصاحب بالجنب، إما يكون رفيقاً في سفر، أو جاراً ملاصقاً، أو شريكاً في تعلم علمٍ، حتى زميلك في المدرسة أو في الكلية الذي يجلس إلى جوارك هو صاحب بالجنب، والذي يجلس بجوارك في مجلس أو مسجد هو صاحب بالجنب، له حق عليك، وعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه، وتجعله ذريعة إلى الإحسان، وقد روي عن علي وابن مسعود أنهما قالا: (الصاحب بالجنب هي المرأة) أي: الزوجة؛ لأنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك، وقد سبق أن ذكرنا قول بعض الشعراء: صحبة يوم نسب قريب وذمة يعرفها اللبيب
وصف ابن السبيل وحكمه
وصف ابن السبيل وحكمه قوله: ((وَابْنِ السَّبِيلِ))، كل هذا داخل فيمن ذكر الله تعالى ممن له حق. ((وَابْنِ السَّبِيلِ)) هو المنقطع في سفره، والمقصود به: المسافر الغريب الذي انقطع عن بلده وأهله، وهو يريد الرجوع إلى بلده ولا يجد ما يتبلغ به، وابن سبيل حتى لو كان ثرياً في بلده وانقطعت به السبيل فهو يستحق من الزكاة. نسب ابن السبيل إلى السبيل -الذي هو الطريق- لمروره عليه، وملابسته وملازمته له، فهو لا يستطيع أن يتحرك منه إلى بلده؛ لأنه لا يجد ما يبلغه، أو الذي يريد غير بلده لأمر يلزمه، فهذا يعطى قدر ما يتبلغ به إلى وطنه. وقال ابن بري: ابن السبيل هو: الذي أتى به الطريق، ولم يذكر السلف من المفسرين وأهل اللغة (السائل) في معنى ابن السبيل؛ لأنه جاء تابعاً لابن السبيل في البقرة من قوله: ((لَيْسَ الْبِرَّ)) إلى قوله تعالى: {وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ} [البقرة:177]. وقال بعضهم في تعريف ابن السبيل: ومنسوب إلى ما لم يلده كذاك الله نزل في الكتاب ومنسوب إلى ما لم يلده، أي: ابن السبيل منسوب إلى السبيل.
حقوق الرقيق في الإسلام
حقوق الرقيق في الإسلام قال تعالى: ((وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)) من الأرقاء المماليك؛ لأنهم ضعفاء الحيلة فهم في أيدي الناس كالمساكين لا يملكون شيئاً، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم جعل يوصي أمته في مرض موته بقوله: (الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة). وأيضاً موضوع الرق في الحقيقة من المواضيع المهمة جداً التي تثير كثيراً من التساؤلات، وإن شاء الله فيما بعد نفصل الكلام في موضوع الرق في الإسلام. وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: (هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: انطلق فأعطهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته)، وهذا رواه مسلم، يعني: يحبس عمن يملك قوته كالمملوك وغيره. فقال عليه الصلاة والسلام: (للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق)، وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يطعمه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين؛ فإنه ولي حره وعلاجه) متفق عليه. فهذه من الآداب التي ينبغي أن يلتزم بها المسلم تجاه الخادم؛ لأنه الذي يعينه على تحصيل قوته، فهو يشتري الطعام ويتولى إنضاجه وطبخه وغير ذلك، ثم تستأثر أنت به، ويجلس هو يتأذى بريح القدور، هذا ليس من أدب الإسلام في شيء، لكن أكمل صورة أن تجلسه معك، ويشاركك في الطعام، فإن لم تجلسه معك فناوله لقمة أو لقمتين؛ لأنه هو الذي ولي حره، وهو الذي عالج هذا الطعام حتى نضج فصار له فيه شيء من الحق. وقال صلى الله عليه وسلم في هؤلاء العبيد والرقيق: (إخوانكم خولكم -يعني: ملككم- جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) متفق عليه.
ذم الاختيال والفخر والدافع لهما
ذم الاختيال والفخر والدافع لهما قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا)). (مختالاً) أي: متكبراً عن الإحسان إلى من أمر ببره. لماذا الاختيال بالذات؟ لأن الاختيال قد يكون كبراً، وقد يكون هو المانع الذي يمنع الرجل الذي أنعم الله عليه بالنعم أن يحسن إلى من أُمر ببره، فتجد الرجل الغني قد يستنكف عن أن يجلس بجوار خادمه أو رقيقه، وغير ذلك. (فخوراً) هو الذي يعدد مناقبه ويقول: أنا فعلت وفعلت وغير ذلك تكبراً واختيالاً. إنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع؛ لأن المختال هو المتكبر، وكل من كان متكبراً فإنه قلما يقوم برعاية الحقوق، بل يتجاهل حقوق الناس ومنزلتهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الكبر بطر الحق وغمط الناس). (فخوراً) أي: أنه لا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة؛ بل لرد أمر الله تبارك وتعالى. عن أبي رجاء الهروي قال: لا تجد سيئ الملَكة وسيئ الخلق وحسوداً إلا وجدته مختالاً فخوراً، هذه صفة أساسية، وتلا هذه الآية: ((وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا)). ثم قال: ولا عاقاً إلا وجدته جباراً شقياً، وتلا قوله تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم:32]، وقد ورد في ذم الخيلاء والفخر الكثير من الأدلة من الكتاب والسنة.
تفسير قوله تعالى: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل)
تفسير قوله تعالى: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) قال تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء:37]. (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) أي: يبخلون بما يجب عليهم من الحقوق. (وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) أي: هم في أنفسهم لا ينفقون ويعز عليهم أن يروا غيرهم ينفقون في سبيل الله تبارك وتعالى، فيبخلون بما في أيديهم، وكذلك يبخلون بما في أيدي غيرهم، فتراهم يأمرون الناس بأن يبخلوا به مقتاً للسخاء ممن وجد، وفي أمثال العرب: أبخل من الضنين بنائل غيره، يقول الشاعر: وإن امرأً ظنت يداه على امرئ بنيل يد من غيره لبخيل يقول الزمخشري: ولقد رأينا ممن بلي بداء البخل من إذا طرق سمعه أن أحداً جاد على أحد سقط به وحل حبوته، واضطرب ودارت عيناه في رأسه، كأنما نهب رحله، وكسرت خزانته ضجراً من ذلك وحسرة على جوده. ((وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ))، أي: من المال والغنى، يكون الله سبحانه وتعالى قد أعطاهم النعم والغنى فيظهرون الفقر ويكتمون هذه النعم؛ كذلك إذا كانوا موسرين يظهرون الإعسار والعجز بقدر إمكانهم. ((وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا))، فهو وضع الظاهر موضع المضمر إشعاراً بأن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى، ومن كان كافراً بنعمة الله تعالى فله عذابٌ يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: الذين يبخلون بما يجب عليهم ويأمرون الناس بالبخل، ((وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)) من العلم والمال، وهم اليهود كانوا يقولون للأنصار: لا تنفقوا أموالكم على محمد صلى الله عليه وسلم إنما نخشى عليكم الفقر، وكانوا أيضاً يكتمون ما علموه من صدق النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقولون الحق وهم يعلمون خبر المبتدأ في قوله: (وأعتدنا) محذوف تقديره: لهم وعيد شديد. (للكافرين) بذلك وبغيره، (عذباً مهيناً) أي: ذا إهانة.
تفسير قوله تعالى: (والذين ينفقون أموالهم ويؤت من لدنه أجرا عظيما)
تفسير قوله تعالى: (والذين ينفقون أموالهم ويؤت من لدنه أجراً عظيماً) {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا * وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا * إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:38 - 40]. قال تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} [النساء:38] (والذين) عطف على الذين في الآية قبلها. (ينفقون أموالهم رئاء الناس) يعني: مرائين لهم. {وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء:38] يعني: كالمنافقين وأهل مكة، {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا} [النساء:38] أي: صاحباً يعمل بأمره كهؤلاء. {فَسَاءَ قَرِينًا} [النساء:38]، أي: فبئس القرين هو. قال تعالى: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} [النساء:39] يعني: أي ضرر عليهم في ذلك؟ والاستفهام للاستنكار و (لو) مصدرية، أي: لا ضرر فيه، وإنما الضرر فيما هم عليه من البخل والشح، {وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} [النساء:39] أي: فيجازيهم بما عملوا. قال تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:40]. (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ) أحداً (مِثْقَالَ) أي: وزن (ذَرَّةٍ) ويطلق على أصغر نملة، بأن ينقصها من حسناته أو يزيدها في سيئاته. الله عز وجل منزه عن هذا القدر الضئيل من الظلم، فلا يزيد في السيئات مثقال ذرة، ولا ينقص من الحسنات هذا المثقال. ثم قال تعالى: ((وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا))، وإن تك هذه الذرة حسنة -شريطة أن تكون من مؤمن- فإنه يضاعفها، وإن قرئت: (وإن تك حسنةٌ) بالرفع على أن (كان) تامة، وحسنة: تكون فاعلاً فجائز. قوله: (يضاعفها) أي: من عشر إلى أكثر من سبعمائة، وفي قراءة: (وإن تك حسنةً يُضَعّفْها) يعني: الله سبحانه وتعالى من عدله إذا هم الإنسان بالسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه بها شيء، أما إذا هم بها فعملها ففي هذه الحالة تكتب عليه سيئة. أما المكفرات فكثيرة جداً التي قد يكفر بها عنه، أما الحسنة فبعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويضاعف بعد ذلك لمن يشاء فوق السبعمائة ضعف، وفي ذلك قال بعض العلماء: الويل لمن غلبت آحاده عشراته. يعني: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله عز وجل، والسيئة بمثلها إلا أن يعفو الله عنها، فهذا الرجل عنده رصيد من الخطايا والآثام -التي هي بالآحاد- غلبت العشرات بل المئات من الحسنات، معنى ذلك: أن هذا إنسان مصر على معصية الله عز وجل، ومتفنن في ذلك، حتى إن آحاده غلبت عشراته، فمثل هذا يستحق فعلاً أن يهلك والعياذ بالله، فلا يهلك على الله إلا هالك. قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)) لا يبخس أحداً من ثواب عمله، ولا يزيد في عقابه شيئاً مقدار ذرة، وهي النملة الصغيرة في قول أهل اللغة، قال ثعلب: مائة من الذر زنة حبة شعير، يعني: المقصود بهذه الآية ضرب المثل بأقل الأشياء، ولا نحتاج إلى التعسف من بعض الناس حيث يقومون بحمل ألفاظ القرآن الكريم على ما استحدث من الاصطلاحات الآتية، كأن يتكلم بعضهم عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، فيقول: القرآن أخبر بأن الذرة ليست هي أصغر مكونات المادة، بل هنا الذرة تنقسم إلى الإلكترونات، أو النيترونات إلى آخره، ويقول: القرآن الكريم يبين ذلك، أين هذا أيها المدعي؟! فيقول: ((لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ)) إلى قوله: {وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ} [سبأ:3]، أي: أن هناك أصغر من الذرة. لكن كلمة (الذرة) إذا أطلقت في العرف أو في لغة العرب فإن أذهانهم تنصرف إلى هذا المعنى الصارف الآن. الذرة بسهولة عند العرب أصغر شيء في نظرهم، حتى إنهم كانوا يقولون: هي النملة الصغيرة، فخرج الكلام هنا على أصغر شيء يعرفه الناس. ونحن إذا عرفنا ما هو أصغر من الذرة، فهل الله عز وجل يظلم أقل من الذرة؟ الله عز وجل منزه عن الظلم: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا). ((وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)) أي: يضاعف ثوابها، ((وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ)) أي: زيادة على هذه الأضعاف، (من لدنه) أي: بما يناسب عظمته على سبيل التفضل. ((أَجْرًا عَظِيمًا)) أي: عطاءً جزيلاً، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً، منها: قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الشفاعة الطويل يقول الله عز وجل: (ارجعوا، فمن وجدتم معه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه من النار. وفي لفظ: (أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوهم من النار، فيخرجون خلقاً كثيراً). ثم يقول أبو سعيد اقرءوا إن شئتم: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ))).
تفسير قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد)
تفسير قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) يقول تبارك وتعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء:41]. كيف يكون حال هؤلاء الكفار؟! علاقة هذه الآية بما قبلها أن الله تبارك وتعالى بين في الآخرة أنه لا يظلم أحداً، وأنه تعالى يجازي المحسن بإحسانه ويزيده على فضل حقه. فبين تعالى في هذه الآية أن عملية الحساب والجزاء بالحسنات والسيئات كذلك يتم بحضور الرسل وشهادتهم، الذين جعلهم الله الحجة على خلقه، لتكون الحجة على المسيء أبلغ، والتنكيل له أعظم، وحسرته أشد، ويكون السرور ممن أظهر الطاعة أعظم، وهذا وعيد للكفار الذين قال الله فيهم: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ))، ووعد للمطيعين الذين قال الله فيهم: ((وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا))، وعادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه فيما بعد: كيف بك إذا كان كذا وكذا؟! كيف بك إذا فعل فلان كذا وكذا؟! أو كيف بك إذا جاء وقت كذا؟! (فكيف إذا جئنا) أي: كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد الله على كل أمة برسولها، واستشهدك على هؤلاء؟! يعني: المخاطبون بالقرآن هم قومه الذين شاهدهم وعرف أحوالهم. ثم إن كل أهل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم، وعلى هذا الوجه قال عيسى عليه السلام: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة:117]، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ} [النحل:89]، صلى الله عليه وآله وسلم. وروى الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقرأ عليّ، فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا}، فقال: حسبك الآن، فإذا عيناه تذرفان صلى الله عليه وسلم)، معنى ذلك: أن الرسول عليه الصلاة والسلام بكى تعظيماً لهذا الموقف حين يكون في موقف الشاهد، وهذا حال الشاهد صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون حال المشهود عليه؟! وكان عليه الصلاة والسلام يبكي ويشفق من ذلك الموقف، حتى قال: (شيبتني هود وأخواتها)، لما فيها من تصوير أهوال يوم القيامة، وهو صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وفضله على العالمين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. ((فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ)) كيف يكون حال هؤلاء الكفار إذا جئنا من كل أمة بشهيد -وهو نبيها- يشهد عليها بعملها، (وجئنا بك) أي: يا محمد صلى الله عليه وسلم (على هؤلاء شهيداً).
تفسير قوله تعالى: (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول)
تفسير قوله تعالى: (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول) {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ} [النساء:42]. (يومئذ) أي: يوم هذا المجيء. (يود الذين كفروا لو) (لو) بمعنى: أن المصدرية. (تسوى) بالبناء للمفعول أو بالبناء للفاعل، مع حذف إحدى التاءين بالأصل، ومع إدغامها في السين، يعني: تقرأ: (وعصوا الرسول لو تُسَوّى) أو: (لو تَسّوّى بهم الأرض) يعني: يتمنون بأن يكونوا تراباً مثلها لعظم هول ذلك اليوم. ((يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ)) أي: يتمنون أن يتحولوا إلى تراب، كل أمتي يوم القيامة في هذا الموقف؛ حتى لا يحاسبوا ولا يعذبوا، كما قال تبارك وتعالى: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} [النبأ:40]. قوله تعالى: {وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء:42] أي: أنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، فهم لا يقدرون على كتمانه؛ لأن جوارحهم هي التي ستشهد عليهم، فهم يودون أن يدفنوا في الأرض حال كونهم لا يكتمون الله حديثاً، ولا يكذبونه بقولهم: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام:23] أي: مع كل الجرائم التي ارتكبوها في الدنيا يأتون يوم القيامة وهم يحسبون أن الكذب يمكن أن ينجيهم، فأي حيلة يتوقعون منها فائدة يسلكونها؛ فلذلك يحلفون أمام الله سبحانه وتعالى يقولون: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام:23]، كما روى ابن جرير عن الضحاك: أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: (يا ابن عباس، قول الله تعالى: {وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا}. وقوله: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام:23]) كأنه يسأل عن الجمع بين هاتين الآيتين؛ لأن فيها نوعاً من الإشكال فهو يستوضح، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن. فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله تعالى جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد فيقول المشركون: إن الله لا يتقبل من أحد شيئاً إلا ممن وحده، فيقولون: تعالوا نجحد، فسألهم فقالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، قال: فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك يتمنون لو أن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله حديثاً.
النساء [69 - 72]
تفسير سورة النساء [69 - 72]
تفسير قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول)
تفسير قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول) انتهينا في تفسير سورة النساء إلى الآية التاسعة والستين إلى قوله تبارك وتعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} [النساء:69]. قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) يعني: في طاعة الله عز وجل طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن ذكره صلى الله عليه وآله وسلم جاء تشريفاً لقدره وتنويهاً باسمه صلى الله عليه وسلم (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا).
تفسير آية النساء لآية الفاتحة
تفسير آية النساء لآية الفاتحة هذه الآية هي تفسير لقوله تبارك وتعالى في الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:6 - 7] فهذه الآية تبين الذين أنعم الله عليهم، والذين أجمل ذكرهم في سورة الفاتحة، فهؤلاء الذين أوجب الله علينا في اليوم والليلة سبع عشرة مرة على الأقل أن نسأله أن يهدينا صراطهم، هم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وما ذكر في هذه الآية أيضاً هو المراد من قوله صلى الله عليه وآله وسلم عند موته: (اللهم الرفيق الأعلى) يعني: أسألك الرفيق الأعلى. والرفيق الأعلى هم المذكورون في هذه الآية: (الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين). وفي البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة). وتقول: (وكان صلى الله عليه وآله وسلم في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، قالت: فعلمت أنه خير) يعني: أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما سمعته صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين تقول: فعلمت أنه خير) فهذه الرواية أيضاً تفسر قوله في الرواية الأخرى: (بل الرفيق الأعلى) فمعنى ذلك: أن الرفيق الأعلى هم المذكورون في هذه الآية الكريمة.
الحكمة من عدم ذكر المنعم به في الآية
الحكمة من عدم ذكر المنعم به في الآية لم يذكر الله تبارك وتعالى المنعم به ولم يعينه إشعاراً بأن النعمة التي أنعمها عليهم تقصر كل عبارة دون وصفها، فإن دار النعيم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فلا تقوى عبارة مهما كانت على وصف هذا النعيم. قوله: ((من النبيين)) أي: الذين أنبأهم الله أكمل الاعتقادات والأحكام، وأمرهم بإنبائها الخلق كلاً بمقدار استعداده.
الصديقية ومنزلتها وفضلها وحقيقة الشهداء والصالحين
الصديقية ومنزلتها وفضلها وحقيقة الشهداء والصالحين قوله: (الصديقين) الصديقين: جمع صديق، وهو المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة، وباطنه بالمراقبة، صادق في ظاهره في العبادات والمعاملات، وفي باطنه بمراقبة الله سبحانه وتعالى، أو هو الذي يصدق قوله فعله. وقال الرازي: للمفسرين في الصديق وجوه: الأول: أن كل من صدق بكل الدين ولا يتخالجه فيه شك فهو صديق، أي: فالصديق مبالغة من التصديق بكل ما جاء من أمر الدين. والدليل عليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} [الحديد:19]. الثاني: قال قوم: الصديقون أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. الثالث: أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم، فصار في ذلك قدوة لسائر الناس، وإذا كان الأمر كذلك فـ أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أولى الخلق بهذا الوصف، فإن أعظم الصديقين على الإطلاق هو أبو بكر رضي الله عنه، فهو أفضل البشر بعد الأنبياء، وأعظم الأولياء وأحبهم إلى الله سبحانه وتعالى. ثم جود الرازي الكلام في سبقه رضي الله تعالى عنه إلى التصديق، وفي كونه صار قدوة للناس في ذلك؛ لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما صدق وبادر بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد ما علم أنه أرسل أو نبئ صار قدوة لمن تبعه على الإسلام بعد ذلك. في هذه الآية أيضاً دليل على صحة إمامة أبي بكر رضي الله تعالى عنه؛ لأن هذه الآية تدل على إنعام الله عز وجل على هؤلاء الصديقين، وأجمع المسلمون على تسمية أبي بكر بـ الصديق، فدل على أوليته وأحقيته بالإمامة دون من عداه. (والشهداء) يعني: الذين استشهدوا في سبيل الله تبارك وتعالى. (والصالحين) الذين صلحت أحوالهم وحسنت أعمالهم.
مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة
مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة (وحسن أولئك) يعني: هؤلاء المذكورين. (رفيقاً) يعني: في الجنة، والرفيق الصاحب، سمي رفيقاً لارتفاقك به وبصحبته. (وحسن أولئك رفيقاً) يمكن أن يقال: رفقاء، هنا عبر عن الجمع بالواحد؛ لأن هذا يحصل من العرب كثيراً في كونهم يعبرون عن الجمع بالواحد، كالصديق أو الخليل كما في قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور:61] والجملة تذييل مقرر لما قبله مؤكد للترغيب والتشويق. وقوله تعالى: ((وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا)) فيها معنى التعجب كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقاً!
فوائد مستقاة من قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم)
فوائد مستقاة من قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) هنا بعض التنبيهات المتعلقة بهذه الآية الكريمة: أولها: أنه ليس المراد أن يكون من أطاع الله وأطاع الرسول صلى الله عليه وسلم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في درجة واحدة؛ لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، بينما لا يمكن أن تكون مرتبة ومنزلة واحد من عوام المسلمين في الجنة كمرتبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو كمرتبة أبي بكر وعمر وغير هؤلاء المذكورين. لكن المقصود أن أولئك يكونون معهم في دار واحدة، يعني: تضمهم دار واحدة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان؛ لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه. فهذا هو المراد من هذه المعية، يعني: يمكنهم أن يتلاقوا وأن يتزاوروا، فهم مع الذين أنعم الله عليهم جميعاً في دار واحدة وهي الجنة، وإن تفاوتت مراتبهم ومنازلهم، فهم يتفاوتون ولكنهم يتزاورون، وكل من فيها قد رزق الرضا بما أعطاه الله سبحانه وتعالى، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول؛ لأنه لن يشعر بأن غيره أفضل منه، حيث ينزع منه هذا الشعور حتى لا يكدر عليه هذا النعيم، فلا يحس أن غيره أفضل منه، بل رزق الرضا بما أتاه الله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} [الحجر:47]. ثانيها: أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم أفضل من مرتبة الصديقية، ولذلك أينما ذكر في القرآن الصديق والنبي لم يجعل بينهما واسطة كما قال عز وجل في صفة إدريس: {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم:56] وقال هنا: ((فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ)) فهو يقرن دائماً بين الصديقين والأنبياء، وإذا ترقيت في النطق من الصديقية وصلت إلى النبوة، وإن نزلت من النبوة ستجد أسفل الأنبياء مباشرة الصديقين ولا متوسط بينهما، وقال عز وجل: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر:33] فلم يجعل بينهما واسطة. وكما دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة فقد وصف الله هذه الأمة بأنها خير أمة، والأمة أجمعت على جعل أبي بكر حتى جعلوا الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم توجد واسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر في الخلافة، وإنما خلفه مباشرة أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وتحقق عموم قوله عز وجل في شأن الصديق رضي الله تعالى عنه: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40] وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا أبكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!). فتحقق هذا الأمر فلم يطلق لقب: خليفة رسول الله إلا على أبي بكر؛ لأنه في عهد عمر رضي الله تعالى عنه قالوا: لو ظللنا كلما أتى خليفة جديد نضيف له هذا اللفظ لطال جداً، يعني: إذا قيل في حق أبي بكر: خليفة رسول الله، ثم قيل في حق عمر: خليفة خليفة رسول الله، وفي حق الثالث: خليفة خليفة خليفة رسول الله، فإن الأمر سيطول، فمن لذلك رأوا أن يستبدلوها بلقب أمير المؤمنين. فشاء الله سبحانه وتعالى أن يختص أبا بكر بهذه النسبة، وأن يكون الله ثالثهما، كما في الحديث: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) فعبارة خليفة رسول الله قرن فيها اسم أبي بكر بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فأيضاً لما توفي رضي الله تعالى عنه دفنوه إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه الآية. فمن ثم ارتفعت الواسطة بينهما في هذه الوجوه التي ذكرناها.
سبب نزول قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم)
سبب نزول قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) أما سبب نزول هذه الآية فعن سعيد بن جبير قال: (جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان! ما لي أراك محزوناً؟ قال: يا نبي الله! شيء فكرت فيه، قال: وما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغداً ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فأتاه جبريل بهذه الآية: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ)) فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فبشره). وقد روي هذا الأثر مرسلاً عن مسروق وعن عكرمة وعامر الشعبي وقتادة وعن الربيع بن أنس، وروي في بعض الآثار أن ذلك الصحابي الذي حصل معه هذا هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري الأذان. بل ذكر مكي ولم يذكره بسنده: (أنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن زيد: اللهم! أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده، فعمي مكانه)، ولو صح أنه دعا على نفسه بالعمى حتى لا تقع عينه على شيء بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ذلك وقع لاشتهر ولشاع، فيبعد أن يصح مثل هذا خاصة وأن الرسول عليه الصلاة والسلام علمنا الدعاء بالعافية.
من أسباب مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة
من أسباب مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة في معنى هذه الآية أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: (كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، -أي: أسألك- أن تدعو لي بمرافقتك في الجنة- فقال: أوغير ذلك؟ قال: هو ذلك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) يعني: لا تحصل هذه المنزلة إلا بكثرة السجود. ومن الأحاديث في نفس هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد عن عمرو بن مرة الجهني قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات على ذلك كان مع النبيين والشهداء يوم القيامة هكذا، ما لم يعق والديه، ونصب أصبعيه). وقال ابن كثير: وأعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال: المرء مع من أحب، المرء مع من أحب، قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث، ثم قال أنس بن مالك: والله! إني لأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحب أبا بكر وعمر وأرجو أن يبعثني معهم، وإن لم أعمل بعملهم). إذاً: هذا من أوثق الأسباب التي يتعلق بها الإنسان كي ينال هذه المراتب العالية، لا بالأماني والغرور ولكن بالاجتهاد في الطاعة وفي العبادة. انظر! مجرد محبة هؤلاء الصالحين تنفعك في الآخرة، وتنال هذا الثواب العظيم: (المرء مع من أحب). وقوله: (المرء مع من أحب) هذا عام يشمل كل من يحب أحداً من المخلوقين، فالذي يحب المغنين والممثلين والمطربين وأبطال الكرة والرياضة يكون معهم، والذي يحب الظلمة والمتجبرين يكون معهم، وكذلك الذي يحب الرسول عليه الصلاة والسلام والذي يحب الصحابة فإنه يكون معهم. فإذاً: من الأسباب التي توصل إلى المراتب العالية في الجنة الاجتهاد في محبة الصالحين، كما قال الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى: أحب الصالحين ولست منهم، وأبغض الطالحين وأنا شر منهم. وقال الإمام الشافعي: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأبغض من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة على أي الأحوال؟ فمحبة الصحابة من أعظم الأسباب التي يرجى أن تنفع صاحبها يوم القيامة، وبالعكس من وجد في قلبه والعياذ بالله بغضاً لأحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهذا نذير شؤم عليه، ونذير سوء عاقبة؛ لأن من يكون في صف مقابل ومضاد لصف فيه أبو بكر وعمر فسوف يوليه الله عز وجل الظالمين مثله، قال عز وجل: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:129]. فينبغي على كل من وجد في قلبه شيئاً على أحد من الصحابة أن يطهر قلبه منه، وللأسف الشديد كنت أتحدث مع بعض الناس عن مسألة الصحابة رضي الله عنهم وما ينبغي لهم من المحبة في قلوبنا، والجميل الذي في أعناقنا، ونذكر ما بذله لنا الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فوجدت أن بعض الناس الذين نشئوا على المناهج الدراسية في ظل الثورة المشئومة يحطون من قدر عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، فالمسلم المنصف مهما قرأ فإنه لا يتصور أن هذا هو الشخص الذي درست شخصيته في التاريخ، وصارت الصورة منطبعة في ذهن الكثيرين بشكل مشوه، حتى إن أغلب الناس نتيجة تربيتهم منذ نعومة أظفارهم يبغضون عمرو بن العاص ويبغضون معاوية رضي الله تعالى عنهما وغيرهما من الصحابة؛ لأن الخبثاء يعمدون إلى شخصيات مثل شخصية عمرو بن العاص فيشوهون صورته كذباً وزوراً، مع أنه هو الذي فتح مصر وطهرها من الوثنية والرجس والأوثان والكفر المبين، وهو الذي جعله الله سبباً لأن يخرجنا من الظلمات إلى النور، وأعداء الدين يريدون أن يقطعونا عن هذه الجذور. فلو أن كل أمم الأرض خاضوا في حق عمرو بن العاص لكان واجباً على المصريين بالذات أن لا يخوضوا معهم أبداً، بل الواجب عليهم أن يذبوا عنه ويستغفروا له ويترضوا عنه رضي الله تعالى عنه. عمرو بن العاص وأمثاله من الصحابة -الذين تتطاول عليهم الأقلام المسمومة- داخلون في عموم نصوص القرآن والسنة التي تحث على محبة الصحابة واحترامهم، وهي كثيرة جداً. والله سبحانه وتعالى قد قسم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام: المهاجرين، والأنصار، ومن يحب المهاجرين والأنصار، فمن ليس من هؤلاء الأقسام الثلاثة فليس من المؤمنين، إما أن تكون مهاجرياً أو أنصارياً وهم الصحابة رضي الله عنهم، أو تكون ممن أتى بعدهم محباً لهم، فإذا لم تحبهم فلست منهم وليسوا منك. يقول سبحانه: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر:8] أي: المهاجرون، {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9] أي: الأنصار، {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10]. فمن وجد في قلبه غلاً لواحد من الصحابة فهذا علامة نفاقه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار). وأيضاً يقول الله سبحانه وتعالى في وصف الصحابة رضي الله تعالى عنهم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} [الفتح:29] معنى ذلك: أن الصحابة مدحوا في الكتب السابقة قبل أن يخلقوا، فصفتهم المذكورة هنا في سورة الفتح هي هي تماماً كما وجدت في التوراة التي أنزلها الله على موسى، وفي الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام. {وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح:29]. قال الإمام مالك: فمن وجد في قلبه غيظاً من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ليس من المؤمنين بل هو من الكفار. فنذير شؤم على أي إنسان أن ينساق وراء هؤلاء الزنادقة والملاحدة الذين يعتلون الآن جميع المنابر الإعلامية، ومناهج التعليم، فصار سمهم منتشراً في كل مكان، بحيث لا ينجو منهم إلا من أراد الله سبحانه وتعالى أن يعافيه من هذا البلاء المستطير، ففي هذا الزمان العجيب لا يكاد يخلو أحد من هذه السموم، فواجبنا أن نطهر قلوبنا وقلوب أبنائنا من سموم المناهج التعليمية، خاصة التي تتطاول على الصحابة. ترى هؤلاء الخبثاء يحرصون على أن يسموا الفتح الإسلامي بالفتح العربي؛ حتى يهربوا من كلمة الفتح الإسلامي. كذلك فتح باب المعاداة لبعض الصحابة خاصة عمرو بن العاص ومعاوية رضي الله عنهما، وما يتبع ذلك من الطعن فيهم وفي غيرهم من الصحابة معناه: أننا نطعن في القرآن والسنة، وهذا هو غرض أعداء الدين. من الذي أدى إلينا هذا الدين؟! ومن الذي حمل إلينا القرآن والسنة؟ إنهم الصحابة، فإذا طعنت في الصحابة كان ذلك طعناً في القرآن والسنة. ولذلك يقول الإمام أبو زرعة رحمه الله تعالى: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، فالصحابة هم الذين نقلوا إلينا القرآن والسنة، وإنما يريدون بذلك أن يجرحوا شهودنا ليعطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة). ومعنى ذلك: أن من رأيته يسب أحداً من الصحابة أو ينطوي قلبه على عداوة لأحد من الصحابة فاعلم أنه منافق. على أي الأحوال هذا الشخص الذي كنت أتكلم معه يقول: مهما تعلمت رغم حبي الشديد للصحابة واجتهادي في محبتهم لكن أجد من الصعب أن يتخلص قلبي مما بذر في مناهج التعليم التي تعلمناها منذ نعومة أظفارنا من موقف عدائي تجاه عمرو بن العاص، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! الصحابي الذي طهرنا من النصرانية، وطهرنا من الفرعونية، وطهرنا من الشرك، وأنار بلادنا بعد ظلمة الكفر، يكون جزاؤه أن نحمل في صدورنا غلاً عليه رضي الله تعالى عنه. كيف وهو يدخل في كل العمومات التي فيها مدح الصحابة من القرآن أو السنة! فضلاً عما اختص به، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ابنا العاص مؤمنان عمرو وهشام) فالرسول صلى الله عليه وسلم يشهد له بالإيمان وأنت تطعن فيه وتتطاول عليه. ومن أعظم مناقب عمرو بن العاص ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، وجهاده في سبيل الله عز وجل، وأنه يدخل في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (دعوا لي أصحابي، والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
تفسير قوله تعالى: (ذلك الفضل من الله)
تفسير قوله تعالى: (ذلك الفضل من الله) يقول تبارك وتعالى: {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء:70] (ذلك) مبتدأ، وهي بمعنى: هذا الذي تقدم، والخبر الفضل من الله، أو (الفضل) تكون بدلاً (من الله) تكون خبراً، يعني: في هذا إشارة إلى ما للمطيعين من الأجر ومزيد الهداية ومرافقة المنعم عليهم. (الفضل من الله) يعني: ليس من غير الله إنما هو من الله سبحانه وتعالى. إذاً هنا معنى مهم جداً يقول الناصر: معتقدنا معاشر أهل السنة أن الطاعات والأعمال التي يتميز بها هؤلاء الخواص خلق الله تعالى وفعله، وأن قدرتهم لا تأثير لها في أعمالهم بل الله عز وجل يخلق على أيديهم الطاعات ويثيبهم عليها. فالطاعة إذاً من فضله سبحانه فله الفضل على كل حال، والمنة في الفاتحة والمآل، وكفى بقول سيد البشر في ذلك حجة وقدوة فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام: (لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة) {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس:58] اللهم! اختم لنا باقتفاء السنة، وأدخلنا بفضلك المحض الجنة. إذاً: فهذه إشارة إلى أن ما نالوه من النعيم المذكور في الآية السابقة ليس بكسبهم، وإنما هو محض فضل من الله عز وجل، فأخبر أنهم لن ينالوا هذه الدرجة العالية بطاعتهم، بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمه، خلافاً لما قالت المعتزلة: إنما ينال العبد ذلك بفعله. فلما امتن الله سبحانه على أوليائه بما آتاهم من فضله، وكان لا يجوز لأحد أن يثني على نفسه بما لم يفعله، دل ذلك على بطلان قول المعتزلة والله تعالى أعلم. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: قوله: (ومن يطع الله والرسول) أي: فيما أمر به (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين) وهم أفاضل أصحاب الأنبياء، وسموا صديقين لمبالغتهم في الصدق والتصديق، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً). و (الشهداء) أي: القتلى في سبيل الله، ولا يعد الإنسان مقاتلاً في سبيل الله إلا إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وما هي كلمة الله، هي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما كلمة الكافرين فهي كفرهم بالله تبارك وتعالى. (والصالحين) غير من ذكر. (وحسن أولئك رفيقاً) أي: رفقاء في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كان مقرهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى غيرهم. (ذلك) أي: كونهم مع من ذُكِرَ مبتدأ خبره: (الفضل من الله) تفضل به عليهم لا أنهم نالوه بطاعتهم. (وكفى بالله عليماً) بثواب الآخرة، فثقوا بما أخبركم به {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:14].
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا} [النساء:71] يعني: تيقظوا واحترزوا من العدو، ولا تمكنوه من أنفسكم. (خذوا حذركم) فيه الأمر باتخاذ السلاح، وأنه لا ينافي التوكل، وقال بعض المفسرين: دلت الآية على وجوب الجهاد وعلى استعمال الحذر من العدو وترك التفرق والاختلاف. (فانفروا) أي: اخرجوا إلى الجهاد. (ثبات) جمع ثبة، والثبة: هي الجماعة، يعني: جماعات متفرقة، سرية بعد سرية، وفرقة بعد فرقة؛ إظهاراً للقوة أمام الأعداء. (أو انفروا جميعاً) أي انفروا مجتمعين كلكم كوكبة واحدة لإظهار المهابة ولتكثير السواد، والمبالغة في التحرز عن الخطر. والتخيير في هذا الأمر هل يكون النفور ثبات -أي: جماعات متفرقة- أو جماعة واحدة موكول إلى اجتهاد الإمام، خاصة إذا كان في العصر الحديث حيث اختلفت طرائق الحروب واستراتيجياتها.
تفسير قوله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن)
تفسير قوله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن) يقول تبارك وتعالى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} [النساء:72]. (وإن منكم لمن ليبطئن) اللام الأولى في قوله: (لمن) هذه لام توكيد، (ليبطئن) لام القسم يعني: يتثاقلون ويتخلفون عن الجهاد والخروج مع الجماعة للنفاق. فالمقصود أن منكم ممن ينتمون لكم في الظاهر وليس هم من المؤمنين، لكنهم يدخلون في جملة المؤمنين بحكم الظاهر؛ لأنهم منافقون يحتمون بكلمة التوحيد وإظهار أنهم من المسلمين. (ليبطئن) يعني: يتثاقل أو يتخلف عن الخروج إلى الجهاد، أو يبطئ غيره ويشيع فيهم ما يثبطهم عن الخروج إلى الجهاد، كما كان المنافقون يثبطون غيرهم. وكان هذا ديدن المنافق عبد الله بن أبي وهو الذي ثبط الناس يوم أحد، وروي عن كثير من التابعين أن الآية نزلت في المنافقين؛ لأن الذي حكي في هذه الآية هو عادة ودأب المنافقين، وقيل: الخطاب للمؤمنين وقوفاً مع صدر الآية التي قبل هذه حيث تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا * وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} [النساء:71 - 72]. الله سبحانه وتعالى قال في المنافقين: {وَمَا هُمْ مِنْكُمْ} [التوبة:56]. وقوله: (وإن منكم) هذا في الحقيقة خطاب صريح للمؤمنين ولمن يدخل معهم في الظاهر بصفة الإيمان وهم المنافقون؛ لأن ما ذكر لا يصدر عن مؤمن (وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً) يعني: حاضراً. (منكم) يعني: إن من دخلائكم وجيشكم وممن أظهر إيمانه منكم. فالمنافقون في ظاهر الحال من أعداد المسلمين وتجري أحكام المسلمين عليهم. والجمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب لا من جهة الإيمان، (وإن منكم) يعني: ممن هم في الظاهر من جنسكم، لكن هم في الحقيقة بخلاف ذلك، ولو أصابتكم هزيمة أو شهادة أو تغلب العدو عليكم لما لله في ذلك من الحكمة قال هذا المبطئ فرحاً بصنيعه: (قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً).
النساء [88 - 92]
تفسير سورة النساء [88 - 92]
تفسير قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين)
تفسير قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين) قال تبارك وتعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء:88]. قوله: ((فما لكم في المنافقين)) يعني: فما لكم تفرقتم في أمر المنافقين؟! وكيف تختلفون على أمر المنافقين؟! ((فئتين)) يعني: فرقتين أي: كيف لم تتفقوا على التبرؤ منهم، والاستفهام هنا للإنكار والنفي، والخطاب لجميع المؤمنين، لكن ما فيه من معنى التوبيخ فهو متوجه إلى بعضهم، وذلك أن فرقة من المؤمنين كانت تميل إليهم وتذب عنهم وتواليهم، وفرقة منهم تباينهم وتعاديهم، فنهوا عن ذلك الميل، وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في التباين والتبرؤ من المنافقين؛ لأن دلائل نفاقهم وكفرهم ظاهرة جلية. وقد قيل: إن المراد بهم هاهنا عبد الله بن أبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا، كما تقدم بيان ذلك في تفسير سورة آل عمران.
سبب نزول قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم)
سبب نزول قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم) يوضح ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد فرجع ناس قد خرجوا معه في الجيش، وثبطوا الناس عن القتال، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين؛ فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، هم مؤمنون -يعني: باعتبار ما كانوا يظهرون- فأنزل الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء:88] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها طيبة -يعني: المدينة- وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد) يعني: المدينة تطرد المنافقين منها وتتخلص منهم. وذكر الإمام محمد بن إسحاق في وقعة أحد: أن عبد الله بن أبي ابن سلول رجع يومئذٍ بثلث الجيش -وهم ثلاثمائة- وبقي النبي صلى الله عليه وسلم في سبعمائة. وثمة رواية أخرى في سبب نزول هذه الآية، فقد روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف: (أن قوماً من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأسلموا وأصابهم وباء المدينة وحماها، فأركسوا فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحابه -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم- فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة، فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوة حسنة، فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، فأنزل الله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} [النساء:88]) أي: نكسهم وردهم إلى الكفر. (بما كسبوا) يعني: بسبب ما كسبوا من لحاقهم بالكفار، وابتعادهم عن المؤمنين. (أتريدون أن تهدوا من أضل الله) تهدوا هنا بمعنى: أن تصفوا بالهداية من أضل الله، وأن تعدوا هؤلاء الضلال من جملة المهتدين. فهنا توبيخ على هذا الفعل من المؤمنين الذين لم يعدوا هؤلاء منافقين ويبرءوا منهم، وإشعار بأن هذا الأمر منهم يؤدي إلى أن يعدوا هؤلاء المنافقين من جملة المهتدين وهو من المحال؛ لأن هداية من أضله الله تعالى من المستحيل، فإنه من يضلل الله فلا هادي له، لذلك يقول الله لهم: (أتريدون أن تهدوا من أضل الله). (ومن يضلل الله) يعني: عن دينه. (فلن تجد له سبيلاً) أي: طريقاً إلى الهدى.
تفسير قوله تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا)
تفسير قوله تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا) قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} [النساء:89]. (ودوا لو تكفرون كما كفروا) هذا كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم في الكفر، وتصديهم لإضلال غيرهم، أي: أنه سبحانه بعدما بين كفرهم وضلالهم في أنفسهم بين تعالى هنا أنهم أيضاً ساعون في إضلال غيرهم، وصدهم عن سبيل الله. (ودوا لو تكفرون كما كفروا) يعني: تمنوا أن تكفروا ككفرهم بعد الإيمان، (فتكونون سواء) في الكفر والضلال. (فلا تتخذوا منهم أولياء) يعني: في العون والنصرة؛ لأنكم إذا واليتموهم فإن ذلك يؤدي ويئول بكم إلى الكفر؛ لأن موالاة الكفار من الكفر. وإن أظهروا لكم الإيمان طلباً لموالاتكم، فلا تتخذوا منهم أولياء. (حتى يهاجروا) يعني: حتى يهاجروا في سبيل الله من دار الكفر إلى دار الإسلام، فحينئذٍ تتحققون من صحة إيمانهم. (فإن تولوا) يعني: عن الهجرة. (فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم) يعني: وإن أظهروا لكم الإسلام مع قدرتهم على الهجرة فافعلوا بهم ما تفعلونه بالكفار؛ لأنهم حينما ينحازون من المؤمنين إلى الكافرين وهم قادرون على الهجرة من وسط الكافرين إلى وسط المؤمنين، ومع ذلك يؤثرون الانحياز إلى معسكر الكافرين، فهنا خرجوا من صفة النفاق وأظهروا الكفر بتحيزهم للكافرين. (فخذوهم) هذا أمر باتخاذهم أسرى. (واقتلوهم حيث وجدتموهم) يعني: سواء كان ذلك في الحل أو في الحرم. (ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً) يعني: لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك. فهذه الآية تدل على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد، وهذا متأكد بعموم قوله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة:1] والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين؛ لأن الدين هو الأمر الذي يتقرب به إلى الله تعالى ويتوسل به لطلب السعادة في الآخرة، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة، فأعظم أنواع العداوة ما كان بسبب الدين، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلاً فيه، كأن يعادي دينك ويعادي الله سبحانه وتعالى ويعادي رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ومعروف معلوم أن أكثر مسائل الإيمان أدلة بعد التوحيد هي قضية الولاء والبراء، فهي أكثر قضايا الإيمان من حيث أدلتها بعد توحيد الله سبحانه وتعالى، وبلا شك فإن هذه القضية وثيقة الصلة بالإيمان والتوحيد.
تفسير قوله تعالى: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق)
تفسير قوله تعالى: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) قال تبارك وتعالى: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} [النساء:90]. (إلا الذين يصلون) يعني: الذين يلجئون. (إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) يعني: عهد هدنة أو أمان، فاجعلوا حكمهم كحكمهم؛ لأن هذا سيؤدي إلى قتال من وصلوا إليه، فيفضي إلى نقض الميثاق. وفي هذا احترام للعهود والمواثيق، يعني: الحكم السابق في قوله تبارك وتعالى: (فإن تولوا) أي: عن الهجرة وانحازوا للكفار مع قدرتهم على الهجرة إليكم. (فخذوهم) يعني: بالأسر. (واقتلوهم حيث وجدتموهم) في الحل أو الحرم. (ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً). من الذي يستثنى من هؤلاء المذكورين؟! يستثنى من لجأ إلى قوم بين المسلمين وبينهم ميثاق، ففي هذه الحالة ينبغي عدم التعرض له، بل يعامل كمعاملة هؤلاء الذين لهم عهد ولهم هدنة ولهم ميثاق؛ لأنه إذا دخل هذا في جوار هؤلاء القوم الذين لهم عهد وميثاق، وحاول المسلمون أن يقتلوه وهو في جوارهم فهذا سيؤدي إلى قتال هؤلاء المعاهدين، وبالتالي تنقض العهود، ومن ثم أمر الله سبحانه وتعالى بأن هؤلاء يعاملون كمعاملة هؤلاء الذين بيننا وبينهم ميثاق. (أو جاءوكم حصرت صدورهم) يعني: وهؤلاء الذين جاءوكم يستثنون مع هؤلاء اللاجئين. (حصرت صدورهم) يعني: قد ضاقت وانقبضت نفوسهم. (أن يقاتلوكم) لإرادتهم المسالمة فهم يريدون أن يكونوا سلماً لكم، ويكرهون وتضيق نفوسهم بأن يقاتلوكم. (أو يقاتلوا قومهم) أي: معكم لمكان القرابة منهم، فهؤلاء لا يريدون أن يقاتلوكم، ولا يريدون أن يضموا إليكم ليقاتلوا قومهم وقبيلتهم، فهم لا لكم ولا عليكم. إذاً المستثنى هنا من المأمور بأخذهم فريقان: أحدهما: من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين. الآخر: من أتى المؤمنين وكف عن قتال الفريقين. (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) إشعار بقوتهم في أنفسهم، وأن التعرض لقتلهم فيه إظهار لقوتهم الخفية، فهذه الجملة جارية مجرى التعليل لاستثنائهم من الأخذ والقتل. (ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم) يقول القاسمي: فيها إشعار بأنه لديهم قوة كاملة هم يستطيعون أن يقاتلوكم، لكن الله هو الذي كف أيديهم عنكم، وأنتم إذا تعرضتم لقتلهم فستستفزونهم، وبالتالي سيأخذون موقفاً معادياً ويشرعون في قتالكم، هذا هو التعليل لسبب استثنائهم من الأخذ والقتل. (فإن اعتزلوكم) يعني: إن تركوكم مع ما علمتم من تمكنهم من ذلك. (فلم يقاتلوكم) مع أنهم متمكنون من قتالكم وقادرون على قتالكم، لكن الله سبحانه وتعالى كفهم عنكم. (وألقوا إليكم السلم) أي: الانقياد والاستسلام. (فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً) أي: ليس لكم حق في أن تأخذوهم بالأسر أو بالقتل، إذ لا ضرر منهم على الإسلام، وقتالهم يظهر كمال قوتهم.
كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فما جعل الله لكم عليهم سبيلا)
كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً) يقول السيوطي رحمه الله تعالى: ولما رجع ناس من معركة أحد -وهم المنافقون- اختلف الناس فيهم، فقال فريق: نقتلهم، وقال فريق: لا، فنزل: (فما لكم) أي: ما شأنكم صرتم (في المنافقين فئتين) فرقتين، لذلك فإن إعراب كلمة فئتين يكون بتقدير كلمة صرتم. (والله أركسهم) أي: ردهم. (بما كسبوا) من الكفر والمعاصي. (أتريدون أن تهدوا من أضل الله) أتريدون أن تهدوا من أضله الله، أي: تعدوهم من جملة المهتدين، والاستفهام في الموضعين للإنكار. (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً) أي: ومن يضلله الله فلن تجد له طريقاً إلى الهدى. (ودوا) أي: تمنوا. (لو تكفرون كما كفروا فتكونون) أنتم وهم (سواءً) في الكفر. (فلا تتخذوا منهم أولياء) توالونهم وإن أظهروا لكم الإيمان. (حتى يهاجروا في سبيل الله) هجرة صحيحة تحقق إيمانهم. (فإن تولوا) يعني: عن الهجرة كما ذكرنا وأقاموا على ما هم عليه. (فخذوهم) بالأسر. (واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً) توالونه (ولا نصيراً) تنتصرون به على عدوكم. (إلا الذين يصلون) يلجئون. (إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) عهد بالأمان لهم، كما عاهد صلى الله عليه وسلم هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعين على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعينه، على أن من لجأ إليه لا يتعرض الرسول صلى الله عليه وسلم له. (أو) الذين (جاءوكم) وقد (حصرت) ضاقت، (صدورهم) عن (أن يقاتلوكم) مع قومهم، (أو يقاتلوا قومهم) معكم، أي: ممسكين عن قتالكم وقتالهم فلا تتعرضوا إليهم بأخذ ولا قتل. وهذا وما بعده منسوخ بآية السيف. وسبق البيان أن معنى النسخ في مثل هذه المواضع من القرآن الكريم يتفاوت بحسب حال المسلمين، أما النسخ الآخر كنسخ الخمر والربا أو غير ذلك من الأشياء التي نسخ حكمها تماماً. (ولو شاء الله) تسليطهم عليكم، (لسلطهم عليكم) بأن يقوي قلوبهم، (فلقاتلوكم) ولكنه لم يشأه فألقى في قلوبهم الرعب. (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم) الصلح أي: انقادوا. (فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً) أي: طريقاً بالأخذ أو القتل.
تفسير قوله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم)
تفسير قوله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم) قال تبارك وتعالى: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء:91]. (ستجدون آخرين) أي: أقواماً آخرين. (يريدون أن يأمنوكم) على أنفسهم بأن يظهروا لكم الإسلام. (ويأمنوا قومهم) يعني: بإظهار الكفر. فهؤلاء يريدون أن يأمنوكم بإظهار الإسلام لكم، ويأمنوا قومهم بإظهار الكفر لهم. (كلما ردوا إلى الفتنة) كلما دعوا إلى الارتداد وإلى الشرك. (أركسوا فيها) أي: رجعوا إلى الشرك منكوسين على رءوسهم. (فإن لم يعتزلوكم) إن لم يتنح عنكم هؤلاء جانباً، بأن يكونوا لا معكم ولا عليكم. (ويلقوا إليكم السلم) يعني: ولم ينقادوا لكم. (ويكفوا أيديهم) يعني: عن قتالكم. (فخذوهم) أي: خذوهم أسرى. (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) أي: حيث وجدتموهم في داركم أو في دارهم. (وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً) يعني: حجة واضحة في الإيقاع بهم قتلاً وسبياً؛ بسبب عداوتهم وغدرهم وإضرارهم بأهل الإسلام، أو تسلطاً ظاهراً في أخذهم وقتلهم لغدرهم.
أقوال المتقدمين من أهل التفسير في قوله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم
أقوال المتقدمين من أهل التفسير في قوله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم يقول الحافظ ابن كثير: قال تعالى: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا). هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء المذكورين قوم منافقون يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام؛ ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة:14]. وعن مجاهد: أنها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا. وقال الأكثرون من المفسرين: في الآية دلالة على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم، ونظيره قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة:190] فخص الأمر بالقتال لمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم) بإظهار الإيمان عندكم. (ويأمنوا قومهم) بالكفر إذا رجعوا إليهم، وهم بنو أسد وغطفان. (كلما ردوا إلى الفتنة) دعوا إلى الشرك. (أركسوا فيها) يعني: وقعوا أشد وقوع. (فإن لم يعتزلوكم) بترك قتالكم. (ويلقوا) ولم يلقوا إليكم السلم. (ويكفوا أيديهم) عنكم. (فخذوهم) بالأسر. (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) وجدتموهم. (وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً) برهاناً بيناً ظاهراً على قتلهم وسبيهم؛ لغدرهم.
تفسير قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا)
تفسير قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً) قال تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء:92]. (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً) يعني: ما ينبغي ولا يصح ولا يليق بمؤمن قتل أخيه المؤمن، ولا يجترئ على إهدار دم أخيه المؤمن؛ لأن الإيمان زاجر عن ذلك، لكن قد يقع ذلك على وجه الخطأ، كالحوادث التي تقع في الطرقات أو أي طريقة لا يجوز فيها القتل العمد، إلا على وجه الخطأ، فإنه ربما يقع لعدم حصول الاحتراز عنه بالكلية تحت الطاقة البشرية؛ لأن هذا قد يكون بغير قصده. قال الزمخشري: فإن قلت: ما إعراب قوله: (إلا خطأً)؟ لها عدة وجوه: الأول: مفعول له، ومعناه: ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده. الثاني: أن يكون حالاً، بمعنى: في حال كونه خطأً. الثالث: أن يكون صفة للمصدر، يعني: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) يعني: قتلاً خطأً، فيكون صفة للمصدر. وكل هذه الوجوه جائزة. على أي الأحوال المعنى: أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه حصول قتل المؤمن ابتداءً ألبتة، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافراً فيصيب مسلماً، أو يرمي شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم.
حكم قتل المؤمن لأخيه المؤمن خطأ
حكم قتل المؤمن لأخيه المؤمن خطأً قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً) يعني: بما ذكرنا، وإن عفي عنه، صحيح هو غير متعمد ولا يعامل معاملة القاتل المتعمد للقتل، لكن هو مع ذلك لا يخلو من تقصير في حق الله تبارك وتعالى، وهذا الخطأ لا يهدر دم المؤمن بالكلية، بل لابد أن يتحمل دم أخيه المؤمن الذي قتل خطأ. ولذلك يقول تعالى: (ومن قتل مؤمناً خطأً) إذا قدر وقوع ذلك. (فتحرير رقبة مؤمنة) يعني: فالواجب عليه لحق الله اعتاق نفس محكوم عليها بالإيمان ولو صغيرة؛ ليعتق الله عنه بكل جزء منها جزءاً منه من النار. فهذا فيما يتعلق بحق الله تبارك وتعالى. روى الإمام أحمد بسنده: (عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء فقال: يا رسول الله إن عليّ عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم. قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم، قال: أعتقها) وهذا إسناد صحيح. وفي موطأ مالك، ومسند الشافعي وأحمد، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود والنسائي، عن معاوية بن الحكم: (أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السماء -يعني: فوق السماء- قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
حكمة الإعتاق في القتل الخطأ
حكمة الإعتاق في القتل الخطأ قيل في حكمة هذا الإعتاق: إنه لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء بالقتل خطأً، لزمه أن يدخل نفساً مؤمنة مثلها في جملة الأحرار؛ لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، فانظر تقدير الإسلام لحرية الإنسان حيث جعل إخراج العبد المؤمن أو الأمة المؤمنة من الرق إلى الحرية كفئاً ومقابلاً لإخراجه النفس المؤمنة من الأحياء إلى عالم الأموات. والرق أثر من آثار الكفر، والكافر حكمه حكم الميت؛ لأن الكافر لا حياة له، يقول تبارك وتعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام:122] يعني: من كان كافراً فأحييناه بالإيمان، فالكافر في حكم الميت، حتى إن بعض العلماء فسروا قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر:22] بأنهم الكفار؛ لأنهم مثل أصحاب القبور، حتى لو كان الكافر يرى في صورة الحي رائحاً وغادياً، لكنه في الحقيقة ميت والعياذ بالله. فالرقيق ملحق بالأموات؛ لأن الرق أثر من آثار الكفر، والسبب الأصلي في الرق هو الكفر، إذ بالجهاد في سبيل الله يؤسر الكفار، فيكونوا أرقاء بسبب هذا. وهذه عقوبة من الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم أبوا أن يكونوا عبيداً لله سبحانه وتعالى باختيارهم، وليس هذا فحسب بل سعوا في قتال الفئة المؤمنة التي تدعوهم إلى التوحيد، فعاقبهم الله بأن جعلهم عبيداً لعبيد أمثالهم مع إبقائهم على قيد الحياة. فهذا بلا شك أحسن مما يحصل الآن من المجازر التي تحصل في الحروب، ودفن الجنود أحياء وغير ذلك من الأوضاع الشنيعة، فالإسلام استبقاهم أحياء، لكن لما أبوا العبودية لله عاقبهم الله بأن صاروا عبيداً لعبيد أمثالهم، لكنهم من المؤمنين. فإذا حصل أن يسترق الإنسان كافراً ثم يسلم هذا الكافر هل يزول عنه حكم الرق؟ لا يزول؛ لأن الحق اللاحق لا يرفع ولا يزيل الحق السابق؛ ولأن سبب الرق ومنبعه هو الكفر، فالرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكماً كما قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:122]. ولهذا منع الكافر العبد من أن يتصرف تصرف الأحرار، وهذا فيما يتعلق بحق الله سبحانه وتعالى في هذا الذي قتل أخاه المؤمن خطأً، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، فالواجب عليه في حق الله تحرير رقبة مؤمنة، أما في حق البشر أولياء هذا الميت (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) يعني: الواجب عليه دية لحق ورثة المقتول، وتكون الدية عوضاً لهم عما فاتهم من قتيلهم، فيؤتى بالدية وتوزع على الورثة الشرعيين لهذا القتيل، كما توزع الأنصبة الشرعية للورثة.
مقدار دية المقتول ومن تدفع لهم وكيفية توزيعها عليهم
مقدار دية المقتول ومن تدفع لهم وكيفية توزيعها عليهم قد بينت السنة مقدار الدية، وذلك فيما رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتاباً وفيه: أن في النفس الدية مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار). وروى أبو داود عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه فرض في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة). وفي الموطأ: (أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم) وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل لا في ماله. يعني: أن هذه الدية التي تعطى لورثة القتيل وتوزع عليهم حسب إرثهم، لا يدفعها القاتل خطأ نفسه بل تكون واجبة على عاقلته، والعاقلة هم: القرابة والعصبة من الذكور.
النساء [94]
تفسير سورة النساء [94]
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله) قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء:94]. في الآيات السابقة بين الله تبارك وتعالى كفارة القتل الخطأ، ثم بين حكم القتل العمد، ثم هنا يحذر تبارك وتعالى عما يؤدي إلى القتل العمد، فإذا كانت الآية الكريمة قد تناولت القتل العمد، فهنا بيان لأمر يؤدي إلى القتل العمد، وهو عدم الاكتراث وقلة المبالاة وعدم التحرز في الأمور التي تؤدي إلى وقوع هذا القتل العمد. ((يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم)) يعني: إذا ذهبتم. ((في سبيل الله)) يعني: مجاهدين في سبيل الله إلى أرض العدو. ((فتبينوا)) يعني: اطلبوا بيان كل ما تأتون وما تذرون، ولا تعجلوا فيه بغير تدبر ولا روية. ((ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً)) نهي عما هو نتيجة لترك المأمور به، وتعيين لمادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبين، فبعدما حثنا الله عز وجل على التبين والتثبت وعدم التعجل في الأمور، عين مادة مهمة وموضعاً مهماً من المواضع التي يتأكد فيها التبين والتثبت والاهتمام، وهي: ((وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)) يعني: لا تقولوا لمن أظهر الانقياد لدعوتكم وقال: لا إله إلا الله، أو سلم عليكم فحياكم بتحية الإسلام: لست مؤمناً في الباطن، وإنا لن نقبل ظاهرك؛ لأن باطنك يخالفه، وإنما قلت ذلك باللسان لتطلب الأمان من القتل فقط. فيقول الله تبارك وتعالى: من انقاد لدعوتكم وأعلن ذلك بقوله: لا إله إلا الله، أو قال لكم: السلام عليكم، لا تقولوا له: لست مؤمناً في الباطن، وإن أظهرت لنا هذا في الظاهر لتتقي به أو لتطلب الأمان، بل اقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه، يعني: إذا كنت ترى المسلم يقاتل الكفار وظل يطارد رجلاً من الكفار ثم في النهاية حصره المسلم في مكان ورفع السيف ليقتله فقال الكافر: لا إله إلا الله، في هذه الحالة يجب عليه أن يكف عن قتله، حتى لو كان الظاهر أنه إنما قال ذلك ليلوذ بالكلمة ليحقن بها دمه، ما دام قالها فيجب الكف عن قتله. ((تبتغون عرض الحياة الدنيا)) يعني: تطلبون بقتله عرض الحياة الدنيا كالمال الذي معه كغنيمة، وهذا العرض من أعراض الحياة الدنيا هو سريع النفاد وجملة ((تبتغون)) حال من فاعل ((لا تقولوا)) فهي منبئة عما يحملهم على العجلة وترك التأني، ((تبتغون)) يعني: والحال أنكم تبتغون عرض الحياة الدنيا. ((فعند الله مغانم كثيرة)) تعليل للنهي عن أخذ ماله لما فيه من الوعد الضمني يعني: كأنه قيل: لا تبتغوا ماله فعند الله مغانم كثيرة يغنمكموها ويغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتموه. ((كذلك كنتم من قبل)) هذا تعليل للنهي عن القول المذكور، فيعلل الله سبحانه وتعالى هذا النهي الذي أتى في هذه الآية عن أن نقول للرجل الذي يظهر الإسلام أو شعيرة من شعائر الإسلام: لست مؤمناً، يقول تعالى: ((كذلك)) يعني: لا تقتلوه ولا تتعرضوا له بل اقبلوا ظاهره وكلوا سريرته إلى الله؛ فإنكم كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم. ((فتبينوا)) أي: كنتم مثل هذا الرجل الذي ألقى إليكم السلام في أول إسلامكم، ولا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم من تحية الإسلام ونحوها. ((فمن الله عليكم)) بأن قبل منكم تلك المرتبة، وعصم بها دماءكم وأموالكم، ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم. والفاء في قوله: ((فتبينوا)) فصيحة، يعني: إذا كان الأمر كذلك فاطلبوا بيان هذا الأمر البين وقيسوا حاله بحالكم، فهذه المرحلة أنتم أنفسكم مررتم بها من قبل، وما كان يظهر منكم إلا مثلما ظهر من هذا الرجل من شعائر الإسلام، فقيسوا حاله بحالكم، وافعلوا به ما فُعِلَ بكم في أوائل أموركم، من قبول ظاهر الحال، من غير وقوف على الباطن، فنحن البشر حينما يتعامل بعضنا مع بعض إنما نقف عند حد الظاهر، أما البواطن وما في القلوب فهذا ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه. كل أحكام الدنيا إنما تبنى على ما يظهره الناس بعضهم لبعض، أما تواطؤ الظاهر والباطن فهذا لا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى. ((إن الله كان بما تعملون خبيراً)) يعني: فلا تتهاونوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك.
سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا)
سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) قال ابن كثير في سبب نزولها: أخرج الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرعى غنماً له فسلم عليهم فقالوا: لا يسلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا))) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب الحديث المعروف عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، وروى البخاري عن عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: (كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته فأنزل الله في ذلك هذه الآية). وقال البخاري: قال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: (إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته؟ فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل) هكذا ذكره البخاري معلقاً مختصراً. إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه خوفاً من الكفار؛ لأنه يعيش بينهم، فلما أتى المسلمون ليغيروا على هؤلاء الكفار أراد أن يعلم إخوانه أنه ليس مع هؤلاء الكفار وإنما هو مسلم مثلهم، فيبادر ويعاجل بإظهار شعيرة من شعائر الإسلام كأن يقول: السلام عليكم، التي هي تحية المسلمين، أو أن يقول: لا إله إلا الله، أو يعتصم بالركوع أو السجود أو غير ذلك مما يظهره من شعائر الإسلام، فإذا أظهر إيمانه فما قبلت ظاهره وقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل، ألم تمر أنت بنفس المرحلة، مرحلة الاستضعاف في مكة وكنت تستخفي بإيمانك؟ فهذا ما رواه البخاري تعليقاً عن ابن عباس مرفوعاً. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح المكان، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله، والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد، فقال: يا مقداد! أقتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله؟! فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟! قال: فأنزل الله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا))، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل). وقوله: ((كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم)) أي: قد كنتم من قبل في هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه كما تقدم في الحديث المرفوع آنفاً، وكما قال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال:26]. وقال ابن أبي حاتم: إن أسامة أقسم ألا يقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل الذي سبق الإشارة إليه، حيث قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، وكيف اشتد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الإنكار على أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، فأسند ابن أبي حاتم: (أن أسامة حلف لا يقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل، وبعد ما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم من العتاب والتوبيخ في قتل هذا الرجل). يقول: قال بعض المفسرين: وبهذا القسم واليمين الذي حلفه اعتذر إلى أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه حين تخلف عن المشاركة مع علي في قتال معاوية وجيشه قال: (إني حلفت ألا أقتل أحداً يقول: لا إله إلا الله) وبعض العلماء يقول: وإن كان عذراً غير مقبول؛ لأن القتال مع الإمام واجب عند خروج البغاة، وكان عليه أن يكفر عن يمينه. قال الحاكم: إلا أن أمير المؤمنين أذن له لما ذكر له هذا القسم.
المقصود من قوله تعالى: (يأ أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا)
المقصود من قوله تعالى: (يأ أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) قال الرازي: اعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين، وأمر المجاهدين بالتثبت فيه؛ لئلا يسفكوا دماً حراماً بتأويل ضعيف. وفي (الإكليل) استدل بظاهرها على قبول توبة الزنديق إذا أظهر الإسلام، وعلى أن الكافر يحكم له بالإسلام إذا أظهر ما ينافي اعتقاده، على قراءة السلام إذا قرأناها: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم). وفي الآية وجوب التثبت في الأمور خصوصاً القتل. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري: في الآية دليل على أن من أظهر شيئاً من علامات الإسلام لم يحل دمه حتى يختبر أمره؛ لأن السلام تحية المسلمين، وكان تحيتهم في الجاهلية بخلاف ذلك، فكانت هذه علامة. وأما على قراءة السلم: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم) السلم المراد به: الانقياد، والانقياد علامة من علامات الإسلام.
ثمرة الآية الكريمة وفوائدها وأحكامها
ثمرة الآية الكريمة وفوائدها وأحكامها قال بعض المفسرين أيضاً: ثمرة الآية الكريمة وجوب التثبت والتأني فيما يحتمل الحظر والإباحة؛ لقوله: ((فتبينوا)) وهذه قراءة الأكثر بالنون، وقراءة حمزة والكسائي: (فتثبتوا) أي: هي من الثبات، ويدخل في هذا أحكام كثيرة من الاعتقادات والأخبار والأحكام وسائر الأعمال. الحكم الأول: وجوب التثبت والتأني، وعدم العجلة في الأمور. الحكم الثاني: أنه يجب الأخذ بالظاهر، فمن أظهر الإسلام أو شيئاً من شعائر الإسلام لا يكذب، بل يقبل منه، ويدخل في هذا الملحد والمنافق، وهذا هو مذهب كثير من العلماء، ويدخل في هذا قبول توبة المرتد خلافاً لـ أحمد، وقبول توبة الزنديق وهذا قول عامة الأئمة. وقال مالك: لا تقبل؛ لأن عين مذهبهم أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون. أيضاً تدل هذه الآية على أن التوصل للسبب المحرم من المال لا يجوز، وقد ذكر العلماء صوراً مختلفة في التوصل إلى المباح بالمحظور، والمقصود بذلك قوله: ((تبتغون عرض الحياة الدنيا)) هذا هو محل الشاهد لهذا المعنى المذكور، وإظهار الإسلام يحقن النفس والمال، فالقتل توصل بمحظور إلى محظور. وقوله تعالى: ((لمن ألقى إليكم السلام)) أو السلم ((لست مؤمناً)) السلم هو: الاستسلام، وقيل: إظهار الإسلام، وقيل: السلام بالألف بمعنى: التحية. قال أبو منصور: فيه الأمر بالتثبت عند الشبهة والنهي عن الإقدام عندها، وكذلك الواجب على المؤمن التثبت عند الشبهة في كل فعل وكل خبر؛ لأن الله تعالى أمر بالتثبت في الأعمال بقوله: ((فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)) وقال في الخبر: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6] فأمر بالتثبت في الأخبار عند الشبهة كما أمر في الأفعال حيث قال سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء:36]. وفي الآية دليل فساد قول المعتزلة؛ لأن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لمن قال أنه مسلم: لست مؤمناً ((ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً)) والمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، فهم يعاندون القرآن الكريم، مع أن من يقصدونه لا يقول: إني مسلم، مرة واحدة كحال هذا الذي تكلمت عنه الآية، لكنه يقولها ألف مرة. فإذا نهى أن يقولوا: لست بمؤمن، أمرهم أن يقولوا: أنت مؤمن، فيقال لهم: أأنتم أعلم أم الله؟ على ما قيل لأولئك.
حقيقة بدعة التوقف والتبين وآثارها وحكمها
حقيقة بدعة التوقف والتبين وآثارها وحكمها هذه الآية تعتبر عمدة رائد الخوارج المعاصرين شكري مصطفى صاحب بدعة التوقف والتبين، فإنه لسوء فهمه وتحريف معاني كلام الله سبحانه وتعالى بنى مذهبه على فهمه الضال لهذه الآية الكريمة وأخواتها، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث ليستدل به على ما ذهب إليه، إلا وكان في نفس الآية والحديث ما يدل على نقيض ما ذهب إليه. فكل إنسان مبتدع أو ضال يستدل بآية من القرآن أو بحديث من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ليؤكد به بدعته وضلالته، فيشاء الله سبحانه وتعالى أن يكون في نفس هذا الدليل رد عليه وإبطال نفس هذه البدعة، ونظائر ذلك كثير جداً. فهو إذاً أتى ببدعة التوقف والتبين، وخلط خلطاً عجيباً في الكلام في هذا الموضوع، فهو يقول: إن الناس الآن اختلط بعضهم ببعض وهم مشتركون في المظهر، هذا يسلم وهذا يسلم هذا يصلي وذاك يصلي، لكن حقيقة ما في باطن هؤلاء الناس وموقفهم الحقيقي من التوحيد ومن الإسلام يحتاج للاختبار والتبين، فنحن نتوقف عن الحكم بإسلام الشخص مهما أظهر من شعائر الإسلام في هذا المجتمع إلى أن نتبين هل هو مسلم أم غير مسلم؟! ووضع حداً وسماه: الحد الأدنى للإسلام، واعتبر الحد الأدنى للإسلام إقامة الفرائض، وخلط في ذلك خلطاً شديداً، وكان يكثر من ضرب المثل بالحرير الصناعي والحرير الطبيعي مبيناً أن الاثنين في الظاهر ملمسهما واحد لكن في الحقيقة هذا يختلف عن هذا. وهل من العقل أن الإنسان إذا أراد أن يقارن شيئاً بشيء فإنه يأتي بأوجه الشبه؟ لا، حتى الذي يدرس أي علم من العلوم ويعمل مقارنة بين شيئين، فإنه في هذه المقارنة يذكر وجوه الافتراق لا وجوه الشبه، كذلك أنت عندما تأتي لتفرق بين المسلم والكافر أتقول: هذا يصلي وهذا يصلي، وهذا يصوم وهذا يصوم، وغير ذلك من شعائر الإسلام بزعمه؟! لا، وإنما لما تأتي تقارن تأتي بوجوه الافتراق وليس بوجوه الاتفاق، فالمسلم يقول: لا إله إلا الله، والكافر لا يقول: لا إله إلا الله المسلم يلقي السلام المسلم يصلي المسلم يزكي، وهكذا، والكافر لا يفعل هذه الأشياء!! أما هذا فجعل كل الناس في المجتمع الأصل فيهم أنهم كفرة مهما أظهروا من الإسلام. وخطورة هذه البدعة لم تقف عند حد الترف الفكري، وإنما انتقلت إلى ما هو أكبر وهو التطبيق العملي، واستحلال دماء المخالفين بصورة بشعة جداً، تماماً كما كانت صفة الخوارج الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. فهنا في نفس هذه الآية ما يدل على بطلان ما ذهبوا إليه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)) فيفهم من الآية أن نثبت له صفة الإيمان وأحكام الإيمان. ثم انظر إلى قوله تعالى: ((كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا)) أي: كنتم مستضعفين قبل ذلك وتكتمون إيمانكم أيضاً، أليس هذا كله في حق المؤمنين، أم في حق الكافرين؟! في الحقيقة الكلام يطول في هذا وأعتقد أننا قد غطينا قضية التوقف والتبين من قبل في سلسلة بحوث الكفر والإيمان. فليس هناك شيء في الإسلام أن مسلماً ما متوقف في وصفه بأنه مسلم أو غير مسلم.
النساء [97 - 103]
تفسير سورة النساء [97 - 103]
تفسير قوله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [النساء:97]. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ} يجوز أن يكون ماضياً بمعنى: توفتهم، {الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ}، قد يراد بالظلم هنا الكفر، مثل قوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]، وقد يراد به المعصية، كقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} [فاطر:32]، ويصح إرادة المعنيين هنا. روى أبو داود عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله) وهناك أحاديث أخرى بنفس المعنى، منها قوله: (برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في بلادهم)، فالمسلم عليه أن يجتهد في البعد عن الكافر فلا يساكنه ولا يعيش معه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، لا تتراءى نارهما). وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله من مشرك بعدما أسلم عملاً حتى يفارق المشركين إلى المسلمين). الهجرة مستمرة إلى أن تقوم الساعة من بلاد المعصية والفسوق إلى بلاد الطاعة، ومن بلد الظلم إلى بلد العدل، ومن بلد البدعة إلى بلد السنة، ومن بلد الكفر إلى بلد الإسلام، فالهجرة تكون أيضاً من المعاصي. {وقَالُوا}، يعني: الملائكة تقول لهم تقريراً لهم بتقصيرهم وتوبيخاً لهم: {فِيمَ كُنتُمْ} أي: في أي شيء كنتم في أمور دينكم؟ {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ}، أي: كنا في أرض الأعداء مستضعفين غير قادرين أن نجهر بالأذان أو أن نقيم شعائر الإسلام، عند ذلك تبكتهم الملائكة وتقول لهم: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}، يعني: أم تكونوا قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة؟ وهذا دليل على أن الرجل يجب أن يهاجر إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه. والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، فإذا علم المرء أنه في غير بلده أقوم بحق الله حقت عليه الهجرة. مثال ذلك: لو تعرف بلداً أفضل من مصر من حيث إظهار الدين، فعليك أن تتحول إليه إذا كنت مستطيعاً، وهكذا كل إنسان في أي مكان، أما عند العجز فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. {فَأُوْلَئِكَ} النفر المذكورون. ((مَأْوَاهُمْ)) أي: مصيرهم ((جَهَنَّمُ))؛ لأنهم هم الذين أضعفوا أنفسهم، إذ لم يلجئهم الأعداء إلى مساكنتهم في ديارهم. {وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، أي: جهنم. ثم استثنى سبحانه من أهل الوعيد ما بينه بقوله: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [النساء:98]. ونحن في هذا الوقت عندنا جهة رسمية تتعلق بالهجرة اسمها: هيئة الجوازات والهجرة والجنسية. فالهجرة إذا أطلقت الآن يكون معناها: الهجرة من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفار، سواء أستراليا أو كندا أو أمريكا أو غير ذلك. وعندما نقول: فلان مهاجر، فإننا نعني أنه مهاجر من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفار، فانعكس المفهوم، وبدل ما كانت الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين صار العكس الآن، وصار المسلمون يهاجرون إلى بلاد الكفار!
تفسير قوله تعالى: (إلا المستضعفين من الرجال وكان الله عفوا غفورا)
تفسير قوله تعالى: (إلا المستضعفين من الرجال وكان الله عفواً غفوراً) قال الله تعالى: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} [النساء:98 - 99]. {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ}، لعمىً أو عرج أو مرض أو هرم أو فقر. {وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ}، أي: النساء والصبيان فإنهم معذورون في ترك الهجرة؛ لأنهم {لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً}، يعني: في الخروج، إذ لا قوة لهم على الخروج ولا نفقة. {وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}، يعني: لا يعرفون طريقاً إلى دار الهجرة. {فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} أن يتجاوز عنهم بترك الهجرة. وقوله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا}، استدل به على وجوب الهجرة من دار الكفر إلا على من لم يطقها. وعن مالك قال: الآية تقتضي أن كل من كان في بلد تغير فيه السنن فينبغي أن يخرج منها.
ثمرة الآيات الكريمات وسبب نزولها
ثمرة الآيات الكريمات وسبب نزولها وقال بعض المفسرين: ثمرة الآية وجوب الهجرة من دار الكفر، ولا خلاف أنها كانت واجبة قبل الفتح، ولذلك قال تعالى في سورة الأنفال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال:72]، وقيل: نسخت بعد الفتح، والصحيح عدم النسخ. ومعنى قوله عليه السلام: (لا هجرة بعد الفتح) أي: لا هجرة من مكة؛ لأن مكة نفسها صارت دار إسلام. قال جار الله الزمخشري: وهذا يدل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، وعلم أنه في غير بلده أقوم بحق الله حقت عليه الهجرة، ثم قال رحمه الله: قال في التهذيب: وعن القاسم بن إبراهيم: إذا ظهر الفسق في دار ولا يمكنه الأمر بالمعروف فالهجرة واجبة، والله المستعان! وهذا بناءً على أن الدور ثلاث: دار إسلام. ودار فسق. ودار حرب. وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)، وقال أيضاً: (لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو). والذي يستطيع الانتقال إلى بلد الإسلام، لكن وجوده في بلاد الكفار فيه إظهار للدين ونشاط في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، بحيث يثبِّت المسلمين هناك على الإسلام، ويتسبب في دخول الكفار إلى الإسلام، فهذا بقاؤه هناك يكون أنسب له وأفضل له من تحوله إلى بلاد المسلمين، إذا كان لا يتأثر بهذه الفتن، وهذه حالات استثنائية. وقد روى البخاري والنسائي وغيرهما عن ابن عباس قال: (نزلت في جماعة أسلموا ولم يهاجروا، وخرجوا مع المشركين يكثرون سوادهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلوا يوم بدر مع الكفار).
كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة وكان الله عفوا غفورا)
كلام السيوطي في تفسير قوله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة وكان الله عفواً غفوراً) يقول السيوطي: [{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ}، بالمقام مع الكفار وترك الهجرة. قالوا لهم موبخين (فيم كنتم) أي: في أي شيء كنتم في أمر دينكم؟ ((قَالُوا)) معتذرين، (كنا مستضعفين) عاجزين عن إقامة الدين، ((فِي الأَرْضِ)) أرض مكة. (قالوا) لهم توبيخاً: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}، من أرض الكفر إلى بلد آخر كما فعل غيركم. قوله: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً}، يعني: الذين لا قوة لهم على الهجرة ولا نفقة. {وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}، طريقاًَ إلى أرض الهجرة. {فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء:99]].
تفسير قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة)
تفسير قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة) قال تبارك وتعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:100]. قوله تعالى: ((وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا))، يقول السيوطي: مهاجراً. ((كَثِيرًا وَسَعَةً)) في الرزق. ((وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ))، في الطريق كما وقع لـ جندع بن ضمرة. ((فَقَدْ وَقَعَ)) ثبت ((أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)). ((وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)). يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) يعني: في طاعة الله عز وجل، ((يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا)) أي: طريقاً يراغم فيه أنوف أعدائه القاصدين إدراكه، ((كَثِيرًا وَسَعَةً)). وفسرها السيوطي كما رأينا ((مُرَاغَمًا)) أي: مهاجراً، ولا تعارض؛ لأن المقصود بأنه سيجد سبيلاً وطريقاً أو مأوىً يستطيع فيه أن يراغم أعداء الله تبارك وتعالى. وقد ذكرنا من قبل في عدة مناسبات أن الله سبحانه وتعالى يحب من وليه أن يغيظ عدوه، بأن يلزم طاعته تبارك وتعالى فيكون أقوى وأعز من أعداء الله تبارك وتعالى، كما قال تبارك وتعالى: {وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة:120]، كذلك قال تبارك وتعالى: {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح:29]. والنبي صلى الله عليه وسلم سمى سجدتي السهو: (المرغمتين)؛ لأنهما ترغمان أنف الشيطان وتغيظانه. قوله: {يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا} أي: يجد مكاناً يستطيع فيه أن يقيم دينه ويظهره ويغيظ أعداءه الذين يقصدون أن يدركوه ويردوه عن هجرته، أو عن طاعته لله سبحانه وتعالى. ((كَثِيرًا وَسَعَةً)) أي: في الرزق، أو سعة في إظهار الدين، أو سعة وانشراحاً في الصدر؛ لأن خوفه يتبدل أمناً إذا هاجر من بين ظهراني المشركين. ((وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا))، أي: من مكة. ((إِلَى اللَّهِ)) أي: إلى طاعة الله أو إلى مكان أمر الله بالهجرة إليه. ((وَرَسُولِهِ)) أي: إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، يعني: بالمدينة. ((ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ)) يعني: في الطريق قبل أن يصل إلى المقصد. ((فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)) يعني: فقد ثبت أجره على الله سبحانه وتعالى، ولا يستغرب هنا أن نفسر قوله تعالى: ((وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ)) يعني: من مكة، ((مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ)) يعني: للمدينة؛ لأن الهجرة في حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هكذا كانت، يعني: من مكة إلى المدينة أو من خارج المدينة إلى المدينة. ((فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)) يعني: فلا يخاف فوات أجره الكامل؛ لأنه لم يكن فقط يتمنى أماني أو أحلام يقظة وإنما هو نوى وجزم وعزم، ثم تحرك وخرج من بيته بنية الهجرة إلى الله سبحانه وتعالى، فمثل هذا يثاب ثواباً كاملاً؛ لأنه نوى وشرع أيضاً في العمل. أما عدم إتمام العمل بسبب إدراك الموت إياه في الطريق مثلاً فهذا ليس تقصيراً منه إذا لم يتم العمل، لكن كان عليه أن يسعى والتمام على الله سبحانه وتعالى. ((وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)) سيغفر له ما فرط منه من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج، ويرحمه الله بإكمال ثواب هجرته.
سبب نزول قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما)
سبب نزول قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً) هنا بعض التنبيهات فيما يتعلق بسبب نزول هذه الآية، أخرج ابن أبي حاتم وأبو يعلى بسند جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً، فقال لأهله: احملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم)، هناك روايات أخرى تدل على أنه كان قد مرض، ومع شدة مرضه خشي أن يموت في مكة دون أن يهاجر، فقال لأهله: احملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل الوحي: ((وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)). وجاءت عدة روايات في سبب نزول هذه الآية.
ثمرة قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما)
ثمرة قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً) ثمرة هذه الآية: أن من خرج للهجرة ومات في الطريق فقد وقع أجره على الله. قال الحاكم: لكن اختلف العلماء في الأجر الذي وقع له، فقال بعضهم: أجر قصده، أي يؤجر على النية، وقيل: أجر عمله دون أجر الهجرة، يعني: يثاب على القدر الذي قطعه من الهجرة، وقيل: بل له أجر الهجرة كاملة كأنه قد هاجر بالفعل، وهذا هو الظاهر في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وقد جاء في معنى هذه الآية أحاديث وافرة منها ما في الصحيحين وغيرهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) قال ابن كثير: وهذا عام في الهجرة وفي جميع الأعمال. ومنها الحديث الثابت في الصحيحين: (في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم أكمل بذلك العابد المائة، ثم سأل عالماً هل له من توبة؟ فقال له: ومن يحول بينك وبين التوبة، ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد أخرى يعبد الله فيه، فلما ارتحل من بلده مهاجراً إلى البلد الأخرى أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقال هؤلاء: إنه جاء تائباً، وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فأمر الله هذه أن تتقارب، وهذه أن تتباعد فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة). وفي رواية: (أنه لما جاءه الموت نأى بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها). يعني: أراد أن يجتهد في الاقتراب من هذه القرية الصالحة بقدر المستطاع، حتى إنه لما نزل به الموت أخذ يزحف بصدره حتى يقترب ويقطع أقصى مسافة ممكنة حتى ينقذ روحه من النار. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عتيك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله).
تفسير قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض) قال تبارك وتعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء:101]. قوله: ((وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ)) أي: إذا سافرتم في الأرض، والضرب في الأرض يعبر به عن السفر. ((فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ)) إثم.
مفهوم القصر في الآية وحكمه حال الخوف وحال الأمن
مفهوم القصر في الآية وحكمه حال الخوف وحال الأمن قوله: ((أَنْ تَقْصُرُوا)) في أن تقصروا من الصلاة الرباعية إلى ركعتين. ((إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ)) أن ينالوكم بمكروه. ((الَّذِينَ كَفَرُوا)) هذا بيان للواقع إذ ذاك، والمقصود من هذه الآية بيان الواقع الذي كان موجوداً زمن نزول الآية، وعلى هذا لا مفهوم لهذه الآية، بمعنى: ليس خوف المكروه شرطاً في جواز القصر، لكن الواقع أثناء نزول القرآن في ذلك الزمن، وهو زمن البعثة أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يخافون أن يفتنهم الذين كفروا، أي: أن ينالوهم بمكروه في أثناء أسفارهم. فالصحيح أن هذه هي الظروف المناسبة عند نزول هذه الآية، لكن ليس معنى ذلك: أن الإنسان لا يقصر إلا إذا خاف أن يفتنه الذين كفروا، بل يقصر إذا سافر في الأرض عموماً. إذاً: هذه الآية ليس معناها: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. أي: لا تقصروا إن أمنتم الذين كفروا، فهذا المفهوم غير معتبر، فهو مجرد بيان للواقع الذي كان يعيشه الصحابة، والقصر غير مقيد بهذا الشرط، فالشرط هنا ملغي، كما في قوله تبارك وتعالى في سورة النور: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النور:33]، هل معنى ذلك أنهن إن لم يردن تحصناً يجوز لهن الزنا؟ لا، فليس هذا المفهوم معتبراً، بل هو ملغي، كذلك هنا هذا المفهوم غير معتبر، يعني: ليس خوف المكروه شرطاً في جواز القصر. وقد بينت السنة فيما رواه ابن خزيمة موقوفاً على ابن عباس بإسناد صحيح أن المراد بالسفر: السفر الطويل، وهو أربعة برد والبريد اثنا عشر ميلاً، وهي مرحلتان أي: مسيرة يومين بالسير المعتدل. ويؤخذ من قوله: ((فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ)) أنه رخصة لا واجب، وعليه الشافعي. ((إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا))، يعني: بيني العداوة، ظاهرين في عداوتهم. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ)) أي: سافرتم. ((فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ)) أي: إثم. ((أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)) يعني: أن تنقصوا الرباعية إلى اثنتين. ((إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ)) أي: أن يقاتلكم الذين كفروا في الصلاة. ((إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا)) يعني: ظاهري العداوة، فلا يراعون حرمة الصلاة فيظهرون عداوتهم إذا رأوكم تصلون فلم يردعهم ذلك عن أن ينالوكم بأذى، فذهب جمهور العلماء إلى أن الآية المراد بها مشروعية صلاة السفر، وليست في صلاة الخوف. فمعنى قوله تبارك وتعالى: ((فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)) هو قصر الكمية، وذلك بأن تجعل الرباعية ثنائية، قالوا: وحكمها للمسافر في حال الأمن كحكمها في حال الخوف؛ لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقاً، حيث جاءت السنة لتثبت مشروعية قصر الصلاة في كل الأحوال سواء كان في حالة الخوف أو في حالة الأمن. روى الترمذي والنسائي وابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة لا يخاف إلا الله رب العالمين، فصلى ركعتي)، يعني: كان آمناً. وروى البخاري وبقية الجماعة عن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمناً ما كان بمنى ركعتين) وهذا في البخاري. وروى البخاري والبقية عن أنس رضي الله عنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً). وقوله تعالى: ((إِنْ خِفْتُمْ)) خرج مخرج الغالب حال نزول الآية، يعني: أنهم حال نزول الآية كان الغالب أنهم إذا انطلقوا في أرجاء الجزيرة مسافرين فإنهم لا يأمنون أن يفتنهم الذين كفروا، إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة في مبدئها مخوفة، بل الغالب أنهم ما كانوا يضربون في الأرض إلا في حالة الغزو، ولم يكونوا يخرجون للتجارة ولا للسياحة ولا للنزهة، إنما كانوا يخرجون وقد حشدهم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السرايا والغزوات. وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. وهذه إحدى الحالات التي لا يعمل فيها بالمفهوم، بل يلغى؛ لأنه خرج مخرج الغالب، والأمثلة على ذلك كثيرة كما في قوله تبارك وتعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ} [الأنعام:151]، هل معنى ذلك أن الإنسان يمكن أن يقتل ولده بسبب آخر غير الإملاق والفقر؟ لا، لا يمكن؛ وذلك لأن هذه الآية خرجت مخرج الغالب، يعني: كان الأغلب في سبب قتل الأولاد عندهم خوف الإملاق. ومثل قوله تبارك وتعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ} [النساء:23]، هل معنى ذلك: أنه لابد أن يكن الربائب في حجور أزواج الأمهات؟ لا، بل يمكن أن تكون بنت الزوجة التي هي الربيبة لا تعيش مع أمها عند زوج أمها، بل تحرم على الرجل بعد الدخول على أمها، فهذا المفهوم أيضاً خرج مخرج الغالب. ومثل قوله تعالى: {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران:130]، هل معنى ذلك: أن هذه الآية لها مفهوم؟ لا، بل هذا خرج مخرج الغالب، بمعنى: أن أغلب الربا إنما يكون أضعافاً مضاعفة، لكن هل يصح أن يؤخذ من مفهوم الآية أنه يجوز للإنسان أن يتعامل بالربا إذا كانت نسبته ضئيلة كما يقول المضللون وعلماء السوء؟! هؤلاء يخدعون الناس بقولهم: إن الربا لو كانت نسبته يسيرة فليس بحرام؛ لأن ربنا قال: ((أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً)) [آل عمران:130]، فهذا من نفس الباب. يدل أيضاً على أن المراد بالآية صلاة السفر ما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال: (سألت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قلت له: قوله تعالى: ((فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا))، وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر رضي الله تعالى عنه: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)، (صدقة) يعني: حكم ثابت مستمر. وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي حنظلة الحذاء قال: (سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان، فقلت: أين قوله: ((إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)) ونحن آمنون؟ فقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم). وروى ابن مردويه عن أبي الوداك قال: (سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر فقال لي: هي رخصة نزلت من السماء فإن شئتم فردوها)، يعني: هل من الأدب أن تردوها على الله سبحانه وتعالى، فهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات، وأن ذلك كان مفهوماً عندهم بمعنى الآية. قالوا: ومما يدل على أن لفظ القصر كان مخصوصاً في عرفهم بنص عدد الركعات، يعني: ((وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)) عرف لدى الصحابة أن كلمة ((تَقْصُرُوا)) تطلق على قصر العدد في الصلاة، وهذه اللغة هي التي تعارفوا عليها رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولذلك لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين قال له ذو اليدين: (أقصرت الصلاة أم نسيت؟) لأنه صلى الأربع اثنتين. هناك مذهب آخر في هذه الآية لبعض السلف وهو: أن هذه الآية ليست في صلاة القصر في السفر وإنما هي في صلاة الخوف، فيكون المقصود بالقصر في قوله: (أن تقصروا من الصلاة) ليس قصر كمية عددية وإنما قصر كيفية كما رخص ذلك في السفر، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ لأن كمية صلاة السفر ركعتان، فهي باقية على ما كانت عليه في الأصل، حيث إن الصلاة كانت ركعتين في الأصل، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر، فإذاً هي باقية على ما هي عليه، وهذا مذهب عمر. قال: ولهذا قال تعالى: ((إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا))، وقال بعدها: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء:102] إلى آخر الآية، فأوجز في الآية الأولى وأشار إلى مشروعية صلاة الخوف، ثم بين المقصود من القصر هنا وهو قصر الكيفية، وذكر صفته وكيفيته.
تفسير قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة)
تفسير قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) قال تبارك وتعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء:102]. قوله: ((وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ)) يعني: إذا كنت يا محمد حاضراً فيهم، وأنتم تخافون العدو. ((فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ)) يعني: فأقمت لهم صلاة الخوف، وهذا جرى على عادة القرآن في الخطاب، فلا مفهوم له، أي: ليس حضوره صلى الله عليه وسلم شرطاً لإقامة صلاة الخوف كما سنبين إن شاء الله تعالى عما قريب. وبعض الناس يقولون: إنه لا تصلى صلاة الخوف إلا في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ((وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ))، فإذا لم يكن فهم بعد موته عليه الصلاة والسلام، ألا يصلي الإمام الناس؟ بلى يصلي، وهذا نفس الاستدلال الذي استدل به بعض مانعي الزكاة في تأويلهم الفاسد لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:103]، قالوا: هذا فقط في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، أما إذا مات الرسول عليه الصلاة والسلام فنحن لا ندفع لغيره؛ لأن الأمر إنما هو إلى الرسول بنفسه، وسيأتي الرد على ذلك إن شاء الله. ((فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ)) يعني: طائفة تقوم معك وطائفة تتأخر. ((وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ)) يعني: هؤلاء الذين يصلون معك يأخذون أسلحتهم معهم في الصلاة. والمقصود بالأسلحة هنا: الأسلحة التي لا تتعارض مع الصلاة، كالأسلحة الخفيفة التي يسهل حملها أثناء الصلاة دونما مشقة تعيق عن أداء الصلاة. ((فَإِذَا سَجَدُوا)) سجدوا هنا بمعنى: صلوا. ((فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ))، يعني: تكون الطائفة الأخرى من ورائكم، يحرسونكم إلى أن تقضوا الصلاة، ثم تذهب هذه الطائفة لتحرس. ((وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)) أي: معهم إلى أن تقضوا الصلاة، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ببطن نخل كما رواه الشيخان. في هذه الآيات بالذات كما جاء في كتب التفسير أن الصحابة كانوا متحركين في جهة القبلة، والأعداء كانوا في الجهة المقابلة، فكيف تكون صفة هذه الصلاة وهم بهذا الاتجاه؟ يقف صف يصلي وهو مستقبل القبلة مع النبي عليه الصلاة والسلام، والصف الآخر يقف وراءه يحرسهم، وهو معنى قوله: ((فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ)) وسيأتي بيان تفصيل صلاة الخوف في الأحاديث. ((وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ))، يعني: تمنوا لو تغفلون عن الأسلحة حال قيامكم إلى الصلاة. ((فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً))، يعني: بأن يحملوا عليكم فيأخذوكم، هنا تعليل بالأمر لهؤلاء الذين يصلون بأن يأخذوا معهم الأسلحة.
حكم حمل السلاح في صلاة الخوف وعدمه
حكم حمل السلاح في صلاة الخوف وعدمه قوله تعالى: ((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ))، يعني: فلا تحملوها، وحملها عند عدم العذر يفيد وجوب حمل الأسلحة، لكن إن كان هناك عذر فلهم ألا يحملوا هذه الأسلحة، وهذا أحد القولين للشافعي. والقول الثاني: أن حمل السلاح سنة وليس بواجب أثناء الصلاة، ورجح الشافعي المذهب الثاني. ((وَخُذُوا حِذْرَكُمْ))، يعني: خذوا حذركم من العدو واحترزوا منه ما استطعتم. ((إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا))، أي: عذاباً ذا إهانة.
تفسير قوله تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله)
تفسير قوله تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله) قال الله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء:103]. قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ} يعني: إذا فرغتم منها. {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} بالتهليل والتسبيح. {قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ}، يعني: في كل حال؛ لأن الإنسان لا يخلو من حال من هذه الأحوال، إما أن يكون قائماً وإما قاعداً وإما مضطجعاً. {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ}، أي: إذا أمنتم. {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ}، أي: أدوها بحقوقها. {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} ((كِتَابًا)) أي: مسطوراً. ((مَوْقُوتًا)) أي: مقدراً وقتها فلا تؤخر عنه.
أقوال المفسرين في تفسير آية صلاة الخوف وما بعدها
أقوال المفسرين في تفسير آية صلاة الخوف وما بعدها يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((وَإِذَا كُنتَ)) أي: مع أصحابك شهيداً وأنتم تخافون العدو. ((فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ))، أي: أردت أن تقيم بهم الصلاة، بالجماعة التي لوفور أجرها يتحمل مشاقها. ((فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ))، أي: إذا أنت أردت أن تقيم لهم الصلاة فاقسمهم طائفتين، تصلي بطائفة، ولتقف الطائفة الأخرى بإزاء العدو ليحرسوكم منهم، وإنما لم يصرح به لظهوره. ما الفائدة من قوله: ((فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ))؟ هذا لأن المعنى واضح جداً وظاهر أي: لكي يحرسوكم أثناء الصلاة. ((وَلْيَأْخُذُوا)) أي: الطائفة التي قامت معك تصلي، ((وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ)) أي: معهم؛ لأنه اقرب للاحتياط. ((فَإِذَا سَجَدُوا)) يعني: هؤلاء القائمون معك بعد أداء سجدتي الركعة الأولى وإتمام الركعة يفارقونك. يعني: بعد أن يتموا الركعة الأولى يفارقون النبي عليه الصلاة والسلام ويتمون هم صلاتهم. وتقوم إلى الثانية منتظراً الطائفة الثانية. يعني: الإمام يكبر تكبيرة الإحرام بالطائفة الأولى ويصلون معه الركعة الأولى، والطائفة الأخرى تقف خلفهم للحراسة. ((فَإِذَا سَجَدُوا)) يعني: إذا فرغوا من الركعة الأولى بأن سجدوا السجدتين في الركعة الأولى يقومون هم، ويظل الإمام منتظراً مكانه حتى يتموا صلاتهم، ثم يقوم إلى الركعة الثانية. ((فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ)) يعني: هؤلاء الذين فرغوا ينصرفون إلى مقابلة العدو للحراسة. ((وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ)) الطائفة الأخرى التي هي واقفة في اتجاه العدو تأتي لتصلي ركعتها الأولى معك، والتي هي بالنسبة للإمام تكون الثانية، فإذا جلست منتظراً قاموا إلى ثانيتهم وأتموها ثم جلسوا ليسلموا معك. في الأولى يطيل الإمام القيام إلى أن تفرغ الأولى من إتمام صلاتها بالإتيان بالركعة الثانية، وتحلق به الثانية. كذلك الإمام سوف يجلس للتشهد والمجموعة الثانية تكون بقي عليها ركعة، فينتظر جالساً إلى أن يفرغوا هم من الركعة الثانية ثم يدركوه في الجلوس ويسلموا معه. ولم يبين في الآية الكريمة حال الركعة الرابعة الباقية لكل من الطائفتين؛ اكتفاءً ببيانه صلى الله عليه وسلم لهم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام بين ذلك بياناً شافياً كافياً في الأحاديث. ((وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ)) يعني: تيقظهم؛ لأن العدو يظن أن المسلمين قائمون في الحرب، في أثناء الركعة الأولى، فهو سيتصور أنهم جميعاً واقفون مستعدون للحرب، فإذا قاموا إلى الثانية فمجموعة سوف تسجد ومجموعة تقوم، هنا سيفهم العدو أنهم الآن في الصلاة، وقد ينتهز الفرصة في الهجوم عليهم، فلذلك خص هذا الموضوع بزيادة التحذير فقال تبارك وتعالى: ((وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ))، وكرر هذا المعنى من قبل حيث قال: ((وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ))، وهنا قال: ((وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)). ثم جاء بمزيد من البيان حيث قال: ((وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً)) هنا كأنه شيء حسي كالآلة سيؤخذ والإنسان يمسكه كما يمسك السلاح ((وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)). قال الواحدي: فيه رخصة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة. وقال أبو السعود: وتكليف كل من الطائفتين بما ذكر لما أن الاشتغال في الصلاة مظنة لإلقاء السلاح والإعراض عن غيرها، ومظنة لهجوم العدو، كما ينطق به قوله تعالى: ((وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا))، أي: تمنوا، ((لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ)) أي: حوائجكم التي بها ((فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً)) أي: يحملون حملة واحدة فيقتلونكم، فهذا هو سبب الأمر بأخذ السلاح، والأمر بذلك للوجوب. ثم قال تعالى: ((وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)) أي: لا حرج ولا إثم عليكم. ((إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ)) أي: إذا كان في حالة مطر يثقل معها حمل السلاح. ((أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى)) يثقل عليكم حمله بسبب المرض ((أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ)). أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نزلت ((إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى)) في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً). ثم أمروا مع ذلك بالتيقظ والاحتياط فقيل: ((وَخُذُوا حِذْرَكُمْ)) لئلا يهجم عليكم العدو غيلة. ((إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا)) أي: عذاباً شديداً يهانون به، وهذا تعليل للأمر بأخذ الحذر، أي: أعد لهم عذاباً مهيناً بأن يخذلهم وينصركم عليهم، فاهتموا بأموركم ولا تهملوا في مباشرة الأسباب كي يحل بهم عذابه بأيديكم. وقيل: لما كان الأمر بالحذر من العدو موهماً لتوقع غلبته واعتزازه نفى ذلك الإيهام بأن الله تعالى ينصرهم ويقيهم عدوهم لتقوى قلوبهم. تكرر في الآية التحذير: ((وَخُذُوا حِذْرَكُمْ))، ((وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا))، ((فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً))، كثرة التحذير قد يوقع في قلوب بعض المؤمنين أن الكفار قد ينتصرون عليهم أو قد ينالون منهم، أو أن غلبتهم متوقعة، فلما وجد هذا الاحتمال نفى الله سبحانه وتعالى ذلك الإيهام، وذلك بأن الله تعالى هو الذي ينصرهم وأنه سيقيهم عدوهم، ((إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا)). ومن أسباب تعذيب الكافرين أن الله يعذبهم بأيدي المؤمنين، {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} [التوبة:14]، فهذا العذاب المهين ليس فقط في الآخرة لكنه سيكون على أيديكم، فلا تهملوا في الأخذ بالأسباب والاحتياط وأخذ الحذر والسلاح.
تابع تفسير قوله تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا)
تابع تفسير قوله تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً) قال الله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء:103] قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ} يعني: إذا أتممتم الصلاة، دون صلاة الخوف على ما فسر. {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} أي: فداوموا على ذكره تعالى في جميع الأحوال، فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه. أمر تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف، وإن كان مشروعاً بعد غيرها، يعني: أن ذكر الله يكون بعد صلاة الخوف آكد، لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها، كما قال تعالى في الأشهر الحرم: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة:36]، فهل ظلم النفس بالمعاصي مباح فيما عدا الأشهر الحرم؟ لا، بل هو محرم، لكن هنا آكدية بحرمة ذلك الزمان، كذلك في هذه الحالة المسلمون حاجتهم إلى الذكر أوكد. {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ} أي: سكنت قلوبكم بالأمن وذهب عنكم الخوف. {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} أي: على الحالة التي كنتم تعرفونها فلا تغيروا شيئاً من هيئتها. {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} أي: فرضاً مؤقتاً، لا يجوز إخراجها عن أوقاتها.
ما يتعلق بقوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) من أحكام وأقوال
ما يتعلق بقوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) من أحكام وأقوال فيما يتعلق بظاهر قوله تعالى: ((وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ)) هناك من لم ير صلاة الخوف بعده صلى الله عليه وسلم، حيث زعموا أن صلاة الخوف كانت خاصة بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الله اشترط كونه فيهم، فقال: ((وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ)) ومفهومها: أنه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام لا تشرع صلاة الخوف، ولا يخفى أن الأئمة والخلفاء بعد الرسول عليه الصلاة والسلام يقومون مقامه، فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة:103] هذه ليست خاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام، بل الإمام عليه بعد ذلك أن يقوم بنفس الوظيفة في جمع الزكاة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على مفهوم قوله تعالى: ((وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ)). وقد روى أبو داود والنسائي والحاكم وابن أبي شيبة وغيرهم عن سعيد بن العاص أنه قال: (كنا في غزوة ومعنا حذيفة فقلنا: أيكم شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فأمرهم حذيفة فلبسوا السلاح، ثم قال: إن هاجكم هيج فقد حل لكم القتال، فصلى بإحدى الطائفتين ركعة والأخرى مواجهة العدو، ثم انصرف هؤلاء فقاموا مقام أولئك، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم بهم)، وكانت الغزوة بطبرستان، قال بعضهم: وكان ذلك بحضرة الصحابة رضي الله تعالى عنهم فلم ينكره أحد، فحل محل الإجماع. وروى أبو داود: (أن عبد الرحمن بن سمرة صلى بكابل صلاة الخوف).
النساء [127 - 134]
تفسير سورة النساء [127 - 134]
تفسير قوله تعالى: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن)
تفسير قوله تعالى: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن) قال تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} [النساء:127]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية وهي قوله: {فِي يَتَامَى النِّسَاءِ}، قال: (كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً، فإن كانت جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبداً حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونهى عنه). هذا فيما يتعلق بقوله تبارك وتعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} [النساء:127]). قوله: ((ويستفتونك في النساء)) أي: يطلبون منك الفتوى في شأن النساء عامة، فبين تعالى أن ما لم ينزل حكمه ويبين فسيأتي فيما بعد: ((قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ)) يعني: ويفتيكم أيضاً فيما قد سبق تبيينه من الأحكام. ((فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ)) من المهر أو الميراث. ((وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ)) وترغبون عن أن تنكحوهن. ثم قال تعالى: ((وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ)) هذا عطف على يتامى النساء، إذا قلنا: إنه عطف على يتامى النساء يكون المعنى صحيحاً، (وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء) وما يتلى عليكم أيضاً في حق المستضعفين من الولدان، وهو قوله تبارك وتعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء:11] إلى آخره، وقد كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء، فكما كانوا يحرمون النساء من الميراث كانوا أيضاً يحرمون المستضعفين من الولدان، وإنما يورثون الرجال القوام. قال ابن عباس في الآية: (كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله تعالى: ((لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ))، فنهى الله عن ذلك، وبين لكل ذي سهم سهمه، فقال عز وجل: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء:11]). أتت صفة الذكر والأنثى عامة، يعني: سواء كان الولد ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً، فللذكر عموماً صغيراً أو كبيراً مثل حظ الأنثيين. وكذا قال سعيد بن جبير. فهذا معنى قوله: (والمستضعفين من الولدان) يعني: وما يتلى عليكم في المستضعفين من الولدان. {وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ}، (وأن تقوموا لليتامى) بالجر عطف على ما قبله، يعني: وما يتلى في حق هؤلاء اليتامى كما في قوله تعالى: {وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء:2]، فهذا هو ما يتلى علينا في شأن اليتامى، وأمرنا أن نقوم بحقهم بالقسط، ونحو ذلك مما لا يكاد يحصر في الأمر برعاية حق اليتامى. قال سعيد بن جبير: كما أنها إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال وجمال فانكحها واستأثر بها. والخطاب هنا للولاة أو للأولياء.
الأحكام المستنبطة من قوله تعالى: (ويستفتونك في النساء)
الأحكام المستنبطة من قوله تعالى: (ويستفتونك في النساء) واستنبط من هذه الآية أحكام منها: جواز نكاح الصغيرة؛ لأن اليتيم هو الصغير الذي لم يبلغ. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتم بعد احتلام)، رواه أبو داود. وعن الأصم أراد البوالغ قبل التزوج، يعني: ذهب الأصم إلى أن تسمية المرأة باليتيمة باعتبار ما كان، وأن المقصود باليتيمة البالغة وليست الصغيرة؛ وذلك لقوله تبارك وتعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6]. المقصود باليتامى هنا: الذين كانوا يتامى إلى عهد قريب، لكن لشدة قرب العهد باليتم بقي عليهم وصف اليتامى، فسماهن باليتم لقرب عهدهن باليتم. والأول أظهر؛ لأنه الحقيقة. وقالوا أيضاً: مما يدل على أن المقصود باليتيمة البالغة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها)، رواه أهل السنن. قالوا: والاستئمار لا يكون إلا من البالغة. وقد ورد قول الشاعر: إن القبور تنكح الأيامى النسوة الأرامل اليتامى يعني: هذه شواهد تدل على أن كلمة اليتامى قد تطلق على النساء الكبار البوالغ. فسمى البالغات يتامى لانفرادهن عن الأزواج، وكل شيء منفرد لا نظير له يقال له: يتيم، كما تقول: الدرة اليتيمة يعني: التي لا ثانية لها، وهذه المسألة فيها أقوال للعلماء ونكتفي بما أشرنا إليه.
تفسير قوله تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا)
تفسير قوله تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً) قال تبارك وتعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء:128]. (وإن امرأة) امرأة اسم مرفوع بفعل يفسره قوله تعالى: (خافت) يعني: إن خافت امرأة. (وإن امرأة خافت) يعني: توقعت. (من بعلها) يعني: من زوجها. (نشوزاً) يعني: ترفعاً عليها بترك مضاجعتها، والتقصير في نفقتها؛ لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها. (أو إعراضاً) أي: أو إعراضاً عنها بوجهه. (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً) وفي قراءة (أن يصّالحا بينهما صلحاً) وأصلها أن يتصالحا، فأدغمت التاء في الصاد وشددت فصارت (أن يصّالحا بينهما صلحاً). (بينهما صلحاً) في القسم والنفقة، يعني: في المبيت وفي النفقة. هذا الصلح يكون فيه نوع من التنازل من جانب المرأة كي تبقى زوجة له، وتضحي ببعض حقوقها عليه كي لا يطلقها ويعدل إلى غيرها. فتترك له شيئاً طلباً لبقاء الصحبة، فإن رضيت بذلك وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها. إما أنها ترضى بهذا الصلح الذي فيه التنازل عن بعض حقوقها، فإن لم ترض بذلك فعليه أن يوفيها حقها كاملاً أو يفارقها. (والصلح خير) (خير) هنا أفعل تفضيل، يعني: والصلح خير من الفرقة والنشوز والإعراض. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. قال تعالى في بيان ما جبل عليه الإنسان: {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ}، يعني: شدة البخل، فهي جبلت عليه فكأنها حاضرة لا تغيب عنه، وكأن الشح صفة لازمة للإنسان أو للنفس البشرية، فهذا تعبير عن شدة لصوق هذه الصفة بالإنسان. والمعنى: أن المرأة لا تكاد تسمح بنصيبها من زوجها بسبب وجود هذا الشح، فلا تكاد أبداً تسمح بنصيبها من زوجها، كذلك الرجل لا يكاد يسمح لها بنفسه إذا أحب غيرها. (وإن تحسنوا) أي: عشرة النساء. (وتتقوا) أي: تتقوا الجور عليهن. (فإن الله كان بما تعملون خبيراً) يعني: فيجازيكم به.
أقوال المفسرين في تفسير النشوز والإعراض والصلح بين الزوجين
أقوال المفسرين في تفسير النشوز والإعراض والصلح بين الزوجين يقول القاسمي رحمه الله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا} أي: زوجها. (نشوزاً) أي: تجافياً عنها وترفعاً عن صحبتها بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها. (أو إعراضاً) أي: إعراضاً عنها بوجهه، أو أن يقل محادثتها ومجالستها كراهة لها، أو لطموح عينه إلى أجمل منها. (فلا جناح عليهما) يعني: حينئذ لا حرج عليهما. (أن يصلحا بينهما صلحاً) يعني: أن يحصل نوع من الصلح بينهما بحط شيء من المهر أو النفقة، فتحط هي عنه إن كان لها مؤخر صداق، وتصالحه على أنها تخفف له أو تسامحه بقدر منه، أو تعفو عنه في قدر من المهر أو النفقة، أو تهبه شيئاً من مالها من أجل الإصلاح، أو تضحي ببعض الوقت المخصص لها طلباً لبقاء الصحبة، لكن بشرط أن يكون ذلك عن رضاً وطواعية منها، وإلا إن لم يكن رضاً فعلى الزوج أن يوفيها حقها إذا استبقاها، أو يفارقها إذا لم تقبل ذلك الصلح. قال في الإكليل: الآية أصل في هبة الزوجة حقها من القسم وغيره. استدل به من أجاز لها بيع ذلك. (والصلح خير) أي: من الفرقة والنشوز والإعراض. وعامة الناس يستدلون على كراهة الطلاق بالحديث الضعيف المشهور: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، وهذا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويغني عنه ما في القرآن من مواطن يستنبط منها كراهة الطلاق كهذه الآية: ((فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)) الصلح خير من النشوز وخير من الإعراض وخير من الطلاق وخير من الفرقة، فهذا يفيد ضمناً كراهة الطلاق، كذلك مما يفيد كراهة الطلاق قوله تعالى: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19]، هذا حث على إمساكها وعدم طلاقها. قال ابن كثير: بل الطلاق بغيض إليه سبحانه وتعالى، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، وسبق أن أشرنا إلى ضعف هذا الحديث. وفي هذه الآية حث الزوج على الصبر على الزوجة حتى لو كره صحبتها، وأن الأفضل له أن يصبر والصلح خير من الفرقة، وخير من سوء العشرة، وخير من الخصومة، أو خير من الطلاق والفرقة، وقد كان من كرم أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يكرم صواحب خديجة بعد موتها، فانظر إلى حسن العشرة كيف يمتد إلى ما بعد وفات أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وكان عليه الصلاة والسلام يكرم كل من كانت تحب خديجة أو تقربه منها، حتى إن صواحبها من النساء كان عليه الصلاة والسلام يكرمهن بعد موتها رضي الله تعالى عنها. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وقد هلكت قبل أن يتزوجني لما كنت أسمعه يذكرها). (هلكت) بمعنى: ماتت. قال عز وجل: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ} [غافر:34]، أي: حتى إذا مات، وقال تعالى: {امْرُؤٌ هَلَكَ} [النساء:176]، أي: مات. فـ عائشة رضي الله تعالى عنها لما كانت تسمع النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم يذكر خديجة بعد موتها كانت تغار هذه الغيرة من كثرة ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكرها بالخير ويثني عليها، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في صدائق خديجة وصواحب خديجة رضي الله تعالى عنها من الشاة قدراً يكفيهن وينفعهن. وعنها أيضاً رضي الله عنها قالت: (ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه عز وجل أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها)، مع أنها لم ترها لكن كانت تغار منها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له في بعض الأحيان: (كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها الولد)، فيذكر مناقبها فيقول: كانت كذا وكانت كذا وكانت كذا، وكان لي منها الولد. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه)، وهذا فيه لزوم وثبات على الإحسان لمن كان له أدنى صلة ممن يحبه من أب أو زوج أو غير ذلك، وفي هذا ما لا يحصر من المحاسن والفضائل. والصلح فيه من أنواع الترغيب، ففي الحديث: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً). واستدل بعموم الآية من أجاز الصلح على الإنكار. قوله تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح) فيه بيان لما جبل عليه الإنسان، أي: جعلت حاضرة له مطبوعة عليه لا تنفك عنه أبداً. كأن الشح ختم على النفوس. فلا تكاد المرأة تسمح بالنشوز والإعراض وحقوقها من الرجل، ولا الرجل يسمح أيضاً بإمساكها مع القيام بحقوقها على ما ينبغي إذا كرهها أو أحب غيرها. وقوله تعالى: (والصلح خير) هذا للترغيب في المصالحة. وقوله تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح) لتمييز العذر في المشاحة والحث على الصلح؛ لأنها تعطي الإنسان عذراً إذا حصل أثناء المفاوضات لهذا الصلح نوع من الخصومة والاختلاف، فإذا تلا قوله تعالى: (والصلح خير) رغب في الصلح، فإذا حصل أثناء الصلح مشاحة واختلاف منهم في الاتفاق، ثم تذكر قوله تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح) فيكون فيها نوع من المواساة للطرف الذي يلقى الخصومة من الآخر. يقول: فإن شح نفس الرجل وعدم ميلها عن حالتها الجبلية بغير استمالة مما يحمل المرأة على بذل بعض حقوقها إليه لاستمالته، وكذا شح نفسها بحقوقها مما يحمل الرجل على أن يقتنع من قبلها بشيء يسير، ولا يكلفها بذل الكثير، فيتحقق بذلك الصلح. قوله تعالى: (وإن تحسنوا) أي: في العشرة. (وتتقوا) النشوز والإعراض، ونقض الحق. (فإن الله كان بما تعملون) من تحمل المشاق في ذلك. (خبيراً) فيجازيكم ويثيبكم. ويلاحظ هنا أن خطاب الأزواج أتى بطريق الالتفات، يقول عز وجل: ((وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ))، فهذا كلام يقال للغائب، ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب فقال: ((وَإِنْ تُحْسِنُوا)) وهذا فيه تنبيه، ففي خطاب الأزواج بطريق الالتفات، وقوله: (وإن تحسنوا) عبر عن رعاية حقوقهن بالإحسان. (وتتقوا) ولفظ التقوى المنبئ عن كون النشوز والإعراض مما يتوقى منه، وتتقوا النشوز وتتقوا الإعراض عنهن، وترتيب الوعد الكريم عليه في قوله: (فإن الله كان بما تعملون خبيراً) هذا فيه الاستمالة والترغيب في حسن المعاملة. وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها في هذه الآية قالت: (الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها بعد ما أسنت فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية في ذلك). فتبقى زوجة له ويمسكها على أن تتسامح عن بعض حقوقها أو عن حقوقها حسبما يصطلحان). وروى ابن أبي حاتم عن خالد بن عرعرة قال: (جاء رجل إلى علي رضي الله عنه فسأله عن قول الله عز وجل: ((وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ))، قال علي: يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو قذذها فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئاً حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج). وكذا رواه أبو داود الطيالسي وابن جرير. وروى ابن جرير أيضا عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن هذه الآية فقال: (هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز). وروى سعيد بن منصور عن عروة قال: (أنزل في سودة (وإن امرأة) إلى آخر الآية). وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت ففرقت -يعني: خافت- أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضنت أن تخسر ارتباطها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعرفت من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لـ عائشة، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى الحاكم عن عروة عن عائشة أنها قالت له: (يا بن أختي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم في مكثه عندنا -يعني: كان يعدل بينهن في القسم- وكان قل يوم إلا وهو يطوف على نسائه، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت، وفرقت -أي: خافت- أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! يومي هذا لـ عائشة فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، قالت: فنزل في ذلك قول الله تعال
تفسير قوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء)
تفسير قوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) قال تبارك وتعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:129]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا) تسووا. (بين النساء) في المحبة. (ولو حرصتم) على ذلك. (فلا تميلوا كل الميل) إلى التي تحبونها في القسم والنفقة. (فتذروها) أي: تتركوا الممال عنها. (كالمعلقة) التي لا هي أيم، ولا هي ذات بعل. يعني: لا هي مزوجة ولا هي مطلقة. (وإن تصلحوا) بالعدل في القسم. (وتتقوا) الجور. (فإن الله كان غفوراً) لما في قلبكم من الميل. (رحيماً) بكم في ذلك.
شبهات وردود حول تعدد الزوجات
شبهات وردود حول تعدد الزوجات كتب القاضي كنعان في الحاشية عن قوله تعالى: ((وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ))، يقول: الإنسان لا يستطيع أن يعدل بين زوجاته في محبة القلب، وهذا شيء لا خلاف فيه، ولكن لا عذر له في عدم العدل في البيتوتة والنفقة بجميع أنواعها. يعني: يجب عليه أن يعدل في هذه الحقوق، وهي القسم الذي هو المبيت، والنفقة، فإذا أتى مثلاً بهدية لواحدة فيعطي الجميع. ثم يقول: فعدم المساواة بينهن في ذلك ظلم -يعني: من الظلم ألا يعدل بينهن في النفقة وفي القسم- والظلم ظلمات يوم القيامة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان الأسوة الحسنة للزوج العادل المحسن إلى أهله، وبه يجب أن يأتسي المسلمون، فقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)، وأحسب أن هذا الحديث ضعيف، والله تعالى أعلم. وإذا صح فيكون معناه: ما أملك وهو النفقة والقسم فسأعدل أما غير ذلك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك وهو ميل القلب ومحبته، وقد حذر صلى الله عليه وسلم من عدم العدل بين الزوجات فقال: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط)، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. ولقد أباح الله تعالى للمسلم القادر أن يجمع في عصمته أربع زوجات، بعد أن كان التعدد في الجاهلية مطلقاً لا حد له، ونبه إلى وجوب الاكتفاء بواحدة، أو بملك اليمين عند الخوف من عدم العدل بينهن، فقال تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا} [النساء:3]. أما الذين لم تعجبهم إباحة التعدد فإنهم رفضوا الحلال وأباحوا لأنفسهم وللناس الحرام، فشرعوا للناس قوانين تمنع التعدد وتعاقب عليه، وتبيح الزنا ولا تعاقب عليه إذا حصل برضا الطرفين، وعامة القوانين تعبر بالاغتصاب عن فعل الفاحشة بدون تراض، أما إذا كان الزنا بالتراضي فليس بجريمة، فالله المستعان! وفي تونس حوكم بعض الناس بتهمة أنه ارتكب جريمة الزواج من امرأة ثانية، فالمحامي كما يقولون كان حاذقاً واستطاع بحذقه كما يزعم الناس أن يخرجه من هذه الجريمة مثل الشعرة من العجين، إذ أثبت المحامي أنها عاشقة وليست زوجة، وخليلة وليست حليلة، والله المستعان! ويجب على النساء اللائي فيهن نوع من الأنانية أن يفهمن أن الذي ينتفع بتعدد الزوجات هو قسم كبير جداً من النساء وليس فقط الرجال، مع أنه معروف أن المرأة جبلت على الغيرة الشديدة، لكن هذا أصلح وأنسب وأفضل للمرأة. فإذاً: هناك قسم كبير من النساء يكون التعدد أنسب لظروفهن، وأفضل لهن من أن تبقى بلا زوج. فالقضية ليست قضية القومية النسائية كما يحاولون أن يصوروا أن الرجال في جانب والنساء في جانب، قوم الرجال ضد قوم النساء، والحقيقة أن هذا التعدد فيه مصلحة حتى للنساء، بل إن كثيراً من المجتمعات الإسلامية الآن لم يعد لها مخرج على الإطلاق من الفتن التي تموج بها إلا بتعدد الزوجات. وحصل هذا حتى في بعض المجتمعات الكافرة حيث أباحوا تعدد الزوجات باعتباره مخرجاً من الضياع الذي صارت فيه هذه المجتمعات، ولاشك أن القضية حساسة تحتاج أن نتناولها من كل جوانبها، ونرجو فيما بعد أن تكون هناك فرصة للتفصيل إن شاء الله. يقول القاضي كنعان: فشرعوا للناس قوانين تمنع التعدد وتعاقب عليه، وتبيح الزنا ولا تعاقب عليه إذا حصل برضا الطرفين، فأي الحكمين خير للمرأة: أن تكون زوجة شريفة، أم أن تكون خليلة، ثم إن الإسلام لم يفرض التعدد. يعني: التعدد ليس بواجب بل مجرد حكم مشروع لم يفرض فرضاً؛ لأن بعض الناس وخاصة أعداء الإسلام في الخارج يحاولون التشنيع على الإسلام، فإذا تكلمت مع أي واحد منهم عن رأيه أو فكرته عن الإسلام فتراه ما يعرف عن الإسلام سوى أن الإسلام يوجب على المسلم أن يتزوج بأربع نساء. ولهم كثير من الافتراءات في هذا ومنها: أن الرجل المسلم لا يضع العصا عن عاتقه، وأنه يجب عليه أن يضرب زوجته في الصباح وفي المساء كل يوم كما يزعمون ويفترون، وهم يقولون هذا للتنفير عن دين الله سبحانه وتعالى والصد عن سبيل الله عز وجل. حتى إن تعدد الزوجات في مجتمعاتنا نادر جداً، والذي يحيي هذه الشريعة نادر جداً في المجتمع، حيث إن ظروف الناس حالت دونها، بل تجد أحياناً الشباب لا يتزوج حتى واحدة إلا بعد الأربعين أو الخامسة والثلاثين. إذاً: أين مشكلة تعدد الزوجات؟! هي كلها عبارة عن أزمات مصطنعة وليست طبيعية؛ لترويج الفواحش في المجتمع، حيث يضيقون على الناس من جهة ثم يفتحون النوافذ إلى الحرام من جهة أخرى، فالله المستعان!! يقول: والإباحة معلق بإرادة الرجل والمرأة، فلماذا تقبل المرأة أن تكون ضرة لمرأة أخرى؟ فإذا كان التعدد غير لائق كما يزعمون ويزعمن فإن بإمكان النساء وحدهن منعه؛ وذلك بامتناعهن عن القبول بزوج متزوج، وهذا ما لا يفعلنه. إذاً: التعدد ليس فريضة بل مجرد شيء مشروع للرجل له أن يفعله أو لا يفعله، وكذلك المرأة لها أن تفعله أو لا تفعله، فإذا كانت القومية النسائية متفقه كلها على إنكار موضوع التعدد، فالنساء يستطعن أن يمنعن التعدد تماماً؛ وذلك بأن يرفضن الزواج من الرجل المتزوج. معلوم أن التعدد فيه مصلحة لطائفة كثيرة جداً من النساء، ويكون أنسب لهن وأفضل لظروفهن. وهذه الآية مما يشغب به كثير من الذين يحرفون كلام الله عن مواضعه حينما يقولون: القرآن جمع بين المتناقضات والعياذ بالله، وبعض الناس يتكلفون فيقولون: إن الله سبحانه وتعالى علق إباحة التعدد على القيام بالعدل، وقالوا: إن هذا الشرط المذكور في هذه الآية يستحيل أن يتحقق، فهو علق على شرط لا يتحقق وغير مستطاع وهو العدل، واستدلوا بهذه الآية: ((وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ))، بينما في الحقيقة العدل في الآية الأولى غير العدل في هذه الآية. فقوله تبارك وتعالى في صدر سورة النساء: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:3]، العدل هنا هو الذي يملكه الإنسان، كالعدل في المبيت وفي النفقة، هذه الأشياء الرجل لا عذر له إذا أخل بها، أما العدل هنا في قوله عز وجل: ((وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا)) فالمقصود به: الميل القلبي الذي لا يملكه الإنسان. كان عليه الصلاة والسلام يقول في عائشة: (إن الله رزقني حبها)، فإذا كانت المحبة رزقاً فالله يبسط الرزق لمن شاء ويقدر. فهذا الأمر ليس من كسبه وهو فوق طاقته، لكنه مأمور بالعدل الذي يستطيعه وهو العدل في النفقة وفي القسم، أما العدل في الميل القلبي فهذا يعذر الإنسان فيه، ((وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ)) أي: تسووا بينهن في جميع الوجوه، بحيث لا يقع ميل ما إلى جانب إحداهن في شأن من الشئون، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع، كما قاله ابن عباس وغيره. (ولو حرصتم) يعني: ولو حرصتم على إقامة العدل وبالغتم في ذلك لن تستطيعوا؛ لأن الميل القلبي يقع بلا اختيار. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)، يعني: لا تلمني في ميل القلب، رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وذكرنا أنه ضعيف. (فلا تميلوا كل الميل) يعني: إذا ملتم إلى واحدة منهن، فلا تبالغوا في الميل إليها. ولا تتمادوا في ذلك، ولكن ثبتوا أنفسكم فلا تميلوا كل الميل؛ لأنك إذا ملت كل الميل ستضيع العدل الواجب الذي تملكه وتستطيعه وهو القسم. (فتذروها) أي: تذروا التي ملتم عنها. (كالمعلقة) أي: بين السماء والأرض، لا تكون في إحدى الجهتين، فهي لا ذات زوج ولا مطلقة. وروى أبو داود الطيالسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شدقيه ساقط)، هذه الرواية هنا بلفظ: (شدقيه) لكن الأصح والله أعلم أنها (شقيه) أي: جانبه. (وإن تصلحوا) أي: نفوسكم بالتسوية والقسمة بالعدل فيما تملكون. (وتتقوا) أي: الحيف والجور. (فإن الله كان غفوراً رحيماً) فيغفر لكم ما سلف من ميلكم.
تفسير قوله تعالى: (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته)
تفسير قوله تعالى: (وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته) قال تبارك وتعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} [النساء:130]. قوله: (وإن يتفرقا) أي: الزوجان بالطلاق. (يغن الله كلاً) عن صاحبه. (من سعته) أي: من فضله؛ بأن يرزقها زوجاً غيره، ويرزقه غيرها. {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا}، أي: لخلقه في الفضل. {حَكِيمًا}، فيما دبره لهم. والمعنى: إن يتفرق الزوج والمرأة بالطلاق بأن لم يتم الصلح بينهما، فالشرع لا يقبل أن تبقى المرأة كالمعلقة، ولعلكم تلحقون ذلك بحكم الإيلاء المذكور في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة:226] فمن حلف أن لا يقرب المرأة ولم يحدد أجلاً فالشرع يقول: هذا الوضع الذي هو إلى الأبد دون تحديد ليس في الإسلام، لكن ينظر المولي ويمهل أربعة أشهر {فَإِنْ فَاءُوا} [البقرة:226]، أي: إن رجعوا وأصلحوا {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:226 - 227]، فيقول تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا) أي: لم يتم الصلح بينهما، ففي هذه الحالة إذا اختارا الفرقة (يغن الله كلاً) منهما (من سعته) ويجعله مستغنياً عن الآخر. وقوله: (من سعته) أي: من غناه وجوده وقدرته، وفيه زجر لهما عن المفارقة رغماً لصاحبه، بمعنى ألا يكون هناك إرغام من أحد الطرفين للآخر، فالله سبحانه وتعالى سيعوضه بعد الطلاق، وهذه الآية فيها تعزية ومواساة وتسلية لهما. {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا} [النساء:130] أي: واسع الفضل {حَكِيمًا} [النساء:130] أي: في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.
تفسير قوله تعالى: (ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا)
تفسير قوله تعالى: (ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً) قال تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء:131 - 132]. قال تعالى: ((وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)) الكتاب هنا بمعنى: الكتب. ((مِنْ قَبْلِكُمْ)) أي: اليهود والنصارى. ((وَإِيَّاكُمْ)) يا أهل القرآن. ((أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)) بأن خافوا عقابه وذلك بأن تطيعوه. ((وَإِنْ تَكْفُرُوا)) وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا بما وصيتم به. ((فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) خلقاً وملكاً وعبيداً فلا يضره كفركم. ((وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا)) أي: عن خلقه وعبادتهم. ((حَمِيدًا)) أي: محموداً في صنعه بهم. ((وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) كرره تأكيداً لتقرير موجب التقوى. ((وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)) أي: شهيداً بأن ما فيهما له.
وجه تكرار قوله تعالى: (ولله ما في السماوات وما في الأرض) الآيات
وجه تكرار قوله تعالى: (ولله ما في السماوات وما في الأرض) الآيات في الحقيقة هنا شيء يلفت النظر في هذه الجملة من الآيات، يقول تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:131] ثم قال: {وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} [النساء:131]، ثم قال: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء:132]. ذكره ثالثاً إما لتقرير كونه تعالى غنياً حميداً، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه، وبما أفاض عليها من الوجود وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميداً. وإما تمهيداً للاحقة (إن) الشرطية، وهو بيان كونه تعالى قادراً على جميع المقدورات، أي: له سبحانه ما فيهما من الخلائق خلقاً وملكاً، فهو قادر على الإفناء والإيجاد، فإن عصيتموه أيها الناس! فهو قادر على إعدامكم وإفنائكم بالكلية، وعلى أن يوجد قوماً آخرين يشتغلون بعبادته وتعظيمه، فذكر هذه الكلمات في هذا المقام ثلاث مرات؛ لتقرير ثلاثة أمور في سياقها كما بينا. وقال الرازي: إذا كان الدليل الواحد دليلاً على مدلولات كثيرة؛ فإنه يحصل ذكر ذلك الدليل ليستدل به على أحد تلك المدلولات، ثم يذكر مرة أخرى ليستدل به على الثاني، ثم ثالثاً ليستدل به على المدلول الثالث. وهذه الإعادة أحسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة واحدة؛ لأنه عند إعادة ذكر الدليل يخطر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول، فكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجلى، فظهر أن هذا التكرير في غاية الحسن والكمال. وأيضاً: فإذا أعدته ثلاث مرات، وفرعت عليه في كل مرة إثبات صفة أخرى من صفات جلال الله، تنبه الذهن حينئذ؛ لكون تخليق السماوات والأرض دالاً على أسرار شريفة، ومطالب جليلة؛ لأنه كلما ذكر هذا الجزء من الآية احتف بذكر صفات لله عز وجل غير المذكورة في المرة السابقة. ففي الأولى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}، ثم قال: {وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا}، ثم قال: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}. فعند ذلك يجتهد الإنسان في التفكر بما في السماوات والأرض؛ لأن هناك إشارة إلى أنه ينبغي عليكم أن تتفكروا فيما هو في السماوات والأرض، والاستدلال بأحوالها وصفاتها على صفات الخالق سبحانه وتعالى. ولما كان الغرض الكلي من هذا الكتاب الكريم صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى الاستغراق في معرفة الله، وكان هذا التكرار مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده، لا جرم كان في غاية الحسن والكمال. ((وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)) أي: رباً حافظاً توكل بالقيام بجميع ما خلق.
تفسير قوله تعالى: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس)
تفسير قوله تعالى: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس) قال تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} [النساء:133]. ((إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ)) أي: يفنكم ويستأصلكم بالمرة. ((وَيَأْتِ بِآخَرِينَ)) يعني: يوجد مكانكم قوماً آخرين من البشر أو خلقاً آخرين مكان الإنس، ولكن الله أبقاكم على ما أنتم عليه من العصيان. إذا نظرنا للإنسانية كلها فسنرى الكفر والإلحاد ومحاربة الله والصد عن سبيله إلى غير ذلك مما يحتف به سكان هذه الأرض، فالمقصود من الآية أن إبقاءكم رغم ما أنتم فيه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم، ولعدم تعلق مشيئته المبنية على الحكم البالغة بإفنائكم، لا لعجزه سبحانه وتعالى، وإمهال الله إيانا ليس عجزاً منه سبحانه وتعالى عن أن يؤاخذنا، فإن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يذهب بنا ويأتي بقوم آخرين. {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} أي: على إهلاككم بالمرة والإتيان بغيركم. ((قَدِيرًا)) أي: بليغ القدرة، كما قال تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38]، وقال تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر:16 - 17]. قال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره.
تفسير قوله تعالى: (من كان يريد ثواب الدنيا)
تفسير قوله تعالى: (من كان يريد ثواب الدنيا) قال عز وجل: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:134]. قوله: (من كان يريد ثواب الدنيا) كالمجاهد يجاهد لطلب الغنيمة (فعند الله ثواب الدنيا والآخرة) أي: أنه يستطيع بهذا الجهاد نفسه الذي يفعله أن يطلب ثواب الدنيا والآخرة، كما له أن يطلب أخسهما ويقتصر على طلب الدنيا، فليطلبهما أو ليطلب الأشرف منهما وهو ثواب الآخرة، كما قال تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة:200 - 202]، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى:20]، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} [الإسراء:18]، إلى آخر الآيات. وقال بعضهم: عني بالآية مشركو العرب، فإنهم كانوا يقرون بأن الله تعالى خالقهم ولا يقرون بالبعث يوم القيامة، وكانوا يتقربون إلى الله تعالى؛ ليعطيهم من خير الدنيا ويصرف عنهم شرها. (من كان يريد ثواب الدنيا) هذا كما كان يفعله هؤلاء المشركون، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، هناك بعث ونشور وجنة ونار، فعليهم أن يرجو جلب الخير في الآخرة، ودفع الشر فيها أيضاً. (وكان الله سميعاً بصيراً) فلا يخفى عليه خافية ويجازي كلاً بحسب قصده.
النساء [148 - 149]
تفسير سورة النساء [148 - 149]
تفسير قوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول)
تفسير قوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول) قال تبارك وتعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء:148]. قوله: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول) يعني: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوماً فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: (إلا من ظلم) وإن صبر فهو خير له. (وكان الله سميعاً عليماً) سميعاً لما يقال، عليماً بما يفعل.
أقوال المفسرين في معنى قوله: (إلا من ظلم)
أقوال المفسرين في معنى قوله: (إلا من ظلم) يقول القاسمي رحمه الله تعالى: قال الله عز وجل: ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ)) أي: لا يحب الله تعالى أن يجهر بالقبيح من القول، (إلا من ظلم) إلا جهر المظلوم بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه، ويذكره بما فيه من السوء، فإن ذلك غير مسخوط عنده سبحانه وتعالى، حتى إنه يجيب دعاءه؛ لأن الله سبحانه وتعالى حرم الظلم كما جاء في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) وقال صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)، رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم لـ معاذ لما بعثه داعياً إلى الإسلام: (اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). قوله: (إلا من ظلم) يعني: إلا جهر المظلوم إذا دعا على ظالمه، أو إذا تظلّم به عند القاضي أو الحاكم، وحكى هذا الظلم الذي وقع عليه، فهذا أيضاً لا يدخل في قوله: ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ)). ومعلوم أن أنواع الظلم كثيرة كما جاء عن السلف، حيث ذكروا أنواعاً منه، وليس المراد حصر معنى الآية فيه، بل القصد تنبيه المستمع على أنواع من الظلم. فمن ذلك ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: (إلا من ظلم)، وإن صبر فهو خيرٌ له؛ لأنه إذا دعا عليه فقد أخذ حقه، وإن ادخرها للآخرة فهذا أفضل. وعن مجاهد قال: هي في رجل أضاف رجلاً فأساء قراه فتحول عنه، والقراء: هو ما يؤدى للضيف وعند العرب فضلاً عن المسلمين من المذلة والمعرة أن الضيف يهجر الشخص الذي أضافه، ويتحول عنه ثم يثني عليه. وكلمة الثناء تطلق على الخير، وتطلق على الشر، تقول: أثنى عليه خيراً، وأثنى عليه شراً، للحديث الذي في الجنازة (لما مرت جنازة رجل، فأثنوا عليها خيراً، ولما مر رجل آخر سيئ فأثنوا عليه شراً). والثناء في هذا السياق المقصود به الشر، يعني: شنع عليه، واشتكى منه وجهر بمذمته؛ لأنه قصر في ضيافته؛ لذلك يقول مجاهد: هي في رجل أضاف رجلاً فأساء قراه، فتحول عنه، فجعل يثني عليه بما أولاه، يثني عليه يعني: يذكره بالسوء والتقصير الذي أولاه في الضيافة. وعن مجاهد قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن، فهذا جهر بالسوء. وفي رواية: هو الضيف المحول رحله فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول. قال ابن كثير: وقد روى الجماعة سوى النسائي والترمذي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: (قلنا: يا رسول الله! إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا فما ترى في ذلك؟ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم). وروى الإمام أحمد عن المقدام بن أبي كريمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما مسلم ضاف قوماً، فأصبح الضيف محروماً، فإن حقاً على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله)، يصبح من حق الضيف أن يأخذ بقدر قراه. وروى هو وأبو داود عنه أيضاً أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروماً كان ديناً عليه، فإن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه). ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن لي جاراً يؤذيني، فقال له: أخرج متاعك فضعه على قارعة الطريق -أو في وسط الطريق- فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فكل من مر به قال: ما لك؟! قال: جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه، قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك، والله لا أوذيك أبداً)، وقد رواه أبو داود في كتاب الأدب. وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية: ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ))، قال: هو الرجل يشتمك فتشتمه؛ لكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه، وإذا شتمك فلك أن تشتمه، (إلا من ظلم) يعني: له أن يجهر بالسوء، فإذا شتمك عياناً، فلك أن تقتص منه بأن ترد بنفس ما شتمك به، إلا إذا كانت كذباً، فلا تكذب مثله، وذلك لقوله تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى:41]. وقال: قطرب في معنى الآية: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}، أي: إلا من أكره على أن يجهر بالسوء من القول. يعني: أكره كأن وقع تحت التعذيب أو الإكراه، بحيث يجهر بالسوء من القول فهذا يباح له أن يجهر به. وسئل المرتضى عنها، فقال: لا يحب الله ذلك ولا يريده لفاعله. (إلا من ظلم) وذلك مثلما فعل مردة قريش بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من التعذيب والضرب حتى يكرهوهم على شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل ذلك عمار فخلّوه وصلبوا صاحبه، فأجاز لمن فُعِلَ به هكذا أن يتكلم بما ليس في قلبه، وأن يجهر بالسوء مع اطمئنان قلبه بالإيمان، وفي عمار وصاحبه نزل قول الله تعالى في سورة النحل: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106]، فكانت هذه الآية مبينة بما في قلب عمار من شحنة إيمانية قوية. قوله: ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ))، الآية تعم كل أنواع الظلم، وهذا مجرد ضرب أمثلة لهذا الظلم، سواء قلنا: إنها تعني حرمان الضيف من القرى. أو بمعنى: إلا من أكره على النطق بالسوء من القول، إلى غير ذلك مما ذكرنا.
من قال بأن إلا في قوله: (إلا من ظلم) بمعنى لا
من قال بأن إلا في قوله: (إلا من ظلم) بمعنى لا نقل السمرقندي وغيره عن الفراء في قوله تعالى: ((إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)) أن (إلا) بمعنى: لا، أي: ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)) يعني: حتى الذي يظلم لا يحب الله منه أن يجهر بالسوء من القول، يقول القاسمي: هذا من تحريف الكلم عن مواضعه -يعني: تفسير (إلا) بمعنى: لا- فإن الآية صريحة في أنه يجوز للمظلوم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه، ويؤيده الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم، عن الشريد بن سويد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)، الواجد هو: الشخص الذي عليه دين أو حق للناس وعنده من المال ما يسدد به الدين ويعطي للناس حقوقهم، فهو ليس فقيراً أو معدماً وليس لديه أي عذر، ومع ذلك يماطل ويسوّف، ويتهرب من أداء حقوق الناس، فإذا وقع إنسان في هذه المماطلة والتسويف مع كونه واجداً وغنياً فهذا ليه ومماطلته تحل عرضه وعقوبته، يعني: تحل الشكوى منه والثناء عليه بالشر الذي يفعله، فيحق لك أن تذكره بسوء وتشتكيه إلى القاضي وتقول: فلان ظلمني، فلانٌ ماطلني، فلان يمنعني حقي، فهذا داخل في قوله تعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}، فمن حق الذي ظلم أن يشتكي لكن من لم يظلم وجهر بالسوء فهذا يكون مرتكباً لكبيرة الغيبة. والكلام هنا في الرخصة في الجهر بالسوء من القول في حق من ظلم، أما من لم يظلم فجهره بالسوء داخل في الغيبة المحظورة. أفادت الآية جواز الجهر بالدعاء على الظالم، ودلّت على أن من جهر بكلمة الكفر مكرهاً لا يكفر، وهذه الآية تضم إلى الآية التي في سورة النحل {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل:106] وذلك لأن المكره مظلوم، وإذا ثبت بطلان حكم لفظ الكفر مع الظلم، فكذا يلزم في سائر الأحكام من البيع والعتاق والطلاق والإقرار. ثم قال: والمحبة ها هنا بمعنى: الإباحة، لا أن ذلك يريده الله تعالى. يقول القاسمي: هذه نزغة اعتزالية، أي: تأويل فاسد، ثم قال: وتسميته سوءاً بكونه يسوء المقالة فيه، يعني: لأنك إذا اشتكيت من هذا الظالم فهذا الكلام الذي تقوله يسوءه ويؤذيه، وإلا فليس بقبيح في هذه الحال؛ لأن مقابلة الظالم بالجهر بالسوء من القول في حقه إنما هو من العدل؛ وذلك كقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]، وهذه مجرد مشاكلة في اللفظ للمجاورة، لكن هل السيئة الثانية تسمى سيئة، أم أنها من العدل؟ السيئة الثانية عدل وقصاص وليست قبيحة، كذلك هنا: ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ))، هذا أيضاً ليس سيئاً ولا قبيحاً في حال المقابلة وفي حال التشكي وقد ظلم.
من قال بأن إلا في قوله: (إلا من ظلم) بمعنى الواو
من قال بأن إلا في قوله: (إلا من ظلم) بمعنى الواو هناك من قال: إن (إلا) بمعنى: (الواو) ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)) يعني: (ومن ظلم). في الحقيقة لا أدري كيف يكون المعنى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ومن ظُلِم) هذا بعيد، إلا إذا قرئت (ومن ظَلَم)، يقول البغوي الشاهد لهذا القول: وكل أخ مفارقه أخوه لعمرو أبيك إلا الفرقدان أي: والفراق دان، يقول: وهذا خلاف الظاهر، وهذا المذهب مردود. قولك: (إلا) بمعنى: الواو هذا خلاف ظاهر الآية الكريمة فلا تشتغلوا به.
الفوائد والحكم المستفادة من قوله: (إلا من ظلم)
الفوائد والحكم المستفادة من قوله: (إلا من ظلم) نقل في معنى هذه الآية حكمٌ ونوادر بديعة، قال الشعبي: يعجبني الرجل إذا سيم هوناً دعته الأنفة إلى المكافأة، يعني: أن المسلم يكون عزيز النفس، له أن يعفو ويصفح، لكن الصفح والعفو والحلم يكون في مقامه، أما معاملة المؤمن على أنه مغفل أو غير ذلك فهذا لا يمدح فيه العبد. ومعنى كلام الشعبي: يعجبني الرجل إذا سيم هوناً، أي: إذا ساوموه على أن يعطي الدنية والهوان والمذلة، دعته الأنفة والعزة إلى المكافأة، أي: في هذه الحالة يكافئ ويعاقب. يقول عز وجل: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]، فبلغ كلام الشعبي الحجاج، فقال: لله دره أي رجل بين جنبيه، فتمثل: ولا خير في عرض امرئٍ لا يصونه ولا خير في حلم امرئٍ ذل جانبه أي: الذي يتحلم وهو في حالة المذلة، ولكن الحلم يكون قيمته في حالة العزة والقدرة على الانتقام، فهذا هو الذي يحلم. وقال أعرابي لـ ابن عباس رضي الله عنهما: (أتخاف عليّ جناحاً إن ظلمني رجل فظلمته؟ فقال له: العفو أقرب للتقوى، فقال: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى:41]). وقال المتنبي: من الحلم أن تستعمل الجهل دونه إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم أي: إذا كان الحلم يشينك بمزيد من المذلة والهوان، ويفتح السبيل لمزيد من الظلم، فالحلم هنا لا يمدح ولا يقصد، بل إنه من الحلم أن تستعمل الجهل دونه وأن تسلك سبيل الجهل في مثل هذه الحالة، والجهل هنا بمعنى: الجهل العملي، والمقصود به: الانتقام والقصاص وأخذ الحق. هذا معنى كلام المتنبي ثم يقول البرقوقي شارح ديوان المتنبي: الحلم هو الأناة والعقل، والجهل هنا: نقيض الحلم، والمظالم: جمع مظلمة، وهي الظلم، يقول: إذا كان حلمك داعياً إلى ظلمك، فإن من الحلم أن تجهل؛ لأن الحلم إنما يلجأ إليه بتدارك الشر، فإذا تفاقم الشر ولم يتدارك الشر إلا بالجهل كان الجهل حلماً. فلا خير في حلم إذا لم يكن له زواجر تحمي صفوه أن يكدرا
حقيقة الاستثناء في قوله: (إلا من ظلم)
حقيقة الاستثناء في قوله: (إلا من ظلم) أما الاستثناء في قوله تبارك وتعالى: ((إِلَّا مَنْ ظُلِمَ))، إذا قلنا: إنه متصل ففيه وجهان: الأول: قول أبي عبيدة: إن هذا من باب الحذف في المضاف، يعني: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا جهر من ظلم) فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. الثاني: قول الزجاج: المصدر هاهنا بعد الاستثناء متصل، يعني: لا يحب الله المجاهر بالسوء إلا من ظلم. أما على أن الاستثناء منقطع فإنه يصلح أن يكون منقطعاً فـ (إلا) تكون بمعنى: (لكن)، وتكون العبارة: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن المطلوب له أن يجهر بمظلمته. قوله: ((وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا)) [النساء:148]، فيه وعد للمظلوم بأنه تعالى يسمع شكواه ودعاءه، ويعلم ظلم ظالمه، كما قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم:42]، ووعيد له أيضاً حتى لا يتعدى في الجهر المأذون فيه، فهو وعيد للظالم ووعد للمظلوم ووعيد له أيضاً ((وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا))، (وكان) أي: ولم يزل متصفاً بأنه تعالى (سميعاً) يسمع شكوى المظلوم ودعاءه، ويعلم ظلم ظالمه، وهذا وعد للمظلوم ووعيد له أيضاً، يعني: احذر أيها المظلوم أن تتعدى حدودك في القصاص من ظالمك، إذا شتمك تشتمه بمثل ما شتمك، لكن إذا كذب عليك في الشتيمة لا يجوز لك أن تقابلها بالمثل، وإذا خانك وغدر بك فلا يجوز لك أن تغدر وأن تخون وتقول: أنا أقتص منه؛ لأن الخيانة محرمة بحق الله سبحانه وتعالى، فالمسلم لا يغدر ولا يخون، مثلاً: إذا انتهك عرضك لا يحل لك أن تنتهك عرضه، وإذا سرق مالك لا يحل لك أن تسرق ماله. فالمظلوم لا يتعدى بالجهر في المأذون فيه، فليقل الحق ولا يقذف بريئاً بسوء، فإنه يصير عاصياً لله بذلك.
تفسير قوله تعالى: (إن تبدوا خيرا أو تخفوه)
تفسير قوله تعالى: (إن تبدوا خيراً أو تخفوه) وبعدما جوّز الله سبحانه وتعالى الجهر بالسوء، حث سبحانه على الأحب إليه والأفضل عنده، وأن يدخل العبد في الكرم والتخشع والعبودية، فقال سبحانه: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء:149]. قوله: (إن تبدوا خيراً) أي: تظهروا طاعة (أو تخفوه) أي: تعملوه سراً، (أو تعفو) أي: تتجاوزوا (عن سوء) أي: عن ظلم، ((فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)) أي: يعفو عن الجاني مع قدرته على الانتقام. يعني: الله سبحانه وتعالى موصوف بأنه عفو قدير، يعفو عن الجاني مع أنه قادر على الانتقام؛ فكذلك إذا قدرتم على الانتقام فأولى وأفضل في حقكم أن تعفوا عن الجاني. فعليكم أن تقتدوا بسنة الله، وذلك بالعفو مع القدرة، فثمرة هذه الآية الحث على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء، حتى وإن كان على وجه الاقتصاص فضلاً عن كونه من مكارم الأخلاق، وإنما كان المقصود العكس بأن ما قبلها في ذكر السوء والجهر به، فمقتضى الكلام ((لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)) أي: فإن عفا المظلوم ولم يدع على ظالمه ولم يتظلم منه، فإن الله عفو قدير، وإنما ذكر قبله إبداء الخير وإخفاءه توطئة للعفو عن السوء؛ لأنه يُعلم من مدح فاعل الخير في السر والعلانية. قال ابن كثير: ورد في الأثر: (أن حملة العرش يسبحون الله فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك، ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك). وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: (ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه)، وصدر الحديث يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث أحلف عليهن) وهو الصادق المصدوق؛ لكن الحلف هنا لمزيد من التأكيد؛ لأن بعض الناس قد يستغرب من ذلك: (ما نقص مال من صدقة)، يعني: الصدقة لا تنقص المال أبداً، ومن ليس عنده يقين يستغرب هذا، فلذلك حلف النبي صلى الله عليه وسلم تأكيداً لهذه الحقائق، ويقول في نفس الحديث: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله). وقال الرازي: اعلم أن عواقب الخير على كثرتها محصورة في أمرين: صدق مع الحق، وخلق مع الخلق، والذي يتعلق مع الخلق محصور في قسمين: إيصال النفع إليهم، ودفع الضرر عنهم، فقوله تعالى: ((إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ)) إشارة إلى إيصال النفع إليهم. ((أَوْ تَعْفُوا)) إشارة إلى دفع الضرر عنهم، فدخل في هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر.
النساء [163 - 176]
تفسير سورة النساء [163 - 176]
تفسر قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح وكان الله عزيزا حكيما)
تفسر قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح وكان الله عزيزاً حكيماً) انتهينا في تفسير سورة النساء إلى قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء:163 - 165]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ و)) أي: وكما ((أَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ)) ابنيه ((وَيَعْقُوبَ)) وهو ابن إسحاق ((وَالأَسْبَاطِ)) أولاده. يعني: الأنبياء من ذرية يعقوب عليه السلام. ((وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا)) أباه، ((دَاوُدَ زَبُورًا)) بالفتح اسم للكتاب المؤتى، وبالضم مصدر بمعنى: مزبوراً، أي: مكتوباً، ((وَرُسُلًا)) أي: وأرسلنا رسلاً، وكلمة رسلاً منصوبة بفعل مقدّر وهو وأرسلنا رسلاً ((قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ)). روي أنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبي؛ أربعة آلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر الناس، قاله المحلي في سورة غافر عند قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر:78]، ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى)) بلا واسطة ((تَكْلِيمًا)). ((رُسُلًا)) بدل من (رسلاً) قبله ((مُبَشِّرِينَ)) بالثواب لمن آمن ((وَمُنذِرِينَ)) بالعقاب لمن كفر. أرسلناهم ((لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ)) تقال ((بَعْدَ)) إرسال ((الرُّسُلِ)) إليهم {فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص:47]، فبعثناهم لقطع عذرهم. ((وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا)) في ملكه ((حَكِيمًا)) في صنعه. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: اعلم أنه تعالى لما حكى أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، وذكر تعالى بعده أنهم لا يسألون استرشاداً، وإنما هو سؤال تعنت وجدال. وبين عز وجل بعد ذلك أنواعاً من فضائح اليهود، أشار إلى رد شبهتهم، فاحتج عليهم بأنه صلى الله عليه وسلم ليس بدعاً من الرسل، بل سبقه من قبل أنبياء أوحى الله عز وجل إليهم، وأمره في الوحي كسائر الأنبياء الذين يوافقون على نبوتهم، ولم ينزل على كل واحد منهم كتاب بتمامه مثلما أنزل على موسى، فهم أرادوا أن ينزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم جملة واحدة. فيجابون هنا: بأن الوحي كما أتى لأنبيائكم الذين تؤمنون بهم، لم يأت لهم جملة واحدة كما أنزل على موسى، ومع ذلك أنتم تؤمنون بهم؛ كذلك الحال بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن نزول الكتاب جملة واحدة من شرط النبوة، فبان أن سؤالهم إنما هو محض التعنت؛ ولذلك قال تعالى: ((إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ)) إلى آخره. قيل: بدأ بنوح؛ لأنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الأحكام والحلال والحرام، وبدأ بذكر نوح ترهيباً لهم، وإشارة إلى أنه أول نبي عوقب قومه بإرساله الطوفان عليهم، فهذا ترهيب ضمني لهم أن ينزل الله عليهم العذاب كما أنزله على قوم نوح، وظاهر الآيات يدل على أن من قبل نوح لم يكن يوحى إليه كما أوحي إلى نبينا، وإن كان قد سبق نوح عليه السلام أنبياء، فلا يفهم من الآية أن هؤلاء الأنبياء لم يأتهم وحي أصلاً، وإلا لما كانوا أنبياء، وإنما أتاهم وحي ليس بنفس الكيفية التي أوحي بها إلى من بعد نوح عليه السلام. يقول تعالى: ((وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ)) يعني: في السور المكية، أو قصصنا عليك قصصهم. ((وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ)) يعني: لم نسمهم لك في القرآن. أحصى بعض المدققين أنبياء اليهود والنصارى ورسلهم فوجد عددهم لا يتجاوز الخمسين نبياً ورسولاً من بني إسرائيل. وروي في عدة الأنبياء أحاديث تكلم في أسانيدها، منها: حديث أبي ذر: (إن الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر)، وهذا صححه ابن حبان، وذكره ابن الجوزي في موضوعاته.
حقيقة تكليم الله لموسى عليه السلام
حقيقة تكليم الله لموسى عليه السلام قوله تعالى: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)) يعني: خاطبه مخاطبة من غير واسطة؛ لأن تأكيد الكلام بالمصدر يدل على تحقيق الكلام، ولا يمكن أن يوجد هنا احتمال مجاز بل هو كلام حقيقي بلا واسطة، وموسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى بلا شك؛ لأن أفعال المجاز لا تؤكد بالمصادر، هذا على القول بوجود المجاز في القرآن الكريم. فإذا أراد إنسان أن يتكلم بالمجاز فلا يؤكده بالمصدر أبداً؛ لأنه لا يستعمل التأكيد بالمصدر إلا في الحقيقة، وهذا فيه رد على من يقول: إن الله خلق كلاماً في محل فسمع موسى ذلك الكلام. وقال الفراء: العرب تسمي كل ما يوصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريق وصل؛ لكن لا تحققه بالمصدر، وإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام، فدل قوله تعالى: ((تكليماً)) على أن موسى قد سمع كلام الله حقيقة من غير واسطة. قال بعضهم: كما أن الله تعالى خص موسى عليه السلام بالتكليم وشرفه به، ولم يكن ذلك قادحاً في نبوة غيره من الأنبياء. يعني: كون موسى عليه السلام فضله الله بالكلام على غيره من الأنبياء، فهل يعد هذا قدحاً في بقية الأنبياء؟ لا، فالله سبحانه وتعالى يفضل بعض الرسل على بعض، منهم من كلم الله كموسى عليه السلام. قال: فكذلك إنزال التوراة على موسى عليه السلام جملة واحدة لا يكون قادحاً في نبوة غيره من الأنبياء. والسياق هنا في الرد على اليهود: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ} [النساء:153]، وقالوا: {لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان:32]، فكما أن موسى عليه السلام كلمه الله، ولم يكن تفضيله بالكلام قادحاً في نبوة غيره، كذلك لم يكن تخصيصه بإنزال التوراة جملة واحدة قادحاً في نبوة غيره من الأنبياء، وهذه الإشارة مأخوذة من قوله تعالى: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)).
بيان القراءات في قوله: (وكلم الله موسى تكليما)
بيان القراءات في قوله: (وكلم الله موسى تكليماً) القراءة المشهور في لفظ الجلالة في قوله: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)) بالرفع، وقرئ بنصبها قراءة شاذة، وهي القراءة التي أخذ بها أهل البدع وتمسكوا بها، يعني: (وكلم اللهَ موسى تكليماً) يعني: كأنهم يريدون أن ينفوا صفة الكلام عن الله، وأن الذي كلم الله هو موسى، وليس الله هو الذي كلم موسى عليه السلام. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: روى الحافظ أبو بكر بن مردويه: أن رجلاً جاء إلى أبي بكر بن عياش فقال: سمعت رجلاً يقرأ: (وكلم اللهَ موسى تكليما) أي: أن موسى هو الفاعل فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر! قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي على علي بن أبي طالب، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)). وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش رحمه الله على من قرأ كذلك؛ لأنه حرّف لفظ القرآن ومعناه، وكأنّ هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون الله كلم موسى عليه السلام، أو أن الله يكلم أحداً من خلقه، كما رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ: (وكلم اللهَ موسى تكليماً) فقال له: يا بن اللخناء كيف تصنع بقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف:143]؟ يعني: أن هذا لا يحتمل التحريف ولا التأويل. فهنا أزال المعنى المتشابه نتيجة هذه القراءة الشاذة برده إلى المحكم: ((وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)).
لا حجة للناس على الله بعد إرسال الرسل
لا حجة للناس على الله بعد إرسال الرسل يقول تعالى: ((رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)) أي: رسلاً يبشرون من آمن وأطاع بالجنة، وينذرون من خالف وعصى وكفر بالنار. ((لئلا يكون)) يعني: لكيلا يكون. ((للناس على الله حجة)) يعني: يوم القيامة لا يكون لهم عذر يعتذرون به قائلين: {رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} [القصص:47]؛ لأن الله لو لم يرسل الرسل لكان للناس عذر يوم القيامة ويقولون: ربنا أنت لم ترسل إلينا رسولاً، وما أنزلت علينا كتاباً، وما عرفنا ما الذي يرضيك وما الذي يغضبك، لو كنت أرسلت إلينا رسلاً، وبينت لنا شرائعك، وأمرتنا ونهيتنا، وعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك؛ لأن قدرتنا البشرية قاصرة عن إدراك جزئيات المصالح، كما في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ} [طه:134]، من قبل أن ينزل القرآن: {لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه:134]، فلذلك الله سبحانه وتعالى قال: قد أرسلت إليكم رسولاً وأنزلت عليه الكتاب، وبلغكم الحق، فقد قامت عليكم الحجة، ولم يبق عذر لمعتذر، وإنما سميت حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه وتعالى في فعل من أفعاله اعتراض؛ لأنه يفعل ما يشاء كما يشاء، ثم إن هناك حجة للتنبيه على أن المعذرة في القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ورحمته لعباده، بمنزلة الحجة القاطعة التي لا مرد لها؛ ولذلك قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15]، فالله سبحانه وتعالى تكفل أنه لا يعذب أحداً، لا أمماً ولا أفراداً حتى تبلغه حجة الرسل والأنبياء. وعن عبد الله بن مسعود كما في مسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، وليس شيء أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل) والحديث أخرجه أيضاً البخاري. قوله تعالى: ((لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)) أي: بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب، تكون قد قامت الحجة على العباد: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29]. وفي الآية دليل على أن الله تعالى لا يعذب الخلق قبل مبعث الرسل، كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15]، رغم أن الله سبحانه وتعالى فطر العباد على التوحيد، وأعطاهم العهود وبث لهم الآيات في الكون وفي أنفسهم، وأخذ عليهم الميثاق، ومع ذلك تكفل رحمة منه بالعباد أنه لا يعذب أحداً رغم كل هذا حتى تبلغه الحجة الرسالية، فإذا بلغه وسمع عن الحق وعن دين الحق، صار مسئولاً عنه أمام الله سبحانه وتعالى، ولا يعذر الكافر بجهله؛ لأن آيات الحق وأدلة الحق واضحة بينة، وما عليه إلا أن يعمل عقله في البحث عنها. ((وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا)) أي: في انتقامه ممن خالف أمره وعصى رسله، ((حَكِيمًا)) في بعث الرسل للبشارة والنذارة.
تفسير قوله تعالى: لكن الله يشهد بما أنزل إليك
تفسير قوله تعالى: لكن الله يشهد بما أنزل إليك قال تبارك وتعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء:166]. سئل اليهود عن نبوته فأنكروه، فالله سبحانه يقول: إن كانوا هم أنكروا نبوتك ولم يشهدوا بها، لكن الله يشهد. يقول السيوطي: قوله: ((لكن الله يشهد)) يبين نبوتك، (بما أنزل إليك) من القرآن المعجز ((أنزله)) متلبساً ((بعلمه)) أي: عالماً به، أو وفيه علمه. ((والملائكة يشهدون)) أي: يشهدون لك أيضاً، ((وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)) أي: على ذلك. يقول القاسمي: ولما تضمن قوله تعالى: ((إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)) إثبات نبوته، والاحتجاج على تعلقهم عليه بسؤال كتاب منزل عليهم من السماء، كأنه قيل: إنهم لا يشهدون لأجل ذلك. يعني: أثبت الله نبوة محمد والأنبياء الآخرين: ((إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)) إلى آخر الآية، ثم أخبر عز وجل أنه هو الذي أوحى إليك، فإذا كانوا هم لا يشهدون بنبوتك؛ فإن الله يشهد لك بالنبوة، قال عز وجل: ((لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ)) أي: من القرآن المعجز، الذي ينطق بنبوتك. قال الزمخشري: معنى شهادة الله بما أنزل إليك، أي: إثباته لصحته بإظهار المعجزات، كما تثبت الدعاوى بالبينات، إذ الحكيم لا يؤيد الكاذب بالمعجزة؛ لأن الآية جاء في نهايتها: ((وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا))، فالحكيم لا يؤيد الذي يدعي كذباً أنه رسول بالمعجزات، أما وقد أيدك الله بالمعجزات، فإنه يشهد لك بذلك؛ لأنك صادق ولست من الكاذبين. ((لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ)) أي: وهو عالم به رقيب عليه. ((وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ)) أي: والملائكة يشهدون أيضاً بذلك. ((وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)) أي: يكفي أن الله شهد على صحة نبوته وإن لم يشهد غيره. في الآية تزكية للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني: لا تبال حتى لو لم يؤيدك في نبوتك كل الخلق، يكفي الله سبحانه وتعالى شاهداً، فهذا فيه تسلية وعزاء للنبي صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وكان ذلك على الله يسيرا)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وكان ذلك على الله يسيراً) {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء:167 - 169]. قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: بالله. ((وصدوا عن سبيل الله)) أي: عن دين الإسلام، حينما كتموا نعت محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود. {قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا} [النساء:167] أي: عن الحق. ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: بالله. ((وَظَلَمُوا)) أي: نبيه بكتمان نعته. ((لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا)) من الطرق. ((إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ)) أي: الطريق الذي يؤدي إلى جهنم. ((خَالِدِينَ فِيهَا أبداً)) أي: مقدرين الخلود فيها إذا دخلوها. ((وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)) أي: هيناً.
تفسير القاسمي لقوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا وكان ذلك على الله يسيرا)
تفسير القاسمي لقوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا وكان ذلك على الله يسيراً) يقول القاسمي: قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: كفروا بما شهد الله بإنزاله، مع اطلاعهم على إعجازه. ((وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: صدوا ونفروا الناس عن دين الإسلام. ((قَدْ ضَلُّوا)) أي: بما فعلوا. ((ضَلالًا بَعِيدًا)) أي: أنهم جمعوا بين الضلال والإضلال، فكفروا في أنفسهم، وصدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام. ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا)) أي: ظلموا الخلائق بإضلالهم. ((لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا)) لعدم استعدادهم للهداية إلى الحق والأعمال الصالحة التي هي طريق الجنة. ((إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ)) أي: الطريق المؤدي إلى جهنم جراء اكتسابهم الأعمال السيئة. ((خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)) أي: هيناً لا يعسر عليه ولا يستعظمه.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق) لما قرر الله أمر النبوة، وبين الطريق الموصلة إلى العلم بها، وبعد من أنكرها، خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة والوعيد إن ردوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء:170]. قوله: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ)) أي: بالهدى ودين الحق، والبيان الشافي الذي يجب قبوله. ((فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ)) أي: آمنوا إيماناً خيراً لكم، أو ائتوا أمراً خيراً لكم من تقليد المعاندين. ((وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) أي: فهو قادر على تعذيبكم؛ لعظم ملكوته، فإن ملكه العظيم ينبئ عن عظيم قدرته، أو أن ملكه العظيم يدل على أنه غني عنكم ولا يضره كفركم كما لا ينفعه إيمانكم، كما قال عز وجل: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم:8]، وفي الحديث القدسي: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني). ((وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)) أي: في صنعه.
تفسير قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) لما أجاب تبارك وتعالى عن شبهات اليهود وألزمهم الحجة، جرد الخطاب للنصارى زجراً لهم عما هم عليه من الكفر والخذلان؛ لأن من مقاصد القرآن الكريم كما قال عز وجل: {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [الكهف:4]. إذاً: أحد المقاصد الأساسية من البعثة المحمدية هو إنذار كل من زعموا لله ولداً، وهذه لا تشمل النصارى فقط، لكنها تشمل المشركين الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، وتشمل اليهود الذين قالوا: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة:30] وتشمل النصارى الذين قالوا: {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة:30] تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. وتجريد الخطاب للنصارى ليبين ضلالهم ويحذرهم، قال سبحانه وتعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء:171].
حقيقة الغلو عند النصارى وغيرهم وآثاره
حقيقة الغلو عند النصارى وغيرهم وآثاره قوله: ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ)) أي: بالإشراك في رفع شأن عيسى عليه السلام، وادعاء ألوهيته؛ فإنه تجاوز فوق المنزلة التي أوتيها وهي العبودية والرسالة، فهنا نهي عن الغلو في الدين، والغلو في العقيدة، كما فعل أهل الكتاب أو النصارى لعنهم الله. فالغلو: هو مجاوزة الحد بالإسراف، فإن وصف عيسى بالألوهية رفع له فوق منزلته التي هي العبودية لله سبحانه وتعالى والرسالة. فيستفاد من الآية: حرمة الغلو في الدين، وهذه الآية فيها دليل من أدلة تحريم التطرف الذي هو الأخذ بطرفي الأمور؛ إما أقصى اليمين، وإما أقصى اليسار، بالإفراط أو التفريط، وسبق أن ذكرنا أن التطرف يستلزم وجود وسط وطرفين، والمذموم هو طرفا الأمور كما قيل: كلا طرفي قصد الأمور ذميم. أي: كلاهما مذموم. والعدل الذي يحبه الله هو الوسط، وهو هذا الدين وهذه الأمة، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143]، فهي الأمة الوسطية، فالوسطية نعرفها بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ونعرفها بالقرآن والسنة، فما يوافق الإسلام ويوافق الوحي فهو الوسط، وأي نوع من الانحراف عن هذه الوسطية يميناً أو يساراً فهذا هو التطرف، فعلى هذا الأساس نقول: كل كافر سواء كان يهودياً أو نصرانياً فهو متطرف، وأي واحد يعتقد بعقيدة غير عقيدة الإسلام فهو متطرف، كما نرى أن تطرف اليهود بالجفاء وبسب الأنبياء، وبوصف الله سبحانه وتعالى بما لا يليق به، فهذا هو أقبح التطرف، أو تطرف النصارى بما زعموه من أن الله ثالث ثلاثة، وأن الله هو المسيح بن مريم إلخ. إذاً: فكل من لا يدين بدين الإسلام فهو متطرف، ثم إن في داخل دائرة الإسلام نفسه هناك فرق وهناك تفرق بين المسلمين، فكل من ليس من أهل السنة والجماعة فهو متطرف أيضاً، فالمتطرف داخل دائرة الإسلام هو كل من حاد عن منهج أهل السنة والجماعة؛ كالخوارج، والمعتزلة، والقدرية وكل هذه الفرق الضالة. فالقوم الآن أتوا إلى جانب التفريط الذي عليه المجتمع من الانحراف عن الإسلام وتضييع حدود الله وجعلوه هو الوسطية وهو خير الأمور عندهم، ثم لما جعلوا ما هم عليه وسطاً صار الإسلام واقعاً في الطرف؛ فلذلك هم يطلقون على الإسلام نفسه وصف التطرف، وأصبح العالم كله الآن يصف الإسلام بالتطرف والتشدد إلى آخر هذه القائمة، وكانوا من قبل يناورون ويموهون على الناس، أما الآن صار كلاماً صريحاً حتى من الملاحدة في بلادنا هنا. لقد اتفق الجميع الآن على أن كلمة التطرف أو الإرهاب المقصود بها الإسلام بلا أدنى مواربة أو تمويه، فهذا من ضلالهم المبين، وهم المتطرفون حقيقة؛ لأن ما هم عليه انحراف، وكل من ينحرف عن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم هو المتطرف، فالذي يحلق لحيته ويعصي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم هو المتطرف، وليس الذي يعفيها طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك الذي يضيع الصلاة هو المتطرف، وليس الذي يصلي، والذي يصافح النساء الأجنبيات هو المتطرف؛ لأنه انحرف وتطرف عن الوسطية التي هي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمرأة المتبرجة هي المتطرفة؛ لأنها انحرفت عن الوسطية التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب أن يكون عندنا اعتقاد راسخ بأن هذا هو الوزن الصحيح للأمور، وأن ما جاء به الإسلام هو الوسطية، وأن أي انحراف عنه فهذا هو الذي يستحق وصفه بالتطرف. والآية هنا تحرم أقبح صور التطرف والتي وقع فيها النصارى لعنهم الله، وفي الصحيح عن عمر رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله). قوله: (لا تطروني) إما أن يكون الإطراء هو المدح، وإما أن يكون الإطراء هو المبالغة في المدح. فإذا قلنا: إن الإطراء بمعنى المدح فهو يعني: لا تمدحوني، فإني مستغن عن مدحكم، فقد مدحني الله سبحانه وتعالى بما لا مزيد عليه، وذلك بقوله عز وجل: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، وغير ذلك من الممادح العظيمة التي شرفه الله بها، فهل يحتاج بعد ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أن ننشئ له المدائح والقصائد والمحامد بعد أن مدحه الله بهذه المحامد، فإما أنه نهي عن المدح، أو أنه نهي عن الغلو في المديح الذي يؤدي إلى ما وقع فيه النصارى قبحهم الله، وقد ضل بعض الشعراء في هذا الباب، فنظم بيتاً يقول فيه: دع ما ادعته النصارى في نبيهم وانطق بما شئت مدحاً فيه واحتكم فهذا الشاعر فهم الحديث فهماً خاطئاً وقال: إن الحديث ينهى فقط عن أن نقول: محمد ابن الله، كما قالت النصارى: المسيح ابن الله. يعني: هذا الشاعر خصص النهي هنا بزعم أنه ابن الله، لكن قولوا بعد ذلك ما شئتم فيه. وهذا قول البوصيري في البردة المعروفة، فهو يقول: دع ما ادعته النصارى في نبيهم. يعني: أهم شيء ألا تقول: إن محمداً ابن الله كما قالت النصارى: المسيح ابن الله. يقول: دع ما ادعته النصارى في نبيهم وانطق بما شئت مدحاً فيه واحتكم فهو هنا فتح الباب على مصراعيه، وهو كان أول من خاض بالباطل في هذا الضلال، فكان بعد ذلك يقول مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم بناء على هذه القاعدة أو هذا الفهم الخاطئ للحديث. الشاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم هنا ينهى المسلمين عن المبالغة في مدحه؛ كي لا يصبح بعد ذلك ذريعة إلى الغلو في الدين، وتحريفه بالتالي كما فعل النصارى مع المسيح عليه السلام. قوله: (إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) يعني: أن العبودية في حق الأنبياء من أعظم ما يمدح به الأنبياء، ومن تواضع لله رفعه، فالمبالغة في العبودية والتذلل يكون مقابله أن الله سبحانه وتعالى يرفعه في أعلى المقامات؛ ولذلك مدح الله سبحانه وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم في أشرف المواطن بصفة العبودية؛ لأن هذا هو أعظم ما يمدح به. وهذا الشاعر يقول في محبوبته: لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي أي: فلا تدعني إلا يا عبد فلانة، ولذلك قال الرجل الصالح رداً عليه: لا تدعني إلا بيا عبده فإنه أشرف أسمائي فأشرف الأوصاف أن تكون عبداً لله؛ ولذلك مدح الله نبيه بالعبودية في أشرف المقامات، كما في قوله تبارك وتعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة:23] في مقام التحدي، وقال أيضاً: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء:1]، وأيضاً قال تبارك وتعالى في سورة الجن: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن:19] في مقام الدعوة، وغير ذلك من مقامات التشريف. فالنبي صلى الله عليه وسلم يشرفه الله بالعبودية، وهو يتبرأ ممن يغالي في مدحه، كأن يقول: إنه أول خلق الله، أو نور عرش الله، إلى غير ذلكم مما يزعمه الصوفية، ويزعمون بذلك أنهم يمدحون الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الأشياء. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه (أن رجلاً قال: يا محمد! يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس! عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان فإنما أنا عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل). قوله تعالى: ((وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)) يعني: لا تصفوه بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد، بل نزهوه عن جميع ذلك. ((إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)) تأمل أن الله سبحانه وتعالى يصف المسيح بأنه ابن مريم، وليس ابن الله، فهو من البداية يبين لهم غلوهم، ولذلك يكثر في القرآن وصف المسيح باسمه كاملاً. ((إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)) يعني: إشارة إلى أنه ليس ابن الله، ولكنه ابن مريم عليها السلام، فهذه صفة له تفيد بطلان ما وصفوه به من كونه ابناً لله تعالى. قوله: ((رسول الله)) هذا هو خبر المبتدأ، يعني: المسيح رسول الله، فهو مقصور على مقام الرسالة لا يتخطاها. و (إنما) تفيد الحصر، فهو محصور في هذه الصفة لا يتجاوزها إلى ما يزعمون من الألوهية. ((وكلمته)) أي: عيسى عليه السلام المسيح كلمة الله؛ لأنه مكون بكلمته وأمره الذي هو (كن) من غير واسطة أب ولا نطفة، ولا شك أن كل المخلوقات إنما تخلق بكلمة (كن) سواء بواسطة أو بغير واسطة، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82] لكن خص المسيح عليه السلام هنا لما كان في خلقه من المعجزة ومن الآيات البينات على قدرة الله سبحانه وتعالى. ((وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ)) أي: أوصلها إليها بنفخ جبريل عليه السلام. ((وَرُوحٌ مِنْهُ)) يعني: روح خلقها الله سبحانه وتعالى. و (من) هنا لابتداء الغاية حيث تقول: أكلت السمكة من رأسها إلى ذيلها، وهي كقوله تبارك وتعالى: ((وروح منه)) أي: بتخليقه وتكوينه كسائر الأرواح المخلوقة، وإنما أضافه إلى نفسه على سبيل التشريف والتكريم؛ لأننا جميعاً أيضاً خلقنا من روح الله، بمعنى: أن أرواحنا مخلوقة لله، لا أنها جزء من الله؛ ولذلك يرد على ضلال النصارى الذين يتفلسفون ويستدلون بآيات القرآن لتأييد باطلهم، يرد عليهم بقوله تبارك وتعالى: {وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة:7] ثم قال: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة:9] يعني: من روح الله، فالإضافة هنا معناها: من الروح التي خلقها الله، وليس أنها جزء من الله والعياذ بالله. قوله: ((وروح منه)) هنا لابتداء الغاية وليس للتبعيض -والعياذ بالله- الذي هو قول النصارى، حيث يزعمون أنها جزء من الله والعياذ بالله، لكن المقصود بقوله: ((وروح منه)) يعني: روح خلقها الله سبحانه وتع
عقيدة التثليث عند النصارى وبيان بطلانها
عقيدة التثليث عند النصارى وبيان بطلانها قوله: ((وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ)) أي: ولا تقولوا: إن الآلهة ثلاثة: الله، والمسيح، ومريم، كما ينبئ عنه قوله تعالى: {أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة:116]؟ وقد ذكر السيد: عبد الله الهندي في مناظرته مع قسيس الهند، حكايةً عن مناظره، بأنه حكى -يعني: هذا القسيس في القصة المعروفة في الهند- أن فرقة من النصارى كانت تقول: الآلهة ثلاثة: الأب والابن ومريم، قال: ولعل هذا الأمر مكتوب في نسخهم؛ لأن القرآن كذبهم، وبصورة أخرى أذكر أن كبير النصارى ومقدمهم (شنودة) كان من سنوات طويلة يظهرونه على أنه نجم من نجوم المجتمع، كان يتكلم وهو يعرف أن عقيدته حافلة بالعورات، بل كلها عورات، والأولى له أن يستر على نفسه ويسكت عن نشر الباطل الذي هو عليه، لكنه يموه ويحاول أن يخدع المسلمين، ولا يستطيع خداع المسلمين إلا بالتمويه بأن يظهر أنه مثل المسلمين، وهو يحس ويشعر بهذه العقدة، أن عقيدته عقيدة التثليث لا يمكن أن تنظف وتطهر ولو غسلت بماء البحار، وتراه يعرض في كلامه ولا يريد أن يهاجمنا بطريقة مباشرة، ونشر له هذا الكلام في مجلة الهلال. فكان يقول في هذه المجلة: البعض يقولون: إننا نقول إن مريم ثالث ثلاثة. يعني: أن الآلهة هي: الأب والابن ومريم! من قال هذا؟ هذا غير صحيح، ونحن لا نقول هذا. فإذا كنت أنت وسائر النصارى لم تستطيعوا ضبط أصل أصول دينكم وألحدتم فيه هذا الإلحاد، وزعمتم أن (1 + 1 + 1=1) مريم هي عليها السلام أم الله؟!. فهو يحاول أن ينكر ذلك، لكن ما دام أن الله قد حكاه عنهم، فهو قطعاً قد حصل، فإما أن هذا الرجل يكذب، وإما أنه جاهل بتاريخ فرقهم وما أكثرها. وهذا الشيخ أبو محمد عبد الله الترجمان والذي سبق أن تكلمنا في قصة إسلامه من قبل، فقد كان أكبر علماء النصارى في أوائل القرن التاسع الهجري، ودخل في الإسلام وله قصة جميلة، وله كتاب مشهور اسمه: (تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب) حتى إن هذا الرجل اشتهر في بلاد المغرب باسم: سيدي تحفة، نسبة إلى كتابه (تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب) من كثرة ما اشتهر بهذا الكتاب، فيقول في قصته التي ذكرها في التحفة: وبعضهم يقول: الثلاثة هم الله تعالى، وعيسى بن مريم والروح. ولا يشك ذو عقل سليم أن كل من أوتي مسكة من العقل يجب عليه أن يرغب بنفسه عن اعتقاد هذا الإفك الغثيث البارد السخيف الرذيل الفاسد الذي تتنزه عنه عقول الصبيان، ويضحك منه ذوو الأفهام والأذهان. يقول: فالحمد لله الذي أخرجني من زمرتهم، وعافاني من بليتهم. ثم يقول: هناك فرقة تسمى: البربرانية، التي كانت تذهب إلى القول بألوهية المسيح وأمه معاً. ويقرر ابن البطريق مذهب هذه الفرقة فيقول: ومنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلهان من دون الله، وهم البربرانية ولعل هؤلاء هم الذين يشير إليهم القرآن الكريم فيما يخاطب الله به تعالى عيسى بن مريم عليه السلام إذ يقول: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [المائدة:116]، وإذ يرد عليهم في قوله: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ} [المائدة:75] هذا السياق يفيد أنهم يزعمون أن عيسى وأمه إلهان؛ لأن الرد هنا على هذه الفرقة التي تزعم ذلك، ولذلك قال: ((كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ))، يعني: أن الذي يحتاج إلى أكل الطعام يحتاج أيضاً إلى الإخراج، ومن الذي خلق الطعام؟ إنه الله، فهل الخالق يحتاج إلى مخلوق؟ هل الخالق يحتاج إلى طعام وشراب وإلى قضاء حاجة والعياذ بالله؟!! {انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المائدة:75]. والذين يحاولون أن يتبرءوا من أنهم يعبدون مريم عليها السلام، يتخذون أصناماً لـ مريم عليها السلام ويتمسحون بها، ويتوجهون إليها بالدعاء والبكاء، ويسجدون أمامها في الكنيسة حيث يوجد تمثال مريم عليها السلام، فهذا في الحقيقة معروف عنهم ومتواتر، فنقول لهم: لم تتبرءون من شيء واضح مثل الشمس؟ أليس عبادة المرء ودعاؤه وبكاؤه أمام صنم، أو أمام تمثال لـ مريم عليها السلام أليس هذا من اتخاذ آلهة من دون الله؟! وهذا من الأشياء الأساسية في ملتهم، فإذا ألغينا من النصرانية التماثيل والصور وهذه الأشياء لما بقي فيها شيء كثير، فكل عمدة دينهم هو هذه الصور والتماثيل. قوله: ((وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ)) يعني: أن الثلاثة هم: الله، والمسيح، ومريم، أو لا تقولوا: ثلاثة أقانيم فتكون الآية ترد على الفرق الأخرى الموجودة كالكاثوليك أو الأرثوذكس وغيرهم. فقوله: ((لا تقولوا ثلاثة)) أي: ثلاثة أقانيم والتي هي: الأب والابن وروح القدس. وقد ذكر القاسمي رحمه الله تعالى عن بعض كتبهم النصرانية مباشرة عبارات ما نطيق أن نحكيها في الحقيقة؛ لأن فيها شركاً صراحاً، وفيها وصفاً للثلاثة الأقانيم، بأن كل أقنوم له خصائص وله ذاته المختصة بصفات معينة عندهم، والمتميزة بها، ولكنها كلها شيء واحد والعياذ بالله. يقول حكاية عنهم: ولا نقدر أن نفهم جيداً هذه الحقائق؛ لأنها أسرار فائقة العقل والإدراك البشري. فهم يعترفون أنهم ثلاثة وفي نفس الوقت يتناقضون، ومع هذا التناقض يقولون: نحن لا نستطيع أن نفسر هذا، ما أعسرها من عقيدة! ولذلك لما اتخذ بعض المسلمين حاسباً نصرانياً وبلغ ذلك الخليفة، كتب إليه الخليفة أو غيره قائلاً: كيف تأمن على الحساب من لا يتقن الحساب، واحد يقول إن: (1+1+1=1)!. يعني: كيف توظفه محاسباً عندك وهو ما يعرف أن يجمع (1+1+1) يقول: إنها تساوي (1) هل هذا يصلح أن يكون حاسباً!. فهم يقولون: الأقانيم موجودة، لكنها ثلاثة وهي واحد، ومادام أنها موجودة فهي متميزة، يعني: أن كل إله مستقل بذاته. يقول في كتاب الصلاة الرائج في إنجلترا: أيها الثلاثة المقدسون والمباركون والعالون منزلةً -يعني: هذا في كتابهم يخاطبهم بأنهم والعياذ بالله ثلاثة- كذلك مريم يعبرون عنها بأنها أم الله أو أنها زوجة الله، ويسجدون لها ولصورتها السجود الذي لا يجوز إلا لله، نسأله سبحانه وتعالى الحفظ من الضلالات، ونعوذ به من الخذلان وتسويلات الشيطان. والكتب في الرد على ضلال النصارى خاصة في مسألة التثليث كثيرة جداً، فلا نطيل الكلام في ذلك. والاختلافات في النصارى كثيرة جداً، حتى قيل: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا عن أحد عشر قولاً. يعني: لو اجتمع عشرة من النصارى وتناظروا واختلفوا فإنهم سيأتون بمذهب جديد، ثم ذكر كلاماً كثيراً طويلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته (الرسالة القبرصية). يقول الماوردي في أعلام النبوة: فأما النصارى فقد كانوا قبل أن يتنصر قسطنطين -يعني: قبل دخول قسطنطين في النصرانية كان دينهم صحيحاً في توحيد الله تعالى ونبوة عيسى عليه السلام- ثم اختلفوا في عيسى بعدما تنصر قسطنطين، وهو أول من تنصر من ملوك الروم؛ لأن الروم كانوا صابئة، ثم قهرهم على التنصر قسطنطين لما ملكهم، فقال أوائل النسطورية: إن عيسى هو الله، وقال أوائل اليعقوبية: إنه ابن الله، وقال أوائل الملكانية: إن الآلهة ثلاثة أحدهم عيسى، ثم عدل أواخرهم عن التصريح بهذا القول المستنكر حين استنكرته النفوس ودفعته العقول. في الأخير لما وجدوا أن كلمة (ثلاثة) صراحة منفرة، اخترعوا بعد ذلك بقرون أن الله جوهر واحد، لكنه ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الروح القدس، وأنها واحدة في الجوهرية. واختلفوا في الأقانيم فقال بعضهم: هي خواص، وبعضهم قال: هي أشخاص، وبعضهم قال: هي صفات، وقالوا: إن الكلمة اتحدت بعيسى، واختلفوا في الاتحاد، وليس لهذه المذاهب شبهة تقبلها العقول، وفسادها ظاهر، فمن ثم قال تبارك وتعالى: ((انتهوا خيراً لكم)) أي: انتهوا عن التثليث خيراً لكم، أو اقصدوا خيراً من التثليث وهو التوحيد. قوله: ((إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ)) يعني: واحد بذاته لا تعدد فيه بوجه ما. ((سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ)) تنزيه لمقامه جل شأنه عما زعموه من بنوة عيسى حيث قالوا: إنه الله أو ابن الله. وقد كثر إطلاق اسم الأب على الله تعالى واسم الابن على العبد الصالح في الكتب السابقة، قال: فهو إما من الخلط في الترجمة وإما مؤول بهذه التأويلات، فكانوا يعبرون عن الإله بأنه أبوهم، ولذلك قال المسيح لليهود: لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني. وكونهم يطلقون اسم الأب على الله تعالى واسم الابن على العبد الصالح هذا من المجاز، ولذلك كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، لكن في الملة المحمدية الشريفة منع استعمال هذا الإطلاق وحسم الأمر؛ تحرزاً من الإيهام والوقوع في شرك الأوهام، وهذا هو طريق الرشد، فلا يجوز أن يطلق على الله الأب أو على العباد الصالحين أنهم أبناء الله؛ لكن هذا كان يستعمل في لغتهم إما مجازاً بالمعنى الذي ذكرنا، وإما أنه من ضلالهم وتخبطهم في الترجمة. ((إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ)) يعني: هذا تعليل لتنزيه الله سبحانه وتعالى عن أن يكون له ولد، أو يكون ثالث ثلاثة. ((لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) يعني: كل ما في السماوات وما في الأرض هو مخلوق من مخلوقات الله، وهو ملك لله سبحانه وتعالى، فكيف يكون بعض ملكه جزءاً منه، فالمسيح عليه السلام عبد لله وملك لله، ومخلوق من مخلوقات الله، فكي
تفسير قوله تعالى: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله)
تفسير قوله تعالى: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله) قال تبارك وتعالى: {لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} [النساء:172]. قوله: ((لَنْ يَسْتَنكِفَ)) هذه جملة مستأنفة لتقرير ما سبق من التنبيه، يعني: لن يأنف المسيح من أن يكون عبداً لله؛ لأن عبوديته لله شرف يتباهى به، فالمسيح يتباهى ويفخر بأنه عبد لله، وهذه صفة تشرفه؛ ولذلك المسيح لا يستنكف أن يكون عبداً لله تبارك وتعالى. ((وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)) أيضاً: الملائكة لا يستنكفون من أن يكونوا عبيداً له تبارك وتعالى، وهذا من أحسن الاستطراد؛ لأن السياق أساساً في مخاطبة النصارى، لكن استطرد هنا فقال: ((وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)) فهو من أحسن الاستطراد؛ لأنه ذُكر للرد على من زعم أن الملائكة آلهة، أو على من زعم أن الملائكة بنات الله، كما رد بما قبله على النصارى. فالخطاب أساساً جاء لإبطال كلام النصارى؛ لكن في السياق أدخل أيضاً الرد على من ألحدوا أيضاً في شأن الملائكة: ((لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)). وقد احتج بهذه الآية من زعم فضل الملائكة على الأنبياء؛ لأن الآية سياقها بمعنى لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله، ولا من هم أعلى منه قدراً وأعظم منه خطراً وهم الملائكة الكروبيون الذين هم حول العرش كجبريل وإسرافيل وميكائيل ومن في طبقتهم. ((وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ)) أي: من يأنف منها ويمتنع. ((وَيَسْتَكْبِرْ)) يعني: يتعظم عنها ويترفع. ((فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا)) يعني: سيجمعهم يوم القيامة لموعدهم الذي وعدهم، ويفصل بينهم بحكمه العدل.
تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم)
تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم) قال تبارك وتعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} [النساء:173]. قوله: ((فأما الذين آمنوا)) فلم يستكبروا عن عبوديته. ((وعملوا الصالحات)) يعني: فلم يستنكفوا عن عبادته. ((فيوفيهم أجورهم)) يعني: ثواب أعمالهم من غير أن ينقص منها شيئاً. ((ويزيدهم)) يعني: على أجورهم شيئاً عظيماً. ((من فضله)) بتضعيفها أضعافاً مضاعفة مبالغة في إعزازهم. ((وأما الذين استنكفوا واستكبروا)) يعني: استكبروا عن عبادة الله عز وجل أو توحيده. ((فيعذبهم عذاباً أليماً)) هو عذاب النار. ((ولا يجدون لهم من دون الله ولياً)) أي: يواليهم ويعزهم. ((ولا نصيراً)) أي: ينصرهم ويدفع عنهم العذاب.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم) قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء:174]. لما بين تعالى بطلان ما عليه الكفرة على طبقاتهم من فنون الكفر والضلال عمم الخطاب ودعا جميع الناس إلى الاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم برهاناً؛ لما أوتيه من البراهين القاطعة التي شهدت بصدقه، ففيه تنبيه لهم على أن الحجة قد تمت ببعثته، فلم يبق بعد ذلك علة لمتعلل ولا عذر لمعتذر. قال أبو السعود: التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار اللطف بهم. يعني: قوله: ((من ربكم)) أي: الذي رباكم وأنشأكم وخلقكم ورزقكم وتلطف بكم، ومن لطفه أن أرسل إليكم الرسل. ثم قال أبو السعود: والإيذان بأن مجيئه إليهم لتربيتهم وتكميلهم. أي: كما رباكم الله وأنشأكم وفطركم ورزقكم وغذاكم، وكذلك أرسل رسوله إليكم؛ ليكمل تربيتكم وتنشئتكم وهدايتكم. ((وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً)) أي: ضياء واضحاً يهتدى به من ظلمات الضلال وهو القرآن.
تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به)
تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به) قال تبارك وتعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء:175] أي: عصموا به أنفسهم مما يرديها من زيغ الشيطان. ((فسيدخلهم في رحمة منه)) أي: الجنة. ((وفضل)) يعني: يتفضل به عليهم بعد إدخالهم الجنة، فإنهم بعد أن يدخلهم الجنة يتفضل عليهم بأن ينظروا إلى وجهه الكريم وغير ذلك من مواهبه الجليلة. ((ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً)) يعني: فيخلفهم بتمسكهم بالبرهان والنور المبين الطريق الواضح الفصل وهو الإسلام. وتقديم ذكر الوعد بإدخال الجنة على الوعد بالهداية إليها على خلاف الترتيب في الوجود بين الموعودين؛ للمسارعة إلى التبشير بما هو المقصد الأصلي. يعني: أن الله سبحانه وتعالى بدأ أولاً بذكر الجنة: ((فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ)) ثم قال بعد ذلك: ((وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا))، مع أن الهداية تكون أولاً ثم تكون بعد ذلك الغاية وهي الجنة، والمقصود بهذا الخلاف في الترتيب هو المسارعة إلى التبشير بالمقصد الأصلي وهو الفوز بالجنة.
تفسير قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة)
تفسير قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) ختم تبارك وتعالى هذه السورة الكريم بهذه الآية الكريمة وهي قوله تبارك وتعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء:176]. قوله: ((يَسْتَفْتُونَكَ)) يعني: الناس يستفتونك في ميراث الكلالة، واستغنى عن ذكره لوروده في قوله سبحانه وتعالى بعد: ((قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ)) وقد مر تفسيرها في مطلع السورة الكريمة. والكلالة: هو الذي لا ولد له ولا والد. والمستفتي هو: جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، فقد روى الشيخان وغيرهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم وأنا مريض فتوضأ وصب عليّ -يعني: ماء وضوئه عليه الصلاة والسلام- أو قال: صبوا عليه فعقلت -يعني: أفقت- فقلت: لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فنزلت آية). ((إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ)) يعني: مات، وهذا هو الوضع اللغوي أن كلمة (هلك) تساوي كلمة (مات). يقول القاسمي: واختصاص الهلاك بميتة السوء عرف طارئ لا يعتد به. يعني: طرأ بعد ذلك في اللغة أن كلمة (هلك) تختص بميتة السوء، فحين تقول: فلان هلك، فتقصد به ذمه، أي: أن ميتته كانت ميتة سوء؛ لكن هذا عرف طارئ مخالف للأصل اللغوي، وأصل اللغة أن الهلاك يساوي الموت؛ ولذلك قال تعالى في القرآن الكريم على لسان المؤمن: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا} [غافر:34]. فقوله: ((حتى إذا هلك)) يعني: مات يوسف عليه السلام فهذا على أصل اللغة. أما ما طرأ من اختصاص الهلاك بميتة السوء فهو عرف طارئ لا يعتد به، بدليل ما لا يحصى من الآي والحديث، كما في هذه الآية: ((إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ))، ولطروء هذا العرف قال الشهاب في شرح الشفاء: إنه يمنع إطلاقه في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. يعني: في غير القرآن الكريم وفي غير السنة يمنع لفظ الهلكة على الأنبياء بمعنى الموت؛ تحرجاً من هذا العرف الطارئ. يقول: إنه يمنع إطلاقه في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يعتد بأصل اللغة القديمة، كما لا يخفى عمن له مساس بالقواعد الشرعية، والله تعالى أعلم. قوله: ((إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)) يعني: لها نصف ما ترك الميت من المال. قال ابن كثير: تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد. يعني: يكفي الاستحقاق بوصف الكلالة أن ينتفي الولد دون الوالد؛ لأنه هنا في الآية قال: ((إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ)) ولم يقل: وليس له والد؛ فدل على أن الكلالة لا يشترط فيها ألا يكون له والد. والآية هنا لم تصرح بانتفاء الوالد بحيث لم تأت بلفظ: (وليس له ولد ولا والد) لكن كلمة ((وله أخت)) تدل على عدم وجود الوالد؛ لأن الوالد إذا وجد فإنه يحجب الأخت فلا ترث. إذاً: الكلام الذي قلناه سابقاً غير صحيح. يقول ابن كثير: تمسك به -يعني: بقوله: ((ليس له ولد وله أخت)) - من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد، وهو رواية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ورواه ابن جرير عنه بإسناد صحيح. ولكن الذي يرجع إليه قول الجمهور، وهو الذي قضى به الصديق رضي الله تعالى عنه: (أنه الذي لا ولد له ولا والد)، ويدل على ذلك قوله: ((يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)). لأنه لو كان معها أبٌ لم ترث شيئاً؛ لأنه يحجبها بالإجماع، فدلّ على أنه من لا ولد له بنص القرآن، ولا والد بالنص أيضاً عند التأمل، فإن كلمة: ((وله أخت)) معناها: أن أباه ليس موجوداً؛ لأن الوالد إذا كان موجوداً فإنه يحجب الأخت، فكون الأخت سترث فهذا يقوم مقام وليس له والد. والأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد، بل ليس لها ميراث بالكلية. وروى الإمام أحمد عن زيد بن ثابت: (أنه سئل عن زوج وأخت لأب وأم فأعطى الزوج النصف والأخت النصف، فكلم في ذلك فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بذلك). ونقل ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان في الميت: (إذا ترك بنتاً وأختاً أنه لا شيء للأخت، لقوله: ((إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)) لأنه إذا ترك بنتاً فقد ترك ولداً) لأن كلمة الولد تعم الذكر والأنثى، فلا شيء للأخت، وخالفهم الجمهور فقالوا في هذه المسألة: للبنت النصف بالفرض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب، بدليل غير هذه الآية، وأما وراثتها بالتعصيب فلما رواه البخاري من طريق سليمان عن إبراهيم عن الأسود، قال: (قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النصف للبنت والنصف للأخت). قوله: ((وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ)) يعني: الأخ يرث جميع مالها إذا ماتت كلالة ليس لها ولد، ونضيف هنا أيضاً: ولا والد هذا في التفسير؛ لأنها لو كان لها والد لم يرث الأخ شيئاً، فإن فرض أن معه من له فرض صرف إليه فرضه كزوج أو أخ من أم، وصرف الباقي إلى الأخ؛ لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر)، يعني: الفرائض هي الأنصبة المنصوص عليها في القرآن التي فرضها الله {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء:11]، فبعدما توزع الفرائض يكون الإرث بالتعصيب، يعني: الأقارب من العصبة من الذكور: (فلأولى رجل ذكر). قوله: ((فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ)) يعني: فإن كان لمن يموت كلالة أختان ليست أختاً واحدة فرض لهما الثلثان، وكذا ما زاد على الأختين في حكمهما، ومن هاهنا أخذ الجماعة حكم البنتين، كما استفيد حكم الأخوات من البنات في قوله تعالى: ((فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ)). ثم قال عز وجل: ((وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً)) يعني: إن كان الذين يرثون هم إخوة رجالاً ونساءً. ((فَلِلذَّكَرِ)) منهم. ((مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)) أي: مثل نصيب اثنتين من أخواته الإناث. ((يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)) يعني: يبين الله لكم هذه الأحكام كراهة أن تضلوا في ذلك كما في قوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [يوسف:82] والمقصود ((واسأل أهل القرية))، أو على تقدير (اللام) (لئلا تضلوا). القول الثالث: ليس هناك حذف ولا تقدير، وهذا قول الحسن، وإنما الكلام على ظاهره، يعني: الله سبحانه وتعالى يعلمكم الشر كي تتقوه، ويبين لكم الضلال كي تجتنبوه وتحذروه. فقوله: ((يبين الله لكم أن تضلوا)) يعني: يبين الله لكم ضلالكم الذي هو شأنكم إذا تركتم لطباعكم وأهوائكم وميولكم سوف تضلون ضلالاً بعيداً، فالله سبحانه وتعالى بين لكم هذا الضلال لتحترزوا منه وتتحروا خلافه. ورجحه بعضهم؛ لأن من حسن ختام السورة، أن يختمها عز وجل بقوله: ((يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)) والالتفات إلى أول السورة؛ لأن السياق كان في سياق الغيبة؛ لأن الآية ((يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ)) إلى قوله: ((وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)) ثم التفت وقال: ((يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ)) فالالتفات هنا كأنه رد على صدر السورة، وهو قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا))، إلى آخر الآية الكريمة، فإنه سبحانه أمرهم بالتقوى وبين لهم ما كانوا عليه في الجاهلية، ولما تم تفصيله قال لهم: إن
المائدة [30 - 37]
تفسير سورة المائدة [30 - 37]
تفسير قوله تعالى: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (فبعث الله غراباً يبحث في الأرض) قال الله تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة:30 - 31]. قوله تعالى: (فطوعت له نفسه قتل أخيه) أي: رخصت وهونت له نفسه. وجاء التصريح هنا بالأخوة في قوله: (قتل أخيه) فلم يقل سبحانه وتعالى: فطوعت له نفسه قتله. وإنما صرح بالأخوة لكمال تقبيح ما سولت له به نفسه من قتل أخيه، أي: الذي حقه أن يحفظه من كل من قصده بالسوء بالتحمل على نفسه، فبدل أن يحمي أخاه إذا به هو نفسه يقتله. وقوله تعالى: (فقتله فأصبح من الخاسرين) أي: ديناً؛ إذ صار كافراً حاملاً الدماء إلى يوم القيامة، وأصبح من الخاسرين دنيا؛ إذ صار مطروداً مبغضاً في الخلائق. وقد أخرج الجماعة غير أبي داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل). فـ قابيل هو أول من سن القتل في ذرية آدم عليه السلام، فلذلك كل من اقتدى به من بعده وقتل مظلوماً أو قتل بغير حق فإنه يشاركه في الوزر؛ لعموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً). فكذلك لما كان هو أول من سن سنة القتل وإراقة دم المسلم بغير حق كان في كل نفس تقتل من بني آدم إلى أن يشاء الله سبحانه وتعالى نصيب من وزر القتل عائداً إلى قابيل؛ لأنه هو أول من سن هذه السنة. ولما قتل قابيل أخاه لم يدر ما يصنع به من إفراط حيرته، وهذه كانت أول حادثة تقع في تاريخ البشرية يحصل فيها هذا القتل وهذه الجريمة، فلم يدر ماذا يصنع بعدما قتل أخاه ورآه مضرجاً بدمه وجثة ملقاة أمامه، فاحتار، قال تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ} [المائدة:31]. قوله: (فبعث الله) أي: أرسل الله (غراباً)، فجاء يبحث في الأرض، ومعنى (يبحث): يحفر بمنقاره ورجله متعمقاً في الأرض، وهذا من شأن الغراب؛ لأن الغراب دائماً يحفر في الأرض. قال القتيبي: هذا من الاختصاص، ومعناه: بعث غراباً يبحث التراب على غراب ميت. يعني: هذا هو الاحتمال، وهو أن هذا الغراب كان له غراب آخر ميتاً فكان يحفر له في الأرض كي يدفنه، فهو رأى هذا المشهد. وكذا رواه السدي عن بعض الصحابة أنه تعالى بعث غرابين اقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، فحفر له ثم حثا عليه حثياً. وقوله: (ليريه) الضمير المستتر إما عائد على الله تعالى أو على الغراب، أي: إما أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى بعث الغراب ليري قابيل كيف يصنع بأخيه، أو ليري الغراب قابيل ما يصنع بالمقتول. وقوله: (كيف يواري) أي: يستر في التراب (سوأة أخيه) أي: جسده الميت، وسمي سوأة لأنه مما يسوء ناظره، فالإنسان يسوءه أن يرى أخاه ميتاً. قال تعالى: (قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين) قوله: (يا ويلتا) كلمة جزع وهلع، والألف فيها بدل ياء المتكلم؛ إذ الأصل فيها (يا ويلتي) فأبدلت الياء -ياء المتكلم- ألفاً. والويل والويلة: الهلكة. (أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب) أي: أضعفت عن الحيلة في أن أكون مثل هذا الغراب الذي هو من أضعف الحيوانات؟! والاستفهام هنا للتعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب، فهو يستفهم متعجباً كيف أنه هو الإنسان ويعجز عن أن يكون مثل الطائر الضعيف الذي استطاع أن يتصرف في جثمان أخيه بهذه الصورة، في حين هو لم يهتد إلى ذلك وبقي متحيراً إلى أن جاء الغراب! وقوله: (فأواري سوأة أخي) أي: أغطي. وقوله: (فأصبح من النادمين) أصبح هنا بمعنى: (صار من النادمين) أي: على حيرته في مواراته، حيث لم يدفنه حين قتله، فصار أجهل من الحيوانات العجم وأضل منها وأدنى في التنوير، ولم يكن نادماً على قتله، ففي هذه اللحظة هو لم يكن نادماً على قتل أخيه، وإنما أصبح من النادمين لعدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب. وقال أبو الليث عن ابن عباس: لو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه؛ لأن الندم توبة، فالظاهر أن الله سبحانه وتعالى لم يعف عنه؛ لأنه لم يتب مما فعل بأخيه، فيلزم أن يفسر قوله تعالى: (فأصبح من النادمين) يعني: على حيرته حيث لم يهتد إلى ما اهتدى إليه الغراب الأعجم، فكان أخس وأقل من الغراب الأعجم، ولو كان نادماً على قتل أخيه لكانت الندامة توبة، لكنه لم يتب. وظاهر الآيات أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول، وأنه تعلم ذلك من الغراب، ولا مانع من ذلك؛ إذ مثله مما يجوز خفاؤه على الإنسان، لاسيما والعالم في أول طور النشأة، وكان هابيل أول قتيل من بني آدم، فيكون أول ميت، فيحتمل أنه لم يكن يعرف ما ويصنع بالميت إذا مات أو بالقتيل إذا قتل. ونقل الرازي احتمال أن يكون عالماً بكيفية دفنه، قال: فإنه يبعد في الإنسان أن لا يهتدي إلى هذا القدر من العمل، إلا أنه لما قتله تركه بالعراء استخفافاً به، ولما رأى الغراب يدفن الغراب الآخر رق قلبه ولم يرض أن يكون أقل شفقة منه، فواراه تحت الأرض، والله تعالى أعلم.
الندم إذا لم يكن لقبح المعصية فليس بتوبة
الندم إذا لم يكن لقبح المعصية فليس بتوبة في الآية دلالة على أن الندم إذا لم يكن لقبح المعصية لم يكن توبة، فهو هنا لم يندم على قبح المعصية، أو لم يندم خوفاً من الله تبارك وتعالى، ولذلك لم ينفعه هذا الندم، يقول الرازي: ندم على قساوة قلبه كونه دون الغراب في الرحمة فكان ندمه لذلك، لا لأجل الخوف من الله تعالى، فلا جرم لم ينفعه ذلك الندم.
أصل مشروعية دفن الميت
أصل مشروعية دفن الميت هذه الآية أصل في مشروعية دفن الميت حتى ولو كان كافراً، فالميت ولو كان كافراً يدفن ويوارى في التراب، والدليل على ذلك -أيضاً- ما ثبت في قصة غزوة بدر، حيث ألقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم المشركين في قليب بدر، لما مات أبو طالب قال النبي صلى الله عليه وسلم لابنه علي رضي الله عنه: (اذهب فوار أباك) فالكافر لو مات يدفن، لكن لا يغسل، ولا يصلى عليه إلى آخر ما هو معلوم، فالآية دليل أصيل في مشروعية دفن الميت. قال ابن جرير: زعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل قال له الله: يا قابيل! أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري! ما كنت عليه رقيباً. فقال الله: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض الآن، أنت ملعون من الأرض الذي فتحت فاها فبلعت دم أخيك من يدك، فإذا أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعاً تائهاً في الأرض. وعلى أي الأحوال فهذا مما لا نستطيع قبوله بإطلاق، فهو من الإسرائيليات. وكذلك روى ابن جرير بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لما قتل ابن آدم أخاه بكى آدم فقال: تغيرت البلاد ومن عليها فلون الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم وقل بشاشة الوجه المليح فأجيب آدم عليه الصلاة والسلام: أبا هابيل قد قتلا جميعاً وصار الحي كالميت الذبيح وجاء بشرة قد كان منها على خوف فجاء بها يصيح وقد نقد وفند غير واحد من العلماء نسبة هذه الأبيات إلى آدم، فمما لا يكاد يصدق أن يكون آدم أنشد هذين البيتين ويكون هذا الشعر قد حفظ ونقل بسند صحيح إلى آدم عليه السلام، فهذا مما فنده غير واحد من العلماء. يقول الزمخشري: روي أن آدم رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر.
حكمة تخصيص الغراب بأنه دابة المواراة
حكمة تخصيص الغراب بأنه دابة المواراة أما حكمة تخصيص الغراب بكونه دابة المواراة فقد قال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء. فهذه عادة عند الغراب أنه يدفن الأشياء في الأرض، فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه، وهذا غير الكلام الذي سبق من قبل، وهو أن الله سبحانه وتعالى بعث غرابين اقتتلا فقتل واحد منهما صاحبه فواراه في التراب. فهناك قول آخر أنه ما كان الغراب يدفن غراباً آخر، وإنما عادته أنه دائماً يدفن الأشياء في الأرض، فرآه يبحث في الأرض ويحفر فيها بمنقاره ورجله عميقاً كي يدفن فيها شيئاً ما لا يشترط فيه أن يكون غراباً. والغراب هو الطائر الأسود المعروف، وقسموه إلى أنواع، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتله لما فيه من الفسق، ولأنه من أخبث الطيور، والعرب تقول: (أفسق من غراب) أي: أشد في الخبث والفسق من الغراب. وتقول أيضاً: (أحذر من غراب) باعتباره يتصف بالحذر و (أدهى من غراب) و (أصفى عيشاً من غراب) و (أشد سواداً من غراب)، و (هذا بأبيه أشبه من الغراب بالغراب) لأن الغربان تتشابه بشكل عجيب، والناس الذين يعيشون في الصحراء يدركون ذلك، وإذا نعتوا أرضاً بالخصب قالوا: (وقع في أرض لا يطير غرابها). ويقولون: (وجد تمرة الغراب) يعني: الشيء الذي ليس أحسن منه؛ لأن الغراب ينتقي أطايب التمر وأجود أنواعه ويتتبعه. ويقولون: (أسأم من غراب)، ويقولون: (أفسق من غراب)، ويقولون: (طار غراب فلان)، إذا شاب رأسه؛ لأن الغراب أسود، وإذا أراد شخص أن يعلق شيئاً على فعل لا يقع يقول مثلاً: أزورك حين يشيب الغراب. أي: حين يتحول لون الغراب إلى اللون الأبيض، وهذا لا يقع، أو: لا آتيك حتى يبيض الغراب. فيقولون: (طار غراب فلان) أي: رحل السواد وحل محله الشيب و (غراب غارب) على سبيل المبالغة، كما قالوا: (شعر مشاعر) و (موت مائت) وقال رؤبة: فازجر من الطير الغراب الغارب. قالوا: وليس شيء في الأرض يتشاءم به إلا والغراب أشأم منه، وللبديع الهمذاني فصل بديع في وصفه، ذكره صاحب المضاف والمنسوب، من مثل قوله: (ما أعرف لفلان مثلاً إلا الغراب، ولا يقع إلا مذموماً على أي جنب وقع، إن طار فمقسم الضمير، وإن وقع فمروع بالنذير، وإن حجل فمشية الأمير، وإن شحج فصوت الحمير، وإن أكل فدبرة البعير. يعني: قرحته. والأبيات في غراب البين كثيرة ملئت بها الدفاتر، فغراب البين يشيع كثيراً استعماله في الأدب العربي، حيث يتشاءمون من الغراب بأنه رمز البعد والسفر عن الأحباب والأصحاب وغير ذلك. إلا أن هذا الأمر الشائع من أن (غراب البين) المقصود به الغراب الطائر في حقيقته كلام غير صحيح، وإنما (غراب البين) هو الإبل، فقد حقق الإمام أبو عبد الله الشريف الغرناطي قاضي غرناطة في شرحه على مقصورة حازم أن غراب البين في الحقيقة هو الإبل؛ لأن الإبل هي رمز السفر عند العرب؛ لأنها تنقل الأحباب من بلد إلى بلد، فلذلك اعتبر الغراب رمزاً للفراق والبين، وإذا قالوا: (غراب البين) فالمقصود به الإبل التي تغترب بالناس وتنقلهم من بلاد إلى بلاد. وأنشد في ذلك مقاطيع منها: غلط الذين رأيتهم بجهالة يلحون كلهم غراباً ينعق ما الذنب إلا للأباعر إنها ممن يشتت جمعهم ويفرق إن الغراب بيمنه تدنو النوى وتشتت الشمل الجميع الأينق فهنا هو يرد على هؤلاء الذين يعتبرون أن غراب البين هو الطائر، فيقول: هذا جهل وهذا خطأ. فقوله: غلط الذين رأيتهم بجهالة يلحون كلهم غراباً ينعق يعني: ينحون باللائمة، ويذمون هذا الغراب الطائر الذي ينعق، ويتشاءمون منه باعتباره غراب البين، ويقول: (ما الذنب إلا للأباعر) أي: الذنب في البين والفراق هو للجمال وليس لهذه الطيور (إنها مما يشتت جمعهم ويفرق)، أي: الإبل هي التي تشتت جمعهم وتفرقهم بالأسفار. وقوله: (إن الغراب بيمنه تدنو النوى) يعني: هو ليس مشئوماً، ولكنه له يمن. فبيمنه تدنو النوى، أي: يقترب البعاد (وتشتت الشمل الجميع الأينق) النوق أو الجمال أو الإبل هي التي تشتت المجتمع وتفرق الناس وتسافر بهم. وأنشد ابن المسناوي لـ ابن عبد ربه: زعق الغراب فقلت أكذبُ طائر إن لم يصدقه رغاء بعير فقوله: (زعق الغراب فقلت أكذبُ طائر) لأن الناس يتشاءمون من صوت الغراب، فيقول: قلت أكذب طائر) فلم يقل: إنه علامة على مفارقة الأحباب؛ لأن صوت الغراب إذا لم يقترن به رغاء البعير الذي يحمل الأحباب ويسافر بهم فإنه يكون كذباً ولا شؤم فيه. فهذا كله مما يؤيد أن غراب البين المقصود به الإبل وليس الطائر.
تفسير القاسمي رحمه الله تعالى للآية
تفسير القاسمي رحمه الله تعالى للآية يقول القاسمي رحمه الله تعالى: (فطوعت) أي: زينت. (فأصبح) يعني: فصار. فـ (أصبح) هنا معناها: (صار). يقول: فصار من الخاسرين، أي: بقتله، ولم يدر ما يصنع به؛ لأنه أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، فحمله على ظهره. (فبعث الله غراباً يبحث في الأرض) يعني: ينبش التراب بمنقاره وبرجليه ويلقيه على غراب ميت معه حتى واراه. (ليريه كيف يواري) كيف يستر (سوأة) أي: جيفة (أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون) يعني: أعجزت عن أن أكون (مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين) فأصبح من النادمين على حمله لا على قتله، وحفر له وواراه. وهذه الآية أصل في دفن الميت.
تفسير قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل)
تفسير قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) ثم يقول تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة:32]. قوله تعالى: (من أجل ذلك) أي: من أجل ذلك الذي فعله قابيل (كتبنا على بني إسرائيل أنه) الهاء هنا تدل على الشأن (أنه) أي: الشأن. (من قتل نفساً بغير نفس) يعني: بغير نفس قتلها. (أو فساد) أو بغير فساد (في الأرض) أي: فساد أتاه في الأرض من كفر أو زنا أو قطع طريق ونحوه. وهنا إشارة إلى ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، فهذه هي الدماء التي أباحها الإسلام. فقوله: (الثيب الزاني) لأنه يرجم، (والنفس بالنفس) من قتل يقتل (والتارك لدينه المفارق للجماعة) المرتد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من بدل دينه فاقتلوه). ومن الدماء التي أباحها الإسلام دماء أهل الحرابة، وسيأتي ذكرهم -إن شاء الله تعالى- في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} [المائدة:33]، إلى آخر الآية الكريمة، وكذلك البغاة الذين يخرجون على الإمام الحق. يقول تعالى: ((أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا)) أي: بأن امتنع عن قتلها ((فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)). قال ابن عباس: من حيث انتهاك حرمتها وصونها. قوله تعالى: ((وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ)) أي: بني إسرائيل ((رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ)) أي: بالمعجزات (ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)، أي: مجاوزون الحد بالكفر والقتل وغير ذلك. وقوله: ((كَتَبْنَا)) أي: فرضنا وأوجبنا على بني إسرائيل، وخصوا بالذكر لأنهم أول من تعبدوا بذلك، وسيأتي -بإذن الله- فيما بعد أنه خص بالذكر بني إسرائيل لأنهم أقسى الأمم قلوباً في هذا الباب، فإنهم مشهورون بأنهم قتلة الأنبياء، فسفكوا دماء الأنبياء وهي أشرف الدماء وأعظم الدماء، وأكثرها حرمة وعصمة، فهنا إشارة إلى بني إسرائيل لفظاعة ما ارتكبوه من استحلالهم قتل الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقوله: ((أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ)) يعني: بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص. وقوله: ((أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ)) أي: أو بغير فساد يوجب إهدار دمها؛ لأن الذي يبيح القتل هو إما إن يقتل الإنسان نفساً بغير حق، وإما أن يعيث في الأرض فساداً بصور كثيرة بينها بعد ذلك، كالكفر، والحرابة، أي: المحاربون من قطاع الطريق، وكذلك زنا المحصن مما يبيح دمه. وقوله: ((فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)) أي: من حيث إنه هتك حرمة الدماء، وسن القتل، وجرأ الناس عليه، أو من حيث إن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استجلاب غضب الله سبحانه وتعالى والعذاب العظيم. وقوله: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32] معناه كما ذكر السيوطي: من امتنع من قتلها. ويقول القاسمي هنا: (ومن أحياها) يعني: من تسبب لبقاء حياتها لعطف أو منع عن القتل أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة. وهذا التفسير أعم وأشمل بلا شك. فيدخل في الإحياء هذه الأحوال كلها، أولاً: العطف، كأن يكون ولي الدم مكن من قتل هذا الشخص، ثم عند ذلك عفا عن القاتل وسامح، فهنا يكون قد أحياها، لا لأنه هو الذي يخلد الروح، فهذا ليس إلا لله سبحانه وتعالى، لكن المقصود هو أنه عفا عنه ولم يستوف حقه بقتله. ومن ذلك المنع عن القتل، كشخص يريد أن يقتل آخر فحميته ودفعت عنه حتى أنجيته من هذا القاتل، فهذا -أيضاً- نوع من الإحياء، فهو داخل في الآية، وكذلك الاستنقاذ من بعض أسباب الهلكة، كشخص أوشك على الغرق فأنقذته، وشخص أوشك على الموت بأي سبب فعالجته، فهذا -أيضاً- داخل في قوله تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً). أي: فكأنما فعل ذلك بالناس جميعاً، والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب، ترهيباً عن التعرض لها، وترغيباً في حمايتها. وقال أبو مسلم في معنى الآية: من قتل نفساً وجب على المؤمنين معاداته، وأن يكونوا خصومه كما لو قتلهم جميعاً؛ لأن المسلمين يد واحدة على من سواهم، ومن أحياها وجب على المؤمنين موالاته كما لو أحياهم. ولذلك كان جد الفرزدق واسمه صعصعة بن ناجية ينقذ المؤودة، فكان الفرزدق حينما يفاخر جريراً يقول: أنا ابن محي الموتى. فيقول له جرير: كيف هذا وهذا ليس إلا لله سبحانه وتعالى؟! فكان يقول له: إن جدي صعصعة بن ناجية كان يبحث عن أي بنت في الجاهلية يريد أبوها أن يئدها، وكانت أي امرأة تتمكن من الهرب تفر إليه، فكان يدفع لأبيها دية وينجيها من القتل، فهذا مما كان من أخلاقه التي كان يتحلى بها في الجاهلية. وقيل للحسن البصري: هذه الآية لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ قال: إي والله، إي والذي لا إله غيره كما كانت لهم، وما جعل دماءهم أكرم من دمائنا. فالقاعدة في ذلك أن جميع ما يحكى في القرآن من شرائع الأولين وأحكامهم ولم ينبه على إفسادهم وافترائهم فيه فهو حق. وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (دخلت على عثمان يوم الدار -يوم الحصار حين حاصره الفجار في داره- فقلت -أي: قال أبو هريرة لأمير المؤمنين رضي الله عنهم-: جئت لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين. فقال: يا أبا هريرة! أيسرك أن تقتل الناس جميعاً وإياي معهم؟ قلت: لا. قال: فإنك إن قتلت رجلاً واحداً فكأنما قتلت الناس جميعاً، فانصرف مأذوناً لك مأجوراًً غير مأزور. قال: فانصرفت ولم أقاتل). فالصحابة رضي الله تعالى عنهم ما قصروا على الإطلاق في الدفاع عن أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه، وإنما عثمان هو الذي أمرهم بالانصراف وعدم التعرض لهؤلاء الثوار؛ خشية أن يراق دم بسببه هو، خاصة أنه كان على وعد من الرسول حينما أخبره بأنه شهيد لما قال: (اسكن أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدين). وكذلك كان صائماً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا عندما رآه في المنام: (ستفطر معنا الليلة) فلذلك عثمان رضي الله عنه أصر على أن لا تراق دماء بسببه، وقتل مظلوماً رضي الله تعالى عنه. فالشاهد هنا أنه أنكر على أبي هريرة قوله: (قد طاب الضرب يا أمير المؤمنين)، فاستنكر عليه فكيف القتل يكون طيباً؟ ولذلك قال له: (إنك إن قتلت رجلاً واحداً فكأنما قتلت الناس جميعاً، فانصرف مأذوناً لك مأجوراً غير مأزور. قال: فانصرفت ولم أقاتل) , وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: (جاء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! اجعلني على شيء أعيش به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حمزة! نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها؟ قال: بل نفس أحييها، قال: عليك بنفسك)، وهذا الحديث في مسند الإمام أحمد، وقد صححه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله. قوله تعالى: ((وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ)) يقصد بني إسرائيل، كما في أول الآية قوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة:32]. وقوله تعالى: ((رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ)) أي: بالآيات الواضحة الناطقة بتقرير ما كتبنا عليهم تأكيداً لوجوب مراعاته، وتأييداً لتحتم المحافظة عليه ((ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ)) أي: من بني إسرائيل ((بَعْدَ ذَلِكَ)) أي: بعد ما كتبنا عليهم، وبعد مجيء الرسل بالآيات والزجر المسموع منهم ((لَمُسْرِفُونَ)) بالفساد والقتل، لا يبالون بعظمة ذلك، يعني: رغم كل هذا ورغم أن الله تعالى قال: {كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32] وقال تعالى:: {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ} [المائدة:32] ومع ذلك كان حالهم كما قال الله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة:32]. قال ابن كثير: هذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت بنو قريظة والنضير وغيرهم من بني قينقاع ممن حول المدينة من اليهود، الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها كان كل فريق منهم يتحالف مع قبيلة، فإذا حصل قتال يقاتلون مع حلفائهم، ثم بعدما ينتهون من القتال يعمدون إلى الأسرى فيفدون الأسرى، ويدون أو يدفعون دية من قتلوه من إخوانهم اليهود. وقد أنكر الله سبحانه وتعالى عليهم ذلك في سورة البقرة في قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ
تفسير قوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله)
تفسير قوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) ولما ذكر تعالى تغليظ الإثم في قتل النفس بغير قتل نفس ولا فساد أتبعه ببيان الفساد المبيح للقتل، فقال عز وجل: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة:33]، فهنا الآية تشرح صورة من صور هذا الفساد في الأرض، وهو الحرابة أو قطع الطريق. يقول تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة:33]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: نزلت في العرنيين لما قدموا المدينة وهم مرضى، فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى الإبل، ويشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الإبل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم فتركوا في الحرة حتى ماتوا على حالهم، وهذا رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وإنما فعل بهم ذلك لأنهم فعلوا بالرعاة من المسلمين نفس هذا الفعل. قوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) يعني: بمحاربة المسلمين (ويسعون في الأرض فساداً) يعني: بقطع الطريق (أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) أي: تقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى. (أو ينفوا من الأرض) يقول السيوطي هنا: لترتيب الأحوال، يعني: أن قوله تعالى: (أن يقتلوا) لمن قتل، وقوله: (أو يصلبوا) لمن قتل وأخذ المال، وقوله: (أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) القطع لمن أخذ المال ولم يقتل، وقوله تعالى: (أو لينفوا من الأرض) والنفي من الأرض لمن أخاف الناس وأرهبهم، قاله ابن عباس وعليه الشافعي، وأصح قوليه أن الصلب ثلاثاً يكون بعد القتل، أي: بعدما يقتلون يعلقون في مكان عال؛ ليراهم الناس لمدة ثلاث، وقيل قبله قليلاً، ويلحق بالنفي ما أشبهه في التنكيل من الحبس وغيره. وقوله: (ذلك) أي: الجزاء المذكور (لهم خزي) أي: ذل (في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وهو عذاب النار. وقوله تعالى: ((إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا)) يعني: من المحاربين والقطاع ((مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) غفور لهم ما أتوه (رحيم) أي: بهم، عبر بذلك دون (فلا تَحدُّوهم) ليفيد أنه لا يسقط عنه بتوبته إلا حدود الله دون حقوق الآدميين، كذا ظهر لي، ولم أر من تعرض له، والله تعالى أعلم. فإذا قتل وأخذ المال يقتل ويقطع، والقطع أولاً ثم يكون بعده القتل، ولا يصلب، وهو أصح قولي الشافعي، ولكن المعتمد في مذهبه أنه يقتل ويصلب ثلاثة أيام من غير قطع، ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئاً، وهو أصح قوليه أيضاً. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: (إنما جزاء) يعني: مكافأة (الذين يحاربون الله ورسوله) أي: يخالفونهما ويعصون أمرهما. (ويسعون في الأرض فساداً) أي: يعملون في الأرض المعاصي، وهو القتل وأخذ المال ظلماً. (أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) أي: أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى. (أو ينفوا من الأرض) أي: يطردوا منها وينحوا عنها، وهو التغريب عن المدن، فلا يقرون فيها. (ذلك) أي: الجزاء المذكور. (لهم خزي) أي: ذل وفضيحة في الدنيا. (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وهو عذاب النار. (إلا الذين تابوا) يعني: من المحاربين (من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) وفي هذه الآية مسائل، منها: ما رواه ابن جرير وأبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في المشركين. وقد روى ابن جرير عن أبي أنها نزلت في قوم من أهل الكتاب نقضوا عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم. وظاهرها أنها عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفة، أي إنسان -سواءً كان مشركاً أم كتابياً أم مسلماً- فعل ما ذكر في الآية فهو يستحق نفس هذا الحكم. روى الشيخان وأهل السنن وابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن ناساً من عرينة قدموا المدينة فاجتووها -أي: كأن جو المدينة ما ناسبهم في صحة أجسامهم- فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها، ففعلوا وصحوا، فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم وألقاهم في الحرة). قال أنس: (فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا) ونزلت: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة:33]. وعند البخاري قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. واحتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء، فذهبوا إلى أن المحاربة في الأمصار وفي السبلات على السواء، وذلك أن بعض العلماء يرى أنه لا يكون محارباً وقاطع طريق إلا في البراري أو الصحراء وغير ذلك؛ لأن هذا النوع من الغدر الذي يكون في موضع بحيث لا يصل فيه الغوث لمن يستغيث، أو النجدة لمن يستنجد، فلذلك عظمت عقوبتهم، بخلاف الإنسان إذا كان في المدينة، فإنه يستطيع أن يستغيث ويستنجد بغيره، لكن جمهور العلماء يخالف هذا، فيقولون: إن المحاربة -سواء أكانت في الصحراء- مثلاً أم في الطرق أم في داخل المدن- حكمها سواء، لا فرق بين المدن أو الحضر وبين السبل. يقول القاسمي: احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن المحاربة في الأمصار وفي السبلات على السواء؛ لقوله: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة:33]. أي أن السبل والطرق هي من الأرض، والمدن والأمصار هي من الأرض، فحيث سعى بالفساد فقد سعى به في الأرض، سواء في السبلات أو في الأمصار. وهذا مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولو شهروا السلاح في البنيان لا في الصحراء لأخذ المال فقد قيل: إنهم ليسوا محاربين، بل هم بمنزلة المنتهب؛ لأن المطلوب يدركه الغوث إذا استغاث بالناس. وقال الأكثرون: إن حكم من في البنيان والصحراء واحد، بل هم في البنيان أولى أحق بالعقوبة منهم في الصحراء؛ لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة، ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم. يعني أن كون الإنسان يقدم على قطع الطريق أو على الإفساد في الأرض بهذه الصورة في داخل المدن يدل على شدة التبجح والجرأة ومن ثم فهم يحتاجون إلى عقوبة غليظة؛ لأنهم في داخل المدن ومع ذلك يجاهرون بمثل هذا الفعل. يقول: بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء؛ لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة، ولأنه محل تناصر الناس وتعاونهم، فإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة والمغالبة، ولأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله. يعني: هؤلاء إذا دخلوا على رجل في بيته واستولوا على المال هل يتركون شيئاً؟ يأخذون كل ما في البيت من الأشياء الثمينة من ذهب وأموال وغير ذلك مما هو معروف عن حالة قطاع الطرق أو اللصوص. وأما المسافر فإنه يكون معه قليل من ماله، فهذه أحد وجوه الأولية بالنسبة لهذا الحكم في المدن عنها في الصحراء. قال شيخ الإسلام: ولأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، والمسافر لا يكون معه غالباً إلا بعض ماله، وهذا هو الصواب. فـ شيخ الإسلام يصوب المذهب القائل بتعميم حكم الحرابة في الصحراء وفي البنيان، حتى قال مالك في الذي يخدع الرجل حتى يدخل بيتاً فيقتله ويأخذ ما معه قال: هذه محاربة، ودمه إلى السلطان لا إلى ولي المقتول، بمعنى أنه مادام رفع إلى السلطان فلا رجوع في إقامة حد الحرابة عليه. أما إذا كان دمه إلى ولي المقتول فهو يملك العفو عنه، لكن هذا الذي يفعل هذا الفعل محارب ودمه إلى السلطان لا إلى ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إنفاذ القتل، وإنما كان ذلك محاربة لأن القتل بالحيلة كالقتل مباشرة، فكلاهما لا يمكن الاحتراز منه، بل قد يكون ضرر هذا أشد؛ لأنه لا يدرى به. وقيل: إن المحارب هو المجاهر بالقتال، وهذا المقتول يكون أمره إلى ولي أمر الدم. والأول أشبه بأصول الشريعة. وظاهر الآية أن عقوبة المحاربين المفسدين أحد هذه الأنواع، فيفعل الإمام منها ما رأى فيه صلاحاً. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: (من شهر السلاح في رقعة الإسلام وأخاف السبيل ثم ظفر به فقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله) وكذا قال سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك، كما رواه ابن جرير، وحكي مثله عن أنس. قال ابن كثير: ومستند هذا القول ظاهر، وللتخيير نظائر من القرآن. يعني أن الإمام بالخيار، وليس له أن يجمع كل هذه العقوبات، ونظيره قوله تعالى في جزاء الصيد: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَ
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) وقال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:35]. قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا) أي: اطلبوا إليه الوسيلة، وهي القربة. وقال قتادة: أي: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. وقرأ أبو زيد: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [الإسراء:57]. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه. وفي القاموس وشرحه: الوسيلة والواسلة المنزلة عند الملك، والدرجة والقربة والوصلة. وقال الجوهري: الوسيلة ما يتقرب به إلى الغير، والتوسيل والتوسل واحد، يقال: وسل إلى الله تعالى توسيلا، عمل عملاً فقرب به إليه، كـ (توسل). وقد قدم (إليه) على (الوسيلة) فلم يقل: وابتغوا الوسيلة إليه، لكن قال: (وابتغوا إليه الوسيلة) للاهتمام بها. وقوله تعالى: (وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) يعني: بسبب المجاهدة في سبيله. وقد بينت كثير من الآيات أن المجاهدة بالأموال والأنفس، وما ذكرنا في تفسير الوسيلة هو المعول عليه، وقد أوضحه إيضاحاً لا مزيد عليه تقي الدين ابن تيمية عليه الرحمة في كتابه (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) فرأينا نقل شيء منه؛ إذ لا غنى للمحقق في علم التفسير عنه، وسوف نمر بسرعة على بعض المسائل لأهميتها.
مفهوم التوسل والوسيلة ومعناها في كتاب ابن تيمية
مفهوم التوسل والوسيلة ومعناها في كتاب ابن تيمية يقول شيخ الإسلام بعد مقدمات: إن لفظ الوسيلة والتوسل فيه إجمال واشتباه، يجب أن تعرف معانيه ويعطى كل ذي حق حقه. فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه، وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك، ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه. فإن الاضطرابات التي تحدث للناس في هذا الباب هي بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها، حتى تجد أن أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب. فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة:35]، وفي قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:56 - 57]. فالوسيلة التي أمر الله بأن تبتغى إليه، وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب إليه من الواجبات والمستحبات. يعني أن الوسيلة هي القربة، والقربات على نوعين: إما واجبات وإما مستحبات. فالوسيلة هي ما يتقرب به إلى الله من الواجبات أو المستحبات. فهذه هي الوسيلة التي أمر الله تعالى المؤمنين بابتغائها، تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك، فلا يدخل في الوسيلة ما كان مكروهاً أو محرماً أو مباحاً. فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم فأمر به أمر إيجاب واستحباب، وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هي التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك، ولا يقربك إلى الله إلا هذه الوسيلة، فقوله تعالى: (اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) يعني: تقربوا إلى الله بما شرعه، وما شرعه الله وأمر به لا يكون إلا واجباً أو مستحباً، فلا يمكن التقرب إلى الله بالحرام ولا بالمكروه، والمباح إذا بقي في حد الإباحة لا يعتبر قربى. وما هو أعظم وسيلة على الإطلاق يتقرب به إلى الله؟ إنه الإيمان والتوحيد، فهو أعظم وسيلة، فقوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) يعني: بالإيمان، وما بعد الإيمان تكاليفه كالصلاة والزكاة وغير ذلك. وقد جاء لفظ الوسيلة في الأحاديث الصحيحة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة). وقوله: (من قال حين يسمع النداء: اللهم! رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة! آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة). فهذه الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبرنا أنها لا تكون إلا لعبد واحد من عباد الله، وهو -صلى الله عليه وسلم- يرجو أن يكون ذلك العبد، وأخبرنا أن من سأل الله له الوسيلة فقد حلت له الشفاعة يوم القيامة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فمن دعا للنبي صلى الله عليه وسلم استحق أن يدعو هو له، وأن يشفع له؛ فإن الشفاعة نوع من الدعاء، كما قال: (إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً). صلى الله عليه وسلم. إذاً: فقوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) يعني: تقربوا إليه بالواجبات أو المستحبات، ولا يوجد معنى آخر للوسيلة في القرآن غير هذا. وكذلك الوسيلة في السنة جاءت على اعتبار أن الوسيلة منزلة في الجنة، ودرجة عالية لا ينالها إلا عبد، وهو الرسول صلى الله عليه سولم إن شاء الله، وأمرنا أن ندعو له بذلك. يقول شيخ الإسلام: وأما التوسل بالنبي عليه الصلاة والسلام، والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته.
أنواع التوسل المشروعة والممنوعة
أنواع التوسل المشروعة والممنوعة التوسل بالرسول عليه السلام عند الصحابة وفي كلامهم المقصود به: التوسل بدعاء الرسول عليه الصلاة والسلام، كما هو معروف في حديث الأعمى الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يدعو له كي يعافيه الله تبارك وتعالى، فهذا توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبشفاعته، والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به، فهذا المعنى بقى عند المتأخرين، ولم يكن معروفاً أو متداولاً أو مستعملاً في القرآن ولا في السنة، ولا في كلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم والسلف الصالح، وهو أن يكون التوسل أن تقسم على الله بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو تقسم بالصالحين ومن يعتقد فيه الصلاح، لهذا يقول شيخ الإسلام: وحينئذ فلفظ التوسل يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين، ويراد به معنى ثالث لم ترد به السنة. فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء فأحدهما هو أصل الإيمان والإسلام، وهو التوسل بالإيمان بالله عز وجل وبطاعته، فقوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) أي: بالإيمان والعمل الصالح. الثاني: دعاؤه وشفاعته كما تقدم. فهذان جائزان بإجماع المسلمين، التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} [النساء:64]، فالتوسل هنا بدعاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا بذاته، ومن هذا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (اللهم! إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) يعني بقوله: (نتوسل بنبينا) أي: بدعائه، فلما قبض الرسول عليه الصلاة والسلام كان الحال أن قال: (فإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) فهذه شفاعة وهذا توسل عن طريق دعاء العبد الصالح وشفاعته. وقوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) أي: القربة إليه بطاعته وطاعة رسوله، قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]. فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين. وأما التوسل بدعائه وشفاعته فكما قال عمر، فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس، ولو كان التوسل بذاته جائزاً لكان هذا أولى من التوسل بـ العباس، لو كان التوسل بذات الرسول نفسه عليه الصلاة والسلام لتوسل به الصحابة بعد موته، لكن لما كان التوسل بالدعاء توسلوا بدعاء العباس بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما عدلوا عن التوسل به عليه الصلاة والسلام إلى التوسل بـ العباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائماً. فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان: أحدها: التوسل بطاعته، فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به. الثاني: التوسل بدعائه وشفاعته عليه الصلاة والسلام، وهذا كان في حياته، ويكون يوم القيامة أيضاً حينما يتوسلون بشفاعته. الثالث: التوسل به، بمعنى الإقسام على الله بذاته، والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم يكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، ولا في حياته ولا بعد مماته، ولا عند قبره ولا قبر غيره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عمن ليس قوله حجة، وهذا هو الذي قال فيه أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله: إنه لا يجوز. ونهوا عنه حيث قالوا: لا يسأل الله بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك. قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي: يدخل في باب الكراهة، وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة. قال بشر بن الوليد: حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك -يقصد أن يتوسل بمعاقد العز من عشره تعالى- أو: بحق خلقك. وهو قول أبى يوسف رحمهم الله تعالى. فالمسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقاً. وموضوع التوسل من الموضوعات الكبيرة التي تحتاج لكثير من التفصيل.
الحلف بالمخلوقات المحترمة
الحلف بالمخلوقات المحترمة وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات المحترمة أو بما يعتقد هو حرمته كالعرش، والكرسي، والكعبة والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والملائكة والصالحين والملوك، وسيوف المجاهدين وغير ذلك لا ينعقد يمينه، ولا كفارة في الحلف بذلك؛ لأن أصل اليمين لا ينعقد؛ لأنه لا يحلف إلا بالله، والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد حكي إجماع الصحابة على ذلك.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه) ثم يقول تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة:36]. (إن الذين كفروا لو أن لهم) يعني: لو ثبت أن لهم (ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم). قوله تعالى: (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض) يعني: من الأموال وغيرها. (جميعاً ومثله معه ليفتدوا به) يعني: يفادوا به أنفسهم من عذاب يوم القيامة (ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم) فهذا تمثل للزوم العذاب لهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه من الوجوه. وقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟! فيقول: نعم. فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك: أن لا تشرك بي. فيؤمر به إلى النار). ورواه مسلم بنحوه.
تفسير قوله تعالى: (يريدون أن يخرجوا من النار)
تفسير قوله تعالى: (يريدون أن يخرجوا من النار) يقول تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [المائدة:37]. قوله تعالى: (يريدون) أي: يتمنون (أن يخرجوا من النار) يعني: يتمنون أن يخرجوا من النار، ويطلبون ذلك قائلين: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون:107]. ((وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ)) يعني: عذاب دائم لا ينقطع. وهذا كما قال عز وجل: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة:20]. وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة) قال يزيد بن صهيب: فقلت لـ جابر بن عبد الله: يقول الله: {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} [المائدة:37]! قال: اتل أول الآية {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ} [المائدة:36]. يعني أن الآية هي في الكفار، فهؤلاء يخلدون فيها، أما من مات على التوحيد فإنه وإن دخلها فإنه يخرج منها. وزاد ابن أبي حاتم أن جابراً لما قال له ذلك الرجل هذا قال: (أما تقرأ القرآن؟! قال: بلى، قد جمعته. قال: أليس الله يقول: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء:79] فهو ذلك المقام، فإن الله تعالى يحبط أقواماً بخطاياهم في النار ما شاء، لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم) يعني: بشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومقامه المحمود. ولما أوجب تعالى في الآية المتقدمة قطع الأيدي والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة بين أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضاً، فقال سبحانه وتعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة:38]. سبحانك -اللهم- ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
المائدة [38 - 50]
تفسير سورة المائدة [38 - 50]
تفسير قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)
تفسير قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) يقول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة:38]. لما أوجب الله سبحانه وتعالى في الآيات المتقدمة قطع الأيدي والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة ناسب أن يذكر بعدها في هذه الآية حكم أخذ المال على سبيل السرقة، وأنه يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضاً. فقال عز وجل: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)) السارق والسارقة (أل) فيهما موصولة مبتدأة، وصلتها هي الصفة الصريحة، أي: (سارق وسارقة) ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره فقال تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) فالفاء دخلت في الخبر لشبه هذا الأسلوب بأسلوب الشرط، أي: من سرق فاقطعوا يده. أو من سرقت فاقطعوا يدها. ومعنى (أيديهما) أي: يمين كل منهما من الكوع، والكوع هو العظم الذي يلي الإبهام. وبينت السنة أن الذي يقطع فيه ربع دينار فصاعداً، وهذا هو النصاب، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً)، وإذا عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى، وبعد ذلك يعزر بما يراه الإمام من العقوبة، روى ذلك البيهقي في سننه وأبو يعلى. وقوله تعالى: (جزاء بما كسبا) جزاء نصب على المصدر (نكالاً) يعني: عقوبة لهما. (والله عزيز) أي: غالب على أمره (حكيم) أي: في خلقه.
تفسير قوله تعالى: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح)
تفسير قوله تعالى: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح) قال تعالى: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:39]. قوله تعالى: ((فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ)) يعني: من رجع عن السرقة ((وَأَصْلَحَ)) يعني: أصلح عمله ((فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) عبر بهذا لما تقدم من سقوط حق الله تبارك وتعالى، فلا يسقط بتوبته حق الآدمي من القطع ورد المال، نعم بينت السنة أنه إن عفا عنه قبل الرفع إلى الإمام سقط القطع، فما دامت القضية لم تبلغ الإمام فإنه لا يقع الحد، أما إذا بلغت الإمام فلا سبيل أبداً إلى إيقاف تطبيق الحد عليه، وعليه الإمام الشافعي.
تفسير قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) قال عز وجل: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة:40]. قوله تعالى: (ألم تعلم) الاستفهام هنا للتقرير ((أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ)) يعني: من يشاء تعذيبه ((وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ)) يعني: لمن يشاء المغفرة له ((وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) ومنه التعذيب والمغفرة.
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)
قول القاسمي رحمه الله تعالى
قول القاسمي رحمه الله تعالى يقول القاسمي رحمه الله تعالى: (والسارق) أي: من الرجال (والسارقة) أي: من النساء (فاقطعوا أيديهما) يعني: يمين كل منهما، والمقطع الرسغ -كما بينته السنة- عند الكوع. (جزاء بما كسبا) أي: يقطع الآلة الكاسبة؛ لأنها هي التي سرقت فهذه اليد الخائنة هي التي سرقت، فلذلك يجزى بأن يُقطع أو يبتر هذا العضو الخبيث. (نكالاً من الله) أي: عقوبة من الله على فعل السرقة المنهي عنه من جهته تعالى، لا في مقابلة إتلاف المال، فإنه غير السرقة، فلذلك لا يسقط بعفو المالك، بخلاف العفو عن المال. (والله عزيز) أي: مع عزته الموجبة لامتثال أمره لا يبالي بعزة من دونه. (حكيم) أي: في شرائعه. فيختل أمر النظام العالمي بمخالفة أمره؛ إذ فيه نفع عام للخلائق.
قول أبي السعود رحمه الله
قول أبي السعود رحمه الله يقول أبو السعود: لما كانت السرقة معهودة من النساء كالرجال -يعني: يمكن أن تقع المرأة في السرقة كما يقع الرجل- صرح بالسارقة أيضاً مع أن المعهود في الكتاب والسنة إدراج النساء في الأحكام الواردة في شأن الرجال بطريق الدلالة؛ لمزيد الاعتناء بالبيان والمبالغة في الزجر. لأن الحكم حتى لو كان بذكر السارق دون السارقة لشمل النساء، لكنه هنا فصل وبين وذكر النساء بعدما ذكر الرجال لمزيد الاعتناء؛ وللمبالغة في الزجر عن السرقة في حق الطرفين، ولما كانت السرقة في الرجال غالبة لقوتهم بدأ بالسارق، حيث قال تعالى: (والسارق والسارقة)؛ لأن الرجل أقوى، فلذلك يستطيع أن يستغل قوته في السرقة، ثم إن الرجل هو الذي يلي النفقة وتكاليف الحياة والعيش، فهو المسئول عن الإنفاق والمال، فلذلك الغالب أن الرجل هو الذي يسرق، أما في آية سورة النور فقال عز وجل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور:2] وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا التقديم السبب فيه هو أن هذا الأمر في النساء أقوى، وهذا غير صحيح في الحقيقة، بدليل أن الله سبحانه وتعالى أحل للرجل أربع نسوة، فالأمر بالعكس، لكن لما كانت الفتنة دائماً أو غالباً في هذا الباب إنما تقع من جهة المرأة قبل الرجل، ولأنها تفرط في الاحتشام وغير ذلك فتقع بسببه الفواحش قدم تبارك وتعالى المرأة في قوله: (والزانية والزاني). وقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قدم بغداد اشتهر عنه أنه أورد إشكالاً على الفقهاء انتقد فيه نصاب السرقة بكون ربع دينار، ونظم في ذلك شعراً فقال: يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار فهذا الإشكال الذي أورده من عدوانه على حدود الله تبارك وتعالى. فيقول: هذه اليد في حالة الدية والقصاص ديتها خمسمائة دينار، فكيف تكون قيمتها في الدية خمسمائة دينار ثم في مقابلة سرقة ربع دينار -الذي هو النصاب- تقطع في مقابلة هذا المبلغ الهين؟! فأجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله أنه قال: لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت. فلما خانت هانت فقطعت في ربع دينار، فبسبب هذه الخيانة صارت قليلة القيمة بهذا القدر. ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإن في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار لئلا يجنى عليها؛ لأن الناس إذا عرفوا هذه القيمة الغالية لليد من حيث الدية فإنهم لا يجنون ولا يعتدون عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار؛ لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب، ولهذا قال عز وجل: ((جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) أي: مجازاة على صنيعهما السيئ في أخذهما أموال الناس بأيديهما، فناسب أن يقطع ما استعان به في ذلك. فهذا هو حكم الله تبارك وتعالى، وهذا هو حد الله عز وجل، وإذا كنا نقول: إن هذا حكم الله وهذا الذي أنزله الله في القرآن الكريم فنقطع بأن أي إنسان حاول أن يتناول هذا التشريع بالإزدراء أو وصفه بالوحشية أو القسوة أو غير ذلك من الصفات المنفرة فإنه وإن كان كافراً يزداد بذلك كفراً، وإن كان من المنتسبين للإسلام فلا شك في ردته، لا شك في ردته وخروجه من ملة الإسلام، فأي إنسان يصف حكم الله عز وجل بهذه الأوصاف الشنيعة فهو مرتد خارج عن الملة؛ لعدوانه على حكمة التشريع، ولمصادمته هذا النص الصريح في القرآن الكريم.
قول ابن تيمية رحمه الله
قول ابن تيمية رحمه الله يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}، إلى آخر الآية. ولا يجوز بعد ثبوت الحد عليه بالبينة أو الإقرار تأخيره لا بحسب ولا مال يفتدى به ولا غيره، بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها، فإن إقامة الحدود من العبادات كالجهاد في سبيل الله، وينبغي أن يعرف أن إقامة الحد رحمة من الله عز وجل بعباده، فيكون الوالي شديداً في إقامة الحد لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله. وقد نهى الله تعالى عن أن إنساناً رأفة في حدود الله فقال: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور:2]، فهذا الذي يوصف بأنه رحمة أو رأفة أو مشاعر إنسانية أو غير ذلك إذا كان فيه مصادمة لشرع الله فهذا منهي عنه، مثل إقامة حد الزنا، فينبغي أن يكون هناك قوة في إقامة حد الله عز وجل، وعدم تردد أو ضعف أو شفقة؛ لأن هذا هو من صالح البشر، ولذلك قال عز وجل: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النور:2]، ومثل الرجل الذي تأخذه رأفة بأولاده في أن يوقظهم لصلاة الفجر والجو بارد أو غير ذلك من الأعذار، فيجد في قلبه رأفة في دين الله، فهنا يقال له: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور:2] فهذا من الرأفة المحرمة والممنوعة، وليس من الصفات التي يحبها الله، وليس من الرحمة التي يحبها الله عز وجل أن تكون في قلوب عباده، فذلك منهي عنه مادام على حساب الدين، فلا ينبغي أبداً أن تأخذ الإنسان رأفة. وكذلك التوسط بين أهل المعاصي والعشاق وغير ذلك، بحجة أن هذا نوع من الرأفة بهم، فهذا -أيضاً- ليس رأفة، بل هو تعاون على العدوان وعلى حرمات الله تبارك وتعالى. فأعداء الإسلام من المنافقين والزنادقة الذين يزعمون الإسلام ثم يطعنون في الشرائع -كما يحصل من المنتسبين لأعضاء لجنة حقوق الإنسان في كل البلاد خاصة في مصر- نسمع منهم كلاماً تقشعر منه الجلود، ولا يصح بعده الانتساب للإسلام أبداً، حيث يطعنون في العقوبات والحدود، ويطعنون في بعض البلاد التي تطبق بعض الحدود وإن كان تطبيقاً غير كامل، ويطعنون في الإسلام من خلال الطعن في هذه الدول على أن هذه عقوبات بدنية أو مادية، ويحتكمون إلى قوانين بشرية وما يسمى بمواثيق حقوق الإنسان الظالمة. يقول شيخ الإسلام: فيكون الوالي شديداً في إقامة الحد لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات، لا إشفاء غيظه وإرادة العلو على الخلق، بل بمنزلة الوالد إذا أدب ولده، فإنه لو كف عن تأديب ولده -كما تفعل به الأم رقة ورأفة- لفسد الولد، والغالب أن الأمهات لا يحزمن في تربية الأولاد، فإذا كان الأب غير جازم ولم يضع الشدة في موضعها فسد الولد بالتدليل الزائد إذا ترك لأمه، وإنما يؤدبه رحمة وإصلاحاً حاله، فالأب إذا عاقب ولده ليس قسوة عليه، وليس إشفاء لغليله أو غيظه، وإنما لإصلاحه، فالشدة هي نوع من العلاج وليست لشفاء الغيظ. يقول: وهو بمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجامة، وقطع العروق ونحو ذلك، بل في منزلة شرب الإنسان الدواء الكريه وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة، فكذلك شرعت الحدود لأجل هذه النية، ولأجل تحصيل هذه المصالح. ثم يقول تبارك وتعالى: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. وإظهار الاسم الجليل فيه إشعار بعلة الحكم، وتأييد استقلال الجملة في قوله: ((إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)). وكذا في قوله عز وجل: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة:40]. والمراد الاستشهاد بذلك على قدرته تعالى على ما سيأتي من التعذيب والمغفرة على أبلغ وجه وأتمه، فيقول: ألم تعلم أن الله له السلطان القاهر والابتلاء الباهر المستلزمين للقدرة التامة على التصرف في نيتيهما وفيما فيهما. وقوله تعالى: (يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء) قدم التعذيب لأن السياق هنا في الوعيد، فيناسب ذلك تقديم ما يليق به من الزواجر. (والله على كل شيء قدير) ومنه التعذيب والمغفرة.
تفسير قوله تعالى: (أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر)
تفسير قوله تعالى: (أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) يقول تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة:41]. قوله تعالى: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون) يعني: لا يحزنك صنع الذين يسارعون في الكفر ويقعون فيه بسرعة. يعني: يظهرونه إذا وجدوا فرصة ولا يؤجلونه، فيسارعون في إظهار الكفر والجهر به، ولا يتأجلون ذلك ما وجدوا فرصة. (من الذين قالوا) هذه للبيان (آمنا بأفواههم) يعني: بألسنتهم. فهذا متعلق بقوله تعالى: (قالوا) فالقول لا يكون بكل الأفواه، وإنما هو بالألسنة. (من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) وهم المنافقون. (ومن الذين هادوا سماعون للكذب) يعني: ومن الذين هادوا قوم سماعون للكذب الذي اقترفه أحبارهم، سماعون يقبلون هذا الكذب الذي افتروه. (سماعون لقوم آخرين) أي: سماعون منك لقوم آخرين، أي: لأجل قوم آخرين من اليهود. (لم يأتوك) وهم أهل خيبر، زنى منهم محصنان فكرهوا رجمهما، فبعثوا قريظة ليسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمهما. (سماعون لقوم آخرين لم يأتوك) أي: يسمعون منك لأجل قوم آخرين هم اليهود (يحرفون الكلم) يعني الذي في التوراة، كآية الرجم (من بعد مواضعه) يعني: التي وضعه الله عليها، والمقصود: يبدلونه. (يقولون) يعني: يقولون لهؤلاء الذين أرسلوهم (إن أوتيتم هذا فخذوه) أي: إن أوتيتم هذا الحكم المحرف وهو الجلد؛ لأنهم بدلوا الرجم بالجلد، أي: إن أفتاكم به محمد صلى الله عليه وسلم فاقبلوه. (وإن لم تؤتوه) إن لم يفتكم بالجلد وأتاكم بخلافه (فاحذروا) أي: احذروا أن تقبلوه. (ومن يرد الله فتنته) أي: إضلاله (فلن تملك له من الله شيئاً) أي: تثبيته. (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) يعني: من الكفر، ولو أراده لكان، لكن الله سبحانه وتعالى لم يرد أن يطهر قلوبهم من هذا الكفر. (لهم في الدنيا خزي) أي: ذل بالفضيحة والجزية (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) أي: هو عذاب النار.
تفسير قوله تعالى: (سماعون للكذب أكالون للسحت)
تفسير قوله تعالى: (سماعون للكذب أكالون للسحت) يقول تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة:42]. قوله تعالى: ((أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)) بضم الحاء وسكونها، أي: (السحُت) أو (السحْت). والمقصود الحرام، كالرشوة. ((فَإِنْ جَاءُوكَ)) يعني: لتحكم بينهم (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) فهنا تخيير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا التخيير منسوخ بقوله تعالى: ((وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ)) فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا، وهو أصح قولي الشافعي، فلو ترافعوا إلينا مع مسلم وجب الحكم بينهم إجماعاً. لكن لو أقاموا الحد فيما بينهم فمرجعه إلى الإمام كالحكم الأول، وهو أن الإمام مخير كما في الآية (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) على وجه التخيير، ثم نسخ بقوله: ((وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ)) يعني: ما داموا ترافعوا إلينا فيجب أن يكون الحكم بينهم لا على سبيل التخيير وهو أصح قولي الشافعي، فلو ترافعوا إلينا مع مسلم وجب ذلك إجماعاً. وقوله تعالى: ((وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ)) يعني: بينهم ((فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ)) أي: بالعدل ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) العادلين في الحكم. ومن التأويل أن يفسر السيوطي قوله تعالى: (إن الله يحب المقسطين) بالإثابة. لكن هذه من صفات الله تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله)
تفسير قوله تعالى: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) يقول تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة:43]. قوله تعالى: (وعندهم التوراة) أي: التي جاءهم بها موسى عليه السلام. ((فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ)) يعني: بالرجم. وهو استفهام تعجيب، أي: لم يقصدوا بذلك معرفة الحق، بل ما هو أهون عليهم (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) فهم حينما تحاكموا إليك لم يقصدوا أن يعرفوا الحق؛ لأن الحق وحكم الله موجود عندهم في التوراة، وهو الرجم، لكن هم ما أتوك إلا ليبحثوا عن مخرج، فلعلك تحكم بينهم بما هو أهون من حكم الله المذكور في التوراة وهو الرجم. ((ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ)) يعني: يعرضون عن حكمك بالرجم الموافق لكتابهم ((مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)) أي: من بعد ذلك التحكيم ((وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ))
تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور)
تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور) قال عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]. قوله تعالى: (هدى) أي: من الضلالة (ونور) يعني: بيان للأحكام. ((يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ)) من بني إسرائيل ((الَّذِينَ أَسْلَمُوا)) أي: انقادوا لله، وكل الأنبياء مسلمون، وسنبين هذا بالتفصيل إن شاء الله تعالى. ((يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ)) يعني: ويحكم بها لهم الربانيون، أي: العلماء منهم ((وَالأَحْبَارُ)) أي: الفقهاء (بِمَا) أي: بسبب الذي (استحفظوا من كتاب الله) استودعوه، أي: استحفظهم الله إياه من أن يبدلوه. (وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) أي: أنه حق. قوله تعالى: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ) يعني: أيها اليهود في إظهار ما عندكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم والرجم وغير ذلك. ((وَاخْشَوْنِ)) يعني: في كتمانه، فالخطاب هنا (فلا تخشوا الناس) يعني: فلا تخشوا الناس أيها اليهود، وأظهروا ما في كتابكم من حكم الله، سواء أكان متعلقاً أم بالرجم بنعت النبي محمد صلى الله عليه وسلم. (وَاخْشَوْنِ) يعني: في كتمانه. (وَلا تَشْتَرُوا) أي: لا تستبدلوا (بآياتي ثمناً قليلاً) من الدنيا تأخذونه على كتمانها. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) أي: الكافرون بما أنزل الله تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)
تفسير قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) قال عز وجل: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45]. قوله تعالى: (كتبنا) يعني: فرضنا (عليهم فيها) أي: في التوراة (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) أي أن النفس تقتل بالنفس، والمقصود إذا قتلتها، فمن قتل يقتل. (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) أي: العين تفقأ بالعين (وَالأَنفَ بِالأَنفِ) أي: يجدع بالأنف ((وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ))، أي: الأذن تقطع بالأذن ((وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ)) أي: تقلع السن بالسن، وفي قراءة بالرفع في الأربعة المواضع. ((وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)) قرئ بالوجهين أيضاً، بالرفع والنصب، (والجروحُ) (والجروحَ قصاص)، لكن إذا رفعنا ما مضى فتكون القراءة بالرفع فقط، فإذا قلنا (النفسُ بالنفس والعينُ بالعين والأنفُ بالأنف والأذنُ بالأذن والسنُ بالسن والجروجُ قصاص) نقول: (والجروح قصاص). وقوله: (قصاص) أي: يقتص فيها إذا أمكن، كاليد والرجل ونحو ذلك، وما لا يمكن فيه القصاص ففيه الحكومة، ومعنى الحكومة أن يقدر المجني عليه رخيصاً، ثم ينظر إلى نسبة النقص الذي سببه العدوان في قيمته، فيؤخذ مثلها من الدية، وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مقرر في شرعنا. (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ) أي: بالقصاص، بأن مكن من نفسه (فهو كفارة له) يعني: لما أتاه. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) في القصاص وغيره. (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) يعني أن حكم الله هو العدل، فناسب أن يكون خلافه موصوفاً بالظلم.
تفسير قوله تعالى: (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم)
تفسير قوله تعالى: (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم) قال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [المائدة:46]. قوله تعالى: (وقفينا) أي: أتبعنا (على آثارهم) أي: على آثار النبيين (بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه) أي: قبله (مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ) (هدى) أي: من الضلالة (ونور) أي: بيان للأحكام (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) لما فيها من الأحكام (وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ).
تفسير قوله تعالى: (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه)
تفسير قوله تعالى: (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) قال تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:47]. أي: وقلنا: (ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) من الأحكام ومن الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تبديل، وفي قراءة بنصب (يحكم) وكسر لامه عطفاً على معمول آتيناه، أو: آتينا هو ذلك ليحكم أهل الإنجيل بما أنز الله فيه. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب)
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب) قال عز وجل: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة:48]. أي: أنزلنا إليك يا محمد -صلى الله عليه وسلم- (الكتاب) أي: القرآن (بالحق)، والجار والمجرور متعلق بـ (أنزلنا). (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: بما قبله (مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) أي: شاهداً عليه، والكتاب هنا بمعنى الكتب، فقوله تعالى: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ) يعني: من الكتب التي قبله. (وَمُهَيْمِنًا) أي: شاهداً عليها. (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ) أي: فاحكم بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك (بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) إليك. (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ من الحق)، أي: ولا تتبع أهواءهم عادلاً عما جاءك. نُهي عن أن يعدل عمّا جاءه إلى الهوى. (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ) أيها الأمم (شِرْعَةً) أي: شريعة (وَمِنْهَاجًا) أي: طريقاً واضحاً في الدين يمشون عليه. (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: على شريعة واحدة. (وَلَكِنْ) أي: ولكن فرقكم فرقاً. (لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) يعني: ليختبركم فيما آتاكم من الشرائع المختلفة؛ ليعلم المطيع منكم والعاصي. (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) أي: سارعوا فيها. (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا) أي: بالبعث. (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) يعني: من أمر الدين، ويجزي كلاً منكم بعمله.
تفسير قوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم)
تفسير قوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم) قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة:49]. يعني: وأنزلنا إليك (أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)، ويلاحظ هنا مقابلة الوحي بالهوى، وهذا شيء واقع في القرآن الكريم، فضد الوحي لا يكون إلا الهوى، وأمثلته كثيرة، كقوله تبارك وتعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص:50]، وقوله تبارك وتعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3 - 4]، وقوله تعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى} [ص:26] فما يقابل الشرع لا يكون إلا أهواء، فهذا نهي عن اتباع أهواء هؤلاء القوم. قوله: ((وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ)) يعني: احذرهم لئلا يفتنوك، أي: يضلوك (عن بعض ما أنزل الله إليك). (فإن تولوا) يعني: إن تولوا عن الحكم المنزل وأرادوا غيره ((فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ)) يعني: بالعقوبة في الدنيا ((بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ)) أي: التي أتوها ومنها التولي، ويجازيهم على جميعها في الأخرى (وإن كثيراً من الناس لفاسقون).
تفسير قوله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون)
تفسير قوله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون) قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50] قوله: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)) قرئت (يبغون) بالياء وبالتاء، (أفحكم الجاهلية يبغون) أو (تبغون) والمقصود: يطلبون المداهنة والميل عن الحق إذا تولوا عن حكمك، والاستفهام في الآية استفهام إنكاري. قوله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون) أي: من يظفر منك بالحكم الذي يشتهون؟! لأن الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به حكام الجاهلية. ((وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا)) أي: لا أحد أحسن من الله حكماً (لقوم يوقنون) أي: يوقنون به، وخص هؤلاء الموقنون بالذكر لأنهم الذين يتدبرونه.
الأحكام التفصيلية في قوله تعالى: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر)
الأحكام التفصيلية في قوله تعالى: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) نعود إلى بعض هذه الآيات لنتناولها بالتفصيل. قوله تبارك وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ)) هذا نهي (لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) أي: في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام ومن موالاة الكافرين. (من الذين قالوا آمنا بأفواههم) أي: بألسنتهم. (ولم تؤمن قلوبهم) وهم المنافقون، أي: لا تبال بهم؛ فإني ناصرك عليهم. (ومن الذين هادوا) وهم بنو قريظة كعب بن الأشرف وأصحابه. (سماعون للكذب) يعني: هم سماعون للكذب. وهذا يدل على أن سامع المحظور كقائله في الإثم، وأن الشخص الذي ينصت ويصغي بسمعه إلى الكلام المحرم يكون شريكاً للقائل في الإثم. وهذا الأمر يحصل فيه تساهل كثير جداً في مجتمعاتنا، فترى الإنسان يسمع دون أن ينكر ما يسمعه من الغيبة أو من الكلام المحرم، بل يجب على الإنسان أن يزيل هذا المنكر أو يزول عنه، لكن أن يبقى مستمعاً ومنصتاً ويظن أنه ناج من الإثم لأنه لا يتكلم غير صحيح، فهو يدخل في هذه الآية (سماعون للكذب)، فسامع المحظور كقائله في الإثم. كما يقول الشاعر: وسمعك صن عن سماع القبيح كصون اللسان عن النطق به فإنك عند سماع القبيح شريك لقائله فانتبه قوله تعالى: (سماعون لقوم آخرين لم يأتوك) أي: لم يحضروا مجلسك، وتجافوا عنك إسرافاً في البغضاء، أي: قابلون من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون على أن ينظروا إليك، قيل: هم يهود خيبر، والسماعون بنو قريظة. (يحرفون الكلم) أي: كلم التوراة في الأحكام. (من بعد مواضعه) أي: التي وضعه الله عليها، فيتناولونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون. (يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا) يعني: إن أوتيتم هذا المحرف المزال عن مواضعه من جهة الرسول عليه الصلاة والسلام (فخذوه) يعني: اقبلوه، أو اعملوا به فإنه الحق (وإن لم تؤتوه) بأن أفتاكم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بخلافه (فاحذروا) أي: من قبوله، وإياكم أن تأخذوه؛ فإنه الباطل والضلال. قال ابن كثير: قيل: نزلت في قوم من اليهود قتلوا قتيلا، وقالوا: تعالوا نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإن حكم بالدية فاقبلوه، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه. والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم، فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم وإركاب الزانيين على حمار مقلوبين. فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بذلك. وقد وردت الأحاديث بذلك، فروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: (إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: - عبد الله بن سلام وكان أكبر علمائهم وأفضلهم وسيدهم قبل أن يسلم- ارفع يدك، فرفع يده فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة) أخرجاه، وهذا لفظ البخاري، وفي رواية الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: (مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال: لا والله، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم! إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. قال: فأمر به فرجم، قال: فأنزل الله عز وجل: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)) إلى قوله: ((يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ))) أي: يقولون: ائتوا محمداً، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه واقبلوا الحكم، وإن أفتاكم بالرجم فلا تأخذوه. أخرجه مسلم دون البخاري. يقول تعالى: (ومن يرد الله فتنته) أي: ضلالته (فلن تملك له من الله شيئاً) أي: في دفع ضلالته. (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) يعني: من دنس الفتنة، ووضر الكفر؛ لانغماسهم فيها، وإصرارهم عليها، وإعراضهم عن صرف اختيارهم إلى تحصيل الهداية. (لهم في الدنيا خزي) أي: فضيحة وهتك ستر، وظهور نفاقهم بالنسبة للمنافقين، وذل وخزي وافتضاح لظهور كذبهم في كتمان نص التوراة بالنسبة لليهود. (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وهو عذاب النار.
الأحكام التفصيلية في قوله تعالى: (سماعون للكذب أكالون للسحت)
الأحكام التفصيلية في قوله تعالى: (سماعون للكذب أكالون للسحت) يقول تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة:42]. قوله تعالى: (سماعون للكذب) أي: الباطل، وهو خبر لمحذوف، وكرر تأكيداً لما قبله وتمهيداً لقوله تعالى: (أكالون للسحت) أي: الحرام، وهي الرشوة كما قال ابن مسعود. وقال الزمخشري: السحت كل ما لا يحل كسبه، وهو مأخوذ من (سحته) إذا استأصله؛ لأنه مسحوت البركة، كما قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} [البقرة:276] والربا باب من السحت. وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام، والسحت كله حرام، تحمل عليه شدة الشره، وهو يرجع إلى الحرام الذي لا تكون له بركة، ولا لآكله مروءة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الراشي والمرتشي في الحكم) والراشي هو الذي يدفع، والمرتشي هو الذي يأخذ وقال ابن مسعود: (الرشوة في كل شيء، فمن شفع شفاعة ليرد بها حقاً أو يدفع بها ظلماً فأهدي بها إليه فقبل فهو سحت). وفي هذا حديث صحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، يعني: إذا توسطت لأخيك المسلم، وليس المراد أخاك الذي يصلي معك في الجامع أو صديقك الذي تعرفه، وإنما المراد أخوك في الإسلام، فأي إنسان مسلم إذا شفعت له بشفاعة ونال ما يريده من الحق أو دفع الظلم عنه بسبب شفاعتك، ثم بعد ذلك أعطاك هدية فقبلتها فقد أتيت باباً عظيماً من أبواب الربا بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فالإنسان يعجب حينما يجد الأسئلة في مثل هذا الأمر وهو واضح مثل الشمس، فكيف تصل بنا الأمية في الفقه إلى هذا الحد؟! كيف يصل إهمال العلم الشرعي إلى حد أن بعض الناس لا يعرف أن هذا حرام وأن هذا سحت، وأن هذا أكل أموال الناس بالباطل؟! فما دمت تمثل الشركة مندوباً عنها وتحمل اسمها فأعطيت لك هدية مقابل هذا الاسم فيجب عليك أن تردها إلى الشركة، فمن أخذ شيئاً بسبب ذلك لابد له من أن يرده إلى شركته، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فهلا جلس في بيت أبيه أو أمه فلينظر أيهدى إليه شيء)؟! فإذا جلس في بيته هل كانوا سيهدون له شيئاً؟! ولو في شركة أخرى فهل كانوا سيعطونه هذه الهدية؟! ما اكتسب الهدية إلا بصفته ممثلاً لهذه الشركة، وحينئذٍ فلا يحل له أن يأخذ هذه الهدية وإلا كان من أكلة السحت. فـ ابن مسعود رضي الله تعالى يقول: (الرشوة في كل شيء) ويذكر هنا مثالاً فيقول: (فمن شفع شفاعة ليرد بها حقاً) أي: شخص حقه مهضوم وشفعت له كي ترد إليه الحق، فهذا مقصد شرعي (أو ليدفع بها ظلماً فأهدي بها إليه فقبل فهو سحت) فقيل له: يا أبا عبد الرحمن! ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم! أي: ما كنا نحسب أن هذه الشفاعة المحرمة إنما تحرم في شفاعة الحكم فقط، فقال: (الأخذ على الحكم كفر)، أي أن هذه أفظع، فقد قال الله تعالى: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)). يقول تعالى: (فإن جاءوك فاحكم بينهم) يعني: إن جاءك اليهود لتحكم بينهم فاحكم بينهم؛ لأنهم اتخذوك حكماً. (أو أعرض عنهم): لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق، بل ما يوافق أهواءهم، والمقصود أنك بالخيار، وقد استدل بالآية من قال: إن الإمام مخير في الحكم بين أهل الذمة أو الإعراض عنهم. يقول القاسمي: والتحقيق أنها محكمة والتخيير باق. فـ القاسمي يرجح أن التخيير باقٍ والآية محكمة وليست منسوخة، وهو مروي عن الحسن والشعبي والنخعي والزهري، وبه قال أحمد، فلا منافاة بين الآيتين، فإن قوله تعالى: (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) فيه التخيير، وقوله تعالى: ((وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ)) فيه كيفيه الحكم إذا حكم بينهم, وهي أن يحكم بينهم بما أنزل الله، فالمقصود بها بيان كيفية الحكم إذا اختار أن يحكم بينهم. (وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً) يعني: لن يقدروا على الإضرار بك؛ لأن الله تعالى عاصمك من الناس، فصلى الله عليه وسلم. (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) أي: بالعدل الذي أمرت به، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل. (إن الله يحب المقسطين) أي: العادلين فيما ولوا وحكموا. وقد روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن -وكلتا يديه يمين-، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا).
الأحكام التفصيلية في قوله تعالى: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله)
الأحكام التفصيلية في قوله تعالى: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) يقول تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة:43]. قوله تعالى: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) هذا تعجبٌ من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه، مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدعون الإيمان به. (وكيف يحكمونك) هذا التعجيب من شأن هؤلاء الناس، فهم يزعمون أنهم لا يؤمنون بالرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يؤمنون بقرآن، والحكم الذي يسألون عنه موجود ومنصوص عليه في كتبهم، ومع ذلك يأتون ليتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. (وعندهم التوراة فيها حكم الله) يعني: في المسألة التي تحاكموا فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حكم الله حسب اعتقادهم أو بحسب الحقيقة، ووجود هذا الحكم الخاص فيها لا ينافي القول بوجود أشياء أخرى كثيرة محرفة. وسماها التوراة إما باعتبار عرفهم أو باعتبار أصلها، فقال: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) يعني: باعتبار عرفهم أنهم يطلقون اسم التوراة على الكتاب الذي بين أيديهم، لكنها في الحقيقة ليست هي التوراة المضبوطة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام؛ لأنهم قد قاموا بالتحريف والتبديل، كما ذكر تعالى آنفاً فقال: ((يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ)) فهذه سجية فيهم غير محدثة، وهذه حرفة يهودية قديمة، أي: التحريف والتبديل والتزوير كما بين الله تبارك وتعالى. فتسميتها التوراة هنا إما باعتبار أصلها الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام، وإن كان مخالفاً لما بين أيديهم، أو باعتبار أنها التوراة في عرفهم ونظرهم، أو لاشتمالها على أشياء كثيرة من التوراة الحقيقية، ولولا ذلك لما صح أن تسمى بذلك، فلولا وجود بقية من الحق فيها لما صح أن تسمى التوراة، ونفس الشيء يقال في الإنجيل، مع اعتقاد تحريفهما وتبديلهما وعدم صحة كثير من أجزائهما. (ثم يتولون من بعد ذلك) أي: من بعد البيان في التوراة، ومن بعد حكمك الموافق لما في التوراة (وما أولئك بالمؤمنين) يعني: بالتوراة، كما يزعمون. قال الحاكم: وفي الآية دلالة على أنه لا يجوز طلب الرخصة بترك ما يعتقده حقاً إلى ما يعتقده غير حق. وقوله: (ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين) يدل على أن التولي عن حكم الله يخرج المرء عن الإيمان، وإذا كره حكم الشرع وطلب حكم غيره فهل ذلك يخرجه عن حكم الإيمان؟ هذا ينبغي أن يفصل فيه، فيقال: إن اعتقد صحته أو رأى له مزية أو تعظيماً أو استهان بحكم الإسلام فلا إشكال في كفره، وكأنه هنا يفصل ما سيأتي في الآية التالية في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، فقوله تعالى: (ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين) فيه نفي الإيمان عمن يتولى عن حكم الله تبارك وتعالى. فهنا بعض العلماء يفصل الكلام، فيقول: إن اعتقد -يعني هذا الشخص الذي يحكم بغير ما أنزل الله- صحة هذا الحكم الذي ينافي حكم الشريعة، أو رآه مساوياً لحكم الإسلام، أو أحسن من حكم الله، أو استهان بحكم الإسلام، فهذه الأحوال كلها لا إشكال في كفر فاعلها، ففي هذه الحالة لا إشكال فيه أنه كفر أكبر مخرج من الملة. وإن لم يحصل منه ذلك، بل اعتقد أنه باطل خفيف، وكان معظماً لشرع الإسلام، ولكن يميل إلى هوى نفسه، فهذا لا يكفر على الظاهر؛ إذ الكفر يحتاج إلى دليل قاطع، فإن كان يعظم شرع الله سبحانه وتعالى، ويقر بحكم الله، وأن هذه الأحكام الوضعية المخالفة للشريعة باطلة ووضيعة ونحو ذلك كذا وكذا لكنه يحكم بغير ما أنزل الله اتباعاً للهوى فهذا لا يكفر على الظاهر، وله نظير في أي معصية، كشرب الخمر مثلاً، فقد يكون رجل يشرب الخمر ويكون مسلماً، ورجل لا يشرب الخمر ويكون كافراً، فالذي يشرب الخمر وهو يعرف أنها حرام وأن القرآن أمر باجتنابها ويقر بحكم الله فيها، ويرى أنها أم الخبائث، لكن هواه يغلبه فيشرب الخمر هو فاسق وعاص، ولا يكفر بمجرد ذلك، لكن ينقص إيمانه، أما الذي يعتقد أن الخمر حلال وشيء مباح ويجحد حكم الله سبحانه وتعالى فيها فهو -قطعاً- كافر مرتد، حتى لو لم يشرب الخمر؛ لأن هذا يكفر بالاعتقاد القلبي، فهو بقلبه يعتقد تحليل ما حرم الله قطعاً، ولذلك يكفر بذلك.
الأحكام التفصيلية في قوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون)
الأحكام التفصيلية في قوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور يحكم بها النبيون) ثم أشار تبارك وتعالى إلى حالة اليهود الذين كانوا لا يبالون بالتوراة ويحرفونها ويقتلون النبيين؛ لأنهم خالفوا ما أمرهم الله به في شأنها من الهداية بها وصونها عن التحريف، فقال عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]. قوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً) أي: إرشاد للحق. (ونور) أي: إظهار لما انبهم من الأحكام. (يحكم بها النبيون) يعني: من بني إسرائيل؛ لأن كل نبي من قبل كان يبعث إلى قومه خاصة، ولم يبعث أحد إلى الناس عامة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان التبشير بالنصرانية بدعة مخترعة في النصرانية، فلا يوجد نص أبداً في الإنجيل الذي بين أيديهم الآن يأمرهم بأن يدخلوا غير بني إسرائيل في النصرانية أبداً، بل عندهم نصوص كثيرة في الإنجيل ينص فيها المسيح عليه السلام على أنه ما بعث إلا إلى بني إسرائيل الضالة، أو كما روي عنهم، كما قال عز وجل: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [آل عمران:49]. أما موضوع التبشير فقد اخترعه بولس الخبيث بعد المسيح بمدة، حينما افترى وزعم أنه ظهر له في السماء من يناديه ويقول له: اذهبوا وادعوا جميع الأمم باسم كذا وكذا وكذا إلى آخره، فليس في النصرانية تبشير أصلاً أو دعوة للأمم الأخرى، وإنما هي دعوة خاصة ومحدودة لبني إسرائيل، وكذلك دعوة موسى عليه السلام، ولذلك نفسر قوله تعالى هنا: ((إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ)) أي: من بني إسرائيل؛ لأن هؤلاء الأنبياء الذين حكموا بالتوراة كانوا أنبياء بني إسرائيل فقط، قوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور يحكم بها النبيون) يعني: من بني إسرائيل (الذين أسلموا) أي: الذين كانوا مسلمين من لدن موسى إلى عيسى عليهما السلام، وسنذكر سر هذه الصفة. (للذين هادوا) وهم اليهود؛ لأن (هاد) بمعنى: تاب ورجع إلى الحق. فقوله: (للذين هادوا) أي: لا لمن يأتي بعدهم، ولم يختص بالحكم بها الأنبياء، بل: (يحكم بها الربانيون) أي: الزهاد العباد (والأحبار) أي: العلماء الفقهاء. (بما استحفظوا من كتاب الله) أي: بسبب الذي استودعوه من كتاب الله أن يحفظوه من التغيير والتبديل، وأن يقضوا بالأحكام. وفي قوله تعالى: (استحفظوا) الضمير هنا عائد للأنبياء والربانيين والأحبار جميعاً، ويكون الاستحفاظ من الله، أي: استحفظهم الله كتابه، بمعنى أن الله كلفهم بحفظ كتابه. أو يكون الواو عائداً على الربانيين والأحبار، ويكون الذين استحفظهم هم الأنبياء، (وكانوا عليه شهداء) يعني: رقباء يحمونه من أن يحوم حوله التغيير والتبديل بوجه من الوجوه، أو شهداء بأنه حق وصدق من عند الله، فمعلموا اليهود وعلماؤهم الصالحون لا يفتون ولا يقضون إلا بما لم ينسخ من شريعتهم وما لم يحرف منها؛ لشيوعه وتداوله وتوافر العمل به. وهذا هو السبب الذي من خلاله حصل التحريف في هذه الكتب؛ لأن التحريف في الكتب السابقة كان أمراً شرعياً إرادياً، أي أ، الله سبحانه وتعالى كلفهم بحفظه، والمقصود أحبار بني إسرائيل، أو الربانيين. فما دام كلفهم بحفظه فهذا تكليف، ومادام تكليفاً فيمكن أن يقع ويمكن أن لا يقع؛ لأنه أمر شرعي طلبي إرادي وليس أمراً كونياً قدرياً، فقد يتخلف الأمر الشرعي فيطيعون أو يعصون، وقد يفون بالعهد وقد ينقضونه ويقعون في تحريف كتاب الله، فمن أجل ذلك حصل التحريف؛ لأن استحفاظ هذه الكتب كان مهمة ألزم الله بها أحبارهم ورهبانهم، فضيعوها وخانوا الأمانة. أما القرآن الكريم فإن الله سبحانه وتعالى لم يكل حفظه إلى أحد من خلقه، بل الله عز وجل هو الذي تكفل بحفظه، فانظر إلى هذه الآية العظيمة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] كلها عظمة وقوة قاهرة تقطع بأن القرآن محفوظ، الأمر الذي لا يمكن ليهودي، ولا لنصراني، ولا لملحد، ولا لأي مخلوق وجد على الأرض منذ نزلت هذه الآية وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يمكن لأحد أن يثبت تحريف حرف واحد من كلام الله أبداً، وهذه من أعظم آيات نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حتى لو أن رجلاً في أقاصي الدنيا لحن في حرف واحد من القرآن، أو أسقط كلمة من القرآن لرد عليه مئات الصبيان في الكتاتيب، وردوا عليه بأن هذا غير صحيح، فهذا من آيات الله سبحانه وتعالى القائل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} [الحجر:9] وهو القرآن الكريم، ويدخل فيه السنة أيضاً، وقوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] تأكيد وقطع، وهذا الوعد لم يتخلف؛ لأن الله قضى بذلك. وهذا لا يعني أننا لا نأخذ بأسباب حفظ الكتاب، وإن كان ذلك فهو لا يقع فيه تحريف أبداً، وأذكر في الستينات أن عصابات اليهود كانوا حاولوا إصدار بعض الطبعات من المصحف الشريف، وحرفوا فيها سيراً على الحرفة التي يتقنونها طول عمرهم، نفس الحرفة الدنيئة الخبيثة المتأصلة فيهم، وقد كانوا روجوها في بعض البلاد الإفريقية، وكل محاولات هؤلاء أو غيرهم للتلاعب بآيات الله تفضح في الحال ولا تمكث أبداً، ولله الحمد على أنه ما زال هناك تسخير ونقيض لحفظ كتاب الله من التلاعب به والتحريف حتى مع وجود كثير من مظاهر الوهن والضعف في كثير من بلاد المسلمين. ورغم ما آل إليه حال الأزهر عموماً لكننا نجد فيه حتى الآن العناية بالمصحف والاهتمام الشديد جداً بالمراجعة والتصحيح والتدقيق في ذلك، وهذا كله من الأسباب التي ييسر الله عز وجل بها حفظ كتابه. وقوله تبارك وتعالى: ((يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا)) هذه الصفة أجريت على النبيين على سبيل المدح، وأريد بإجرائها التعريض باليهود، وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث، وأن اليهودية بمعزل عنها. هذا كلام الزمخشري في الكشاف وقد رد عليه ناصر الدين ابن المنير في حاشيته فقال: وإنما بعثه على حمل هذه الصفة على المدح دون التفصيل والتوضيح أن الأنبياء لا يكونون إلا متصفين بها، فذكر النبوة يستلزم ذكرها، فمن ثم حملها على المدح، وفيه نظر. والمقصود بها التعريض باليهود بأنهم ليسوا مسلمين، وأن الإسلام الذي هو دين الأنبياء أجمعين برئ منهم، فيذكر الناصر أن فإنك المدح إنما يكون غالباً بالصفات الخاصة، فإذا أردت أن تمدح شخصاً فأنك تمدحه بصفة امتاز بها عن غيره. والإسلام لفظ عام يتناول أمم الأنبياء ومتبعيهم، فقوله: (الذين أسلموا) يدخل فيه عوام المسلمين وأمم الأنبياء أجمعين، كما يدخل فيه الأنبياء أنفسهم، ألا ترى أنه لا يحسن في مدح النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتصر على كونه رجلاً مسلماً، فلو أن رجلاً أراد أن يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن محمداً عليه الصلاة والسلام رجل مسلم. فهل هذا مدح له؟ لا، لا يكون هذا مدحاً؛ لأن هذا أمر مقطوع به، فالرسول عليه الصلاة والسلام مسلم قطعاً بلا شك، وهو أول المسلمين، لكن إذا أردت مدحه فتمدحه بشيء اختص به الممدوح عمن سواه؛ لأن أقل متبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصف -أيضاً- بصفة الإسلام. يقول: فالوجه -والله تعالى أعلم- أن الصفة قد تذكر للعظم في نفسها، ولينوه بها إذا وصف بها عظيم القدر. والمدح هنا لصفة الإسلام نفسها لا للرسول نفسه، أو للأنبياء أنفسهم، (يحكم بها النبيون الذين أسلموا) فالمدح هنا لصفة الإسلام، من حيث إن الأنبياء -وهم أعلى الناس قدراً- متصفون بصفة الإسلام، فاقتدوا بهم في هذه الصفة. يقول: فالوجه -والله أعلم- أن الصفة قد تذكر للعظم في نفسها، ولينوه بها إذا وصف بها عظيم القدر، كما يكون ثبوتها بقدر موصوفها. فالحاصل أنه كما يراد إعظام الموصوف بالصفة العظيمة قد يراد إعظام الصفة لعظم موصوفها، وعلى هذا الوصف جرى وصف الأنبياء بالصلاح في قوله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات:112] فهنا المدح لإسحاق أم لصفة الصلاح؟ هنا المقصود به التنويه بصفة الصلاح وبمقداره إذ جعلت صفة الصلاة لأكمل الناس -وهم الأنبياء- بعثاً لآحاد الناس على الدأب في تحصيل صفته، وكذلك قيل في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر:7] فأخبر عن الملائكة المقربين بالإيمان قال: (ويؤمنون به) تعظيماً لقدر الإيمان، وبعثاً للبشر على الدخول فيه ليساووا الملائكة المقربين في هذه الصفة، وإلا فمن المعلوم أن الملائكة مؤمنون ليس إلا. ولهذا قال: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر:7] يعني: من البشر؛ لثبوت حق الأخوة في الإيمان بين الطائفتين، فكذلك -والله تعالى أعلم- جرى وصف الأنبياء في هذه الآية بالإسلام تنويهاً به، فالمدح هنا لصفة الإسلام، في قوله: (يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) ولقد أحسن القائل في مدحه عليه الصلاة والسلام حيث قال: فلئن مدحت محمداً بقصيدتي فلقد مدحت قصيدتي بمحمد عليه الصلاة والسلام. والإسلام وإن كان من أشرف الأوصاف -إذ حاصله معرفة الله تعالى بما يجب له ويستحيل عليه ويجوز في حقه- إلا أن النبوة أشرف الأوصاف؛ لاستعمالها على عموم الإسلام مع خواص المواهب التي لا تسعها العبارة، فلو لم نذهب إلى الفائدة المذكورة -في ذكر الإسلام بعد النبوة في سياق المدح- لخرجنا عن قانون البلاغة المألوف في الكتاب العزي
المائدة [51 - 58]
تفسير سورة المائدة [51 - 58]
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) يقول تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) يعني: توالونهم وتوادونهم، بأن تولوهم أموركم، وتعتمدوا على الاستنصار بهم. (بعضهم أولياء بعض) أي: بعضهم ينصر بعضاً لاصطحابهم في الكفر، يعني: وأنتم لستم مساوين لهم في صفة الكفر. (ومن يتولهم منكم) أيها المؤمنون (فإنه منهم) أي: من جملتهم، يعني: كأنه مثلهم. (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) بموالاتهم الكفار.
تفسير قوله تعالى: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم)
تفسير قوله تعالى: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم) يقول تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة:52]. قوله تعالى: (فترى الذين في قلوبهم مرض) أي: ضعف اعتقاد، كـ عبد الله بن أبي المنافق. (يسارعون فيهم) أي: في موالاتهم. (يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) يقولون معتذرين عن المسارعة إلى هذه الموالاة: نخشى أن تصيبنا دائرة يدور بها الدهر علينا من جدب أو غلبة ولا يتم أمر محمد صلى الله عليه وسلم فلا يميرونا. أي: يقاطعوننا اقتصادياً، ولا يعطوننا الميرة، وهي الطعام. قال تعالى: (فعسى الله أن يأتي بالفتح) يعني: بالنصر لنبيه صلى الله عليه وسلم بإظهار دينه. (أو أمر من عنده) يعني: بهتك ستر المنافقين وافتضاحهم. (فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم) يعني: من الشك وموالاة الكفار (نادمين).
تفسير قوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم)
تفسير قوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم) يقول تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} [المائدة:53]. قوله تعالى: ((وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا)) بالرفع استئنافاً، وهناك قراءة أخرى بالنصب عطفاً على (أن يأتي)، وهناك قراءة بدون الواو (يقول الذين آمنوا)، والمعنى: يقول الذين آمنوا بعضهم لبعض إذا هتك سترهم تعجباً: ((أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ)) أي: غاية اجتهادهم فيها ((إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ)) يعني: في الدين. قال تعالى: ((حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)) أي: بطلت أعمالهم الصالحة، ((فَأَصْبَحُوا)) أي: صاروا ((خَاسِرِينَ)) أي: خاسرين الدنيا بالفضيحة، والآخرة بالعقاب.
الأحكام التفصيلية في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء)
الأحكام التفصيلية في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) قوله تبارك وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) وصفهم بعنوان الإيمان بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه، فإن ذكر صفتهم بضد صفات الفريقين من أقوى الزواجر عن موالاتهما، فوصفهم الله سبحانه وتعالى بصفة الإيمان فقال: (يا أيها الذين آمنوا) لأنه بعد سيتكلم عن الكفار، فالاختلاف في صفة الإيمان والكفر يقتضي الاختلاف -أيضاً- في المحبة والموالاة، فلا يوالي الإنسان ولا يحب عدو الله عز وجل. ثم يقول تبارك وتعالى: (بعضهم أولياء بعض) هنا إيماء إلى علة هذا النهي عن موالاة اليهود والنصارى، وعلة هذا النهي هي أن هؤلاء اليهود والنصارى متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضاً لاتحادهم في الدين، وإجماعهم على مضادتكم، فكيف يكون المرء مؤمناً موحداً مسلماً يخالفهم في الدين ثم بعد ذلك يقع في موالاتهم؟! ((وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)) أي: يصير من جملتهم إذا والاهم وأحبهم، وحكمه حكمهم وإن زعم أنه مخالف لهم في الدين. فهو بدلالة الحال منهم لدلالته على كمال المعتقد؛ لأن الإنسان إذا كان لا يصاحب إلا الكافر فيكون أكيله وشريبه وقعيده وصفيه وخليله، ويحبه ويناصره ويواليه، ويذهب معه ويجيء ويروح معه كان ذلك الاقتران في الظاهر يدل دلالة كاملة على أنه مثله، أو حكمه حكمهم، أو أنه من جملتهم. وقد ذكر بعض العلماء ضابطاً يستخرج به الإنسان من قلبه هذا المعنى الذي هو البراءة من الكفار، وهو أن يستحضر ما يعتقد هذا الكافر في الله وفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعني: هذا الكافر الذي تتخذه صديقاً وتصافيه وتعاشره معاشرة الإخوة والأحباب إذا سألته: ماذا تعتقد في محمد صلى الله عليه وسلم؟ أو إذا سألت نفسك: ماذا يقول هذا عن محمد عليه الصلاة والسلام؟ فهو -والعياذ بالله- يصف رسول الله بأنه -حاشاه- قد كذب وافترى على الله، وادعى أن الوحي نزل عليه، وهو يختلق القرآن إلى آخره، فضلاً عن أنه يعبد غير الله، فإنه يعبد عيسى عليه السلام الذي هو عبد الله، أو يشتم الله كاليهود الذين يسبون الله عز وجل وأنبياءه، فإذا استحضرت أن هذه عقيدته التي في باطنه وقلبه نشأ لك بذلك أشد النفور. ولذلك قال بعض العلماء لما دخل على مجلس أحد الخلفاء القرشيين فوجد عنده يهودياً أو نصرانياً معظماً موقراً قال له: يا ابن الذي حبه في الورى وطاعته حتم واجب إن الذي شرفت لأجله يزعم هذا أنه كاذب ومقصوده بقوله: إن الذي شرفت لأجهل هو الرسول صلى الله عليه وسلم. فشخص يصف محمداً عليه الصلاة والسلام بأنه كاذب ولم تجد في قلبك إنكاراً لهذا وبغضاً لما يعتقد هذا في حق أصدق الصادقين محمد عليه الصلاة والسلام فمعنى ذلك أنه ليس في قلبك إيمان، ليس في قلبك حياة ولا إيمان ولا محبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الرجل إذا سب أبوه أدنى من ذلك وأهون من ذلك من السباب فإنه يغضب ويثور ويعادي من يفعل به ذلك، فكيف بمن يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصفه بالكاذب؟! وكيف يلتقي قلب مؤمن موحد مع مثل هذا القلب؟! فمن ثم يقول الزمخشري: وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تتراءى نارهما) فينبغي للمسلم أن يباعدهم بقدر استطاعته، حتى لا تتراءى النار في الأفق من شدة المباعدة بينهما. ومنه قول عمر رضي الله تعالى عنه لـ أبي موسى في كاتبه النصراني: (لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله). قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار. وهذه الآيات من أشد النصوص التي نحن في حاجة إلى التذكير بها في هذا الزمان؛ لأن هذه العقيدة الخطيرة هي أخطر مسائل الإيمان بعد التوحيد، وهي قضية موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، فهي الركن الوتين في الدين، وأصل عظيم جداً من أصول الإيمان، ومما علم من الدين بالضرورة، ومع ذلك حصل الآن عند الناس -نتيجة الفتن التي نعيش فيها- اهتزاز خطير جداً في قلوبهم، إلا من رحم الله تبارك وتعالى، حصل اهتزاز عجيب جداً في قلوب الناس في قضية الولاء والبراء، فآيات القرآن واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار أنه يجب أن لا تقع أبداً الموالاة ولا المصافاة بين مؤمن موحد وبين كافر عدو لله عز وجل، ولذلك قال ابن سيرين: قال عبد الله بن عتبة: (ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر) أي: ليتق أحدكم أن يصير يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر. قال هذا الكلام يريد به هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51].
الأحكام التفصيلية في قوله تعالى: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم)
الأحكام التفصيلية في قوله تعالى: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم) ثم بين تبارك وتعالى كيفية توليهم، وأشعر بسببه، وبما يئول إليه أمره كل من يقع في هذه الصفة المهلكة، وهي موالاة الكفار، فالآيات التالية توضح صورة الموالاة وكيفيتها أولاً، وتوضح سببها ثانياً، وتوضح عاقبتها ثالثاً. فقال عز وجل: ((فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)) فلا يقع في هذه الموالاة ويفرح بها وينافح عنها إلا الذي في قلبه دخن ومرض وشك وشبهة والعياذ بالله! (فترى الذين في قلوبهم مرض) أي: نفاق وشك في وعد الله لإظهار دينه، فعندما يسمعون وعد الله عز وجل بقوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33] يكون عندهم شك ونفاق ولا يصدقون وعد الله عز وجل، ويظن أحدهم بالله ظن السوء، ويحس أن الله سبحانه وتعالى سيترك الباطل دائماً مرتفع الكلمة على الحق، وأن الحق يكون مقموعاً، لكن الأيام دول، فيوم لك ويوم عليك، وسنة الله سبحانه وتعالى أن يدال الناس: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:140] فترى الذي في قلبه مرض يوالي أعداء الأمة وأعداء الدين وأعداء المسلمين، بحيث إذا لم تتحقق بشائر نصرة الدين، ولم تكن الكفة في صف المسلمين فإنه يكون قد احتاط لنفسه واتخذ عند هؤلاء جميلاً أو صنيعة تنفعه في يوم من الأيام إذا خسر المسلمون الجولة. فقوله تعالى: ((فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)) يعني: نفاق وشك في وعد الله لإظهار دينه. ((يُسَارِعُونَ فِيهِم)) فالأمر فيه مسابقة، كما حصل من بعض دول الخليج التي كانت تتسابق على الارتماء في أحضان إسرائيل، حتى إن رئيس الوزراء اليهودي قال: ما هذا الذي يفعله العرب؟! فهم أنفسهم استنكروا هذا التهافت على تدعيم العلاقات مع إسرائيل وغير ذلك، فكان بين بعض دول الخليج تسابق نتيجة الصراعات التي بينهم، يريدون من أن يحتموا باليهود ويكون لهم منعة. حتى قال بعض الناس: إننا كنا طلبنا منذ مدة بعيدة من إسرائيل أن تنضم إلى جامعة الدول العربية. فاليهود لما علموا بهذا الاقتراح قالوا: لا يوجد شيء اسمه جامعة الدول العربية، فنحن سنعمل نظاماً آخر حتى إنهم -أيضاً- صار يتحكمون في هذا الأمر. فهذا نموذج مما نراه، (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم)، وبعضهم لا يرتمي في أحضان إسرائيل فحسب، بل يضع جبهته تحت أقدام إسرائيل وتحت التراب الذي تدوس عليه إسرائيل، ذلة ما بعدها ذلة، والعياذ بالله! هذا هو واقع المسلمين الآن ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهذا من صور الضعف والهوان عند المسلمين، فترى أهل المرض (يسارعون فيهم) يعني: في مودتهم في الباطن والظاهر، من غير أن ينظروا إلى العواقب التي تترتب على ذلك. (يقولون) يعني: وهم يعتذرون عن هذا الفعل. فإذا قيل لهم: لماذا تسارعون هكذا وتتسابقون في موالاة الكفار يقولون معتذرين عن هذا الفعل: (نخشى أن تصيبنا دائرة) أي: من دوائر الزمان، وصرف من صروفه، فتكون الدولة لهم فنحتاج إليهم، فنحن نحذر من شرهم. ولا يفكرون بأن الدائرة ربما تصيب هؤلاء الذين يوالونهم، والدائرة من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها، وأصلها الخط المحيط بالسطح، واستعيرت لنوائب الزمان لملاحظة إحاطتها واستعمالها في المكروه، وعكس الدائرة الدولة، والدولة هي الغلبة، وقد تستعمل الدولة بمعنى الدائرة، لكن ذلك قليل. ثم رد الله تعالى عللهم الباطلة، وقطع أطماعهم الفارغة، وبشر المؤمنين بالظفر، فقال عز وجل: (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده) يعني: إن كانوا هم يسارعون فيهم، ويبررون ذلك أو يعتذرون بأنهم يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة فقد قطع الله سبحانه وتعالى هذا العذر بقوله: ((فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ)) فتكون الدائرة -دائرة السوء- على هؤلاء الذين تحبونهم وتوالونهم، وتفتضحون حينئذٍ. (فعسى الله أن يأتي بالفتح) سواءٌ أكان المقصود فتح مكة، أم فتح قرى اليهود من خيبر وفدك، أم القضاء الفصل بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين. فقوله: (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده) يعني: يقطع شأفة اليهود ويجليهم عن بلادهم. (فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) الواو تعود إلى المنافقين الذين في قلوبهم مرض، وهم هؤلاء الذين يسارعون في مودتهم، (فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم) وما الذي أسروه في أنفسهم؟ إنه الشك في ظهور الإسلام، أو أسروا في أنفسهم النفاق. وقوله: (نادمين) لافتضاحهم بالنفاق مع الفريقين، فلا يرضى عنهم هؤلاء، ولا يرضى عنهم هؤلاء، فلا يبقون مع المسلمين بعدما يفتضحون، ولا والاهم ولا نصرهم اليهود، بل ندموا لافتضاحهم بالنفاق مع الفريقين. وتعليق الندامة بما كانوا يكتمونه من نوعية موالاة الكفار، أي: كانوا يظهرون موالاة الكفار، والله عز وجل قال هنا: (فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين)؛ لأن السبب الحقيقي الذي أدى بهم إلى موالاة الكفار -وهو الأمر الظاهر- وجود المرض في قلوبهم، وتأمل هذا جيداً، حيث قال تعالى: ((فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا)) ولم يقل تعالى: (فيصبحوا على ما فعلوا)، فتشمل الآية ما أبطنوه وما أظهروه، فهم أظهروا موالاة الكفار وأبطنوا الشك والنفاق في وعد الله بنصرة رسوله وعزة دينه. فالذي في قلوبهم هو الشك بوعد الله، والشك في أن المستقبل والنصرة للإسلام، هذا السبب القلبي انعكس على مواقفهم الظاهرة في موالاة الكفار، فالله سبحانه وتعالى في هذا الموضع علق ندامتهم على ما كانوا يكتمونه لا على ما كانوا يظهرونه، فما الذي كانوا يكتمونه؟ إنه الشك والنفاق؛ لأن الشك هو منبع المشكلة الذي كان يحملهم على الموالاة ويغريهم بها، فدل ذلك على ندامتهم عليها بأصلها، وسببها الذي هو ما أسروه في أنفسهم من الشك. وقوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا) قرى الفعل (يقول) بالنصب عطفاً على (أن يأتي) في الآية المتقدمة، أي: وعسى أن يقول الذين آمنوا. فتكون بالنصب، وقرئ بالرفع على أنه كلام مبتدأ مستأنف. فقوله تعالى: ((وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا)) أي: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت حين يصبح المنافقون على ما أسروا في أنفسهم نادمين. وقول المؤمنين قد يكون المراد به أنه يقوله بعضهم لبعض اغتباطاً وسعادة وفرحاً، وتعجباً من حال المنافقين، واغتباطاً بما من الله عليهم من التوفيق في الإخلاص وعدم الشك والنفاق. ((أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ)) أي: حلفوا لكم بأغلظ الأيمان. ((إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ)) كانوا يحلفون بأغلظ الأيمان إنهم لمعكم لأن عادة المنافقين الاستجنان بالأيمان الكاذبة، واتخاذ الأيمان والحلف جنة ووقاية، كما قال عز وجل: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [المجادلة:16] فقوله: (جنة) يعني: وقاية، حتى يخدعوا المؤمنين فلا يعاملوهم على ما هم عليه في الحقيقة من النفاق، فيقولون: والله العظيم إننا لكذا، والله العظيم ما نريد إلا كذا إلى آخر ذلك. ومعنى قولهم: ((إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ)) أي: أولياؤكم ومعارضوكم على الكفار. وهذا القول الصادر من المؤمنين إما أن يكون المراد به أنه يقوله بعضهم لبعض، وإما أنهم يقولون هذا الكلام لليهود، يقولون لهم: أيها اليهود! أهؤلاء المنافقون الذين هربوا وخذلوكم الآن بعدما أذلكم الله، بعد أن أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم؟! وهناك آية أخرى في القرآن تعطي نفس المعنى في سورة الحشر، قال تعالى: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} [الحشر:11] فقولهم (لننصرنكم) قسم تقديره: والله لننصرنكم يقول تعالى {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} [الحشر:11 - 12]. فهنا يقول المؤمنون: أرأيتم -أيها اليهود- كيف حال هؤلاء المنافقين الذين فضحهم الله؟! إذاً: التفسير الأول: يقول المؤمنون بعضهم لبعض تعجباً من حال المنافقين وامتناناً وغبطة بما من الله عليهم من التوفيق في الإخلاص والنجاة من الريب والنفاق. هذا القول الأول. أو أن الذين آمنوا يعودون إلى اليهود ويقولون لهم: أرأيتم -أيها اليهود- هؤلاء المنافقين الذين كانوا يحلفون لكم إنهم لمعكم كيف خذلوكم وكيف أذلهم الله؟! فالتفسير الثاني أنهم يقولونه لليهود؛ لأنهم حلفوا لهم على المعاضدة والمناصرة، كما حكى الله عنهم قولهم: {وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} [الحشر:11]. فيقول المؤمنون لهم: انظروا -أيها اليهود- أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم؟! لقد تباعدوا عنكم. فيظهر أنهم لم يكونوا مع المؤمنين ولا مع اليهود، فهذا هو المقصود بأن الله سبحانه وتعالى سيفضحهم، ويذلون على أيدي المؤمنين من جهة، وعلى أيدي أعداء الدين الذين والوهم من جهة أخرى. وعلى ذلك إما أن يكون باقي الآية من تمام كلام المؤمنين وإما أنه من الله سبحانه وتعالى. يقول تعالى: ((حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ)) في الدنيا إذ ظهر نفاقهم عند الكل، وفي الآخرة إذ لم يبق لهم ثواب؛ لأن الذي حبط عمله يأتي في الآخرة خاسراً لا خلاق له، ولا شيء في ميزان حسناته. قال الزمخشري: هذه الجملة من قول المؤمنين، أي: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأي أعين الناس. وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أحبط عملهم! ما أخسرهم! أو أن قوله: (حبطت أعمالهم) من كلام الله شهادة لهم بحبوط الأعمال، وتعجيباً من س
سبب نزول قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) وما بعدها
سبب نزول قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) وما بعدها أما سبب نزول هذه الآية الكريمة فهناك عدة روايات في سبب نزول هذه الآيات، منها: ما وري عن السدي أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي فأواليه وأتهود معه لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث. وقال الآخر: أما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فأواليه وأتنصر معه، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة:51] إلى آخر الآية. وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة فسألوه: ما هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، يعني: الذبح. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول، فقد روى ابن جرير عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت -من بني الحارث بن الخزرج- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. فقال عبد الله بن أبي المنافق: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـ عبد الله بن أبي: يا أبا الحباب! أرأيت الذي نفست به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه. قال: إذاً أقبل. فأنزل الله عز وجل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ)) [المائدة:51]). ثم روى ابن جرير عن الزهري قال: لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: أسلموا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال مالك بن الصيف: غركم إن أصبتم رهطاً من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أسررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقاتلونا. فقال عبادة بن الصامت -لما سمعهم يقولون هذا للمسلمين-: يا رسول الله! إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم، كثيراً سلاحهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية يهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. ولما حصلت الخيانة المعروفة من يهود بني قينقاع التي فعلوها مع الرسول عليه الصلاة والسلام، وتمكن منهم ونزلوا على حكمه قام عبد الله بن أبي ليناصر إخوانه اليهود لما تمكن منهم الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: (يا محمد! أحسن في موالي -وكانوا حلفاء الخزرج- قال: فأبطأ عليه رسول الله، فقال: يا محمد! أحسن في موالي. قال: فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلني. وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللاً، ثم قال: ويحك أرسلني! قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم غداة واحدة! إني امرؤ أخشى الدوائر: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم لك). وقال محمد بن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: (لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكان أحد بني عوف من الخزرج لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي - فخلعهم إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتبرأ إلى الله عز وجل وإلى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله! أتولى الله ورسوله والمؤمنين) فالمسلم في أشد المواقف لا يتزحزح قيد شعرة عن موالاته لله ورسوله ولا ينتابه ضعف أو غير ذلك، أما أن ينحاز إلى أعداء الدين عسى أن يجد عندهم نصرة أو خيراً فله الذل والهوان. وهذا في كل زمان وليس فيما مضى من الأزمان، لكن آية ذلك واضحة الآن في هذا الزمان، فقد كنا نسمع بين وقت وآخر تصريحات لـ ياسر عرفات ومن معه دائماً يقولون: أنتم لا تعرفون القدر الذي نتجرعه من الذل كل يوم، هذا ما صرح به عرفات في الأيام الأخيرة، يقول: أنتم لا تشعرون بالذل الذي نتجرعه من اليهود، مع أنه يريد منهم مقاصده، ومع ذلك انظر إلى الذل والهوان الذي يذوقونه في الدنيا قبل الآخرة. والقضية هي في غاية الأهمية، والقلب إن كان فيه إيمان ويقين وتصديق بوعد الله وثقة في أمر الله عز وجل فلا يمكن أبداً أن يغتر بالظاهر، قال تعالى: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [آل عمران:196 - 197]. فالذي يغتر بالظاهر يندم، وقد حكى الله سبحانه وتعالى ما حكاه عن أولئك الذين نظروا إلى قارون في زينته فقالوا: {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} وبين تعالى كيف أنهم خدعوا بالظاهر وعرفوا ذلك أن هلك عدو الله قارون. فالإنسان لا يغتر بالظاهر، فهذه المواقف هي مرآة تعكس ما في القلب، فإن كان في القلب شك ونفاق وريب في وعد الله وعدم ثقة في أن النصر والعاقبة للمتقين فصاحبه يسارع في أن يأخذ بالاحتياط. أما الذي قلبه عامر بالإيمان، وبالثقة في وعد الله سبحانه وتعالى فإنه مهما كان الظاهر أن الدولة مع أعداء الدين لا يتغير ولا يتزحزح عن موالاة الله ورسوله والمؤمنين، ويفخر لأنه ينتمي إلى حزب الله المصلحين. يقول محمد بن إسحاق عن عبادة بن الصامت: (ومشى عبادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلعهم إلى رسول الله، وتبرأ إلى الله عز وجل وإلى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله! أتولى الله ورسوله والمؤمنين). ولذلك كان هذا هو الشعار في غزوة أحد، فلما قال أبو سفيان: اعل هبل اعل هبل أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه بقولهم: الله أعلى وأجل. فغير الكفار الشعار فقالوا: (لنا العزى) وانظر إلى صاحب الباطل كيف يفخر بشركه ووثنيته، قالوا: (لنا العزى ولا عزى لكم) فكان A ( الله مولانا ولا مولى لكم)، فهل الذي يتولاه الله سبحانه وتعالى يضيع أو يهزم؟! فهم يعيرون المسلمين بأنهم ليس لهم صنم العزى الذي يعتقدون أنه ينصرهم ويعزهم، فماذا كان الجواب؟ قال: قولوا لهم: الله مولانا ولا مولى لكم. فما هذه العزى؟! {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج:71]. قال: ففيه - عبادة بن الصامت - وفي عبد الله بن أبي نزلت هذه الآيات. وروى الإمام أحمد عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: (دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي نعوده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد كنت أنهاك عن حب يهود. فقال عبد الله: فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات) وكذا رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق. فمعنى الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعامله بما يظهره من الإسلام، فدخل عليه ليعوده فقال: (لقد كنت أنهاك عن حب يهود) فقال عبد الله بن أبي: فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات. أي: هل بغض أسعد بن زرارة نفعه في دفع الموت عنه؟! فهذا معنى كلمة (فمات)، وعند الواقدي: قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه. يعني: مات ولم ينفعه هذا البغض. والمقصود أنه ما منع عنه الموت بغضهم، يعني: لا يضر حبهم ولا ينفع بغضهم؛ لأنه لو نفع لما مات أسعد بن زرارة. وهذا يعتبر من غبائه لأنه منافق مريض القلب، فهذا هو القدر المحدود من الفقه والفهم عنده، فهو ينظر إلى أن الضرر والنفع هو الموت أو الخلاص منه، يعني أن الشيء النافع هو الذي يحميك من الموت، والشيء الضار هو الذي لا ينفعك ولا يدفع عنك الموت، فهل هذا هو المقياس في النفع والضر؟ ما أنت إلا كزرع عند خضرته لكل شيء من الآفات مقصود فإن أنت سلمت من الآفات أجمعها فأنت عند تمام الزرع محصود
الفوائد المستفادة من آيات النهي عن موالاة الكفار
الفوائد المستفادة من آيات النهي عن موالاة الكفار هناك ثمرات لهذه الآية: أولاً: أنه لا يجوز موالاة اليهود ولا النصارى، قال الحاكم: والمراد موالاتهم في الدين وجعل الزمخشري الموالاة في النصرة والمصافاة، وبين وجوب المجانبة للمخالف للدين. ثانياً: أن من تولاهم فهو منهم، لا خلاف في أنه صار عاصياً لله عز وجل كما عصوه، لكن ما هو حد معصيته؟ اختلف في ذلك: قيل: معنى قوله: (فإنه منهم) أي: حكمه حكمهم في الكفر. وهذا حيث يقرهم على دينهم، فكأنه قد رضي، فقوله تعالى: (ومن يتولهم منكم) يعني: حباً في دينهم ورضاً عنهم، وإقراراً لهم على باطلهم فهو يصير كافراً مثلهم. وقيل: من تولاهم عن تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه منهم. وقيل: المراد أنه منهم في وجوب عداوته والبراءة منه. قال الحاكم: ودلالة الآية مجملة، فهي لا تدل على أنه كافر إلا أن يحمل على الموافقة في الدين. وفي الآية الكريمة زواجر عن موالاة اليهود والنصارى من وجوه: الأول: النهي (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) وسائر الكفار لاحق بهم، فيدخل فيهم من طريق الأولى الشيوعيون، والمجوس عبدة النار، وعبدة البقر، وغير هؤلاء الأصناف من الكفار. الثاني: قوله تعالى: (بعضهم أولياء بعض) والمعنى أن الموالاة من بعضهم لبعض بسبب اتحادهم في الكفر، وأنتم أعلى منهم، فلا يجوز لكم أن تتساووا معهم؛ لأنكم مرتفعون عليهم بالإيمان. الثالث: قوله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) وهذا تغليظ وتشديد ومبالغة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتراءى ناراهما). الرابع: ما أخبر الله به أنه لا يهديهم: (والله لا يهدي القوم الظالمين). الخامس: وصفهم بالظلم، والمراد: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار. السادس: أنه تعالى أخبر أن الموالاة لهم من ديدن الذين في قلوبهم مرض فقال: (فترى الذين في قلوبهم مرض) يعني: شكاً ونفاقاً. فهم الذين يقعون في الموالاة، وإلا فلا يمكن أبداً أن تجد في القلب العامر بالتوحيد وبحب الله ورسوله ميلاً أو موالاة لأعداء الله، ولذلك قال عز وجل: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ} [المجادلة:22] إلى آخر الآية الكريمة. فمما لا يمكن أن يقع أبداً، أن يكون قلب فيه إيمان ثم يقع صاحبه في موالاة الكفار، بل لا يقع هذا إلا ممن يزعم الإسلام وفي قلبه مرض النفاق والشك والعياذ بالله! وأيضاً: أخبر الله عز وجل عن علة موالاة الموالين لهم -وهي: خشية الدوائر- فقال: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) فإذاً: علة الموالاة ليست بإذن وإباحة من الله سبحانه وتعالى، وإنما لعلة أخرى، وهي أنهم يخشون أن تصيبهم دائرة. الثامن: قَطْعُ الله لما زينه لهم الشيطان من خشية رجوع دولة الكفر، أي: أن الله سبحانه وتعالى أبطل عذرهم في قولهم: (نخشى أن تصيبنا دائرة) أبطل هذه العلة بقوله: (فعسى الله أن يأتي بالفتح) و (عسى) في حق الله تعالى واجبة الحصول بالفتح لمكة أو لبلاد الشرك. وقد كان أن فتح الله عز وجل مكة، وفتحت آفاق الأرض من أقصاها إلى أقصاها في عهد الخلافة الإسلامية. التاسع: ما بشر الله تعالى به من إهانتهم بقوله عز وجل: (أو أمر من عنده) قيل: إذلال الشرك بالجزية. وقيل: قتل بني قريظة وإجلاء بني النظير. وقيل: أن يُوِّرث المسلمين أرضهم وديارهم. العاشر: ما ذكره تعالى من الأمر الذي يئول إليه حالهم، وأنهم يصبحون نادمين على ما أصروا في أنفسهم، فهذه عاقبة الموالاة، فكل هذا من وجوه التنفير من هذه الموالاة؛ لأنهم غشوا المسلمين، ونصحوا للكافرين، وقيل: من نفاقهم. وقيل: من معاقبتهم للكفار. وذلك حين معاناتهم للعذاب، وقيل: في الدنيا نادمين بما صاروا فيه من الذلة والصغار. الحادي عشر: ما ذكره تعالى من تعجب المؤمنين من فضيحة أعداء الله، وخبثهم في أيمانهم، في قوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [المائدة:53] إلى آخر الآية. الثاني عشر: ما أخبر الله من حالهم بقوله: (حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) قيل: خسروا حظهم من موالاتهم. وقيل: أهلكوا أنفسهم. وقيل: خسروا ثواب الله عز وجل.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة:54]. قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد) أو (من يرتدد) قراءتان (من يرتد) بالإدغام أو (من يرتدد) بالفتح، ومعناه الردة، أي: يرجع إلى الكفر. وهذا إخبار بما علم الله سبحانه وتعالى وقوعه، وقد ارتد جماعة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم. (فسوف يأتي الله بقوم) سوف يأتي الله بدلاً عنهم إن هم تركوا دينهم وارتدوا عنه (بقوم يحبهم ويحبونه) قال صلى الله عليه وسلم: (هم قوم هذا) وأشار إلى أبي موسى الأشعري رواه الحاكم في صحيحه. (أذلة على المؤمنين) يعني: يعطفون على المؤمنين. (أعزة على الكافرين) أي: أشداء على الكافرين. (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) يعني: يتلقون اللوم من الكفار على مناصرة المسلمين، أما المؤمنون إذا جاهدوا فإنهم لا يخافون أن يلومهم الكفار؛ لأنهم نصروا أهل التوحيد. (ذلك) أي: ذلك المذكور من الأوصاف: (فضل الله). (يؤتيه من يشاء والله واسع عليم)، وقوله: (واسع) أي: كثير الفضل (عليم) بمن هو أهله. فلما نهى تعالى فيما سلف عن موالاة اليهود والنصارى، وبين أن موالاتهم مستدعية للارتداد عن الدين؛ لأنه قال: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) يعني: يرتد عن دينه بموالاتهم وموافقتهم في عقائدهم، إلى قوله: (حبطت أعمالهم) شرع هنا في بيان حال المرتدين على الإطلاق، ونوه بقدرته العظيمة، فأعلم أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته فإن الله سيستبدل به من هو خير لذلك منه، وأشد منعة وأقوم سبيلاً؛ لأن هذا المعنى لابد من أن نستحضره في أحلك الظروف التي نمر بها، وفي كل عصر من عصور الدعوة الإسلامية، فلابد من أن نستحضر مهما علت كلمة الكفر وعتى الكافرون في الأرض عتواً كبيراً قدرة الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل قادر على إهلاكهم بكلمة (كن). فكل من على وجه الأرض من الجن والإنس يمكن أن يكونوا على أتقى قلب رجل واحد، والله قادر على ذلك، فبكلمة (كن) يكون كل العباد كالملائكة، أو كل قلوبهم تكون كقلب محمد عليه الصلاة والسلام الذي هو أتقى قلب في البشر أجمعين. فالله قادر على هذا، وقادر على أنه كلما جاء للمسلمين أحد يهاجم الإسلام أو يشتم الإسلام يحترق في الحال، ويمكن أن يحصل ذلك بين وقت وآخر، لكن هل هو قاعدة مطردة؟ لا، والملائكة تستطيع أن تمزق أعضاء الكافر، لكن الحياة إذا صارت على هذا المنوال ستلغى حكمة التكليف، والناس جميعهم سيكتشفون أن الإسلام هو دين الحق، لكن نحن في دار ابتلاء وامتحان، فنحن نتعبد بالبحث عن الحق والتحري عنه، ونتعبد بأن تزين صورة الباطل وتعلو كلمته أحياناً، ويضطهد المؤمنون أحياناً، ويصيب المسلم الفقر أو المرض أو نحو ذلك من البلاء؛ لأن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، والنتيجة تظهر هناك، فلابد من أن نستحضر دائماً أن الله سبحانه وتعالى قادر بكلمة (كن) المكونة من حرفين على أن يقلب كل هذه الأوضاع. فهذا الظلم الذي يحصل للمسلمين في كل مكان من مجازر في البوسنة والهرسك وفي فلسطين وغير ذلك، وهذا العلو الكبير في الأرض لأعداء الله اليهود الله سبحانه وتعالى قادر على أن يرفع ذلك ويبيد اليهود فلا يبقي منهم واحداً على ظهر الأرض، لكننا في دار الابتلاء كما قال عز وجل: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35] أي: فناحسبكم. فكل الذي نحن فيه الآن ابتلاء واختبار، كما قال عز وجل: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:1 - 3] اختبار وابتلاء وامتحان. فكذلك هنا يقول الله تبارك وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ)) فالله غني عنكم أجمعين ((فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ))، وانظر إلى العظمة! بدأ بقوله: (يحبهم) قبل (يحبونه)، وطبع الإنسان أنه يحب من أحسن إليه، فيحب العبد الله سبحانه وتعالى لاتصافه بالكمال والجمال والجلال، ونحبه -أيضاً- لما بسط من النعم التي أفاض بها علينا. يقول تعالى: ((فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)) ومعنى الآية أن من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته فإن الله سيستبدل به من هو خيرٌ للدين منه، وأشد منعة وأقوم سبيلاً، كما قال عز وجل: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38]، وقال تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} [النساء:133]، {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [إبراهيم:19 - 20]، فليس ذلك بصعب ولا على قدرة ممتنع الله عز وجل. وهذه الآية من الكائنات التي أخبر الله سبحانه وتعالى عنها في القرآن قبل أن تقع، فقد وقع المخبر به فكان معجزة، فقد روي أنه ارتد عن الإسلام إحدى عشرة فرقة، منها ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلك الفرق هي: بنو مدلج، ورأسهم ذو الخمار الأسود العنسي، وبنو حنيفة قوم مسيلمة، وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد، وفزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان، وبنو سليم، وبنو يربوع، وبعض تميم وكندة، وبنو بكر بن وائل، وغسان. وهؤلاء وإن كانوا يوصفون بأنهم أهل ردة إلا أن كلمة الردة في تلك الفترة -فترة أبي بكر رضي الله عنه- كانت تطلق على طائفتين: طائفة أصحاب ردة حقيقية، وهم الذين ارتدوا عن الإسلام كـ مسيلمة الكذاب وغيره، وهؤلاء عدلوا إلى الكفر كما ذكرنا. أما الصنف الآخر فهم الذين يطلق عليهم وصف الردة تغليباً، وليسوا مرتدين، وإنما هم بغاة، فهم: مسلمون لكنهم بغاة خرجوا بالقوة على الإمام الحق، وهم الذين فرقوا بين الصلاة وبين الزكاة فأنكروا وجوبها، وقالوا: إن الزكاة تؤدى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [التوبة:103] فإذا مات الرسول عليه الصلاة والسلام فلن نؤديها إلى الخليفة بعده. وهذا وقع منهم بتأويل، فهؤلاء -على الحقيقة- هم أهل البغي، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمن خصوصاً لدخولهم تحت اسم أهل ردة، وإن لم يكونوا في الحقيقة مرتدين؛ لأن الردة أعظم الأمرين وأخطرهما، وكذلك أطلق الاسم على هذه الحروب عموماً. قوله تعالى: ((يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ))، صفة المحبة حينما تسند إلى الله سبحانه وتعالى تكون ثابتة له عز وجل بلا كيف وبلا تأويل، ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها، ونلاحظ في السيوطي دائماً أنه يفسر هذه المحبة بالإثابة، فيقول: (يحبهم) يعني: يثيبهم! والزمخشري أول هذه المحبة فقال: (يحبهم) أي: يثيبهم أحسن الثواب، بتعظيمهم، والثناء عليهم، والرضا عنهم. وهذا تفسير باللازم، فهذا هو لازم المحبة، وليس هو المحبة؛ لأن الإثابة هي ثمرة ولازم المحبة، فإذا أحبهم الله أثابهم، فهذا منزع كلامي، وليس منزعاً سلفياً. كذلك أيضاً أنكر الزمخشري كون محبة العباد لله حقيقية، قال: (يحبونه) يعني: يطيعونه ويطلبون مرضاته. وهذا خلاف الظاهر، فمحبة العبد ممكنة، وهي واقعة من كل مؤمن، وهي من لوازم الإيمان وشروطه، والناس فيها متفاوتون بحسب تفاوت إيمانهم، فليست المحبة معناها الطاعة؛ فإذا العبد أحب الله فالطاعة لازم وثمرة هذه المحبة، فلنثبت محبة العبد لله، ولا داعي للتأويل الذي يذكره هؤلاء، ألا ترى إلى حديث الأعرابي الذي سأل عن الساعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير عمل، ولكن حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فقال عليه الصلاة والسلام: أنت مع من أحببت). فالحديث يفهم منه أن المحبة غير الأعمال، فلا يصح تفسير (يحبونه) بمعنى: يعملون الأعمال الصالحة. فهم يحبونه، ومن ثمرة المحبة أنهم يطيعونه ويعملون له الأعمال الصالحة، وهناك الحديث المشهور: (إن الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه. فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه. ثم يوضع له القبول في الأرض). وهذا كله يفسد هذا التأويل الكلامي. يقول تعالى: ((أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)) هذه صفة المؤمنين الكمل، وهي أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه ووليه، متعززاً على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:29]. قال عز وجل هنا أيضاً: ((وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)) فهذه الآية تدل على أنهم يجاهدون في سبيل الله، وأنهم صلاب في دينهم، فإذا شرعوا في أمر من أمور الدين كإنكار منكر أو أمر بمعروف مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائل، ولا اعتراض معترض، ولا لومة لائم. واللومة هي المرة من اللوم، وفيه مبالغة، كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام. وقيل: قوة التمسك بالحق جعله
تفسير قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)
تفسير قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) ولما نهى عن موالاة اليهود والنصارى أشار إلى من يتعين علينا موالاته، فإذ كان يحرم علينا ولا يليق بنا إذا كنا مؤمنين أن نوالي اليهود والنصارى فمن الذين يجب أن نواليهم؟ بين تعالى ذلك بقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة:55]. قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ)) يعني: الذي يفيض عليكم كل خير (ورسوله) الذي هو واسطة الخير، فكل الخير الذي أتانا بهذا الإسلام من الذي كان واسطة بين الحق وبين الخلق فيه؟ إنه الرسول عليه الصلاة والسلام، ولذلك فهو أحق بأن نتولاه صلى الله عليه وسلم ونعتز بدينه. قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)) الذين هم المعينون في موالاة الله ورسوله بأفعالهم؛ لأنهم ((الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ)) التي هي أجمع للعبادة البدنية ((وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)) لأن الزكاة تقطع حب المال الذي يجلب الشهوات. ((وَهُمْ رَاكِعُونَ)) حال من الفعلين، يعني: يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله، ومتذللون غير معجبين، فإن رؤيتهم تؤثر فيمن يعليهم بالعون في موالاة الله ورسوله.
تفسير قوله تعالى: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا)
تفسير قوله تعالى: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا) قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة:56] يعني: من يتولى الله ورسوله والذين آمنوا، فيعينهم وينصرهم، فإن حزب الله هم الغالبون في العاقبة على أعداء الله عز وجل. كما قال عز وجل: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83]، وهم ممن ينجو أخيراً، والعاقبة للتقوى. فمهما دارت الدوائر فلا بد في النهاية من أن تعود العاقبة إلى أهل التقوى، كما قال الله عز وجل: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف:137]. وأفرد الله عز وجل هنا الولي بقوله: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا))، ولم يقل عز وجل: (إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا) فلم يجمع مع أن الولي متعدد، ففيه إيذان بأن الولاية لله أصل، ولغيره تبع لولايته عز وجل، فالولاية أصلاً تكون لله، ثم تبعاً لولاية الله تحب كل من يوالي الله، ومن أعظم الخلق موالاة لله؟ إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك المؤمنون من هذه الأمة، وترتيب الولاية على الأنبياء والرسل، ثم الأولياء، وأعظم الأولياء على الإطلاق هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم أشرف البشر بعد الأنبياء، وهم أوفر الناس حظاً من موالاة الله عز وجل. فلم يجمع لفظ (الولي) مع أنه متعدد للإيذان بأن الولاية لله أصل ولغيره تبع لولايته عز وجل، فالتقدير: إنما وليكم الله، وكذلك رسوله والذين آمنوا. هذا معنى الآية. وثمرة هذه الآية تأكيد موالاة المؤمنين والبعد عن موالاة الكفار، قال ابن كثير: فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة -وهي قوله تعالى: ((وَهُمْ رَاكِعُونَ)) - في موضع الحال من قوله: ((وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)) أي: في حال ركوعهم. وهذا التنبيه مهم في الحقيقة، وهو أنه يشيع الاستدلال بما في هذه الآية في فضائل علي بن أبي طالب، والشيعة -خاصة- يلهجون بأن هذه الآية فيها مدح لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، إذ يفهم بعض الناس أن معناها: يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة في حال الركوع. ويزعمون أن علياً أعطى الزكاة لفقير وهو في حالة الركوع، فالجملة على هذا الزعم جملة حالية، والصحيح أنها معطوفة على الصفة السابقة، فيكون المعنى: يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويركعون لله مع الراكعين، وربما تكون إشارة إلى الصلاة في الجماعة، وهذا موضوع آخر. يقول ابن كثير: فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة -أي قوله تعالى: ((وَهُمْ رَاكِعُونَ)) - في موضع الحال، من قوله: ((وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ))، أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح. أي: ما دام أن هذا الكلام صحيح فالآية مدحت من يفعل هذا، وبينت أن من يؤدي الزكاة وهو راكع أفضل ممن يؤديها خارج الصلاة. وإذا كان الإنسان يريد هذا الثواب فليتفق مع الفقير فيقول له: تعال وأنا في الركوع لأعطيك الزكاة حتى يكون لي الثواب الأعظم. يقول ابن كثير: ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى. حتى إن بعضهم ذكر في هذا أثراً عن علي بن أبي طالب أن هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه، ثم روى ابن كثير الأثر المذكور عن ابن أبي حاتم وابن جرير وعبد الرزاق وابن مردويه، ثم قال: وليس يصح شيء منها بالكلية، لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. وقد اقتص ذلك الخطابي في حواشي البيضاوي عن الحاكم وغيره بطول، ثم أنشد أبياتاً لـ حسان بن ثابت فيها، ولوائح الضعف -بل الوضع- لا تخفى فيها، لا سيما ونص حسان بن ثابت العريق في العربية بعيد مما نسب إليه، وأي حاجة بالتنويه لفضل علي عليه السلام بمثل هذه الواهيات، وفضله أشهر من ذلك. أي: هل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يحتاج -حينما نتكلم عن فضائله- إلى أن نختلق هذه الأكاذيب، وفضائل أمير المؤمنين في القرآن وفي السنة أشهر من أن تذكر رضي الله تعالى عنه. قال البغوي: روي عن عبد الملك بن سليمان قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عن هذه الآية ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)): من هم؟ فقال: المؤمنون. فقلت: إن أناساً يقولون: هو علي! فقال: علي من الذين آمنوا. قال ابن كثير: وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآية كلها نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنه حين تبرأ من حلف اليهود ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين. والرازي توسع هنا جداً في مناقشة الشيعة في هذه القضية، ومن أراد التوسع فليرجع إلى تفسير ابن كثير.
تفسير قوله تعالى: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا)
تفسير قوله تعالى: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا) ثم يقول تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة:56] يعني: فإنهم هم الغالبون، لكن أبرز كلمة (حزب الله) ولم يقل (فإنهم هم الغالبون)، وهذا فيه دلالة على علة الغلبة للمؤمنين، فكأنه قال: ومن يتول هؤلاء الذين هم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون. فذكر هذا تنويهاً بذكرهم وتعظيماً لشأنهم وتشريفاً لهم بهذا الاسم، وتعريضاً لمن يوالي هؤلاء بأنه من حزب الشيطان، بل بصورة أخرى من أحزاب الشياطين؛ لأن الباطل يتلون ويختلف ولا ينحصر، فالباطل كثير جداً ويتعدد؛ لأنه باطل، أما الحق فإنه واحد، ولذلك نجد القرآن دائماً يذكر النور والظلمات، فالنور مفرد، والظلمات جمع، فالباطل لا يكاد ينحصر، أما الحق فهو واحد لا يتعدد أبداً، كما قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة:257] فالمسلم يفخر ويعتز بأنه ينتمي إلى حزب الله. وهنا ينبغي التنبيه على أن لا نستعمل الاصطلاحات التي تستعمل الآن في التجمعات التي تنتسب إلى الإسلام كحزب الله الشيعي في لبنان وغيره، فالله تعالى يقول: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة:56] فكل ما في العالم من أحزاب مرده إلى ضربين: حزب الله وحزب الشيطان، والغلبة ستكون لحزب الله، كما قال تعالى: ((فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)). أما أحزاب الشيطان فكل من لم يرفع راية الاعتزاز بالله وبرسوله وبالإسلام وبموالاة المؤمنين فمهما ادعى فهو من حزب الشيطان، فكل الأحزاب السياسية بلا استثناء -ما دامت لا ترفع راية التوحيد ولا تعتز بانتمائها إلى الإسلام، ولا توحد ولايتها لله ورسوله- تندرج تحت حزب واحد، وهو حزب الشيطان، والمؤمن يفخر ويعتز ويتحدى العالم أجمع بشهادة التوحيد، وبانتمائه إلى هذا الحزب الغالب: حزب الله ورسوله والمؤمنون، وهذه هي العزة التي وصف الله تعالى بها المؤمنين بقوله: ((أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)). وكأن هذا الموضوع -موضوع الأحزاب- أصبح شيئاً مسلماً به، ودائماً نسمع من بعض الناس ممن يعمل في حقل الدعوة الإسلامية في الوقت الأخير قوله: تجوز التعددية الحزبية؟! وهل تقام الأحزاب على أساس ديني؟! هو إن المعادلة هنا أن الاثني عشر إذا نقص منها واحد فإنها تساوي صفراً، ولا يكون الناتج أحد عشر، فكل الأحزاب بدون الإسلام ليس لها قيمة، وأحزاب بغير دين الله تعالى كلها تساوي صفراً؛ لأنها ترفع شعار: نحن لا نقيم الحزب على أساس ديني؛ فإن الدين عار. فلذلك مهما كثرت أعدادها فكل هذه الأحزاب تساوي صفراً، بل تساوي الهلكة والخسران في الدنيا والآخرة والبوار. قال تعالى: ((فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ))، فالحزب أصله يطلق على القوم الذين يجتمعون لأمر حزبهم، وقيل: الحزب جماعة فيها شدة. فهو أخف من الجماعة والقوم. ونحن اليوم نعيش في جو كله سموم، وكل أحد اليوم يتكلم عن تلوث الهواء والمياه بالمجاري وبالغازات، وما أحد يتكلم عن التلوث العقدي، التلوث في المفاهيم والقيم الذي هو أشد خطورة، فنحن كلنا نتنفس من نفس الجو، أما التسمم بالغاز أو أكسيد الكربون فإنه يحصل عندما تجلس الأسرة في غرفة في الريف -مثلاً- وتدخن الفحم في مأكول، فيحصل تسمم من غير شعور، وفي الأخير يموتون، نتيجة استهلاك الغاز في الحرق أو أكسيد الكربون. ولو أن شخصاً جاء في وقت تعاطي هذه الجرعة قبل أن يهلكوا ففتح النافذة وأدخل الهواء النقي فإنهم حينئذ يفيقون ويحسون بالفارق بين الهواء المسموم الذي سيقتلهم وبين هذا الهواء النظيف الذي أتي من النافذة التي فتحت وجلبت لهم الهواء النظيف الذي يعمل على غسل للرئة والقلب. فكذلك الإنسان لابد من أن يرتبط بالقرآن الكريم، فالقرآن يأخذ أولاً بأول سموم البيئة التي نعيش فيها، والتي ننغمس فيها حتى النخاع، ولا شك في أننا سنتأثر بهذه البيئة شئنا أم أبينا، وبهذه المفاهيم التي تواطأ عليها من خفت عقولهم في هذا الزمان، والأمر صريح صراحة قاطعة، ومع ذلك الناس في شك وريبة، وفي انحراف عن هذا الحق، فخفت عقولهم، وكانوا هكذا كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، فالوسيلة الوحيدة هي استعمال الغسيل للقلب باستمرار، وتنظيف عقلك من الأفكار الهدامة، فإذا زال الباطل ارتبط القلب بالقرآن، فبآية واحدة من القرآن الكريم تبطل كل هذه المقاييس التي ينفق من أجل نشرها ملايين الجنيهات والدولارات، من أجل تمثيل الباطل وتشويش عقيدة الناس، فآية واحدة من القرآن تهد كل ما يبذلونه حتى يصير هباء منثوراً. ومن أمثلة ذلك موضوع تعدد الزوجات، فمهما تكملنا، ومهما أفسد المفسدون وتطاولوا فهي آية واحدة، والمسلم العادي بإيمانه الفطري إذا سمع القرآن يقول: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3] تجد كل ذلك الكلام عنده ينهد. وقد كان ميثاق عبد الناصر يوزع مجاناً على المدارس وعلى الطلبة والمدرسين، وكنا نحسب نصوصه كنصوص القرآن، وأي موضع إنشاء لا بد من تحليته بآية شيطانية من الميثاق. والآن انتهت تلك النسخ، وما أصبحت تنافس، أرادوا أن يصدوا به الناس عن القرآن فتناسوه، وما صار له أي ذكر؛ لأنه لا يربي بإيمان، والباقي هو كلمة الله عز وجل، وهو هذا القرآن، ولا يمكن أبداً أن ينال منه أحد، فقد قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]. فالوصية التي نتواصى بها -وهي المخرج الأول لنا من كل ما نعيشه من الفتن الآن- هي الاعتصام بكتاب الله سبحانه وتعالى، فالقلب فيه منافذ معينة، فإذا كنت تغذي قلبك بالقرآن، فتلك الأفكار تموت فيه أو تمرض، إذاً فلنكرر هذا مراراً، وإذا كنا نتعارف على ما يسمى بالوحدة الوطنية، والمساواة بين المسلم والكافر، وغير ذلك من هذه المعاني المسمومة، فأين تكون هذه المعاني إذا وضعت بجوار هذه الآيات؟ لا شك في أن آية واحدة من القرآن تتلف كل هذا الكلام، وتذهب به إلى الموضع اللائق به، فلذلك علينا أن نتواصى دائماً بعلاج القلب بالقرآن الكريم، إذ القرآن يقوم المفاهيم باستمرار، ويذهب أثر هذه السموم.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً) يقول الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:57]. قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) يعني: مقتضى إيمانكم حفظ تعظيم دينكم، فإن كنتم مؤمنين فعظموا دينكم، ومن علامة التعظيم أن لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً أولياء، فكيف توالون الذين يسخرون من دينكم ويهزءون ويسبون نبيكم ويطعنون في دينكم؟! فإن كنتم مؤمنين فعظموا دينكم، فمقتضى إيمانكم أن تحفظوا هذا التعظيم للدين. وانظر إلى كلمة (دينكم) بالإضافة، أي: الذي به انتظام معاشكم ومعادكم، وهو مناط سعادتكم الأبدية، وسبب قربكم من ربكم. وتأمل كلمة (دينكم)، فأنت من غير هذا الدين لا تساوي شيئاً، وكل وزنك وقدرك عند الله عز وجل ناشئ عن تشرفك واعتزازك بانتسابك لهذا الدين، فالله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً))، أي: هؤلاء الذين يشتمون دينكم الذي هو سبب عزكم وشرفكم. وقوله: ((هُزُوًا)) أي: شيئاً مستخفاً ((وَلَعِبًا)) سخرية وضحكاً، ومبالغة في الاستخفاف به، حتى لعبوا بعقول أهله، ثم بين المستهزئين وفصل أمرهم، فمن هم هؤلاء الذين يتخذون ديننا هزواً ولعباً؟ قال تعالى: ((مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) أي: اليهود والنصارى ((وَالْكُفَّارَ)) قرئ بالنصب والجر، ويعني بذلك المشركين، ولذلك كانت قراءة ابن مسعود: (ومن الذين أشركوا). ((أَوْلِيَاءَ)) في العون والنصرة، وإنما رتب النهي على وصف اتخاذهم الدين (هزواً ولعباً) تنبيهاً على العلة، وإيذاناً بأن من هذا شأنه جدير بالبغضاء والشنآن والمنابذة، فكيف بالموالاة؟! إنه يستحق أن تبغضه؛ لأنه يسخر من دينك، وأن تبتعد عنه، وأن تجانبه، وأن تنبذه، فكيف تتخذه ولياً وحميماً وصديقاً؟! قال تعالى: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ)) يعني: بترك موالاتهم ((إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) حقاً؛ فإن قضية الإيمان توجب الاتقاء لا محالة.
تفسير قوله تعالى: (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا)
تفسير قوله تعالى: (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً) ثم بين استهزاءهم بحكم خاص من أحكام الدين، وذلك بعد استهزائهم بالدين على الإطلاق إظهاراً لكمال شقاوتهم، فقال عز وجل: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} [المائدة:58]. قوله تعالى: ((وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ)) يعني: إذا دعوتم إليها بالأذان. فالأذان ثابتة مشروعيته في القرآن، والدليل هذه الآية: ((وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ))، والصلاة ينادي لها بالأذان. ((اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا)) وهذا الأمر كان يصدر فيما مضى من الكفار أو اليهود أو النصارى أو المشركين، أما الآن فترى من ينتسبون زوراً إلى الإسلام يسخرون من الصلاة، ويسخرون ممن يصلون، بعبارات الاستهزاء والاستخفاف بالدين ممن ينتسبون زوراً إلى دين الله عز وجل. فقوله تعالى: ((وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ)) يعني: دعوتم إليها بالأذان (اتخذوها) يعني: اتخذوا الصلاة أو المناداة ((هُزُوًا وَلَعِبًا)) بأن يستهزئوا بها (ذَلِكَ) أي: ذلك الاتخاذ (بِأَنَّهُمْ) يعني: بسبب أنهم ((قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)) أي: لا يعقلون معاني عبادة الله، فإن السفه يؤدي إلى الجهل بمحاسن الحق والدين، فالذي ليس عنده عقل يدرك به عظمة هذه العبادة العظيمة يسخر منها ويضحك، ولو كان لهم عقول في الجملة لما اجترءوا على تلك العظيمة، فإن الصلاة أكمل القربات، وفي النداء -الأذان- معان شريفة من تعظيم الله باعتبار ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن ذكر توحيده باعتبار ذاته، وباعتبار عدد المغايرة في أسمائه وصفاته، ومن تعظيم رسوله باعتبار قيامه بمصالح المعاش والمعاد، وفي الصلاة من حيث هي الصلة ما بين العبد وبين الله، ومن حيث إفادتها معاني الدرجات والفلاح في الظاهر والباطن، وما هو غاية مقصدهم من القرب من الله باعتبار عظمته سبحانه، ومن الوصول إلى التوحيد الحقيقي. قال السدي في قوله تعالى: ((وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا)) قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: حرق الكاذب! والعياذ بالله. يعني: حينما يأتي ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: حرق الكاذب. فيدعو بالإحراق -والعياذ بالله- على الكاذب، يعني بذلك محمداً عليه الصلاة والسلام، والعياذ بالله! قال: فدخل خادمه ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله. فاستجيبت دعوته؛ لأنه كان يدعو بأن يحرق الكاذب، وقد أحرقه الله؛ لأنه هو الكاذب. وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح، ومعه بلال، فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال: عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيداً أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه. فـ عتاب يتكلم عن والده بأن إن الله أكرمه بأنه لم يكن موجوداً بحيث يسمع هذا الأذان الذي يؤذيهم، فربما يسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث بن هشام: والله لو أعلم أنه محق لاتبعته. فقال أبو سفيان: وأنا لا أقول شيئاً، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى. يقصد أن الوحي يبلغه، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قد علمتُ الذي قلتم، ثم ذكر ذلك لهم، فقال لكل منهم: لقد قلت كذا، فقال: الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك. فلم يبق إلا أن الله هو الذي أخبره عن طريق الوحي. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن المحيريب - ابن المحيريب وكان يتيماً في حجر أبي محذورة - قال: قلت لـ أبي محذورة: يا عم! إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أسأل عن تأذينك. وقد كان أذان أبي محذورة مشهوراً، فهو يقول: قد يسألني الناس في الشام -بعد ما شاع الإسلام وانتشر- عن صفة تأذين أبي محذورة. قال: فأخبرني أن أبا محذورة قال له: نعم، خرجت في نفر، فكنا ببعض طريق حنين، فقفل -أي: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين- فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق، فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكرون، فصرخنا نحكي ونستهزئ به -يعني: كانوا يرددون الأذان سخرية- فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوت، فأرسل إلينا، إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إليّ، فصدقوا، فأرسلهم وحبسني، فقال: قم فأذن. فقمت ولا شيء أكره إليّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مما يأمرني به، فخضت بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، فألقى إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين بنفسه، فقال: (قل: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. ثم قال لي: ارجع فامدد من صوتك، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أَمرَّها على وجهه مرتين، ثم مرتين على يديه، ثم على ثديه، ثم على كبده، ثم بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك وبارك عليك. فقلت: يا رسول الله! أمرني بالتأذين بمكة. فقال: قد أمرتك به. فقال أبو محذورة: وذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم). وهذه الآية دلت على وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، والمقصود هنا في أمر الدين، حيث يقول: تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} [المائدة:57 - 58]. وللأسف أنه في هذا الزمن سمعنا عمن يسخر من الأذان، وأذكر أن الدكتور: عبد الله عزام رحمه الله تعالى كان يحكي عن أيام المنظمات الفلسطينية أنه كان في معسكرات التدريب يقوم هو والشباب معه إذا حضر وقت الصلاة بالتأذين، فكان يأتي الفلسطينيون الملاحدة الشيوعيون، ويصفون صفاً أمامه، ويسخرون منه وهو يؤذن، ويرفعون صوتهم حتى يغلبوا صوت الأذان ويشوشوا عليه، وينشدون: إن تسل عني فهذه قيمي أنا ماركسي ليني أممي أي: إذا كنت ترفع الصوت بالأذان فهذا هو أذاننا!! وقد دلت هذه الآيات -أيضاً- على أن الاستهزاء بالدين كفر، لقوله تعالى: ((الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ))، فهذا يدل على أن أي فعل من المسلم يصدر منه من كونه يستهزئ بالدين، أو يسخر من الدين أو من أي شيء يمت إلى الدين بصلة فهو كفر وخروج عن ملة الإسلام، وأن الهزل فيه كالجد، سواءٌ أكان استخفافاً بالله، أم برسوله عليه الصلاة والسلام، أم بالملائكة، أم بنبي من الأنبياء، أم بكتاب من الكتب، وكذلك السخرية من حكم شرعي، أو التشنيع على حكم شرعي كأن يقال: هذه وحشية، وهذه قسوة. أو غير ذلك، فالسخرية بأي حكم من أحكام الدين خروج من ملة الإسلام، وهذا لا يعذر فيه بالجهل؛ لأنه لا يجهل أحد تعظيم الله عز وجل، فهل يوجد أحد يجهل أن الله يعظم؟! بل اليهود يعظمون الله، والنصارى يعتقدون تعظيم الله، والمسلمون كذلك، فلا يقبل بحال من شخص جهله بأن الله يجب تعظيمه، فإذا سخر من الله، أو سخر من الدين، أو سخر من الإسلام، أو من حكم شرعي فمثل هذا لا يعذر فيه بالجهل، بل يحكم بكفره، والهزل فيه كالجد، كما قال عز وجل: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة:65 - 66]، يقول في الإكليل: الآية أصل في تكفير المستهزئ بشيء من الشريعة. وقد دلت الآية -كما سبق ذكره- على أن للصلاة نداءً، وهو الأذان، فهي أصل فيه، قال الزمخشري: قيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده. ولما نهى تعالى عن تولي المستهزئين أمر بأن يخاطبوا بأن الدين منزه عما يصحح صدور ما صدر عنهم من الاستهزاء، ويظهر لهم سبب ما ارتكبوا، ويلقبوا الحذر، فقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ * قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَ
المائدة [67 - 81]
تفسير سورة المائدة [67 - 81]
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) يقول تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة:67]. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) أي: جميع ما أنزل إليك من ربك، ولا تكتم شيئاً منه خوفاً أن تنال بمكروه، يعني: لا تكتم بقصد أن تنجو من المكروه الذي ينالك به خصومك، (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) إن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك (فما بلغت رسالته) بالإفراد والجمع، يعني: فما بلغت رسالته، أو فما بلغت رسالاته؛ لأن كتمان بعضها ككتمان كلها. (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) أن يقتلوك. وكان صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: (يا أيها الناس! انصرفوا، فقد عصمني الله)، رواه الحاكم والترمذي والبيهقي في الدلائل وغيرهم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. يقول القاسمي رحمه الله تعالى في الآية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) نودي صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة تشريفاً له، وهذه من خصائصه صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبياء والمرسلين. فإن الأنبياء عامتهم قد ناداهم الله تعالى بأسمائهم، فقال (يا نوح) (يا آدم) (يا عيسى ابن مريم) (يا موسى) (يا داود). وأما محمد صلى الله عليه وسلم فلم يناد باسمه قط في القرآن الكريم، وإنما نودي بصفاته، كما في قوله تعالى هنا: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ))، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب:45]، وهكذا {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل:1]، {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1]، ولم يأت في القرآن قط (يا محمد) فهذا نداء له عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة تشريفاً له وإيذاناً بأنها من موجبات الإتيان بما أمر به من التبليغ. يعني: ما دمت رسولاً فيجب عليك أن تبلغ الرسالة التي كلفت بأن تبلغها. وقوله تعالى: (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) يعني: مما يفصل مساوئ الكفار، ومن قتالهم، والدعوة إلى الإسلام، غير مراقب في التبليغ أحداً، ولا خائف أن ينالك مكروه (وإن لم تفعل) أي: ما تؤمر به من تبليغ الجميع والبيان لبعض مساوئهم (فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) يعني: كأنك ما بلغت شيئاً مما أرسلت به؛ لأن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، فإن لم تبلغ أو لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعها، وكما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها فكذلك إن كتم الرسول عليه الصلاة والسلام شيئاً يسيراً من الرسالة فكأنه كتمها كلها. (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) هذا وعد من الله سبحانه وتعالى بحفظه من لحوق ضرر بروحه الشريفة، وهذا باعث له على الجد فيما أمر به من التبليغ، وعدم الاكتراث بعداوتهم وكيدهم. (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) هذا التذييل في الآية مسوق مساق التعليل لعصمته، يعني: إن الله سبحانه وتعالى يعصمك من الناس أن ينالوك بمكروه؛ لأن الله لا يهدي القوم الكافرين. أي أن الله سبحانه وتعالى لا يهديهم إلى طريق الإساءة إليك، فلن يهديهم إلى الطريق التي يسوءونك بها، فما عذرك في مراقبتهم والله سبحانه وتعالى سوف يضلهم ويثنيهم ويبعدهم عن أن ينالوك بسوء، فلن يهديهم إلى ما يسوؤك؟! فلا تراقبهم في تبليغ الرسالة.
الأدلة الواردة في بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ التام
الأدلة الواردة في بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ التام هنا بعض التنبيهات: أولها: أنه لا خفاء في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ التام، وقام به أتم القيام، وثبت في الشدائد وهو مطلوب، وصبر على البأساء والضراء وهو مكروب محروب، وقد لقي بمكة من قريش ما يشيب النواصي ويهز الصياصي، وهو مع الضعف يصابر صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي، ثم انتصب لجهاد الأعداء وقد أحاطوا بجهاته، وأحدقوا بجنباته، وصار بإتقانه في الأعداء محذوراً، وبالرعب منه منصوراً، حتى أصبح سراج الدين وهاجاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً. روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت لـ مسروق: (من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله عليه فقد كذب، والله يقول: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)). وفي الصحيحين عنها -أيضاً- أنها قالت: (لو كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من القرآن لكتم هذه الآية: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب:37]). وروى البخاري وغيره عن أبي جحيفة قال: قلت لـ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحب وبرأ النسمة، إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر) يعني أن هذه كانت مدونة ومكتوبة، وقال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وقد شهدت له صلى الله عليه وسلم أمته بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحواً من أربعين ألفاً، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله قال في خطبته يومئذ في حجة الوداع: (يا أيها الناس! إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟، وذلك كما قال تعالى:)، {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف:6] فهذه الأمة سوف تسأل: هل أبلغكم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة ربه؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: (إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع يده إلى السماء وينكسها إليهم، ويقول: اللهم! هل بلغت؟). وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: (يا أيها الناس! أي يوم هذا؟! قالوا: يوم حرام. قال: أي بلد هذا؟! قالوا: بلد حرام. قال: فأي شهر هذا؟! قالوا: شهر حرام. قال: فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. ثم أعادها مراراً، ثم رفع إصبعيه إلى السماء، فقال: اللهم! هل بلغت؟ مراراً) قال ابن عباس: والله إنها لوصية إلى ربه عز وجل. ثم قال: (ألا فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وهذا رواه البخاري. وقد تضمن قوله تعالى: ((وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)) معجزة كبرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذه الآية الشريفة هي من معجزات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال الإمام الماوردي في كتابه (أعلام النبوة) في الباب الثامن في معجزة عصمته صلى الله عليه وسلم، قال: أظهر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم من أعلام نبوته بعد ثبوتها بمعجز القرآن، واستغنائه عما سواه من البرهان، ما جعله زيادة استبصار، يحتج بها من قلت فطنته، ويذعن لها من ضعفت بصيرته، ليكون إعجاز القرآن مدركاً بالخواطر الثاقبة تفكراً واستدلالاً، وإعجاز العيان معلوماً ببداية الحواس احتياطاً واستظهاراً. يعني أن القرآن الكريم نَوَّع طرق الدلالة على إعجازه، وذلك لاختلاف فهوم الناس ومستوياتهم العلمية والفكرية، وقدراتهم العقلية، فبعض الناس عندهم من القدرات العقلية والثقافة العقلية ما يمكنهم من التدبر في آيات القرآن والتفهم، بحيث يدركون أنه لا يمكن أن يكون له مصدر إلا الله سبحانه وتعالى، وبعض الناس يخاطبون بأمور أخرى هي -أيضاً- تدل على الإعجاز، لكن بطريقة يدركها الذي تضعف فطنته وقدرته، كهذا الوعد بأن الله سبحانه وتعالى يحفظ نبيه عليه الصلاة والسلام من أن يقتله أحد بقوله تعالى: (والله يعصمك من الناس)، فهذه الآية يستوي الجميع في فهمها، بخلاف ما تحتوي عليه من الدلالات على إعجاز القرآن مما يستعصي على عوام الناس أو صفار العقول، ولا يدركه إلا ذوو الفطنة والذكاء العالي. فيقول هنا: فيكون البليد مقهوراً بوهمه وعيه، واللبيب محجوزاً بفهمه وبيانه؛ لأن لكل فريق من الناس طريقاً هي عليهم أقرب ولهم أجذب، فكان ما جمع مقياد الفرق أوضح سبيلاً وأعم دليلاً، فمن معجزاته عصمته من أعدائه، مع أن هؤلاء الأعداء كانوا جماً غفيراً وعدداً كثيراً، وهم على أتم حنق عليه، وأشد طلباً لنفيه، وهو بينهم مسترسل قاهر، ولهم مخالط ومكاثر، ترمقه أبصارهم شذراً، وترتد عنه أيديهم ذعراً، وقد هاجر عنه أصحابه حذراً. يعني أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام كان في حالة خطيرة، وأعداء كثيرون جداً محيطون به من كل جانب، والعداوة أشد ما تكون في قلوبهم، ونار الغيظ والحقد والحرص على إيذائه على أشد ما تكون، وهو مع ذلك بينهم مسترسل متحرك يروح ويجيء ويبلغهم، وأصحابه من شدة الاضطهاد الذي تعرضوا له هاجروا، وبقي هو فيهم عليه الصلاة والسلام مع نفر من أصحابه حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليماً لم يكلم في نفس ولا جسد صلى الله عليه وسلم، وما كان ذلك إلا بعصمة إلهية وعده الله تعالى بها فحققها، حيث يقول: ((وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)) فعصمه منهم.
قصص من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في بيان عصمة الله له وحفظه
قصص من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في بيان عصمة الله له وحفظه والمفسرون في هذا الموضع يذكرون قصصاً كثيرة جداً، كلها تؤكد هذا المعنى، ونقتصر على بعض منها:
محاولة أبي جهل قتل النبي صلى الله عليه وسلم
محاولة أبي جهل قتل النبي صلى الله عليه وسلم قال الماوردي: إن قريشاً اجتمعت في دار الندوة، وكان فيهم النضر بن الحارث بن كنانة وكان زعيم القوم، وساعده عبد الله بن الزبعرى، وكان شاعر القوم، فحضهم على قتل محمد صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: الموت خير لكم من الحياة. فقال بعضهم: كيف نصنع؟ فقال أبو جهل: هل محمد إلا رجل واحد؟! وهل بنو هاشم إلا قبيلة من قبائل قريش؟! فليس فيكم من يزهد في الحياة فيقتل محمداً ويريح قومه. وأطرق ملياً، فقالوا: من فعل هذا ساد. فقال أبو جهل: ما محمد بأقوى من رجل منا، وإني أقوم إليه فأشدخ رأسه بحجر، فإن قتلت أرحت قومي، وإن بقيت فذاك الذي أوثر. فخرجوا على ذلك، فلما اجتمعوا في الحطيم -والحطيم هو المثلث المتصل بين الركن اليماني- الذي فيه الحجر الأسود -وبئر زمزم ومقام إبراهيم عليه السلام، وسمي الحطيم لأن من حلف فيه كاذباً فإن الله يحطمه ويهلكه -فلما اجتمعوا في الحطيم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قد جاء. فتقدم من الركن، فقام يصلي عليه الصلاة والسلام، فنظروا إليه يطيل الركوع والسجود، فقال أبو جهل: فإني أقوم فأريحكم منه. فأخذ مهراساً عظيماً، ودنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، لا يلتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا يهابه وهو يراه، فاقترب من الرسول عليه الصلاة والسلام، والرسول يراه، ومع ذلك لم يلتفت إليه، وظل في صلاته، فلما دنا منه ارتعد وأرسل الحجر على رجله، أي: لما اقترب من الرسول عليه الصلاة والسلام ارتعش الكافر وسقط الحجر من بين يديه على رجله، فرجع وقد شدخت أصابعه وهو يرتعد، وقد انتفخت أوداجه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد، فقال أبو جهل لأصحابه: خذوني إليكم. فالتزموه، وقد غشي عليه ساعة، فلما أفاق قال له أصحابه: ما الذي أصابك؟ قال: لما دنوت منه أقبل عليّ من رأسه فحل فاغر فاه، فحمل عليّ أسنانه فلم أتمالك، وإني أرى محمداً محجوباً. فقال له بعض أصحابه: يا أبا الحكم! رغبت وأحببت الحياة ورجعت. يعني: أنت تحتج وتقول: إنه ظهر لك هذا الفحل فاغراً فاه، وحمل عليك بأسنانه، وإنما أحببت الحياة ورجعت خوفاً من أن تموت. فقال: ما تغروني عن نفسي. قال النضر بن الحارث: فإن رجع غداً فأنا له. قالوا له: يا أبا سهل! لئن فعلت هذا لتفوزن. فلما كان من الغد اجتمعوا في الحطيم منتظرين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أشرف عليهم قاموا بأجمعهم فواثبوه، فأخذ حفنة من تراب وقال: (شاهت الوجوه. وقال: حم لا ينصرون) فتفرقوا عنه، يقول: وهذا دفع إلهي وثق به من الله تعالى، فصبر عليه حتى وفاه الله، وكان من أقوى الشهادات على صدقه. وحصل نفس الموقف مع معمر بن يزيد وكلدة بن أسد، كما ذكر المفسرون.
محاولة كلدة بن أسد قتل النبي صلى الله عليه وسلم
محاولة كلدة بن أسد قتل النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن كلدة بن أسد -وكان من القوة بمكان- خاطر قريشاً يوماً في قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعظموا له الخطر إن هو كفاهم، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق يريد المسجد ما بين دار عقيل وعقال، فجاء كلدة ومعه المزراق، فرجع المزراق في صدره، فرجع فزعاً، فقالت له قريش: مالك يا أبا الأشد؟ فقال: ويحكم! ما ترون الفحل خلفي؟! قالوا: ما نرى شيئاً. قال: ويحكم! فإني أراه. فلم يزل يعدو حتى بلغ الطائف، والطائف بينها وبين مكة خمسون كيلو متر تقريباً. ومعروف أن الطائف على هضبة مرتفعة، فصعد الجبل أيضاً، فاستهزأت به ثقيف، فقال: أنا أعذركم، فلو رأيتم ما رأيت لهلكتم.
محاولة أبي لهب قتل النبي صلى الله عليه وسلم
محاولة أبي لهب قتل النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أن أبا لهب خرج يوماً وقد اجتمعت قريش، فقالوا له: يا أبا عتبة! إنك سيدنا، وأنت أولى بمحمد منا، وإن أبا طالب هو الحائل بيننا وبينه، ولو قتلته لم ينكر أبو طالب ولا حمزة منك شيئاً، وأنت بريء من دمه، سنؤدي نحن الدية وتسود قومك، فقال: فإني أكفيكم. ففرحوا بذلك ومدحته خطباؤهم، فلما كان في تلك الليلة وكان مشرفاً عليه نزل أبو لهب وهو يصلي، وتسلقت امرأته أم جميل الحائط حتى وقفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فصاح به أبو لهب فلم يلتفت إليه، وبقيا مكانهما لا ينقلان قدماً ولا يقدران على فعل شيء حتى طلع الصبح، فتسمرا في مكانهما هو وامرأته، ولم يستطيعا حراكاً إلى أن طلع الصبح وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو لهب: يا محمد! أطلق عنا. فقال: ما كنت لأطلق عنكما أو تضمنا لي أنكما لا تؤذياني؟ قالا: قد فعلنا. فدعا ربه فرجعا.
مساومة عتبة بن ربيعة للنبي صلى الله عليه وسلم على ترك دينه
مساومة عتبة بن ربيعة للنبي صلى الله عليه وسلم على ترك دينه وذكر أن قريشاً اجتمعوا في الحطيم، فخطبهم عتبة بن ربيعة فقال: إن هذا ابن عبد المطلب قد نغص علينا عيشنا، وفرق جماعتنا، وبدد شملنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا. وكان في القوم وليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة، والنضر بن الحارث، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأمية، وأبي ابنا خلف، في جماعة من صناديد قريش، فقالوا له: قل ما شئت فإنا نطيعك. قال: سأقوم فأكلمه، فإن هو رجع عن كلامه وعما يدعو إليه وإلا رأينا فيه رأينا. فقالوا له: شأنك يا أبا عبد شمس! فقام وتقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس وحده، فقال: أنعم صباحاً يا محمد. فقال: يا أبا عبد شمس! إن الله قد أبدلنا بهذا السلام تحية أهل الجنة. قال: يا ابن أخي! إني قد جئتك من عند صناديد قريش لأعرض عليك أمورهم إن أنت قبلتها فلك الحظ فيها، ولنا فيها الفسحة، ثم قال: يا ابن عبد المطلب! أنا زعيم قريش فيما قالت. قال: قل. قال: يا ابن عبد المطلب! إنك دعوت العرب إلى أمر لا يعرفونه، فاقبل مني ما أقول لك، قال: قل. قال: إن كان ما تدعو إليه تطلب به ملكاً فإننا نملكك علينا من غير تعب ونتوجك، فارض عن ذلك. فسكت، ثم قال: وإن كان ما تدعو إليه أمراً تريد به امرأة حسناء فنحن نزوجك. فقال: (لا قوة إلا بالله)، ثم قال له: وإن كان ما تتكلم به تريد مالاً أعطيناك من الأموال حتى تكون أغنى رجل في قريش، فإن ذلك أهون علينا من تشتت كلمتنا وتفريق جماعتنا، وإن كان ما تدعو إليه جنوناً داويناك كما داوت قيس بني ثعلبة مجنونهم. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد! ما تقول؟ وبم أرجع إلى قريش؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ({حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} [فصلت:1 - 4] حتى بلغ إلى قوله: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت:13])، قال عتبة: فلما تكلم بهذا الكلام فكأن الكعبة مالت حتى خفت أن تمس رأسي من ارتعادها. وقام فزعاً يجر رداءه، فرجع إلى قريش وهو ينتفض انتفاض العصفور، وقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فقالت قريش: لقد ذهبت من عندنا نشيطاً ورجعت فزعاً مرعوباً، فما وراءك؟! قال: ويحكم! دعوني، إنه كلمني بكلام لا أدري منه شيئاً، ولقد رعدت عليّ الرعدة حتى خفت على نفسي، وقلت: الصاعقة قد أخذتني. فندموا على ذلك.
قصة سراقة في طريق الهجرة
قصة سراقة في طريق الهجرة كذلك من عصمته صلى الله عليه وسلم ما حصل في طريق الهجرة حين دخل هو وأبو بكر رضي الله تعالى عنه غار ثور. وكذلك ما حصل حينما لقيهما سراقة بن مالك بن جعشم، وهو من جملة من توجه لطلبه، فقال له أبو بكر: هذا سراقة قد قرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم! اكفنا سراقة)، فأخذت الأرض قوائم فرسه إلى إبطها، فقال سراقة: يا محمد! ادع الله أن يطلقني ولك عليّ أن أرد من جاء يطلبك، ولا أعين عليك أبداً. فقال: (اللهم إن كان صادقاً فأطلق عن فرسه) فأطلق الله عنه، ثم أسلم سراقة وحسن إسلامه. ومعلوم أنه -كما في بعض الروايات- حينما حصل ذلك لـ سراقة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا سراقة! كيف لك بسواري كسرى؟!). فاستغرب سراقة جداً، فكيف وهو يطارده الآن ويريد أن يقبل عليه حتى ينال الجائزة يعده الرسول عليه الصلاة والسلام بسواري كسرى؟! وعندما أسلم سراقة بعد ذلك خرج في الفتوحات الإسلامية في فارس، وكان في الجيش الذي استولى على قصور كسرى، وأتي عمر رضي الله تعالى عنه بسواري كسرى، ثم ألبسها سراقة في يده، وحينئذ تذكر سراقة هذا الوعد الذي وعده النبي صلى الله عليه وسلم.
المشرك يخترط سيف رسول الله فيمنعه الله منه
المشرك يخترط سيف رسول الله فيمنعه الله منه يقول الحافظ ابن كثير: ومن عصمة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضاء، ونصب المحاربة له ليلاً ونهاراً، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدره وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب؛ إذ كان رئيساً كبيراً مطاعاً في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيراً، ثم قيض الله له الأنصار، فبايعوه على الإسلام وعلى أن يحتمل إلى دارهم، وهي المدينة، فلما صار إليها منعوه من الأحمر والأسود، كل ما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر أعلمه الله به وحماه منهم، ولهذا قصص كثيرة يطول ذكرها. منها: ما رواه ابن جرير بسنده: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال: الله عز وجل. فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه، قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثرت دماؤه، فأنزل الله عز وجل: ((وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)). وفي قصة أخرى: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس على رأس بئر قد دلى رجليه قال الوارث من بني النجار: لأقتلن محمداً. فقال له أصحابه: كيف تقتله؟! قال: أقول له: أعطني سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به. قال: فأتاه فقال: يا محمد! أعطني سيفك أشيمه. فأعطاه إياه فرعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حال الله بينك وبين ما تريد). ومن ذلك ما رواه الشيخان من حديث جابر: (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركتهم القائلة في واد كثير العضاه -أي: الأشواك- فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، فعلق بها سيفه ونمنا معه نوماً، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتاً -يعني: شاهراً السيف- فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله -ثلاثاً- ولم يعاقبه، وجلس) والروايات في ذلك كثيرة جداً.
تفسير قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة)
تفسير قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة) قال تبارك وتعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [المائدة:68]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ) يعني: لستم على شيء من الدين معتد به؛ لأن الدين عند الله الإسلام. فالدين الذي يعتد به عند الله هو الإسلام: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85]، ولذلك فمعنى (لستم على شيء) لستم على شيء من الدين معتد به. (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) يعني: بأن تعملوا بما فيه ومنه الإيمان به، والمقصود هنا التوراة والإنجيل الحقيقيين الذين أنزلهما الله على موسى وعيسى قبل أن يحرفهما أهل الكتاب. (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) يعني: من القرآن (طُغْيَانًا وَكُفْرًا) لكفرهم به، كما قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء:82]، فكلما نزلت الآيات يزداد فريق إيماناً وفريق يزداد كفراً؛ لأنهم كلما كفروا بآية جديدة أو بسورة جديدة ازدادوا كفراً؛ لأن الكفر يزيد وينقص، وبعضه أشد من بعض، كما قال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة:37] فكذلك هنا، فكلما نزل شيء من القرآن زادوا كفراً وطغياناً. (فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) أي: لا تحزن على القوم الكافرين إن لم يؤمنوا بك. أي: لا تهتم بهم. يقول القاسمي: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ) يعني: من الدين (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) أي: تراعوهما وتحافظوا على ما فيهما من الأمور التي من جملتها دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، فالإقامة: هي الإتيان بالعمل على أحسن أوجهه، كإقامة الصلاة مثلاً، ولا يدخل في ذلك القصص التي فيهما ولا العقائد ونحوها، فإنها ليست عملية، والأمر هنا في القضايا العملية. والمراد أن يعملوا بما بقي عندهم من أحكام التوراة والإنجيل على علته، وعلى ما به من نقص وتحريف وزيادة، فإن شرائع هذه الكتب وأوامرها ونواهيها هي أقل أقسامها تحريفاً، وأكثر التحريف وقع في القصص والأخبار والعقائد وما تلاها. وعلى أي الأحوال فهذا الكلام فيه نظر، والصحيح أن الآية ((لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل)) تعني الحقيقيين، وهذا يستلزم بالنسبة لليهود والنصارى الذين كانوا أحياء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أن فيه حثاً لهم على التمحيص والتحري والتنقيب والبحث والجد والاجتهاد في نقد ما عندهم من هذه الكتب نقداً عقلياً تاريخياً صحيحاً، حتى يستخلصوا حقهما من باطلهما بقدر الإمكان، ولا سيما في ذلك العناء كله أن يكونوا على شيء من الدين الحق، ولو اتبعوا القرآن لأراحوا واستراحوا، لكنهم لا يزيدهم القرآن إلا طغياناً وكفراً وحسداً وعناداً، فلا يؤمنون به. ولا يمكن أن يفهم أنهم إذا أقاموا التوراة سيكونون على الدين الحق، لا، بل سوف يكونون على شيء من الدين بعد التحري والتنقيب، فالذي يكون على شيء من الدين صحيح أفضل وأولى ممن لا يكون على شيء من الدين، لكن في الحالتين هو ليس على الدين الحق الكامل؛ لأنه لا يتم له ذلك حتى يدخل في الإسلام، كما قال تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران:83]، ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل آمنوا بمحمد صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن النصوص الموجودة حتى الآن في التوراة والإنجيل واضحة وضوحاً كثيراً في الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا) قال تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة:69]. يقول تبارك وتعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا)) ثم ابتدأ كلاماً جديداً فقال: ((والصابئون)) فالصابئون رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز ((إن)) من اسمها وخبرها، فكأنه قيل: ((إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى)) حكمهم كذا، والصابئون كذلك حكمهم كذا. هذا هو معنى الآية. فـ (الصابئون) مبتدأ، أما خبره فمحذوف، والمقصود من رفع كلمة (الصابئون) تأخيرها عما في حيز الخبر. فيكون خلاصة الكلام: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا َالنَّصَارَى) حكمهم كذا (والصابئون) كذلك، وأنشد سيبويه شاهداً له: وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق أي: وإلا فاعلموا أنا بغاة، وأنتم كذلك. فكلمة (أنتم) مرفوعة هنا على الابتداء، أي: وأنتم بغاة كذلك. ثم قال الزمخشري: فإن قلت: ما التقديم والتأخير إلا لفائدة، فما فائدة التقديم؟! أي: لماذا قدمت كلمة (الصابئون)؟ قلت: فائدته التنبيه على أن الصابئين يثاب عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح، فما الظن بغيرهم؟ فإذا كان الصابئون إذا تابوا تقبل توبتهم فكيف بغيرهم ممن هو أقل منهم كفراً؟! وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدهم غياً، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها، أي: خرجوا. فهذا باختصار فيما يتعلق بإعراب (والصابئون) فـ (الصابئون) هنا استئناف مبتدأ، وليس معطوفاً على ما قبله، وفي آية سورة البقرة جاءت هذه اللفظة معطوفة، حيث قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [البقرة:62] فهي هنا معطوفة، أما في هذه الآية في سورة المائدة ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى)) فهي مرفوعة على الابتداء، وفي هذا رد على بعض الجهلة من القساوسة الذين تشدقوا بأنه منذ زمن ارتكب خطأ نحوي في القرآن الكريم، وألف بعضهم في ذلك وظن أنه وقع على شيء له قيمة، وما درى الخبيث أن قواعد النحو هذه ما وضعت إلا بعد القرآن الكريم بسنين، ومنذ مدة طويلة، فالنحو ما وضعت قواعده وما ضبط إلا بعد نزول القرآن بسنوات مديدة، فكيف يتحكم بهذه القواعد في القرآن الكريم؟! ثم إن هذا القرآن تلي على أفصح الفصحاء وهم قريش الذين كانوا يناصبون رسول الله صلى الله عليه وسلم العداء، ولم يكونوا يبخلون بأي شيء من الطعن فيه وفي رسالته وفي كتابه، فإذا كان فصحاء قريش وبلغاؤهم ما أخذ واحد منهم ما أخذه هذا القسيس فكيف تستقيم له هذه الدعوى؟!
تفسير قوله تعالى: (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل)
تفسير قوله تعالى: (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل) يقول تبارك وتعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة:70]. قوله تعالى: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) يعني: على الإيمان بالله ورسله. (وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ) أي: رسول منهم؛ لأن الرسل تبعث في قومها. ((بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ)) يعني: من الحق (فَرِيقًا كَذَّبُوا) يعني: فريقاً منهم كذبوه (وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) وفريقاً من الرسل يقتلون، كزكريا ويحيى. والتعبير بكلمة (يقتلون) دون قتلوا حكاية للحال الماضية، ومراعاة للفاصلة، أي: رءوس الآي.
تفسير قوله تعالى: (وحسبوا ألا تكون فتنة)
تفسير قوله تعالى: (وحسبوا ألا تكون فتنة) قال تبارك وتعالى: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [المائدة:71]. قوله تعالى: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ) حسبوا أي: ظنوا (أن لا تكون) ويمكن أن تقرأ (أن لا تكونُ) و (أن لا تكونَ)، فعلى الرفع تكون (أن) مخففة، وعلى النصب تكون ناصبة، والمعنى: خافوا (أن لا تكون فتنة) يعني: عذاب لهم على تكذيب الرسل وقتلهم. (فَعَمُوا) يعني: عموا عن الحق فلم يبصروه (وَصَمُّوا) أي: عن استماعه (ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) لما تابوا (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا) ثانية (كَثِيرٌ مِنْهُمْ) وهذا بدل من الضمير (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) يعني: فيجازيهم تبارك وتعالى به. ويلاحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى قال: ((وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا)) فأضاف العمى والصمم إليهم، أما التوبة فلم يضفها إليهم، ففيه دلالة على أنهم لا يستحقون أن يضاف الخير إليهم، فقال عز وجل: ((ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) لم يقل: (ثم تابوا) وإنما قال: ((ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)) يعني: بما عملوا.
تفسير قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)
تفسير قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة:72]. بين تعالى كفر النصارى وما هم عليه من فساد الاعتقاد المباين لأصل دعوة عيسى عليه السلام من التوحيد الخالص، فبعدما ذكر فيما مضى قبائح اليهود شرع في ذكر قبائح النصارى، فقال تبارك وتعالى: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)). وقد سبق مثله في سورة النساء في قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء:171]. فقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) يعني: فإني عبد ولست بإله، وقال لهم أيضاً: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة:72]. فقوله: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) يعني: في العبادة غيره (فقد حرم الله عليه الجنة) يعني: منعه أن يدخلها. (وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) يعني: يمنعونهم من عذاب الله.
تفسير قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)
تفسير قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) قال تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة:73]. يعني: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث آلهة ثلاثة، أو (ثالث ثلاثة) معناه أنه واحد منها، فهو -بزعمهم- واحد من ثلاثة آلهة، والآخران عيسى وأمه، وهذا قول فرقة من النصارى على اختلاف مذاهبهم، ومنهم من يقول: إن الثلاثة هم الأب والابن وروح القدس إلى غير ذلك من كفرهم وضلالهم. يقول تعالى: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ) يعني: من التأليه، وإن لم يوحدوا الله سبحانه وتعالى (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) أي: الذين ثبتوا على الكفر ولم يرجعوا عنه (عذاب أليم) أي: مؤلم، وهو النار.
تفسير قوله تعالى: (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه)
تفسير قوله تعالى: (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه) قال تعالى: {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:74]. قوله تعالى: (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ) يعني: مما قالوا. وهذا استفهام وتوبيخ (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: غفور لمن تاب رحيم به. وهذا فيه فضيلة عظيمة جداً للتوبة، وأن باب التوبة مفتوح مهما اكتسب الإنسان من المعاصي والكبائر والمخالفات؛ لأنه إذا كان هؤلاء الذين شتموا الله وسبوا الله وزعموا أن الله ثالث ثلاثة وقالوا غير ذلك من الكفر والشرك، ومع ذلك يفتح لهم باب التوبة على مصراعيه، ويقول لهم: {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فإذا كان هؤلاء المشركون -مع كفرهم وسبهم لله وشتمهم له- يتوب الله تعالى عليهم إن تابوا إليه، فكيف بمن دونهم من أهل التوحيد ممن غشي الكبائر والذنوب؟! ففي هذه الآية تطميع لأهل التوحيد في التوبة مما هو أقل من كفر هؤلاء الكافرين. وقال -أيضاً- في حق المشركين: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:38].
تفسير قوله تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)
تفسير قوله تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) قال عز وجل: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المائدة:75]. قوله تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ) أي: مضت (مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) عاشوا ثم ماتوا ومضوا، فكذلك هو أيضاً أدى رسالته ثم مضى، فهو يمضي مثلهم، وليس بإله كما زعموا، وإلا لما مضى؛ فإن الإله لا يغيب ولا يمضي، فهذا فيما يتعلق بالمسيح عليه السلام. (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) هذه مبالغة، يعني: مبالغة في الصدق (كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ) يعني: كغيرهما من الحيوانات، وهذا الكلام للسيوطي، والأفضل أن يقول: كغيرهما من الكائنات الحية التي تتغذى من الطعام. ومن كان كذلك لا يكون إلهاً لتركيبه وضعفه، فإذا كان المخلوق يريد أن يأكل ويشرب فمعنى ذلك أنه محتاج إلى الطعام، فإذا جاع يتألم، ويحتاج إلى أن يأكل، وإذا أكل لا يستطيع أن يستبقي فضلات الطعام داخل جسمه، فيحتاج إلى الإخراج، فهل الذي يحتاج إلى هذا يكون إلهاً؟! فلذلك يقول تبارك وتعالى: ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ)) فمن كان كذلك لا يكون إلهاً لتركيبه وضعفه، فهو مركب من أجزاء، مركب من رأس ومعدة وأمعاء وغير ذلك، فالإله ينزه عن التركيب في ذاته، وينزه عن التركيب في شخص ما أنه يكون واحداً لا متعدداً، والواحد نفسه غير مركب من أجزاء؛ لأن التركيب من أجزاء يقتضي الافتقار. (انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ) أي: انظر متعجباً كيف نبين لهم الآيات على وحدانيتنا (ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) يعني: كيف يصرفون عن الحق مع قيام البرهان؟!
تفسير قوله تعالى: (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا)
تفسير قوله تعالى: (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً) قال عز وجل: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة:76]. قوله تعالى: (قل أتعبدون من دون الله) أي: غيره (ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) يعني: لأقوالكم (الْعَلِيمُ) بأحوالكم. والاستفهام هنا للإنكار.
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح) وما بعدها
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح) وما بعدها يقول القاسمي في تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة:72]. قال الرازي: هذا قول اليعقوبية منهم، يقولون: إن مريم ولدت إلهاً. ولعلّ معنى هذا المذهب أنهم يقولون: إن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بها. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! ثم بين تعالى أنهم صموا عن مقالات عيسى الداعية إلى التوحيد كما وصفهم في الآيات السابقة ((ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا))، فعموا وصموا عن الآيات التي دعاهم عيسى من خلالها إلى توحيد الله تبارك وتعالى، فيقول عز وجل: ((وَقَالَ الْمَسِيحُ)) يعني أن هذا المسيح بريء من هذا الكلام كله، فالمسيح ما دعا إلى عبادته، كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران:79]، فالله سبحانه وتعالى يقول: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ))، فهو نص واضح وصريح في حكم من قال بهذه المقالة، فلا يبقى بعد ذلك أدنى شك، فمن قال: إن النصارى مؤمنون أو موحدون، أو: إنهم من أهل الجنة فقد خرج من الإسلام بالكلية، وهذه ردة عن دين الله؛ لأن هذا القول فيه تكذيب لهذه الآيات الصريحة والقاطعة من القرآن الكريم، فلا يصح أبداً للإنسان الانتساب إلى الإسلام إذا كان يزعم أن النصارى في الجنة مع كفرهم ومع قولهم: ((إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ)) أو غير ذلك من مقولاتهم الشركية. فهذا لا جدال فيه ولا مراء، وإن كان هذا بدأ يبدو غريباً عند بعض الأصناف التي أوغلت في الجهل وفي المعاندة لدين الله تبارك وتعالى، فهم يصفون النصارى مع المسلمين على أنهم أهل الإيمان، وبعضهم يقول: أديان التوحيد الثلاثة. حتى إن كبير القوم يشعر بأن عقيدته عورة -أي: عقيدة التثليث-، فلذلك يشعر بالانهزام أمام توحيد المسلمين، فإذا خطب على الملأ في المواكب وحفلات النفاق المعروفة يرى أن هذه موضة جديدة الآن، فيستحيي ويخجل من أن يقول: باسم كذا وكذا وكذا من الثلاثة الآلهة المزعومة عندهم، وإنما يقول الآن: باسم الإله الواحد الذي نعبده جميعاً، فهذا اعتراف منه بأن عقيدته عورة، وهو يحاول أن ينكرها بقوله: باسم الإله الواحد الذي نعبده جميعاً. حتى يوهم بعض السذج من المسلمين فيقولون: هؤلاء الناس موحدون مثلنا. فها هو يقول: باسم الله الواحد الذي نعبده جميعاً وهم يعبدون عبداً من عباد الله، يعبدون المسيح عليه السلام، أما نحن فنعبد الله عز وجل. يقول تعالى: {وَقَالَ الْمَسِيحُ} [المائدة:72] وهذه هي دعوة المسيح عليه السلام ((يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ))، بل إن أول كلمة نطق بها المسيح عليه السلام عندما نطق في المهد: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم:30] إلى آخر الآية. وقبل أن يقول: (ربكم) قال: (ربي)، ولم يقل: اعبدوني. وإنما قال: (اعبدوا الله)، ومعنى: (اعبدوا الله): وحدوه. ثم صرح بقوله: (ربي وربكم) قمعاً لمادة توهم الاتحاد، يعني: هو ربي وهو ربكم فهذا استئصال لوهم أن هناك اتحاداً بين المسيح وبين الله عز وجل. والمسيح قال لهم أيضاً: ((إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ))، فكيف والشرك أعظم وجوه الظلم؟ ((وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)) أي: ما لهم من أحد ينصرهم بإنقاذهم من النار إما بطريق المغالبة أو بطريق الشفاعة، فليس للكافرين أو للظالمين أنصار يغالبون الله سبحانه وتعالى، أو يغلبون الملائكة حتى ينقذوا هؤلاء من النار، ولا يستطيعون -أيضاً- نصرهم عن طريق الشفاعة، في أن يشفعوا لهم عند الله كي يخرجونهم من النار.
تفسير قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)
تفسير قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) ثم بين تعالى كفر طائفة أخرى منهم فقال عز وجل: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) أي: أحد ثلاثة آلهة. بمعنى أنه واحد منها، وهم: الله، ومريم، وعيسى. قال بعضهم: كانت فرقة منهم تسمى اليعقوبية تقول: الآلهة ثلاثة: الأب، والابن، ومريم. وجاء في كتاب (علم اليقين) أن فرقة منهم تسمى المريميين يعتقدون أن المريم والمسيح إلهان، قال: وكذلك البربراميون وغيرهم، فهذا القول محكي عن فرق من فرقهم. وأيضاً كان من نصارى نجران من يقول بهذا، أن مريم من الآلهة الثلاث. أو المعنى: أحد ثلاثة أقانيم، كما اشتهر عنهم، فهو عندهم واحد من ثلاثة آلهة، أو واحد من ثلاثة أقانيم، أي أنهم جوهر واحد وهم ثلاثة أقانيم، أي: الأب والابن وروح القدس كما زعموا. وزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد، كما تقدم عنهم في قوله تعالى: {وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ} [النساء:171]. قال الرازي رحمه الله: واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل، فإن الثلاثة لا تكون واحداً، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فساداً وأظهر بطلاناً من مقالة النصارى. وقد صنفت عدة مصنفات في تزييف معتقدهم هذا، وهي شهيرة متداولة، والحمد لله. ثم يقول تعالى: ((وَمَا مِنْ إِلَهٍ)) يعني: في نص الإنجيل والتوراة وجميع الكتب السماوية ودلائل العقل ((وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ)) لا يتعدد أفراداً ولا أجزاءً. ((وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ)) يعني: من هذا الافتراء والكذب بعد ظهور الدلالة القطعية متمسكين بمتشابهات الإنجيل التي أوضحتها محكماته ((لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) يعني: في الآخرة من عذاب الحريق والأغلال والنكال. ولم يقل تبارك وتعالى: (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنهم عذاب أليم) لم يقل ذلك، وإنما قال: (ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم) لأن في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة، وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر بقوله: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا)) ثم هنا -أيضاً- كرر هذه الشهادة عليهم بأنهم كفار، فقال عز وجل: ((وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)). وفي البيان فائدة أخرى، وهي الإعلام في تفسير الذين كفروا منهم أنهم بمكان من الكفر.
تفسير قوله تعالى: (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه)
تفسير قوله تعالى: (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه) يقول تعالى: ((أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ)) يعني: يتوبون بالتوحيد والتنزيه عما نسبوه إليه من الاتحاد والحلول، فيرجعون عن التمسك بالمتشابهات إلى القطعيات، فالاستفهام لإنكار الواقع واستبعاده، ففيه تعجب من إصرارهم على هذه المقالات الفاسدة مع وضوح بطلانها. ومدار الإنكار والتعجب عدم الانتهاء والتوبة معاً، فلا هم يريدون أن ينتهوا عما يقولون، ولا يريدون أن يتوبوا إلى الله ويستغفروه، أو أن المقصود: ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المقررة عليهم بالكفر، وبعد هذا الوعيد الشديد مما هم عليه؟! يقول الحافظ ابن كثير: وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم وهذا الافتراء والكذب والإفك يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب الله عليه، كما قال عز وجل: ((وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ))، فيغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم، {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. ثم أشار تعالى إلى بطلان التمسك بمعجزات عيسى وكرامات أمه على إلهيتهما؛ لأن المساكين من النصارى أو عديمي العقول من النصارى يستدلون بمعجزات المسيح عليه السلام ويستدلون بكرامات أمه مريم عليها السلام على هذه الألوهية المزعومة، فأشار عز وجل هنا إلى بطلان تمسكهم بمعجزات عيسى وكرامات أمه على إلهيتهما؛ لأن غاية ما في الأمر حينما تجري هذه المعجزات على يد المسيح عليه السلام أنه يدل على نبوته، وهو ليس بدعاً من الرسل، وإنما هو كمن سبقه من إخوانه الأنبياء الذين أتوا بمعجزات أجراها الله على أيديهم لتدل على صدق دعواهم الرسالة، فهذا غاية ما يدل عليه جريان المعجزات على يد المسيح عليه السلام، كذلك مريم إذا وقعت لها كرامات فقد وقعت كرامات لمن سبقها من أولياء الله كما هو معلوم. فهنا المقصود من هذا السياق استنزالهم عن الإصرار على ما تقولوا عليهما، يريد القرآن أن يستنزلهم وينتزعهم من إصرارهم على هذا الباطل إرشاداً لهم إلى التوبة والاستغفار التي دعاهم إليها الله سبحانه وتعالى، فبعد ما قال: {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:74] شرع عز وجل في استنزالهم وإنقاذهم من هذا الكفر المبين.
تفسير قوله تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)
تفسير قوله تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المائدة:75]. قول تعالى: (ما المسيح) يعني: ليس المسيح المعلوم كونه حادثاً مخلوقاً. ونلاحظ القرآن الكريم أنه يوصف المسيح بأنه ابن مريم في سياق الرد على النصارى، لأنه ليس له أب عليه السلام، وهذا ليس فيه شيء، فليس هو مستغرباً في قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى نوع مظاهر قدرته العظيمة، فخلق آدم بلا رجل وبلا امرأة، وخلق حواء من رجل بلا امرأة؛ لأنها خلقت من ضلع آدم عليه السلام، وخلق المسيح من امرأة بلا رجل، وخلق سائر البشر من رجل وامرأة، فهذا فيه بيان تنوع قدرة الله سبحانه وتعالى على الخلق، فهو آية من آيات الله سبحانه وتعالى، فمن أعجز في خلقه: المسيح أم آدم عليها السلام؟! فآدم خلق من تراب، لا من رجل ولا من امرأة، كما حكى الله عز وجل في القرآن الكريم: {كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:59]. فهنا يقول الله عز وجل: ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)) يعني: ما المسيح الذي هو ابن مريم. ومعنى (ابن مريم) أنه حادث ومخلوق، ولا يصلح أن يكون خالقاً. فقوله: ((مَا الْمَسِيحُ)) أي: المعلوم حدوثه من كونه ابن مريم بالخوارق الظاهرة على يديه: {إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} أي: مضت من قبله الرسل الذين كانوا أصحاب الخوارق الباهرة، فله أسوة أمثاله، فإذا كان أجرى الله سبحانه وتعالى بعض المعجزات على يديه فقد أجراها على يدي موسى، وأجرى كثيراً من المعجزات والآيات على يدي موسى، وعلى يدي إبراهيم عليه السلام وغيرهما من الأنبياء والرسل، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} [الزخرف:59] أنعم الله عليه بأن أجرى على يديه هذه المعجزات، أي: ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا قبله، جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها، فإذا كان قد أبرأ الله الأبرص وأحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى، وفلق بها البحر على يد موسى وهو أعجب، وإن خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب ولا أم، وهو أغرب منه. وفي الآية وجه آخر في قوله تعالى: ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) يعني: مضت من قبله الرسل، فهو يمضي مثلهم، فمعنى ذلك أنه حادث ومتصف بما ينافي صفات الألوهية. ((وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ)) مبالغة في الصدق، ووقع اسم الصديقة عليها لقوله تعالى: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم:12]. والوصف بتحري الصدق والمبالغة فيه مشعر بالإغراق في العبودية والقيام بمراتبها، فمن أين لهم أن يصفوها بما يباين وصفها؟! فإذا كانت كلمة (الصديقة) تعبير عن المبالغة في عبوديتها لله فأنى لهؤلاء أن يزعموا أنها إله؟! دلت الآيات على أن مريم عليها السلام ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى استدلالاً منهم بخطاب الملائكة لـ سارة ومريم، وبقوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص:7]، وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبياً إلا من الرجال، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف:109]. وقد حكى الأشعري رضي الله عنه الإجماع على ذلك. قوله تعالى: ((كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ)) استئناف مبين لما قبله من أنهما كسائر البشر في الافتقار إلى الغذاء، فكل منهما إنسان يأكل؛ لأنه يحتاج إلى الطعام، ويعاني من الجوع والعطش فيحتاج إلى الطعام، وفيه تبعيد عمَّا نسب إليهما. قال الزمخشري: لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسماً مركباً من لحم وعظم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة وقرم وغير ذلك، مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام. فكل هذه الأجهزة في الجسم لها وظائف، فمن الذي يجري هذه الوظائف على الحقيقة في بدن الإنسان؟ إنه الله سبحانه وتعالى، فوجود هذه الأجهزة معناه أنه إنسان مدَّبر، وهناك غيره يدبره، وهو الله سبحانه وتعالى، فأنى يكون من هذا حاله إلهاً كما يزعمون؟! ويقول القاسمي هنا: إنما أخر في الاستدلال على بطلان مذهب النصارى حاجتهما للطعام عمَّا قبله من مساواتهما للرسل عليهم السلام ترقياً في باب الاستدلال من الجلي للأجلى. يعني: هذا الدليل جعل في آخر الأدلة على إبطال مذهب النصارى لعنهم الله، وهذا من باب الترقي في الاستدلال من الجلي إلى ما هو أجلى وأوضح، على ما هو موجود في القاعدة في سوق البراهين لإلزام الخصم، فالإنسان إذا كان يناظر خصماً فإنه يعطي برهاناً جلياً، فإذا لم ينقد للبرهان الجلي الواضح البين فإنك تعطيه ما هو أجلى وأوضح، وفي هذا تعريض بغباوته بأنه غبي لا يفهم، فلذلك تأتي بأشياء من أوضح ما تكون، فالترقي هو من مسالك المناظرة. يقول: ترقياً في باب الاستدلال من الجلي للأجلى. فالجلي الذي مضى سالفاً هو قوله تعالى: ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) وهذا دليل في حد ذاته، فإن عيسى بن مريم مركب؛ لأنه حادث ومخلوق، وهو ينسب لأمه مريم عليهما السلام، فما هو إلا رسول قد خلت ومضت من قبله الرسل، فإذا كان يمضي فمعناه أنه مدبر، ومعناه أنه يجري عليه ما يجري على البشر، فليس إلهاً. ثم أتى بعد ذلك بقوله: ((وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ)) يقول: على ما هي القاعدة في سوق البراهين لإلزام الخصم، حتى إذا لم يسلم في الجلي لغموضه عليه يورد له الأجلى تعريضاً بغباوته، فيضطر للتسليم إن لم يكن معانداً ولا مكابراً، كما وقع في مناظرة إبراهيم عليه السلام: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة:258]، فمثل الكافر بشيء في غاية الضعف فقال: (قال أنا أحيي وأميت) فإبراهيم عليه السلام لم ينتقد هذا الاستدلال عنده، ولكنه انتقل إلى ما هو أجلى وأوضح فقال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة:258]. قوله تعالى: ((انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ)) يدعو الله سبحانه وتعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى أن يتعجب من غباوة القول (انظر كيف نبين لهم الآيات)، انظر إلى كل هذه الآيات السابقة! انظر كيف نبين لهم الآيات والأدلة على الوحدانية وعلى توحيد الله، وعلى بطلان الاتحاد وإلهية عيسى وأمه وبطلان شبهاتهم. (ثم انظر) يعني: مع ذلك (أنى يؤفكون) أي: كيف يصرفون عن التأمل فيها إلى الإصرار على التمسك بالشبهات الظاهرة البطلان. وتكرير الأمر بالنظر للمبالغة في التعجب من حال الذين يدعون لهم الربوبية ولا يرعوون عن ذلك، بعدما بين لهم حقيقة حالهما بياناً لا يحوم حوله شائبة ريب، ثم لإظهار ما بين العجبين من التفاوت، أي: إن بياننا للآيات أمر بديع في بابه، بالغ لأقاصي الغايات القاصية من التحقيق والإيضاح، وإعراضهم عنها مع انتفاء ما يصححه بالمرة لما يوجب قبولها أعجب وأبدع، فهنا أمر بالتعجب بعد التعجب، يقول تعالى: ((انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)) تعجب ثم تعجب من موقفهم من هذا الحق!
تفسير قوله تعالى: (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا)
تفسير قوله تعالى: (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً) ثم قال عز وجل: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة:76]. هذا دليل آخر على فساد قول النصارى، والموصول كناية عن عيسى وأمه ((قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا)) يعني: الذي لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً. والمقصود به عيسى وأمه، يعني: لا يستطيعان أن يضراكم بمثل ما يضركم الله به من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعاكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة، ولأن كل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع إنما هو بإقدار الله وتمكينه، فكأنهما لا يملكان منه شيئاً. وإيثار (ما) على (من) -فلم يقل قل أتعبدون من دون الله من لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً. وإنما قال: (ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً) - لتحقيق ما هو المراد من كونهما بمعزل من الإلهية رأساً، ولبيان انتظامهما في تلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلاً، يعني: وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء، لا يخرج مقدور عن قدرته، وإنما قدم الضر فقال: (ضراً ولا نفعاً) لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع. ودلت هذه الآية على جواز الجدال في الدين، فإن كان مع الكفار وأهل البدع فذلك ظاهره الجواز، وإن كان مع المؤمن جاز بشرط أن يقصد إرشاده إلى الحق، وإن قصد العلو فذلك محذور. وحكي عن الشافعي أنه كان إذا جادل أحداً قال: اللهم! ألق الحق على لسانه.
تفسير قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم)
تفسير قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة:77]. ولما أقام تعالى الأدلة القاهرة على بطلان ما تقوله النصارى أرشدهم إلى اتباع الحق ومجانبة الغلو الباطل، فقال عز وجل: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}. قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب) يعني الكتاب الذي هو ميزان العدل. (لا تغلوا في دينكم غير الحق) أي: لا تتجاوزوا الحد في تعظيم عيسى وأمه وترفعوهما عن رتبتهما إلى ما تقولتم عليهما من العظيمة، فأدخلتم في دينكم اعتقاداً غير الحق بلا دليل عليه، مع تظافر الأدلة على خلافه. وقوله: (غير الحق) يعني: غلواً غير الحق، أي: غلواً باطلا. أو مجاوزين الحق. والغلو نقيض التقصير، ومعناه الخروج عن الحد، وذلك لأن الحق بين طرفي الإفراط والتفريط، ودين الله بين الغلو والتقصير. فهذا إشارة إلى أن ما عليه النصارى هو الغلو، فكل حق له طرفان، إما إفراط وإما تفريط، فالنزوع إلى أحد هذين الطرفين هو نزوع إلى طرف، وإذا اتجهت إلى الطرف الآخر يسمى ذلك تطرفاً، لانك أخذت بالطرف، فالمراد أن هناك وسطاً، وهو الميزان والعدل، فمن حاد عن هذا الوسط فهو متطرف، فهذا هو المعنى الصحيح للتطرف ومعنى ذلك أن هذه الآية تصف هؤلاء الذين يشتمون الله سبحانه وتعالى ويشركون به في هذه العقائد بأنهم هم الغلاة وهم المتطرفون، ولذلك نعمم ونعيد الأمور إلى نصابها بأن نقول: إن المضطر إذا استطلق إطلاقين فإن الإطلاق الصحيح هو الذي يكون داخل دائرة المسلمين، فالمتطرف هو الذي يحيد عن منهج أهل السنة والجماعة، سواء تطرف إلى اليمين أو اليسار، كما في باب مسائل الإيمان والكفر إما أن يبقى متطرفاً إلى اليمين مثل المرجئة، أو متطرفاً إلى اليسار في الغلو والإفراط مثل الخوارج الذين يكفرون عصاة المسلمين. وكذلك في القدر، بأن يتطرف فيبالغ في إثبات القدر كالجبرية، أو يبالغ في نفي القدر كالقدرية. وكذلك في موالاة أهل البيت، فيتطرف إلى أقصى الطرف في حب أهل البيت وتعظيمهم تعظيماً زائداً عمَّا يستحقونه، حتى يضع عليهم بعض صفات الإلهية أو العصمة وغير ذلك، أو يتطرف في الجانب الآخر فينصب العداء على أهل البيت، وهكذا في كل قضية من قضيا الإيمان ومسائل العقيدة نجد من يتطرف إما إلى اليمين وإما إلى الشمال، فكل شخص ينتسب إلى فرقة دون الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة وهو مذهب السلف الصالح في كل هذه القضايا- فهذا هو المتطرف، وهذا هو الاستعمال الصحيح للكلمة. وفي خارج الدائرة الإسلامية كل من ليس مسلماً فهو متطرف، حيث يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143]، فنحن لا نقول كلاماً وكأننا نكتشف حقيقة جديدة، فهذا هو الحق، وكثرة الإلحاح بوصف الموحدين والملتزمين بالدين بالتطرف جعل الناس تستورد مثل هذه التعبيرات، فنحن لسنا متطرفين، وكيف نكون متطرفين وأسوتنا وقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وهؤلاء الزنادقة والملاحدة من الصحفيين والإعلاميين وغيرهم إذا كان بعث فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه فهل كانوا سيصفونه بالتطرف؟ وما نحن إلا مستمعون للرسول عليه الصلاة والسلام والسلام، ونملك الأدلة على هذا بأن الحق ما يثبت، سواء في القرآن الكريم أو في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فما الفرق بين أن يطعنوا في دينه وسنته بعد أن أفضى إلى الرفيق الأعلى بأن هذا تطرف وبين أن يصفوه هو عليه الصلاة والسلام بأنه متطرف؟! فإذا كان احترام الإسلام واحترام الدين، والتمسك بالعقيدة، وطاعة الله ورسوله، والصبر على الغربة تطرفاً فينبغي أن نفخر بأننا متطرفون، ونشن الحملة على من لا يتطرف ونطالبهم بالتطرف ما دام أن الحق يوضع في قوالب مموهة ومضللة لتنفر الناس عن الدين، فنحن لا نقف عند الألفاظ، وإنما ننظر إلى المعاني، وقد قال الشاعر: تقول هذا جنى النحل تمدحه وإن شئت قلت ذا قيء الزنابير مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير فإذا شئت أن تمدح عسل النحل فقل: (هذا جنى النحل) أي: محصول النحل، وإن شئت أن تنفر الشخص من نفس العسل الشهي فقل له: (هذا قيء الزنابير)، وهو شيء واحد، لكن قد يعبر عن الحق ويظهر بقالب منفر كي ينصرف الناس عنه، وهذه من حيل الشيطان وزخارف قوله التي يوحيها إلى أوليائه كي يصدوا الناس عن دين الله. فالذي يقف وراء كل هؤلاء الناس هو الشيطان الذي يؤزهم أزاً على محاربة دين الله تبارك وتعالى. وقد قال الإمام الشافعي: إن كان رفضاً حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي فالقضية ليست قضية أسماء وحروف تركب بعضها إلى جانب بعض، وإنما هي قضية معانٍ وجواهر. فهذه الآية تؤكد ما ينبغي أن نعتقده جميعاً، وهو أن كل من ليس من أهل السنة والجماعة وليس من المسلمين فهو متطرف، فكل يهودي على ظهر الأرض متطرف، وكل علماني متطرف، وكل شيوعي متطرف، وكل نصراني متطرف، وكل مجوسي متطرف، ثم داخل دائرة الإسلام كل من حاد عن أهل السنة والجماعة التي هي الفرقة الناجية فهو -أيضاً- متطرف، سواء أكان من الشيعة أم من الخوارج أم الرافضة أم من المعتزلة أم من غيرهم من الفرق الضالة. فهذا المعنى ينبغي أن نستحضره دوماً خاصة في هذا الزمان الذي تلعب فيه الفتن بالعقول لعباً: (ويصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي كافراً ويصبح مؤمناً).
إفادة الآية النهي عن الغلو عموما في كل أحكام الدين
إفادة الآية النهي عن الغلو عموماً في كل أحكام الدين يقول تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة:77]. فالآية تفيد النهي عن الغلو عموماً، والغلو في العقيدة من أخطر الأشياء، والغلو في العبادة كغلو الموسوسين، كالذي يغالي في الطهارة، فبدل أن يتوضأ ثلاثاً يتوضأ خمسين مرة، وقد يخرج وقت الصلاة، فهذا غلو في الدين أيضاً، فأي نوع من الغلو الباطل في الدين فهو منهي عنه بنص هذه الآية. ومن الغلو -أيضاً- الغلو في تعظيم الصالحين، وتعظيم قبورهم، حتى يصيروا كالأوثان التي كانت تعبد، يقول صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين)، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)، وهذا متفق عليه. فقوله: (لا تطروني) إما أنه نهى عن أصل الإطراء الذي هو المديح، فهو يقول: لا تمدحوني؛ فأنا لست بحاجة إلى مدحكم بعد أن مدحني الله سبحانه وتعالى بما لا مزيد عليه حين قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، فإنكم إذا مدحتموني استنزلكم الشيطان إلى الوقوع في الغلو، حتى تقولوا فيّ كما قال النصارى في عيسى عليه السلام. وإما أن النهي هنا عن المبالغة في المدح لا عن أصل المدح، وإنما عن أصل المبالغة في المدح، فإن المبالغة والغلو في المدح ينتهي إلى الانحراف وإلى فساد العقيدة، في القصيدة المشهورة وأظنها لـ أحمد شوقي حيث يقول يخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام: أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك بيد أن لي انتسابا مدحت المالكين فزدت قدراً وحين مدحتك اجتزت السحابا سألت الله في إدناء ديني فإن تكن الوسيلة لي أجابا وما للمسلمين سواك حفظ إذا ما الضر مسهم ونابا فهل الرسول عليه الصلاة والسلام يقبل أن يمدحه رجل بأن يقول: إن المسلمين إذا جاءتهم كربة أو داهمتهم مصيبة ليس لهم حفظ إلا الرسول عليه الصلاة والسلام؟! فالرسول صلى الله عليه وسلم أتى ليحطم أمثال هذه العقائد، فهذا من الغلو الباطل، وقد ضل أحد المغالين في فهم الحديث (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) فقد فسر الحديث تفسيراً عجيباً، وهو البوصيري، فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) يعني: لا تمدحوني بالصفة التي غلا فيها النصارى في المسيح، وهي قولهم: إن المسيح ابن الله. فقال البوصيري في القصيدة المعروفة التي يتعبد الصوفية بتلاوتها وحفظها: دع ما ادعته النصارى في نبيهم وانطق بما شئت مدحاً فيه واحتكم يعني: إذا سلمت من قولك: إن محمداً ابن الله. أو: إن محمداً ثالث ثلاثة فلا حرج عليك، فامدح بما شئت، وانطق بما شئت مدحاً فيه واحتكم. فالباب مفتوح، فقل ما شئت عدا أن تقول: إن محمداً ابن الله. أو: إن محمداً ثالث ثلاثة. ففتح الباب على مصراعيه في هذا الغلو الفظيع حتى قال في قصيدته -مادحاً الرسول عليه الصلاة والسلام، أيضاً بما يرفضه الرسول عليه الصلاة والسلام-: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فهذا من الغلو في الدين الذي قد نهينا عنه.
النهي عن اتباع الأئمة المضلين
النهي عن اتباع الأئمة المضلين ثم نهاهم تعالى عن اتباع سلفهم وأئمتهم الضالين، فقال عز وجل: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة:77]. فسلفهم الضالون ليسوا هم الصالحين، فهو يحذرهم من اتباع سلفهم الذين اتبعوا هذه المقالات وأفسدوا دينهم. وقوله تعالى: (ولا تتبعوا) يعني: تقليداً (أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً) يعني: ممن شايعهم على التقليد (وضلوا عن سواء السبيل). يقول الرازي: إنه تعالى وصفهم بثلاث درجات في الضلال، فبين أنهم كانوا ضالين من قبل ((قد ضلوا من قبل)) ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم، فالمرء منهم ضال في نفسه ومضل لغيره، فيحمل وزر نفسه ووزر الذين يضلهم بغير علم. ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحال حتى إنهم الآن ضالون قد ثبتوا على الضلال. قال تعالى: ((وضلوا عن سواء السبيل)) ودلت الآية على أن ما لهؤلاء الكفرة من الأباطيل مع مخالفتها للعقول ومزاحمتها للأصول لا مستند له، ولا معول لهم فيه غير التقليد لأسلافهم الضالين، فكل ما عندهم هو تقليد آبائهم وأجدادهم وسلفهم الذين أحدثوا القول بالتثليث بعد نحو ثلاثمائة سنة من رفع المسيح عليه السلام. فبعد ثلاثمائة سنة من رفع المسيح اخترعوا هذه المزاعم الباطلة والشركية، وقرروها في تعاليمهم بعد جدل وافتراض، وتمسكوا في ذلك بظواهر الألفاظ التي لا يحيطون بها علماً مما لا أصل له في شرع الإنجيل، ولا هو مأخوذ من قول المسيح، ولا من أقوال حوارييه، بل كلام متهافت يكذب بعضه بعضاً ويعارضه ويناقضه.
تفسير قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل لبئس ما كانوا يفعلون)
تفسير قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل لبئس ما كانوا يفعلون) قال تبارك وتعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة:78 - 79]. قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل) يعني: لعنهم الله عز وجل. (على لسان داود وعيسى ابن مريم) يعني: على لسانيهما. وأفرد لعدم اللبس، فلم يقل: على لساني داود وعيسى ابن مريم لأنه لا يحتمل وجود لبس، وذلك إذا أريد باللسان الجارحة. ((ذلك)) لعنهم الهائل ((بما عصوا وكانوا يعتدون)) يعني: بقتل الأنبياء واستحلال المعاصي. ((كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه)) يعني: لا ينهى بعضهم بعضاً عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر من ارتكاب مثل الذي ارتكبوه فقال: ((لبئس ما كانوا يفعلون)) مؤكداً بلام القسم تعجباً من سوء فعلهم كيف وقد أداهم إلى ما ذكر من اللعن الكبير؟! فهذه الآية دلت على جواز لعن اليهود والنصارى والكفرة من بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل). ودلت -أيضاً- على المنع من الذرائع التي تبطل مقاصد الشرع، ودلت -أيضاً- على وجوب النهي عن المنكر، وأن ترك النهي عن المنكر من الكبائر، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم أو في أسواقهم وآكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس فقال: (لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً) أي: تعطفوهم عليه. رواه الترمذي وقال: حسن غريب. وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا! اتق الله ودع ما تصنع؛ فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده) يعني أنه يتمادى في مصاحبته، أي: نصحه مرة وانتهى، ثم بعد ذلك بقي الرجل مصراً على المعصية، ولم يمنعه ذلك من أن يتخذه خليلاً وصاحباً. يقول: (فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قرأ: ((لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)) [المائدة:78] إلى آخر الآية، ثم قال: كلا والله، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً أو تقصرونه على الحق قصراً) زاد في رواية: (أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم) كذا رواه الترمذي وحسنه، وابن ماجه. والأحاديث في ذلك كثيرة، منها حديث حذيفة مرفوعاً: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم) وقال صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). يقول الزمخشري: فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير، وقلة عبئهم به، وكأنه ليس من ملة الإسلام في شيء، مع ما يتلون من كتاب الله، ومع ما فيه من المبالغات في هذا الباب! وقد مر في قوله تعالى: {لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ} [المائدة:63] ما يؤيد هذا، فتذكر.
تفسير قوله تعالى: (ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا)
تفسير قوله تعالى: (ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا) قال تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة:80]. ولما وصف تعالى أسلافهم بقوله تعالى: (لعن الذين كفروا) فيما مضى وصف الحاضرين بقوله: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [المائدة:80] يعني أنهم باقون على هذا {يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة:80] وقوله تعالى: (ترى كثيراً منهم) أي: من أهل الكتاب (يتولون الذين كفروا) يعني: يوالون المشركين بغضاً لرسول الله، ومنهم: كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على الرسول صلى الله عليه وسلم، (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون).
تفسير قوله تعالى: (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه)
تفسير قوله تعالى: (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه) قال تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة:81]. قوله تعالى: (ولو كانوا) أي: هؤلاء الذين يتولون عبدة الأوثان من أهل الكتاب (يؤمنون بالله والنبي) أي: لو كانوا بالفعل يؤمنون بالنبي، أي: نبيهم موسى عليه السلام. (وما أنزل إليه) من التوراة (ما اتخذوهم أولياء) إذ الإيمان بالله يمنع من تولي من يعبد غيره (ولكن كثيراً منهم فاسقون) أي: خارجون عن دينهم؛ لأن الفسق معناه الخروج، كما يُقال: فسقت الرطبة. أو متمردون في نفاقهم، يعني: إن موالاتهم للمشركين كفى بها دليلاً على نفاقهم، وإن إيمانهم المزعوم ليس بإيمان؛ لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة وفي شرع موسى عليه السلام، فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى عليه السلام، بل مرادهم الرياسة والجاه، فيسعون في تحصيله بأي طريق قدروا عليه، فلهذا وصفهم تعالى بالفسق. وفي الآية وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: (ولو كانوا) يعني: لو كان منافقوا أهل كتاب المدعوون للإيمان (يؤمنون بالله والنبي) أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن حق الإيمان ما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن. والوجه الأول أقوم، والله تعالى أعلم.
المائدة [82 - 96]
تفسير سورة المائدة [82 - 96]
تفسير قوله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا)
تفسير قوله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا) يقول تبارك وتعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة:82]. قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ) أي: يا محمد (أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمنوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)، يعني: من أهل مكة؛ لتضاعف كفرهم وجهلهم، وانهماكهم في اتباع الهوى. (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمنوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا) قوله: (ذلك) الإشارة هنا إلى أقربهم مودة للمؤمنين. (بأن) يعني: بسبب أن (منهم قسيسين) أي: علماء (ورهباناً) أي: عباداً (وأنهم لا يستكبرون) عن اتباع الحق كما يستكبر اليهود وأهل مكة. وهذه الآية نزلت في وفد النجاشي القادمين عليه من الحبشة، قرأ صلى الله عليه وسلم عليهم سورة يس فبكوا وأسلموا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى. يقول القاضي محمد كنعان: قوله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة) الآية، ذكر الإمام السيوطي هنا أنها نزلت في وفد النجاشي القادمين عليه من الحبشة. ولكن القول المشهور في كتب التفسير والسير أنها نزلت في النجاشي وأصحابه بعدما سمعوا سورة مريم من جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى خوفاً من مشركي قريش، ففاضت أعينهم من الدمع مما عرفوا من الحق، ثم أسلم النجاشي، وبعث ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه. ومما يجب التنبيه حوله أن هذه الآيات لا تشمل جميع النصارى كما يتوهم البعض، فقوله تعالى: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) ليس المقصود به جميع من انتسب إلى النصرانية، وإنما الإشارة إلى جماعة موصوفة منهم، فالقول بأن الآية تشمل جميع النصارى -كما يتوهم بعض الناس- قول باطل؛ لأن هؤلاء عداوتهم للمسلمين ظاهرة، ووقائع التاريخ في الأندلس والحروب الصليبية حتى عصرنا تشهد على ذلك، بل الوقائع التي نعيشها إلى الساعة الحاضرة، والمجازر التي تقام على مرأى ومسمع من العالم كله، والتحالف الصليبي اليهودي على مسلمي البوسنة بعد أن صارت الأمم المتحدة شريكاً متضامناً وعنصراً فعالاً في المذابح التي تجري لإخواننا المسلمين في البوسنة ليل نهار، ولم يعد هذا سراً مكتوماً، ومن يتابع الأخبار في هذه الأيام يعلم هذه الحقيقة، فكيف يقال: إن هؤلاء مع وحشيتهم وإجرامهم أقرب إلينا مودة من اليهود؟! بل هؤلاء مشركون كفار كما سيأتي في نفس هذه الآيات، فمن القول الباطل الزعم بأن الآية تشمل جميع النصارى، وإنما هي تصف جماعة معينة منهم سمعوا القرآن ففاضت أعينهم من الدمع مما عرفوا من الحق. فهل الصرب أو غيرهم إذا سمعوا القرآن تفيض أعينهم من الدمع مما سمعوا من الحق ويعلنون إسلامهم؟! فالآية تصف هؤلاء الذين إذا بلغهم الحق لا يستكبرون ولا يستنكفون عن اتباعه. ففي هؤلاء نزلت الآيات، لا في كل نصراني أو قسيس أو راهب، وهذا مع القطع بأن اليهود هم أشد الكافرين عداوة للمؤمنين. قوله تعالى: ((وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ)) يعني: من القرآن الكريم. ((تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا)) يعني: صدقنا بنبيك وكتابك. ((فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)) أي: المقربين بتصديقهما. قوله: (وَمَا لَنَا) يعني: وقالوا في جواب من عيرهم بالإسلام من اليهود الذين قالوا لهم: كيف تسلمون: (وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ) أي: من القرآن. أي: لا مانع لنا من الإيمان مع وجود ما يقتضي هذا الإيمان، وهو نزول هذا الحق في القرآن الكريم، أو الطمع في رحمة الله. {وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} [المائدة:84] أي: الجنة مع المؤمنين. ثم قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) فهذا -بلا شك- واضح وضوح الشمس، وهو أن المقصود بالآية الأولى النصارى الذين لما بلغهم الحق انقادوا له، وأسلموا لله سبحانه وتعالى، لا من يقول: إن الله هو المسيح ابن مريم. أو: إن الله ثالث ثلاثة. أو غير ذلك من الأقوال الشركية، فهؤلاء يدخلون في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [المائدة:86]، وهؤلاء غير الموصوفين في صدر الآيات.
كلام القاسمي على قوله: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا)
كلام القاسمي على قوله: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا) يقول القاسمي رحمه الله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمنوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة:82] لماذا هم أشد الناس عداوة للمؤمنين؟ لإيمانهم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، فنحن نفارق اليهود في الإيمان بعيسى وبمحمد، وهم يكفرون بهما. كذلك فإن عداوة الذين أشركوا للمؤمنين هي لتوحيدهم وإقرارهم بنبوة الأنبياء؛ لأن المشركين لا يقرون بالتوحيد ولا بنبوة الأنبياء. وقال بعض العلماء في تعليل شدة هذه العداوة: لشدة إبائهم، ولذلك يندر جداً أن يسلم اليهودي الواحد ويدخل في الإسلام، فهذا يقع، ولكنه نادر بالنسبة لمن يدخل في الإسلام من غيرهم من طوائف الكفرة. فهم أشدة الناس عداوة للذين آمنوا لشدة إبائهم، ولتضاعف كفرهم، وانهماكهم في اتباع الهوى، وركونهم إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على الأنبياء، والاجتراء على تكذيب هؤلاء الأنبياء، ومناصبتهم لهم، ولشدة قسوة قلوبهم وغلظ طبعهم قتلوا كثيراً من الأنبياء. أي: قتلوا يحيى عليه السلام، ثم أهدوا رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. وكذلك قتلوا أباه زكريا عليه السلام، وسعوا في قتل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم غير مرة، بل وضعوا له السم في الطعام، وغدروا به صلى الله عليه وآله وسلم، وألبوا عليه أشباههم من المشركين. وفي تقديم اليهود على المشركين بعد ذكرهما في موضع واحد إشعار بتقدمهم عليهم في العداوة، فرغم أن اليهود والمشركين أشد الناس عداوة للذين آمنوا، لكن أشد الطائفتين اليهود لعنهم الله تعالى. كما أن في تقديمهم عليهم -أي: تقديم اليهود على المشركين- في قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} [البقرة:96] إيذاناً بتقدم اليهود على المشركين أيضاً في الحرص على الحياة. يقول تعالى: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) يعني: للين جانبهم، وقلة غل قلوبهم. فهنا القاسمي يميل في تفسير هذه الآية الكريمة إلى أن المقصود بقوله تعالى: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) عامة النصارى، وهذا التفضيل نسبي، وليس على الإطلاق كما يفعل منافقوا زماننا، فالمنافقون من علماء السوء في زماننا يداهنون الكفار بإطلاق هذه الآية عليهم، وإن كان الآن جرياً مع المتغيرات لا يتلوا المنافقون الآية أصلاً؛ لأنها تشتم اليهود، وقد صار اليهود عند الناس اليوم من أعظم أوليائهم، فالله المستعان. لكن القاسمي ينقل هنا كلام ابن كثير في تعليل قوله تعالى: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) قال ابن كثير: وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} [الحديد:27]. وفي كتابهم: (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر) وليس القتال مشروعاً في ملتهم. انتهى كلام الحافظ ابن كثير. ثم يضيف القاسمي: ولأن من مذهب اليهود -مبيناً وجه المفاضلة بين اليهود والنصارى في العداوة والمودة- أنه يجب إيصال الشر إلى من خالف دينهم بأي طريق كان من القتل ونهب المال ونحوهما، وهو عند النصارى حرام، فحصل الفرق. فاليهود يتعبدون بأذية خلق الله، وبإيصال الشر إلى الخلق ممن ليس على ملتهم بأي طريق كان، حتى روى ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً (ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله) ولم يذكر هنا صحة الحديث، وهنا قصة حكاها بعض المصنفين في (غذاء الألباب) عن صاحب (منظومة الآداب) الإمام السفاريني أن مسلماً سافر مع يهودي، فالمسلم كان راكباً الحمار، وكان اليهودي ماشياً، فمشيا حتى سافرا إلى بلد معين على هذه الحال، فبعد ما وصلا إلى تلك البلدة قال المسلم لليهودي: أستحلفك بالله، نحن عندنا اعتقاد أنه ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بإيذائه، فهل هممت بأذيتي؟! قال: ما هممت بأذيتك في شيء. فناشده وألح عليه أن يخبره، فإنه جازم بأنه لابد من أنه أراده بسوء في هذه السفرة، فلما استحلفه وشدد عليه صارحه وقال له: في مدة السفر كلها كنت أحاول أذيتك فلم أستطع، ولقد كنت أبصق على ظلك وأضرب خيالك. أو قال كلاماً نحو هذا، فهذا الذي استطاع أن يوصله إليه من الأذى، فالله أعلم بصحة هذا. وعلى كل حال فإن خسة اليهود وغدرهم ونذالتهم لا تحتاج إلى كثير من التعليق، فهذا أمر مجمع عليه بين سائر الأمم، حتى إن هتلر لما أجرى لهم المذابح التي بولغ فيها فيما بعد قال: لقد قتلت نصف اليهود وتركت النصف الآخر؛ حتى يعلم العالم لماذا قتلت النصف الأول أي: حتى يذوقوا منهم الويل ويعرفوا لماذا قتل النصف الأول من اليهود. وكثرة اهتمام النصارى بالعلم والترهب هي مما يدعو إلى قلة البغضاء والحسد ولين الجانب، كما أشير إليه بقوله تعالى: (ذلك) يعني: كونهم أقرب مودة للمؤمنين. (بأن منهم) أي: بسبب أن منهم قسيسين، مأخوذ من: قسى الشيء إذا تتبعه، فهذا وصف لعلمائهم بأنهم قسيسين. (ورهباناً) أي: عباداً متجردين. (وأنهم لا يستكبرون) أي: يتواضعون لوداعتهم ولا يتكبرون كاليهود، وفي الآية دليل على أن الإقبال على العلم، والإعراض عن الشهوات، والبراءة من الكبر أمر محمود، وإن كان ذلك من كافر، وهذا على القول بأن الآية تشمل النصارى عموماً، وأن المفاضلة هنا مفاضلة نسبية، ولذلك جاء بصيغة (أقربهم مودة) فهم لا يوادون لكنهم أقرب مودة، فالنصارى مع كفرهم أخف من اليهود والذين أشركوا في عداوتهم للمؤمنين. ولكن الكلام الأول -بلا شك- أقوى، وهو أن الآية إنما هي في هؤلاء الذين أسلموا، ولم يستكبروا على الحق، ويؤيد ذلك كثير من الآيات والأحاديث، ويؤيده -أيضاً- الواقع الذي نعيشه، فلا القسيسون ولا الرهبان فيهم هذا التجرد أو هذا التواضع، وإنما هو الخبث والمكر والدهاء، وإرادة الشر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والذي نعيشه ونراه ليل نهار هو أقوى شاهد محسوس، بحيث لا يمكن أبداً إنكاره إلا على سبيل المكابرة. فلا ندري أين الرحمة وأين الرفق وأين اللين منهم! هؤلاء الذين فعلوا هذه الشنائع، سواء في الأندلس أو في لبنان أو في الفلبين أو في أثيوبيا أو في البوسنة. والله تعالى لما تكلم عن هؤلاء النصارى هنا قال: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى) ولم يقل: النصارى. فوصفهم بأنهم الذين قالوا: (إنا نصارى) ولم يقل: النصارى. تعريضاً لصلابة اليهود في الكفر والامتناع من الامتثال للأمر؛ لأن اليهود قيل لهم: {ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة:21] فقابلوا ذلك بقولهم: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:24] فهذا من عتوهم وصلابتهم في الكفر، وتمردهم على أمر ربهم تبارك وتعالى. أما النصارى فإنهم أجابوا جواباً حسناً حين قالوا: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [آل عمران:52]، ومن ثم سموا نصارى. وكذا -أيضاً- ورد في أول هذه السورة {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة:14] فأسند ذلك إلى قولهم، ولم يقل: ومن النصارى أخذنا ميثاقهم. ولكن قال: (ومن الذين قالوا إنا نصارى) والإشارة به إلى قولهم: نحن أنصار الله. لكنه بين تنبيهاً على أنهم لم يثبتوا على الميثاق ولا على ما قالوه من أنهم أنصار الله. ففي الآية التي هي في أول السورة (ومن الذين قالوا إنا نصارى) كان يقتضي قولهم: إنا نصارى -أي: نحن أنصار الله- أن يحفظوا عهد الله وميثاقه، لكنهم مع قولهم: إنا نصارى خالفوا هذا العهد ونسوا (حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) قال تعالى: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة:14]. وفي الآية هنا يقول تعالى: (الذين قالوا إنا نصارى) ولم يقل: النصارى. لأن المقصود التعريض بصلابة اليهود وقسوة قلوبهم، وامتناعهم عن امتثال أمر ربهم كما ذكرنا. فالنصارى لما ورد عليهم الأمر لم يجابهوه بالرد كمجابهة اليهود، حتى إنهم لما نسوا الميثاق أو نسوا حظاً مما ذكروا به لم يردوا نفس الرد الغليظ الذي رده اليهود حينما قالوا لموسى عليه السلام: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:24]، بل قالوا: نحن أنصار الله. واليهود قالت: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} [المائدة:24]، إلى آخر الآية، فهذا هو سر قوله تعالى: (الذين قالوا إنا نصارى) ولم يقل: النصارى.
معنى قوله تعالى: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول)
معنى قوله تعالى: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول) يقول تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة:83]. قوله: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ) هذا عطف على (لا يستكبرون) في قوله تعالى: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون). ((تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ)) يعني: تنصب. (مِنَ الدَّمْع) وهو الحاصل من اجتماع حرارة الحب والخوف مع ضرب اليقين. (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) يعني: من كتابه، فوجدوه أكمل من الإنجيل وأفضل، أو من صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه. (يَقُولُونَ) يعني: مع عدم استكبارهم عن الحق. (رَبَّنَا آمَنَّا) أي بك وبما أنزلت وبرسولك محمد صلى الله عليه وسلم. (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أي: الذين شهدوا بأنه حق، أو الذين شهدوا بنبوته، أو أن المراد بالشاهدين أمة محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم هم الشهداء على الناس، يشهدون لنبيهم أنه قد بلغ، وللرسل أنهم قد بلغوا أممهم.
معنى قوله تعالى: (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق)
معنى قوله تعالى: (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق) يقول تعالى: {وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} [المائدة:84]. قوله تعالى: (وما لنا لا نؤمن) هذا إنكار استبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجب هذا الإيمان، فما هو موجب الإيمان؟ إنه الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين، فيكف مع ذلك لا يؤمنون؟! (وما جاءنا من الحق) أي: من القرآن. (ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين) يعني: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم أو المعنى: أن يدخلنا ربنا الجنة مع الأنبياء والمؤمنين. ويدل لقوله (مع القوم الصالحين) أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105]، فعباد الله الصالحون المذكورون هنا هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فمن تفسير القرآن بالقرآن أن يقال: (ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين) أي: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
معنى قوله تعالى: (فأثابهم الله بما قالوا)
معنى قوله تعالى: (فأثابهم الله بما قالوا) ثم قال تبارك وتعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:85]. قوله تعالى: (فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا) أي: بما تكلموا به. (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا) يعني: من تحت أشجارها ومساكنها (الأَنْهَارُ) وهي أنهار الماء واللبن والخمر والعسل. (خَالِدِينَ فِيهَا) أي: مقيمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون. (وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) اتفق المفسرون على أن هذه الآيات الأربع نزلت في النجاشي وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم، حينما قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه سورة مريم. يقول ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن فبكوا حتى أخضلوا لحاهم). قال ابن كثير: وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنية في سورة المائدة، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة. فالحافظ ابن كثير يقول: إن الآية هذه التي في سورة المائدة مدنية، ففيها آخر آية نزلت، وهي قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3] في حجة الوداع، فيقول: هذه الآية مدنية، وهذه الحادثة وقعت قبل الهجرة، فالقول بأن هذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه فيه نظر. فهل في نظر الحافظ ابن كثير نظر؟ والجواب أنه قد تقع واقعة قبل الهجرة ويحكيها القرآن بعد الهجرة، فما المانع من أن تقع واقعة قبل الهجرة ثم يحكيها القرآن في آخر الفترة المدنية؟ وما المشكلة في ذلك؟! ولذلك فإن القاسمي رحمه الله تعالى حكى قول ابن كثير بأن هذا القول فيه نظر لأن هذه الآية مدنية وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة، ثم قال: أقول: إن نظره مدفوع؛ فإنه حكى في هذه الآية بعد الهجرة ما وقع قبلها، ونظائره في التنزيل كثيرة، ولا إشكال فيه. أي: لا يوجد أي مانع من أن تحدث حادثة قبل الهجرة ثم ينزل القرآن فيها بعد الهجرة. ثم قال: وظاهره أن المقصود بهذه الآية التعريض بعناد اليهود الذين كانوا حول المدينة، وهم يهود بني إسرائيل كقريظة والنظير، وبعناد المشركين أيضاً، وقسوة قلوب الفريقين، وأنه كان الأجدر بهما أن يعترفوا بالحق كما اعترف به النجاشي وأصحابه. فالمقصود أن حكاية هذه القصة في هذا الوقت حينما كان هؤلاء اليهود يتآمرون حول المدينة، والمشركون أيضاً يعادون النبي عليه الصلاة والسلام فيه تعريض بأحوال هؤلاء قساة القلوب، ومقارنة بينهم وبين هؤلاء الذين أسلموا كـ النجاشي وأصحابه، وأن هؤلاء لهم أسوة كي يسلموا ولا يستكبروا عن الحق. وقال الحافظ ابن كثير: هذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [آل عمران:199] وهذا يوضح لنا أن الحافظ ابن كثير أراد بتفسيره قوله تعالى: (الذين قالوا إنا نصارى) بأن معناه: وما ذاك إلا لما في قلوبهم -إذ كانوا على دين المسيح- من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} [الحديد:27] أراد به مدح طائفة معينة من النصارى لا مطلق النصارى؛ لأنه هنا يقول: المقصود بهؤلاء الذين في هذه الآيات هم الذين قال الله تعالى فيهم: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [آل عمران:199]. يقول: وهم الذين قال الله فيهم: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص:52 - 53]. يقول القاسمي: وكان سبب هجرة الصحابة إلى أرض الحبشة أن قريشاً ائتمرت أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من آمن منهم فآذوهم وعذبوهم، فافتتن من افتتن منهم، وعصم الله من شاء منهم. ومعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي أشار على الصحابة بأن يخرجوا إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لهم فرجاً مما كانوا فيه، ففروا بدينهم إلى الحبشة فكانت أول هجرة في الإسلام.
قصة إسلام النجاشي
قصة إسلام النجاشي روى ابن إسحاق بسنده إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهما جلدين، وأن يعطوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدماً كثيراً، ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم، قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي -وهذا فن الرشوة- وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى -أي: لجأ- إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً -أي: إنهم من بلادنا، ونحن أبصر بهم، ونحن أعرف بهم، وأعلم بما عابوا عليهم- فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه بما كلما كل بطريق، قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي). وهذا كعادة الباطل في كل وقت، يحول أهله دون أن يكون أصحاب الحق هم الذين يتولون عرض القضية، فلابد من أن تعرض على الملأ من طريق وصائفهم كي يعملوا فيها من التزييف والتحريف والتبديل والتنفير، قالت: (فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. قالت: فغضب النجاشي ثم قال: لا ها الله إذاً لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم، وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول -والله- ما علمنا وما أمرنا به نبينا كائناً في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، فسألهم وقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك! كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه صلى الله عليه وسلم، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام -قالت: فعدد عليه أمور الإسلام- فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه علي. قالت: فقرأ عليه صدراً من (كهيعص) -أي: سورة مريم-، قالت: فبكى -والله- النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم -أي: الصحف التي كانت أمامهم حين سمعوا ما تلا عليهم- ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون. قالت: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غداً عنهم بما أستأصل به خضراءهم -يعني شجرتهم التي منها تفرعوا-، قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة -وكان أتقى الرجلين فيها، أو فينا-: لا تفعل؛ فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد. قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها قط، فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله ما قال الله، وما جاء به نبينا كائناً في ذلك ما هو كائن. قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ قالت: فقال جعفر بن أبى طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم: هو عبد الله ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قالت: فضرب النجاشي بيده على الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال: والله ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود. فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي -يعني: آمنون بأرضي-، من سبكم غرم -قالها ثلاثاً-، ثم قال: ما أحب أن لي دبراً -والدبر الجبل- من ذهب وأني آذيت رجلاً منكم، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار. وروى الحافظ أن النجاشي كتب بعد ذلك بشهادته أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى بن مريم عبده ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم، وإسلام النجاشي معروف، ومعلوم -أيضاً- أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى إلى أصحابه النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وأمرهم أن يصلوا عليه صلاة الغائب. وروي في بعض تلك الآثار أن النجاشي بعدما أسلم عرض على عمرو بن العاص الإسلام، فأسلم عمرو على يد النجاشي، فهذا الكلام روي في بعض الكتب، لكن نحكيه لمجرد المعرفة فقط، لكن ما أظن أن هذا كان سبب إسلام عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه. إلا أنه لا يبعد أن يكون هذا هو الشعاع الأول بالنور والإيمان قد نفذ إلى قلبه من خلال هذه الواقعة على أساس هذا الزعم بأن عمرو بن العاص أسلم على يد النجاشي. وإذا صحت هذه الرواية فيقال على سبيل اللغز: من هو الصحابي الذي أسلم على يد تابعي؟! وهذه الرواية لم تصح، وعلى فرض صحتها لو قلنا: إن كلاهما قد آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام فإن عمرو بن العاص بعدما أسلم رأى الرسول عليه الصلاة والسلام فهو صحابي، والنجاشي أسلم ولم يره، فإذا صح هذا فيكون جواب هذا اللغز هو أن عمرو بن العاص صحابي أسلم على يد تابعي وهو النجاشي؛ لأنه لم يلق النبي عليه الصلاة والسلام ولم يره. وفي الآية دليل على أن المشروع عند قراءة القرآن الخشوع والبكاء، وفي الخبر (ابكوا فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا)، والمراد إشراب القلب بالخوف، والخوف المهابة لله تبارك وتعالى.
معنى قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا)
معنى قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [المائدة:86]. قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) أي: جحدوا الحق الذي جاءهم، وكذبوا بحجج الله وبراهينه. (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) أي: النار الشديدة الحرارة جزاءً وفاقاً.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة:87]. نزلت هذه الآية لما هم قوم من الصحابة بأن يلازموا الصوم والقيام، ولا يقربوا النساء والطيب، ولا يأكلوا اللحم، ولا يناموا على الفرش، وأصل الحديث في الصحيحين. فقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) يعني: لا تتجاوزوا أمر الله. (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) هذه الآية أصل في ترك التنطع والتشدد في العبادة أو في التعبد. (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا) المعنى: كلوا الحلال الطيب مما رزقكم الله (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ). يقول القاسمي رحمه الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ)) يعني: ما طاب ولذ مما أحل الله لكم، كأنه لما تضمن ما سلف من مدح النصارى على الترهب، والحث على كسر النفس وربط الشهوات. يعني: إذا كان هؤلاء النصارى الذين منهم قسيسون ورهبان يتقللون من الدنيا والشهوات ممدوحون بذلك فليس هذا المدح على إطلاقه، لكنه مدح مشروط بعدم التنطع والتشدد في ذلك، فعقب بالنهي عن الإفراط في ذلك بتحريم اللذائذ من المباحات الشرعية، ثم أشار إلى أنه اعتداء، فهو تعالى نهى أولاً فقال: (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) يعني: لا تفعلوا كما فعل هؤلاء الرهبان. ثم قال: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) يعني: لا تتجاوزوا ما أحبه الله تعالى من جعل الحلال حراماً، أو: لا تعتدوا في تناول الحلال فتتجاوزوا الحد فيه إلى الإسراف، كما قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} [الأعراف:31]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67].
تفسير قوله تعالى: (وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا)
تفسير قوله تعالى: (وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً) قال تعالى: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة:88] فإن مقتضى الإيمان أن لا تغيروا شيئاً مما أحله الله لكم. والبحث هنا طويل جداً إذا أردنا التوسع فيه، ولأننا نسلك سبيل الاختصار كان علينا التنبيه بأشياء يسيرة، فإنه إذا كان خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإن هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يستمتع مما أحل الله تبارك وتعالى له من الطيبات، فلا ينبغي التعبد بأن يحرم الإنسان ما أحله الله له؛ فإن هذا من العدوان. يقول الحافظ ابن جرير: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح، ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على عثمان بن مظعون، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب الله إليه عباده وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون. فإذا كان خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على ذلك من حله، فإذا كان يستطيع أن يلبس هذه الملابس فهذا طريق معبد سهل، وذاك طريق مليء بالخطر والهوام، وغير ممهد، وفيه كثير من العوائق، فلا يجوز لإنسان أن يتعمد فيختار الطريق الأصعب تعبداً {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] فسنة النبي صلى الله عليه وسلم خير وأولى بالاتباع، وهي -كما جاء في وصفه-: (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإذا كان إثماً كان أبعد الناس منه) صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك من آثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذراً من عارض الحاجة إلى النساء، فإن ظن ظان أن الفضل في غير الذي قلنا فقد ظن خطأ، وذلك لأن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ولا شيء أضر على الجسم من المطاعم الرديئة؛ لأنها مفسدة للعقل، ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سبباً إلى طاعته. وقد أخرج الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع -وكانت تعجبه- فنهش منها)، وقالت عائشة: (ما كان الذراع أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبا، وكان يعجل إليه الذراع؛ لأنه أعجلها مجا) أخرجه الترمذي. وحكى الزمخشري عن الحسن أنه دعي إلى طعامه ومعه فرقد السبخي وأصحابه، فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذج وغير ذلك، فاعتزل فرقد ناحية، فسأل الحسن: أهو أصائم؟ قالوا: لا، ولكنه يكره هذه الألوان. فأقبل الحسن عليه وقال: يا فريقد: أترى لعاب النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم؟! يعني: ما الذي لا يعجبك من هذا الطعام؟! لعاب النحل بلباب البر بخالص السمن! هل كل هذه الطيبات التي أحلها الله وهي مركبات هذا الطعام يعيبها مسلم ما دامت حلالاً طيباً؟! وعنه أنه قيل له: فلان لا يأكل الفالوذج، ويقول: لا أؤدي شكره. قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم. قال: إنه جاهل؛ إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج. والفالوذج يبدو أنه قريب من الهريسة ونحوها من المطاعم التي فيها الحلوى. وعنه أن الله تعالى أدب عباده فأحسن أدبهم، قال الله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق:7] فما عاب الله قوماً وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر قوماً زواها عنهم فعصوه، فالآية تقول: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق:7]، فليست الآية عيباً على من وسع الله عليه فوسع على أولاده -مثلاً- وعلى نفسه بأن أكل من الطيبات ما دامت من حلال، وما دام يزهد في الحرام. ولا عذر الله قوماً زوى عنهم الدنيا فعصوه، حيث قدر لهم رزقاً وضيق عليهم رزقاً فعصوه بأن سرقوا أو أسرفوا أو غير ذلك، ولم يقل تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا ما رزقكم الله) ولكنه قال: ((وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ)) وكلمة (من) هنا للتبعيض، كأنه قال: اقتصروا في الأكل على البعض، واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات، ولا تقتصروا على إطعام أنفسكم، ولم يقل: (كلوا ما رزقكم الله) وكأن معناها: لا يأكل أحدكم لحاله وينسى الفقراء والمساكين، لكن (كلوا مما رزقكم الله) كلوا منه وآتوا الفقراء والمساكين، وباب الصدقات والخيرات باب واسع، فهذا إرشاد إلى ترك الإسراف، كما قال تعالى: ((وَلا تُسْرِفُوا)) [الأنعام:141].
تفسير قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم)
تفسير قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم) قال عز وجل: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة:89]. قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) يعني: باللغو الكائن في أيمانكم، فلا ينبغي للمسلم أن يحلف إلا إذا استحلف، وإذا أراد أن يحلف فليحلف بالله تعالى أو ليدع، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، فلا يجوز الحلف بمخلوق كالأنبياء، والملائكة، والملوك، والكعبة، والشرف، وحياة الابن أو الأب، وغير ذلك.
أقسام الأيمان
أقسام الأيمان واليمين ثلاثة أنواع: أولاً: اليمين اللغو، أشار إليها السيوطي هنا، ولا مؤاخذة عليها، ولا كفارة فيها. ثانياً: اليمين الغموس: وهي التي يحلفها صاحبها كاذباً وهو يعلم، أي: يحلف وهو يعلم أنه كاذب، وأن الحقيقة على خلاف ما يحلف عليه متعمداً، وسميت بالغموس لأنها تغمس صاحبها في الإثم، وهذه اليمين الغموس من كبائر الذنوب. ثالثاً: اليمين المنعقدة، وهي التي يحلفها الإنسان قاصداً فعل شيء أو عدم فعله في المستقبل، وفيها الكفارة المذكورة في الآية، وهذا هو موضوع هذه الآية الكريمة التي فيها تشريع الكفارة، فكفارة اليمين لا تكون إلا في اليمين المنعقدة، ولا ينعقد اليمين إذا كان لغواً، ولا ينعقد -أيضاً- إذا كان غموساً، وإنما ينعقد إذا كان من القسم الثالث، وهو اليمين المنعقدة، واليمين المنعقدة يحلفها الإنسان قاصداً فعل شيء أو عدم فعله في المستقبل، فيقول: والله لا أذهب إلى المكان الفلاني مثلاً أو: والله لا أذهبن إليه في المستقبل. فإذا حنث وذهب فعليه الكفارة المذكورة في هذه الآية الكريمة فقوله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) يعني اللغو الكائن في أيمانكم، واللغو هو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف، مثل: والله لتدخلن. والله لتأكلن. فهو لا يقصد اليمين، ولم يعقد قلبه على الحلف، ولكن جرت اليمين على لسانه كالعادة، فهذه يمين لغو، وفسرت في الحديث بقول القائل: لا والله، وبلى والله. روى ذلك البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها. قوله: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ) في (عقدتم) ثلاث قراءات: (عقّدتم) و (عقَدْتُم) بالتخفيف والتشديد، وفي قراءة: (عاقدتم الأيمان) يعني: عليه، بأن حلفتم عن قصد فقوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ) يعني: بما حلفتم عليه عن قصد، فمقصود القراءة هنا: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فحنثتم فيه. لكنه حذفه للعلم به، فهل مجرد عقد الأيمان يعتبر موجباً للمؤاخذة؟ فالإنسان قد يحلف ويبر بما حلف عليه، لكن المقصود هنا (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ) ثم حنثتم فيها بعد ذلك، (فكفارته) أي: كفارة اليمين إذا حنثتم فيها: (إطعام عشرة مساكين) لكل مسكين مُدّاً. (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) أي: من أوسط ما تطعمون منه أهليكم، يعني: أوسطه وأغلبه، لا أعلاه ولا أدناه. (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) بما يسمى كسوة، كقميص وعمامة وإزار، ولا يكفي دفع ما ذكر إلى مسكين واحد، وعليه الشافعي؛ لظاهر قوله تعالى: ((عَشَرَةِ مَسَاكِينَ)). (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) يعني: عتق رقبة، أي: مؤمنة، كما في كفارة القتل والظهار حملاً للمطلق على المقيد (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) من لم يجد واحداً مما ذكر (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) يعني أن الكفارة تكون صيام ثلاثة أيام، وظاهره أنه لا يشترط التتابع، وعليه الشافعي، فيمكن أن تكون هذه الأيام متفرقة. (ذَلِكَ كَفَّارَةُ) يعني: ذلك المذكور (كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) يعني: إذا حلفتم وحنثتم، وليس إذا حلفتم فقط، لكن إذا حلفتم وحنثتم. (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) احفظوا أيمانكم من أن تنكثوها ما لم تكن على فعل بر أو إصلاح بين الناس، فافعلوه وكفروا، فما دمت قد حلفت فاحفظ هذا اليمين ولا تحنث فيه، إلا إذا كان الشيء الذي حلفت على أن لا تفعله فِعلُه أفضل من تركه، فحينئذٍ فاحنث، ولا يكن اليمين ولا يكن اسم الله الذي حلفت به عائقاً يحول بينك وبين فعل الخير، فلتكفر ولتفعل هذا الخير. وقيل: (احفظوا أيمانكم) فلا تكثروا الحلف، ولا تقحموا اسم الله سبحانه وتعالى -الذي من شأنه أن يعظم- في سفاهات الأشياء؛ لأن بعض الناس يحلف في أتفه القضايا، ويستعمل اسم الله سبحانه وتعالى في أمور تافهة غير معظمة، فعلى أتفه الأشياء يحلف، وقد ذم الله سبحانه وتعالى الشخص الذي يكثر الحلف، فقال تبارك وتعالى: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} [القلم:10]، وهو الذي يكثر الحلف. فنحن لا ننكر أن الحلف فيه أنواع من العبودية، فإن الحلف نوع من العبادات القولية، ويتضمن معاني كثيرة من معاني العبودية، ولذلك لا ينبغي الحلف إلا بالله؛ لأنه من مظاهر توحيد الله تبارك وتعالى، لكن لا يكثر الإنسان الحلف. (كَذَلِكَ) أي مثل ما يبين لكم ما ذكر (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي: تشكرونه على ذلك. وكلمة (أو) في قوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} هنا للتخيير، أي: أن الواجب أصلاً هو أحد الكفارات الثلاث، الواجب واحد منها على سبيل التخيير، لكن إذا لم يجد إحدى هذه الكفارات الثلاث فحينئذ يجوز له أن ينتقل إلى الصوم، فلا يجوز الصوم إلا إذا عجز عن إحدى الكفارات الثلاث الواجبات.
مقدار الإطعام في كفارة اليمين
مقدار الإطعام في كفارة اليمين أما الإطعام فليس فيه تحديد بقدر، حيث قال تعالى: ((فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ)) فلم يحدده بقدر معين لا بوجبة ولا بوجبتين، ولا بقدر معين من الكيل، وإنما حدده بضابط، وهو قوله: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) فما ذكر وجبة ولا وجبتين، ولا ذكر مقداراً معيناً من الكيل، لذلك روي عن الصحابة والتابعين وجوهاً في المقصود من هذا القدر، جميعها مما يصدق عليه مسماه، فبأيها أخذ أجزأه. فمثلاً: قال علي رضي الله عنه: يأتي بعشرة مساكين فيغديهم ويعشيهم. وكأنه ذهب إلى أن المراد الإطعام الكامل، أي: إطعام عشرة مساكين إطعاماً كاملاً، وهو قوت اليوم كله، وهو وجبتان، وإلا فالإطعام يصدق على الوجبة الواحدة، ولذلك قال الحسن ومحمد بن الحنفية: يكفيه إطعامهم أكلة واحدة خبزاً ولحماً. زاد الحسن: فإن لم يجد فخبزاً وسمناً ولبناً، فإن لم يجد فخبزاً وزيتاً وخلاً حتى يشبعوا. وعن عمر وعلي وعائشة وثلة من التابعين: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر أو نحوهما. ونصف الصاع هو ملء الكف مرتين، أي: مدين. وعن ابن عباس: (لكل مسكين مد من بر ومعه إدامه) يعني الطعام الذي يؤكل مع الخبز. وفي فتح القدير من كتب الحنفية: يجوز أن يغديهم ويعشيهم بخبز، إلا أنه إن كان براً لا يشترط فيه الإدام، وإن كان غيره فبإدام. وحكي عن الهادي: اشتراط الأكل لإشعار لفظ الإطعام بذلك. وقوله: (إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) يعني أن تعد لهم الطعام وتتركهم يأكلون. وأكثر العلماء قالوا: إن الأكل غير مشروط؛ لأنه ينطلق لفظ الإطعام على التمليك، فمجرد أن تملكه الطعام حتى ولو لم يأكله أمامك يجزئك؛ لأن الإطعام يطلق على التمليك.
مقدار الكسوة في كفارة اليمين
مقدار الكسوة في كفارة اليمين ولم يبين في الآية -أيضاً- حد الكسوة وصفتها، فالواجب حينئذ الحمل على ما يطلق عليه اسمها، قال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد من أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه إن كان رجلاً أو امرأة كل بحسبه، وقال ابن عباس: عباءة لكل مسكين أو شملة. وقال مجاهد: أدناه ثوب وأعلاه ما شئت. وهذه الأشياء تتفاوت بحسب البيئات والمجتمعات، فكل ما يطلق عليه لفظ الكسوة ينطلق عليه هذا الأمر، لكن على أي الأحوال فإنه لا يخفى أن وجه الاحتياط في هذا هو الأخذ بالأكمل والأفضل في الإطعام والكسوة. وأنبه هنا على أمر يستسهله أغلب الناس في هذا الزمان، وهو موضوع الكسل في أداء العبادات، ففي هذه الكفارة نجد بعض الناس أول ما يفزع إلى إخراج القيمة، وهذا لا يجوز، فالقيمة لا تجزئ، والأصل والذي اتفق عليه العلماء أجمعون أن الإطعام يجزئ، أما القيمة فهي خلاف ما أمر الله به في القرآن حيث قال تعالى: ((فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ)، فحينما تقول: القيمة تجزئ فمعناه أنك تزيد لفظاً على القرآن فتقول: (فكفارته قيمة إطعام عشرة مساكين)، والآية تقول: ((فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) فالأصل أن الإنسان يخرج طعاماً للمساكين، وله أن يوكل غيره في إخراجه طعاماً لا مالاً، فلزم التنبيه.
كيفية الصيام في كفارة اليمين
كيفية الصيام في كفارة اليمين قوله تعالى: (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) يصدق على الأيام مجموعة أو متفرقة، كما في قضاء رمضان، فقد قال تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184]، فيمكن أن تكون متتابعة، ويمكن أن تكون متفرقة، وكلاهما يصدق عليه هذا الوصف. ومن أوجب التتابع استدل بقراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود أنهما كانا يقرآن: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وهذا لم يثبت كونه قرآناً متواتراً، لكن هذه تسمى قراءة شاذة، وقراءة تفسيرية، حيث إن الصحابي يتلو الآية ويزيد لفظاً من عنده كي يفسر اللفظ الذي قرأه. وفي الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير)، وعند أبي داود: (فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير) ومعنى ذلك أن التكفير قبل الحنث جائز، فإذا حلف على شيء فإن له أن يكفر أولاً ثم يحنث. وقوله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ فيه استحباب ترك الحلف إلا إذا كان خيراً، لما تقدم من حديث ابن سمرة، وهذا على أحد وجهين في الآية، والوجه الآخر يعني: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} أي: احترموا هذا اليمين ولا تحنثوا فيه إلا إذا كان عكسه خيراً منه والحنث فيه خير. قال كثير: قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت فقوله: (قليل الألايا) يمدح به رجلاً بأنه قليل الحلف. وسر إطعام العشرة أنه بمنزلة الإمساك عن الطعام عشرة أيام، بالعدد الكامل الكاسر للنفس المجترئة على الله تعالى، وسر الكسوة كونه يجزي بستر العورة سر المعصية، وسر العتق تحرير الرقبة من الإثم، وسر صوم الثلاثة الأيام أن الصيام لما كان صوماً بنفسه اكتفي فيه بأقل الجمع. يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: وكان صلى الله عليه وسلم يستثني في يمينه تارة. يعني: يمكن أن تحلف وتستثني، وفي هذه الحالة لا تجب عليك الكفارة إذا حنثت، فإذا قلت -مثلاً-: والله لا أدخل إن شاء الله. فدخلت ففي هذه الحالة لا كفارة؛ لأنك استثنيت بالمشيئة. يقول: كان صلى الله عليه وسلم يستثني في يمينه تارة، ويكفرها تارة، ويمضي فيها تارة، والاستثناء يمنع عقد اليمين، والكفارة تحلها بعد عقدها. وقد رأيت أخاً فقيهاً يهدد ابنه بأنه سيضربه، والطفل غافل عن الاستثناء، فيقول له: والله لأضربنك -إن شاء الله- إذا فعلت كذا. والولد لا يفهم أنه إن استنثى فمعناه أنه ليس هذا حلفاً. والاستثناء يمنع عقد اليمين، والكفارة تحلها بعد عقدها؛ ولهذا سماها الله (تحلة) وحلف صلى الله عليه وسلم في أكثر من ثمانين موضعاً، وأمر الله سبحانه وتعالى بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس:53]، وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ:3]، وقال تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [التغابن:7] وكلها أمور عظيمة يحلف عليها. وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذكر أبا بكر بن داود الظاهري ولا يسميه بالفقيه، فتحاكم إليه يوماً هو وخصم له، فتوجهت اليمين على أبي بكر بن داود، فتهيأ للحلف، فقال له القاضي إسماعيل: وتحلف ومثلك يحلف يا أبا بكر! فقال: وما يمنعني عن الحلف وقد أمر الله تعالى نبيه بالحلف في ثلاثة مواضع من كتابه! قال: أين ذلك؟ فسردها أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جداً ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس) قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:90]. قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ) أي: المسكر الذي يخامر العقل ((وَالْمَيْسِرُ)) أي: القمار ((وَالأَنصَابُ)) أي: الأصنام ((وَالأَزْلامُ)) وهي قداح الاستقسام، وقد سبق الكلام فيها ((رِجْسٌ)) أي: خبيث مستقذر ((مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)) يعني: الذي يزينه ((فَاجْتَنِبُوهُ)) أي: هذا الرجز المعبر به عن هذه الأشياء أن تفعلوه. ولا شك في أن الأمر بالاجتناب أبلغ في إفادة التحريم، حيث قال تعالى: (فاجتنبوه) وهنا أمر بالاجتناب ((لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)).
تفسير قوله تعالى: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء)
تفسير قوله تعالى: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء) يقول الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ} [المائدة:91]. قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) يعني: إذا أتيتموها؛ لما يحصل فيها من الشر والفتن (وَيَصُدَّكُمْ) يعني: بالاشتغال بهما (عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ) خص الذكر تعظيماً له (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) يعني: عن إتيانهما والمقصود: انتهوا. وهذه الآية أصلٌ في تحريم الخمر وكل مسكر قليلاً كان أو كثيراً، وتحريم القمار بأنواعه.
تفسير قوله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول)
تفسير قوله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) يقول الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [المائدة:92]. قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا) أي: المعاصي (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) عن الطاعة (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) أي: الإبلاغ البيّن وجزاؤكم علينا. روى البخاري ومسلم أنه بعد نزول تحريم الخمر قال بعضهم: قتل فلان وقتل فلان وهي في بطونهم -أي: قبل التحريم-! فنزل: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة:93] أي: فيما شربوا وأكلوا من الخمر والميسر قبل التحريم ((إِذَا مَا اتَّقَوْا)) أي: المحرمات ((وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا)) يعني: ثبتوا على التقوى والإيمان ((ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا)) أي: العمل {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:93]، والسيوطي هنا يقول في قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) بمعنى أنه يثيبهم. وسبق أن بينا أن هذا تأويل، بل المحبة من الله تعالى لعباده ثابتة على ما يليق بالله سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد) قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة:94]. قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ) أي: ليختبركم الله (بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ) يعني: يرسله لكم من الصيد (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ) أي: الصغار منه (وَرِمَاحُكُمْ) يعني: وتنال رماحكم الكبار منه؛ لأن الصيد الصغير يصاد باليد، أما الكبير فيصاد بالرماح لا باليد، ولذلك قال: ((تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ)) يعني: الصغار من الصيد تنالونه بأيديكم (ورماحكم) تنالون بها الكبار، وكان ذلك بالحديبية وهم محرمون، فكانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم، وتأتي وسط خيامهم ومواقعهم وتتحرك معهم ابتلاء وفتنة وامتحاناً من الله سبحانه وتعالى. (لِيَعْلَمَ اللَّهُ) أي: علم ظهور، وإلا فعلم الغيب يعلمه الله، لكن هذا علم ظهور يكون موافقاً لما سبق في المقادير، أي: ليعلم الله علم ظهور ((مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ)) وهذا حال، أي: غائباً لم يره، فيجتنب الصيد ((فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ)) يعني: بعد ذلك النهي عنه فاصطاده (فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} [المائدة:95]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) يعني: وأنتم محرمون بحج أو عمرة (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ) يعني: فعليه جزاء (مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) يعني: شبهه في الخلقة. وفي قراءة بإضافة جزاء (فجزاء مثلِ ما قتل). (يَحْكُمُ بِهِ) يعني: هذا المثل يحكم به رجلان (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به. وقد حكم ابن عباس وعمر وعلي رضي الله عنهم في النعامة ببدنة، وحكم ابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة، وحكم ابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة، وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام؛ لأنه يشبهها في العب، أي: في شرب الماء بلا مص. وقوله: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) حال من (جزاء)، أي: يبلغ به الحرم فيذبحه فيه ويتصدق به على مساكينه، ولا يجوز أن يذبح حيث كان، ونصبه نعتاً لما قبله فقال: (هدياً بالغ) فـ (بالغ) نعت وإن أضيف؛ لأن إضافته لفظية لا تفيد تعريفاً، فإن لم يكن للصيد مثل من النعم كالعصفور والجراد فعليه قيمته. (أَوْ كَفَّارَةٌ) أي: أو يكون عليه كفارة غير الجزاء وإن وجد، وهي (طَعَامُ مَسَاكِينَ) يعني: من غالب قوت البلد ما يساوي قيمة الجزاء لكل مسكين مداً، وفي قراءة بإضافة (كفارة) إلى (طعام) حيث قرئت (أو كفارةُ طعامِ مسكين). (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ) أو يكون عليه عدل مثل ذلك الطعام (صِيَامًا) يصومه عن كل مد يوماً وإن وجده. وجب ذلك عليه (لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) يعني: ثقل جزاء أمره الذي فعله (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) من قتل الصيد قبل تحريمه (وَمَنْ عَادَ) إليه (فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ) أي: غالب على أمره (ذُو انتِقَامٍ) أي: ممن عصاه. وألحق بقتله متعمداً فيما ذكر من لزوم الجزاء الخطأ والغلط والنسيان، وإن كان لا إثم فيها.
تفسير قوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه)
تفسير قوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه) قال تبارك وتعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المائدة:96] قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) يعني: أحل لكم -أيها الناس- في حالة الحل والإحرام (صيد البحر) يعني: أن تأكلوه. وهو ما لا يعيش إلا فيه، كالسمك، بخلاف ما يعيش فيه وفي البر، كالسرطان (وَطَعَامُهُ) وهو ما يقذفه البحر ميتاً (مَتَاعًا لَكُمْ) منفعة لكم، تأكلونه (وَلِلسَّيَّارَةِ) أي: المسافرين منكم يتزودونه (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ) يعني: ما يعيش فيه من الوحش المأكول أن تصيدوه (مَا دُمْتُمْ حُرُمًا)، فلو صاده رجل حلال لنفسه غير محرم من صيد البر فهو حلال للمحرم، يعني: فللمحرم أكله، كما بينته السنة في قوله صلى الله عليه وسلم: (صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم) فالحرام على المحرم أن يصطاد لنفسه أو يصطاد له غيره، أما غير المحرم إذا اصطاد لنفسه ثم أطعم معه المحرم فلا حرج في ذلك، كما بين هذا الحديث، ثم قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
المائدة [97 - 102]
تفسير سورة المائدة [97 - 102]
تفسير قوله تعالى: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس)
تفسير قوله تعالى: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس) يقول الله تبارك وتعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة:97]. قوله تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ) البيت الحرام هو: البيت المحرم (قياماً للناس) يقول السيوطي: يقوم به أمر دينهم بالحج إليه، ودنياهم بأمن داخله وعدم التعرض له، وجبي ثمرات كل شيء إليه. فهذا معنى جَعْلِ الله سبحانه وتعالى البيت الحرام قياماً للناس، أي: يقوم به أمرهم، سواء الأمر الديني أو الأمر الدنيوي، فأما الأمر الديني فبالحج إليه؛ لأنه بالحج إليه يتم الركن الخامس من أركان الإسلام، ويتم أمر دنياهم بالأمن الذي يلقونه داخله، وأنه لا يتعرض أحد لهم. وكذلك من أمن الدنيا جبي الثمرات من كل مكان إلى هذا البلد الحرام، وفي قراءة: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قيماً للناس) بجعل (قيماً) بلا ألف، مصدر (قام) غير معلٍ، يعني: قام قيماً. (وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ) أي: وجعل الشهر الحرام أيضاً. والمراد هنا: الأشهر الحرم، فليس المراد شهراً واحداً، ولكن هذا لجنس الأشهر الحرم كلها، وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، جعلها الله قياماً لهم بأمنهم من القتال فيها. فقوله تعالى: (وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ) يعني: وجعل الشهر الحرام -أيضاً- قياماً للناس، كما جعل البيت الحرام قياماً للناس، وذلك لأن الأشهر الحرم جعلها الله قياماً لهم حين يأمنون من القتال فيها؛ لأنه يحرم فيها القتال، فمن ثم فهي -أيضاً- جعلها الله قياماً للناس. (وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ) أي: جعل الهدي والقلائد -أيضاً- قياماً للناس، بمعنى أن صاحبهما يأمن من التعرض لها، أو من أن يتعرض له أحد. (ذَلِكَ) الإشارة إلى الجعل المذكور في قوله تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ) ((ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) فإن جعله ذلك بجلب المصالح لكم، دفع المضار عنكم قبل وقوعها دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن في المستقبل.
تفسير قوله تعالى: (واعلموا أن الله شديد العقاب)
تفسير قوله تعالى: (واعلموا أن الله شديد العقاب) قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:98]. قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) يعني: لأعدائه (وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) أي: لأوليائه (رَحِيمٌ) بهم. ثم قال تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ} [المائدة:99] أي: الإبلاغ لكم {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} [المائدة:99] أي: تظهرون من العمل: {وَمَا تَكْتُمُونَ} [المائدة:99] أي: تخفون منه، فيجازيكم به سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث)
تفسير قوله تعالى: (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث) {قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:100]. قوله تعالى: {قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ} [المائدة:100] أي: الحرام (والطيب) أي: الحلال (ولو أعجبك) أي: سرك (كثرة الخبيث)، والمقصود بالخطاب هنا أمته صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك قوله تعالى بعد ذلك: (فَاتَّقُوا اللَّهَ)، فالخطاب موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمقصود به أمته، كما قال عز وجل: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق:1]، فخاطب النبي عليه الصلاة والسلام بحكمٍ المقصودُ منه أمته عليه الصلاة والسلام. يقول: والمقصود بالخطاب أمته صلى الله عليه وسلم، لذلك وجه الأمر إليهم بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:100] أي: اتقو في ترك الخبيث والإعراض عنه مع كثرته (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: تفوزون.
قول القاسمي في معنى قوله تعالى: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس)
قول القاسمي في معنى قوله تعالى: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس) يقول القاسمي رحمه الله تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ) أي: مداراً لقيام أمر دينهم بالحج إليه، ودنياهم بأمن داخله، وعدم التعرض له وجبي ثمرات كل شيء. (وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ) بمعنى الأشهر الحرم، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، قياماً لهم بأمنهم من القتال فيها؛ لأنه حرم فيها ليحصل التآلف فيها. (وَالْهَدْيَ) الهدي المقصود به: ما يهدى إلى مكة (وَالْقَلائِدَ) جمع قلادة، والقلادة: هي ما يجعل في عنق البدنة التي تهدى، وليس المقصود القلائد نفسها، لكن المقصود ذوات القلائد، وهي البدن؛ لأن البدن تعلق فيها القلائد كي يعلم أن هذه مهداة إلى البيت الحرام، فلا يتعرض لها أحد ولا لصاحبها، فتوضع عليها هذه العلامات حتى تعظم ويعلم أنها مهداة إلى بيت الله سبحانه وتعالى، فتأمن ويأمن صاحبها، فلا يقصدان بسوء. وخصّت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر، وبهاء الحج بها أظهر، والمفعول الثاني محذوف يعني: قوله تعالى: ((وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ)) أي: جعل الهدي والقلائد قياماً للناس، لكن حذف المفعول ثقة بظهوره من السياق الذي مر، فإنهم كانوا يأمنون بسوق الهدي إلى البيت الحرام على أنفسهم، حيث يعلم من يراهم أنهم يقصدون بيت الله الحرام، وفيه قوام لمعيشة الفقراء، بمعنى أن الفقراء -فقراء الحرم- حين يساق هذا الهدي إلى مكة المكرمة فإنه رزق يرسله الله سبحانه وتعالى إليهم، فيكون فيه قيام لأمرهم، وكذلك كانوا يأمنون إذا قلدوها أو قلدوا أنفسهم عند الإحرام من لحاء شجر الحرم، فلا يتعرض لهم أحد. قوله تعالى: (ذَلِكَ) أي: الجعل المذكور: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [المائدة:97 - 99].
تفسير قوله تعالى: (قل لا يستوي الخبيث والطيب)
تفسير قوله تعالى: (قل لا يستوي الخبيث والطيب) يقول تعالى: {قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:100]. قوله تعالى: (قل لا يستوي الخبيث والطيب) هذا حكم عام في نفي المساواة عند الله سبحانه وتعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وجيدها، قصد به الترغيب في صالح العمل وحلال المال. (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) فإن العبرة بالجودة والرداءة دون القلة والكثرة، فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير. وهذه الآية نحتاج للاستدلال بها في كثير من المواضع، فالقليل الذي يبارك الله سبحانه وتعالى فيه خير من الكثير الذي يمحق الله بركته؛ لأنه من حرام أو من رشوة أو من ربا أو من سحت، فأغلب الناس يفتنون بالمال الوفير، ولا يبالون من حرام جلبوه أم من حلال، فكثير ما نحتاج -خاصة في هذا الزمان- إلى إشاعة الاستدلال بهذه الآيات (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ) يعني: في ترك الخبيث وإن كثر، فاتركوه وأتوا الطيب وإن قلّ ((لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)).
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) ثم قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [المائدة:101]. يقول السيوطي: ونزل لما أكثروا سؤاله صلى الله عليه وسلم، فسأله أحدهم: (يا رسول الله! من أبي؟ قال: أبوك فلان. وكان يطعن فيه) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، وكانوا يسألونه استهزاء -وهذا لا يكون من المؤمنين الصادقين، وإنما كان من المنافقين وإن لم يصرح به- فيقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ ولما نزلت آية الحج قال أحدهم: (أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم)، أخرجه مسلم والترمذي؛ فلذلك أنزل الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ)) أي: إن تظهر لكم (تسؤكم) يعني: بما فيها من المشقة. (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ) يعني: في زمن النبي صلى الله عليه وسلم (تبد لكم)، والمعنى: إذا سألتم عن أشياء في زمانه ينزل القرآن بإبدائها، ومتى أبداها ساءتكم، فلا تسألوا عنها. والمقصود النهي عن كثرة السؤال والتنطع في السؤال، فهنا يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا) في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حيث ينزل الوحي تبد لكم، وإن بدت لكم ساءتكم، فالمقصود: لا تسألوا عنها، ثم قال تعالى: ((وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)). وهذه الآية فيها كلام طويل، يقول القاسمي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا) أي: نبيكم (عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ) أي: تظهر (لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) لما فيها من المشقة (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ)، وإن تسألوا عن أشياء نزل القرآن بها مجملة فتطلبوا بيانها، تبين لكم حينئذ لاحتياجكم إليها. فهذا وجه في الآية. وثمة وجه آخر: إن تسألوا عنها تبد لكم حين ينزل القرآن الكريم ولذلك فسرها ابن القيم على أن المراد زمن النزول المتصل به، وليس الوقت المقارن للنزول، وكأن في هذا إذناً لهم في السؤال عن التفصيل المنزل، ومعرفته بعد إنزاله، فبعدما تنزل يمكن أن تسألوا عنها حتى تستبينوا وتستوضحوا ما فيها من الأحكام، ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقاً. ثم قال ابن القيم: وثمة قول ثانٍ في قوله تعالى: ((وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ)) وهو أنه من باب التهديد والتحذير، يعني: إذا ما سألتم عنها في وقت الوحي جاءكم بيان ما سألتم عنه بما يسوؤكم. وهو الوجه الذي اختاره السيوطي، بما ففيه ترهيب من السؤال، والمعنى: لا تتعرضوا للسؤال عما يسوؤكم بيانه، وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدي لكم. وقال بعضهم: إنه تعالى بين أولاً أن تلك الأشياء التي سألوا عنها إن أبديت لهم ساءتهم، ثم بيان آخر أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوؤهم ولا يسرهم. (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) أي: عن تلك الأشياء حين لم ينزل فيها القرآن، ولم يوجبها عليكم توسعة عليكم، فما دام أن الله سبحانه وتعالى لم يوجبها عليكم توسعة عليكم فلا تضيقوا أنتم على أنفسكم، كآية الحج مثلاً،: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97] يقال: اسكتوا؛ فإنكم إذا سألتم: أكل عام يا رسول الله؟ فإن قال: كل عام وجبت، وإذا كان يجب على كل مسلم أن يحج في كل عام إلى بيت الله الحرام لما استطعنا، فهذا أوضح؛ لأنه جاء بفعل يبين ذلك. (عفا الله عنها) يعني: عن بيان تلك الأشياء؛ لئلا يسوءكم بيانها، فتكون جملة (عفا الله عنها) صفة لكلمة (أشياء)، أو المعنى: عفا الله عن مسائلكم السالفة، فما سألتم عنه فيما سبق عفا الله عنه، وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية بمسائلكم، فلا تعودوا إلى مثلها (وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ).
تفسير قوله تعالى: (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين)
تفسير قوله تعالى: (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) يقول تعالى: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} [المائدة:102] يعني: ليس المقصود عين المسألة، بل مثلها في كونها محظورة ومستتبعة للوبال، وعدم التصريح بالمثل للمبالغة في التحريم. وقوله تعالى: (ثم أصبحوا بها كافرين) أي: أصبحوا بسببها كافرين؛ حيث لم يمتثلوا ما أجيبوا به ويفعلوه، وقد كان بنو إسرائيل يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها، فهلكوا، والمعنى: احذروا مشابهتهم والتعرض لما تعرضوا له، فلا تفعلوا مثلهم.
سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء)
سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء) ثم يذكر القاسمي رحمه الله تعالى هنا تنبيهات: أولها: ما رواه البخاري في سبب نزولها بالتفسير عن أبي الجويرية عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءً)، وهذا لا يمكن أن يصدر إلا من المنافقين، (فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ)) حتى فرغ من الآيات كلها). وأخرج -أيضاً- البخاري عن موسى بن أنس عن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً. قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين)، وهو صوت البكاء المكتوم، (فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ))). فقد كان هذا الرجل يُطعن في نسبه لأبيه، ولما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم مهما سألتموني عن أي شيء أجبتكم سأله هذا الرجل: من أبي؟ فقال: (أبوك فلان)، وقد كان هو أبوه الذي ينسب إليه. وهذا -بلا شك- من أبلغ الإساءة، ولذلك عاتبته أمه، وقالت: هب أنه ليس أبوك، أتفضحني أمام الناس؟! يقول: وروى البخاري في كتاب الفتن عن قتادة أن أنساً حدثهم قال: (سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة)، وكثرة السؤال والتنطع والتفيهق والتعمق والتحري الزائد في الغالب تكون علامة على ظاهرة مرضية، وتكون أحياناً من أعراض مرض الفراغ، ولذلك روي عن بعض السلف أنه رأى رجلاً يقف له كلما جاء وكلما ذهب، ويسأله أسئلة في قائمة طويلة، فاستكثر منه ذلك، وقال له: أكل ما تسأل عنه تعمل به؟ قال: لا. قال: فما تصنع بازدياد حجة الله عليك؟ فنحن محتاجون إلى الواقعية في اختيار القضايا التي نسأل فيها، وأن تكون في الأمور التي تهمنا، وأن لا يحصل التدقيق في الأسئلة. فهذا أحد علماء السلف يقال: كان أحسن الناس خلقاً، فما زالوا به حتى أضجروه، فساء خلقه، وذلك: لأنه مع كثرة الإضجار قد يضطر إلى أن يواجه برد غير حميد، ثم يصير ذلك طبعاً له من كثرة ما يفعل ذلك. فعلينا أن نتواصى جميعاً بتحري نوع الأسئلة، وتحري القضايا المفيدة دون التعمق والتفيهق في دقائق الأمور. وهناك نماذج هي أدلة على شيوع هذه الظاهرة، أعني عدم الواقعية في إلقاء الأسئلة، وأذكر من ذلك أنه ذات مرة دق جرس هاتفي كثيراً في الساعة الثانية صباحاً قبل الفجر، فقلت: من المؤكد أن هذا موضوع في غاية الأهمية، للاتصال في مثل هذا الوقت، فرددت على الهاتف فإذا هو أخ يقول لي: أحد أقاربي سألك سؤالاً قبل مدة فكان الجواب مختصراً، ونحن نريد جواباً مفصلاً. فقلت له: خيراً، فما هو السؤال؟ قال: هاهو موجود وسيذكرك بالسؤال، فسمعته يعطيه السماعة وهو يقول له: اسأله. فقال: ليس في بالي أي سؤال. فقال له: اسأله أي سؤال! فهل هذه أخلاق طالب العلم؟! لا بد من أن يكون هناك نوع من الواقعية والجدية، فإذا كان الحال أنه لا يوجد هناك سؤال فلماذا إذاً هذا المسلك؟! فنحن -في الحقيقة- محتاجون إلى مراجعة أنفسنا في باب الآداب الشرعية، ومراعاة هذه الآداب، ومثل هذه القضايا التي ينزل الله فيها الوحي لا شك في أنها من عظائم الأمور التي ينزل الله سبحانه وتعالى فيها هذا التأنيب، فلنقدر هذه المسائل حق قدرها، ومسائل الاستئذان وآداب الاستئذان أمر يطول الحديث فيه في الحقيقة؛ لأنه تحصل فيه تجاوزات شنيعة. ولقد حكى لي أحد الإخوة أنه ترك ضيفاً في الغرفة، ثم غاب عنه قليلاً، فلما رجع وجده في المطبخ قد فتح الثلاجة يشرب ماء ويأكل شيئاً من الثلاجة، يقول: فتسمرت في مكاني وذهلت! فكيف يحصل هذا؟! فالمضيف متزوج، وهذا يدخل المطبخ! وما وجده في الحجرة، وإنما وجده في المطبخ، وهل رَفْعُ الكلفة يصل إلى هذا الحد من انتهاك حرمات البيوت؟! والنماذج كثيرة، ولكن أقول: لا يمكن أن يكون شيء أنزل الله سبحانه وتعالى فيه وحياً يتلى في المحاريب إلى يوم القيامة ثم يكون قضية من القضايا للتسلية، فكون الله سبحانه وتعالى ينزل لنا هذه الآية عبرة لنا كي نلتزم آداب السؤال، خاصة الواقعية في السؤال. وأما الحديث الذي ذكرنا طرفاً منه فهو أنه روى البخاري عن قتادة أن أنساً حدثهم قال: (سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على المنبر، فقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينت لكم)، فالرسول صلى الله عليه وسلم خرج إليهم غضبان من شدة الإلحاف عليه في المسائل، يقول أنس: (فجعلت أنظر يميناً وشمالاً فإذا كل رجل رأسه في ثوبه يبكي)، خاف الصحابة من غضب الرسول عليه الصلاة والسلام، فإذا كل رجل رأسه في ثوبه يبكي، يقول: (فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه) يعني: إذا حصلت مجادلة بينه وبين شخص عير بأنه يسب إلى غير أبيه، فقال: (يا نبي الله! من أبي؟ فقال: أبوك حذافة) وقد كان يدعى ابن حذافة، وعمر عندما أحس بخطورة الموقف أراد أن يسترضي الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان غضبان، فقال: (رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، نعوذ بالله من سوء الفتن)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إنه عرضت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط)، فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)). وروى البخاري -أيضاً- في باب ما يكره من كثرة السؤال عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلم قام إلى المنبر فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أموراً عظاماً، ثم قال: من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا تسألون عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا. قال أنس: فأكثر الأنصار البكاء)، وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: سلوني وهو غضبان، فقام إليه رجل -وانظر إلى سوء مخالفة هذا الأدب- فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟! قال: النار) ولا حول ولا قوة إلا بالله! (فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: أبوك حذافة، ثم أكثر صلى الله عليه وسلم أن يقول: سلوني سلوني سلوني. فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً. قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك). وعند مسلم: قال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لـ عبد الله بن حذافة: (ما سمعت بابن قط أعق منك! أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحني على أعين الناس؟! وذلك: لأنه ولد حملت به في الجاهلية، فمعناه: هب أن أمك قارفت شيئاً مما كان شائعاً في الجاهلية، فهل تفضحها على أعين الناس وتسأل الرسول عليه الصلاة والسلام من أبي؟! هب أن أباك غير من تنسب إليه! فهذا من العقوق بلا شك. وفي هذا -أيضاً- أدب آخر؛ لأننا نلاحظ بعض الناس يسأل فتكون المشكلة متعلقة بأبيه أو بأمه مثلاً، فهو غير محتاج للتصريح، فيمكن أن يقول: ما حكم الشرع في أب يفعل كذا؟ لكن هناك من يأتي أمام الناس ويقول: أبي يفعل كذا وكذا ويهتك ستر أبيه، فهذا ليس من الأدب، وهذا من العقوق، بل قل: ماذا يفعل ابن أبوه فعل كذا؟ وحاول أن تغير صيغة السؤال حتى لا تقع في غيبة أبيك وعقوقه ولو كان فيه هذه الأشياء. ونلحظ في بعض الأسئلة من يأتي ليسأل سؤالاً، ويكون السؤال خاصاً إلى درجة بعيدة جداً من الأسرار الشخصية مما لا يحب السائل أن يسمعه أحد، وإذا بالواقفين كأن على رءوسهم الطير، وكأنهم مثبتين في الأرض بمسامير من حديد، لا يتحرك أحد، والأصل في المسلم أن يكون مرهف الحس، فإذا لاحظت سؤالاً شخصياً، أو فيه ذكر عورة فابتعد حتى لا تسمعه، أما أن يقف المرء ولا يبالي بشيء على الإطلاق، ويصل الأمر إلى حد الاضطرار إلى أن يقال: على الإخوة أن ينصرفوا؛ لأن الأخ له سؤال شخصي فهذا ما لا يليق، وهذا أدب ينبغي أن نراعيه من أنفسنا، فإذا كان السؤال ليس عاماً فابتعد حتى يكون السر بين السائل ومن يجيبه. وكذلك السائل إذا كان لديه سؤال فيه هتك ستر أو فيه ذكر نوع من العورات فلا يسأل على الملأ، لكن ينفرد بمن يسأله. ولما قالت أم عبد الله بن حذافة ذلك الكلام لابنها قال عبد الله راداً على أمه: (والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته). وروى ابن جرير عن السدي قال: (غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام فقام خطيباً فقال: سلوني) نحو ما تقدم وزاد: (فقام إليه عمر فقبل رجله، وقال: رضينا بالله رباً) إلخ. وزاد: (وبالقرآن إماماً، فاعف عنا عفا الله عنك. فلم يزل به عمر حتى رضي صلى الله عليه وآله وسلم). وأخرج ابن جرير -أيضاً- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمر وجهه حتى ج
التزام الصحابة بأدب النهي عن السؤال
التزام الصحابة بأدب النهي عن السؤال ولقد التزم الصحابة هذا الأدب حتى كانوا ما يكادون يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، لكن كانوا يفرحون إذا أتى رجل من أهل البادية فيسأله ويسمعون الجواب فيستفيدون، فقد أخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: (كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، وكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع)، وفي قصة اللعان من حديث ابن عمر (فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها). ولـ مسلم عن النواس بن سمعان قال: (أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة بالمدينة، ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم). يعني: أنه قدم المدينة وافداً، فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل؛ لأنه ما دام بصفة الوافد فقد كان له رخصة وسعة في أن يسأل؛ لأنه وافد، بمعنى أنه يقدم مدة يسيرة ثم يغادر بعدها، فحرص على أن يستبقي صفة الوافد لا صفة المقيم؛ لأنه إذا كان من المقيمين جرى عليه الأصل، وهو أنه لا يسأل. فهو يقول: (أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم سنة بالمدينة، ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة) أي: ما يمنعني من اتخاذ المدينة مهاجراً ووطناً للإقامة إلا المسألة، فظل ماكثاً بصفة أنه وافد، وليس مقيماً مهاجراً، يقول: (ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة) أي: الحرص على أن أسأله (كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم). ومراده أنه قدم وافداً، فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل خشية أن يخرج من صفة الوافد، إلى استمرار الإقامة فيصير مهاجراً فيمتنع عليه السؤال. وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب وفوداً كانوا أو غيرهم، فقوله تعالى هنا: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))، المقصود به المهاجرون. وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: (لما نزلت ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ)) -إلى آخر الآية- قال: كنا قد انتهينا أن نسأله صلى الله عليه وسلم، فأتينا أعرابياً فرشوناه برداء، وقلنا: سل النبي صلى الله عليه وسلم!) وهذه الرشوة ليست على ظاهرها، وليست هي الرشوة المحرمة، وإنما أهدوا له الهدية استعطافاً ثم قالوا: اذهب واسأل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا السؤال. ولـ أبي يعلى عن البراء: (إن كان ليأتي عليّ السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشيء فأتهيب، وإن كنا لنتمنى الأعراب -أي: قدوم الأعراب- ليسألوه) فإذ سأل الأعرابي سمع الصحابة أجوبة سؤالات الأعرابي فيستفيدون منها. وأما ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة رضي الله عنهم فيحتمل أن يكون قبل نزول الآية، ويحتمل أن النهي في الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرر حكمه، أو ما لهم بمعرفته حاجة راهنة، كالسؤال عن الذبح بالقصب، والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء إذا أمروا بغير الطاعة، والسؤال عن أحوال يوم القيامة، وما قبلها من الملاحم والفتن، والأسئلة التي في القرآن، كسؤالهم عن الكلالة، والخمر، والميسر، والقتال في الشهر الحرام، واليتامى، والمحيض، والنساء، والصيد، وغير ذلك. وعن ابن عمر قال: (لا تسألوا عما لم يكن؛ فإني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن)، وعن عمر أنه قال: (أحرج عليكم أن تسألوا عما لم يكن؛ فإن لنا فيما كان شغلاً) يعني: لا تكثروا الافتراضات؛ فإن ما نزل وما علمنا يشغلنا عن الاشتغال بالافتراضات. وعن زيد بن ثابت: (أنه كان إذا سئل عن الشيء يقول: هل كان هذا؟ فإن قيل: لا قال: دعوه حتى يكون). وعن أبي سلمة ومعاذ مرفوعاً: (لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها؛ فإنكم إن تفعلوا لم يزل في المسلمين من إذا قال سدد، وإن عجلتم تشتت بكم السبل)، وهذا مرسل.
أقسام البحث عما لا يوجد فيه نص
أقسام البحث عما لا يوجد فيه نص قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نص على قسمين: أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب لا مكروه، بل ربما كان فرضاً على من تعين عليه من المجتهدين. ثانيهما: أن يدقق النظر في وجوه الفروق، فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع مع وجود وقت الجمع، أو العكس، فهذا الذي ذمه السلف، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود مرفوعاً: (هلك المتنطعون) أخرجه مسلم؛ لأن هذا فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته، ومثله الإكثار من التفريع، كمسألة ليس لها أصل في الكتاب، ولا في السنة، ولا في الإجماع، وهي نادرة الوقوع، فيظل الإنسان يفرع فيها، فيفرع على الفروع، ثم يفرع على فروع الفروع، وينفق العمر في هذا، فيصرف فيها زماناً كان صرفه في غيرها أولى، خاصة إذا ترتب لها التحصيل فيما هو متعين عليه، أو فيما هو أكثر وقوعاً. وأشد من ذلك -في كثرة السؤال- البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها، فأشد من ذلك قبحاً وسوءاً أن الإنسان يظل ينقر ويخترع ويولد الأسئلة في أمور مغيبة الشرع لم يتعرض لها. فمثلاً: ورد في القرآن والسنة أن الرجال من أهل الجنة سوف يزوجون الحور العين، فماذا عن النساء، وهل النساء لهن أزواج أيضاً مثل الحور العين؟! فهل هذا مما تعرض له القرآن؟! وهل هذا مما تعرضت له السنة؟! إذاً: لا تسأل عن هذا، ومتى ستفهم مثل هذا، فلو كان هذا مما يفيدنا في ديننا ومما يجب علينا الإيمان به والتعرف عليه لأوحى الله إلى رسوله قولاً قاطعاً في ذلك، لكن إذا لم يتعرض له الوحي فلا تضيع وقتك بالاشتغال فيما لا يعنيك، ففي الحديث: (من حسن الإسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، فالله سبحانه وتعالى رحيم بعباده، والله حكم عدل ودود غفور رحيم، يكرم عباده بكرمه وفضله، ولذلك لما سأل ذلك الرجل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: متى الساعة انتقل عن السؤال عما لا يعني إلى السؤال عما يعني، فقال: (وما أعددت لها؟) فهذا هو الذي يخصك. ومن ذلك السؤال عن الروح، والسؤال عن مدة هذه الأمة، وأمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف، ولا يوجد باب لهذا، فهذه الأشياء يكره السؤال عنها، وهي داخلة في النهي؛ لأنها أشياء مغيبة لا يدركها الحس، ثم إن الوحي الذي هو النافذة الوحيدة التي من خلالها نستطيع أن نصل إلى الإجابة القاطعة في هذه المسائل لم يبث فيها، ولم يخبرنا بأجوبتها، فدل على أنها مما لا يعنينا ومما لا ينبغي أن نشتغل به، فهذه الأشياء كلها لا تعرف إلا بالنقل الصرف، ولا نقل يوجد. إذاً: ينبغي أن لا نسأل عن مثل ذلك، ولا نتحرى ولا نتنطع، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث. وأشد من هذه الصورة -وهي التنطع والتحري فيما هو من الأمور الغيبية التي لا يدركها الحس ولم يتعرض لها النص- ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة، ويدخل في هذا السؤال المذموم عن الأشياء التي لو أكثرت السؤال عنها أوقعتك في الشك والحيرة، ومن هنا يأتي بلاء الوسوسة، وما أدراك ما الوسوسة والعذاب الذي يعيشه صاحبها! والتكدير الذي يطبق على حياته كلها! والخلل الذي يطرأ على حياته وعلى دينه وعلى واجباته! ومثال التنطع في السؤال أن يفضي بالمسئول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن، وذلك كسؤال بني إسرائيل عن البقرة حين قال لهم موسى عليه السلام: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة:67]، فلو أخذوا أي بقرة وذبحوها لانتهى الأمر، لكن لما تنطعوا وتشددوا شدد الله سبحانه وتعالى عليهم، فقالوا: يا موسى! {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} [البقرة:68] فتنطعوا وتشددوا، ثم قالوا: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} [البقرة:69 - 70]، وفي هذه المرة قالوا: إن شاء الله {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} [البقرة:71]، فانظر كيف اقترن التنطع في الأسئلة بسوء الأدب! حيث قالوا: يا موسى! وهذا من سوء أدبهم مع نبيهم، ثم قالوا: (ادع لنا ربك) وكأنهم يقولون: هو ربك أنت وليس ربنا نحن ثم في ختام سوء أدبهم -لعنهم الله- قالوا: (الآن جئت بالحق) وكأنه قبل ذلك ما جاءهم بالحق. فمثال التنطع في السؤال أن تسأل سؤالاً فيجيبك المفتي بالإباحة والرخصة والتسهيل، فتظل تفتش وتفتش حتى يفتيك بالمنع والتحريم والتضييق. يقول بعضهم: ومثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسئول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي العالم بالإذن: أن يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه أو لا؟ فالسائل يسأل عن السلع الموجودة في السوق تشترى هل لابد من أن الإنسان يتحرى من أين أتى بها صاحبها؟ ومن أين اشتراها؟ فيجيبه المفتي بالجواب فيقول: ما ينبغي لك أن تتحرى وحين تشتري لنفسك الأشياء المبنية على البراءة. فيعود السائل إلى سؤاله فيقول: أخشى أن يكون ذلك من نهب أو غصب. وبقدر الله يكون قد وقع في ذلك الوقت شيء من ذلك في الجملة، حيث تحصل حادثة نهب أو غصب في الحي القريب، أو في الشارع القريب، أو في نفس السوق، فيحتاج المفتي إلى أن يقول له: الورع يقضي بأن تمتنع عن شراء هذه السلعة. وكان سهلاً على نفسه من البداية أن يشتري بدون تنطع، وكثيراً ما يحصل هذا نتيجة التنطع في السؤال والتدقيق والتفيهق والتكلف، فينتهي ذلك بالإنسان إلى المنع بعدما كان الشيء مباحاً، فهذا من شؤم هذا التنطع والتعمق في السؤال. يقول: ويقيد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حرم، وإن تردد كره أو كان خلاف الأولى، ولو سكت السائل عن هذا التنطع لم يزد المفتي على جوابه في الجواز. وإذا تقرر ذلك فمن يسد باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها فإنه يقل فهمه وعلمه، ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها -ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة- فإنه يذم فعله، وهو عين الذي كرهه السلف. أي: لا مانع من أن تسأل سؤال المستفهم الراغب المتعلم؛ لأن طالب العلم كيف له أن يتعلم إذا لم يسأل؟! فنحن نريد أن نضع الكلام في موضعه المناسب واللائق به، فالإنسان لا يغلو في التعامل مع هذه القضية، أقصد قضية كثرة السؤال، فهناك طرفان ووسط: طرف الغلو، وهو أن يغالي الشخص ويتنطع ويتفيهق، ويفرع الفروع، وفروع الفروع، وفروع فروع الفروع إلى غير ذلك من صور التنطع التي ذكرناها. وطرف الغلو الآخر أن يسد باب المسائل حتى ينسد عليه باب العلم، فلا يتعلم كثيراً من الأحكام حتى التي يحتاجها، بل يسد باب المسائل حتى المسائل التي يحتاجها الإنسان في دينه، أو يحتاج إليها طالب علم ليتعلمها، فيفوته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فهذا تكون نتيجته أنه يقل فهمه وعلمه. وعلى الجانب الآخر من التوسع في تفريع المسائل وتوليدها -لا سيما إذا كانت المسائل نادرة الوقوع- إذا كان السائل يقصد بذلك المباهاة والمغالبة، فإنه يذم فعله، وهذا هو الذي كرهه السلف رحمهم الله تعالى، وقد وجدنا في بعض المجالس أن بعض الشباب يأتي إلى عالم جليل من العلماء، وهذا الشاب ربما استطاع أن يحصل شيئاً من العلم في مسألة من المسائل سهر فيها الليالي الطوال ليحصلها، فإذا جلس أمام الشيخ فإنه يبدأ باستدراجه، وهذا يحصل كثيراً جداً، وهذا ليس من الأدب في شيء، فيُظهر له في البداية أنه يسأل سؤال مستفهم، كأنه لا يعلم، فالعالم يفتي فيقول: المسألة حكمها كذا فإذا به يقول له: إن فلاناً يقول فيها كذا. فيظهر من خلال الحوار أنه مطلع اطلاعاً واسعاً جداً على المسألة، وينتقل من المستفهم الراغب في العلم إلى المجادل المناظر الذي يحاول أن يحرج هذا الشيخ ويفحمه، حتى إنه حصل مرة مع فضيلة الشيخ: أبي بكر الجزائري هنا في الإسكندرية موقف مثل هذا، واستدرجه السائل أولاً بالسؤال، ثم ظل يجادل ويتنطع ويفرع ويحرجه، إلى أن قال الشيخ في غاية التواضع: يا أخي! اعذرني؛ فإني لا أحسن هذه المسألة. فينبغي للإنسان أن يراقب نيته مراقبة دقيقة في موضوع السؤال، وأن يكون راغباً في العلم لا راغباً في المجادلة أو الإحراج. يقول: من أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظاً على ما جاء في تفسيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل، وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصراً على ما يصلح للحجة منها، فإنه هو الذي يحمد وينتفع به، وهو طلب العلم من مضامينه، وتعلم مسائل الفقه، وتعلم الحديث والتفسير، وهكذا، هذا لا حرج فيه إذا كان بهذه الصورة، وهذا الذي سلكه فقهاء الأمصار من التابعين، فمن بعدهم. يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في الموافقات: الإكثار من الأسئلة مذموم، والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة، وكلام السلف الصالح. ثم ذكر الآية وبعض الأمثلة التي أوردناها، ثم قال: والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات النظرية مذموم، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعدوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه.
المائدة [104 - 108]
تفسير سورة المائدة [104 - 108]
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول)
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) قال عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [المائدة:104]. (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله) أي: من الكتاب المبين للحلال والحرام (وإلى الرسول) الذي أنزل هذا الكتاب عليه؛ لتقفوا على حقيقة الحال، وتميزوا بين الحرام والحلال، فترفضوا تقليد القدماء المفترين على الله الكذب بالضلال. (قالوا) يعني: لإفراطهم في الجهل وانهماكهم في التقليد (حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا) أي: كافينا ذلك. و (حسبنا) مبتدأ والخبر (ما وجدنا عليه آباءنا) فما هو ذاك الذي هو حسبهم؟ هو قولهم: (ما وجدنا عليه آباءنا) أي: الذي وجدنا عليه آباءنا. فهذا هو الخبر، فإن (ما) بمعنى الذي، والواو في قوله تعالى: (أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) الواو هنا للحال دخلت عليها همزة الإنكار، يعني: أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟! أيكفيهم ذلك حتى ولو كان هؤلاء الآباء لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟! فإذاً: الواو هنا للحال، ودخلت عليها همزة الإنكار، فكان المعنى: أحسبهم ذلك (ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً) أي: لا يعرفون حقاً ولا يفهمونه (ولا يهتدون) أي: إليه?! قال الزمخشري: والمعنى أن الاقتداء إنما يصلح للعالم المهتدي، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة. ففيه ذم أن يقتدي الإنسان بعالم غير مهتد، ولا يكون مهتدياً إلا إذا بنى قوله على الحجة والدليل، وإذا لم يكن معه حجة ودليل لا يكون عالماً ولا مهتدياً، فوجب أن لا يجوز الاقتداء به، وثمرة الآية قبح التقليد، ووجوب النظر، واتباع الحجة. وقد فسر التقليد بأنه قبول قول الغير من غير حجة.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:105]. قوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) أي: احفظوها وقوموا بصلاحها. (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) قيل: المراد: لا يضركم من ضل من أهل الكتاب. وقيل: المراد غيرهم. كما في حديث أبي ثعلبة الخشني قال: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك) رواه الحاكم وغيره، وصححه الترمذي. وروى أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: (إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة:105] يعني: ينبئكم ثم يجازيكم به.
كلام القاسمي وغيره في معنى قوله: (عليكم أنفسكم)
كلام القاسمي وغيره في معنى قوله: (عليكم أنفسكم) يقول القاسمي: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} [المائدة:105] أي: الزموا أن تصلحوها باتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. (لا يضركم من ضل) أي: هؤلاء الضالون الذين سبق حكاية كلامهم ومنهجهم الذين قالوا: (حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا)، أو ممن أخذ بشبهة فضل بها أو عاند في قول أو فعل. فقوله تعالى: (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) يعني: إذا اهتديتم إلى الإيمان. وكأن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكفار على كفرهم وضلالهم، فقيل لهم: عليكم أنفسكم وما كلفتم به من إصلاحها، والمشي بها في طريق الهدى، لا يضركم ضلال الضالين وجهل الجاهلين إذا كنتم مهتدين. فإذاً: هذه الآية -حقيقة- من الآيات التي ينبغي التنبه واليقظة عند دراسة تفسيرها؛ لأن كثيراً من الناس يضعونها في غير موضعها، فالآية لا تدعو أبداً إلى الأنانية، أعني أنه يكفيك أمر نفسك، فما دمت مهتدياً فلا تبال بالآخرين، فليس المقصود ذلك. بل الآية على الوجه الأول المذكور المقصود بها تماماً كالمقصود من قوله تعالى: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر:8] وقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6] فهذا تهوين وتخفيف على الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى الأمة أيضاً، يعني: لا يشقن عليكم ما يقع من هؤلاء من استمرارهم على الكفر بالإيمان. فالله تعالى يقول: (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) فإن من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر الله شيئاً، وإنما يضر نفسه. فهذا هو المقصود في هذا التفسير الأول، أي: لا يضركم ضلال غيركم إذا كنتم أنتم مهتدين، لا يشقن ذلك عليكم، ولا تتحسروا حسرة تكاد تقتلكم، كما قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) وكان هذا من شدة رحمته بالأمة صلى الله عليه وسلم. كذلك يقول الزمخشري: وكذلك من يتأسف على ما فيه الفسقة من الفجور والمعاصي، ولا يزال يذكر معايبهم ومناكيرهم فهو مخاطب بهذه الآية. يعني: لا تشتغل ولا تضيع وقتك وجهدك وطاقتك في حكاية ما عليه أهل الباطل من الضلال، فتقول: الرجل الفلاني شتم الإسلام وقال كذا، والصحفي الفلاني كتب مقالة قال فيها كذا، والرسام الفلاني للكاركتير فعل كذا، وإذاعة كذا قالت كذا، وفي التمثيلية الفلانية قالوا: كذا. فكأنك تنصرف بهذا عن وظيفتك في عبودية الله سبحانه وتعالى، بأن تنشغل بالحكاية والاسترسال في متابعة ضلالات أعداء الدين، فتأمل قول الزمخشري هنا! وكذلك يخاطب بهذه الآية من يتأسف على ما فيه الفسقة من الفجور والمعاصي، ولا حرج في أن الإنسان يتأسف ويتألم مما يصنع أعداء الدين، ولكن ليس له أن يظل يذكر معايبهم ومناكيرهم، ولا يبقى له شغل سوى ذلك. فالعبد يخاطب بهذه الآية كي لا ينشغل عن الحق الذي كلف به بتتبع أضاليل هؤلاء الملحدين، فقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) أي: اشتغلوا بما كلفتم به. وليس معنى ذلك أن ترضى بكفر الكفار، أو لا تتألم بسبهم للإسلام، إنما المقصود أن لا تنشغل بهم وبذكر مثالبهم عما كلفت به من الحق؛ لأن هذا الذي يفعله أعداء الدين في كل وقت وفي كل زمان ومكان ليس أمراً جديداً ومستغرباً على المؤمنين، بل هو أمر أخبرهم الله سبحانه وتعالى به مسبقاً. ألم نسمع قوله تعالى من قبل: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [آل عمران:186] فالأمر هنا بالصبر والتقوى، والصبر هو الصبر الجميل، كما قال تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} [المعارج:5]. يقول تعالى: (إلى الله مرجعكم) فتذكر -أيها المسلم- دائماً أن المآل والمصير إليه؛ فإن هذا يواسيك ويعينك على ما أنت فيه من الغربة (إلى الله مرجعكم) يعني: بعد الموت مرجعكم جميعاً أنتم وهؤلاء الذين يعادونكم. (فينبئكم) أي: يخبركم. (بما كنتم تعملون) أي: في الدنيا من أعمال الهداية والضلال، فهذه الآية وعد ووعيد للفريقين، وتنبيه على أن أحداً لا يؤاخذ بعمل غيره، تنبيه لكم على أن تشتغلوا بما ينفعكم في دينكم، ولا تشتغلوا بذكر ما يصنعه أعداؤكم؛ لأن كلاً منكم سيحاسب بعمله هو لا بعمل غيره، ولذلك قال عز وجل: (إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون) والمقصود: فيجازيكم به.
التفسير الشائع عند العوام لقوله تعالى: (عليكم أنفسكم)
التفسير الشائع عند العوام لقوله تعالى: (عليكم أنفسكم) ولا يستدل بالآية على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الظاهر من الآية أن ضلال الغير لا يضر، وأن المطيع لربه لا يكون مؤاخذاً بذنوب العاصي، وإلا فمن تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد، وإنما هو بعض الضلال الذي فصلت الآية بينهم وبينه. وبعض الناس قد يستدل بالآية على إبطال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أخذاً بظاهرها، فيقول في هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) إذا رأيت من قد ضل عن طريق الله يرتكب المعاصي أو البدع أو المخالفات فهذا لن يضرك وأنت على دينك. وهذا في الحقيقة ليس على إطلاقه، ولا يصح فهم الآية بهذه الطريقة. ولماذا نقول: إن هذا التفسير لا يصح؟ لأن الإنسان إذا كان قادراً على تغيير المنكر بأي درجة من درجات الإنكار ثم قصر في إنكاره فإن ضلال غيره يضره في حالة القدرة على إزالة المنكر؛ لأن لله حقاً عليك في إنكار هذا المنكر. والحقيقة أن ضلال الغير يضر القادر على تغيير ضلاله أو منكره، ولذلك يجب أن نحسن فهم الآية (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)، فلا ينبغي أبداً ولا يصح إنزالها على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند القدرة على إنكار هذا المنكر؛ لأن المطيع يؤاخذ بذنب العاصي ويضره ضلاله إذا قدر على تغيير المنكر ولم يغيره. وليس هذا فحسب، بل هذه الآية نفسها يستدل بها على التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) فمن قدر على إنكار المنكر ولم ينكره فهو من الضالين الذين يحذرنا الله أن نسلك مسلكهم، فكأن الآية ترشدنا إلى أن ننكر المنكر على أهله ما دمنا قادرين على ذلك، ولا يضرنا من ضل بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو قادر إذا اهتدينا نحن بفعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروط، فالالتزام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من جملة الاهتداء إذا اهتدينا، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة هو من جملة الضلال الذي أمرنا ألا نتبع من يقع فيه.
الآية ودلالتها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الآية ودلالتها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من تركهما مع القدرة فليس بمهتد، وإنما هو بعض الضلال الذي فصلت الآية بينهم وبينه، ويمكن أن يستدل بهذه الآية على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لقوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} [المائدة:105] إذ يدخل في ذلك كل ما لزم من الواجبات، يعني: الزموا أنفسكم بكل ما وجب عليكم كما قال المهايمي في تفسيره: (عليكم أنفسكم) أي: الزموا أن تصلحوها باتباع الدلائل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ودعوة الإخوان إلى ذلك. كما قال تعالى عن المؤمنين: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3] بإقامة الحجج ودفع الشبه، فالله سبحانه وتعالى حكم بأن كل إنسان في خسر فقال: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1 - 2] فكل بني آدم في خسر إلا من جمع هذه الأربع: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3]. فإذا آمن وعمل الصالحات ولم يتواص مع إخوانه بالحق فهو من الخاسرين، وإذا آمن وعمل الصالحات وتواصى معهم بالحق لكنه لم يتواص بالصبر فذلك نوع من الخسران. إذاً: لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بدعوتهم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، وإقامة الحجج عليهم ودفع الشبه عنهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بما أمكن من القول والفعل، ولا تقصروا في ذلك {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة:105] من التقصير أو الإيفاء قولاً وفعلاً في حق أنفسكم أو غيركم. انتهى كلامه. ونقل الرازي عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى أنه قال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله يعتبر هذه الآية أوكد آية في إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه قال: (عليكم أنفسكم) يعني: عليكم أهل دينكم. فانظر كيف فسرها ابن المبارك! لأننا نلاحظ كثيراً في القرآن أنه استعملت عبارة النفس أو الأنفس وأطلقت على الإخوة الموافقين في الدين، كقوله تعالى: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور:12] أي: بإخوانهم، وقوله تعالى: {وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} [الحجرات:11] والمقصود: لا تلمزوا إخوانكم، وقوله تعالى: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ} [النور:61] ومعناها على إحدى التفسيرين: إخوانكم. وقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} [البقرة:188] يعني: أموال أنفسكم، والمقصود أموال المسلمين. وقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة:54] والمقصود: اقتلوا إخوانكم. أي: يقتل بعضكم بعضاً. وكانت هذه توبة لليهود، والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن. فالشاهد من هذا كله أن قوله تعالى: (عليكم أنفسكم) يعني: عليكم أهل دينكم. كقوله تعالى: (فاقتلوا أنفسكم) أي: أهل دينكم. (لا يضركم من ضل) يعني: من الكفار إذا اهتديتم أنتم. فقوله: (عليكم أنفسكم) يعني: بأن يعظ بعضكم بعضاً في الخيرات، وينفره عن القبائح والسيئات. والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله: (عليكم أنفسكم) معناه: احفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب. فكان ذلك أمراً بأن نحفظ أنفسنا، فإذا لم يكن ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك واجباً.
فهم الصحابة والسلف لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم)
فهم الصحابة والسلف لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) روى الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: (أنه قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)) [المائدة:105] إلى آخر الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ثم لا يغيرونه يوشك أن يعمهم الله عز وجل بعقابه) ومعناه أننا لا نستطيع أن نحفظ أنفسنا إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وروى الترمذي عن أبي أمية الشعياني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: (كيف تصنع بهذه الآية؟! قال: أية آية؟! قلت: قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)) [المائدة:105] قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً -أو: أما والله لقد سألت عنها أنا خبيراً- سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً، يعملون مثل عملكم) قال عبد الله بن المبارك: وزاد غير عتبة قيل: (يا رسول الله! أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم)، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وكذا رواه أبو داود وابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم. وهذه الرواية -إن صحت- يفهم منها أن الآية تكون على ظاهرها في هذه الحالات إذا توافرت هذه الشروط، أي: (عليكم أنفسكم) إذا جزمتم بأن لا طائل من وراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففي هذه الحالة عليك بخاصة نفسك والذين هم أقاربك، سواء من أهل بيتك أو أولادك أو إخوانك في الدين الذين يعظمون الشرع ويلتزمون الدين، فعليك بهم والزمهم، ودع عنك أمر العوام، فإن عامتهم يقعون في تلك الأحوال، يقول أبو ثعلبة رضي الله تعالى عنه. (أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر) يعني: استمروا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى إذا رأيتم هذه العلامات (حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرة) يفضلون الدنيا على الآخرة (وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياماً) يعني: سوف تأتي أيام تشتد فيها غربة الإسلام، ويعاني المؤمن الموحد المطيع لله عز وجل ورسوله من الأذى كما يعاني الشخص إذا قبض على الجمر المتقد، وتخيل إنساناً إذا قبض على الجمر يمسكه بكل قوة دون أن يترخص في التخلي عن دينه وعن إيمانه، (فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن مثل القابض على الجمر)، يعني: لا يؤذى إلا بسبب أنه متدين، ولا يسب إلا لأنه يطيع الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يضاعف للصابر على هذا الأذى ثوابه، للعامل فيهن في هذه الأيام مثل أجر خمسين رجلاً، يأخذ أجر خمسين رجلاً من الصحابة، فهذا الصحابي سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن كونهم خمسين من الذين يعيش بينهم أم خمسين من الصحابة فقال: (بل أجر خمسين منكم). هذا لا يلزم منه أن يكون الواحد من هؤلاء أفضل من الصحابة، فإن مضاعفة الأجر في هذه الأشياء لا يمكن أن تفي بفضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، خاصة أعظم فضيلة على الإطلاق، وهي رؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومصاحبته، فليس معنى هذا أنه يكون أفضل من الصحابي. وعن أبي العالية عن ابن مسعود في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ} [المائدة:105] الآية، قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوساً، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: (ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟! فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك؛ فإن الله يقول: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} [المائدة:105] قال: فسمعها ابن مسعود فقال: مه -يعني: اسكت- لم يجئ تأويل هذه بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، وفيه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي تأويلهن عند الساعة ما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأوهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعاً، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض فأمرؤ ونفسه، وعند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية) أخرجه ابن جرير. وأخرج -أيضاً- أنه قيل لـ ابن عمر: (لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه -يعني: أيام الفتنة- فإن الله قال: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:105] فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا فليبلغ الشاهد الغائب، فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب -يعني: مسئولون عن أن نبلغكم- ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم). وقد ضعف الرازي ما روي عن ابن مسعود وابن عمر مما سقناه، قال: لأن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة:105] خطاب عام، وهو -أيضاً- خطاب للغائبين مع الحاضرين، فكيف يخرج الحاضر ويخص الغائب؟! انتهى. يقول القاسمي: ليس مراد ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما إخراج الحاضرين عن الخطاب، وأنه لم يعن بها إلا الغُيَّب، وإنما مرادهما الرد على من تأولها بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعلماه بأنه لا يسوغ الاستشهاد بها في ترك ذلك والاسترواح لظاهرها إلا في الزمن الذي بيناه، وحاصله: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان ما قبلا، فإن ردا في مثل ذلك الزمن فليقرأ (عليكم أنفسكم) فهذا مرادهما، والله تعالى أعلم.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت) قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [المائدة:106 - 108]. هذه الآية من الآيات التي تحتاج إلى انتباه في فهمها وتفسيرها، وقد أفاض المفسرون في الكلام فيها، حتى قال السعد في حاشيته على الكشاف: واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعراباً ونظماً وحكماً. وإن كان بعض العلماء لا يوافقونه على ذلك. قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت) معنى (إذا حضر أحدكم الموت) أي: حضر الموت حقيقة، أي: مقدماته وأماراته. فقوله تعالى: (حضر أحدكم الموت) يعني: حضر أحدكم أمارات وعلامات الموت. (حين الوصية) هذا بدل من الظرف، وليس ظرفاً للموت ولا لحضوره، فإن في الإبدال تنبيهاً على أن الوصية من المهمات التي لا ينبغي التهاون بها. وقوله تعالى: (اثنان) خبر (شهادة) الذي هو المبتدأ، فالخبر هنا متأخر، وهو (اثنان) فيعرب على أنه خبر مرفوع بالألف لأنه مثنى، فقوله تعالى: (شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان) يعني: شهادة اثنين. فيقدر هنا مضاف، فيكون التقدير: شهادة بينكم حينئذٍ شهادة اثنين. أو يعرب على أن (شهادة) مبتدأ خبره محذوف، أي: فيما نزل عليكم أن يشهد بينكم اثنان. فتكون لفظة (اثنان) هنا فاعل لـ (يشهد). (ذوا عدل منكم) أي: من المسلمين (أو آخران من غيركم) أي: من أهل الذمة. فإذا عجزتم عن المسلمين فآخران من غيركم من أهل الذمة. (إن أنتم ضربتم في الأرض) أي: سافرتم فيها. (فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما) أي: توقفوهما للتحليف. (من بعد الصلاة) أي: صلاة العصر، كما قاله ابن عباس وثلة من التابعين، لكن كيف يقال: إنها صلاة العصر، مع أن الله سبحانه وتعالى لم يعين صلاة العصر في القرآن الكريم؟ قيل: عدم تعيينها لتعيينها عندهم للتحليف بعدها؛ إذ عند المسلمين تعظيم الحلف بعد العصر، كما في الحديث: (ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر)، فوقت العصر له وضع خاص في القسم فيه، وإن كان الإنسان مطالباً بالصدق في الأيمان في كل وقت. فإذاً: المعنى: من بعد صلاة العصر. كما قاله ابن عباس وثلة من التابعين، وعدم تعيينها لتعيينها عندهم بالتحليف بعدها، لأنه ليس وقت اجتماع الناس، فإن الناس في الغالب يكونون في السوق فترة الضحى والظهيرة، فإذا جاء وقت العصر انفضوا من السوق، حتى إن الإنسان الذي عنده رأس مال إذا جاءه وقت العصر تكون قد ذهبت عليه الصفقات في هذا الوقت، فيريد أن ينفق سلعته لأنه سيخسر. ولذلك قال بعض العلماء: ما فهمت هذه الآية: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1 - 2] حتى جئت يوماً من الأيام إلى السوق بعد العصر، فإذا تاجر ممن كان يبيع الثلج المجمد في قوالب يجري في السوق ويصرخ في الناس ويقول: ارحموا من يذوب رأس ماله. لأن هذا الثلج إذا ذاب وصار ماءً فهل سيستطيع بيعه بعد أن يذوب؟ لا، فقال: إن هذه الآية: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1 - 2] تعني أن العصر رأس مال الإنسان، وهو الوقت، فإذا ضاع منك الوقت فقد خسرت الربح وخسرت -أيضاً- نفس رأس المال إذا ضاع عمرك. فقوله تعالى: (من بعد الصلاة) أي: صلاة العصر. وأول شيء من أسباب تخصيص صلاة العصر بالذكر هو أن العصر وقت اجتماع الناس في المسجد، فينفض السوق ويجتمع الناس جميعاً في المسجد لصلاة العصر. كما أن العصر وقت تعاقب ملائكة الليل وملائكة النهار، فيجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار -كما هو معلوم- في صلاة العصر وصلاة الفجر. وحينما يجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار ففي ذلك تكثير للشهود منهم على صدقه أو كذبه، ومعناه أن الشهود ستكثر على ابن آدم، فملائكة الليل وملائكة النهار موجودة شاهدة على هذا الذي يحلف، سواء حلف كاذباً أو حلف صادقاً، فلعل هذا من الحكمة في تخصيص صلاة العصر. ومعلوم أن هذا غير حاصل في صلاة الفجر، فصلاة الفجر الناس بعدها يعودون إلى بيوتهم، وإن كان يحصل وجود ملائكة الليل والنهار. وعن الزهري أنه قال في تفسير الآية (من بعد الصلاة): بعد أي صلاة للمسلمين كانت، وذلك لأن الصلاة داعية إلى النطق بالصدق. فالإمام الزهري يقول: بعد أي صلاة، ولا يشترط أن تكون صلاة العصر؛ لأن الإنسان إذا صلى فالصلاة تدعو إلى الخير، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، إذا كان حديث عهد بالصلاة فإن الصلاة تنهاه عن أن يكذب في حلفه، فهي داعية إلى النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45] فالتعريف بالصلاة إما للعهد الذهني أو للجنس، فإذا قلنا: إنها للعهد الذهني فالمراد صلاة العصر، مثل قوله تعالى: {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل:16] ومعلوم من هو الرسول، فهو موسى عليه السلام، ومثل قوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30] فالرسول هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم، فكذلك (أل) في (الصلاة) إذا قلنا: إنها للعهد فهي الصلاة المعهودة وهي صلاة العصر، أو أن اللام للجنس فتشمل كل صلاة على قول الزهري. قوله تعالى: (فيقسمان بالله) أي: يحلفان. (إن ارتبتم) أي: إن شككتم فيهما بخيانة، أو أخذ شيء من تركة الميت. قوله تعالى: (لا نشتري به ثمناً) جواب للقسم، أي: والله لا نشتري به ثمناً. أي: يا فلان! لا نأخذ لأنفسنا بدلاً من الله -أي: عرضاً من أعراض الدنيا- أن نهتكها ونزيلها بالحلف الكاذب، أي: لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال. (ولو كان) أي: لو كان من نقسم له ونشهد عليه ذا قربى، ودل عليه فحوى الكلام، (ذا قربى) أي: قريباً منا. واسم كان الضمير (هو)، والتقدير: ولو كان هو ذا قربى. أي: من نقسم له ونشهد عليه، وفحوى الكلام يدل عليه. فقوله تعالى: (ذا قربى) أي: قريباً منا، تأكيداً لبراءتهم من الحلف كاذباً، ومبالغة في التنزه عنه، كأنهما قالا: لا نأخذ لأنفسنا بدلاً من حرمة اسمه تعالى مالاً، واضمم إليه رعاية جانب الأقرباء، فكيف إذا لم يكن كذلك؟! يعني: لو كان قريباً ما كنا لنفعل هذا، فكيف لو لم يكن قريباً لنا؟! فهو أبعد لنا من أن نشتري به ثمناً. (ولا نكتم شهادة الله) أي: الشهادة التي أمرنا الله تعالى بإقامتها. وإضافتها إلى الاسم الكريم تشريف لها وتعظيم لأمرها. (إنا إذاً لمن الآثمين) يعني: إنا إذاً إن كتمناها لمن المعدودين والمستقرين في الإثم.
تفسير قوله تعالى: (فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما)
تفسير قوله تعالى: (فإن عثر على أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان مقامهما) قال عز وجل: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:107]. قوله تعالى: (فإن عثر) أي: إن اتبع بعد التحليف (على أنهما) أي: الشاهدين الوصيين (استحقا إثماً) أي: فعلا ما يوجبه من خيانة أو غلول شيء من المال الموصى به إليهما. (فآخران يقومان مقامهما) يعني: رجلان آخران يقومان مقام الذين عثر على خيانتهما، أي: في توجه اليمين عليهما لإظهار الحق وإظهار كذبهما فيما ادعيا من استحقاقهما لما في أيديهما. فهذان اللذان حلفا إن اتضح بعدما حلفا أنهما استحقا إثماً بخيانة أو غلول من المال، أو زعما -مثلاً- أن هذا المال قد أوصى به إلينا، أو أعطانا هذا القدر من المال قبل أن يموت مثلاً فإنه يتوجب على شخصين آخرين أن يقوما مقامهما في إظهار الحق، والحلف من أجل إظهار هذا الحق، وإبراز كذبهما فيما ادعيا من استحقاقهما للمال، إن عثر على أن الشاهدين الأولين قد استحقا إثماً، بأن زعما أن هذا المال أعطاه أياهما رجل ووهبه لهما. (فإن عثر على أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان) من ورثة الميت الذين استحق من بينهم الأوليان أي: الأقربان إلى الميت الوارثان له الأحقان بالشهادة، أي: اليمين، فـ (الأوليان) فاعل استحقا، ومفعول استحقا محذوف قدره بعضهم (وصيتهما)، وقدره ابن عطية (ما لهما وتركتهما)، وقدره الزمخشري: أن يجردوهما للقيام بالشهادة -لأنها حقهما- ويظهروا بهما كذب الكاذبين، وقرئ على البناء للمفعول، أي: من الذين استحق عليهم الإثم -أي: بني عليهم- وهم أهل الميت وعشيرته، فـ (الأوليان) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: (فإن عثر على أنهما استحقا إثماً فآخران من الذين استحق عليهما) وكأنه لأنه قيل: ومن هما؟ وسيأتي الجواب أنهما الأوليان. أو هو بدل من الضمير في (يقومان) أو من (آخران)، ويجوز أن يرتفعا بـ (استحق) على حذف المضاف، أي: استحق عليهم ندب الأوليين منهم للشهادة. وقرئ (الأولين) على أنه صفة لـ (الذين) مجرورة، أو منصوب على المدح، ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها؛ إذ هذان يكونان من أقرباء الميت. وقرئ (الأوليين) على التثنية وانتصابه على المدح. وقرئ (الأوليين) تسمية أول نصباً على ما ذكر، كما في البيضاوي، والكلام فيه كثير، ونقتصر على هذا القدر في الإعراب. قوله تعالى: (لشهادتنا أحق من شهادتهما) أي: لشهادتنا أحق بالقبول من شهادتهما، أي: لقولنا إنهما خانا وكذبا فيما ادعيا من الاستحقاق. يعني أن هذين الاثنين اللذين كانا مع هذا الرجل في السفر وزعما أن هذا المال الذي كان معه هو لهما أو أعطاهما إياه، أو أوصى به إليهما، ونحو ذلك من أنواع الخيانة أو الغلول يؤتى بهما بعد صلاة العصر ليحلفا على هذه الوصية، فإن عثر على أنهما استحقا إثماً بخيانة أو غلول، وجاء اثنان من أقارب الميت بعد ذلك في نفس الوقت للحلف بعد الصلاة فإنهما يقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، أي: لقولنا أحق بالقبول من شهادتهما، فقوله تعالى: (لشهادتنا) أي: على هذين بأنهما خانا وكذبا، والمقصود: لقولنا: إن هذين الرجلين قد كذبا وخانا فيما ادعيا من الاستحقاق، هذا القول منا أحق من شهادتهما المتقدمة، لأنه قد ظهر للناس استحقاقهما للإثم. (وما اعتدينا) أي: وما تجاوزنا الحق فيما اتهمناهما فيه من الخيانة، فلم نتهمهما جزافاً. (إنا إذاً لمن الظالمين) قوله: (إنا إذاً) يعني: إن اعتدينا (لمن الظالمين) أي: أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه، بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى، فسنكون ظالمين إن استعملنا الحلف باسم الله في ظلم هذين، أو من الواضعين الحق في غير موضعه. ومعنى الآية أن الرجل إذا حضرته الوفاة في سفر فليشهد رجلين من المسلمين، فيقول: مال كذا أعطوه لفلان، أو الوصية هي كذا إلى آخره، فإن لم يجد مسلمين فرجلين من أهل الكتاب يوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه، فإذا قدما بتركته فإن صدقهما الورثة وعرفوا ما لصاحبهم قبل قولهما وتركا يخلى سبيلهم، وإن اتهموهما -أي: إن طعن الورثة في هذين الرجلين واتهموهما- رفعوهما إلى السلطان، فحلفا بعد صلاة العصر بالله: ما كتمنا ولا كذبنا ولا خنا ولا غيرنا. فإن اطلع الأوليان الأقربان من الميت -من الورثة- على أن الكافِرَين كذبا في شهادتهما قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافِرَين باطلة، وأنا لم نعتد. فترد شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء، هكذا روى ابن جرير عن ابن عباس وابن جبير وغيرهما. قال الإمام ابن كثير: وهذا التحليف للورثة، والرجوع إلى قولهما -والحالة هذه- كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لوث في جانب القتل، فيقسم المستحقون القاتل، فيدفع برمته إليهم كما هو مقرر في باب القسامة. وقد ورد في السنة مثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) إلى آخرها قال: (برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولىً لبني سهم يقال له: بديل بن أبي مريم بتجارة معه جام من فضة يريد به الملك، وهو أعظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله -أي: يوصلا هذا المال من الفضة إلى أهله- قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، واقتسمناه أنا وعدي، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقدوا الجام -أي: أعطياهم ما بقي بعدما أخذا من المال ما أخذاه، ولم يذكرا شيئاً عن الجام، وأهله كانوا يعرفون أن الجام أعظم ما يملك- قال: فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا عليه، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوه بما يحكم به على أهل دينه، فحلف فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} [المائدة:106 - 107] فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء). هكذا رواه الترمذي وابن جرير عن محمد بن إسحاق به فذكره، وعنده: (فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فأنزل الله هذه الآية، فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء) ثم تكلم الترمذي على إسناده، والحديث أصله في البخاري في كتاب الوصايا. والجام: هو الإناء، وهو جام من فضة، وتخويصه أن يجعل عليه صفائح من ذهب كخوص النخل. ومن الشواهد لصحة هذه القصة ما رواه ابن جرير بإسنادين صحيحين وأبو داود بإسناد رجاله ثقات عن الشعبي أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا -اسم بلد- ولم يجد أحداً من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري رضي الله عنه فأخبراه، وقدما الكوفة لتركته ووصيته، فقال الأشعري: (هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا، ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته، قال: فأمضى شهادتهما. وقوله: (هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام) يعني: هذه الحادثة لم تتكرر بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام منذ حادثة قصة تميم وعدي بن بداء.
تفسير قوله تعالى: (ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها)
تفسير قوله تعالى: (ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها) قال عز وجل: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [المائدة:108]. بين عز وجل وجه الحكمة والمصلحة في الأمر المتقدم تفصيله بقوله: (ذلك) يعني: ذلك الحكم المذكور فيما سبق من الآيات أقرب أن يأتوا بالشهادة على وجهها، أي: أقرب إلى أن يؤدي الشهود أو الأوصياء الشهادة في نحو تلك الحادثة على حقيقتها، خوفاً من العذاب الأخروي. فقوله تعالى: (ذلك) يعني: هذا التشريع؛ لأن هذين الشاهدين من أهل الكتاب إذا كانا يعلمان أنهما إذا بدلا أو غيرا فاعترض الأوليان اللذان هما أقرب للميت على ما فعلا واتهماهما فسيرد الحق وينتزع منهما إلى هذين الأوليين أو إلى الورثة فإن ذلك أدنى أن يكون دافعاً لهما إلى أن يأتيا بالشهادة على وجهها. والوجه بمعنى الذات والحقيقة، أي: على حقيقتها. قال أبو السعود: وهذه -كما ترى- حكمة -أي: شرعية- التحليف بالتغليظ المذكور (ذلك) يعني: ذلك التغليظ في التحليف، ويكون بعد صلاة العصر لكي تكثر الشهود من الملائكة والشهود من الناس، ويقسمان بالله ما غيرنا ولا بدلنا إلى آخره. وقوله تعالى: (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) بيان لحكمة شرعية رد اليمين على الورثة، معطوف على مقدر ينبئ عنه المقام، كأنه قيل: ذلك أدنى أن يأتي الشاهد بالشهادة على وجهها ويخاف عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة، أو يخاف أن ترد اليمين على المدعين بعد أيمانهم فيفتضح بظهور الخيانة واليمين الكاذبة ويغرم. (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا) (اتقوا الله) أي: في مخالفة أحكامه التي منها هذا الحكم، وهو ترك الخيانة والكذب (واسمعوا) أي: ما تؤمرون به سماع قبول. (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) أي: الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته. أي: لا يهديهم إلى طريق الجنة أو إلى ما فيه نفعهم، يعني: لا يهديهم إلى ذلك.
الأحكام المستفادة من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت)
الأحكام المستفادة من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت) استفيد من الآية أحكام:
لزوم الوصية حال الخوف من الموت وحضور قرائنه
لزوم الوصية حال الخوف من الموت وحضور قرائنه الأول: لزوم الوصية حال الخوف من الموت وحضور قرائنه؛ لأنه تعالى قال: {حِينَ الْوَصِيَّةِ}، أي: وقت أن تحق الوصية وتلزم. إذاً: تجب الوصية إذا ظهرت أمارات الموت، فيجب على الإنسان أن يكتب الوصية أو يوصي ويشهد على الوصية إذا حضرت أمارات ومقدمات الموت.
شهادة الشاهدين عامة في كل الحقوق الإلهية والآدمية
شهادة الشاهدين عامة في كل الحقوق الإلهية والآدمية الأمر الثاني: قال بعضهم: دل قوله تعالى: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}، على أن الحكم شرطه أن يشهد فيه اثنان عدلان، وهذا إطلاق لم يفصل فيه بين حق الله وحق غيره، ولا بين الحدود وغيرها، إلا في شهادة الزنا كما في قوله تعالى في سورة النور: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور:4]، وهذا مجمع عليه، وذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أنه -سبحانه- ذكر ما يحفظ به الحقوق من الشهود ولم يذكر أن الحكام لا يحكمون إلا بذلك، فليس في القرآن نفي الحكم بشاهد ويمين، ولا بالنكول، ولا باليمين المردودة، ولا بأيمان القسامة، ولا بأيمان اللعان، وغير ذلك مما يبين الحق ويظهره ويدل عليه، والشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه وشواهد له، ولا يرد حقاً قد ظهر بدليله أبداً، فيضيع حقوق الله وحقوق عباده ويعطلها، ولا يكشف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة في التصريح به مع مساواة غيره في ظهور الحق أو رجحانه عليه ترجيحاً لا يمكن جحده ودفعه.
صحة شهادة الذمي إذا لم يوجد مسلم
صحة شهادة الذمي إذا لم يوجد مسلم قوله تعالى: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}، فيه دلالة على صحة شهادة الذمي على المسلم عموماً، لكن خرج جوازها فيما عدا وصية المسلم في السفر بالإجماع. قال بعض المفسرين: ذهب الأكثر إلى أن شهادة الذميين قد نسخت، وعن الحسن وابن أبي ليلى والأوزاعي وشريح والراضي بالله وجده الإمام عبد الله بن الحسين أنها صحيحة ثابتة، وكذا ذهب الأكثر إلى أن تحليف الشهود منسوخ، وقال طاوس والحسن والهادي: إنه ثابت. يقول القاسمي: أقول: لم يأت من ادعى النسخ بحجة تصلح لذكرها وتستدعي التعرض لدفعها. وقد ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أنه تعالى أمر في الشهادة على الوصية في السفر باستشهاد عدلين من المسلمين أو آخرين من غيرهم، وغير المؤمنين هم الكفار، والآية صريحة في قبول شهادة الكافرين على الوصية في السفر عند عدم الشاهدين المسلمين، وقد حكم به النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بعده، ولم يأت بعدها ما ينسخها، فإن المائدة من آخر القرآن نزولاً، وليس فيها منسوخ. فليس في سورة المائدة منسوخ، وليس لهذه الآية ناسخ البتة. ولا يصح أن يكون المراد بقوله: ((مِنْ غَيْرِكُمْ)) من غير قبيلتكم، فإن الله سبحانه وتعالى خاطب بها المؤمنين كافة بقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) فلا يمكن أن تفسر بـ (من غير قبيلتكم). ولا يخاطب بذلك قبيلة معينة حتى يكون قوله: (من غيركم) أي: أيتها القبيلة. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفهم هذا من الآية، بل إنما فهم منها ما هي صريحة فيه، وكذلك أصحابه من بعده.
استحباب التغليظ في الأيمان
استحباب التغليظ في الأيمان قوله تعالى: ((مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ)) فيه دلالة على تغليظ اليمين، واليمين يمكن أن تغلظ بأنواع كثيرة زمانية أو مكانية، فتغلظ اليمين من ناحية الزمان بأن تكون بعد العصر، أما في المكان ففي المدينة عند المنبر أو بمكة بين الركن والمقام، وقد ورد في بعض الآثار تغليظ الحلف بين الركن والمقام، حتى جاء في بعض الأحاديث أيضاً: (يبايع المهدي بين الركن والمقام) لتوثيق العقود، ولشدة حرمة المكان، وهو مكة المكرمة، ثم المسجد الحرام، ثم بين الركن -الذي هو الحجر الأسود- ومقام إبراهيم عليه السلام، حتى إن المثلث الواصل بين الركن اليماني والحجر الأسود زمزم سمي الحطيم؛ لأن من حلف فيه كاذباً فإن الله يحطمه. وقد ذهب الجمهور إلى أن هذا نوع من التغليظ، وأضافوا أشياء في الزمان بعد العصر، فهذه ثابتة، أما التغليظ في المكان ففي المدينة عند باب المنبر، أو في مكة بين الركن والمقام، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي غير ذلك في المسجد الجامع، واتفقوا على أن ذلك في الدماء والمال الكثير لا في القليل. وذهبت الزيدية والحنفية والحنابلة إلى أن اليمين لا تغلظ بزمان ولا مكان، وأخذوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ولم يفصل، قالوا: وقوله تعالى في هذه الآية: ((مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ)) يحتمل أن ذكره لهذا الوقت لأنهم كانوا لا يعتادون الحكم إلا في ذلك الوقت. ومن الأشياء التي أحدثت في تغليظ الأيمان أن يأتي بالمصحف ويضع يديه عليه من باب التغليظ في هذا الحلف. قال الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة: المختار التغليظ في الأيمان لفساد أهل الزمان، وذلك مروي عن أمير المؤمنين المرتضى وأبي بكر وعمر وعثمان وابن عباس ومالك والشافعي. قال: والمختار أنه مستحب غير واجب. قال ابن أبي الفرج في قوله تعالى: ((فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ)) دليل على أن: (أقسم بالله) يمين وليست كلمة (أقسم) فقط بدون أن يقول: (بالله)، فلا تكون يميناً، لكن إذا أراد أن يقسم فليقل: (أقسم بالله) لقوله تعالى: ((فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ)).
تحريم كتمان الشهادة
تحريم كتمان الشهادة قوله تعالى: ((وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ))، فيه دليل على تحريم كتمان الشهادة، وذلك لا إشكال فيه. قال السيوطي: تخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة على قراءة (الأوليان) لخصوص الواقعة التي نزلت لها. ثم ساق رواية البخاري السابقة، أي: والإشارة إلى الاكتفاء باثنين من أقرب الورثة -أيضاً- وإن كان فيهم كثرة. ثم يقول القاسمي في ختام تفسير هذه الآية الكريمة تحت عنوان (غريبة): قال مكي في كتابه المسمى بالكشف: هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنىً وحكماً وتفسيراً، ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكفون عنها. قال: ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر، وقد ذكرناها مشروحة في كتاب المفرد. قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها، وذلك بين من كتابه رحمه الله تعالى. يعني: من كتاب مكي، فهو يعترض على أنه يمكن أن يجمع تفسيرها في ثلاثين ورقة. وابن عطية إمام مشهور جداً، ولكن الناس تجهل أن ابن عطية هو نفسه أبو محمد عبد الحق، إمام جليل جداً من أئمة المغرب، فالإمام أبو محمد عبد الحق هو ابن عطية! فـ ابن عطية يعلق على كلام مكي حينما قال: ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر. فقال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها. يعني: ليس عنده من الخصوبة العلمية ما يزيد على ثلاثين ورقة، فهي تحتمل أكثر من ذلك، وذلك بين من كتابه رحمه الله تعالى، يعني: كتاب مكي. قال السعد في حاشيته على الكشاف: واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعراباً ونظماً وحكماً. يقول القاسمي أقول: هذه الآية الكريمة غنية بنفسها -مع ما ورد في سبب نزولها، وما قاله حبر الأمة وترجمان القرآن في معناها- عن التشكيك فيها، والتكلف لإدخالها تحت القواعد، والتمحل لتأويلها، فخذ ما نقلناه من محاسن تأويلها وكن من الشاكرين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
المائدة [109 - 118]
تفسير سورة المائدة [109 - 118]
تفسير قوله تعالى: (يوم يجمع الله الرسل)
تفسير قوله تعالى: (يوم يجمع الله الرسل) يقول الله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة:109]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: اذكر (يوم يجمع الله الرسل) وهو يوم القيامة، (فيقول) لهم توبيخاً لقومهم، (ماذا أجبتم) يعني: ما الذي أجبتم به حين دعوتم إلى التوحيد، (قالوا لا علم لنا) أي: بذلك، (إلا ما علمتنا)، (إنك أنت علام الغيوب) أي: ما غاب عن العباد، وذهب عنهم علمه؛ لشدة هول يوم القيامة وفزعهم. ثم يشهدون على أممهم عندما يسكنون ويطمئنون، فالرسل من شدة هول يوم القيامة ودهشتهم من فظائع ذلك اليوم يسألهم الله سبحانه وتعالى: (ماذا أجبتم؟) فيقولون: (لا علم لنا) وذلك بسبب دهشتهم وذهولهم من أهوال يوم القيامة. واعترض بعض الناس على هذا التفسير؛ لأن الأنبياء عليهم السلام في مأمن من الفزع الأكبر (لا يحزنهم الفزع الأكبر) فكيف يفزعون؟! و A أن هذا إنما يكون في النهاية، أما في بداية الحشر والبعث والنشور وفي أول الأمر فإنهم تكون دعواهم حينئذٍ: اللهم! سلم سلم، أو نفسي نفسي! في شدة الهول ودهشته، فيبادرون لشدة ما هم فيه فيقولون: لا علم لنا. لأنهم ذهلوا عن جواب هذا السؤال، ثم عندما يهدءون ويسكنون يأتون فيشهدون على أممهم. قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [المائدة:110]. أي: اذكر (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك) أي: اشكرها، وإن كان في الحقيقة أن هذا التفسير قد يكون فيه نظر؛ لأنه إذا كان المقصود بيوم يجمع الله الرسل يوم القيامة فالشكر كعبادة تكليفية لا محل لها في الآخرة؛ لأن الآخرة هي دار الجزاء، ويوم القيامة هو يوم الجزاء، فلا يقع فيه تكليف، هذا هو الأصل، فيبعد أن يفسر قوله تعالى: (اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ)، بمعنى: اشكرها. وقوله: (إِذْ أَيَّدتُّكَ)، أي: قويتك. من الأيد، وهي القوة (بِرُوحِ الْقُدُسِ)، وهو جبريل عليه السلام، كان يسير معه حيث سار. وقوله: (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)، (تكلم) حال من الكاف في: (أيدتك)، وقوله: (في المهد) أي: طفلاً، (وكهلاً) يعني: وتكلمهم كهلاً، وهذا يفيد نزوله قبل الساعة؛ لأنه رفع قبل الكهولة، وهذا صحيح، فبعض المفسرين استنبطوا من قوله تعالى: (تكلم الناس في المهد وكهلاً) أنه كما كان تكليمه إياهم في المهد آية فتكليمه إياهم وهو كهل مقترن بآية، وهي نزوله من السماء في آخر الزمان، فمن أجل ذلك عطف (كهلاً) على (في المهد). وإن كان عامة المفسرين يقولون: إن هذا -أي: نزول عيسى عليه السلام- يستدل عليه بدليل آخر من القرآن الكريم في غير هذا الموضع، وإنما المقصود أنك تكلمهم في المهد كما تكلمهم كهلاً، أي: كما أنك في الكهولة ستتكلم فكذلك كنت تكلمهم في المهد. قوله: (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ) أي: تجعل وتصور. (مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) كصورة الطير، والكاف اسم بمعنى: (مثل) يعني: مثل هيئة الطير، وهو مفعول لـ (تخلق). وقوله: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي)، أي: بإرادتي. وقوله: (وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي)، الأكمه هو من ولد أعمى، أما الأعمى فهو الذي يولد بصيراً، ثم يطرأ عليه العمى بعد ذلك، فهنا يقول: (وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني). وقوله: (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى)، يعني: من قبورهم أحياءً. وقوله: (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ)، يعني: حين هموا بقتلك. (إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) أي: المعجزات. (فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا) أي: ما الذي جئت به (إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)، وفي قراءة: (إن هذا إلا ساحر مبين) أي: عيسى عليه السلام. وقوله: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ)، أي: أمرتهم على لسان عيسى عليه السلام. (أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي)، أي: بأن آمنوا بي وبرسولي عيسى (قَالُوا آمَنَّا)، أي: بك وبرسولك (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ)، ولا شك في أن هذه إشارة إلى أن الدين الذي جاء به عيسى عليه السلام هو دين الإسلام، وكثير من الناس يلتبس عليه الأمر، حتى إنهم يظنون أن الإسلام هو الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن لكل نبي ديناً خاصاً به، وهذا -بلا شك- خطأ فاحش، والصواب أن دين الإسلام هو دين الله تعالى الوحيد الذي أرسل به جميع أنبيائه ورسله، وأن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من العباد ديناً سواه، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85]. وهنا فائدة ذكرها بعض المفسرين في قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ)، وهي: هل هذه الجملة متصلة بما قبلها أم ليست متصلة؟ فمن قال: إنها ليست متصلة بما قبلها قال: التقدير: (واتقوا يوم يجمع الله الرسل) أو (اتقوا يوم جمعه الرسل) أو (اذكروا) أو (احذروا يوم يجمع الله الرسل). ومن قال: إنها متصلة ربطها بما قبلها مباشرة، وهو قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} [المائدة:108 - 109]، والمعنى: والله لا يهدي القوم الفاسقين يوم يجمع الله الرسل، فالربط يكون بين قوله تعالى: (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)، وبين قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ)، أي: أن الله سبحانه وتعالى لا يهدي القوم الفاسقين إلى الجنة يوم يجمع الله الرسل، كما قال أيضاً: {وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ} [النساء:168 - 169].
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم)
أقوال المفسرين في قوله تعالى: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم)
كلام القاسمي على الآية
كلام القاسمي على الآية يقول القاسمي: (يوم) منصوب بـ (اذكروا) أو (احذروا) يوم يجمع الله الرسل، وذلك يوم القيامة، وتخصيص الرسل بالذكر ليس لاختصاص الجمع بهم دون الأمم، أي: ليس الرسل هم الذين يجمعون فحسب، وإنما تجمع أيضاً الأمم مع الرسل، كيف لا وذلك يوم مجموع له الناس كما قال تعالى، وإنما خص الرسل بالذكر لإبانة شرفهم وأصالتهم والإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع غيرهم بناءً على ظهور كونهم أتباعاً لهم، يعني: يوم يجمع الله الرسول وأتباع الرسل تبع لهم. (فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ)، فيقول للرسل: ماذا أجبتم؟ أي: من الذي أجابكم ممن أرسلتم إليهم؟ ففيه إشعار بخروجهم عن عهدة الرسالة؛ إذ لم يقل: هل بلغتم رسالاتي؟! أو: هل بلغتم رسالتي؟! فمعناه أنهم لم يقصروا في تبليغ ما أمرهم الله بتبليغه، فهم أدوا الأمانة، وبلغوا هذه الرسالة، والسؤال هنا ليس المقصود به سؤال الرسل حقيقة، وإنما المقصود به توبيخ الذين أرسلوا إليهم، والذين يكونون حاضرين في هذه المشاهد العظيمة يوم القيامة (فيقول ماذا أجبتم)، وفي توجيه السؤال إليهم والعدول عن إسناد الجواب إلى قومهم -كأن يقال: ماذا أجابوا- فيه من الإنباء عن شدة الغضب الإلهي ما لا يخفى، أي: لم يسأل الله سبحانه وتعالى الذين أرسل إليهم أنفسهم في سياق هذه الآيات، وإنما توجه السؤال أولاً إلى الرسل، وهذا إشارة إلى شدة الغضب الإلهي في ذلك اليوم، وفي الصحيح كما في حديث الشفاعة أن كل نبي يقول يوم القيامة: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله). وقوله تعالى: (قَالُوا) يعني: من هيبته تبارك وتعالى، وتفويضاً للأمر إلى علم سلطانهم، وتأدباً بليغاً في ذلك الموقف الجلالي (لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)، أي: من علم الخفيات، فإذا كنت يا ألله -سبحانه وتعالى- تعلم الغيوب -بل أنت علام الغيوب- فلن تخفى عليك الظواهر التي منها إجابة أممهم لهم، فلذلك قالوا: (لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)، فإذا كان الله هو علام الغيوب فأولى أن يعلم المظهر الذي أظهره قومه وما أجابوه به، فهم فقهوا أنه ليس المقصود سؤالهم حقيقة عن الإجابة، وإنما المقصود توبيخ من أرسلوا إليهم. وفي هذه الآية دليل على جواز أن يوصف الله سبحانه وتعالى بـ (علام)، لكن لا يجوز أن يقال: علامة. فقد أبى ذلك العلماء، ولعله لسبب ما فيها من تاء التأنيث. يقول الرازي: اعلم أن عادة الله تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم أنه إذا ذكر أنواعاً كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام أتبعها إما بالإلهيات، وإمام بشرح أحوال الأنبياء، أو بشرح أحوال يوم القيامة، أي: دائماً تأتي الأحكام والتكاليف الشرعية ثم تتبع مباشرة إما بصفات الله، وإما بصفات أحوال يوم القيامة، وإما بشرح أحوال الأنبياء، لماذا؟ حتى يصير ذلك مؤكداً لما تقدم بين يدي ذلك من التكاليف والشرائع، فلما ذكر فيما تقدم في سورة المائدة أنواعاً كثيرة من الشرائع أتبعها بوصف أحوال يوم القيامة، فقال عز وجل هنا: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ) إلى آخر الآيات.
كلام الزمخشري على الآية
كلام الزمخشري على الآية وقال الزمخشري: فإن قلت ما معنى سؤالهم؟ قلت: توبيخ قومهم، كما كان سؤال الموءودة توبيخاً للوائد. أي قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير:8 - 9]، فهل المقصود حقيقة سؤال الموءودة وهي مظلومة؟ وإنما المقصود توبيخ الوائد. فإن قلت: كيف يقولون: (لا علم لنا) وقد علموا بما أجيبوا؟ أي أنهم يعلمون أنهم أجيبوا؛ لأنهم عاصروا قومهم وعاشوا معهم، وسمعوا ردودهم عليهم، فكيف قال الأنبياء: (لا علم لنا) وهم يعلمون بما أجيبوا؟ يقول الزمخشري: قلت: يعلمون أن الغرض في السؤال توبيخ أعدائهم، فيكلون الأمر إلى علمه تبارك وتعالى، وإحاطته بما منوا به منهم، وكابدوا من سوء إجابتهم إظهاراً للتشكي، واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة، وأفت في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم، إذ اجتمع توبيخ الله، وتشكي أنبيائه عليهم. فبهذا السياق قالوا: (لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب)، فالأنبياء كأنهم يقولون: يا رب! أنت تعلم ما فعل هؤلاء القوم معنا، فكأن القياس هنا صار قياس إنك أنت علام الغيوب، ومما تعلم ما فعل معنا هؤلاء القوم، وما آذونا وما حاربونا به، وهذا يكون أجلب وأشد لحسرة الكافرين حينما يرون غضب الله وتشكي أنبيائهم منهم في هذا الموقف العظيم. قال الزمخشري: ومثاله: أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصةً من خواصه نكبةً قد عرفها السلطان، يعني أن واحداً من خواص السلطان والمقربين إليه يأتي إليه رجل فيؤذيه أو يناله بسوء، وهذا الرجل الذي آذاه هو خارج عن السلطان، والسلطان يكون قد عرف هذه الحادثة، واطلع على كنهها، وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينهما ويقول له: ما فعل بك هذا الخارجي؟ وهو عالم بما فعل به، يريد توبيخه وتبكيته. فيقول له: أنت أعلم بما فعل بي، تفويضاً للأمر إلى علم سلطانه، واتكالاً عليه، وإظهاراً للشكاية، وتعظيماًَ لما حل به منه.
كلام بعض العلماء في الآية
كلام بعض العلماء في الآية وقال بعض العلماء: (قالوا لا علم لنا) يعني: لا علم لنا كعلمك. أي: علمنا بهم ليس مساوياً لعلمك بهم؛ فإنك أنت علام الغيوب؛ إذ كنت تعلم ما أظهر القوم وما أضمروا، ونحن نعلم ما أظهروا، كما جاء في الحديث: (نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر) وأيضاً في الحديث الشريف: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار). فقالوا معناه: لا علم لنا كعلمك؛ إذ كنت تعلم ما أظهر القوم وما أضمروا، ونحن نعلم ما أظهروا ولا نعلم ما أضمروا، فعلمك فيهم أنفذ من علمنا. أو قالوا: (لا علم لنا) أي: بجميع أفعالهم؛ إذ كنا نعلم بعضها وقت حياتنا، ولا نعلم ما كان بعد وفاتنا، وإنما يستحقون الجزاء بما تقع به الخاتمة؛ لأن الأعمال بالخواتيم، ونحن لم ندر كيف كانت خواتيم القوم، فإذا رد الأنبياء العلم إلى الله أفلست الأمم، وعلمت أن ما أتته في الدنيا غير غائب عنه، وأن الكل لا يخرجون عن قبضته سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم)
تفسير قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم) قال تبارك وتعالى: ((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ)) المقصود من ذلك توبيخ الكفرة حيث فرطوا في حقه وأفرطوا، وليس المراد تكليف المسيح عليه السلام بالشكر في ذلك اليوم، لماذا؟ لانقطاع التكليف بالموت، والشكر عبادة تكليفية يكلف بها العبد، ويوم القيامة ليس زمن تكليف، وإنما هو وقت الجزاء، فلذلك كان: المقصود من هذا السياق توبيخ الذين فرطوا أو أفرطوا في حق المسيح عليه السلام. قال تعالى: (إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ)، وفي تذكيره بهذه النعم فائدتان: الأولى: إسماع الأمم ما خصه به من الكرامة؛ لأن هذا سيكون يوم يجمع الله الرسل، فيخاطب الله عز وجل المسيح عليه السلام بعد أن يخاطب الرسل عموماً، فيقول: يا عيسى ابن مريم! اذكر نعمتي عليك إذ فعلت لك كذا وكذا وكذا، حتى تسمع الأمم ما خصه الله به من الكرامة. الثانية: لتوكيد حجة الله على جاحده. يقول تعالى: (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم) هذا شروع في بيان ما جرى بينه تعالى وبين واحد من الرسل المجموعين من المفاوضة على التفصيل بعد ذكر بيان ما جرى بينه تعالى وبين الكل على وجه الإجمال؛ لأن الإجمال هو في قوله: (ماذا أجبتم قالوا: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب)، وهنا تفصيل ما سيحصل مع المسيح عليه السلام، ليكون ذلك طريقاً وأنموذجاً لتفاصيل أحوال الباقين، وتخصيص شأن عيسى عليه السلام للتفصيل من بين شئون سائر الرسل عليهم السلام مع دلالته على كمال هول ذلك اليوم، ونهاية سوء حال المكذبين بالرسل، بسبب أن شأنه عليه السلام متعلق بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين ذكرت السورة الكريمة بعض جناياتهم. كما نلاحظ في هذه السورة أنها نعت على اليهود والنصارى -الذين هم أهل كتاب- جنايتهم عموماً، وفي حق المسيح عليه السلام خصوصاً، فتفصيله أعظم عليهم، وأجلب لحسرتهم وندامتهم، وآكد في صرفهم عن غيهم وعنادهم، فإذا سمعوا هذه الآيات في الدنيا فلعل هذا يصرفهم عن عنادهم وتماديهم في الكفران. قوله تعالى: (اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ)، أي: منتي عليك. (وَعَلى وَالِدَتِكَ)، بما طهرها واصطفاها على نساء العالمين وأتاها برزقها من غير حول منها. (إِذْ أَيَّدتُّكَ)، يعني: قويتك، مأخوذة من الأيد، كقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ} [الذاريات:47]، وقال تعالى: {أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ} [ص:45] فالأيد بمعنى القوة. قوله تعالى: (إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ)، أي: بجبريل عليه السلام، لتثبيت الحجة، أو بجعل روحك طاهرة عن العلائق الظلمانية، ومن ذلك التأييد قويت نفسك الناطقة، فلذلك تكلم الناس في المهد وكهلاً، فهذا كان أثراً من آثار تأييد الله عز وجل للمسيح بروح القدس الذي هو جبريل عليه السلام. فمن مظاهر هذا التأييد قوله تعالى: (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)، أي: في أضعف الأحوال وأقواها بكلام واحد من غير أن يتفاوت في حين الطفولة وحين الكهولة الذي هو وقت كمال العقل وبلوغ الأشد. قال ابن كثير: أي: جعلتك نبياً داعياً إلى الله في صغرك وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيراً، فشهدت ببراءة أمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية، كما قال الله تعالى عنه: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم:30]، وأخبرت عن رسالتي إياك، ودعوتك إلى عبادي، ولهذا قال: (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)) أي: تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك؛ لأن كلامه الناس في طفولته ليس بأمر عجيب، فهذا كلام حاصل بكثير. وقوله تعالى: (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ)، أي: الخط وظاهر العلم الذي يكتب. (وَالْحِكْمَةَ)، أي: الفهم، وباطن العلم الذي لا يكتب، فالعلم له باطن وظاهر، فالظاهر هو الحروف التي تكتب، والباطن هو الفقه ومعرفة وفهم هذا العلم، ويخص به أهله. (وَالتَّوْرَاةَ)، التي هي منزلة على موسى الكليم عليه السلام. (وَالإِنجِيلَ)، وهو الذي أنزل عليه، فعليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. قوله تعالى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)، أي: تقدر، ونسبة الخلق هنا إلى المسيح ليست نسبة حقيقية بغير شك، لكن (تخلق) هنا بمعنى: تقدر وتصور منه صورة مماثلة لهيئة الطير، وقلنا: الكاف هنا تساوي كلمة (مثل) فقوله: (كهيئة الطير) يعني: مثل هيئة الطير. وقوله: (بِإِذْنِي)، أي: بإذني لك في أن تفعل ذلك. وقوله: (فَتَنفُخُ فِيهَا) أي: في تلك الهيئة المصورة. وهنا وقع الضمير خلاف الآية التي في آل عمران: {فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران:49] فقال: (فيه)، فيمكن أن يعبر أحياناً بالهاء للطير لأنه مذكر، ويمكن أن يعبر بالمؤنث (تنفخ فيها) لأن المقصود هنا الهيئة، فالمعنى: تنفخ في هذه الهيئة المصورة. وقوله: (فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) أي: فتصير تلك الهيئة طيراً لحصول الروح من نفختك فيها. وقوله: (وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي) الأكمه هو الذي يولد أعمى مطموس البصر، بخلاف الأعمى الذي يولد بصيراً ثم يطرأ عليه العمى بعد ذلك، لكن المقصود هنا (الأكمه) الذي يولد أعمى مطموس البصر. وقوله: (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى) أي: من القبور أحياء بإذني، فهذا مما فعل الله به من جر المنافع، كل هذا امتنان على المسيح عليه السلام بما جر الله عليه من المنافع العظام. ثم أشار إلى ما دفع عنه من المضار فقال سبحانه وتعالى: (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ)، يعني: حين هموا بقتلك، فمنعت اليهود الذين أرادوا بك السوء وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم، ورفعتك إلي، وطهرتك من دنسهم، وهذا ما بينه قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:157]، وقال أيضاً: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران:55]، وقال أيضاً: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء:157 - 158]. فقوله: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:157] هذا من الدفع الذي دفع الله به الضرر عن المسيح عليه السلام. (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ) أي: حين أرادوا قتلك وإضرارك، كما قال تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:157]، فالصلب وقع، وهناك شخص صلب، لكنه ليس هو المسيح، حيث قال تعالى: {وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:157]، يعني: قتلوا شبيهه عليه السلام، أما من هو هذا الشخص الذي صلب فهذه قضية أخرى. والمشهور عند أهل الكتاب -في حادثة طويلة- يهوذا الإسخريوطي أو يهوذا الخائن على حد تعبير زعيم عربي وصف صهره الذي فر إلى الأردن بأنه يهوذا الخائن، فهذا تعبير خبيث لا ينبغي أن يمر مرور الكرام؛ لأن هذه مغازلة لعقائد النصارى؛ لأن لفظ (يهوذا الخائن) تعبير حساس جداً عند النصارى؛ إذ يعتقدون أن يهوذا الخائن هو الذي دل على المسيح وتسبب -بزعمهم- في صلبه، فهذا تعبير كنسي يغازل به أعداء الله. فلا ينبغي أن تمرر هذه التعبيرات الخطيرة؛ لأن في معناه الاعتراف بأن يهوذا خان حقاً وتسبب في حصول الصلب -والعياذ بالله- للمسيح، فهذا كذب وافتراء بلا شك. وقوله تعالى: (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)، يعني: بالمعجزات التي توجب انقيادهم لك؛ لتعاليها عن قوى البشر فلا يتوهم فيها السحر. وقوله: (فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)، أي: ما هذا الذي يرينا إلا سحر ظاهر. وهنا Q هذا السياق هنا في تعديد نعم الله سبحانه وتعالى على عيسى عليه السلام، فإذا كان السياق سياق تعديد النعم -نعم الله على المسيح عليه السلام- فقد جاء في هذا السياق قول الكفار في حقه: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)، فهذا ليس من النعم فيما يظهر، فما الحكمة في أنه جرى ذكره في سياق تعداد النعم على المسيح عليه السلام؟ والجواب أن من الأمثال المشهورة (كل ذي نعمة محسود) بل هذا حديث صحيح: (استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان؛ فإن كل ذي نعمة محسود)، فطعن اليهود فيه بهذا الكلام يدل على أن نعم الله تعالى في حقه كانت عظيمة؛ لأنهم ما قالوا هذا إلا حسداً للمسيح عليه السلام، ومرادنا ذكر موقف اليهود منه ومعاداتهم في سياق تعديد النعم لهذا الوجه الذي أشرنا إليه.
تفسير قوله تعالى: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي)
تفسير قوله تعالى: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي) ثم إن الله سبحانه وتعالى لما بين النعم اللازمة في حق المسيح ذاته، وهي جلب المنافع ودفع المضار عنه عليه السلام، أتبع ذلك بالنعم المتعدية، فقال سبحانه وتعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة:111]. قوله: (وإذ أوحيت إلى الحواريين) إما أن يقال: هذا وحي عن طريق الإلهام والإلقاء في القلب، فهذا مما يطلق عليه وحي، ويكون بالإلهام، مثل قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل:68]، ومثل قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص:7]. أو يقال: الوحي هنا بمعنى الأمر، فيكون معنى (أوحيت إلى الحواريين) أمرت الحواريين، وسيكون المقصود به: أنه كان وحياً حقيقياً بواسطة عيسى، يعني: أوحى إلى عيسى كي يأمر الحواريين. قوله: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي) يعني: آمنوا بدعوته (قَالُوا آمَنَّا) وأكدوا إيمانهم بالمسيح عليه السلام بقولهم: (آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ)، وقولهم (واشهد) إما أن يكون الخطاب فيه لله سبحانه وتعالى، والمعنى: واشهد -يا ألله- بأننا مسلمون لك، أو يكون الخطاب لعيسى عليه السلام، أي: فاشهد -يا عيسى- شهادة تؤديها عند ربك بأننا مسلمون، أي: لله، منقادون لكل ما تدعونا إليه. وكل كلمة تدل على الإسلام فإنه يقترن بها لفظ (لله) أي: مسلمون لله، حتى كلمة الإسلام معناها: الإسلام لله. وقدم ذكر الإيمان لأنه صفة القلب، حيث قال: (أن آمنوا بي وبرسولي). والإسلام عبارة عن الانقياد والخضوع في الظاهر، والمعنى: آمنا بقلوبنا، وانقدنا بظواهرنا، فجمعوا بين الإيمان والإسلام، حيث (قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون) آمنا في الباطن وأظهرنا الخضوع لشرعك. وقد ذكر الله تعالى هذا في معرض تعديد النعم؛ لأن كون الإنسان مقبولاً عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان، فلذلك جاء ذكر هذا في سياق ذكر النعم المتعددة على المسيح عليه السلام، بأن حببه إلى الناس وقبلوا قوله وآمنوا به، وهم الحواريون. وذلك لأنه إذا كان كاملاً في نفسه فإنما يحصل له الكمال الأعظم من ذلك بأن يكون كاملاً ومكملاً لغيره، ومصلحاً لغيره، فينال ثواب إرشادهم وهدايتهم، ولذلك جاء ذكر هذا في سياق الامتنان عليه بالنعم. يقول الرازي: إن قيل: إنه تعالى قال في أول الآية: (اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك)، ثم إن جميع ما ذكره تعالى من النعم مختص بعيسى عليه السلام، وليس لأمه تعلق بشيء منها! قلنا: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل التضمن والتبع للأم، ولذلك قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون:50] فجعلهما معاً آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر. وقال بعضهم: أريد بالذكر في قوله تعالى: (اذْكُرْ نِعْمَتِي)، الشكر، ففي ذلك دلالة على وجوب شكر النعمة، وأن النعمة على الأم نعمة على الولد، والشكر يكون بالقول والفعل والاعتقاد.
تفسير قوله تعالى: (إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ونكون عليها من الشاهدين)
تفسير قوله تعالى: (إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ونكون عليها من الشاهدين) ثم يقول تبارك وتعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ} [المائدة:112 - 113]. يقول السيوطي: (إذ قال الحواريون) يعني: (اذكر إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع) أي: هل يفعل (ربك)؟ وفي قراءة بالفوقانية (تستطيع) ونصب ما بعده، أي: هل تقدر على أن تسأله أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ (قال) أي: قال لهم عيسى: (اتقوا الله) في اقتراح الآيات، (إن كنتم مؤمنين). وقوله: (قَالُوا نُرِيدُ)، يعني: إنما سؤالها هو من أجل: (أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ) أي: تسكن قلوبنا، أي: بزيادة اليقين، (وَنَعْلَمَ) نزداد علماً، (أَنْ) أي: أنك (قد صدقتنا) في أدعاء النبوة (وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ).
تفسير قوله تعالى: (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل)
تفسير قوله تعالى: (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل) قال تعالى: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ} [المائدة:114]. قوله تعالى: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا) يعني: يوم نزولها (عِيدًا)، نعظمه ونشرفه (لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا)، يعني: من يأتي بعدنا (وَآيَةً مِنْكَ)، على قدرتك ونبوتي (وَارْزُقْنَا)، إياها، (وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ). {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ} [المائدة:115]. قوله تعالى: (قَالَ اللَّهُ) أي: مستجيباً له (إِنِّي مُنَزِّلُهَا)، أو مُنْزِلها، قراءتان، وعندما يقول المفسر هنا: (إني منزلها)، بالتخفيف والتشديد فما معنى هذا؟ معناه أنها قراءتان، وليس شرطاً أن ينص فيقول: وفي قراءة بالتخفيف وهنا قرئت التشديد. لكنه يقول: (بالتخفيف والتشديد)، فنفهم أن هناك قراءة أخرى. وقوله: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ)، يعني: بعد نزولها عليكم (فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ). يقول: فنزلت الملائكة بها من السماء، عليها سبعة أرغفة، وسبعة أحوات، فأكلوا منها حتى شبعوا، قال ابن عباس في حديث: (أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً، فأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخانوا وادخروا فنسخوا قردة وخنازير) وهذا الحديث ضعيف.
تفسير القاسمي لقوله تعالى: (وإذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم)
تفسير القاسمي لقوله تعالى: (وإذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم) يقول القاسمي في قوله تعالى: ((إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ)) ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه، ومعروف أن من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم التي اختص بها دون إخوانه من الأنبياء أنه لا ينادى باسمه عليه الصلاة والسلام، حتى إن الله سبحانه وتعالى نفسه عز وجل لم يناد الرسول صلى الله عليه وسلم باسمه في القرآن الكريم كله، وإنما كله خطاب بأوصافه الشريفة: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1]، {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل:1]، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} [المائدة:41]، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} [الأنفال:64]، وهكذا! ولم يرد في القرآن إطلاقاً (يا محمد)، وإن كان ورد (يا نوح). (يا هود). (يا لوط). (يا إبراهيم). (يا موسى). (يا عيسى). وهذا كثير في القرآن الكريم، فهذه من خصائص نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. فالحواريون هنا ينادونه باسمه ونسبوه إلى أمه، وهذا ملاحظ، وهو أنه في القرآن الكريم ينسب إلى أمه رداً على من يدعون أنه ابن الله، لكنه ليس ابن الله، وإنما هو ابن مريم، فنادوه بذلك لئلا يتوهم أنهم اعتقدوا إلهيته أو ولديته ليستقل بإنزال المائدة. قوله تعالى: ((هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ)) هذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة، فيقال: (سورة المائدة)، وها هنا قراءتان: الأولى: (هل يستطيع ربك) بالياء على أنها فعل فاعله (ربك). القراءة الثانية: (تستطيع ربك) بالتاء ونصب (ربك)، أي: سؤال ربك. فحذف المضاف، كما في قوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف:82]، يعني: واسأل أهل القرية، والمعنى: هل تقدر أن تسأل ربك؟ هل تستطيع سؤال ربك؟ هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عنه؟ فهم قالوا ذلك خوفاً منهم من أن تكون هذه المسألة كسؤال قوم موسى الرؤية حين قالوا: {يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة:55] فأخذتهم الصاعقة، ولذلك قالوا: هل تقدر على أن تسأل ربك؟ قال أكثر المفسرين: الاستفهام على القراءة الأولى محمول على المجاز، أي: (هل يستطيع ربك؟). فلا يسوغ لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله تعالى، لكنه كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي؟ مع علمه بأنه يقدر على القيام، وهذا مبالغة في التقاضي، وإنما قصدوا بقولهم: (هل تستطيع) أي: (هل يسهل عليك) فإن الحواريين كانوا مؤمنين عارفين بالله عز وجل، ومعترفين بكمال قدرته، وسؤالهم ليس لإزاحة شك، بل ليحصل لهم مزيد طمأنينة، كما قال إبراهيم عليه السلام: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260]، ولا شك في أن مشاهدة هذه الآية العظيمة تورث الطمأنينة في القلب، ولذلك قالوا: ((وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا)). إذاً (هل يستطيع) بسؤال عن الفعل دون القدرة، والسؤال ليس على ظاهره في أنهم شاكون في قدرة الله. وقيل: المعنى: (هل يستطيع ربك) أي: هل يطيع ربك؟ وهل يجيبك ربك إذا سألته؟ أو: هل يستجيب دعوتك إذا دعوته؟ فـ (يستطيع) بمعنى (يطيع) وهما بمعنى واحد، والسين زائدة، كـ (استجاب) و (أجاب)، و (استجب) و (أجب)، ويطيع بمعنى (يجيب) مجازاً؛ لأن المجيب مطيع. ومما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد أبا طالب في مرضه فقال له: (يا ابن أخي! ادع ربك أن يعافيني. فقال: اللهم! اشف عمي. فقام كأنما نشط من عقال، فقال: يا ابن أخي! إن ربك الذي تعبده ليطيعك -يعني: يستجيب لك- فقال: يا عم! وأنت لو أطعته لكان يطيعك) أي: يجيبك لمقصودك. فظهر أن العرب استعملته بهذا المعنى، فلأن فيه مشاكلة قرنهما في نص واحد، فحصل نوع من المشاكلة في اتحاد اللفظ. وبعض المفسرين قال: هو على ظاهره، أي أنهم كانوا يجهلون قدرة الله على ما سأله، وهذا لا شك في أنه من الكفر، لكن إذا صح هذا التفسير فيكون ذلك فيه دلالة على العذر بالجهل، كما في قصة الرجل -وهي ثابتة في الصحيحين- الذي أسرف على نفسه بالمعاصي، فلما حضرته الوفاة جمع بنيه وقال: أي أب كنت لكم؟ فقالوا: خير أب. فقال: فإذا أنا مت فأحرقوني واسحقوني وذروا رمادي جزءاً منه في البر وجزءاً في البحر وجزءاً في الأرض، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما فعلوا به ذلك جمعه الله سبحانه وتعالى، وقال له: كن، فكان، فسأله: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك، فغفر الله له. فقالوا: إن هذا كان يجهل قدرة الله، وهذا كفر بلا شك، لكن لما كان الجهل عذراً له في ذلك عفي عنه. وعلى أي الأحوال فبعض المفسرين قالوا: إنه على ظاهره، وإنهم قالوا ذلك قبل استحكام الإيمان في قلوبهم والمعرفة، وكانوا بشراً فقالوا هذه المقالة، فلذلك رد عليهم المسيح غلطهم بقوله: ((اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ))، يعني: اتقوا الله أن تشكوا في قدرته، والقول الأول أصح. قال القرطبي: وقيل: المعنى (هل يستطيع ربك) يعني: هل يقدر ربك؟ وكان هذا السؤال ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عز وجل، ولهذا قال عيسى في الجواب عند غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز: ((اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) أي: لا تشكوا في قدرة الله تعالى. قال القرطبي: وهذا فيه نظر؛ لأن الحواريين خلصاء الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، كما قال تعالى: {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [آل عمران:52]، وقال عليه السلام: (لكل نبي حواري، وحوارييِّ الزبير). ومعلوم أن الأنبياء عليهم السلام جاءوا بمعرفة الله تعالى، وما يجب له، وما يجوز وما يستحيل عليه، وأمروا بأن يبلغوا ذلك أممهم، فكيف يخفى ذلك على من صاحبهم واختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله تعالى؟! وهل يعقل أن يكونوا حواريين وهم أخص أصحاب المسيح أو تلامذته ثم يجهلون عموم قدرة الله تعالى؟! إلا أنه يجوز أن يقال: إن ذلك صدر ممن كان معهم، وهذا تفسير آخر، وهو أنه كان هناك حواريون وأناس آخرون حديثو عهد بالإيمان، لم يتمكن الإيمان والمعرفة في قلوبهم، فهم الذين صدر عنهم هذا الطلب، كما قال بعض جهال الأعراب للنبي صلى الله عليه وسلم: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) وكما قال من قال من قوم موسى: {اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف:138]، وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه؛ لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك لرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي؟ وقد علمت أنه يستطيع، فالمعنى: هل يفعل ذلك وهل يجيبني إلى ذلك أم لا؟ وقد كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر، فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} [البقرة:260]، وقد كان إبراهيم علم أن الله سبحانه وتعالى يحيي الموتى علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شك؛ لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك قال الحواريون في تعليل هذا Q (( وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا))، أي: كي نترقى من علم اليقين إلى عين اليقين. وإبراهيم عليه السلام لما قال له ربه جل وعلا: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260]، فيضم إلى علم اليقين عين اليقين. فقول المسيح عليه السلام لهم مباشرة: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:57] يعني: تأدبوا في السؤال ولا تخترعوا أموراً خارجة عن العادة، اتقوا الله من أمثال هذا السؤال وأوقفوا إيمانكم على رؤية المادة إن كنتم آمنتم به وبرسالتي؛ لأن الإيمان يوجب التقوى، ويوجب اجتناب أمثال هذه الاقتراحات. ولنعلم أن في هذا إشارة إلى أدب من آداب السؤال، وهو أن الإنسان إذا دعا الله سبحانه وتعالى فينبغي أن لا يسأله أموراً خارجة عن العادة، فلا يدعو بشيء مستحيل أو بشيء فرغ منه، كأن يقول -مثلاً-: اللهم! لا تجعلني ممن يردون النار. فهذا من سوء الأدب وعدم الفقه في الدعاء؛ لأن هذا أمر واقع حتماً، كما قال تعالى وأقسم: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم:71]، فكل الخلق يدخلون النار كما قال تعالى: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم:71]، فإذا كنت تعرف أن هذا أمر مقضي فلا تسأل مثل هذا الأمر. فليس من أدب السؤال أن تسأل الله سبحانه وتعالى أموراً خارجة عن العادة. وفي معنى المائدة قولان: الأول: أنها الطعام نفسه، من (ماد) إذا أفضل، قال رؤبة وأنشده الأخفش: تهدي رءوس المسرفين الأنداد إلى أمير المؤمنين الممتاد فقوله: (إلى أمير المؤمنين الممتاد) أي: المستعطى المسئول. فالمائدة هي المطعمة والمعطية الآكلين الطعام، فإن معنى الإمداد الإطعام والإعطاء. وأما الخوان -بالكسر أو الضم: خوان وخُوان- فهو ما ارتفع عن الأرض بقوائمه، سواءٌ أكانت قصيرة أم طويلة. أما المائدة فهي ما مد وبسط ووضع للطعام، والسفرة ما أسفر عما في جوفه؛ لأنها مضمومة بمعاليقها، فإذا أردت أن تهيئ الطعام للناس فإنك تفتح هذه المعاليق وتنشر هذه السفرة، فتسفر بعد أن كانت مغلقة، ولذلك سموها السفرة، بمعنى أنها تسفر وتكشف بعدما كانت مضمومة. فالمائدة كل شيء يمد ويبسط، هذا هو أصل كلمة (المائدة) فإذا أكلت على المنديل فهو المائدة، وإذا فرشت أو بسطت ثوباً فهذا الثوب هو المائدة. وكان من حقه أن تكون الدال مضاعفة، أي: (مادَّة)، فجعلوا إحدى الدالين ياءً فقيل: (مايدة)، ثم صارت: (مائدة)، والفعل واقع به، فكان ينبغي أن تكون ممدودة، لكن خرجت في اللغة مخرج
تفسير القاسمي لقوله تعالى: (وإذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم)
تفسير القاسمي لقوله تعالى: (وإذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم) يقول القاسمي: في قوله تعالى: ((إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ))، ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه، ومعروف أن من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم التي اختص بها دون إخوانه من الأنبياء أنه لا ينادى باسمه عليه الصلاة والسلام، حتى إن الله سبحانه وتعالى نفسه عز وجل لم يناد الرسول صلى الله عليه وسلم باسمه في القرآن الكريم كله، وإنما كله خطاب بأوصافه الشريفة: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1]، {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل:1]، {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} [المائدة:41]، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} [الأنفال:64]، وهكذا! ولم يرد في القرآن إطلاقاً يا محمد، وإن كان ورد: يا نوح يا هود. ز يا لوط يا إبراهيم يا موسى يا عيسى وهذا كثير في القرآن الكريم، فهذه من خصائص نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. فكان الحواريون هنا ينادونه باسمه ونسبه إلى أمه، وهذا ملاحظ: أنه في القرآن الكريم ينسب إلى أمه كرد على من يدعون أنه ابن الله، لكنه ليس ابن الله وإنما هو ابن مريم، (يا عيسى ابن مريم) فنادوه بذلك لئلا يتوهم أنهم اعتقدوا إلهيته أو ولديته، ليستقل بإنزال المائدة. ((هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ))، هذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة، فيقال: سورة المائدة، وها هنا قراءتان: الأولى: (هل يستطيع ربك) بالياء على أنها فعل فاعله (ربك). القراءة الثانية: (تستطيع ربك) بالتاء ونصب (ربك)، أي: سؤال ربك، فحذف المضاف كما في قوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف:82]، يعني: واسأل أهل القرية، والمعنى: هل تقدر أن تسأل ربك؟ هل تستطيع سؤال ربك؟ هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عنه؟ فهم قالوا ذلك خوفاً منهم من أن تكون هذه المسألة كسؤال موسى الرؤيا، {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي} [الأعراف:143]، فلم تحصل له الرؤيا، فخشوا أيضاً أن يكون هذا من جنس سؤال قومه الرؤيا، قالوا: {يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة:55]، فأخذتهم الصاعقة، ولذلك قالوا: هل تقدر أن تسأل ربك؟ قال أكثر المفسرين: الاستفهام على القراءة الأولى محمول على المجاز، يعني: هل يستطيع ربك؟ يقول: لا يسوغ لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله تعالى، لكنه كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي؟ مع علمه بأنه يقدر على القيام، وهذا مبالغة في التقاضي، وإنما قصد بقوله: (هل تستطيع) يعني: هل يسهل عليك؟ فإن الحواريين كانوا مؤمنين عارفين بالله عز وجل، ومعترفين بكمال قدرته، وسؤالهم ليس لإزاحة شك، بل ليحصل لهم مزيد طمأنينة كما قال إبراهيم عليه السلام: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260]، ولا شك أن مشاهدة هذه الآية العظيمة تورث الطمأنينة في القلب، ولذلك قالوا: ((وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا)). إذاً: (هل يستطيع) سؤاله عن الفعل دون القدرة، والسؤال ليس على ظاهره أنهم شاكون في قدرة الله، تعبيراً عنه بلازمه أو عند المسبب بسببه، وقيل المعنى: (هل يستطيع ربك) هل يطيع ربك؟ هل يجيبك ربك إذا سألته؟ أو هل يستجيب دعوتك إذا دعوته؟ فيستطيع بمعنى: (يطيع) وهما بمعنى واحد، والسين زائد كاستجاب وأجاب، واستجب وأجب، ويطيع بمعنى: يجيب مجازاً؛ لأن المجيب مطيع. ومما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد أبا طالب في مرضه فقال له: (يا ابن أخي ادع ربك أن يعافيني، فقال: اللهم اشف عمي، فقام كأنما نشط من عقال، فقال: يا ابن أخي! إن ربك الذي تعبده ليطيعك -يطيعك يعني: يستجيب لك- فقال: يا عم! وأنت لو أطعته لكان يطيعك) أي: يجيبك لمقصودك. فظهر أن العرب استعملته بهذا المعنى، أن فيه مشاكلة اقترنهما في نص واحد، فحصل نوع من المشاكلة في اتحاد اللفظ. وبعض المفسرين قال: هو على ظاهره، أنهم فعلاً كانوا يجهلون قدرة الله على ما سأله، وهذا طبعاً لا شك أنه من الكفر، لكن إذا صح هذا التفسير فيكون ذلك فيه دلالة على العذر بالجهل كما في قصة الرجل، وهي ثابتة في الصحيحين، فذلك الرجل الذي أسرف على نفسه في المعاصي، فلما حضرته الوفاة جمع بنيه وقال: أي أب كنت لكم؟ فقالوا: خير أب، فقال: فإذا أنا مت فأحرقوني واسحقوني وذروا رمادي جزء منه في البر، وجزء في البحر، وجزء في الأرض، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما فعلوا به ذلك جمعه الله سبحانه وتعالى، قال له: كن، فكان، فسأله: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك، فغفر الله له، فقالوا: إن هذا كان يجهل قدرة الله، وهذا كفر بلا شك، لكن لما كان الجهل عذراً له في ذلك عفي عنه، وهذا بحث طويل سبق أن تكلمنا عنه في قضية العذر بالجهل. على أي الأحوال فبعض الناس قالوا: إنه على ظاهره، وأنهم قالوا ذلك قبل استحكام الإيمان في قلوبهم والمعرفة، وكانوا بشراً فقالوا هذه المقالة، فلذلك رد عليهم المسيح غلطهم بقوله: ((اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ))، يعني: اتقوا الله أن تشكوا في قدرته، والقول الأول أصح. قال القرطبي: وقيل المعنى (هل يستطيع ربك) يعني: هل يقدر ربك؟ وكان هذا السؤال ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عز وجل؛ ولهذا قال عيسى في الجواب عند غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز: ((اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)) أي: لا تشكوا في قدرة الله تعالى. قال القرطبي: وهذا فيه نظر؛ لأن الحواريين خلصاء الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم كما قال: {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [آل عمران:52]، وقال عليه السلام: (لكل نبي حواري وحواري الزبير). ومعلوم أن الأنبياء عليهم السلام جاءوا بمعرفة الله تعالى، وما يجب له، وما يجوز وما يستحيل عليه، وأن يبلغوا ذلك أممهم، فكيف يخفى ذلك على من صاحبهم واختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله تعالى؟! هل يعقل أن يكونوا حواريين وهم أخص أصحاب المسيح أو تلامذته ثم يجهلون عموم قدرة الله تعالى؟ إلا أنه يجوز أن يقال: إن ذلك صدر ممن كان معهم، وهذا تفسير آخر: أنه كان هناك حواريون وأناس آخرون حديثو عهد بالإيمان، لم يتمكن الإيمان والمعرفة في قلوبهم، فهم الذين صدر عنهم هذا الطلب، كما قال بعض جهال الأعراب للنبي صلى الله عليه وسلم: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) وكما قال من قال من قوم موسى: {اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف:138]، وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه؛ لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك لرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي؟ وقد علمت أنه يستطيع، فالمعنى: هل يفعل ذلك وهل يجيبني إلى ذلك أم لا؟ وقد كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر، فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} [البقرة:260]، وقد كان إبراهيم علم أن الله سبحانه وتعالى يحي الموتى علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شك؛ لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك قال الحواريون في تعليل هذا Q (( وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا))، يعني: كي نترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، وأيضاً قال إبراهيم عليه السلام: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260]، فيضم إلى علم اليقين عين اليقين. فقول المسيح عليه السلام لهم مباشرة: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:57]، يعني: تأدبوا في السؤال ولا تخترعوا أموراً خارجة عن العادة، اتقوا الله من أمثال هذا السؤال وأوقفوا إيمانكم على رؤية المادة إن كنتم آمنتم به وبرسالتي، (إن كنتم مؤمنين) لأن الإيمان يوجب التقوى، ويوجب اجتناب أمثال هذه الاقتراحات. ولنعلم أن في هذا إشارة إلى أدب من آداب السؤال، أن الإنسان إذا دعا الله سبحانه وتعالى فينبغي أن لا يسأله أموراً خارجة عن العادة، يعني: لا تدعو بشيء مستحيل أو بشيء فرغ منه، كأن تدعو مثلاً: اللهم لا تجعلني ممن يردون النار، فهذا من سوء الأدب وعدم الفقه في الدعاء؛ لأن هذا أمر واقع حتماً كما قال تعالى وأقسم فقال: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم:71]، كل الخلق يدخلون النار ثم بعد ذلك يردون منها، {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم:71]، فإذا كنت تعرف أن هذا أمر مقضي فلا تسأل مثل هذا الأمر. فليس من أدب السؤال أن تسأل الله سبحانه وتعالى أموراً خارجة عن العادة، (يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء) ما هي المائدة؟ في المائدة قولان: إما أنها الطعام نفسه، من (ماد) إذا أفضل، قال رؤبة وأنشده الأخفش: تهدي رءوس المسرفين الأنداد إلى أمير المؤمنين الممتاد (إلى أمير المؤمنين الممتاد) أي: المستعطى المسئول، فالمائدة هي المطعمة والمعطية الآكلين الطعام، فإن معنى الإمداد الإطعام والإعطاء. وأما الخوان بالكسر أو الضم خوان وخوان فهو: ما ارتفع عن الأرض بقوائمه، مثل هذا الذي نحن نسميه السفرة الآن، فهذا يسمى الخوان الذي له قوائم سواء كانت قصيرة أو طويلة أما المائدة فهي: ما مد وبسط ووضع للطعام، والسفرة: ما أسفر عما في جوفه؛ لأنها مضمومة بمعاليقها، فإذا أردت أن تهيئ الطعام للناس تفك هذه المعاليق وتنشر هذه السفرة، فتسفر بعد أن كانت مغلقة، ولذلك سموها السفرة، السفرة بمعنى: أ
تفسير قوله تعالى: (قال الله إني منزلها عليكم)
تفسير قوله تعالى: (قال الله إني منزلها عليكم) قال تعالى: {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة:115]. هذا وعد من الله تعالى أجاب به سؤال عيسى، كما كان سؤال عيسى إجابة للحواريين، وهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق، فقوله تعالى: ((إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ))، ظاهر في أن هذا وقع في الحقيقة؛ لأن بعض المفسرين ذهبوا إلى أنها لم تنزل، لكن قوله تعالى: ((قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ))، يدل على أن نزولها حق. فقوله: (منزلها عليكم) أي: إجابة لدعوتكم. (فمن يكفر) بي وبرسولي (بعد) أي: بعد تنزيلها المفيد للعلم الضروري بي وبرسولي (منكم) أيها المنعمون بها (فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين) أي: من عالم زمانهم أو من العالمين جميعاً. ويحكى عن ابن عمر أنه قال: (إن أشد الناس عذاباً ثلاث طوائف: المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، ومن كفر من أصحاب المائدة؛ لهذه الآية: ((فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)) وآل فرعون؛ لقوله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر:46]، فهؤلاء المتقدمون هم أشد الناس عذاباً. روى ابن جرير بسنده إلى قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: (فمن يكفر بعد منكم) إلى آخره قالوا: لا حاجة لنا فيها. فلم تنزل أي أنهم قالوا: إذا كانت المسألة بهذه الصورة أن العذاب سيتضاعف علينا إذا نزلت وكفرنا فلا حاجة لنا فيها. أي أنهم استعفوا من ذلك فلم تنزل. وقال مجاهد: هو مثل ضربه الله ولم يَنْزِل شيءٌ، أي: مثل ضربه الله لخلقه نهياً لهم عن المسألة لأنبيائه، وقال الحافظ ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن، وقد يتقوى ذلك؛ لأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوافر الدواعي على نقله، وكان يكون موجوداً في كتابهم متواتراً، ولا أقل من الآحاد، والله أعلم. ثم قال: ولكن الجمهور يرون أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، وذلك لأن القرآن حاكم ومهيمن على الكتاب السابق، فعدم وجودها في كتابهم لا يدل على أنها لم تقع، لماذا؟ لأن القرآن مهيمن، فإذا أخبر القرآن بأنها وقعت فقد وقعت حتى ولو لم يرد لها ذكر في كتابهم؛ لأن الله تعالى أخبر بنزولها في قوله لله: ((إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ))، ووعد الله ووعيده حق وصدق، وهذا القول -والله تعالى أعلم- هو الصواب كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم.
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين) قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة:116]. (إذ) في كلام العرب تكون لما مضى، لكن يدل على أنها في يوم القيامة السياق، حيث قال تعالى: (يوم يجمع الله الرسل) فالسياق كله في يوم القيامة، وما بعده -أيضاً- يدل على ذلك، وهو قوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة:119]، وهو يوم القيامة. فإذاً: هي لما مضى لكن المراد بها هنا ما يستقبل، فمعناها هنا (إذا) كقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ} [سبأ:51]، أي: ولو ترى إذا فزعوا. وعبر عن المستقبل بلفظ الماضي لتحقيق أمره وظهور برهانه كأنه قد وقع، وفي التنزيل: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [الأعراف:50]، ومثله كثير في القرآن الكريم، يعبر عن المستقبل بالماضي لإفادة تحقق وقوعه، كأنه حصل وصار خبراً يذكر. قوله تعالى: (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)، هذا القول: إما أنه إلزام للنصارى لعنهم الله؛ لأن الولد من جنس من يلده، فإذا زعمتم أن المولود إله فمن ولده يكون إلهاً، فهذا بطريقة الإلزام. وإما لأنهم لما عظموهما تعظيماً إلهياً أطلق عليهما اسم الإله، كما أطلق على الأحبار والرهبان اسم الرب في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} [التوبة:31] والتثنية حينئذٍ على حد (القلم أحد اللسانين) فكذلك هنا التثنية في قوله: ((اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)). ولفظ (أمي) على لسان المسيح في مريم فيه توبيخ للمتخذين لهما إلهين، يعني: أما كنت بشراً تلد وتولد قبل هذا؟! وقوله تعالى: (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) يعني: أنا مربوب ولست برب، وأنا عابد ولست بمعبود. وقوله: (قال سبحانك) أي: براءة لك من السوء، أو أنزهك تنزيهاً لائقاً بك من أن يقال هذا وينطق به. وقوله: (ما يكون لي) أي: ما يتصور مني بعد إذ بعثتني لهداية الخلق (أن أقول) في حق نفسي (ما ليس لي بحق)، وهو ما استقر في قلوب العقلاء من عدم استحقاقي للعبادة (إن كنت قلته فقد علمته). (تعلم ما في نفسي) يعني: ما أضمره (ولا أعلم ما في نفسك) ما عندك علمه، وهذا بيان للواقع، وإظهار لقصوره وعجزه، أي: أن ما يخفيه الله من علمه لا يعلمه المسيح عليه السلام. (إنك أنت علام الغيوب) وهذا دليل للدليل؛ لأن المسيح أولاً ذكر دعوى، وهي في قوله: (إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ)، ثم استدل عليها بقوله: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)، ثم دلل للدليل نفسه بقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)، فأكده بـ (إن)، ثم (أنت) الضمير المنفصل و (علام) صيغة المبالغة (الغيوب) فأتى بالغيب مع صيغة الجمع مع (أل) الإستغراقية التي تشمل كل ادعاء غيب آخر، فقال: (إنك أنت علام الغيوب) الذي تعلم كل غيب، فهذا تأكيد بعد تأكيد. واختلف في إطلاق النفس على الله سبحانه وتعالى كما في قوله: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) فقيل: لا يجوز إطلاقها عليه إلا في مقام المشاكلة، كما هو هنا؛ لأنهما وردا في نص واحد، فللمجاورة حصلت هذه المشاكلة في اللفظ، كقوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران:54]. والحق أنه يجوز إطلاق النفس على الله من غير مشاكلة، أي: من غير أن يوجد لفظ (النفس) في نفس السياق؛ إذ قد ورد إطلاقها في غير المشاكلة، كما في قوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:54]، وقال أيضاً: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران:28].
تفسير قوله تعالى: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم)
تفسير قوله تعالى: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم) قال تعالى عن المسيح: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة:117]. قوله: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) يعني: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به. وهذا نزول في القضية مراعاة لحسن الأدب، ومراعاة لما ورد في الاستفهام ((أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ))، فقال هنا: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)، وقوله: (أن اعبدوا الله) في محل رفع خبر لمحذوف تقديره: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به وهو: (أن اعبدوا الله ربي وربكم). و (أن) هنا إما أنه لا موضع لها من الأعراب فتكون مفسرة، مثل قوله تعالى: {وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا} [ص:6]، فـ (أن) هنا لا محل لها من الإعراب، وهي مفسرة. ويجوز أن تكون في موضع نصب (أن اعبدوا الله) يعني: ما ذكرت لهم إلا عبادة الله. ويجوز أن تكون في موضع خفض، فيكون معنى (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا) أي: بأن اعبدوا الله. وبعض العلماء يقول: إن النون هنا تضم؛ لأنهم يستثقلون كسرة تأتي بعدها ضمة في قوله: (أن اعبدوا)؛ لأن العين ساكنة، وأول حركة هي الباء، ونحن لا نتحدث عن الباء، ولكن الكسر جائز على أصل التقاء الساكنين. قوله: (وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم) يعني: رقيباً أراعي أحوالهم وأحثهم على العمل بموجب أمرك، ويتأتى لي نهيهم عما أشاهده فيهم مما لا ينبغي. وقوله: (فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) أي: لم تقع هذه المقالة منهم وهو بينهم، وإنما ابتدعوها بعد رفعه عليه السلام، ولذلك قال: (وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم) أي: ما وجد شيء من هذا أبداً في فترة وجودي بينهم. وقوله: (فلما توفيتني) يحتمل توفيتني بالموت، ويحتمل: توفيتني بالرفع، ولو قلنا: إنه يتعين تفسيرها بالرفع إلى السماء فهذه العقيدة في تأليه المسيح وعبادته لها بداية ولها نهاية، فما بدايتها وما نهايتها؟ إن بدايتها برفعه ونهايتها بنزوله؛ إذ هل سيسمح المسيح بوجود عقيدة تؤلهه بعدما ينزل إلى الأرض؟ أو هل سيسمح بوجود صليب أو خنزير؟! أليس في الأحاديث أن المسيح عليه السلام سيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام؟ ومعنى هذا أنه ستنتهي تماماً هذه العقيدة من على وجه الأرض، ولن يقبل المسيح من الناس إلا الإسلام، ومن ثم سيوضع الحد النهائي لدعوى إلهية المسيح عليه السلام، ويتأيد هذا بقوله: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء:159] على أحد التفسيرين. فإذاً: هذه العقيدة الشركية بتأليه المسيح لها بداية ولها نهاية، فبدايتها برفعه، والدليل قوله: ((وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ))، فهذا يكون من نفس حديث: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً). فحين كان المسيح موجوداً ما ظهرت هذه المقالة، ونهايتها حينما ينزل المسيح عليه السلام فيقتدي بالمهدي، ويحكم بالقرآن، ويدعو إلى الإسلام، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، فإما أن يسلم الناس وإما يقتلوا على يد المسيح نفسه. فهذه العقيدة وقعت منهم بعد رفعه إلى السماء وتستمر إلى نزوله، ولم تقع منهم قبل رفعه، وأما بعد نزوله فلن يبقى نصراني أبداً، بل إما الإسلام أو السيف، فتعين أن يكون معنى (توفيتني) أي: رفعتني إلى السماء، كما في قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران:55]، والتوفي أخذ الشيء وافياً، والموت نوع من أنواع التوفي، قال الله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر:42]، وسبق في قوله تعالى: {يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران:55] في آل عمران زيادة إيضاح على ما هاهنا. وقوله: (كنت أنت الرقيب عليهم) أي: الناظر لأعمالهم، فمنعت من أردت عصمته من التفوه بذلك، وخذلت من خذلت من الضالين فقالوا ما قالوا. وقوله: (وأنت على كل شيء شهيد) أي: سواء في فترة بقائي بينهم أو بعد ذلك، فأنت على كل شيء شهيد. وقد دلت الآية على أن الأنبياء عليهم السلام بعد استيفاء أجلهم الدنيوي ونقلهم إلى البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم، وقد روى البخاري هنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس! إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً. ثم قال: ((كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)) [الأنبياء:104] إلى آخر الآية، ثم قال: ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب! أصيحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقوال كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم. فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) وحمل الحديث على من صحب الرسول إنما يصح في القلة القليلة التي ارتدت عن الإسلام والعياذ بالله.
تفسير قوله تعالى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك)
تفسير قوله تعالى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك) ثم قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة:118]. هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله عز وجل، فإنه الفعال لما يشاء {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]، ويتضمن التبرؤ من النصارى الذين كذبوا على الله ورسوله، وجعلوا لله نداً وصاحبة وولداً، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. قوله: (إن تعذبهم فإنهم عبادك) يعني: لا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه. وفيه تنبيههم على أنهم استحقوا ذلك؛ لأنهم عباده وقد عبدوا غيره. وقوله: (وإن تغفر لهم) أي: فلا عجز ولا استقباح؛ لأنك القادر القوي على الثواب والعقاب، الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب، فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل، وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد، فلا امتناع فيه لذاته ليمتنع الترديد والتعليق بـ (إن). قال ابن الأنباري: معنى الكلام: لا ينبغي لأحد أن يعترض عليك، فإن عذبتهم فلا اعتراض عليك، وإن غفرت لهم -ولست فاعلاً إذا ماتوا على الكفر- فلا اعتراض عليك. وقد قال عيسى فيما تقدم من الآيات: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة:72]. وقد قيل: إن الهاء والميم في قوله: (إن تعذبهم) يعودان على من مات منهم على الكفر، أي: (إن تعذبهم فإنهم عبادك) الذين ماتوا على الكفر. وفي قوله: (وإن تغفر لهم) الهاء والميم هنا لمن تاب منهم قبل الموت، فيكون: وإن تغفر لمن تاب منهم قبل الموت، (فإنك أنت العزيز الحكيم). وهنا قول فظيع قاله بعض الناس، فزعموا أن عيسى ما كان يعلم أن الكافر أو المشرك لا يغفر الله له، فهذا قول مجترئ على كتاب الله تعالى؛ لأن الأخبار من الله عز وجل لا تنسخ. والتقدير: إن تبقهم على كفرهم حتى يموتوا وتعذبهم فإنهم عبادك، وإن تهدهم إلى التوحيد والطاعة فتغفر لهم فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده، الحكيم فيما تفعله، تضل من تشاء وتهدي من تشاء. قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية لها شأن عظيم، ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة إلى الصباح يرددها، روى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها! ((إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ))، فلما أصبح قلت: يا رسول الله! لم تزل تقرأ هذه الآية حتى أصبحت، تركع بها، وتسجد بها، قال: إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة -إن شاء الله- لمن مات لا يشرك بالله شيئاً). وروى الإمام أحمد -أيضاً- عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي في صلاة العشاء فصلى بالقوم، ثم تخلف أصحاب له يصلون، فلما رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله، فلما رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلى، فجئت فقمت خلفه، فأومأ إلي بيمينه فقمت عن يمينه، ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله، فقمنا ثلاثتنا يصلي كل واحد منا بنفسه، ونتلوا من القرآن ما شاء الله أن نتلو، وقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة) أي: طيلة الليل وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي بآية واحدة، وهي هذه الآية: ((إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)). قال: (فلما أصبحنا أومأت إلى عبد الله بن مسعود أن: سله ما أراد إلى ما صنع البارحة؟ فقال ابن مسعود: لا أسأله عن شيء حتى يحدث إلي -خشي أن يبادره هو بالسؤال- فقلت: بأبي وأمي قمت بآية من القرآن ومعك القرآن) -يعني: كان يمكنك أن تصلي بالقرآن كله، فلماذا قمت بآية من القرآن ومعك القرآن؟ ولو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه، قال: (دعوت لأمتي، قلت: فماذا أجبت -أو: ماذا رد عليك-؟ قال: أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة، قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: بلى، فانطلقت معنقاً -أي: مسرعاً قريباً من رمية بحجر- فقال عمر: يا رسول الله! إنك إن تبعث بهذا نكثوا عن العبادة! فناداه أن يرجع فرجع). يعني أنه يخشى أن يسيئوا فهمه، أما إذا كانوا قد فقهوا حق الفقه، وفهموا النصوص في مواقعها فلا حرج من إعلامهم، كما أخبر أبو هريرة رضي الله عنه بنظير هذا. وروى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: ((رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي الآية)) [إبراهيم:36]، وقول عيسى: ((إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) فرفع يديه وقال: اللهم! أمتي أمتي. وبكى). يعني: رأى إبراهيم يقول: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم:36]، ورأى المسيح يقول: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة:118] فأشفق هو على أمته صلى الله عليه وسلم، فرفع يديه وقال: (اللهم! أمتي أمتي. وبكى، فقال الله تعالى: يا جبريل! اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فاسأله: ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال -وهو أعلم-، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك). ثم ختم تعالى بحكاية ما يقع يوم يجمع الله الرسل عليهم الصلاة والسلام مع الإشارة إلى نتيجة ذلك ومآله، وهذه الآية التي هي قبل الأخيرة من سورة المائدة: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة:119].
الأنعام [1 - 12]
تفسير سورة الأنعام [1 - 12]
مكان نزول سورة الأنعام
مكان نزول سورة الأنعام يقول الجلال السيوطي رحمه الله تعالى: هذه السورة سورةٌ مكية، إلا قوله تعالى: ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ)) [الأنعام:91] إلى آخر الآيات الثلاث، وإلا قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام:151] الآيات الثلاث أيضاً، وهي مائة وخمس -أو ست- وستون آية.
تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض) قال عز وجل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:1]. قوله: (الحمد لله) الحمد هو: الوصف بالجميل، والحمد ثابت ومستقر لله سبحانه وتعالى، والحمد هنا المقصود به الوصف بالجميل والمدح والثناء. وهل المراد الإعلام بذلك للإيمان به، أو الثناء به، أو هما؟ هناك ثلاثة احتمالات في قوله تعالى: (الحمد لله): فقد يكون المقصود بقوله: (الحمد لله): أن تؤمنوا بذلك، وأن تعتقدوا ثبوت صفات الجلال والكمال لله سبحانه وتعالى. أو أن المقصود بـ (الحمد لله) الثناء على الله عز وجل، أو أن المقصود الأمران معاً، فهذه احتمالات، وآكدها الثالث، أي أن ذلك للإيمان وللثناء معاً، قاله الشيخ الجلال المحلي في تفسير أول سورة الكهف. وقوله: (الذي خلق السماوات والأرض) خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات للناظرين، مع أن الله سبحانه وتعالى خلق غير السماوات والأرض من الملائكة والجن وغير ذلك، لكن خصَّ السماوات والأرض بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات البارزة للناظرين. وقوله: (وجعل الظلمات والنور) (جعل) هنا بمعنى (خلق) أي: خلق الظلمات والنور. أنه خلق كل ظلمة ونور، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها، وهذا من دلائل وحدانيته؛ لأن الظلمات ومظاهر الضلال والباطل كثيرة ومتعددة، أما النور فهو واحد وحق، فهذا المشار إليه في هذه الآية الكريمة هو من دلائل وحدانيته تبارك وتعالى. وقوله: (ثم الذين كفروا) (ثم) هنا استبعادية، كما تقول للرجل: أحسنت إليك وأكرمتك ثم تشتمني. أي: يستبعد منك أن تقابل إحساني بهذه الإساءة. فكذلك هنا، فقوله تعالى: (ثم الذين كفروا) يعني: كفروا مع قيام هذا الدليل على وحدانيته تبارك وتعالى. وقوله: (بربهم يعدلون) أي: يسوون به غيره في العبادة.
بعض خصائص سورة الأنعام
بعض خصائص سورة الأنعام ذكر الإمام القاسمي رحمه الله تعالى في مقدمة السورة أنها مكية، وأنها مائة وخمس وستون آية، وبعض العلماء -كما ذكرنا- يقول: إنها مائة وخمس -أو ست- وستون آية، والآيات هي نفس الآيات، ولكن الاختلاف أحياناً يكون في العد. قال القاسمي: روى العوفي وعكرمة وعطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أنزلت سورة الأنعام بمكة)، وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: (هي مكية، نزلت جملة واحدة، نزلت ليلاً، وكتبوها من ليلتهم غير ست آيات منها فإنها مدنية). فهذه السورة لها خصائص ليست لغيرها، منها: أنها بكمالها نزلت جملة واحدة، ونزلت ليلاً، وبمجرد أن نزلت بالليل كتبها الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إلا ست آيات منها نزلت في المدينة، وهي قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام:151]، إلى آخر الثلاث الآيات، وقوله عز وجل: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام:91] وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} [الأنعام:21] إلى آخر الآيتين. ومن خصائص هذه السورة ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نزلت سورة الأنعام بمكة ليلاً جملة واحدة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح). وروى السدي عن ابن مسعود قال: (نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفاً من الملائكة). وعن جابر رضي الله عنه قال: (لما نزلت سورة الأنعام سبَّح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق) وهذا رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سدَّ ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح، والأرض بهم ترتج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم). وأخرج -أيضاً- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نزلت عليَّ سورة الأنعام جملة واحدة، وشيعها سبعون ألفاً من الملائكة، لهم زجل بالتسبيح والتحميد). قال الرازي: قال الأصوليون: هذه السورة اختصت بنوعين من الفضائل: أحدهما: أنها نزلت دفعة واحدة. فهذه السورة نزلت -كما ذكرنا- جملة واحدة، ولم تنجم، ولم تقطع كغيرها من سور القرآن الكريم. الثاني: أنها شيعها سبعون ألفاً من الملائكة، والسبب فيه أنها -أي: هذه السورة العظيمة- مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وإبطال مذهب المبطلين والملحدين، وذلك يدل على أن علم الأصول في غاية الجلالة والرفعة، وعلم الأصول المقصود به هنا أصل العقيدة والتوحيد وأمور الإيمان. وإنزال ما يدل على الأحكام قد تكون المصلحة أن ينزله الله تعالى على قدر حاجة المكلفين وبحسب الحوادث والنوازل، وآيات الأحكام منها ما له أسباب نزول معينة، وكل هذا يكون متوافقاً مع حكمة الله سبحانه وتعالى في التدرج في التشريع بقدر حاجة الناس أو بحسب الحوادث والنوازل التي تنزل بهم. أما ما يدل على علم الأصول مما في هذه السورة الكريمة فقد أنزله الله جملة واحدة، وذلك يدل على أن تعلُّم علم الأصول واجب على الفور لا على التراخي؛ لأنه لم ينجَّم ولم يقطَّع. وأخرج الدارمي في مسنده عن عمر رضي الله عنه قال: (الأنعام من نواجب -أو نجائب- القرآن) يعني: أفضله ومحضه ولبابه.
سبب تسمية سورة الأنعام بهذا الاسم
سبب تسمية سورة الأنعام بهذا الاسم وسميت بسورة الأنعام لأن أكثر أحكامها تبين جهالات المشركين في التقرب بالأنعام إلى أصنامهم؛ لأنه حصل عند المشركين كثير من مظاهر الجهالة والإشراك بالله سبحانه وتعالى وتحريم الطيبات من هذه الأنعام، وكانوا يتقربون بها إلى أصنامهم، وهذا كله ذكر في هذه السورة الكريمة.
لطائف في قوله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض)
لطائف في قوله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض) قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:1]. قوله: (الحمد لله) أي: له جميع المحامد، أي أن كل حمد فهو لله، سواء بما حمد به نفسه سبحانه وتعالى، أو حمد به الخلق ربهم، أو بعضهم، كل ذلك مخصوص بالله عز وجل. ثم أخبر عن قدرته الكاملة التي هي موجبة لاستحقاقه جميع المحامد. فإن قيل: لماذا يستحق الله سبحانه وتعالى جميع المحامد؟ ف A لأنه هو (الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور). قوله: (الذي خلق السماوات والأرض) خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وفيهما العبر والمنافع للعباد؛ لأن السماوات بأوضاعها وحركاتها أسباب الكائنات التي هي مظاهر الكمالات الإلهية، والأرض مشتملة على قوابل الكون. وقوله: (وجعل الظلمات والنور) أي: أوجدهما لمنفعة عباده في ليلهم ونهارهم. وهاهنا لطائف: الأولى: أن المقصود من الآية التنبيه على أن المنعم بهذه النعم الجسام هو الحقيق بالحمد والعبادة دونما سواه، فكما أنه لم ينعم بهذه النعم العظيمة -سواءٌ التي ذكرتت في صدر السورة أو التي جاءت بعد- فإذاً: لا يستحق أن يحمد وأن يعبد إلا الله عز وجل. الثانية: أن لفظ (جعل) المذكور في قوله سبحانه: (وجعل الظلمات والنور) يأتي أحياناً متعدياً إلى مفعوله، وذلك إذا أتى بمعنى (أحدث وأنشأ) كما هنا في هذه الآية (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور) فإن جعل تعدى إلى مفعول واحد فقط، والنور معطوف على هذا المفعول. أما إذا تعدى (جعل) إلى مفعولين فإن معناه حينئذٍ (صيَّر) كقوله سبحانه وتعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً} [الزخرف:19] فـ (الملائكة) مفعول أول، و (إناثاً) مفعول ثانٍ. والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير، وفي الجعل معنى التضمين، كإنشاء شيء من شيء، أو تضمين شيء شيئاً أو نقله من مكان إلى مكان. وقد وردت (جعل) و (خلق) مورداً واحداً، فقال عز وجل: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء:1]، وقال -أيضاً-: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الأعراف:189] فـ (جعل) تأتي بمعنى (خلق) كما ذكرنا؛ لأن بينهما نوعاً من الترابط.
تفسير قوله تعالى: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون)
تفسير قوله تعالى: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) وقوله: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) (ثم) استبعادية، وهي مناسبة للمقام؛ إذ يبعد من العاقل الناظر بعد إقامة الدليل اختيار الباطل، فالشخص العاقل الذي يتأمل في هذه الآيات ينبغي أن تقوده إلى التوحيد، ويبعد جداً من العاقل أنه بعد أن يرى الدليل وتقام عليه الحجة يختار مع ذلك الباطل، ولذلك قال: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) وعليه فجمع الظلمات وإفراد النور ظاهر؛ فإنه قال: (وجعل الظلمات والنور) فأتى بالظلمات بصيغة الجمع، أما النور فأتى به مفرداً؛ لأن الهدى واحد، والضلال متعدد، كما قال في آخر هذه السورة الكريمة: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام:153] فأفرده، ثم قال: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام:153] فجمع السبل. فجمع الظلمات لظهور كثرة أسبابها عند الناس، فالباطل كثير جداً ومتعدد، وهو كثير عند الناس كما هو معروف، ولكل جرم ظلمة، وليس لكل جرم نور، وأما تقديمها فلسبقها في التقدير والتحقق على النور؛ لأن الظلام يسبق النور، فلذلك قدم الظلمات على النور؛ لأن الأصل هو الظلمة، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة يس: {وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} [يس:37] أن الأصل هو الليل، ثم يسلخ ويزال هذا الليل فيكون النهار، ولو أن إنساناً ركب مركبة فضائية وانطلق من الغلاف الجوي فإنه إذا خرج عن الغلاف الجوي -وقد يكون في وقت الضحى وفي شدة النهار والشمس- يكون في ظلمة مطبقة. إذاً: فموضوع النهار ظاهرة محلية في الكرة الأرضية فقط. فالظلمة هي المتقدمة على النور من حيث الإيجاد والخلق، ولذلك قدمها تبارك وتعالى هنا فقال: (وجعل الظلمات والنور). وقوله: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) هذا الجزء من الآية منسوب لإنكار ما عليه الكفرة، واستبعاده من مخالفتهم لمضمونها، وإصرارهم على ما يقضي على بطلانه بديهة العقول، والمعنى أنه تعالى مختص باستحقاق الحمد والعبادة باعتبار ذاته عز وجل، وباعتبار ما فصَّل من شئونه العظيمة الخاصة به الموجبة لقصر الحمد والعبادة عليه، ثم هؤلاء الكفرة لا يعملون بموجبه، ويعدلون به سبحانه وتعالى، ويسوون بينه وبين الأنداد والشركاء، أي: يسوون به غيره في العبادة؛ لأن العبادة هي أقصى غايات الشكر لله سبحانه وتعالى، فإذا وجهوا هذه العبادة لغير الله فقد سووا مع الله سبحانه وتعالى خلقه، وأقصى غايات الشكر ورأس الشكر هو الحمد؛ لأن الحمد أعم من الشكر، مع كون كل ما سواه عز وجل مخلوقاً له، والمخلوق غير متصف بشيء من مبادئ الحمد، ومع ذلك وقع منهم ذلك. فقوله: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) كلمة (ثم) لاستبعاد الشرك بعد وضوح ما ذكر من الآيات التكوينية القاضية ببطلانه. وقوله تعالى: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) العدل: مساواة الشيء بالشيء. والمعنى أنهم يجعلون له عديلاً من خلقه، أي: عدلاً مساوياً له تبارك وتعالى وهو لا يقدر على شيء، فيعبدون الحجارة مع إقرارهم بأن الله خلق السماوات والأرض. قال النضر بن شميل: الباء في قوله: (بربهم يعدلون) بمعنى (عن) يعني: عن ربهم يعدلون. ومعنى (يعدلون): ينحرفون. يقال: عدلت عن كذا، أي: انحرفت وملت. والمراد: ينحرفون عن عبادة ربهم تبارك وتعالى. وقال ابن عطية رحمه الله تعالى: (ثم) دالة على قبح فعل الذين كفروا؛ لأن المعنى أن خلقه السماوات قد تقرر، وآياته قد سطعت، وإنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد هذا كله قد عدلوا بربهم، فهذا كما تقول: أعطيتك وأحسنت إليك ثم تشتمني.
تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا) الآية
تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً) الآية ثم يقول تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام:2]. يقول الجلال السيوطي رحمه الله تعالى: (هو الذي خلقكم من طين) يعني: بخلق أبيكم آدم منه؛ لأن خلق الإنسان كان أولاً من طين، ثم بعد ذلك من سلالة من ماء مهين، كما فصله تعالى في سورة السجدة، فالمقصود بقوله: (هو الذي خلقكم من طين) أي: هو الذي خلق أباكم آدم عليه السلام من طين. وقوله: (ثم قضى أجلاً) يعني: كتب وقدَّر لكم أجلاً تموتون عند انتهائه. وقوله: (وأجل مسمى عنده) يعني: وأجل آخر مسمىً ومضروب عنده لبعثكم، وهو أجل البعث والنشور. وقوله: (ثم أنتم تمترون) أي: ثم أنتم -أيها الكفار- تمترون، أي: تشكون في البعث، وذلك بعد علمكم أنه ابتدأ خلقكم، ومن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر. يقول القاسمي: (هو الذي خلقكم من طين) استئناف مسوق لبيان بطلان كفرهم بالبعث، مع مشاهدتهم لما يوجب الإيمان به ويبين بطلان إشراكهم به تعالى، مع معاينتهم لموجبات توحيده، وهي خلق السماوات والأرض، وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة البعث -يعني أن القرآن الكريم هنا هو في سياق ذكر الدلائل لصحة الاعتقاد في البعث والنشور، فخص ذكر خلقنا من طين هنا دون غيره من أدلة البعث والنشور- مع أن ما ذكره من خلق السماوات والأرض من أوضحها وأظهرها.
بعض الأدلة على البعث والنشور
بعض الأدلة على البعث والنشور الأدلة على البعث والنشور كثيرة جداً في القرآن الكريم، والواجب على كل مسلم أن يعرفها حتى ولو لم يدرس في كتاب؛ لأن هذه عقيدة من العقائد الأساسية، فإذا سئلت: كيف تدلل على البعث والنشور فلابد من أن تكون عندك الإجابة، وإذا سئلت: ما هي أدلة صحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وإذا سئلت عن إعجاز القرآن فلابد من أن تكون عندك الإجابة؛ لأن هذه الأشياء هو أصول الدين، فلابد من أن يتقنها الإنسان بالأدلة، ولابد من أن تكون حاضرة تماماً في ذهنه. فأول الأدلة من أدلة البعث والنشور الاستدلال بأن الذي بدأ الخلق قادر على أن يعيده، وهو أهون عليه. الدليل الثاني: الاستدلال بخلق السماوات والأرض، وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، فإذا كان الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض فهو أقدر على إعادتهم ونشورهم. الدليل الثالث: الاستدلال بإحياء الله سبحانه وتعالى الأرض بعد موتها، وهذا مذكور كثيراً في القرآن، فالآيات كثيراً ما تشير بعد ذكر إحياء الأرض بعد موتها بالمطر إلى البعث والنشور، كما في أوائل سورة البقرة، وفي سورة الحج وغيرهما من السور. ومن الأدلة -أيضاً- وقوع بعض الحوادث التي حكاها القرآن الكريم وفيها إحياء الموتى بالفعل، كقوله تعالى في سورة البقرة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة:243]. وكذلك أحيا الله بني إسرائيل لما رفع فوقهم الطور، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة:92] إلى آخر الآيات المعروفة في أوائل سورة البقرة. وهكذا قصة أصحاب الكهف دليل من هذه الأدلة. وهكذا قصة الرجل الذي مر على قرية، كما قال عز وجل: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة:259]. وعلى أي حال فالأدلة في هذا كثيرة، ومع ذلك بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض خص هنا ذكر خلق الإنسان من طين، كما ورد في قوله تبارك وتعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [يس:81] أي: دلالة بدء خلقهم على بعثهم أظهر، وهم بشئون أنفسهم أعرف، والتعامي عن الحجة النيرة أقبح. والسياق فيه التفات؛ لأن أول الآية في سياق الغيبة، أما هنا فالتفت، قال عز وجل في أول الآية: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:1] ثم التفت فقال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام:2] فالالتفات هنا هو لمزيد التشنيع والتوبيخ. أي: ابتدأ خلقكم من الطين؛ فإنه المادة الأولى للكل؛ لأنه منشأ آدم الذي هو أبو البشر، ولكن نسب هذا الخلق إلى المخاطبين لا إلى آدم عليه السلام، مع أن آدم هو المخلوق منه حقيقة، ولم يقل: هو الذي خلق أباكم، مع كفاية علمهم بخلقه عليه السلام منه في إيجاب البعث وبطلان الامتراء بتوضيح منهاج القياس، وللمبالغة في إزاحة الاشتباه والالتباس. ولاشك في أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من أبيه آدم عليه السلام؛ لأن آدم كان منطوياً انطواءً إجمالياً على ذريته، أي: أن ذريته كانت في صلبه، فصح أن نوصف نحن بأننا خلقنا من طين باعتبار أن أبانا خلق من هذا الطين، فكان خلقه عليه السلام من الطين خلقاً لكل أحد من فروعه منه. ولذلك قال تعالى في سورة الأعراف: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} [الأعراف:11]. وقوله: (ثم قضى أجلاً) أي: كتب لموت كل واحد منكم أجلاً خاصاً به. يعني: حداً معيناً من الزمان يفنى عند حلوله. وقوله: (وأجل مسمى عنده) أي: وجعل حداً معيناً لبعثكم جميعاً، فالأجل الأول هو خاص بكل إنسان، أما هذا فهو الأجل الذي هو حد معين لبعث الخلق أجمعين، وهو مثبت ومعين في علمه لا يقبل التغيير ولا يقف على وقت حلوله أحد، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ} [الأعراف:187]. فمعنى قوله: (وأجل مسمى عنده) يعني أنه مستقل بعلمه. وقوله: (ثم أنتم تمترون) هذا استبعاد واستنكار لامترائهم في البعث بعد معاينتهم لما ذكر من الحجج الباهرة الدالة عليه، أي أنكم تمترون في وقوعه وتحققه في نفسه مع أنكم تشاهدون في أنفسكم ما يقطع مادة الإمتراء، فإن من قدر على خلق المواد وجمعها وإيداع الحياة فيها وإبقائها على ما يشاء أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها مرة ثانية.
تفسير قوله تعالى: (وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم)
تفسير قوله تعالى: (وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم) ثم قال عز وجل: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام:3] هذه الآية تحتاج إلى نوع من الاهتمام الخاص؛ لأنها مما يستدل به بعض الضالين المنحرفين الذين يزعمون أن الله سبحانه وتعالى موجود في كل مكان بذاته تبارك وتعالى، ولا شك في أن هذا من الضلال المبين المنافي لعقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فأولئك يستدلون بهذه الآية ويحملونها على غير معناها الصحيح الذي فهمه عليه السلف. وقوله: (وهو الله في السماوات وفي الأرض) أي: المعبود الذي يعبده أهل السماوات وأهل الأرض. وقوله: (يعلم سركم وجهركم) يعني: من الأقوال أو الدواعي والصوارف القلبية وأعمال الجوارح. وقوله: (ويعلم ما تكسبون) أي: ما تفعلونه من خير أو شر، فيثيب عليه ويعاقب، وخصه بالذكر لإظهار كمال الاعتناء به؛ لأن هذا السر هو الذي يتعلق به الجزاء، وهو السر في إعادة قوله تعالى: (يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون). يقول الناصر في (الانتصاف): وأما هاتان الآيتان الكريمتان -يعني: هذه الآية وآية الزخرف، وهي قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف:84]- فإن التمدح في آية الزخرف وقع لما وقع التمدح به هاهنا من القدرة على الإعادة، والاستئثار بعلم الساعة، والتوحد في الألوهية، وفي كونه تعالى المعبود في السماوات والأرض، فقوله في هذه الآية: (وهو الله في السماوات وفي الأرض) يعني أنه إله من في السماء وإله من في الأرض، ولا يمكن أبداً حملها على عقيدة الحلول والعياذ بالله؛ لأن السلف قاطعون وجازمون بأن الله عز وجل بائن من خلقه، والله سبحانه وتعالى لا يخالط خلقه ولا يحل فيهم، فهو ينزه عن ممازجة خلقه، بل هو بائن عنهم تبارك وتعالى، وعلمه في كل مكان، لكنه على العرش استوى. ولم يقل: وهو الذي في السماء رب وفي الأرض رب، ولم يقل: وهو الرب في السماوات وفي الأرض، إنما عنون له هنا بالإلهية (وهو الله)؛ لأن المعنى: هو المعبود. فيليق بمن سواه أن يعبر بلفظ الجلالة (الله) أي: المعبود، ولذلك فكلمة التوحيد هي (لا إله إلا الله) وأما (لا رب إلا الله) فلا تعتبر كلمة التوحيد، وإن كانت هي توحيد الربوبية، إلا أن كلمة توحيد الربوبية لا تنجي من النار؛ لأنه لو كانت كلمة التوحيد (لا رب إلا الله) لكان أبو جهل موحداً؛ لأن أبا جهل وأبا لهب وغيرهما من الكفار كانوا يعتقدون أنه لا رب إلا الله، ومشركوا مكة كانوا يعتقدون أنه لا رب إلا الله، لكنهم كانوا يشركون في العبادة، وينقضون توحيد الإلهية بأن يعبدوا مع الله غيره، ولذلك كانت كلمة النجاة (لا إله إلا الله) أي: لا تعبدوا إلا الله، ولا إله يستحق العبادة إلا الله، وليست (لا رب إلا الله)؛ لأن جميع المشركين يقرون بأنه لا رب إلا الله. يقول ابن كثير: للمفسرين في هذه الآية أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول. يعني أوائل الجهمية القائلين -تعالى الله عز وجل عن قولهم علواً كبيراً- بأنه في كل مكان، فهذا مما لا يليق أن ينسب إلى الله سبحانه وتعالى، ولنتفطن لشيوع هذه العقيدة عند كثير من العوام وهم لا يشعرون حين يقولون: إن الله موجود في كل وجود. أو: ربنا موجود في كل مكان. نعم هو موجود في كل مكان بعلمه وبسمعه وببصره وبشهادته وبإحاطته بخلقه عز وجل، فكل شيء بالنسبة إلى الله عز وجل لا يخفى على الإطلاق. أما أن يراد أن ذات الله سبحانه وتعالى في داخل خلقه فهذا مما يتعالى الله سبحانه وتعالى وينزه عنه، فالاعتقاد بأن الله في كل مكان هو انحراف وضلال مبين عن عقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ولم يقل به إلا الجهمية المبطلون، وحملوا هذه الآية على ذلك، وقالوا: إن الله يقول هنا: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام:3] فحملوها على أن ذات الله موجودة في السماوات والأرض. فالأصح من الأقوال أنه -سبحانه وتعالى- هو المدعو في السماوات وفي الأرض، ولا تعارض؛ لأن الدعاء هو العبادة، أي: يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السماوات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رغباً ورهباً، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول هي كقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف:84] أي: هو إله من في السماء وإله من في الأرض. وعلى هذا فيكون قوله: {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} [الأنعام:3] خبراً أو حالاً. أما القول الثاني في الآية فهو أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض من سر وجهر، فقوله: (وهو الله في السماوات وفي الأرض) يعني أنه الله الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض من سر وجهر، فمعنى ذلك: أن كلمة يعلم متعلقة بقوله: (في السماوات وفي الأرض) وتقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض. القول الثالث: أن الوقف على قوله: (وهو الله في السماوات) وقف تام، وهذا هو اختيار إمام المفسرين وشيخهم ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، فإنه -رحمه الله- يرى أن الوقف التام هو عند قوله تعالى: (وهو الله في السماوات) ثم يُستأنف: (وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) أي: تقف عند قوله عز وجل: (وهو الله في السماوات) يعني: فوقكم في السماء، كقوله تبارك وتعالى: {أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك:16]، فـ (في) هنا بمعنى (على) كقوله سبحانه: {لأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه:71] يعني: عليها. وكقوله: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ} [التوبة:2] يعني: فوق الأرض. هذا هو اختيار الإمام ابن جرير، ورجح ابن عطية في الآية أنه الذي يقال له: (الله) فيهما، فقوله: (وهو الله في السماوات وفي الأرض) يعني: وهو الذي يقال له: (الله) في السماوات وفي الأرض، قال ابن عطية: وهذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازاً لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى. يعني أنه أراد أن يدل على خلقه وآيات قدرته وإحاطته واستيلائه ونحو هذه الصفات، فجَمَعَ هذه كلها في قوله: (وهو الله) أي الذي له هذه كلها (في السماوات وفي الأرض)، وكأنه قال: وهو الخالق والرازق والمحيي والمميت فيهما.
تفسير قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين)
تفسير قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين) ثم قال تبارك وتعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [الأنعام:4]. يقول السيوطي رحمه الله تعالى: (وما تأتيهم) أي: أهل مكه، (من) زائدة أو تبعيضية، (من آية من آيات ربهم) يعني: من القرآن الكريم، (إلا كانوا عنها معرضين) وإعراضهم كان بسبب تقليدهم الأعمى للآباء والأجداد لا عن تفكر وتأمل.
تفسير قوله تعالى: (فقد كذبوا بالحق لما جاءهم)
تفسير قوله تعالى: (فقد كذبوا بالحق لما جاءهم) قال تبارك وتعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ} [الأنعام:5] أي: بالقرآن الكريم، {لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الأنعام:5] و (أنباء) هنا بمعنى: عواقب، والعواقب: جمع عاقبة. قوله: (فسوف تأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون) يعني: عواقب ما كانوا به يستهزئون، وهو القتل والأسر في الدنيا والعذاب الدائم في الآخرة؛ لأنهم إن لم يؤمنوا يعاقبوا إما بالقتل والأسر في الدنيا، وإما بالعذاب الدائم السرمدي في الآخرة.
تفسير قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن)
تفسير قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن) قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [الأنعام:6]. قوله: {أَلَمْ يَرَوْا} [الأنعام:6] يعني: في أسفارهم، سواء في الشام أو غيرها من البلاد. وقوله: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا} [الأنعام:6] (كم) خبرية بمعنى: كثيراً. وقوله: {مِنْ قَرْنٍ} [الأنعام:6]، القرن هنا المقصود به أمَّة من الأمم الماضية. قوله: {مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ} [الأنعام:6] أي: أعطيناهم مكاناً في الأرض بالقوة والسعة (ما لم نمكن لكم) أي: ما لم نعط لكم، وهذا فيه التفات عن الغيبة. وقوله: {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً} [الأنعام:6] السماء هنا بمعنى المطر، وقوله: {مِدْرَاراً} [الأنعام:6] أي: متتابعاً. وقوله: {وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ} [الأنعام:6] يعني: من تحت مساكنهم. قوله: {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} [الأنعام:6] يعني: بسبب ذنوبهم بتكذيبهم الأنبياء {وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} [الأنعام:6].
تفسير قوله تعالى: (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس)
تفسير قوله تعالى: (ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس) {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الأنعام:7]. هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية ونوفل بن خويلد لما قالوا: لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله، فنزلت هذه الآية: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً} [الأنعام:7] أي: مكتوباً {فِي قِرْطَاسٍ} [الأنعام:7] أي: في رقٍ كما اقترحوا {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام:7] وهذا أبلغ من أن يكونوا عاينوه؛ لأن الكتاب إذا لمسه الإنسان يكون أقوى وأبلغ من مجرد المعاينة، فـ (لمسوه) أبلغ من (عاينوه)؛ لأنه أنفى للشك إذا لمسوه بأيديهم، ومعروف أن اللمس لا يكون إلا بالأيدي فهذا يسميه البلاغيون التعميم. وهذا مثل قوله تعالى: {طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام:38] والطائر لا يطير إلا بجناحين، ومثل هذا قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ} [آل عمران:167] والقول لا يكون إلا بالأفواه، وكذلك هنا في قوله: (فلمسوه بأيديهم). وقوله: {لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} [الأنعام:7] يعني: لقالوا: ما هذا إلا سحر مبين تعنتاً وعناداً.
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك) {وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ} [الأنعام:8]. قوله: {وَقَالُوا} [الأنعام:8] أي: كفار مكة {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} [الأنعام:8] أي: هلا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ملك؟! أي: يصدقه. يقول تعالى: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ} [الأنعام:8] يعني: لو نزل الملك كما اقترحوا فلن يؤمنوا رغم نزول الملك، وقوله: {لَقُضِيَ الأَمْرُ} [الأنعام:8] يعني: بإهلاكهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو استجاب لهم فيما طلبوه ثم لم يؤمنوا لاستحقوا الهلكة، وقضي الأمر بهلاكهم. وقوله: (ثم لا ينظرون) أي: لا يمهلون لتوبة أو معذرة، كعادة الله فيمن قبلهم من إهلاكهم عند وجود مقترحهم إذا لم يؤمنوا. ومثل هذا قوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} [المائدة:115] أي: كما اقترحتم {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ} [المائدة:115] أي: بعد نزول الآية: {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ} [المائدة:115]. فالقضية ليست قضية اقتراح آيات؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أتاهم بالآيات فلم يؤمنوا، وإنما كان حالهم كما قال عز وجل: {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنْ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ} [الطور:44]. وقوله: {وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} [الأنعام:8] يعني: يكون معه ملك فيكلمنا الملك ويخبرنا أنه نبي ويصدقه، وهذا كقوله تعالى عنهم أنهم قالوا: {لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} [الفرقان:7]. ونحن هنا بحاجة إلى أن نقف مع قوله تعالى: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ} [الأنعام:8]؛ لأننا محتاجون إلى استظهار الحكمة من هذا المعنى، فما هي الحكمة من أنه إذا استجيب للكفار فيما اقترحوه فإنه لا يبقى لهم مجال للاختيار وينبغي أن يهلكوا فوراً؟ هذا ما سيبينه القاسمي رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله تعالى: (ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر) فإنه قال: هذا جواب لمقترحهم وبيان لمانعه، وأما ما المانع الذي يمنع من استجابة الله سبحانه وتعالى لطلباتهم واقتراحاتهم التي يقترحونها فهو الرحمة بهم، وأن في عدم الإجابة إبقاءً عليهم وإنجاءً لهم من الهلكة، كي لا يكونوا كالباحث عن حتفه بظلفه. والمعنى أن الملك لو أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته -وهي آية لا شيء أبين منها وأيقن- لحاق بهم العذاب، أي: أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم والملك معه في صورته الحقيقة، ولنتخيل صورة الملك، فجبريل عليه السلام رآه الرسول عليه السلام مرتين على صورته التي خلقه الله عليها قد سد كل أفق السماء، وله ستمائة جناح. فلا شك في أن هذه تكون آية لا أبين منها ولا أيقن، ودليل قاطع على صدق هذا الرسول، ثم إذا فعل الله سبحانه وتعالى بهم ذلك أو استجاب لطلبهم ثم لم يؤمنوا لحاق بهم العذاب وفرغ الأمر. إذاً لابد من أن يأتيهم الهلاك بعدها مباشرة إذا لم يؤمنوا؛ فإن سنة الله سبحانه وتعالى التي قد جرت في الكفار أنهم متى اقترحوا آية ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب، كما قال تبارك وتعالى: {مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ} [الحجر:8]، أي: لا يؤجلون ولا يمهلون. وقال عز وجل: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ} [الفرقان:22]. فقوله تبارك وتعالى: {وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ} [الأنعام:8] يعني: بإهلاكهم. وقوله: {ثُمَّ لا يُنظَرُونَ} [الأنعام:8] يعني: لا يمهلون بعد نزول الملك طرفة عين، فضلاً عن أن يلزموا به بالذات، ومعنى (ثم) هنا بُعدُ ما بين الأمرين: قضاء الأمر، وعدم الإنظار، وجعل عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة. وذكر الزمخشري وجهاً ثانياً في تعجيل عذابهم عند نزول الملائكة، وهو أنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف، يعني أن الحكمة من وجودنا في هذه الدنيا هي أننا في حالة اختبار وابتلاء وتكليف، فلو كشفت الحجب ورأينا هذه الأمور الغيبية كالملائكة -مثلاً- فهل يبقى مع ذلك اختيار أم أن الإيمان هنا يكون ملجئاً وبالإكراه؟ فهنا يكون الإيمان كأنه بالإكراه، ولا مجال للاختيار، وهذا لا يتناسب مع البقاء في الحياة الدنيا من أجل الابتلاء والتكليف؛ لأنه يزول التكليف ويرفع الاختيار، وحينئذٍ لابد من إهلاكهم؛ لأن انكشاف مثل هذه الأمور إنما يكون في الآخرة. والاختيار قاعدة التكليف، وهذه آية ملجئة، قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر:85] فما دام بأس الله قد جاء وقد كشفت الحجب فلا نجاة، إنما هو الهلاك، وقوله: ((سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ)) [غافر:85] يعني: مضت في عباده، {وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر:85] أي: عند نزول العذاب. وقال أيضاً: فتوجب إهلاكهم؛ لئلا يبقى وجودهم عارياً عن الحكمة، وهم ما خلقوا إلا للابتلاء بالتكليف، والابتلاء بالتكليف لا يبقى مع الإلجاء والإكراه. وقد ذكرنا من قبل أن طاقة البشر لا تطيق رؤية الملك في صورته الحقيقية، فربما إذا رأوه قضي الأمر ويهلكون؛ لأنهم لا يطيقون رؤية الملك على صورته الحقيقية، حتى الأنبياء عليهم السلام كانوا يشاهدون الملائكة على الصورة البشرية، كضيف إبراهيم ولوط وخصم داود عليهم السلام وغير ذلك، حيث كان شأنهم كذلك، وهم مؤيدون بالقوى القدسية، فما ظنك بمن عداهم من العوام؟! فلو شاهدوه كذلك لقضي أمر هلاكهم بالكلية، واستحال جعله نذيراً، وهو مع كونه خلاف مقصودهم مستلزم لإخلاء العالم عما عليه يدور نظام الدنيا والآخرة من إرسال الرسل وتأسيس الشرائع، وقد قال سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15]. وقال المهايمي: لا دليل على النبوة سوى شهادة الملأ، وتنزيل الملك بصورته الملكوتية يقطع أمر التكليف؛ إذ لا ينفع الإيمان بعد انكشاف عالم الملكوت، فلا يمهلون؛ لأن الإمهال للنظر، والآن قد انقطع النظر، فالمعجزات وإن أفادت علماً ضرورياً لا تخلوا عن خفاء يحتاج إلى أدنى نظر، ولا خفاء مع انكشاف عالم الملكوت، ولو أن عالم الملكوت انكشف فكأن القيامة قامت ورفعت الحجب وصار الغيب مشاهدة، بخلاف المعجزة، فالمعجزة تدل على صدق النبي، لكنها لا تخفى من نوع من النظر؛ إذ لابد فيها من نوع -ولو خفي- من النظر، أما إذا انكشف عالم الملكوت فلا يبقى وجه للإمهال، فلا يقبل الإيمان معه، فلابد من المعاقبة عقيبه، أي: بعده مباشرة.
تفسير قوله تعالى: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا)
تفسير قوله تعالى: (ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً) يقول تبارك وتعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام:9] يعني: لو جعله الله سبحانه وتعالى رجلاً على صورة الرجل ليتمكنوا من رؤيته (للبسنا) أي: شبهنا عليهم ما يلسبون على أنفسهم، بأن يقولوا: (ما هذا إلا بشر مثلكم).
تفسير قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك)
تفسير قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك) {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الأنعام:10]. قوله: {وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} [الأنعام:10] هذا فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: {فَحَاقَ} [الأنعام:10] أي: نزل {بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الأنعام:10] وهو العذاب، فكذلك يحيق العذاب بمن استهزأ بك أيضاً.
تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض ثم انظروا)
تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض ثم انظروا) {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الأنعام:11] قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ} [الأنعام:11] أي: قل لهم سيروا في الأرض. وقوله: (ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين) يعني المكذبين الذين كذبوا الرسل فاهلكوا بالعذاب، وهذا ليعتبروا.
تفسير قوله تعالى: (قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله)
تفسير قوله تعالى: (قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله) {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:12]. قوله تعالى: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ} [الأنعام:12] يعني: إن لم يقولوا هم وإن لم يجيبوك ويقولوا: (لله) فقل أنت: (لله)، فإنه لا جواب غيره. وقوله: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:12] أي: قضى على نفسه الرحمة فضلاً منه، وفيه إشارة وترغيب لهم في الإيمان، وتلطف بهم كي يقبلوا على الإيمان؛ لأن الله سبحانه وتعالى رحيم ورءوف بعباده. وقوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ} [الأنعام:12] يعني: ليجازينكم بأعمالكم. وقوله: (لا ريب فيه) يعني: لا شك فيه. وقوله: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ} [الأنعام:12] يعني: بتعبيدها لغير الله {فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:12] و (الذين) مبتدأ وقوله: (فهم لا يؤمنون) خبره. وقد جاء في معنى هذه الآية الكريمة ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي) متفق عليه. وفي البخاري: (إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق أن رحمتي سبقت غضبي) وفي رواية: (أن الله لما خلق الخلق) إلى آخره. وقال أبو السعود: ومعنى سبق الرحمة وغلبتها أنها أقدم تعلقاً بالخلق وأكثر وصولاً إليهم، مع أنها من مقتضيات الذات المفيضة للخير. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
الأنعام [13 - 35]
تفسير سورة الأنعام [13 - 35]
تفسير قوله تعالى: (وله ما سكن في الليل والنهار ولا تكونن من المشركين)
تفسير قوله تعالى: (وله ما سكن في الليل والنهار ولا تكونن من المشركين) قال الله تبارك وتعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:13 - 14]. (وله) تعالى (ما سكن) أي: حل (في الليل والنهار) أي: كل شيء، فهو ربه وخالقه ومالكه، وهو (السميع) لما يقال (العليم) بما يُفعل. وقوله: (قل أغير الله أتخذ ولياً) أي: قل لهم: (أغير الله أتخذ ولياً) أعبده، والله (فاطر السماوات والأرض) أي: مبدعهما، (وهو يطعم) أي: يرزق، (ولا يطعم) أي: ولا يُرزق، فسيكون الجواب الذي لا جواب غيره هو: لا يصح لي أن أتخذ ولياً غير الله سبحانه وتعالى. وقوله: (قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم) أي: أول من أسلم لله من هذه الأمة، (ولا تكونن) يعني: وقيل لي: (لا تكونن من المشركين به. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: (وله ما سكن في الليل والنهار) وله: أي لله عز وجل، (ما سكن في الليل والنهار) أي: ما استقر وحل، من الاستقرار والحلول؛ لأن السكنى بمعنى الحلول، كقوله تعالى: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} [إبراهيم:45]، والمعنى: له تعالى كل ما حصل في الليل والنهار. يعني: أن كلمة (سكن) هنا ليست من السكون، وهناك قول آخر إنها من السكون، ولكن الأقرب أنها من السكنى. فقوله: (وله ما سكن في الليل والنهار) يعني: ما حصل في الليل والنهار مما طلعت عليه الشمس أو غربت، فشبَّه الاستقرار في الزمان بالاستقرار في المكان، فاستعمل استعماله فيه، فالسكون هنا من الحلول، يعني: ما حل وسكن واستقر في الليل والنهار من المخلوقات. فكأن الليل والنهار شبها بمكان يسكن فيه، أو أن (سكن) بمعنى السكون الذي هو مقابل الحركة، يعني: له ما سكن فيهما، وإذا فسرنا قوله تعالى: (وله ما سكن) بالهدوء والسكون فما الذي يقابل السكون؟ A الحركة، فيكون هذا من باب قوله تبارك وتعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ} [النحل:81] ولم يقل: القر. ومعروف أن السرابيل تقي الحر، وفي التفسير نقول: والقر، والمراد: تقيكم الحر والبرد، فحذفه من السياق اكتفاءً بظهوره؛ لأن السرابيل تقينا الحر والبرد، فاكتفى بذكر أحدهما عن ذكر الآخر لشهرته وظهوره، فكذلك هنا إذا قلنا: (وله ما سكن) من السكون، ففي التفسير نزيد ونقول: له ما سكن وله ما تحرك، ونقول: اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر لظهوره، ولأنه يقابله، والذي يقابل السكون هو الحركة، وهذا يعرف بالقرينة، وإنما اكتفى بالسكون عن ضده دون العكس فلم يقل: وله ما تحرك في الليل والنهار لأن السكون أكثر وجوداً، والنعمة فيه أكثر. وقال أبو مسلم الأصفهاني: ذكر تعالى في الآية الأولى السماوات والأرض؛ إذ لا مكان سواهما، وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار؛ إذ لا زمان سواهما، فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات وللزمان والزمانيات، وهذا بيان في غاية الجلالة. وقوله: (وهو السميع العليم) يعني: يسمع كل مسموع، ويعلم كل معلوم، فما يخفى عليه شيء مما يشتمل عليه الملوان. ثم قال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:14]. قوله تعالى: (قل) أي: لكفار مكة المكذبين: (أغير الله أتخذ ولياً) يعني: معبوداً، وهذا كقوله تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر:64]، والمعنى: لا أتخذ ولياً إلا الله وحده. وقوله: (فاطر السماوات والأرض) أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق لهما، و (فاطر) بالجر صفة لاسم الجلالة. وقوله: (وهو يطعم ولا يطعم)، يعني: يرزق سبحانه وتعالى ولا يُرزق، والمقصود: أن المنافع كلها من عند الله تبارك وتعالى، ولا يجوز عليه الانتفاع؛ لأن الخالق مستغنٍ عن المخلوقين، أي: فيجب اتخاذه ولياً ليُعبد سبحانه وتعالى شكراً على إنعامه، وكفايته الحوائج بلا طلب عِوض، والله عز وجل يمتن علينا بالنعم ليل نهار وفي كل لحظة من اللحظات وفي كل أحوالنا يمنُّ علينا بالنعم التي لا غنى بنا عنها طرفة عين، دون أن يطلب منا مقابلاً لهذه النعم، ويرزقنا عز وجل فينبغي أن لا نعبد غيره شكراً لإنعامه عز وجل. وقيل المراد بالطعم: الرزق، وهذا معناه اللغوي، وهو: كل ما ينتفع به، بدليل وقوعه مقابلاً له في قوله تعالى: {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات:57]، فالمقصود بالطعم هنا المعنى اللغوي للرزق، وهو: كل ما ينتفع به؛ إذ كل ما ينتفع به يسمى رزقاً. وقوله: ((قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ))، أي: أول من أسلم، وكلمة (مسلم) يقدر معها عبارة ولكنها تحذف، فكلمة الإسلام نقدرها معها كلمة (لله)، فقولي: أنا مسلم أصله: أنا مسلم لله، فدائماً كلمة الإسلام ومشتقاتها ترتبط بهذا اللفظ، أي: أنا مسلم لله، أو أسلمت لله، وهذا يلاحظ بالاستقراء في القرآن الكريم، فمن ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} [النساء:125]، وهذا موجود في القرآن كثيراً، وكذلك هنا يقول تعالى: ((قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ)) أي: أسلم وجهي لله مخلصاً له؛ لأصير متبوعاً للباقين؛ لأنني قدوة وأسوة لباقي الناس، وهذا كقوله: {وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:163]، يعني: من هذه الأمة، وهذا اللفظ بنفسه موجود في دعاء الاستفتاح في الصلوات، وبعض العلماء يرى أن تبدل كلمة (أول المسلمين) إلى: وأنا من المسلمين، على أساس أنه فهم أن معنى (أنا أول المسلمين)، أي: أول إنسان أسلم لله، وإنما المعنى: أول المسارعين إلى طاعتك؛ لأن أول المسلمين هو آدم عليه السلام، فمعنى (أول المسلمين): أول المسارعين، وهذا تعبير عن المسابقة والمسارعة في طاعة الله عز وجل والأوبة له، إلا إذا أردنا أن (أول المسلمين) يعني: أول المسلمين في هذه الأمة المحمدية. وقوله: {وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:163] هو كقول موسى: {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف:143]، أي: أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا، وإنما ترى في الآخرة. وقوله: ((وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ)) يعني: وقيل لي: (لا تكونن من المشركين) فهو معطوف على أمرت، يعني: أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك نهياً صريحاً مؤكداً بعد النهي في ضمن الأمر؛ لأنه لا شك في أن الإسلام لله يقتضي النهي عما ينافي الإسلام وهو الشرك، فلم يكتف بذلك، وإنما صرَّح -أيضاً- بالنهي عن الشرك، رغم أن الأمر بالإسلام يقتضي نفي الشرك، لكنه صرح بالنهي زيادة في التأكيد بقوله تبارك وتعالى: (ولا تكونن من المشركين). ونهي المتبوع نهي للتابعين، ويجوز عطفه على (قل)، وفي الآية إرشاد إلى أن كل آمر ينبغي أن يكون عاملاً بما أمر به؛ لأنه مقتداهم، وقيل: هذه الآية للتحريض، كما يأمر الملك رعيته بأمر ثم يقول: وأنا أول من يفعل ذلك ليحملهم على الامتثال.
تفسير قوله تعالى: (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)
تفسير قوله تعالى: (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) ثم قال عز وجل: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام:15]. قوله تعالى: (قل إني أخاف إن عصيت ربي) أي: بمخالفة أمره ونهيه، فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً، يعني: إذا كانت أي معصية داخلة في قوله: (إني أخاف إن عصيت ربي) فما بالك بأكبر معصية على الإطلاق وهي الشرك؟! فلا شك في أنها تدخل في الآية دخولاً أولياً؛ لأن أكبر معصية في الوجود هي الشرك. وقوله: (عذاب يوم عظيم) يعني: عذاب يوم القيامة الذي تظهر فيه عظمة القهر الإلهي، وفي الآية مبالغة أخرى في قطع أطماعهم وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب الأليم؛ لأن الذي يقول هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو المعصوم عليه الصلاة والسلام، يقول: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}، فإذا كان المعصوم عليه الصلاة والسلام يقول هكذا فكيف بهؤلاء المشركين؟! فلا شك في أن هذا تعريض لهم بأنهم مستوجبون للعذاب الأليم؛ لأن وجه التعريض هنا إسناد ما هو معلوم الانتفاء بـ (إن) التي تفيد الشك تعريضاً، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يصدر منه المعصية لله عز وجل؛ لأنه معصوم، فإذا كان هو يقول: إنني أخاف أن أعصي ربي خشية العذاب العظيم مع أنه معصوم فكيف بغيره؟! لا يتوهم منه احتمال وقوع المعصية منه، لكن المقصود منه التعريض بهؤلاء المشركين، يعني: إذا كان المعصوم عليه السلام يقول هذا فكيف بمن عداه من المسلمين؟! ثم كيف بالمشركين أنفسهم الذين يقترفون أعظم معصية في الوجود وهي الشرك؟! فلا أمل لهم في رحمة الله ما أقاموا على شركهم. ولا يتوهم من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم يخاف على نفسه المعصية أو أنه يقع في المعصية؛ لأنه معصوم، كما لا يتوهم مثله في قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65]، وهذا الاحتمال غير وارد في حق النبي صلى الله عليه وسلم لعصمته.
تفسير قوله تعالى: (من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وإن يردك بخير فهو على كل شيء قدير)
تفسير قوله تعالى: (من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وإن يردك بخير فهو على كل شيء قدير) قوله تعالى: {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} [الأنعام:16]، وهذا كما قال تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران:185]. ثم ذكر تعالى دليلاً آخر على أنه لا يجوز للعاقل أن يتخذ ولياً غير الله تعالى فقال عز وجل: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام:17]، وهذا كما قال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ} [يونس:107]، وكما قال عز وجل: {مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر:2]، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (اللهم! لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) وفي حديث ابن عباس: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
تفسير قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير)
تفسير قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير) قال عز وجل: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:18]. أي: هو الغالب بقدرته، المستعلي فوق عباده، يدبر أمرهم بما يريد، فيقع في ذلك ما يشق عليهم ويثقل ويغم ويحزن، فلا يستطيع أحد منهم رد تدبيره عز وجل والخروج من تحت قهره وتقديره، فالله عز وجل كل يوم هو في شأن، وهو القاهر فوق عباده يدبر أمورهم ويصرف أحوالهم لا اعتراض على حكمه ولا راد لقضائه عز وجل.
تفسير قوله تعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة)
تفسير قوله تعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة) قال تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام:19]. قوله تبارك وتعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة) يقول السيوطي: هذه الآية نزلت لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائتنا بمن يشهد لك بالنبوة، فإن أهل الكتاب أنكروك. ويبدو أن هذا افتراض من السيوطي، وإلا فتعبير القاسمي أدق كما سيأتي إن شاء الله، يعني: كأن أهل مكة قالوا له عليه الصلاة والسلام: ائتنا بمن يشهد لك بأنك نبي من عند الله عز وجل؛ فإن أهل الكتاب -كانوا أهل علم بالنسبة للعرب الأميين- أنكروا نبوتك، فائتنا بمن يشهد لك، فقال عز وجل: (قل أي شيء أكبر شهادة) يعني: قل لهم: (أي شيء أكبر شهادة) وكلمة (شهادةً) تمييز محول عن المبتدأ؛ لأن كلمة (شهادةً) التي هي تمييز كانت مبتدأً ثم تحولت إلى تمييز، فيكون المعنى: شهادة أي شيء أكبر؟ يعني: أنتم تطلبون شاهداً يشهد نبوتي، فشهادة أي شيء أكبر؟! (قل الله) يعني: إن لم يقولوا هم، وإن لم يعترفوا هم بأن الله عز وجل أكبر شهيد فقل لهم أنت: (الله) ولا جواب غيره، ولا يحتمل أبداً أن يكون هناك جواب غير هذا الجواب السديد. وقوله: (شهيد بيني وبينكم) يعني: هو شهيد بيني وبينكم على صدقي. وقوله: (وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) أي: لأخوفكم يا أهل مكة وغيرها، وقوله: (ومن بلغ) معطوف على ضمير (أنذركم)، فالضمير (كم) مفعول به و (من) معطوف عليه، يعني: لينذر به كل من بلغه القرآن من الإنس والجن. قال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم، أي: كأنه رأى محمداً صلى الله عليه وسلم وسمع منه، فعلى كل ذي علم من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغه إلى غيره، ولا شك في أن هذه الآية تتضمن المنهج القويم في الدعوة، وهو إنذار الكافرين حتى مع تكذيبهم بالنبي وتكذيبهم بآيات القرآن نفسه، وقد أشيعت فكرة سخيفة تأثر بها كثير من المسلمين وكثير من الشباب والدعاة، وهي: كيف نخاطب الكافر بالقرآن وهو يكفر بالقرآن؟! وهذا انحراف جذري في أصول الدعوة، فالإنذار من القرآن والإنذار من السنة بنفس آيات القرآن الكريم تخوف الكافر؛ إذ هكذا علمنا القرآن الكريم ((وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ)) فما عليك إلا أن تبلغ آيات الله، حتى لو كان يكفر بها، فإذا كنت تجادل أحداً من أهل الكتاب فصارحه بآيات الله، وقل له كما قال الله عز وجل: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [آل عمران:70]. فإذاً: المفروض على الإنسان في الدعوة أن لا يستغني في حال من الأحوال عن الإنذار بآيات القرآن الكريم، ولا يُردد هذه المقولة الباطلة: (كيف نحاجهم بالقرآن مع أنهم كافرون بالقرآن؟!) لأن الله سبحانه تعالى أودع في هذا القرآن قوة إلهية قاهرة تقهر قلوب من يكفرون به، حتى وصل الحال ببعض مشركي مكة الذين هم أشد الناس كفراً وعتواً إلى أنه أنهم حينما تلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم مفتتح سورة (فصلت) لم يطق صبراً من الخوف ومن شدة النذارة التي في الآيات الكريمات، فوضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يسمع، وكأنه يقول: يكفينا هذا. ولم يتحمل أن يسمع أكثر من ذلك من شدة الخوف، فآيات القرآن هي موعظة ونهي وزجر للإنسان عن الكفر وعن المعاصي، فينبغي أن لا نبطل إعمال هذا السلاح في أعداء الله، ذلك السلاح الذي يخترق قلوبهم، إما لتهتدي وإما ليقطعها حسرة ويقيم عليها الحجة، فلا يجوز تعطيل آيات الله بهذه الدعوى الغريبة التي صدرت وشاعت الآن، وهي أننا لابد من أن نخاطبهم بأساليب أخرى، قد يكون منها مناقشتهم عن طريق كتبهم ونصوص كتبهم المحرفة، مع الإعراض الكامل عن آيات القرآن الكريم، فهذا المنهج منافٍ لمنهج الأنبياء ومخالف لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، فـ ابن مسعود خرج في أوائل البعثة وقرأ سورة (الرحمن) في الحرم الشريف، حتى ضربوه وأدموه وصار كالنصب الأحمر، وكذلك فعل أبو ذر، فالصحابة كانوا يخرجون أمام المشركين ويصدعون بآيات الله، كما قال عز وجل: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر:94]، فلا يجوز بحال ترك الدعوة بالقرآن، بل ألف باء الدعوة أن الإنذار يكون بالقرآن الكريم وبمعانيه. يقول صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع). وقوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى}، هذا استفهام إنكار، {قُلْ لا أَشْهَدُ}، أي: قل لهم: (لا أشهد) أي: لا أشهد بأن مع الله آلهة أخرى. وقوله: {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، يعني: من الأصنام وغيرها. يقول القاسمي: قوله تعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة) يعني: شهادة أي شيء أكبر؟ بحيث لا يمكن معارضته بما يساويه، يعني: من هو أكبر شهادة، بحيث لا يمكن معارضة شهادته بشهادة غيره ممن يساويه؟ فالإجابة: هو الله؛ لأن الله لا يساويه أحد، كما قال عز وجل: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص:4]. فقوله: (قل الله) يعني: الله أكبر شهادة، أو شهادة الله هي شهادة أكبر شيء؛ لأنه لا يوجد احتمال على الإطلاق لطروق الكذب في خبر الله عز وجل أصلاً، ومعاذ الله! أن يحصل ذلك، أي: لا يمكن أن يتطرق إلى خبر الله عز وجل كذب، قال عز وجل: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثاً} [النساء:87]، وقال: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً} [النساء:122]. وقوله: (قل الله) مع أنه سألهم، لكن الله سبحانه وتعالى قال له: قل لهم: (الله) وهذا بعد أن مهد لهم بهذه المقدمة (قل أي شيء أكبر شهادة)؛ لأنه يجب عليه أن يتولى الجواب بنفسه، ولبيان عدم قدرتهم على أن يجيبوا بغيره؛ إذ لا يمكن أن تكون هناك إجابة أخرى غير أن الله هو أكبر شيء شهادة، أو لأنهم ربما يتلعثمون فيه. وقوله: (قل الله شهيد بيني وبينكم) خبر لمحذوف، يعني: هو شهيد بيني وبينكم، أو خبر عن لفظ الجلالة، ودل على جواب (أي) من طريق المعنى؛ لأنه إذا كان الله تعالى هو الشهيد بينه وبينهم كان أكبر شيء شهادة شهيد له، فيكون هذا من أسلوب الحكيم؛ لأنه عدل عن الجواب المتبادر إليه ليدل على أن أكبر شيء شهادة شهيد للرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الله أكبر شيء شهادة والله شهيد له، فينتج أن الأكبر شهادةً شهيد له، فكأن هنا مقدمتين ثم نتيجة: المقدمة الأولى: الله أكبر شيء شهادة. المقدمة الثانية: الله شهيد للرسول صلى الله عليه وسلم على صدقه. فينتج أن الأكبر شهادةً شهيد للرسول صلى الله عليه وسلم، ومعنى (شهيد): مبالغ في الشهادة على نبوته، ولم يقل: شاهد، وإنما قال: (شهيد) واستعمل صيغة المبالغة في شهادته لصدق نبوته صلى الله عليه وسلم بحيث يقطع النزاع بينه وبينهم؛ إذ شهد سبحانه بالقول فيما أوحى إلى الأنبياء السابقين بصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وبالأمور الفعلية فيما ظهر على يديه صلى الله عليه وسلم من المعجزات، لاسيما معجزة القرآن، كما قال تعالى: ((وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)) إشارة إلى هذه المعجزة التي أوحاها الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
إعجاز القرآن في بلاغته
إعجاز القرآن في بلاغته وقوله: (أوحي إليَّ هذا القرآن) أي: الجامع للعلوم التي يُحتاج إليها في المعارف والشرائع في ألفاظ يسيرة في أقصى مراتب الحسن والبلاغة، وهو معجزة شاهدة بصدق رسالتي؛ لأنكم أنتم الفصحاء والبلغاء، وقد عجزتم عن معارضته. وقوله: (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به) يُفهم منه أنه لا يجوز للدعاة أن يعطلوا الإنذار بالقرآن؛ لأننا نلاحظ أن الكفار الذين لا يفقهون حرفاً في اللغة العربية إذا سمعوا القرآن دهشوا وذهلوا وأفصحوا عن وجود سلطان قوي قاهر على قلوبهم حينما يسمعون القرآن، وهذا يكاد يكون من المتواتر، أي أن كل من يسمع القرآن الكريم يتأثر به هذا التأثر، فللقرآن سلطان على القلوب بمجرد سماعه بدون أن يفقه القلب معانيه، وهذا لقوة في القرآن الكريم، ولا أدل على ذلك مما نراه في حال إخواننا المسلمين الباكستانيين أو غيرهم من الجنسيات الذين يحفظون القرآن أو يحفظ كثير منهم القرآن الكريم دون أن يفقه معناه، ومع ذلك يبكي بكاءً شديداً إذا تلا القرآن الكريم، وبعضهم حكي عنه أنه يمسك القرآن الكريم ويضمه إلى صدره ويبكي ويقول: كتاب ربي كتاب ربي. فالشاهد أن القرآن الكريم له سلطان في لغته، وفي سماع تلاوته، وفي أحكامه، وفي بلاغته من كل الجوانب، فإذا أتيته تجد بحراً زخاراً بالكنوز الثمينة. فلذلك ثنَّى تبارك وتعالى بقوله: (وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به) يعني: بما فيه من الوعيد (ومن بلغ) أي: لأنذركم وأنذر به -أيضاً- من بلغه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أُرسل لكل العالمين، يعني: أنذركم به -يا أهل مكة- وسائر من بلغه من الناس كافة، فهو نذير لكل من بلغه، وهذا كقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود:17]. وقوله: (أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى) هذا تقرير لهم مع إنكار واستبعاد. قوله: (قل لا أشهد) يعني: لا أشهد بما تشهدون. قوله: (قل إنما هو إله واحد) أي: بل أشهد أن لا إله إلا هو، ولا يُشارك في إلاهيته ولا في صفات كماله. قوله: (وإنني بريء مما تشركون) يعني: من الأصنام.
إطلاق لفظ شيء على الله عز وجل
إطلاق لفظ شيء على الله عز وجل واستدل الجمهور بقوله تعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة) على جواز إطلاق لفظة (شيء) على الله تعالى، وكذا استدلوا بقوله سبحانه وتعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص:88] فإن المستثنى يجب أن يدخل تحت المستثنى منه، وذلك لأن الشيء أعم العام؛ لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، وبعض العلماء منع إطلاق لفظة (شيء) على الله سبحانه وتعالى، واستدلوا بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180]، والاسم إنما يحسن بحسن مسماه، أي أن أسماء الله حسنى لحسن مسماها، وهو أن يدل على صفة من صفات الكمال ونعت من نعوت الجلال، كما هو معلوم في أسمائه عز وجل الحسنى، ولفظ (شيء) أعم الأشياء، فهذه حجة من لا يجيز إطلاق لفظة (شيء) على الله، قالوا: إن كلمة (شيء) أعم الأشياء، فيكون مسماه حاصلاً في أحسن الأشياء وفي أرذلها، فالأشياء الحقيرة أو الصغيرة يطلق عليها أشياء، والأشياء العظيمة -أيضاً- تسمى أشياء، ومتى كان كذلك لم يكن المسمى بهذا اللفظ صفة من صفات الكمال، فوجب أن لا يجوز تسمية الله بهذا الاسم؛ لأنه ليس من الأسماء الحسنى، وقد أمر تعالى بأن يدعى بها. وأجيب بأن كونه ليس من الأسماء الحسنى لكونها توقيفية، أي: أنه يطلق على الله لفظ (شيء)، لكنه ليس من الأسماء الحسنى، فيطلق عليه لفظ (شيء) للآيتين اللتين ذكرناهما، وهما قوله تعالى: ((قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ)) وقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص:88]. فهو يطلق على الله عز وجل، لكن ليس من الأسماء الحسنى؛ لأن الأسماء الحسنى توقيفية، ولكونه لا يدعى به الله سبحانه وتعالى؛ إذ لا يقال في دعائه: يا شيء. لأن هذا لم يرد، لكن هذا لا ينافي أن كلمة (شيء) تشمل الذات العلية شمول العام، والمراد بإطلاقها عليه تعالى فيما تقدم شموله، لا تسميته به، وهذا لفظ شامل، ومما يشمله أن يطلق على الله سبحانه وتعالى. وبالجملة فلا يلزم من كونه ليس من الأسماء الحسنى أن لا يشمل الذات المقدسة شمولاً كلياً.
الخلاف في المقصود بالشهادة في قوله تعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة)
الخلاف في المقصود بالشهادة في قوله تعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة) وقوله تعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة) اختار القاسمي أنها شهادة على صحة نبوته، وبعض العلماء قالوا: (أي شيء أكبر شهادة) قالوا: على وحدانيته تبارك وتعالى. والذي جنح إليه الأكثر أنه أكبر شيء شهادة في ثبوت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا يفترض من الجواب أنه قد وقع السؤال، لكن الجلال السيوطي قال: ونزل لما سأله مشركو مكة فهو جزم بأنها سبب النزول، أما هنا فقال: فكأنه، أي أنه افترض أن هذا كان وقوعاً للسؤال، وكأن مشركي مكة طلبوا منه صلى الله عليه وسلم شاهداً على نبوته، فقال لهم: أكبر شيء شهادة هو الله تعالى، وقد شهد لي بالنبوة؛ لأنه أوحى إليَّ هذا القرآن وتحداكم بمعارضته فعجزتم، وأنتم أنتم في مقام البلاغة، وإذا كان معجزاً كان إظهاره تعالى إياه على وصف دعواي شهادة منه على صدقي في النبوة. ولبعضهم وجه آخر، وهو أن المعنى: شهادته تعالى في ثبوت وحدانيته، وتنزهه عن الأنداد والأشباه، ويقوي هذا الاحتمال تتمة الآية: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى} فهذا الفريق من العلماء قالوا المعنى: (قل أي شيء أكبر شهادة) على وحدانية الله. واستدلوا بتتمة الآية التي هي: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى}، وأيضاً يشهد له قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ} [آل عمران:18] وقوله تعالى: {فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام:150]. ومما يدل على أن الشهادة إنما عني بها في موارد التنزيل ثبوت الوحدانية أن القرآن يفسر بعضه بعضاً. إذاً: يحتمل أن تكون المعنى: (قل أي شيء أكبر شهادة) أي: على صدق نبوتي، أو (قل أي شيء أكبر شهادة) أي: على توحيد الله عز وجل وعدم الإشراك به. واقتصر هنا على الإنذار بقوله: (لأنذركم به) لكون الخطاب مع كفار مكة، وليس فيهم من يبشر، أو اكتفى به عن ذكر البشارة على حد قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ} [النحل:81]، فالأصل في النذارة أنها تقرن بالبشارة، فاكتفى هنا بالنذارة من باب: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ} [النحل:81] لأنها مشهورة فلم يذكرها. واستُدل بقوله تعالى: ((لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)) على أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الناس كافة، وإلى الجن؛ لأن البشر أجمعين والجن -أيضاً- قد بلغهم هذا القرآن الكريم.
أحكام القرآن تعم جميع الخلق منذ نزوله إلى قيام الساعة
أحكام القرآن تعم جميع الخلق منذ نزوله إلى قيام الساعة واستدل به -أيضاً- على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله، ومن سيولد بعد إلى يوم القيامة؛ لأن كلمة (ومن بلغ)، تعنى: كل من بلغه القرآن، سواء أكان في زمانه صلى الله عليه وسلم أم في غير زمانه إلى يوم القيامة، أم في أي مكان على وجه هذه الأرض. فكل من سمع هذا القرآن يجب عليه أن يتحرى، وكل من بلغه أن الله سبحانه وتعالى بعث رسولاً اسمه محمد، أو أنزل كتاباً اسمه القرآن، أو أن هناك ديناً اسمه الإسلام يجب عليه أن يتحرى ويبذل غاية وسعه في التحري عن الحق، ولا يعذر إن قال: اجتهدت في البحث عن الحق فوجدت الحق في غير دين الإسلام. لا يعذر أمام الله سبحانه وتعالى أبداً؛ لأن وضوح صدق دين الإسلام وأنه دين الله الوحيد الحق أظهر من الشمس، ولا يمكن لأي إنسان عاقل يخلص في البحث عن الحق أن يصل إلى غير هذه النتيجة؛ لشدة وضوحها، وكثرة الأدلة عليها، فمما يؤسف له أننا نجد حتى من بين من ينتسبون للدعوة أو من بين الملتزمين من لا يستطيع أن يدلل على قضايا الإيمان وإحباط الشرك والكفر، وهذه الأشياء أساسية، وينبغي على الإنسان أن يتسلح فيها بالأدلة، فإذا احتجت في وقت من الأوقات إلى أن تثبت أن القرآن معجزة وأنت لم تعرف الأدلة فكيف ستتكلم؟ وماذا ستقول؟ وبم تدلل؟ وكيف تقيم دلالة قوية قاطعة على أن القرآن معجزة من عند الله سبحانه وتعالى؟! فلابد من أن تكون مستحضراً لهذه الأشياء. ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم قد ثبتت عندنا بأدلة من أقوى الأدلة التي هي كالشمس في نقائها وظهورها ووضوحها، فيقبح بنا -معشر المسلمين- أن لا نتقن هذه الأدلة، وأن نعجز عن أن نحاج في الانتصار لدين الحق؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام إن كان قد قبضه الله عز وجل والتحق بالرفيق الأعلى فإن أمته تقوم مقامه في إبلاغ رسالته وإقامة الحجة على الخلق، فنحن الشهداء على هذه الأمم، كما قال عز وجل: {وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج:78]، فكيف نكون شهداء على الناس ونحن لم نبلغهم الحق أصلاً، وقد قصَّرنا في إبلاغ هذا الحق إليهم؟! فإذاً: يجب على الإنسان أن لا يقصِّر أبداً في إبلاغ الحق إلى أي مخلوق، سواءٌ من يهود أو نصارى أو مشركين أو أي طائفة، فلابد من أن يجتهد الإنسان في التبليغ. يقول محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه. ورواه عنه ابن جرير بلفظ: من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو كالذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ينذر بالذي أنذر.
وجوب التوحيد والبراءة من الشرك
وجوب التوحيد والبراءة من الشرك قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}، وهذا النص الشريف يدل أقوى دلالة على إثبات التوحيد بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد؛ لأن (إنما) تفيد الحصر، كما أن كلمة (واحد) صريحة في نفي الشركاء، ثم صرَّح بالبراءة عن إثبات الشركاء فقال: (وإنني بريء مما تشركون)، ولذلك استحب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لمن أسلم بعد إتيانه بالشهادتين أن يتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام، لقوله تبارك وتعالى هنا: (وإنني بريء مما تشركون) عقب التصريح بالتوحيد في قوله: (قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون).
تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)
تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) قال تبارك وتعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:20]. قوله: (الذين آتيناهم الكتاب) أي: اليهود والنصارى (يعرفونه) أي: يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته ونعته الثابت في التوراة وفي الإنجيل. وقوله: (كما يعرفون أبناءهم) أي: بحلاهم ونعوتهم، فلا يخفون عليهم ولا يلتبسون بغيرهم، فهم من شدة وضوح الأخبار الواردة عندهم بصفة النبي صلى الله عليه وسلم لا يلتبس عليهم وصفه تماماً، كما لا يلتبس على الواحد منهم معرفة ابنه؛ لأن الإنسان لا يشك في معرفة ابنه، فكما أن هذا لا يقع فكذلك هم يستيقنون ويعرفون أنه هو الرسول المذكور في كتبهم، فكأن هذا استشهاد لأهل مكة، لأن أهل مكة قالوا قبل ذلك: إن أهل الكتاب ينكرونك وينكرون نبوتك، فأتنا بشاهد يشهد لك. فنزلت الآية: ((قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)). قال الزمخشري: وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب للنبي عليه الصلاة والسلام والسلام، وبصحة نبوته، ولذا قال: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}، فإنكار رسول الله صلى الله عليه وسلم خسران. وقوله: ((الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ)) يعني: من المشركين ((فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)) أي: بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشَّرت به الأنبياء ونوهت به؛ لأنه مطبوع على قلوبهم.
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون)
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون) قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام:21]. قوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً) من كذبهم أنهم زعموا أن الملائكة بنات الله، وقولهم في الأصنام: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وما حكاه الله تعالى عنهم بقوله: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف:28] ونحو ذلك. وقوله: (أو كذب بآياته) يعني: إما أنه افترى على الله الكذب، وإما أنه لما جاءته آيات الله كذب بها، فكذب بالقرآن والمعجزات وسماها سحراً. وقوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته) مع أنهم جمعوا بين الأمرين تنبيهاً على أن كل واحد منهما وحده بالغ الغاية في الإفراط في الظلم، فكيف وهم قد جمعوا بينهما، فأثبتوا ما نفاه الله تعالى ونفوا ما أثبته؟! وقوله: (إنه لا يفلح الظالمون) أي: لا ينجون من مكروه، ولا يفوزون بمقصود، فإذا كان حال الظالمين هذا، فكيف بمن لا أحد أظلم منه، وهم هؤلاء الذين يفعلون هذه الأشياء؟! فكل ظالم خاسر؛ لأن كل ظالم لا يفلح، كما قال تعال هنا: (إنه لا يفلح الظالمون)، يعني: لا يفلحون في الدنيا بانقطاع الحجة عنهم، وظهور المسلمين عليهم، وفيه إشارة إلى أن مدَّعي الرسالة الذين يدعون النبوة والرسالة كذباً لا يفلحون؛ فمن كان كاذباً مفترياً على الله فلا يكون مفلحاً؛ لأنه ذكر في الآية الذي يدعي النبوة فقال: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته)، فمن افترى على الله كذباً بأن ادعى أنه أوحي إليه ولم يوح إليه شيء، فهذا هو الكاذب الذي لا يمكن أن يكون من المفلحين؛ لأنه (لا يفلح الظالمون)، فلا يمكن أن يكون مدعي النبوة سبباً لصلاح العالم، ولا محلاً لظهور المعجزة، وهذه آية من آيات الله الباهرة، إذ كل من ادعى النبوة لابد من أن يفتضح، أو أن يتوب في النهاية، ولكن بعد أن ينكشف كذبه للناس، والكاذب لا يمكن الله عز وجل له في الأرض ولا يؤيده بالمعجزات، ولا يكون سبباً في صلاح العالم، كما جاء في بعض الآثار الإسرائيلية أنه سئل المسيح: كيف نميز بين الكاذب من الصادق؟ فقال: من ثمارهم تعرفونهم.
الأسس التي يعرف بها صدق الرسول
الأسس التي يعرف بها صدق الرسول وما ذكر هو أحد الأسس الخمسة التي نستطيع من خلالها أن نستدل على صدق الرسول، فالرسول يعرف صدقه بخمسة أشياء: بصفاته الشخصية؛ لأن الأنبياء يتميزون بصفات شخصية خَلقية أو خُلقية، ولا توجد بهذه الصورة المجتمعة إلا في الأنبياء، فالأنبياء لهم آثار لا تشتبه بآثار غيرهم، فمن الأثر الإصلاح الذي يحدثونه في العالم كله، ولا تعرف نبوةُ على الإطلاق أعظم أثراً من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أبداً، وهذا باعتراف الكفار أنفسهم، ولعل من قرأ كتاب (العظماء مائة) يجد أنه ذكر أن أعظمهم هو محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن المؤلف الكافر، ولكن هذه حقيقة لا يستطيع أحد أن ينكرها أبداً، فإنه لم يوجد في تاريخ البشرية كلها شخص أعظم أثراً في إصلاح العالم مثل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ومن هذه الأسس النبوءات التي تخبر عن أشياء تقع في المستقبل وتقع كما أخبر. ومنها: بشارة الكتب السابقة به. ومنها المعجزات. فمدعي الرسالة لو كان كاذباً مفترياً على الله تعالى فإنه لا يكون مفلحاً، ولا يكون سبباً لصلاح العالم ولا محلاً لظهور المعجزات.
تفسير قوله تعالى: (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا)
تفسير قوله تعالى: (ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا) يقول تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام:22]. قوله: (يوم نحشرهم) أي: الإنس والجن والشياطين. (جميعاً) لكي يفتضح من لا يفلح من الظالمين، ويظهر المفلحون بكمال الإعجاز. وقوله: (ثم نقول للذين أشركوا) أي: الذين مضوا على الشرك بأن ماتوا عليه، وهم الشاهدون أن مع الله آلهةً أخرى: (أين شركاؤكم) أي: الذين جعلتموهم شركاءنا، وهم شركاؤكم في العبودية. وقيل: قوله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ} [الصافات:22] يقتضي حضورهم معهم في المحشر، وعلى هذا تحمل الآية هنا (ويوم نحشرهم جميعاً) أي: المشركين (ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون)، ففي الآية الأخرى يقول عز وجل: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُوْنِ الله} [الصافات:22] فهذا يقتضي حضورهم معهم في المحشر، وآية الأنعام فيها سؤالهم عن شركائهم. وأجيب بأنه على تقدير مضاف، أي أن الله هنا يقول: (ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم)، والآية الأخرى تثبت أن شركاءهم يحشرون معهم، والسؤال بـ (أين) يكون على شيء لا يحضر، ف A هم حاضرون بالفعل محشورون معهم مصداقاً للآية التي في سورة الصافات، لكن المقصود هنا بتقدير مضاف، فقوله: (أين شركاؤكم) يعني: أين نفع شركائكم، وأين شفاعة شركائكم؟! فهم بمنزلة الغُيَّب؛ لأن الحاضر الذي لا نفع ولا فائدة من حضوره هو مثل الغائب، ومثل الميت، ومثل المعدوم؛ لأنهم عدموا ما رجوا منهم من الشفاعة. فالمقصود هو التوبيخ والتقريع، وأن يقرر في نفوسهم أن ما كانوا يرجونه مأيوس منه، وثمرة هذا أنهم يعلمون في الدنيا أنه تقوم عليهم الحجة، فيعملون عقولهم ليستحضروا ما هم عليه من الضلال، وأن هؤلاء الذين يرجون شفاعتهم سوف ييئسونهم ويخذلونهم، وذلك تنبيه لهم في دار الدنيا على فساد هذه الطريقة. وقوله: (الذين كنتم تزعمون) يعني: تزعمونهم شركاء من عند أنفسكم.
تفسير قوله تعالى: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين)
تفسير قوله تعالى: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) قال تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام:23]. قوله: (ثم لم تكن فتنتهم) أي: جواب ما اعترض به على فتنتهم التي هي شهادة أن مع الله آلهة أخرى. فقوله: (ثم لم تكن فتنتهم) يعني: لم يكن جوابهم إلا أن كذبوا وقالوا، فسمى الجواب فتنة؛ لأنهم وقعوا في الكذب، فافتتنوا بالكذب أمام الله عز وجل في الآخرة. وقوله: (إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين)، أي: أنهم اعتذروا عن أصنامهم بنفيها نفياً، مؤكداً بالقسم بالاسم الجامع، ولذا قالوا: (والله ربنا ما كنا مشركين)، ونسبوا الربوبية إلى الله عز وجل، لا إلى ما سواه، مبالغةً في التبرؤ من الشرك، فكان هذا العذر ذنباً آخر؛ لأنهم يكذبون يوم القيامة أمام الله عز وجل، ويحلفون على كذبهم يميناً غموساً. وهذا جدير بأن يسمى بالفتنة، ولذا قال: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين).
تفسير قوله تعالى: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون)
تفسير قوله تعالى: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون) قال تعالى: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام:24]. قوله: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم)، يعني: بنفي الإشراك عنها أمام علام الغيوب، وبحضرة من لا ينحصر من الشهود، فإن الشهود لا ينحصرون في ذلك اليوم، وأكبر شيءٍ شهادةً هو الله عز وجل، الذي رآهم وكان شهيداً على أعمالهم وشركهم وكفرهم، ثم الرسل والملائكة والبشر، وكل هؤلاء يشهدون عليهم، ومع ذلك اجترءوا على الكذب أمام الله عز وجل، فلذلك يقول تعالى: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون)، أي: انظر كيف ضاع وغاب عنهم ما كانوا يفترون من الشركاء، فلم يغن عنهم شيئاً، ففقدوا ما رجوا من شفاعتهم ونصرتهم لهم، وهذا كقوله تعالى: {قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا} [الأعراف:37] أي: خذلونا. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور، وعلى أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟! يعني: كيف يكذبون مع أنهم يطلعون الآن على الغيبيات وعلى حقائق الأمور، ويطلعون على أن الكذب والجحود لن ينفعهم يوم القيامة؟ يقول الزمخشري: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه. أي أنه يتعلق بقشة، والكذب أسوأ من القشة، فالممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه، من غير تمييز بينهما حيرةً ودهشاً، ألا تراهم يقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون:107]، مع أنهم قد أيقنوا بالخلود في جهنم، ومع ذلك يحاولون أي محاولة فيقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون:107]، وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه، كما قال تعالى عنهم: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف:77] وقد علموا أنه لا يقضي عليهم.
تفسير قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة)
تفسير قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة) ثم بين تعالى بعض ما كان يصدر من مشركي مكة مما طبع على قلوبهم بسببه، فقال عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [الأنعام:25]. قوله: (ومنهم من يستمع إليك)، يعني: يصغي إليك حين تتلو القرآن ولا يفني عنه شيئاً؛ لأنه لا يتدبر فيه حتى يطلع على إعجازه ويؤثر فيه الإرشاد. وقوله: (وجعلنا على قلوبهم أكنة) أي: حجباً، و (أكنة) جمع كنان، كغطاء جمعه أغطية، والموافقة هنا في الوزن وفي المعنى، فمعنى أكنة: أغطية. وقوله: (أن يفقهوه) يعني: كراهة أن يفهموا ببواطن قلوبهم بواطنه التي بها إعجازه وإرشاده؛ لإقامة الدلائل ورفع الشبه. قوله: (وفي آذانهم وقراً)، أي: وجعلنا في آذانهم التي هي طريق الوصول إلى بواطن القلوب صمماً مانعاً من وصول السماع النافع. وقوله: (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) يعني: ليس هذا القصور متعلقاً بتقصيره مع القرآن الكريم وتدبر القرآن فقط، لكن هذا في أي آية أخرى ابتدأ فيهم بها فلم يؤمنوا بها، فيقولون: هي سحر. لصرف عنادهم واستحكام التقليد فيهم، ولذلك قال عز وجل: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال:23] يعني: سمع انتفاع. ثم يقول تعالى: (حتى إذا جاءوك يجادلونك) يعني: بلغ تكذيبهم للآيات إلى أنهم إذا جاءوك يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل. ثم فسر المجادلة بقوله: (يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين) أي: أباطيلهم وأحاديثهم التي لا نظام لها. ولا شك في أن هذه رتبة من الكفر ليس وراءها رتبة؛ لأن هؤلاء المبطلين يعدون أصدق الحديث وأحسن الحديث الذي هو كلام الله من قبيل الأباطيل، مع أنه هو الذي: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42]، فهذه -بلا شك- رتبة من العناد والكفر لا غاية وراءها.
تفسير قوله تعالى: (وهم ينهون عنه وينأون عنه)
تفسير قوله تعالى: (وهم ينهون عنه وينأون عنه) ثم يقول عز وجل: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام:26]. قوله: (وهم ينهون عنه) يعني: لا يقنعون بما ذكر من تكذيبه، بل يصدون غيرهم -أيضاً- عن استماعه. قوله: (وهم ينهون عنه وينأون عنه)، أي: أنهم يبعدون عن القرآن، وينهون الآخرين عن أن يجتمعوا للقرآن، وهم لرؤيتهم حلاوة نظمه فوق نثرهم وشعرهم مع مكانة معانيه يعرفون أن التدبر فيه يفيد التطلع إلى إعجازه، فيخافون تأثيره في قلوب الخلائق، لذلك ينهون عنه، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت:26] فهم ينهون عن قراءته واستماعه لئلا يدعوهم إلى التدبر فيه فيفسد عليهم أغراضهم الفاسدة. وقوله: (وينأون عنه) يعني: يتباعدون عنه بأنفسهم إظهاراً لغاية نفورهم منه، وتأكيداً لنهيهم عنه، فإن اجتناب الناهي عن المنهي عنه من متممات النهي. وقوله عز وجل: (وإن يهلكون إلا أنفسهم) أي: هم بهذا الإبتعاد عن مصدر الهدى الذي هو القرآن لن يضروا الله ولا رسوله ولا المؤمنين شيئاً، فإن الله عز وجل متم نوره ومظهر دينه، وإن الدائرة على هؤلاء الكافرين، ولذلك قال: (وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون) قيل في بعض التفاسير: يدخل في هذه الآية الكريمة أبو طالب، فإنه كان ينهى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذى. فقوله: (وهم ينهون عنه) يعني: ينهى المشركين عن أذيته عليه الصلاة والسلام (وينأون عنه)، أي: وهو نفسه ينأى عنه فلا يؤمن به، مع أنه ينهى إخوانه من مشركي قريش عن أذية الرسول عليه السلام، وكان يحميه، وفي نفس الوقت هو في ذاته ينأى عنه ويبعد عن الإيمان به، فلم يؤمن به. ويكون سر الجمع في قوله: (وهم) أن المقصود أبو طالب ومن كانوا يتابعونه ويناصرونه على ذلك، وقيل: إنها نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس معه في العلانية، وأشدهم عليه بالسر؛ إذ كانوا يناصرونه في العلانية، وينهون الناس عن أذيته، وهم في السر أشد الناس بعداً عنه في الإيمان به عليه الصلاة والسلام. ولا يخفى أن لفظ التنزيل مما يطلق على ما ذكر ولا ينافيه، وهو المراد بالنزول، واستشهد بعض هؤلاء المفسرون بقول أبي طالب يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر بذاك وقر منه عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرفت دينك لا محالة أنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا وهناك جناس بديع بين: (ينهون) و (ينأون).
تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد)
تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد) ولما أخبر تعالى أنهم يهلكون أنفسهم شرح كيفيته، مع بيان ما سيصدر عنهم في الآخرة من القول المناسب لعقدهم الدنيوي، فقال عز وجل: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام:27]. قوله: (ولو ترى إذ وقفوا على النار) أي: اطلعوا عليها فعاينوها، أو دخلوها فعرفوا ما فيها من العذاب. وقوله: (على النار) إما أن معناه: فوق النار على الصراط، وإما أن (على) بمعنى (في) يعني: أقيموا في جوف النار وغاصوا فيها، وهي محيطةٌ بهم. وقوله: (فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين) تمنوا الرجوع إلى الدنيا حين لا رجوع، واعدين أن لا يكذبوا بما جاءهم، وأن يكونوا من المؤمنين بآياته العاملين بمقتضاها حتى لا يرون هذا الموقف الهائل، ويكونون من فريق المؤمنين الناجين من العذاب الفائزين بحسن المآب.
تفسير قوله تعالى: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل وما نحن بمبعوثين)
تفسير قوله تعالى: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل وما نحن بمبعوثين) يقول تعالى: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام:28]. قوله: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) في هذا إضراب عما يدل عليه تمنيهم الباطل من الوعد بالتصديق بالإيمان، يعني: ليس هذا الكلام الذي يقولونه حقاً، وإنما هو كما قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون:100] على أحد التفاسير، فهي مجرد كلمة، لكن في الحقيقة لو أن الله ردهم لعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، والعياذ بالله! فالله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون، ويعلم -أيضاً- ما لم يكن لو كان كيف يكون، حتى الشيء الذي لم يقع لو كان سيقع بعلمه على أي صورة سيقع، والدليل هذه الآية (ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه)، فيخبر تعالى أنه لو ردهم إلى الدنيا كما يطلبون وكما يتمنون لعادوا لما نهوا عنه من الشرك. وهذا نلاحظه في الجبابرة والعتاة والطغاة حينما يتعرضون للموت ويواجهون الموت، ثم يشاء الله سبحانه وتعالى أن ينجيهم، ولا شك في أن أي واحد منا لو استحضر أنه ما بينه وبين الموت إلا طرفة عين وانتباهتها فإنه في تلك اللحظة يعاهد الله على التوبة والاستقامة؛ لأنه رأى الموت بعينه. وما من أحد يمرض إلا وهو في الغالب يجدد العهد مع الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس:22]، وهذا شيء يحسه كل إنسان منا في نفسه. فعادة هؤلاء الجبابرة المتجبرين أن الله إذا رد أحدهم فإنه لا يتعظ ولا ينزجر ولا يرعوي، ولا يحدث توبة، بل ربما يتمادى في الطغيان وفي العتو وفي الإفساد في الأرض. فالإنسان كما قال الشاعر: ما أنت إلا كزرع عند خضرته لكل شيء من الآفات مقصود فإن سلمت من الآفات أجمعها فأنت عند تمام الزرع محصود فليست الأمنية التي يذكرونها عن عزمٍ صحيح، وليست عن اعتقاد خالص، بل هي بسبب آخر، وهو أنه ظهر لهم ما كانوا يكتمون في أنفسهم من الكفر والشرك، يعني: أنهم حاولوا أن يكتموا جريمتهم بقولهم: (والله ربنا ما كنا مشركين)، فالله سبحانه وتعالى يبين هنا حالهم فقال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام:27]، يعني: أنهم الآن يقولون: (ولا نكذب بآيات ربنا)، ويقولون أيضاً: (ونكون من المؤمنين)، وهم قبلها في موقف آخر في القيامة كانوا يقولون: ((وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ))، أي: نحن كنا مؤمنين، فيبين الله سبحانه وتعالى أن السبب في تمنيهم الرجوع إلى الدنيا ليس العزم الصحيح والنية الصادقة على أنهم يتوبون إذا رجعوا إلى الدنيا، لكن الذي جعلهم يتمنون الرجوع هو أنه قد كشف الله مخبوء صدورهم حينما كذبوا وحلفوا كذباً وزوراً أنهم ما كانوا مشركين، فقد ظهر ما كانوا يكتمون في أنفسهم من الكفر والشرك بقولهم: (والله ربنا ما كنا مشركين)، وعرفوا أنهم هالكون بشركهم، فتمنوا لذلك أن يعودوا إلى الدنيا. أو كشفهم بشهادة جوارحهم عليهم، فإنهم حلفوا أنهم ما كانوا مشركين، وما عملوا المعاصي، فينطق الله سبحانه وتعالى جوارحهم فتنطق تدينهم، فحينئذ ينكشف الكذب الذي كانوا يكذبونه. أو انكشف لهم ما كانوا يخفون من قبل في الدنيا حينما كانوا يخفون تصديق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويخفونها في صدورهم، انكشفت لهم الحقيقة يوم القيامة، وكانوا يبدون في الدنيا خلاف هذا التصديق، كما قال عز وجل عن موسى أنه قال لفرعون: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء:102] يعني: أن فرعون نفسه كان موقناً بصدق موسى، لكن كان يخفي ذلك في صدره، فقد كان أمام الجماهير وأمام الشعب يجهر بتكذيب موسى، وهو في قلبه مؤمن بأن موسى صادق، والدليل قوله تعالى هنا حكايةً عن موسى: (لَقَدْ عَلِمْتَ) يعني: يا فرعون (ما أَنزَلَ هَؤُلاءِ) أي: الآيات: {إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء:102]، وقال في الآية الأخرى في شأن فرعون وقومه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14]. وقوله: (ولو ردوا) يعني: عن هذا الموقف إلى الدنيا كما تمنوا وغاب عنهم ما شاهدوه من الأحوال (لعادوا لما نهوا عنه) أي: لعادوا إلى الشرك وإلى الكفر. وقوله: (وإنهم لكاذبون) يعني: في وعدهم بالإيمان، أو أن ديدنهم الكذب في أحوالهم، ولذلك كان للسلف الصالح مع هذه الآية وأمثالها مواقف، فقد كان بعض السلف يعظ ابنه فيقول له: يا بني! هب أننا متنا ثم بعثنا ونشرنا وقامت القيامة، وحكم علينا أن ندخل النار، ثم وقفنا على الصراط، ووقفنا أمام ربنا سبحانه وتعالى فسألناه الرجعة، ودعونا الله أن نرجع لنعمل صالحاً، هب أنك سألت الله الكرة الجديدة فأعطاك، فافترض أن حياتك الآن هي فرصة ثانية أعطاك الله إياها، فانتهز هذه الفرصة قبل أن تسأل الكرة فلا تعطاها. ثم قال تعالى: {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}. قوله: (إن هي إلا حياتنا الدنيا)، يعني: ما الحياة إلا حياتنا الدنيا، وإن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع! وقوله: (وما نحن بمبعوثين)، يعني: بعد أن نفارق هذه الحياة.
تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق)
تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق) قال الله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنعام:30]. قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ}، يعني: عرضوا عليه، أو وقفوا بين يديه، {قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ}، أي: أليس هذا المعاد والبعث والنشور بالحق؟! قال هذا تقريعاً لهم ورداً لما يتوهمون عند الرد، {قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا}، أي: إنه الحق، وليس بباطل كما كنا نظن. وأكدوا اعترافهم باليمين إظهاراً لكمال يقينهم بأحقيته، فعندهم يقين، لكن اليقين لا ينفع في الآخرة حين تنكشف الحجب، وإنما اليقين ينفع في دنيا الاختبار والابتلاء حين تؤمن بالغيبيات دون أن تراها، هذا هو اليقين المفيد النافع، أما اليقين بالظاهر فكل الناس يوقنون إذا انكشفت الحجب، كما قال تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق:22]. ولذا قال لهم: (قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون).
تفسير قوله تعالى: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله)
تفسير قوله تعالى: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله) قال عز وجل: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام:31]. قوله: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله)، يعني: ببلوغ الآخرة وما يتصل بها. وقوله: (حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون)، روي أن علياً رضي الله تعالى عنه نظم أبياتاً على منوال هذه الآية، وقيل: إنها لـ أبي العلاء المعري، ولعل هذا أقرب، يقول فيها: قال المنجم والطبيب كلاهما لا تحشر الأجساد قلت إليكما و (إليكما) هنا معناها: كُفَّا عما تقولان؛ فإنه ليس بصحيح. إن صح قولكما فلست بخاسرٍ أو صح قولي فالخسار عليكما أضحى التقى والشر يصطرعان في الد نيا فأيهما أبر لديكما؟ طهرت ثوبي للصلاة وقبله جسدي فأين الطهر من جسديكما وذكرت ربي في الضمائر مؤنساً خلدي بذاك فأوحشا خلديكما وبكرت في البردين أبغي رحمةً منه ولا ترعان في برديكما إن لم تعد بيدي منافع بالذي آتي فهل من عائد بيديكما برد التقي وإن تهلهل نسجه خير بعلم الله من برديكما يناظر هذين الملحدين اللذين ينكران البعث والنشور. فقوله: (إن صح قولكما فلست بخاسر) يعني: لو كنت أؤمن بالبعث والنشور وأنتما لا تؤمنان به، وظهر بعد ذلك أن مذهبكما كان الصحيح، فمذهبكما في عدم وجود بعث ونشور لا يضرني، لكن افترضا أن مذهبي صحيح وأنه يوجد بعث ونشور فإن هذا يضركما، وهذا نوع من التنزل أو ما يسمى باستدراج الخصم في المناظرة، حتى يقر بالحق، وهذا له نظير في القرآن، مثل قوله تعالى: {وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} [غافر:28]، وكذلك -أيضاً- قوله تعالى في سورة سبأ: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سبأ:24] والألصق بالموضع الذي نذكره هو هذه الآية: (وإن يك كاذباً)، وبدأ بكلمة (كاذباً)؛ لأنها أقرب لهواه، وهذا نوع من التنزل في الخصومة وفي المناقشات، فإذا كان كاذباً (فعليه كذبه)، لكن إذا كان صادقاً (يصبكم بعض الذي يعدكم) فكذلك هنا يقول لهما: إن كان مذهبكما صحيحاً فأنا ما خسرت شيئاً، لكن إن كان مذهبي صحيحاً فقد خسرتما كل الخسران. فكأنه يقول: إذا كان الأمر كما تقولان من أنه لا قيامة فقد تخلصنا جميعاً، وإن لم يكن الأمر كما تقولان فقد تخلصت وهلكتما، فهذا الكلام وإن خرج مخرج الشك فإنما هو تقرير للمخاطب على خطابه، وبيان قلة أخذه بالنظر والاحتياط لنفسه، مع أن المناظر على ثقة من أمره، وهذا نوع من أنواع الجدل، فالاستدراج نوع من البلاغة استخرجته من كتاب الله تعالى، وهو مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال، فيستدرج الخصم حتى ينقاد ويذعن، وهو قريب من المغالطة وليس منها، كقوله تعالى: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر:28] ألا ترى لطف احتجاجه على طريقة التقسيم بقوله: (إن يك كاذباً) فكذبه عائد عليه، وإن يصدق يصبكم بعض ما وعدكم به، ففيه من الإنصاف والأدب ما لا يخفى، وهذا يذكرنا -أيضاً- بقوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف:26 - 27]. فكأن مؤمن آل فرعون يقول: إن يكن نبياً صادقاً فلابد من أن يعطي كل ما وعد به لا بعضه، لكنه أتى بما هو أذعن لتسليمهم وتصديقهم لما فيه من الملاطفة في النصح، بكلام منصف غير مشدد، فأراهم أنه لم يعطيه حقه، ولم يتعصب له ويحام عنه حتى لا ينفروا عنه، ولذا قدَّم قوله: (وإن يك كاذباً) ثم ختم بقوله: (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) يعني: أنه نبي على الهدى، ولو لم يكن كذلك ما آتاه الله النبوة وعضده، وفيه من خداع الخصم واستدارجه ما لا يخفى. وقوله تعالى: (حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة) أي: جاءتهم القيامة فجأة، وسميت القيامة ساعة لأنها تفجأ الناس بغتةً في ساعة لا يعلمها أحد إلا الله تعالى، والمعنى: جاءتهم منيتهم. والساعة هنا ليس المقصود بها يوم القيامة، بل المقصود بها القيامة الخاصة بكل إنسان، حينما ينتقل من الدنيا إلى الآخرة بالموت، وعلى هذا فقوله: (حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة) المراد الساعة الصغرى التي هي الوفاة. قال الراغب: الساعة الكبرى بعث الناس للمحاسبة، والصغرى موت الإنسان، فساعة كل إنسان موته، كما يقال: إذا مات ابن آدم قامت قيامته، وهي المشار إليها بقوله تعالى: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة)، ومعلوم أن الحشر ينال الإنسان عند موته. وقوله: (قالوا يا حسرتنا) أي: يا ندامتنا. والحسرة هي التلهف على الشيء الفائت. وقوله: (على ما فرطنا فيها) أي: قصرنا في الحياة الدنيا. وقوله: (وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون) يعني: بئسما يحملونه.
تفسير قوله تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو)
تفسير قوله تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو) يقول تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأنعام:32]. قوله: (وما الحياة الدنيا إلا لعب) يعني: هزل وعمل لا يجدي نفعاً (ولهو) يعني: اشتغال بهوى وطرب وما لا تقتضيه الحكمة، وما يشغل الإنسان عما يهمه مما يمتد به ثم ينقضي. وقوله: (وللدار الآخرة خير للذين يتقون)، أي: لدوامها وخلو منافعها ولذاتها عن المضار والآلام. وقوله: (أفلا تعقلون) يعني: أفلا تعقلون هذه الحقيقة حتى تتقوا ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي، ولا تؤثروا الأدنى الفاني على الأعلى الباقي؟!
تفسير قوله تبارك وتعالى: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك)
تفسير قوله تبارك وتعالى: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك) قال تبارك وتعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33]. قوله: (قد نعلم إنه ليَحزنك) أو (إنه ليُحزِنك) بفتح الياء وضمها (الذي يقولون) يعني: الذي يقولونه فيك من أنك كاذب أو ساحر أو شاعر أو مجنون. وهذه الآية من الآيات العظيمة في فضائل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أعظم الآيات في خصائص الرسول عليه السلام وبيان فضائله وعلو مقامه عند الله عز وجل؛ لأن الله سبحانه وتعالى يسلِّي نبيه عليه الصلاة والسلام بأنه هو الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام، ويبين أنه يعرف كيف تتأثر نفسه الشريفة ويحزن قلبه عليه الصلاة والسلام إذا وصف بأنه كاذب على الله، كما قال: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون) أي: نحن نعرف أنك تتألم أشد الألم حينما يصفونك بالكذب، فيواسيه الله سبحانه وتعالى، والله هو الذي يطلع على قلوب هؤلاء الكفار، فيقول له: (فإنهم لا يكذبونك) أي: لا تجزع، فهم يعتقدون في قلوبهم أنك صادق، لكن يجحدون الحق في الظاهر، وهم يعتقدون صدقك، فيواسيه بأنك لا تتألم حينما يصفونك بالكذب؛ لأنهم في الحقيقة لا يكذبونك، فهم يعرفون صدقك، لكن ما يظهرونه هو عبارة عن جحود في الظاهر، وهم يصدقونك في الباطن، وهذا من أعظم المواساة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. فانظر كي تعرف مكانة النبي عليه الصلاة والسلام عند الله عز وجل، وتأمل جيداً في مثل هذه الآيات (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون) وانظر إلى الشفقة والرفق والتلطف بالرسول عليه الصلاة والسلام، والمواساة والتسلية له (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). يقول أبو السعود: استئناف مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم عن الحزن الذي يعتريه، مما حكي عن الكفرة من الإصرار على التكذيب والمبالغة فيه؛ لبيان أنه صلى الله عليه وسلم بمكانةٍ من الله عز وجل، وأن ما يفعلونه في حقه فهو راجع إليه تعالى في الحقيقة، وأنه ينتقم منهم أشد انتقام. وقوله: (نعلم) هنا المقصود التحقيق وتأكيد علم الله سبحانه وتعالى بوقوع ما يقولون. يقول أبو السعود: وهذا يفيد بلوغه صلى الله عليه وسلم في جلالة القدر، ورفعة المحل، والزلفى من الله عز وجل إلى حيث لا غاية وراءه، حيث لم يقتصر على جعل تكذيبه عليه الصلاة والسلام تكذيباً لآياته سبحانه وتعالى على طريقة قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]، بل نفى تكذيبهم عنه، وأثبته لآياته تعالى على طريقة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح:10] إيذاناً بكمال القرب واضمحلال شئونه عليه الصلاة والسلام في شأن الله عز وجل، وفيه استعظام لجنايتهم منبه عن عظم عقوبتهم، وقيل: المعنى: فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم، ولكن يجحدون بألسنتهم عناداً ومكابرة، وقد روي عن علي قال: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به. فأنزل الله: (فإنهم لا يكذبونك) إلى آخر الآية.
تفسير قوله تعالى: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا)
تفسير قوله تعالى: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا) ثم يقول تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام:34]. قوله: (ولقد كذبت رسل من قبلك) في هذا تسليته عليه الصلاة والسلام؛ فإن عموم البلية ربما يهون أمرها بعض التهوين حين تعم، والناس عندهم المثل الذي يقول: (المصيبة إذا عمت طابت)، فالبلاء والعناء حينما ينزل ويشترك فيه الناس يهون عندهم، كما يستشهد لذلك بقول الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي تقول: إن أناساً كثيرين فقدوا إخوانهم، فلو كنت وحدي في هذه المصيبة لما احتملت، ولما واساني أحد، ولقتلت نفسي، ولكنهم كثير، ولكن لا يبكون مثل أخي، ومهما بكوا فإخوانهم أقل من أخي، ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي. فالمصيبة إذا عمت في الناس تكون آثارها أقل؛ لأن في ذلك نوعاً من المواساة. ولذلك فهذا النوع من المواساة سيحرم منه أهل النار، كما في قوله تعالى: {وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف:39] فالآية تبين أن من عقوبتهم أنهم سيحرمون بالشعور الذي ينشأ عن المساواة في البلية بسبب وجود أمثالهم في العذاب، فهذا الشعور نفسه سينزع من قلوبهم، ولن ينفعهم وجود غيرهم معهم في العذاب. فيقول تعالى: (ولقد كذبت رسل من قبلك)، يواسيه الله سبحانه وتعالى بسنته تعالى فيمن سبقوه من الأنبياء، فإن عموم البلية ربما يهون أمرها بعض التهوين، وفي هذا إرشاد له صلى الله عليه وسلم إلى الاقتداء بمن قبله من الرسل الكرام في الصبر على ما أصابهم من أممهم من فنون الأذية، وفيها وعد ضمني له صلى الله عليه وسلم بمثل ما مُنحوه من النصر، كما كانت عاقبة أمرهم النصر، والعاقبة للمتقين، فكذلك تتضمن هذه الآية وعداً للنبي صلى الله عليه وسلم بالنصر والتمكين. وقوله: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا)، إلى أن جاءت النهاية الحتمية: (حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين) أما كلمات الله فهي مواعيده، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات:171 - 173] وقال أيضاً: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة:21]. وقوله: (ولقد جاءك من نبأ المرسلين)، أي: من خبرهم في مصابرة الكفار، وما منحوه من النصر، فلابد من أن نزيل حزنك بإهلاكهم، وليس إمهالهم لإهمالهم، بل هو لجريان سنته تعالى بتحقيق صبر الرسل وشكرهم.
تفسير قوله تعالى: (وإن كان كبر عليك إعراضهم)
تفسير قوله تعالى: (وإن كان كبر عليك إعراضهم) ثم قال عز وجل: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام:35]. قوله: (وإن كان كبر عليك)، يعني: إن كان شق وثقل عليك (إعراضهم)، يعني: عن الإيمان بما جئت به من القرآن، ونأيهم ونهيهم الناس عنه. وقوله: (فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض)، يعني: إما أن تصبر ولا حيلة لك إلا الصبر، وإما أن لا تصبر ولا يوجد خيار آخر، فعليك أن تصبر وتقتدي بإخوانك المرسلين السابقين. وقوله: (فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض)، أي: سرباً ومنفذاً تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تأتي لهم بآية يؤمنون بها. قوله: (أو سلماً في السماء) أي: مصعداً تعرج به إليها. وقوله: (فتأتيهم بآية) يعني: مما اقترحوه فافعل، وحسن حذف الجواب لعلم السامع به، فقوله: (فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء) جوابه: فافعل، لكن لم يجعل الله لك هذه الاستطاعة؛ إذ يقين الإيمان غير نافع؛ لأنه لو انكشفت الحجب تماماً وصار الغيب شهادة، وأتاهم بكل ما يقترحونه من المعجزات والخوارق فسينقلب الإيمان إلى إيمان قهري وضروري، وليس إيماناً اختيارياً. ثم يقول تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى)، وهذه كلها مواساة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه شاء بمقتضى جلاله إظهار غاية قهره وغاية لطفه، (فلا تكونن)، يعني: بالحرص على إيمانهم، أو الميل إلى نزول مقترحهم، (من الجاهلين)، يعني: بما تقتضيه شئونه تعالى. وفي هذه الآية ما لا يخفى من الدلالة على مبالغته صلى الله عليه وسلم في حرصه على إسلام قومه وتهالكه عليه إلى غاية أنه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم وشفقة عليهم. وهذه الآية كافلة بالرد على القدرية في زعمهم أن الله تعالى شاء جمع الناس كلهم على الهدى فلم يكن؛ لأن الله تعالى يقول: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى)، فلو حرف امتناع لامتناع، فصدر الجملة بـ (لو)، ومقتضاها امتناع جوابها لامتناع الواقع بعدها، يعني: امتنع استماعهم عن الهدى لامتناع مشيئة الله عز وجل أن يجمعهم على الهدى، وقال عز وجل هنا: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) ولم يقل: فلا تكن جاهلاً، وإنما قال: (فلا تكونن من الجاهلين) يعني: من قوم ينسبون إلى الجهل، تعظيماً لنبيه صلى الله عليه وسلم حتى لا يسند الجهل إليه بالمبالغة في نفيه عنه. وأما ما فيه من شدة الخطاب في قوله: (فلا تكونن من الجاهلين)، فسره إبعاد جنابه الكريم عن الحرص على ما لا يكون والجزع في مواطن الصبر، مما لا يليق إلا بالجاهلين، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأنعام [36 - 49]
تفسير سورة الأنعام [36 - 49]
تفسير قوله تعالى: (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون)
تفسير قوله تعالى: (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون) قال تبارك وتعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [الأنعام:36]. قوله عز وجل: (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون) تقرير لما مرَّ من أن على قلوبهم أكنة وأغطية وحجب، وتحقيق لكونهم بذلك من قبيل الموتى لا يتصور منهم الإيمان البتة، ففي هذا بيان للرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ترك الطمع والرجاء في إيمانهم، وبيان أن الذين يستجيبون للنبي صلى الله عليه وسلم إنما هم الذين يسمعون، وهؤلاء الموتى لا يسمعون فلن يستجيبوا، فمعنى الاستجابة: قبول دعوتك إلى الإيمان. وقوله: (يسمعون) يعني: يسمعون سماع قبول وسماع تعقل وتفهم وتدبر، لا مجرد السماع الذي تفصله وتتقنه البهائم والعجماوات؛ لأنك لو وقفت تتلو قصيدة أو كتاباً على أي شيء من العجماوات والبهائم فهي تسمع الصوت، لكن لا تعقل، فهذا هو نفس المقصود بمثل هذه الآيات التي تصفهم بعدم السماع، فهم يسمعون كما تسمع العجماوات التي لا عقل لها، لكن لا يفقهون شيئاً من هذا الكلام، كما قال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) يعني: مع رسلهم: {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} [البقرة:171] فهو لا يسمع، لكن يسمع الدعاء والنداء فقط، فكما تنادى البهائم بأصوات مميزة فتسمع دون أن تعقل فكذلك هؤلاء، وهذا يتكرر كثيراً في القرآن الكريم في وصف هؤلاء الكفار، أي: إنما يستجيب لك بقبول دعوتك إلى الإيمان الأحياء الذين يسمعون ما يلقى إليهم سماع تفهم، دون الموتى الذين هؤلاء منهم. وهذا كقوله تعالى: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل:80]، فليس المراد الموتى حقيقة فحسب، بل الآية تشمل الكفار الذين هم في الظاهر أحياء، لكنهم في الحقيقة موتى القلوب لا يفقهون ولا يعقلون، فالمقصود بالموتى الكفار؛ لأنهم موتى في الحقيقة، ولأن الحياة لا تنفعهم ما داموا غير مؤمنين. فقوله تعالى: (إنك لا تسمع الموتى) أي: وإن كانوا أحياءً بالحياة الحيوانية فهم أموات بالنسبة إلى الإنسانية، لموت قلوبهم بسموم الاعتقادات الفاسدة والأخلاق الرديئة. ثم ابتدأ الله تعالى كلاماً آخر فقال: (والموتى يبعثهم الله) يعني أن الكفار الذين لا يسمعون ولا يستجيبون يبعثهم الله عز وجل يوم القيامة. وقوله: (ثم إليه يرجعون) يعني: سيجزيهم بأعمالهم، فالموتى مجاز عن الكفرة، كما قيل: لا يعجبن الجهول بزته فذاك ميت وثوبه كفن فقوله: (لا يعجبن الجهول بزته) يعني أن الشخص الجاهل يعجب بملابسه ورونقها وزينتها، وقوله: (فذاك ميت وثوبه كفن) يعني أن الإنسان الميت لا يتزين بالكفن، ولا يفخر بالكفن، فكذلك هذا الكافر الذي لا يؤمن بالله، فمهما كان عليه من حسن ثياب فإنما هي كالكفن الذي يكون على الموتى، فكيف يفخر بها؟! قيل: فيه رمز إلى أن هدايتهم كبعث الموتى لا يقدر عليه إلا الله، فهذه الآية رمز ترمز إلى هذه المعنى العظيم، وهو أن هدايتهم لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى وحده، كما قال سبحانه وتعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56] لأن الهداية هي كبعث الميت من الموت إلى الحياة، وبعث الميت وإعادته إلى الحياة لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وكذلك الهداية لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى؛ لأنها من خصوصيات الله، فكما أنه يستأثر بالقدرة على إحياء الموتى فكذلك يستأثر بالقدرة على إحياء أموات القلوب بالكفر بأن يحيي قلوبهم بالإيمان وبالهداية. فقوله تعالى: (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله) قيل: إن فيه رمزاً لقدرة الله على هدايتهم، وأن ذلك كالبعث، ففيه إخلاص للرسول صلى الله عليه وسلم عن إيمانهم، يعني: أنت تبلغ، لكن ليس عليك هداية القلوب، إنما عليك هداية البيان والتوضيح والإبلاغ، أما هداية القلب وانقياده فهذا النوع من الهداية لا يملكه أحد إلا الله سبحانه وتعالى، وفي مقارنتهم بالموتى من التهكم بهم والإغراء عليهم ما لا يخفى.
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه) قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الأنعام:37]. قوله: (وقالوا) يعني مشركي مكة، وهذا بيان لنوع آخر من تعنتهم؛ إذ لم يقتنعوا بما شاهدوا من البينات التي تخر لها صم الجبال، فطلب الآيات ما هو إلا نوع من التعنت والتزمت، وقد ذكر أن الله سبحانه وتعالى في هذه السورة أنهم لو آتاهم من الآيات ما يطلبون فإنهم يتمادون في كفرهم وفي غيهم، فلا يزيدهم هذا إلا جحوداً وكفراً وعناداً، وحينئذ يستحقون نزول العذاب إذا أجيبوا إلى ما اقترحوه من الآيات، فكأن الله سبحانه وتعالى أمسك عن أن يجيبهم إلى ما اقترحوه إبقاءً عليهم، وإلا فما أعظم الآيات التي أيد الله بها نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، وأعظمها على الإطلاق هذا القرآن الكريم، وغيره من المعجزات الخوارق التي تقطع بصدق نبوته صلى الله عليه وآله وسلم. وقوله تعالى: (وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه) يعني: خارقة على مقتضى ما كانوا يريدون ومما يتعنتون. وهذا كقولهم: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا} [الإسراء:90] إلى آخر الآيات. وقوله: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أي أن اقتراحها جهل، فإن الله سبحانه وتعالى قادر -بلا شك- على أن ينزل آية، ولكن اقتراح الآيات على سبحانه وتعالى جهل به عز وجل؛ لأن في تنزيلها قلعاً لأساس التكليف المبني على قاعدة الاختبار؛ لأنه لو جرت أمور الدنيا على خرق العادة باستمرار بأن يستجيب الله لهم فبهذه الحالة نصير كأننا في عالم الآخرة ولسنا في عالم هذه الدنيا، فالدنيا دار ابتلاء ودار تكليف، فلا شك في أنه لو كشفت الحجب وكشفت لهم الآيات وأجيبوا إلى كل ما اقترحوا من الخوارق فلن نبقى في هذا العالم الذي يكون الإيمان فيه اختيارياً، بل سنتحول إلى العالم الذي يكون فيه إيمان افتراضياً، قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة:12]. فهذا الإيمان وهذا اليقين لا يفيد؛ لأنه ليس في ذلك تكليف، فالقيمة هي في أن توقن هنا بالغيب في دار الابتلاء والتكليف، وأما الآخرة فهي دار ظهور النتائج، فلا يستقيم أن يبقى التكليف مع تحول الأمور إلى خوارق إجابة مقترحاتهم، بل سيقضى على أساس التكليف ويقتلع من أساسه. أو أن في اقتراح هذه الآيات وفي إجابتهم ما يترتب عليه استئصالهم بالكلية؛ لأن سنة الله سبحانه وتعالى أنه إذا طلب قوم آية أو اقترحوا آية فأجابهم إليها فإنه يجيب إليها بشرط أنهم إذا لم يؤمنوا إذا رأوها فإنهم يعاقبون بالاستئصال بالكلية، فكأنه لم يجبهم رحمةً بهم وإبقاءً عليهم؛ فإن من لوازم جحد الآية الهلاك، جرياً على سنته تعالى في الأمم السالفة، وتخصيص عدم العلم بأكثرهم لأن بعضهم واقفون على حقيقة الحال، وإنما يفعلون ما يفعلون مكابرة وعناداً. فقوله: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) في هذا إشارة إلى أن بعض هؤلاء الكفار واقفون على حقيقة الحال، ويعلمون هذا المعنى، وأن الله قادر على أن ينزل آية، وأنه لم ينزل آية من أجل كذا وكذا من الحكم التي ذكرنا، لكنهم مع ذلك يتعنتون مكابرةً وعناداً.
تفسير قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم)
تفسير قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) يقول تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام:38]. قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض) (في) هنا تعطي معنى الاستقرار، ولذلك يقول القاسمي في تفسيرها: (وما من دابة في الأرض) أي: مستقرة في الأرض لا ترتفع عنها. وقوله: (ولا طائر يطير بجناحيه) يعني: الطائر يرتفع عن الأرض حين يطير، أما الدابة فهي مستقرة على الأرض. وقوله: (إلا أمم أمثالكم) أي: إلا أصناف مصنفة في ضبط أحوالها وعدم إهمال شيء منها وتدبير شئونها وتقدير أرزاقها. وقوله: (ما فرطنا في الكتاب) يعني: ما تركنا وما أرسلنا في الكتاب، والكتاب هو لوح القضاء المحفوظ. وقوله: (من شيء) يعني: سواء أكان جليلاً أم دقيقاً، فإن اللوح المحفوظ أو هذا الكتاب الذي هو أم الكتاب مشتمل على ما يجري في العالم، ولم يهمل فيه أمر شيء، والمعنى أن الجميع علمهم عند الله، ولذا قال: (وما من دابةٍ في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء) فعلم هذا كله عند الله لا ينفك واحد منها عن رزقه وتدبيره، وهذا كقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود:6] أي: كتاب مفصح بأسمائها وأعدادها ومضانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها. وقوله: (ثم إلى ربهم يحشرون) يعني الأمم كلها من الدواب والطير، فيقتص لبعضها من بعض، حتى يبلغ من عدله أن يأخذ للجماء من القرناء، فلابد من العدل حتى بين هذه البهائم يوم القيامة، حتى يقتص للجماء التي لا قرن لها من القرناء التي كانت ذات قرن ونطحتها وآذتها بقرنها، فتبعث هذه ويقتص لهذه من تلك عدلاً من الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: (ثم إلى ربهم يحشرون) أورد الضمير على صيغة جمع العقلاء لإجرائها مجرى العقلاء. قال الزمخشري: إن قلت: فما الغرض في ذكر ذلك؟! أي أن سياق الكلام في مناقشة الكفار في تعنتهم وعنادهم واقتراحهم الآيات، فما غرضه من ذكر هذه الآية: (وما من دابةٍ في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه) إلى آخره؟! قلت: الدلالة على عظم قدرته، ولطف علمه، وسعة سلطانه، وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لها وما عليها، مهيمن على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن، وأن المكلفين ليسوا مخصوصين بذلك دون ما عداهم من سائر الحيوان، إشارة إلى عظم قدرة الله سبحانه وتعالى وسعة علمه. والإنسان يتخيل أنه لا يوجد شيء مهما دق إلا والله سبحانه وتعالى هو الذي يدبر أمره، وهذا هو معنى توحيد الربوبية: أن تؤمن أن كل ما في الوجود هو من عند الله سبحانه وتعالى، ولا يقوى أحد على شيء أبداً إلا بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فليس الله سبحانه وتعالى يدبر أمر الخلائق مؤمنهم وكافرهم وإنسهم وجنهم فحسب، وإنما يدبر أمر كل ما في هذا الوجود، فكل سمكة في البحار، وكل طائر في السماء، وكل نملة في الجحر، وكل حشرة، وكل حيوان، وكل ما تتخيله، حتى الذرات والإلكترونات، وكل ما يوجد في هذا الوجود لا يتحرك شيء منه بحركة إلا بأمر من الله سبحانه وتعالى وتدبير من الله عز وجل. يقول الرازي المقصود: أن عناية الله لما كانت حاصلةً لهذه الحيوانات، فلو كان إظهار آية مصلحة لأظهرها، فيكون كالدليل على أنه تعالى قادر على أن ينزل آية. وقال القاضي: إنه تعالى لما قدم ذكر الكفار وبين أنهم يرجعون إلى الله ويحشرون بيَّن بعده بقوله: (وما من دابة) إلى آخره أن البعث حاصل في حق البهائم أيضاً؛ لأنه فسر الآيات بقوله: (ثم إلى ربهم يحشرون). أما (من) في قوله تعالى: (وما من دابةٍ) فالنحويون يقولون: إنها هنا زائدة. وهذا أسلوب من أساليب العرب، ومعروف عند العرب أنهم قد يتكلمون بمثل هذه الحروف للتوكيد، فليس معنى أنها زائدة أنه لا فائدة منها، وإنما فائدتها التوكيد، وهذا من أساليب العرب في كلامهم، والقرآن نزل بلغة ولسان العرب. فقوله: (وما من دابة) (من) هنا لتأكيد الاستغراق، وقوله: (في الأرض) الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لـ (دابة)، والمقصود: وما فرد من أفراد الدواب يستقر في قطر من أقطار الأرض إلا أمم أمثالكم. ومن التأكيد أيضاً قوله تعالى: (يطير بجناحيه)؛ لأن الطائر معروف عنه أنه يطير بجناحيه، لكن هذا نوع من التأكيد للمعنى. قال الزمخشري: إن قلت: كيف تقيل الأمم مع أن الدابة مفرد والطائر مفرد؟ قلت: لما كان قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر) دالاً على معنى الاستغراق -استغراق جميع الدواب- ومغنياً عن الذي قالوا: (وما من دواب ولا طير) حمل قوله: (إلا أمم) على المعنى. فما جاء في آخر الآية من قوله: (أمم) جاء على سياق المعنى؛ لأنه يدل على الاستغراق. فدلت الآية على أن كل صنف من البهائم أمة، وجاء في الحديث: (لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها) رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه. وقوله: (إلا أمم أمثالكم) يعني: إلا أمم من أمثالكم يدبر الله سبحانه وتعالى وحده أمورها كما يدبر أموركم. فوجه المماثلة أن الله تعالى يتكفل برزقها، ويدبر أمرها، ولا يغفل شيئاً منها، مما يبين شمول القدرة وسعة العلم، وهذا هو الأظهر، موافقة لقوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) والقرآن يفسر بعضه بعضاً. وقيل: إن المماثلة في قوله تعالى: (إلا أمم أمثالكم) هي في معرفته تعالى وتوحيده وتسبيحه وتحميده، فقوله: (إلا أمم أمثالكم) يعني: إلا أمم يسبحون الله سبحانه وتعالى ويحمدونه أمثالكم. وهذا كقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44]، وقوله: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور:41]. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: أبهمت عقول البهائم عن كل شيء إلا عن أربعة أشياء: معرفة الإله، وطلب الرزق، ومعرفة الذكر والأنثى، وتهيؤ كل واحد منهما لصاحبه. وقيل: المماثلة في أنها تحشر يوم القيامة كالناس. القاسمي هنا اعتمد في تفسير قوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) أن الكتاب المقصود به اللوح المحفوظ، أي: أن القاسمي يقول: وما بيناه في معنى الكتاب من أنه اللوح المحفوظ في العطف، وهذه الآية توافق غيرها من الآيات التي تشير إلى اللوح المحفوظ وشموله علم أحوال جميع المخلوقات على التفصيل التام. ولم يذكر الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى -رغم أنه يتوسع في مثل هذه المواضع- سوى هذا القول، وهو أن المقصود بالكتاب اللوح المحفوظ، وهذا يكاد يكون هو الأظهر، أي أن الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ؛ لأن الله تعالى قال في الآية: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون) فالسياق يشير إلى أن الأقرب والأظهر هو أن الكتاب هنا المقصود به اللوح المحفوظ، مع أن القول بأن الكتاب هو القرآن الكريم له ما يؤيده، كما سنبينه إن شاء الله تعالى. يقول القاسمي: وقيل: المراد منه القرآن، كقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل:89] فالقرآن الذي قال الله فيه سبحانه وتعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) هو الكتاب الذي قال الله تعالى فيه: (ما فرطنا في الكتاب) أي: في القرآن (من شيء). قال: فإن قيل: حمله على القرآن لا يلائم ما قبله وما بعده. أي: إذا قلنا: إنه هو القرآن الكريم فلن يستقيم مع السياق الذي قبله والسياق الذي بعده؛ لأن قبله: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء) فإذا قلنا: إنه القرآن الكريم فلن يتناسب هذا التفسير مع السياق قبله وبعده، لكن هذا القول من الخفاجي دفع ورد بأن المعنى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) أي: لم نترك شيئاً من الحجج وغيرها إلا ذكرناه. فقوله: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) يعني: ما تركنا حجة من الحجج القوية على ما يستدل عليه من قضايا الإيمان وغيرها في هذا القرآن الكريم إلا دللنا عليه؛ لأن السياق كله في الآيات والبينات والدلالة على الحق، فالمعنى: لم نترك شيئاً من الحجج وغيرها إلا ذكرناه، فكيف يحتاج إلى آية أخرى مما اقترحوه وهم يكذبون بآياتنا؟! فالكلام بعضه آخذ بحجز بعض بلا شبهه. وقال أبو السعود: أي: ما تركنا في القرآن شيئاً من الأشياء المهمة التي من جملتها بيان أنه تعالى مراعٍ لمصالح جميع مخلوقاته إلا بيناه. وقال الشهاب في قول البيضاوي: (فإنه قد دون فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلاً أو مجملاً): القرآن الكريم احتوى على أمور الدين كلها وأدلتها، إما على سبيل الإثبات، وإما على سبيل التفصيل. يشير إلى أن ما ثبت بالأدلة الثلاثة ثابت بالقرآن الكريم؛ لإشارته بنحو قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر:2] وهذا من الأدلة التي استدل بها على حجية دليل من الأدلة الشرعية، وهو القياس، ففي قوله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) إشارة إلى القياس وحجية القياس، أما قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر:7] فهو إشارة إلى حجية السنة، بل قيل: إنه بهذه الطريقة يمكن استنباط جميع الأشياء منه في نفس هذه الطريقة في الاستدلال؛ فيمكن أن نستنبط كل شيء من العلوم من القرآن الكريم، كما سأل بعض الملحدين بعض العلماء عن طبق الحلوى: أين ذكر في القرآن؟ فقال في قوله تعالى: (
اشتمال القرآن على كل العلوم
اشتمال القرآن على كل العلوم إذا ثبت هذا فلقائل أن يقول: كيف قال تعالى: ((ما فرطنا في الكتاب من شيء)) مع أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب وتفاصيل علم الحساب، ولا تفاصيل كثير من المباحث والعلوم، وليس فيه تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع ونحو ذلك؟ و A أن قوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) يجب أن يكون مخصوصاً لبيان الأشياء التي يجب معرفتها والإحاطة بها، فمن يقول: ما دليل نظرية فيثاغورس والنظريات الهندسية، وتفاصيل الطب والحساب، وكل هذه العلوم الموجودة ما دليلها في القرآن إذا قلنا: إن الكتاب هو القرآن الكريم؟ فالجواب أنه يجب أن يخصص تفسير هذه الآية (ما فرطنا في الكتاب من شيء)، فيقال: ما فرطنا في الكتاب من شيء، بل بينا كل ما يجب علمه والإحاطة به. وأما الدليل على وجوب هذا التفسير، أي أن قوله: (ما فرطنا في الكتاب شيء) هو في بيان ما تجب معرفته ويجب علمه في أمور الدين فيستدل له بأن الله سبحانه وتعالى قال: (ما فرطنا)، ولفظ التفريط لا يستعمل نفياً ولا إثباتاً إلا فيما يجب أن يبين؛ لأن أحداً لا ينسب إلى التفريط والتقصير بأن لا يفعل ما لا حاجة إليه، وإنما يذكر هذا اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج إليه، فإذا قلت لشخص: افعل كذا. فإذا كان مما يجب عليه أن يفعله ولم يفعله فقد فرط، لكن إذا كان هذا الأمر الذي خاطبته به أو كلفته به أمر تافه أو يستغنى عنه فلا يوصف عدم فعله بالتفريط؛ لأنه شيء يستغنى عنه ولا قيمة له، فلا يستعمل هذا الوصف إلا فيما يجب علمه وبيانه وعمله، هذا أمر. الأمر الثاني: أن جميع آيات القرآن -أو الكثير- منها دالة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على أن المقصود من إنزال هذا الكتاب بيان الدين ومعرفة الله ومعرفة أحكام الله، وإذا كان هذا التقييد معلوماً من كل القرآن كان المطلق هنا محمولاً على ذلك المقيد، أي: أن قوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) أي: الشيء الذي يجب معرفته والإحاطة به من أمور الدين لا من أمور الدنيا. ولو استقرأنا القرآن الكريم لخرجنا بهذا الاستنباط؛ لأن المقصود الأساسي من إنزال هذا الكتاب هو أنه كتاب هداية، وليس كتاب تكنولوجيا، فليس مقصوده أن يدلنا ويهدينا إلى النظريات، وأما هذه الحقائق الحسية فإن الله سبحانه وتعالى جهزنا بالآلات والإمكانات والقدرات التي ترشدنا إلى اكتشافها شيئاً فشيئاً؛ لأنها من الأشياء المحسوسة الموجودة، وهي تبنى على التجربة والمشاهدة، ويأتي الاستنتاج بعد ذلك، فالقدرة إما بالنظر، أو بالشم، أو باللمس، أو بالذوق، أو بالحس، وقد زودنا الله سبحانه وتعالى بالعقل وبالأدوات التي نستطيع أن نكتشف بها هذه الحقائق، ونترقى في معرفتها شيئاً فشيئاً، فهذه لهوانها على الله صرفها للبشر، ولكن هل يمكن أن نهتدي إلى الأمور الغيبية من تفاصيل الجنة والنار، والقضاء والقدر، وأحوال الأنبياء السابقين، وما يحصل قبل يوم القيامة، وأسرار النفس البشرية وما يصلحها، والذي يرضي الله والذي يغضبه تعالى، وما هو الواجب وما هو المستحب في العبادات وغير ذلك، كل ذلك هل يمكن أن نهتدي إليه بغير وحي؟! أقول: كل ذلك لا يمكن أن تستقل العقول بالوصول إليه، فلذلك لم يفرط الله سبحانه وتعالى في الكتاب من شيء، بل بين لنا كل ما ينفعنا في أمور الدين لا في أمور الدنيا؛ لأن أمور الدنيا تركت لنا في الغالب، أما أمور الدين فما فرط الله عز وجل في شيء من أمور الدين. فإذاً: المطلق ها هنا في قوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) يحمل على المقيد، وجاء التقييد من استقراء القرآن، فعند استقراء القرآن الكريم نجد أن في القرآن آيات كثيرة كلها تشير إلى أن المقصود من إنزال القرآن هو هداية الناس إلى صلاح دينهم وأمور آخرتهم. أما أن هذا الكتاب غير مشتمل على جميع علوم الأصول والفروع فإن علم الأصول هو العلم بالعقائد والتوحيد، وهو بتمامه حاصل فيه، ولا شك في أن كل قضايا الأصول وقضايا الدين والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، قد بينها لنا القرآن الكريم؛ لأن الدلائل الأصلية مذكورة فيه على أبلغ الوجوه، فأما روايات المذاهب وتفاصيل الأقاويل فلا حاجة إليها؛ لأن الإنسان يستطيع أن يقيم دينه دون أن يحتاج إليها. أما تفاصيل علم الفروع فقال العلماء: إن القرآن دل على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس حجة في الشريعة، فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة كان ذلك في الحقيقة موجوداً في القرآن؛ لأن القرآن أساس الأدلة الشرعية كلها. فالقرآن دلنا على حجية السنة، والقرآن دلنا على حجية الإجماع، وحجية القياس، وعلى حجية خبر الواحد، ومن ثم أصبح العمل بهذه الأدلة كلها هو عمل بالقرآن نفسه. فإذاً: يعتبر القرآن -أيضاً- فيه الدلالة على قضايا الفروع في قضايا الفقه وغيرها من فروع المسائل والتفاصيل الدقيقة؛ لأنه إما أن يستدل عليها بالقرآن فيكون القرآن مشتملاً على الدليل، أو من السنة والسنة حجة في ذاتها، والقرآن أيضاً دل على حجيتها، وإما أن يستدل بإجماع، والقرآن هو الذي دل على حجيته، وإما أن يستدل بالقياس فكذلك، وإما يستدل بخبر الواحد فكذلك. فإذاً: القرآن -أيضاً- دلنا على الاحتجاج بهذه الأدلة.
أمثلة على دلالة القرآن على حجية السنة
أمثلة على دلالة القرآن على حجية السنة ذكر الواحدي رحمه الله لهذا المعنى ثلاثة أمثلة: المثال الأول: روي أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) فسمعت ذلك امرأةً من بني أسد يقال لها: أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت! فقال: (ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله؟!) فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول! لأنه قال لها: ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو في كتاب الله. وكأنه أراد أن يستفزها ليبين لها أن دليل السنة هو مثل الدليل الذي في القرآن، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول. أي: أنها قرأت ما بين جلدتي المصحف فما وجدت فيه آية تقول: لعن الله الواشمة والمستوشمة إلى آخره، فقال لها: (لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7]؟!) فهذا مما أتانا الرسول، وهذا مما نهانا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذه الطريقة يمكن إرجاع دليل كل قضايا الفروع وكل تفاصيل الفقه مهما كانت إلى الكتاب الكريم، وبهذا يتأيد قول من فسر قوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) بأنه هو القرآن الكريم، وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه. يقول الرازي: يمكن وجدان هذا المعنى -أي: لعن من ذكرهن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه- في كتاب الله بطريق أوضح من ذلك؛ لأنه تعالى قال في سورة النساء: {إِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا لَعَنَه الله} [النساء:117] فحكم على الشيطان باللعن، ثم عدد بعده قبائح أفعاله، وذكر من جملتها أنه قال: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء:119] وظاهر هذه الآية يقتضي أن تغيير الخلق يوجب اللعن، فيمكن استنباط نفس المعنى من هذه الآية الكريمة. وكذلك تتمة الحديث من هذا الباب، وتتمة الحديث: (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله). المثال الثاني: ذكر أن الشافعي رحمه الله تعالى كان جالساً في المسجد الحرام، فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى. فقال رجل: ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور؟ فقال: لا شيء عليه. فقال أين هذا في كتاب الله؟ قال: قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر:7]، ثم ذكر إسناداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) ثم ذكر إسناداً إلى عمر رضي الله عنه أنه قال: للمحرم قتل الزنبور. فانظر كيف تدرج إلى الاستنباط خلال ثلاث درجات، فقال أولاً: إن القرآن الكريم دلنا على حجية سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أتى بالحديث الذي هو قول الرسول عليه السلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، ثم أتى بسنة أحد هؤلاء الراشدين، وهو عمر رضي الله عنه، فأجابه من كتاب الله مستنبطاً بثلاث درجات. قال الرازي: وأقول ها هنا طريق آخر أقرب منه. أي أن الرازي يستدرك على الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فيقول: هناك طريق أخصر من الطريق الذي سلكه الشافعي. لكن لا شك في أن طريق الشافعي مفيد في غير هذه المسألة، وإن كان هنا طريق آخر أقرب، فنحن نريد طريقة الاستنباط نفسها؛ لأن هناك مسائل أخرى قد لا نجد فيها إلا قولاً واحداً من الأئمة الراشدين المهديين الخلفاء. يقول الرازي: أقول: هنا طريق آخر أقرب منه، وهو أن الأصل في أموال المسلمين العصمة، قال تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286] وقال: {ولا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} [محمد:36]، وقال: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [البقرة:188] فنهى عن أكل أموال الناس إلا بطريق التجارة، فعند عدم التجارة وجب أن يبقى على أصل الحرمة، وهذه العمومات تقتضي أن لا يجب على المحرم الذي قتل زنبوراً شيء؛ وذلك لأن التمسك بهذه العمومات يوجب الحكم بمرتبة واحدة. المثال الثالث: قال الواحدي: روي في حديث الأجير الزاني -والحديث معروف في صحيح البخاري - عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما قالا: (كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه -وكان أفقه منه- فقال أقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، قال: قل، قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا -يعني: أجيراً- فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم -يعني: قلت له: بدل أن يقام الحد على ولدي فأنا أدفع مائة شاة وخادم ولا يقام عليه الحد -ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله: المائة شاة والخادم رد -يعني: رد عليك- وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس! إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها، فاعترفت فرجمها) وأخرجه أيضاً مسلم. فهنا نجد أن هذا الرجل قال للنبي عليه الصلاة والسلام: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، وقال الآخر: اقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله) وليس للجلد والتغريب ذكر في القرآن الكريم، وليس فيه دليل على الجمع بين الجلد والتغريب، وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عين كتاب الله؛ لأن كلمة كتاب الله قد يعنى بها حكم الله، كما قال تعالى: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء:24] يعني: حكم الله عليكم. قال الرازي: وهذا حق؛ لأنه تعالى قال {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44] يعني: السنة تبين ما نزل؛ لأن أصل الآية: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44]، فقوله: (وأنزلنا إليك الذكر) يعني السنة (لتبين للناس ما نزل إليهم) يعني القرآن، فكلاهما منزل من عند الله تبارك وتعالى، وكل ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم يكون داخلاً تحت هذه الآية، وبالجملة فالقرآن الكريم كلية الشريعة، والمجموع فيه أمور كليات، والشريعة تمت بتمام نزوله، فإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كلياتها وجدناها قد تضمنها القرآن على الكمال، وقد طول البحث في هذه المسألة المهمة العلامة الشاطبي في (الموافقات) في الطرف الثاني في الأدلة على التفصيل، فارجع إليه. وقد دلت الآية على حشر الدواب والبهائم والطير كلها يوم القيامة، كقوله تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير:5]. وروى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شاتين تنتطحان، فقال: يا أبا ذر! هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: لا. قال: لكن الله يدري، وسيقضي بينهما). قال أبو ذر: ولقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً. وروى عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه عن عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الجلحاء لتقتص من القرناء يوم القيامة، ثم بعد ذلك يقول لها: كوني تراباً. فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون تراباً) كما قال تعالى: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} [النبأ:40]. وروى الإمام أحمد والبخاري في (الأدب المفرد)، ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء). واستدل بهذه الآية على مسألة أخرى، فقد أخرج أبو الشيخ عن أنس أنه سئل: من يقبض أرواح البهائم؟ قال: ملك الموت. فبلغ الحسن فقال: صدق، وإن ذلك في كتاب الله. ثم تلا هذه الآية: ((إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ))، فاعتبر أن من المثلية أن يقبض روحها ملك الموت أيضاً؛ لأنها تحشر أيضاً.
تفسير قوله تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا صم بكم في الظلمات)
تفسير قوله تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا صم بكم في الظلمات) يقول تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام:39]. قوله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام:39]. أي: مثلهم في جهلهم وعدم فهمهم وسوء حالهم كمثل الصم، والصم: جمع أصم، والأصم هو الذي لا يسمع، والبكم: جمع أبكم، والأبكم هو الذي لا يتكلم، وهم مع ذلك في ظلمات لا يبصرون، ولذا قال: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام:39]، فنفى عنهم السمع والكلام والرؤية، يعني: فهم صم وبكم، وهم في ظلمة لا يهتدون ولا يرون، فإذا كانوا على هذه الحالة -أي: كانوا صماً وبكماً وفي ظلمات لا يهتدون- فكيف يهتدي مثلهم إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه؟ وقد كثر تشبيههم بذلك في التنزيل، إعلاماً ببيان كمال عراقتهم في الجهل، وانسداد باب الفهم والتفهيم عنهم بالكلية. ثم أشار إلى أنهم من الذين طبع الله سبحانه وتعالى على قلوبهم وختم عليها، فقال عز وجل: {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام:39] أي: فهو المتصرف في خلقه بما يشاء، فمن أحب هدايته وفقه بفضله وإحسانه للإيمان، ومن شاء ضلالته تركه على كفره، كما قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:40].
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله وتنسون ما تشركون)
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله وتنسون ما تشركون) قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام:40 - 41]. أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يبكتهم بما لا سبيل لهم إلى إنكاره، وذلك ببيان أنهم إذا نزلت بهم شدة فإنهم يفزعون إليه تعالى لا إلى الأصنام، فقال عز وجل: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام:40]. قوله: (قل أرأيتكم) أي: أخبروني (إن أتاكم عذاب الله) يعني: مثل ما نزل بالأمم الماضية الكافرة من قبلكم (أو أتتكم الساعة) أي: القيامة (أغير الله تدعون) يعني: في كشف العذاب عنكم. وهذا محط التبكيت، يعني: أتخصون آلهتكم بالدعوة لرفع تلك الشدة؟! بل هل تدعونها مع الله أيضاً؟! وقوله: (إن كنتم صادقين) هذا كاشف عن كذبهم، أي: أخبروني إن كنتم صادقين. فالحقيقة جاءت في الآية الثانية: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام:40 - 41] ولم يقل: بل تدعونه وإنما قال: (بل إياه) يعني: أنكم تخصونه سبحانه وتعالى بالدعوة. وقوله: ((فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ)) يعني: إن شاء كشفه. والتقييد بالمشيئة هو لبيان أن إجابتهم غير مطردة، أي: أن إنجاءهم من هذه الكربات إنما يكون بمشيئة الله سبحانه وتعالى؛ لأن الإنجاء وعدم الإنجاء ينبني على حِكَم يستأثر الله سبحانه وتعالى بعلمها، فإن كانت الحكمة تقتضي إنجاءهم أنجاهم، وإلا أهلكم. وقوله: (وتنسون ما تشركون) أي: تتركون ما تشركون فالنسيان هنا بمعنى الترك، فقوله: (تنسون) يعني: تتركون وتعرضون عن الآلهة والأصنام، وتمحضون الدعوة لله سبحانه وتعالى، فتتركون ما تشركون تركاً كلياً؛ لأنكم في هذا الوقت -وقت الشدة- تعلمون أنها لا تضر ولا تنفع.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ما كانوا يعملون)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ما كانوا يعملون) بيَّن تعالى أن من كفار الأمم السالفة من بلغوا في القسوة إلى أن أُخذوا بالشدائد ليخضعوا ويلتجئوا إلى الله تعالى فلم يفعلوا، وهذا تسلية لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم؛ حيث إن بعض الأمم السالفة بلغوا من العتو والإيغال في الكفر وقسوة القلوب إلى حد أن الشدائد التي أُخذوا بها لم تجد شيئاً في ترقيق قلوبهم ودفعهم إلى الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، فقال سبحانه وتعالى وتعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:42 - 43]. وهذا نظير أحوال كثيرة من أعداء الدين في هذا العصر، فإن الكربات والمصائب تتنزل بهم من كل نوع ومن كل لون، ثم يكشفها الله سبحانه وتعالى، ولا يزدادون إلا عتواً وعناداً، وفي أيام حرب رمضان لما حصل ما حصل من فتح الله سبحانه وتعالى على المسلمين، ثم بدأ الناس يعزون ذلك إلى أن الجنود كانوا متسلحين بـ (الله أكبر)، وأن الكلمة غطت على كل جبهات القتال، وصار الناس عامهم وخاصهم ينسبون الفضل إلى صاحبه وهو الله سبحانه وتعالى وعلموا أن النصر من عند الله ظهر في اليوم الثاني أو الثالث، مقالة في الجرائد وفي الأخبار لأحد المسئولين الكبار يقول فيها: انتصرنا بالعلم والتكنولوجيا، والكلام الذي فيه أننا انتصرنا بـ (الله أكبر) غير صحيح، فنحن انتصرنا بالعلم وبالتكنولوجيا وبالأسلحة! والعياذ بالله! فنكسهم الله سبحانه وتعالى بالثغرة التي أحدثها اليهود في الضفة الغربية من القناة، كما هو معروف، وجاءت جولدا مائير إلى داخل الضفة الغربية كما هو معلوم. فالشاهد أن بعض الناس يبلغ من قسوة القلب -والعياذ بالله- إلى أنه لو أخذ بالشدة لا يلين قلبه، ولا يتوب، بخلاف غيره من أصناف الكفار الذين هم أقل قسوة. وما حوادث الزلازل عنا ببعيدة، وانظر كيف يصير حال الناس بعد الزلزال الذي يستغرق ثوانٍ معدودة، فهل عندنا تأمين وصك بأن الله سبحانه وتعالى لا يجعل الأرض تنشق وتبتلعنا جميعاً؟! ليس عندنا ذلك، وما ذلك على الله بعزيز، ولكن انظر إلى العتو، وكأننا في الليل والنهار في أمان كامل من أن ينزل علينا عذاب الله، ولذلك تجد الفجور والإسراع في الفساد والإسراع في الصد عن سبيل الله سبحانه وتعالى بكل لون، وكلما جاء بلاء كلما ازداد بعض الناس عتواً في الأرض؛ لشدة قسوة قلوبهم، فهذا هو صنف مخصوص من العتاة ومن الظالمين والجبارين، فهم الذين تزداد قلوبهم قسوة وعتواً حتى لو نزل الكرب والبلاء. وقوله: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك) أي: أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً فكذبوهم، ولم يبالوا بهم؛ لكونهم في الرخاء. وقوله: (فأخذناهم بالبأساء) أي: بالشدة والقحط (والضراء) أي: المرض ونقصان الأنفس والأموال (لعلهم يتضرعون) أي: لعلهم يتذللون ويخشعون لربهم ويتوبون إليه من كفرهم ومعاصيهم، فالنفوس تخشع عند نزول الشدائد، لكن بعض الكفار -كما ذكرنا- يبلغ من قسوة قلبه إلى كون الشدائد لا تحرك فيه ساكناً، والعياذ بالله تعالى! وقوله: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا) يعني: بالتوبة والتمكن. ومعناه: نفي التضرع، فهم لم يتضرعوا في الحقيقة، وجيء بـ (لولا) ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم، كما قال عز وجل: (ولكن قست قلوبهم)، فلم يكن فيها لين يوجب التضرع، ولم ينزجروا، وإنما ابتلوا به. وقوله: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: من الشرك. والاستدراك بقوله: (وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ)، على المعنى لبيان الصارف لهم عن التضرع، يعني أن الذي صرفهم عن التضرع هو وجود قسوة القلوب، والعياذ بالله، فلا مانع من التضرع إلا قساوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها لهم الشيطان، وهذه نفس أحوال العلمانيين والزنادقة والملحدين في زماننا هذا. والله سبحانه وتعالى هنا يقول: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فأسند سبحانه وتعالى التزيين هنا إلى الشيطان، وأسنده إلى نفسه في قوله تبارك وتعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:108]، فوقع التزيين في مواقع كثيرة، فتارة أُسند إلى الشيطان، كهذه الآية: (وزين لهم الشيطان)، وتارة أسند الله تعالى إلى نفسه، كما قال عز وجل: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ)، وتارة إلى البشر أنفسهم، كقوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام:137] إلى آخر الآية، وتارة جعله غير مذكور فاعله، كما قال عز وجل: (زُيِّن للمشركين)؛ لأن التزيين له معان يشهد بها الاستعمال واللغة: أحدها: إيجاد الشيء حسناً مزيناً في نفس الأمر، فيكون الشيء خلقاً مزيناً، كقوله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الملك:5]، أي أنها مزينة بالمصابيح التي هي النجوم. الثاني: جعله مزيناً من غير إيجاد، كتزيين الماشطة العروس، فهي أصلاً تكون غير مزينة، ثم تأتي الماشطة فتزينها بزينة مكتسبة. الثالث: جعله محبوباً للنفس مشتهىً للطبع، وهذا نوع من التزيين، فيصبح هذا الشيء مزيناً في نظر الإنسان، أي: أنه يشتهيه، وطبعه يميل إليه، فهذا إن كان بمعنى خلق الميل في النفس والطبع لا يسند إلا إلى الله؛ لأنه الفاعل له حقيقة؛ لإيجاده له، وإن كان بمجرد تزويره وترويجه من قبل، بأن كان غير مزين، لكن حصل تزيين في شكله وفي طبعه بحيث يفتن به الناس، فهذا يكون من الشيطان بالوسوسة والإغواء، فهذا لا يسند إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما يسند إلى البشر أو الشيطان، وإن لم يذكر فاعله يقدر في كل مكان بما يليق به، فهذا فيما يتعلق باستعمال مادة التزيين.
تفسير قوله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء)
تفسير قوله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء) قال تبارك وتعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44]. قوله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به)، يعني: من البأساء والضراء، فتركوا الاتعاظ. (فتحنا عليهم أبواب كل شيء) أي: لما تركوا الاتعاظ -رغم البأساء والضراء- فتنهم الله بأن فتح عليهم الدنيا استدراجاً وفتنة لهم، ولا شك في أن هذا هو تفسير ما نراه من رغد العيش وزينة الدنيا عند الكفار، وهذا كما قال تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران:178]، فهذا استدراج من الله سبحانه وتعالى، وهذا أخطر أنواع العقوبات التي يعاقب الله سبحانه وتعالى بها العبد، أي: أنه يُعاقب ولا يحس أنه يعاقب، وحينئذٍ لا يستدرك ولا يفكر في التوبة؛ لأنه زين له سوء عمله فرآه حسناً. يقول تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) أي: من البأساء والضراء، وتركوا الاتعاظ به (فتحنا عليهم أبواب كل شيء) أي: من النعم، كالصحة والسعة وراحة البال والأمن استدراجاً وإبلاءً ومكراً بهم، عياذاً بالله سبحانه وتعالى من مكره! وقوله: (حتى إذا فرحوا بما أوتوا) لا شك في أنهم إذا عظمت فرحتهم ثم أخذوا بغتة تتعاظم حسرتهم، فيكون أشد في إيلامهم، فلذلك قال تعالى: (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا)، يعني: من مطالبهم ورغائبهم مع الشرك (أخذناهم) أي: بالعذاب المستأصل (بغتة) أي: فجأة بلا تقديم ذكر؛ إذ لم يفدهم التذكير في المرة الأولى (فإذا هم مبلسون) أي: متحسرون يائسون من كل خير.
تفسير قوله تعالى: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين)
تفسير قوله تعالى: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) قال تبارك وتعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:45]. قوله: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا) يعني: إذا كان آخرهم قد قطع فما بالك بأولهم؟! وهذا -كما يقولون- كناية عن الاستئصال، فإذا كان آخرهم قضي عليه فبالأولى أولهم، فقوله: (فقطع دابر) أي: آخر (القوم الذين ظلموا)، فهو كناية عن الاستئصال؛ لأن ذهاب آخر الشيء يستلزم ذهاب ما قبله، وهو من (دبر دبره) إذا تبعه فكان في دبره، أي: خلفه، فالدابر هو ما يكون بعد الآخر، ويطلق عليه أنه دابر تجوزاً، وقال أبو عبيد: دابر القوم: آخرهم. وقال الأصمعي: الدابر الأصل، ومنه (قطع الله دابره)، أي: أصله. وقوله: (والحمد لله رب العالمين) أي: على ما جرى عليهم من الهلاك، فلا شك في أن هذا العقاب وهذا العدل من الله سبحانه وتعالى من الصفات التي يتمدح بها الله سبحانه وتعالى، ويُحمد الله عليها، فانتقامه من الطغاة والظالمين بعد الإنذار وبعد الاعذار وبعد إقامة الحجة والتذكير من عدله. وقوله: (والحمد لله رب العالمين)، على ما جرى على هؤلاء الظالمين من الهلاك، فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم نعمة جليلة يحمد الله عليها، لاسيما مع ما فيه من إعلاء كلمة الحق التي نطقت بها رسلهم عليهم السلام. وقد روي في هذه الآية أخبار وآثار، منها: ما أخرجه الإمام أحمد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)) [الأنعام:44]). إذاً: هذا يؤيد لك المعنى الذي ذكرنا، وهو أن بعض الجهلة المغرقون في الجهالة بالله سبحانه وتعالى وسننه وأيامه عندهم أموال، ونسمع من المفسدين في الأرض أو الفاسقين أنهم يقولون: ربنا يحبنا. ويقول أحدهم: كنت سأهلك في الحادثة، لكن الله يحبني؛ لأنه أعطاني مالاً أو كذا وكذا. فهو يستدل بفضل الله عليه أنه نجاه من هلكة على أن الله يحبه، وهذا ليس دليلاً على أن الله يحبك، ولكن انظر إلى حالك، فإن كنت مستقيماً على طاعة الله فيمكن أن تكون هناك أمارة مخيلة أن الله يحبك، أما إن كنت عاتياً متمرداً ظالماً باغياًَ تاركاً للصلاة، لا تذكر الله سبحانه وتعالى، وتهجر القرآن، وترتكب غير ذلك من الجرائم والفسوق والعصيان ثم تزعم أن الله يحبك فاعلم أن هذا استدراج، فما أكثر ما نسمع: إن ربنا يحبني؛ لأني نجوت من الحادثة الفلانية. وما أدراك؟! فانظر إلى حالك حتى تعلم هل يحبك الله أم لا؟ كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31]، والله لا يحب الظالمين، ولا يحب الفاسقين، ولا يحب الفجار، إنما يحب من يحب الله ويحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فيقول الرسول عليه السلام: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استداج)، يعني: بالرغم من أنه مستمر على المعاصي ومتمادٍ فيها يعطيه الله سبحانه وتعالى، فإياك أن تكون كهؤلاء المغفلين الذين يظنون أن هذا علامة محبة من الله، فهذا هو تشخيص الرسول عليه السلام لهذه الحالة، فإنه يشخصها بأنها استدراج، ثم أكد المعنى بالاستدلال بهذه الآية (فلما نسوا ما ذكروا به). وهؤلاء الذين يتكلم الله عنهم هم الذين قال في شأنهم من قبل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:43 - 44] أي: مع حصول البأساء لم يتضرعوا. ولذا قال: {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:43] فمن تزيين الشيطان أن هؤلاء المساكين يقولون: إن ربنا يحبنا، ولذلك صنع بنا كذا وكذا. يقول تعالى: ((فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ)) أي: لما لم يجد معهم التذكير بالبأساء والضراء، وما نفعتهم المواعظ زاد الله سبحانه وتعالى في فتنتهم. وقوله: ((فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ)) تأمل كلمة (كل شيء) في قوله تعالى: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:44 - 45]. فعن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (إذا أراد الله بقوم اقتطاعاً فتح لهم)، أي: إذا أراد أن يقطع دابرهم ويستأصلهم فتح عليهم باب خيانة، {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44]. وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له) يعني أن هذا إنسان غير عاقل، وليس عنده عقل ولا رأي حسن، قال: (ومن قتِّر عليه ولم ير أنه ينظر له فلا رأي له). فإذا كان الله كتب عليك ضيق الرزق فأحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، واعلم أن الله سبحانه وتعالى يرى أن هذا هو الذي يصلحك، وأنه لو فتح عليك في المال والرزق لفسدت، وكثير من الناس كذلك. إذاً: فوِّض أمرك إلى الله، فهو أدرى بما يصلحك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) فأنت لا تدري بالعواقب، ولا تدري بالذي يصلح دينك، فقد يفسد دينك الفقر فيعطيك المال، وقد يفسد دينك الغنى فيحجب عنك المال؛ لأن هذا هو الذي يصلحك، وهذا مشاهد في كثير من الناس، فإنهم يفسدون إذا جرى المال في أيديهم، وكثير من الناس يفسد دينه إذا لم يجر المال في يده، فالله سبحانه وتعالى أدرى بما يصلح العبد، فيجب عليك أن ترضى بما قسم الله لك، وترى في تقتير وتضييق الرزق أن هذا أفضل لك وخير لك؛ لأن هذا اختيار الله سبحانه وتعالى، فعليك أن تفوِّض الأمر إلى الله. فالحسن يقول: كما يقول الحسن: من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له). فلابد من أن تخاف من أن هذا مكر من الله سبحانه وتعالى، وأن هذا استدراج لهذه الآية ونظائرها. وفي الحالة الأخرى (من قتر عليه ولم ير أنه ينظر له) وأن هذه مصلحته، وأن هذا هو الخير في حقه فلا رأي له، ثم قرأ: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44]، قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا. وقال قتادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم. يتركهم حتى يفرحوا بالزينة وبالدنيا كي يتحسروا عند فراقها أشد الحسرة، وهذا استدراج، كقوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} [يونس:24] أي: كأن لم يكن لها وجود من قبل. ولذا قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا. وقال قتادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله؛ فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. وقال الرازي: قال أهل المعاني: وإنما أخذوا في حال الرخاء والراحة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من السلامة والعافية. وقال الزمخشري في قوله تعالى: {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:45]: هذا إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة. إذاً: على الإنسان إذا رأى هلاك الظلمة أن يحمد الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله بذلك يكون قد أراح البلاد والعباد من هؤلاء الظالمين. وختم الله قصص ما مضى من أحوال هؤلاء المهلكين فقال عز وجل: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:45]، فهو يستحق الحمد على أنه أهلك هؤلاء الذين عتوا وتجبروا، وفي هذا إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأن هذا من أجل النعم وأجزل القسم، فهو إخبار بمعنى الأمر تعليماً للعباد. فـ الزمخشري يذهب إلى أن قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] معناه: فاحمدوا الله رب العالمين. أي: أنه أمر جاء في سياق الخبر، كما في قوله: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم:17] فقد جاء في بعض التفاسير أن المعنى: فسبحوا الله حين تمسون وحين تصبحون. وكذلك تكون الآية هنا -على قول الزمخشري -: فاحمدوا الله رب العالمين على إهلاك الظلمة. قال ابن عقيل في (الانتصاف): ونظيرها قوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا} [النمل:59] أي
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم)
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم) ثم يقول تبارك وتعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام:46]. قوله تعالى: (قل أرأيتكم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم) يعني: بأن أصمكم وأعماكم (وختم على قلوبكم) يعني: بأن غطى عليها بما يزول به عقلكم وفهمكم. وقوله: (من إله غير الله يأتيكم به) يعني: من إله غير الله يأتيكم بذلك المأخوذ منكم؟! وإنما خصت هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر لأنها أشرف أعضاء الإنسان، فالسمع والبصر والعقل إذا تعطلت اختل نظام الإنسان وفسد أمره، وبطلت مصالحه في الدين والدنيا. وقوله: (انظر كيف نصرف الآيات) أي: نوردها بطرق مختلفة، كتصريف الرياح. وقوله: (انظر) يفيد التعجيب من عدم تأثرهم بما عاينوا من الآيات الباهرة. وقوله: (ثم هم يصدفون) أي: بعد رؤيتهم تصريف الآيات يعرضون عنها، فلا يتأملون فيها عناداً وحسداً وكبراً. أما الآيات فإما أن يقصد بها مطلق الدلائل، أو يقصد بها الدلائل القرآنية مطلقاً، أو ما ذكر من أول السورة إلى هاهنا، أو ما ذكر قبل هذا من المقدمات العقلية الدالة على وجود الصانع وتوحيده المشار إليها بقوله: {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} [الأنعام:40] إلى آخر الآية. ومن الترغيب أيضاً قوله: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ} [الأنعام:41]، ومن الترهيب: ((إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ))، وذهب إلى أنه يقصد كل ذلك بعض من المفسرين، وعموم اللفظ يصدق على ذلك كله بلا تدافع، أي: أن الإشارة إلى كل ما مر على تنوعه. ودلت الآية على جواز الاحتجاج في أمر الدين، وهو ظاهر. والمقصود من هذه الآية بيان أن القادر على تحصيل هذه القوى الثلاث وصونها عن الآفات ليس إلا الله سبحانه وتعالى، فالقادر على أن يرزقنا السمع والبصر والعقل، والقادر على أن يسلبنا إياها هو الله سبحانه وتعالى وحده، وإذا كان الأمر كذلك كان المنعم بهذه النعم العالية والخيرات الرفيعة هو الله عز وجل، فواجب أن يقال: المستحق للتعظيم والثناء والعبودية ليس إلا الله تعالى، وذلك يدل على أن عبادة الأصنام طريقة باطلة فاسدة.
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله)
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله) قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} [الأنعام:47]. أشار تعالى إلى تبكيت لهم آخر، وذلك بإلجائهم إلى الاعتراف باختصاص العذاب بهم، فقال سبحانه وتعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام:47]. قوله تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم) يعني: بسبب إعراضكم عن الآيات بعد تصريفها (عذاب الله) يعني: عذاب الله المستأصل لكم (بغتة) يعني: فجأة من غير تقديم ما يشعر به، أو (جهرة) بتقديمه، مبالغة في إزاحة العذر، وقيل: ليلاً أو نهاراً، كما في قوله تعالى: {بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا} [يونس:50]؛ لأن الغالب فيما أتى ليلاً البغتة وفيما أتى نهاراً الجهرة. وقوله: (هل يهلك إلا القوم الظالمون أي: هل العذاب سينزل إلا لكم أنتم؟ ولن ينزل على أحد غيركم، ولن يهلك بهذا العذاب إلا أنتم. ولم يقل: قل أرأيتكم إن أتاكم الله عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك سواكم. لم يقل هكذا، وإنما قال: (هل يهلك إلا القوم الظالمون)، تسجيلاً عليهم الظلم، وإيذاناً بأن مناط إهلاكهم ظلمهم الذي هو وضعهم الإعراض عما وضع الله لهم من الآيات موضع الإيمان.
تفسير قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين)
تفسير قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين) ثم أشار تعالى إلى وظيفة الرسل وتحقيق ما في عهدتهم لبيان أن ما يقترحه الكفار عليه صلى الله عليه وسلم ليس مما يتعلق بالرسالة أصلاً، فقال عز وجل: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام:48]. قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين) أي: بالثواب لأهل الإيمان والأعمال الصالحة (ومنذرين) بالعقاب لأهل الكفر والمعاصي (فمن آمن وأصلح) يعني: أصلح الأعمال والأخلاق، فهم أهل البشارة (فلا خوف عليهم) يعني: من العذاب الذي أُنذروا به دنيوياً وأخروياً (ولا هم يحزنون) يعني: من فوات ما بشروا به من الثواب العاجل والآجل.
تفسير قوله تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون)
تفسير قوله تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون) قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأنعام:49]. قوله تعالى: (يمسهم العذاب) أي: الذي أنذروا به عاجلاً أو آجلاً (بما كانوا يفسقون) أي: عن أمر الله في ترك الإيمان ومباشرة الأعمال الصالحة واكتساب الأخلاق الرديئة. والله أعلم.
الأنعام [50 - 58]
تفسير سورة الأنعام [50 - 58]
تفسير قوله تعالى: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب)
تفسير قوله تعالى: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب) يقول الله تبارك وتعالى: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام:50]. قوله تعالى: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله) أي: قل يا محمد -صلى الله عليه وسلم- لهؤلاء المشركين المقترحين عليك تارة تنزيل الآيات، وأخرى غير ذلك، قل لهم: لا أدعي أن خزائن رزق الله مفوضة إلي، فأعطيكم منها ما تريدون من تصيير الجبال ذهباً، وغير ذلك مما يقترحون. والخزائن: جمع خزانة، وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء: إحرازه، بأن يوضع في مكان موثوق بحيث لا تصل إليه الأيدي. قوله: (ولا أعلم الغيب) أي: لا أعلم الغيب من أفعال الله عز وجل حتى تسألوني عن وقت الساعة، أو عن وقت نزول العذاب أو نحوهما؛ لأن ذلك موكول علمه إلى الله سبحانه وتعالى. قوله: (ولا أقول لكم إني ملك) أي: لا أدعي أني ملك حتى تكلفوني من الأفاعيل الخارقة للعادات ما لا يطيقه البشر من الرقي في السماء ونحوه، أو تعدوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحاً في أمري، فأنا لم أدع أنني ملك حتى تعدوا عدم اتصافي بصفات الملائكة قادحاً في أمري وفي بعثتي وفي رسالتي؛ لأن هذا الزعم أو هذا القول منهم ينبئ عنه قولهم: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان:7] أي: كيف يكون رسولاً من البشر يأكل الطعام مثلنا ويمشي في الأسواق؟! ولذا قالوا: {لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} [الفرقان:7]. فالمعنى: إني لا أدعي شيئاً من هذه الأشياء الثلاثة، حتى تقترحوا عليَّ ما هو من آثارها وأحكامها، فكل ما تقترحون عليَّ إنما هو آثار هذه الأشياء الثلاثة، وأنا لم أدع اختصاصي أو اتصافي بهذه الأشياء الثلاثة، فليس عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول لكم: إني ملك. والمقصود أنه يقول: إني لا أدعي شيئاً من هذه الأشياء الثلاثة حتى تقترحوا عليَّ ما هو من آثارها وأحكامها، وحتى تجعلوا عدم إجابتي لذلك دليلاً على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا تعلق لها بشيءٍ مما ذكر قطعاً؛ فإن الرسالة من الله سبحانه وتعالى إلى عبد من عباده أو إلى رسول من رسله إنما هي عبارة عن تلقي الوحي من جهة الله عز وجل، والعمل بمقتضى هذا الوحي فقط، ولا تتعدى ذلك، ولا ترتبط على الإطلاق بأن يكون هذا الرسول مالكاً لخزائن الله، أو عالماً للغيب، أو يدعي أنه ملك، فعدم وجود هذه الصفات الثلاث في مقدوره لا يقدح في رسالته؛ إذ لا تعلق له على الإطلاق بصفة الرسالة؛ لأن الرسالة عبارة عن استقبال الوحي من الله سبحانه وتعالى والعمل بمقتضى هذا الوحي، ولا تقتضي الرسالة أن يجيبكم رسول إلى ما تقترحونه من آيات؛ لأن خزائن الله ليست بيده، إن هو إلا عبد وبشر ورسول من الله سبحانه وتعالى، ولذلك لا يعلم الغيب حتى تكلفوه أن يخبركم متى الساعة أو متى ينزل العذاب، وليس هو ملكاً حتى تكلفوه بأن يرقى في السماء، أو تطلبوا منه من الأفعال ما لا يقوى عليه إلا الملائكة. وقوله: (إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ) هذا هو مقتضى الرسالة، فمقتضاها تلقي الوحي واتباع هذا الوحي الذي يوحى من جهة الله تبارك وتعالى، والذي شرفني بذلك وأنعم به عليَّ. فيتصل به الوحي أو روح القدس جبريل عليه السلام، فيخبره بوحي الله تبارك وتعالى. ثم كرر الأمر تثنية للتبكيت بقوله تبارك وتعالى: ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ))، ففي صدر الآية قال: ((قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)). ثم قال عز وجل ثانية: ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)) فالأعمى والبصير مثل للضال والمهتدي، كما قال تعالى: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [هود:24]، فالأعمى والبصير كلاهما مثل للضال وللمهتدي على الإطلاق، والاستفهام إنكاري، والمراد إنكار استواء من لا يعلم ما ذُكر من الحقائق مع من يعلمها. وفيه إشعار بأن الذي لا يرى كل هذه الحقائق التي مضت فإنه ضال؛ لأنها في غاية الكمال وفي غاية الوضوح والظهور والبيان، بحيث لا يضل عنها ولا ينكرها إلا من كان أعمى لا يراها مع وضوحها. وفي وصف الضال بالأعمى من التنفير عن الضلال والترغيب في الاهتداء ما لا يخفى؛ لأن وصف الضلال بالعمى ووصف الهدى بالبصر لا شك أن فيه تنفيراً من الضلال، وفيه ترغيباً عظيماً في الاهتداء. وقوله: (أفلا تتفكرون) هذا تقرير وتوبيخ داخل تحت الأمر، أي: أفلا تتفكرون فتهتدوا حتى لا تكونوا ضالين أشباه العميان؟! وبعض المفسرين في قوله تبارك وتعالى: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) قالوا: إن هاتين الصفتين عبارة عن تبرؤ من دعوى الإلهية. فكأن كلمة (لا أقول عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب) تساوي (لست إلهاً)، أو: (لا أقول لكم: إني إله). قالوا: لأن قسمة الأرزاق بين العباد ومعرفة الغيب مخصوصان به تعالى، ولذا كرر في الملكية لفظ: (ولا أقول) يعني: لست أدعي الإلهية، ولست أدعي الملكية، لا أقول: إني إله، ولا أقول: إني ملك. فهذا الفريق من المفسرين الذي ذهب إلى هذا استند إلى أن الصفتين الأوليين عطفتا، ولم يصدر الأمر بـ (قل لا أقول) في كلا الجملتين؛ لأنهما عبارة عن أثرين من آثار الإلهية. أي: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب) اللذان هما من شأن الإله، ولذا قال: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الأرض ولا أعلم الغيب) يعني: لا أقول لكم: إني إله، ثم قال: (ولا أقول لكم إني ملك) فكرر كلمة (ولا أقول لكم إني ملك)؛ لحصول المغايرة بين الملكية وبين الإلهية، فكلاهما يتبرأ منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية الكريمة. وهذا لم يسلم في الحقيقة، بل قال بعض المفسرين: هذا الزعم مما لا وجه له قطعاً.
تفسير قوله تعالى: (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم)
تفسير قوله تعالى: (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم) ثم لما أخبر تعالى أن أولئك المشركين كالصم البكم العمي، بل كالموتى؛ إذ لم يتعظوا بتصريف الآيات الباهرة، أمر بتوجيه الإنذار إلى من يتأثر بما يوحى إليه، فقال: (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون) يعني: إذا كان هؤلاء المشركين مع نذارتك، ومع بلاغك المبين، ومع اجتهادك في توضيح الحق لهم ودعوتهم إلى الهدى، يأبون إلا أن يبقوا كالصم البكم العمي، بل كالموتى؛ لأنهم لم يتعظوا بتصريف الآيات الباهرة، فأنذر الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم. فعند ذلك أمر تبارك وتعالى بتوجيه الإنذار إلى من ينتفعون بهذا الإنذار، وأن يطرح عن نفسه هؤلاء الفجار الذين أعرضوا عن آيات الله تبارك وتعالى، فقال عز وجل: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام:51]. قوله: (وأنذر به) يعني: أنذر بهذا الوحي، أو بهذا القرآن، أو بالوحي المتقدم ذكره. وقوله: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ) أي: من دون الله تعالى (ولي) أي: ناصر ينصرهم (ولا شفيع) أي: يشفع لهم وينجيهم من العذاب، فليس لهم غير الله ولي ولا شفيع. ومن المعروف والمشهور في آيات القرآن الكريم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نذير للعالمين، فهو نذير وبشير، فالنذارة لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم، فما هي الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى خص الأمر بالنذارة هنا لهؤلاء الذين يخافون الله سبحانه وتعالى ويخافون يوم الحشر؟ A خصهم بالذكر لأنهم هم الذين ينتفعون بالإنذار، وهم الذين يقودهم الإنذار إلى التقوى، وليس المراد الحصر حتى يرد أن إنذاره لغيرهم لازم أيضاً. فقد يعترض بعض الناس على ظاهر هذا التفسير فيقول: كيف يكون الإنذار هنا لهؤلاء المتقين الصالحين والنبي صلى الله عليه وسلم واجب عليه أن ينذر الصالحين وينذر الفاسقين؟ فنقول: إن هذا الإيراد غير لازم، ولا يلزمنا؛ لأن الآية لا يُعنى بها الحصر، ولا يقصد من الآية أنه ما عليك إلا أن تنذر المؤمنين أو المتقين أو الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم. لكن الذي يفهم من الآية الكريمة أن الإنذار عام، لكن خص بالذكر هنا هؤلاء لأنهم هم الذين ينتفعون بالإنذار ويتعظون به. وقوله تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام:51] جملة (ليس لهم) حال من الفعل (يحشروا) والإعراب هنا مهم؛ لأننا نستطيع أن نفسر الآية تفسيراً صحيحاً بالإعراب، يعني: هم يخافون أن يحشروا وليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع، فهذه حالهم إذا حشروا. فجملة (ليس لهم) في موضع نصب على الحال من (يحشروا)، فإن المخوف هو الحشر على هذه الحالة، يعني: هم يخافون أن يحشروا على حالة يكونون ليس لهم فيها ولي. ولا يخافون هذه الحالة، وإنما يرجون أن يحشروا ولهم ولي وناصر وهو الله سبحانه وتعالى، وشفيع بإذن الله تبارك وتعالى. والمراد بالولي وبالشفيع في هذه الآية الآلهة التي كان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم، وحينئذ فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة للمسلمين، فلا يصح لأحد من الخوارج أو غيرهم أن يستدل بالآية الكريم على نفي حصول الشفاعة في الآخرة، سواء أكانت الشفاعة الخاصة بالأنبياء -خاصة خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم- أم بالمؤمنين والصالحين، أم بالملائكة، فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة للمسلمين؛ لأن شفاعة الرسل لا تتعارض مع أن يكون الله سبحانه وتعالى هو المصدر لهذا الخير؛ لأنه لا شفيع عنده إلا بإذنه، كما قال سبحانه: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة:255] فالشفاعة هنا ليست مغايرة أو خارجة عن إرادة الله، وليست صادرة عن غير الله، وإنما هي بإذن الله، فلا تدخل شفاعة الأنبياء وشفاعة المرسلين وشفاعة الصالحين في هذه الشفاعة المنفية في قوله تعالى: (ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لهم يتقون).
تفسير قوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)
تفسير قوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) ثم قال تعالى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:52]. روى الإمام مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال له المشركون: اطرد هؤلاء؛ لا يجترئون علينا)، أي: كيف تجلس في مجالسنا ومعك هؤلاء الضعفاء وهؤلاء الفقراء وهؤلاء المساكين؟ اطردهم حتى لا يجترئ هؤلاء الناس الفقراء والمساكين على مقاماتنا الشريفة والعالية. فقال له المشركون: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: (وكنت أنا - أي: سعد بن أبي وقاص - وابن مسعود رضي الله تعالى عنه، ورجل من هذيل، وبلال ورجلان لست أسميهما -رضي الله تعالى عنهم أجمعين-، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه؛ إذ كان يطمع في إيمان القوم، فأنزل الله تعالى: ((وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ))) وهذا رواه مسلم كما ذكرنا، وأخرج نحوه الحاكم وابن حبان في صحيحيهما. وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد! أرضيت بهؤلاء؟! فنزل عليه القرآن: ((وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)) [الأنعام:51])، أي: أن هؤلاء الضعفاء من المؤمنين هم الذين ينتفعون بإنذارك، فالزمهم ولا تطردهم عن مجلسك، فهذا وجه اتصال هذه الآية بالآية السابقة. وروى ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه -أيضاً- قال: (مر الملأ من قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب، وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد! أرضيت بهؤلاء عن قومك؟! أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا، ونحن نصير تبعاً لهؤلاء؟) أي: أهؤلاء الفقراء الضعفاء المساكين يمن الله عليهم بالهداية دوننا ويكونون خيراً منا؟! فاستكبروا واستنكفوا، وقالوا: (ونحن نصير تبعاً لهؤلاء؟! اطردهم؛ فلعلك إن طردتهم نتبعك، فنزلت هذه الآية: ((وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ)) إلى آخر الآية). إذا علمت ذلك تبين أنه صلى الله عليه وسلم لم يطردهم بالفعل، وإنما همَّ بإبعادهم من مجلسه آناء قدوم أولئك ليتألفهم، فيقودهم ذلك إلى الإيمان، فنهاه الله عن إمضاء ذلك الهم، أي: كان مجرد هم هم به النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه لم يطردهم بالفعل. وهنا قال الرازي كلاماً زعم فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد طردهم بالفعل، ثم أخذ يتكلف في الجواب عن هذا الزعم لمنافاته العصمة على زعمه، فهو بنى هذا الزعم على غير أساس، ثم تكلف بعد ذلك في الرد، ومعلوم أن القاعدة أنه لا يتكلف الجواب عن حديث حتى يصح، فالضعيف يكفي في رده كونه ضعيفاً، والباطل يكفي في رده كونه باطلاً، فلا يحتاج إلى أن تسود الصحائف في رده وإبطاله، وهذا هو شأن الرازي في كثير من المواضع، فالقاعدة المقررة أن البحث في الأثر فرع عن ثبوته، أي: أن الأصل هو أن تثبت صحته أولاً، كما يقال: ثبت العرش ثم انقشه. والتفسير فرع التصحيح، فالبحث في الأثر فرع ثبوته، فإذا لم يثبت فلا داعي لمناقشة ما فيه، والباطل يكفي في رده كونه باطلاً. والمعنى: لا تُبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، وهذا كقوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]. ولا شك أن في هذه الآية مدحاً عظيماً لهؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين؛ لأن في هذه الآية -كما في نظائرها من الآيات الكريمات- مدحاً لباطنهم ومدحاً لظاهرهم، فقوله عز وجل: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الكهف:28] أي أن الظاهر أنك تراهم دائماً يدعون الله سبحانه وتعالى، وقوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف:28] مدح لهم بالإخلاص وعدم الرياء، ولذلك نظائر في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} [الفتح:29] ففي هذا مدح لظاهرهم، ثم مدح باطنهم فقال: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً} [الفتح:29]. وكذلك -أيضاً- في سورة الحشر قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر:8]. وقوله تعالى: (يدعون ربهم) أي: يعبدونه ويسألونه. وقوله: (بالغداة والعشي) قال سعيد بن المسيب وغيره: المراد به الصلاة المكتوبة. قوله: (يريدون وجهه) المراد بالوجه هنا ذات الله عز وجل، كما في قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88] يعني: إلا الله سبحانه وتعالى. والمراد بإرادة ذات الله هو الإخلاص لله عز وجل، فهذا معنى إرادة وجه الله، أو إرادة الله، أي: الإخلاص لله وحده. وجملة (يريدون وجهه) حال من (يدعون)، يعني أنهم يدعون ربهم مخلصين له في هذا الدعاء، وتقييده به لتأكيد عليته للنهي، فإن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد، فإذا كان هؤلاء مخلصين له فإنهم لا يستحقون أن تطردهم، بل يستحقون أن تقربهم وتتخذهم خلصاءك وأصفياءك. وقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء) هو كقول نوح عليه السلام في الذين قالوا: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} [الشعراء:111 - 113]، أي: إنما حسابهم على الله عز وجل، وليس عليَّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء. قال العلامة أبو السعود: الجملة اعتراض وسط بين النهي وجوابه تقريراً له ودفعاً لما عسى أن يتوهم كونه مسوغاً لطردهم من أقاويل الصاعرين في دينهم، كدأب قوم نوح حيث قالوا: {مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} [هود:27]. أي أنهم يذمون المؤمنين والمستضعفين والفقراء والمساكين من أهل الإيمان بقولهم: (ما نراك اتبعك إلا الذين هم أرذالنا) أي: فقراؤنا وضعفاؤنا ومساكيننا. يقصدون أن يصفوهم بأنهم أناس سذج، وأنهم بمجرد أن سمعوا كلامك انقادوا لك، دون أن يحللوا، ودون أن يتعمقوا في الكلام. والإنسان إذا بدا له الحق فانقاد له بسرعة فهذا مما يمدح به؛ لأنه إذا بان الحق كالشمس في رابعة النهار فإنه لا ينبغي أن يتردد الإنسان في قبوله والانقياد له، فهذا مما يمدح به الإنسان ولا يذم به. فالمقصود: ما عليك شيء من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة حتى تتصدى له وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتك -حسبما هو شأن منصب النبوة- اعتبار ظواهر الأعمال، وإجراء الأحكام على موجبها، وأما بواطن الأمور فحسابها على العليم بذات الصدور، كقوله تعالى: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي} [الشعراء:113]. وقوله تعالى: (ومَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ذكر الله هذا مع أن الجواب قد تمَّ بما قبله، أي: قوله تبارك وتعالى: ((وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)) لكن أضاف عز وجل قوله: {ومَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:52] للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه صلى الله عليه وسلم بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلاً، وهو انتفاء كون حسابه عليه السلام عليهم، على طريقة قوله تعالى: {لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34]. وفسر بعض المفسرين الحساب هنا بمعنى الرزق، فقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء) أي: من رزقهم. وهكذا قوله: (وما من حسابك عليهم من شيء). وقدم خطابه صلى الله عليه وسلم في الموضعين تشريفاً له صلى الله عليه وسلم، وكما نلاحظ هنا في الآية الكريمة فإن الله سبحانه وتعالى قدم ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: (ما عليك من حسابهم) فذكر ضمير الرسول عليه السلام أولاً تشريفاً له صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (وما من حسابك عليهم من شيء)، وفي غير القرآن يمكن أن نقول: ما عليك من حسابهم من شيء، وما عليهم من حسابك من شيء. لكن مراعاة لهذا الأمر -وهو تشريف النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم ذكره- قال تعالى في الأولى: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِن
تفسير قوله تعالى: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) ثم قال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام:53]. قوله: (وكذلك فتنا بعضهم) أي: الشرفاء والسادات، (ببعض) وهم المستضعفون، كما قال تبارك وتعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان:20]، أي: نجعل الضعيف أو الفقير فتنة للغني أو القوي. فقوله: (وكذلك فتنا بعضهم) أي: الشرفاء، (ببعض) وهم المستضعفون، بما مننا عليهم بالإيمان، مع كونهم ضعفاء وفقراء ومستضعفين مننا عليهم بالإيمان، فكان في ذلك فتنة لهؤلاء الشرفاء، (ليقولوا) أي: ليقول هؤلاء الشرفاء: (أهؤلاء) أي: المستضعفون، (من الله عليهم من بيننا) أي: هل هؤلاء مع ضعفهم وفقرهم يستحقون أن يمن الله عليهم من بيننا بشرف الإيمان؟! مع أن الشرفاء على زعمهم أولى بكل شرف، فلو كان الإيمان شرفاً لانعكس الأمر، ولكان ذلك من خصائصنا نحن حتى نجمع إلى شرف الدنيا شرف الإيمان. فلذلك كان في إنعام الله عز وجل على المستضعفين بنعمة الإيمان فتنة لهؤلاء الذين ظنوا أنهم أولى بكل شرف، فقولهم: (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) هو إنكار لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير، كقولهم: {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف:11]، وهذا شأنهم دائماً، فإنهم يقولون: لو كان خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء المستضعفون، وهذا -بلا شك- عنوان الكبر والبطر وغمط الناس، والخلل في موازينهم. ثم أشار تعالى إلى أنه إنما منَّ عليهم بنعمة الإيمان لأنه علم أنهم يعرفون قدر هذه النعمة فيشكرونها حق شكرها، وأما أولئك فلا يعرفون قدرها فلا يشكرونها، ولذلك قال عز وجل: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)، أي: أليس الله سبحانه وتعالى بأعلم بالذين إذا أنعم عليهم بنعمة الإيمان والهداية يشكرون له سبحانه وتعالى ويحمدونه حق حمده، ممن يجحدون فضل الله عليهم ولا يشكرون له هذه النعمة؟! إذاً: قول الله تبارك وتعالى: (أليس الله بأعلم بالشاكرين) رد على قول المشركين المستكبرين: (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا)، فلما قالوا: (أهؤلاء من الله من بيننا) أتى A ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)، فهو رد لقولهم ذلك، وإبطال له، وإشارة إلى أن مدار استحقاق الإنعام هو معرفة شأن النعمة والاعتراف بحق المنعم سبحانه وتعالى، كما أن فيه إشارة إلى أن أولئك المستضعفين عارفون بحق نعم الله تعالى في تنزيل القرآن والتوفيق للإيمان، شاكرون له تعالى على ذلك، مع التعريض بأن القائلين بمعزل عن ذلك كله، وهذا لا يخفى. قال الحافظ ابن كثير: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل. ويتضح هذا في حديث هرقل لما سأل أبا سفيان الأسئلة المعروفة، فإنه قال: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم. فقال له هرقل: وكذلك الأنبياء يتبعهم ضعفاء الناس. أو كما قال. وكذلك -أيضاً- لما قال قوم نوح لنوح عليه السلام: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود:27]. وكان مشركوا مكة يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) كقوله تعالى عنهم: (لو كان خيراً ما سبقونا إليه)، فهذا قول الكافرين في أهل الإيمان، لكن أهل الحق وأهل السنة والجماعة يقولون في أي شيء لم يفعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم: لو كان خيراً لسبقونا إليه، وهذه قاعدة يتبعها أهل السنة والجماعة في أي قضية من قضايا البدع التي يزعم محدثها أنها تقرب إلى الله سبحانه وتعالى وأن فيها خيراً؛ فإنهم يرفعون هذا الشعار: (لو كان خيراً لسبقونا إليه)؛ لأنهم أولى بكل فضل، أما الكفار فكانوا يقولون: (لو كان خيراً ما سبقونا إليه)، لأنهم يزدرونهم ويحتقرونهم، وهذا كقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم:73]، فإنهم كانوا يظنون أنه ما دام أنهم أوتوا من الدنيا ومن زينة الدنيا وبهجة المجالس والمظاهر فإنهم -أيضاً- يستحقون أن يفضلهم الله في الدين، وهذا ليس بلازم، فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فهذه هي القاعدة، بل ربما يُعطى الكافر من الدنيا أضعاف ما يعطاه المؤمن، وربما زيد في بلاء المؤمن، وهذه سنة مطردة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة -يعني: شدة- زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه)، إلى آخر الحديث المعروف. ولذلك في هذه الآية الكريمة قال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا)، يعني: في حق الذين آمنوا: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم:73]، فقال الله عز وجل في جواب ذلك: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} [مريم:74]، فكم أهلك الله سبحانه وتعالى من الظالمين ومن الأمم الظالمة ممن كان عندهم من الزينة والأثاث والمظاهر وحسن المظهر أكثر مما أوتي هؤلاء! وهنا لما قالوا: (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) قال عز وجل في جوابهم: (أليس الله بأعلم بالشاكرين)؟! أي: الشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]، وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، وفي نفس الوقت قال تعالى في المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) لكن: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} [المنافقون:4]، فلا تغتر بالمظهر؛ إنما العبرة بحقائق الإيمان الراسخة في القلوب. وروى ابن جرير عن عكرمة قال: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي والحارث بن نوفل وقرضة بن عبد عمرو بن نوفل في أشراف من بني عبد مناف من الكفار إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب! لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا -جمع عتيق، أي: أجير- كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا له. فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثه بالذي كلموه به، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون من قولهم. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ َ}، إلى قوله: ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)). قال: وكانوا بلالاً وعمار بن ياسر وسالماً مولى أبي حذيفة وصبيحاً مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود والمقداد بن عمرو ومسعود بن القارئ وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو وذو الشمالين ومرثد بن أبي مرثد وأشباههم من الحلفاء، ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام:53]، فلما نزلت أقبل عمر فاعتذر من مقالته، فأنزل الله عز وجل: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:54]، إلى آخر الآيات. قال بعض المفسرين: ثمرة الآية أن الواجب في الدعاء الإخلاص فيه؛ لأنه تعالى امتدحهم في دعائهم بأنهم (يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) فاشترط في الدعاء الإخلاص، أي: أن تريد الله سبحانه وتعالى بدعائك، ولا تريد غير الله سبحانه وتعالى، وهكذا جميع الطاعات لا تكون لغرض الدنيا. قال محمد بن الحسن النفس الزكية: إذا دعا الإمام ثم وجد أفضل منه وجب عليه أن يسلم الأمر له، فإن لم يفعل ذلك فسق؛ لأنه إن لم يفعل دل على أنه طالب للدنيا. ودلت الآية على أن الغداة والعشي لهما اختصاص بفضل العمل والدعاء، فلذلك خصهما بالذكر، فقال: (يدعون ربهم بالغداة والعشي)، فلا شك في أن تخصيص وقتي الغداة والعشي بهذا الأمر يدل على مزية لوقتي البكور والعشي، وهذا بلا شك ثابت؛ لأن أشرف أوقات الذكر على الإطلاق في الليل والنهار هما هذان الوقتان: وقت الغداة بعد طلوع الشمس أو بعد طلوع الفجر إلى أن تطلع الشمس، أما وقت العشي فهو من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وقيل: من بعد الزوال. فالمقصود: أن تخصيص هـ
إضافة في تفسير قوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)
إضافة في تفسير قوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) قوله تعالى: ((وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ)) سببه أن الرسول عليه الصلاة والسلام همَّ أن يطردهم وأن يبعدهم، لعله يكون في ذلك سبب في هداية أولئك القوم، ولم يؤاخذه الله سبحانه وتعالى على هذا الهم، وإنما نزلت الآيات ناهية له عن ذلك. ودلت الآية -أيضاً- على أن الفقر لا يؤثر في حال المؤمن، وقد ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام؛ نصف يوم)، يعني: نصف يوم من أيام الله في الآخرة. وروي أن آخر من يدخل الجنة من الصحابة عبد الرحمن بن عوف؛ لكثرة ماله. وروي أن علياً لم يخلف شيئاً بعد وفاته. يقول: القاسمي: الحديث الأول رواه الترمذي عن أبي هريرة وقال: حسن صحيح، ولفظه: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام). وأما حديث: (آخر من يدخل الجنة من الصحابة عبد الرحمن بن عوف)، فلم أجده بهذا اللفظ. وقيل: قد يؤخذ من هذه الآية أن لا يمنع من يذكِّر الناس بالله وأمور الآخرة في جامع أو طريق أو غيره، فبعض العلماء استنبط من هذه الآية الكريمة أنه لا ينبغي أن يُمنع أي إنسان يقوم بتذكير الناس في أي مكان يذكرهم فيه بالله سبحانه وتعالى، وبأمور الآخرة، سواء أكان في مسجد أم في طريق أم في غير ذلك. وقد اختلف المتأخرون في مؤذن يؤذن بالأسحار، ويبتهل بالدعاء، ويردد ذلك إلى الصباح، ويتأذى به الجيران؛ هل يمنع أم لا يمنع؟ واستدل من قال: لا يمنع بهذه الآية: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:52]. واستدل أيضاً بقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [البقرة:114]، إلى آخرها، لكن يمكن أن يجاب عن ذلك بأن الشيء الذي فيه مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في عبادة معينة وفيه ابتداع فإنه -بلا شك- يمنع؛ لأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ولو كان هذا الابتهال وغير ذلك خيراً لسبقنا رسول الله وصحابته إليه، فلما لم يفعلوه دل على أنه ليس من الدين؛ لأنهم كانوا أولى بكل فضيلة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، لكن الاجتهاد في الدعوة يصلح له الاستدلال بالآيتين على نفس هذا المعنى، وأن من وقف يذكر الناس -سواء أكان في طريق أم في شارع أم في مسجد أم في أي مكان- ويدعو إلى الله سبحانه وتعالى يريد وجه الله ويعظ الناس ويذكرهم بأمور الآخرة فلا حرج في ذلك، كما قال مالك بن دينار: (لو كان لي أعوان لأطلقتهم في شوارع البصرة- أو في جوانب الأرض يقولون ويصرخون في الناس: النار النار) أي: يحذرونهم من النار. فلا ينبغي أن يمنع من يذكر الناس بالله سبحانه وتعالى ما دام أنه لا يقول كلاماً مصادماً للشريعة، أو يحتوي على بدع أو أحاديث ضعيفة أو غير ذلك، فما دام أنه يدعو إلى الحق فلا ينبغي أن يمنع، واستدلوا بهذه الآية، وهذا هو الواضح من الآية الكريمة، فعجباً لهذا الزمن الذي أدركناه! حتى إننا نجد أن بعض المساجد تعامل على أنها إقطاعات، وكأن بعض الجماعات قد ورثتها كابراً عن كابر، وكأنها مقاطعات ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، وكل جماعة تفرض نظاماً معيناً على المسجد، بحيث إذا لم يكن المذكِّر من الجماعة ومن أعضائها ومن المنتمين إليها فإنه يمنع، حتى لو كان يتكلم بقول الله وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك حرم المسلمون من خير كثير، فنجد في بعض المساجد أنه ممنوع أن يلقي أحد كلاماً إلا بإذن الإمام، وصحيح أننا نحترم الإمام، لكنه إذا استأذن الإمام ففي الغالب أنه يمنع، وإنما هذا مجرد إجراء روتيني لأجل عرقلة الدعوة وإيقافها، فواجب احترام الإمام، وواجب استئذانه، لكن استئذان الإمام صار يقصد به هدف معين، وهو إيقاف الدعوة وعدم تمكين من يعظ الناس، ولو كان الأمر على غير ذلك لأذن، لكنه لا يأذن إلا لأشخاص معينين، فالعبرة يما يقوله الشخص، ولذا لا ينبغي أن يمنع من يريد أن يقف في الناس ليذكرهم بالله سبحانه وتعالى ما دام أنه لا يدعو إلى بدع ولا إلى ضلالة، فما دام أنه يذكر بالله وبالآخرة فلا ينبغي لأحد منعه.
تفسير قوله تعالى: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة)
تفسير قوله تعالى: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) ثم قال تبارك وتعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:54]. ذهب جماعة من المفسرين إلى أن هؤلاء هم الذين سأل المشركون طردهم وإبعادهم، فلما أراد المشركون طردهم وإبعادهم قال الله تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)، ثم أمر تبارك وتعالى أيضاً بأنه إذا جاءوك فرحب بهم وحيهم، فقال: ((وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ))، أي: بشرهم بهذه البشريات. فأكرمهم الله تعالى بهذا الإكرام بأن أوصى نبيه صلى الله عليه وسلم بهؤلاء الضعفاء وهؤلاء المساكين أن يقربهم، وأن يكرمهم بهذا الإكرام. يقول البيضاوي: وصفهم تعالى بالإيمان بالقرآن واتباع الحجج، بعدما وصفهم بالمواظبة على العبادة. هذه هي الموازين عند الله سبحانه وتعالى، فإنه وصفهم بالمواظبة على العبادة، والإخلاص فيها، فقال: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ)، وهذا فيه مواظبة واستمرار، وقال: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)، وهذا فيه إخلاص. فمدحهم بالعبادة وبالاستقامة وبالاستمرار على تلك العبادة، ثم وصفهم هنا -أيضاً- بأنهم يؤمنون بآيات الله فقال: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا)، فأي مدح أعظم من أن يصفهم الله سبحانه وتعالى بأنهم يؤمنون بآيات الله عز وجل، وأنهم يتبعون حجج الله عز وجل؟! ثم أمره أن يبدأهم بالتسليم فقال: (فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام يبدؤهم ويبادر بالتسليم إكراماً لهم، والمعنى: فابدأهم أنت بالتسليم فقل: سلام عليكم، أو: أبلغهم السلام من ربهم عز وجل، أي: يبلغ سلام الله تعالى إليهم، ويبشرهم بسعة رحمة الله تعالى وفضله، بعد النهي عن طردهم، إيذاناً بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرَّب ولا يطرد، ويعز ولا يذل، ويبشر من الله بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة. وسلف عن ابن جرير أنها نزلت في عمر رضي الله تعالى عنه. وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ماهان قال: جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً. فما رد عليهم شيئاً، فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، ولا يخفى أن الآية تشمل جميع ذلك، وربما تتعدد الوقائع المشتركة في حكم واحد فتنزل الآية بياناً للكل، وتقدم لنا في مقدمة هذا التفسير في بحث سبب النزول أن قول السلف: (نزلت في كذا)، قد لا يقصدون به المعنى الحرفي لسبب النزول، أي: أنه حصلت واقعة معينة في شخص معين، ثم نزلت الآية في هذا الشخص، فلا يشترط أن يكون الأمر كذلك، فهذا الاصطلاح الذي يستعمل عند السلف بقولهم: نزلت الآية في كذا يقصدون به أن واقعته مما يشملها لفظ الآية بنزولها إثرها، وهذا بحث مهم جداً. فالسلف حينما يقولون: (نزلت الآية في كذا)، ولا يكون ذلك هو سبب النزول الذي نزلت فيه فإنهم، يقصدون بذلك أن هذه الواقعة مما يشملها حكم الآية. فقوله: (كتب ربكم على نفسه الرحمة)، يعني: أوجبها على ذاته المقدسة، تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً. فالله سبحانه وتعالى هو الذي يوجب على نفسه، وليس لأحد عليه حق واجب. وقوله تعالى: (أنه من عمل منكم) هذه الجملة بدل من الرحمة. وقرئ بكسر الهمزة: (كتب ربكم على نفسه الرحمة إنه من عمل منكم سوءاً بجهالة) إلى آخر الآية الكريمة، فيكون أيضاً تفسيراً للرحمة، لكن بطريق استئناف جملة جديدة. وقوله: (بجهالة)، الجار والمجرور في موضع الحال، يعني: عمله وهو جاهل. وقوله تبارك وتعالى: (بجهالة)، فيه معنيان: أحدهما: أنه فاعل فعل الجهلة؛ لأن من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه والجهل، لا من أهل الحكمة والتدبير، ومنه قول الشاعر: على أنها قالت عشية زرتها جهلت على عمد ولم تك جاهلا والمعنى الثاني للجهالة: أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة. والحكيم لا يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته، فعلى الأول يكون الجهل بمعنى: السفه والمخاطرة من غير نظر للعواقب، وهو الذي نستطيع أن نقول إنه جهل عملي، فهناك جهل من الناحية العلمية ومعناه: أن الجاهل لا يعرف الضرر، ولا يعرف العواقب بل يجهلها، وهناك جهل بمعنى أن يكون الإنسان يعلم أن هذا مضرة ثم يقدم عليه، فيصير بهذا مساوياً للجاهل؛ لأنه سلك سلوك الجاهل الذي لا ينظر ولا يتدبر في عواقب الأمور. وشاهد هذا المعنى من اللغة أي: استعمال الجهل بهذا المعنى، قول الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا فالمقصود هنا بالجهل: الجهل السلوكي، وليس المقصود الجهل العلمي أي: من حيث المعلومات. ونفس المعنى قد استعمل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الخروج من البيت: (اللهم! إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي)، فهذا تعوذ من الجهالة السلوكية. إذاً: الجهل بالمعنى الأول هو السفه والمخاطرة من غير نظر إلى العواقب، كما في قول الشاعر: فنجهل فوق جهل الجاهلينا وكانت العرب تتمدح به، فلا حاجة لتقدير مفعول. وعلى المعنى الثاني: يكون المراد الجهالة بمضار ما يفعله، وهذه هي الجهالة الحقيقية، أن لا يعرف مضار ما يفعله، وعواقب ما يسلكه من المسالك. وقوله تبارك وتعالى: ((أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ))، فيه أن كل عاصٍ لله فهو جاهل؛ لأن الإنسان لا يقدم على المعصية إلا بجهل، فهو إما أنه أقدم على المعصية وهو لا يعرف ضررها ولا الإثم الذي تستوجبه، ولا العقوبة التي تتبعها، وإما أنه يعلم لكنه أقدم عليها مع علمه بذلك، وهو أيضاً بذلك جاهل؛ لأنه سلك مسلك الجهال بأن اقتحم هذه المخاطر وهذه المهالك. وقوله تعالى: ((ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) فعل (أصلح) متعد، والمفعول مقدر، أي: (أصلح عمله) وذلك كقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:70]. وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي). وقد نقل بعض المفسرين عن الحاكم أنه قال: (دلت الآية على وجوب تعظيم المؤمنين)، فعلى الإنسان دائماً أن يعظم المؤمنين ولا يقدم عليهم الكافرين، وهذا عكس ما نحن عليه الآن في هذا الزمان، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، تجد الناس يلهجون بذكر الكفار ويمتدحون الكفار الذين هم جاهلون بالله سبحانه وتعالى وجاحدون به، وقد فتن البعض بهم فتنة شديدة، حتى نرى منهم من يعلق أعلام أمريكا وبريطانيا في السيارات وحول رقابهم! وهذه الأشياء التي نراها الآن هي فتنة وضلالة لهؤلاء الكفار، والآية تدلنا على أنه ينبغي لنا أن نعظم المؤمنين ولا نقول للذين كفروا: {هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} [النساء:51]، ولا نساويهم أيضاً بالمؤمنين. ودلت الآية أيضاً على أنه ينبغي إنزال المسرة بالمؤمن، فيجتهد المرء في أن يدخل السرور على أخيه المؤمن، وأن يبشره بما يصلحه؛ لأنه أمر بأن يقول لهم: ((وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ))، إلى آخر الآية. وقد أمر الله أن يقول لهم ذلك لتطييب قلوبهم، فعلى الإنسان أن يطيب قلب أخيه، وأن يتجنب ما يسوؤه، فلا تنقل إلى أخيك كلاماً يؤذيه حتى لو كان صحيحاً، وإلا كنت نماماً حمالاً للحطب، ولا تنقل إليه ما يسوؤه وما يؤذيه من القيل والقال، بل ينبغي أن تنقل إليه ما يسره؛ ولهذا استحب بعض العلماء أن تنقل لأخيك ما مدحه به غيره من الناس؛ وذلك لإدخال السرور عليه وتطييب قلبه.
تفسير قوله تعالى: (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) ثم قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:55]. قوله تعالى: (وكذلك نفصل الآيات) يعني: آيات القرآن الكريم في صفة المطيعين والمجرمين، فكل الآيات السابقة في تفصيل وشرح وتوضيح صفات الفريقين: المؤمنين والمجرمين. وقوله تعالى: (ولتستبين سبيل المجرمين) بني لفظ (ولتستبين) على تأنيث الفعل بناءً على تأنيث الفاعل؛ لأن كلمة: (السبيل) تذكر وتؤنث، فتؤنث كما في قوله تعالى: (قل هذه سبيلي). وقرئ (ولتستبين سبيلَ المجرمين) بنصب (سبيل) والمعنى: لتستبين أنت -يا محمد- ولتستوضح سبيل المجرمين فتعاملهم بما يليق بهم. فهذا على قراءة من قرأ بنصب (سبيل). أما هذه القراءة فهي برفع (سبيل) فقوله: (ولتستبين سبيلُ المجرمين) يعني: لتفتضح وتنكشف سبيل المجرمين، وهذه الآية في الحقيقة تحتاج لكثير من التوضيح، ولكن نريد الاختصار، فإن من مقاصد القرآن الكريم تفصيل وكشف وهتك سبل المجرمين من أعداء الدين، حتى يحذرها المؤمنون فلا يتورطوا فيها، فكشف هذه السبل للمجرمين وفضحها من المقاصد العليا للشريعة الإسلامية كي لا ينخدع المسلمين بهم وبألاعيبهم.
تفسير قوله تعالى: (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله من المهتدين)
تفسير قوله تعالى: (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله من المهتدين) ثم يقول تعالى: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [الأنعام:56]. قوله تعالى: (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله) قوله: (الذين تدعون) يعني: تعبدونه أو تسمونه آلهةً، ثم كرر الأمر فقال: (قل لا أتبع أهواءكم) وإنما كرر الأمر تأكيداً لقطع أطماعهم، أي: لا تطمعوا أبداً بأي احتمال أن أتبع أهواءكم: (قل لا أتبع أهواءكم) يعني: في عبادة الأصنام أو في طرد من ذُكر من المؤمنين المستضعفين. (قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين) أي: إذا فعلت ذلك، قال البيضاوي: (هو إشارة إلى الموجب للنهي وعلة الامتناع عن متابعتهم، واستجهالهم وبيان لمبدأ ضلالهم، وأن ما هم عليه هوىً)، وهذا الشعار مما نحتاج أن نتذكره دائماً في ظل غربة الدين التي نعيشها في هذا الزمان، فهذا هو الوصف اللائق بسبيل المجرمين، (قل لا أتبع أهواءكم)، فكل ما عليه أي إنسان ينحرف عن سبيل الله سبحانه وتعالى وعن صراط الله وعن دين الإسلام فليس له مسمىً إلا الهوى، ولا يجوز أن يسمى بأي تسمية فيها نوع من الاحترام له، ولا يجوز أن يسوى الإسلام بالكفر، ولا الحق بالباطل، ولا أن يقف معه على قدم المساواة، كما يتكلمون اليوم عن التعددية الحزبية والتعددية السياسية، بحيث يصبح الإسلام على قدم المساواة مع المفسدين من الشيوعيين والعلمانيين وأمثالهم من أعداء الدين، فكل هؤلاء في محل واحد هو الهوى، وكل هؤلاء أصحاب أهواء على اختلافها وتنوعها، فالباطل لا ينحصر، ولغاته كثيرة، أما النور فواحد لا يتعدد، فلذلك يقول الله تعالى: (قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين) فكل من اتبع هؤلاء في أهواءهم يصير ضالاً ويحرم من نعمة الهداية، فما هم عليه هوى، وما نحن عليه هدى، فالعاقل لا يؤثر الهوى على الهدى، وعلينا أن ننظر بصفتنا مؤمنين باستعلاء وباعتزاز بهذا الدين وبأحكام الله سبحانه وتعالى، ولا نحقق ما يرومه أعداء الدين من محاربتنا وإذلالنا بحيث نتوارى في الطرقات ونختبئ وننكمش ونشعر بالخجل من انتمائنا إلى الدين، بل نعتز بأحكام ديننا وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وننظر إليهم لا بتكبر، ولكن باستعلاء المؤمن الواثق من منهجه، وأن هذا هو منهج الحق، وأن كل ما عداه وكل ما خالفه فهو هوى وليس هدى، وما هو عليه هدى بريء من الهوى. وفي هذه الآية أيضاً تنبيه لمن تحرى الحق على أن يتبع الحجة ولا يقلد: (قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين) يعني: إن اتبعت أهواءكم أكون قد ضللت لمخالفة الأمر الإلهي والعقل جميعاً (وما أنا من المهتدين) للحق إن اتبعت ما ذكر، ولا شك أن في الآية تعريضاً بأن هؤلاء الكفار كذلك.
تفسير قوله تعالى: (قل إني على بينة من ربي وكذبتم به وهو خير الفاصلين)
تفسير قوله تعالى: (قل إني على بينة من ربي وكذبتم به وهو خير الفاصلين) ثم قال تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام:57]. قوله تعالى: (قل إني على بينة من ربي) يعني: على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إليَّ، لا يمكن التشكيك فيها، وهذه هي الثقة بالمنهج، والثقة بالله سبحانه وتعالى. والثقة بالمنهج الذي أنت عليه معناه أن تكون على بصيرة، بحيث لا تنقاد، لا كما يحاولون أن يصوروا في التمثيليات والإعلام والكاريكاتير بأن يأتوا بشخص ملتحٍ عيناه مغمضتان وآخر يجره من رقبته! فلسنا نحن الذي نفعل ذلك، فالذين يسيرون بهذه الطريقة ويقادون من أعناقهم كالأنعام يعرفون أنفسهم جيداً، أما نحن المسلمين المعتزين بهدي نبينا فنحن كما علمنا الله تعالى هنا (قل إني على بينة من ربي)، فأنا أعرف أن اللحية مثلاً أمر الله، وأن الصلاة ركن أساسي من الإسلام، وأن تعظيم القرآن وتحسينه قضية لا ريب فيها، فتعرف ملامح منهجك وأدلته، كما قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108] يعني: على بصيرة أيضاً {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108]. يقول بعض السلف: (لو شك الخلق كلهم في الحق ما شككت فيه وحدي) فإذاً العبرة أن تكون على بينة؛ ولذلك لا مرحباً بمن ينتمي إلى الدعوة مقلداً لمجرد اتباع من يحبه أو من يعجب به، أو ينقاد كما تنقاد العجماوات من رقابها، لا مرحباً به في صفوف الدعوة الإسلامية، لكن الذي ينتمي للدعوة لا بد من أن يكون على بصيرة، فيعرف هدفه ويعرف ملامح هذا الطريق، وما الثمن الذي لا بد من أن يدفعه إذا سلكه، وغير ذلك مما يعكس أنه بالفعل يردد هذه الآية عن بصيرة: (قل إني على بينة من ربي) ليس على بينة من أحد آخر، إنما البينة من الله سبحانه وتعالى، فيعرف الآية، ويعرف الحديث، ويعرف الدليل فيما يذهب إليه من الحق، وطول المعايشة مع القرآن الكريم وتدبر القرآن الكريم يعطي الإنسان مدداً، فإن القلب العضلي كما يتغذى بالأوعية الدموية، فإن خيوط النور التي تنبعث من هذا الكتاب الكريم هي أيضاً غذاء للقلب، وبدونه لا يحيا، وبدونه يضعف الإنسان، وهذا سر الضعف الذي ينتاب كثيراً من الناس حتى يجعلهم ينتكسون عن طريق الحق، وذلك لأنهم مقطوعو الاتصال بالقرآن، ولو أنهم عرفوا مثل هذه الآية: (قل إني على بينة من ربي) لعلموا أن المراد: أنا واثق بمنهجي، وأعرف أين مبتدأه، وأين خبره، وأين مصيري إذا أنا سلكت هذا المنهج، وماذا يكون مصيري إذا حدت عنه، أعرف دليل ما أفعله، وأتبصر بديني، ولا أنقاد لأحد انقياد الأعمى أو المقلد، وإنما أعرف كل شيء ببينة وبصيرة. فقوله: (قل إني على بينة من ربي) أي: على بصيرة من شريعته التي أوحاها إليك، لا يمكن التشكيك فيها. وقوله: (وكذبتم به) هذه الجملة إما أنها استئناف أو حال، وقوله: (به) الضمير هنا عائد على البينة، والتذكير باعتبار المعنى المراد. فالضمير في الآية يعود على البينة، والبينة مؤنث، فإذاً الضمير هنا يعود على معنى البينة وليس على لفظها، والبينة هي الوحي أو القرآن أو نحوهما. وقوله تعالى: (ما عندي ما تستعجلون به) يعني: من العذاب، فأنتم تستعجلون نزول العذاب وأنا لا أملك ذلك، وكما أني ((لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ)) فكذلك ليس عندي العذاب الذي تتعجلونه. فهذا استئناف مبين لخطئهم في شأن ما جعلوه منشأً لتكذيبهم بالبينة، حيث اعتبروا أن السبب أو المسول لأن يكذبوا بهذه البينة هو أنهم حينما استعجلوه بالعذاب لم يأتهم بالعذاب، فيعدون ذلك دليلاً على عدم صدقه! فكذبوا بهذا القرآن حين قالوا له: لو كنت رسولاً حقاً فأنزل علينا العذاب. وكذلك قالوا: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32]. فليس لهذا الأمر تفسير في نظرهم القاصر إلا أنه ليس برسول! ولم يرد على أذهانهم أن هذا لعله رحمة من الله سبحانه وتعالى بهم أنه يمهلهم ويستعتبهم، كما قال تعالى في سورة الأنفال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال:33] يعني: إكراماً لك ما دمت فيهم لا ينزل عليهم العذاب. فهو إكرام للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33]، يعني: وفيهم مؤمنون يستخفون بإيمانهم يستغفرون الله تبارك وتعالى. فهم دائماً كانوا يقولون للنبي عليه الصلاة والسلام: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس:48] أي: متى هذا العذاب الذي تتوعدنا به إن كنت من الصادقين؟! بطريق الاستهزاء أو بطريق الإلزام على زعمهم، فالله تعالى سبحانه وتعالى يقول له هنا: ((قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ))، أي: إن ما تستعجلونه من العذاب الموعود في القرآن وتجعلون تأخره ذريعةً إلى تكذيبه ليس في حكمي وليس في قدرتي، فليس في قدرتي أن أجيء به وأظهر لكم صدقه، أو ليس أمره بمفوض إليَّ. ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)) قوله: (إن الحكم إلا لله) أي: لو كان عندي ذلك لكنت أنا الحاكم، لكن إنما الحكم في ذلك تعجيلاً وتأخيراً لله وحده، وقد حكم بتأخيره لما له من الحكمة العظيمة، لكنه قطعاً محقق الوقوع، فما دام الله سبحانه وتعالى أوعدكم فوعيده محقق الوقوع؛ لأنه لا يخلف الميعاد، فتربصوا إنا معكم متربصون، فالمسألة هي مسألة وقت، فقد يشاء الله تعجيل العذاب، وقد يشاء تأخيره لحكمة لا يعلمها إلا هو، فهذا حكم يستأثر به الله سبحانه وتعالى، وهو واقع قطعاً حتى وإن تأخر؛ لأنه (يقص الحق وهو خير الفاصلين) وقوله: (يقص الحق) أي: يبينه بياناً كافياً (وهو خير الفاصلين) أي: القاضين بين عباده تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر والله أعلم بالظالمين)
تفسير قوله تعالى: (قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر والله أعلم بالظالمين) ثم قال تعالى: {قُلْ لَوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} [الأنعام:58] قوله تعالى: (قل لو أن عندي ما تستعجلون به) أي: لو أن في قدرتي وإمكاني العذاب الذي تتعجلونه، بأن يكون أمره مفوضاً إليَّ من قبله تعالى لقضي الأمر بيني وبينكم بأن ينزل ذلك عليكم إثر استعجالكم. و (قضي) هنا بمعنى: قطع. وقضاؤه كناية عن إهلاكهم، وفي بناء الفعل لما لم يسم فاعله من الإيذان بتعيين الفاعل الذي هو الله تعالى، وتهويل الأمر ومراعاة حسن الأدب، ما لا يخفى. قوله تعالى: (والله أعلم بالظالمين) اعتراض مقرر لما أفادته الجملة الإمتناعية، من انتفاء كون أمر العذاب مفوضاً إليه صلى الله عليه وسلم، والمعنى: أن الله تعالى أعلم بحال الظالمين وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج لتشديد العذاب؛ ولذلك لم يفوض الأمر إليَّ، فلم يقض الأمر بتعجيل العذاب، يعني أن الله أعلم بالظالمين أنهم يستحقون تأجيل العذاب؛ لأنهم كلما تمادوا في كفرهم كلما ازداد استحقاقهم للعقاب، كما قال تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران:178]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية: {قُلْ لَوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} [الأنعام:58] وبين ما ثبت في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردته، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب -وقرن الثعالب هو قرن المنازل ميقات أهل نجد كما هو معروف- فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً) وهذا لفظ مسلم، فقد عُرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأناهم وأجَّل ذلك، مع أنه مكَّنه أن يهلكهم بملك الجبال، لكنه استأناهم وأعطاهم مهلة وسأل لهم التأخير لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئاً، فكيف يكون الجمع بين هذا الحديث وبين هذه الآية: (قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله عليم بالظالمين)؟! والجواب -والله تعالى أعلم-: أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم، أما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين -وهما جبلا مكة يكتنفانها جنوباً وشمالاً، فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم صلى الله عليه وسلم، فالآية هذه في مقام محاورة، وقد وصل الحوار بين الرسول عليه الصلاة والسلام وبين هؤلاء الكفار إلى أنهم تحدوه بقولهم: لو كنت صادقاً فأنزل علينا العذاب عاجلاً الآن، وفي هذه الحالة جاءت الآية تشير إلى أن الرسول عليه السلام يجيبهم ويقول: (لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم) أي: لوقع بكم العذاب فوراً ما دمتم تطلبونه وتسألون تعجيله آية على صدقي. أما الحديث فليس فيه أن الحوار وصل إلى هذا الحد، وإنما هم ردوا قوله ورفضوا الإيمان به، لكن لم يصل الحوار بينه وبينهم إلى أنهم تحدوه بأن ينزل عليهم العذاب، ولأنهم لم يفعلوا ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم سأل الله لهم التأخير والتأجيل رجاء أن يخرج الله سبحانه وتعالى من أصلابهم من يعبد الله عز وجل لا يشرك به شيئاً. وبهذا ينتهي هذا الربع وهو تفسير الربع، الذي يبدأ بقوله: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} [الأنعام:36]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم- ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
الأنعام [59 - 71]
تفسير سورة الأنعام [59 - 71]
تفسير قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو إلا في كتاب مبين)
تفسير قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو إلا في كتاب مبين) يقول تبارك وتعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام:59]. قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب) مفاتح: جمع مفتح -بكسر الميم-، وهو المفتاح، ولأن اسم الآلة على وزن مفعل أو مفعال يكون المفرد بصيغة (مفتح) أو (مفتاح)، وقرئ: (وعنده مفاتيح الغيب) فهنا شَبه الأمور الجليلة التي يستنسخ منها بالأقفال ويبحث لها عن مفاتح وسيلة. وقوله تعالى: (لا يعلمها إلا هو) هذا تأكيد لمضمون ما قبله، يعني أن الله سبحانه وتعالى عنده مفاتح الغيب، وهو مختص بعلمها، كما أن فيه إيذاناً بأن المراد الاختصاص من حيث العلم، والمعنى أن ما تستعجلونه من العذاب ليس مقدوراً لي حتى ألتزم لكم بتعجيله، ولا معلوماً لدي لأخبركم بوقت نزوله، بل هو مما يختص به تعالى قدرةً وعلماً فينزله حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح. ولما بين تعالى تعلق علمه بالمغيبات وتأثر ذلك بالمشاهدات على اختلاف أنواعها وكثرة أفرادها أثبت -أولاً- اختصاصه سبحانه وتعالى بمعرفته مفاتح الغيب، وأنه لا يعلمها إلا هو، ثم بين أنه (يعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) إلى آخره. وقوله: (ويعلم ما في البر والبحر) أي: من الخلق والعجائب، ولا شك في أن كلمة (ما في البر)، أو كلمة (ما في البحر)، لو شرحت من المختصين في علوم الأسماك وعلوم البحار وعلوم النباتات والحيوانات وغير ذلك من العلوم وفصلوا لنا في أسماء الأنواع من خلق الله سبحانه وتعالى في البر والبحر لأتوا في ذلك بما يدهش، مع أن ما عندهم من العلم إنما هو كقطرة في بحر لجي، وما يعلمه الله سبحانه وتعالى مما وراء ذلك أكثر وأعظم. بل بلغ علمه عز وجل إلى الإحاطة بالجزئيات الفائتة للحصر، فعلم الله سبحانه وتعالى لا يفوته شيء، على خلاف بعض الضالين الذين يزعمون أن الله يعلم الكليات ولا يعلم جزئيات الأمور -والعياذ بالله-. يقول تعالى: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) أي: لا يحصل شيء على الإطلاق في هذا الوجود ولا حركة إلا بعلم الله عز وجل (ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) قوله: (إلا في كتاب مبين) أي: مكتوب ومحفوظ في العلم الإلهي. وقوله عز وجل: (وعنده مفاتح الغيب) يدل على بطلان ما زعمته الإمامية من أن الإمام يعلم شيئاً من الغيب؛ إذ إن الشيعة الإمامية الرافضة -قبحهم الله- يزعمون أن الأئمة الاثني عشر يعرفون الغيب، ويذكرون عنهم معرفة كثير من أحوال الغيب، كما هو معلوم في غير هذا الموضع، فهذه الآية فيها رد عليهم؛ لأنه تعالى قال: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) فلا يصح لأحد أبداً أن يدعي أنه يعلم مفاتح الغيب من دون الله كما يعلمه الله سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمليين وغيرهم من مدعي الكشف والإلهام، الذين يزعمون أنهم عن طريق الكشف أو الإلهام أو الكهانة والنظر في النجوم والذر بالرمل وغير ذلك يستطيعون أن يتوصلوا إلى معرفة الغيب، ويطاوعهم في ذلك الجهلة الذين لم يصححوا توحيدهم، ولم يفهموا عقيدة الإسلام، فهؤلاء يدعون ما ليس من شأنهم ولا يدخل تحت قدرتهم ولا يحيط به علمهم. ولقد ابتلي الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة، من الكهنة والمنجمين والرمليين وغيرهم، الذين يزعمون أنهم مسلمون، وابتلي الإسلام بأن يصل إليه أمثال هؤلاء المعتدين الظالمين، وهذه الأنواع المفعولة لم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم فيها غير خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم: (من أتى كاهناً أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد) صلى الله عليه وآله وسلم. فهؤلاء الذين يسلكون هذه المسالك ويطاوعون الكهنة والمنجمين وغيرهم خطتهم خطة شؤم لا تعود على فاعلها إلا بهذا الوعيد الخطير: (من أتى كاهناً أو منجماً فقد كفر بما أنزل على محمد) صلى الله عليه وآله وسلم، فالعجب كل العجب حينما يفتح الشيطان باباً من أبواب الأحوال الغيبية حتى على الذين يزعمون أنهم ملتزمون بالدين، بل حتى على الذين يزعمون أنهم ينتسبون للمنهج السلفي ويدعون الناس إلى التوحيد، فظاهرة علاج الجن والكلام معهم لا شك في أنها فتحت باب شر وشؤم ونحس علينا معشر المسلمين، فقد وجدنا من يستدرجهم الشيطان باسم علاج الناس وباسم الرقية، وهكذا، إلى أن وصل بعضهم إلى ممارسة شيء من هذه الكهانة، ولبست الشياطين عليهم كثيراً من الأعمال، حتى إن بعضهم صار يفعل كما يفعل هؤلاء، فإذا سرق شيء يأتونه ويخبرهم عن الذي سرقه، ويقول: أنا أستعين بالجن! إلى غير ذلك من ضلالات النحس التي انقلب بها هؤلاء الجهلة عن الدعوة الإسلامية، وشوهوا بها دعوة التوحيد. ولكن نحمد الله تعالى على أن هذه الآن تكاد تخمد، حتى الذين أوغلوا في ذلك وتعمقوا إلى أقصى الحدود أغلبهم الآن قد رجع عن الخوض في هذا الموضوع ولله الحمد، فكفى خوضاً في هذا الطريق والانشغال به، ويكفى العدوان الذي حصل، فعلاج هذه القضية أن لا ننشغل بها ولا يفكر أحد أبداً فيها؛ إذ كم خربت من بيوت! وكم أحدثت من مآسٍ! ففي فترة الانشغال بهذا كان كل إنسان يظن أن الثاني يسلط عليه الجن، فيستعين بالجن ليؤذيه! وهذا من الهراء ومن السخافات التي ما زلنا نعاني بعض آثارها، وإن كان الوضع الآن أخف بكثير مما مضى، ولله الحمد. فالشاهد من هذا الكلام أننا كنا نحن -معشر السلفيين- أولى الناس بأن نتبرأ من ذلك ونكون محققين لقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} [الأنعام:57] وقوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف:108]، لكن بعض الناس -مع الأسف- يلتزمون زوراً، وأغلب هؤلاء لا حظ لهم على الإطلاق من العلم الشريف، فلا تجد الواحد ممن يخوض في هذا الباب ممن ينشغل بالعلم أو يسهر الليالي في حفظ القرآن أو حفظ الأحاديث أو مدارسة دروس الفقه، لكن فتح له عيادة، فأحدهم تجد عنده معمل تحاليل طبية، فأياماً يعالج فيه الجن وأياماً يعمل تحاليل، ويستقبل مرضاه ويوغل في هذه الأشياء! فنحن أولى الناس بأن نبرأ من الانزلاق في هذه الهوة، فالذي سرق منه شيء يجيء ويغلق ما يسمى بالمندل، وفلان حصل له سحر فيقول أولئك الضالون: نريد أن نفك عنه هذا السحر ويبدءون يفكرون في كيفية معرفة السحر حتى يفكوه! ضلالات وهذيانات وانحرافات ما أنزل الله بها من سلطان. فنحن أولى الناس بأن ندعو الناس إلى التوحيد، ونكون أشد الناس بصيرة بإزالة الشيطان وشركه، وللأسف أنه وقع بعض من ينسبون إلينا في هذه الأشياء! فهذه حقيقة من حقائق عقيدة التوحيد الواضحة الناصعة (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو). ثم إن هذا الجني الذي يزعم أنه يخبرك بهذه الأشياء التي غابت عنا أنت لا تعرف من هو، وما اسمه، وما شكله، وما دينه، حتى لو قال: إنني مسلم فما أدراك؟! ومن أين تعرف أنه صادق؟! ومن شهد له بذلك؟! ونجد اليوم أن من كانت عنده مشكلة مع زوجته يقول قريبه: هذا مسحور، ونحن نلاحظ بأن في عينيه كذا، وأعتقد أنه مسحور! فدائماً نسمع كلمة (مسحور) فنقول: دعوا هذا الكلام للعجائز، ولا يصح أبداً أن نكون نحن فيه، فما أدراك أنه مسحور؟! يقول: لقد ابتعدت عنه وهو متعلق بها جداً! فهل هذا دليل على أنه فيه سحراً؟! ثم يبدأ ذلك الشخص في العلاج ويفكر في أنه كيف يسلك مسالك السحر حتى يفك به السحر، ونفتح على أنفسنا باب هذه الضلالات وهذا الانحراف، فنأمل أن يسد هذا الباب، وأن نتعامل مع كل الظروف التي تصل إلينا معاملة البشر مع الأسباب التي خلقها الله، فالمريض يذهب للأطباء، ويسلك مسالك البشر الذين هم لحم ودم وعظم يتعاملون مع الأسباب التي سخرها الله سبحانه وتعالى لهم، لا أن تبقى هناك عشرات التخصصات للجن يعملونها! حتى العمليات الجراحية يعملها الجن! ثم نجلس لنقول كلاماً ما رأيناه ولم نعرف صدق من يقوله، ونظل نقول: إنه يوجد متخصص في السرطانات، وآخر في العقم! فالمرأة التي لا تلد يقال عنها: فسبب ذلك جني يمنعها من الإنجاب! فما هذا الخوض الشديد، ولماذا لم تزدهر هذه الطريقة في التفكير إلا في هذه السنوات الأخيرة؟! فليسلك الإنسان المسالك التي سخرها الله له (ما أنزل الله من داء إلا وأنزل معه دواء). أما قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) فقد قال ابن مسعود: أوتي نبيكم كل شيء إلا مفاتيح الغيب. وقال ابن عباس: إنها الأقدار والأرزاق. وقال الضحاك: خزائن الأرض وعلم نزول العذاب. وقال عطاء: هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب. وقيل: هو انقضاء الأجل وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمارهم. واللفظ أوسع من ذلك فإن مفاتح الغيب لفظ أوسع يشمل كل ما غاب عنا مما استأثر الله تعالى بعلمه، وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله تعالى، لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يدري أحد متى يجيء المطر)، وهذا أخرجه البخاري. والروايات في هذا المعنى كثيرة، وقوله: (ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام)، يعني: بعلم بغير آلة. فلا يشكل على هذا بعض الأساليب الحديثة الآن التي تقوم بتصوير حركة الجنين أو نوعه وهو في بطن أمه؛ لأن هذا لا يتنافى مع أن الله سبحانه وتعالى يستأثر بعلمه؛ لأنه من الممكن بآلة أن نطلع على هذا، وبالتالي لا يصبح غيباً، بل يصبح شهادة، فلو أتينا بمشرط وفتحنا الرحم واطلعنا على الجنين فلا نكون بهذا قد اطلعنا على الغيب، وإنما صار شهادة،
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ينبئكم بما كنتم تعملون)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ينبئكم بما كنتم تعملون) قال تبارك وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأنعام:60]. قوله تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل) يعني: ينيمكم فيه. واستعير التوفي من الموت للنوم لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس والتمييز، فإن أصل التوفي قبض الشيء بتمامه. وقوله: (ويعلم ما جرحتم بالنهار) أي: ما كسبتم في النهار. فخصص الليل بالنوم، والنهار بالكسب جرياً على المعتاد، فهذا هو الحال المعتاد لأغلب البشر، أن النهار للعمل وللسعي، والليل للنوم والراحة. (ثم يبعثكم) يعني: يوقظكم. وأطلق البعث ترشيحاً للتوخي (فيه) أي: في النهار (ليقضى أجل مسمى) أي: ليتم مقدار حياة كل أحد، حتى يستوفي كل منكم ما كتب الله له سبحانه وتعالى في هذا الأجل، فتمر بكم الأيام إلى أن يأتي الأجل المحسوم. وقوله: (ثم إليه مرجعكم) أي: رجوعكم بالبعث بعد الموت. وقوله: (ثم ينبئكم بما كنتم تعملون) أي: في ليلكم ونهاركم، وذلك بالمجازاة عليه. وهذا مبالغة في عدله سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده)
تفسير قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده) قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام:61]. قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام:61] يعني: هو المتصرف في أمورهم لا غيره، يفعل بهم ما يشاء سبحانه وتعالى. وقوله: ((وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً)) أي: ملائكة تحفظ أعمالكم وتحصيها، وهم الكرام الكاتبون، كقوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ} [الانفطار:10 - 11]، وقوله عز وجل: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:17 - 18]. وقوله: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام:61] الحكمة في إرسال الحفظة أن المكلف إذا علم أن أعماله تكتب عليه وتعرض على رءوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن المعاصي، ولذلك قال بعض العلماء لإخوانه: (هل لو كنتم تعلمون أن بينكم من يرفع عملكم إلى السلطان أكنتم تتكلمون بشيء؟! قالوا: لا. قال: فإن معكم من يرفع أعمالكم -وهم الملائكة- إلى الله سبحانه وتعالى) يعني أنه لو كان عليك من السلطان أو الحاكم رقيب يحصي عليك كل ما تقوله ويسجله ثم يعرض عليه بعد ذلك فلا شك في أن هذا سيكون زجراً عن التمادي فيما لا يصح من الكلام. فالعبد إذا وفق بلطف سيده، واعتمد على عفوه وستره لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطَّلعين عليه، وهذه إشارة إلى وجود هؤلاء الملائكة الكرام الكاتبين حتى نكرمهم ونستحييهم. وقوله: (حتى إذا جاء أحدكم الموت) يعني أسباب الموت ومباديه. وقوله: (توفته رسلنا) أي: الملائكة الموكلون بقبض الأرواح. قوله: (وهم لا يفرطون) أي: بالتواني أو التأخير، فلا يمكن أن يخلفوا الموعد، فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد كتب للرجل الموت في مكان محدد وفي لحظة محددة فلا يمكن أن يتقدمَ عن هذه اللحظة ولا أن يتأخر عنها طرفة عين، بل لا بد من أن يأتي في الموعد الذي كتبه الله سبحانه وتعالى. وقال ابن كثير: (وهم لا يفرطون) أي: في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها ويتركونها حيث شاء الله عز وجل، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين.
تفسير قوله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق)
تفسير قوله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) ثم قال تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام:62]. قوله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) المقصود بمولاهم هنا: الذي يتولى أمورهم ويدبرها (الحق) أي: العدل الذي لا يحكم إلا بالحق، قال ابن كثير: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) الضمير للملائكة يعني: رد هؤلاء الملائكة إلى الله سبحانه وتعالى، أو (ردوا) أي: الخلائق المدلول عليهم بأحد. يعني في قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون) ثم بعد ذلك يرد هؤلاء الناس المتوفون إلى الله مولاهم الحق. فإما أنها تعود إلى الملائكة، وإما أنها تعود إلى آحاد الناس الذين تتوفاهم الملائكة، وهذا يعني أنهم يردون إلى الله سبحانه وتعالى بعد البعث فيحكم فيهم بعدله، ولذلك قال: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) أي: ليحاكموا ويحكم فيهم الله سبحانه وتعالى؛ لأنه قال: (ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين) كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الواقعة:49 - 50]، وقال عز وجل: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:47 - 49] فقوله: ((أَلا لَهُ الْحُكْمُ)) أي: يومئذ لا حكم فيه لغيره (وهو أسرع الحاكمين) أي: يحاكم الخلائق في أسرع زمان. وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في هذا الموضع الحديث المشهور الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان رجلاً صالحاً قالوا: أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. فلا يزال يقال ذلك حتى تخرج) يعني أن هذا كله يقال للعبد الصالح في أثناء خروج روحه إلى أن يتم خروجها، يكرر عليه هذا النداء الطيب: (فلا يزال يقال ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال من هذا؟ فيقال: فلان فيقولون: مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أدخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. فلا تزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل -المقصود التي فوقها- وإذا كان رجل السوء قالوا: أخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، أخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج. فلا يزال حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فسيفتتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان. فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنه لا يفتح لك أبواب السماء. فترمى من السماء ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثلما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثلما قيل في الحديث الأول) والأحاديث في هذا معروفة ومشهورة.
الجمع بين قوله: (الله يتوفى الأنفس) وقوله: (يتوفاكم ملك الموت) وقوله: (توفته رسلنا)
الجمع بين قوله: (الله يتوفى الأنفس) وقوله: (يتوفاكم ملك الموت) وقوله: (توفته رسلنا) قال الخازن: فإن قلت قال الله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر:42] في هذه الآية نسب التوفي إلى الله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر:42]، وقال في آية أخرى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة:11]، وقال هاهنا: ((تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ)) فنسب التوفية إلى الملائكة، فكيف الجمع بين هذه الآيات؟ قلت: وجه الجمع أن المتوفي في الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى، فإذا حضر أجل العبد أمر الله ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة، لأن الآية: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ} [الأنفال:50] جاءت بصيغة الجمع، فدل على أن لملك الموت أعواناً. فإذا قال الله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} [السجدة:11] إن قلت: ملك واحد فنعم، ولكن دلت الآيات الأخرى على أن له أعواناً (توفته رسلنا)، وإذا قلنا ملك الموت اسم جنس فمعناه هؤلاء الملائكة، وإذا قرأت قوله تبارك وتعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر:42] فإن الله هو الفاعل للتوفي في الحقيقة، فالمتوفي في الحقيقة هو الله تعالى، فإذا حضر أجل العبد أمر الله ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت نفسه، فحصل الجمع. قال مجاهد: جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناوله حيث شاء، وجعلت له أعوان ينزعون الأنفس ثم يقبضها منهم. ثم أمر تبارك وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم أن يوبخ المشركين وأن يبكتهم بأن هؤلاء الذين اتخذوهم شركاءهم أحط مما يزعمون لهم من الصفات، والدليل على أنهم لا يستحقون هذه العبادة منكم أنكم عند الشدائد تنسونهم ولا تفزعون إليهم وإنما تمخضون الإخلاص والدعاء لله عز وجل.
تفسير قوله تعالى: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر)
تفسير قوله تعالى: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) قال تعالى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأنعام:63]. قوله تعالى: (قل من ينجيكم من ظلمات البر) أي: من شدائده، كخوف العدو وضلال الطريق (والبحر) كخوف الغرق والضلال عن الطريق وسكون الريح. والمقصود من الظلمة في قوله: (ظلمات البر والبحر) الشدة، لاشتراك الشدة مع الظلام في الهول وإثقال الأبصار ودهش العقول، يقال لليوم الشديد: يوم مظلم، ويوم ذو كواكب، أي: اشتدت ظلمته حتى عاد كالليل وظهرت الكواكب فيه. وقوله: (تدعونه تضرعاً) أي: تذللاً إليه تحقيقاً للعبودية (وخفية) يعني: سراً، تحقيقاً للإخلاص، فأنتم تتضرعون إليه في ظاهركم؛ لأنكم بذلك تحققون العبودية، ثم في الباطن تدعونه سراً، وبذلك تحققون الإخلاص في هذه الشدة. وجملة (لئن أنجانا) حال من الفاعل بتقدير القول، يعني تقولون: (لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين) وهذا وعد منهم بأن الله سبحانه وتعالى إذا نجاهم من هذه الشدة المعبر عنها بالظلمات، ومعنى (لنكونن من الشاكرين) أي: من الشاكرين لك، باعتقاد أنك المخصوص بالثناء الجميل.
تفسير قوله تعالى: (قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون)
تفسير قوله تعالى: (قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون) قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام:64]. بعد ما أمره تعالى أن يبكتهم بانحطاط شركائهم عما زعموا لهم؛ لأنهم يخصون الحق سبحانه وتعالى بالالتجاء إليه عند الشدائد أمره تعالى بالجواب تنبيهاً على ظهوره وتعينه عندهم، تنبيهاً على أن الجواب عندهم معروف، فأنتم تلجئون إلى من؟ (قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون). أو المقصود بالجواب هنا الإهانة لهم بقوله: (قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب) يعني: ينجيكم منها من غير شفاعة من أحد ولا عون (ثم أنتم تشركون) أي: ثم أنتم بعدما تشاهدون النجاة من هذه الظلمة وهذه الشدة التي تعدوننا فيها بالشكر وعداً وثيقاً بالقسم حيث تحلفون (لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) وتدعونه تضرعاً وخفيةً وتنسون ما يشركون، ثم بعد ذلك إذا نجوتم تنسبون النجاة الحاصلة بعد تخصيصه سبحانه وتعالى بالدعوة إلى شفاعة الشريك، فقد جعلتم الشرك مكان الشكر! ولا شك في أن لكثير من الناس في هذا الزمان حظاً من هذا البلاء المتلاطم والمتراكم، فكم نسمع من القصص الخيالية التي يُلبس بها على الناس أن الشيخ الفلاني كان في أناس فوق سفينة وكادوا يغرقون، فقالوا: يا شيخ فلان ودعوه فنجاهم! ولا شك في أن هذه الصورة هي أقبح من هذه الصور التي حكاها القرآن عن المشركين الأوائل؛ لأن هؤلاء كانوا يوحدون الله سبحانه وتعالى بالدعوة ظاهراً وباطناً عند الشدة، ثم بعد ذلك يشركون للجهل، والآن نجد من يشرك بالله سبحانه وتعالى حتى في الشدة، ويتجه إلى البدوي والدسوقي والحسين وآل البيت إلى غير ذلك من هذه الآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل، حتى إن الواحد منهم -كما حكى أكثر من واحد من العلماء عن هؤلاء الناس الذين يزعمون أنهم مسلمون- إذا سألته المحكمة أن يحلف بالله عز وجل حلف به كاذباً، فإذا قال له القاضي: احلف بالشيخ فلان تلعثم ونطق بالحق! وكأن الله سبحانه وتعالى أهون عنده من هؤلاء الذين يتخذهم أنداداً من دون الله عز وجل. وقوله تبارك وتعالى: (تدعونه تضرعاً وخفية) استدل به بعض المفسرين على أن الإسرار بالدعاء أفضل من الجهر به، قيل: وكان جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء ليعلم غيره.
تفسير قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا لعلهم يفقهون)
تفسير قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً لعلهم يفقهون) قال تبارك وتعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام:65]. قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم) قال المهايمي: أي: قل للمشركين بعد النجاة الموعود فيها بالشكر: إنما أشركتم لأمنكم من الشدائد. يعني أنكم وحدتم الله سبحانه وتعالى ودعوتموه ظاهراً وباطناً وأخلصتم له في الدعاء وأسررتم هذا التضرع وهذا الدعاء والتذلل لأنكم كنتم تخافون من الهلكة في هذه الظلمة وهذه الشدة التي طرأت عليكم، ثم أقسمتم ووعدتم بأن تكونوا من الشاكرين، فلما نجاكم الله سبحانه وتعالى وكشف عنكم هذه الغمة إذا بكم تعودون إلى ما كنتم عليه من الشرك، فتشركون بالله سبحانه وتعالى، وتبدلون الشكر بالشرك، وإنما كان الدافع لكم هو أمنكم من الشدائد؛ لأنكم عدتم إلى حالة الأمن والرخاء واليسار، لكن العاقل إذا فكر يعلم أنه لا وجه للأمان منها، لاستمرار من سيلقوه -وهي القدرة الإلهية- على أنواع الشدائد من الجهات كلها، فالله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، وقدرته عز وجل واسعة، فيستطيع سبحانه وتعالى بقدرته العظيمة أن يعيد عليكم الكرة ويأتيكم بالشدائد بأي لون أو من أي جهة حتى لو كنتم تأمنون هذه الجهة، فهو القادر على إرسال عذاب أعظم من تلك الشدة، فكيف لا يكون قادراً على إنزال شدائد مثلها؟! فالله سبحانه وتعالى يقول لهم: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم) يعني أن العذاب ممكن أن يأتيكم من كل جهة، فلا وجه للأمان وللفرار بأن الله أنجاكم فتعودون للشرك، فهنا حجة قوية جداً وحجة ظاهرة في إبطال هذا المسلك، فالذي جعلهم يعدون ويقسمون أنهم يوحدون ويشكرون لله سبحانه وتعالى هو الخوف من الهلكة، ثم بعدما أمنوا وزالت عنهم الشدة عادوا إلى ما كانوا عليه من الشرك ونكثوا عهدهم من بعد أيمانهم، والدافع إلى ذلك هو الشعور بالأمان، فالإنسان يكون في البحر وتكاد السفينة أن تغرق فيدعوا الله ويبتهل، ثم إذا نجاه للبر يعود إلى الشرك، وينسى هذا العهد الذي عاهد الله سبحانه وتعالى به. ألم يعلم هؤلاء أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يبعث عليهم عذاباً في هذا البر؟! بل الآية هنا فيها أن الله عز وجل قادر على أن يأتيكم بالعذاب من أي جهة، وقادر على أذاكم بأنواع عظيمة من العذاب من فوقكم أو من تحت أرجلكم، وقادر على أن يعيد عليكم هذه الشدائد وأمثالها ويأخذكم فيها. يقول تبارك وتعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم) يقول المهايمي: قل للمشركين بعد النجاة الموعود فيها بالشكر إنما أشركتم لأمنكم من الشدائد، لكن لا وجه للأمان منها، لاستمرار من سيلقوه -وهو القدرة الإلهية- على أنواع الشدائد من الجهات كلها؛ إذ هو القادر على إرسال عذاب أعظم من تلك الشدة من فوقكم، كإرسال النار أو الحجارة، أو إسقاط السماء، أو من تحت أرجلكم كالخسف والطوفان، أو يلبسكم شيعاً، وهذا نوع آخر من العذاب الذي يعذِّب الله سبحانه وتعالى به أعضاء الأمم، وهو أن يخلطكم فرقاً خلط افتراق، فيجعلكم متحزبين مختلفين في القتال، بأن يقوي أعداءكم ويذيق بعضكم بأس بعض، يعني شدة بعض، فيسلط بعضكم على بعض بالقتل والتعذيب. وقوله: (انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) قوله: (نصرف) يعني: نحولها من نوع إلى آخر، فعند النظر والتتبع للآيات من أوائل هذه السورة إلى هذه اللحظة نجد أن الله سبحانه وتعالى ينوع لهم الحجج والمجادلة والدلائل والبراهين. (لعلهم يفقهون) أي: يفهمون ويعتبرون فيكفون عن كفرهم وعنادهم. روى البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: (لما نزلت هذه الآية: (قل هو القادر على أن ينزل عليكم عذاباً من فوقكم) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك (أو من تحت أرجلكم) قال: أعوذ بوجهك (أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض) قال: هذا أهون، أو: هذا أيسر). قال الحافظ ابن حجر: وقد روى ابن مردويه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ما يفسر به حديث جابر رضي الله تعالى عنه، ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دعوت الله أن يرفع عن أمتي أربعاً، فرفع عنهم ثنتين وأبى أن يرفع عنهم ثنتين، دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء والخسف من الأرض وأن لا يلبسهم شيعاً ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الخسف والرجم) يعني أن هذه الأمة لا تعاقب بالخسف ولا بالرجم (وأبى أن يرفع عنهم الأخريين) وهما أن يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض، فيستفاد من هذه الآية المراد بقوله: (من فوقكم أو من تحت أرجلكم) ويستأنس له -أيضاً- بقوله تعالى: {أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} [الإسراء:68]. وروى الإمام مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (أنه أقبل مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، فصلينا معه، ودعا ربه طويلاً، ثم انصرف إلينا فقال: سألت ربي ثلاثاً فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة -بالجدب والقحط- فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها). وليس معنى ذلك أن أي أمة من الأمم الإسلامية أو بلد من البلاد الإسلامية لا يهلكها الله سبحانه وتعالى بالغرق، فليس هذا هو المقصود في هذا الحديث، وإنما المقصود هنا شمول الأمة كلها والإتيان بالعذاب الذي يستأصل الأمة كلها، فهذا لا يقع، أما وقوع آحاد من الخسف ووقائع من الغرق والسيول وغير ذلك فهذا لا يتنافى مع الحديث؛ لأن المقصود عذاب يستأصل الأمة كلها، فهذا هو الذي لا يقع. قال الخفاجي: فإن قلت: كيف أجيبت الدعويان وسيكون خسف بالمشرق وخسف بجزيرة العرب كما روى الترمذي وغيره؟ قلت: الممنوع خسف مستأصل لهم. أي أن: الخسف الذي يستأصل الأمة هذا هو الممنوع، وأما عدم إجابته له في جعل بأسهم بينهم فهو بسبب ذنوب منهم، ولأنهم بعد تبليغه صلى الله عليه وسلم نصيحته لهم لم يعملوا بقوله. وقد روى أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية (قل هو القادر) إلى آخره فقال: أما إنها كائنة، ولم يأت تأويلها بعد) يعني ما يتعلق بالفتن التي ستقع فيما بعد مما ستطبق عليه الآية وما يقع بالمسلمين. وبعض المفسرين لهم أقوال أخرى في هذه الآية، حيث قال بعضهم: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم) قالوا: هو أئمة السوء (أو من تحت أرجلكم) خدم السوء. ولا شك في أن التهويل وتعظيم العذاب والفتن المتوعد بها في هذه الآية أعظم من أن يكون خادم السوء أو أئمة السوء؛ لأن العذاب كلما كان مراً على النفس شق عليها، فهذا القول ينبو ويقل عن مقام التهويل وشدة الوعيد في هذه الآيات الكريمة. فالظاهر أن بعض السلف كانوا يتلون بعض الآيات لبعض المقامات إشعاراً بأن معناها يحاكي تلك الواقعات فقط، دون أن تكون الآية نزلت في تلك القضايا بأعيانها، فلا شك في أن من الحكام مثلاً من هو وراء السوء، أو أن ثلة من الناس يشتمون العلماء ويشتمون الأفاضل، ففي هذه الحالة يقال: إنه يصدق عليهم معنى الآية، لا أن هذا هو المراد من الآية أصلاً أو أنها نزلت فيه.
تفسير قوله تعالى: (وكذب به قومك وهو الحق وسوف تعلمون)
تفسير قوله تعالى: (وكذب به قومك وهو الحق وسوف تعلمون) قال تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام:66]. قوله تعالى: (كذب به قومك) أي: بالقرآن المجيد (وهو الحق) أي: الكتاب الصادق في كل ما نطق به (قل لست عليكم بوكيل) أي: لم يفوض إليَّ أمركم فأمنعكم من التكذيب وأجبركم على التصديق، إنما أنا منذر وقد بلغت. وبعضهم أرجع الضمير في قوله تعالى: (وكذب به) إلى العذاب. وقوله: {لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأنعام:67] أي: لكل خبر عظيم وقت استقرار لصدقه أو كذبه (وسوف تعلمون) أي: مستقر هذا النبأ ومآله وأن العاقبة له، كما قال تعالى {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص:88].
تفسير قوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا)
تفسير قوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:68]. قوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون)، يعني: بالطعن والاستهزاء (في آياتنا)، أي: المنسوبة إلى مقام عظمتنا، التي حقها أن تعظم بما يناسب عظمتنا. فحق آيات الله سبحانه وتعالى أن تعظم؛ لأنها كلام الله، فتعظم كعظمة المتكلم بها، وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله: (وإذا رأيت الذين) (الذين) هنا كناية عن مشركي مكة، فقد كان ديدنهم الخوض في آيات الله. (فأعرض عنهم) أي: لا تجالسهم وقم عنهم (حتى يخوضوا في حديث غيره) أي: حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من الخوض في آياتنا. (وإما ينسينك الشيطان) بأن يشغلك فتنسى النهي عن مجالستهم (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) يعني: إن أنساك الشيطان فجلست معهم فلا تؤاخذ به ما دام الذي دفعك إلى الجلوس معهم هو نسيان النهي والوعيد الوارد في هذه الآية، لكن إذا ذكرت النهي فبادر بالقيام، فلا تقعد معهم؛ لأنهم ظالمون بالطعن في الكلام المعجز عناداً. فالنسيان معفو عنه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
وجوب اجتناب مجالس الملحدين وأهل اللغو
وجوب اجتناب مجالس الملحدين وأهل اللغو وهذه الآية الكريمة في سورة الأنعام هي المشار إليها في آية سورة النساء، وهي قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النساء:140]، فالمقصود بقوله تعالى: (في الكتاب) هذه الآية التي في سورة الأنعام؛ لأن الأنعام نزلت قبل النساء {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} [النساء:140]؛ لأن في حضور المنكر مع إمكان التباعد عنه مشاركة لصاحبه، قال السيوطي في الإكليل: (في هذه الآية وجوب اجتناب مجالس الملحدين وأهل اللغو) فيؤخذ من هذه الآية أنه واجب على الإنسان أن يهجر مجالس اللغو ومجالس الملاحدة، وما أكثر مجالس الملاحدة! ومجالس الملاحدة اليوم متعددة، كمجلاتهم والنظر إلى التلفزيون وغير ذلك؛ لأن الحال الآن تنوع وتلون ألواناً كثيرة، فكم من آية يسخرون منها! وكم من حكم شرعي يستهزئون به! وكم من حديث يذكر في مقام الاحتقار والازدراء والعياذ بالله! فهؤلاء جميعاً من هؤلاء الملاحدة، كالممثلة التي رقصت في مسرحية على أنموذج للكعبة المشرفة، حيث صنعوا أنموذجاً للكعبة وصعدت الراقصة فوقه ترقص عليه -والعياذ بالله-!! فهذا إلحاد كفر بالله عز وجل واحتقار لما عظمه الله سبحانه وتعالى، وهو بيت الله الحرام، ومثلها الممثلة التي سخرت من كلمة التوحيد فقالت: (لا إله أُلَّا الله) والناس يضحكون، يضحكون بصورة صارخة على هذا الكفر وهذا الشرك والعياذ بالله، فالإنسان لا يجوز له أبداً أن يجالس هؤلاء الفسقة أو الملاحدة بتعبير أدق، وإلا كان شريكاً لهم في الإثم، والأنواع والأمثلة كثيرة جداً لشهرتها، والمفروض أن الإنسان يتجنب كل مجلس غلب على ظنه أن فيه الخوض في آيات الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا نوع من المجالسة لهؤلاء الفاسقين، سواء أكان في التلفزيون أم في الراديو أم في المسارح أم في المجلات، ومجلات الملحدين الآن معروفة ومشهورة، ومن ثم لا ينبغي للإنسان أن يجالسهم أو يطالع ما معهم إلا لمقصد شرعي. قال السيوطي في الإكليل: (في هذه الآية وجوب اجتناب مجالس الملحدين وأهل اللغو، ويستدل بها على أن الناسي غير مكلف، وأنه إذا ذكر عاد إلى التكليف، فيعفى عما ارتكبه في حال نسيانه، ويندرج تحت ذلك مسائل كثيرة في العبادات والتعليقات).
الخوض في آيات الله المقصود به: الخوض بالطعن والاستهزاء
الخوض في آيات الله المقصود به: الخوض بالطعن والاستهزاء وقال الرازي: (ومن الحشوية من استدل بهذه الآية في النهي عن الاستدلال والمناظرة في ذات الله تعالى وكتابه) قال: لأن ذلك خوض في آيات الله، والخوض في آيات الله حرام بدليل هذه الآية ويعني بهذه الآية قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام:68] إلى آخر الآية الكريمة، فبعض هؤلاء استدلوا بأنها تنهى عن المناظرة في ذات الله تعالى وصفاته، باعتبار أن هذا خوض في آيات الله عز وجل، والجواب عن ذلك: أن المراد من الخوض في الآية الشروع في الطعن والاستهزاء، فسقط هذا الاستدلال والله تعالى أعلم. فالمقصود الخوض أي: بالطعن والاستهزاء، لكن الإنسان إذا تعلم مثلاً كيف يؤمن بأسماء الله عز وجل وصفاته، ويتعرف على قواعد السلف الصالح في ذلك فإن هذا ليس من الخوض، لأنه متعلم وطالب علم ومستفهم راغب في التعلم ومعرفة الحق من القرآن والسنة، فكيف يسمى هذا فوضى. وفي هذا أيضاً رد على ذلك الرجل الذي كتب في الأسبوع الماضي في جريدة الشعب، وجريدة الشعب حاولت أن تتنصل من جريمتها، وعملت مقدمة: أننا نرحب بالرأي والرأي الآخر -حتى يتقنون بذلك عدوانهم- ونحن ما نوافق الكاتب في الكلام الذي كتبه في هذه المقالة، وإنما نحن فقط ضد هؤلاء الناس الذين يشغلون المسلمين بالأمور الفرعية التافهة إلى آخر هذه الإسطوانة التي حفظناها. ثم كتب هذا الكاتب مقالة كلها ظلم وعدوان وتعد على السلفية، كان يسميها -فيما أظن- السلفية وقذائف التكفير، يعتبر أن السلفيين يقذفون الناس بقذائف التكفير، وهو سلاح تكفير العلماء والدعاة وغير ذلك، وحشا مقاله بالجهل وبالعدوان، وكان مما قاله: إن من ضمن المسائل التافهة أو القشور الفارغة التي يفرق بها السلفيون الأمة الكلام في القضايا الفرعية، مثل أسماء الله وصفاته إلخ. فالرجل لا يعرف ما هي الأصول وما هي الفروع، وكل الفرق -حتى الفرق الضالة- متفقة على أن قضية التوحيد والأسماء والصفات أصل الأصول في الدين، وأن معرفة الله سبحانه وتعالى هي أصل التوحيد، فكيف يدرجها في الفروع والقشور كما يزعم؟! والحقيقة أن المقالة لا تستحق الاهتمام بها؛ لأنها كانت مبنية على الظلم، وهي نفثه مصدور، أي الإنسان الذي في صدره شيء ويريد أن ينفس عنه فقط، ليس فيها أي علم ولا حتى شبهة تستحق الرد عليها، كلها شتائم وإلقاء الكلام جزافاً واصطياد في الماء العكر؛ لأن ما جاء به كان في الرد على إحدى المقالات في مجلة سلفية وهي تتكلم عن تصرفات بعض الشيوخ المشاهير المتعلقة بانحرافات في قضية التوحيد في الصوفية والقبورية وشيء من هذا، فلأن ذلك الشيخ كان مشهوراً جداً فهو أراد أن يعكر الماء أولاً ثم يصطاد فيه، ليبين أن السلفيين يكفرون الناس! ولا شك في أن المنهج السلفي أضبط المناهج في قضية التكفير، وهو أمر معلوم للجميع. فالشاهد أن معرفة صفات الله تعالى ونحو ذلك هذا ليس خوضاً في آيات الله، وإنما الخوض أن تنحرف عن منهج السلف بالتأويل والتمثيل والطعن والاستهزاء، هذا هو الخوض في آيات الله، أما أحد يتعلم -مثلاً- قضية القضاء والقدر، أو قضية أسماء الله وصفاته في ضوء فهم السلف الصالح وبالنقل عن العلماء والأئمة فهذا ليس من الخوض في شيء والله، تعالى أعلم.
ثمار الآية الكريمة
ثمار الآية الكريمة وثمرة هذه الآية أحكام: الأول: وجوب الإعراض عن مجالس المستهزئين بآيات الله أو بحججه أو برسله، أن لا يقعد معهم؛ لأن في القعود إظهار عدم الكراهة، وأذكر مجلساً من هذه المجالس قال فيه وزير التعليم لإخوانه الذين كانوا يجلسون إليه: لا تقلقوا من موضوع الجماعات الإسلامية، فأنا سوف أتولى هذا الأمر، فلن أوصل طالباً إلى الجامعة إلا إذا كان لا يفرق بين مسلم ومسيحي على حد تعبيره! فأين هو من آيات القرآن الكريم؟! وكان رجلاً صادق وعد، وبر في هذا المنهج المعادي للإسلام في مناهج التعليم ومحو الولاء لله ورسوله ومحو الإسلام من كل مراحل التعليم حتى المراحل المبكرة جداً، ونزع أي لفظ يزرع بذرة التدين في قلب هذا البرعم! فحسبنا الله ونعم الوكيل. لكن مهما أنفقوا ومهما أجهدوا أنفسهم في محاربة دين الله فلربما ينجحون لشهر أو شهرين أو لسنة أو سنتين، لكن الله سبحانه وتعالى سيحبط كيدهم قطعاً؛ لأنه مهما غير ومهما بدل ولو محا كلمة الله من كل كتب مدارس التربية والتعليم على المدى، ولو محا اسم الله واسم رسوله وأهلك كل شيء له علاقة بالدين فماذا سيفعل بالقرآن؟! نحن ضامنون أن القرآن سيبقى؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو المتكفل بحفظه، حيث قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]. فأمثال هؤلاء يقذف الله سبحانه وتعالى بهم في هذا الإلحاد والانحراف هو سبحانه وتعالى لهم بالمرصاد {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم:45] فكيف يظن أنه يكيد المسلمين ويكيد الله، والله سبحانه وتعالى سوف ينصر دينه ويبطل كيد أعداء هذا الدين مهما طال الأمد؟! فلا شك في أن العاقبة للمتقين وأن العاقبة للتقوى، فإذا كان وقف حياته على القضاء على الإسلام ومحو الاعتزاز بالإسلام والولاء له من قلوب الأجيال فإن غيره ممن كانوا أشد قوة واستكباراً في الأرض وحرباً لله ورسوله كانوا أولى بأن يفعلوا ذلك، لكن أطفأ الله نورهم، ولا يذكرون إلا باللعنة وبالدعاء عليهم من عباد الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الله سبحانه وتعالى يغار على أوليائه ويقول: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) فكيف بمن يعاديه هو عز وجل؟! فهو أولى بأن يبارزه الله بالحرب، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يخذل كل عدو لهذا الدين، وأن يخذلهم وأن يكيدهم كيداً ويرد كيدهم في نحورهم، فمثل هذا المجلس الذي قال فيه هذه الكلمة كان يجب على أي مسلم حضر أن يفارقهم، ولا يسمع مثل هذا الكلام. ففي الآية وجوب الإعراض عن مجالس المستهزئين بآيات الله وبحججه أو برسله، أن لا يقعد معهم؛ لأن في القعود إظهار عدم الكراهة، وذلك لأن التكليف عام لنا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يجب الإعراض وترك الجلوس معهم إذا لم يطمع في قبولهم، فإذا انقطع طمعه فلا فائدة في دعائهم، ويجب القيام من مجالسهم إذا عرف أن قيامه سيكون سبباً في ترك الخوض، وأنهم إنما يفعلونه مغايظة للواقف إذا كان وقوفه يوهم عدم الكراهة. الحكم الثاني: جواز مجالسة الكفار مع عدم الخوض، فكما أنه يجب الإعراض عن مجالس المستهزئين بآيات الله سبحانه وتعالى فإنه يجوز أن يجالس الكفار مع عدم الخوض؛ لأنه إنما أمر بالإعراض مع الخوض، وأيضاً قال تعالى: {حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [النساء:140] إلى هذه الغاية، يعني: إذا خاضوا في حديث آخر غير حديث الاستهزاء فإنه يزول التحريم هنا، والآية تدل -أيضاً- على المنع من مجالسة الظلمة والفسقة إذا أظهروا المنكرات، وتدل على إباحة الدخول عليهم لغرض، كما إذا كان للتذكير، فيمكن أن تجالس الظلمة والفسقة حتى الكافرين إذا كان ذلك بهدف التذكير بآيات الله، ودعوتهم إلى التوحيد وإلى الإسلام وإلى الاستقامة، أو إنكار المنكر. وفي الآية -أيضاً- دلالة على وجوب الإنكار؛ لأن الإعراض إنكار. قال: وتدل على أن التقية من الأنبياء بإظهارهم المنكر لا تجوز يعني أن الأنبياء وأئمة الدين لا يجوز لهم التقية؛ لأن هؤلاء إذا مارسوا التقية -وهم قدوة للبشر- فسوف يلتبس الحق بالباطل على الناس، وإنما يترخص من دونهم في التقية كما ذكرنا، خلافاً للإمامية؛ لأن الإمامية يجوزون على الأئمة الاثنى عشر التقية كما هو معروف. كذلك الآية تدل على جواز النسيان على الأنبياء؛ لأن المخاطب في الآية هو النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أحكام الآية أن الناسي مرفوع عنه الحرج، وأن النسيان سببه وسوسة الشيطان والإعراض عن الذكر.
تفسير قوله تعالى: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون)
تفسير قوله تعالى: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون) يقول تعالى: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام:69]. يعني: وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء عما يحاسبون عليه من خوضهم (ولكن ذكرى) يعني: أمروا بالإعراض عنهم ليكون ذكرى لضعفاء المسلمين، لئلا يقع شيء من مطاعن المستهزئين في قلوبهم (لعلهم يتقون) أي: يبلغون مبلغ التوقي من شبهاتهم بالجلوس مع علمائه بدلهم. فالمقصود من الآية أن أهل الخوض إذا جالسهم المتقون فليس عليهم شيء مما يحاسبون عليه من خوضهم (ولكن ذكرى) أي: لكن أمر المتقون بالإعراض خشية أنهم إذا لم يعرضوا فسيكون في ذلك فتنة لضعفاء المسلمين قليلي العلم أو ضعيفي الإيمان، فيجالسونهم اقتداء بهم، ومن ثم فربما وقع في قلوب بعضهم شيء من مطاعن هؤلاء المستهزئين. وقيل في تفسيرها: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى) يعني: على المتقين إذا سمعوا خوضهم أن يذكروهم بالقيام عنهم وإظهار الكراهة لهم وموعظتهم. وقد يستدل بهذه الآية (وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون) على أن من جالس أهل المنكر وهو غير راض بفعلهم فلا إثم عليه، لكن آية النساء تدل على أنه آثم ما لم يفارقهم، فإذا كان قادراً على أن يفارقهم وجب عليه أن يفارقهم، وإذا بقي في المجلس دون أن يفارقهم وهو يقول: أنا غير راض وأنا كاره لفعلهم فإنه يبقى آثماً؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء:140] يعني: إن قعدتم فإنكم مثلهم {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء:140] أي: إن قعدتم فأنتم مثلهم في الإثم، لكن هي في حق المؤمن تكون إثماً، أما في حق الكافر فهي كفر، فالمثلية في مطلق المخالفة. والمناظرات ينبغي أن تكون مغلقة وليست مفتوحة؛ لأنه لا يؤمن -أولاً- أن يطلق أحد من رءوس الكفر شبهة واضحة، فيعجز المناظر عن أن يرد عليه؛ لأنه بشر ربما غاب عنه الجواب، فينتهزها هذا الخبيث فرصة، وقد يأتي الجواب ضعيفاً، فتعلق بعض الشبهات بقلوب المستمعين من العوام أو من ضعفاء القلوب وضعفاء الإيمان، فيؤثر في إيمانهم، فالمفروض في المناظرة أن يحضرها من هو متسلح بالعلم وبالإيمان وباليقين، دون أن يحضرها عوام الناس، والله تعالى أعلم. أما المناظرات التي يحضرها الغربيون فليس على بالهم إسلام ولا نصرانية، وإنما كما يقال في الكرة: لا ندري من نشجع فالواحد منهم يراها كأي مسرحية، فقد تجدهم أحياناً -وهم كفرة- يصفقون لـ ديدات تصفيقاً شديداً جداً، ومتى تحولوا إلى الإسلام؟! فهذا يتكلم بطريقة جيدة فيشجعه، والثاني يرد في المرة الثانية فيشجعه! فالموضوع لا يأخذونه بمأخذ الجد.
تفسير قوله تعالى: (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا)
تفسير قوله تعالى: (وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً) ثم يقول تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأنعام:70]. قوله تعالى: (وذر الذين اتخذوا دينهم) أي: الدين الذي كلفوا أن يدخلوا فيه فلو قيل: كيف يقال: (دينهم) وهم لم يدخلوا في الدين أصلاً؟ وكيف نسب إلى الكفار الدين وهو الإسلام؟! فالجواب أن المقصود هو الدين الذي دعوا إليه، والذي كلفوا أن يدخلوا فيه، وليس المقصود بذلك أنهم أسلموا، لكن نسب إليهم لأنهم دعوا إليه وكلفوه. وقوله: (وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً) حيث بخلوا به واستهزءوا به. (وغرتهم الحياة الدنيا) أي: اطمأنوا بها، وزعموا أن لا حياة بعدها أبداً، وأن السعادة في لذاتها، فـ (ذرهم) يعني: أعرض عنهم ودعهم، ولا تبال بتكذيبهم، وأمهلهم قليلاً، فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم. قال تعالى: {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [الأنعام:70]. قوله تعالى: (وذكر به) أي: ذكر الناس بهذا القرآن. وقوله: (أن تبسل نفس بما كسبت) أي: مخافة أن تبسل. يعني: تسلم إلى الهلاك وترتهن بسوء كسبها وغرورها بإنكار الآخرة، يقال: أبسله لكذا أي: عرضه له ورهنه، أو أسلمه للهلكة. وقوله: (ليس لها من دون الله ولي) يعني: ينصرها بالقوة (ولا شفيع) أي: يدفع عنها بالمسالمة (وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها) يعني: وإن تفدي كل نوع من أنواع الفداء بما يقابل العذاب لا يقبل منها؛ لبعدهم عن مقام الفداء، والعدل: الفدية؛ لأن الفادي يعدل المفدى بمثله (أولئك) يعني: أولئك الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً (الذين أبسلوا) يعني: سلموا للهلاك بحيث لا يعارضه شيء (بما كسبوا) يعني: بهذا الاغترار من إنكار الآخرة والانهماك في الشهوات المحرمة. وقوله: (لهم شراب من حميم) أي: من ماء مغلي يتجرجر في بطونهم، وتتقطع به أمعائهم، فمعنى (حميم): الماء الذي انتهى غليه، (وعذاب أليم) أي: بنار تشتعل بأبدانهم (بما كانوا يكفرون) أي: بسبب كفرهم.
تفسير قوله تعالى: (قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا لنسلم لرب العالمين)
تفسير قوله تعالى: (قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا لنسلم لرب العالمين) قال تبارك وتعالى: {قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:71]. قوله تعالى: (قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا) أي: أنعبد من دون الله ما لا يقدر على نفعنا إن دعوناه، ولا على ضرنا إن تركناه.
الأنعام [80 - 94]
تفسير سورة الأنعام [80 - 94]
تفسير قوله تعالى: (وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان)
تفسير قوله تعالى: (وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان) قال تبارك وتعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام:80]. قوله تعالى: (وحاجَّه قومه) أي: جادلوه وأرادوا مغالبته بالحجة فيما ذهب إليه من توحيد الله تعالى ونفي الشركاء عنه تارةً بأدلة فاسدة واقفة في حضيض التقليد، وأخرى بالتخويف، وقد أشير إلى جواب كل منهما. (قال: أتحاجوني في الله وقد هدان) يعني: أتجادلونني في توحيد الله تعالى (وقد هدان) لإقامة الحجج ورفع الشبه عن نفي إلهية ما سواه، وقد ثبت أنها -أي: هذه الآلهة التي تعبدون من دون الله- ناقصة في ذواتها، فكمالاتها من غيرها، ولا إلهية للناقص المفتقر بذاته، والناقص المحتاج إلى غيره لا يمكن أن يكون إلهاً؛ لأن كماله لا يكون مطلقاً. وقال: (أتحاجوني في الله وقد هدان) بتشديد الجيم والنون، أي: بإدغام نون الجمع في نون الوقاية؛ لأن أصلها: (أتحاجونني) فنون الجمع أدغمت مع نون الوقاية، فصارت نوناً مشددة (أتحاجونِّي) وقرئ بحذف الأولى. وقوله تعالى: (ولا أخاف ما تشركون به) أي: لا أخاف معبوداتكم؛ لأنها جمادات لا تضر بنفسها ولا تنفع. وهو جواب عما خوفوه عليه الصلاة والسلام به في أثناء المحاجة من إصابة مكروه من جهة أصنامهم، وهذا هو حال الذين تدعوهم إلى توحيد الله وتبطل لهم بالأدلة عبادة غير الله عز وجل وإلاهية غير الله، فيقولون كما قال قوم هود لهود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود:54] فهم -أيضاً- هنا خوفوا إبراهيم عليه السلام بأن هذه الآلهة إذا كنت تحذر منها ومن عبادتها فإنها قد تنتقم منك أو قد تؤذيك. وهذا كما يحصل في زمننا هذا، فإذا دعوت رجلاً إلى التوحيد ونبذ عبادة القبور والأولياء والأضرحة وغير ذلك فإنه يحذرك من أن هؤلاء الأولياء سيصيبونك بكذا أو كذا، أو يصيبك الجنون، أو تختطف إلى صحراء لا تجد فيها أحداً، إلى غير ذلك من الأساطير التي تقال في مثل هذا الزمان، وكلها تخرج من هذا النبع الواحد، وهو تخويف الموحد الذي يدعوهم إلى التوحيد بآلهتهم، كقول قوم هود: {إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود:54]. وهذا التخويف وإن لم يسبق له ذكر لكنه فُهم، أي: لم يرد في الآيات السابقة ذكر أنهم خوفوه بآلهتهم، ولكن يفهم وقوع هذا التخويف من قول إبراهيم عليه السلام: {وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} [الأنعام:80] يعني: هذه الآلهة وهؤلاء الشركاء الذين تخوفونني بهم أنا لا أخاف منهم، ولا أخاف ما تشركون به. قال ابن كثير: أي: ومن الدليل على بطلان قولكم أن هذه المعبودات لا تؤثر شيئاً. يعني أن عجزها عن أن تنفع أو تضر هو أحد الأدلة على بطلان إلهيتها، فكيف أخافها؟! وإذا كان أحد الأدلة التي اعتمدت عليها في إبطال إلهيتها من دون الله هو أنها لا تستطيع أن تنفع ولا تضر لا نفسها ولا غيرها، ولا تؤثر شيئاً فلذلك لا أخافها، ولا أبالي بها مهما خوفتموني بها، فإن كان لها كيد فيكدوني بها ثم لا تنظرون. يعني: إن كانت تستطيع فعلاً أن تكيدني فهيا حرضوها على أن تفعل ذلك، ولا تؤجلوني، بل قوموا بدعوتها إلى الانتقام مني إن كانت تستطيع. ولا شك في أن هذا القول قول صاحب اليقين القوي الراسخ فيما يعتقده من إيمان ومن توحيد. ثم قال عليه السلام: (إلا أن يشاء ربي شيئاً) يعني: من إصابة مكروه بي من جهتها. يعني: لو فرضنا جدلاً أنه أصابني مكروه من جهتها فإنه ليس هذا بفعلها ولا بتغييرها ولا يد لها في ذلك، وإنما سيكون هذا من جهة الله تبارك وتعالى، ولا يد لمعبوداتكم في هذا الضرر أصلاً. فهو في الحقيقة لم يخف إلا من الله سبحانه وتعالى؛ لأن الخوف الذي أثبته هنا معلق بمشيئة الله وقدرته، فهو كَلاَ خوف منها، فما دام الخوف هو أن يحصل شيء بإذن الله وبإرادة الله فهو يساوي أنه لا خوف من هذه الآلهة وهذه الأصنام. وقوله: (وسع ربي كل شيء علماً) كأن هذا هو علة الاستثناء الذي ورد في قوله: (إلا أن يشاء ربي شيئاً) يعني: أحاط الله بكل شيء علماً، فلا يبعد أن يكون في علمه إنزال الخوف بي من جهتها؛ لأنه إذا أحيل شيء إلى علم الله أشعر بجواز وقوعه، وهنا إظهار في موقع الإضمار، وهو قوله: (وسع ربي كل شيء علماً) ولم يقل: (وسع كل شيء علماً) ليكون الفاعل ضميراً مستتراً يعود إلى لفظ الجلالة، ولكن كرر وأظهر الضمير فقال: (وسع ربي كل شيء علماً) وكذلك -أيضاً- تعرض لعنوان الربوبية بقوله: (ربي) إظهاراً منه عليه السلام لانقياده لحكمه سبحانه وتعالى واستسلامه لأمره واعترافه بكونه تحت ملكه وربوبيته. وقوله: (أفلا تتذكرون)، يعني: أفلا تعتبرون بأن هذه المعبودات جمادات لا تضر ولا تنفع، وأن النافع الضار هو الذي خلق السموات والأرض.
تفسير قوله تعالى: (وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله)
تفسير قوله تعالى: (وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله) قال تعالى: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام:81]. قوله: (وكيف أخاف ما أشركتم) يعني: كيف أخاف معبوداتكم وهي مأمونة الخوف؟! وذلك بعدما وضح أنها لا تقدر على أن تضره، ولا أن تنفعه، ولا تنتصر لنفسها، ولا تستطيع أن تكيده، وتحداهم بهذا الذي قاله من قبل، فبيَّن قائلاً: (وكيف أخاف) أي: كيف يتسنى لي أن أخاف (ما أشركتم) من هذه الآلهة التي هي عاجزة وقاصرة عن أن تضرني وهي مأمولة الخوف؟! وقوله: (ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً) قوله: (ما لم ينزل به) الهاء تعود إلى الإشراك، يعني: ما لم ينزل بإشراكه سلطاناً. و (سلطاناً) هنا بمعنى: حجة. وهذا هو المعروف من أن السلطان في القرآن إذا ورد فالمراد به العلم أو الحجة. فقوله: (ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به) أي: بإشراكه (عليكم سلطاناً) أي: حجة؛ إذ الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة، والمعنى: ما لكم تنكرون عليَّ الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع أعظم المخوفات وأهولها؟! وكيف تنكرون عليَّ أني آمن من تهديداتكم بأن تنالني آلهتكم بسوء، وهذا هو موضع أمن في الحقيقة؟! لأنها لا تستطيع أن تسوءني، فلذلك أنا آمن وليس في قلبي أي خوف من أن تصيبني هذه الآلهة بأي شر. وقوله: (وكيف أخاف ما أشركتم) يعني: من معبوداتكم وهي مأمونة الخوف، ولا تستطيع أن تنالني بسوء. وقوله: (ولا تخافون أنكم) يعني: ولا تنكرون على أنفسكم الأمن مع أنكم تأتون بأعظم موجب من موجبات الخوف والهول، وهو الإشراك. وقوله: (فأي الفريقين) أي: أي فريقي الموحدين والمشركين (أحق بالأمن) يعني: من أحق بالأمن من لحوق الضرر (إن كنتم تعلمون)؟! أهو الذي يعبد الله سبحانه وتعالى الذي هو النافع الضار الذي وسع كل شيء علماً، والذي يملك مقاليد السموات والأرض وهو القاهر فوق عباده، الذي أوعدهم على الشرك بأشد النكال وأشد العذاب، فهو قادر على أن ينفذ وعيده، أم الذي يعبد هذه الآلهة التي تخوفونني بها وهي لا تملك لنفسها -فضلاً عن غيرها- نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً؟! فلذلك قال: (فأي الفريقين) من الموحدين والمشركين أحق وأجدر وأقدم بالأمن من لحوق الضرر (إن كنتم تعلمون) أي: تعلمون ما يحق أن يخاف منه، أو من أحق بالأمن، أو (إن كنتم تعلمون) يعني: إن كنتم من أولي العلم. وجواب الشرط محذوف تقديره: (فأخبروني) أو: إن كنتم من أولي العلم فأخبروني.
تفسير قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)
تفسير قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) ثم بيَّن تعالى من له الأمن جواباً عما استفهم عنه الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فجاء الجواب من الله سبحانه وتعالى على هذا السؤال الذي سأله الخليل عليه السلام فقال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:82]. قوله: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) أي: بشرك، كما يفعله الفريق المشركون؛ حيث يزعمون أنهم يؤمنون بالله عز وجل، وأن عبادتهم للأصنام من تتمات إيمانهم وإحسانهم لأجل التقريب والشفاعة، كما حكى الله سبحانه وتعالى عنهم بقوله: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] وهذه نفس الحجة التي تذكر الآن في هذا الزمان على ألسنة من يدعون الإسلام ويعبدون الأضرحة والمقامات والموتى من دون الله سبحانه وتعالى، ترى أحدهم يقول: نحن ما نعبدهم، لكن نحن نتوسل بهم إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم يقربوننا إلى الله، وأما نحن فبذنوبنا ومعاصينا وتقصيرنا لا يليق بنا أن نتوجه إلى الله سبحانه وتعالى مباشرة؛ فلابد من واسطة بيننا وبين الله عز وجل، وهذه الواسطة هم هؤلاء الأولياء أو الملائكة أو الجن أو غير ذلك مما عبد من دون الله سبحانه وتعالى. وأصحاب الهياكل أو أصحاب الأشخاص لم يقولوا: نحن نعبد الهياكل التي هي أجرام الكواكب نفسها، ولا الأشخاص الذين صوروهم، إنما قالوا: نحن نستغلها كي تذكرنا بعبادة الله، وتتوسط بيننا وبين الله، وهذا هو كما يقول عباد القبور والأضرحة في هذا الزمان إذا قامت عليهم الحجة، ترى أحدهم يقول: نحن ما نعبدهم، لكن هؤلاء يقربوننا إلى الله، وهم وسائط وشفعاء -والعياذ بالله- إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا هو الظلم الذي لابسوا إيمانهم به، وهو المقصود بقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام:82]، فالموحدون لا يشوبون إيمانهم بشرك كحال هؤلاء الفريق الآخر الذين يلبسون إيمانهم بالشرك، حيث يزعمون أن هذه الأصنام تقربهم إلى الله زلفى. وقوله: (أولئك لهم الأمن) يعني: يوم القيامة (وهم مهتدون) أي: إلى الحق. وقوله: (وهم مهتدون) مبتدأ وخبر، ومعناه حصر للهداية في هؤلاء الموحدين، يعني: هم المهتدون لا غيرهم، ومن عداهم في ضلال. روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله رضي الله عنه قال: (لما نزلت ((وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)) قال أصحابه صلى الله عليه وسلم: وأينا لم يظلم نفسه -فهموا أن الظلم هنا معناه المعاصي-؟ فنزلت: ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) [لقمان:13])، وهذا لفظ رواية البخاري، ولفظ رواية الإمام أحمد عن عبد الله رضي الله عنه قال: (لما نزلت هذه الآية: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام:82] شق ذلك على الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقالوا: يا رسول الله! فأينا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] إنما هو الشرك)، فهذه الرواية توضح رواية البخاري السابقة عن ابن مسعود التي قال فيها فنزلت: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] من جهة أن النزول يراد به تفسير الآية أحياناً، فيقال -مثلاً-: هذه الآية نزلت في كذا. والمقصود أن هذه الآية تفسر هذا الموقف أو هذا الكلام، لا أنه كان سبب نزولها بالفعل، وهذا من الاصطلاحات الدقيقة للصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم، ورحمهم الله أجمعين. فحينما يقول: نزلت الآية في كذا يعني: أن حكم الآية يدخل في هذا الموضوع المتكلم فيه، لا أنها نزلت فيه بالفعل، فالنزول هنا يراد به التفسير، فكلام ابن مسعود حين قال: (لما نزلت: ((وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)) قال أصحابه: وأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت: ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) [لقمان:13]) هل المقصود منه أنها نزلت بالفعل؟ A لا؛ لأن هذه الآية كانت نزلت قبلها، وهي في سورة لقمان، فمعنى قول ابن مسعود: (فنزلت: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]) فيراد بسبب النزول هنا تفسير الآية، لا أنه بالفعل سبب نزولها، لسبب بديهي جداً، وهو أن آية لقمان كان نزولها من قبل. ولـ ابن أبي حاتم عن عبد الله مرفوعاً: ((وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)) قال: بشرك. وقد نقل ذلك عن جملة كبيرة جداً من الصحابة والتابعين، فلا يُعلم مخالف من الصحابة والتابعين في تفسير الظلم هنا بالشرك، وذلك في قوله: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)) يعني: بشرك، وقوفاً مع الحديث الصحيح في ذلك؛ لأن هذا الحديث بين أن الآيات القرآنية يوضح بعضها ما أبهم في بعض. وحصل نوع من اللبس عند الصحابة في أن الظلم يعم المعاصي فضلاً عن الشرك، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الظلم في هذه الآية خاصة يقصد به الظلم الأكبر الذي هو الشرك في قوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] ففسَّر القرآن بالقرآن، وحيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا التفسير فلا يجوز النظر في غيره إذا خالفه، وأي تفسير يخالف ما ثبت عن المعصوم عليه الصلاة والسلام فلا يجوز الأخذ به أو النظر فيه. فمتى ما صح الحديث في تفسير آية فيجب أن نصير إلى هذا التفسير، فلو قيل: لا يلزم من قوله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} أن غير الشرك لا يكون ظلماً! أي: قد يقول قائل: إن قوله تعالى: ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ))، هل معناه أن غير الشرك لا يكون ظلماً؟ فيجاب بأن التنوين في كلمة (بظلمٍ) للتعظيم، يعني أن أعظم الظلم وأخطر الظلم وأكثر الظلم هو الشرك، فالتنوين هنا للتعظيم، فهذا التعظيم أشار إلى نوع خاص من الظلم وهو الشرك، فكأنه قيل: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم) وهذا الظلم العظيم هو المشار إليه في قوله تعالى: ((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)) ولما تبين أن الشرك ظلم عظيم علم أن المراد (لم يلبسوا إيمانهم بشرك)، أو أن المتبادر من المطلق أكمل أفراده. وسياق الآية يؤكد أن هذا هو المقصود، فقوله تعالى: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)) يعني: بالشرك الذي هو الظلم العظيم؛ لأن هذه القصة هي قصة إبراهيم عليه السلام من أولها إلى آخرها، وهي إنما وردت في نفي الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات، فوجب حمل الظلم هاهنا على ذلك، إذ كل سياق القصة في قضايا التوحيد وإبطال ألوهية ما عدا الله سبحانه وتعالى، وليس فيها أحكام شرعية، ولا فيها طاعات ولا عبادات، حتى يقال: إنه يحتمل أن الظلم هنا يقصد به المعاصي، وإنما كله في هذا السياق. يقول القاسمي: حيث علم أن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فسر الآيات بما تقدم فليعض عليه بالنواجذ، وأما ما هذى به الزمخشري من قوله في تفسير الآية: أي لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم. وأبى تفسير الظلم بالكفر فإن هذا الكلام مدفوع. يعني أن الزمخشري معتزلي، وعدو لدود من أعداء أهل السنة والجماعة، وهو مع براعته في بلاغة القرآن وفي إظهار إعجاز القرآن البلاغي، لكنه -للأسف الشديد- تلبَّس بهذه البدعة الغليظة، وهي مذهب الاعتزال، ولا يخلو تفسيره -مع نفاسته في باب البلاغة والإعجاز- من محاولة ليّ أعناق بعض الآيات حتى توافق مذهب المعتزلة، فلذلك تصدى له الإمام ناصر الدين في كتابه (الانتصاف) وكشف عورات مذهبه الاعتزالي، وأبان عن وجه الحقيقة فيما دسه الزمخشري من تفاسير أو آراء يحاول بها أن يطوع آيات القرآن لتصحيح مذهبه، ففي مثل هذه المواضع الحساسة تجد الزمخشري يضل ضلالاً مبيناً في تفسير الآيات، فمع وضوح الحديث -وهو متفق عليه- تعين تفسير الظلم هنا بأنه الشرك الأكبر الذي هو الظلم العظيم، إلا أنه أبى ذلك، وقال: لو فسرنا الظلم بالشرك العظيم أو بالشرك الأكبر فكيف يكون عنده الإيمان ويختلط بالشرك؟ وهل الشرك أو الكفر يجامع الإيمان؟! وفسرها بقوله: لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم. وأبى تفسير الظلم بالكفر؛ لأن لبس الإيمان بالشرك مما لا يتصور، لأنهما ضدان لا يجتمعان على زعمه! وهذا الكلام مدفوع بأن الشرك يلابس الإيمان، والدليل على ذلك قوله تبارك وتعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف:106] ويقال له كما قال الله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ} [البقرة:85] ولا شك أن تخصيص الأمان بغير العصاة لا يوجب كون العصاة معذبين البتة، بل خائفين ذلك متوقعين له. وفي (الانتصاف): إنما يروم الزمخشري بذلك تنزيله على معتقده في وجوب وعيد العصاة، وأنهم لا حظ لهم في الأمن، يعني أن العصاة مثل الكفار والمشركين في أنه لا حظ لهم في الأمن المذكور في قوله تعالى: ((أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)) ويجعل هذه الآية تقتضي تخصيص الأمن بالجامعين بين الأمرين. يعني أن الأمن لا يكون إلا لمن جمع بين أمرين: الإيمان والبراءة من المعاصي، بأن يكون مؤمناً الإيمان الذي ينافي الشرك، وبريئاً من المعاصي، ونحن نسلم ذلك، ولا يلزم أن يكون الخوف اللاحق للعصاة هو الخوف اللاحق للكفار؛ لأن العصاة من المؤمنين إنما يخافون من هذا العذاب المؤقت، فإذا كانوا موحدين وماتوا على معاصٍ لم يتوبوا
تفسير قوله تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه)
تفسير قوله تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) قال تبارك وتعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام:83]. قوله: (وتلك) الإشارة إلى الدلائل المشار إليها، وهي الدلائل السابقة التي استدل بها إبراهيم عليه السلام وحاج بها قومه، من قوله: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً} [الأنعام:74] إلى قوله تبارك وتعالى هنا: (وتلك حجتنا آتيناها) ومعنى (حجتنا) أي: التي لا يمكن نقضها، وهي حجة التوحيد، ودلائل التوحيد لا يستطيع أحد أبداً أن يهزمها. قوله: (آتيناها إبراهيم) يعني: أرشدناه عليه السلام إليها، وعلمناه إياها بلا واسطة معلم، بل هو تعليم مباشر من الله سبحانه وتعالى. قوله: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) أي: آتيناه حجة ودليلاً على قومه الكثيرين ليغلب وحده. يعني أن قومه كانوا كثيرين ومجموعة كبيرة من عباد الأصنام، وهو وحده، فانظر إلى الإبداع في هذا التعبير (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم) أي: وحده في مواجهة كل قومه، ومع ذلك غلبهم عليه السلام بهذه الحجة الناصعة. وقوله: (نرفع درجات من نشاء) يمتن الله سبحانه وتعالى على إبراهيم عليه السلام بأنه رفعه بالعلم والحكمة، وهذا على قراءة (نرفع درجاتِ من نشاء) وهناك قراءة أخرى: (نرفع درجاتٍ من نشاء). وقوله: (إن ربك حكيم) يعني: في رفعه وقبضه (عليم) بحال من يرفعه واستعداده له.
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا)
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا) قال تبارك وتعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الأنعام:84]. قوله: (ووهبنا له) أي: لإبراهيم عليه السلام. لأن إبراهيم صار غريباً في قومه، ومحارباً من قومه أجمعين، فعوضه الله سبحانه وتعالى عن قومه الذين نبذوه العداء، ومن أجل ذلك اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، فاعتزلهم لوجه الله، فامتن الله عليه سبحانه وتعالى بالتعويض؛ لأنه ما ترك أحد شيئاً لله إلا عوضه الله سبحانه وتعالى خيراً منه، فلما اعتزل قومه ونبذهم لأجل الله عوضه الله سبحانه وتعالى بأن وهبه عِوضاً عن قومه لما اعتزلهم وما يعبدون. وقوله: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) يعني: وهبنا له ولداً وولدَ ولدٍ، فالولد هو إسحاق، وولد ولد هو يعقوب، لتقر عينه ببقاء العقب، وأن عقبه ونسله امتدوا وانتشروا. وقوله: (كلاً هدينا) أي: كلاً منهما هديناه الهداية الكبرى بلحوقهما بدرجة أبيهما في النبوة، كما قال تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم:49]. قال ابن كثير: يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق، وذلك بعد أن طعن في السن وأيس هو وامرأته سارة من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك، كما قال تعالى عنها: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود:72 - 73]. فبشروهما فتعجبا، وبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلاً وعقباً، كما قال تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات:112] يعني: لم يبشره فقط بأنه سيرزق بإسحاق ولداً ثم سيرزق ولدَ ولدٍ، وهو يعقوب عليه السلام، وإنما بشر -أيضاً- بأنه يكون نبياً من الصالحين، وسبق أن بينا أن وصف الأنبياء بالصلاح يكون مدحاً لمرتبة الصلاح، وكذلك وصف الأنبياء بالإسلام؛ لأنه لو كان المدح هنا لصفة الأنبياء أنفسهم لاستووا مع عوام أمتهم، لكن المقصود هنا مدح صفة الإسلام والصلاح؛ حيث يتصف بها الأنبياء عليهم السلام. فقال تعالى: (وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين) وهذا أكمل في البشارة وأعظم في النعمة، وقال تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود:71]. ولا شك في أن هذه الجملة من الآيات فيها دليل واضح على أن الذبيح كان إسماعيل ولم يكن إسحاق؛ لأنه لا معنى للابتلاء بذبح إسحاق وقد ضَمن أبوه أنه سيعيش ويولد له أولاد؛ لأنه قبل أن يولد إسحاق بُشِّر إبراهيم عليه السلام بإسحاق وبولد ولده يعقوب بن إسحاق، ولا معنى لأن يكون الذبيح هو إسحاق، فإذا كان من المضمون -والوعد أتاه من الله، ووعد الله لا يخلف- أن إسحاق سيعيش ويكبر حتى ينجب ولداً فهل يصح أن يكون الذبيح -وهو صبي صغير- إسحاق عليه السلام؟! A لا يمكن ذلك، لكن اليهود -لعنهم الله- حنقاً على أهل الإسلام وأهل التوحيد من نسل إسماعيل عليه السلام يأبون الاعتراف بهذه الحقيقة، ويحاولون أن يحتجروا هذا الشرف بأن ينسبوا موضوع الذبيح إلى إسحاق عليه السلام. وقوله: (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) أي: ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقر أعينكما به كما قرت بوالده، وإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يُتوهم أنه لا يعقد لضعفه قالت: {أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً} [هود:72] فربما يقع احتمال أن من يُنجب بعد هذا السن الكبير يكون عقيماً لا يولد له، فلذلك وقعت البشارة به وبولد اسمه يعقوب الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكانت هذه المجازاة لإبراهيم عليه السلام لأنه اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهباً إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله عز وجل عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه لتقر بهم عينه، كما قال تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم:49]. ثم قال تعالى: ((وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ)) يعني: ونوحاً هديناه من قبلك كما هديناك. وعُدَّ هداه نعمةً على إبراهيم من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد؛ لأن نوحاً عليه السلام هو الأب الثاني للبشرية، قال ابن كثير: كل منهما له خصوصيات عظيمة، أما نوح عليه السلام فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به -وهم الذين صحبوه في السفينة- جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم إنما كانوا من ذرية نوح عليه السلام أبي البشرية الثاني. وأما الخليل إبراهيم عليه السلام فلم يبعث الله عز وجل بعده نبياً إلا من ذريته، يعني: إذا كان كل البشر بعد نوح من ذريته فهذه صفة عامة، وإبراهيم عليه السلام كل الأنبياء بعده هم من ذريته عليه السلام، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت:27]، وهذا مقطوع به، فلم يبعث نبي بعد إبراهيم إلا وهو من ذريته، سواء أكان من نسل إسحاق، وهو يعقوب ومن بعده إلى آخر أنبياء بني إسرائيل، أم من نسل إسماعيل عليه السلام، وهو سيد الأنبياء وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، وكلاهما من ذرية إبراهيم. وقال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ} [مريم:58]، ثم قال: {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا} [مريم:58]، وقوله: (وهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته) يحتمل أن تكون الهاء عائدة على نوح أو على إبراهيم عليه السلام.
تفسير قوله تعالى: (وزكريا ويحيى فضلنا على العالمين)
تفسير قوله تعالى: (وزكريا ويحيى فضلنا على العالمين) ثم قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام:85 - 86]. اعلم أن المقصود من هذه الآيات وما قبلها وما يلحقها تعديد نعم الله تعالى على إبراهيم عليه الصلاة والسلام جزاء اعتزاله قومه وما يعبدون، وقيامه بنصرة التوحيد ودحض الشرك، فذكر تعالى أولاً أنه رفع درجته بإيتائه الحجة على قومه وتخصيصه بها، ثم جعله عزيزاً في الدنيا حسباً ونسباً، أصلاً وفرعاً؛ أصلاً لأنه تولد من نوح أول المرسلين برسالة عامة، ووهبت له الذرية الطاهرة أنبياء البشر، ولذا ذهب الأكثرون إلى أن الضمير في قوله: (ومن ذريته) يعود على إبراهيم عليه السلام؛ لأن مساق اللفظ لبيان شئونه العظيمة، فأكثر المفسرين على أن الهاء تعود على إبراهيم عليه السلام؛ لأن سياق الآيات قبلها وبعدها هو في بيان رفعة شأن ومنزلة خليل الرحمن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولأن مساق النظم لبيان شئونه العظيمة، فكأنه قيل: ولم نزل نرفع درجاته بعد ذلك؛ إذ هدينا من ذريته داود وسليمان إلى آخره. فهو المقصود بالذكر في هذه الآيات، وذكر نوح عليه السلام لأن إبراهيم أحد أولاده، وكونه أحد أولاده يكون هذا من موجبات رفعته، وهذا حتى يبين الله سبحانه وتعالى رفعة شأن إبراهيم عليه السلام أصلاً وفرعاً، فذكر نوح ليبين رفعة أصله، وأنه من ذرية نوح عليه السلام. والغاية هي إلزام من ينتمي إليه من المشركين، وإقامة الحجة على المشركين ومحاجتهم؛ لأنه يريد أن يلزمهم، يعني: أنتم -أيها المشركون، أو أيها العرب- تنتمون إلى إبراهيم عليه السلام، وتنتسبون إلى ملة إبراهيم عليه السلام، فهذا هو إبراهيم عليه السلام الذي كان على خلاف ما أنتم عليه من اتخاذ الأنداد والشركاء، ولا يقال: إن لوطاً ليس من ذرية إبراهيم لأنه ابن أخيه، فإن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب تجعل العمَّ أباً، كما أخبر تعالى عن أبناء يعقوب عليه السلام أنهم قالوا: {نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ} [البقرة:133]، مع أن إسماعيل عم يعقوب، لكنه دخل في آبائه تغليباً. وقال محيي السنة الإمام البغوي رحمه الله تعالى: (ومن ذريته) أي: ذرية نوح عليه السلام، ولم يرد من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه ذكر في جملتهم يونس، وكان من الأسباط في زمن شعياء، أرسله الله تعالى إلى أهل نينوى من الموصل. وقال: إن لوطاً عليه السلام كان ابن أخي إبراهيم عليه السلام، آمن بإبراهيم وخرج معه مهاجراً إلى الشام، فأرسله الله إلى أهل سدوم. ومن قال: الضمير يعود إلى إبراهيم يقدر الكلام: (ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان هدينا)، لأن إبراهيم هو المقصود بالذكر، وذكر نوح لتعظيم إبراهيم، ولذلك قاسم بيونس ولوط، وجعلهما معطوفين على قوله تعالى: (نوحاً هدينا) من عطف الجملة على الجملة، فكأن إدخال لوط هو على سبيل التغليب، أي: أنه من ذرية أخيه، فذكر على سبيل التغليب؛ لأن من ذكر من الأنبياء هم من ذريته عليه السلام. وبالجملة فالآية المذكورة من المنن على إبراهيم على كلا الوجهين؛ لأن شرف الذرية وشرف الأقارب شرف، لكنه على الأول أظهر، ويكون في هذا تطرية في المدح لإبراهيم عليه السلام بالعود إليه مرةً بعد أخرى. قال الحافظ ابن كثير في ذكر عيسى عليه السلام في ذرية إبراهيم: هذا فيه دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل؛ لأن عيسى لا أب له، ومع ذلك ذكر أنه من ذرية إبراهيم أو نوح، ولا تعارض. فدل هذا على دخول ذرية البنات في ذرية الرجل؛ لأن انتساب عيسى ليس إلا من جهة أمه مريم عليها السلام، وقد روى ابن أبي حاتم أن الحجاج أرسل إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم، هل تجده في كتاب الله؟ وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده، قال: أليس تقرأ سورة الأنعام (ومن ذريته داود وسليمان) حتى بلغ: (يحيى وعيسى)؟! قال: بلى. قال: أليس -يعني: عيسى- من ذرية إبراهيم وليس له أب؟! قال: صدقت. فما ثمرة هذه المسألة؟ ثمرتها أن ذرية الرجل يدخل فيها بناته، فإذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته، أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه، أو وقف على بنيه دون ذريته فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه، وبنو بنيه، أي: أولاده الذكور وأولاد أولاده بنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد وقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم، بما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) فسماه ابناً، فدل على دخوله في الأبناء. وقال آخرون: هذا تجوز. وعلى أي الأحوال فالمسألة مختلف فيها، والقائل بها استدل بهذه الآية وآية المباهلة. وآية المباهلة هي قوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ} [آل عمران:61]، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الحسن والحسين ليطبق قوله تعالى: {أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} [آل عمران:61]، فدل على أنه اعتبر الحسن والحسين -مع أنهما من ذرية بنته فاطمة عليها السلام- من أبنائه، فهذا -أيضاً- يؤيد ذلك. والقائل بهذا الكلام الذي ذكرناه استدل بهذه الآية هنا، وهو ذكر عيسى عليه السلام في ذرية إبراهيم أو نوح، وهو لا يمت إليهما إلا من طريق الأم؛ لأنه لا أب له، وكذلك في آية المباهلة، حيث قال تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} [آل عمران:61]، فجمع الحسن والحسين بعد ما نزلت هذه الآية، إلا إذا قيل: إن من خصائصه عليه الصلاة والسلام أن أولاد بنته هم من ذريته. ولم يذكر إسماعيل عليه السلام مع إسحاق، كما هو ظاهر من الآية هنا، فإنه تعالى قال: ((وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ)) ولم يقل: وإسماعيل. وإنما ذكر إسماعيل بعد ذلك في قوله: ((وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا))، وإنما أخر ذكره لأن المقصود بالذكر هاهنا أنبياء بني إسرائيل، وهم بأسرهم أولاد إسحاق ويعقوب، وأما إسماعيل فلم يخرج من صلبه من الأنبياء إلا خاتمهم وأفضلهم صلى الله عليه وسلم، ولا يقتضي المقام ذكره صلى الله عليه وآله وسلم. وإبراهيم لما ترك قومه وما يعبدون إلى عبادة الله وحده رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا، ومنها إيتاؤه أولاداً أنبياء. واعلم أنه تعالى ذكر هنا ثمانية عشر نبياً من الأنبياء عليهم السلام من غير ترتيب، لا بحسب الزمان ولا بحسب الفضل؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، لكن هنا لطيفة في هذا الترتيب، وهي أن الله تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بنوع من الكرامة والفضل، فذكر أولاً نوحاً وإبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لأنهم أصول الأنبياء، وإليهم ترجع أنسابهم جميعاً. فذكر في أول السياق هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، أعني نوحاً وإبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لأن هؤلاء هم أصول الأنبياء، ولا شك في أن نوحاً أصل هذه الأصول كلها، وإبراهيم خرج منه هؤلاء الأنبياء، خاصة أنبياء بني إسرائيل؛ لأنهم الأكثرون، والسياق فيه الامتنان على إبراهيم بكثرة الأنبياء في ذريته، وهذا إنما أتى من إسحاق ويعقوب وذريتهما. ثم من المراتب المعتبرة بعد النبوة الملك والقدرة والسلطان، فبعد النبوة هناك مرتبة الملك والقدرة والسلطان، وقد أعطى الله داود وسليمان من ذلك حظاً وافراً، فلذلك قال تبارك وتعالى بعد ذلك: (وسليمان وأيوب) إلى آخره. ومن المراتب الصبر عند نزول البلاء والمحن والشدائد، وقد خص الله بهذه أيوب عليه السلام، ومن المراتب مرتبة الصبر على الشدة بجانب الملك والسلطان، واجتمعتا في يوسف عليه السلام، فإنه صبر على البلاء والشدة إلى أن آتاه الله ملك مصر مع النبوة. ثم من المراتب المعتبرة في تفضيل الأنبياء عليه السلام كثرة المعجزات، وقوة البراهين، وقد خص الله موسى وهارون من ذلك بالحظ الوافر. ثم من المراتب المعتبرة الزهد في الدنيا، والإعراض عنها، وقد خص الله بذلك زكريا ويحيى وعيسى وإلياس عليهم السلام، ولهذا السبب وصفهم بأنهم من الصالحين، ثم ذكر الله من بعد هؤلاء الأنبياء من لم يبق له أتباع ولا شريعة، وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط، فإذا اعتبرنا هذه اللطيفة على هذا الوجه كان هذا الترتيب من أحسن شيء يذكر، والله تعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه. وقد استدل بقوله تعالى: ((وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ)) من يرى أن الأنبياء أفضل من الملائكة؛ لأن العالم اسم لكل موجود من سوى الله تعالى، فيدخل فيه الملك، فاستدل بهذه الآية (وكلاً فضلنا على العالمين)، من قال بأن الأنبياء أفضل من الملائكة؛ لأن كلمة (العالمين) تشمل الملائكة. وقوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا) ذكر الله سبحانه وتعالى نعمة الهداية في سياق تعديد نعمه على إبراهيم عليه السلام بشرف أصوله وبشرف فروعه؛ لأن الولد لا يعد نعمة ما لم يكن مهدياً، فامتن عليه بذرية مهدية، أما إذا كانت الذرية غير مهدية فلا تعد نعمة، فأعظم النعمة أن تكون الذرية مهدية، فلذلك وصفهم بقوله: (كلاً هدينا).
تفسير قوله تعالى: (ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم)
تفسير قوله تعالى: (ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم) قال تعالى: {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام:87]. العطف على (كلاً) أو (نوحاً)، أي: كلاً منهم فضلنا، وفضلنا بعض آبائهم، أو هدينا من آبائهم ومن معهم للدين الخالص جماعات كثيرة. فالمفعول محذوف، يعني: ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم هدينا معهم جماعات كثيرة. وقوله: (واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط المستقيم) يعني: في الاعتقادات والأخلاق والأعمال، فجعلت لهم هذه الفضائل أيضاً، ولحقت بإبراهيم فازداد ارتفاع درجاته عليه السلام.
تفسير قوله تعالى: (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء)
تفسير قوله تعالى: (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء) قال تعالى: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:88]. قوله: (ذلك هدى الله) إشارة إلى الدين الذي كانوا عليه (يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا) يعني: لو أشرك هؤلاء الأفاضل من الأنبياء عليهم السلام مع عظمتهم (لحبط عنهم ما كانوا يعملون) يعني: من الأعمال المرضية. فالأنبياء لا شك في أنهم يعملون أعمالاً مرضية عظيمة جداً أكثر من أي امرىءٍ من البشر، ومع ذلك لو وقع منهم الشرك لحبطت أعمالهم المرضية، فكيف بمن عداهم ممن هم أقل منهم مرتبة إذا أشركوا بالله سبحانه وتعالى؟! وهذا -بلا شك- فيه تعظيم لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته، كقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65]. والسياق هنا سياق شرط، أي قوله تعالى: (لئن أشركت) وكذلك (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) فهل الشرط يقتضي جواز الوقوع؟ A لا، الشرط لا يقتضي جواز الوقوع، ومثال ذلك الشرط في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف:81]، فهل معنى ذلك أن هذا يقع بأن يكون للرحمن ولد؟ A لا، وإن كانت الآية فيها احتمالات كثيرة. وقوله: (قل إن كان للرحمن ولد) إن: نافية بمعنى (ما) مثل قوله تعالى: (إن هو إلا عبد) يعني: ما هو إلا عبد. فـ (إن) بمعنى (ما) النافية، فكذلك هنا، (قل إن كان للرحمن ولد) يعني: ما كان للرحمن ولد، (فأنا أول العابدين) لهذا الإله المنزه عن أن يكون له ولد. وهناك تفسير آخر في قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد)، وهو: إن كان لله ولد فأنا أول العابدين المستنكفين عن عبادة إله يحتاج إلى الولد. أو أن قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد) مجرد شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، وإنما الشرط لتبيين شيء معين، أو حكم معين، لكن لا يقتضي أن المشروط يقع بالفعل؛ لأن الأنبياء إذا كانوا معصومين من المعاصي فأولى بهم أن يعصموا من الشرك، فهذا لا يقع من الأنبياء قطعاً؛ لأن الله سبحانه وتعالى يعصمهم ويحفظهم من ذلك. فإذاً: المقصود هنا مجرد بيان خطورة الشرك، وتشنيع لأمره وتغليظ لشأنه تنفيراً منه، فالشرط لا يقتضي الوقوع، مثل قوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:17]. فالشرط لا يقتضي جواز وقوع هذا الفعل. وفي قوله تعالى: {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الزمر:4] شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، وكذلك في قوله هنا: ((وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) فهو شرط، وهو لا يقتضي جواز وقوعه.
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة)
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة) ثم قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام:89]. قوله: (أولئك)، إشارة إلى المذكورين من الأنبياء الثمانية عشر، والمعطوفين عليهم عطفوا لاستلطافهم بما ذكر من الهداية وغيرها. وقوله: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب)، الكتاب هنا اسم جنس، والكتب هي كثيرة، لكن هنا المقصود جنس الكتاب المتحقق في ضمن أي فرد كان من أفراد الكتب السماوية. وقوله: (آتيناهم الكتاب)، المقصود بالإيتاء: التفهيم التام لما فيه من الحقائق، والتمكين من الإحاطة بالجلائل والدقائق، وهذا أعم من أن يكون بالانزال ابتداءً أو يالإيغاث إسقاءً، فإن المذكورين لم ينزل على كل واحد منهم كتاب معين. وقوله: (آتيناهم الكتاب والحكم)، أي: الحكمة، أو فصل الأمر على ما يقتضيه الحق والصواب، (والنبوة)، أي: الرسالة، وقيل: (النبوة)، وإن كانت أعم إلا أن المراد بها ما يشمل الرسالة؛ لأن المذكورين رسل. ولا تعارض بين قولك: محمد نبي الله ومحمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن كلمة النبوة أعم، هذا هو السبب في عدم التعارض؛ لأن النبوة تشمل الرسل، وتشمل غير الرسل، فهي مرتبة أعم، لكن أخص منها مرتبة الرسالة، فلا تعارض، بل بينهما عموم وخصوص، لكن في تفسير هذه الآية إذا أردنا أن نفسر قوله تعالى: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة)، فنخص المعنى العام للنبوة بمعنى الرسالة؛ لأن المذكورين كلهم رسل، ولم يقتصروا على مرتبة النبوة. وقوله: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء)، الهاء في قوله: (بها) تعود إلى هؤلاء الثلاثة: الكتاب، والحكم، والنبوة، يعني: بهذه الثلاثة المذكورة. وقوله: (هؤلاء)، يعني: قريشاً، فإنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما أنزل عليه من القرآن كافرون لما يصدقه جميعاً، كما هو معروف أن الإيمان حقيقة كلية متركبة من أجزاء، وهذه الأجزاء لا ينفصل بعضها عن بعض، فإذا حبطت واحدة منها حبط جميع الإيمان، يعني: لو أن الإنسان آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولكنه كفر باليوم الآخر، والبعث والنشور فإن كل إيمانه يحبط، فيصح أن يوصف -مع أنه يصدِّق بالأنبياء ويصدق بالله- بأنه لا يؤمن باليوم الآخر، ولا يؤمن بالله، ولا بالملائكة، كما قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]. ونحن نعلم أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث وبالنشور، ويؤمنون باليوم الآخر، لكن أطلق عليهم أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر؛ لأنهم بكفرهم بمحمد عليه الصلاة والسلام، أو بعيسى -وهذا كان في حق اليهود- فقد كفروا بجميع الأنبياء، لو واحد مسلم آمن بجميع الأنبياء لكنه قال: إلا عيسى، أو إلا يونس، لصار كافراً متساوياً سواء بسواء مع إخوانه في الكفر، فيحبط كل إيمانه، ولو آمن بكل الملائكة ما عدا جبريل فإنه أيضاً يحبط كل إيمانه، ويسمى كافراً خارجاً من ملة التوحيد. فمن ثمَّ قال تعالى: (فإن يكفر بها هؤلاء) يعني: المشركين من قريش (فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين)، يعني: وفقنا للإيمان بها (قوماً ليسوا بها بكافرين)، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المذكورون وأتباعهم، أو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الأظهر؛ لأنه إذا قلنا: ((فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ))، وهذا يصلح أن يكون في مقابلة كفار قريش لأصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه، فإن في إيمانهم غنية عن إيمان الكفرة بها. ولا شك أن في التكنية عن توفيقهم للإيمان بها بالتوكيل إيذان بفخامتها وعلوها، وأنه مما ينبغي أن يقدر قدرها، قياماً بحق الوكالة. قال الرازي: دلت هذه الآية على أن الله تعالى سينصر نبيه صلى الله عليه وسلم، ويقوي دينه، ويجعله مستعلياً على كل من عاداه، قاهراً لكل من نازعه، وقد وقع هذا الذي أخبر الله تعالى عنه في هذا الموضع، فكان جارياً مجرى الإخبار عن الغيب فيكون معجزاً.
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده)
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام:90]. قوله: (أولئك) إشارة إلى الأنبياء المذكورين. قوله: (الذين هدى الله) أي: إلى الصراط المستقيم. قوله: (فبهداهم اقتده) أي: بطريقتهم، وهي بالإيمان بالله، وتوحيده، والأخلاق الحميدة، والأفعال المرضية، والصفات الرفيعة، ونحو ذلك. واستدل بهذه الآية من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ. أي أن الأصل هو أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأن قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) أي: اقتد بهداهم. ولذلك لما سئل بعض العلماء عن دليل من القرآن الكريم عن وجوب إعفاء اللحية استدل بهذه الآية التي في سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) أي: هؤلاء الأنبياء المذكورون، ووجه الاستدلال أن موسى عليه السلام لما رجع إلى قومه ووجدهم قد اتخذوا العجل أخذ برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون عليه السلام: {يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي} [طه:94] ومعنى ذلك أنه كانت له لحية عظيمة بحيث أنها تمسك، ولم تكن مثل اللحية المجوسية التي تكون مقصوصة بحيث لا تمسك؛ لأن هذه هي سنة المجوس، فالمجوس كانوا يقصونها، وهناك فرق بين القص وبين الحلق، فالحلق استئصال، أما القص فتكون فيه اللحية موجودة. فمن قصَّر لحيته إلى حد الحلق فلا يعتبر قد خالف المشركين؛ لأن المجوس كانوا يتركونها بحيث تكون قريبة جداً إلى الحلق. والشاهد من الكلام أن الأمر للقدوة أمر لأتباعه، كقوله تعالى: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ} [الطلاق:1]، فهذا الأمر موجه للرسول عليه الصلاة والسلام، لكن المقصود به هو وأتباعه، فأمر القدوة أمر لأتباعه، فإذا أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بهؤلاء الأنبياء ومنهم هارون الذي كان ذا لحية طويلة فهو أمر لنا؛ لأننا مأمورون -أيضاً- بالاقتداء بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم. لكن قد يعكر على هذا الاستدلال أنه يفتقر إلى دليل يدل على أن هارون أتى بها على سبيل الوجوب، وهذا الاستدلال من لطائف الاستدلال. واستدل بها ابن عباس رضي الله عنهما على استحباب السجدة في سورة (ص)؛ لأن داود عليه السلام سجدها، رواه البخاري وغيره، ولفظ البخاري عن العوامي قال: سألت مجاهداً عن سجدة (ص) فقال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟! يعني: أين دليلك على سجودك؟! قال: أو ما تقرأ (ومن ذريته داود وسليمان) إلى قوله: (أولئك الذين هدى الله فبداهم اقتده)؟! فكان داود ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به، فسجدها داود عليه السلام، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني: اقتداءً بداود؛ لأنه أمر بالاقتداء به. واحتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتقريره أن خصال الكمال وصفات الشرف كانت مفرقة فيهم بأجمعهم، وقد تنوعت الكمالات التي اتصف بها الأنبياء، سواء في الصبر على البلاء، والشدة، والبأس، والملك، والسلطان، ونحو ذلك، فكانت هذه الخصال مفرقة في الأنبياء عليهم السلام، فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة، كما قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} [سبأ:13]. وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء، ويوسف كان مستجمعاً لهاتين الحالتين، وموسى عليه السلام كان صاحب الشريعة القوية القاهرة والمعجزات الظاهرة، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كانوا أصحاب الزهد، وإسماعيل كان صاحب الصدق، ويونس كان صاحب التضرع، فثبت أنه تعالى إنما ذكر كل واحد من هؤلاء الأنبياء لأن الغالب عليه خصلة معينة من خصال المدح والشرف، ثم إنه تعالى لما ذكر الكل أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم بأسرهم، فقال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90]، فأُمر نبينا عليه الصلاة والسلام أن يقتدي بهم في كل خصال الفضائل والكمالات التي تحلو بها، فكأنه أمر بأن يجمع من خصال العبودية والطاعة كل الصفات التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم، وهو معصوم عن مخالفة ما أمر به، فإذا أمر الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام بأمر فإن النبي لا يتصور أبداً أنه يخالف أمر الله عز وجل؛ لأنه معصوم عن مخالفة ما أمره الله به، ومعنى ذلك أنه بالفعل امتثل هذا الأمر، واجتمع فيه جميع ما تفرق فيهم من الكمال، فثبت بذلك أنه أفضلهم، ولا شك في أن هذا استنباط حسن. وقوله: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) هذه الهاء تسمى هاء السكت، ويقرأ بسكون الهاء وإثباتها في الوقف دون الوصل، وهي على هذا هاء السكت، ومن العلماء من يثبتها في الوصل أيضاً لشبهها بهاء الضمير، ومنهم من يكسرها، وفيه وجهان: أحدهما: أنها هاء السكت أيضاً، شبهت بهاء الضمير، وليس بشيء، والثاني: أنها هاء الضمير، والمضمر المصدر، أي: اقتد الاقتداء. وقوله: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الشورى:23] الهاء في قوله: (عليه) المقصود بها القرآن، أو المقصود بها التبليغ، فإن مساق الكلام يدل عليهما وإن لم يجر ذكرهما. وقوله: ((إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ)) (إن هو) أي: البلاغ، أو أن المقصود به القرآن، ولذلك قلنا: إن السياق يشير إلى أن قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه) يعني البلاغ أو القرآن الكريم، وقوله: (إن هو إلا ذكرى للعالمين) أي: عظة وتذكير لهم؛ ليرشدوا من العمى إلى الهدى. وفي هذه الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى جميع الخلق من الجن والإنس، وأن دعوته قد عمت جميع الخلائق، فقوله: (إن هو إلا ذكرى للعالمين) أي: لجميع العالمين، وجميع الخلائق الجن والإنس، رغم أنف هؤلاء الذين يحاولون أن يزعموا أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم قاصرة على العرب. وهناك برنامج في الإنترنت قال عنه بعض الإخوة: إن موسوعةً عن الإسلام موجودة فيه باللغة الإنجليزية، فاطلعت على أشياء منها عن طريق ورق مكتوب فرأيت من ضمن الأشياء أن واحداً من الخبثاء تكلم عن كلمة القرآن، وشرح قوله تعالى: (إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون)، فأشار إلى أن القرآن نزل باللغة العربية حتى يعقلها العرب، ثم قال: إن القرآن نزل على الشعوب العربية، ومضى في الكلام كأنه يمدح الإسلام! ولا شك في أن هذا معنىً خطير؛ لأنه حصر الإسلام في العرب، وهذا من المقطوع ببطلانه، وهو من البديهيات المعروفة في دين الإسلام.
حكم أخذ الأجرة على التعليم وتبليغ الدعوة
حكم أخذ الأجرة على التعليم وتبليغ الدعوة قيل: إن الآية تدل على أنه يحل أخذ الأجر للتعليم وتبليغ الأحكام، وللفقهاء في هذه المسألة كلام، فقوله تعالى: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ)) قال فيه بعض المفسرين: في هذه الآية إشارة إلى أنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم العلوم؛ لأن ذلك جرى مجرى تبليغ الرسالة. وعلى كل الأحوال فالآية تدل على نفي سؤاله صلى الله عليه وسلم منهم أجراً كي لا يشق عليهم الامتثال، أما استفادة الحل والتحريم من الآية ففيه خفاء، فالقائل بالإباحة يقول: المعنى: لا أسئلكم جعلاً تعففاً. يعني: وإن حل لي أخذه فأنا أتعفف عن أخذه. فيقول: إن الآية تدل على إباحة أخذ الجعل. والقائل بالتحريم يستدل بالآية على تحريم أخذ الأجرة على التعليم، وقال في قوله تعالى: (لا أسألكم عليه أجراً) أي: لأنه حرم عليَّ ذلك. قال ابن القيم: وأما الهدية للمفتي ففيها تفصيل: فإن كانت بغير سبب الفتوى، كمن عادته أنه يهاديه، أو مَنْ لا يَعرِفُ أنه مفتٍ فلا بأس بقبولها، والأولى أن يكافأ عليها، وإن كانت بسبب الفتوى فإن كانت سبباً إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره ممن لا يهدي له لم يجز له قبول هديته؛ لأنها تجزل المعاوضة عن الإفتاء. وأما أخذ الرزق من بيت المال فإن كان محتاجاً إليه جاز له ذلك، وإن كان غنياً عنه ففيه وجهان. فطلب الأجرة لا يجوز؛ لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله، فلا يجوز المعاوضة عليه، كما لو قال: لا أعلمك الإسلام والوضوء والصلاة إلا بأجرة. أو سئل عن حلال وحرام فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا بأجرة. فهذا حرام قطعاً، ويلزمه رد العوض، ولا يملكه، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (اقرءوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به). وقال أيضاً: (من قرأ القرآن فليسأل الله تبارك وتعالى به، فإنه سيجيء قوم يقرءون القرآن يسألون الناس به). وعن أبي بن كعب قال: (علمت رجلاً القرآن فأهدى لي قوساً، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: إن أخذتها أخذت قوساً من نار). وهناك أحاديث أخر، وبها استدل على حظر أخذ الأجرة على التعليم، وأما أخذ الأجرة على التلاوة ففي الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه في قصة اللديغ قال صلى الله عليه وسلم: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله، اقتسموا، واضربوا لي معكم سهماً)، وكان هذا الأجر على الرقية. والشوكاني يقول: قوله: (أحق ما أخذتم عليه أجراً) عام يصدق على التلاوة في الرقية أو التعليم، وأخذ الأجرة على التلاوة لمن طلب من القارئ ذلك، وأخذ الأجرة على الرقية، وأخذ ما يدفع إلى القارئ من العطاء لأجل كونه قارئاً، ونحو ذلك، فيخص من هذا العموم تعليم المكلف، ويبقى ما عداه داخلاً تحت العموم. والموضوع كبير، وفيه اختلاف كبير بين العلماء، وليست غايتنا أن نحقق هذه المسألة، ولها موضع آخر في أحكام الإجارة.
تفسير قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره)
تفسير قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره) قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام:91]. ولما بين تبارك وتعالى شأن القرآن العظيم، وأنه نعمة كبرى على العالمين أتبعه ببيان كفرهم بذلك على وجهٍ سرى إلى الكفر بجميع الكتب المنزلة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام:89 - 90]، فبيَّن لهم النعمة الكبرى التي هي القرآن الكري بقوله: (إن هو إلا ذكرى للعالمين)، ومع ذلك كفروا به، فقال عز وجل: ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا)) لما جاءتهم نعمة القرآن والوحي (مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ). قوله: (وما قدروا حق قدره) يعني: ما عظموه حق تعظيمه. وكلمة (حق) في قوله تعالى: (حق قدره)، منصوبة على المصدرية؛ لأن أصلها (وما قدروا الله قدره الحق)، فلما أضيف إلى موصوفه انتصب على ما كان ينتصب عليه موصوفه. وقوله: (إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء) يعني: حين اجترءوا على التفوه بهذه الجملة الشنعاء، إذ طاوعتهم قلوبهم أن يقولوا هذه الكلمة، يعني أن قول هذه الكلمة يعكس أنهم ما قدروا الله وما عظموا الله حق تعظيمه تبارك وتعالى، وذلك منهم مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم لا ينفون نزول القرآن على الرسول عليه السلام فقط، وإنما ينفون أصل إرسال الكتب من الله سبحانه وتعالى إلى جميع الأنبياء مبالغة في نفي الرسالة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فألزموا بما لا سبيل لهم إلى إنكاره أصلاً، حيث قيل في جواب سلبهم العام لإثبات قضية جزئية بديهية التسليم: ((قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ)) أي: ضياءً من ظلمة الجهالة وبياناً يفرق بين الحق والباطل ((تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا)) أي أنهم كانوا يجزئونه أوراقاً يبدونها للناس مما ينتخبونه، فكيف ينكر إنزال شيء وهذا المنزل المذكور ظاهر للعيان موجود في قراطيس؟! أي: في أوراق مكتوبة. وعدل عن التوراة إلى ذكر الكتاب وصفته فقال: (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى) ولم يقل: قل: من أنزل التوراة. ثم مدح الكتاب بقوله: (نوراً وهدى للناس) فكل هذا لزيادة التقريع، وتشديد التبكيت، وإلقام الحجر. وقوله تعالى: (وتخفون كثيراً) أي: تبدونها وتخفون. أي أن قوله تعالى: (تخفون) معطوف على (تبدونها) والعائد محذوف، فقوله: (وتخفون كثيراً) أي: كثيراً منها. ومع ذلك فالإلزام يكفي بما يبدونه، وبالمعترف لديهم بأحقيته، وفيه نعي على أهل الكتاب لسوء صنيعهم المذكور؛ إذ ما يريدون بإخفاء كثير منها إلا تبديل الدين. وقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} [الأنعام:91] يعني أهل الكتاب، (وعلمتم) يعني: على لسان محمدٍ صلى الله عليه وسلم (ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) يعني: من المعارف التي لا يرتاب في أنها تنزيل رباني، ومن الذي أنزل هذا؟ (قل الله) أي: أنزله الله. أو: الله أنزله. وأمره بأن يجيب عنهم إشعاراً بأن الجواب متعين لا يمكن غيره، يعني أنه يسألهم السؤال ثم يجيب، إشارة إلى أن الجواب متعين، ولا يحتمل أن يكون هناك جواب غير هذا الجواب، وتنبيهاً على أنهم بهتوا، بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب، فتولى هو الجواب فقال: (قل الله) يعني: هو الذي أنزل هذا الكتاب. وقوله: (ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) أي: بعد التبليغ وبعد إلزامهم الحجة (ذرهم) أي: اتركهم (في خوضهم) أي: باطلهم (يلعبون) أي: يفعلون فعل اللاعب، وهو ما لا يجر لهم نفعاً ولا يدفع عنهم ضرراً، مع تضييع الزمان، وهذا هو حال اللاعب، فهذا حال هؤلاء الذين كفروا بالقرآن الكريم، وهو أنهم يفعلون فعل اللاعب، واللعب لا يجر للإنسان نفعاً ولا يدفع عنه ضرراً، بجانب أنه يضيع عليه الوقت والزمان. وهذه الآية فيها قولان: القول الأول: أنها مكية النزول تبعاً للسورة؛ لأن سورة الأنعام مكية، وأن القائل: (ما أنزل الله على بشر من شيء) هم المشركون، وإلزامهم بإنزال التوراة لأنها كانت عندهم من المشاهير الذائعة، فألزمهم بإنزال التوراة؛ لأنهم كانوا ينظرون إلى اليهود على أنهم أعلم منهم، وأنهم أهل كتاب، وكانوا يعرفون بالتوراة، هذا هو الظاهر. وقال ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير: هذه الآية نزلت في قريش. قال ابن كثير: وهو الأصح. وهذا اختيار الإمام ابن جرير؛ لأن اليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، ولأن اليهود ما قالوا: (ما أنزل الله على بشر من شيء) وأما كفار قريش فكانوا ينكرون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من البشر، كما قال تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} [يونس:2]، وقال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء:94]، وكذلك قالوا هنا: (ما أنزل الله على بشر من شيء). إذاً: يكون المقصود بها كفار قريش لا أهل الكتاب. فألزموا بإنزال الكتاب الذي جاء به موسى، وهو التوراة التي علموا هم وكل أحد أن الله أنزلها على موسى تكذيباً لقولهم وإيقافاً على عنادهم، ومعلوم ما كان بين قريش ويهود المدينة من التعارف، وتسليم قريش بأنهم أهل كتاب، وأنهم أعلم منهم لأجل هذا الكتاب، مما يوجب اعترافهم بأحقية التوراة، وأنها منزلة من لدنه تعالى. القول الثاني: أن هذه الآية مدنية النزول، ولا يرد أن هذه السورة مكية، فلا إشكال في أن تكون السورة مكية في العموم، لكن يكون فيها بعض الآيات مدنية؛ لأن مناظرات اليهود إنما جرت في المدينة النبوية، ولأن كثيراً من السور المكية ألحقت بها آيات مدنية، وحينئذ فقولهم: هذه السورة مكية يعني أنها سورة مكية إلا ما استثني مما ألحق بها. والقائلون بأنها مدنية قالوا: نزلت في طائفة من اليهود، أو في فنحاص أو في مالك بن الصيف. وذكر المفسرون لكلٍ من هذه الأقوال قصصاً تؤيد قولهم. وقال أبو السعود رحمه الله تعالى: ليس المراد بالآية مجرد إلزامهم بالاعتراف بإنزال التوراة فقط -أي: في قوله تعالى: (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى) - بل إلزامهم بإنزال القرآن أيضاً، فإن الاعتراف بإنزالها مستلزم للاعتراف بإنزاله قطعاً؛ لأن التوراة تشهد للقرآن الكريم، ولأن التوراة فيها أدلة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: (تجعلونه قراطيس) يعني: تضعونه في قراطيس مقطعة، وورقات مفرقة. فقوله تعالى: (تجعلونه قراطيس) يعني: تجعلونه في قراطيس، وحذف حرف الجر بناءً على تشبيه القراطيس بالظرف المبهم، أو: تجعلونه نفس القراطيس المقطعة، وفيه زيادة توبيخ لهم بسوء صنيعهم، كأنهم أخرجوه من جنس الكتاب ونزلوه منزلة القراطيس الخالية عن الكتابة، يعني أنهم يجعلونه قراطيس لكي يظهروا البعض ويكتموا البعض الآخر. وقوله تعالى: (تبدونها ويخفون كثيراً) يعني: يبدونها ويخفون، دلالة على أنه لا يجوز كتم العلم الديني عمن يهتدي به.
تفسير قوله تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه)
تفسير قوله تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه) قال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام:92]. ولما أبطل كلمتهم الشنعاء بتقرير إنزال التوراة بين تنزيل ما يصدقها بقوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ). قوله: (وهذا كتاب) يعني: هذا القرآن. وقوله: (أنزلناه مبارك) يعني: كثير المنافع والفوائد؛ لاشتماله على منافع الدارين، وعلوم الأولين والآخرين، وما لا يتناهى من الفوائد. قال الرازي: العلوم إما نظرية وإما عملية، فالأولى أشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه، ولا ترى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجدوه في هذا الكتاب، وأما الثانية التي هي العملية فالمطلوب إما أعمال الجوارح وإما أعمال القلوب، وهو المسمى بتهذيب الأخلاق وتزكية النفس، ولا تجد هذين العلمين مثلما تجده في هذا الكتاب. ثم جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عن هذا القرآن الكريم والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وسعادة الآخرة، وقد شوهد هذا في كل عصر، فإن الله سبحانه وتعالى يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع آخرين. وقوله: (مصدق الذي بين يديه) يعني: من التوراة. أو: من الكتب التي أنزلت قبله. وفيه إثبات التوحيد موافقاً لها، فالأمر بالتوحيد في نفي الشرك وفي النهي عن الشرك موجود في سائر أصول الشرائع التي لا يطرأ عليها النسخ. قوله: (ولتنذر أم القرى ومن حولها) أم القرى هي مكة، سميت بذلك لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى كلهم ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأناً وغيرها كالتبع لها كما يتبع الفرع الأصل. وفي ذكرها بهذا الاسم المنبئ عما ذكر إشعار بأن إنذار أهلها مستلزم لإنذار أهل الأرض كافة، وإنذار أهلها يلزم منه إنذار كل القرى والمدن والبلاد في أرجاء الأرض وما حولها، أي: من أطراف الأرض شرقاً وغرباً، كما قال تعالى: {لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام:19]، وقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف:158]، وقال أيضاً: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]، وقال تعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران:20]، وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي -وذكر منهن- وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة). ثم قال تعالى: ((وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)) فمن صدَّق بالآخرة خاف العاقبة، وما يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر حتى يؤمن بالنبي والكتاب. وقوله: (والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به) يعني: بالنبي أو بالقرآن، ويحافظون على الصلاة، وخصص الصلاة لكونها أشرف العبادات بعد الإيمان وأعظمها قدراً؛ ولأن من حافظ على الصلاة فهو لما سواها أحفظ، فلذلك اقتصر على ذكر الصلاة فقال: (وهم على صلاتهم يحافظون). ولذلك لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143] والمقصود به الصلاة، ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر) وفي هذا نظر؛ لأن الكفر قد أطلق على غير ترك الصلاة من المعاصي.
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي)
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي) قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام:93]. قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام:93] أي: اختلق إفكاً فجعل له شركاء أو ولداً، أو افترى أحكاماً في الحل والحرمة، كـ عمرو بن لحي وأشباهه ممن ينطبق عليهم قول الله: {أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} [الأنعام:93] وممن ادعى النبوة كذباً، وهذا يزيد على الافتراء في دعوى النبوة، وهذا تهديد على سبيل الإجمال، كعادة القرآن، فإنه يدخل فيه كل من اتصف بشيء من ذلك. وقوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء) يعني: لا أحد أظلم من هؤلاء، (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) يعني من ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي، بما يفتريه من القول، كـ النضر بن الحارث، وهذا كقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} [الأنفال:31]. فقوله: {وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ} [الأنعام:93] يعني من ينكر إعجاز القرآن الكري، حتى قال: (سأنزل مثلما أنزل الله) مع أنه قد عرف إعجازه، فكأنه ادعى لنفسه قدرة الله، وكأنه -أيضاً- ادعى الإلهية لنفسه؛ لأن القرآن لا يقدر على أن يأتي به على هذه الصورة المعجزة إلا الله سبحانه وتعالى، فمن قال: سأنزل مثلما أنزل الله فكأنه يدعي أنه قادر على ما لا يقدر عليه إلا الله من هذه المعجزة الظاهرة، وكأنه يسوي قدرته بقدرة الله، ويلزم من ذلك أنه يدعي الإلهية لنفسه، ولا يجترئ على هذه الوجوه من الظلم من يؤمن بالآخرة، فيعلم ما للظالمين فيها المبَيَّن في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} [الأنعام:93] يعني أصحاب هذه الأقوال وهذه الأفعال المذكورة في أول الآية بقوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الكذب أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) فإنه لا أحد أظلم من هؤلاء، وهؤلاء هم الظالمون؛ لأن الإنسان الذي عنده إيمان بالآخرة وخوف من العاقبة والآخرة وما أعد الله للظالمين فيها لا يجترئ على أن يأتي بشيء من هذه الأشياء المشار إليها في الآية، فمن ثمَّ استطردت الآية في ذكر أحوال الظالمين في الآخرة، باعتبار أن هؤلاء أظلم الظالمين. يقول تعالى: (ولو ترى) أي: انظر إلى أحوالهم: (وَلَو تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ) قوله تعالى: (في غمرات الموت) أي: في شدائده وسكراته وكرباته (والملائكة باسطوا أيدهم) أي: بالضرب والعذاب. وهذا كقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال:50]. وقوله: ((أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ)) أي: قائلين لهم: أخرجوا إلينا أرواحكم من أجسادكم. تغليظاً وتوبيخاً وتعنيفاً لهم، والظاهر أنه لا يمكن أن يكون في ذلك مجاز، وإنما هو حقيقة، وأن هذا يحصل حقيقة مع الكفار عند احتضارهم على الصورة المحكية، ومتى ما أمكن حمله على الحقيقة فلا نعدل عنه إلى المجاز. قال الحافظ ابن كثير: إن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصي وتأبى الخروج، وروحه تهرب خوفاً من الملائكة، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم وهم يخرجون: (أخرجوا أنفسكم) ومما يؤيد الحقيقة ويبعد المجاز قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال:50] فإن الحقيقة صريحة في قوله: (ولو ترى) وقوله: (يضربون)، ومراعاة النظائر القرآنية أعظم ما يفيد في باب التأويل. قال السيوطي في (الإكليل): في هذه الآية بيان حال الكافر عند القبر وعذاب القبر، واستدل بها محمد بن قيس على أن لملك الموت أعواناً من الملائكة. لأنه هنا ذكر مجموعة من الملائكة وليس ملكاً واحداً. يقول تعالى: {أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} قوله: (اليوم) يعني وقت الإهانة، أو الوقت الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له، أي: من الآن فصاعداً، فمن وقت الإهانة لكم عذاب دائم لا ينقطع. وقوله: (تجزون عذاب الهون) أي: الهوان الشديد (بما) أي: بسبب (بما كنتم تقولون على الله غير الحق) كالتحريف، وكدعوى النبوة الكاذبة، وهو جرأة على الله متضمنة للاستهانة به سبحانه وتعالى (وكنتم عن آياته تستكبرون) حتى قال بعضكم: (سأنزل مثل ما أنزل الله).
تفسير قوله تعالى: (ولقد جئتمونا فرادى)
تفسير قوله تعالى: (ولقد جئتمونا فرادى) قال تعالى في آخر هذا الربع: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام:94]. قوله تعالى: (ولقد جئتمونا) أي: جئتمونا للحساب والجزاء (فرادى) أي: منفردين عن الأموال والأولاد وما آثرتموه من الدنيا، أو: (فرادى) ليس معكم أعوان ولا أوثان ممن زعمتم أنهم شفعاء، و (فرادى) جمع فريد، كأسير وأسارى. وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حفاةً عراة غرلاً ((كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)) [الأنبياء:104]) أخرجه الشيخان. ورويا -أيضاً- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تحشرون حفاة عراةً غرلاً. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك). وروى الطبري بسنده عن عائشة (أنها قرأت قول الله عز وجل: ((وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)) فقالت: يا رسول الله! واسوأتاه! الرجال والنساء يحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوءة بعض! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال، شُغِلَ بعضهم عن بعض). وقوله: ((وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ)) يعني: ما تفضلنا به عليكم في الدنيا، فشغلتم به عن الآخرة من الأموال والأولاد والخدم وغير ذلك، فتركتم ما خولناكم من النعم (وراء ظهوركم) يعني: في الدنيا، ولم تحملوا منه نقيراً. وفي هذا إشارة إلى أنهم لم يصرفوه إلى ما يفيدهم في الآخرة، بل انشغلوا به عن الآخرة، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟!)، وزاد في رواية: (وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس). ثم قال تعالى: ((وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ)) يعني: شركاء لله في الربوبية واستحقاق العبادة، ((لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ))، وفي قراءة أخرى بالرفع (لقد تقطع بينُكم)، أي: شملكم. فإن البين من الأضداد، فيستعمل للوصل ويستعمل للفصل، أي: تقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات. وقوله: ((وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ)) أي: ذهب عنكم ما زعمتم من رجاء الأنداد والأصنام. وهذا كقوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة:166 - 167]، وقال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:101]، وقال عن إبراهيم عليه السلام مخاطباً قومه: {إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بينكم فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [العنكبوت:25]، والآيات في هذا كثيرة جداً. سبحانك -اللهم- ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.
الأنعام [95 - 101]
تفسير سورة الأنعام [95 - 101]
تفسير قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى)
تفسير قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى) قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام:95]. قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى) هذا شروع في ذكر بعض مبدعاته الدالة على كمال قدرته وعلمه وحكمته، وفي هذا تقرير شأن توحيده تبارك وتعالى، وقد بين الله عز وجل وقرر في الآيات السابقة التوحيد، وحاجَّ القرآن الكريم المشركين، ودحضهم، وأبطل شبهاتهم، وشرع الله عز وجل هنا في بيان بعض المبدعات، وما استبعدوه من المخلوقات الدالة على كمال قدرته وعلمه وحكمته، وذلك للتنبيه على أن المقصود الأعظم هو معرفته سبحانه وتعالى بجميع صفاته وأفعاله، وأنه مبدع الأشياء وخالقها، ومن كان كذلك كان هو المستحق للعبادة، لا هذه الأصنام التي كانوا يعبدونها، وفي هذا التعريف بخطئهم في الإشراك الذي كانوا عليه. والمعنى أن الذي يستحق العبادة دون غيره هو الذي فعل كذا وكذا وكذا مما سيأتي من الآن فصاعداً، فالذي يستحق العبادة دون غيره هو الذي فلق الحب عن النبات، وخلق من النواة النخلة. وفي معنى قوله تعالى تبارك وتعالى: (إن الله فالق الحب والنوى) قولان: أحدهما: أن (فالق) بمعنى (خالق) والثاني: أن الفلق هو الشق. أما القول الأول في (فالق): فهو أنه بمعنى (خالق) أي: إن الله خالق الحب والنوى. وهذا قول ابن عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال الضحاك ومقاتل، قال الواحدي: ذهبوا بـ (فالق) مذهب (ثاقب)، يعني: خالق. وأنكر الطبري هذا، وقال: لا يعرف في كلام العرب (فلق الله الشيء) بمعنى (خلق)، ونقل الأزهري عن الزجاج جوازه، يعني: جواز أن يعبر عن (خلق) بـ (فلق)، وكذا المجد في القاموس. قال الرازي: الفطح هو الشق، وكذلك الفلق، فالشيء قبل أن يدخل في الوجود كان معدوماً محضاً ونفياً صرفاً، والعقل يتصور من العدم ظلمةً متصلة لا انفراج فيها ولا انفلاق ولا انشقاق، فإذا أخرجه المبدع الموجد من العدم إلى الوجود، فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم وفلقه -يعني: أوجده- وأخرج ذلك المحدث من ذلك الشق، فبهذا التأويل لا يزعم حمل الفالق على الموجد والمبدع. فهنا الرازي يذكر وجه التعبير عن (خلق) بـ (فلق)، أو عن (خالق) بـ (فالق): فهذا هو وجه القول الأول، وهو أن (فالق الحب والنوى) بمعنى: خالق الحب والنوى. أما القول الثاني -وهو قول الأكثرين- فهو أن (فالق) بمعنى الشاق الذي يشق الحب والنوى. وكون الفلق هو الشق في معناه وجهان: أحدهما مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: فلق الحبة عن السنبلة، والنواة عن النخلة. وهو قول الحسن والسدي وابن زيد، قال الزجاج: يشق الحبة اليابسة والنواة اليابسة فيخرج منها ورقاً أخضر. أما الوجه الثاني فهو أن الفلق هنا بمعنى الشق الذي يوجد في الحب والنواة، كحبة الشعير -مثلاً-، حيث يوجد فلق ونوع من الشق في الحبة نفسها، وكذلك النواة كما في نواة التمر، فإنه يوجد فيها شق يقسم الحبة إلى اثنتين. لكن ضعف هذا الوجه الثاني بأنه لا دلالة فيه على كمال القدرة، أما الحب فهو ما ليس له نواة، كالحنطة والشعير والأرز، وأما النوى فهو جمع نواة، وهو الموجود في داخل الثمرة، مثل نوى التمر والخوخ وغيرهما. قال الرازي: إذا عرفت ذلك فنقول: إنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة، ثم مر به قدر من المدة أظهر الله تبارك وتعالى في تلك الحبة والنواة من أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً آخر، فالأول يخرج منه الشجر الصاعد إلى الهواء، والثاني يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض المسماة بعروق الشجرة، وهي التي نعبر عنها بالجذور، وتصير تلك الحبة والنواة سبباً لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة في الأرض. وذكر الإمام الرازي -كما نقل القاسمي - كلاماً بديعاً جداً في عجائب صنع الله سبحانه وتعالى في فلق الحب والنوى، والحقيقة أن الكلام في غاية الإبداع، وباختصار فإنه لا شك في أن من يدرس علم النبات فإنه يطلع على أسرار وعجائب عظيمة جداً في خلق الحب والنوى. ونلاحظ هنا أن الرازي هو كـ ابن القيم وكـ الغزالي وغيرهما من العلماء الذين اجتهدوا في محاولة إعمال العقل البشري في التدبر في آيات الله سبحانه وتعالى الكونية. وكلهم كانوا يتحدثون على مستوى الثقافة التي كانت في عصرهم، وهذا أقصى ما وصل إلى علم البشر في ذلك الوقت، ولا شك في أنه يوجد اليوم من مظاهر الإبداع وعلامات وآثار التوحيد في خلق الله سبحانه وتعالى في عالم النبات ما يبهر العقول. والكلام هنا هو عن طبيعة إحدى الشجرتين، فالتوجه إلى أسفل هو المقصود بالجذور، وطبيعة الشق الآخر التوجه إلى أعلى، وهو الذي يخرج منه الشجر، فواحدة منهما تقتضي الهوي إلى عمق الأرض، ومع ذلك تولدت منها الشجرة التي تصعد في الهواء، فالحس والعقل يشهد بكون طبيعة تلك مضادة للطبيعة الأخرى، لكن اجتمعتا، فعلمنا بذلك أنه ليس هذا مقتضى الطبع والخاصية، وإنما هو مقتضى الإيجاد والإبداع والتكوين والاختراع، فلو أنك بذرت بذرة فول أو نحوها فبقدرة الله سبحانه وتعالى تنمو الجذور من جهة معينة، فلو أن الحبة وضعت في الأرض مقلوبة بحيث يكون الجذر إلى أعلى فسنجد الحبة نفسها بقدرة الله عز وجل تعدل وضعها، بحيث يتجه الجذر إلى أسفل، والنبات يتجه إلى أعلى، والعجائب في هذا كثيرة جداً. ومن هذه العجائب التي أشار إليها أن باطن الأرض جرم كثيف صلب لا تنفذ الأسنة القوية فيه، فلو أنك أتيت بسكين حاد وحاولت أن تغوص به في داخل الأرض فإن لم تكن تربة لينة فستكون هناك مقاومة، وهذه الجذور بعضها في غاية دقتها ولطافتها ولينها، ولو أتيت بهذه الجذور أو الشعيرات الجذرية ودلكتها بيدك فإنها تصير مثل الماء، وتلين في يدك وتتمزق بمجرد ضغط الأصابع عليها، ومع أنها في غاية الدقة وفي غاية اللطافة تقوى بقدرة الله سبحانه وتعالى على النفوذ في الأرض الصلبة، والغوص في بواطن تلك الأجرام الكثيفة، فحصول هذه القوى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة التي هي في غاية اللطافة لابد من أن يكون بتقدير العزيز الحكيم سبحانه وتعالى. ومن سافر من مصر ماراً في الطريق البري فإنه يرى العجائب في سيناء، ويرى الجبال التي في سيناء وفيها عجائب مذهلة من عجائب قدرة الله سبحانه وتعالى. وهكذا ترى النخيل صنوان وغير صنوان خارجاً من أعماق صخر عتيد في غاية الصلابة والقوة، وفي تلك الصخور العاتية تجد النخل قد نبت من هذه الصخور، فما يكون ذلك إلا بقدرة الله عز وجل. ومن هذه العجائب أنه يتولد من تلك النواة شجرة، وهذه الشجرة يحصل فيها طبائع مختلفة، فإن قشر الخشبة له طبيعة خاصة، وفي داخل ذلك القشر الخشبة، وفي وسط تلك الخشبة جسم رخو ضعيف يشبه العهن المنفوش، ثم يتولد من جسم الشجرة أغصانها، ويتولد من الأغصان الأوراق أولاً، ثم الأزهار والأنوار -جمع نَورة، وهي البراعم- ثانياً، ثم الفاكهة ثالثاً، ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشر، مثل الجوز، فالجوزة من الخارج يكون فيها قشرة خضراء، لكن هذه لا تراها؛ لأنك تتعامل مع الطبقة التي تليها، والذين يبيعونه يأخذون هذا القشر، فالأول طبقة تتكون من هذه القشرة الخضراء، وبعد ذلك يكون القشر الذي نراه نحن وهو الذي يشبه الخشب، ثم تحت القشرة ذلك الخصل الذي هو كالغشاء الرقيق المحيط باللب، وتحته ذلك اللب، ثم ذلك اللب مشتمل على جرم كثيف، وهو أيضاً كالقشر، وهذا الجرم اللطيف هو الدهن، وهو المقصود الأصلي، فتولد هذه الأجسام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وأشكالها وطعومها يدل على أنها نفسها تتعرض لمؤثرات واحدة في تربة واحدة متجانسة، وتسقى من ماء واحد، والشمس واحدة، وهكذا العوامل التي تؤثر عليها واحدة، ومع ذلك بقدرة الله عز وجل يخرج منها هذه الأنواع التي لا حصر لها من خلق الله سبحانه وتعالى من أنواع الفواكه التي تذهل العقول إذا تدبرت وتفكرت ملياً في عظم قدرة الله سبحانه وتعالى فيها، فهذا التنوع كله من ماء واحد، وتربة واحدة، وعوامل محيطة واحدة، ومع ذلك يخرج هذا حلواً وهذا حامضاً مختلفاً ومتفاوتاً، والنوع الواحد يتفرع إلى أنواع، كالتمر مثلاً، كل ذلك يدل على تدبير الحكيم الرحيم المختار القادر لا تدبير العناصر والطبائع. وكذلك نجد أحوال الفواكه مختلفة، وبعضها يكون اللب في الداخل والقشر في الخارج كما في الجوز واللوز، وبعضها تكون الفاكهة المطلوبة منه في الخارج وتكون النواة في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضها تكون النواة فيه لها لب، كما في نوى المشمش والخوخ، وبعضها لا لب له، كما في نوى التمر، وبعض الفواكه لا يكون له من الداخل والخارج قشر، بل يكون كله مطلوباً في الداخل والخارج، مثل التين، فهذه أحوال مختلفة في هذه الفواكه. وأيضاً الحبوب مختلفة في الأشكال والصور، فشكل الحنطة كأنه نصف دائرة، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما، وشكل العدس كأنه دائرة، وشكل الحمص على وجه آخر. فهذه الأشكال المختلفة لابد من أن تكون لأسرار وحكم، وقد علم الخالق أن تركيبها لا يكمل إلا على ذلك الشكل، وبعض الحبوب يكون لها خاصية، والأخرى تكون لها خواص ومنافع أخرى، وقد تكون ثمرة واحدة غذاءً لحيوان وسماً لحيوان آخر، فهذا كله يدل على توحيد الله سبحانه وتعالى وقدرته عز وجل. وإذا أخذت ورقةً واحدة من ورق الشجر تجد خطاً واحداً مستقيماً في وسطها، ثم ينفصل إلى يمنةً ويسرةً، وإلى شعب أخرى لا تزال تزداد حتى تخرج عن الإدراك بسبب ذلك الصغر، حتى لا تكاد تُرى، والخالق تعالى إنما فعل ذلك لتقوى القوى المركوزة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة، حتى إ
قدرة الله تعالى في إخراج الحي من الميت والميت من الحي
قدرة الله تعالى في إخراج الحي من الميت والميت من الحي يقول عز وجل: ((يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ)) فأنت ترى البيضة التي هي تعتبر أكبر خلية نواة والمادة الحيوانية -البروتوبلازم- حولها، ولو فتحت البيضة تجد أن الذي فيها ميت، ثم بقدرة الله عز وجل يخرج منها هذا المخلوق الحي بكل ما فيه من إبداع خلق الله سبحانه وتعالى، فمن الذي فعل هذا؟! وهل يقوى جميع علماء الكرة الأرضية بأمريكا وبالغرب وبالشرق بكل ما معهم من قوى وعلم على فعل ذلك؟! وهل يقدرون -لا نقول: على خلق فرخ من بيضة- بل على خلق نملة أو خلق بكتيريا أو فيروس؟! وهل يقوون على ذلك؟! A مستحيل، فالتحدي قائم، ومع ذلك يجحدون، ولا يعترفون بجهلهم وضعفهم أمام قدرة الله تبارك وتعالى. وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الحج:73 - 74]. وهكذا الجاحدون في كل وقت (ما قدروا الله حق قدره) فلا يعظمون الله عز وجل تعظيمه اللائق به، ولا يقدرونه حق قدره عز وجل. فقوله عز وجل: ((يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ)) كالحيوان من النطفة، والنبات الغض الطري من الحب اليابس (ومخرج الميت) كالنطفة والحب (من الحي) كالحيوان والنبات. وقوله تعالى: (ذلكم الله) الفالق للحب والنوى، والمخرج الحي من الميت وعكسه هو الله القادر العظيم الشأن المستحق للعبادة وحده، (فأنى تؤفكون) أي: أنى تصرفون عنه إلى غيره؟! والمقصود أن الحي والميت متضادان متنافيان، فلعله إذا كان يحصل المثل من المثل -أي: حي يخرج من حي- فقد يتوهم الإنسان أن هذا بسبب الطبيعة والخاصية، أما حصول الضد من ضده، كالحياة من الموت والموت من الحياة فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فإن كان ميتاً فكيف هو بذاته يعطي حياة، فخروج الضد من الضد دليل على أنه لابد من أن يكون بتقدير المقدر الحكيم والمدبر العليم تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا)
تفسير قوله تعالى: (فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً) ثم قال عز وجل: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [الأنعام:96]. قوله: (فالق الإصباح) هذا خبر آخر لـ (إن)، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو فالق الإصباح والإصباح مصدر سمي به الصبح، يقال: أصبحت إصباحاً. لكن عبر هنا عن الصبح نفسه بالمصدر، وهو الإصباح، قال امرؤ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ بصبح وما الإصباح منك بأمثل يعني: وما الإصباح الذي يولد منك. لأن الإصباح أول ما يخرج منه ضوء الفجر، وهو يولد من الليل، فمثل هذا الإصباح ليس بأمثل من هذا الليل الطويل. وقوله: (فالق الإصباح) يعني: يشق بهذا الصباح ظلمة الليل. وقوله: ((وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا)) يعني: صير الظلام يُسكن إليه ويُطمأن به استرواحاً من تعب النهار، أو (سكناً) يسكن فيه الخلق، أي: يقرون ويهدءون، فيكون هذا من السكون، كقوله تعالى: {لِتَسْكُنُوا فِيهِ} [يونس:67]، وقُرئ: (وجاعل الليل سكناً). وقوله: ((وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا)) أي: على أدوار مختلفة؛ لتحسب بهما الأوقات التي نيطت بها العبادات والمعاملات، كما ذكروا في سورة يونس في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس:5]. قوله: (ذلك) يعني: التسيير من الحساب المعلوم (تقدير العزيز) أي: الغالب على أمره (العليم) بتدبيرهما ومراعاة الحكمة في شأنهما، وهنا استدلال بالأحوال الفلكية على دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته؛ لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر، ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعاً من الأحوال الأرضية. وقوله: (فالق الإصباح) قرأ (فالق الأصباح) على أنه جمع صبح، كقفل وأقفال، وإذا ذكر الله تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر فكثيراً ما يختم الكلام بالعزة والعلم، كما في هذه الآية، وكما في قوله: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس:37 - 38]. وقال هنا: (ذلك تقدير العزيز العليم)، ولما ذكر الله خلق السموات والأرض وما فيهن في أول سورة (فصلت) قال: {وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [فصلت:12]. وفي العزة معنى القهر، أي: الذي قهرهما بجعلهما مسخرين، ولا يتيسر لهما إلا ما أريد بهما، كما قال: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} [الأعراف:54] وفيها معنى القدرة الكاملة أيضاً. و (العزيز) إشارة إلى كمال قدرته، و (العليم) إشارة إلى كمال علمه، ومعناه أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيئاتها المحدودة وحركاتها المقدرة في المقادير المخصوصة في البطء والسرعة لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات، وعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات، فهذا يدل أن هذا التخصيص إنما هو بفعل الفاعل المختار سبحانه وتعالى، لا بفعل الطبع أو الخاصية.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها) {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام:97]. ثم بين تعالى نعمته في الكواكب إثر بيان نعمته في النيرين -أي: في الشمس والقمر- إعلاماً بكمال قدرته وحكمته ورحمته، فقال عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام:97]. قوله: (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) يعني: في ظلمات الليل أثناء سيركم في طرق البر أو البحر. وقوله: (قد فصلنا الآيات) يعني: بينا الآيات على قدرته تعالى وحكمته واليوم الآخر (لقوم يعلمون) يعني: يعلمون وجه الاستدلال بها، فإنما خلقت للاستدلال المتأكد بالعمل بموجبها، أي: الاستدلال بها على معرفة الصانع الحكيم وكمال قدرته وعلمه، واستحقاقه العبادة وحده تبارك وتعالى. وإذا تأملنا قوله تعالى هنا: (قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون)، وتأملنا آيات الله سبحانه وتعالى في مثل هذه المواضع (قوم يتفكرون)، (قوم يعقلون)، (آيات للمتوسمين)، (أفلا تتفكرون)، (أفلا تعلقون) ندرك مدى تعظيم الإسلام للعلم والعقل وللتدبر والتفكر، وعدم التقليد والانقياد، فالإسلام هو دين العلم، لكن العلم الصحيح بمعناه الحقيقي الذي يقود إلى توحيد الله عز وجل. العالمانيون لأن العلمانيين أعداء الله وأعداء رسول الله عليه الصلاة والسلام يخدعون السذج من الناس، وذلك أنهم يستغلون التشابه اللفظي في الحروف بين كلمة العلمانية وكلمة العلم، وفي الحقيقة لا توجد علاقة على الإطلاق بين العلمانية وبين العلم أبداً؛ لأن أصل كلمة (العلمانية) هذه الذي ينطقونها كلمة أجنبية، وكلمة حديثة، فلذلك احتاروا في ترجمتها، وأصلها كلمة (سيكيولارزم) أي: الحاجة اللادينية المتعلقة بهذا العالم، بغض النظر أو مع إهمال أي عالم آخر، كعالم الآخرة أو العالم الغيبي، فهي تعني العالم الدنيوي الذي لا علاقة له بأي غيبيات أو آخره أو دين أو غير ذلك. فلذلك اختلفوا في ترجمتها، ونحن نعلم أن القواميس الأولى التي وضعت إنما وضعها النصارى، وبعض القواميس تقول في ترجمة هذه الكلمة: اللادينية. وهذا أدق التعابير عن معنى العلمانية، ومعنى اللادينية: رفض الدين. ثم إن نسبة (العلمانية) نسبة غير قياسية، فكلمة (العلمانية) ليست مأخوذة من العلم، وإنما هي مأخوذة من العالم. فينبغي أن نفوت عليهم الفرصة، فبدلاً من أن نستعملها بكسر العين الذي يخدعون الناس به، ويزعمون أن (العلمانية) مأخوذة من العلم نبين لهم أنها مأخوذة من كلمة العالم، بمعنى هذه الحياة الدنيوية. فمعناها: الدنيوية أو اللادينية أو العالمانية، وهذا المصطلح هو أدق. وبعضهم يقول: علينا أن نهجر استعمالها بلفظ (العلمانية) حتى لا نخدم أهداف أعداء الدين في نسبتها إلى العلم، وهي لا علاقة لها بالعلم على الإطلاق، بل هي في الحقيقة جهل؛ لأن الذي يجهل آيات الله سبحانه وتعالى سواء التكوينية أو التنزيلية ويعرض عن هداها ويدرس كل العلوم بغض النظر عن صانعها، وعن خالقها سبحانه وتعالى جاهل أشد الجهل بلا شك، وعلى هذا فهذه جهلانية وليست علمانية. فمن أجل ذلك علينا أن نتحرى دائماً أن ننطقها (العالمانية) حتى تأخذ معناها الصحيح، وهو نسبتها إلى هذا العالم الدنيوي الذي يغفل ويهمل ويتجاهل العالم الأخروي أو العقيدة الدينية. وبعض الشيوخ المشهورين تكلم في هذا الأمر، فسئل فأجاب وقال: إن الإسلام لا يتعارض مع العلمانية. لأنه يحسب أن العلمانية بمعنى العلم، و (العالمانية) أو (العلمانية) إنما هي بمعنى العالم، أي: الاقتصار فقط على الدنيا وعلى المادة، وإهمال جانب الغيبيات وجانب الآخرة وجوانب الدين كلها. فانظر إلى قوله تعالى هنا: ((قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)) فهذا هو العلم الحقيقي الذي ينسب الفضل إلى صاحبه، وينسب الخلق إلى خالقه عز وجل.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة) الآية
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة) الآية يقول تبارك وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} [الأنعام:98]. قوله: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة) يعني آدم عليه السلام (فمستقر ومستودع) تُقرأ: (مستقَر) وتقرأ: (مستَقِر ومستودَع) بفتح الدال لا غير، أي أن الكسر والفتح هو فقط في كلمة (مستقِر) أما (مستودع) فبفتح الدال لا غير. وقوله: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع) يعني: فلكم استقرار واستيداع. أو: موضع استقرار واستيداع. وهذا الاستقرار إما في الأصلاب أو فوق الأرض؛ لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأعراف:24] يعني: على أنها مكان، أو في الأرحام؛ لقوله تعالى: {وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ} [الحج:5] أو: (مستقر) في أصلاب الرجال و (مستودع) في أرحام النساء، فجعل الصلب مستقر النطفة، والرحم مستودعها؛ لأنها تحصل في الصلب، يقول عز وجل: {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق:6 - 7]. وهذا أمر معروف الآن في علم التشريح، وهو أن الغدة التي تخرج منها الحيوانات المنوية التي تكون سبباً في خلق الإنسان تكون موجودة أساساً بين الصلب والترائب، ثم بعد ذلك يحصل الهبوط لها إلى موضعها في أسفل الجذع، لكنها توجد بين الصلب والترائب ثم بعد ذلك تنزل. فهذه -أيضاً- يعتبرونها من آيات الإعجاز العلمي، فقوله تعالى: (يخرج من بين الصلب والترائب) يعني: يخرج من الغدة والخصية التي تكون في هذا الموضع، ثم تنزل بعد ذلك حتى بعد أن يولد المولود. فقوله: (فمستقر ومستودع) مستقر النطفة الصلب، والرحم مستودعها؛ لأنها تحصل في الصلب لا من قبل شخص آخر، وإنما من قبل الأب، فأشبهت الوديعة، ثم تخرج من صلب الرجل، فكأن هذا الشخص نفسه هو الذي استودعها في هذا الموضع. أو يكون المعنى: تحت الأرض أو فوقها؛ فإنها عليها، أو وضعت فيها لتخرج منها مرةً أخرى، يقول الشاعر: وما المال والأهلون إلا ودائع ولا بد يوماً أن ترد الودائع وعلى قراءة: (فمستقِرٌ ومستودَع) يكون المعنى: منكم قار ومنكم مستودع.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به) {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:99]. ثم بين تبارك وتعالى وتعالى حجةً كبرى على كمال قدرته، ومنةً أخرى من مننه ونعمه، فقال عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيء} [الأنعام:99]. قوله: (وهو الذي أنزل من السماء ماء) أي: من السحاب. لقوله: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ} [الواقعة:68 - 69]، و (المزن) السحاب، وسمى السحاب سماءً لأن العرب تسمي كل ما علا سماءً، فسماء الحجرة هو السقف، والدليل قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15] وفي هذه الآية إشارة إلى حتمية نصر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومن لا يصدق هذا وكان يظن أن الله لن ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم ويعز دينه فليس له حل إلا أن يموت، وهذا مثل أن تقول لواحد: اذهب ومت، حيث لا توجد فائدة إلا كذلك. فمن كان يظن أن الله لن ينصر محمداً ويعز دينه صلى الله عليه وسلم فلا يوجد أمامه غير أنه يموت؛ لأن هذا لن يقع. فقوله: (فليمدد بسب) أي: ليربط حبلاً في السماء، والمراد: يربط الحبل في سقف الحجرة ويثبته حوله عنقه -بنفس نظرية الشنق- ويقف على الكرسي ويحرك الكرسي ثم يتدلى ثم ليقطع صلته بالأرض فيتدلى في الهواء، (فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ) يعني: هو لا يكيد إلا نفسه، ولن يستطيع بهذا الظن أو بهذا الأمل في خذلان الإسلام أن يضر إلا نفسه. فهذا منتهى كيده أنه يكيد نفسه، لكن لا يستطيع أبداً أن يعطل وعد الله بنصرة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا معنى: (فليمدد بسبب إلى السماء). وكذلك هنا قوله: {(وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الأنعام:99]، ففي لغة العرب كل ما علاك فهو سماء. فقوله: (وهو الذي أنزل من السماء ماء) أي: من السحاب (فَأَخْرَجْنَا بِهِ) هنا أسلوب بلاغي يسمى أسلوب التفات، وهذا التفات بشأن ما أنزل الماء لأجله، أي: فأخرجنا بعظمتنا ذلك الماء مع وحدته مَاءً نبات كل شيء، إشارة بهذا الالتفات إلى بيان كمال اعتناء الله سبحانه وتعالى بهذا الذي أخرجه من ماء واحد، ومع ذلك أخرج بماء واحد نبات كل شيء، أي: كل صنف من أصناف النبات والثمار المختلفة الطعوم والألوان، كقوله تعالى: {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ} [الرعد:4]. وقوله: (فأخرجنا منه)، الهاء تعود على النبات في قوله: ((وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ)) يعني: من النبات. والمقصود: من أصول النبات (خضراً) أي: شيئاً غضاً أخضر. يقال: أخضر وخضر، كأعور وعور، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة. وقوله: (نخرج منه) صفة لـ (خضراً)، أي: نخرج من هذا الخضر (حباً متراكباً) أي: متراكماً بعضه على بعض، مثل سنابل البر والشعير والأرز. قال الرازي: ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كأنها الإبر، والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة. ونحن نلاحظ هذا، فمن نظر إلى السنابل يجد فيها أشياء مثل الإبر حتى لا تأتي الطيور فتلتقط تلك الحبوب من السنبلة. وهذا -أيضاً- علم عجيب جداً من العلوم، فمن كان يقرأ في هذه الأشياء والوسائل الدفاعية التي يزود الله سبحانه وتعالى بها الكائنات من أجل الحفاظ على بقائها وعلى حياتها؟! ومما سمعته من إخواننا الذين يشتغلون بزراعة التين أنهم يقولون: إن التينة ما لم تصل إلى استوائها ونضجها يوجد في أسفلها مادة لبنية تظهر إذا عصرت أسفلها، وهذه المادة اللبنية هي التي تحدث الشقوق والجروح في الشفتين وفي اللسان، فالذي يأكل تيناً كثيراً يحس أنه يوجد جرح في الشفتين وفي اللسان، فإذا استوت التينة لا توجد فيها هذه المادة، يقولون: كأن هذه عقوبة لمن يقطف الثمرة قبل أوانها. فعليك أن تعرف ذلك، وأن تتجنب أكل الشيء قبل أن يستوي وينضج، ومن تعجل الثمرة قبل أوانها وقبل نضجها واستوائها فإنه يفيد حلقه ولسانه هذا الإفراز اللبني الموجود في أسفل التينة. وهذا سمعته من الذين عندهم خبرة في زراعة التين، فهذا من الوسائل الدفاعية، حتى النبات يزوده الله سبحانه وتعالى بما يدفع عنه. وبعض الحيوانات البحرية يفرز حبراً أسود إذا ما تعرض لخطر وهذه المادة تعكر الرؤية على العدو القادم الذي يريد أن يلتهمه أو يؤذيه، وهكذا العالم كله عجيب جداً، وكل هذا الذي نقوله من آيات الله عز وجل. فبين تعالى ما يخرج عن النوى من الشجر فقال: ((وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا)) يعني: متراكماً بعضه فوق بعض ثم بين تعالى ما ينشأ عن النوى من الشجر إثر بيان ما ينشأ عن الحب من النبات فقال سبحانه: ((وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ)) أي: الطلع أول ما يبدو من ثمر النخيل، فإن أول ما يظهر من ثمر النخيل هو الطلع، يكون كالكيزان الذي فيه العذق، فإذا شق عنه كيزانه سمي عذقاً، وهو القنو، وهو -أيضاً- العرجون بما فيه الشماريخ، وجمعه قنوان، والجمع والمثنى سواء، فالمثنى قنوان والجمع -أيضاً- قنوان، ولا يفرق بينهما إلا الإعراب. و (دانية) بمعنى: ملتفة يقرب بعضها من بعض، أو قريبة من المتناول، ولذا اقتصر على ذكرها لدلالتها على مقابلها، أي: البعيدة، كقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81] ولزيادة النعمة فيها؛ لأنه قال عز وجل هنا: ((وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ))، (دانية) أي: إما أنها قريبة من بعضها، وإما قريبة لمن يتناولها، ولذا يجدها دانية. فهي تشمل الدانية والبعيدة، لكن لإظهار كمال النعمة اقتصر على ذكر الدانية، وإن كان السياق من حيث التفسير والمعنى يشمل -أيضاً- نعمة الله فيه البعيدة، لكن اقتصر على إحداهما لدلالة السياق عليه، كما اقتصر في قوله: (سرابيل تقيكم الحر) يعني: والبرد. قوله: ((وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ)) عطف على: (نبات كل شيء) أي: وأخرجنا به جنات. أو عطف على (خضراً). (مشتبهاً وغير متشابه) حال من الزيتون، واكتفى به عن حال ما بعده، أو حال من الرمان لقربه، والمحذوف حال الأول. قال الزمخشري: اشتبه الشيئان وتشابها، كقولك: استويا وتساويا. والافتعال والتفاعل يشتركان كثيراً، ولذلك قال هنا: (مشتبهاً) من فعل (اشتبه) (وغير متشابه) من الفعل (تشابه). وقُرئ: (متشابهاً وغير متشابه)، والمعنى: بعضه متشابهاً وبعضه غير متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم، وغير ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعها وحكمة منشئها ومبدعها. وقوله: (انظروا إلى ثمره إذا أثمر) أي: ثمر كل واحد من ذلك إذا أخرج ثمره، انظروا كيف يكون ضئيلاً ضعيفاً لا يكاد ينتفع به (وينعه) يعني: انظروا إليه في بداية خروج الثمر، وكيف يكون هذا الثمر ضئيلاً وضعيفاً، ثم انظروا إلى (ينعه) أي: إلى حال ينعه ونضجه، وكيف يعود شيئاً جامعاً لمنافع وملاذ، أي: انظروا إلى ذلك نظر اعتبار واستفسار واستدلال، وليس المقصود أي نظر، ولا مجرد حاسة النظر المادي، وإنما المقصود التدبر والتفكر والاستبصار، ولا شك في أن الإنسان يعتبر بذلك. ولو سألك أحد عن دليل توحيد الله سبحانه وتعالى وعظم قدرته وعمله عز وجل فافتح له ثمرة الرمان، وقل: هذه دليل الوحدانية وتأمل في العجائب في مثل هذه الثمرة، وهذا مجرد أنموذج، والقرآن يدلنا على ما هو أكثر من ذلك، فتأمل في خلق ثمرة الرمان، وبدائع صنع الله سبحانه وتعالى فيها، سواء في منظرها، أو في مذاقها، أو في طريقة تركيبها، وحاول أن تعمل عقلك: كيف يخرج هذا من بين ماء وطين؟! و {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ} [الرعد:4] فانظر إلى هذه الثمار وتفكر فيها، والإنسان يعتقد أن ثمرة الرمان خاصة من أعظم ما يتجلى فيه عجيب صنع الله سبحانه وتعالى، فافتح مرة ثمرة الرمان لا لتأكلها ولكن لتتأمل فيها، ودقق في تراكب حباتها وعظم صنع الله سبحانه وتعالى فيها! يقول عز وجل: (انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه) يعني: تأملوا حالة الثمر، سواء في بداية خروج الثمرة، وهي حالة الضعف؛ إذ لا يمكن أن ينتفع بهذه الثمرة، أو إلى حالة ينعها، وهي حالة النضج، وكيف ينتقل إلى هذه المرحلة من النضج والاستواء والانتفاع والملاذ. والمقصود: انظروا نظر اعتبار واستدلال على توحيد الله وقدرته، وعلى وقع الرحمة والحكمة من حال إلى حال، فإن في ذلك آيات عظيمة دالةٍ على ذلك، كما قال عز وجل: {إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، فلا ينظر نظر اعتبار واستدلال على قدرة الله إلا هؤلاء العقلاء الذين يؤمنون، يعني: يصدقون بأن الذي أخرج هذا النبات وهذه الثمار هو المستحق للعبادة دون ما سواه، وأنه هو القادر على أن يحيي الموتى ويبعثهم. وقوله: (إن في ذلكم لآيات لقومٍ يؤمنون) يعني: يؤمنون بأن بالذي يخرج هذا الثمار هو الله وحده الذي يستحق العبادة، أو (يؤمنون) أي: يستدلون بها على البعث والن
أشرف أنواع الأشجار
أشرف أنواع الأشجار وقد تكلم هنا -أيضاً- الرازي بكلام يبخل الإنسان بأن يتجاوزه، يقول: اعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أربعة أنواع من الأشجار: النخل، والعنب، والزيتون، والرمان، وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء، وثمار الأشجار فواكه، والغذاء مقدم على الفاكهة، ولذلك قدم الزرع أولاً، ثم تكلم عن الشجر، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب، ولأن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوان مشابهةً في خواص كثيرة، بحيث لا توجد تلك المشابهة في سائر أنواع النبات، وإنما ذكر العنب عقيب النخل لأن العنب أشرف أنواع الفواكه، وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير منتفعاً به إلى آخر الحال، فأول ما يظهر على الشجر تظهر خيوط خضر دقيقة حامضة الطعم لذيذة المطعم، وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم بعدها يظهر الحصرم، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى، وقد يتخذ الحصرم أشربة لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء، وقد يتخذ الطبيخ منه، وهو من ألذ الطبائخ الحامضة، ثم إذا تم العنب فهو ألذ الفواكه وأشهاها، فيمكن ادخار العنب المعلق سنة أو أقل أو أكثر، وهو في الحقيقة ألذ الفواكه المدخرة، ثم يبقى منه أنواع من المتناولات، وهي الزبيب والدبس والخل، ومنافع هذه لا يمكن أن يذكروها إلا في المجلدات، وأحسن ما في العنب عجمه، والأطباء يتخذون منه جوارشنات عظيمة النفع للمعدة الضعيفة، فثبت أن العنب سلطان الفواكه. وأما الزيتون فهو -أيضاً- كثير النفع؛ لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل -أيضاً- عنه دهن كثيف عظيم النفع في الأكل وفي سائر وجوه الاستعمالات. وأما الرمان فحاله عجيب جداً، وذلك لأنه جسم مركب من أربعة أقسام: قشره وشحمه وعجمه وماؤه، أما الأقسام الثلاثة الأول -وهي: القشر والشحم والعجم- فكلها باردة يابسة قابضة قوية في هذه الصفات، وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات، فإنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال، وأشدها مناسبةً للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف، وهو غذاء من وجه ودواء من وجه، فكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين المتغيرين، فكانت دلالة القدرة والرحمة فيه أكمل وأتم. واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها مجلدات، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الأقسام الأربعة، التي هي أشرف أنواع النبات، واكتفى بذكرها تنبيهاً على البواقي.
تفسير قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن)
تفسير قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن) قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام:100]. ولما ذكر تعالى هذه البراهين من دلائل العالم العلوي والسفلي على عظيم قدرته، وباهر حكمته، ووافر نعمته، واستحقاقه للألوهية وحده عقبها بتوبيخ من أشرك به والرد عليه، فقال عز وجل: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام:100]. ونحن نعلم أن من أساليب القرآن في الدعوة إلى توحيد الإلهية التركيز على آيات توحيد الربوبية، حتى تكون دليلاً ومقدمة لدعوة الناس إلى توحيد الإلهية، والسورة كلها هي في الدعوة إلى توحيد الإلهية، وأما ما فيها من آيات الربوبية فهو يقود مباشرةً إلى توحيد الإلهية. قوله: (وجعلوا لله شركاء الجن) أي: جعلوهم شركاءه في العبادة. فإن قيل: فكيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ أي أن هؤلاء القوم كانوا يعبدون الأصنام، فكيف اتخذوا الجن شركاء من دون الله؟ فالجواب أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن وأمرهم بذلك، فالذين أمروهم بعبادة الأصنام هم الجن، كما في قوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} [النساء:117 - 119] فكل المعاصي -سواء أكانت الكفر، أم ما دون الكفر- الآمر بها في الحقيقة هو الشيطان، كما في هذه الآية، وكقوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي} [الكهف:50]، وقال إبراهيم لأبيه: {يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} [مريم:44] لأن الذي يأمر بالشرك وعبادة الأصنام هو الشيطان، ووالد إبراهيم كان يعبد الأصنام، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً} [الأنعام:74] إذاً: كان يعبد الأصنام يتخذها آلهةً، وهو ظاهر الآية الكريمة، فمن الذي أمر بذلك؟ إنه الشيطان، ولأن الشيطان هو الذي يأمر بهذا الشرك، فالذي يفعل هذه المظاهر من الإشراك يكون عابداً في الحقيقة للشيطان وأوليائه وأتباعه وذريته من الجن، ولذلك قال هنا: ((وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ)) كقوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [يس:60 - 61]. ولو أتيت إلى النصراني أو اليهودي أو المجوسي وقلت له: أنت تعبد الشيطان فربما استنكر منك ذلك جداً، ولقال اليهودي: أنا أعبد الله. أي: حسب تصوره، ولقال النصراني: أنا أعبد المسيح. وهكذا كل واحد يحاول أن يدافع عن المنهج الذي اختصه، لكن إنما هم في الحقيقة عابدون للشيطان؛ لأنه هو الذي يزين لهم ذلك، وهو الذي يأمرهم به. قوله: (وأن اعبدوني) يعني: وحدي. وقد ظهر في هذه الأزمان عجائب الفتن من عبادة الشيطان صراحةً في أوروبا وفي أمريكا، فيعبد الشيطان هناك صراحةً، ويتكلمون عن بطولة الشيطان، وعلى أنه هو الإله والعياذ بالله! وقبل هذا كانت هذه القضية مغطاة، وكنت إذا قلت لأحدهم: أنت تعبد الشيطان ينكر عليك ذلك، أما الآن فيعبد الشيطان صراحةً، حيث توجد معابد رسمية لعبدة الشيطان، ويمارسون كل الطقوس الشركية المعروفة عنهم والجرائم التي يفعلونها، ويسمون رسمياً بعبدة الشيطان، ولهم معابدهم، ولهم فرقهم والعياذ بالله! ويوجد ممن يسمون بالأدباء عندنا هنا -أيضاً- من يدافع عن إبليس، ويظن أنه بطل في الروايات ونحو هذه الأشياء التي يسمونها تحفاً أدبية، وفيها -أيضاً- تقديس للشيطان ودفاع عنه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد ذكر الله سبحانه أن الملائكة تقول يوم القيامة: {سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ:41]. والشيطان معروف أنه أصل الجن، فمن ثمَّ قال تعالى: ((وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ))، وإعراب قوله تعالى: (وخلقهم) أنه حال من فعل (جعلوا) مؤكدة لما في جعلهم ذلك من كمال القباحة والبطلان باعتبار علمهم بمضمونها، يعني: والحال أنهم يعلمون أن الله هو الذي خلقها. أي أنهم عبدوا الجن مع أنهم يعلمون أن الله هو الذي خلق الجن، وقد علموا أن الله خالقهم دون الجن، وليس من يخلق كمن لا يخلق. وقيل: الضمير للشركاء أي: والحال أنه تعالى خلق الجن فكيف يجعلون مخلوقه شريكاً له؟! وهذا كقول إبراهيم: {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:95 - 96] فانظر إلى الوقف هنا: (أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون) فعلى أحد التفسيرين: خلقكم وأعمالكم. والتفسير الآخر: (خلقكم وما تعملون) من هذه الأصنام؛ وفي الحديث: (إن الله صنع كل صانع وصنعته) فإذا كان هو المستقل بالخلق وجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له، وقيل: المراد بالجن الملائكة. فإنهم عبدوهم وقالوا عنهم: بنات الله. وكلا الأمرين موجب للشريك، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن الولد كفء الوالد، فيشاركه في صفات الإلهية. فقوله: (وجعلوا لله شركاء الجن) قيل: هم الملائكة. فإذا كان المقصود الملائكة فلماذا عبدوا الملائكة وجعلوهم شركاء من دون الله عز وجل؟! A لأنهم قالوا: إنما يستعان بالله سبحانه وتعالى عن طريقهم. أو قالوا: إن الملائكة -والعياذ بالله- بنات الله! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وأما تسمية الملائكة جناً فهذه تسمية حقيقية وليست مجازاً؛ لأن لفظ الجن يشمل الملائكة لغةً؛ لأن الملائكة يخفون ولا يظهرون، ولذلك فإن الآية التي في سورة الكهف، وهي قوله تبارك وتعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف:50] ذهب فيها بعض المفسرين إلى قول مرجوح، فقال: الجن نوع من الملائكة. أو أن طائفة من الملائكة تسمى جناً، والله تعالى أعلم. والراجح أن إبليس ليس من الملائكة. قوله: (وخلقهم) إشارة إلى الدليل القاطع على فساد كون إبليس شريكاً. وتقريره أنا نقلنا عن المجوس أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس ليس بقديم، بل هو محدث، وإذا ثبت هذا فنقول: إن كل محدث له خالق وموجد، وما ذاك إلا الله سبحانه وتعالى، فهؤلاء المجوس يلزمهم القطع بأن خالق إبليس هو الله تعالى، ولما كان إبليس أصلاً لجميع الشرور والآفات والمفاسد والقبائح، والمجوس سلموا أن خالقه هو الله تعالى، فحينئذٍ قد سلموا أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل الشرور والقبائح والمفاسد، فإذا كان كذلك امتنع عليهم أن يقولوا: لابد من إلهين. فسقط قولهم: إن هناك إلهين: إلهاً قديماً وإلهاً محدثاً، والعياذ بالله. فقوله: (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم) يعني: اتخذوهم شركاء مع أنهم يعلمون أن الله خلقهم، أي: خلق العابدين أو خلق الشركاء أنفسهم (وخرقوا له) يعني: اختلقوا وافتروا له (بنين) وهذا كقول أهل الكتابين في المسيح وفي عزير، وهو -أيضاً- كقول بعض العرب في الملائكة، ولذا قال تعالى: {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [الكهف:4]، وبعض الناس تذهب عقولهم مباشرة في هذه الآية إلى النصارى فقط، وينسون أنها كذلك في غير النصارى الذين قالوا: اتخذ الله ولداً. فاليهود قالوا: عزير ابن الله. والنصارى قالوا: المسيح ابن الله. والمشركون قالوا: إن الملائكة بنات الله. فكلمة ولد تشمل الذكر والأنثى. فقوله: (وخرقوا) أي: اخترقوا واختلقوا وافتروا له (بنين وبنات بغير علم)، يقال: خلق الإفك وخرقه واختلقه. وسئل الحسن عنه فقال: كلمة عربية كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا كذب كذبةً في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله. يعني: اختلقها وافتراها. ويجوز أن يكون من (خرق الثوب)، إذا شقه، أي: اشتقوا له بنين وبنات. وقُرئ: (وخرَّقوا له بنين وبنات بغير علم) وهذا للتكثير. وقوله: (بغير علم) أي: من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب، ولكن رمياً بقول عن عمىً وجهالة من غير فكرٍ وروية، أو بغير علم بمرتبة ما قالوا، وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقدر قدره، وفيه ذم لهم بأنهم يقولون بمجرد الرأي والهوى، وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز أن ينسب إليه تعالى إلا ما جُزم به وقام عليه الدليل. ثم نزه ذاته العلية عما نسبوه إليه بقوله سبحانه وتعالى: (سبحانه وتعالى عما يصفون) يعني: من أوصاف الحوادث الخسيسة من المشاركة والتوليد.
تفسير قوله تعالى: (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة)
تفسير قوله تعالى: (بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة) ثم استدل تعالى على بطلان ما اجترءوا عليه بوجوه أربعة، بدأ منها بقوله عز وجل: {بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام:101]. قوله: (بديع السموات والأرض) أي: مبدعهما بلا مثال سابق. يعني: يبدع ويحدث شيئاً لا نظير له من قبل، يقال: هذا شيء بديع، أي: لم يسبقه مثله في حسنه. وقيل: بمعنى عجيب النظير فيهما. قال أبو السعود: والأول هو الوجه، والمعنى أنه تعالى مبدع لقطري العالم العلوي والسفلي بلا مادة، فهو سبحانه فاعل على الإطلاق، منزه عن الانفعال بالمرة، والوالد عنصر الولد منفعل بانتقال مادته عنه، فكيف يمكن أن يكون له ولد؟! يعني أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أبدع أقطار كل ما في العالم العلوي والسفلي من غير أن يكون له نظير من قبل أو مثال سابق، وخلق كل هذه الكائنات في السماوات وفي الأرض بلا مادة، فهو فاعل على الإطلاق، منزه عن الانفعال بالمرة، أي: يحدث الأثر في غيره ولا يؤثر فيه سبحانه وتعالى شيء، فلا ينفعل بشيء، وإنما يفعل هو ويدبر ويصرف أحوال خلقه. ومعروف أن الوالد عنصر الولد، فالوالد هو العنصر الأساسي الذي يخرج منه الولد منفعلاً بانتقال مادته عنه، فكيف يمكن أن يكون له ولد تبارك وتعالى؟! ولذا قال: ((بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ)) يعني: من أين وكيف يكون له ولد كما زعموا، والحال أنه ليس له على زعمهم -أيضاً- صاحبة يكون الولد منها، ويستحيل ضرورةً وجود الولد بلا والدة وإن أمكن وجوده بلا والد، وأيضاً الولد لا يحصل إلا بين متجانسين، ولا مجانس له تعالى. وقوله: (أنى يكون له ولد) هذه جملة مستأنفة لتقرير تنزهه عن الولد، والحالية بعدها مؤكدة للاستحالة المذكورة، فقوله: (ولم تكن له صاحبة) جملة حالية، والمقصود منها تأكيد استحالة أن يكون لله تعالى ولد. وقوله: ((وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) يعني: أنى يكون له ولد والحال أنه خلق كل شيء وانتظمه، وأوجد الموجودات التي من جملتها ما سموه ولداً له تعالى؟! فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولداً لخالقه؟! فإذا كان الله سبحانه خالق كل شيء فهذا الولد سيكون من هذه الأشياء المخلوقة له عز وجل، فكيف يكون المخلوق ولداً لخالقه؟! وقوله: (وهو بكل شيء عليم) أي: مبالغ في العلم أزلاً وأبداً. فهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعة ببطلان مقالتهم الشنعاء، أي أنه سبحانه عالم بكل المعلومات، فلو كان له ولد فلابد من أن يتصف بصفاته، ومنها عموم العلم، وهو لغيره تعالى منفي بالإجماع، وهذا الذي يدعونه ولداً ليس بهذه الصفة؛ فإنه سبحانه وتعالى الذي ينفرد بكونه بكل شيءٍ عليم.
الأنعام [102 - 110]
تفسير سورة الأنعام [102 - 110]
تفسير قوله تعالى: (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء)
تفسير قوله تعالى: (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء) قال الله تبارك وتعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام:102]. هذه الآية كقوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام:101]. قوله تعالى: (ذلكم) أي: الموصوف بما سبق، البعيد رتبة عن مراتب من يشارك أو ينسب إليه الولادة، (ذلكم) الإله المنزه عن أن يكون له شريك، وعن أن يكون له ولد، (ذلكم الله ربكم) يعني: ذلكم الموصوف هو الله ربكم (لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه) يعني: بالإيمان به وحده. والمقصود: فاعبدوه وحده بلا شريك؛ فإن من جمع تلك الصفات استحق العبادة وحده. وقوله: (وهو على كل شيء وكيل) أي: رقيب وحفيظ، يدبر كل الخلق ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.
تفسير قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)
تفسير قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) قال تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:103]. قوله: (لا تدركه الأبصار) هذه جملة مستأنفة، إما أنها مؤكدة لقوله تعالى: (وهو على كل شيء وكيل) وذكرت للتخويف بأنه رقيب من حيث لا يُرى فليحذر، أي: أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء وكيل، أي: رقيب وحفيظ من حيث لا يُرى، أي أنه يراكم ويرى أعمالكم ويراقبكم، وأنتم لا ترونه. فقوله: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) مؤكد لقوله: (وهو على كل شيءٍ وكيل) فهو رقيب من حيث لا يُرى، فينبغي الحذر منه سبحانه وتعالى. وإما أنها مؤكدة لما تقرر قبل من تنزهه وتعاليه عن إفكهم أعظم تأكيد، وذلك ببيان أنه لا تراه الأبصار المعهودة، يعني: أبصار أهل الدنيا لا تراه؛ لجلاله وكبريائه وعظمته، فإذا كان الله سبحانه وتعالى بهذه العظمة والتنزه والتعالي فكيف ينسب إليه هذه العظيمة التي هي نسبة الولد والشريك إليه؟! فالله سبحانه وتعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)؛ لأنه تعالى لم يخلق لأرباب هذه النشأة الدنيوية استعداداً لرؤيته، فالخلقة التي خلق الله عليها أهل الدنيا -خاصة أبصارهم- لا تؤهلهم لأن يروا الله عز وجل، فبالخلقة التي خلقنا عليها نحن لا نطيق رؤية الله عز وجل، ولذلك قال هنا: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)، فعجز الناس عن رؤية ربهم في الدنيا هو بسبب ضعف نشأة هذه الدار، إلا لمن أمده الله بالقوة، وهذا بخلاف نشأة الآخرة؛ فإن المؤمنين والكافرين أيضاً تعاد نشأتهم من جديد في الآخرة، فالصفات والطاقات والقدرات لمن يخلقه الله سبحانه وتعالى في الآخرة تختلف تماماً عما هو عليه الحال في الدنيا. فمثلاً: قامة الإنسان وصورته وحجم أعضائه كل ذلك يتفاوت تماماً، فكل أهل الجنة يعاد خلقهم من جديد على صورة أبيهم آدم، وآدم كان طوله في السماء ستين ذراعاً، أي: ما يساوي عمارة الآن ارتفاعها خمسة عشر طابقاً، فهذا كان طول آدم عليه السلام، فكذلك أهل الجنة يدخلون على نفس هذه الصورة التي خلق عليها آدم عليه السلام، وقد صح في الأحاديث -أيضاً- أن ضرس الكافر في جهنم مثل جبل أحد، أي: الضرس الذي في فمه يكون مثل جبل أحد، وطول جبل أحد قرابة ستة كيلو مترات، فلك أن تتخيل كم يتضاعف إحساسه بالآلام وبالعذاب والعياذ بالله! فقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) (أل) هنا للعهد، يعني الأبصار المعهودة في الدنيا، وليست الأبصار مطلقاً؛ لأن أبصار أهل الجنة ترى الله سبحانه وتعالى، فالأبصار هنا الأبصار المعهودة التي نعرفها التي هي أبصار أهل الدنيا، فإنها لا تدرك الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذه الأحداق ما دامت على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك الله تعالى، وإنما تدركه إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). والله سبحانه وتعالى يرى كل المخلوقات لا يغيب عنه شيء. فبالنسبة لنا -نحن المخلوقين- هناك غيب وهناك شهادة، أما الله سبحانه وتعالى فكل شيءٍ عنده شهادة، فلا يغيب عن الله شيء أبداً، فحجابه النور، ولو كشف هذا الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، أي: لاحترقت كل الكائنات لو كشف هذا الحجاب؛ لأنها لا تطيق ولا تتحمل رؤية الله عز وجل في الدنيا. قال ابن كثير: وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤيا فقال: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف:143] قال: يا موسى! إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. يعني: تحطم واندك. قال عز وجل: {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف:143] يعني: في الدنيا، {وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف:143]، يعني: انظر هذا الجبل مع عظمته وضخامته ومتانته فإنه لا يتماسك إذا تجلى له الله سبحانه وتعالى {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف:143] يعني: أنا أول المصدقين والمؤمنين بأنك لا تُرى في الدنيا، وإنما يُرى الله عز وجل في الآخرة. فالمنفي من الإدراك في هذه الدنيا هو الإدارك الدنيوي خاصة، ولا يحتاج إلى حجة ولا برهان، فقوله: (لاتدركه الأبصار) ليس مطلقاً، وإنما المقصود الأبصار المعهودة عند أهل الدنيا، فهي التي لا تدرك الله سبحانه وتعالى، (وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير). لكن بعض الفرق كالمعتزلة فهموا من هذه الآية: أن المنفي هو الإدراك في النشأتين، فقالوا: لا تدركه الأبصار لا في هذه النشأة في الدنيا ولا في الآخرة أيضاً؛ ولذلك ججدوا رؤية الله في الآخرة، فمن نحى هذا المنحى فقد نادى على نفسه بالجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المتواترة. أما الكتاب: فمثل قوله تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} [القيامة:22] * {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:23] فلما أتبعها بـ (إلى) عين أن المقصود هو رؤية حقيقية، وأنها تنظر إلى الله سبحانه وتعالى في الجنة. وقال تبارك وتعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق:35]. قيل: المزيد هو روية الله عز وجل في الجنة. وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس:26] وقد صح أن الزيادة هي النظر إلى وجه الله عز وجل. وقال تبارك وتعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين:15]، فعوقبوا بالحجاب عن رؤية الله عز وجل، أما المؤمنون فقال تعالى عنهم: {عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} [المطففين:23] يعني: ينظرون إلى الله سبحانه وتعالى. وأما السنة فالأحاديث متواترة عن عدد كبير جداً من الصحابة الذين أثبتوا في أحاديثهم رؤية الله في الآخرة، فمن السنة ما رواه جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه فيما أخرجه البخاري ومسلم قال: (كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صالة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق:39]) وليس المقصود من التشبيه تشبيه المرأي بالمرأي، وإنما تشبيه الرؤية بالرؤية، ووجه الشبه هو شدة الوضوح، فليس المقصود من هذا الحديث تشبيه الله عز وجل بالقمر، معاذ الله! إذ كيف يشبه الله بالقمر؟! وإنما المقصود بقوله: كما ترون هذا القمر)، أن القمر كان بدراً منيراً في السماء ولا سحاب دونه، يعني أن رؤية الله في الآخرة ستكون كرؤيتكم القمر في الدنيا في شدة الوضوح، أما كيفية رؤية الله فالله أعلم كيف ستكون. لكن المقصود هنا تشبيه الرؤية بالرؤية، أي: تشبيه رؤية الله في الآخرة برؤية القمر في الدنيا، ووجه الشبه هو شدة الوضوح. وقوله: (إنكم سترون ربكم) خطاب للمؤمنين. وقوله: (لا تضامون) بتشديد الميم، من الانضمام؛ لأن الناس إذا أرادوا أن يروا شيئاً غير واضح فإنه ينضم بعضهم إلى بعض كي تقوى الشهادة بما يرونه، فترى أحدهم يقول: انظر فأنا أرى. فيأتي آخر فينضم إليه لكي يرى، وينضم بعضهم إلى بعض لكون الشيء الذي يرونه ليس واضحاً. فمثلاً: رؤية الهلال في أول الشهر، ربما احتاج الناس إلى أن ينضم بعضهم إلى بعض؛ لأنه يكون دقيقاً جداً في السماء، بحيث يمكن أن لا يرى، فلذلك قد يتضامون، أي: ينضم بعضهم إلى بعض حتى يؤكد الواحد منهم ما يراه الآخر إن سبق عدم وضوح المرئي. أو أن المعنى (لا تضامون في رؤيته) من الضيم الذي هو الظلم، يعني: لا يظلم بعضكم بعضاً بحيث يرى البعض والبعض الآخر لا يرى، فهذان الاحتمالان كلاهما ينفيان عدم وضوح رؤية الله في الآخرة، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) أي: لا تحتاجون للانضمام، ولا يظلم بعضكم بعضاً، فيرى بعضكم وبعضكم لا يرى، وذلك لشدة الوضوح. قال: (فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق:39]). قال ابن كثير: تواترت الأخبار عن أبي سعيد وأبي هريرة وأنس وجرير وصهيب وبلال وغير واحد من الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات وفي روضات الجنات. وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح): وأدلته -يعني: في القرآن والسنة- طافحة بوقع ذلك في الآخرة لأهل الإيمان دون غيرهم، ومنع ذلك في الدنيا، إلا أنه اختلف في نبينا صلى الله عليه وسلم. يعني: حصل الاختلاف حول رؤية الله في الدنيا في حق الرسول عليه الصلاة والسلام: هل وقعت أم لا. قال ابن كثير: كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية. فـ عائشة كانت تستدل بهذه الآية، وهي قوله تعالى: ((لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ
نفي وجود التعارض بين نفي الإدراك وإثبات الرؤية
نفي وجود التعارض بين نفي الإدراك وإثبات الرؤية وهذا الكلام الذي مضى في الآية (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) إنما هو بناء على أن نفي الإدراك هنا هو بمعنى الرؤية، فإذا نفينا وقلنا: (لا تدركه الأبصار) بمعنى: لا تراه الأبصار فنحن نقول: الأبصار المعهودة هنا في دار الدنيا. وهناك قول آخر قاله فريق آخر من العلماء، وهو أنهم قالوا: إنه لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك؛ لأن الإدراك ليس المقصود به مطلق الرؤية. وقالوا: (لا تدركه الأبصار) الإدراك معناه الإحاطة ومعرفة الكنه، فهذا نفي الحقيقة، وهو ثابت، سواء في الدنيا أو في الآخرة؛ إذ لا يحيط أحد بالله سبحانه وتعالى أبداً، ولذلك قال: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه:110]. يقول ابن كثير: وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك؛ فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو، فقيل: الإدراك المنفي هو معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو. أي: حتى لو رأى المؤمنون ربهم فإنهم لا يحيطون بالله علماً، ولا يدركون كنه الله عز وجل؛ فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وهذا مما استأثر الله سبحانه وتعالى بعلمه، والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة، لكن لا يعني ذلك أنهم يحيطون به علماً، أو أنهم يدركونه إدراك إحاطة، أي: لا يعرفون حقيقته وكنهه عز وجل، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فإذا قلت: نحن نرى القمر فهل معنى ذلك أنك تحيط علماً بالقمر؟! والجواب أن هذا لا يعني أنك تعرف تفاصيل القمر، بل العكس، فنحن لا نرى للقمر إلا جهة واحدة فقط، فالله سبحانه وتعالى أعظم من ذلك، وهو أولى بذلك، وله المثل الأعلى، فنحن نرى القمر، لكن لا نحيط به، فمن باب أولى أن المؤمنين حتى لو رأوا الله فليس معناه أنهم يحيطون به، أي: لا يدركون كنه الله عز وجل وحقيقته. وقال آخرون: الإدراك أخص من الرؤية، فالإدراك بمعنى الإحاطة. وقالوا: لا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، فإذا قال الله سبحانه وتعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه:110]، فهل كوننا لا نحيط بالله علماً أننا لا نعلم شيئاً عن الله؟! و A لا؛ بل نحن نعلم من صفات الله سبحانه وتعالى وأفعاله ما بلغنا عن طريق الوحي، ونحن نعلم هذه الأشياء الخاصة التي جاءتنا عن طريق الوحي، لكن هل معنى ذلك أننا نحيط بالله علماً؟ A لا، فلا يتعارض كوننا لا نحيط بالله علماً مع كوننا نعلم بعض صفات الله سبحانه وتعالى، حتى أسماء الله لا نعرفها جميعاً، بل من أسماء الله ما استأثر الله بعلمه. فكما يثبت لنا العلم بالله مع عدم الإحاطة كذلك يثبت للمؤمنين رؤية الله في الآخرة مع عدم الإدراك، فقوله: (لا تدركه الأبصار) يعني: لا تحيط به الأبصار. ومثال ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) يعني: لا أستطيع أن أوفيك حقك من الثناء، فهل كونه لا يحيط بالثناء أو لا يستوفي كل ما يستحقه الله سبحانه وتعالى من الثناء هل هذا ينفي أنه أثنى على الله؟! الجواب: بل هو يثني على الله، لكن بدون أن يحيط بما يستحقه الله سبحانه وتعالى من الثناء، ولذلك قال: (لا أحصي ثناءً عليك) فنفى إحصاء الثناء، وهذا لا يتعارض مع ثبوت ثنائه على الله، فكذلك هاهنا. وقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) أي أنه يرى جميع المرئيات، ويبصر جميع المبصرات، ولا يخفى عليه شيء منها. وقوله: (وهو اللطيف) أي: الذي يعامل عباده باللطف والرأفة. وقوله: (الخبير) أي: العليم بدقائق الأمور وجلياتها أو جليلاتها. ويجوز أن تكون الجملة تعليلاً لما قبلها، كنوع من اللف والنشر، فـ (لا تدركه الأبصار) لأنه اللطيف (وهو يدرك الأبصار) لأنه الخبير. فجاءت هكذا (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) فاللطيف متعلق بقوله: (لا تدركه الأبصار) والخبير متعلق بقوله: (وهو يدرك الأبصار).
تفسير قوله تعالى: (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه)
تفسير قوله تعالى: (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه) قال عز وجل: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [الأنعام:104]. قول الله تعالى: (قد جاءكم بصائر من ربكم) يعني: الآيات والدلائل التي تبصرون بها الهدى من الضلالة. والبصائر جمع بصيرة، وهي الدلالة التي توجب البصر بالشيء والعلم به، ويجوز أن يكون المعنى: قد جاءكم من الوحي ما هو كالبصائر للقلوب، والمقصود به النور. فهناك نور يستبصر به القلب، ويعبر عنه بكلمة (بصيرة القلب) كما أن البصر نور تستبصر به العين، فالنور الذي ترى به العين هو البصر، فهناك البصر وهناك البصيرة، فما تعلق برؤية العين فهو البصر، وما تعلق برؤية القلب فهو البصيرة. وقوله: (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر) يعني: من أبصر الحق بتلك البصائر وآمن به (فلنفسه)، يعني: فلنفسه أبصر؛ لأن نفع ذلك لها يعود على نفسه. وقوله: (ومن عمي) أي: من ضل عن الحق (فعليها)، ولا شك في أن التعبير عن الضلالة عن الحق بالعمى تقبيح لهذا الضلال وتنفير عنه. والمقصود بالعمى هنا عمى القلب؛ لأن الكلام هنا عن البصائر وليس عن الأبصار، وقد قال تعالى: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] فكم من رجل له عينان حادتان مبصرتان ولكن لا بصيرة له، ولكنه أعمى القلب! وكم من رجل أعمى لا يرى بعينه لكن عنده بصيرة يرى بقلبه الحق ويهتدي إليه! قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء:72]، فالكلام هنا هو عن عمى القلب وليس عن عمى البصر، والآية هنا تتكلم عن البصائر التي هي نور القلب الذي يبصر القلب به الحق. ولذلك قال: (فمن أبصر) يعني: أبصر الحق بهذه البصائر فلنفسه (ومن عمي) يعني: ضل عن الحق (فعليها) وقد أشرنا أنه قبح الضلال عن الحق بأن وصفه بالعمى. وقوله: (فعليها) يعني: فعلى نفسه عمي، وإياها ضر بالعمى. وقوله: (وما أنا عليكم بحفيظ) أي: برقيب يرقبكم ويحفظكم عن الضلال، بل أنا منذر، والله سبحانه وتعالى هو الذي يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها.
تفسير قوله تعالى: (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون) قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام:105]. قوله: (وكذلك نصرف الآيات) يعني: نوردها على وجوه كثيرة في سائر المواضع، أي: ننوع الآيات ونوردها بصورة وبأخرى حتى نقيم الحجج والدلائل، وكذلك نصرف الآيات ونوردها على وجوه كثيرة في سائر المواضع لتكمل الحجة على المخالفين. وقوله: (وليقولوا درست) أي: وليقولوا في ردها: درست. وليقولوا في محاولة إبطالهم هذه الآيات التي نصرفها: درست أي: ليس هذا وحياً أوحاه الله إليك، وإنما أنت حصلت على هذه العلم عن طريق المدارسة، وتعلمته من غيرك، وقرأته على غيرك وحفظت منه أخبار من مضى. فكأن العلم الذي يحدث به النبي صلى الله عليه وسلم يلزم أن يعزوه إلى العلم الكسبي، وحقيقة الأمر أن العلم الذي أوتيه الرسول هو علم وهبي وهبه الله سبحانه وتعالى له بالوحي، وعلمه الله إياه بالوحي، كما قال تعالى: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى:52]. وهذه الآية هي كقوله تبارك وتعالى حاكياً عن هؤلاء الكافرين: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان:5]، يقال: درس الكتاب يدرسه دراسة: إذا أكثر قراءته وذل له حفظه. قال ابن عباس: (وليقولوا درست) يعني: أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن يقولون: درست. يعني: تعلمت من يسار وخير -وكانا عبدين من سبي الروم- ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله. وقال الفراء: معنى (درست): تعلمت هذا العلم من اليهود. وما زال الكفار إلى الآن -وكأنهم قد تواصوا بهذه الفرية- يقولون: إن القرآن عبارة عن صدى للتوراة والإنجيل. وهذا من جهلهم وكذبهم على الله سبحانه وتعالى وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يصوغ لهم الشيطان ما هم عليه من الكفر بالقرآن الكريم، فيتواصون بهذه العبارة، وينصح بعضهم بعضاً بها، ويرددونها كالببغاوات، لكن عند التمحيص بأدنى قدر من العقل والبصيرة يثبت أن هذا كذب وافتراء، والأمر بالعكس، فالقرآن مهيمن على ما في هذه الكتب وحاكم عليه، وشتان ما بين القرآن وبين هذين الكتابين المحرفين. وقُرئ: (وليقولوا دارستَ) بالألف وفتح التاء، يعني: دارست غيرك ممن يعلم أخبار الأمم الماضية. وهذا كقولهم: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل:103]، أي أنهم كانوا يزعمون أن الذي علم الرسول عليه الصلاة والسلام القرآن هو بشر أعجمي من الروم، فالله سبحانه أبطل قولهم بقوله: (لسان الذي يلحدون إليه) أي: هذا الشخص الذي يشيرون إليه ويميلون إلى أنه هو الذي علم الرسول عليه الصلاة والسلام هو رجل أعجمي عيي لا يعرف العربية الفصحى (وهذا لسان عربي مبين) فالقرآن في أعلى قمة الفصاحة والبلاغة، وفاقد الشيء لا يعطيه، فإذا كان هذا أعجمياً عيياً لا يعرف العربية الفصحى فكيف يتسنى له أن يأتي بمثل هذا القرآن العربي المبين؟! وقُرئ أيضاً: (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا دَرَسَت) يعني: مضت وتقدمت وتكررت على الأسماع. كما قالوا: (أساطير الأولين). وهذه القراءات الثلاث متواترة، وهي (وليقولوا دَرَسْتَ) (وليقولوا دَارَسْتَ) (وليقولوا دَرَسَتَ) يعني: مضت وتقدمت وتكررت على الأسماع. وقُرئ في قراءة شاذة: (وليقولوا دُرست) على البناء للمجهول. أي: تليت وعفيت تلك الآيات. وقرئ أيضاً: (درَّست) مشدداً معلوماً، وتشديده للتكثير أو للتعبية، يعني: درست غيرك الكتب. وقُرئ مشدداً مجهولاً: (وليقولوا دُرِّسَت). وقُرئ: (دورست) مجهول دارس، ودارست. وقُرئ: (درُسَت) وكل هذه قراءات شاذة، أما القراءات المتواترة فهي الثلاث الأول. وقوله: (ولنبينه لقوم يعلمون) يعني: نبين القرآن الكريم. وإن لم يجر له ذكر؛ لكونه معلوماً صريح السياق، فلم يرد فيه ذكر القرآن الكريم، لكن جاز التعبير عنه بالضمير (ولنبينه) لأنه يفهم من السياق أن الكلام إنما هو عن القرآن الكريم. (لقوم يعلمون) أي: يعلمون الحق فيتبعونه والباطل فيجتنبونه. وقيل: إن اللام الأولى في قوله: (وليقولوا درست) لام العاقبة، واللام الثانية في قوله: (ولنبينه لقوم يعلمون) بمعنى (كي) أي: وكي نبينه لقوم يعلمون. أي أنها لام تعليل. أما اللام الأولى في قوله: (وليقولوا درست) فهي لام العاقبة، أو لام الصيرورة، أي: لتصير عاقبة أمرهم إلى أن يقولوا: (درست). فيقول تعالى: (وكذلك نصرف الآيات) يعني: لتكون الحجة على المخالفين، (وليقولوا) في ردها: (درست). فهل الله سبحانه وتعالى يصرف الآيات لسبب أن يقولوا: (درست)؟ A كلا، بل هو يصرف الآيات ليبينها لقوم يعلمون، ولكن آل أمرهم إلى أن يقولوا: (درست)، وهذا مثل قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص:8] فهل آل فرعون حينما التقطوا موسى كانوا يريدون بذلك أن يكون لهم موسى عدواً وحزناً؟ A العكس هو الحاصل، فقد قالت زوجة فرعون: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [القصص:9] فهم لم يلتقطوه للعداوة، وإنما التقطوه ليصير لهم قرة عين، ولكن صارت عاقبة أمرهم إلى عداوة موسى عليه السلام، فاللام هنا لام العاقبة أو لام الصيرورة، وليست لام التعليل. فكذلك الآيات صرفت للتبيين، ولم تصرف ليقولوا: (درست) ولكن حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين، فشبه به. قال الخفاجي: وجوز أن يكون على الحقيقة أبو البقاء وغيره. أي أن اللام في (وليقولوا درست) هي على الحقيقة وليست لام الصيرورة أو العاقبة، يعني أنها لام تعليل. قالوا: لأن نزول الآيات هو لإضلال الأشقياء وهداية السعداء، كما قال تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة:26]. وقال الرازي: حمل اللام على العاقبة بعيد؛ لأنه مجاز، وحمله على لام الغرض حقيقة، والحقيقة أقوى من المجاز، ولأن المراد منه هو عين المذكور في قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة:26]. قال: ومما يؤكد هذا التأويل قوله: (ولنبينه لقوم يعلمون) يعني: أنه ما بينه إلا لهؤلاء، فأما الذين لا يعلمون فما بينا هذه الآيات لهم، وإذ لم يكن بياناً لهم ثبت جعله ضلالاً لهم، فما لم يكن بياناً فإنه يكون ضلالاً لهم، ويضلون بأن يقولوا: (درست) ويكفروا به. فقوله: (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون) اللام الثانية معروف أنها لام الحقيقة، أما اللام في: (وليقولوا درست) فمن قائل: إنها لام الصيرورة والعاقبة، ومن قائل: إنها لام الحقيقة كالتي في قوله تعالى: (ولنبينه لقوم يعلمون) فهؤلاء هم الذين يبين لهم الآيات، أما الأولون الذين سيقولون: (درست) فهم يضلون بهذه الآيات، ويزدادون بها كفراً وعناداً.
تفسير قوله تعالى: (اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو)
تفسير قوله تعالى: (اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو) قال تعالى: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:106]. ولما حكى تعالى عن المشركين قبحهم في تصريف الآيات أتبعه بالأمر بالثبات على ما هو عليه تقوية لقلبه وإزالة لما يحزنه، فقال عز وجل: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:106]. أي: أعرض عن هؤلاء الذين يقولون: (درست) ويردون الحق، واشتغل بما كلفت به. قوله: (اتبع ما أوحي إليك من ربك) يعني: من تبليغ الرسالة التي هي الآيات المصرفة مبالغة في إلزام الحجة. وقوله: (لا إله إلا هو) هذه الجملة اعتراضية أكد بها إيجاب الاتباع في قوله: (اتبع ما أوحي إليك من ربك) أو أنها حال مؤكدة. وقوله: (من ربك) يعني: منفرداً في الإلهية، فكأن (لا إله إلا هو) حال من (ربك) يعني: منفرداً في الإلهية. وقوله: (وأعرض عن المشركين) قال أبو مسلم: أريد بالإعراض الهجران لهم دون الإنذار وترك الموعظة، وليس المقصود من قوله: (وأعرض عن المشركين) أنك لا تنذرهم ولا تعظهم, وإنما المقصود: أعرض عنهم {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل:10] وليس معناها: أعرض عن نذارتهم وإبلاغهم الحق وإقامة الحجة عليهم، كلا؛ فإن هذا مستمر، لكن أعرض عن المشركين إما عن سفاهتهم وجهلهم وما يؤذونك به، وإما بهجرانهم ونبذهم، لكن لا يمكن حمل الآية: (أعرض عن المشركين) على معنى: لا تبلغهم الحق ولا تنذرهم. قال المهايمي: (وأعرض عن المشركين) أي: لا تحزن عليهم إذا أصروا على الشرك والعمى مع هذه البصائر، فلا تحزن عليهم، ولا تهلك نفسك من الحسرة والحزن عليهم لإعراضهم عنك وعن الحق. فهذه مواساة من الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله يقول له: إني أردت بقاءهم على الشرك والعمى؛ لأن استعدادهم يقتضي ذلك، فطينتهم طينة خبيثة ترفض الحق، واستعدادهم يميل إلى الشر، فلم يرد الله سبحانه وتعالى بهم خيراً، ولم ييسرهم اليسرى، فأعرض عنهم فإنه لا ينفع فيهم شفقتك وحرصك عليهم.
تفسير قوله تعالى: (ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا)
تفسير قوله تعالى: (ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظاً) قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} [الأنعام:107]. قوله: (ولو شاء الله ما أشركوا) يعني: مع وجود الاستعداد للكفر في قلوبهم، فلو أن الله شاء أن يهتدوا وأنلا يشركوا مع وجود الاستعداد للشرك فيهم فإن مشيئة الله نافذة، لكن الحقيقة أن سنة الله جرت لرعاية هذا الاستعداد الذي في قلوبهم. وقوله: (وما جعلناك عليهم حفيظاً) أي: هم وإن كان لهم استعداد للإيمان في فطرتهم فقد أبطلوا هذا الاستعداد، فأنت وإن كنت داعياً إلى إصلاح الاستعداد الفطري فما جعلناك متولياً عليهم تحفظ مصالحهم حتى تكون مصلحاً لاستعدادهم الفطري. وقوله: (وما جعلناك عليهم حفيظاً وما أنت عليهم بوكيل) أي: ما أنت بوكيل تدبر عليهم أمورهم، أو تغيرهم من استعدادهم إلى استعداد آخر، بل هذا مفوض إلى الله تعالى يفعل بهم بمقتضى استعدادهم الطبيعي لهم من غير تغيير له، بل هو مفوض إلى اختيارهم. وفي قوله تعالى: (ولو شاء الله ما أشركوا) دليل على أن الله تعالى لا يريد إيمان الكافر، لا بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يمنعه عن الإيمان مع توجهه إليه، بل بمعنى أنه تعالى لا يريده منه؛ لعدم ترك اختياره الجزئي نحو الإيمان وإصراره على الكفر. أي أن الله تعالى يكله إلى نفسه ويخذله ولا يمده بالتوفيق والهداية إلى الحق، فإذا وكل إلى نفسه لا يأتي منها إلا الشر. وقوله تعالى أيضاً: (ولو شاء الله ما أشركوا) أي: كل ما يقع فإنما يقع بمشيئة الله، ولا شك في أن استعداداتهم التي وقعوا بها في الشرك وأسباب ذلك من تعليم الأذى والعادات وغيرها واقعة بإرادة من الله، وإلا لم تقع؛ لأنه لا يكون في ملك الله إلا ما يريد، فإن آمنوا بذلك فبهداية الله، وإلا فهون على نفسك؛ فما جعلناك تحفظهم عن الضلال، وما أنت بموكل عليهم بالإيمان. وهل قوله تعالى: (ولو شاء الله ما أشركوا) يتنافى مع ما عيرهم به فيما بعد من قوله تبارك وتعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [الأنعام:148]؟ وهل هذا يتعارض مع ذاك؟ A مستحيل أن يتعارض القرآن بعضه مع بعض، وإنما المقصود بقوله عز وجل: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [الأنعام:148] أنهم قالوا ذلك احتجاجاً بالقدر في منع الشرك؛ لأنهم لو قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا} [الأنعام:148] على سبيل الاعتراف أو الإقرار بالقضاء والقدر لكان هذا شيئاً حسناً منهم، فإن قصدوا ذلك فهذا معنى محمود وصحيح؛ لأن كل شيء يجري بمشيئة الله، لكنهم ما أرادوا هذا، وإنما ساقوا هذه العبارة (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا) للاحتجاج بالقدر، وليس لإثبات القدر. والقدر نحن نثبته ونقر به، لكن لا نحتج به على إبطال الشرع، وهذا كما في قوله تعالى في سورة يس: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} [يس:47] أي: لو شاء الله أن يطعم هؤلاء الفقراء لأطعمهم، أي: أن ربنا شاء أن هؤلاء الفقراء يجوعون ويعرون ويفتقرون، فهل نغير ما شاءه الله؟! وكأنهم بهذا يثبتون القدر، لكن أليس الله قد شرع الشرائع وأمر بأوامر وتكليفات؟ A بلى، فقد أمركم أن تنفقوا على الفقراء، وأن تتصدقوا عليهم، فلماذا تضربون الشرع بالقدر؟ فالمؤمن يؤمن بالقدر لكن لا يحتج به، وإنما يحتج بالقدر في المصائب فقط، أي أن الاحتجاج بالقدر لا يكون إلا في المصائب التي تقع على الإنسان رغماً عنه بلا تسبب منه فيها ولا أسباب يستطيع أن يباشرها، فمثل هذا يحتج بالقدر، ولذلك تقول فيما فاتك مما لا سبيل إلى التفادي فيه: قدَّر الله وما شاء فعل. أو: قَدَرُ الله وما شاء فعل. فتأتي إلى مصيبة الموت فتقول: هذا قدر الله، ولكل أجل كتاب. وتتعزى في مصيبة الموت بالقدر، لكن هل إذا خالفت الشرع بارتكاب ما حرمه الله تقول: قدر الله أني فعلت هذا الذنب؟ وقدر الله وما شاء فعل؟ الجواب: لا يجوز لك ذلك، وهذه سنة من سنن المشركين، أعني الاحتجاج بالقدر في تعطيل الشرع. فإن تأملت الذنب الذي فيه مخالفة للشرع فستبقى طول عمرك تستغفر الله سبحانه وتعالى منه وتندم عليه، ولا يجوز لك أن تحتج بالقدر، فهؤلاء لو كانوا ساقوا هذه العبارة (لو شاء الله ما أشركنا) لإثبات القدر لكان هذا الكلام صحيحاً، لكن ما أوردوها إثباتاً للقدر، وإنما قالوها عناداً للشرع، وإبطالاً للشرع الذي يأمرهم أن يخرجوا من الشرك إلى التوحيد. فقولهم ذلك وإن كان صدقاً في نفس الأمر لكنهم كانوا به مكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ لو صدقوا لعلموا أن توحيد المؤمنين -أيضاً- بإرادة الله، فلماذا نحتج بالقدر فقط فيما يوافق أهواءنا؟! فيرتكب أحدهم المعاصي ويقول: هذا مكتوب عليّ! فلماذا لم تؤمن ولم تصل ولم تتصدق وتفعل الطاعات وتقول: إن هذا -أيضاً- قدر قد كتبه الله عليك؟! ولو علموا أن كل شيء لا يقع إلا بإرادة الله لما بقوا مشركين، بل لكانوا موحدين، لكنهم قالوه لغرض التكذيب والعناد وإثبات أنه لا يمكنهم الانتهاء عن شركهم، فلذلك عيرهم به، لا لأنه ليس كذلك في نفس الأمر، فإنهم لم يطلعوا على مشيئة الله. فمن أين لك أن الله لم يشأ ذلك منك؟! وهل اطلعت على مشيئة الله وأنه كما أراد شركهم في الزمان السابق لم يرد إيمانهم الآن؟! فإنه ليس كلهم مطبوع القلب، بدليل إيمان من آمن منهم، فلو كان فيما مضى شاء الله أن تشرك فما يدريك الآن في هذه اللحظة أن الله شاء أن تقرأ أو تعمل عملاً ما؟ فربما يكون الله عز وجل شاء في هذا الزمان الحاضر أن تكون مؤمناً، بدليل أن من المشركين من أسلم بعد ذلك، فهل اطلعت على مشيئة الله لتعلم أن الله شاء منك أن تبقى على هذا الكفر؟! فلعله شاء منك أن تخرج من الكفر إلى الإيمان، كما قال جعفر الصادق: إن الله أراد بنا أشياء، وأراد منا أشياء -يعني: ما كتبه علينا من القدر والقضاء، وأراد منا الإرادة الشرعية التي كلفنا بها - فما أراده بنا كتمه عنا، وما أراده منا كشفه لنا، فما بالنا ننشغل بما أراده بنا عما أراده منا؟! يعني كونك من أهل الجنة أو من أهل النار وخاتمتك ومنزلتك عند الله ذلك شيء خبأه الله سبحانه وتعالى واستأثر بعلمه، لكن الله أراد منك شيئاً وأمرك بشيء، وهذا الشيء الذي أمرك به وضحه لك. فأمرك بالصلاة وبالزكاة وبالتوحيد ونحو ذلك، وحرم عليك كذا وكذا وكذا، فأنت لم تطلع على ما غيب عنك، لكنك تعرف جيداً أن الله أمرك بهذه الطاعة، فلا يجوز أن تلتفت إلى شيء مخبأ عن شيء ظاهر كلفت به وسوف تحاسب عليه.
تفسير قوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم)
تفسير قوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم) قال تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:108]. قوله: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم) يعني: لا تذكروا آلهتهم التي يعبدونها بما فيها من القبائح؛ لئلا يتجاوزوا إلى الجناب الرفيع. أي: إذا كان الحال أن المشركين إذا سببتم آلهتهم بالشتم والتقبيح وتعرفون من أحوالهم أنهم يردون عليكم بسب الله عز وجل فمن باب سد الذرائع لا تشرعوا في سب آلهتهم حتى لا يردون بسب الله عز وجل، مع أن آلهتهم تستحق السب، لكن نظراً إلى هذا المنكر الذي يترتب على إنشاء هذا الفعل من أجل ذلك نهى الله عن سب آلهتهم، وإن كان سبهم حقاً. روى عبد الرزاق عن قتادة قال: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فنهوا عنه لذلك. وقال الزجاج: نهوا أن يلعنوا الأصنام التي كانت تعبدها المشركون. وقوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله) جملة (الذين يدعون) صلة تفتقر إلى العائد الذي هو الضمير الذي يعود على ما مضى، والعائد هنا مقدر، تقديره: ولا تسبوا الذين يدعونهم من دون الله، يعني الأصنام، والتعبير بـ (الذين) على زعمهم أنهم من أولي العلم، أو بناءً على أن سب آلهتهم سب لهم، كما يقال: ضرب الدابة صفع لراكبها. فإذا ضربت الدابة فكأنك تصفع من يركبها، وكذلك إذا شتمت الأصنام فكأنك تشتم عبَّادها، فمن ثمَّ قال تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله). فإن قيل: إنهم كانوا يقرون بالله وعظمته، وأن آلهتهم إنما عبدوها لتكون لهم شفعاء عنده فكيف يسبونه؟! أي: كيف يتوقع أن المشرك يسب الله سبحانه وتعالى ونحن نعلم أنهم كانوا يعظمون الله، وكانوا إذا عوتبوا فيما يأتونه من الشرك كانوا يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] ويقولون: نحن نعلم أنها لا ترزق ولا تحيي ولا تميت، ولكن نحن نعبدها لتقربنا إلى الله زلفى ونتوسل بها إلى الله سبحانه وتعالى؟ فإذاً: كيف يسبونه؟! وهل يتصور مع تعظيمهم لله بهذه الطريقة أنهم يسبون الله؟! فالجواب أنهم لا يفعلون ذلك صريحاً، بل يفضي كلامهم إلى ذلك، وكأن مثل هذا أنك إذا سببت آلهته يشتمك ويشتم من أمرك بذلك، والعياذ بالله! ويحصل هذا الكفر الشنيع من بعض الناس، فقد يسب أحد الإنسان ويسب الذي خلقه، والعياذ بالله! فيرتد من الإسلام في طرفة عين، ويخرج من الملة صراحة، فإذا سب الشخص الذي يكلمه وسب -أيضاً- الذي خلقه -والعياذ بالله- فهذا كفر صراح بواح لاشك فيه على الإطلاق، ومثل هذه العبارات الشنيعة ينطق بها السفهاء. ولذلك فسرت كلمة (فيسبوا الله عدواً بغير علم) بأنهم لا يسبونه سباً صريحاً، وإنما يتلون في الكتاب بهذه الطريقة، أي: أنهم يأتون بكلام يفضي إلى سب الله، كشتمهم له ولمن يأمره بذلك أيضاً، فيشتمك ويشتم من أمرك بأن تشتم هذه الآلهة أو أمرك بأن تعظه به، وهذا تفسير حسن جداً، كما يقول القاسمي. وقوله: (فيسبوا الله عدواً بغير علم) فيه احتمال آخر، وهو أن سب الله سبحانه وتعالى يقع منهم بالفعل، أي: يسبون الله مباشرة وهم يعلمون أنهم يحبون الله، مع أنهم في وقت آخر يزعمون تعظيم الله؛ لأن الغيرة والغضب ربما حملهم على سب الله صريحاً، ألا ترى المسلم الذي ينتسب إلى الإسلام قد تحمله شدة غضبه على التكلم بالكفر، وهذا شيء نراه، وهو يزعم أنه مسلم وأنه موحد وأنه يشهد الشهادتين، ومع ذلك ربما يتمكن منه الشيطان إذا غضب حتى إنه لينطق بكلمة الكفر الصريح ويسب الله عز وجل والعياذ بالله! فمن باب أولى أن المشرك الذي يعبد الأصنام إذا تملكه الغضب والحمية الجاهلية يسب الله سبحانه وتعالى صراحة، وإن زعم في وقت آخر أنه يعظم الله، وأنه إنما يعبد الأصنام لتقربه إلى الله زلفى. وقوله: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم) (عدواً) هنا مصدر، يعني: ظلماً وعدواناً. يقال: عدا عليه عدواً كـ (ضربه ضرباً)، ويقال: عدا عليه عُدُوَّاً وعداءً: إذا تعدى وتجاوز، وهو مفعول مطلق لـ (تسبوا) من معناه؛ لأن السب عدوان. فقوله: (فيسبوا الله عدواً) أي: فيسبوا الله سباً، فعبر عن المفعول المطلق الذي هو السب بالعدوان؛ لأن السب نوع من العدوان، أو أنها مفعول له، أو حال مؤكدة، مثل (بغير علم). قال ابن الفرج في الآية: إنه متى خيف من سب الكفار وأصنامهم أن يسبوا الله أو رسوله أو القرآن لم يجز أن يسبوا ولا دينهم. فمتى ما خفت وتوقعت من الكافر الذي تناظره أو تتعامل معه أنك إذا سببت آلهته أو أصنامه يرد عليك بأن يسب الله أو يسب الرسول عليه الصلاة والسلام أو يسب القرآن ففي هذه الحالة لا يجوز لك أن تسبهم، ولا أن تسب دينهم وآلهتهم.
الاستدلال بهذه الآية على قاعدة سد الذرائع
الاستدلال بهذه الآية على قاعدة سد الذرائع وهذه الآية أصل في قاعدة سد الذرائع، فقاعدة سد الذرائع الدليل الأصلي لها الذي تقوم عليها هو هذه الآية الكريمة: ((وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)). وقال السيوطي: وقد يستدل بها على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا خيف من ذلك مفسدة أقوى، وكذا يترك كل فعل مطلوب إذا ترتب على فعله مفسدة أقوى من مفسدة تركه. وقال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية أن الحسن يصير قبيحاً إذا كان يحصل بفعله مفسدة. فلا يدفع الإنسان في هذه الحالة حسن النية، بل لابد مع حسن النية من بصيرة وحسن تقدير للعواقب، فالإنسان الذي يهجم على فعل أشياء دون النظر إلى العواقب لا يمدح، وإنما يكون مقصراً، فالفعل -حتى لو كان أصلاً جائزاً- إذا كان يترتب عليه مفسدة أشد من الفعل الذي ينهى عنه فمن الفقه أن لا يرتكب هذا الفعل الذي يؤدي إلى المفسدة الأقوى أو الأكبر. وقال الحاكم: نهوا عن سب الأصنام لوجهين: أحدهما: أنها جماد لا ذنب لها. يعني: أن الصنم جماد؛ لأنه من حجارة أو خشب أو عجوة أو نحو ذلك، فالأصنام جمادات، فإذا سببتها فأنت تسب جمادات. الثاني: أن ذلك يؤدي إلى المعصية بسب الله تعالى. وهذا هو المعنى الذي ذكرناه آنفاً. وهل معنى ذلك أن تسكت عن عبادة الأصنام؟ A لا، وإنما لا تسب آلهتهم إذا كان يترتب على السب أن يقابلوا سبك بسب الله أو سب الرسول عليه الصلاة والسلام أو سب القرآن، لكن لا يعني ذلك أن تسكت عن بيان أنه لا يجوز عبادتها، وأنها لا تنفع ولا تضر ولا تستحق العبادة، فهذا كله ليس بسب، وليس بداخل في السب. ولهذا قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يوم صفين: لا تسبوهم، ولكن اذكروا قبيح أفعالهم. أي: اذكروا أفعالهم القبيحة.
ترك النهي عن المنكر إذا أدى إلى منكر أكبر
ترك النهي عن المنكر إذا أدى إلى منكر أكبر قال الزمخشري: فإن قلت: سب الآلهة حق وطاعة، فكيف صح النهي عنه، وإنما يصح النهي عن المعاصي؟ قلت: رب طاعة علم أنها تكون مفسدة، فتخرج عن أن تكون طاعة، فيجب النهي عنها؛ لأنها معصية لا لأنها طاعة؛ لأنها متى ما علم أنه يترتب عليها مفسدة فتخرج من حيز الطاعة إلى حيز المعصية، فيجوز أن ينهى عنها. يقول: كالنهي عن المنكر، بل هو من أجل الطاعات، فإذا علم أنه يؤدي إلى زيادة الشر انقلب إلى معصية، فوجب النهي عن ذلك، كما يجب النهي عن المنكر. فإن قلت: فقد روي عن الحسن وابن سيرين أنهما حضرا جنازة، فرأى محمد -يعني: ابن سيرين - نساءً خرجن مع الجنازة فرجع محمد بن سيرين، فقال: الحسن: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا يعني: هذا سيسقط علينا ديننا سريعاً، ويهلك ويضعف ديننا وإيماننا لو تركنا الطاعة لأجل المعصية. وقال -كما روي عنه أيضاً-: لا ندع حقاً لباطل. يعني: إذا كان أقرباء الميت -خاصة النساء- لا يراعون حرمات الله سبحانه وتعالى، فهل معنى ذلك أنك إذا مات أخوك المسلم الذي يرتكب أقاربه هذه المخالفات تقصر في حقه من اتباع جنازته أو الدعاء والاستغفار له؟! فهو ميت الآن وغير مكلف، وقد انتهى عمره، وطويت صحيفته، فبقي له عليك حق صلاة الجنازة وتشييعها والدعاء له والاستغفار إلى آخره. فلو أننا -خاصة في مثل هذا الزمان- تركنا هذا الحق لأجل الباطل الذي طرأ، وهو خروج النساء أو حصول كثير من المنكرات في الجنائز الآن فمعنى ذلك أنه لن تشيع جنائز إلا في القليل النادر؛ لأن الناس الذين يلتزمون بالشرع قلة، وهل هناك أسرة تخلوا من أناس لا يلتزمون بالشرع؟ فيوجد من النساء من تخرج تصرخ أو تنوح، ويمكن أن يوجد من أقرباء الميت من يأتي بالزهور، وربما وقع أشد من ذلك من الأحوال المعروفة في الجنائز. فالمقصود من الكلام أننا لو تركنا الطاعة لأجل معصية لأسرع ذلك في ديننا، كما قال الحسن. فهذا الفعل الذي فعله ابن سيرين ليس مما نحن بصدده؛ لأن حضور الرجل في الجنازة طاعة، وهل حضور مثل هذه الجنازة التي خرج فيها النساء يكون سبباً في خروج النساء؟ وهل علاقة الحضور بوجود النساء علاقة السبب بالمسبب؟ أي: هل كان وجود ابن سيرين في الجنازة هو السبب الذي أخرج النساء كي يشيعن الجنازة؟ وهل إذا تخلف ابن سيرين سيتخلف وجود النساء أم سيبقين في الجنازة؟ فإذاً: لا يجوز الربط بين هذه الحادثة وبين ما نحن بصدده الآن من كلام في معنى الآية؛ لأن سب المشركين نهي عنه؛ لأنه يكون سبباً في أن يسبوا الله، فإذا سكت عن سبهم سكتوا عن سب الله، وهل وجود هذا الرجل سبب في وجود النساء؛ بحيث إذا انتفى السبب ينتفي المسبب، بمعنى أنه إذا تخلف سينقطع هذا المنكر؟ A لا ينبغي قياس هذا على ذاك، ولا يقاس هذا الموقف على ما نحن بصدده في معنى الآية. فمن ثمَّ يقول الزمخشري: فإذا علم أنه يؤدي إلى زيادة الشر انقلب إلى معصية، ووجب النهي عن ذلك، كما يجب النهي عن المنكر، فإن قلت: فقد روي عن الحسن وابن سيرين أنها حضرا جنازة فرأى محمد نساءً فرجع، فقال الحسن: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا. قلت: ليس هذا مما نحن بصدده؛ لأن حضور الرجل الجنازة طاعة، وليس سبباً لحضور النساء؛ لأنهن يحضرنهن، سواء حضر الرجال أو لم يحضروا، بخلاف سب الآلهة، وإنما خيل إلى ابن سيرين أنه مثله، حتى نبه عليه الحسن. انتهى كلام الزمخشري. فـ ابن سيرين اعتبر هذا الموقف مثل الموقف المذكور في الآية حتى نبه عليه الحسن وبين خطأه في ذلك. ومنه قال بعض مفسري الزيدية: واعلم أن المعصية إن كانت حاصلة لا محالة سواء فعل الحسن أم لا لم يسقط الواجب، لا يقبح الحسن. وقال الخفاجي: إن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وكانت سبباً لها وجب تركها، بخلاف الطاعة في موضع فيه معصية لا يمكن دفعها، وكثيراً ما يشتبهان، فلم يحضر ابن سيرين جنازة اجتمع فيها الرجال والنساء، وخالفه الحسن للفرق بينهما. وقال الرازي: وفي الآية تأديب لمن يدعو إلى الدين؛ لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب؛ لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تضر ولا تنفع يكفي في القدح في إلهيتها، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها. وهذا تنبيه مهم جداً، فليس معنى عدم سب الآلهة عدم بيان بطلان عبادتها، وأنها لا تستحق العبادة، وأنها لا تضر ولا تنفع، فهذا لابد منه، وهذا هو من التوحيد، وهذه هي الدعوة إلى الكفر بالطاغوت، لكن السب شيء وبيان بطلانها وعدم استحقاقها العبادة شيء آخر، فالنهي هنا عن سب الآلهة إذا كان يؤدي إلى سب الله سبحانه وتعالى. فإذاً: الذي يدعو الناس إلى الدين ينبغي أن لا يتشاغل بشيء لا يؤدي إلى فائدة مطلوب منه أن يحصلها. لكن يصف الأوثان بأنها جمادات، وأنها لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر ولا تملك لهم شيئاً، مما يكفي في القدح في إلهيتها، فلا حاجة إلى سبها مادام عندنا الأدلة والحجة على إبطال استحقاقها للعبادة، فنحن بعد ذلك لا نحتاج إلى شتمها.
تزيين الباطل وسهولته على النفس
تزيين الباطل وسهولته على النفس ثم قال تعالى: ((كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ)) أي: كذلك زينا لكل أمة من الأمم الماضية الضلال. وقوله: (ثم إلى ربهم مرجعهم) يعني: بالبعث بعد الموت. قوله: (فينبئهم) يعني: يخبرهم بما كانوا يعملون في الدنيا، وذلك بالمحاسبة والمجازاة عليه. وقوله: (كذلك زينا لكل أمة عملهم) يعني أن كل ما يظهر في هذه النشأة في الدنيا من الأعيان والأعراض فإنما يظهر بصورة مستعارة مخالفة لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة. مثلاً: المعاصي هي سموم قاتلة، لكنها برزت في الدنيا بصورة تستحسنها نفوس العصاة، كما نطقت هذه الآية (كذلك زينا لكل أمة عملهم). فالمعاصي تظهر في هذه الدنيا بصورة غير صورتها الحقيقية عند هؤلاء العصاة، فأحدهم يعتبر أن تحصيل المعصية نوع من المكسب العظيم إن استطاع أن ينجز هذا الإنجاز وأن يحصل على هذا المكسب، مع أن المعاصي في الحقيقة هي سموم قاتلة، فبرزت في الدنيا بصورة تستحسنها نفوس العصاة كما نطقت به هذه الآية الكريمة. وكذا الطاعات، مع أن الطاعات هي أحسن المحاسن، لكنها ظهرت عند هؤلاء بصورة مكروهة مستثقلة، فيكره أحدهم العبادة والطاعة، ويرى فيها مشقة وعبئاً عليه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) فقوله: (حفت الجنة بالمكاره) يعني الأشياء التي تشق على النفوس (وحفت النار بالشهوات) يعني أن دخول بابها سهل؛ لأن الشيطان يدعو إليه، والنفس تدعو إلى المعاصي والهوى. فعوامل التردي والهدم كثيرة جداً، والهوى يساعد على ذلك، أما الجنة فتحتاج إلى نوع من المجاهدة والمقاومة، فحفت الجنة بالمكاره التي لا تخلو من مشقة على النفس، كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216] والتكليف شاق على المكلف، والتكليف الشرعي داخل في معنى المشقة، لكنها مشقة تدخل في طوق الإنسان وفي قدرته، وليست المشقة غير الاعتيادية؛ لأنه إذا كانت المشقة غير اعتيادية فإنه يأتي معها تخفيف عن المكلف. لكن أي عبادة لا تخلو من مشقة، فالصيام فيه مشقة، والصلاة فيها مشقة، والوضوء فيه مشقة، لكن هذه المشقة تدخل في استطاعة الإنسان، فهو مكلف بأن يتحمل هذه المشقة وهذه المكاره. فإذاً: الأعمال التي يعملها الكفرة برزت لهم في هذه النشأة بصورة مزينة تستحسنها الغواة، وتستحبها الطغاة، لكنها في النشأة الآخرة ستظهر بصورتها الحقيقية المنكرة الهائلة، فعند ذلك يعرفون حقيقة هذه الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا، فعبر عن إظهارها بصورها الحقيقة بالإخبار بها. قوله: (فينبئهم بما كانوا يعملون) يعني: يظهرها لهم في صورتها الحقيقية حتى يعلموا حقيقة ما كانوا عليه في الدنيا، وأنها إنما زينت لهم هذه المعاصي، وهذا هو سبب عدم توبة أكثر الناس؛ لأنهم يرون الأشياء على غير حقيقتها. كما قال تبارك وتعالى: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} [التوبة:37] وقال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [فاطر:8]، وهذا كحال الكافر والمبتدع، فأحدهما يرى الشيء القبيح حسناً، فإذا رآه حسناً هل يتصور أنه يتوب منه؟ لا يتصور؛ لأنه يراه حسناً، ولذا لن يفكر في التوبة. فمن ثمَّ قال بعض السلف: ليس لصاحب بدعة توبة. بمعنى أنه يستحسن البدع، ويراها بصورة حسنة، فكيف يتوب؟ فمن ثمَّ لا ترجى له توبة، بخلاف العاصي، فإن أمره أخف؛ لأن العاصي، الموحد يرى معاصيه فيبغضها، لكن الهوى يغلبه، فمن ثمَّ يرجى له التوبة، أما المبتدع فقد زين له سوء عمله فرآه حسناً. وقد قال تعالى في اليهود الذين عبدوا العجل: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة:93] يعني: تغلغل حب العجل في قلوبهم على أنه هو إلههم، وتخلل في قلوبهم حبه حتى أشربوه، وتشبعوا به، فصاروا يحبونه حباً ملك عليهم كيانهم. قيل لـ سفيان الثوري رحمه الله: ما بال أهل الأهواء شديدو المحبة لأهوائهم؟ فقال: ألم تر إلى قوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة:93]؟ فلا تعجب إذا رأيت صاحب مبدأ هدام أو مبدأ ضال أو عقيدة إلحادية أو شركية أو كفرية وهو سعيد جداً بما هو عليه؛ لأنه زين له سوء عمله، والشيطان يزين له هذه الأشياء، فهو يعتقد أنه على الحق، وأنه على الصواب، وأنه مستعد لأن يضحي بروحه في سبيل نصرة هذه الباطل الذي هو عليه.
تفسير قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها)
تفسير قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها) قال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:109]. قوله: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) (جهد) مصدر وقع موقع الحال، أي: أقسموا بالله تعالى جاهدين في أيمانهم باذلين في توثيقها طاقتهم، يعني أنهم يقسمون ويجتهدون في توثيق اليمين المغلظة التي يحلفون. وقوله: (لئن جاءتهم آية) يعني: خارقة، كالآيات التي يقترحونها. وقوله: (قل إنما الآيات عند الله) أي: أمرها في حكمه وقضائه خاصة، يعني: إنما أنا عبد ورسول أبلغ ما أرسلت به؛ لأن التحكم في الآيات التي هي عبارة عن كشف لقدرة الله سبحانه وتعالى في المعجزات والخوارق ليس إلي، بل هذا إلى الله عز وجل يتصرف بها حسب مشيئته المبنية على الحكم البالغة، فلا تتعلق بها قدرة أحد ولا مشيئته، وليست في قدرة أحد ولا في مشيئته حتى يمكنه أن يتصدى لاستنزالها للاستدعاء, وهذا سد لباب الاقتراح على أبلغ وجه وأحسنه لبيان صعوبة منالها وعلو شأنها. فاقتراح الآيات أمر ليس بالسهل، وليس أمراً موكولاً إليّ ولا إليكم، إنما هو مفوض إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا من أعظم الردود في سد باب الاقتراحات على الله سبحانه وتعالى أن ينزل كذا، وقولهم: لو أن الله فعل كذا وكذا لنؤمنن به. وغير ذلك مما جاءت به كثير من الآيات. ثم قال تبارك وتعالى: (وما يشعركم) يعني: أيها المؤمنون! والخطاب للمؤمنين لأن المؤمنين كانوا يتمنون مجيء الآية طمعاً في إيمانهم، فالمؤمنون كانوا يسمعون المشركين يقترحون الآيات على الرسول عليه الصلاة والسلام، فكانت قلوبهم تتطلع إلى أن يجيبه الله تعالى بهذه الآيات التي يقترحونها طمعاً في إيمان هؤلاء المشركين. فالله سبحانه وتعالى يخاطب المؤمنين ويقول لهم: (وما يشعركم) أيها المؤمنون (أنها إذا جاءت لا يؤمنون). وقيل: الخطاب للمشركين، والمعنى: وما يشعركم -أيها المشركون! - أنها إذا جاءت لا تؤمنون. لأنه جاء في قراءة أخرى: (لا تؤمنون) وإذا قلنا: وما يشعركم -أيها المشركون- أنها إذا جاءت لا يؤمنون سيكون فيها التفات، فقوله: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) هذا الخطاب متعلق بالمشركين، والخطاب -أيضاً- متعلق بالمشركين في قوله (يشعركم) لكن فيه التفات، ومما يؤيد هذا قراءة (لا تؤمنون).
تفسير قوله تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة)
تفسير قوله تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام:110]. قوله: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) هذا عطف على قوله: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) أي أن هذه الآية داخلة في حكم (ما يشعركم)، والمعنى: وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا يفقهونه، وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه، لكن لا مع توجهها إليه واستعدادها لقبوله، بل لكمال نبوها عنه وإعراضها بالكلية؛ لأن قلوبهم -أصلاً- معرضة عن الحق، ولا تريد الحق، فبذلك لا ينتفعون بهذه الآيات، ولذلك أخر ذكره عن ذكر عدم إيمانهم إشعاراً بأصالتهم في الكفر، دفعاً لتوهم أن عدم إيمانهم ناشئ من تقليبه تعالى مشاعرهم بطريق الإجبار. وقوله: (كما لم يؤمنوا به) يعني: بما جاء من الآيات. وقوله: (أول مرة) يعني: قبل سؤالهم الآيات التي اقترحوها. وقوله: (ونذرهم) أي: ندعهم. وقوله: (في طغيانهم يعمهون) أي: يترددون متحيرين لا نهديهم هداية المؤمنين. يعني أن الإنسان إذا ارتفعت عنه عناية الله فلابد من أن يغرق في الضلال، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)، فلو وكل الله سبحانه الإنسان إلى نفسه طرفة عين لفسدت عليه كل أموره، فالمقصود هنا بقوله: (ونذرهم في طغيانهم يعمهون) يعني: نحرمهم مما مننا به على المؤمنين من التوفيق والهداية؛ لأنهم إذا تركوا إلى نفوسهم وتركهم الله وودعهم فإنهم يعمهون ويتحيرون في العمى والضلال، فلا نهديهم هداية المؤمنين. وفي الآية دليل على أن الله تعالى يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فإن القلوب والأبصار بيده وفي تصريفه، فيقيم ما شاء منها، ويزيغ ما أراد منها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك). وجاء عن أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك. فقلت: يا رسول الله! آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم؛ إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء). فالهداية والإضلال من الله سبحانه وتعالى، وهذا ما يشير إليه قوله هنا: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام:110] أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأنعام [111 - 121]
تفسير سورة الأنعام [111 - 121]
تفسير قوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا)
تفسير قوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً) قال تعالى: فقد انتهينا في تفسير سورة الأنعام إلى قوله تبارك وتعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:109] * {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام:110] بعدما حكى الله سبحانه وتعالى عنهم اجتهادهم في الأيمان بقوله: ((وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا)) بين تعالى كذبهم في أيمانهم الفاجرة على أبلغ وجه وأكده فقال عز وجل: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام:111]. قوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة) يعني: فرأوهم عياناً، أي أننا لم نقتصر على إيتاء ما اقترحوه هنا من آية واحدة، ولن نجيبهم فقط إلى آية واحدة يطلبونها، لكن سنأتيهم بجملة كبيرة من الآيات، ومنها أن ننزل إليهم ملائكة، كما قال تبارك وتعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} [الفرقان:21]. وحكى عنهم أن من اقتراحاتهم الطويلة أنهم قالوا: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا} [الإسراء:92]. فيقول تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى) يعني: بإحيائنا إياهم. أي: نحيي الموتى فيكلمونهم. كما قالوا: {فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الدخان:36]. وقوله: (وحشرنا عليهم) أي: جمعنا (كل شيء) سواء من الحيوانات أو النباتات أو الجمادات، أو كل شيء من الآيات التي اقترحوها. وقوله: (قبلاً) أي: مقابلة وعياناً حتى يواجهوهم قبلاً كما يكون الشيء في قبل الشيء، أي: في مقابلته في مواجهة ورؤية عينية حتى تحصل المواجهة، أو أن (قبلاً) جمع قبيل، وهو الكفيل والضمين. فقوله: (وحشرنا عليهم كل شيء) يعني: كل شيء اقترحوه أو سألوه من الآيات، أو كل شيء من الحيوانات والنباتات والجمادات. (قبلاً) أي: كفلاء، جمع كفيل، أي: بصحة ما بشروا به وأنذروا، بحيث تأتي هذه الأشياء كلها من النباتات والحيوانات والجمادات وينطقها الله سبحانه وتعالى، وتضمن لهم وتشهد بصحة ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من البشارة والنذارة، فتضمن لهم صدق هذه الأخبار، وتنطق لهم بذلك (ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) أي: ما كانوا ليؤمنوا لغلوهم في التمرد والطغيان. وقوله: (إلا أن يشاء الله) يعني: إلا أن يشاء الله إيمانهم فيؤمنوا. وقوله: (ولكن أكثرهم يجهلون) يعني أنهم لو أوتوا كل آية لم يؤمنوا، فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يكاد يكون، أو يجهلون أن الإيمان بمشيئة الله لا بخوارق العادات. قال القاشاني: وفي الحقيقة لا اعتبار بالإيمان المرتب على مشاهدة خوارق العادات، فإنه ربما كان مجرد إذعان لأمر محسوس وإقرار باللسان وليس في القلب من معناه شيء، كإيمان أصحاب السامري، والإيمان لا يكون إلا بالقلب، كما قال تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:14] وهنا تنبيهان: الأول: يقرأ قوله تعالى: (وحشرنا عليهم كل شيء قُبُلاً) بضم القاف والباء، وعلى هذه القراءة يكون لقوله: (قُبُلاً) وجهان: أحدهما: أنه جمع قبيل بمعنى كفيل وضمين. والقول الآخر أنه مفرد، كقبل الإنسان ودبره، وعلى كلا الوجهين هو حال من (كل). ويقرأ -أيضاً- بالضم وسكون الباء، فبدلاً من أن نقول: (قُبُلاً) بضم الباء نقول: (قُبْلاً) بتسكين الباء. ويقرأ -أيضاً- بكسر القاف وفتح الباء (قِبلاً) منصوباً على أنه ظرف، كقولهم: لي قَبِلَ فلان حق. أي: عند فلان حق، أو أنه نصب على الحالية، وهو مصدر، أي: عياناً ومشاهدة. فمعنى (قبلاً): أي: مقابلة وعياناً. وهناك شاهد من القرآن الكريم على أن كلمة (قبل) تأتي بمعنى المشاهدة أو المعاينة، وهو قوله تعالى: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ} [يوسف:26] يعني: من أمام. وقوله: (إلا أن يشاء الله) هذا الجزء من الآية حجة واضحة على المعتزلة، بدلالة أن جميع الأشياء بمشيئة الله تبارك وتعالى، حتى الإيمان والكفر، وقد اتفق سلف هذه الأمة على أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وللمعتزلة تحيل في المدافعة بحمل المشيئة المنفية على مشيئة القصر والاضطرار، وإنما يتم لهم ذلك لو كان القرآن يتبع الآراء، فلو كان القرآن تابعاً لآرائهم وبدعهم لتم لهم هذا الاستدلال، بمعنى أنهم يحاولون تحريف آيات الله سبحانه وتعالى وتأويلها بما يوافق بدعتهم، فيجعلون بدعتهم وزبالة آرائهم هي الأصل، ثم بعد ذلك يحرفون معاني القرآن حتى توافق بدعتهم، فيجعلون معاني القرآن والسنة فرعاً على الأصول التي ابتدعوها، وإذا كان القرآن هو القدوة وهو المتبوع فما خالفه حينئذ وتزحزح عنه فإلى النار، وما بعد الحق إلا الضلال. ولذلك قال تعالى هنا: (إلا أن يشاء الله) فهذه الآية مما يدحض حجج المعتزلة، فإن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، وكل شيء يجري في الكون بمشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن) ثم يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام:112]، فهنا تسلية ومواساة للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يلقاه من هؤلاء الكافرين. قوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن) شياطين بدل من (عدواً) منصوب، ويمكن فيه إعراب آخر، وهو: أنه مفعول به أول لـ (جعلنا)، وهنا حصل تقديم وتأخير بالنسبة للمفعول الأول والثاني في قوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن) فالمعنى: وكذلك جعلنا لكل نبي شياطين الإنس والجن عدواً، فـ (عدواً) مفعول ثانٍ، و (شياطين) مفعول أول، يعني: جعلنا شياطين الإنس والجن عدواً. والعدو هنا بمعنى: أعداء، فظاهرها مفرد، لكن معناها أعداء، كما قال الشاعر: إذا أنا لم أنفع صديقي بوده فإن عدوي لم يضرهم بغضي فانظر كيف استعمل كلمة (عدو) في معنى الجمع! والعدو ضد الصديق والحبيب. وكلمة عدو تطلق على المفرد والمثنى والجمع والذكر والأنثى، كما قال تبارك وتعالى حاكياً عن إبراهيم عليه السلام: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:77] فهو يتكلم هنا عن جمع، ومع ذلك قال: (عدو لي إلا رب العالمين). وكذلك هنا في نفس هذه الآية (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً) فـ (عدواً) هنا بمعنى الجمع، بدليل أنه أبدل منها (شياطين الإنس والجن) أي: مثل ذلك الجعل الذي جعلناه في حقك قد جعلناه لكل نبي. يعني: هذه سنة الله سبحانه وتعالى فيمن سبقك من إخوانك من الأنبياء أن الله سبحانه وتعالى يجعل لكل نبي عدواً من هؤلاء الشياطين. فكلمة (كذلك) إشارة إلى أن مثل ذلك الجعل الذي جعلناه في حقك من وجود هؤلاء الأعداء الذين يكيدونك جعلنا لكل نبي من الأنبياء الذين سبقوك أيضاً عدواً شياطين الإنس والجن، فحيث جعلنا لك عدواً يضادونك ولا يؤمنون قد جعلنا لكل نبي تقدمك عدواً من مردة الإنس والجن فعلوا بهم ما فعل بك أعداؤك، كما قال تبارك وتعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [فصلت:43]. وقال تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} [الفرقان:31]، فهذه الآية بينت صفة أخرى لهؤلاء الأعداء شياطين الإنس والجن هي أنهم مجرمون. وقد قال: ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن نزل إليه جبريل ثم جاءت به خديجة إليه: (هذا الناموس الذي نزل على موسى، يا ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك. قال: أومخرجي هم؟! قال: نعم؛ لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي، ولئن أدركني يومك لأنصرنك نصراً مؤزراً). فالشاهد هنا من قول ورقة رحمه الله تعالى (لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي) فمن كان صاحب حق فإنه يعادى، وانظر إلى كلمة (بمثل) الدالة على دعوة التوحيد، فمن كان داعية إلى التوحيد فلابد من أن يعادى. وقد تزول العداوة إذا حصل تنازل عن الحق، وهذا لا يسلكه صاحب العقيدة الحقة؛ لأنه لا يقبل المساومة أبداً، ولا يحصل منه الالتقاء مع أعداء الدين في منتصف الطريق كما أراد المشركون، فالذين يتنازلون دائماً هم أصحاب الباطل، وهم الذين يتواضع بعضهم لبعض ويتنازل بعضهم لبعض ويتعايشون في سلام. أما صاحب الحق فلأنه لا يملك أن يحور هذا الحق أو يغيره فلا يملك أن يتنازل عنه، أو أن يلتقي مع أعداء هذا الحق في منتصف الطريق، وحينما ساوم الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يعبدوا إلهه شهراً ويعبد إلههم شهراً فإن كان الحق أحدهما اتبعوه نزل قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ} [الكافرون:1 - 6] يعني الباطل {وَلِيَ دِينِ} [الكافرون:6] يعني الحق. فلذلك لا يحصل مثل هذا الالتقاء أبداً، فالذي يعرض دائماً التنازل هم أصحاب الباطل، ولذلك نجد أهل المذاهب الباطلة كالمذاهب الديمقراطية ونحوها يقبلون التعايش فيما بينهم؛ لأن كل واحد يمكن أن يلتقي مع الآخر على أساس أن الكل يكون له فرصة متساوية وكذا وكذا من الكلام المعروف؛ لأنه باطل وصنع بشر، فلذلك يتنازل بعضهم لبعض، ويعطي بعضهم أصحاب المذهب الباطل أو الضال الحق في الحياة والحق في الوجود، وهذا إذا كانت المذاهب كلها متساوية في أنها أديان أرضية. أما إذا كان دين الإسلام فلا يمكن أبداً أن يُسوى الإسلام بغيره من الأديان أو المذاهب. وصاحب الحق إذا تنازل عن شيء من الحق فإنه يفقد بذلك عناصر قوته، ويستوي مع أهل الباطل في هذه الحال. ولذلك انظر إلى قول ورقة بن نوفل: (لم يأت رجل قط بمثل) وما زلنا نتأمل كلمة (بمثل ما جئت به إلا عودي). وقوله تعالى: (شياطين الإنس والجن) يعني: كما أن هناك شياطين من الجن فكذلك هناك شياطين من الإنس، وكلهم يطلق عليهم لفظ الشياطين، فمن الإنس -أيضاً- شياطين، ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة:14]، أي: شياطينهم من الإنس. والعرب تسمي كل متمرد شيطاناً، سواء أكان من الجن أم من الإنس أم من غيرهما، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الكلب الأسود شيطان)، فكل متمرد يسمى شيطاناً، سواء أكان من الجن أم الإنس أم من غيرهما. وقوله: (يوحي بعضهم إلى بعض) أي: يلقي ويوسوس، وأصل الوحي هو الإشارة السريعة في خفاء، فمعنى (يوحي) يلقي ويوسوس. وقوله (زخرف القول) القول المزخرف هو المزوق من الكلام الباطل. فقوله: (زخرف القول) يعني: المزوق من الكلام الباطل من القول، وأصل الزخرفة الزينة المزوقة، ولذلك قيل للذهب: زخرف. كما في قوله تعالى: {وَزُخْرُفًا} [الزخرف:35]. وبعض علماء اللغة يرون أن أصل الزخرفة هو الزينة، ولأجل ذلك فرع عليه تسمية الذهب زخرفاً. والبعض يقول: بل المعنى الأصلي هو أن الزخرف يعني الذهب، ولما كان الذهب حسناً في الأعين قيل لكل زينة: مزخرفة. وقد يخص بالباطل، كما في هذه الآية (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً) فزخرف القول هو القول المموه المزيف الباطل. وقوله: (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً) يعني: ليغروهم بهذا الوحي، أو غارين إياهم بهذا الوحي. ويكون هذا الغرور للضعفاء؛ لأن الله تعالى جعلهم أهل الحجاب، وكذلك الغارين ليقهرهم بمقتضى استعدادهم، وفي الآية دليل على أن عداوة الكفرة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بفعل الله سبحانه وتعالى وخلقه؛ لأن هذا الجعل من الله، والجعل نوعان: جعل شرعي، وجعل كوني قدري. وهنا الجعل كوني قدري، وقد جاء في القرآن الكريم استعمال كلمة جعل بمعنى (شرع)، كما في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] يعني: ما شرع لكم في الدين من حرج: وقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ} [المائدة:103] يعني: ما شرع. فهنا الجعل كوني قدري، أي أنه من قدر الله سبحانه وتعالى وكلماته الكونية. قال المهايمي: حكمة أن جعل الله سبحانه وتعالى لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن كي تظهر الحجج لمجادلتهم وترتفع شبهاتهم، ولئلا يقال: إنه شخص ساعده الكل ليأكلوا أموال الناس، أو يتواصوا عليهم، لكن انقسم الناس عليه كما بين تبارك وتعالى. وقوله: (ولو شاء ربك ما فعلوه) يعني: ما فعلوا ذلك، والإشارة إلى معاداة الأنبياء وإيحاء الزخارف، وهذا -أيضاً- دليل على المعتزلة، فالله تعالى خالق الشر كما أنه خالق الخير؛ لقوله: (ولو شاء ربك ما فعلوه) فهذا المحكي في الآية شر، والذي شاء أن يقع هذا الشر هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه لا يكون في ملكه إلا ما يريد سبحانه وتعالى. وقوله تبارك وتعالى: (ولو شاء ربك ما فعلوه) تعرض هنا لوصف الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام، فقوله: (ولو شاء ربك) يعني: يا محمد. عليه الصلاة والسلام، فهذا يعرب عن كمال اللطف في التسلية. وقوله: (فذرهم وما يفترون) يعني: وما يفترون من الكفر. وقوله: (فسوف يعلمون) أي: عاقبة هذا الافتراء. ولاشك في أن قوله تعالى: (ولو شاء ربك) خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: (ما فعلوه) صريح في أن المراد بالكثرة هنا المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: أن الخطاب هنا للرسول نفسه عليه الصلاة والسلام، والسياق نفسه يتحدث عن سنة الله في الأنبياء. فقوله تعالى: (ولو شاء ربك ما فعلوه) هو كالصريح في أن المراد الكفرة المعاصرون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
تفسير قوله تعالى: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون)
تفسير قوله تعالى: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) ثم عطف سبحانه وتعالى علة ثانية لذلك الإيحاء فقال: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام:113]. قوله: (ولتصغى إليه) الهاء تعود إلى: (زخرف القول)، وقيل: الهاء تعود إلى الوحي في قوله: (يوحي بعضهم) أو إلى الغرور أو إلى العداوة؛ لأنها بمعنى التعادي. وأصل الصغو هو الميل، يقال: صغت النجوم صغواً: أي: مالت، وصغت الشمس: أي: مالت للغروب، وصغت الإناء: أملته، وأصغيت الإناء: أملته ليجتمع ما فيه، وتقول: أصغيت إلى فلان، بمعنى: ملت بسمعي نحوه كي يحسُن الإنصات. ومن ذلك قوله تبارك وتعالى هنا: (ولتصغى إليه) أي: إلى الزخرف أو الباطل أو الوحي أو الغرور أو العداوة، يعني: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغرهم به، ولتميل إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة لمساعدته لهم على أهوائهم، أي أنهم لا يؤمنون بالآخرة على الوجه الواجب من الإيمان به. قوله: (وليرضوه) يعني: يرضوه لأنفسهم بعدما مالت إليه قلوبهم. وقوله: (وليقترفوا ما هم مقترفون) يعني: وليكتسبوا بموجب ارتضائهم له ما هم مقترفون، يعني: من الآثام ومن القبائح التي لا يليق ذكرها، فكأن القرآن أشار إلى أن هذا الذي يقترفونه من أمور قبيحة لا يليق ذكرها، حتى إنه أعرض عن ذكرها، وكنى بها بقوله: (وليقترفوا ما هم مقترفون) يعني: الذي يقترفون بسبب العقيدة الفاسدة التي دخلت واستوطنت في قلوبهم واستقرت في أفئدتهم، فإنها تثمر أعمالاً قبيحة تصل إلى حد من القبح لا يليق أن نذكرها الآن في هذا السياق، ولذلك قال: (وليقترفوا ما هم مقترفون) يعني أشاء من القبائح لا يليق ذكرها. والاقتراف بمعنى الاكتساب، يقال: خرج يقترف أهله، أي: خرج يكتسب لهم، ومن العبارات المشهورة: الاعتراف يزيل الاقتراف. فإذا اقترق إنسان ذنباً واعترف كما في الحديث: (أبوء لك بنعتك علي)، أي: أقر وأعترف فإن اعترافه يزيل الاقتراف، أي: يزيل ما اكتسبه الإنسان من الإثم. قال الخشني: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام:113] فتقوى غوايتهم ويتظاهرون بها، ويخرج ما فيهم من الشرور إلى الفعل، ويزدادوا طغياناً وتعدياً على النبي صلى الله عليه وسلم، فتزداد قوة كماله، وأيضاً تهيج بسببه دواعي المؤمنين؛ لأن الاستفزاز حين يحصل من أعداء الدين يهيج قلوب المؤمنين، وتحمى قلوبهم بالغيرة على حرمات الدين، فهذه من الحكم المترتبة على أن سلط الله الشياطين على محاربة الدين، ففيها تهييج بدواعي الغيرة على الدين في قلوب المؤمنين، وكذلك الذين في قلوبهم حب للنبي صلى الله عليه وسلم، فتنبعث حميتهم، وتزداد محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ونصرهم إياه، فتظهر عليه كمالاتهم، فهذا فيما يتعلق بمعنى هذه الآية: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام:113]. وقد ذكرنا أن الإصغاء هو الميل، يقول الشاعر: ترى السفيه به عن كل محكمة زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء أي: ميل وانحراف. فالسفيه يزيغ عن المحكمات؛ لأنه يميل إلى الأمور المشتبهة. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: إنما خص بالذكر عدم إيمانهم بالآخرة -حيث قال تعالى: ((وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ)) - مع أن قبائحهم كثيرة إشعاراً بما هو المدار في صغو أفئدتهم إلى ما يلقى إليهم، فإن لذَّات الآخرة محفوفة في هذه النشأة بالمكاره، وآلامها مزينة بالشهوات، فالذين لا يؤمنون بها وبأحوال ما فيها لا يدرون أن وراء تلك المكاره لذات، ودون هذه الشهوات آلاماً، وإنما ينظرون إلى ما بدا لهم في الدنيا بادي الرأي، فهم مضطرون إلى حب الشهوات التي من جملتها مزخرفات الأقاويل ومموهات الأباطيل. وهذا فيه إشارة إلى قوله تبارك وتعالى في سورة المعارج: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} [المعارج:23 - 28]. والشاهد قوله: {وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المعارج:26] فالتصديق بيوم الدين والإيمان بالآخرة يترتب عليه هذه الثمرة، فهو إيمان يثمر أنهم من عذاب ربهم مشفقون؛ لأنهم يؤمنون به، فكل ما يؤدي إلى العذاب حتى لو كان محبباً إلى أهوائهم في الدنيا فهم يحترزون منه؛ لأنهم ينظرون إلى العاقبة السيئة، كما قال الشاعر: أماني كانت لأهلها في الشباب عذاباً فصارت في المشيب عذاباً فالمؤمن لا ينظر إلى بادي الأمور، إنما ينظر إلى العاقبة. فهذا التنبيه في الحقيقة في غاية الأهمية، وهو بيان الحكمة في عدم وصفهم بالإيمان بالآخرة خاصة دون ما عداه من الأمور التي يجب الإيمان بها؛ لأن الإنسان ما دام يؤمن بالآخرة فهو يزن أفعاله قبل أن يفعلها، حتى لو كان فيها آلام وفيها معاناة لكنها مما أمر به شرعاً فإنه يتحمل ذلك في سبيل اللذة الأخرى في الآخرة؛ لأن الجنة حفت بالمكاره، فلا يصلح طريق الجنة إلا بالمكافحة وبالمجاهدة وبالمحاسبة، أما النار فطريقه سهل جداً، فمن أراد أن يدخل النار فما عليه إلا أن يتبع الشهوات ويطلق لنفسه العنان ويتبع الهوى، وفي هذه الحالة سهل جداً عليه أن يدخل النار، فالنار حفت بالشهوات، والشهوات حجاب يحجب النار، والشهوات كالفراش التي تحجب الضوء، فإذا اقترب أحد من الضوء تحرقه هذه النار، فلذلك جاءت الإشارة هنا في قوله: (الذين لا يؤمنون بالآخرة) إلى الذين يجترئون على اقتحام الشهوات؛ لأنهم بعدم إيمانهم بالآخرة يحجبون عن الخوف من سوء العاقبة في الآخرة، فهم لا يؤمنون بالنار ولا بالعذاب، فما الذي يردعهم؟! أما الذين يؤمنون بالآخرة فهم يتحملون المكاره؛ لأنه لا سبيل إلى الجنة إلا بتحمل هذه المكاره. يقول: إنما خص بالذكر عدم إيمانهم بالآخرة دون ما عداها من الأمور التي يجب الإيمان بها وهم بها كافرون إشعاراً بما هو المدار في صغو أفئدتهم إلى ما يلقى إليهم. يعني: ما السر في أنهم يصغون ويميلون إلى ما توحيه إليهم شياطين الإنس والجن من زخرف القول؟ يقول: فإن لذات الآخرة محفوفة في هذه النشأة -يعني: في الدنيا- بالمكاره، وآلامها مزينة بالشهوات، فالذين لا يؤمنون بها وبأحوال ما فيها لا يدرون أن وراء تلك المكاره لذات، ودون هذه الشهوات آلاماً، وإنما ينظرون إلى ما بدا لهم في الدنيا بادي الرأي، فهم مضطرون إلى حب الشهوات التي من جملتها مزخرفات الأقاويل ومموهات الأباطيل، وأما المؤمنون بها فكانوا واقفين على حقيقة الحال ناظرين إلى عواقب الأمور، لم يتصور منهم الميل إلى تلك المزخرفات؛ لعلمهم ببطلانها ووخامة عاقبتها، أفاده أبو السعود العنبي. والواقع هو أقوى ما يؤيد هذا الكلام، فأنت إذا تأملت أحوال الكافرين وتعظيمهم للدنيا واهتمامهم العظيم بها علمت أن الدنيا صارت إلهاً يعبدونه ويتبتلون وينقطعون لعبادته بأقصى ما يستطيعون؛ لأنهم لا يرون لهم حياة إلا في الدنيا فقط، ويرون أنه ما الحياة إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، وبعد ذلك ليس هناك أي حساب، فمن يعتقد هذا فما الذي يجعله ينزجر عن شرب الخمر، أو فعل الفواحش، أو السرقة، أو الكفر، أو غير ذلك من الأفاعيل؟! وما الذي يردعه؟! فهو لا يؤمن من الأصل، وحينئذ ينعكس هذا في سلوكه. فلذلك يتعجب الإنسان جداً إذا رأى المسلم الذي يؤمن بالآخرة يستوي مع الكافر الملحد الذي لا يؤمن بالآخرة في تصرفاته! فهؤلاء القوم إذا وقعوا في الشهوات بهذه الطريقة وفي الفساد فالسبب في وقوعهم هو الذي ذكرناه؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، ولذلك قال تعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه:15 - 16]؛ لأنه ما دام لم يؤمن بالآخرة فلابد من أن يتبع هواه؛ لأن النفس فيها ميل إلى هذه الأشياء المحرمة وإلى هذه الشهوات التي عاقبتها النار، وهو قد لا يدرك أن عاقبتها النار، وقد لا يصدق بذلك، فما الذي يمنعه من أن يرتع كالحيوانات والبهائم في هذه الحياة البهيمية الحيوانية؟! فكيف بالمسلم الذي يؤمن بالآخرة ومع هذا يحرص على أن يتعاطى ما يسمى بالدش وبالفيديو ونحو ذلك من مظاهر الفساد؟! فهل الذي عنده إيمان بالآخرة لا يستحضر أنه إذا أنصت لهذه الأشياء تبعده عن الله؟! والذي يجعل الإنسان يجلس أمام الأفلام والمسرحيات وسائر أنواع الفساد هل هو دافع العقل والإيمان أم دافع الهوى؟! وكذب من يقول: إن دافعه هو العقل أو الإيمان أو التقوى. بدليل أنك إذا سألته أن يصدقك في الإجابة ويبحث عن معدل إيمانه، وهل كان قبل أن يجلس أمام هذه الأفلام أو هذه الأشياء أعلى إيماناً أم بعدها، وسألته أن يقيس إيمانه قبل أن يجلس أمام الأغاني أو المسرحيات أو الأفلام ويقيس إيمانه بعدما ينصرف، وكيف كان حاله، وهل سيزيد إيمانه وخشيته وتقواه ويبكي من خشية الله أم أنه ربما يوصله ذلك إلى الكفر إذا كان في هذه الأشياء استهزاء أو هجوم على المتدينين وطعن في شريعة الله سبحانه وتعالى، أو كان فيها -على الأقل- ما يخدش إيمانه في الوقوع في المعاصي كزنا النظر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، أو غير ذلك من البلاء، كل ذلك لو سألته عنه لأجابك بأنه ينقص إيمانه بعد مشاهدة تلك الأمور، ويقسو قلبه، وتقل خشيته وتقواه. فما الدافع الذي يدفعه إلى هذه الأشياء؟ و A أنه الهوى، وبذلك ي
تفسير قوله تعالى: (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب)
تفسير قوله تعالى: (أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب) ثم يقول تبارك وتعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام:114]. قوله: (أفغير الله) يعني: قل لهم يا محمد -صلى الله عليه وسلم-: أأميل إلى زخارف الشياطين، وأعدل عن الطريق المستقيم؛ فأطلب حكماً غير الله تعالى يحكم بيني وبينكم ويفصل المحق من المبطل؟! وقوله: (أفغير الله أبتغي حكماً) الحكم: هو الذي يتحاكم الناس إليه باختيارهم ويرضون بحكمه وينفذونه، وهنا يوجد تقدير للقول، أي: أفغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم ويفصل المحق منا من المبطل؟! والمعنى: أأطلب معبوداً غير الله؟! وقوله: (أبتغي حكماً) يعني: أطلب معبوداً. لأنهم كانوا يتحاكمون إلى طواغيتهم. يقول القاسمي: هذا عندي أظهر. يعني أن المقصود بقوله تعالى: ((أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)) أي: أبتغي معبوداً؛ لأن من خصائص الإله أن يتحاكم إليه، فهم كانوا يتحاكمون إلى طواغيتهم، وأنا لا يمكن أن أتحاكم إلا إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأني إذا تحاكمت إلى غيره فكأني اتخذته معبوداً من دون الله تبارك وتعالى. ولذلك جاء في (تنوير المقباس) في قوله تعالى: ((أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)) قال في تفسيرها: أعبد رباً. أما كون الآيات واردة على قولهم: اجعل بيننا وبينك حكماً فلا يصح؛ لأنهم بمعزل عن الانصياع لذلك، ولأنهم لا يمكن أن ينصاعوا لشرع الله كحكم. ثم قال تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا)) (الكتاب) يعني القرآن المعجز (مفصلاً) يعني: فيه كل ما يصح الحكم به، أنزله مبيناً به الفصل بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وأنتم أمة أمية لا تدرون ما تأتون وما تذرون. وكثير من أهل البدع والضلال يحاولون أن ينحرفوا بتفسير القرآن والسنة؛ لأنهم يجعلون البدع التي اخترعوها هي الأصل، ثم يجعلون القرآن والسنة فرعاً، ويستدلون بالأدلة بعد تحريف معانيها أو تفسيراتها للتمويه على الناس وإسناد باطلهم. وآيات القرآن يمكن أن تكون طيعة، بمعنى أنه إذا لم يتكلم الإنسان عن علم فلا نملك أن نحجزه عن أن ينطلق بهواه بتفسير آيات القرآن بأي صورة فيها انحراف، ولذلك يقول الشاعر: وكم من فقيه خابط في ضلالة وحجته فيها الكتاب المنزل ولذلك فإن المنهج السلفي يتميز بالأخذ بالقرآن والسنة على فهم السلف الصالح، ويضاف هذا الضابط حتى يتميز أهل السنة عن أهل البدعة؛ لأن كل الفرق تستدل على ضلالتها غالباً بالقرآن والسنة، لكن بفهم مخالف لفهم السلف الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسان. قال الإمام السيوطي في (الإكليل): استدل الخوارج بهذه الآية ((أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)) على إنكارهم التحكيم، وبذلك كفروا أمير المؤمنين علياًً رضي الله تعالى عنه لأنه قبل التحكيم. قال -أي: السيوطي -: وهو مردود؛ فإن التحكيم المنكر هو أن يريد حكماً يحكم بغير ما حكم الله تعالى به. ومن راجع كتاب: (تلبيس إبليس) في مناظرة ابن عباس مع الخوارج فسيجد التفاصيل في ذلك، فهم قالوا: لا حكم إلا لله. وفهموا بعقولهم الضعيفة أن قوله تعالى: ((أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)) يعني إبطال التحكيم مطلقاً، وإنما المقصود إبطال التحكيم الذي يصادم شرع الله، أو الذي فيه حكم بغير ما أنزل الله، أما أن تلجأ إلى حكم يحكم بينك وبين غيرك بما أنزل الله فما هذا إلا مظهر من مظاهر التوحيد والانقياد لشرع الله، وليس هذا مضاداً لشرع الله، ولذلك أفحمهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالآية التي في سورة المائدة، والتي فيها كفارة قتل المحرم الصيد، وهي قوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة:95]، فإذا كان هذا في دم أرنب أمر الله سبحانه وتعالى فيه بالتحكيم فكيف بما هو أعظم من ذلك من القتال الذي كاد أن يقع بين المسلمين؟! ومن شاء التفاصيل فليرجع إلى (تلبيس إبليس) ففيه حكاية المناظرة بالتفصيل. إذاً: فمعنى الآية ((أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)) يرد به على الخوارج؛ لأن المراد بالتحكيم المذكور هو أن تريد حكماً يحكم بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى، وهذا -للأسف الشديد- ينطبق على بعض الناس في كثير من المناطق التي يخير فيها بين الحكم بالشرع، وبين الحكم بالأعراف والقوانين الوضعية، أو بقول القبائل ونحو هذه الأشياء، فأي مسلم يعرض عليه مثل هذا لا يجوز له إلا أن يقول للشرع: سمعنا وأطعنا. ولا يتصور أبداً أن المؤمن يقبل الخيار أصلاً كمبدأ. والحكم أبلغ من الحاكم، وأدل على الرسوخ، فوصف الحكم أقوى من وصف الحاكم؛ لأنه لا يطلق إلا على العادل وعلى من تكرر منه الحكم، بخلاف الحاكم. وفي هذه الآية الكريمة تنبيه على أن القرآن الكريم كافٍ في أمر الدين، ومغنٍ عن غيره ببيانه وتفصيله، وهذه الآية مثل قوله تبارك وتعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل:89]، وقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:38] وتقدم أن قلنا: إن الكتاب هو القرآن الكريم، وكذلك هنا. وقوله تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا)) يعني: يتضمن كل شيء وهل معنى ذلك أن تستدل بالآية -كما فعل الضالون ممن يسمون زوراً بالقرآنيين- على عدم الاحتجاج بالسنة؟! A كلا، بل نقول: إن مما دل على حجية السنة القرآن الكريم نفسه، فهو الذي دلنا على أن السنة حجة كالقرآن الكريم. ثم يقول تبارك وتعالى: ((وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ))، قوله: (والذين آتيناهم الكتاب) يعني: الذين أعطيناهم علم الكتب المنزلة من قبلك. والله لم يعطهم كتباً في أيديهم، وإنما أعطاهم علم الكتب المنزلة من قبل، كعلماء اليهود والنصارى، ولنتأمل كلمة (علماء) ولا نقول: مقلدة؛ لأن الكلام هنا في حق العلماء، أما غيرهم فقال الله فيهم: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة:78] وأي أنهم مقلدون. أما الذين نتحدث عنهم هنا والذين يصفهم الله بذلك فهم الذين يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، وهم علماء أهل الكتاب. فقوله: ((وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ)) يعني: الذين أعطيناهم علم الكتب المنزلة من قبله صلى الله عليه وسلم، كعلماء اليهود والنصارى دون المقلدين منهم، فهؤلاء العلماء يعلمون أن هذا الكتاب منزل عليك من ربك بالحق. ولماذا خص بالذكر علماء أهل الكتاب؟ وكذلك في قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} [الأحقاف:10] والمقصود بالشاهد عبد الله بن سلام كبير أحبار اليهود، فلماذا خصهم بالذكر؟ والجواب أن بيان هذا الأمر من وجهين: الوجه الأول: أن العالم بالشيء يميز بين ما كان منه وما لم يكن، ونحن نتكلم عن علماء أهل الكتاب الذين يعلمون، وليس عن المقلدين؛ لأن العالم بالشيء هو الذي يستطيع أن يميز بين ما كان منتمياً إلى العلم الذي علموه وبين ما كان أجنبياً عنه، فمثلاً: لو ألف رجل كتاباً في الطب فسيكون الأطباء هم أعلم الناس بكونه طبيباً؛ لأنهم هم الذين يستطيعون أن يحكموا عليه. ومن ألف كتاباً في النحو سيكون أعلم الناس بكونه نحوياً هم علماء النحو، لا عموم الناس ولا المقلدون. وكذلك المؤمنون بالوحي العالمون بما أنزل الله تبارك وتعالى على أنبيائه من هذا الوحي يعلمون أن هذا القرآن من جنس ذلك الوحي، ولذلك لما قرأ جعفر بن أبي طالب في الحبشة على النجاشي سورة مريم قال: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. فمن جاء بسورة من القرآن الكريم حتى لو كانت ثلاث آيات وهو من العلماء يُعرف أن هذا ليس من كلامه، فكيف برجل أمي لم يقرأ من قبل ولم يكتب عليه الصلاة والسلام، ولذلك يقول تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:197]. الوجه الثاني في سبب الإشارة إلى علماء أهل الكتاب: أن في الكتب الأخيرة كالتوراة والإنجيل بشارات بالنبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تخفى على علمائهما في زمنه صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة:146] ويقول تبارك وتعالى: ((وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ)) أي: لما عندهم من البشارات بك من الأنبياء المتقدمين، ولتصديقه ما عندهم، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يمارس كتبهم، ولم يخالط علماءهم، وهذا تقرير لكونه منزلاً من عند الله، كما قال سبحانه: ((يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ))، أي: أن الذين وثق بهم المشركون من علماء أهل الكتاب عالمون بأحقيته ونزوله من عنده تعالى. وقوله تعالى: ((فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)) أي: في أنه منزل من ربك بالحق، بسبب جحود أكثرهم وكفرهم به، فهذا من باب التهييج والإلهاب، وليس معنى ذلك أنه يحتمل أن يطرأ الريب أو الشك على النبي صلى الله عليه وسلم، حاش
تفسير قوله تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم)
تفسير قوله تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) ثم قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام:115]. قوله: (وتمت كلمة ربك) يقرأ أيضاً: (وتمت كلمات ربك) بالجمع، يعني: بلغت أخباره وأحكامه ومواعيده الغاية (صدقاً) في الأخبار وفي المواعيد (وعدلاً) في الأقضية والأحكام، أي: تم قضاؤه تعالى في الأزل بما قضى وقدر من إسلام من أسلم وكفر من كفر، ومحبة من أحب وعداوة من عادى، قضاءً مبرماً وحكماً صادقاً مطابقاً لما يقع، عادلاً بمناسبة كل قول وكل كمال وحال لاستعداد من يصدر عنه واقتضائه له. وقوله: ((لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)) أي: لا أحد يبدل شيئاً منها بما هو أصدق وأعدل، أو ((لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)) لا يستطيع أحد أن يبدلها بما هو أفضل منها، أو بما هو أصدق أو أعدل منها، أو بتفسير آخر: ((لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ)) لا أحد يقدر على أن يحرفها شائعاً ذائعاً كما فعل بالتوراة. وهذا على أن (كلماته) هنا المراد بها القرآن؛ لأنه لا يقوى أحد أن يحرف كلمات القرآن؛ لأن الله تكفل بحفظه، فقوله: (لا مبدل لكلماته) يعني: بذلك القرآن، لا كما حصل من التبديل في التوراة، فتكون هذه الآية ضماناً -أيضاً- لحفظ القرآن الكريم، وحينئذ تكون موافقة لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] أي: من التغيير والتحريف والتبديل. وقيل: (لا مبدل لكلماته) أي: لأحكامه الأزلية التي سبق القلم القضائي والقدري بها. وقال السيوطي في (الإكليل): يستدل به من قال: إن اليهود والنصارى لم يبدلوا لفظ التوراة والإنجيل، وإنما بدلوا المعنى؛ لأن كلمات الله لا تبدل. وهذا إذا قلنا بالعموم في قوله: (لا مبدل لكلماته) كما أشرنا، فيكون معنى (لا مبدل لكلماته) أي: لأحكامه التي سبق بها قلم القضاء، أو (لا مبدل لكلماته) أي: القرآن خاصة، فتكون موافقة لقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، وإذا قلنا: (لا مبدل لكلماته) أي: كل كتب الله -سواء القرآن أو التوراة أو الإنجيل- فسيكون هذا التفسير دليلاً لمذهب من يرى: أن التوراة والإنجيل لم يحرفا تحريفاً لفظياً، وإنما التحريف الذي وقع فيهما هو تحريف معنوي، وبهذا قال ابن عباس، كما رواه عنه البخاري في صحيحه. وقوله: (وهو السميع) أي: لما يظهرون من الأقوال (العليم) أي: بما يخفون.
تفسير قوله تعالى: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله)
تفسير قوله تعالى: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) بعدما بين الله سبحانه وتعالى حال هؤلاء الكافرين المعرضين عن الحق حذر وبين أن مثل هؤلاء لا يستحقون أن يطاعوا، ومثل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، والذين يصدون عن سبيل الله بهذه الصورة لا يستحقون أن ينقاد لهم المسلم، ولا أن يكون تابعاً لهم، فقال تبارك وتعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام:116]. قوله: (وإن تطع أكثر من في الأرض) يعني: أكثر من في الأرض من الناس، وهم الكفار؛ لأن أكثر من في الأرض هم من الكافرين، وهذا نستطيع أن نعرفه بمراجعة حديث: (إن الله سبحانه وتعالى يقول لآدم يوم القيامة: يا آدم! أخرج بعث النار) فحينما يستوضح آدم: ما بعث النار؟ يأتيه A ( من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) أي: يذهبون إلى النار، وواحد فقط هو الذي ينجو، فهذا دليل واضح جداً بجانب الأدلة القرآنية على أن أكثر أهل الأرض من الكفار، ولذلك يقول تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ} [هود:17]، ويقول أيضاً: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103] وقال تعالى: {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ} [الصافات:71]، وقال أيضاً: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:8]. وقوله: ((يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) يعني: عن الطريق الموصل إلى الله سبحانه وتعالى بتزيين زخارفهم عليك ودعوتهم إياك إلى ما هم فيه من اتباع الهوى، كما قال عز وجل: ((إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ)) و (إن) هنا بمعنى (ما). والمراد ظنهم أن آباءهم كانوا على حق، فهم يقلدونهم. وقوله: ((وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)) يعني: يكذبون على الله سبحانه وتعالى فيما ينسبون إليه، كاتخاذ الولد، وجعل عبادة الأوثان صلة إليه، وتحليل الميتة، وتحريم البحائر إلخ. ((وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)) من الخرص، والخرص هو الحزر والتخمين، ولا يستعمل إلا فيما يشك الإنسان فيه ولا يكون على يقين منه، وقد يعبر به عن الكذب والافتراء. وأحياناً تكون كلمة الخرص بمعنى الكذب، وأصل الخرص القول بالظن، وقول ما لا يستيقن ويتحقق منه، ومنه: خرص النخل خرصاً، وخرص النخل هو حزره ليأخذ منه الخراج أو الزكاة. والمقصود من الآيات أن هؤلاء الكفار الذين ينازعونك في دينك ومذهبك غير قاطعين بصحة مذاهبهم، بل لا يتبعون إلا الظن، وهم كاذبون في ادعاء القطع؛ لأنهم في الحقيقة يزعمون أنهم يقطعون بأن ما هم عليه هو الحق، وأن هذا الدين الذي هم عليه حق وصدق، فنقول: إنهم في الحقيقة لا يتبعون إلا الظن، وهم كاذبون في ادعائهم القطع بصحة ما هم عليه من الباطل.
تفسير قوله تعالى: (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)
تفسير قوله تعالى: (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام:117]. في هذه الآية تقرير لمضمون الشرطية وما بعدها، وتأكيد لما يفيده من التحرير، يعني: هو أعلم بالفريقين، فاحذر أن تكون من الأولين الذين يضلون عن سبيل الله، كما قال سبحانه: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام:116] فإذا كان الله أعلم بمن يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين فاحذر أن تكون من هؤلاء المذكورين، فإن الله سيعلم ذلك. وهاتان الآيتان تمسك بهما نفاة القياس، وفي ذلك نقاش مفصل يمكن الرجوع إليه عند القاسمي.
تفسير قوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين) ثم قال تبارك وتعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام:118]. قوله: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) ذكر الله هذا بعدما نهى في الآيتين السابقتين عن اتباع وطاعة الكثرة إذا كانت ضالة، وذلك في قوله: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام:116 - 117]، وكثيراً جداً ما يقترن في القرآن الأمر بالتوحيد مع النهي عن مظاهر الشرك في موضوع النسك والذبائح؛ لأن موضوع الذبائح من أجل مظاهر الشرك في العبادة التي مارسها المشركون مع أصنامهم، فلذلك نجد أنه بعد أن ذكر القضايا في الكلام على القضية الكبرى -وقضية صد هؤلاء عن سبيل الله وعن التوحيد والعقيدة- عقب مباشرة بربطها بالنهي عن هذه المظاهر. وهذا معروف، فإننا نجد كل من يقع في الشرك يقع في الذبح لغير الله، ونجد الذين يعبدون البدوي ونحوه دائماً يمارسون مظاهر شركية فيها صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، بل يقع عندهم الحلق تشبيهاً بمناسك الحج والعياذ بالله! ويحسبون أنهم على شيء، فكما أنه يحلق الحاج أو المعتمر ويقصر في الحرم كذلك يفعل هؤلاء الضالون الضائعون، وعندهم مناسك، وترى الحلاقين موجودين في طنطا وفي نحوها من الأماكن، وفي الموالد يحلقون للناس رءوسهم في مناسك حجهم إلى البدوي -والعياذ بالله! - وكذلك الذبح معروف عندهم، وما زال موجوداً إلى الآن، والله المستعان. وتجدهم يصحبون معهم الهدي من أطراف الأرض، ويأتون به لأجل البدوي، فلا يُركب ولا يُحلب ولا يُستعمل؛ لأن هذا من أجل البدوي في زعمهم، وهذا كالسوائب والبحائر التي ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة. يقول تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام:118] وهذا أمر مترتب على النهي عن اتباع المضلين؛ لأن هؤلاء يضلونك عن سبيل الله. ومن مظاهر الإضلال تحليل الحرام وتحريم الحلال، وذلك أنهم خاصموا وجادلوا المسلمين، فقالوا: ما ذبحتم أنتم تأكلونه. وهذا من وحي الشياطين إليهم، وهذا أخرجه النسائي عن ابن عباس، وفيه: فنزلت هذه الآية: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام:118]. والمعنى: كلوا مما ذكر اسم الله على ذبحه؛ لرفعه تنجيس الموت إياه؛ لأنه هو المانع من الأكل، ولأنه لو مات حتف أنفه فإن الموت ينجسه، في حين أن الذبح بالسكين يزيل التنجيس بالموت عنه؛ لأن هذا التنجيس هو المانع من أكله. أي: كلوا مما ذكر اسم الله عليه لا مما ذكر عليه اسم غير الله، ولا مما مات حتف أنفه. فإذاً النهي هنا هو عن أكل الذي لم يذكر اسم الله عليه، يعني: كلوا مما ذكر اسم الله عليه مما ذكيتموه، أي: بجانب الشروط التي في عملية التذكية نفسها؛ لأن هناك شروطاً في الذابح وشروطاً في المذبوح، فلابد -مثلاً- من أن يكون المذبوح حلالاً، فلا يكون خنزيراً، ولا يكون ذا ناب من السباع ونحو ذلك مما حرم الله تبارك وتعالى، والذابح لابد من أن يكون إما مسلماً وإما كتابياً، وعملية الذبح فيها شروط معينة. فالمقصود: كلوا مما ذكر اسم الله على ذبحه وكان الذابح مسلماً والمذبوح حلالاً، فلا يجوز أن تأتي بخنزير -مثلاً- وتسمي عليه وتذبحه، ولا يصح أن يأتي ملحد ويذبح، حتى ولو قال: بسم الله. فإن ذبيحة المشرك والوثني لا تحل. ولا تأكلوا مما ذكر عليه اسم غير الله، ولا تأكلوا أيضاً مما مات حتف أنفه. وقوله: ((إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ)) أي أن الإيمان بها يقتضي استباحة ما أحله الله واجتناب ما حرمه الله سبحانه وتعالى، بخلاف من يكفر بآيات الله، فإنه يحرم الحلال ويحلل الحرام.
تفسير قوله تعالى: (وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم)
تفسير قوله تعالى: (وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم) ثم قال تبارك وتعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام:119]. قوله: ((وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)) هذا إنكار لأن يكون لهم شيء يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذكر عليه اسم الله تعالى من البحائر والسوائب وأمثال هذه الأشياء لم يحرمها الله تعالى، فكلوها وهي حلال لكم ما دمتم قد ذكرتم اسم الله عليها، قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} [المائدة:103] فما يمنعكم من ذلك (وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه) أي: أي غرض لكم في أن تتحرجوا من أكله؟! وما هو الذي يمنعكم عنه؟! وقوله: ((وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)) يعني: بين ووضح في الشريعة وفي القرآن الكريم ما حرمه عليكم، وهذا ليس مما حرمه عليكم. وبعض المفسرين قالوا: إن المقصود بهذه الآية: الإشارة إلى ما نزل في سورة المائدة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ} [المائدة:3] إلى آخر الآية، ولكن هذا القول قد رد. فبعض المفسرين قالوا قولاً ضعيفاً، قالوا: إن قوله: (وقد فصل لكم) فيه إشارة إلى ما في سورة المائدة. وهذا القول ضعيف؛ لأن سورة الأنعام سورة مكية، وسورة المائدة سورة مدنية، بل من آخر ما نزل في المدينة من القرآن الكريم سورة المائدة، وفيها قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3] كما هو معروف، فإذا كانت سورة المائدة من آخر ما نزل فكيف يحيل القرآن في سورة مكية على ما سينزل بعد في سورة مدنية؟! فقوله: ((وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ)) ظاهرها أن هذا التفصيل قد حصل في الماضي، فالصواب أن التفصيل يأتي فيما بعد في قوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:145]، فتكون هنا الإشارة إلى التفصيل فيما يأتي من الآيات، فإنه ذكر بعد بيسير، وهذا القدر من التأخر لا يمنع أن يكون هو المراد، وتكون الآية التي أتت بالتفصيل في نفس السورة بعد شيء يسير؛ إذ لا مانع أن يكون المراد بقوله: (فصل لكم) يعني: فيما هو يأتي قريباً في نفس هذه السورة. وقوله: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) يعني: فصل لكم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم أنزل بعد ذلك في القرآن في سورة المائدة تفصيل ما حرم. وفي قراءة: (وقد فَصل لكم ما حرم عليكم) والقراءة الأخرى: (وقد فُصل لكم ما حُرم عليكم)، ومعنى الآية: لا مانع من أكل ما ذكر، وقد بينا لكم المحرم أكله، وهذا ليس منه. وقوله: (إلا ما اضطررتم إليه) يعني أن ما حرم عليكم يباح لكم عند الاضطرار، فإذا دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة فيباح لكم. وقوله: ((وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ)) (ليَضلون) قُرئ بفتح الياء وضمها، وقوله: (بغير علم) يعني: من غير علم يعلمونه في أمر الذبح؛ إذ إن هؤلاء المجادلين من المشركين قالوا: ما ذبحتم أنتم حلال، وما ذبحه الله حرام! أي: الذي يموت حتف أنفه، فجادلوا المسلمين في هذا، فلذلك جاء الجواب هنا. وقوله: ((وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ)) أي: في شأن الذبائح ((بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ)) فالعلم دائماً ضد الهوى، كما هو معلوم، فالهوى مقابل الوحي، والوحي هو العلم، كما قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114] يعني: وحياً. فقوله تعالى: ((وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ)) يعني: من غير علم يعلمونه في أمر الذبح؛ إذ الحكمة في الذبح إخراج ما حرمه الله تعالى علينا من الدني، بخلاف الذي مات حتف أنفه؛ لأن الذي يموت حتف أنفه من هذه الأشياء ينحبس الدم فيه في داخل الجثة، فالحكمة من الذبح إراقة الدم وإخراجه، والله سبحانه وتعالى سخر لنا هذه المخلوقات، كما قال سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية:13] فأباح لنا أكلها، وأباح لنا ذبحها لمصلحتنا، وهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا. فالحكمة في الذبح إخراج الدم من جسد الذبيحة، بخلاف ما مات حتف أنفه فإن الدم يبقى فيه، ولذلك شرع الله سبحانه وتعالى الذكاة في محل مخصوص، وهو في الرقبة، ليكون الذبح فيه سبباً لجذب كل دم في الحيوان، بخلاف غيره من الأعضاء، والذبح لم يكن في الورك أو الفخذ أو في الجسد أو في الرأس، وإنما كان الذبح في العنق؛ لأن الوريدين والأوعية الدموية التي هي موجودة في الرقبة إذا قطعت في الذبح الشرعي يؤدي قطعها إلى استنزاف الدم من جسد الذبيحة، والحركات العضلية التي يحدثها المذبوح تدفع الذي يبقى من الدم إلى خارج الجسد، فهذه الحركات التي تحصل من الذبيحة الهدف منها أن تطرد الدم حتى يخرج وحتى يتطهر بدنها من وجود هذا الدم. إنه إذا أراد أحد أن يعمل مزرعة فلابد من أن يحدد نوع البكتيريا التي قد تصيب هذه المزرعة؛ لأن البيئة صالحة جداً لنمو البكتيريا، فالخبراء يأخذون عينة ويضعونها على طبق فيه دم، وتترك حتى تتكاثر بسرعة، ولما يكثر عددها يستطيعون أن يعدوها وأن يعرفوا كثافتها، وفي نفس الوقت يعرفون نوع هذا الميكروب أو البكتيرياء، وحينئذ يستطيعون أن يأتوا بمضاد حيوي خاص بهذا النوع حتى يقتله. فالشاهد أنه في المعامل الطبية أو معامل التحريك إذا أردنا أن تنمو البكتيريا الميكروبات وضعناها في الدم، وإذا قارنت عينة من بقايا الدم الموجودة في الذبيحة بعينة أخرى من بهيمة مثلها تموت حتف أنفها دون أن يخرج منها الدم فستجد نسبة هائلة جداً من البكتيريا الضارة في هذه التي بقي الدم فيها؛ لأن وجود الدم في داخلها سيؤدي إلى تكاثر البكتيريا والميكروبات بشكل سريع جداً، وهذا مما يسبب ضرراً على صحة الإنسان، فأين هؤلاء الذين أرادوا أن يقولوا: إنكم ترون أن ما أماته الله حرام، وما ذبحتموه أنتم حلال؟! فهؤلاء يجادلون ويضلون بأهوائهم من غير علم بالحكمة التي من أجلها شُرع الذبح، والحكمة هي إخراج ما حرمه الله علينا من الدم؛ لأن هذا الدم حرام علينا أن نأكله، بخلاف ما مات حتف أنفه، فإن الدم ينحبس فيه، ولهم اعتبارات تجارية، منها أن الدم إذا انحبس في الجثة يكون وزنها أكثر، وهذه نظرة تجارية، وحينئذ يضلون بترك إخراج ذلك الدم، وهؤلاء الجهلة من المشركين في الغرب يعتبرون الذبح جريمة ووحشية، ويتكلمون بجهلهم أحياناً على الذبح بأنه نوع من الوحشية والقسوة وغير ذلك، والذي نعلمه أن في أمريكا الآن منع في القانون أكل ما لا يذبح، ولكنه ليس تعبداً وطاعة لله، وإنما هو انقياد للقواعد الصحية؛ لأنهم اضطروا إلى هذا الأمر بسبب الضرر الذي ينتج من وجود الدم داخل الذبيحة. قال الرازي: دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام؛ لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، والآية دلت على أن ذلك حرام. وقال بعض الزيدية: في الآية دلالة على تحريم الفتوى والحكم بغير دلالة، ولكن باتباع الهوى.
تفسير قوله تعالى: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون)
تفسير قوله تعالى: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون) ولما بين تعالى تفصيل المحرمات أتبعه بما يوجب ترك هذه المحرمات بالكلية فقال: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} [الأنعام:120]. قوله: (وذروا ظاهر الإثم) أي: سيئات الأعمال والأقوال الظاهرة على الجوارح، فهناك آثام يرتكبها الإنسان بالجوارح وتكون واضحة يراها الناس، وهناك آثام وكبائر باطنة يرتكبها بقلبه، فظاهر الإثم هو الذي يكون بالجوارح، (وباطنه) أي: ما يُسر منه بالقلب. وباطن الإثم لا شك في أنه أشد وأخطر من ظاهره، وكبائر القلوب أشد من كبائر الجوارح، ويكفيك أن من ذنوب القلب العقائد الفاسدة، فلو أن رجلاً يشرب خمراً ويعتقد بقلبه أنها حرام فإنه مسلم عاصٍ، وإن كان ظاهره أنه يشرب الخمر ويعصي الله سبحانه وتعالى، ولو أن رجلاً آخر لا يشرب الخمر، لكنه يعتقد بقلبه أن الخمر حلال فهذا أسوأ حالاً، بل هو كافر مرتد خارج من الملة؛ لأن الكفر هنا بالقلب، فهذا باطن الإثم، فباطن الإثم هو الذي يرتكب بالقلوب كالعقائد الفاسدة والعزائم والنيات الباطلة؛ لأن النية محلها في القلب، وعلى هذا فإن النيات والعزائم الفاسدة من بواطن الإثم. أو أن معنى ((ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ)) أي: ما يعلن من الذنوب وما يسر منها ويستتر فيه، أي: الذنوب عموماً، لكن بعضها يعلنها الإنسان أمام الناس وبعضها يرتكبها في خفاء. قال السدي: (وظاهره): الزنا مع البغايا ذوات الرايات (وباطنه): مع الخليلة والصدائق والأخدان. يعني: في السر. ولا يخفى أن اللفظ عام في كل محرم، ولذا قال قتادة: (ظاهر الإثم وباطنه) يعني: سره وعلانيته، قليله وكثيره، صغيره وكبيره، كقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف:33] فما ظهر وما بطن هو كقوله تعالى: (ظاهر الإثم وباطنه). وقوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ)) (يقترفون) يعني: يكتسبون. قال الشهاب: الاقتراف في اللغة: الاكتساب، وأكثر ما يقال في الشر والذم، ولذا قيل: الاعتراف يزيل الاقتراف. وقد يرد في الخير. وأحياناً تستعمل كلمة (الاقتراف) في الخير، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} [الشورى:23] يعني: يكتسب. لكن الغالب أنها تستعمل في الشر. وقد روى مسلم وغيره عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس) فجعل إتيان المعاصي في السر وحشة في الصدر، والحد الفاصل بين الإثم وبين البر أن البر هو حسن الخلق، والإثم ما حكاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس. قال الحاكم: وفي الآية دلالة على أن العبد يؤاخذ بأفعال القلب كما يؤاخذ بأفعال الجوارح. وهذا على التفسير الأول في هذه الآية، وهو أن قوله: ((وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ)) يعني سيئات الأعمال الظاهرة والعقائد والنيات الفاسدة.
تفسير قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)
تفسير قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ثم قال تبارك وتعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام:121]. قوله: ((وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ))، يعني: عند ذبحه. فقوله: ((وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)) أي: إن ذكر عليه اسم غير الله فلا تأكلوه، مثل أن يهل به لغير الله، وعلى هذا لا يكون في الآية تعرض لذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها؛ لأن ما ذكر عليه غير اسم الله لا يدخل فيما ذكر عليه اسم الله. والآية تحتمل أن يكون المراد ما لم يذكر اسم الله عليه، وتحتمل أن يكون المراد ما يذكر عليه اسم غير الله، وتحتمل أيضاً: أن مسلماً يذبح ذبيحة ولا يذكر اسم الله عليها، فإذا عممناها وجعلناها تشمل هذه الحالات ففي هذه الحالة لا يجوز الأكل من ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية، وفي المسألة تفصيل فيما إذا كان عامداً أو ناسياً. وقوله: (وإنه لفسق) الفسق هو ما أهل لغير الله به، كما في الآية الآتية في آخر السورة، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن؛ لأنه في الآية التي في أواخر هذه السورة قال تبارك وتعالى فيها: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام:145] فهنا -أيضاً- وصف هذا الفعل بأنه فسق، فمن ثمّ قال بعض المفسرين: ((وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)) أي: مما أهل به لغير الله. يعني: لأن هذا هو نفس الفسق، فلا تتناول الآية -على هذا القول- ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية. وقوله: (وإنه لفسق) الفسق هو الخروج عن الحسن إلى القبح بتناول ما تنجس بالموت بلا مانع عن تأثيره. وقوله: ((وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ))، المقصود: إبليس وجنوده، (ليَوحون) يعني: يوسوسون (إلى أوليائهم) يعني الذين اتبعوهم من الكفار (ليجادلوكم) يعني: بالوساوس الشيطانية، أو بما نقل من أباطيل المجوس، والمراد: ليجادلوكم في تحليل الميتة، يريدون أن تستحلوا الميتة وتأكلوها فيجادلوكم بهذه المناقشة التي سبق أن ذكرناها. والمجادلة هي دفع القول عن طريق الحجة بالقوة، وكلمة (المجادلة) مشتقة من الأجدل، والأجدل طائر قوي، فالمجادلة هي دفع القول عن طريق الحجة، أي أنك تبطل قول خصمك عن طريق الحجة القوية بهذه القوة العلمية. وقيل: مأخوذة من الجدالة، والجدالة هي الأرض، فكأنه يغلبه بالحجة ويقهره حتى يصير كالمجدول بالأرض. وقيل: مأخوذة من الجدل، والجدل هو شدة الفتل، كالذي يفتل الحبال، فكأن كل واحد منهما يفتل حجة صاحبه حتى يقطعها، وتكون حقاً في نصرة الحق وباطلاً في نصرة الباطل، فالمجادلة الصحيحة كقوله: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت:46] والمجادلة المذمومة هي المجادلة في دفع الحق ونصرة الباطل، كقوله تعالى: ((وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ)) أي: في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله. وقوله: ((إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) أي: مشركون لهم مع الله فيما يختص به من التحليل والتحريم. وقوله: ((لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ)) روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قيل له: إن المختار الذي ادعى النبوة يقول: (يوحى إلي)! أي: يزعم أنه يوحى إليه. فقال عبد الله بن عمر: (صدق ((وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ))) أي أنه يوجد نوع من الوحي الباطل عن طريق الوساوس كما ذكرنا. وكان مما يحكى في أوائل الثمانينات أنه كان هناك بدعة ضالة مشهورة عن الحرماوي، وقد ضل ضلالاً عجيباً، والقضية فيها كلام كثير لا نريد أن نفصل الكلام فيها، يقول الذين كانوا معه في الزنزانة: إنه كان يستيقظ بعض الإخوة في الليل -والزنزانة فيها سور يفصل بين دورة المياه وبين العنبر- فكانوا يجدونه بالليل وهو متسلق فوق هذا السور يقول: هات هات. أي: كأنه يستقبل وحياً، ويمكن أن يكون يوحى إليه فعلاً، والذي يوحي إليه هم الشياطين، كما قال تعالى: ((وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)) ولا مانع من أن يسمى هذا وحياً؛ لأنه بمعنى الوسوسة بهذه الأوهام وهذه الأباطيل. وهناك من يدعي أنه يحكم على الأحاديث بقلبه، فيحكم على الحديث هل يقبل أم لا يقبل بقلبه. وهناك من يحرمون الاكتساب، ويقولون: لا يجوز للإنسان أن يسعى في طلب الرزق أبداً، بل يعيش هكذا. ولا يجوزون قتل أي نوع من الحشرات، لا الفئران ولا الصراصير ولا البراغيث ولا القمل ولا غيرها؛ لأنها تسبح الله، والجنون فنون! فهذا أيضاً من الوحي، ولكنه وحي من الشياطين، وهذا كالوحي الذي كان يأتي غلام أحمد القادياني، فإنه كان يقول: أتاني وحي في سورة رجل إنجليزي حسن الصورة وقال لي كذا وكذا. ونحن نقول: نعم، إنه شيطان كان يوحي إليه.
سبب نزول قوله تعالى: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) الآية
سبب نزول قوله تعالى: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) الآية هنا تنبيهات تتعلق بهذه الآية: الأول: روي في سبب نزول هذه الآيات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتى ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: (يا رسول الله! إنا نأكل ما نقتل، ولا نأكل ما يقتله الله تعالى؟ فأنزل الله تعالى: ((فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ)) إلى قوله: ((وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ))) أخرجه أصحاب السنن. وفي رواية لـ أبي داود في قوله تعالى: ((وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)) أنهم قالوا: (ما ذبح الله فلا تأكلوا، وما ذبحتم أنتم فكلوا! فأنزل الله تعالى: ((وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ))) وفي آية أخرى: ((فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)) فنسخ واستثنى من ذلك فقال: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة:5]. وعند النسائي قال: (خاصمه المشركون فقالوا: ما ذبح الله لا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه!).
مشروع التسمية عند الذبح
مشروع التسمية عند الذبح التنبيه الثاني: دلت الآية على مشروعية التسمية عند الذبح، وهذا من دقة القاسمي، حيث استعمل كلمة (مشروعية) فأتى بلفظ عام؛ لأنه ليس في مقام تحقيق حكم التسمية، فلذلك تخلص من الانحياز لأحد القولين بأن أتى بالمشروعية، فالمشروعية تشمل الواجب وتشمل المستحب أيضاً، فلذلك قال هنا: دلت الآية على مشروعية التسمية عند الذبح، فقيل: (باسم الله) بهذا اللفظ الكريم، وقيل: بكل قول فيه تعظيم له كالرحمن وسائر أسمائه الحسنى، لقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء:110]، وقال تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180].
حكم الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها
حكم الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها التنبيه الثالث: ما قدمناه من حمل الآية على ما ذبح لغير الله تعالى هو الأظهر في تأويلها، أي أن الآية ((وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)) تساوي ما ذكر اسم غيره عليه، فـ القاسمي يميل إلى هذا، ويقول: هذا هو الأظهر في تأويل هذه الآية ((وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ))، وهو المشار إليه بقوله تعالى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام:145] يعني: لا تشمل ذبيحة المسلم الذي لم يسم، لقوله تعالى بعد: ((أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ)) وهذا من باب مراعاة النظائر في القرآن، فالنظائر القرآنية أولى ما يلتمس المراد بها. وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء قال: نزلت في ذبائح كانت تذبحها قريش على الأوثان، وذبائح المجوس. وقد حاول بعضهم أن يقويه. وقوله: ((وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) لأن من أكل الميتة أو ما ذبح على النصب يفسق، وإذا استحلها يكفر، فلو أن رجلاً أكل الميتة وهو معتقد أنها حرام في غير حالة الضرورة فإنه يكون فاسقاً، لكن لو اعتقد أنها حلال حتى لو لم يأكلها فهذه ردة وكفر. فقوله: (وإن أطعتموهم) يعني: في استحلال الحرام، أو تحريم الحلال (إنكم لمشركون). يقول القاسمي: وحينئذ فلا دلالة في الآية على تحريم ذبيحة المسلم التي تركت التسمية عليها عمداً أو سهواً. واحتج البيهقي بحديث عائشة رضي الله عنها أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوه. قالت: -يعني: عائشة - وكانوا حديثي عهد بكفر)، رواه البخاري. قال: فلو كان وجود التسمية شرطاً لم يرخص لهم إلا مع تحققها؛ لأنهم لا يعرفون هل سموا أم لم يسموا، فلما قال لهم: (سموا عليه أنتم وكلوه)، فما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن التسمية شرط لذبيحة المسلم، ولذا لم يرخص لهم إلا مع التحقق من وجود التسمية. يقول الخطابي: فيه دليل على أن التسمية غير شرط على الذبيحة؛ لأنها لو كانت شرطاً لم تستبح الذبيحة بالأمر المشكوك فيه، كما لو عرض الشك في نفس الذبيحة، فلم يُعلم هل وقع في الذكاة المعتبرة أم لا. وهذا هو المتبادر من سياق الحديث، حيث وقع الجواب فيه (سموا أنتم) ومعنى (سموا أنتم) يعني أن هناك شكاً في نحوهم سموا أم لا، وكأنه قيل لهم: لا تهتموا بذلك، بل الذي يهمكم أنتم أن تذكروا اسم الله وتأكلوا. وهذا من الأسلوب الحكيم، ومما يدل عليه -أيضاً- قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة:5]، فأباح الأكل من ذبائحهم مع وجود الشك في أنهم هل سموا أم لا. هذا وقد تمسك بظاهر الآية قوم، فذهبوا إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلماً، وأخذوا بظاهر هذه الآية. يعني أنهم فسروا قوله تعالى: ((وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)) إما بأن يكون قد أهل لغير الله به، أو بأن تترك التسمية عليه حتى لو كان الذابح مسلماً؛ لأنه يصدق عليه ظاهر الآية، وهو أنه مما لم يذكر اسم الله تبارك وتعالى عليه. يقول: وقد تمسك بظاهر الآية قوم، فذهبوا إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها وإن كان الذابح مسلماً عمداً ترك التسمية أو نسياناً، فالظاهر يدل على هذا، واحتجوا -أيضاً- بقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة:4] وهنا أمر بذكر (بسم الله). واحتجوا -أيضاً- بالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي علي وأبي ثعلبة: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل) يعني صيد الكلب المعلم يباح، لكن صيد الكلب الجاهل لا يباح عند أهل العلم، وفي هذا بيان شرف الكلب المتعلم على الكلب الجاهل، فتباً لمن يحذرون الناس من طلب العلم ويزهدونهم فيه ويفيضون في ذكر فضائل الجهل، وأن الصحابة كان منهم من لا يعرف كذا ولا كذا ولا كذا، والعياذ بالله! فإذا كان بالعلم فُضل الكلب على أخيه الكلب، فكيف لا يُفضل الإنسان المؤمن المتعلم على الذي لا يتعلم؟! ولكن هنا شرطان: أن يكون الكلب معلماً، وأن تذكر اسم الله، فدل على أنه إذا لم يذكر اسم الله فلا يأكل، وفي حديث رافع بن خديج: (ما أنهر الدم -يعني: أراق الدم- وذكر اسم الله عليه فكلوه)، وهو في الصحيحين أيضاً، وفي حديث ابن مسعود الذي رواه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجن: (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه) وفي حديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، فمن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله)، أخرجاه. ففي هذه الأحاديث إيقاف الإذن في الأكل على التسمية، والمعلق بالوصل ينتفي عند انتفائه عند من يقول بالمفهوم، والشرط أقوى من الوصل، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأنعام [123 - 136]
تفسير سورة الأنعام [123 - 136]
تفسير قوله تبارك وتعالى: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها)
تفسير قوله تبارك وتعالى: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها) قال تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام:123]. قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا)) هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، يعني: كما جعلنا بمكة كبراء ليمكروا على أتباعهم في تزيين الباطل وغمط الحق كذلك قد جعلنا مثل هذا في كل قرية أرسلنا إليها الرسل، فجعلنا أكابرها مجرمين، وكانوا متصفين بصفات المذكورين، وكانوا مصرين على الباطل مجادلين به الحق ليفعلوا المكر على أتباعهم بالتلبيس ليتركوا متابعة الرسل، فغاية مكرهم هو أن يصدوا الناس عن اتباع رسل الله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. وأكابر المجرمين هم أهل الترف، كما قال تبارك وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سبأ:34] وقال تبارك وتعالى مبيناً أن أكابر المجرمين هم أهل الترف: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف:23] وقال تبارك وتعالى مبيناً هذا المكر وحاكياً عن نوح عليه السلام أنه قال: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا} [نوح:22 - 23] إلى آخر الآية الكريمة. قال ابن كثير: المراد بالمكر هاهنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف المقال والفعال، ليزينوا لهم هذا الباطل الذي هم عليه، وكانوا يزخرفون لهم أفانين القول، كما قال عز وجل إخباراً عن قوم نوح: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} [نوح:22]، وكقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا} [سبأ:31 - 33] أي: مكركم بنا بالليل والنهار. وهذا يبين أن مكرهم مكر متصل في الليل والنهار، فكانوا يزخرفون لهم القول ويلبسون عليهم كي يصدوهم عن سبيل الله تبارك وتعالى. وقوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ)) في إعراب (أكابر مجرميها) قولان: الأول: أن (أكابر) مضاف إلى مجرميها، فـ (أكابر): مضاف، و (مجرميها) مضاف إليه، وعليه فيكون (أكابر) مفعولاً أول لـ (جعل) وأما المفعول الثاني فهو الجار والمجرور في قوله تعالى: ((فِي كُلِّ قَرْيَةٍ)) أي: وكذلك جعلنا أكابر المجرمين في كل قرية. فهذا هو القول الأول في إعراب (أكابر مجرميها). القول الثاني: أن (مجرميها) مفعول أول، و (أكابر) مفعول ثانٍ، والتقدير: وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، و (أكابر) تُمنع من الصرف، فسبب عدم وجود التنوين في الإعراب الأول هو الإضافة، وفي الإعراب الثاني المنع من الصرف، والأكابر جمع الأكبر. قال الزمخشري: خص الأكابر لأنهم هم الحاملون على الضلال، وهم الذين يحرضون الناس ويقودونهم إلى الضلال، بجانب أنهم غالباً الأقدر على الفساد، فهم الموجود عندهم القدرة، والمتمكنون من نشر الفساد في الناس، وهم الماكرون بالناس كافة، كما قال عز وجل: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا} [الإسراء:16]. وقوله: ((وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)) يعني: لا يضرون بمكرهم إلا أنفسهم؛ لأن وباله يحيط بهم، كما قال تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت:13] وقال عز وجل: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل:25]. قال الزمخشري: هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقديم موعد بالنصرة عليهم. وقوله: ((وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)) يعني أن هذا الكيد والمكر يرتد في نحورهم؛ لأنهم حتى لو مرت بهم الدنيا دون عقاب فإنهم في الآخرة يتحملون أوزار كل من أضلوهم عن سبيل الله، يعني أن أصحاب الأوزار لا يتحملون أوزارهم وحدهم، لكن كل من أضلوهم عن سبيل الله يحملون من أوزارهم.
تفسير قوله تعالى: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله)
تفسير قوله تعالى: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله) ثم قال تبارك وتعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} [الأنعام:124]. قوله: ((وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ)) أي: برهان وحجة قاطعة. وقوله: ((قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)) يعني: كما نزل الوحي على الأنبياء بالمعجزات المصدقة لهم، فكذلك نحن لن نؤمن حتى يحصل معنا نفس هذا الشيء، وينزل علينا الوحي كما نزل على رسل الله تبارك وتعالى. فمعنى (حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله) أي: لن نؤمن حتى تأتينا الملائكة بالرسالة، كما فعلت مع رسل الله عز وجل، وهذا -أيضاً- كقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} [الفرقان:21]، وكما قال تبارك وتعالى: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً} [المدثر:52]، وكما قال -أيضاً- حاكياً عن اقتراحاتهم: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا} [الإسراء:92]. ويحتمل أنهم يريدون أن يروا الملائكة عياناً يأتون ويشهدون له بالرسالة، أو أنهم أرادوا أن تأتيهم الملائكة بالرسالة وبالوحي كما جاءت إلى الأنبياء. وقوله تعالى: ((اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)) هذا الجزء من الآية يصحح أنهم إنما طلبوا النبوة ولم يطلبوا مطلق نزول الملائكة لتشهد للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الجواب أتى من الله بقوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) فالذي يستحق الرسالة يعلمه الله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص:68]، وقال: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج:75]. إذاً: هذا هو الجواب عليهم على ما اقترحوا، فإنهم قالوا: ((لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)) أي: أما أن تنزل عليهم الملائكة ليشهدوا للرسول، وإما أن تنزل عليهم الملائكة بالوحي كما كانت مع الرسل، وهذا القول الثاني أرجح، بدليل قوله تعالى بعدها مباشرة: ((اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ))، فهذا كلام مستأنف للإنكار عليهم، وأن الله لا يصطفي للنبوة إلا من علم أنه يصلح لها، فيليق للاستشراق بأنوار علمه، والأمانة على مكنون سره مما لو انكشف لغيره انكشافه له لطابت له نفسه، أو ذهبت بعقله دلالته وعظمته، فهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه منهم، والله سبحانه أعلم بالمحل الذي يليق به أن يصطفى ويختار نبياً ورسولاً لله عز وجل، وقد روى الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل اصطفى -أي: اجتبى- من ولد إبراهيم إسماعيل) يعني: أن إسماعيل عليه السلام مصطفى من جميع ولد إبراهيم عليه السلام باختيار واصطفاء، قال: (واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) ورواه مسلم. وروى الإمام أحمد عن المطلب بن أبي وداعة عن العباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فريقين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً وخيركم نفساً) صلى الله على نبيه وسلم. ثم قال تبارك وتعالى: ((سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ)). قوله: (صغار) أي: ذلة وهوان وضيم في مقابلة ما كانوا عليه في الدنيا من التكبر ومن التعاظم على خلق الله تبارك وتعالى والاستكبار عن الحق، ولذلك صح في الحديث أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة في صورة الذر الدقيق الذي يضعف عن شعاع الشمس، ولذا يمر في المكان الذي فيه ظل، فالمتكبرون يكونون على الصورة الإنسية، لكن في حجم الذر، يطؤهم الناس في الموقف تحقيراً لهم، ومعاملة لهم بنقيض ما قصدوا، فهم قصدوا في الدنيا التكبر والعلو، فعوقبوا بالذل والصغار يوم القيامة، ولذلك يقول الله تبارك وتعالى: ((سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ)) أي: ذلة وهوان بعد كبرهم وعظمتهم. وقوله: (صغار عند الله) يعني: صغار من عند الله، أو صغار عند الله ثابت لهم، يعني يوم القيامة جزاء على منازعتهم له تعالى في كبره برد آياته وتكذيب رسالته، كما صح في الحديث: (الكبرياء ردائي، والعزة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قصمته). فالكبرياء لله عز وجل، كما قال تعالى: {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الجاثية:37] فلا ينبغي لأحد أبداً أن ينازع الله سبحانه وتعالى في صفة الكبرياء، فهؤلاء لما نازعوه عز وجل في هذه الصفة، وردوا آياته وكذبوا رسله، واعترضوا على الله عز وجل لأنه اختص بالرسالة غيرهم عاقبهم بهذا الصغار الثابت لهم عند الله. قوله: (وعذاب شديد) يعني: في الآخرة (بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ) أي: بما كانوا يمكرون في الدنيا إضراراً بالأنبياء أو إضراراً بأتباع الأنبياء من الصالحين، وكانوا يأتمرون ويخططون من أجل إطفاء نور الإسلام وحرب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير: لما كان المكر -غالباً- إنما يكون خفياً -وهو التلطف في التحيل والخديعة- قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة جزاءً وفاقاً، ولا يظلم ربك أحداً. وجاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان) والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفياً لا يطلع عليه الناس فيوم القيامة يصير علماً منشوراً على صاحبه بما فعل، يركز في هذا اللواء ليفضح أمام أهل الموقف لأنه كان يكتم المكر في الدنيا، وكانت المؤامرات تعقد في الخفاء، ويتآمرون على المسلمين، ويمكرون بأهل طاعة الله سبحانه وتعالى، فيعاقبون بهذا الغدر يوم القيامة بأن يفضحوا ويكشف غدرهم، وكل غادر يكون يوم القيامة بهذه المثابة حتى يصير ذلك علماً منشوراً على صاحبه بما فعل.
تفسير قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)
تفسير قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) قال تبارك وتعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:125]. قوله: (فمن يرد الله أن يهديه) يعني: للتوحيد (يشرح صدره) أي: يوسع ويفسح صدره (للإسلام) أي: يصبح ثقيلاً بنور الهداية، فيقبل نور الحق، كما قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:7] وروى عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن هذه الآية: كيف يشرح صدره؟ قال: (نور يقذف فيه، فينشرح له وينفتح، قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت)، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وقال ابن كثير: وللحديث طرق مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضاً. وقوله: ((ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً)) أي: شديد الضيق، فلا يتسع للاعتقادات كلها، ولا للأمور الأخروية، وأصل الحرج موضع الشجر الذي يكون كثيفاً وملتفاً، فكأن قلب الكافر كذلك. وحين يكون الشجر كثيفاً وملتفاً على بعضه التفافاً شديداً جداً وكثيفاً يترتب على ذلك أنه لا ينفذ الضوء منه، ولا يمكن أن يسمح بنفاذ الضوء، فكأن قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذي التف شجره. فقوله: ((وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا)) أي: شديد الضيق. وقوله: ((كأنما يصعد في السماء)) أي: يتكلف الصعود في جهة السماء، وطبعه يهبط إلى الأرض، يعني: طبيعته الهبوط إلى الأرض، وإذا أراد أن يصعد إلى أعلى فإنه يعاني في ذلك أن طبيعته وخليقته وفطرته المنحرفة تجذبه إلى الأرض، فكلما أراد أن يصعد لا يستطيع أن يرقى إلى السماء، فشبه -للمبالغة- ضيق صدره بمن يزاول أمراً غير ممكن؛ لأن صعود السماء مما يمتنع ويبعد. يقول الإمام القاسمي رحمه الله تعالى: الصعود إلى السماء مثل فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة. والآن لم يعد الصعود في السماء أمراً ممتنعاً أو خارجاً عن حدود الاستطاعة، بل سخرت من الأسباب العلمية ما جعل الناس يصعدون في السماء. وهذه الآية ذكرت الكتب المصنفة أنها مما وافق عليه الإعجاز العلمي القرآن الكريم، حيث يقول أولئك المصنفون: إن هذه الآية الكريمة تحوي إخباراً بأمر ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم في وقت الوحي أن يكتشفه بطبيعته البشرية؛ لأن الجبال في مكة ليست شديدة الارتفاع بحيث تظهر فيها هذه الظاهرة، لكن هذه الظاهرة تظهر عند الناس الذين يهوون التسلق في جبال مثل جبال الهملايا وقمة إفرست ونحوها، فمن الأشياء المعروفة جداً أنه كلما أراد الإنسان أن يصعد إلى أعلى يقل الأكسجين في طبقات الجو العلياء، وحينئذٍ يضيق صدره، ويضيق تنفسه لقلة الأكسجين، فلذلك يصيبه الإعياء والتعب الشديد، وهذا كما وصفه تبارك وتعالى هنا بقوله: ((يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كأنما يصعد في السماء)) فكلما ارتفع الإنسان إلى طبقات الجو العلياء يقل الأكسجين. فهذه الأشياء التي اكتشفت سواء عن طريق المناظير، أو عن طريق أخبار هؤلاء الناس الذين يتسلقون إلى الجبال العالية لم يكن لها مصدر بشري في زمن الوحي كي يتلقى منه النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه المعلومة، وهي قلة الأكسجين كلما ارتفع الإنسان في طبقات الجو العليا، الأمر الذي يؤدي إلى ضيق الصدر والصعوبة في التنفس، فلذلك عدت هذه الآية من آيات الإعجاز العلمي؛ لإخبارها عن هذا الأمر الذي ما كان يعرفه العرب في جزيرة العرب. وقيل معناه: ((كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)) أي: نبواً عن الحق وتباعداً في الهرب منه. وقوله: ((كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)) يعني: في الاعتقادات والأخلاق، والرجس هو ما استقذر من العمل، فسميت أخلاق الكفار واعتقاداتهم رجساً مبالغة في ذم ما هم عليه، فما عليه الكافر من الاعتقادات والأخلاق والشرك كله داخل تحت قوله تعالى: ((كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)).
تفسير قوله تعالى: (وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون)
تفسير قوله تعالى: (وهذا صراط ربك مستقيماً قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون) ثم قال تعالى: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [الأنعام:126]. أي: هذا البيان الذي جاء به القرآن الكريم، أو أنه إشارة إلى طريق التوحيد، وإسلام وجه العبد إلى الله سبحانه وتعالى. وقوله: (وهذا صراط ربك) يعني: طريق الله الذي ارتضاه. وقوله: (مستقيماً) أي: لا ميل فيه، بلا إفراط ولا تفريط في الاعتقادات والأخلاق والأعمال، أو (مستقيماً) لا اعوجاج فيه. وقوله: (قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون) يعني: بينا الآيات لقوم يتذكرون المعارف والحقائق التي هي مركوزة في استعدادهم فيسعدون بها.
تفسير قوله تعالى: (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون)
تفسير قوله تعالى: (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون) ثم يقول عز وجل في مصير هؤلاء الذين يذَّكرون: {لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:127]. قوله: (لهم دار السلام) يعني السلامة من المكاره، ودار السلام بهذا المعنى هي الجنة التي لا يصيب سكانها حزن ولا هم ولا نصب ولا أي مكروه، ولذلك توصف بأنها (دار السلام) أي: السلامة من المكاره، وهي الجنة؛ لكونهم في مقام القرب من الله سبحانه وتعالى. وقوله: (عند ربهم) يشير إلى قربهم عند الله عز وجل. وقوله: (وهو وليهم) يعني: يتولاهم بمحبته، ويجعلهم في أمانه. وقوله: (بما كانوا يعملون) أي: بسبب أعمالهم الصالحة في سلوكهم صراطه المستقيم، أي: بسبب ما كانوا عليه من الاستقامة.
تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس)
تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس) يقول عز وجل: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام:128]. قوله: (ويوم يحشرهم جميعاً) يعني: واذكر يا محمد -عليه الصلاة والسلام- فيما تقصه عليهم وتنذرهم به (يوم يحشرهم جميعاً). وقوله: (ويوم يحشرهم) يعني: الجن. وقوله: (أولياؤهم من الإنس) أي: الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً. وقوله: (يا معشر الجن) يعني: نقول لهم بعد أن نحشرهم: (يا معشر الجن) والمقصود بمعشر الجن هنا شياطين الجن. قال المهايمي: خصهم بالنداء لأنهم الأصل في المكر، فالمكر أساساً ينبع من شياطين الجن، ويتبعهم في ذلك شياطين الإنس؛ فلذلك خصهم بالنداء فقال: (يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس) يعني: قد استكثرتم من إغواء وإضلال الإنس، أو: (قد استكثرتم من الإنس) بأن جعلتموهم أتباعكم وأهل طاعتكم، وسولتم وزينتم لهم الحطام الدنيوي واللذات الجسمانية عليهم، ووسوستم لهم بالمعاصي، فحشروا معكم. وهذا فيه التوبيخ والتقريع، يعني: أنتم استكثرتم من هؤلاء الأتباع فهاهم الآن يحشرون معكم بعدما أضللتموهم بمكركم ووسوستكم. وقوله: (وقال أولياؤهم من الإنس) يعني الذين أطاعوهم وتولوهم، ومعروف أن أولياء الشياطين من الإنس هم الذين يطيعون الشياطين في وسوستهم وإضلالهم. ومن ذلك مظاهر الشرك التي يقع فيها كثير من الإنس حينما يتولون الجن، حتى إنهم يخافون منهم الخوف الذي لا ينبغي أن يكون إلا من الله سبحانه وتعالى، فيتعوذون بهم، ويذبحون لهم، وكم نرى أناساً يذبحون للجن كل ما يطلبونه منهم، فتراهم يطلبون ديكاً لونه كذا، ولون عنقه كذا، ولون ريشه كذا! وبعض الناس إذا افتتح مصنعاً أو شقة أو أي شيء من هذه الأشياء يأتي بالذبيحة فتذبح على عتبة هذا الباب للجن، والعياذ بالله! وغير ذلك من هذه الأفعال الشنيعة، فيقول الله تعالى لهم يوم القيامة: ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ)) أي: الذين أطاعوهم وتولوهم من الإنس ((رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ)). قال الحسن: ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت الإنس وعملت. أي أن الجن كانت تأمر والإنس تعمل، كما قال عز وجل في حق الشيطان: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم:22]، أي أنه لم يجبرهم على ذلك، لكن الجن تأمر وهؤلاء يطيعون وينقادون. فالجن نالت التعظيم منهم فعبدت، والإنس تمتعوا بإيثار الشهوات الحاضرة على اللذات الغائبة، ولذا قال تعالى عنهم: ((اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ)) فالجن استمتعوا بتعظيم الإنس لهم، والإنس استمتعوا باللذات الحاضرة، وآثروا هذه اللذات الحاضرة من الشهوات وغيرها بسبب وسوسة وتزيين الجن لهم. وقوله: ((وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا)) يعني: بالموت أو بالمعاد الجسماني على أقبح صورة وأسوأ عيشة. قال أبو السعود: قالوا هذا الكلام: ((رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا))، اعترافاً بما فعلوا من طاعة الشيطان واتباع الهوى وتكذيب البعث، وإظهاراً للندامة عليها، وتحسراً على حالهم، واستسلاماً لربهم. والله سبحانه وتعالى اقتصر على حكاية كلام الضالين للإيذان بأن المضلين قد أفحموا بالمرة، فلم يقدروا على التكلم أصلاً، أي: أن الجن أنفسهم أفحموا تماماً، فلم يستطيعوا جواباً إلا ما أجاب به هؤلاء الأولياء من الإنس، حيث قال تعالى: ((وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ)) أي: على سبيل الندم والتحسر والتأسف ((رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا)) ولم يحك عز وجل، ولم يقص علينا خبراً عن جواب المضلين الذين هم الجن إيذاناً بأن المضلين من الجن أفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلاً. وقوله: ((قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ)) يعني: منزلكم، كما أن دار السلام مثوى المؤمنين. وقوله: ((خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ)) يعني: إلا وقت مشيئته أن تخفف، أو ينجي منكم من لا يكون سبب تعذيبه شركاً راسخاً في اعتقاده. وهذا القول في الحقيقة غير متوجه؛ لأن الخطاب هنا للمشركين، فلا يتناول العصاة الموحدين، والله تبارك وتعالى أعلم. وقد أطال المفسرون الكلام هنا على قوله تعالى: ((إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ)) وهو بحث طويل في الحقيقة، وهو أحد الموضعين اللذين ورد فيهما الاستثناء: (إلا أن يشاء الله): الأول: هو هذا الموضع. والثاني في سورة هود، في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود:106 - 107]، وهذا هو بحث القول بفناء النار، ويستند القائلون بفنائها إلى هذه الآية، ولا شك في بطلان هذا المذهب؛ لأن الأدلة المتواترة تقطع بأن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، فمن زعم أن النار تفنى فقد خالف عقيدة أهل السنة والجماعة. يقول الناصر في الانتصار: قد ثبت خلود الكفار في العذاب ثبوتاً قطعياً، فمن ثمّ اعتنى العلماء بالكلام على الاستثناء في هذه الآية وفي أختها في سورة هود، فذهب بعضهم إلى أنها شاملة لعصاة الموحدين وللكفار، والمستثنى العصاة؛ لأنهم لا يخلدون، وهذا قول بعيد. وبعضهم قال: إن هذا الاستثناء محدود بمشيئة رفع العذاب، يعني أنهم مخلدون في النار إلا أن يشاء الله، أي: لو شاء الله لأخرجهم من العذاب. وفائدة هذا الاستثناء أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يوقف عنهم هذا العذاب، والإعلام بأن خلودهم إنما كان لأن الله تعالى قد شاء أن يخلدوا، وكان من الجائز العقلي في مشيئته أن لا يعذبهم، ولو عذبهم لا يخلدهم، وأن ذلك ليس بأمر واجب عليه، وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل. وفيها على هذا الوجه دفع في صدر المعتزلة الذين يزعمون أن تخليد الكفار واجب على الله تعالى بمقتضى الحكمة، وأنه لا يجوز في العقل أن يشاء خلاف ذلك، فجاءت جملة (إلا أن يشاء الله) إشارة إلى أنهم مخلدون إلا أن يشاء الله، ولو شاء عدم تخليدهم لم يخلدهم، ففائدة الاستثناء إظهار قدرة الله عز وجل، والإعلام بأن خلودهم في النار إنما كان لأن الله تعالى قد شاءه، وكان من الجائز العقلي في مشيئته أن لا يعذبهم، ولو عذبهم أيضاً فمن الجائز أن لا يخلدهم، وأن ذلك ليس بأمر واجب عليه، وإنما هو مقتضى ومحض مشيئة الله سبحانه وتعالى. وفي الآية تأويلات أخر، منها ما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه تعالى استثنى قوماً قد سبق علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وآله وسلم. يعني أن قوله تعالى: (خالدين فيها)، معناه: أن الكفار الذين كان هذا شأنهم في الدنيا يستحقون أن يخلدوا في النار (إلا ما شاء الله) يعني: إلا من شاء الله منهم أن يسلم قبل موته ويحسن إسلامه، فيخرج عن استحقاق الخلود في جهنم، وهذا مبني على أن الاستثناء ليس من المحكي، وأن (ما) بمعنى: من. ومن تأويلات الآية -أيضاً- أنهم يخرجون من النار، فإذا توجهوا لدخول الجنة أغلقت في وجوههم استهزاءً بهم، فقوله: (إلا ما شاء الله) أي: في هذه الفترة فقط التي يغرون فيها بدخول الجنة، حيث تفتح لهم أبواب الجنة، فإذا أرادوا أن يدخلوا بعدما يخرجون من النار تغلق في وجوههم استهزاءً بهم، وهذا معنى قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} [المطففين:34]، يعني: حينئذٍ يضحك المؤمنون ويسخرون منهم كما كانوا يفعلون بهم في الدنيا جزاء وفاقاً. فإن قيل: أي فائدة في هذا الفعل؟ وما وجه الحكمة فيه؟ فالجواب أن وجه الحكمة فيه ظاهر؛ لأن ذلك أشق على نفوسهم وأعظم في مكروههم، وهو ضرب من العقاب الذي يستحقونه بأفعالهم القبيحة؛ لأن من طمع في النجاة والخلاص من المكروه واشتد حرصه على ذلك ثم حيل بينه وبين الفرج ورد إلى المكروه يكون عذابه أصعب وأغلظ من عذاب من لا طريق للطمع عليه، ولا شك أنهم يصدمون صدمة قوية حين ينتقلون من طرف إلى طرف. وإذا صح هذا القول أنهم يخرجون من النار ثم تفتح لهم أبواب الجنة إغراءً لهم بالتوجه ناحية الجنة فإذا أرادوا أن يدخلوها أغلقت الأبواب في وجوههم وأعيدوا إلى العذاب فلا شك أن هذا تيئيس من الفرج، وهو نوع من العقوبة الشديدة التي تعظم وتضاعف حسرتهم. وقوله: ((إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ))، يعني: لا يعذب إلا على ما تقتضيه الحكمة، (عليم) أي: بمن يعذب بكفره فيدوم عذابه، أو يعذب بسيئة أعماله فيعذب على حسبها، ثم ينجو من هذا العذاب.
تفسير قوله تعالى: (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون) ثم يقول عز وجل: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:129]. قوله: (وكذلك نولي بعض الظالمين) يعني: من الإنس، (بعضاً) أي: نجعلهم يتولونهم بالإغواء والإضلال، كما فعل الشياطين وغواة الإنس. وقوله: (بما كانوا يكسبون) يعني: بسبب ما كانوا مستمرين على كسبه من الكفر والمعاصي. قال الرازي: لأن الجنسية علة الضم. أي: لا تقع موالاة إلا بسبب وجود تناسب بين المتولين، لأن المحبة هي عبارة عن تناسب ومشاكلة وتجانس، فلذلك قال تعالى هنا: ((وَكَذَلِكَ نُوَلِّي)) أي: نوجد الولاية والمحبة والنصرة. وقوله: (نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون) يفيد أنهم اتحدوا على غرض ومقصد واحد، وهو معاداة الله ومعاداة رسول الله وشرع الله عز وجل، فلذلك تجد أن أهواءهم سواء ومتناسبة، ويوجد بينهم من الوثائق الخبيثة ما يجعل بعضهم يأوي إلى بعض. فالجنسية علة الضم، فالأرواح الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها في الخبث، والطيور على أشكالها تقع، والأسماك على أشكالها تقع، وأنت إذا نظرت إلى الطيور تجد كل القافلة التي تطير تكون كلها من نوع واحد، فإذا كانت قافلة غربان تكون كلها من الغربان، ولا تجد شيئاً يشذ، حتى الناس الذين يغوصون في البحار ويرون قوافل الأسماك وهي تمشي في الماء يرون أن الأسماك -أيضاً- على أشكالها تقع. وكذلك بني آدم يأوي كل واحد إلى جنسه وإلى من يشاكله وإلى الشخص الذي يجد فيه نوعاً من التناسب والموافقة في الصفات وفي الطباع وفي الاستعدادات، فالأرواح الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها في الخبث، وكذلك القول في الأرواح الطاهرة، فكل أحد يهتم بشأن من يشاكله في النصرة والمعونة والتقوية. ولا شك في أن هذه الآية تعطينا نفس معنى الحديث الذي يروى ولا أظن أن أحداً صححه من العلماء وهو: (كما تكونون يولى عليكم). يقول السيوطي في الإكليل: الآية معنى حديث: (كما تكونون يولى عليكم) أخرجه ابن قانع في (معجم الصحابة) من حديث أبي بكرة، وكذلك أسند في (الجامع الصغير) تخريجه إلى الديلمي في (الفردوس) عن أبي بكرة، وإلى البيهقي عن أبي إسحاق السبيعي، ورمز له بالضعف. وعلى أي الأحوال فمعنى الحديث صحيح، وقد عبر بعض السلف عن هذا المعنى بقوله: أعمالكم عمالكم. يعني أن العمال هم الحكام والولاة والأمراء، فعلى جنس وأنواع أعمالكم يكون هؤلاء الذين يتولون أموركم، فإذا كانت الشعوب ظالمة فاسقة متعدية لأمر الله عز وجل وتاركة دينها يعاقبها الله سبحانه وتعالى ويسلط الله عليها حكاماً ظالمين من نفس جنسهم. فالله تعالى يولي بعض الظالمين بعضاً، وعلى هذا فقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:129] يعطي نفس معنى: (كما تكونون يولى عليكم) ومعنى (أعمالكم عمالكم). ومن يتتبع التاريخ يجد هذا الأمر، وقد روي أن بعض الناس في زمن أحد الخلفاء انتقد ذلك الخليفة بأنه لا يسير فيهم بسيرة عمر رضي الله تعالى عنه، فقال له: أما عمر فكان والياً علي وعلى مثلي من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أما أنا فصرت والياً على أمثالكم. وفي هذا إشارة إلى هذا المعنى: (كما تكونون يولى عليكم)، فهناك تفاعل بين الرعية الرعاة، فإذا كان الرعية ظلمة يسلط عليهم بسبب ذنوبهم هؤلاء الولاة الظالمون. وأسند في (الدر المنثور) عن منصور بن الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا)) ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم يقولون: إذا فسد الناس أُمِّر عليهم شرارهم. وقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره: ويقال في معنى الآية: نسلط على بعض الظالمين بعضاً فيهلكه أو يذله. والآية لها معانٍ أخرى. وقوله: ((وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا)) (نولي) بمعنى: نسلط، وهذا -أيضاً- من سنن الله سبحانه وتعالى التي نراها بين وقت وآخر، فنحن نرى أن الشخص الذي يعين الظالم ويتذلل له ويكون جندياً من جنوده ونصيراً من أنصاره وولياً من أوليائه إذا بالأيام تدور ثم ينقلب عليه، كما يقال: من أعان ظالماً سلطه الله عليه. فبعدما يكون بينهم هذه الموالاة وهذه المناصرة تدور الأيام وتجري فيهم سنن الله سبحانه وتعالى، حتى إن هذا الذي أعانه ينتقم الظالم منه، ويذيقه من نفس الكأس، فالانقلابات العسكرية والخيانات والقتل والاغتيال ما هي إلا عبارة عن انتقام ينتقم الله به من ظالم بظالم، ثم ينتقم من الظالمين جميعاً، فسنة الله سبحانه وتعالى أنه لا تدوم للظلم دولة، لكن تجد الظالم ينتقم الله به من ظالم مثله، ثم ينتقم من الظالمين أجمعين، وتكون العاقبة للمتقين. ولذلك يقول السمرقندي: معنى الآية: نسلط على بعض الظالمين بعضاً فيهلكه أو يذله. قال: وهذا كلام لتهديد الظالم لكي يمتنع عن ظلمه، ويدخل في الآية جميع من يظلم. فالآية عامة، وليست فقط كما نتحدث -في الولاة، ولكن في كل من يرتكب أي نوع من الظلم، سواءٌ أكان راعياً في رعيته، أم تاجراً يظلم في تجارته، أم سارقاً يظلم الناس بأخذ أموالهم، أم غير ذلك. قال الفضيل بن عياض: إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجباً. يعني: وتذكر هذا المعنى المذكور في هذه الآية الكريمة ((وَكَذَلِكَ نُوَلِّي)) أي: نسلط ((بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)). فمعنى (نولي) نسلط بالمعاقبة، أو (نولي) بمعنى: يقع بينهم التناسب والموافقة، وكل إنسان يختار الذي هو على شاكلته ويرضاه ويتولاه. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: معنى هذه الآية الكريمة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن كذلك نفعل بالظالمين، نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاءً على ظلمهم وبغيهم.
تفسير قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم)
تفسير قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم) ثم بين تبارك وتعالى ما سيكون من توبيخ الكفار من الفريقين يوم القيامة إثر بيان توبيخ الجن بإغواء الإنس وإضلالهم؛ كما في الآية السابقة التي قال فيها تبارك وتعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:128 - 129]. فبين عز وجل ما يكون من توبيخ الكفار يوم القيامة بعدما بين توبيخ الجن بإغواء الإنس وإضلالهم، وأعلم أنه لا يكون لهم إلى الجحود سبيل، فيشهدون على أنفسهم بالكفر، وأنهم لن يعذبوا إلا بالحجة، فقال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام:130]. قوله: (وينذرونكم) أي: يخوفونكم. وقوله: (لقاء يومكم هذا) وهو يوم الحشر الذي عاينوا فيه الأهوال. وقوله: (قالوا) الواو تعود إلى الجن والإنس. وقوله: (شهدنا على أنفسنا) أي: أقررنا بإتيان الرسل وإنذارهم وبتكذيب دعوتهم، كما فصل في قوله تعالى: {قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ} [الملك:9]، فيقرون ويعترفون بأن الحجة قد قامت عليهم، وأن الله سبحانه وتعالى ما كان ليظلمهم، ولكن كانوا هم أنفسهم يظلمون، فيشهدون على أنفسهم، ويقرون بجريمتهم، وأن الرسل جاءتهم، وأقامت الحجج عليهم، ودعتهم إلى الحق، ولكنهم استكبروا واستنكفوا. وقوله: (وغرتهم الحياة الدنيا) يعني: غرهم ما فيها من الزهرة والنعيم، وهو بيان لما أرداهم في الدنيا إلى الكفر، فالكافر يميل إلى الكفر؛ لأن الدنيا تجذبه إليها، وتشغله عن الآخرة. وقوله: (وشهدوا على أنفسهم) أي: في ذلك الموقف في الآخرة. وقوله: (أنهم كانوا كافرين) يعني: بعدما شهدت عليهم الجوارح؛ لأنهم في البداية ينكرون، وقد سبق في آيات أخرى في سورة الأنعام أنهم يقولون: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام:23] قال تعالى: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام:24]، لأن الكافر يجد الهلاك محققاً في الآخرة، فيقول: أحاول أي محاولة لعلي أنجو. فيقول لله سبحانه وتعالى: يا رب! إنك حرمت الظلم، وأنا لا أقبل علي شهيداً إلا من نفسي. فتأتي الملائكة فتشهد عليه والكتاب مفصلة فيه أعماله فيقول: ما أجيز إلا شاهداً من نفسي. فيختم الله سبحانه وتعالى على أفواههم وتنطق جوارحهم بما كانوا يكسبون. وقوله: (وشهدوا على أنفسهم) يعني: في الآخرة بعدما شهدت عليهم الجوارح وقال الواحد منهم لجوارحه: سحقاً لكُنَّ؛ فعنكن كنت أناضل. وقوله: (أنهم كانوا كافرين) يعني: في الدنيا بما جاءتهم به الرسل.
هل من الجن رسل؟
هل من الجن رسل؟ هنا بعض التنبيهات: أولاً: قوله تعالى: ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ))، كلمة: (منكم) هل يفهم منها أن هناك رسلاً من الجن كما أن هناك رسلاً من الإنس؟ A كلا، فليس من الجن رسل، إنما من الجن نذر ودعاة فقط، فمن ذهب إلى أن الله سبحانه وتعالى بعث إلى الجن رسلاً من الجن استدل بقوله تعالى هنا: ((أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ)) بعدما قال: ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ)). وحكاه ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم. والأكثرون على أنه لم يكن من الجن رسول، وإنما كانت الرسل من الإنس فقط، نص على ذلك مجاهد وابن جريج وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف. قال ابن عباس: الرسل من بني آدم، ومن الجن نذر فقط. يعني: دعاة يبلغون وينذرون، لكن لم يرسل الله رسلاً من الجن. وأجابوا عن ظاهر الآية بأن فيها مضافاً، فقوله: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم) المقصود: رسل من أحدكم، وهم الإنس فقط، أو أنه من إضافة ما للبعض للكل، أي: إضافة ما للبعض الذي هو الإنس للكل، وهذه الإضافة تصح؛ لأنها إضافة إلى المجموع، فلا يتعارض أن يكون المقصود واحد من الفريقين فقط، مثل قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن:22] بعدما قال عز وجل: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} [الرحمن:19] فالمفسرون يقولون: وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من أحدهما، وهو المالح دون العذب، وإنما جاز ذلك لأن ذكرهما قد جمع في قوله تعالى: ((مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ)) [الرحمن:19]، ثم قال بعد ذلك: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن:22]. وهو جائز في كل ما اتفق في أصله، فلذلك لما اتفق ذكر الجن مع الإنس جاز مخاطبتهما بما ينصرف إلى أحد الفريقين وهم الإنس، وهذا قول الفراء والزجاج. فمعنى الآية: يا معشر الجن والإنس! ألم يأتكم رسل من جملتكم؟! فاعتبر هنا معشر الجن والإنس المكلفين كأنهم شيء واحد، فحينما يقول الله: ((أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ)) يقصد المجموع كله، لكن حين نفصل نعلم أنه لم ترسل الرسل إلا من الإنس، ولم يكن في الجن رسل. والمعنى: ألم يأتكم رسل من جملتكم؟! لكن لا على أنهم من جنس الفريقين معاً، بل من الإنس خاصة. وإنما جعلوا منهما إما لتأكيد وجوب اتباعهم والإيذان بتقاربهما ذاتاً واتحادهما تكليفاً وخطاباً، وكأنهما من جنس واحد، ولذلك تمكن أحدهما من إضلال الآخر. وإما لأن المراد بالرسل ما يعم رسل الرسل، فإذا حملناها على ظاهرها فالمقصود من قوله: (رسل منكم) ليس رسلاً فقط من الله سبحانه وتعالى، وإنما تحمل على رسل الرسل، كما قال تبارك وتعالى في سورة يس: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ} [يس:13] أي: مرسلون من عند عيسى عليه السلام؛ لأنهم رسل رسول الله عيسى عليه السلام، فأطلق الرسل على رسل عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فإذاً: يكون المراد في قوله: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم) -إذا قلنا: إن من الجن رسلاً- يكون المقصود رسل الرسل الذين ينذرون قومهم ويحملون إليهم رسالة رسل الله عز وجل. وقد ثبت أن الجن استمعوا القرآن وأنذروا به قومهم، حيث نطق به قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف:29 - 31] أي: الرسول عليه الصلاة والسلام. وهكذا في عهد كل رسول لا يبعد أنه تعالى كان يلقي الرسول كلامه في قلوب قوم من جن عصره فيسمعون كلامه ويأتون قومهم من الجن ويخبرونهم بما سمعوه من الرسل وينذرونهم به، وقد سمى تعالى رسل عيسى رسل نفسه، فقال سبحانه وتعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ} [يس:14]. وتحقيق القول فيه أنه تعالى إنما وبخ الكفار بهذه الآية؛ لأنه تعالى أزال العذر، فهذه الآية فيها توبيخ للكفار وإظهار أن الله أزال عذرهم وأقام عليهم الحجة، ولم يبق عندهم أي عذر. فقوله: ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا)) وأي أن الله سبحانه وتعالى أزال العذر بسبب أنه أرسل الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين، فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق فقد حصل ما هو المقصود من إزاحة العذر وإزالة العلة، فكان المقصود حاصلاً. قال الحافظ ابن كثير: والدليل على أن الرسل من الإنس قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} [النساء:163] إلى قوله تبارك وتعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165] وقال عز وجل عن إبراهيم: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت:27] وذرية إبراهيم من الإنس، فامتن الله على إبراهيم بأن جاء حصر الأنبياء من بعده في ذريته فقط، سواء أكانوا من إسماعيل أم من إسحاق عليهما الصلاة والسلام. فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد: إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم ثم انقطعت عنهم ببعثته. وقال تعالى: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان:20] أي: لأنهم بشر. وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف:109] ومعلوم أن الجن تتبع الإنس في هذا الباب.
وجه الجمع بين قوله تعالى: (وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) وقوله: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين)
وجه الجمع بين قوله تعالى: (وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) وقوله: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) قال عز وجل: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام:130]، فما السبب في أنهم أقروا في هذه الآية بالكفر وجحدوه في قوله عز وجل: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام:23] ففي هذا الموضع حلفوا وأقسموا على أنهم ما كانوا مشركين، وفي الآية الأخرى: ((وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ))؟ والجواب أنه ينبغي أولاً أن يكون السؤال أن تقول: ما الحكمة؟ أو ما السر في كذا؟ أو ما السبب في كذا؟ لكن أن تقول: هناك تعارض بين هاتين الآيتين فهذا من سوء الأدب؛ لأن كلام الله لا يضرب بعضه ببعض، وإنما من الأدب أن تقول: ما وجه الجمع؟ أو كيف يرفع الإشكال بين كذا وكذا؟ أو: غير ذلك من التعبيرات، لكن أن يزعم امرؤ -والعياذ بالله- أن بينهما تعارضاً، فهذا من سوء الأدب مع كلام الله عز وجل. فبعد هذا السؤال يأتي A بأن يوم القيامة يوم طويل، والأحوال فيه مختلفة، فتخيل أنك يوم القيامة تحاول أن تمعن فهي بعقلك، فقدر يوم القيامة خمسون ألف سنة مما نعد، فالواحد منا يعيش ستين سنة إلى مائة سنة مثلاً، فتخيل يوماً مقداره خمسون ألف سنة لا يعمل الإنسان فيه شيئاً، ولا تستطيع أن تستدرك أو تستثمر هذه الخمسين ألف سنة حتى تنجو؛ لأنك انتقلت إلى دار الجزاء، فالإنسان إذا حاول أن يدرك مقدار هذا اليوم العظيم يستطيع أن يستشعر ما فيه من الأهوال والمعاناة، ويجتهد في العمل لأجل هذا اليوم، ثم إذا ترقى بعد ذلك وتخيل الحياة الدائمة الخالدة التي لا نهاية فيها ولا موت على الإطلاق -سواء في جنة أو في نار- يدرك -أيضاً- أن الأمر جد لا هزل فيه. فالخمسون ألف سنة هذه تكون حافلة بالأحداث وبالوقائع وبالأحوال المختلفة، وتتنوع فيها الأحوال، فتارة يقر الخلق، وفي مناسبة معينة وفي ظروف أخرى يجحدون، وتارة يقولون: نشهد على أنفسنا أننا كنا كافرين. ومرة أخرى يقولون: والله ربنا ما كنا مشركين. فهذا هو سبب التعارض في الأقوال وفي الإقرارات، فمرة يحلفون ويقولون: والله ربنا ما كنا مشركين. ومرة أخرى يعترفون ويقرون على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين. مثلاً: إذا كان وكيل نيابة يأخذ أقوال أحد فإنه يعترف بشيء، ثم بعد ذلك يتردد، ثم ينفيه، ثم يرجع فيثبته مرة أخرى، فهذا الاضطراب يدل على شدة الخوف والفزع واضطراب الأحوال، فلا شك في أن من عظم خوفه كثر الاضطراب في كلامه، حتى إنه لو حصل شيء من التضارب في الأقوال فإن التحقيق كله يلغى؛ لأن هذا يدل على أن الإنسان لم يكن في حالة نفسية مستقرة، فكونه يقول كلاماً ثم ينفيه، ويصدقه ثم يكذبه يدل على أن حالته النفسية غير مستقرة عند التحقيق لسبب أو لآخر، فبالتالي يُرفض التقرير كله. فالشاهد أن هؤلاء يقرون مرة ويجحدون مرة أخرى، فمرة يحلفون ويقولون: (والله ربنا ما كنا مشركين) وهذه يمين مغلظة، ويتهمون الملائكة أنهم افتروا عليهم، وأنهم سجلوا في صحائف أعمالهم ما لم يفعلوه، ويقول أحدهم: لا أريد شاهداً إلا من نفسي. ثم يفحهم الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك حينما يحاولون كل طرق الخلاص يعترفون، كما قال عز وجل: ((وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ))، يعني: بالفعل. وبعض المفسرين ذهب إلى أن قوله: (وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) أن المراد: شهادة أيديهم وأرجلهم وجلودهم حين يختم على أفواههم. فإن قيل: لماذا كرر ذكر شهادتهم على أنفسهم في الآية الكريمة: ((قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ)) فالأولى حكاية لقولهم، فكيف يقولون ويعترفون؟ فالجواب أن المتكلم في المرة الأولى في قوله تعالى: ((شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا)) هم الكفار أنفسهم، فهذه حكاية لما قالوه بحروفه. وأما المتكلم في المرة الثانية في قوله تعالى: ((وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ)) فهو من كلام الله سبحانه وتعالى، يقصد به ذمهم وتخطئة رأيهم ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم، وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا واللذات الحاضرة، وكان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام لربهم واستيجاب عذابه، وإنما قال ذلك تحذيراً للسامعين من مثل حالهم. فما أعظم حجة القرآن الكريم! فإن كل هذه المحاورات من أجل مصلحتنا نحن، فيجب على كل إنسان مسلم وكافر أن يستحضر هذه المواقف، ويستعد لها من الآن؛ لأنه ليس هناك إقامة للحجة أكثر من هذا، فكل تفاصيل يوم القيامة، وحجج التوحيد، ومجادلة المشركين، وتنويع الخطاب بهذه السور إنما المقصود به أن تقوم الحجة على الناس، فلن يهلك على الله إلا هالك عاتٍ متمرد قاس يستحق عذاب الله سبحانه وتعالى. فالله يقول له: لو كفرت ستخلد في جهنم وتعذب هذا العذاب الأليم، وهذه هي الحجج وهذه هي البراهين: ومع ذلك يصر، مع أنه أعطاه الله الفرصة، وأرسل إليه الرسل، وقامت عليه الحجج، فلا شك في أنه يستحق العذاب، وأن الله ما ظلمه؛ لأنه سبق أن أنذره بذلك.
تفسير قوله تعالى: (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون)
تفسير قوله تعالى: (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون) ثم يقول عز وجل: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام:131]. في هذه الآية إعلام بأنه تبارك وتعالى أعذر إلى الثقلين الجن والإنس بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتبيين الآيات وإلزام الحجة بالإنذار والتهديد، وأنه تعالى لا يؤاخذ القرى بظلم أهلها بالشرك ونحوه، وهم لم تبلغهم دعوة رسول ينهاهم عنه، وينبههم على بطلانه؛ لأنه ينافي الحكمة. إذاً: ينبغي أن نضم هذه الآية إلى آية أخرى في سورة الإسراء، وهي قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15]. فقوله: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام:131] أي أن الله سبحانه وتعالى ما كان له أن يهلك أي قرية أو أي أمة بظلمهم، حتى لو كان هذا الظلم هو الظلم الأكبر وهو الشرك الذي هو الظلم العظيم. وقوله: (وأهلها غافلون) يعني: لم تقم عليهم الحجة الرسالية، ولم تأتهم رسالة الرسل والأنبياء. فالله سبحانه وتعالى كتب على نفسه أنه لا يعذب أمة حتى تقوم عليها الحجة وتصل إليها الرسالة، مع أن الله سبحانه وتعالى فطر الناس على التوحيد، والفطرة تهدي إلى التوحيد، فلو أنك تخيلت مولوداً صغيراً يعيش في حجرة مغلقة -بغض النظر عن توفير سبل الحياة كالرضاعة والطعام بصورة أو بأخرى- بدون أن يتصل بأي مخلوق آخر من أم أو أب أو أخ، ويظل منفرداً في حجرة وينمو وينمو إلى أن يشب ويبلغ ويصير مكلفاً فإنه سينطق بالتوحيد، وهذا كل واحد منا يحسه في نفسه؛ لأن أقوى دليل على وجود الله عز وجل وعلى توحيد الله هو الفطرة. فلا ترهق نفسك إذا سمعت كلام الفلاسفة الدجالين الذين يقولون: إن الشك أول اليقين. أو: ينبغي أن تبدأ بالشك. أو نحو هذا الكلام الذي يقوله الدجالون، وغرضهم به هو الصد عن سبيل الله. فأنت -أيها الإنسان- تولد على الفطرة التي تجعلك تفزع إلى الله سبحانه وتعالى، وتشعر بأنك تأوي إلى الله عز وجل، وتكون هناك صلة وثيقة بينك وبين الله. وأي واحد منا إذا تذكر أيام صباه الأولى سيجد أن هذا الشعور كان مغروساً في أعمق أعماق قلبه، أي أن الاعتراف بالله سبحانه وتعالى والفزع إلى الله واللجوء إلى الله في الشدائد شعور فطري مغروس في كل واحد منا لا يحتاج إلى أن يدلل عليه؛ لأنه موجود في قلبه، فالله سبحانه وتعالى فطر الناس على التوحيد، كما قال عز وجل: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم:30] يعني: لا تبدلوا خلق الله، ولا تفسدوا فطرة الناس وتصدوهم عن التوحيد. وقال صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) يعني: مهيأً لتقبل الحق. فأولاد اليهود والنصارى ما لم يكلفوا ولم يبلغوا هم على هذه الفطرة النقية فطرة الإسلام وفطرة التوحيد. ثم أعطى الله الناس العقول التي ميزوا بها على البهائم وعلى العجماوات كي يتدبروا في آيات الله عز وجل، ثم أرسل إليهم الرسل، وبث لهم الآيات الكونية في كل آفاق الدنيا، وكلها تدلهم على توحيد الله عز وجل فضلاً من الله ومنة، والله عز وجل تكفل بأنه لا يعذب أحداً حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، إذ لابد من أن تبلغه حجة الرسل، ولابد من أن تبلغه وتصل إليه دعوة الرسل، فإذا رفضها فحينئذٍ يستحق العذاب. فهذه الآية فيها دليل على أنه لا تكليف قبل البعثة، ولا حكم للعقل، إنما الحكم للشرع والنقل، كقوله عز وجل: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15].
تفسير قوله تعالى: (ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون)
تفسير قوله تعالى: (ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون) ثم قال عز وجل: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:132]. قوله: (ولكل) أي: من المكلفين. وقوله: (درجات) أي: مراتب. وقوله: (مما عملوا) أي: من أعمالهم، يبلغونها ويثابون بها، إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً، واستدل بها -على هذا التأويل- على أن الجن يدخلون الجنة ويثابون، وهذه المسألة محل خلاف؛ لأن بعض العلماء يذهبون إلى أن مؤمني الجن ثوابهم أن لا يعذبوا، لكن الظاهر -والله تعالى أعلم- أن مؤمني الجن يدخلون الجنة مثل مؤمني الإنس، ودليل ذلك في سورة الرحمن، ففي سورة الرحمن الخطاب موجه إلى الجن والإنس، وذلك في قوله تعالى: ((يا معشر الجن والإنس)) وكذلك في آيات: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} فالخطاب في سورة الرحمن كلها متوجه إلى الجن وإلى الإنس، كقوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن:46 - 47] وغير ذلك من الآيات التي تدل على أن الجنة نعيم يستحقه مؤمنوا الجن ومؤمنوا الإنس أيضاً. ومما يدل على صحة هذا المذهب -أيضاً- قوله تبارك وتعالى هنا: ((وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا)) على أساس أن قوله: (لكل) يعني: لكل فريق من الجن والإنس (درجات مما عملوا) يعني أن مؤمني الجن يستحقون درجات الجنة تبعاً لأعمالهم. قال ابن كثير: ويحتمل أن يعود قوله: (ولكل درجات مما عملوا) لكافري الجن والإنس. يعني: ولكل واحد درجة في النار بحسبه، كقوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل:88].
تفسير قوله تعالى: (وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم)
تفسير قوله تعالى: (وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم) ثم قال عز وجل: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام:133]. قوله: (وربك الغني) أي: الغني عن خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم. وقوله: (ذو الرحمة) يعني: يترحم عليهم بالتكليف تسهيلاً لهم، ويمهلهم على المعاصي، وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من إرسال الرسل ليس لأن إرسال الرسل يعود إلى الله سبحانه وتعالى بالمنفعة، معاذ الله! وإنما إرسال الرسل ما هو إلا رحمة لعباد الله تبارك وتعالى. فقوله: (وربك الغني) أي: غني عنكم (ذو الرحمة) أي: يرسل الرسل ليرحمكم، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] فانظر إلى الربط هنا بين الغنى والرحمة، يعني أن الله سبحانه وتعالى غني عنكم، وغني عن عبادتكم، وأنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد، فما يرسل الرسل إلا لمنفعتكم أنتم دون أن ينتفع هو سبحانه وتعالى من ذلك بشيء. وقوله: ((وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ)) تمهيد لقوله بعد ذلك: ((إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)) يعني: إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدك ما يشاء من الخلق يعملون بطاعته كما أنشأكم أنتم من ذرية قوم آخرين ذهب بهم ثم بذريتهم، لكنه أبقاكم ترحماً عليكم، وهذا كقوله تعالى في آخر سورة القتال: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38] أي: سيكونون أفضل وأطوع لله منكم.
تفسير قوله تعالى: (إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين)
تفسير قوله تعالى: (إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين) ثم قال عز وجل: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [الأنعام:134]. قوله: (إنما توعدون) يعني: من البعث وأحواله وأهواله. وقوله: (لآتٍ) يعني: لكائن لا محالة. وقوله: (وما أنتم بمعجزين) أي ما أنتم بفائتين، والله لا يعجز عنكم. وهذا رد لقول هؤلاء المشركين: إن من مات فقد فات. أي: لن يستطيع أحد أن يعيده إلى الحياة. فرد الله سبحانه وتعالى على ذلك، وبين أنه قادر على إعادتهم وإن صاروا رفاتاً، فقال: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [الأنعام:134]، أي: لن تعجزوا الله؛ لأنهم زعموا: {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [السجدة:10] أي: إذا تهنا وضعنا في الأرض وصرنا تراباً فكيف نكون في خلق جديد؟ فقال الله عز وجل رداً عليهم: (إنما توعدون) أي: من البعث والنشور (لآتٍ) قطعاً (وما أنتم بمعجزين) أي: ما أنتم بفائتين، بل نحن قادرون على بعثكم ونشوركم وحسابكم.
تفسير قوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون)
تفسير قوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون) ثم قال سبحانه وتعالى: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام:135]. قوله: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم) يعني: على غاية تمكنكم واستطاعتكم، وابذلوا أقصى ما في إمكانيتكم في هذا العمل، يقال: مكن مكانة، إذا تمكن أبلغ التمكن. أو أن معنى (اعملوا على مكانتكم) أي: على جهتكم وحالتكم. من قولهم: مكان ومكانة كمقام ومقامة، والمعنى: أنتم رضيتم بالكفر فاثبتوا على هذا الكفر. وهذا تهديد لهم، كقوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29] لأنه ليس المقصود به أن هناك اختياراً بين الكفر والإيمان، لكنه تهديد وتوعد، وهذا مثل قول جبريل في الحديث: (يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به)، فقوله: (اعمل ما شئت) تهديد، وكذلك هنا يكون قوله: (اعملوا على مكانتكم) يعني: ابذلوا غاية ما تستطيعون وما تقدرون عليه. أو: (اعملوا على مكانتكم) يعني اثبتوا على كفركم وسترون عاقبة هذا الكفر. وقوله: (إني عامل) أي: ما أمرت به من الثبات على الإسلام. وقوله: ((فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ))، أي: الدار التي بنيت لعبادته تعالى وحده دون غيره، فسوف تكون العاقبة للذي يضع العبادة في موضعها لا للظالم الذي يضع العبادة في غير موضعها. والدار هنا المقصود الدنيا، كما قال عز وجل: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف:137]، وقال عز وجل أيضاً: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132]، وقال: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف:128]. فالمراد بالدار الدنيا، وبالعاقبة في قوله: (فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار) عاقبة الدنيا، أي: عاقبة الخير؛ لأنها الأصل، فإنه تعالى جعل الدنيا مزرعة للآخرة وقنطرة المجاز إليها. وقوله: (إنه لا يفلح الظالمون) أي: الكافرون. والظلم هنا المقصود به الظلم الأكبر، وهو الشرك، ووضع الظلم موضع الكفر، ولم يقل سبحانه وتعالى: إنه لا يفلح الكافرون، وإنما قال هنا: (إنه لا يفلح الظالمون) لأن الظلم هو وضع الشيء في غير محله وفي غير موضعه، فوَضع الظلم موضع الكفر إيذاناً بأن امتناع الفلاح يترتب على أي فرد كان من أفراد الظلم، فما ظنك بالكفر الذي هو أعظم الظلم؟! أي: أن الشخص الذي يقع في أي نوع من أنواع الظلم حتى لو كان دون الظلم الأكبر الذي هو الشرك فإنه لا يفلح، ولا يمكن أن الظالم يفلح، فما بالك إذا كان هذا الظلم هو أكبر وأخطر أنواع الظلم الذي هو الشرك العظيم بالله سبحانه وتعالى؟!
لطائف في قوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل) الآية
لطائف في قوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل) الآية هنا بعض اللطائف: منها: إرادة التهديد بصيغة الأمر، فقوله تعالى: ((قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ)) فهذه مبالغة في الوعيد، وكأن المهدِّد يريد تعذيبه مجمعاً عليه، وكأن الرسول عليه الصلاة والسلام حينما يبلغهم بما أمره الله به في قوله: ((قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ)) كأنه يريد أن يعذب هؤلاء القوم، وأن النية والقصد ثابت وأكيد في أنهم سيعذبون، فيحمله بالأمر على ما يؤدي إليه، وتسجيل بأن المهدِّد لا يتأتى منه إلا الشر كالمأمور به الذي لا يقدر أن يتقصى عنه. وقوله: ((فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)) هنا لفتة طيبة جداً من اللطائف العظيمة في القرآن الكريم، فإن الله سبحانه وتعالى قال هنا: ((فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ)) ولم يقل: فسوف تعلمون أن العاقبة ستكون لنا. وإنما قال: ((فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ)) وهذا فيه معنى الإنذار، وفيه -أيضاً- إنصاف في المقال وحسن الأدب، حيث لم يقل: العاقبة لنا. وإنما فوض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا من الكلام المنصف، كقوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سبأ:24] وهذا ليس فيه تنازل عن الحق، وإنما فيه نوع من التلطف بالخبر، حتى لو كان المخاطب كافراً؛ لأن المقصود هو جذبه إلى الحق، فلذلك حينما تقول له: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) يدفعه ذلك إلى حسن ظن بك أنك غير متعصب أو أنك منصف، وحينئذٍ يسهل جذبه إلى هذا الحق، فكذلك هنا قال: ((فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ)) ولم يعين المقصودين الذين تكون لهم عاقبة الدار. وفيه تنبيه على وثوق المنذر بأنه محق، ومع ذلك فإن في الآية قطعاً بأن المنذر على يقين بأنه هو صاحب الحق. فقوله: ((قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ)) يعني: ثابت على الإسلام الذي هو دين الله سبحانه وتعالى. وفيه تبشير أيضاً بأن العاقبة لمن يثبت على الحق، فقوله: ((فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ))، قال ابن كثير: وقد أنجز الله موعوده لرسوله صلوات الله عليه، فمكن له في البلاد. ولنعلم أن سورة الأنعام سورة مكية، ونزلت في الوقت الذي كان المسلمون يضطهدون فيه أشد الاضطهاد في مكة، وكان الصحابة يعذبون، وكان الإسلام غريباً، وكان هناك أذىً للرسول عليه السلام ولأصحابه، وعانى النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه البلاء الشديد والاضطهاد في مكة المكرمة من كفار قريش، ومع هذا فإن هذه الآية نزلت عليهم في هذه الحال، فقال الله تعالى لنبيه: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام:135]، فانظر كيف كان على ثقة من وعد الله سبحانه وتعالى بالتمكين في الدين، فهذا وعد الله له في فترة الاضطهاد والقهر، وقد أنجز الله له موعوده، فمكن له في البلاد، وحكمه في مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب بما في ذلك اليمن والبحرين، وكل ذلك كان في حياته صلى الله عليه وآله وسلم. ثم فتحت الأمصار والأقاليم بعد وفاته في أيام خلفائه رضي الله تعالى عنهم أجمعين، كما قال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة:21]، وقال: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر:24 - 52]، وقال تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم:13 - 14]. وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور:55]، وقد فعل تعالى ذلك بهذه الأمة، ولله الحمد والمنة.
تفسير قوله تعالى: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا)
تفسير قوله تعالى: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً) ثم بين عز وجل نوعاً من جهالات مشركي قريش ومكة وضلالاتهم، وهو أنهم كانوا يرجحون جانب الأصنام على جانب الله تبارك وتعالى بعد تشريكهم إياه فيما اختص بخلقه، فقال عز وجل: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام:136]. قوله: (وجعلوا لله مما ذرأ) يعني: مما خلق. وقوله: (من الحرث) أي: الزرع. وقوله: (والأنعام نصيباً) جعلوه لله بأن كانوا يصرفونه إلى الضيوف وإلى المساكين والفقراء، فهذا هو نصيب الله سبحانه وتعالى الذي كانوا يجعلونه له. وقوله: (فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا) أي أنهم جعلوا لله نصيباً وللأصنام نصيباً، وكيف يجعلون للأصنام نصيباً وهي لا تأكل ولا تشرب؟ و A كانوا يجعلونه للسدنة الذين يخدمون هذه الأصنام، وأيضاً كانوا يذبحون لها للتنسك. فإذاً: النصيب الذي كانوا يجعلونه لله يصرفونه إلى الضيفان والمساكين، ونصيب الأصنام يصرفونه إلى الأصنام بالتنسك والتعبد وللسدنة الخدام، وإنما لم يذكرو اكتفاءً بما بعده. وقوله: (فقالوا هذا لله بزعمهم) أي: هذا مستقر له الآن من غير استقرار له في المستقبل العارض. يعني: هذا لله الآن، لكن لا نضمن أنه في المستقبل سيكون لله، فإذا حصلت ظروف فسيتوجه لغير الله! وقوله: (وهذا لشركائنا) يعني: هذا مستقر لشركائهم، وليس هذا فحسب، بل يستقر لشركائهم ما ليس لهم أيضاً، فيأخذون ما كان لله ويدفعونه إلى نصيب الشركاء، فكانوا إذا سقط في نصيب الله شيء من نصيبها التقطوه، وإذا سقط في نصيبها شيء من نصيب الله تركوه، كما قال تعالى: ((فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ))، أي: عند نمائه أو سقوطه فيما هو لله أو هلاك ما هو لله لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من إكرام الضيفان والتصدق على المساكين. أي: أن ما يتعلق بالأموال أو بالزرع أو باللحم أو بأي شيء مما هو لله سبحانه وتعالى إذا سقط مع النصيب الذي هو للأصنام يتركونه للأصنام، أما إذا سقط نصيب الشركاء مع ما هو لله يلتقطونه ويعطونه للأصنام، بل إن نصيب الله أصلاً يأخذونه ويعطونه للأصنام. فقوله: (فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله) أي: عند نمائه أو سقوطه فيما هو لله أو هلاك ما هو لله، فلا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من إقراء الضيفان والتصدق على المساكين. وقوله: (وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم) أي: عند نمائه أو سقوطه فيما هو للأصنام أو هلاك ما لها، فينفقون عليها بذبح نسائك عندها والإجراء على سدنتها ونحو ذلك، وكانوا يفلسفون هذا الضلال وهذا الظلم بقولهم: إن الله غني، ولكن هذه الأصنام محتاجة، فنحن نأخذ ما كان لله -الذي كان من المفروض أن يأخذه الفقراء والمساكين- ونبذله للسدنة أو للذبح والتقرب لهذه الأصنام. وقوله: (ساء ما يحكمون) يعني: ساء ما يقسمون، وذلك لأمور: أولاً: لأنهم عملوا ما لم يشرع لهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يشرع لهم هذه القسمة بينه سبحانه وتعالى وبين الأصنام. ثانياً: لأنهم عملوا أولاً ما لم يشرع لهم ومع هذا ضلوا في القسمة؛ لأنه تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه، لا إله غيره ولا رب سواه، ثم لما قسموا فيما زعموا القسمة الفاسدة لم يعدلوا فيها، بل جاروا فيها؛ إذ رجحوا جانب الأصنام في الحفظ والرعاية على حق الله، فهذا التقسيم باطل وفاسد، ثم بعد ذلك لم يحترموا هذا التقسيم الفاسد الذي ألزموا أنفسهم به، وهذا يذكرنا بآية أخرى في القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد:27] ويذكرنا بالكلام الذي يدور حول الديمقراطية، فالديمقراطية أصلاً مخالفة للدين ومخالفة للتوحيد؛ لأن الديمقراطية حكم الشعب للشعب، فالشعب هو الذي يشرِّع، وهو الذي يحل، وهو الذي يحرم، ومع أن هذا هو الدين الذي ارتضوه بديلاً عن الإسلام لم يحترموا قوانينه، والكل يعلم الأحوال التي تجري في بلاد المسلمين. فقوله: ((وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا)) يعني: هذه الرهبانية ما شرعها الله لهم، ولا شرع لهم أن يحرموا الطيبات والزواج ونحو ذلك، وإنما هم الذين اخترعوها وابتدعوها. وقوله: ((مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ))، أي: ما فرضناها عليهم. وقوله: ((إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ))، هذا استثناء منقطع، بمعنى (ما كتبناها عليهم) أي: ما شرعناها لهم، لكن كتبنا عليهم أن يبتغوا رضوان الله عن طريق العبادات المشروعة لا العبادات المبتدعة. وقوله: ((فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا))، أي: مع أنهم هم الذين ألزموا أنفسهم بالقوانين الرهبانية ونظام الرهبنة، لكنهم مع ذلك ما رعوها حق رعايتها، حتى الأشياء التي ألزموا أنفسهم بها لم يحترموها، فهذه الآية من نفس هذا الباب. وقوله تعالى: ((وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ)) أي أن الله هو الذي خلق، وهو الذي ذرأ، ومع ذلك انظر كيف يقسمون! وقوله تعالى: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}، أي: في تعظيمهم للشركاء أكثر من تعظيم الله سبحانه وتعالى. كحال هؤلاء الناس الذين حكي عنهم أن الواحد منهم إذا طلب منه أمام القاضي في المحكمة أن يحلف بالله عز وجل فإنه يحلف يميناً غموساً تغمسه في النار؛ لأنه كاذب فيها، لكن إذا قال له: احلف بالولي أو بالشيخ فلان أو بحياة أولادك أو بغير ذلك يتلعثم ويقر بالحقيقة، والعياذ بالله! وهذا شرك عظيم، فانظر كيف يستهزئ باسم الله ثم كيف يعظم هؤلاء الأولياء! فقوله: ((سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)) يعني: من ترجيح جانب الأصنام على جانب الله بعلة تقتضي ترجيح جانب الله لإلهيته وعدم صلاحية الإلهية لغيره، وهم يعللون هذا القسمة الضيزى فيقولون: لأن ربنا غني، لكن هذه الأصنام محتاجة! وإذا كانت محتاجة فهل تصلح أن تتخذ آلهة؟! فإذاً: العلة نفسها التي اعتلوا بها واستندوا إليها هي نفسها تحمل في طياتها إبطال هذا الشرك الذي هم عليه، فهي محتاجة؛ والمحتاج لا يصلح إلهاً؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه. وما ذكرناه في الآية هو الذي قاله أئمة التفسير، فقد روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية الكريمة: إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثاً أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منه جزءاً، وللوثن جزءاً، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، وإن سقط منه الشيء فيما سمي لله سبحانه وتعالى الأحد الصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقى شيئاً جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن، وإن سقط شيء من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله فاختلط بالذي جعلوه للوثن قالوا: هذا الوثن فقير، فيعطونه هذا الشيء، ولم يردوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله فسقى ما سمي للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه قربة إلى الله تعالى، فقال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا} [الأنعام:136] إلى آخر الآية.
الأنعام [143 - 150]
تفسير سورة الأنعام [143 - 150]
تفسر قوله تعالى: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين)
تفسر قوله تعالى: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين) قال تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام:143]. قوله: ((ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ)) ثمانية بدل من قوله: {حَمُولَةً وَفَرْشًا} [الأنعام:142]، ويمكن أن يكون مفعولاً به لقوله: (كلوا) يعني: يباح لكم أكل (ثمانية أزواج). وقوله: (أزواج) الأزواج: جمع زوج، والزوج هو ما معه آخر من جنسه يزاوجه، كما قال تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} [النجم:45] وقد يقال بمجموعهما، والمراد الأول، أي أن كلمة الزوج تطلق أحياناً على المجموع، ويمكن أن يطلق على كل واحد منهما أنه زوج الآخر. ثم فصل عز وجل فقال: ((ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ)). قوله: ((مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ)) يعني: من الضأن زوجين اثنين. أي: ذكراً وأنثى، وهو الكبش الذكر والنعجة الأنثى. وقوله: ((وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ)) وهما التيس والعنز، والتيس هو ذكر الماعز، والعنز هي الأنثى. قال تعالى: (قل) تبكيتاً لهم وإظهار لانقطاعهم عن الجواب ((آلذَّكَرَيْنِ)) يعني: من الضأن والمعز ((حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ)) وقوله: (آلذكرين) المراد هنا الكبش والتيس، وهما من الضأن والمعز. وقوله: ((حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ)) يعني: حرم الله عليكم -أيها المشركون- الأنثيين منهما، وهما النعجة والعنز؟! وقوله: ((أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ)) أي: أم ما حملت إناث الجنسين ذكراً كان أو أنثى، أي: الجنين، كما قالوا: {مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} [الأنعام:139]. وقوله: ((نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ))، أي: أنتم تحرمون وتحللون، وتقولون: هذا ما أحل الله سبحانه وتعالى، وهذا ما حرمه، فماذا فعلتم أنتم؟ وهذا تسكيت لهم. وقوله: (بعلم) يعني: بدليل نقلي من كتب أوائل الرسل، أو عقلي في الفرق بين هذين النوعين والنوعين الآتيين. وقوله: (إن كنتم صادقين) يعني: في دعوى التحريم فائتوني بدليل. وفي قوله تعالى: (نبئوني بعلم) تكرير للإلزام، وتثنية للتبكيت والإفحام.
تفسير قوله تعالى: (ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين)
تفسير قوله تعالى: (ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين) وفي الآية التي بعدها أضاف الأربعة الأخرى، فالمجموع ثمانية أزواج، فقال: {وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:144]. قوله: (ومن الإبل اثنين) عطف على قوله تعالى: (من الضأن اثنين) أي: وأنشأ من الإبل اثنين، يعني: زوجين، وهما: الجمل والناقة، (ومن البقر اثنين) يعني: ذكر البقر وأنثاه. وقوله: (قل) يعني: قل لهم إفحاماً حتى في هذين النوعين أيضاً، كما سبق إفحامهم فيما مضى: (آلذكرين حرم) أي: آلذكرين من الإبل ومن البقر: ((حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ)) يعني: من ذينك النوعين، والمعنى: إنكار أن الله سبحانه وتعالى حرم عليهم شيئاً من الأنواع الأربعة، وإظهار كذبهم في ذلك، وتفصيل ما ذكر من الذكور والإناث وما في بطونها للمبالغة في الرد عليهم بإيراد الإنكار على كل مادة من مواد افترائهم، فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة وتارة أخرى يحرمون إناثها، ويحرمون أولادها كيفما كانت الأجنة، سواء أكانت ذكوراً أم إناثاً، ويسندون هذا كله إلى تشريع الله سبحانه وتعالى، ويزعمون أن الله هو الذي أمرهم بهذا، وإنما عقب تفصيل كل واحد من نوعه الصغار ونوعه الكبار بما ذكر من الأمر بالاستفهام والإنكار مع حصول التسكيت بإيراد الأمر عقيب تفصيل الأنواع الأربعة مبالغة في الرد عليه. أي: لم يقل تبارك وتعالى: قل: آلذكور حرم أم الإناث أم ما اشتملت عليه أرحام الإناث. بل فصل؛ لما في التسمية والتكرير من المبالغة في التسكيت والإلزام، ومبالغة في الرد عليهم بإنكار كل مادة من مواد افترائهم، فلم يذكرها الله سبحانه وتعالى مجملة، بل فصلها؛ لما علم من أن في ذلك تسكيتهم وتوبيخهم وإظهار كذبهم. ثم كرر الإفحام فقال عز وجل: ((أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا)) فقوله: (أم كنتم شهداء) يعني: حاضرين (إذ وصاكم الله بهذا) أي: حين وصاكم بتحريم بعض وتحليله؟! فهذا من التهكم، يعني: أنتم تزعمون أن الله حرم هذا، فهل شهدتم هذا؟! وهل كنتم حاضرين حينما شرع الله لكم ذلك كما تزعمون؟! وقوله: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً) يعني: فنسب إليه تحريم ما لم يحرم. أي: أنه نسب إلى الله وزعم أن الله حرم ما لم يحرمه الله عز وجل (ليضل الناس بغير علم) يعني: بغير دليل. ثم ختم الله الآية بقوله: (إن الله لا يهدي القوم الظالمين). قال ابن كثير: أول من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي بن قمعة؛ لأنه أول من غير دين الأنبياء، وأول من سيب السوائب، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، كما ثبت ذلك في الصحيح، والحديث أخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار -يعني: أمعاءه-؛ كان أول من سيب السوائب)، أي أنه هو الذي سن هذه السنن السيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها، والوصيلة هي الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل، ثم تثني بعده بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى وليس بينهما ذكر، والحامي: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه، أي: تركوه للطواغيت، وعفوه من الحمل فلم يحملوا عليه شيئاً، وسموه الحامي، ولذلك قال أبو السعود في تفسير هذه الآية: (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) المراد: كبراؤهم المقرون لذلك، أو: عمرو بن لحي؛ لأنه هو المؤسس لهذا الشرع، أو الكل سواء عمرو بن لحي وكل من اقتدى به فيما زعم؛ لاشتراكهم في الافتراء على الله سبحانه وتعالى. قال السيوطي رحمه الله: دلت الآية على إباحة أكل لحوم الأنعام، وذلك معلوم من الدين بالضرورة، وكذلك الانتفاع بالركوب فيما يركب، والافتراش للأصواف والأوبار والجلود، وعلى رد ما كانت الجاهلية تحرمه بغير علم.
تفسير قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه)
تفسير قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه) ثم أمر تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إلزام المشركي وتسكيتهم وبيان أن ما يتقولونه في أمر التحريم افتراء بحت بأن يبين لهم ما حرمه عليهم، فقال سبحانه: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:145]. وقوله: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً) يعني: طعاماً محرماً. وهذا يفهم من قوله: (على طاعم يطعمه) يعني: قل: لا أجد فيما أوحي إلي طعاماً محرماً من المطاعم على طاعم يطعمه. أي: على آكل يأكله، سواء أكان ذكراً أم أنثى، رداً على قولهم: (محرم على أزواجنا) فهم كانوا يفرقون بين الرجال والنساء، فرد تعالى عليهم بقوله: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً). وقوله: (على طاعم يطعمه) لفظ (يطعمه) لزيادة التقرير، وقوله: (إلا أن يكون ميتة) أي: إلا أن يكون ذلك الطعام ميتة؛ لأن الموت سبب الفساد، فهو منجس بالموت، إلا أن يمنع من تأثير تنجيس الموت لهذه الأطعمة مانع، مثل ذكر الله سبحانه وتعالى، أو إسالة الدم؛ لأنها تطهر الميتة، أو كونه من الماء، كالسمك، فإنه ميتة، لكنه مباح، كما قال صلى الله عليه وسلم في البحر: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، فقوله تعالى: (إلا أن يكون ميتة) لأن الميتة منجسة، إلا ما استثني من الميتة، وكلمة الموت عامة هنا، تشمل ما ذكي، وتشمل ما ذبح. أي: كأن الموت ينجس إلا أن يمنع من تأثير الموت بالتنجيس مانع، مثل ذكر اسم الله عليه، أو كونه من البحر أو من الماء؛ لأن البحر (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، أو غيرهما. وقوله: (أو دماً مسفوحاً)، أي أن المحرم هو الميتة أو الدم المسفوح، والمسفوح هو السائل لا كبداً ولا طحالاً؛ لأنه وإن كان من الدم لكن ليس بسائل. وقوله: (أو لحم خنزير فإنه رجس) لأن الخنزير يتعود أكل النجاسات. وقوله: (أو فسقاً أهل لغير الله به) هذه الآية تفسير الآية في قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام:121]، فإنه يترجح تفسير قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) بأنه لا يؤكل مما ذكر عليه اسم غير الله؛ لأن هذا فسق وهذا فسق، فيستويان. فقوله: ((أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ)) أصل الفسق هو الخروج، والمقصود الخروج عن الدين، فقوله: (أو فسقاً) يعني: خروجاً عن الدين الذي هو كالحياة المطهرة، وقوله: (أهل لغير الله به) أي: ذبح على اسم الأصنام، ورفع الصوت على ذبحه باسم غير الله، وإنما سمي ما أهل به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق، ومنه قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام:121]، فالإنسان إذا أكل ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فهذا كله أيضاً داخل في معاني الفسق والخروج عن طاعة الله وعن الشريعة، لكن هذه وصفها بالرجس، وخص ما أهل به لغير الله بوصف الفسق مع اشتراك كل ما مضى في وصف الفسق؛ لأن الذبيحة التي يذكر عليها غير اسم الله موغلة في الفسق؛ إذ إن ذلك من مظاهر الشرك. وقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ} أي: أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء مما ذكر. وقوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ} [البقرة:173] يعني: غير باغٍ على مضطر مثله تارك لمواساته، فهذا من البغي، (ولا عادٍ) يعني: متجاوز قدر حاجته من تناوله؛ لأن الضرورة تبيح ما يسد الرمق، فلو أن الإنسان أشرف على الموت وأمامه ميتة إن لم يأكل هذه الميتة سيموت وسيهلك، فإنه يباح له الأكل، لكن هل يباح له الأكل حتى يشبع؟ A لا، وإنما يباح له ما يسد رمقه، أي: ما يحفظ عليه حياته، لكن لا يأكل ويتمادى في الأكل حتى يشبع ويقول: قد أبيحت لي، وإنما يباح له من الضرورة ما يدفع الحاجة أو الضرورة التي أحلت له هذا الحرام؛ فلذلك قال تعالى: (ولا عادٍ) يعني: غير متجاوز حد الضرورة في تناول هذا المحرم، لكن يقتصر على قدر حاجته التي تحفظ عليه الحياة حتى لا يموت، ولا يتمادى في الأكل؛ فإن الضرورة تقدر بقدرها. وقوله: (غير باغٍ) أي: غير باغٍ على شخص آخر، فقد يكون الاثنان مضطرين، فيعتدي الباغي على المضطر الآخر ويأكل -مثلاً- ما معه من الطعام الذي سينقذ به روحه، أو يكون معه طعام ثم يبغي على جاره المضطر أيضاً بأن يمنعه من المواساة ولا يواسيه فيما معه. فقوله: (فمن اضطر) أي: أرغمته الضرورة الداعية إلى تناول شيء مما ذكر، (غير باغٍ) أي: على مضطر مثله تارك لمواساته، (ولا عادٍ) أي: متجاوز قدر حاجته من تناوله، ((فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) يعني: لا يؤاخذه، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة والمائدة بما فيه الكفاية. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الغرض من سياق هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه إليه أن ذلك محرم: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} إلى آخره، فإن الذي حرمه الله سبحانه وتعالى بالوحي هو الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وما عدا ذلك فلم يحرم، وإنما هو عفو مسكوت عنه، فكيف تزعمون أنه حرام؟! أي: أنتم تقولون بتحريم السائبة والوصيلة والحام وغير ذلك من عند أنفسكم، فإذا كنتم تزعمون ذلك فإني رجعت إلى الوحي الذي أنزله الله علي فلم أجد فيما أوحي إلي محرماً مما تذكرون إلا ما وجدت فيه من تحريم كذا وكذا وكذا مما ذكر الآن، فكيف تزعمون أنه حرام؟! ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله تعالى؟! وهذا لا ينفي تحريم أشياء أخر بعد ذلك، أي: في هذا الوقت لم يكن قد حرم في الوحي غير هذه الأشياء، فهل معنى ذلك أن نأخذ بظاهر هذه الآية الكريمة ونقول: إنه لا يحرم أبداً من المطاعم إلا ما ذكر في هذه الآية؟ A لا؛ لأنه ثبتت نصوص -سواء في القرآن أو في السنة- بتحريم أشياء أخر غير الأشياء المذكورة في هذه الآية بعد ذلك، كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية، ولحم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، فهذه حرمت وهي غير مذكورة في الآية، فمعنى ذلك أنها لم تكن حرمت في ذلك الوقت، لكن بعد ذلك جاءت النصوص بتحريمها، فلا تعارض. وبالجملة فالآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يجد فيما أوحي إليه إلى تلك الغاية غيرها، فقوله: ((قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ)) أي: في ذلك، الوقت الذي كان يخاطبهم فيه فالوحي كان يشتمل على تلك المحرمات إلى تلك الغاية في ذلك الوقت الذي كان القرآن يحاور المشركين في هذه القضية، ففي ذلك الوقت لم يكن حرم إلا هذه الأشياء، فهل يتعارض هذا مع ما حرم بعد ذلك؟ الجواب: لا، بل هو مقيد بغاية زمنية معينة، ولا يمنع أن يأتي تحريم بعد ذلك في شيء آخر، كما قال تعالى في سورة المائدة: {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ} [المائدة:3] وذلك لأن سورة الأنعام مكية، وسورة المائدة مدنية، فما عدا ما ذكر تحريمه فيها مما حرم -أيضاً- هو طارئ، فالمحرمات غير المنصوص عليها في هذه الآية تحريمها طارئ نزل بعد ذلك، لكن في وقت نزول هذه الآية لم يكن حرم إلا ما وجده الرسول في الوحي. وقيل: إذا حرم غير ما ذكر كان نسخاً لما اقتضته هذه الآية من تحريم. أي: أن بعض العلماء قالوا: إن معنى ذلك أنكم تقولون بالنسخ؛ لأن المنخنقة والموقوذة والمتردية طبقاً لهذه الآية التي في سورة الأنعام كانت مباحة؛ لأنها لم تكن حرمت، فمعنى ذلك أنه حينما نزل التحريم نسخ هذه الإباحة. وجوابه أن ذلك زيادة تحريم، وليس بنسخ لما في الآية؛ لأن الآية نصت على أنواع محددة، وهذه الأنواع بقي حكمها كما هو؛ لأنه لم ينته هذا الحكم حتى يسمى نسخاً، وإنما حصلت زيادة في التحريم، وليس هذا بنسخ لما في الآية. فإذاً: يصح تحريم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير، ومن الناس من يسمي هذا نسخاً بمعنى أن النسخ يأتي بمعنى التوضيح، والتفصيل بعد الإجمال، ورفع إشكال بعد الإيهام، فهذا كله يطلق عليه نسخ، فالسلف يستعملون اصطلاح النسخ بمرادات كثيرة، وليس بالمعنى الأصولي الذي هو الإزالة ورفع الحكم تماماً. واحتج بهذه الآية كثير من السلف في إباحة ما عدا المذكور فيها، فمن ذلك الحمر الأهلية، فقد أخرج البخاري عن عمرو بن دينار قال: قلت لـ جابر بن يزيد: يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحمر الأهلية! فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر -أي: ابن عباس - وقرأ: ((قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ)) إلى آخره، يعني: ليس في الآية الحمر الأهلية. وأخرج أبو داود عن ابن عمر أنه سئل عن أكل القنفذ فقرأ: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه) وهذا الحديث ضعيف. ونحن قلنا: إن هذا التحريم هو إلى غاية نزول قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً) أي: حتى الآن، والوحي كان ما يزال ينزل، فيحتمل أن يحصل تحريم بعد ذلك، فلا ينبغي الاستدلال بها على تعميم إباحة كل ما عدا ما ذكر في هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وغيره بسند صحيح عن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي
تفسير قوله تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر)
تفسير قوله تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) ثم بين تعالى أنه حرم على اليهود أشياء أخرى غير هذه الأربعة تحقيقاً لافتراء المشركين فيما حرموه إذ لم يوافق شيئاً مما أنزله الله تعالى، يعني: ما حرمتموه لا الوحي الذي عندي حرمه، ولا الوحي عن الأنبياء السابقين حرمه، وذكر اليهود فقال سبحانه وتعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام:146]. قوله: (وعلى الذين هادوا) يعني: على اليهود خاصة (حرمنا كل ذي ظفر) قال سعيد بن جبير: هو الذي ليس منفرج الأصابع. يعني: لا توجد له أصابع متميزة، لكن تكون أظفاره متميزة، كالجمل والوبر والأرنب، فإنها من ذوات الأظفار غير المشقوقة، أي: غير منفرجة، وأما ذو الظفر المشقوق -وهو البهائم- فلم يحرم عليهم، فقوله: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) يعني: الذي ليس منفرج الأصابع. وقوله: (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما) يعني: لا لحومهما. ففي البقر والغنم بالذات كان يحرم على اليهود أن يأكلوا شحوم البقر والغنم، لكن اللحوم كانت حلالاً لهم. وقوله: (إلا ما حملت ظهورهما) أي: ما علق في الظهر من الشحوم، فما كان من الشحوم على الظهر فهو حلال، وما عدا ذلك من الشحوم في البقر والغنم فقد كان حراماً على اليهود. وقوله: (أو الحوايا) يعني: الأمعاء والمصارين؛ لأن الأمعاء والمصارين تختلط بها الشحوم، فالمقصود أن الشحوم التي تختلط بالأمعاء كانت حلالاً لهم. وقوله: (أو ما اختلط بعظم) يعني: كالمخ والعصب. وقوله: (ذلك) يعني تحريم تلك الأطايب عليهم (جزيناهم ببغيهم) يعني: بسبب ظلمهم، وهو قتلهم الأنبياء بغير الحق، فكانوا يعاقبون بهذه التشريعات التي فيها تشديد عليهم، وكان الله يشدد عليهم -لعنهم الله- لما كانوا يرتكبون من الجرائم. وقوله: (ذلك جزيناهم ببغيهم) هذا كما قال تبارك وتعالى في سورة النساء: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء:160 - 161]، فالباء هنا سببية، يعني: بسبب ظلمهم وبغيهم وهذه الجرائم التي ارتكبوها عوقبوا بالتغليظ عليهم في شريعتهم وبهذه الأغلال وهذه الآصار، أما هذه الأمة المرحومة فرفعت عنها هذه الأغلال وهذه الآصار. قال المهايمي: أي: ولم يكن لغيرهم ذلك البغي، فلا وجه لتحريمها عليهم مع كونها قائمة في أنفسهم. يعني: لأنهم بغوا حرمت عليهم، أما الذين لم يبغوا فلم تحرم عليهم هذه الطيبات. وقوله: (وإنا لصادقون) يعني: إنا لصادقون في كل ما نخبر به من الأخبار التي من جملتها هذا الخبر، وهذا الخبر هو تخصيص التحريم بسبب بغيهم، فالله سبحانه وتعالى حرم عليهم هذه الأشياء عقاباً لهم على بغيهم، لا كما زعموا بأن إسرائيل هو الذي حرمها على نفسه، وقد ألقمهم الله سبحانه وتعالى الحجر في قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران:93].
تفسير قوله تعالى: (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة)
تفسير قوله تعالى: (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة) قال تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:147]. قوله: (فإن كذبوك) الضمير إما لليهود؛ لأنهم أقرب ذكراً، وإما للمشركين، والأقرب أن الضمير في قوله: (فإن كذبوك) عائد على اليهود؛ لأنه جاء مباشرة بعد قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام:146]. فقوله: (فإن كذبوك) يعني: اليهود، والذي يؤيد ذلك أنه لما أراد أن يتكلم عن المشركين في الآية الثانية قال: ((سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا))، فوصفهم بوصف الإشراك، فالضمير هنا إما لليهود، وهذا الأقرب، وإما للمشركين، وإما للفريقين معاً، يعني: فإن كذبتك اليهود وزعموا أن تحريم الله لا ينسخ، وأصروا على ادعاء قدم التحريم، أو كذبك المشركون فيما فصل من أحكام التحليل والتحريم، أو هما فقل: إن الله يمهلكم على التكذيب، فلا تغتروا بإمهاله، فإنه لا يهمل، فهذا معنى قوله: ((فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)) ومن رحمته الواسعة أنه يمهلكم رغم أنكم تكذبونه وتفترون عليه الكذب، لكن لا تغتروا بهذه الرحمة الواسعة؛ فإنه لا يهمل، فقوله: (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة) أي: سيمهلكم ويعطيكم مهله، لكن ((وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ))، يعني أنه مع رحمته وحلمه ذو بأس شديد، وفيه ترغيب في ابتغاء رحمة الله الواسعة، باتباع رضوانه، وترهيب من المخالفة.
تفسير قوله تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا)
تفسير قوله تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا) قال تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام:148]. ليعلم أن المشركين لما لزمتهم الحجة ببطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله أخبر تعالى عنهم بما سيقولون له من شبهة يتشبثون بها لشركهم وتحريم ما حرموا، فهنا أخبر الله سبحانه وتعالى مقدماً قبل أن يقولوا، أنهم سيقولون ذلك، فهذا من التسليح بالحجج قبل أن تقع مثل هذه المجادلة، فإنهم وقد ألقموا الحجر وقد أبطلت مزاعمهم في كل الآيات السابقة فزعوا إلى حيلة أخرى، أو إلى أسلوب آخر يتنكرون به مما فعلوه من الإشراك، فلما لزمتهم الحجة وبطل ما كانوا عليه من الشرك وتحريم ما لم يحرمه الله أخبر تعالى أنهم بما سيقولونه من شبهة يتشبثون بها لشركهم وتحريم ما حرموا، وفائدة الإخبار بما سوف يقولون له توطين النفس على الجواب، ومكافحتهم بالرد، وإعداد الحجة قبل أوانها، وهذه آخر حيلة عند المشركين. فقوله: ((سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)) أي: كل شيء بقدر الله، وكل شيء بمشيئة الله، فنحن نشرك، وشركنا هو بإرادة الله. فأبطل القرآن الكريم شركهم، وأبطل تحريمهم ما أحل الله، فقوله: (سيقول الذين أشركوا) يعني مشركي قريش والعرب (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء)، أي أنهم فزعوا إلى الاحتجاج بالقدر، وقالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، ولو شاء الله ما حرمنا ما حرمناه أو ما حرمه آباؤنا من البحائر والسوائب والوصيلة والحامي وغير ذلك. وقوله: (كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا) يعني أنهم ظلوا يقولون ذلك حتى نزل عليهم عذاب الله. وقوله: (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا) أي: هل عندكم أمر معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم فتظهروه لنا؟ وقوله: (إن تتبعون إلا الظن) أي: فيما أنتم عليه من الشرك وتحريم ما حرمتم، (وإن أنتم إلا تخرصون) أي: تكذبون.
تفسير قوله تعالى: (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين)
تفسير قوله تعالى: (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) قال تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام:149]. قوله: (الحجة البالغة) أي: البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات، ومنه قولك: أيمان بالغة، أي: أيمان مؤكدة، أو البالغة هي: التي بلغ بها صاحبها صحة دعواه، فتكون من باب (عيشة راضية)، أي: مرضية. وقوله: (فلو شاء لهداكم أجمعين)، ولكنه لم يشأ ذلك، ولم يشأ أن يهديكم، وإنما هدى غيركم، فشاء هداية بعض؛ فصرف اختيارهم إلى سلوك طريق الحق، وشاء ضلالة آخرين، فصرف قلوبهم إلى خلاف ذلك، من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم، فوقع ذلك على الوجه الذي شاء، وهذه الآية في مشركي العرب، حيث قالوا ذلك حين لزمتهم المناقضة، وانقطع حجاجهم في تحريم ما حرموا من الأشياء وأضافوا ذلك إلى الله، فلما لزمتهم المناقضة وانقطع حجاجهم فزعوا إلى هذا القول (لو شاء الله ما أشركنا)، وقصدهم الاعتذار عن كل ما يقدمون عليه من الإشراك وتحريم الحلال، فهم يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لم يشأ الترك، وشاء الفعل، ففعلنا طوع مشيئته، وهو لا يشاء إلا الحق؛ لأنه خالق، فلو لم يكن حقاً يرضاه لمنعنا منه، وهو لم يمنعنا منه، فهو حق. وفي حكاية هذه المناظرة والمجادلة بيان لنوع من كفرهم شنيع جداً. وقضية الاحتجاج بالقدر لها تفصيل واسع في بحثنا (القضاء والقدر)، والقاسمي، وقد عقد فصلاً كبيراً جداً في بيان هذا الأمر، فمن شاء فليراجعه في تفسير القاسمي، أو يراجع كتاب (القضاء والقدر) للدكتور عمر الأشقر. ونقول هنا باختصار شديد: إن القدر لا يصلح حجة، فهذا الكلام الذي قالوه صحيح، لكن ما قالوه من أجل الإقرار بالقدر، وإنما قالوه من أجل الاحتجاج بالقدر، فالقدر نحن نؤمن به، لكن لا نحتج به، فيجب عليك أن تؤمن بالقدر، وأن كل شيء بمشيئة الله، وكل شيء يقع في الكون بإرادة الله عز وجل، لكن لا يجوز لك أن تحتج بالقدر على المعاصي، وإلا فلو كان القدر حجة لكان حجة لكل أحد، فمثلاً: الشخص الذي يسرق مالك ويقول لك: أنا سرقت بقضاء الله وقدره هو صادق في إثبات القدر، فكل شيء يجري بمشيئة الله، لكنه ضال في الاحتجاج بالقدر على مخالفة الشرع؛ لأن الله حرم عليه السرقة ونهاه عنها، فلو كان القدر يصلح حجة له فيما فعل فهو حجة لك أنت أيضاً إذا ضربته، فاضربه وقل: وأنا أضربك -أيضاً- بقضاء الله وقدره. ولذلك روي عن عمر أنه لما أراد أن يقطع يد سارق، قال له: سرقت بقضاء الله وقدره، فقال: (وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره). فإذاً: القدر لو كان حجة لأحد لكان حجة لكل الناس، فغالب الناس الذين يحتجون بالقدر يحتجون بالقدر في صفهم فقط. فهذه الآية تكرر مجيئها في التنزيل الكريم في عدة سور، وهي من الآيات الجديرة بالتدبر لتمحيص الحق في المراد منها، فقد زعم المعتزلة أن فيها دلالة واضحة لمذهبهم من أن الله لا يشاء المعاصي والكفر، ومعلوم أن من عقيدة الفرقة الناجية: الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وهو خالق لأفعال العباد، وخالف في ذلك عامة القدرية الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة، لأنهم يقولون بخالقين، فقالوا: لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو سبحانه لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئاً من أفعال العباد. فعندهم أن أكثر ما يقع من أفعال العباد على خلاف إرادته تعالى، ولما كان قولهم هذا في غاية الشناعة تبرأ منهم الصحابة، وأصل بدعتهم -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه.
تفسير قوله تعالى: (قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا)
تفسير قوله تعالى: (قل هلّم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا) ثم قال تبارك وتعالى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:150]. قوله: (قل هلم شهداءكم) يعني: أحضروا شهداءكم، وقوله: ((الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا)) يعني: يشهدون على ما تقولون وما تزعمون تحريمه من الأنعام والحرث، والمراد بشهدائهم قدواتهم الذين ينصرون قولهم. وإنما أمروا باستحضارهم لتلزمهم الحجة، ويظهر انقطاعهم وضلالتهم، وأنه لا متمسك لمن يقلدهم، فيحق الحق ويبطل الباطل. وقوله: (فإن شهدوا) يعني: حتى لو حضر رؤساؤهم وقدواتهم وأتوا وشهدوا أن الله حرم هذا (فلا تشهد معهم) ولا تصدقهم ولا تسلم لهم ما شهدوا به؛ لما علمت من افترائهم على الله، ومشيهم مع أهوائهم. وقوله: ((وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)) وضع المظهر موضع المضمر، أي: قال: (ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا) بدل أن يقول: ولا تتبع أهواءهم، وإنما وصفهم بأنهم (كذبوا بآياتنا) للدلالة على أن من كذب بآيات الله وعدل به غيره -أي: سوى به الأصنام- فهو متبع للهوى لا غير؛ لأنه لو اتبع الدليل لم يكن إلا مصدقاً بالآيات موحداً لله تعالى.
الأنعام [154 - 164]
تفسير سورة الأنعام [154 - 164]
تفسير قوله تعالى: (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن)
تفسير قوله تعالى: (ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن) قال عز وجل: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام:154]. قوله: (ثم آتينا موسى الكتاب) أي: أعطينا موسى الكتاب، يعني التوراة. وقوله: (تماماً على الذي أحسن) يقرأ بفتح النون في (أحسن) على أنه فعل ماض، وفاعله إما ضمير الذي، أي: تماماً لإكرام الله ولنعمة الله على هذا الشخص الذي يحسن ويكون من المحسنين. يريد به جنس المحسنين، وتدل عليه قراءة عبد الله: (تماماً على الذين أحسنوا)، وإما ضمير موسى عليه السلام، ومفعوله محذوف، وعلى هذا فقوله: (ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن) يعني: تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وفي كل ما أمر به، أو تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع؛ من (أحسن الشيء): إذا أجاد معرفته. أي: زيادة على علمه على وجه التتميم. فعلى القول الأول يكون قوله تعالى: (ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن) يعني: تمام الكرامة والنعمة على الذي كان محسناً صالحاً، وعلى هذا فيكون إعراب (تماماً) أنه مفعول له أو مفعول لأجله. وعلى القول الثاني يكون قوله تعالى: (ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن) يعني: تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وفي كل ما أمر به، أو (تماماً على الذي أحسن)، أي: على موسى الذي أحسن العلم والشرائع، فتكون الجملة حالاً من الكتاب، أي: حال كون الكتاب تماماً على الذي أحسن. وقرأ يحيى بن يعمر: (على الذي أحسنُ) بالرفع، أي: على الذي هو أحسن، أو: على الوجه الذي هو أحسن ما تكون عليه الكتب، قال ابن جرير: هذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، يعني: قراءة (تماماً على الذي أحسنُ)، وإن كانت في العربية لها وجه صحيح فإن التفسير يعتبر هذه القراءة شاذة ولا يعتمدها. وقوله: (وتفصيلاً لكل شيء) أي: وبياناً مفصلاً لكل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل في الدين، (وهدى) يعني: هدىً لهم إلى ربهم في سلوك سبيله، (ورحمة) أي: عليهم بإفاضة الفوائد، (لعلهم)، أي: أهل الكتاب، (بلقاء ربهم يؤمنون)، أي: يصدقون بلقائه للجزاء. ويلاحظ هنا أنه في الآية السابقة: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153]. ثم قال تعالى: ((ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ))، فهل (ثم) في قوله تعالى: (ثم آتينا) هنا تفيد العطف مع الترتيب؟ A لا، ويؤيد هذا أن هذه الوصايا هي في هذا القرآن الكريم، فقوله تعالى: (ثم آتينا موسى) هل يفيد موسى أن أتى بعد القرآن الكريم؟! A لا، وهذا شاهد قوي لمن قال: إن (ثم) أحياناً لا تفيد الترتيب؛ لأنه لا يتخيل أن يكون محمد هو الذي أتى أولاً ثم موسى بعده عليهما السلام، ولذلك قال السيوطي في (الإكليل): استدل بقوله تعالى: (ثم آتينا) من قال: إن (ثم) لا تفيد الترتيب. وقال ابن كثير: و (ثم) هنا لعطف الخبر بعد الخبر لا للترتيب، يعني: أن (ثم) هي هنا لمجرد العطف وليست للترتيب، كما قال الشاعر: قل لمن ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده ففي هذا البيت مجرد عطف الخبر بدون إرادة الترتيب؛ لأنه لا يسود الابن الحفيد وبعده يسود الأب وبعده يسود الجد، بل يسود أولاً الجد ثم الأب ثم الحفيد. وقال أبو السعود: و (ثم) للتراخي في الأخبار، كما في قولك: بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب. يعني أن (ثم) هنا تفيد التراخي ولا تفيد الترتيب، وهي تفيد التراخي من ناحية أهمية الكلام أو مقدار ما يتعجب منه فيه، لكن ليس المقصود الترتيب الزمني، وإنما تفيد التراخي فيما يتعجب منه، أو التفاوت في الرتبة، فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى التوراة؛ فإنها مشتملة على الوصية المذكورة وغيرها مما هو أعظم من التوصية بها فقط، ثم أشار الله سبحانه وتعالى إلى أن التوراة وإن كنت تماماً على النهج الأحسن فالقرآن أتم منها وأزيد حسناً، فهو أولى بالمتابعة، أي: أن الله سبحانه وتعالى أثنى هنا على موسى وعلى التوراة، لكنه أشار في الآية التي تليها مباشرة إلى أن القرآن أعظم وأشرف وأكمل، كما قال تبارك وتعالى في سورة المائدة: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة:44] إلى آخر الآية، ثم بعد ذلك قال: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [المائدة:46]، ثم قال بعد ذلك: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة:48]، فالقرآن هو الحاكم على ما سبق من الكتب، وأشرف منها جميعاً.
تفسير قوله تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون)
تفسير قوله تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) ثم قال عز وجل مبيناً أن القرآن أفضل من التوراة وأزيد حسناً، فالقرآن أولى بالمتابعة من هذه الكتب: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام:155]. قوله: (وهذا) أي: القرآن، (كتاب أنزلناه مبارك)، يعني: أكثر نفعاً من التوراة ديناً ودنيا، (فاتبعوه) أي: اعملوا بما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام، (واتقوا) يعني: اتقوا مخالفته واتباع غيره؛ لأن القرآن نسخ ما قبله، (لعلكم ترحمون) أي: لعلكم ترحمون بواسطة اتباعه، وهو العمل بما فيه، وفيه إشارة إلى أنه لا رحمة بمتابعة المنسوخ وإن آمن صاحب هذه المتابعة بلقاء ربه، فلو أن امرءاً يؤمن بالآخرة، وأنه يوجد يوم قيامة وحساب وجنة ونار، لكن لا يتبع القرآن، وإنما يتبع كتاباً منسوخاً كالتوراة أو الإنجيل فإنه لا يستحق أن يرحم، ولا تجوز عليه الرحمة، والدليل على ذلك قوله: (لعلكم ترحمون) فلا سبيل إلى الرحمة إلا باتباع القرآن، أما اتباع ما نسخه القرآن فلن ينجي من العذاب، حتى لو آمن بقضايا الإيمان الأخرى. وتعلم القرآن فرض عين، أي أن الأمة كلها ينبغي أن تتعلم القرآن الكريم، لكن إذا قام بهذا الواجب طائفة بأن حفظوا القرآن وتعمقوا في علومه سقط الواجب عن الباقين، لكن ما الذي يتعين من القرآن؟ و A هو ما لا تصح الصلاة إلا به، كقراءة الفاتحة. وهنا ملاحظة يشير إليها ابن كثير كثيراً في لطائف تفسيره المباركة، وهي الربط دائماً بين موسى وبين محمد عليهما الصلاة والسلام، والربط باستمرار بين القرآن وبين التوراة، وعيسى عليه السلام وإن كان هو بين محمد وبين موسى عليهم جميعاً الصلاة والسلام، لكن عيسى إنما جاء مكملاً ومتمماً لما جاء في التوراة، وأوجه الشبه بين رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام وبين موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كثيرة، والشواهد على ذلك كثيرة، يقول ابن كثير: إنه تعالى كثيراً ما يقرن بين الكتابين: القرآن والتوراة، كهذه الآيات. يعني: بعدما قال تبارك وتعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153] قال: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام:154 - 155]، فذكر التوراة ثم عقب بالقرآن الكريم، وفي قوله تبارك وتعالى: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا} [الأحقاف:12] قرن عز وجل بين كتاب موسى وبين كتاب محمد عليهما الصلاة والسلام، وقوله تعالى في أول السورة: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} [الأنعام:91] ثم قال بعدها: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الأنعام:92] إلى آخر الآيات. وقال تعالى مخبراً عن المشركين: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} [القصص:48] فانظر إلى الربط -أيضاً- بين القرآن والتوراة. وكذلك في صدر سورة الإسراء يوجد هذا الربط، وفي سورة القصص في مواضع كثيرة، وفي سورة الأحقاف قال تعالى حاكياً عن الجن: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأحقاف:30]. والنجاشي كان نصرانياً، ومع ذلك لما قرأ عليه جعفر بن أبي طالب سورة مريم بكى وقال: (إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة)، وورقة بن نوفل لما تلا عليه الرسول عليه الصلاة والسلام سورة العلق، قال: (هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى)، وهذا ليس إهمالاً لشأن عيسى، لكن صاحب الرسالة الأساسية هو موسى عليه السلام، وعيسى جاء مكملاً، فرسالة موسى كانت فيها الشرائع، وكان فيها الجهاد ونحو ذلك، بخلاف رسالة عيسى عليه السلام، فإنما جاء عيسى عليه السلام ليحل لهم بعض الذي حرم عليهم، وكان يغلب على دعوة عيسى عليه السلام الرحمة.
تفسير قوله تعالى: (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين)
تفسير قوله تعالى: (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين) ثم يقول تبارك وتعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام:156]. قوله: (أن تقولوا) علة لقوله: (أنزلنا) أي: كراهة أن تقولوا يوم القيامة. أو: لئلا تقولوا يوم القيامة (إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) فالله سبحانه وتعالى يقيم الحجة على هذه الأمة، حتى لا يأتوا يوم القيامة فيقولوا: نحن ما جاءنا كتاب. وقوله: (إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) هم اليهود والنصارى لعنهم الله (وإن كنا عن دراستهم) أي: عن تلاوة كتابهم (لغافلين) أي: لا علم لنا بشيء منها؛ لأنها ليست بلغتنا. قال أبو السعود: ومرادهم بذلك دفع ما يرد عليهم من أن نزوله عليهم لا ينافي عموم أحكامه، فلمَ لم تعملوا بأحكامه العامة؟! والمعنى: وإن كنا لا ندري ما في كتابهم؛ إذ لم يكن على لغتنا حتى نتلقى منه تلك الأحكام العامة ونحافظ عليها وإن لم يكن منزلاً علينا. وبهذا يتبين أن معذرتهم هذه غير مقبولة، مع أنهم غير مأمورين بما في الكتابين لاشتمالهما على الأحكام المذكورة المتناولة لكافة الأمم، كما أنه قد قطعت تلك المعذرة بإنزال القرآن لاشتماله -أيضاً- عليها لا على سائر الشرائع والأحكام فقط. وقوله: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام:156] أي: بلغة غير لغتنا، فلم نتمكن حتى من معرفة الأحكام العامة التي تشملنا وتشملهم، كالأمر بالتوحيد ومكارم الأخلاق وغير ذلك، فالآن ما بقي لكم حجة، فقد آتاكم الله هذا الكتاب المبارك لعلة أن لا تقولوا: إنما أنزل الكتاب -التوراة والإنجيل- على طائفتين من قبلنا. فقد جاءكم الآن هذا الكتاب المبارك (فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
تفسير قوله تعالى: (أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم)
تفسير قوله تعالى: (أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم) ثم قال تبارك وتعالى: {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} [الأنعام:157]. قوله: (أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب)، يعني: كما أنزل عليهم (لكنا أهدى منهم)، أي: لكنا أسرع إلى الحق وأسرع إجابة للرسول صلى الله عليه وسلم لمزيد ذكائنا وجدنا في العمل. (فقد جاءكم بينة من ربكم) كأن كلمة (فقد) متعلقة بمحذوف تنبئ عنه هذه الفاء التي يسمونها بالفصيحة، يعني: لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم. وإما أن تكون واقعة في جواب الشرط، يعني: إن صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم من كونكم أهدى من الطائفتين على تقدير نزول الكتاب عليكم فقد حصل ما طلبتم وجاءكم ما كنتم تتعجلونه، (فقد جاءكم بينة من ربكم)، أي: كتاب حجة واضحة، (من ربكم) يعني: جاءكم من ربكم كتاب، أو (فقد جاءكم بينة من ربكم)، أي: بينة كائنة من الله تعالى لا يتوهم فيها السحر (وهدىً) أي: بإقامة الدلائل ورفع الشبه (ورحمة) أي: بإصابة الفوائد وتسهيل طريقكم وتيسيرها إلى أشرف الكمالات. وقوله: (فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها) أي أن مجيء الآيات المشتمل على الهدى والرحمة موجب لغاية أظلمية من يكذبه؛ فإن هذا القرآن مشتمل على أقصى درجة من الهدى والرحمة والبيان والحجة والبرهان، فإذا كان هو بهذه الحالة فهل يوجد أظلم ممن يكذب بمثل هذا القرآن الذي اشتمل على أقصى وأعلى وغاية الهدى والرحمة، فإذا كان الأمر كذلك فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصرف عنها؟! أي: صرف الناس وصدهم عن اتباع القرآن الكريم، فجمع بين الضلال والإضلال، حيث كذب بآيات الله بنفسه، وصدف عنها، أي: صد غيره عن سبيل الله تبارك وتعالى، والمعنى: إنكار أن يكون أحد أظلم منه أو مساوياً له. وقوله: ((سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا))، يعني: يصدون ويصرفون الناس عن آياتنا التي لو لم يصرفوا عنها لعرفوا إعجازها، أي: أنهم هم الذين يحولون بين الناس وبين آيات الله ومعرفة إعجاز كلام الله. وقوله: ((سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ))، يعني العذاب السيء، وهذا كقوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل:88] أي: لأنهم كانوا فاسدين في أنفسهم ومفسدين لغيرهم، فكانوا كافرين في أنفسهم وصادين الآخرين عن سبيل الله، وكانوا يصدفون عن آيات الله، فحملوا وزرهم ووزر الذين أضلوهم بغير علم، فلذلك قال: (زدناهم عذاباً فوق العذاب)، فهم يحملون أوزارهم وأوزاراً مع أوزارهم، ولا يشترط أن يكون لهم في ذلك حجة، لكن المقصود المبالغة في إبطال كل المعاذير المحتملة التي يحتمل أن يعتذروا بها، وهذه المسألة متعلقة بمسألة أخرى، وهي حال المشركين قبل نزول القرآن الكريم قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فهل هم مسئولون عن الشريعة فهل هم من أهل النار، أم أنهم معذورون؛ لأنه لم يأتهم رسول؟ والظاهر أنهم كانوا على بقية من دين إبراهيم عليه السلام؛ لحديث: (إن أبي وأباك في النار).
تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك)
تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك) ثم قال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ} [الأنعام:158]. قوله: (هل ينظرون)، يعني: قد أقمنا حجج الوحدانية وثبوت الرسالة وأبطلنا ما كانوا يعتقدون من الرسالة، فما ينتظر هؤلاء بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم القرآن وصدهم عن آيات الله؟ قال البيضاوي: أهل مكة، وهم ما كانوا منتظرين لذلك، ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبهوا بالمنتظرين. يعني أن هذا الشيء الذي سيقع يلحقهم تماماً كما يلحق الشخص الذي ينتظر الذي سيقع. وقوله: (إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك)، يعني: للحكم والفصل والقضاء بين الخلق يوم القيامة، قال ابن كثير: وذلك كائن يوم القيامة. وهذه الآية هي كما قال عز وجل: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ} [البقرة:210]، ومذهب السلف إمرار ذلك بلا كيف، أي: لا يتعرض الإنسان لتأويل قوله تعالى: (إلا أن يأتيهم الله)، أو قوله تعالى: (أو يأتي ربك)، ولا يقل: كيف الإتيان؟ ولا يقال: لله سبحانه وتعالى كيف. لأن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فنثبت الصفة على ما يليق بالله عز وجل، ولا نشبه الله بخلقه، وفي نفس الوقت لا نعطل الصفة ولا ننفيها، هذا هو مذهب السلف. وقوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) قيل: ملائكة الموت لقبض أرواحهم. والتفسير المعتمد هو أنه تأتيهم الملائكة يوم القيامة. وقوله تعالى: (أو يأتي بعض آيات ربك) وهذا كائن قبل يوم القيامة، وهو من أمارات الساعة وأشراطها، كما روى البخاري في تفسير هذه الآية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها)، لكن هذا الإيمان لن ينفع، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: (فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل) ورواه مسلم أيضاً، ولـ مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض). وقوله: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل) جملة: (لم تكن آمنت من قبل) صفة لـ (نفساً) وجملة (أو كسبت في إيمانها خيراً) عطف على (آمن)، والمعنى أن بعض أشراط الساعة إذا جاء يؤمن الناس إذا رأوه؛ لأن هذه الآية حينئذٍ فيها إلجاء وفيها اضطرار إلى الإيمان؛ لأنهم إذا رأوا الشمس تطلع من المغرب علموا أن هذه الآية قاطعة على قدرة الله سبحانه وتعالى الذي أتى بها من المغرب، وحينما يعلمون أن القرآن أخبر بذلك وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك وأن الساعة تكون قد اقتربت من هذه العلامة، فحينئذ يؤمنون، لكن هذا الإيمان لا ينفع؛ لأن أوان التكليف قد انتهى، ففي هذا الوقت يتوقف وينقطع أوان التكليف عند حصول هذه الآية، فلن ينفع الإيمان حينئذٍ نفساً غير مقدمة إيمانها من قبل ظهور هذه الآية، فالإيمان الذي ينفع الإنسان هو الذي يكون قبل أن تظهر هذه الآية، أما إذا ظهرت فلا ينفع ذلك الإيمان. وكذلك إذا كان الشخص مؤمناً قبل مجيء هذه الآيات كطلوع الشمس من مغربها، ولكن مع إيمانه لم يكتسب في إيمانه خيراً، ولم يستكثر من الأعمال الصالحة، فإنَّه في هذا الوقت لا يستطيع أن يستزيد، بل يتوقف أوان التكليف في هذه الحالة، فهي تشمل كل الناس، تشمل المؤمنين وتشمل الكافرين، تشمل الكافر الذي يؤمن حين تأتي الآية، وتكون الآية في حقه مثل الغرغرة، فلا ينفعه إيمانه في ذلك الوقت؛ لأنه إيمان ناشئ عن اضطرار وعن إلجاء بظهور هذه الآية العظيمة، وكذلك النفس المؤمنة التي لم تكسب في إيمانها خيراً لا تستطيع بعد ظهور هذه الآية أن تزيد في عملها شيئاً. يقول: والمعنى أن بعض أشراط الساعة إذا جاء -وهي آية ملجئة مضطرة- ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذ نفساً غير مقدمة إيمانها من قبل ظهور الآية، أو مقدمة الإيمان غير كاسبة في إيمانها خيراً، فتوبتها حينئذ لا تجزئ. يعني أن المؤمن أو المسلم الذي هو فاسق ولم يكتسب خيراً بالتوبة قبل ظهورها إذا جاءت هذه الآية وأراد أن يكتسب الخير ويعمل أعمالاً صالحة أو يتوب لا ينفعه ذلك. قال الطبري: معنى الآية: لا ينفع كافراً لم يكن آمن قبل الطلوع إيمان بعد الطلوع، ولا ينفع مؤمناً لم يكن عمل صالحاً قبل الطلوع عمل صالح بعد الطلوع؛ لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذٍ حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة، وذلك لا يفيد شيئاً، كما قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر:85] فإذا أتى عذاب الله لا تقبل التوبة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر). وبالجملة فالمعنى أنه لا ينفع من كان مشركاً إيمانه، ولا تقبل توبة فاسق عند ظهور هذه الآية العظيمة التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة، وذلك لذهاب زمن التكليف. قال الضحاك: من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه قبل الله منه العمل الصالح بعد نزول الآية، كما قبل منه قبل ذلك. وكأنه يقول: إن هذه الحالة غير مذكورة هنا في الآية؛ لأن الآية سكتت عن الشخص الذي كان قبل نزول الآية مؤمناً يعمل صالحاً، فسكت عن كونه بعد طلوع الآية يتوقف -أيضاً- عمله ويتوقف التكليف في حقه، فـ الضحاك يذهب إلى أن هذه الحالة لا تستوي مع الحالتين السابقتين: حالة الكافر الذي يؤمن عند نزول الآية، فإنه لا ينفعه بعد ذلك أن يؤمن، أو المسلم الفاسق الذي لم يتب قبل نزول هذه الآية، فإنه لا تنفعه توبته عند طلوع الشمس من المغرب، وسكتت عن المؤمن الذي كان قبل الآية مؤمناً وكان يعمل الصالحات مستقيماً، فلذلك يقول الضحاك: من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه قبل الله منه العمل الصالح بعد نزول الآية، كما قبل منه قبل ذلك. فأما من آمن من شرك أو تاب من معصية عند ظهور هذه الآية فلا يقبل منه؛ لأنها حالة اضطرار، كما لو أرسل الله عذاباً على أمة فآمنوا وصدقوا، فإنهم لا ينفعهم إيمانهم ذلك؛ لمعاينتهم الأهوال والشدائد التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة، وهذه حكمة الله سبحانه وتعالى، وهي أنه إذا نزل عذاب الله لا يقبل التوبة من هؤلاء القوم؛ لأنهم رأوا من الآيات ما يجعلهم يوقنون ويؤمنون، لكن العبرة بالإيمان الاختياري، أما هذا فهو إيمان اضطراري، كإيمان الكفار يوم القيامة حين يقولون كما حكى الله عنهم: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا} [السجدة:12]. وقال ابن كثير: إذا أنشأ الكافر يومئذ إيماناً لم يقبل منه، فأما من كان مؤمناً قبل ذلك فإن كان مصلحاً في عمله فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحاً فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته، كما دلت عليه الأحاديث، وعليه يحمل قوله تعالى: (أو كسبت في إيمانها خيراً) أي: لا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن صاحبها عاملاً به قبل ذلك، أي: قبل مجيء الآية. والأحاديث المشار إليها منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه)، وروى الترمذي عن صفوان بن عسال المرادي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (باب من قبل المغرب مسيرة عرضه -أو قال: يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين سنة- خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحاً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه) أي: لا يغلق باب التوبة حتى تطلع الشمس من المغرب، ولـ أبي داود والنسائي من حديث معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال تقبل التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)، يعني نهاية التوبة في عمر الدنيا، لكن هناك توبة في حق كل واحد منا، وهي ما قبل الغرغرة، وحديث أبي داود والنسائي عن معاوية رضي الله عنه مرفوعاً: (لا تزال تقبل التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) قال ابن حجر: سنده جيد، والظاهر أن القاسمي يقصد ابن حجر العسقلاني، وإلا فبعض المصنفين -للأسف- أحياناً يعمل نوعاً من التدليس، فيقول: وصححه ابن حجر أو: وحسنه ابن حجر. ويكون يقصد بذلك ابن حجر الهيتمي، بالتاء المثناة، وهذا يثبت التدليس، وهذا مثل الذي يقول مثلاً: رواه البخاري، وهو صادق في أنه رواه البخاري، لكن عند الإطلاق يفهم أنه رواه البخاري في الجامع الصحيح، ويكون الحديث في (الأدب المفرد) أو في (التاريخ الكبير) أو في غيرهما من الكتب التي هي للبخاري، فهذا -أيضاً- نوع من التدليس إذا تعمده الإنسان، فحين يقول: رواه البخاري ويسكت، ولا يقول: رواه البخاري في (الأدب المفرد) يعتبر كلامه إيهاماً، ولذلك تجد رموز الجامع الكبير للسيوطي أو الصغير تختلف، فـ (خ) للبخاري، و (خد)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً) ثم بين تبارك وتعالى أحوال أهل الكتاب إثر بيان أهل المشركين، فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام:159]. قوله: (إن الذين فرقوا دينهم) أي: اختلفوا فيه مع وحدته في نفسه، فهو دين واحد أصلاً، لكن هم الذين تفرقوا فجعلوه أهواءً متفرقة (وكانوا شيعاً) أي: فرقاً تشيع كل فرقة إماماً لها بحسب غلبة تلك الأهواء، وكل شيعة تناصر من اتخذته إماماً في هذه الأهواء، فلم يتعبدوا إلا بعادات وبدع، ولم ينقادوا إلا لأهواء وخدع. وقوله: (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) أي: من عقابهم، أو: أنت بريء منهم محمي الجناب عن مذاهبهم، أو المعنى: اتركهم؛ فإن لهم ما لهم. قال القاشاني: أي: لست من هدايتهم إلى التوحيد في شيء، لا تقدر أنت على هداية قلوبهم، وليست مسئوليتك أنت؛ إذ هم أهل التفرقة لا يجتمع همهم ولا يتحد قصدهم. وقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ)، أي: في جزاء تفرقهم ومكافأتهم لا إليك. وقوله: (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ)، يعني: إذا وردوا يوم القيامة. وقوله: (بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، أي: من السيئات والتفرقة لمتابعة الأهواء، ويجازيهم على ذلك بما يماثل أفعالهم. قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى. وروى العوفي عن ابن عباس في الآية: أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فتفرقوا. وحمل بعضهم الآية على أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة، وخاصة على الخوارج، ورووا في ذلك حديثاً رفعوه، ولا يصح إسناده كما قال ابن كثير. ثم قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفاً له؛ فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا اضطراب، فمن اختلفوا فيه وكانوا شيعاً -أي: فرقاً- كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله تعالى قد برأ رسوله صلى الله عليه وسلم مما هم فيه، وهذه الآية كقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الشورى:13] إلى آخر الآية، والمقصود بذلك: وحدة الدين، وجميع الأنبياء دعوا إلى دين الإسلام، وفي الحديث: (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات)، يعني: أولاد زوجات شتى لرجل واحد، فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء، والرسل برآء منها، كما قال تعالى: ((لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ))، فهذا التفرق والتشيع والتحزب ليس من الدين في شيء. ثم قال: ((إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ))، وهذا كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الحج:17] وقد أخرج أبو داود عن معاوية رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة)، ورواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو، وفيه: قالوا: (من هي يا رسول الله؟! قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي).
تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)
تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) ثم بين لطفه سبحانه وتعالى في حكمه وعدله يوم القيامة، فقال عز وجل: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [الأنعام:160]. قوله: (من جاء بالحسنة) يعني: من جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة، (فله عشر أمثالها) يعني: عشر حسنات أمثالها في الحسن. قال المهايمي: كمن أهدى إلى سلطان عنقود عنب، يعطيه بما يليق بسلطنته لا قيمة العنقود، والعشر أقل ما وعد من الأضعاف، وقد جاء الوعد بالسبعين، وبسبعمائة، وبغير حساب، ولذلك قيل: المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص؛ لأن المضاعفة أقلها عشر، الحسنة بعشر أمثالها، لكن هذا لا يمنع المضاعفة بأكثر من ذلك، أو أريد بعشر أمثالها مطلق الكثرة وليس عدد العشر بالذات؛ لأن من الأعمال ما يضاعف إلى سبعين، ومنها ما يضاعف إلى سبعمائة، ومنها ما يضاعف بغير حساب بلا حدود. قوله: (ومن جاء بالسيئة) أي: بالأعمال السيئة، (فلا يجزى إلا مثلها) أي: في القبح. قال المهايمي: فمن كفر خلد في النار، فإنه ليس أقبح من كفره، كمن أساء إلى سلطان يقصد قتله، ومن فعل معصية عذب بقدرها، كمن أساء إلى آحاد الرعية. أي: لأن الشرك إساءة إلى الله سبحانه وتعالى، بخلاف الإساءة للخلق فهذه تكون معصية، لكن الإساءة إلى الله سبحانه وتعالى بالشرك بأنواعه ليست كغيرها من المعاصي. والأحاديث كثيرة في معنى هذه الآية، منها قوله عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه تعالى: (إن ربكم تبارك وتعالى رحيم، من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر، إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله عنه، ولا يهلك على الله إلا هالك)، أي: لا يهلك على الله إلا إنسان موغل في الإجرام؛ بحيث يستحق أن يهلكه الله؛ لأن هذا الإنسان الذي يهلك معناه: أن آحاده غلبت عشراته، أي: آحاد المعاصي عنده غلبت عشرات الحسنات، فالحسنات تضاعف إلى عشر أمثالها أو إلى سبعمائة ضعف أو إلى ما شاء الله، فإن كان له حسنات وضوعفت هذه المضاعفة فإنه يتوقع أن تكون كثيرة، ثم السيئات إما أن يعفو الله سبحانه وتعالى عنها، وإما أن يعطيه السيئة بمثلها آحاداً، لكن هذا إنسان غلبت آحاده مئاته، فكل هذه الأضعاف غلبتها آحاد السيئات، ومعنى هذا أنه هالك عن جدارة وعن استحقاق، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (ولن يهلك على الله إلا هالك). وروى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر، من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة بعد أن لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة). وروى الشيخان عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة) هذا لفظ البخاري، ولذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كله)، يعني أن اليوم يساوي عشرة أيام.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً) ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يخبر أولئك المفرقين دينهم بما أنعم سبحانه وتعالى عليه من إرشاده إلى دينه القويم، فقال عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام:159].
تفسير قوله تعالى: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم)
تفسير قوله تعالى: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) ثم قال عز وجل مبيناً نعمته على نبيه: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:161]. قوله: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) هو دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده المخلصين (ديناً قيماً) النصب هنا على البدل؛ لأن قوله: (إلى صراط مستقيم) يعني: صراطاً مستقيماً، و (ديناً) نصب على البدل من محل (إلى صراط)؛ لأن معناه: هداني صراطاً، بدليل قوله تعالى: {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء:175]، أو أنه مفعول لمضمر يدل عليه المذكور، فقوله: ((قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا)) يعني: عرفني ديناً قيماً: ((مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)) أو مفعول (هداني) فقوله: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً) يعني: هداني ديناً، فـ (هدى) يتعدى إلى مفعولين، و (قيماً) صفة (ديناً)، ويقرأ بالتشديد: (قيّماً)، أي: ثابتاً أبداً لا تغيره الملل والنحل، ولا يستطيع أحد أن يغيره ويبدله، ولا تنسخه الشرائع والكتب، يقوم ويعدل ويصلح أمر المعاش والمعاد، و (قيماً) أصلها: (قوماً)، كـ (عوض)، فأعل لإعلال فعله. وقوله: (ملة إبراهيم حنيفاً) (حنيفاً) حال من إبراهيم، يعني أن إبراهيم كان حنيفاً مائلاً عن كل دين وطريق باطل إلى دين الإسلام ودين الحق، فـ (حنيفاً) يعني: مائلاً عن كل دين وطريق باطل فيه شرك ما. وقوله: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) اعتراض مقرر لنزاهته عليه السلام عما عليه المفرقون لدينه من اعتقاد وعمل، وفي قوله: (وما كان من المشركين) إشارة إلى أن إبراهيم بريء من هؤلاء الذين يزعمون الانتساب إلى إبراهيم مع أنهم واقعون في الشرك، سواء أكانوا من مشركي العرب أم من اليهود أم من النصارى، قال ابن كثير: هذه الآية كقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:123]، وليس يلزم من كونه أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها. أي: هل يلزم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر باتباع إبراهيم أن معنى ذلك أن يكون إبراهيم أكمل عند الله من رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام؟ A لا يلزم ذلك؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قام بها قياماً عظيماً، وأكملت له صلى الله عليه وسلم إكمالاً تاماً ولم يسبقه أحد إلى هذا الكمال، ولهذا قال: (أنا خاتم الأنبياء، وسيد ولد آدم). وهو صاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق، حتى إبراهيم الخليل نفسه عليه السلام، كما في حديث الشفاعة، فإن جميع الأنبياء يحيلون الشفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول: (أنا لها أنا لها)، عليه الصلاة والسلام، فيظهر الله سبحانه على مشهد من جميع الأمم وجميع الأنبياء والمرسلين وجميع الخلائق يوم القيامة شرف رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. عن ابن أبي أبزى عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال: (أصبحنا على كلمة الإسلام وكلمة الإخلاص وملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين)، وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قيل لرسول صلى الله عليه وسلم: أي الأديان أحب إلى الله تعالى؟ قال: (الحنيفية السمحة)، وروى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذقني على منكبيه لأنظر إلى زخم الحبشة، حتى كنت التي مللت فانصرفت عنهم، وقالت عائشة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ: ليعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة).
تفسير قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)
تفسير قوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) ثم قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162]. هذا المأمور به متعلق بفروع الشرائع، وما سبق متعلق بأصولها. أي: أن الأمر السابق أمر متعلق بأصول العقيدة، وهو قوله تعالى: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين)، فقرر الأمر هنا؛ لأنه يقصد هنا فروع الشريعة، والقضايا العملية، فقوله: (قل إن صلاتي) يعني: صلاتي إلى الكعبة (ونسكي) يعني: طوافي وذبحي للهدايا في الحج والعمرة أو عبادتي كلها؛ لأن النسك يطلق إما على الذبح، وإما على العبادة كلها. وقوله: (ومحياي ومماتي) يعني: ما آتيه في حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، أو (محياي) يعني: طاعات الحياة و (مماتي) الخيرات المضافة إلى الممات، كالوصية والتدبير، أو الحياة والممات لله رب العالمين. وقوله: (لا شَرِيكَ لَهُ) يعني: خالصة لله لا أشرك فيها غيره، (وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) أي: بذلك القول أو بذلك الإخلاص أمرت، (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) يعني: من هذه الأمة؛ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته. قال ابن كثير: يأمر تعالى نبيه أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله تعالى ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له.
تفسير قوله تعالى: (قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء)
تفسير قوله تعالى: (قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء) ثم قال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام:164]. قوله: (قل أغير الله أبغي رباً) يعني: فأشركه في عبادته، وهو جواب عن دعائهم له عليه الصلاة والسلام إلى عبادة آلهتهم، حيث يفهم من ذلك أنهم عرضوا عليه أن يشاركهم في عبادة آلهتهم، ودعوه إلى ما هم عليه من الشرك، فجاء الجواب عليهم: (قل أغير الله أبغي رباً)، أي: هل يصلح أن أبغي رباً غير الله سبحانه وتعالى كما تدعونني؟ وفي إيثار نفي البغية والطلب على نفي العبادة أبلغية لا تخفى، أي: أنه لا يفكر في مجرد أنه يطلب رباً أو يبغي رباً فضلاً عن أن يعبد هذا الرب. فقوله: (قل أغير الله أبغي) يعني: أطلب رباً، ولم يقل: قل أغير الله أعبد رباً، أي: أن مجرد أن يتطلع إلى رب غير الله غير وارد، ولا شك في أن هذا من الأساليب البلاغية الرفيعة، فمجرد أنه يفكر في إله غير الله أمر مرفوض، فكيف يعبد غير الله؟! وقوله: (وهو رب كل شيء) أي: وكل ما سواه مربوب، يعني: مهما تدعونني لعبادة أي إله تدعونني إليه فهو مربوب لله ومخلوق، والذي خلق هذا الإله هو الله سبحانه وتعالى، فكيف أعدل عن عبادة الرب الخالق إلى عبادة المربوبين؟! وكيف أعبد مخلوقاً؟ وقوله: (وهو رب كل شيء) حال في موضع العلة للإنكار والتدليل على هذا الإنكار. وقوله: (أغير الله) أي: وكل ما سواه مربوب مثلي لا يصلح للربوبية، فلن أكون عبداً لعبده، قال ابن كثير: أي: فلا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه، وله الخلق والأمر. ففي هذه الآية الأمر بإخلاص العبادة والتوكل، كما تضمنت الآية التي قبلها إخلاص العبادة لله تعالى لا شريك له، وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيراً، كقوله تعالى مرشداً عباده إلى أن يقولوا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5].
الأعراف [1 - 9]
تفسير سورة الأعراف [1 - 9]
الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور
الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور سورة الأعراف هي: (طولى الطوليين) والطوليان: هما الأنعام والأعراف. وقد أخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: الأعراف مكية إلا آية: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} [الأعراف:163] فمدنية، وآياتها مائتان وست آيات. وقد افتتحت سورة الأعراف بقوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: {المص} [الأعراف:1]. ولأننا نحتاج بين وقت وآخر إلى الكلام في فواتح السور، فسنقف هنا وقفة يسيرة مع فواتح سور القرآن، كي نحيل عليه بعد ذلك إن شاء الله تعالى.
ذكر الحروف المقطعة في أوائل السور وأشكالها
ذكر الحروف المقطعة في أوائل السور وأشكالها هذه الحروف المقطعة وردت في أوائل تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم، وأخذت أربعة عشر شكلاً بعد حرف الفواتح المكررة وهي: {ص} [ص:1]، {ق} [ق:1]، {ن} [القلم:1]، {حم} [غافر:1]، {طه} [طه:1]، {طس} [النمل:1]، {يس} [يس:1]، ((الم)) [البقرة:1]، ((الر)) [يونس:1]، {المص} [الأعراف:1]، {المر} [الرعد:1]، {كهيعص} [مريم:1]، {حم * عسق} [الشورى:1 - 2]. فجاءت: (ص)، (ق)، (ن) على حرف واحد. (حم)، (طه)، (طس)، (يس) على حرفين. و (حم) جاءت في غافر، وفصلت، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف. و (طس) جاءت في النمل فقط. وأما (الم) ففي البقرة، وآل عمران، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة. وأما (الر) ففي يونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر. وأما (طسم) ففي الشعراء، والقصص. وأما (المص) ففي سورة الأعراف فقط. وأما (المر) ففي سورة الرعد فقط. وأما (كهيعص) ففي مريم فقط. وأما (عسق) في سورة الشورى فقط.
القول بأن الحروف المقطعة من المتشابه
القول بأن الحروف المقطعة من المتشابه وقد قسم العلماء آيات الذكر الحكيم إلى قسمين: قسم المحكم والمتشابه، وهذا التقسيم قائم على أساس قوله تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [آل عمران:7]. أما فيما يتعلق بالحروف المقطعة فقد انقسم العلماء في ذلك إلى فريقين: فريق توقفوا عن أن يدلوا فيها بأي رأي اجتهادي تورعاً، وفوضوا العلم بها إلى الله سبحانه وتعالى. أما الفريق الآخر: فحاولوا أن يؤولوا ليدركوا معانيها، ومع ذلك فلم تتفق كلمتهم على رأي قاطع في هذه المسألة، بل تعددت أقوالهم. فالفريق الأول اعتبروا هذه الفواتح من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، فعلى هذا الأساس تكون هذه الفواتح من الأسرار المحجوبة التي لم يطلع الله عليها أحداً من خلقه، فهي: كالساعة والغيث وعلم ما في الأرحام وغير ذلك، فواجب المؤمن التصديق بها حتى ولو غاب عنه تأوليها، يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (عجزت العلماء عن إدراكها)، أي: عن إدراك سر هذه الحروف المقطعة في أوائل كتاب الله عز وجل، فهي لها معنى بلا شك، وهناك حكمة من إيرادها، لكن العلم بالمراد منها موكول إلى الله سبحانه وتعالى. قال الشعبي والثوري وجماعة من المحدثين: هي -أي الفواتح- سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سر، فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت؛ ولذلك لما سئل الشعبي عنها قال: (سر الله عز وجل فلا تطلبوه). وقال أبو حاتم: (لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله عز وجل بها). وبعض العلماء جمع هذه الحروف، وحذف منها المكرر، وكوَّن منها جملة مفيدة، فخرجت هذه الجملة: (نص حكيم قاطع له سر!!). وهذه ليست طريقة علمية في الاستنباط، لكن هذا مما يستأنس به، ومما يستملح. وقال الربيع بن خثيم: (إن الله تعالى أنزل هذا القرآن، فاستأثر منه بعلم ما شاء، وأطلعكم على ما شاء، فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه، وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به، وما كل القرآن تعلمون، ولا بكل ما تعلمون تعملون). وعلق أبو بكر الأنباري على مقولة الربيع قائلاً: (فهذا يوضح أن حروفاً من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم، اختباراً من الله وامتحاناً، فمن آمن بها أثيب وسعد، ومن كفر وشك أثم وبعد). وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: (من تكلم في بيان معاني هذه الحروف، جازماً بأن ذلك هو ما أراده الله عز وجل فقد غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط، فإنه إن كان تفسيره لها بما فسره به راجعاً إلى لغة العرب وعلومها فهو كذب بحت، فإن العرب لم يتكلموا بشيء من ذلك)، فهذا هو الاحتمال الأول الذي ذكره الشوكاني في حق من يدلي بدلوه في هذه القضية. أنه: إن كان يزعم أن له سلفاً من العرب في هذا الفهم وهذا التفكير لهذه الحروف المقطعة، فنقول: هذا كذب بحت وافتراء محض؛ لأن العرب لم تعرف هذا الأسلوب على الإطلاق في الكلام من قبل.
ذكر قول من جعل الحروف المقطعة أجزاء مختصرة من كلمات عربية
ذكر قول من جعل الحروف المقطعة أجزاء مختصرة من كلمات عربية وهنا نتوقف قليلاً -قبل أن نستطرد في ذكر بقية كلام الشوكاني رحمه الله تعالى- ونتعرض لشبه قد يقولها بعض الناس، وقد يطالعها بعض الإخوة في كتب التفسير: فإن الملاحظ أن بعض العلماء ذكروا عن بعض العرب الاقتصار على حرف أو حروف من الكلمة التي يريدون النطق بها، وهذا هو الذي دفع بعض الناس إلى أن يقولوا: إن هذا أسلوب -أي: فواتح السور- كان للعرب عهد به من قبل، فالقرآن خاطبهم بنفس العهد، ومن ثم بدءوا يقولون: إن هذه الحروف هي عبارة عن حرف من كلمة حذف باقيها، يستشهدون بقول شعراء العرب مثلاً: (فقلت لها قفي فقالت قاف) أي: وقفت، فاقتصر على التعبير عن كلمة (وقفت) بحرف قاف. وقال زهير: بالخير خيرات وإن شراً فا ولا أريد الشر إلا أن تا (بالخير خيرات) يعني: أجزيك بالخير خيرات (وإن شراً فا) بألف يعني: فشر، فحذف كلمة فشر أو اقتصر منها على حرف الفاء فقط ومده. (ولا أريد الشر إلا أن تا) يعني: إلا أنت تشاء، فاختصر كلمة تشاء إلى حرف التاء. وقال آخر: نادوهم ألا الجموا ألا تا قالوا جميعاً كلهم ألا فا (نادوهم ألا الجموا ألا تا) يعني: ألا تركبون، فاقتصر من كلمة تركبون على حرف التاء. (قالوا جميعاً كلهم ألا فا) يعني: فاركبوا. وكما قيل أيضاً: (كفى بالسيف شا)، يعني: شافياً أو شاهداً. ويبرزون في هذا حديثاً ضعيفاً، وينسبونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح: (من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوباً بين عينيه: آيس من رحمة الله)، لكن من ناحية اللغة قد يعتبره العلماء شاهداً بفرض صحته، على أساس أن الإنسان يعين على قتل أخيه بقوله: اقـ، بدل كلمة اقتل، فهي من هذا الباب. فعلى أساس هذا الاستعمال العربي ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الأسلوب في القرآن الكريم أسلوب معهود من ذي قبل، وممن انتصر لذلك الشيخ أبو الأعلى المودودي رحمه الله تعالى، فقد ذهب إلى أن هذه الحروف كانت شائعة الاستعمال في الأدب العربي في الحقبة التي نزل فيها القرآن، وقد استخدمها الشعراء والكتاب على السواء، ولأن معناها كان مفهوماً لديهم آنذاك لم يعترض عليه أحد قط، أي: لا أحد من الصحابة ولا من العرب اعترض على وجود هذه الحروف في أوائل السور، بل لم يستفهموا عنها ولا عن استعمالها إذ لم تكن عندهم ألغازاً ولا طلاسم يلزم حلها وتفسيرها.
الرد على من جعل الحروف المقطعة أجزاء مختصرة من كلمات
الرد على من جعل الحروف المقطعة أجزاء مختصرة من كلمات والجواب على كلام الإمام العلامة المودودي رحمه الله أو من ذهب إلى مذهبه هو: أن هذه الحروف المقطعة لم تأتِ إلا في فواتح السور، بخلاف استعمالات العرب، فإن الحرف يأتي في جواب كلام أو في سياق جملة، فيفهم معناه من السياق كله، فالقاف في قوله: (قلت لها قفي فقالت قاف)، تقدمها كلام دل على معناها. ومثلها: (بالخير خيرات وإن شراً فا) بل لو قلنا لتلميذ في الابتدائية أكملها فسيقول: فشر، لأن الشر جزاء الشر، وإن لم تذكر الفاء، وكذلك: (نادوهم ألا الجموا ألا تا قالوا جميعاً كلهم ألا فا). أو: (كفى بالسيف شا). فإذاً يوجد سياق للكلام قبل هذا الحرف يدلنا على المعنى المراد بهذا الحرف، لكن أين ذلك في آيات القرآن في فواتح السور؟ فليس من الصحيح أن نقول: إن فواتح السور هي من جنس استعمالات العرب لهذه الحروف، بل الصحيح منع هذه الشبه، وأن هذا الأسلوب لم يكن معروفاً عند العرب من قبل. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: (ولا ينافي ذلك أنهم قد يقتصرون على حرف أو حروف من الكلمة التي يريدون النطق بها، فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا بعد أن يتقدمه ما يدل عليه ويفيد معناه، بحيث لا يلتبس على سامعه، كما في الشواهد التي ذكرناها من قبل، ومن هذا القبيل ما يقع منهم من الترخيم) يعني كما في قولهم: (يا صاح!) والمقصود: يا صاحبي! (يا مال!) يعني يا مالك! وكذلك: (عم صباحاً) فيها حذف، وأصلها: أنعم صباحاً). وقال ابن قتيبة: وكما يحذفون من الكلام البعض، إذا كان فيما أبقوا دليل على ما ألقوا، كقول ذي الرمة: فلما لبسن الليل أو حين نصبت له من خذا آذانها وهو جانح يعني: من حين أقبل، ومن ذلك أن هذا النوع من الحذف، يعني: هذا النوع من الحذف موجود في القرآن الكريم، لكن ليس له علاقة بموضوع فواتح السور، وأنتم تلاحظون في التفسير أن كثيراً ما نجد السيوطي -رحمه الله- وغيره من المفسرين، يقول مثلاً: هذه الآية لم تذكر فيها النتيجة لأن النتيجة معروفة وهي كذا، أو هذا شرط والجواب محذوف، وكل هذا من أساليب العرب، فمثلاً قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد:31]، جواب الشرط فيها محذوف تقديره: لكان هذا القرآن، فحذف الجواب. وكذلك يحذفون من الكلمة الحرف أو الشطر، والأكثر يرتجزون به، كما يقولون: في لجة أمسك فلاناً عن فل منه تظل إبلي في الهوجل يعني: فلاناً عن فلان. وقال العجاج: قواطناً مكة من ورق الحم. يعني: الحمام. إذاً هناك فارق كبير بين اقتصار العرب على حرف أو أحرف من الكلمة، وبين الفواتح في أوائل السور، وإذا كان الكلام العربي قد زخر بأدوات استفتاح وتنبيه كثيرة، لكنها لا تشبه هذه الفواتح التي أتى بها القرآن الكريم لأول مرة في تاريخ العرب، ولم يعثر أحد عليها لا في شعرهم ولا في نثرهم، فأين ألا مثلاً أو (أما) في قول لبيد بن ربيعة: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل وقول صخر الهذلي: أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر نرى هنا أدوات الاستفتاح: ألا وأما، أين هي من (حم عسق) و (الم) و (الر)، لا شك أن هناك فارقاً شاسعاً بين هذه وتلك، فهذا هو الجواب على من زعم أن هذه الفواتح هي من نفس الأسلوب الذي استعمله العرب. يقول الشوكاني: وإذا تقرر لك أنه لا يمكن استفادة ما ادعوه من لغة العرب وعلومها، لم يبق حينئذ إلا أحد أمرين: الأول: إما أنهم يفسرون ما يفسرون بمحض الرأي الذي ورد النهي عنه والوعيد عليه، وأهل العلم أحق الناس بتجنبه والصد عنه والتنكب عن طريقه، وهم أتقى لله سبحانه وتعالى من أن يجعلوا كتاب الله ملعبة يتلاعبون بها. وإما أنهم يفسرون ما يفسرون بتوقيف عن صاحب الشرع، وهذا هو الطريق الواضح والسبيل القويم، بل الجادة التي ما عداها معدوم، فمن وجد شيئاً من هذا فغير ملوم أن يقوله بملء فيه، ويتكلم بما وصل إليه علمه، ومن لم يبلغه شيء من ذلك فليقل: لا أدري، أو الله أعلم بمراده، فقد ثبت النهي عن طلب فهم المتشابه ومحاولة الوقوف على علمه، مع كونه ألفاظاً عربية وتراكيب مفهومة، وقد جعل الله تتبع ذلك -المتشابه- صنيع الذين في قلوبهم زيغ، فكيف بما نحن بصدده؟! قال: وهذا في السور متشابه المتشابه -يعني: أشد الآيات تشابهاً- فهي أولى ما يمسك عن الخوض فيه بغير علم.
دراسة نقدية للتأويلات العددية والتفسيرات الإشارية
دراسة نقدية للتأويلات العددية والتفسيرات الإشارية هنا دراسة نقدية للتأويلات العددية والتفسيرات الإشارية للدكتور/ محمد محمد أبو فراخ، أستاذ التفسير والتجويد وعلوم القرآن المساعد في جامعة الإمام محمد بن سعود، يتكلم فيها على هذا الموضوع. وقد ذكر أن فريقاً من العلماء رأى أن هذا علم مستور ومحجوب عنا لا نستطيع إدراكه، وذكر الدكتور أن بعض العلماء ذهبوا مذهباً آخر، فاجتهدوا في محاولة تأويل فواتح هذه السور، فاتجه جمع كبير من العلماء إلى محاولة الكشف عن أسرار هذه الحروف والوقوف على معانيها ومدلولاتها والانتفاع بها، تحقيقاً للهدف الذي رمى إليه القرآن من ذكرها، قالوا: إن القرآن أنزل كي يتدبر: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص:29]، فعلينا أن نعمل عقولنا في محاولة فهم ما وقف عنده الفريق الأول الذي فوض العلم في هذه الأحرف إلى الله سبحانه وتعالى، والذي يرى الوقف لازماً عند قوله تبارك وتعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}، ثم يستأنف الكلام: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} إلى آخر الآية، فالوقف التام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) وما بعده استئناف لكلام آخر، وهو قوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به). فالعلماء آمنوا بالمتشابه الذي لا يعلم تأويله أحد غيره تعالى، ومن أجل ذلك الإيمان والتفويض أثنى الله عليهم. والفريق الثاني الذي ذهب إلى تفسير هذه الفواتح، جعل قوله تعالى: (والراسخون في العلم) معطوفاً على ما قبله، أي: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) يعني: لا يعلم تأويل هذه الآيات المتشابهة إلا الله سبحانه وتعالى والراسخون في العلم. فإذاً يكون الوقف على قوله تعالى: (والراسخون في العلم) يعني ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) وقوله: ((يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)) جملة جديدة. وقد روي عن ابن عباس: أن الراسخين معطوف على اسم الله عز وجل، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به: (يقولون آمنا به)، وقال بهذا الرأي: الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم. وروي عن مجاهد أنه عطف الراسخون على ما قبله وزعم أنهم يعلمونه، واحتج له بعض أهل اللغة فقال: معناها: والراسخون في العلم يعلمونه قائلين: (آمنا به كل من عند ربنا)، وزعم أن موضع (يقولون) نصب على الحال. لكن القرطبي لا يقبل هذا الرأي ولا يقف على قوله تعالى: (والراسخون في العلم) ولا يجعل الواو للعطف، وينكر نصب جملة (يقولون) على الحال؛ لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معاً، ولا تذكر حالاً إلا مع ظهور الفعل، فلا يجوز أن تقول: عبد الله راكباً بمعنى: أقبل عبد الله راكباً، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل، كقوله: عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فيصلح هنا إعرابها حالاً. فكان قول عامة العلماء بالابتداء بقوله تعالى: (والراسخون في العلم) مستقيم مع مذاهب النحويين، وهو أولى من قول مجاهد الذي جعل الواو للعطف وزعم أنهم يعلمونه.
ذكر قول من جعل فواتح السور تدرك بحساب الجمل ونحوه
ذكر قول من جعل فواتح السور تدرك بحساب الجمل ونحوه ويزعم بعضهم أنه يعلم فواتح السور بحساب الجمل!! وهذه الطريقة تنسب لليهود، ومعنى حساب الجمل التي هي: أبجدهوز إلخ: أن كل حرف منها يساوي عدداً معيناً، ويبدأ العد على حسب ترتيبها: واحد اثنين ثلاثة أربعة إلى حد العشرة، ثم بعد ذلك يقول: عشرة عشرين ثلاثين أربعين إلى حد المائة، ثم يقول: مائة مائتين إلى آخرها. فكل حرف من الكلمة يساوي عدداً معيناً، فيجمعونها ويحاولون أن يستخلصوا منها بعض المعلومات، فهذه طريقة يهودية ليست من الإسلام في شيء. ومن هذه الضلالات ضلالة فرسان خليفة الذي ذهب إلى عمل حسابات معينة بالكمبيوتر أو الحاسب الآلي الجديد، ومن خلال إعطاء أوامر للكمبيوتر يعطيه العلاقات، وما أدري رقم تسعة عشر يتكرر كم مرة في القرآن؟! وتقديسٌ للرقم تسعة عشر بصورة تذكرنا تماماً بمنهج الباذيين والبهائيين!! وهذا موضوع يستحق في الحقيقة الكلام عليه، لكنه هنا أمر عارض فلن نفصل فيه.
القول بأن الحروف المقطعة ليست من المتشابه
القول بأن الحروف المقطعة ليست من المتشابه على أي حال من الأحوال فهذا الفريق الثاني من العلماء رأى أن الفواتح ليست من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، قالوا: لو كانت هذه الحروف من المتشابه لجاز أن يرد في كتاب الله ما لا يكون مفهوماً للناس، والله تعالى يقول: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]، فكيف يأمرنا الله بتدبر القرآن كله وبعضه غير مفهوم؟! قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء:82]، وقال تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل:64]، فالقرآن نزل ليفهمه الناس ويتدبروه؛ ولذلك نزل بلسان عربي مبين، كما قال تعالى: {قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر:28]. وعن عمرو بن مرة قال: ما مرت بي آيات لا أعرفها إلا أحزنني؛ لأني سمعت الله يقول: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت:43]، وهكذا ذكروا عن بعض السلف آثاراً تدل على الحرص على فهم القرآن الكريم كله، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الله سبحانه وتعالى لم يقل في المتشابه: لا يعلم تفسيره ومعناه إلا الله، إنما قال: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ))، فالله سبحانه وتعالى أخبر أنه لا يعلم تأويله إلا هو. والوقف هنا على ما دلت عليه أدلة كثيرة، وعليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على كلمة: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ))، فكان مذهب الصحابة وجمهور التابعين وجماهير الأمة.
ذكر أقوال الذين أولوا فواتح السور
ذكر أقوال الذين أولوا فواتح السور وهذا الفريق الثاني بعدما اتفقوا على ضرورة التكلم في فواتح السور لإدراك معانيها وتلمس فوائدها، بناءً على أنها ليست من المتشابه في مذهبهم، تشعبت آراؤهم واختلفت أقوالهم في بيان المعنى المقصود منها!
قول من جعلها أسماء للسور
قول من جعلها أسماء للسور فأول فريق: قالوا: إن هذه الفواتح هي أسماء للسور، وإن هذا الحرف هو عبارة عن اسم للسورة التي افتتح بها، وهذا منقول عن زيد بن أسلم، ونسبه صاحب الكشاف إلى الأكثر، ونقل القرطبي عن زيد بن أسلم قوله: هي أسماء للسور، يعني: أن كل سورة تعرف بما افتتحت به منها. قد يرد إشكال هنا: وهو أن هناك بعض السور افتتحت بنفس الحروف فكيف تميز؟ كـ (الم) مثلاً و (حم). قالوا: يمكن تمييزها بإضافتها إلى اسم آخر، كأن تقول: (حم السجدة) لتميزها عن (حم الدخان) مثلاً أو الزخرف أو غيرها، أو (الم البقرة)، و (الم العنكبوت) و (الم تنزيل) وهذا يكون مثل ما يحصل من الوفاق في الأسماء، فلو أن أحداً اسمه محمد والثاني محمد والثالث محمد، فيمكن أن تقول مثلاً: محمد أبو علي، محمد أبو الحسن، محمد أبو بكر، فتميزه بالكنية أو باللقب. قال صاحب المنار: (الم) هو وأمثاله أسماء للسور المبتدأة به، ولا يضر وضع الاسم الواحد كـ الم لعدة سور؛ لأنه من المشترك الذي يعين معناه اتصاله باسمه، كأن تقول: الم البقرة، تقصد بذلك سورة البقرة، وقد نقل عن سيبويه مثل هذا الرأي، ويعتضد هذا بمثل ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة (الم السجدة)، و ((هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ)) [الإنسان:1]). وذكر أبو السعود: أن الذي عليه الأكثر كونه أسماءً للسور المصدرة بها، وإليه ذهب الخليل وسيبويه، هذا هو المذهب الأول من مذاهب الذين قالوا بالخوض في تأويل هذه الفواتح.
قول من جعل فواتح السور أسماء للقرآن
قول من جعل فواتح السور أسماء للقرآن المذهب الثاني: أن الفواتح أسماء للقرآن الكريم نفسه مثل: الفرقان ومثل الذكر والكتاب وغير ذلك. فقد نقل القرطبي عن قتادة في قوله: (الم) قال: اسم من أسماء القرآن. وعن قتادة قال: كل هجاء في القرآن فهو اسم من أسماء القرآن، وقوله: كل هجاء يعني به حروف التهجي التي تليت في أول السور.
قول من جعل فواتح السور مأخوذة من أسماء الله وصفاته
قول من جعل فواتح السور مأخوذة من أسماء الله وصفاته المذهب الثالث: أن الفواتح حروف مأخوذة من أسماء الله وصفاته, فبعضهم قال: إنها تدل على اسم الله الأعظم، فعن شعبة قال: سألت السدي عن (حم) و (طس) و (الم) فقال: قال ابن عباس: هي اسم الله الأعظم! ونحن نحتاج في مثل هذا إلى تحقيق الأسانيد؛ لأن ابن عباس قد كذب عليه، وكثير من الأقوال روِّجت بنسبتها إلى ابن عباس. وروي أيضاً عن فاطمة بنت علي بن أبي طالب أنها سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: يا كهيعص! اغفر لي، ومن هنا استنبطوا أو ادعوا أن هذه الفواتح هي أسماء لله عز وجل، وهذا أيضاً مما يحتاج إلى أن يثبت بسند صحيح. ومن ذلك أيضاً ما روي عن الربيع بن أنس في قوله: (كهيعص) قال: يا من يجير ولا يجار عليه! وأخرج ابن أبي حاتم عن أشهب قال: سألت مالك بن أنس أينبغي لأحد أن يتسمى بيس؟ قال: ما أراه ينبغي لقول الله: {يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس:1 - 2]، يعني: بناءً على أن الحروف أسماء لله عز وجل، فمن ثم لا يجوز لأحد أن يتسمى باسم الله، فهذا الفريق قال: إن (يس): اسم من أسماء الله، (طه): اسم من أسماء الله، (الم): اسم من أسماء الله. وعن ابن عباس وغيره (الم) حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله. ونلاحظ أن من الممكن بسهولة جداً أن نجد في أغلب المذاهب من ينسب قوله إلى ابن عباس، وذلك لأن علوم القرآن ما خدمت الخدمة الواجبة على الأمة إلى الآن، بخلاف السنة فإن الأمة ولله الحمد تيقظت لأهمية التحقيق فيها، ولكن ما زالت علوم القرآن تحتاج لكثير من التحقيق. وروي عن أبي العالية في قوله تعالى: (الم) قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفاً دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه. وهذه طريقة أخرى تلتقي مع نفس الطريق، يقولون: إن كل حرف من هذه الحروف رمز لاسم من أسماء الله، أو جزء منه، كما قيل: الألف من الله، فالألف يعني: الله، واللام: مأخوذة من جبريل، والميم: من محمد عليه الصلاة والسلام. وعن ابن عباس في قوله: (كهيعص): أن الكاف من كافٍ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر:36]، والهاء: من هادٍ، والياء من: حكيم، والعين من: عليم، والصاد من: صادق، فهذه الفاتحة في مريم يجتمع بها صفات كثيرة؛ لأن كل حرف منها مفتاح اسم أو صفة من صفاته تعالى. ولا يبعد أن يستدلوا لهذا بما صدرنا به الكلام في موضوع استعمال العرب للحروف، وقد ذكرنا الفرق بين استعمالات العرب للحروف المقتصرة عليها وبين فواتح السور. وروي عن ابن عباس أنه قال: الم: أنا الله أعلم، ألف: أنا، لام: الله، ميم: أعلم، وكذا قال سعيد بن جبير، وقال السدي عن أبي مالك. وقيل: إنها صفات الأفعال، أي: (الم) مثلاً: الألف: آلاؤه، واللام: لطفه، والميم: مجده وملكه، نقل ذلك أبو السعود. وهذا الكلام غير منضبط من الناحية العلمية، فما الذي يمنع أن تكون الياء من حكيم، أو من خبير أو من لطيف أو من أي اسم من أسماء الله؟!
قول من جعل فواتح السور أيمانا
قول من جعل فواتح السور أيماناً المذهب الرابع: أن الفواتح أيمان أقسم الله سبحانه وتعالى بها، فعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: (الم) هو قسم أقسم الله به، فيجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى أقسم بالحروف المقطعة كلها واقتصر على ذكر بعضها من ذكر جميعها، فقال: (الم) وهو يريد جميع الحروف، كما يقول القائل: تعلمت: ألف باء، وهو يقصد تعلمت الحروف الأبجدية، فبدل أن يقول: ألف باء إلى الياء يختصر ويقول: تعلمت (ألف باء)، فكذلك هنا، وكأن الله أقسم بجميع الحروف الهجائية، لكن اقتصر على أجزاء من هذه الحروف المقطعة، فلما طال أن يذكرها كلها اكتفى بذكر بعضها، والناس يدلون بأوائل الأشياء عندما يقولون: قرأت {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة:2] يعني: قرأت فاتحة الكتاب، وإنما أقسم الله بحروف المعجم لشرفها وفضلها؛ ولأنها مبادئ في كتبه في المنزلة، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله عز وجل ويوحدون. وقد أقسم في كتابه العزيز: بالفجر، وبالطور، وبالعصر، وبالتين، وبالقلم إعظاماً لما يسطرون، ووقع القسم بها في أكثر السور على القرآن، يعني: أقسم بهذه الحروف التي هي رمز للحروف الأبجدية. قالوا: إنه يلاحظ في أكثر سور القرآن أن هذه الحروف تأتي في فاتحة السورة، ثم يغلب وجود إشارة إلى القرآن الكريم: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:2]، كأنه قال: أقسم بحروف المعجم إن هذا لهو الكتاب الذي لا ريب فيه.
بيان تناقض تفسيرات الحروف المقطعة وذكر الصواب في ذلك
بيان تناقض تفسيرات الحروف المقطعة وذكر الصواب في ذلك وهناك تفسيرات الصوفية لهذه الأشياء، لكن لا نريد أن نفصل في ذلك، ولا في ضلالات الباطنية وتأويلاتهم، وأنهم يستعملون القرآن في الناحية الرمزية التي توصلوا بها إلى أهوائهم ومآربهم. وقد استنكر الباقلاني وغيره من العلماء التفاسير المتناقضة التي لم تحدد المراد من الفواتح تحديداً دقيقاً، والمنسوبة للصحابة والتابعين، مثل الإشارة بهذه الحروف إلى اسم من أسمائه تعالى أو صفه من صفاته، أو اسم الله الأعظم، فلماذا لا تكون القاف مثلاً الحرف الأول من القاهر بدل من القدوس؟! ولماذا تدل النون على الناصر لا على النور؟! ويقولون: ص: الصمد، فلماذا لا تكون من الصادق؟! وهكذا، إلى غير ذلك من الأقوال المختلطة الفاسدة المتناقضة في التفاسير الإشارية والباطنية في الفواتح، وكذا التفاسير العصرية ذات الأرقام العددية، والتي لا يجوز الأخذ بها في تفسير كلام الله رب العالمين. ولذا قال بعضهم: من ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام. يقول الشوكاني: إن المروي عن الصحابة في الفواتح مختلف متناقض، فإن عملنا بما قاله أحدهم دون الآخر، كان تحكماً لا وجه له، وإن عملنا بالجميع كان عملاً بما هو مختلف متناقض ولا يجوز. ثم هاهنا مانع غير هذا المانع، وهو أنه لو كان شيء مما قالوه مأخوذاً عن النبي صلى الله عليه وسلم لاتفقوا عليه ولم يختلفوا فيه، كسائر ما هو مأخوذ عنه. أي أنه لو صح هذا الكلام عن الصحابة، فهو من الأقوال المختلفة، فلا يمكن أن يكونوا قد تلقوها عن النبي عليه السلام وهي متناقضة، إذ لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي علمهم ذلك لما اختلفوا ولا اتفقت كلمتهم، فلما اختلفوا في هذا علمنا أنه لم يكن مأخوذاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لو كان عندهم شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا لما تركوا حكايته عنه ورفعه إليه، لاسيما عند اختلافهم واضطراب أقوالهم في مثل هذا الكلام الذي لا مجال للغة العرب فيه ولا مدخل لها. يقول الشوكاني: والذي أراه لنفسي ولكل من أحب السلامة واقتدى بسلف الأمة، ألا يتكلم بشيء من ذلك، مع الاعتراف بأن في إنزالها حكمة لله عز وجل لا تبلغها عقولنا، ولا تهتدي إليها أفهامنا، فكم في الكون من أسرار تنقضي الدنيا ولا ندركها! وكم في التكاليف والعبادات من أسرار لا يملك العبد أمامها إلا أن يمتثل أمر ربه! ولم يكتشف العلم إلا قطرة من بحر خلق الله الذي لا يعرف مداه سواه: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان:27]. ليست الحروف المقطعة في أوائل السور القرآنية سوى حروف قرآنية موحىً بها من عند الله عز وجل، ويجب ألا نقول فيها شيئاً من عند أنفسنا، أو ندخل في تفسيرها بظن لا يستند إلى دليل صحيح من كتاب أو سنة، فلا نرمز بها إلى أعداد معينة كأصحاب الحاسب الآلي، أو نشير بها إلى معاني الباطنية الفاسدة كأقوال بعض الصوفية، إننا لسنا أمام تاريخ حادثة حربية، أو تقليد نظرية فلكية، أو مناقشة قضية مدنية، ليتذكر الجميع أننا نقف أمام كتاب رب العالمين الذي {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42]؛ ولذا يجب الوقف في هذه الفواتح على الظاهر منها، وهو أنها حروف من حروف المعجم، تنطق بأسمائها ويمد كل حرف منها مداً مثقلاً إذا كان هجاؤه ثلاثة أحرف: أوسطها مد وآخرها حرف ساكن مدغم فيما بعده، ويمد كل حرف منها مداً مخففاً إذا كان هجاؤه ثلاثة أحرف: أوسطها مد وآخرها ساكن غير مدغم. فليست لهذه الحروف المقطعة معان غير مسمياتها حتى يتكون منها الكلام. أما من حيث القطع في معانيها الحقيقة في أنفسها وبيان المراد منها في أوائل السور، فلم يرد في ذلك شيء صحيح من كتاب أو سنة؛ لذا نقول: الله أعلم بمراده، ومن الكف عن الخوض فيما لا سبيل إلى علمه إذا لم يرتبط بذلك حكم أو تكليف، فيكفي تدبر هذه الفواتح على الأسلوب الذي جاءت به في المصحف الشريف. نكتفي بهذا القدر فيما يتعلق بالكلام على الفواتح، وإنما أطلت النفس فيه، باعتبار أن هذا سنحتاجه فيما بعد إن شاء الله، فسنحيل على هذا البحث الذي ذكرناه هنا.
تفسير قوله تعالى: (كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين) قال تعالى: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف:2]. ((المص)) تقدم الكلام عليه. ((كتاب)) أي: هذا الكتاب، ((أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه)) أي: لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغه، مخافة أن يكذبوك، أو أن تقصر في القيام بحقه. فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخاف قومه، وتكذيبهم له، وإعراضهم عنه وأذاهم له، فكان يضيق صدره من الأذى ولا ينبسط له، فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم، لأن في الحديث: (وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً قلت: يا رب! إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة). فهذا يدل على أنه عليه السلام كان يشفق من أذى قومه ويضيق صدره لذلك، ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} [هود:12]. والشنقيطي رحمه الله تعالى قال في تفسير قوله: ((فلا يكن في صدرك حرج منه)): قال مجاهد وقتادة والسدي: حرج أي: شك، أي: لا يكن في صدرك شك في كون هذا القرآن حقاً. وعلى هذا القول، فالآية كقوله تعالى: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ} [يونس:94] وقوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ} [يونس:94]، يقرن إثبات أحقية القرآن وأنه من عند الله بالنهي عن المراء. وعلى هذا التفسير لا يكون الخطاب حقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ بل ظاهره للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد نهي غيره عن الشك في القرآن، كقول الشاعر: إياك أعني واسمعي يا جاره وكقوله تعالى: {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان:24]، فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يطيع منهم آثماً أو كفوراً، لكن المقصود غيره، وقد يصرح به أحياناً في القرآن والمراد غيره مثل: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق:1]. وقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65]، فالرسول عليه السلام معصوم من الذنوب ومن الآثام، فكيف لا يعصم من الشرك عليه الصلاة والسلام؟! فهو لا يمكن أبداً أن يصدر منه شرك، وكذا قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} [البقرة:120]، وهو معصوم من ذلك أيضاً عليه الصلاة والسلام، ولكن الله يخاطبه؛ ليوجه الخطاب إلى غيره في ضمن خطابه صلى الله عليه وسلم. فهذا هو الاحتمالالذي ذكره الشنقيطي في قوله: (فلا يكن في صدرك حرج منه) أي: مرية أو شك. أما جمهور العلماء فمذهبهم أن المراد بالحرج في الآية هو: الضيق، كما بينه القاسمي رحمه الله؛ لأن تحمل عداوة الكفار والتعرض لبطشهم مما يضيق به الصدر، وكذلك تكذيبهم له صلى الله عليه وسلم مع وضوح صدقه بالمعجزات الباهرات، مما يضيق به الصدر، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} [هود:12]، وقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر:97]، وقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6]، وقوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:3]، ويؤيده أيضاً: أن الحرج في لغة العرب: الضيق، ومنه قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ} [النور:61] وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] أي: ضيق، وقوله: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام:125] حرجاً أي: شديد الضيق. إلى غير ذلك من الآيات. قال تعالى: ((لِتُنذِرَ)) أي تنذر المشركين، ((به)) يعني: بهذا الكتاب المنزل، ((وذكرى للمؤمنين)) أي: عظة لهم. ولا ينافي ما ذكرناه من أن الإنذار للكفار والذكرى للمؤمنين، أنه قصر الإنذار على المؤمنين دون غيرهم في قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس:11] لأنه لما كان الانتفاع بالإنذار مقصوراً على المؤمنين صار خصهم بالذكر؛ لأن ما لا نفع فيه فهو كالعدم، ومن أساليب العرب أنهم يعبرون عن قليل النفع بأنه لا شيء، فالذي لا ينتفع بالسمع يعتبره العرب أصم، والذي لا ينتفع بالنظر يعتبره العرب كالأعمى، وهذا سر نفي هذه الحواس عن هؤلاء الكفار. والإنذار يطلق في القرآن إطلاقين: أحدهما: عام لجميع الناس، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر:1 - 2] أي: كل الناس. وقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]، وهذا الإنذار العام هو الذي قصر على المؤمنين قصراً إضافياً في قوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ} [يس:11]، وإنما قصر على المؤمنين لأنهم هم المنتفعون بالذكر دون غيرهم. النوع الثاني من الإنذار: إنذار خاص بالكفار؛ لأنهم هم الواقعون فيما أنذروا به من النكال والعذاب، فهو الذي يذكر في القرآن مبيناً أنه خاص بالكفار دون المؤمنين، كقوله: {لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [مريم:97]، وقوله هنا: ((لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)). والإنذار في اللغة العربية هو: الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام وليس كل إعلام إنذاراً.
تفسير قوله تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون)
تفسير قوله تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون) قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف:3]. خطاب منه تعالى لكافة المكلفين باتباع ما أنزل وهو القرآن الكريم. وفي قوله تعالى: ((اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم)) عموم، فيشمل كلّ ما أنزل من الله سبحانه وتعالى في الوحي، والوحي وحيان: قرآن وسنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه). والأدلة على أن السنة وحي كثيرة جداً، وحيثما وردت الحكمة مقترنة بالقرآن في سياق الامتنان على هذه الأمة، فالمقصود بها السنة، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة:142 - 143]. فهذه الآية يؤخذ منها أن الذي شرع استقبال بيت المقدس في الصلاة هو الله سبحانه وتعالى لكن بواسطة الوحي لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولم ينزله في القرآن؛ لأن ربنا يقول: ((وما جعلنا)) وليس المصدر الوحيد للتشريع هو القرآن، كما يقول ملحد ليبيا وأذنابه: إن المصدر الوحيد للتشريع هو القرآن!! والله المستعان، اللهم أرح المسلمين من هؤلاء الأشرار. فلنفترض إن المصدر الوحيد هو القرآن الكريم، فأين في القرآن الكريم الآية التي تأمر المسلمين باستقبال بيت المقدس في الصلاة؟! فتشوا فلن تجدوا هذا في القرآن، ولم يوجد هذا إلا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ويقول سبحانه وتعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3 - 4]، وهنا لم يقل: (وما ينطق بالهوى)، وإنما قال: ((وما ينطق عن الهوى)) لتنزيه المصدر نفسه، فدل على أن كلّ ما يتكلم به النبي صلى الله عليه وسلم في أمور الدين وحي من الله عز وجل. قال السيوطي في الإكليل: استدل به بعضهم على أن المباح مأمور به؛ لأنه من جملة ما أنزل الله وقد أمرنا باتباعه بقوله ((اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ)) قال: إن معناها أن المباح مأمور به؛ لأنه مما أنزله الله، وقد أمرنا الله باتباعه فهو مأمور به، يقول القاسمي: وهذا غلو في الاستنباط وتعمق بارد، وهذا من التكلف المرفوض، ويرحم الله القائل: إذا اشتد البياض صار برصاً، فينبغي عدم التنطع والتعمق في الاستنباط بهذه الصورة. ((وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)) أي: لا تتبعوا أولياء غيره تعالى من الجن والإنس، فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع. ((قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)) أي: ما تتعظون إلا قليلاً، حيث لا تتأثرون ولا تعملون بموجبه، وتتركون دينه تبارك وتعالى وتتبعون غيره.
تفسير قوله تعالى: (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا إنا كنا ظالمين)
تفسير قوله تعالى: (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا إنا كنا ظالمين) قال تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ * فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف:4 - 5]. ((وكم من قرية أهلكناها)) أي: أردنا إهلاكها ودليل ذلك سياق الآية: ((فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون)) فلو كانت كلمة (أهلكناها) تعني أن قد أهلكناها؛ لكانت أهلكت بالفعل وانتهت، لكن المقصود هنا: أردنا إهلاكها بسبب أنهم خالفوا ما أنزل إليهم من ربهم، وهو المشار إليه في الآيات السابقة. ((فجاءها بأسنا)) أي: فجاء أهلها عذابنا. ((بياتاً)) أي بائتين في الليل، والبيتوتة: الدخول في الليل، يعني أهلكناها ليلاً قبل أن يصبحوا. ((أو هم قائلون)) يعني: نصف النهار، لأن هذا وقت القيلولة، كقوم شعيب، والمعنى: فجاءها بأسنا غفلة وهم غير متوقعين له، ليلاً وهم نائمون، أو نهاراً وهم قائلون وقت الظهيرة، وكل ذلك وقت الغفلة، والمقصود أنه جاءهم العذاب على حين غفلة منهم، من غير تقدم أمارة تدلهم على وقت نزول العذاب، وفي هذا وعيد وتخويف للكفار، كأنهم قيل لهم: لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة، فإن عذاب الله إذا نزل نزل دفعة واحدة، ونظيرها قوله: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأعراف:97 - 98] إلى آخر الآية ثم بعد ذكره تعالى لعذابهم الدنيوي أتبع ذلك ببيان عذابهم الأخروي، فقال عز وجل: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف:6]. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف:4]: خوف الله تعالى في هذه الآية الكريمة الكفار الذين كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أهلك كثيراً من القرى؛ بسبب تكذيبهم الرسل، فمنهم من أهلكها بياتاً يعني: ليلاً، ومنهم من أهلكها وهم قائلون، أي: في حال قيلولتهم، والقيلولة: الاستراحة وسط النهار، يعني: فاحذروا تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا أنزل بكم مثلما أنزلت بهم. أوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الأنعام:10]، وقال عز وجل: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج:45]، وقال عز وجل: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص:58]، وقال أيضاً: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد:10] فقوله تعالى بعدها: (وللكافرين أمثالها) بيان للغاية التي من أجلها سيق هذا الأمر، {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [محمد:10]، فبعد أن يبين أنه يريد من هذا تهديدهم قال: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد:10] يعني: إن فعلتم مثلهم كانت لكم نفس العاقبة. وقد هدد تعالى أهل القرى بإتيان عذابه ليلاً في حالة النوم، أو ضحىً في حالة اللعب، قال عز وجل: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأعراف:97 - 98] وهدد أمثالهم من الذين مكروا السيئات بقوله تعالى: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النحل:45 - 47]، ومعنى (معجزين): فائيتن، أي: لن تفوتوا ولن تهربوا من عذاب الله سبحانه وتعالى. وقوله: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف:5]، فهذه القرى الكثيرة التي أهلكها الله في حال البيات أو في حال القيلولة، لم يكن لهم من الدعوى إلا اعترافهم بأنهم كانوا ظالمين، أوضح هذا المعنى في قوله عز وجل: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ} [الأنبياء:11 - 12]، يركضون: أي يحاولون أن يهربوا منها {لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء:11 - 15]: يعني: جعلوا يقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين، يا ويلنا إنا كنا ظالمين، حتى استأصلهم العذاب. قال الحافظ ابن جرير رحمه الله تعالى: في هذه الآية دلالة واضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم)، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم)، قال الراوي: قلت لـ عبد الله بن مسعود: كيف يكون ذلك؟ قال: فقرأ هذه الآية: ((فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين)) يعني: هذا العذاب نحن نستحقه عن جدارة واستحقاق، وليس ظلماً من الله سبحانه وتعالى، بل نحن الظالمون، فلا يهلكهم الله حتى يصرحوا هم بأنفسهم أن هذا بسبب ظلمهم.
تفسير قوله تعالى: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين)
تفسير قوله تعالى: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين) قال تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف:6]. ((الذين أرسل إليهم)) المرسَل إليهم وهم الأمم، يسألهم عما أجابوا به رسلهم، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65]. ((ولنسألن المرسلين)) عما أجيبوا به، كما قال سبحانه: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} [المائدة:109]، والمراد ب Q توبيخ الكفرة وتقريعهم. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف:6]، لم يبين هنا الشيء المسئول عنه المرسلون ولا الشيء المسئول عنه الذين أرسل إليهم؟ وبين في مواضع أخر أنه يسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، ويسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم، قال في الأول: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} [المائدة:109]؟ وقال في الثاني: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65]، وبين في موضع أخر أنه يسأل جميع الخلق عما كانوا يعملون يقول عز وجل: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر:92 - 93]. وهنا إشكال معروف وهو أنه تعالى قال هنا: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف:6] وقال أيضاً: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر:92] وقال: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات:24]، وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة، مع أنه قال: {وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص:78]، وقال: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ} [الرحمن:39]. فهذه من الآيات الكريمة التي توهم الاضطراب في ظاهرها، فما الجواب عن هذا؟ يقول: اعلم أولاً أن السؤال المنفي في الآيات المذكورة، أخف من السؤال المثبت فيها، فالسؤال المنفي السؤال عن الذنب: ((ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون)) ((فيومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان)) فيتضح من ذلك أن سؤال الرسل ليس عن ذنب فعلوه، فلا مانع من وقوعه، وكذلك الموءودة فإنها كانت مظلومة، فستسأل لكن لا عن ذنب والمنفي إنما هو خصوص السؤال عن ذنب، مع أنه ورد في أدلة عامة عن السؤال؛ لكن لا عن الذنوب. ويزيد ذلك إيضاحاً قوله تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} [الأحزاب:8]، وبعد سؤاله لعيسى المذكور في قوله: {أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة:116]، قال سبحانه وتعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة:119]. والسؤال عن الذنوب المنفي في الآيات المراد به: سؤال الاستخبار والاستعلام، لأن علمه جل وعلا محيط بكل شيء، ولا ينافي نفي هذا النوع من السؤال ثبوت نوع آخر منه، وهو سؤال التوبيخ والتقريع؛ لأنه نوع من أنواع العذاب، ويدل لهذا أن سؤال الله للكفار في القرآن كله توبيخ وتقريع، كقوله: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ} [الصافات:24 - 25] فهذا سؤال المقصود به: التوبيخ، والتقريع، والتبكيت، والإيلام، والإهانة: {مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ} ومثله أيضاً قوله تعالى: {أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ} [الطور:15] فهذا سؤال مقصود به التوبيخ والتقريع إلى غير ذلك من الآيات.
تفسير قوله تعالى: (فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين)
تفسير قوله تعالى: (فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين) قال تعالى: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} [الأعراف:7]. أي: نقص على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم، (بعلم) أي: عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة. ((وما كنا غائبين)) أي: عنهم وعما وجد منهم. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ((فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ)) بين تعالى فيها اطلاعه عليهم في الدنيا، وأخبرهم بأنه جل وعلا لم يكن غائباً عما فعلوه في دار الدنيا، بل هو الرقيب الشهيد على جميع الخلق، المحيط بكل ما فعلوه، من صغير وكبير، وجد هزل، وهذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة:7]. وقوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد:4]، وقوله: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} [يونس:61] إلى آخر الآية. وفي هذه الآية الكريمة الرد الصريح على المعتزلة، القائلين إنه تعالى عالم بذاته لا بصفة قامت بذاته وهي صفة العلم. وهكذا في قولهم: قادر ومريد وحي وسميع وبصير ومتكلم، فيقولون: إنه تعالى عالم بذاته، قادر بذاته، دون أن يتصف بصفة العلم أو القدرة أو السمع أو الحياة أو التكلم إلى آخره، ففي هذه الآية يثبت الله سبحانه وتعالى لنفسه صفة العلم، فيقول عز وجل: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ} [الأعراف:7]، ونظيره قوله: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء:166]، وهي أدلة قرآنية صريحة في بطلان مذهبهم الذي لا يشك عاقل في بطلانه وتناقضه.
تفسير قوله تعالى: (والوزن يومئذ الحق بما كانوا بآياتنا يظلمون)
تفسير قوله تعالى: (والوزن يومئذ الحق بما كانوا بآياتنا يظلمون) قال تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} [الأعراف:8 - 9]. ((والوزن يومئذ الحق)) أي: وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها، وذلك يوم يسأل الله الأمم ورسلهم. ((فمن ثقلت موازينه)) أي: من ثقلت حسناته في الميزان. ((فأولئك هم المفلحون)) أي: الناجون من السخط والعذاب. ((ومن خفت موازينه)) يعني: من خفت حسناته في الميزان. ((فأولئك الذين خسروا أنفسهم)) يعني: بالعقوبة ((بما كانوا بآياتنا يظلمون)) أي: يكفرون. قال السيوطي في الإكليل: في هذه الآية ذكر الميزان والإيمان به، هذه من العقائد التي يجب الإيمان بها، ووزن الأعمال، معناه في الميزان يوم القيامة، قيل: الأعمال نفسها هي التي توزن، وإن كانت الأعمال أعراضاً إلا أن الله سبحانه وتعالى يقلبها يوم القيامة أجساماً توزن. قال البغوي: يروى هذا عن ابن عباس كما جاء في الصحيح: (أن البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة). ومن ذلك ما ثبت في الصحيح في قصة القرآن، عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يشفع لصاحبه فيقول: أنا الذي أسهرت ليله واظمأت نهاره). وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر: (فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح)، وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق. فالذنوب والمعاصي تتجسد هناك، وتتصور بصورة النار، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة:49]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء:10]، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم في حق من يشرب من إناء الذهب والفضة: (إنه إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، ولا بُعد في ذلك، ألا يرى أن العِلْم يظهر في عالم المثال على صورة اللبن -لعله يقصد بذلك تأويل اللبن في المنام بالعلم، من حديث عمر حينما وسقاه النبي في المنام لبناً فأول ذلك بالعلم- فهذا هو القول الأول: أن الأعمال هي التي توزن. والقول الثاني: إن الذي يوزن هو صحائف الأعمال التي كتبتها الملائكة، ويبينه حديث البطاقة، وهو الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يستخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب! فيقول الله: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، وإنه لا ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة مكتوب فيها: أشهد أن لا إله إلا الله فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم) فهذا دليل على أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال؛ لأن هذا الرجل وزنت سجلاته التي فيها أعماله وفيها الشهادة. والقول الثالث: أن الذي يوزن هو صاحب العمل، فالإنسان نفسه هو الذي يوزن، كما في الحديث: (يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة، ثم قرأ قوله تعالى: ((فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)) [الكهف:105]). وفي مناقب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتعجبون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد)، فمعنى ذلك أن ساقي ابن مسعود رضي الله عنه ستوزنان في الميزان. قال الحافظ ابن كثير: وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحاً، فتارة يوزن الأعمال، وتارة يوزن محلها، وتارة توزن فاعلها. والله تعالى أعلم. يقول الشيخ صديق حسن خان رحمه الله في فتح البيان راداً على الذين أولوا وقالوا: المقصود بالميزان الفصل في القضاء والحكم بالعدل إلى آخر هذه العبارات التي يقولها من استبعدوا هذه الأقوال المدعمة بهذه الأدلة؛ يقول: وأما المستبعدون لحمل هذه الظواهر على حقيقتها، فلم يأت في استبعادهم شيء من الشرع يرجع إليه.
الأعراف [31 - 46]
تفسير سورة الأعراف [31 - 46]
تفسير قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد إنه لا يحب المسرفين)
تفسير قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد إنه لا يحب المسرفين) قال تبارك وتعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:31]: ((يا بني آدم خذوا زينتكم)) المقصود هنا: الزينة من اللباس. ((عند كل مسجد)) إذا قلنا: إن المسجد يعني اسم مكان، فسيكون معناها: خذوا زينتكم عند كل بيت بني للعبادة، وإذا قلنا: إن المسجد مصدر فسيكون المقصود من قوله: ((خذوا زينتكم عند كل مسجد)) أي: عند كل سجود، أي: كلما هممتم بالصلاة والعبادة فخذوا زينتكم، فإن العبادة أولى أوقات التزين. ((وكلوا واشربوا)) يعني: أيام الحج لتتقووا على العبادة. ((ولا تسرفوا)) يعني: إسرافاً يوجب الانهماك في الشهوات ويشغل عن العبادة، أو: لا تحرموا الطيبات من الرزق واللحم والدسم. ((إنه لا يحب المسرفين)) أي: المعتدين.
سبب نزول هذه الآية أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت عراة
سبب نزول هذه الآية أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت عراة روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كانت المرأة تطوف في البيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافاً تجعله على فرجها) والتطواف هو: ثوب تلبسه المرأة تطوف به. وكانوا في الجاهلية يطوفون عراة ويرمون ثيابهم ويتركونها ملقاة على الأرض، ولا يأخذونها أبداً، بل يتركونها تداس بالأرجل حتى تبلى، ويسمى: اللقاء، حتى جاء الإسلام، فأمر الله سبحانه وتعالى بستر العورة فقال تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يطوف بالبيت عريان). فالمقصود هنا: ستر العورات إبطالاً لما كان عليه الجاهليون من الطواف عراة. يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول: (اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله) فنزلت هذه الآية الكريمة: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31]. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: فأمرهم الله تعالى أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا. وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً في هذه الآية قال: كان رجال يطوفون في البيت عراة فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس، وهو ما يواري السوءة، وما سوى ذلك من زينة البز والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد. وأخرج أبو الشيخ عن طاوس قال: أمروا بلبس الثياب. وأخرج من وجه آخر عنه قال: الشملة من الزينة. وقال مجاهد: كان حي من أهل اليمن إذا قدم أحدهم حاجاً أو معتمراً يقول: لا ينبغي لي أن أطوف في ثوب قد عصيت فيه، فكان يقول الواحد منهم: من يعيرني مئزراً، فإن قدر عليه وإلا طاف عرياناً، فأنزل الله تعالى فيه ما تسمعون: ((خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا)). وقال الزهري: إن العرب كانت تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس هم: قريش وأحلافهم، فمن جاء من غير الحمس وضع ثيابه وطاف في ثوب أحمسي، ويرى أنه لا يحل له أن يلبس ثيابه، فإن لم يجد من يعيره من الحمس فإنه يلقي ثيابه ويطوف عرياناً، وإن طاف في ثياب نفسه ألقاها، يعني: إذا قضى طوافه جعلها حراماً عليه؛ فلذلك قال تعالى: ((خذوا زينتكم عند كل مسجد)) والمراد من الزينة: لبس الثياب التي تستر العورة. قال مجاهد: ما يواري عوراتكم ولو عباءة. وقال ابن كثير: هكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك ومالك عن الزهري، وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها، إنها نزلت في طواف المشركين بالبيت عراة. انتهى كلام ابن كثير. يقول القاسمي: فظهر أن المراد بالزينة ما يستر العورة؛ لأنه اللازم المأمور به الذي بينه سبب النزول، دون لباس التجمل المتبادر منه. وذلك أن أول ما يتبادر للذهن من كلمة (زينة) أن الزينة تعني الرياش أو الأشياء التي يتجمل بها الإنسان وهي من قبيل الكماليات أو التحسينيات؛ لكن إذا رجعنا إلى سبب النزول، نعرف أن هذا ليس هو المقصود، وإنما المقصود بصفة أصيلة ما يواري العورات؛ لأن المستفاد من قوله: (خذوا) هو وجوب الأخذ، فهو أمر، وظاهر الأمر الوجوب، فالذي يجب أن يلبسه الإنسان هو ما يستر به العورة. ولباس التجمل مستحب وليس واجباً، قاله الشهاب.
الزينة لفظ يطلق على كل ما يستر العورة
الزينة لفظ يطلق على كل ما يستر العورة وأقول: دلت الآية بما أفاده سبب نزولها، على أن الزينة لا تختص لغة بالجيد من الثياب كما توهم كلمة الزينة، التي تستعمل كرياش أو للتجمل فقط، لكن الزينة لفظ يطلق أيضاً على ما يستر به العورة. وفي التهذيب: الزينة اسم جامع لكل شيء يتزين به. وقال الحرالي: الزينة تحسين الشيء بغيره، من لبسة، أو حلية، أو هيئة. وقال الراغب: الزينة الحقيقية ما لا يشين الإنسان في شيء من أحواله، لا في الدنيا لا في الآخرة. ونقل الرازي إجماع المفسرين على أن المراد بالزينة: لبس الثياب التي تستر العورة، قال: والزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات، قال: وأيضاً فإنه تعالى قال في الآيات المتقدمة: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا} [الأعراف:26]، فبين أن اللباس الذي يواري السوءة من قبيل الرياش والزينة. ثم إنه تعالى أمر بأخذ الزينة في هذه الآية، فوجب أن يكون المراد من هذه الزينة هو الذي تقدم ذكره في تلك الآية، وهي قوله: ((قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا))، ما وظيفته؟ ((يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا)). وأيضاً فقوله: خذوا زينتكم: أمر، والأمر للوجوب فثبت أن أخذ الزينة واجب، وكل ما سوى اللبس فغير واجب، فوجب حمل الزينة على اللبس عملاً بالنص بقدر الإمكان.
من الزينة في الصلاة لبس النعال إذا أمنت الفتنة
من الزينة في الصلاة لبس النعال إذا أمنت الفتنة وقد روى بعض المفسرين ما يدل على أن الآية نزلت في الصلاة في النعال، هذا روي عن أنس رواه الحافظ ابن مردويه، من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي عن قتادة عن أنس مرفوعاً، وعن أبي هريرة مثله، وقال ابن كثير: وفي صحته نظر، والله تعالى أعلم، يعني أنه من حيث السند غير صحيح وفيه نظر، أما من حيث المعنى فالمعنى صحيح؛ لأن النعال مما تشمله الزينة، وقد أسلفنا في المقدمة أن قولهم: نزلت في كذا لا يقصد به أن حكم الآية مخصوص به، بل مخصوص بنوعه، فتعم ما أشبهه. والأحاديث في مشروعية الصلاة في النعال كثيرة جداً، منها: حديث سعيد بن يزيد قال: (سألت أنساً أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم)، وهذا متفق عليه. وقال العراقي في شرح الترمذي: وممن كان يفعل ذلك -يعني لبس النعل في الصلاة- عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وعويمر بن ساعدة وأنس بن مالك وسلمة بن الأكوع وأوس الثقفي، وذكر عدداً كبيراً من التابعين كانوا يصلون في النعال. وقد ثبت أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما)، وكذا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حافياً ومنتعلاً). فإذاً يمكن على هذا الأساس إدراج لبس النعال على أنه من الزينة التي يتخذها الإنسان عند الصلاة، والمقصود بالصلاة في النعال أن الإنسان يصلي حسبما يتيسر له الحال، فإن كان منتعلاً يصلي منتعلاً، ولا يتكلف خلع النعل من أجل الصلاة، وإن كان حافي القدمين فلا يتكلف لبس النعلين لأجل الصلاة، وهذا بشرط ألا يؤذي من في المسجد، فإذا كانت المساجد -كما هو الحال الآن- مفروشة بالبسط والسجاجيد، وكثرة توارد الأقدام بالأحذية عليها مما يؤذي الناس ويلوث ثيابهم، فهنا: (لا ضرر ولا ضرار)، وفي مثل هذه الحالة ليس من الحكمة أن يتعمد الإنسان لبس النعل ويصلي فيها، ويستفز مشاعر الناس ويؤذيهم، لكن على الأقل ينبغي عليه أن يعلم الناس أن هذه سنة. وأحياناً يحتاج الإنسان إلى الصلاة في النعال، كأن يكون المسجد مزدحماً، والصفوف موجودة في خارج المسجد، وهو يريد أن يلتحق بها بسرعة، وليس هناك شيء مفروش على الأرض، ففي هذه الحالة يصلي بدون أن يتكلف خلع النعل حتى لا يفوته جزء من الصلاة، فيصلي بالنعلين، والناس الآن بسبب شدة غربة الإسلام، وشدة تفشي الجهل بينهم، يستقبحون أن يصلي الإنسان في النعل، وهذا بسبب جهلهم بالسنة، وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح.
الاستدلال بالآية على اشتراط وجوب ستر العورة عند الطواف
الاستدلال بالآية على اشتراط وجوب ستر العورة عند الطواف دلت الآية أيضاً على وجوب الستر عند الطواف؛ لأنه سبب النزول، خلافاً لبعض المذاهب ممن يرى أن ستر العورة ليس بواجب في الطواف، ولكن هذه الآية؛ لأن سبب نزولها هو حال المشركين الذين كانوا يطوفون عراة، فنزلت الآية توجب ستر العورة في أثناء الطواف؛ لأن الطواف صلاة، والفرق بين الطواف وبين الصلاة: أن الله سبحانه وتعالى أباح فيه الكلام. قالوا: واللفظ شامل للصلاة لأنها مفعولة في المسجد: ((خذوا زينتكم عند كل مسجد)) فيستدل بنفس هذه الآية -أيضاً- على أحد شروط الصلاة وهو ستر العورة، فهذه الآية يصح الاستدلال بها على اشتراط ستر العورة في الطواف وفي الصلاة.
مشروعية التجمل عند الصلاة استدلالا بالآية
مشروعية التجمل عند الصلاة استدلالاً بالآية وقد حاول بعض العلماء استنباط التجمل عند الصلاة من هذه الآية، حيث قال: لما دلت على وجوب أخذ الزينة لستر العورة في الصلاة، فهم منها في الجملة حسن التزين بلبس ما فيه حسن وجمال فيها. هذه الآية هي أساساً في الأمر بالزينة الأساسية التي هي ستر العورة، لكن يفهم من روح الآية أيضاً أنها تندب المسلم إلى أن يحسن هيئته إذا أراد أن يصلي أو أن يذهب إلى المسجد، خاصة في الجماعات وفي صلاة الجمعة والأعياد وغير ذلك. قال الكيا الهراسي: ظاهر الآية الأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد للفضل الذي يتعلق به، تعظيماً للمسجد والفعل الواقع فيه، فالإنسان إذا لقي صديقه، أو قريبه، أو صاحب وجاهة أو سلطة، فإنه يتزين ويهتم بمظهره، فأولى أن يهتم الإنسان بمظهره وزينته إذا أراد أن يقف بين يدي الله عز وجل، وكان بعض السلف يختار أحسن وأفضل ما قدر عليه من الثياب حينما يلقى الله سبحانه وتعالى في الصلاة. وقال ابن الفرس: استدل مالك بالآية على كراهية الصلاة في مساجد القبائل بغير أردية. وهذا يعني أن الزينة مسألة نسبية، خاضعة لحال المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، فينظر كيف تكون زينتهم فلا يتعمد أن يشذ عن ملابس القوم الذين يعيش فيهم، لكن بشرط أن يكون هؤلاء ملتزمين بالشرع، وملابسهم على هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومن غرائب الغلو في انتزاع المعاني من الآيات، ما ذهب إليه بعض الناس من أنه لا يجوز للمرأة أن تصلي بغير قلادة أو قرطين! باعتبار أن هذه زينة. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة، يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب لأن الطيب من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل اللباس البياض؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم)، وروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين: أن تميماً الداري اشترى رداءً بألف وكان يصلي فيه.
وجه الربط بين الأمر في قوله: (خذوا زينتكم) وقوله بعدها: (وكلوا واشربوا)
وجه الربط بين الأمر في قوله: (خذوا زينتكم) وقوله بعدها: (وكلوا واشربوا) وهنا سؤال وهو: لماذا أتبع الله سبحانه وتعالى الأمر في قوله: ((خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ))، بقوله: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا))، فما وجه الربط بين هذين الأمرين؟ يقول: إن بني عامر كانوا لا يأكلون في أيام حجهم إلا قوتاً، ولا يأكلون دسماًً، يعظمون بذلك حجهم، أي أنهم كانوا يعتبرون الامتناع عن أكل الشحوم والدهون من تعظيم الحج، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل ذلك يا رسول الله، فأنزل الله عز وجل: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا)). وقال السدي: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك ما أقاموا في الموسم -يعني الشحم- فقال الله تعالى لهم: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)، فسر الإسراف بمجاوزة الحد فيما أحل، وذلك بتحريمه.
وجوه الإسراف
وجوه الإسراف وقيل: تدل الآية على المنع من الإسراف، وهو على وجهين: أولهما: إنفاق في معصية، كأن يصرف الإنسان أمواله في القمار واللعب والزنا والخمر ونحوها. وثانيهما: أن يتعدى الحدود، وذلك مختلف بحال اليسار والإعسار، أي: أن موضوع الإسراف فيما أباحه الله سبحانه وتعالى بتعدي الحدود المعقولة، أمر نسبي يتفاوت بتفاوت أحوال الناس، فمثلاً الإسراف في حق الرجل الذي عنده قدر يسير من المال، أن ينفقه في ضيافة أو في طيب أو في ثياب خز، فهذا ترف محرم؛ ولذلك فإن قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة:3]، بينه قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة:219] يعني: ما فضل عن النفقة الأساسية، وهي نفقة الأهل والأولاد وغير ذلك من أنواع النفقة الواجبة، ولهذا لا يكون التصدق إلا بعد أداء الفريضة أولاً، لأن التطوع يكون بعد الفريضة، فكذلك الإنسان الذي عنده مال محدود يحتاجه هو وعياله وأطفاله، فإذا أنفقه في إكرام الناس بالضيافات أو بالطيب أو بثياب فخمة فهذا بلا شك إسراف؛ لأنه هو نفسه وأولاده ومن يعولهم يحتاجون إلى هذا المال. ومثل هذا القدر من المال الذي ينفقه في الطيب أو في الملبس الجيد رجل موسر، نسبة هذا المال إلى ماله نسبة قليلة، لا تفقره ولا تضره، فمثل هذا في الموسرين لا يقبح، وإذا اشترى هذا الموسر طيباً أو ثياباً جيدة فهذا لا يكون في حقه من الإسراف. فإذاً موضوع الإسراف موضوع نسبي، والعبرة بأن يؤدي الإنسان ما عليه، خاصة من الزكاة. وتدل الآية على أن الأشياء على الإباحة: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا))، والعقل يدل على ذلك؛ لأنه تعالى خلقه لمنافعهم، والسمع ورد مؤكداً، ولذلك قال: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ)) يعني: معناها أنه لا يطالب بدليل سمعي، فكلمة: (من حرم) يعني: ائتونا بدليل سمعي يدل على أن الله سبحانه وتعالى حرم ما تذكرون، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا، من غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده)، وقال البخاري: قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان: ترف أو مخيلة. هذا هو الضابط في النفقة: (كل ما شئت والبس ما شئت) ما لم تقع في إحدى هاتين الاثنتين، وهما الإسراف أو المخيلة، والتكبر على عباد الله عز وجل. وقال الشهاب: هذا لا ينافي ما ذكره الثعالبي وغيره من الأدباء: أنه ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي، ويلبس ما يشتهيه الناس. نصيحة نصيحة قالت بها الأكياس كل ما اشتهيت والبسن ما اشتهته الناس ((إنه لا يحب المسرفين)) وعيد وتهديد لمن أسرف في هذه الأشياء؛ لأن من لم يحبه الله سبحانه وتعالى لم يرض عنه. ثم ذكر القاسمي هنا كلاماً مفصلاً في الربط بين قواعد الصحة الغذائية في قوله تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) فذكر أن هذه الآية الكريمة جمعت الطب كله، ثم نقل عن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى ما يدل على اشتمال التنزيل العزيز على أصول الطب واشتمال السنة المطهرة على بدائعه في كتابه زاد المعاد، فتكلم بالتفصيل عن أمراض القلوب وعلاجها من القرآن الكريم والسنة، فبين أن أمراض القلوب إما مرض شبهة وشك، وإما مرض شهوة وغي، وبين أيضاً أمراض الأبدان، وتكلم عنها بالتفصيل، ثم تكلم عن الحمية التي هي الوقاية، ثم فصل بعد ذلك في الكلام على طب القلوب، وذكر كلاماً كثيراً جداً، لكن لضيق الوقت لن نفصله. ونحن الآن حالنا في الحقيقة من أعجب الأحوال، يعاني كثير من الناس الآن من أمراض السمنة التي تنشأ من كثرة الأكل وعدم الانضباط في تناول الطعام والشراب، أو الإسراف الذي نهى الله عنه في هذه الآية، ثم ينفقون من الأموال القدر العجيب في سبيل أن يحافظوا على نظام غذائي معين، من أجل أن يوقف وزنه! ولو أن الواحد منهم التزم بالهدي القرآني: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) ما احتاج إلى ما وقع فيه من هذه السمنة، ولا ما وقع فيه من الكلفة التي تكلفها في سبيل التحرر من هذه الأوزان الزائدة، فهذا أيضاً من الحيدة عن الاعتدال: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين).
تفسير قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون)
تفسير قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف:32]. ((قل)) أي: لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وبطباعهم. ((من حرم زينة الله)) يعني: من الثياب وسائر ما يتجمل به، (التي أخرج لعباده) يعني: أخرجها من النبات كالقطن والكتان، وأخرجها من الحيوان: كالحرير والصوف، ومن المعادن كالدروع، هكذا عمم المفسرون هنا. (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) أي: من المستلذات من المآكل والمشارب. قال المهايمي: إن زعموا أن التزين والتلذذ ينافيان التذلل -الذي هو العبادة- فيحرمان معها فأعلمهم أنه قد أخرجها لعباده الذين خلقهم لعبادته، ليتزينوا بها حال العبادة. وهذا طبعاً كان مفهوماً طارئاً على الإسلام، وإن كانت الصوفية قد اقتبسته من الرهابنة ومن نساك النصارى، وهو أن كل ما يتمتع به الإنسان من ملاذ الدنيا، فهو مضاد لعبادة الله سبحانه وتعالى، فيزعمون أن التزين والتلذذ ينافي ويضاد التذلل والعبادة، ولهذا حرموا هذه الطيبات لأنها تنافي عبادة الله سبحانه وتعالى. فهذه الآية ترد على هؤلاء، حيث أعلمهم سبحانه وتعالى فيها أنه قد أخرج هذه الطيبات لعباده الذين خلقهم لعبادته ليتزينوا بها حال العبادة، ولذلك أمرنا بالتزين: ((خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)). ((قل من حرم)): ائتونا بدليل ((من حرم زينة الله التي أخرج لعباده))، فهذه الزينة أخرجها لعباده الأتقياء العباد ليتزينوا بها حال العبادة، فعبيد الملوك يحرصون على التزين وأن يظهروا بمظهر لائق أمام سادتهم، ولا ينافي ذلك تذللهم لهؤلاء الملوك، ولله المثل الأعلى، وكذلك الطيبات التي خلقها لتطييب قلوب عباده، فهي نعمة على عباده الموحدين ليشكروه، والشكر عبادة، ويكون على التنعم بنعم الله سبحانه وتعالى، فلا ينافي الشكر العبادة لأن الشكر في حد ذاته عبادة يحبها الله سبحانه وتعالى. بل قد يكون الشكر مدعاة إلى هذه العبادة: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7]، والشكر ليس بالكلام، إنما الشكر بالعمل، {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} [سبأ:13]، وذلك بأن تصرف النعمة في مرضاة مهديها ومعطيها وهو الله سبحانه وتعالى. وفسرت الطيبات في قوله: ((وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)): بالحلال، وفسرت أيضاً: باللحم والدسم الذي كانوا يحرمونه أيام الحج كما تقدم، وفسرت: بالبحائر والسوائب كما قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا} [يونس:59]، إلى آخر الآية. والعبرة بعموم اللفظ، فكل ما ذكر يدخل في الآية دخولاً أولياً. وقوله: ((قل من حرم زينة الله)) هذا اللفظ يتناول جميع أنواع التزين، ومنه تنظيف البدن؛ لأن العرب كان عندها مثل مشهور يقولون: أطيب الطيب الماء، يعني: الإنسان يهتم بنظافة بدنه بالماء نظافة جيدة، ثم بعد ذلك يضع الطيب، وإنما اشتهر الغربيون بالعطور لأنهم ما كانوا يعرفون عادة الاغتسال، وحتى الآن قد يمكث الواحد مدة طويلة قد تزيد على سنة لا يقرب الماء، فلما كانت تتراكم على أجسادهم الروائح الخبيثة والعرق كانوا يجتهدون في اختراع العطور التي تحاول أن تغطي هذه الروائح المنتنة التي تنبعث من أجسادهم، وهم ما عرفوا الاستحمام إلا من المسلمين عندما كانوا في الأندلس، فكان الطلبة يفدون للتعلم من المسلمين، فإذا عادوا نقلوا من المسلمين هذه العادات، حتى إنه لما كان أيام نفي المسلمين من الأندلس وكان من المسلمين من ينكر أنه مسلم بسبب المذابح التي حصلت في محاكم التفتيش، فكانوا يلجئون إلى التعرف على هؤلاء الناس، هل هم مسلمون أم غير مسلمين بأن يفتشوا البيوت، فالبيت الذي فيه حمام هو بيت مسلم، فيقتلون من فيه أو يجبرونه على التنصر، فكانت علامة الإسلام وجود حمام في البيت. فالأوروبيون ما برعوا في صناعة العطور -وبالذات العطور الفارسية المشهورة- إلا بسبب أنهم كانوا يجتهدون في اصطناع العطور التي تغطي الروائح المنبعثة من أجسامهم، وهذا إلى الآن موجود، ومن عاش مع القوم يعرف هذه الروائح الخبيثة التي يكاد الإنسان أن يختنق منها، وهذا كلام حقيقي ليس مجازياً، وفي وقت من الأوقات توقف المصعد ودخل بعض هؤلاء الكفرة، فما وجدت حيلة سوى أني أتوقف تماماً عن التنفس، وإلا فالإنسان يكاد يختنق من خبث روائحهم. فالإسلام دين النظافة، وأهم النظافة هو ما يزيل هذه الروائح، فالإنسان يهتم أولاً بتطييب بدنه بالماء، ثم بعد ذلك يضع العطور ويضع الروائح الطيبة. فالزينة تشمل جميع أنواع التزين ومنه تنظيف البدن، ومنه المركوب، ومنه أنواع الحلي، يعني: حلي النساء، ويدخل تحت الطيبات: كل ما يستلذ ويشتهى من أنواع المأكولات والمشروبات، ويدخل تحته التمتع بالنساء والطيب، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)، ولا حرج في ذلك على الإطلاق، ما دام يصادف ما أحل الله سبحانه وتعالى للمؤمن، ويروى الحديث بلفظ موضوع: (حبب إلي من دنياكم ثلاث)، فكلمة (ثلاث) معناه: إن الصلاة تكون من الدنيا، وفي هذا المعنى نكارة إلى جانب عدم ثبوته. وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، حيث هم عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه بالتبتل والاختصاء كي يتقي الشهوة، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لأن هذا ليس من هدي النبي عليه الصلاة والسلام. وذهب ثلاثة رهط إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فكأنهم تقالوها لما أخبروا بها، فكل واحد أراد أن يسلك مسلكاً من الاجتهاد في العبادة والامتناع عن الطيبات، يظن أنه يقربه إلى الله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد الغضب وقال: (أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، أي: ليس على هديي، وليس على طريقي، وليس على ديني، فانظر كيف زجر بهذا الزجر الشديد الذي يقال غالباً في الكبائر من الذنوب، وذلك لأجل إبطال هذه العادات المقتبسة من الرهابنة ومن غير المسلمين. ودلت الآيات على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإباحة؛ لأن الاستفهام في قوله: (قل من حرم) لإنكار تحريمها على وجه بليغ؛ لأن إنكار الفاعل يوجب إنكار الفعل لعدمه بدونه. وفي الآية رد على من تورع في أكل المستلذات ولبس الملابس الأنيقة، ويمكن أن تراجع التفاصيل في كتاب: تلبيس إبليس، أو نقد العلم والعلماء للإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى. فبعض الناس حكي عنه كما في بعض الكتب أنه كان يتورع عن أكل اللحم، فلما سئل، قال: لا أستطيع أن أؤدي شكره، فأنكر عليه العالم الجليل وقال له: هل تؤدي شكر شربة الماء؟! فالمسألة ليست مقايضة، بمعنى أن تأتي النعمة ونحن نشكر شكراً مكافئاً لها، وإلا فلا يمكن للإنسان أن يتعاطى أي نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى على الإطلاق، فأيهما أهم قطعة اللحم، أم الماء الذي تشربه؟ الماء أهم؛ فلذلك هذا المتفلسف لما امتنع عن أكل اللحم بحجة أنه يخشى ألا يؤدي شكرها، أفحمه ذلك العالم بقوله: هل أنت تؤدي شكر نعمة الماء؟! يعني: إذاً لا تشرب الماء، وإلا فكيف ستؤدي شكر نعمة الماء؟ وما أحسن ما قال ابن جرير الطبري: لقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان، مع وجود السبيل إليه من حله، يعني: ما دام الإنسان يستطيع أن يلبس القطن ويلبس الكتان، وأيضاً أخطأ من أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر، ومن ترك أكل اللحم خوفاً من عارض الشهوة. وبعض الناس أخطأ أيضاً فاستدل بالآية على تجويز الحرير والخز للرجال، فأخرج ابن أبي حاتم عن سنان بن سلمة أنه كان يلبس الخز، فقال له الناس: مثلك يلبس هذا؟ فقال لهم: من ذا الذي يحرم زينة الله التي أخرج لعباده؟ ولكن أخرج عن طاوس أنه قرأ هذه الآية وقال: لم يأمرهم بالحرير ولا بالديباج، ولكن كانوا إذا طاف أحدهم وعليه ثيابه ضرب وانتزعت عنه. وعلى أي الأحوال: فهذه الآية لا تشمل الحرير، وهذا أمر غني عن البيان؛ لأن ما خصه الدليل لا يتناوله العام ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، هذا عام، لكن أتى ما يخصص هذا العام في تحريم الذهب والحرير على الرجال، فاستنباط حله من الآية مردود على قائله. وقوله: ((قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) يعني: زينة الله والطيبات، مخلوقة للذين آمنوا في الحياة الدنيا. أي: هذه الزينة ما خلقها الله سبحانه وتعالى إلا للذين آمنوا في الحياة الدنيا بالأصالة، والكفرة وإن شاركوهم فيها فتبع. أما في الآخرة فلا تحصل هذه المشاركة، بل تكون الطيبات خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، أي: لا يشاركهم فيها غيرهم؛ لأن الله حرم الجنة وما فيها من النعيم على الكافرين. وانتصاب (خالصةً) على الحالية وقرئ بالرفع: (خالصةٌ) خبر بعد خبر. قال المهايمي: إنما خلقت للمؤمنين ليعلموا بها لذات الآخرة، وما خلق الله سبحانه وتعالى في الدنيا شيئاً إلا لجعله أمارة على الآخرة، حتى الحر والقر إنما هو أمارة وعلامة كي يعرف الإنسان إذا أخبر عن الزمهرير، وعن حر جهنم، لأنه إذا لم يذق ذلك ويعانيه فلن يستطيع أن يتخيل هذا العذاب؛ فلذلك جعل الله سبحانه وتعالى من حكمة خلق النعيم والآلام في الدنيا أن تكون
تفسير قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش)
تفسير قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش) قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33]. ((قل)) لا تحرموا من تلقاء أنفسكم ((إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)) يعني: ازهدوا في هذا الحرام، وهي أعلى وأهم درجات، ولاشك أن الزهد يمدح ويستملح حتى في الطيبات، لكن هذا موضوع آخر، فنحن الآن بصدد بيان الزهد الواجب وهو الزهد عن الحرام وليس الزهد عن التمتع بالطيبات. فالطيبات والزينات من المنافع لا تستلزم الوقوع في التكبر أو الانهماك في الشهوات، فهذا أمر غير متحقق، فإذا أفضت إلى ذلك فالحرام هو المفضى إليه بالذات؛ لأنه (إنما حرم ربي الفواحش) يعني: ما تفاحش قبحه من الذنوب وتزايد كالكبائر، والفواحش هي ما تعلق بالفروج: ((مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)) يعني: ما جاهر فيه بعضهم بعضاً، وما ستره بعضهم عن بعض، وما ظهر من أفعال الجوارح، وما بطن من أحوال أو أفعال القلوب. ((والإثم)) يعني: ما يوجب الإثم، وهو عام لكل ذنب، وذكر هنا التعميم بعد التخصيص: وقال بعض المفسرين: إن الإثم هو الخمر، قال الشاعر: نهانا رسول الله أن نقرب الزنا وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا يعني: أن نشرب الخمر. وأنشد الأخفش: شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول ويصدقه قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة:219]، وقال ابن الأنباري: لم تسم العرب الخمر إثماً في جاهلية ولا إسلام، والشعر المذكور موضوع، ورد بأنه مجاز؛ لأنه سببه سبب الإثم، وقال أبو حيان: هذا التفسير غير صحيح هنا، لأن سورة الأعراف سورة مكية، وإنما نزل تحريم الخمر في المدينة بعد غزوة أحد، فلم تكن الخمر قد حرمت وقت نزول هذه الآيات حتى يقال إن الإثم هو الخمر. كذلك الحصر يحتاج إلى دليل، والإثم عام لكل ذنب، فحصره في نوع واحد من الذنوب -وهو الخمر- يحتاج إلى دليل. ((وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)) البغي الاستطالة على الناس وظلمهم، وإنما أفرده بالذكر مع دخوله فيما قبله للمبالغة في الزجر عنه. وقوله: (بغير الحق) متعلق بالبغي، يعني: البغي بغير الحق، وقيل: البغي قد يخرج عن كونه ظلماً إذا كان بسبب جائز في الشرع كالقصاص، إلا أن مثله لا يسمى بغياً حقيقة بل مشاكلة، أي: فإذا أطلق البغي بحق على مثل القصاص فهذا ليس حقيقة، وإنما هذا نوع من المشاكلة، كما في قوله تعالى مثلاً: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل:126]، وكما في قوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]. ((وأن تشركوا بالله)) يعني: وقد حرم الله أن تشركوا به (ما لم ينزل به سلطاناً) أي: برهاناً، والمعنى: ما لم يقم عليه حجة. قال الزمخشري: فيه تهكم، فالله سبحانه وتعالى هنا يتهكم هؤلاء المشركين الذين يشركون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً. لأنه لا يجوز أن ينزل برهاناً بأن يشرك به غيره، وليس من المحتمل أن إنساناً يعبد غير الله أو يشرك بالله ويكون عنده برهان على هذا الباطل، بل هذا مستحيل. وهذا كما في قوله تبارك وتعالى في آخر سورة المؤمنين: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [المؤمنون:117]، فهذه الآية ليس لها مفهوم معتبر، فكل ما عبد من دون الله لا يمكن أن تقوم حجة أو دليل أو برهان على صحة عبادته. قال الرازي: وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بالتقليد باطل، وتبعه البيضاوي فقال: في الآية تنبيه على تحريم اتباع ما لم يدل عليه برهان. ((وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)) يعني: وحرم عليكم أن تقولوا على الله ما لا تعلمون أي: أن تتقولوا عليه الكذب في التحليل والتحريم أو في الشرك. وهذه الآية ذكرت فيها هذه المحرمات من باب التدرج من الأدنى إلى الأعلى. فأكبر الكبائر أن يقول على الله بغير علم، وقد وضح ذلك الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى في: إعلام الموقعين، وبينه بياناً شافياً. وتدل هذه الآية على تحريم جميع الذنوب؛ لأن قوله الفواحش والإثم يشتمل على الصغير والكبير والأفعال القبيحة والعقود المخالفة للشرع والأقاويل الفاسدة والاعتقادات الباطلة. فدخل في قوله: ((ما ظهر منها وما بطن)) أفعال الجوارح وأفعال القلوب والخيانات والمكر والخديعة. ودخل تحت قوله: ((والبغي)) كل ظلم يتعدى فيه على الغير، فيدخل فيه ما يفعله البغاة والخوارج والأمراء إذا انتصروا بغير حق. ودخل تحت قوله: ((وأن تشركوا)) تحريم كل شرك وعبادة لغير الله. ودخل تحت قوله: ((وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)) كل بدعة وضلالة وفتوى بغير حق وشهادة زور ونحو ذلك. فالآية جامعة في المحرمات كما أن ما قبلها جامعة في المباحات، وهي قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف:32]. أما هذه فجامعة في المحرمات: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33]. وفيها تعليم للآداب ديناً ودنيا، وتدل على بطلان التقليد؛ لأنه أوجب اتباع الحجة لقوله: (ما لم ينزل به سلطاناً) والسلطان: الحجة.
تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)
تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34]. وهذه الآية تدل على أن لكل أحد وقت حياة ووقت موت لا يجوز فيه التقديم والتأخير، فيبطل قول من يقول: المقتول مات قبل أجله. ثم أوعد تعالى أهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عنده سبحانه وتعالى كما نزل بالأمم فقال عز وجل: ((ولكل أمة أجل)) أي: مدة أو وقتاً لنزول العذاب بهم. ((فإذا جاء أجلهم)) أي: ميقاتهم المقدر لهم. ((لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)) أي: لا يُتركون بعد الأجل شيئاً قليلاً من الزمان، ولا يهلكون قبله كذلك، والساعة مثل في غاية القلة من الزمان، وليست الساعة الستين دقيقة التي نعرفها.
تفسير قوله تعالى: (يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
تفسير قوله تعالى: (يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ثم أنذر تعالى بني آدم بأنه سيبعث إليهم رسلاً يهدونهم وبشر وأنذر بقوله سبحانه: {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف:35 - 36]. قوله تعالى: ((يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي)) ذكره بحرف الشرط، للتنبيه على أن إتيان الرسل أمر جائز غير واجب، وضمت إليها ما: (إما) لتأكيد معنى الشرط، ولذلك أكد فعلها بالنون الثقيلة أو الخفيفة فقال: ((إما يأتينكم)). والمراد ببني آدم جميع الأمم، وهو حكاية لما وقع مع كل قوم، ولا يدخل في المراد بالرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا خلاف الظاهر. وجواب الشرط قوله تعالى: ((فمن اتقى)) أي: اتقى التكذيب ((وأصلح)) أي: عمله، ((فلا خوف عليهم)) من العذاب ((ولا هم يحزنون)) في الآخرة، لأن سياق الكلام في الرسل السابقين: ((يَا بَنِي آدَمَ)) يعني: الأمم الأخرى، ((إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) * {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا} [الأعراف:36] أي: تكبروا عنها، {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف:36].
تفسير قوله تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين)
تفسير قوله تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) ثم ذكر تعالى وعيد المكذبين الذين تقدم ذكرهم بقوله سبحانه وتعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأعراف:37]. (من أظلم) يعني: لا أحد أظلم، ممن تقول على الله كذباً بالتحليل والتحريم، أو بنسبة الولد والشريك، أو كذب بآيته المنزلة. ((أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ)) يعني: يصيبهم حظهم مما كتب لهم من الرزق والعمر وغير ذلك، مع أنهم ظلموا وافتروا على الله الكذب وكذبوا الرسل، ولكن لا يحرمون ما قدر لهم من العمر والرزق إلى انقضاء آجالهم. وفي الآية وجوه أخر، هذا أظهرها وأقواها في المعنى، وتتمة الآية تدل عليه، وحينئذ تتلاقى مع نظائرها كقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا} [يونس:69 - 70] والمتاع هو نصيبهم من الكتاب يتمتعون به ((أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ))، أي: يصل إليهم رزقهم وعمرهم ومتاعهم؛ ولذلك قال هنا: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} [يونس:69] * {مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس:70]، وهذه الآية نظير قوله هنا: ((أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا))، وهذه مثل قوله: {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} [يونس:70]. ونظير هذه الآية أيضاً قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان:23 - 24]. وقوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} [الأعراف:37]، أي: ملائكة الموت تقبض أرواحهم. ((قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)) أي: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها ليكونوا لكم شفعاء، فلا نراهم يخلصونكم مما تحقق عليكم من هذه الشدائد؟ وفائدة السؤال وجهان: توبيخ وتبكيت لهم يزيدهم غماً إلى غم. ولطف بالمكلف؛ لأنه إذا استحضر ذلك صرفه عن التكذيب، لأنه يتذكر أنه سوف يسأل هذا Q (( أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ)). ((قالوا ضلوا عنا)) أي: غابوا عنا فلم يخلصونا من شيء. ((وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين)) أي: عابدين لما لا يستحق العبادة، واعترفوا بأنهم لم يكونوا على شيء فيما كانوا عليه، وأنهم لم يحمدوه في العاقبة.
تفسير قوله تعالى: (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس)
تفسير قوله تعالى: (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس) قال تعالى: ((قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ)) [الأعراف:38]. ((قال ادخلوا في أمم)) أي: قال الله سبحانه وتعالى لهم في الآخرة: ((ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ))، يعني: في جملة أمم قد مضت. ((من قبلكم من الجن والإنس)) يعني: كفار الأمم الماضية من النوعين من الجن والإنس ((في النار)) أي: انضموا إليهم في جملة واحدة في النار. ((كلما دخلت أمة)) يعني: كلما سقطت وهوت أمة في النار -والعياذ بالله- ((لعنت أختها)) التي قبلها لضلالها بها، تنزل أمة ثم تأتي الأمة التي بعدها فتلقى في النار فتلعن التي قبلها؛ لأنها هي التي دعتها إلى الضلال، كما قال الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [العنكبوت:25] هذا ما نراه اليوم في كثير من الشعارات كقول: بالروح والدم نفديك يا فلان! وغير ذلك من هذه العبارات التي فيها المودة والارتباط والتحزب. {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [العنكبوت:25]. قوله: ((حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا)) أي: تداركوا، بمعنى: تلاحقوا وراء بعض واجتمعوا في النار، فكل الأمم المهلكة دخلت النار واستقرت فيها واجتمعوا جميعاً بعد تتابعهم ولعن بعضهم بعضاً. وفي هذه الحالة بعد الاستقرار معاً في جهنم والعياذ بالله: ((قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ))، والأوائل هم الرؤساء المقدمون، كما قال الله سبحانه وتعالى عن فرعون أنه {يَقْدُمُ قَوْمَهُ} [هود:98] أي: يسوق قومه إلى النار وهو في مقدمتهم، فالذي يدخل العذاب أولاً هم الرؤساء والوجهاء والسلاطين ورؤساء البدع والضلالات والكفر والطواغيت، ثم يتبعهم الأتباع. و ((أخراهم)) الذين هم في الذيل وهم الأتباع. ((قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ)) أي: لأجل أولاهم؛ لأن الخطاب ليس لأولاهم إنما الخطاب هو لله سبحانه وتعالى، والمعنى: قالت أخراهم لأجل أولاهم مخاطِبةً الله عز وجل. قال ابن كثير: أي ((قالت أخراهم)) دخولاً وهم الأتباع، ((لأولاهم)) وهم المتَّبَعون؛ لأنهم أشد جرماً من أتباعهم فدخلوا قبلهم، وهؤلاء الأتباع الذين يشكون الرؤساء إلى الله يوم القيامة؛ لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل فيقولون: ((رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا)) يعني: سنوا لنا الضلال ودعوا إليه فاقتدينا بهم، ((فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ)) يعني: مضاعفاً؛ لأنهم ضلوا وأضلوا، وكفروا وصدوا عن سبيل الله. ((قال)) الله تعالى: ((لِكُلٍّ ضِعْفٌ)) أي: لكل عذاب مضاعف، أما القادة والرؤساء فبالضلال والإضلال، عذاب على الضلال وعذاب على الإضلال: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت:13]، وأما الأتباع والسفلة فبالضلال وبتقليد أهل الضلال مع ظهور الحق بالبراهين القاطعة، عذاب على الضلال في أنفسهم، وعذاب لأنهم قلدوا الضالين وأعرضوا عن الأنبياء وما جاءوهم به من الحجج والأدلة والبراهين القاطعة. ((قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون)) أي: لا تعلمون ما لكل فرقة منكم، وقرئ بالياء ((ولكن لا يعلمون)) وعليها فهو تذييل لم يقصد إدراجه في جواب.
تفسير قوله تعالى: (وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون)
تفسير قوله تعالى: (وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) قال تعالى: {وَقَالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} [الأعراف:39]. يعني: أن الرؤساء يردون على الأتباع بعد الشكوى التي شكوها. فيقولون: ((فما كان لكم علينا من فضل)) يعني: أنتم لستم أحسن منا ولا فضل لكم علينا في ترك الكفر والضلال، حتى يكون عذابنا مضاعفاً دونكم، فقد ضللتم كما ضللنا، فنحن وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب. ((فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون)) وهذا يحتمل أن يكون من قول القادة، ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى للفريقين، وهو أظهر. وهذه الآية تدل على أن الكفار والضلال والأتباع وإن تناصروا وتعاونوا على ضلالتهم وتوادوا في الدنيا، فإنهم في الآخرة يتلاعنون ويتقاطعون ويسألون العذاب لمن أضلهم. كما أن الآية تدل على فساد التقليد وفساد الاغترار بقول علماء السوء؛ فبعض المنسوبين للعلم وللفتوى يتكلم كما يتكلم السوقة والرعاع، فتصدر عنه فتاوى مضادة تماماً لكتاب الله ولسنة رسول الله ولإجماع المسلمين، وفيها تحليل لما حرم الله، ومع ذلك يتكلم كما يتكلم الرعاع والسوقة فيقول: اتبعوني وأنا سأتحمل عنكم الوزر! وهذا هو منطق السوقة والغوغاء من الناس، وليس منطق من ينتسب إلى العلم الشريف؛ لأنه يأتسي في ذلك بمن قالوا: {اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ} [العنكبوت:12]. ثم ألم يسمع قوله تعالى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم:38]، فالإنسان لا يعد معذوراً في متابعة علماء السوء الذين وقفوا يدعون الناس إلى الجنة بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، وكثير من الناس يستند إلى كلام هؤلاء الناس ويقول: "اجعلها في رقبة عالم واخرج منها سالم"، أو: "من قلد عالماً لقي الله سالماً" وينسبون ذلك جوراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بينما هذه الآية بعكس قولهم، فهي تذم التقليد وتذم الانقياد لعلماء السوء، خاصة أن الله سبحانه وتعالى يطفئ نورهم ويجعل على كلامهم ظلمة، ولا يقبلها حتى عوام الناس الذين لا يفقهون ولا يعلمون، ويكون الضلال في كلامهم بحيث لا يفتن به إلا صاحب هوىً له في نفسه غرض، فيسوغ الباطل كتعاطي الربا والتعامل مع البنوك، بحجة أن المفتي قال كذا والعياذ بالله. فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بقول علماء السوء. وتدل الآية على أن الداعي إلى الضلال مضل، كما تدل على أن إضلال غيره إياه ليس بعذر له، وتدل أيضاً على أن اشتراكهم في العذاب لا يوجب لهم راحة، بخلاف الاشتراك في محن الدنيا. فإن الناس يقولون: إن المصيبة إذا عمت طابت، وكما تقول الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي فإذا شملت المصيبة عدداً كبيراً هانت على الإنسان، وهذا نحسه حتى في أشياء دقيقة، فلو أن أحداً وهو ذاهب إلى الكلية أو إلى العمل وتأخر قليلاً ثم رأى ناساً معه متأخرين، فالمصيبة تخف عليه، وإحساسه بالتقصير يخف؛ لأن ناساً معه في نفس هذا الشؤم، فالمصيبة إذا عمت طابت. فلا يظن ظان أن الحال سيكون كما كان عليه في الدنيا، بأنهم إن اشتركوا جميعاً وتوحدت الآلام والمحن سيحصل نوع من المواساة، فإنهم سيحرمون من هذا الشعور، وفي ذلك يقول تبارك وتعالى: {وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزخرف:39]. وتدل الآية على أن ذلك الإضلال فعلهم، وهذا يبطل قول المجبرة في المخلوق والهدى والضلال.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف:40]. ((لا تفتح لهم)) أي: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله، أي لا يقبل ذلك منهم؛ لأنه ليس صالحاً ولا طيباً، ومن شرط العمل الصالح أن يبنى على الإيمان، وأن يقتدى فيه بالرسول عليه السلام، وأن يراد به وجه الله، وما علق على أكثر من شرط لا يتحقق بشرط واحد، بل لابد أن تجتمع فيه كل الشروط، وإلا عدم الفعل. فالعمل الصالح الذي يقبله الله لابد أن يكون صاحبه أولاً موحداً: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النحل:97]، فلابد أن يكون موحداً، ثم لابد أن يكون مخلصاً خالياً من الرياء. والثالث: لابد أن يكون عمله موافقاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فلا يرفع هذا العمل إلى السماء؛ لأن الله قال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10] قال ابن عباس: أي لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء. أو أن المعنى: لا تنزل عليهم البركة والرحمة ولا يغاثون؛ لأنه أجرى العادة بإنزال الرحمة من السماء، كما في قوله: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} [القمر:11]. أو المعنى: لا يؤذن لهم في صعود السماء، ولا يطرق لهم إليها ليدخلوا الجنة. على ما روي أن الجنة في السماء. أو المعنى: لا تفتح لأرواحهم إذا ماتوا أبواب السماء كما تفتح لأرواح المؤمنين، وقد ورد في ذلك حديث طويل عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه. والشاهد منه أنه ذكر في قبض روح الفاجر: (وأنه يصعد بها إلى السماء، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه فيأتون بها إلى السماء فيستفتحون فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ))) إلى آخر الآية، فكون السماء لها أبواب وأن هذه الأبواب تفتح للدعاء الصالح وللأعمال الصالحة أو للأرواح وارد في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، فلا حاجة إلى تأويلها ولا ينبغي أبداً أن يؤول قوله تعالى: ((لا تفتح لهم أبواب السماء)) بل يقال: هي أبواب حقيقية تفتح كما ذكرنا. كذلك التضعيف في قوله: ((تفتَّح)) ليس لتكثير الفعل وإنما هو لتكثير المفعول مناسبة للمقام، كذلك قرئ بالتخفيف في: (تفتح)، وبالياء: (يفتح)، وقرئ على البناء للفاعل ونصب الأبواب يعني: لا يفتح الله لهم. وقوله: ((وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)) هذا من باب تعليق الأمر على شيء مستحيل، كأن تقول مثلاً: أزورك عندما يشيب الغراب، والغراب لا يشيب. ((حتى يلج الجمل)) يعني: يدخل الجمل ((في سم الخياط)) يعني: في ثقب الإبرة، وهل من الممكن أن يمر الجمل من ثقب الإبرة؟! هذا غير ممكن، فكذلك دخولهم الجنة غير ممكن؛ لأنه علق على شيء لا يقع. وقد قرأ الجمهور: ((الجمل)) بفتح الجيم والميم: وفسروه بأنه الجمل المعروف، وهو البعير، قال الفراء: الجمل زوج الناقة، وقال شمر: البكر والبكرة بمنزلة الغلام والجارية، والجمل والناقة بمنزلة الرجل والمرأة، وقرئ في الشواذ: (الجُمَّل)، كسكّر، و (الجُمَلِ) كسُرَر، و (الجُمْل) كقفل، و (الجُمُل) كعنق. والجمّل كسكر هو حبل غليظ جداً من الحبال التي يستعملها الملاحون، فهذه الحبال الكثيفة في السفينة لا يمكن أن تمر من ثقب الإبرة، لكن هذه القراءة الأخيرة شاذة. وقال أبو البقاء: يقرأ في الشاذ بسكون الميم الجَمْل، والأحسن أن يكون لغة؛ لأن تخفيف المفتوح ضعيف، ويقرأ بضم الجيم وفتح الميم وتشديدها الذي هو: الجُمّل وهو: الحبل الغليظ، وهو جمع مثل: صوّم وقوّم، ويقرأ بضم الجيم والميم مع التخفيف وهو جمع مثل: أَسَد وأُسُد، ويقرأ كذلك بها إلا أن الميم ساكنة. وذكر الكواشي أن القراءات المذكورة لغات في البعير ما عدا جمّلاً كسكّر وجملاً كقُفْل، ونوقش في ذلك. قال الزمخشري: وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن الله سبحانه وتعالى أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل، لأن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة، والبعير لا يناسبه. إلا أن قراءة العامة التي هي (الجمَل) أوقع؛ لأن سم الإبرة مثَل في ضيق المسلك، والمقصود من ثقب الإبرة مجرد التشبيه، يقال: أضيق من خرق الإبرة، وقالوا للدليل الماهر الذي يكون خبيراً بالطرق والدروب والمسالك في الصحراء (خريت) لأنهم إذا أرادوا أن يمروا في المضايق والطرق الملتوية أو غير المعلومة يبدأ هو أولاً ثم يقود من معه، فقالوا للدليل الماهر (خريت) للابتداء به في المضايق المشبهة بأخراق الإبر، والجمل مثَل في عظم الجرم وعظم الجسم، وسم الإبرة مثَل في ضيق المسلك، كما يقول حسان بن ثابت: لا بأس بالقوم من طول ومن عظم جسم البغال وأحلام العصافير وفي رواية أخرى في الديوان: (جسم البغال وأحلام العصافير) وأحلام: المقصود بها العقول. فقيل: لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبداً من ولوج هذا الحيوان في ثقب الإبرة، فالجمل المقصود به ضرب المثل في ضخامة الجثة، وثقب الإبرة المراد به ضرب المثل في ضيق المسلك أو المنفذ. وعن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل فقال: (زوج الناقة) استجهالاً للسائل. وإجابة ابن مسعود بهذه الإجابة فيها أولاً: الاستجهال للسائل وثانياً: إشارة إلى أن البحث وتطلب معنىً آخر غير هذا المعنى المتبادل نوع من التكلف غير حميد. وخلاصة الكلام أن الجمل لما كان مثلاً في عظم الجسم لأنه أكبر الحيوانات جسماً عند العرب، وخرق الإبرة مثلاً في الضيق، ظهر التناسب، على أن في التفسير بالجمل وهو مما ليس من شأنه الولوج في سم الإبرة مبالغة في استبعاد دخولهم الجنة. وعكس هذا الكلام حكاه الزمخشري عن ابن عباس قال: الجُمَّل أنسب من الجَمَل؛ لأن الجُمَّل هو الخيط الغيلظ؛ لكن بين القاسمي رحمه الله تعالى أن إيثار الجَمَل أفضل، ومعلوم أنه ليس من شأنه أن يمر من ثقب الإبرة، فكذلك الكفار ليس من شأنهم أصلاً أن يدخلوا الجنة، فهنا ظهر التناسب بهذه الصورة، فهذه فيها مبالغة في استبعاد دخولهم الجنة. أما السم فهو الثقب الضيق، قال أبو البقاء: بفتح السين وضمها، ويقال أيضاً في القاتل المعروف: السُّم، إلا أنهم قالوا: المشهور في الثقب الفتح كما في التنبيه، والأفصح فيما يشرب ليقتل أنه بالضم (السُّم). وقال الزبيدي: لم أر من تعرض لكسرهما وكأنها عامية: وهي فعلاً عامية، والأفصح أن تقول في الثقب السَم، وفي القاتل السُم. وقال الزمخشري: وقرأ في سم الخياط بالحركات الثلاثة. وكفى به مرجعاً. "الخياط" ككتاب ما خيط به الثوب والإبرة، قال الزمخشري: وقرأ عبد الله (في سم المخيط) وهي قراءة شاذة. قال السيوطي في الإكليل: في قوله تعالى: ((حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)) جواز فرض المحال والتعليق عليه كما يقع كثيراً للفقهاء، والتعليق على المحال معروف في كلام العرب، كقوله: إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب يعني: فلن يأتيهم أبداً؛ لأن الغراب لا يشيب. (وصار القار) وهو الزفت الأسود الذي ترصف به الشوارع أبيض (كاللبن الحليب). ((وكذلك نجزي المجرمين)) مثل هذا الجزاء الفظيع.
تفسير قوله تعالى: (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين)
تفسير قوله تعالى: (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين) قال تعالى: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأعراف:41]. ((لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ)) يعني: فرش من تحتهم. ((وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ)) أي: أغطية، إذ أحاطت بهم جهنم كما أحاطت بهم الخطيئة من كل جانب: ((وأحاطت به خطيئته)) وهي الشرك يحيط به من كل جانب، كذلك العذاب يحيطه من كل جانب. ((وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ)) أصلها الغواشي: أغطيه، إذ أحاطت بهم الخطيئة. ((وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)) أي: بالكفر، وإنما عبر عنهم بالمجرمين تارة وبالظالمين أخرى إشعاراً بأنهم بتكذيبهم الآيات اتصفوا بكل واحد من ذينك الوصفين القبيحين، وذكر الجرم مع الحرمان من دخول الجنة، والظلم مع التعذيب بالنار الذي هو أشد من الحرمان المذكور، تنبيهاً على أنه أعظم الجرائم.
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها هم فيها خالدون)
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها هم فيها خالدون) قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف:42]. ثم أتبع الله سبحانه وتعالى وعيده بوعده على طاعته سبحانه عز وجل في تنزيله الكريم فقال عز وجل: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف:42] الذين آمنوا: مبتدأ والخبر فيه وجهان، إما الخبر لا نكلف نفساً إلا وسعها يعني: فحذف العائد كما حذف في قوله: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى:43]. القول الثاني: إن الخبر {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [البقرة:82]، (ولا نكلف) هذه معترض بينهما، والوسع ما يقدر عليه الإنسان بسهولة ويسر، أما أقصى الطاقة فيسمى جهداً لا وسعاً، وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود.
تفسير قوله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون)
تفسير قوله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون) قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:43]. ((ونزعنا ما في صدورهم من غل)) أي: نخرج من قلوبهم أسباب الحقد والحسد والعداوة أو نطهرها منها، حتى لا يكون بينهم إلا الثواب والتعاطف؛ لأن أهل الجنة كما في الحديث يدخلون الجنة ووجوههم مثل البدر، وقلوبهم على قلب رجل واحد، لا يوجد بينهم نزاع ولا غل ولا أحقاد ((ونزعنا ما في صدورهم)) وهنا عبر عن المستقبل بالماضي إيذاناً بتحققه وتقرره. ((تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا)) هدانا لما جزاؤه هذه الجنة، أي لأسباب هذا العلو بإرسال الرسل والتوفيق للعمل. ((وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله)) أي: ما كنا لنصل لذلك العمل الذي هذا ثوابه لولا أن وفقنا الله بدلائله وألطافه وعنايته. وهم يقولون ذلك: (الحمد لله الذي هدانا لهذا) سروراً واغتباطاً بما نالوا، وتلذذاً بالتكلم به، لا تقرباً ولا تعبداً؛ لأن الجنة ليست دار تكليف وعمل، كما ترى من رزق خيراً في الدنيا يتكلم بنحو ذلك، ولا يتمالك ألا يقوله للفرح والتوبة. ((لقد جاءت رسل ربنا بالحق)) يعني: فاهتدينا بإرشادهم. ((وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) أي: أعطيتموها بسبب أعمالكم في الدنيا، فالميراث مجاز عن الإعطاء، إشارة إلى أن السبب فيه ليس موجباً وإن كان سبباً بحسب الظاهر، أي أن الأعمال ليست أسباباً موجبة لدخول الجنة، لكنها أمارات مخيلة، لأن من وفق إليها فإنه يكون من أهل الجنة، كما أن الإرث ملك بدون كسب، وإن كان النسب مثلاً سبباً للإرث، وعلى ما تقرر فلا يقال: إنه معارض لما ثبت في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: (واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، ولا يحتاج إلى الجواب عنه، ولا أن يقال: الباء للعوض لا للسبب، وهذا تمجيد للوعد بإثابة المطيع، لا بالاستحقاق والاستيجاب، بل هو بمحض فضله تعالى كالإرث، فالباء هنا: (بما كنتم تعملون) ليست باء العوض، كما تشتري ثوباً وتقول: اشتريته بكذا، أي أن الثمن مقابل للسلعة، والعمل الذي تعمله في الدنيا لا يساوي الخلود في جنات النعيم، والفارق شديد، وفي شرح هذا الحديث يطول الكلام، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة مفصلة ومفيدة فيه، نرجو أن تأتي فرصة أخرى ونفصل فيها. وروى الإمام مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى منادٍ: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً)، فذلك قوله عز وجل: ((ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون)).
تفسير قوله تعالى: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار وهم بالآخرة كافرون)
تفسير قوله تعالى: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار وهم بالآخرة كافرون) قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف:44 - 45]. ((وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ)) الكلام هنا عن أصحاب الجنة بعدما استقروا في منازلهم في الجنة، ((أَصْحَابَ النَّارِ)) توبيخاً وتحقيراً لهم ((أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا))، حيث نلنا هذه المراتب العالية. ((فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا))، يعني: من تنزيلكم أسفل سافلين لاستكباركم على الآيات والرسل ((قَالُوا نَعَمْ))، يعني: وجدناه حقاً. ((فَأَذَّنَ)) أي: نادى ((مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ)) أي: بين الفريقين ليسمعهم، زيادة في شماتة أحد الفريقين، وزيادة في ندامة الآخر. ((أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)) من هم هؤلاء الظالمون؟ ((الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: يمنعون أنفسهم وغيرهم عن دينه القويم الذي بينه على ألسنة رسله لمعرفته وعمارة الدارين، ((الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا)) [الأعراف:45] أي: يبغون لها زيغاً وميلاً عما هي عليه حتى لا يتبعها أحد. ((وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ)) أي: وهم بلقاء الله في الدار الآخرة جاحدون لا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون فيأتون المنكر من القول والعمل؛ لأنهم لا يرجون حساباً عليه ولا عقاباً فهم شر الناس. وقد سبق أن بينا حكمة وصف الكافرين بأنهم لا يؤمنون بالآخرة، لأن الإيمان بالآخرة ينعكس في سلوك المؤمن، أما إذا كان لا يؤمن بالآخرة فلن يخشى عقاباً ولن يرجو ثواباً، وما أحسن ما صدر الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى أحد مصنفاته، حيث كان يهدي في الصفحات الأولى من الكتاب إلى والده، فيقول ما معناه: إلى أبي الذي علمني أن أقول دائماً لمن يظلمني ومن يتجنى علي: إنه لولا الإيمان باليوم الآخر لكان لنا معه شأن آخر. إيمان المؤمن باليوم الآخر يجعله إذا ظلم ينتظر أن ينصفه الله في الآخرة، وينتظر ثواب الله عز وجل، فيعزيه ذلك على ما يلقاه من الآلام، أما إن كان لا يؤمن باليوم الآخر فإنه يتغير مسلكه تماماً، كما يفعل هؤلاء الملاحدة والمجرمون من الكافرين الذين لا يحرمون حراماً ولا يحلون حلالاً، وإنما يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، هذه ثمرة الإلحاد وثمرة الكفر، وثمرة العقيدة الفاشلة، فلذلك قال عز وجل هنا: ((وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ))، فبالتالي لم يخافوا عقاباً ولم يرجوا ثواباً.
تفسير قوله تعالى: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال)
تفسير قوله تعالى: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال) قال تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}. ((وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ)) أي: بين الفريقين سور وستر، أو بين الجنة والنار؛ ليمنع وصول أثر إحداهما إلى الأخرى، وقد سمي هذا الحجاب سوراً في قوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد:13]. ((وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ)) أي: على أعراف الحجاب وشرفاته وأعاليه، وهو السور المضروب بينهما، والأعراف: جمع عرف مستعار من الشيء العالي فيقال: من عرف الفرس لأنه عال، وعرف الديك لأنه عال، وكل ما ارتفع من الأرض عرف، فإنه بظهوره أعرف مما انخفض، يعرف لأنه ظاهر مما انخفض فكان أسفل، فالأعراف هذا جمع عرف وهو: السور الذي يكون بين الجنة والنار أو بين أهل الجنة وأهل النار. وقد حكى المفسرون أقوالاً كثيرة في رجال الأعراف عن التابعين وغيرهم: فقال بعض المفسرين: هم فضلاء المؤمنين، أو: هم الشهداء أو: هم الأنبياء، وأن الحكمة من وجودهم على سور الأعراف أن يرقبوا مصير المؤمنين ومصير الكافرين ويشهدوا نعمة الله عليهم. أو: هم قوم أوذوا في سبيل الله فاطلعوا على أعدائهم ليشمتوا بهم فعرفوهم بسيماهم وسلموا على أهل الجنة، واللفظ لإبهامه يحتمل ذلك، فقوله تعالى: (رجال) مبهم، لم يقطع القرآن الكريم بهوية هؤلاء الرجال، إلا أن السياق يدل على سمو قدرهم لاسيما لجعل منازلهم الأعراف؛ لأن الأعراف هي الأعالي والشرف كما تقدم. ((يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ)) يعني: يعرفون كلاً من أهل الجنة والنار بعلاماتهم التي أعلمهم الله بها كبياض الوجه في المؤمنين، وسواد الوجه في الكافرين، والسيما مقصورة وممدودة، والسيمة والسيماء بكسرهن: العلامة، من سام إبله إذا أرسلها في المرعى، أو من وسم -على القلب- كالجاه من الوجه. ((وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ)) والذين نادوا هم رجال الأعراف، (نادوا أصحاب الجنة) وقد عرفوهم من سيماهم أنهم أهل الجنة. ((أن سلام عليكم)) بطريق الدعاء والتحية أو بطريق الإخبار بنجاتهم من المكاره، والوجه الأول -الذي هو الدعاء والتحية- مأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال رضي الله عنه: أنزلهم الله بتلك المنزلة؛ ليعرفوا من في الجنة، وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه، ويتعوذوا بالله من أن يجعلهم مع القوم الظالمين، وهم في ذلك يحيون أهل الجنة بالسلام. ((لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ))، الضميران في الجملتين لأصحاب الأعراف، والأولى حال من الواو، والثانية: حال من فاعل يدخلوها، أي: نادوهم وهم لم يدخلوا الجنة بعد، حال كونهم طامعين في دخولها مترقبين. فإن قيل: إذا كان أصحاب الأعراف أفاضل المؤمنين، فلم تأخر دخولهم؟! قلنا: هم تعجلوا اللذة بالشماتة من الأعداء، وإن تأخر دخولهم لظهور فضلهم وجلالة طريقهم إلى منازلهم. فهذا هو الجواب الذي قاله الجشمي. يقول القاسمي: ولا يبعد عندي أن تكون جملة (لم يدخلوها وهم يطمعون) حالاً من أصحاب الجنة، أي: نادوهم بالسلام وهم في الموقف على طمع دخول الجنة، يبشرونهم بالأمان والفوز من العذاب، إشارة إلى سبق أهل الأعراف على غيرهم في دخول الجنة وعلو منازلهم على سواهم، والله تعالى أعلم. وذهب أبو مجلز: إلى أن الضميرين لأصحاب الجنة أي: نادى أهل الأعراف أصحاب الجنة بالسلام، حال كون أصحاب الجنة لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها، وهو وجه جيد، فالجملة الأولى: حال من المفعول وهو أصحاب الجنة، والثانية: حال من فاعل يدخلوها.
الأعراف [47 - 54]
تفسير سورة الأعراف [47 - 54]
تفسير قوله تعالى: (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار)
تفسير قوله تعالى: (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار) قال تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف:47]. (وإذا صرفت أبصارهم) يعني: إذا صرفت أبصار أهل الأعراف أو أهل الجنة. (تلقاء أصحاب النار) لأن نظرهم إلى أهل النار نظر عداوة، فلا ينظرون إلا أن تصرف وجوههم إليهم، فأما أهل الجنة فوجوههم متوجهة إليهم سروراً بهم، فلا يحتاجون إلى تكلف؛ لأن الأصل أنهم مقبلون على أهل الجنة ومقبلون على النظر إلى الجنة- فهذا هو الوضع الأصلي لهم، لكن إذا نظروا إلى أهل النار فإنهم يحتاجون إلى أن تصرف وجوههم إلى أهل النار، ففيها نوع من التكلف، لأن هذا نظر عداوة. وقيل: لأنهم مع أهل الجنة بعداء من أهل النار، فيحتاجون إلى صرف أبصارهم تلقاء أصحاب النار. وهذه الآية تدل على وجوب اجتناب الظلمة في الدنيا كي لا يكون المرء معهم في الآخرة، وذلك لقوله: ((وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) ففيها إرشاد إلى تجنب كلّ ما يجعل الإنسان محشوراً أو مرتبطاً أو متواجداً مع القوم الظالمين. قوله عز وجل: (تلقاء أصحاب النار) يعني: إلى جهة أصحاب النار، (قالوا) من شدة خوفهم تعوذاً بالله: (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) في النار. وقال أبو السعود: في وصفهم بالظلم دون ما هم عليه حينئذ من العذاب وسوء الحال الذي هو الموجب للدعاء، إشعار بأن المحذور عندهم ليس نفس العذاب فقط، بل ما يوجبه ويؤدي إليه من الظلم. أي: لم يقولوا: (ربنا لا تجعلنا مع القوم المعذبين) إشارة إلى السبب الذي أداهم إلى سوء العذاب.
تفسير قوله تعالى: (ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم (لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون)
تفسير قوله تعالى: (ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم (لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون) قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأعراف:48]. (ونادى أصحاب الأعراف رجالاً) يعني: من عظماء أهل الضلالة (يعرفونهم بسيماهم) بعلاماتهم التي تدل على أعيانهم وعلى أشخاصهم، حتى وإن تغيرت صورهم. (قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ) أي: كثرتكم، والمقصود بها إما الجمع العددي، وهي الكثرة الكاثرة، أو جمعكم للأموال التي تدفع بها الآفات، فالإنسان إذا كان معه مال يدفع الآفات عن نفسه بالعلاج وبغيرها من الأسباب. (وما كنتم تستكبرون) عن الحق أو على الخلق، والمعنى: ولم ينفعكم استكباركم على الحق أو على خلق الله عز وجل، وقرئ: (وما كنتم تستكثرون) من الكثرة، يعني تستكثرون من الأتباع الذين يستعان بهم أيضاً في دفع الملمات. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتجرؤكم على الحق ولا استكباركم، وهذا إما نفي وإما استفهام وتوبيخ، أي: ماذا نفعكم جمعكم؟ ثم نظروا إلى الجنة فرأوا فيها من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم ويحتقرونهم ويزدرونهم في الدنيا لفقرهم وضعفهم، ويزعمون أن الله لا يختصهم دونهم في الدنيا، فيقول لهم أهل الأعراف: ((أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)). أي: أهؤلاء الضعفاء من المؤمنين الذين أقسمتم وأنتم في الدنيا لا ينالهم الله برحمة، وهذا لأنكم قلتم: كما قد أعطانا الله المال والبنين في هذه الدنيا، فلابد أنه سيفضلنا في الآخرة؛ لأنه ما أعطانا ذلك إلا لكرامتنا عليه عز وجل، {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا} [الكهف:36]، {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت:50]، هكذا كان الكافر يمني نفسه ويغرها {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا} [الفجر:15 - 17] يعني: ليس الأمر كما تزعمون، فإن الدنيا يعطيها الله سبحانه وتعالى من يحب ومن لا يحب، وأما الدين فلا يعطيه إلا من أحب. ويكفي من هوان الدنيا على الله سبحانه وتعالى أنه ترك أحب الخلق إليه وأفضلهم وأكرمهم عليه وهم الأنبياء والرسل يبتلون فيها ويؤذون ويقتلون ويجرحون ويضطهدون من قومهم، فدل على أن الدنيا ليست دار جزاء، لكن العبرة بالآخرة؛ فلذلك يقول أصحاب الأعراف: ((أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ)) أي: بأن لا يرفع درجاتهم في الآخرة، فهاهم في الجنة يتمتعون ويتنعمون، وفي رياضها يحبرون. ((ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ)) (لا خوف عليكم) أي: من العذاب الذي ينزل بالكفار، (ولا أنتم تحزنون) كحزن الكفار على فوات النعيم، وهذا إما من قول أصحاب الأعراف بعضهم لبعض بعدما يبكتون أهل النار ويوبخونهم: {مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ} [الأعراف:47 - 48]. والاحتمال الثاني: هو أنه من كلام أهل الأعراف للمؤمنين الضعفاء، حيث إنهم قالوا للكفار: (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) ثم يلتفت أصحاب الأعراف إلى المؤمنين فيقولون لهم: (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون). والاحتمال الثالث: أنه من تتمة مخاطبة أهل الأعراف للرجال، أي: كأنه قيل لهم: انظروا إلى هؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة، كيف نالوا هذه الرحمة؛ حيث قيل لهم من قبل الله تعالى: (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون). وعلى كل فالجملة مبنية على قول محذوف إيجازاً للعلم به، والعلم به من السياق: فإما أن أصحاب الأعراف يتآمرون بينهم، ويدعون بعضهم بعضاً لدخول الجنة. أو إما أن أهل الأعراف يقولون ذلك للمؤمنين. وإما أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقول ذلك للمؤمنين.
تفسير قوله تعالى: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء)
تفسير قوله تعالى: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء) قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف:50]. ثم بين تعالى ذلة أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم -بعد التكبر عليهم، وبعدما أقسموا لا ينالهم الله برحمة- وأنهم لا يجابون إلى ذلك. (أن أفيضوا علينا من الماء) أي: الذي رحمكم الله سبحانه وتعالى به ليسكن حرارة النار والعطش. وإنما قالوا (أفيضوا) لأن الإفاضة تكون من أعلى إلى أسفل، وأهل الجنة أعلى مكاناً، والمعنى: أنزلوا علينا، (من الماء أو مما رزقكم الله) من الأطعمة والفواكه؛ لأن أهل النار يعذبون بكل أنواع العذاب، وبما لا يعلمه على حقيقته إلا الله سبحانه وتعالى، سواء كان الجوع أو العطش أو الضيق والزحام أو الظلمة أو النار أو العقارب والحيات وغير ذلك من أنواع العذاب. والحقيقية أن الإنسان إذا تخيل هذا العذاب الذي يكون في جهنم والتي نارها ضعف نار الدنيا سبعين مرة، فإنه لا يهنأ عيشاً ولا يطيب له طيب ولا يقر له قرار!. وهذه الآية مما يدل على أنهم يعانون العطش والجوع، وإذا قدر للإنسان أن يدخل عنبر الحرائق في أي مستشفى عمومي؛ لوجد العناء الذي يعني يلاقيه من يحرق حرقاً، وكيف يصرخ هؤلاء المرضى طلباً لرشفة ماء واحدة فقط من شدة تعطشهم إلى هذا الماء. فكيف يكون الحال إذا كان الحريق أضعافاً مضاعفة؟! فهؤلاء يعانون الجوع ويعانون العطش: (أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله) هاهم الآن يتذللون لهم، ويؤملون أن يفيضوا عليهم مما أتاهم الله سبحانه وتعالى من الأطعمة والفواكه. (قالوا إن الله حرمهما على الكافرين) يعني منعهما عنهم؛ لأنه أنعم عليهم في الدنيا فلم يشكروه، فمنعهم نعمه في الآخرة وحرمها عليهم، فالتحريم هنا هو تحريم منع وليس تحريماً شرعياً؛ لأن الآخرة ليس دار تكليف.
تفسير قوله تعالى: (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا)
تفسير قوله تعالى: (الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا) ثم وصف الكافرين بقوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف:50 - 51]. (الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً) يعني: مما زينه لهم الشيطان، واللهو: كل ما صد عن الحق، واللعب: كل أمر باطل، أي: ليس دينهم في الحقيقة إلا ذلك، فبدل الدين الذي هو عبادة الله عز وجل وتوحيده، إذا بهم يتخذون اللهو واللعب ديناً، إذ هو دأبهم وديدنهم. (وغرتهم الحياة الدنيا) أي: بزخارفها العاجلة، فلم يعملوا للآخرة. (فاليوم ننساهم) أي: نتركهم ترك المنسي، فلا نرحمهم بما نرحم به من عمل للآخرة. (كما نسوا لقاء يومهم هذا) أي: كما فعلوا بلقائه فعل الناسين فلم يخطر ببالهم ولم يهتموا به. قوله تعالى: ((وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ)) أي: وكما كانوا منكرين أنها من عند الله تبارك وتعالى. روى الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما قالا: (قالوا يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحاب؟)، يعني: إذا نظر الناس وقت الظهيرة إلى السماء وليس هناك سحاب فهل يضار بعضهم بعضاً إذا أرادوا أن يروا الشمس؟! ومعلوم أن الشيء إذا كانت رؤيته غير واضحة فمن الممكن أن يزدحم الناس عليه، فهذا يدفع هذا وهذا يدفع ذاك لعدم وضوح الشيء المرئي، فيؤذي بعضهم بعضاً من شدة المدافعة أو الزحام أو عدم وضوح الرؤية؛ لكن هل يتصور أن يحتاج الناس إلى المضارة بينهم حتى يتحققوا من وجود الشمس في السماء وقت الظهر؟! لا شك أنهم لا يضارون في ذلك، ولا ينضم بعضهم إلى بعض، كما في بعض الروايات: (لا تضامون)، من شدة وضوح الرؤية. (هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحاب؟ قالوا: لا، قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحاب؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، قال: فيلقى العبد فيقول: أي فل -اختصار لفلان- ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل: ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي ربي، فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب! آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت، أمتني بخير ما استطعت، فيقول: هاهنا إذاً، قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهداً عليك، ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليه، فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله؛ وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه). فالشاهد هنا في الحديث قوله: (فاليوم أنساك كما نسيتني).
تفسير قوله تعالى: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون)
تفسير قوله تعالى: (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدىً ورحمة لقوم يؤمنون) قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:52] ولما أخبر تعالى عن خسارتهم في الآخرة ذكر أنه أزاح عللهم في الدنيا، بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وأن الحجة قامت عليهم، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف:76]، فذكر أن سبب هذا الشقاء هو من عند أنفسهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أقام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، يقول تعالى: ((وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ)) أي: بينا فيه الاعتقادات والأحكام والأمور الأخروية تفصيلاً مبيناً. (على علم) أي: عالمين كيف نفصل أحكامه ومواعظه وقصصه وسائر معانيه، حتى جاء محكماً قيماً غير ذي عوج، هذا كقوله تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ} [النساء:166]. (هدى) أي: دلالة ترشدهم إلى الحق وتنجيهم من الضلالة. (ورحمة) أي: ينجيهم من العذاب لما فيه من الدلائل ورفع الشبه. (لقوم يؤمنون): لأن المؤمنين هم المغتنمون لفوائده.
تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله)
تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله) قال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأعراف:53]: (هل ينظرون إلا تأويله) يعني: ما ينتظرون إلا ما يئول إليه أمر هذا الكتاب الذي جئناهم به من تبين صدقه بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد، ومعنى التأويل هنا: عاقبة الأمر، وما يئول إليه هذا الأمر، وذلك حين يتبين صدقه بأن يظهر ما نطق به القرآن من الوعد والوعيد، لهؤلاء الذين يسمعون القرآن في الدنيا. والمعنى: ما الذي يمنعهم من الإيمان بالقرآن الكريم؟ هل ينتظرون إلا وقوع أخبار هذا القرآن من الوعد والوعيد يوم تقوم الساعة وتأتي القيامة؟ فالنظر هنا بمعنى الانتظار، وليس من الرؤية. والتأويل بمعنى: العاقبة وما يقع في الخارج، وهذا هو أصل معنى كلمة التأويل، ويطلق على التفسير أيضاً، كما كان يقول الإمام الطبري رحمه الله تعالى: القول في تأويل قوله تعالى: كذا وكذا، وذكر القاسمي في تفسيره أن التأويل هو: التفسير، لكن أصل معنى التأويل هو العاقبة وما يئول إليه الشيء. والمعنى: أنهم قبل وقوع ما هو محقق كانوا منتظرين له؛ لأن كل آت قريب، فهم على وشك ملاقاة ما وعدوا به، فلا يقال: كيف ينتظرونه مع جحدهم، فإنهم وإن جحدوه إلا أنهم بمنزلة المنتظرين وفي حكمهم، من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة، فسواء آمنوا أم جحدوا، فإنهم في الحقيقة ينتظرون هذا الأمر القريب منهم جداً. (يوم يأتي تأويله) يعني: يوم القيامة لأنه يوم الجزاء، فهو اليوم الذي تئول إليه أمورهم، وعاقبة ما فعلوه في الدنيا، (يقول الذين نسوه من قبل) يقول الذين تركوه ترك المنسي حين كان ينفعهم الذكر، فتركهم كان كترك الشخص الناسي للشيء تماماً؛ لأنهم بالغوا في عدم الاستعداد للآخرة، وعدم الانتفاع بالذكر الذي أنزل عليهم وكأنهم نسوه، وكأنهم ما كانوا على ذكر منه على الإطلاق، فهم تركوه في الوقت الذي كان ينفعهم الإيمان به وينفعهم فيه التذكر، وينفعهم فيه اليقين، وهو دار الابتلاء، فلم يؤمنوا به إلا عند معاينة العذاب. ((يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ))، فمعنى ذلك: أنهم لم يؤمنوا به إلا عند معاينة العذاب، فالكفار يؤمنون إيماناً صادقاً عند معاينة العذاب، ومثل هذا الإيمان لا ينفع ولا يجدي، فحينئذ يقولون كما أخبر الله عنهم: ((قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ))، وهذا كما قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة:12] أي نحن مصدقون الآن، لكن هذا لا ينفع في دار ظهور النتيجة، إنما العبرة بذلك في دار الابتلاء ودار الامتحان وهي الدنيا. (قد جاءت رسل ربنا بالحق) أي: أننا الآن نشهد بذلك، فهم لما عاينوا العذاب، ولما رأوا أهوال يوم القيامة قالوا: ((قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ))، يعني: بما هو واقع من الاعتقادات والوعد والوعيد، فهم أنفسهم سيعترفون ويقولون: إن الرسل قد أتوا وأخبرونا بالحق، وهذا الذي نراه مطابق تماماً لما قالوه ونحن مؤمنون بهم ومصدقون ((فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا)) يعني: في إزالة العذاب ((أَوْ نُرَدُّ)) إلى الدنيا من جديد، ((فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ))، من الجحود واللهو واللعب وأعمال الدنيا، قال عز وجل: ((قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ)) يعني: أنهم صرفوا أعمالهم في الكفر، ((وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)) أي: ذهب عنهم ما كانوا يفترون من أن معبوديهم شفعاؤهم عند الله سبحانه وتعالى، وعلموا أنهم كانوا في دعواهم كاذبين. فانظر إلى رحمه الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث أقام عليهم الحجة من كل جانب، وتفاصيل الحوار والمناظرة والشبهات وما يقولونه يوم القيامة كله موجود الآن في القرآن الكريم، وهذه الأشياء ذكرها الله سبحانه وتعالى رحمة وتلطفاً بعباده؛ لأنها ستقع. لو فرض أن الإنسان اعوج عن صراط الله المستقيم، وأصر على ذلك إلى أن مات والعياذ بالله، ثم جاء يوم القيامة وبعث ونشر فإنه سيقول: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة:12]، فهو يطلب العودة إلى الدنيا ليستدرك ما فات، فليفترض أنه قد وقع ذلك، وأنه الآن قد رجع إلى الدنيا ليستدرك ما فات، فعليه أن يعمل الصالحات ولا يفرط في أوامر الله، ولا يفرط الإنسان حتى يموت، فيكون ممن قال الله تعالى فيهم: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام:28]. وهذا أمر واقع نشاهده في أحوال الناس، فالذي تنزل به الملمة والمصيبة يستيقظ رصيد الفطرة في قلبه، ويضل عنه كلَّ ما كان يدعو من دون الله، ويفرد الله سبحانه وتعالى بالتوحيد وبالدعاء وبالإخلاص، ويعاهد الله سبحانه وتعالى أن سيتوب إذا فرجت عنه هذه الكربة، وبعدما تفرج يعود إلى ما كان عليه من قبل، وينسى ذلك العهد الذي عاهد الله سبحانه وتعالى!! ((قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)).
كلام الشنقيطي على مساءلة الكفار وندمهم
كلام الشنقيطي على مساءلة الكفار وندمهم يقول العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} ذكر تعالى في هذه الآيات الكريمة أن أصحاب الأعراف قالوا لرجال من أهل النار يعرفونهم بسيماهم: لم ينفعكم ما كنتم تجمعونه في الدنيا من المال، ولا كثرة جماعتكم وأنصاركم، ولا استكباركم في الدنيا، وبين في مواضع أخر وجه ذلك، وهو أن الإنسان يوم القيامة يحشر فرداً لا مال معه ولا ناصر ولا خادم ولا خول، وأن استكباره في الدنيا يجزى به عذاب الهون في الآخرة، كقوله عز وجل: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام:94]، وقوله عز وجل: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} [مريم:80]، فلا حشم ولا حرس ولا أي شيء من هذا، وقوله عز وجل: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم:95]، وقال عز وجل: {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأحقاف:20]. أما قوله تعالى: ((يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)). فيقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا عاينوا الحقيقة يوم القيامة، يقرون بأن الرسل جاءت بالحق ويتمنون أحد الأمرين: أن يشفع لهم شفعاء فينقذوهم، أو يردوا إلى الدنيا ليصدقوا الرسل ويعملوا بما يرضي الله، ولم يبين هنا هل يشفع لهم أحد؟ وهل يردون؟ وماذا يفعلون لو ردوا؟ فهي ثلاثة أسئلة لم يبينها القرآن الكريم في هذا الموضع، لكن بينتها مواضع أخر من القرآن الكريم. فبين أنهم لا يشفع لهم أحد لقوله عز وجل: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء:100 - 101]، كقوله: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر:48]، وقوله: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28]، وهذا مع قوله: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر:7]، فهذا نص على أن الكافر ليس ممن ارتضاه الله سبحانه وتعالى فلا شفاعة له وقوله عز وجل: {فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:96]، {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28]. وبين أنهم لا يردون في مواضع متعددة كقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة:12 - 13]، فقوله عز وجل: (ولكن حق القول مني لأملأن جهنم) هذا دليل على أن النار وجبت لهم فلا يردون ولا يعذرون، ومنها قوله تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر:37]، وذلك يوضحه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لقد أعذر الله إلى رجل أخره حتى بلغ ستين سنة)، فصرح بأنه قطع عذرهم في الدنيا بالإمهال مدة يتذكرون فيها، وإنزال الرسل هو دليل على عدم ردهم إلى الدنيا مرة أخرى، وأشار إلى ذلك بقوله: جواباً لقولهم لما قالوا: ((أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل)) فجاءهم A بأنه قد فاتت الفرصة، ((أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال)) فمعنى ذلك أن الله لن يقبل عذرهم. وقال عز وجل: {ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا} [غافر:12]، وهذا جاء بعد قوله تبارك وتعالى حاكياً عنهم: {فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} [غافر:11]. وقال عز وجل أيضاً: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى:45] وهذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: {وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى:44]. وقوله هنا: (قد خسروا أنفسهم) بعدما قال عز وجل: (فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد) إلى آخره، يدل على عدم الرد إلى الدنيا، وعلى وجوب العذاب، وأنه لا محيص لهم عنه. وبين في موضع آخر أنهم لو ردوا لعادوا إلى الكفر والطغيان، وهو قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام:28]. وفي هذه الآية الكريمة دليل واضح على أنه تعالى يعلم المعدوم الممكن الذي سبق في علمه أنه لا يوجد، كيف يكون لو وجد، فهو تعالى يعلم أنهم لا يردون إلى الدنيا مرة أخرى، وهذا الرد الذي لا يكون لو وقع كيف يكون كما صرح به في قوله: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام:28]. وبين في مواضع أخر أن اعترافهم هذا بقولهم: (قد جاءت رسل ربنا بالحق) لا ينفعهم، كقوله تعالى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:11]، وقوله: {بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [الزمر:71]، ونحو ذلك من الآيات.
تفسير قوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام)
تفسير قوله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام) قال الله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54] لم يفصل هنا في ذلك، ولكنه فصله في سورة فصلت، فقال عز وجل: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت:9 - 12]. فقوله هنا عز وجل: (إن ربكم الله) أي: إن سيدكم ومالككم ومدبركم الذي يجب أن تعبدوه أيها الناس هو الله الذي أنشأ أعيان السماوات والأرض في مقدار ستة أيام، وكلمة (اليوم) في اللغة هي: مطلق الوقت، فإن أريد هذا فالمعنى في ستة أيام يعني: في ستة أوقات كقوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال:16] يعني: وقتئذ، فعبر عن الوقت باليوم، وإن أريد اليوم المتعارف وهو الزمن الذي بين طلوع الشمس وغروبها، فالمعنى في مقدار ستة أيام؛ لأن اليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسماوات، كما في سورة فصلت: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت:9]، ثم قال عز وجل: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} [فصلت:11]، إلى آخر الآيات. وفي شرح القاموس: أن اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها، أو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، والثاني هو تعريف شرعي عند الأكثر. ويستعمل (اليوم) أيضاً بمعنى: مطلق الزمان كما قال سيبويه ومثل لها بقوله: أنا اليوم أفعل كذا، فهم لا يريدون يوماً بعينه، إنما يريدون الوقت الحاضر فقط، وبه فسروا قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3] يعني: في هذا الوقت أكملت لكم دينكم، وكما في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (بين يدي الساعة أيام الهرج يزول فيها العلم ويظهر فيها الجهل)، وأيام الهرج تعني: وقت وأزمنة الهرج، وبالتأكيد أن اليوم في هذه الحالة لا يختص بالليل ولا بالنهار، إنما يقصد به الوقت، وأيام الهرج يعني: زمان الهرج. وقال ابن كثير: يخبر تعالى أنه خلق العالم سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن، والستة الأيام: الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، وفيه اجتمع الخلق كلهم، وفيه خلق آدم عليه السلام، واختلفوا في هذه الأيام هل كل يوم منها كهذه الأيام، كما هو المتبادر إلى الأذهان، أو كل يوم كألف سنة كما نص على ذلك مجاهد والإمام أحمد بن حنبل، يعني: هل هي من أيام الله: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47]، أم أنها كأيام الدنيا المعروفة، فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت ومعناه: القطع. أما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر يوم الجمعة، آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل). فهذا الحديث رواه مسلم والنسائي من غير وجه، وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: ((فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ))؛ ولذلك تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وذلك أن في خلق الأشياء بهذا التدرج حثاً على التأني في الأمور، مع أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلقها كلها بقوله: كن فتكون، لكن في ذلك حث على التأني في الأمور.
الكلام على الاستواء
الكلام على الاستواء ((إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ))، اعلم أن الاستواء ورد على معانٍ اشترك لفظه فيها، فجاء الاستواء بمعنى: الاستقرار، ومنه قوله تعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود:44] يعني: استقرت على جبل الجودي، ويأتي بمعنى: القصد، ومنه قوله عز وجل: ((ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)) [فصلت:11]، وذلك إذا تعدى بحرف إلى. وكل من فرغ من أمر وقصد لغيره فقد استوى له واستوى إليه، قال الفراء: تقول العرب: استوى إلي يخاطبني يعني: أقبل إلي يخاطبني، ويأتي الاستواء بمعنى: الاستيلاء كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق لكن يقطع بعض العلماء المحققين بأن هذا البيت مصنوع وليس صحيحاً، لكن نحن نتعرض له لأنه يكثر استدلال بعض الناس به. فإذا كان البيت مصنوعاً فلا يبقى هناك شاهد لهذه اللغة، وهو استعمال الاستواء بمعنى الاستيلاء، وقال آخر أيضاً: فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر وكاسر وإن كان هذا الشعر لم يعرف قائله. ويأتي الاستواء بمعنى العلو، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} [المؤمنون:28]، ومنه هذه الآية فهي من الاستواء بمعنى: العلو، أي: قوله تعالى: (ثم استوى على العرش). قال البخاري في آخر صحيحه، في كتاب الرد على الجهمية في باب قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود:7] قال مجاهد: استوى: علا على العرش. وفي كتاب العلو للحافظ الذهبي قال إسحاق بن راهويه سمعت غير واحد من المفسرين يقول: الرحمن على العرش استوى أي: ارتفع. ونقل ابن جرير عن الربيع بن أنس أنه بمعنى ارتفع، وقال: إنه في كل مواضعه بمعنى: علا وارتفع. وأقول: لا حاجة إلى الاستكثار من ذلك، فإن الاستواء غير مجهول، وإن كان الكيف مجهولاً، فالكيف يقال للشيء الذي سبق أن تعرفت عليه من قبل أو رأيته، فترسم صورة في ذهنك لهذا الشيء، بحيث إنك إذا غبت عنه فقيل لك مثلاً: كيف شكل السيارة؟ فإنك تتذكر هذه الصورة، ولو فرض أن إنساناً من يوم أن خلقه الله لم ير شيئاً اسمه سيارة، فلن يعرف أية سيارة؛ لأنه ما رآها، لكن إذا كان قد رآها من قبل وارتسمت لها صورة في ذهنه، فإنه إذا قيل له: سيارة يقفز إلى ذهنه السيارة، إذا قيل: طائرة يعرف ما هي الطائرة وهكذا، فمن رأى الله سبحانه وتعالى حتى يكيف لنا الاستواء على العرش؟! هذا مما لا أمل فيه على الإطلاق، قد آيسنا الله سبحانه وتعالى أن نطلع على هذه الكيفية؛ فلذلك لا يقال لله عز وجل: كيف؟ فلا يعرف كيفه إلا هو سبحانه وتعالى {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه:110]. وكما ضربنا المثال مراراً على أننا نعجز عن معرفة كثير من مخلوقات الله سبحانه وتعالى، وذكرنا لكم قصة ذلك الرجل أو ذلك الشاب الذي كان يقع في التشبيه والتجسيم والعياذ بالله، فأتاه أحد العلماء الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على صورته الحقيقية وله ستمائة جناح، فقال هذا العالم لذلك الشاب: أخبرني عن خلق من خلق الله له ستمائة جناح؟ فحار وما استطاع أن يقول كلمة، فقال له: فأنا أضع عنك سبعة وتسعين وخمسمائة جناح، ويبقى الثلاثة الأجنحة، فصف لي خلقاً من خلق الله له ثلاثة أجنحة؟ كيف تركب هذه الأجنحة فحار، فقال له: نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق فنحن عن صفة الخالق أعجز، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قال في الجنة: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، والجنة مخلوق من مخلوقات الله، فكيف بالخالق عز وجل؟! ونحن قد أكثرنا من الكلام من قبل في هذا الأمر، وأننا لا نطمح في أن نعرف كيف استوى؟ كيف يد الله؟ كيف عين الله؟ فهذه الأشياء كلها قد توقع الإنسان في التعطيل، حيث إنه أولاً يشبه إذا سمع يد الله يعني: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75]، فإذا وقع من البداية في التشبيه فإنه يفر من التشبيه إلى التعطيل والنفي -والعياذ بالله-. لكن المؤمن الموحد الذي يسلك مسلك السلف الصالح لا يشبه أصلاً، بل يقول: (أمروها كما جاءت)، يعني: لا نكيف ولا نشبه الله سبحانه وتعالى بخلقه، مع القطع والجزم الأكيد واليقين بأن الله ليس كمثله شيء أبداً، ولا يشبه الله سبحانه وتعالى شيء: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] يعني: أنت تثبت لله صفة السمع، فهل سمع الله كأسماعنا؟ وهل بصر الله كأبصارنا؟! فأنت تثبت هذه الصفة مع نفي الكيفية ومع نفي المشابهة، فكذلك سائر صفات الله عز وجل. وقد فصلنا في هذا عند دراسة كتاب العقيدة في الأسماء والصفات للدكتور الأشقر، وتكلمنا في هذا أيضاً في درسنا من قبل كتاب مختصر كتاب العلو.
الأعراف [65 - 72]
تفسير سورة الأعراف [65 - 72]
تفسير قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون)
تفسير قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون) قال تبارك وتعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} [الأعراف:65]: قوله تعالى: ((وإلى عاد)) متعلق بمضمر معطوف على قوله تعالى: (أرسلنا)، في قصة نوح، فالمعنى: وأرسلنا إلى عاد. وعاد قبيلة كانت تعبد الأصنام، وكانت ذات بسطة وقوة، قهروا الناس بفضل هذه القوة، وفي كتاب الأنساب، عاد هو: عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، كان يعبد القمر، ويقال: إنه رأى من صلبه وأولاد أولاده أربعة آلاف، وأنه نكح ألف جارية، وكانت بلادهم إرم المذكورة في القرآن، وهي من عمان إلى حضرموت. ومن أولاده شداد بن عاد صاحب المدينة المذكورة، كذا في تاج العروس. وقال ابن عرفة: قوم عاد كانت منازلهم في الرمال وهي: الأحقاف، جبال من الرمال المستطيلة، {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ} [الأحقاف:21]، في جنوب الجزيرة العربية، ما بين عمان إلى حضرموت. وقال ابن إسحاق: الأحقاف: رمل فيما بين عمان إلى حضرموت. ((وإلى عاد أخاهم هوداً)) يعني: أخاهم في النسب، وليس أخاً لهم في العقيدة وفي الإيمان، ولكنه أخاهم في النسب؛ لأنه منهم في قول النسابين. وقيل: الناس كلهم إخوة في النسب؛ لأنهم ولد آدم وحواء، فالمراد أخاهم هوداً يعني صاحبهم هوداً، وواحد من جملتهم، كما يقال: يا أخا العرب! والمقصود واحد من العرب، وإنما قال: ((وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا)) إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى أرسل إليهم رسولاً منهم من أنفسهم، لأنهم أفهم لقوله من قول غيره، وأعرف بحاله في صدقه وأمانته وشرف أصله، وأرغب في اقتفائه، فربما إذا كان من قبيلة أخرى يستنكفون عن أن ينقادوا إليه. وأشار الحافظ ابن كثير إلى أن مساكنهم كانت في اليمن، فإن هوداً عليه السلام دفن هناك، وقال: إنهم كانوا يأوون إلى العمد في البر، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} [الفجر:6 - 7] يعني: مدينة إرم، {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} [الفجر:8] وذلك لشدة بأسهم وقوتهم، كما قال تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت:15]. ولذا دعاهم هود عليه السلام إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى طاعته وتقواه كما قال تعالى: ((يَا قَوْمِ)) أي: قال هود: يا قوم! أي: ما دمت أنا منكم وأنتم مني وما دمتم أنتم قومي فحقكم أن تكونوا مثلي في الإيمان وأن توافقوني. (اعبدوا الله) أي: وحده. (مالكم من إله غيره أفلا تتقون) أي: أفلا تخافون عذابه.
تفسير قوله تعالى: (قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين وأنا لكم ناصح أمين)
تفسير قوله تعالى: (قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين وأنا لكم ناصح أمين) قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:66 - 67]. (في سفاهة) يعني: خفة علم وسخافة عقل، حيث تهجر دين قومك إلى دين آخر، وجعلت السفاهة ظرفاً (في سفاهة) على طريق المجاز، يعني: كأنه غرق ودخل في هذه السفاهة، يريدون أنه عليه السلام متمكن من هذه الصفة، غير منفك عنها، حتى كأنها تحيط به وهو في داخلها. (وإنا لنظنك من الكاذبين) أي: في ادعائك الرسالة، إذ استبعدوا أن يرسل الله أحداً من أهل الأرض إليهم، {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:67] يعني: رسول من رب العالمين إليكم، لإصلاح أمر نشأتكم يعني: هذه النشأة في الدنيا، وأيضاً في النشأة الآخرة. {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف:68] أي: ناصح لكم فيما آمركم به من عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وأمين على تبليغ الرسالة لا أكذب فيها.
تفسير قوله تعالى: (أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم لعلكم تفلحون)
تفسير قوله تعالى: (أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم لعلكم تفلحون) قال تعالى: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف:69]. يقول هود عليه السلام لقومه: ((أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ)) يعني: ينذركم أيام الله ولقاءه عز وجل، يعني: لا تعجبوا من هذا، ولكن احمدوا الله على هذه النعمة. ((وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ)) أي: خلفتموهم في مساكنهم أو في الأرض بأن جعلكم ملوكاً بعدهم. إما خلفاء بمعنى: كما يخلف الملك الملك الآخر، فأنتم الملوك بعد قوم نوح عليه السلام، أو خلفاء بمعنى: خلفتموهم في مساكنهم، كما قال تعالى: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ} [إبراهيم:45]. ((وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً)) أي: قامة وقوة. ((فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ)) يعني: اذكروا آلاء الله في استخلافكم وبسطة أجرامكم -يعني: أجسامكم- وما سواهما من عطاياه لتخصصوه بالعبادة ((لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون)) أي: تفوزون بالفلاح. قال الزمخشري: في إجابة الأنبياء عليهم السلام من نسبهم إلى الضلال والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم: أدب حسن وخلق عظيم، إشارة إلى حسن خلق الأنبياء عليهم السلام، وصبرهم على أذى قومهم، وعظم حلمهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقد سبق ما ذكره الله في مسلك نوح مع قومه، لما دعاهم إلى الله سبحانه وتعالى، {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأعراف:60]، فكان A { قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ} [الأعراف:61] وما قال لهم: أنتم أهل الضلال، وإن كان يعلم أنهم الضلال، ومتمكنون في صفة الضلال، لكن قال: ((وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:61 - 62]. كذلك هنا قال قوم هود لهود عليه السلام: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف:68]. ففي جواب الأنبياء بالكلام الصادر عن الإغضاء والحلم، وترك المقابلة بما قالوا لهم بالمثل، مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم، في ذلك كله أدب حسن وخلق عظيم، وحكاية الله عز وجل ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء، وكيف يغضون عنهم، ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم، يعني: أن تستر على السفيه حتى وإن آذاك وتتغاضى، كما قال الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني لأن الانشغال بالدفاع عن الذات وبرد هذه السفاهات، وهذه السباب والشتائم، ليس من شأن صاحب الحق، فإنه يريد التمكين لحقه وتوضيحه وبيانه، ولا يريد الانتصار لنفسه، بل لا يفكر في الانتصار لنفسه، وإنما يتألم لما هم عليه من الضلال. وفي ذلك كمال النصح والشفقة، وهضم النفس، وحسن المجادلة، فإذاً كأن الله سبحانه وتعالى بحكاية هذا الكلام وهذه المواقف بين الأنبياء وقومهم يعلمنا أنه ينبغي لكل ناصح ألا يثأر لنفسه، أو يغضب لنفسه، وإنما يكون كل همه وجل ما يعنيه هو تبليغ الرسالة وإيضاح الحق. وهذا أوضح ما يكون أيضاً في مناظرة موسى مع فرعون، خاصة في أوائل سورة الشعراء، ترى العجب من إغراق فرعون في السفاهة والجهالة والضلالة والكفران، وتمكن موسى عليه السلام من العلم والحجة والبصيرة، فكلما رد بحجة قابله فرعون بالسفاهة أو بالتهديد أو بالأذى، كما هو معلوم لمن يراجع أوائل سورة الشعراء.
الكلام على ما ينقل من ضخامة عاد ومدينتهم
الكلام على ما ينقل من ضخامة عاد ومدينتهم أيضاً هنا تنبيه يتعلق بقول الله تبارك وتعالى: ((وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً))، يقول القاسمي رحمه الله تعالى: لا يعتمد على ما يذكره بعض المؤرخين المولعين بنقل الغرائب، دون أن يضعوا هذه الأخبار على محك النظر والنقد والتمحيص، كالمبالغة في طول قوم عاد، لأن الله سبحانه وصف قوم عاد بقوله عز وجل: ((وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً))، فترى بعض هؤلاء يحكون حكايات غريبة في ضخامة أجسام قوم عاد وطول قامتهم، وأن أطولهم كان مائة ذراع، وأقصرهم كان ستين ذراعاً. فإن ذلك لم يقم عليه دليل عقلي ولا نقلي وهو وهم. لكن عندنا دليل حسي على ذلك، وسنبينه إن شاء الله. فقوله جل شأنه مخاطباً لقوم عاد: ((وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً)): لا يدل على ما أرادوا، وإنما يدل على عظم أجسامهم وقوتهم وشدتها. ونحن الآن في هذا العصر الذي نعيشه، نرى أن الإنسان القصير لا تنقص قامته عن مقدار معين، ومهما زاد الإنسان في عظم خلقته، فبعض الأجناس وبعض الشعوب مشهورون بضخامة جثثهم، لكن لها حد محدود، فلا نرى الرجل الآن طوله مثلاً خمسة أمتار، فإن هذا لا يقع، ولكن نرى حدوداً معينة للأطوال بحد أقصى لا يزيد عنها، فمهما زاد الإنسان في الجسم بسطة ومد الله له في قامته فإن له حداً لا يزيد عليه، فمثل هذه المبالغات مما لا يقبل، فمجرد قوله تعالى: ((وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً)) لا يسوغ لنا أن نقبل أي شيء يروى فيما يتعلق بضخامة أجسام هؤلاء القوم. فالتفاوت بين الشعوب والأمم في أطوال الجسم وأحجامها من الأمور المعتادة، فإن الأمم ليست متساوية في ضخامة الجسم وطوله وقوته، بل تتفاوت لكن تفاوتاً قريباً، ومما يدل على أن أجسام من سلف كأجسامنا لا تتفاوت عنها تفاوتاً كبيراً: مساكن ثمود قوم صالح الباقية، وقوم ثمود مقاربين لقوم عاد، ومساكن قوم ثمود ما زالت حتى الآن ماثلة ومعروفة في ديار ثمود قوم صالح في الطريق الذاهب إلى تبوك في الجزيرة العربية، وهي كتل من الجبال منحوتة من الداخل، فقد كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً، فالجبل وهو كتلة من الصخر ضخمة جداً، أو كتل متلاصقة، فكانت الجبال تفرغ من الداخل عن طريق النحت، وليس مجرد نحت الزخارف كما كان يفعل قدماء المصريين، فإنكم ترون في صور معابد أبي سنبل وغيرها، أنهم ينحتون التماثيل في الجبل، لكن هؤلاء كانوا يجوفون البيت من الداخل، فالسلالم والحجر والدواليب والأرفف، كلها أشياء لا تركب، وإنما هي منحوتة في الجبال! فهي مناظر تدل على عظم بأس هؤلاء القوم، وشدة تمكنهم في هذه الأشياء، لكن مع ذلك نلاحظ أن قاماتهم تدل عليها الحجرات وارتفاعاتها، وهذه الأشياء تدل على أن قامتهم كانت معتدلة، وليست بالطول البالغ إلى الحد الذي سنحكيه الآن. ومثله في الكذب، بل أعرق منه في الوهم: ما ينقلونه في وصف عوج بن عنق الجبار ملك بيسان، من أنه كان يحتجب بالسحاب، يعني: إذا وقف فإن جسمه يحجب بالسحاب، أي أن السحاب يصل إلى صدره إذا وقف!! يقف فيصل للسحاب ويشرب منه مباشرة!! ويتناول الحوت من أعماق البحار فيشويه بعين الشمس!! فهذا كله كلام لا يصدق، وهو من الغلو، والسبب في انتشار مثل هذا الكلام ما أولع به بعض المؤرخين من الحكايات الغريبة التي يأنس لها جهلة الناس وعوامهم دون نقد ودون تمحيص. ثم إنه لو كان يريد أن يشوي السمكة فإن درجة الحرارة تكون على سطح الأرض أعلى منها على الجبال؛ ولذلك تجد دائماً أن الجليد يكون في قمم الجبال. وقد أنكر العلامة ابن خلدون جميع ذلك في مقدمة تاريخه، وأبان أن الذي أدخل الوهم على الناس في طول الأقدمين، هو ما يشاهدونه من بعض آثارهم الجسيمة، ومصانعهم العظيمة، كأهرام مصر وإيوان كسرى، فيتخيلون لأصحابها أجساماً تناسب ذلك. والحال أن عظم هذه المصانع والآثار في أمة من الأمم ناشئ عن عظم ذواتها، واتساع ممالكها، وقوة شوكتها، ونماء ثروتها، واستعانتها بالماهرين في فن جر الأثقال، فإنه يقوم بحمل ما تعجز القوى البشرية عن عشر معشاره. وأنكر أيضاً ما ينقلون من قصة جنة عاد، وأنها مدينة عظيمة، قصورها من ذهب، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الشجر والأنهار المطردة، وأنها بنيت في مدة ثلاثمائة سنة في صحاري عدن بناها شداد بن عاد، ولما تم بناءها أرسل الله على أهلها صيحة، فهلكوا كلهم، وأن اسم هذه المدينة: إرم ذات العماد، وأنها المشار إليها بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} [الفجر:6 - 8]. ويزعمون أنها لم تزل باقية في بلاد اليمن، وإنما حجبت عن الأبصار، وحيث إن ذلك لم يرو عن الصادق الأمين فلا نعول عليه ولا نلتفت إليه. صحيح أنه إذا لم يرد شيء في مثل هذا عن الصادق الأمين عليه السلام فلا نعول عليه، لكن لا يمنع أن يكتشف شيء من هذه الأشياء التي كانت محجوبة، ولا يمنع في مثل هذا المقام أن ننقل عن مجلة نيوزويك سبعة عشر فبراير، سنة اثنين وتسعين، صفحة ثمانية وثلاثين، نشرت خبراً غريباً جداً، يقول: إن القرآن يصف كيف أن الأرض ابتلعت مدينة مترفة أو باذخة فيها ترف جامد، ولكنها مدينة مهدمة أو مخربة، وهي مدينة الأبراج، وتدعى إرم، هذا نص عبارة مجلة النيوزويك، وهذا جزء كان من تحليل كبير يتكلمون فيه على اكتشاف، يقولون إنه عن طريق الأقمار الصناعية، استطاع الخبراء ومجموعة من الأخصائيين والمتمرسين في التكنولوجيا الحديثة، ومجموعة من علماء طبقات الأرض، أن يكتشفوا هذه المدينة القديمة في عمان، في الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية، ورجل يدعى نيكولاس كلاس عمل فيلماً وثائقياً عن البعثة التي ذهبت إلى هناك، والتي درست هذه المنطقة، سواء عن طريق الأقمار الصناعية أو الطبقات الجيولوجية. فيقول في النيوزويك: فالزيجرد -وكأنه يذكر طريقة تصوير ببعض الأجهزة الحديثة تكشف عما تحت الأرض- كان يرى حالياً مركز المدينة المرتطمة أو المحطمة، كما وصفها القرآن، هذه عبارتهم: كما وصفها القرآن؛ لأنها كانت بنيت فوق كذا وكذا وحقيقة المقالة كلها فيها أن القرآن أعطانا الحق عن هذه المدينة التي تدعى: عاد، وبقيت هناك علامات كثيرة حتى تأتي لهؤلاء، يعني: أن الله سبحانه وتعالى أبقى آثار هذه المدينة لمن يتفكرون ويؤمنون بوحدانية الله سبحانه وتعالى. وهذا يعني أنهم ربطوا بين هذا الاكتشاف الحديث وبين آيات القرآن الكريم التي تثبت وجود هذه المدينة، التي كانت بهذه الضخامة، التي حكاها الله سبحانه وتعالى في القرآن، واقتبسوا من القرآن الكريم تراجم لمعاني القرآن الكريم، يجمعون بينها وبين هذا البحث، وهي موجودة في النيوزويك مجازيم، سبعة عشر فبراير، سنة ألف وتسعمائة واثنين وتسعين، صفحة ثمانية وثلاثين. يقول: وأغلب المولعين بنقل مثل هذه الغرائب المصطنعة هم المؤرخون الذين يعتمدون على أخبار بني إسرائيل ويقلدونهم من غير برهان ودليل، والله الهادي إلى سواء السبيل.
تفسير قوله تعالى: (قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد أباؤنا فانتظروا إني معكم من المنتظرين)
تفسير قوله تعالى: (قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد أباؤنا فانتظروا إني معكم من المنتظرين) ثم أخبر تعالى عن تمرد عاد وطغيانهم على هود عليه السلام بقوله سبحانه وتعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ} [الأعراف:70 - 71]. ((قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ)) أي: لنخصه بالعبادة. ((وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا)) يعني: من العذاب المدلول عليه بقوله تعالى: ((أَفَلا تَتَّقُونَ)) لأنه كان يتوعدهم: فهنا قالوا: ((فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا))، والذي تأمرنا بأن نتقيه من عذاب الله. ((إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) يعني: في الإخبار بنزول العذاب. ((قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ)) أي: عذاب. والرجس بالسين والرجز بالزاي بمعنىً، حتى قيل: إن أحدهما مبدل من الآخر، كالأسد والأزد، وأصل معنى الرجس أو الرجز: الاضطراب، يقال: رجست السماء يعني: رعدت رعداً شديداً وتمخضت، وهم في مرجوسة من أمرهم يعني: في اختلاط والتباس. ثم شاع استعمال الرجس أو الرجز في العذاب؛ لأن العذاب إذا حل بقوم اضطربوا وماتوا. وادعى بعضهم أن الرجس بمعنى العذاب مجاز؛ لأنه حقيقته في الشيء القذر فاستعير لجزائهم، وظاهر اللغة أنه حقيقة وليس بمجاز، ووجه التعبير بالمضي عما سيقع: تنزيل المتوقع كالواقع، أي: كأنه قد وقع بالفعل وصار يخبر عنه بصيغة الماضي، كما في قوله تبارك وتعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل:1]. ((وغضب)) أي: سخط؛ لإشراككم معه من هو في غاية النقص في أعلى كمالاته التي هي الإلهية. ((أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ)) [الأعراف:71] يعني: في أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات، وليس لها حقيقة؛ لأنكم تسمونها آلهة، ومعنى الإلهية فيها معدوم ومحال وجوده، وهذا كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت:42] يعني: هي كالعدم. وقال الشهاب: جعل الأسماء عبارة عن الأصنام الباطلة، فعبر عن الأصنام بكلمة أسماء، كما يقال لما لا يليق: ما هو إلا مجرد اسم، فالمعنى أتجادلونني في مسميات لها أسماء لا تليق بها، فتوجه الذم للتسمية الخالية عن المعنى، والضمير حينئذ راجع إلى أسماء. ((مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ)) أي: حجة ودليل، يعني: لم يقم دليل وحجة على تسميتها آلهة؛ لأن المستحق للعبودية ليس إلا من أوجد الكل، وإنها لو استحقت لكان ذلك بجعله تعالى، إما بإنزال آية أو نصب حجة، وكلاهما مستحيل، فتحقق بطلان ما هم عليه. ((سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ)) أي: لو كانت تستحق الإلهية وليست مجرد أسماء عارية عن الحقيقة؛ لأنزل الله آية أو دليلاً أو حجةً أو برهاناً يؤكد إلهيتها، فلما لم يقع شيء من ذلك، بل مستحيل أن يقع، تحقق بطلان ما أنتم عليه. ودلت الآية على كساد التقليد حين ذمهم بسلوك طريقة آبائهم: ((سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ)) أي: تقليداً لآبائكم. وتدل على أن المعارف مكتسبة. وتدل على بطلان كل مذهب لا دليل عليه لقوله: ((مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ)). ويدل قوله: ((أَتُجَادِلُونَنِي)) على أن المبطل مذموم في جداله، والواجب عليه النظر ليعرف الحق، وأن يتأمل ويتحرى ويبحث عن الحق بتجرد وإنصاف، لا أن يجادل عن الباطل الذي هو عليه. وبين تعالى أن منتهى حجتهم وسندهم أن الأصنام تسمى آلهة، من غير دليل يدل على تحقيق المسمى، وإسناد الإطلاق إلى من لا يؤبه بقوله إظهار لغاية جهالتهم وفرط غباوتهم. ((سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ)) هذا إشارة إلى غاية الجهالة وفرط الغباوة منهم وآبائهم. ((فَانتَظِرُوا)) أي: نزول العذاب الذي استعجلتموه وطلبتموه بقولكم: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} [الأعراف:70] لأنه وضح الحق، وأنتم مصرون على العناد، فلم يبق إلا انتظار العذاب الذي تستعجلون، ولذلك قال لهم: {فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ} [الأعراف:71] أي: لما يحل بكم، فجاء منتظرهم بحيث لم ينجُ منهم بمجرى العادة أحد، وجعل هلاكهم بالريح التي تتقدم الأمطار لكفرهم برياح الإرسال.
تفسير قوله تعالى: (فأنجيناه والذين معه)
تفسير قوله تعالى: (فأنجيناه والذين معه) قال تعالى: {فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [الأعراف:72] أي: ممن آمن به على خرق العادة ((بِرَحْمَةٍ مِنَّا)) ليدل على رحمتنا عليهم في الآخرة كما رحمناهم في الدنيا، فإنهم يرجون ويؤملون في أن يرحمهم الله أيضاً من عذاب الآخرة. ((وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ)) أي: استأصلناهم، فقطع الدابر كناية عن الاستئصال وإهلاك الجميع، لأن المعتاد في الآفة إذا أصابت الآخر أن تمر على غيره، فإذا أردت أن تأتي بكلام يثبت أنهم كلهم قد هلكوا ولم ينج منهم أحد، فإنك تأتي بالأول فالثاني وهكذا، فإذا قلت: أهلكت آخرهم، فهذا تعبير يبين أنهم جميعاً قد هلكوا واستؤصلوا، والدابر بمعنى الآخر. ((الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ)) يعني: كذبوا ولم يؤمنوا. قال الزمخشري: فإن قلت: ما فائدة نفي الإيمان عنهم في قوله: ((وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ)) مع إثبات التكذيب بآيات الله؟ قلت: هو تعريض بمن آمن منهم كـ مرثد بن سعد ومن نجا مع هود عليه السلام، يعني كأنه قال: وقطعنا دابر الذين كذبوا منهم، ولم يكونوا مثل من آمن منهم، ليؤذن أن الهلاك خص المكذبين ونجى الله المؤمنين، وفي هذا إشارة إلى حسن عاقبة المؤمنين.
الأعراف [103 - 137]
تفسير سورة الأعراف [103 - 137]
تفسير قوله تعالى: (وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين فأرسل معي بني إسرائيل)
تفسير قوله تعالى: (وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين فأرسل معي بني إسرائيل) قال تبارك وتعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف:103 - 105]. ((وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين)) أي: أرسلني إليك الذي هو خالق كل شيء وربه سبحانه وتعالى. ((حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق)) أي: جدير بذلك وحري به؛ لما علمت من حالي، وهناك قراءة أخرى: ((حقيق عليَّ أن لا أقول على الله إلا الحق)) بمعنى: واجب علي أن لا أقول على الله إلا الحق، أو ((حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق)) أي: حريص على ألا أقول على الله إلا الحق. والباء وعلى يتعاقبان، تقول: جاء على حال حسن، وتقول: جاء بحال حسن، فحقيق على يعني: حقيق بألا أقول، وقرأ أبي رضي الله عنه: (حقيق بأن لا أقول). وقوله: (قد جئتكم ببينة من ربكم) أي: آية قاطعة وواضحة تشهد على صدقي فيما جئتكم به بالضرورة. ((فأرسل معي بني إسرائيل)) روي أن الله تبارك وتعالى أمره أن يأتي فرعون ويقول له: إن إلهنا أمرنا أن نسير ثلاثة أيام في البرية ونقرب له قرابين ونعبده، وقد علم تعالى أن فرعون لا يدعهم يمضون، ولكن ليظهر آياته على يد موسى عليه السلام ويهلك عدوه، فلما أتى موسى فرعون وكلمه في أن يرسل معه قومه أنكر أمر الرب له، وقال: لماذا نعطل الشعب عن أعماله، هذا سيؤثر على الإنتاج وسيؤثر على الاقتصاد، كيف نتركهم يخرجون معك يتعبدون ويتعطلون عن الأعمال التي سخرهم فرعون من أجلها؟ فقد كانوا مسخرين لفرعون في عمل اللبن، وأمر حينئذ بزيادة عملهم، بأن يجمعوا التبن من أنفسهم بعد أن كانوا يعطونه من قبل فرعون.
تفسير قوله تعالى: (قل إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فإذا هي بيضاء للناظرين)
تفسير قوله تعالى: (قل إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فإذا هي بيضاء للناظرين) ثم طلب فرعون من موسى آية كما قال تعالى: {قَالَ إِنْ كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الأعراف:106 - 107]. ((فألقى عصاه)): التي هي جماد، من غير سترة ومن غير معالجة سبب، فكان الأمر لا لبس فيه على الإطلاق، لا كما يفعل المهرة من الحواة أو السحرة وغير هؤلاء، يخبئ شيئاً في فمه ويظهره من الجانب الآخر إلى آخر هذه الحيل التي تعتمد على خفة اليد، فيظهر شيئاً خلاف الشيء الذي كان ظاهراً من قبل، أو يستر الشيء الذي يتعامل معه ثم يظهر منه شيئاً آخر، وغيرها من الحيل المعروفة عند الحواة. فيقول تبارك وتعالى: ((فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ)) أي: بدون سترة فلم تكن العصا مستورة، وبدون معالجة سبب من الأسباب كي تتحول إلى هذه الآية. وكلمة: (فإذا) فجائية، والثعبان هو: الحية الضخم الذكر، وهو أعظم الحيات، أي حية كبيرة هائلة، فاضت عليه الحياة لتدل على فيضان الحياة العظيمة على يديه. ((مبين)) يعني: ظاهر لا متخيل. ((ونزع يده)) يعني: أخرج يده من جيبه بعدما أدخلها فيه. ((فإذا هي بيضاء للناظرين)) يعني بيضاء بياضاً خالياً من البرص، والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [النمل:12]: لأن البياض أحياناً يكون بسبب مرض البرص، فقوله: ((فإذا هي بيضاء للناظرين)) يعني: بياضاً نورانياً خارجاً عن العادة، يجتمع عليه النظار تعجباً من أمره فيدل على أنه يظهر على يديه شرائع تغلب أنوارها المعنوية الأنوار الحسية وتتقوى بها الحياة بالله.
تفسير قوله تعالى: (قال الملأ من قوم فرعون فماذا تأمرون)
تفسير قوله تعالى: (قال الملأ من قوم فرعون فماذا تأمرون) قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الأعراف:109] ((الملأ)) الأشراف الذين يكرهون شرف الغير عليهم، قالوا: في دفع هذه الآيات الظاهرة عن خواطر الخلق، ومحاولة إبطال ما أظهره موسى عليه السلام من الآية والمعجزة: ((إن هذا لساحر عليم)) أي: ماهر في السحر. وبين تعالى في سورة الشعراء أن فرعون قال أيضاً نفس هذا القول: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الشعراء:34 - 35] أي: يخرجكم من أرض مصر بسحره، ليتملك عليها. فهذا فرعون وملؤه يقولون إن موسى عليه السلام يريد أن ينازعهم، وتكون له الكبرياء والملك في الأرض، وذلك بالتستر وراء الدين للحصول على مآرب سياسية. ((فماذا تأمرون)) أي: ماذا تشيرون في أمره، وهذا القول من تمام الحكاية عن قول الملأ، أو هو مستأنف من فرعون، ويدل على هذا الوجه الثاني: قوله تعالى: {قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [الأعراف:111] في الرد والجواب عليه.
تفسير قوله تعالى: (قالوا أرجه وأخاه ساحر عليم)
تفسير قوله تعالى: (قالوا أرجه وأخاه ساحر عليم) {قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} [الأعراف:11 - 112] وقولهم ((أرجه وأخاه)) أرجه أو أرجئه بالهمز، يعني: أخر أمرهما وأصرفهما عنك الآن حتى ترى رأيك فيهما وتدبر شأنهما؛ لئلا تنسب إلى الظلم الصريح، فحسن صورتك حتى لا يظن بك أنك ظلمتهم ظلماً صراحاً، لكن أظهر أنك تعطيهم الفرصة، وأنك كما يقال الآن: ديمقراطي وكذا وكذا. مع أنه تقدم منه أمر آخر يفهم من هذا، وهو أن فرعون هم بقتل موسى عليه السلام أولاً، ثم أشار عليه هؤلاء المستشارون بأن يؤخره كي يتبين حاله للناس. ((وأرسل في المدائن)) أي: في مدائن الصعيد من نواحي مصر، ((حاشرين)) أي أرسل من يأتيك بكل ساحر عليم وقرئ: (يأتوك بكل سحّار عليم) أي: ماهرين في باب السحر، ليعارضوا موسى بنظير ما أراهم من البينات، قال الجشمي: تدل الآية على عظيم علم موسى، وتدل على جهل فرعون وقومه، حيث لم يعلموا أن قلب العصا حية تسعى لا يقدر عليه غير الله سبحانه وتعالى، ويستحيل أن تشتبه معجزة النبي بالسحر. فلا يمكن أن تنقلب العصا إلى حية حقيقة، فهؤلاء لشدة جهلهم لم يعلموا أن قلب العصا حية تسعى لا يقدر عليه غير الله سبحانه وتعالى، حتى نسبوا ذلك إلى السحر، كما تدل الآية على أن عادة البشر أن من رأى أمراً عظيماً يسعى إلى أن يعارضه، لذلك لما رأوا تحول العصا إلى حية، فزعوا إلى استنفار فرعون، وجعلوا يحصدون له السحرة ويجمعونهم له. فيقول: تدل على أن من عادة البشر أن من رأى أمراً عظيماً أن يعارضه، فلذلك دعا فرعون بالسحرة، فدل على أن العرب لو قدروا على مثل القرآن أيضاً لعارضوه، وهذا معروف، فقد تحداهم الله سبحانه وتعالى به، ومع ذلك ما استجابوا للتحدي، وهم أفصح البشر. وتدل الآية على أن الطريق في المعجزات: المعارضة؛ ولذلك قال تعالى في القرآن: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [يونس:38] إذا صدق الإنسان في المعارضة فليأت بمثل هذه المعجزة، وهيهات أن يفلح في ذلك! ولذلك فإن فرعون وقومه حينما رأوا آية موسى عليه السلام ما استطاعوا أن يأتوا بمثلها، لكن حاولوا المعارضة بجمع السحرة، وإلقاء الشبه، فلما بان عجزهم لجأ فرعون إلى التهديد. وتدل الآية أيضاً على أنهم أنكروا أمر الرسالة خوفاً منهم على الملك والمال، كما يقال: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والذي يدل على ذلك قوله: {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} [الشعراء:35]، فيدل على أن من أقوى الدواعي إلى ترك الدين هي المحافظة على الرئاسة والمال والجاه، كما هو عادة الناس في هذا الزمن. ثم تسابقت شرط فرعون ينتشرون في الآفاق، يحشرون له أمهر السحرة كي يعارضوا موسى عليه السلام.
تفسير قوله تعالى: (وجاء السحرة فرعون وإنكم لمن المقربين)
تفسير قوله تعالى: (وجاء السحرة فرعون وإنكم لمن المقربين) قال عز وجل: {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الأعراف:113 - 114]. يعني: إن لكم أجراً عظيماًَ معلوماً ومضموناً على هذا، ثم زادهم على ما طلبوا من الأجر فقال: ((وإنكم لمن المقربين)). والإنسان إذا كان يعبد الله سبحانه وتعالى واستحضر هذه الآية، حرص بعبادته على أن يكون من المقربين، ولذلك فإن أعلى درجات أهل الجنة هم المقربون، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. ولما توثقوا من فرعون، يعني ضمن لهم هذا الأجر وهذا التقريب:
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين وجاءوا بسحر عظيم)
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين وجاءوا بسحر عظيم) قال تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف:115 - 116]. كان السحرة كفاراً، لكنهم هنا تأدبوا مع موسى عليه السلام، وقد نفعهم هذا الأدب حتى قال القرطبي رحمه الله تعالى: تأدبوا مع موسى فكان ذلك سبب إيمانهم، ((قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ)) أي: أن نكون نحن أول من ألقى، كما في الآية الأخرى. قيل: خيروا موسى إظهاراً للجلادة فلم يبالوا بتقدمه أو تأخره، وقال الزمخشري: تخييرهم إياه أدب حسن، وهذا من المجاملة، فإنهم التقوا كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا في الجدال، والمتصارعين قبل أن يأخذوا في الصراع. ((قَالَ أَلْقُوا)) أي: قال موسى لهم: ألقوا يعني: ألقوا ما أنتم ملقون، وإنما سوغ لهم التقدم ازدراء لشأنهم وقلة مبالاة بهم، وثقة بما كان بصدده من التأييد الإلهي، وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبداً. يقول ابن زيد: كان الاجتماع بالإسكندرية، فبلغ ذنب الحية وراء البحيرة، يعني كانت الحية ضخمة جداً، ولا أدري بالضبط ماذا يقصد بالبحيرة إذا صح هذا الكلام. ((فلما ألقوا سحروا أعين الناس)) أي: خيلوا لها ما ليس في الواقع، إذاً ما ألقوه من الحبال هي في الحقيقة بقيت كما هي! وإنما السحر أثر على أبصارهم؛ ولذلك قال عز وجل هنا: ((سحروا أعين الناس)) لأن السحر إما أن يؤثر في الرائي أو يؤثر في المرئي، فهذه الآية تدل على أن هذا النوع من السحر كان مما يؤثر في عين الرائي، فيرى الشيء على خلاف ما هو عليه. ((واسترهبوهم)) يعني: أفزعوهم بما فعلوا من السحر، كما قال في الآية الأخرى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه:66 - 69]. ومثل هذه الآية لا يصح الاستدلال بها على نفي تأثير السحر؛ لأن السحر أنواع كثيرة ولا ينحصر في نوع واحد، فسواء كان السحر هنا نوعاً من الحيل بحيث إنهم وضعوا في الحبال أو في التجويف زئبقاً، والزئبق جعل هذه الحبال تلتوي، أو أن السحر إنما كان بالأعين، وهذا هو الأكيد قطعاً بنص القرآن. فالاستدلال على نفي السحر بمثل هذه الآية استدلال بها على غير وجهها، فيستدل بعض الناس على نفي السحر وأنه مجرد تخييل، بأن هذا السحر إنما كان في أعين الناس، {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف:116] أي: عظيم في باب السحر وفي مجال السحر، فمن رآه عده سحراً عظيماً، فإنه ألقى كل واحد عصاه فصارت العصي ثعابين. قال الجشمي: تدل الآيات على أن القوم أتوا بما في وسعهم من التمويه، وكان الزمان زمان سحر، والغالب عليهم الاشتغال به، فأتى موسى عليه السلام من جنس ما هم فيه، بما لم يقدر عليه أحد، ليعلموا أنه معجز وليس بسحر، وهكذا ينبغي في المعجزات أن تكون من جنس ما هو شائع في القوم، ويتعذر عليهم مثله، وكان الطب هو الغالب في زمن عيسى فكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، وليس ذلك في وسع طبيب، وكان الغالب في زمن نبينا عليه السلام الفصاحة والخطب والشعر، فجاء القرآن وتحداهم به.
الفرق بين السحر والمعجزة
الفرق بين السحر والمعجزة وتدل -أي الآيات- على أنهم بالحيل جعلوا الحبال والعصي متحركة، حتى أوهموا أنها أحياء، ولكن لما وقف على أصل ما فعلوه وعلم، وكان مثله مقدوراً لكل من يتعاطى صناعتهم علم أنه شعبذة، ولهذا تفترق المعجزة عن الشعبذة. ويمكن أن نميز بين المعجزة والشعبذة بما يلي: أولاً: الشعبذة يوقف على أصلها، كما يصنع الحاوي أحياناً في بعض الأشياء التي يفعلها والناس يعتبرون ذلك شيئاً خارقاً للعادة، لكن في نفس الوقت يمكن أن يشرح لهم كيف فعل هذا الشيء، فيأتي بأصل هذا الأمر، فيقول مثلاً: سوف أخبئ الشيء مثلاً في كمي وبخفة يد سأخرج الأشياء المعروفة هذه إلخ. أما المعجزة فلا يمكن أن تقف على أصلها، إلا أن تنسبها إلى قوة الله سبحانه وتعالى الذي يخرق الأسباب متى شاء وكيف شاء. فهؤلاء السحرة كانوا يعرفون ما أصل حكاية السحر التي قلبت الحبال إلى ثعابين، وذلك إما أنهم عملوا نوعاً معيناً من السحر يؤثر في أعين الناس، أو أن عملهم للسحر كان حيلة حيث وضع الزئبق في الحبال بحيث تلتوي، فبهذا يكونون قد سحروا أعين الناس حين رأوا الشيء على غير ما هو عليه. الفارق الثاني: أن الشعبذة يمكن الإتيان بمثلها، يمكن أن تعارض ويؤتى بمثلها، وكل من عنده خبرة بهذا الفن يستطيع أن يأتي بمثلها، لكن المعجزة يستحيل أن يأتي بشر بمثلها إلا نبي من أنبياء الله. الفارق الثالث: أن الشعبذة يخفى أمرها بخلاف المعجزة، وتدل على اعتراف فرعون بالذل والضعف، حيث استغاث بهم وبمهنتهم لدفع مكروه، وبلا شك أن مثل هذا لا يصلح إلهاً، فكيف يكون إلهاً، ثم إذا أصابه هذا المكروه فزع إلى مرهوبيه الذين يفترض أنهم أضعف منه، كي ينصروه على من يخاصمه أو يتحداه، فهذا يدل على اعتراف فرعون بالذل وبالعجز وبالضعف.
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون وتوفنا مسلمين)
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون وتوفنا مسلمين) قال عز وجل: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف:117 - 126]. ((تلقف)) أي: تبتلع، ((ما يأفكون)) يعني: ما يلقونه ويوهمون أنه حق وهو في الحقيقة باطل، وأصل الإفك الكذب، ((فوقع الحق)): ظهر الحق وثبت الإعجاز، ((وبطل ما كانوا يعملون)) أي: من السحر لإبطال الإعجاز. ((فغلبوا هنالك)) يعني: في مكان وعر، وهو المكان الذي اجتمع فيه أهل مصر بدعوة فرعون لهم لظنه غلبة السحرة، ففرعون حشر الأقباط وحشر السحرة {قال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} [طه:59] أي: في وقت واضح في النهار، بحيث لا يلتبس الأمر على أحد. ((فَغُلِبُوا هُنَالِكَ)) يعني: في هذا المكان، ((وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ)) أي: رجعوا ذليلين، ((وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ)) وفي الحال: ((قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)) ((رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)). قال الجشمي: دلت الآية على أن السحرة عرفوا أن أمر العصا ليس من جنس السحر، فآمنوا في الحال. ((قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ))، وهذا وعيد شديد من فرعون، ثم فصله فقال: ((لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِين)) أي: لأقطعن من كل جانب عضواً مغايراً للآخر، كأن تقطع اليد من اليمين والرجل من الشمال والعكس. قال الشهاب: ((من خلاف)) حال يعني: مختلفة، وهنا تفسير ضعيف وهو أن: ((من خلاف)) يعني: لأجل خلافكم. وهذا بعيد. ((ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ)) أي: فضيحة لكم وتمثيلاً وزجراً لأمثالكم. ((قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ)) يعني: فلا نبالي بما تهددنا به من الموت؛ لأن هذا الموت الذي تخوفنا به هو وسيلة انتقالنا إلى الدار الآخرة، حيث نحيا حياة هي خير من هذه الحياة الأولى، فما تهددنا به وهو الموت أو القتل هو الذي يقربنا إلى من آمنا به، فيحيينا حياة هي خير من الحياة الدنيا. ((وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا)) أي: ما تعيب منا إلا الإيمان بآيات الله، وما عبته وأنكرته هو أعظم محاسننا، وأعظم شيء نعتز به؛ لأنه خير الأعمال وأعظم المناقب، فلا نعدل عنه طلباً لمرضاتك. وهكذا المؤمنون المضطهدون في كل زمان، جريمتهم التي تنقم عليهم هي إيمانهم بالله عز وجل: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج:8]. ((رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا)) الإفراغ: هو الصب، أي: ربنا اصبب علينا صبراً، فشبهوا الصبر بسائل أو مطر سينزل عليهم، أي يصبه الله سبحانه وتعالى عليهم ويكثر من هذا الإفراغ، أي: أفض علينا صبراً واسعاً لنثبت على دينك، وذلك عند القطع والصلب. ((وتوفنا مسلمين)) أي: ثابتين على الإسلام، فيقصدون هنا حسن الخاتمة.
تفسير قوله تعالى: (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى)
تفسير قوله تعالى: (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى) قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف:127]. ((وقال الملأ من قوم فرعون)) أي: خوفاً من انقلاب الخلائق عليهم حين رأوا السحرة جاهروا بالإسلام ولم يبالوا بالتوعد. ((أتذر)) يعني: أتترك ((موسى وقومه ليفسدوا في الأرض)) بإيقاع الفرقة وتشتيت الشمل، وقوله: ((ليفسدوا في الأرض)) أي: في أرض مملكتك بتغيير الناس عنك. ((ويذرك وآلهتك)) الآلهة: جمع إله بمعنى: المعبود. وكان للمصريين آلهة كثيرة منها الإله الذي كانوا يعتقدون أن روحه توجد في الثور الذي كانوا يعبدونه أيضاً، وكانوا يعبدون الظلام أيضاً، ويعبدون صنماً يعتقدون أن وظيفته طرد الذبان، وبالجملة فقد فاقوا كل من سواهم في الضلال، فكانوا يسجدون للشمس وللقمر وللنجوم والأشخاص البشرية والحيوانات، حتى الهوام وأدنى حشرات الأرض، هكذا حكى عنهم بعض المدققين. وقد ذكر الشهرستاني في الملل والنحل: أن فرعون كان أول أمره على مذهب الصابئة، ثم انحرف عن ذلك وادعى لنفسه الربوبية، إذ رأى في نفسه قوة الاستعمال والاستخدام. وقال بعض المفسرين: (ويذرك وآلهتك) يعني: وطاعتك، أو (ويذرك وإلهتك) يعني: عبادتك، الإلهة أو الألوهة هي العبادة. وقال بعضهم: إن كلمة الآلهة: لفظة اصطلاحية عند العبرانيين، يراد بها القضاة والحكام الذين يقضون بأمر الله، وأنها لو حملت على هذا هاهنا لم يبعد، ويكون المعنى: ويذرك وقضاتك وذوي أمرك، ويكون الغرض من ذكرهم معه تهويل الأمر وإلهاب قلب فرعون على موسى وإثارة غضبه. والأظهر ما قدمناه أولاً: (ويذرك وآلهتك) جمع إله وهو المعبود. ((قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ)) والقراءة الأخرى: (قال سنقتل أبناءهم) أي: المولودين. ((وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ)) أي: نستبقي نساءهم للاستخدام. ((وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)) أي: بالغلبة والقدرة عليهم، ففعلوا بهم ذلك، فلما فعل بهم هذا الوعيد من قتل الأبناء، واستحياء النساء، شكا بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف:128]. وهنا: ((قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ)) ولم يقل: سأقتل موسى؛ لعلمه أنه لا يقدر عليه، وقال سعيد بن جبير: كان فرعون قد ملئ من موسى رعباً، فكان إذا رآه يبول كما يبول الحمار. فالله أعلم بصحة ذلك.
تفسير قوله تعالى: (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا فينظر كيف تعملون)
تفسير قوله تعالى: (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا فينظر كيف تعملون) قال تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} * {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:128 - 129]. ((قال موسى لقومه)) لما شكوا إليه ما لقوه من فرعون، (استعينوا بالله) يعني: عليكم أن تفزعوا إلى الله سبحانه وتعالى وأن تستعينوا به على هذا البلاء، ((واصبروا)) يعني: على أذاهم. ((إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا)) أي: يعطيها ((مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) يعني: أن النصر والظفر للمتقين على عدوهم، وكان تعالى وعد موسى بأنه سيطرد المصريين من أصلهم ويهلكهم، وينجي قومه من عذابه لآل فرعون؛ فلذلك بشرهم بهذا: ((إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)). وعاقبة كل شيء: آخره، ولكنها إذا أطلقت فهم منها في العرف: الخير كما في هذه الآية، وهنا لم يقل: العاقبة الحسنى ولا العاقبة السوء، فهي تأتي بهذه الاستعمالات، لكن إذا أطلقت انصرفت عرفاً إلى الخير. قال الجشمي: تدل الآيات على أن قوم فرعون لما عجزوا عن موسى في آياته عدلوا إلى إغراء فرعون وتحريضه واستعدائه على موسى، وأوهموه أن تركه فساد في الأرض، وعند ذلك أوعده. وذلك من أدل الدليل على نبوة موسى؛ لأن هذه حيلة العاجز. فهروب فرعون إلى التهديد وإلى التخويف وإلى التوعد، مع أنه قد أتى بالمعجزة، ومع أنه تحداهم، ومع أنهم عجزوا عن أن يستجيبوا للتحدي، فهذا من أعظم الأدلة عند العقلاء على صحة نبوة موسى عليه السلام؛ لأن قتل صاحب المعجزة لا يقدح في معجزته، ما دام أنهم قد عجزوا عن الإتيان بمثلها؛ ولهذا قال مشايخنا: إن العرب لما عدلوا عن معارضة القرآن إلى القتال دل ذلك على عجزهم. يقول: وهكذا حال كل ضال مبتدع إذا أعيته الحجة عدل إلى التهديد والوعيد. وتدل الآية على أنه عند الخوف من الظلمة يجب الفزع إلى الله سبحانه وتعالى والاستعانة به والصبر، ولا نفزع إلا بهذين الأمرين، وهما: الانقطاع إلى الله عز وجل بطلب المعونة في الدفع، واللطف له في الصبر. وتدل على أن العاقبة المحمودة تنال بالتقوى، وهي اتقاء الكبائر والمعاصي. {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف:128]، فبماذا أجاب قوم موسى؟ {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:129]. أي: هؤلاء القوم الأقباط فعلوا بنا الهوان والإذلال من قبل بعثتك وبعدها، ثم صرح لهم موسى بما رمز إليه من البشارة، لأن موسى حين مضى رمز إليهم بالبشارة، حينما قال: ((إن الأرض لله يورثها من يشاء من عبادة والعاقبة للمتقين)) يعني أن هذه سنة كونية من سنن الله سبحانه وتعالى التي لا تتبدل، كذلك أتى بها في كلمتين فقال: (والعاقبة للمتقين)، فكان ينبغي أن يفهموا من ذلك أنه بشرهم بأن النصر والظفر لهم، فحينما قالوا له: ((أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا)) صرح لهم بما رمز إليه فقال: ((عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ)) يعني: فرعون وجنوده، ((وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)) يعني: فيرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبيحه وشكر النعمة وكفرانها؛ ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون) قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف:130] يعني: لما امتنعوا عن إجابة موسى وإرسال قومه معه أخذهم بالسنين، أي: بالجدب والقحط، ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون أي: يتعظون فيرجعون عما هم فيه من الكفر إلى أمر موسى. و ((لعلهم يذكرون)) لأن الشدة ترقق القلوب، وترغب في الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى، {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام:42]. قال الجشمي: تدل الآية على أن الشدة والبؤس قد يكونان لطفاً وصلاحاً في الدين؛ لذلك قال: ((لعلهم يذكرون)) فالإنسان لا يدري ما يصلح قلبه وما يصلح حاله كما جاء في الحديث الصحيح: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير: إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له). فعلى المرء أن يثق بأن ما يقدمه الله سبحانه وتعالى له هو الخير، فرب مصيبة تلم بالإنسان تكون سبباً في رقة قلبه وانكسار كبريائه واختياله والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى؛ وهذا يؤخذ من هذه الآية: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف:130]، فالحكمة من ذلك: رجاء أن يتذكروا وأن يتضرعوا إلى الله سبحانه وتعالى. فإذاً الشدائد يقدرها الله على عباده لهذه الحكمة العظيمة ((لعلهم يذكرون)) أي: يتذكرون ويتبصرون ويصلحون حالهم مع الله سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه)
تفسير قوله تعالى: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه) قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الأعراف:131] ثم بين تعالى أنهم مع تلك المحن عليهم والشدائد لم يزدادوا إلا تمرداً وكفراً، فقابلوا عقاب الله سبحانه وتعالى بالسنين ونقص الثمرات الذي كان يرجى أن يكون من ورائه تضرع وتذلل ورقة في قلوبهم، بأن تمردوا وازدادوا عتواً وكفراً. قوله تعالى: ((فإذا جاءتهم الحسنة)) أي: الصحة والخصب، ((قالوا لنا هذه)) أي: هذا لأننا نستحق هذه النعمة، فهي لأجلنا واستحقاقنا كما قال قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78] ولم ينسب الفضل إلى الله سبحانه وتعالى، وكذلك هؤلاء إذا جاءتهم الحسنة قالوا: لنا هذه، أي: نحن نستحق هذه وهي أتت لأجلنا واستحقاقنا، ولم يروا ذلك من فضل الله عليهم فيشكروه على إنعامه. ((وإن تصبهم سيئة)) شدة ((يطيروا بموسى ومن معه)) يعني: يتشاءموا وأصله (يتطيروا) يعني: أنهم عندما تأتيهم المصيبة أو العذاب أو نقص الثمرات والجدب والقحط يقولون: هذه بشؤم موسى وهؤلاء المؤمنين معه -والعياذ بالله-. فأبطل الله سبحانه وتعالى كلامهم بقوله عز وجل: ((أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ)) أي: شدتهم وما صار إليهم من القضاء والقدر، ((عند الله)) لا عند غيره، يعني: هذا إنما هو من قبل الله عز وجل بقضائه وقدره، ((ولكن أكثرهم لا يعلمون)) أن ما أصابهم من الله تعالى فيقولون ما يقولون مما حكى عنهم. وقوله تعالى: (ألا إنما طائرهم عند الله) يعني: أن شؤمهم، وما قد أعد الله لهم بسوء أعمالهم هو عند الله سبحانه وتعالى، وأصل كلمة الطائر أو التطير: التفاؤل بالطير؛ لأن العرب في الجاهلية كان إذا أراد أحدهم أن يفعل شيئاً أو يمضي في سفر، فإنه كان ينفر الطير، فإن اتجه إلى اليمين سموه السانح، وإن اتجه إلى اليسار سموه البارح، فإن اتجه يميناً تيمنوا وتفاءلوا وسافروا، وهي استخارة شركية، وإذا اتجه شمالاً تشاءموا وتركوا السفر. ثم بعد ذلك استعمل لفظ التطير في كل ما يتفاءل به ويتشاءم، ولذلك روي في الحديث -وفيه ابن لهيعة والكلام فيه معروف-: (اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك). وأيضاً قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء:13] يعني: عمله الذي صدر عنه من خير أو شر، ألزمناه إياه في عنقه. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ((وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ)): ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن فرعون وقومه إن أصابتهم سيئة أي: قحط وجدب ونحو ذلك تطيروا بموسى وقومه، فقالوا: ما جاءنا هذا الجدب والقحط إلا من شؤمكم، وذكر مثل هذا عن بعض الكفار مع نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} [النساء:78] كما تقدم في سورة النساء، وذكر نحوه أيضاً عن قوم صالح مع صالح في قوله: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} [النمل:47]، وذكر نحو ذلك أيضاً عن القرية التي جاءها المرسلون في قوله: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ} [يس:18]. وبيَّن تعالى أن شؤمهم من قبل كفرهم ومعاصيهم، لا من قبل الرسل، فقال عز وجل: ((أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ))، وقال في سورة النمل في قوم صالح: {قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل:47]، وقال في يس: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} [يس:19].
تقسير قوله تعالى: (وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين)
تقسير قوله تعالى: (وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين) {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [الأعراف:132 - 133] أخبر تبارك وتعالى عن شدة تمرد فرعون وقومه وعتوهم، وأنهم لم يكتفوا بالتكذيب بموسى مع كل ما مضى، بل جاءهم العذاب فلم يتذكروا ولم يتضرعوا إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما ازدادوا عتواً، وكانوا إذا أصابهم الخير قالوا: لنا هذه! فلم يشكروا الله سبحانه وتعالى، وإذا أصابهم الشر تشاءموا وقالوا: هذه بشؤم موسى ومن معه، تمادوا في ذلك حتى تجاسروا وتكبروا بقولهم: ((وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)) أي: بمصدقين بالرسالة، فجاءت العقوبة مباشرة: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [الأعراف:133]. ((فأرسلنا)) أي: على آل فرعون ((الطوفان))، وأما قوم موسى فلطف تعالى بهم فلم ينلهم ولا حل بهم سوء من الطوفان ولا غيره. والطوفان لغة هو: المطر الغالب، ويطلق على كل حادثة تطيف بالإنسان وتحيط به، فعم الطوفان الصحراء، وأتلف عشبها، وكسر شجرها، وتواصلت الرعود والبروق ونيران الصواعق في جميع أرض مصر، وعلينا أن نتفكر في هذا لقوله تعالى: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ} [إبراهيم:45]، فكل من سكن مساكنهم مخاطب بهذه العبرة وبهذه العظة فهذه سنة الله سبحانه وتعالى في الدنيا أنها دار ابتلاء كما كررنا مراراً، فالله عز وجل قادر بكلمة من حرفين: ((كن)) على أن يكون البشر كلهم على أتقى قلب رجل واحد، وهو قلب رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، ولكننا لسنا ملائكة في الدنيا، فهذه مجرد فترة امتحان في دار امتحان. فالعزة التي كانت والعتو والتمرد والاستكبار الذي أصاب فرعون وقومه، ومقابلة آيات الله عز وجل بمزيد من التمرد والعتو، تدعونا لننظر إلى العاقبة لمن كانت؟ فالدنيا دار ابتلاء، فنفس هذه الأشبار أو الأمتار التي نعيش عليها عاش عليها من قبلنا، والإنسان أحياناً يغفل عن تدبر هذا الأمر، فلسنا أول من يطأ هذه الأرض، بل وطأ نفس هذه البلاد قرون وقرون وقرون كانوا أعظم منا وأشد قوة، ومع ذلك لما كفروا مكر الله سبحانه وتعالى بهم؛ فلذلك {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ} [آل عمران:196] العتو والاستكبار إنما هو جولة ليست هي النهاية، فالنهاية والعاقبة حتماً ستكون للتقوى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف:128] {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132] كما أخبر الله عز وجل. فالله سبحانه وتعالى قادر على أن ينزل صاعقة من السماء على كل من يعادي الإسلام أو يعادي أولياء الله سبحانه وتعالى، والناس ينظرون إليه، لكن هذا سينافي حكمة الابتلاء، فلو أن كل من يكفر بالله، وكل من يحارب الإسلام، تنزل عليه صاعقة وتأخذه أمام الناس، فهنا سيبطل اختيار الناس وسيؤمنون كرهاً وليس طواعية، وحكمة الله سبحانه وتعالى: أن يكون الإيمان المعتبر هو الإيمان الاختياري وليس الإيمان الذي يأتي بالإجبار؛ فلذلك تستمر سنن الله سبحانه وتعالى، وتنتهي فصول بعض الأحداث في الدنيا والتي قد تكون بنهاية غير سارة، لكن ليست هذه هي العبرة، العبرة أنهم صاروا من أهل النار، فعلينا أن نستحضر هذا التعاقب بين عتو قوم فرعون ثم العذاب الذي يأتيهم. ومن رحمه الله سبحانه وتعالى: أنه يأتينا بهذه النذر لعلنا نتذكر أو لعلنا نتضرع، إنعاماً في إقامة الحجة عليهم، فانظر أتتنا من قبل الزلازل وأتتنا الفئران وأتانا الجدب والقحط من سنوات إذا كنتم تتذكرون، ومن قبل أشياء كثيرة جداً، والآن حينما عم وانتشر هذا البلاء المسمى بجنون البقر، انظر كيف كان رد فعل الناس لمثل هذا الأمر، حتى أنهم بالغوا في هذه الردود بمقاطعة لحم البقر حتى إن الجزارين تأثروا بذلك. يخبرنا الله سبحانه وتعالى به وهو أصدق القائلين من أن هذا حلال، وأن هذا حرام، وأن هذا يغضب الله، وأن هذا يرضي الله، ونحن لا نبالي بأوامر الله عز وجل ولا بشرع الله عز وجل، ولا نبالي بمحاربة دين الله. وقد انتشر الآن جنون البقر، والناس خافوا من هذه الأشياء، ألا ينبغي علينا حينما يخبرنا الله بشيء: أن فيه هلاكنا وأن فيه دخول النار أن نحذر؛ لأننا عصينا الله وحاربنا دين الله، فتكون عاقبتنا كذا وكذا، فأولى أن نصدق خبر الله سبحانه وتعالى ونعمل به. والآن وزير الصحة اليمني أو اليماني أعلن أن الآلاف من اليمنيين يموتون بالسرطان الذي ينشأ عن مضغ القات، ويحتمل أنهم الآن يرتدعون، ومن قبل كان العلماء ينصحونهم أن القات فيه كذا وكذا من المضار، أو أنه محرم شرعاً، فلا يبالون، والقات منتشر هناك أشد من التدخين هنا، بين النساء والرجال والأطفال والكبار والصغار بصورة مقززة وسيئة، فهم يتعاطون هذا القات ويمضغونه ويكومونه في أشداقهم فيما يسمونه تخزين القات، ومع ذلك لم يبالوا بكلام العلماء حينما زجروهم عن ذلك، لكن يحتمل الآن أن ينفعلوا ويبدءوا في تصحيح أوضاعهم إذا أذيع لهم أن الآلاف منهم يموتون بالسرطان؛ بسبب مضغ القات. فحينما تأتينا الأخبار أو التحذيرات من بشر مثلنا نقبلها، حينما يأتيك الطبيب ويقول لك: لا تأكل السمك ولا تأكل كذا، وربما منع عليك أشياء معينة بسبب مرض معين تنصاع، بل تسلم له نفسك كي يفتح بطنك بالمشرط ويجري لك عملية جراحية، فإذا أخبرك الله سبحانه وتعالى أن في ذلك شراً لك أو أن في ذلك خيراً لك لا تبالي بشرع الله سبحانه وتعالى، ولا تسارع إلى طاعته والخوف مما حذرك الله عز وجل منه.
تفسير قوله تعالى: (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل)
تفسير قوله تعالى: (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل) قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [الأعراف:133]. ((فأرسلنا عليهم)) أي: على آل فرعون ((الطوفان)) كما قلنا: هو المطر الغالب، فعم الطوفان الصحراء وأتلف عشبها وكسر شجرها وتواصلت الرعود والبروق ونيران الصواعق في جميع أرض مصر. ((والجراد)) فأكل جميع عشب أرض مصر والثمر، مما تركه الطوفان، يعني: الذي بقي من الثمار بعد الطوفان جاء الجراد بعد ذلك فقضى على ما تبقى من هذه الثمار والأعشاب، حتى لم يبق شيء من ثمرة، لا خضرة في الشجر ولا عشب في الصحراء. ((والقُمَّل)) فعم أرض مصر، والقمل هو: صغار الذباب، وكان على الناس والبهائم، وهو بضم وتشديد على وزن كلمة: سُكَّر، فالقمل، قيل: هو صغار الذر، أو شيء صغير بجناح أحمر، أو دواب صغار من جنس القردان، أو الدبا الذي لا أجنحة له، وهو الجراد الصغار، وتقرأ: القُمَّل والقَمْل قيل: هما لغتان، وقيل: هو القَمْل المعروف في الثياب ونحوها، والمشدد القُمَّل يكون في الطعام. ورد ابن سيده وتبعه المجد في القاموس القول: بأن المراد به قمل الناس، والقمل من الحشرات المعروفة. ((والضفادع)): جمع ضفدع، فطلعت الضفادع من الأنهار والخلج والمناقع وغطت أرض مصر. ((والدم)) فصارت مياه مصر جميعها دماً عبيطاً أحمر، ومات السمك فيها وأنتنت الأنهار، ولم يستطع المصريون أن يشربوا منها شيئاً. ((آيات)) حال ((مفصلات)) أي: مبينات، لا يشكل على عاقل أنها آيات الله تعالى ونقمته، أو ((مفصلات)) أي: مفرقات بعضها إثر بعض، تأتي آية ثم تليها التي تليها وهكذا. ((آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا)) أي: رغم كل الضنك والعذاب الشديد الذي أنزله الله بهم، أصروا واستكبروا فلم يؤمنوا لموسى ولم يرسلوا معه بني إسرائيل. ((وكانوا قوماً مجرمين)) أي: عاصين. قال الجشمي: تدل الآية على عناد القوم وإصرارهم على الكفر وجهلهم، حيث عاهدوا في كل آية يأتي بها على صدقه وإثبات العهد أنهم لا يؤمنون بها، {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [الأعراف:132]، وليس هذا عادة من غرضه الحق، فالشخص الذي غرضه الحق لا يحلف ولا يعاهد بمثل هذا العهد، أنه مهما تأته البينات والحجج فلن ينقاد، هذه طبيعة المجرم المتكبر كما وصفهم الله سبحانه وتعالى. وتدل هذه الآيات على ذم من يرى الآيات ولا يتفكر فيها، وتدل على وجوب التدبر في الآيات. ولما وقع عليهم الرجس أي: نزل بهم العذاب المفصل آية تلو آية: {قَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ} [الزخرف:49] يعني: بعهده عندك، وعهد الله عند موسى هو النبوة، فما: هنا مصدرية. قال الشهاب: سميت النبوة عهداً؛ لأن الله عهد إكرام الأنبياء بها، وعهدوا عليه تحمل أعبائها، أو لأن لها حقوقاً تحفظ كما تحفظ العهود، أو لأنها بمنزلة عهد ومنشور من الله تعالى.
تفسير قوله تعالى: (ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك)
تفسير قوله تعالى: (ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك) قال تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف:134]. أي: لنرسلن معك الذين أُرسِلْتَ لطلبهم ليعبدوا ربهم تبارك وتعالى، فنلاحظ أن كل مطلب موسى من فرعون أن يسلِّم بني إسرائيل فقط؛ لأن موسى أرسل إلى بني إسرائيل؛ لأن القاعدة أن كل الأنبياء نبي قبل رسول الله عليه السلام كان يبعث إلى قومه خاصة، وأنه عليه الصلاة والسلام اختص من بين سائر الأنبياء بأن بعثه الله عز وجل إلى العالمين كافة. وهذه الآية تدل على أن قوم فرعون كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وعلى أن فرعون كان كاذباً في إنكار ذلك، فبعض الآيات ظاهرها أن فرعون كان ينكر وجود الله عز وجل، لكن لا يوجد دليل من القرآن الكريم كله، على أن هناك طائفة أنكرت وجود الله، فإنكار وجود الله عز وجل لم يقل به أحد، حتى فرعون الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24] والذي قال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38] قد قص الله سبحانه وتعالى علينا في آخر سورة الإسراء قصته وفيها: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء:101 - 102] فموسى يخبر عما في قلب فرعون لأن الله أعلمه بذلك. ((لقد علمتَ)) يعني: يا فرعون! ((مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ))، فإذاً فرعون حتى لو كان قد أعلن أنه ينكر الله سبحانه وتعالى، فقد كذب في هذه الدعوى. وكذلك قوله تعالى في سورة النمل: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:13 - 14]، فهذا الكفر الذي كانوا عليه هو عبارة عن جحود، لكن في قلوبهم كانوا يعرفون صدق موسى عليه السلام وأنه مرسل من عند الله عز وجل. والدليل الثالث: هو هذا الموضع، ونظائره في القرآن الكريم من أنه كان إذا نزل عليهم العذاب من الله سبحانه وتعالى يفزعون إلى موسى: {يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف:134]، فيطلبون منه أن يشفع لهم عند الله أن يوقف عنهم هذا العذاب.
تفسير قوله تعالى: (فلما كشفنا عنهم الرجز وكانوا عنها غافلين)
تفسير قوله تعالى: (فلما كشفنا عنهم الرجز وكانوا عنها غافلين) قال تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:135 - 136] يعني إلى الوقت الذي أجل لهم، وهو وقت إهلاكهم بالغرق في اليم، ((إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ)) أي: ينقضون العهد الذي التزموه فلم يفوا به، فإن فرعون كان كلما حل بمصر نقمة مما تقدم يدعو موسى ويطلب منه أن يشفع إلى الله تعالى بكشفها، ويعده أنها إذا كشفت أطلق شعبه لعبادته تعالى، حتى إذا كشفت أخلف ما وعد وقسا قلبه، ولما لم يتعظوا بما شاهدوه مما تقدم أتتهم النقمة القاضية. ونلاحظ أن كل النقم الماضية كانت مؤقتة، تأتي البلية ثم تنكشف، ثم تأتي الحسنة، ثم تليها سيئة، ثم أتتهم الآيات التي ذكر الله سبحانه وتعالى، فحينما لم يتعظوا بما شاهدوه أتتهم النقمة القاضية فأخذوا بالإهلاك الذي قضي عليهم، فقال عز وجل: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:135 - 136]. ((فأغرقناهم في اليم)) أي: في البحر، بسبب ((أنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين)) أي: كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى وإعراضهم وعدم مبالاتهم بها. وقد روي أن فرعون بعدما أن أبصر ما أبصر من الضربات الربانية على مصر أذن لموسى وقومه أن يخرجوا من مصر ليقيموا عبادة الله تعالى حيث شاءوا، فارتحل بنو إسرائيل على عجل ليلاً بكل ما معهم من غنم وضأن ومواشٍ، ولما سمع فرعون بارتحالهم ندم على ما فعل من إطلاقهم، فجمع جيشه ومراسله الحربية ولحقهم فأدركهم، وكانوا قد وصلوا إلى شاطئ البحر الأحمر، حينئذ خاف الإسرائيليون وأخذوا يتذمرون على موسى، فقال لهم: لا تخافوا إن الله معنا، قال: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء:61 - 62] على يقين، ثم أمر تعالى موسى فمد يده بعصاه إلى البحر الأحمر فانشق ماؤه وصار فيه طريقاً واسعاً، وأرسل الله ريحاً شرقية شديدة فيبس قعره، فعبر فيه الإسرائيليون والماء عن يمينهم وشمالهم، فتبعهم فرعون وجنوده وتوسطوا البحر، فمد موسى يده بإذن الله على البحر فارتد ماؤه سريعاً وغمر فرعون وجنوده ومراكبه فغرقوا جميعاً، ثم طفت أجسادهم على وجه الماء وانقذفت إلى الساحل فشاهدها الإسرائيليون عياناً، هذا ملخص ما روي هنا. قال الجشمي: تدل الآيات أنه تعالى أهلكهم بعد أن أزاح العلة بالآيات، وتدل على أن ما أصابهم كان عقوبة وجزاء على فعلهم في الاعتراض على آيات الله، وتدل على وجوب النظر، وتدل على أن النكث والإعراض فعلهم، فلذلك عاقبهم عليهما.
تفسير قوله تعالى: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها)
تفسير قوله تعالى: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها) قال عز وجل: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف:137]. قوله تعالى: ((وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون)) أي: بالاستعباد وقتل الأبناء، وفي التعبير عنهم بهذا إظهار لكمال لطفه تعالى بهم، وعظيم إحسانه إليهم في رفعهم من حضيض المذلة إلى أوج العزة. ((مشارق الأرض ومغاربها)) أي: الأرض المقدسة أي جوانبها الشرقية والغربية، حيث ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة وتصرفوا في أكنافها. وقوله تعالى: ((التي باركنا فيها)) أي: بالخصب وسعة الأرزاق. ((وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل)) أي: مضت واستمرت عليهم، وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين. ((بما صبروا)) أي: بسبب صبرهم على الشدائد التي كابدوها من فرعون وقومه. قال الزمخشري: وحسبك به حاثاً على الصبر، فمن قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن الله له الفرج. وعن الحسن قال: عجبت ممن خف كيف خف وقد سمع قوله تعالى وتلا الآية، ومعنى خف: طاش جزعاً وقلة صبر ولم يرزن رزانة أولي الصبر. ((ودمرنا)) أي: خربنا وأهلكنا ((ما كان يصنع فرعون وقومه)) أي: ما كانوا يعملون من العمارات وبناء القصور، ((وما كانوا يعرِشون)): أو (وما كانوا يعرُشون) بكسر الراء وضمها، أي: من الجنات، أو ما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان. وهذا كما قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص:5 - 6]، وقال تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان:25 - 28]. قال الزمخشري: اقتص الله من ملأ فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله وظلمهم ومعاصيهم، ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من ملك فرعون واستعباده، ومعاينتهم الآيات العظام ومجاوزتهم البحر، من عبادة البقر، وطلب رؤية الله جهرة، وغير ذلك من أنواع الكفر والمعاصي، ليعلم حال الإنسان وأنه كما وصفه {لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:34]، جهول كنود إلا من عصمه الله {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13] وليسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أري من بني إسرائيل بالمدينة، فقال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف:138 - 140].
الأعراف [138 - 155]
تفسير سورة الأعراف [138 - 155]
تفسير قوله تعالى: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر)
تفسير قوله تعالى: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) قال عز وجل: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف:138]. قال الزمخشري فيما مضى من الآيات التي انتهت بقوله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف:137] قال: وهذا آخر ما اقتص الله من نبأ فرعون والقبط، وتكذيبهم بآيات الله وظلمهم ومعاصيهم، ثم أتبعه باقتصاص نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من ملكة فرعون واستعباده ومعاينتهم الآيات العظام ومجاوزتهم البحر، من عبادة البقر، وطلب رؤية الله جهراً وغير ذلك من أنواع الكفر والمعاصي؛ ليعلم حال الإنسان، وأنه كما وصفه ((لظلوم كفار))، جهول كنود إلا من عصمه الله {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13]، وليسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أري من بني إسرائيل بالمدينة من الكيد والتآمر والغدر والخيانة. ثم شرع عز وجل في بيان سلوك بني إسرائيل مع نبيهم مع ما رأوه من قبل من آيات الله عز وجل العظام، وكيف أنهم سرعان ما بدلوا وغيروا! فبمجرد أن جاوز الله بهم البحر وقعوا في هذا الأمر العظيم. وقوله تعالى: ((وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ)) يعني: نفس البحر الذي أغرق الله فيه أعداءهم، وهو بحر القلزم، وهو ما يسمى الآن بالبحر الأحمر، كما يقول القاسمي كان في شرقي مصر قرب جبل الطور، أضيف إليه لأنه على طرفه، ويعرف البلد الآن بالسويس، فالقلزم أصلاً هي اسم لمدينة السويس، ومن زعم أن البحر هو نيل مصر فقد أخطأ، ولا شك أنه لا يصح أبداً تفسير البحر بأنه النيل، وإنما هو البحر الأحمر المعروف الآن بهذا الاسم. وقوله: ((فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ)) قرئ: (يعكُفون)، وقرئ (يعكِفون)، بضم الكاف وكسرها، أي: يواظبون على عبادتها ويلازمونها. وقوله: ((قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ))، أي: اجعل لنا صنماً نعكف عليه، كما لهم أصنام يعكفون عليها. وقوله: ((قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)) أي: تجهلون شأن الألوهية وعظمتها، وأنه لا يستحقها إلا الله سبحانه وتعالى. قال البغوي رحمه الله: ولم يكن ذلك شكاً من بني إسرائيل في وحدانية الله تعالى، وإنما معناه: اجعل لنا شيئاً نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله سبحانه وتعالى، وظنوا أن ذلك لا يضر بالديانة، وكل ذلك لشدة جهلهم.
تفسير قوله تعالى: (إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون)
تفسير قوله تعالى: (إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون) ثم قال تعالى: {إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف:139]. قوله: ((إن هؤلاء)) يعني: أن عبدة تلك التماثيل ((متبر ما هم فيه)) أي: مهلك ما هم فيه من الشرك، ((وباطل ما كانوا يعملون)) أي: من عبادة الأصنام، وإن كان قصدهم بذلك التقرب إلى الله تعالى فإنه كفر محض. قال الرازي: أجمع كل الأنبياء عليهم السلام على أن عبادة غير الله تعالى كفر، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلهاً للعالم أو اعتقد أن عبادته تقرب إلى الله تعالى؛ لأن العبادة نهاية التعظيم، فلا تليق إلا بمن يصدر منه غاية الإنعام، وهي خلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل، وخلق الأشياء المنتفع بها، والقادر على هذه الأشياء ليس إلا الله تعالى، فوجب ألا تليق العبادة إلا به عز وجل. وعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة حنين مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: {اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف:138]، والذي نفسي بيده! لتركبن سنن من كان قبلكم)، أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير وغيرهم. وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي المالكي رحمه الله: انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البر والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها. يعني أن ذلك يعتبر أنموذجاً أو صورة من صور ذوات الأنواط التي ينبغي أن تقطع؛ قطعاً لذريعة الإشراك بالله عز وجل. وقال الحافظ أبو شامة الشافعي الدمشقي في كتابه (البدع والحوادث): وقد عم الابتلاء بتزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد. يعني: دهنها بالخلوق وبالطيب، كما يحصل الآن تماماً في بعض المقامات والأضرحة وغير ذلك؛ حيث يعطرون حجارتها بالعطور، ويعظمون هذه الأشياء، ويتمسحون بها، ومنها ما يزعمون أنها آثار كف النبي عليه الصلاة والسلام أو قدمه، كما في مسجد البدوي في طنطا، فإنه يوجد ركن معين يوجد فيه أثر قدم مطبوعة يزعمون أنها قدم النبي عليه الصلاة والسلام، ولنفرض جدلاً أن هذا أثر قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ماذا؟! هل يقتضي ذلك التعبد أو إرادة هذا الحجر من دون الله عز وجل والتمسح به وتخليقه وحث الناس على تعظيمه؟! وكذلك يقبلون المقصورات النحاسية أو الذهبية التي حول هذه القبور، وهذا كله ليس من دين الإسلام في شيء، بل هذا كله تشبه وإحياء لسنة بني إسرائيل مع هؤلاء القوم الذين قالوا لموسى: ((اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)). يقول: وقد عم الابتلاء بتزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه. يعني: أنك تجد عامتهم يفعلون ذلك وأكثرهم ربما لا يصلون، ومتوقع أنهم لا يصلون؛ لأنه إذا كانت الصلاة ثاني أركان الإسلام فإن التوحيد أول أركان الإسلام، وهم لا يحسنون التوحيد، فإذا كانوا لم يصححوا عقيدتهم ولم يفهموا أصلاً معنى لا إله إلا الله، فهل أمثال هؤلاء يكونون مصلين؟! فكثيراً ما تجد هؤلاء لا يصلون، بل ربما يرتكبون أفحش الأشياء في هذه الموالد والاحتفالات، كتعاطي المخدرات، والاختلاط الفاحش بين الرجال والنساء! وتجد النساء يجلسن يتعاطين الشيشة في الخيام التي ينصبونها، وكل هذه الأشياء لا مناسبة ولا ربط لها بالدين؛ فما علاقة كل هذا بالإسلام وبالتوحيد وبالمساجد والعبادات؟! وإنما هؤلاء من أهل الفسق والفجور، وليسوا من أهل الذكر، بل هم من أهل الغفلة، ومجالسهم ليست ذكراً لله، ولكنها غفلة عن الله سبحانه وتعالى، وغفلة عن حقوق التوحيد. يقول أبو شامة: فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر. ثم شرح الإمام أبو شامة شجرة مخصوصة فقال: ما أشبهها بذات أنواط التي في الحديث! وروى ابن وضاح في كتابه قال: سمعت عيسى بن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة، ولهذا البحث تتمة مهمة في (إغاثة اللهفان) لـ ابن القيم فلتنظر. والآن أيضاً ظهرت أشياء جديدة من نفس هذا الباب، كاتخاذ التمائم للوقاية من السحر ومن الحسد وغير ذلك من الشرور، لكن بصورة مزركشة أكثر، فبدل الكف الذي كانوا يصنعونها من قبل أصبحوا الآن يستعملون هذه الخرزات ذات اللون اللبني أو الأزرق، وهذه الحجارة أصبحت مشهورة تعلق في كل مكان، فتعلق في السيارات وفي العيادات وفي المنازل، وكأنها نوع من الزينة، وكثير منهم يقصدون بها دفع الشر، وحتى لو كتبوا عليها المعوذتين أو كتبوا القرآن إذا اتخذت لأجل دفع السوء فهذا نوع من اتخاذ التمائم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (من تعلق تميمة فقد أشرك، أو: فلا أتم الله له). وكذلك يعلقون آية الكرسي سواء في السلاسل على الصدور كالنساء مثلاً، أو غير ذلك مما يتخذ من أجل أن هذه القماشة التي كتب عليها ذلك هي التي ستحفظه، فإن أردت أن تعتصم بالله عز وجل فارق نفسك أو أولادك أو بيتك أو الشيء الذي تريد رقيته بالرقية الشرعية، فكثير من هؤلاء الناس أصلاً لا يصلون ولا يوحدون الله، فكيف يقال: إن هذه المعوذات سوف تحميهم؟! فإذا أردت أن تتعوذ بالله عز وجل فاقرأ أنت المعوذات، واقرأ القرآن، وعليك أن تدعو الله سبحانه وتعالى، وتتجه إلى الله عز وجل، لا إلى هذه الأحجار.
تفسير قوله تعالى: (قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين)
تفسير قوله تعالى: (قال أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين) قال تعالى: {قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف:140]. أي: قال موسى مذكراً قومه نعم الله تعالى عليهم الموجبة لتصديقه تعالى بالعبادة: (أغير الله أبغيكم إلهاً)، أي: أغير الله أطلب لكم معبوداً؟ يقال: أبغاه الشيء: طلبه له، كبغاه إياه، ويتعدى إلى مفعولين، كما في قوله هنا: (أبغيكم إلهاً)، وفي الحديث: (ابغني أحجاراً أستطيب بها). والاستفهام في الآية للإنكار والتعجيز والتوبيخ، فقوله: (قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) يعني: والحال أنه تعالى خصكم بنعم لم يعطها غيركم، وكل آية فيها تفضيل بني إسرائيل على العالمين فهي مقيدة ليست على إطلاقها، وإنما المقصود: فضلهم على العالمين في زمانهم فقط، وليس على الإطلاق؛ لأن الأمة المفضلة على العالمين أجمعين على الإطلاق هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب)
تفسير قوله تعالى: (وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب) قال تعالى: {وَإِذْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [الأعراف:141]. ((وإذ أنجيناكم من آل فرعون)) أي: من فرعون وقومه، ((يسومونكم سوء العذاب)) أي: بالعمل الذي يكلفونكم إياه، أو يولونكم إياه، يقال: سامه الأمر يسومه: كلفه إياه وجشمه وألزمه، أو أولاه إياه. وقوله: ((يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)) أي: فنجاكم وحده دون شفاعة من أحد، وهذه الآية تدل على أن هلاك الأعداء نعمة من الله سبحانه وتعالى يجب مقابلتها بالشكر، وتدل على أن المحن في الأولاد والأهل بمنزلة المحن في النفس ويجري مجراه.
تفسير قوله تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر)
تفسير قوله تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر) ثم قال تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف:142]. روي أن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر نزلوا في برية طور سيناء، وكانت مدة خروجهم إلى أن نزلوا شهراً ونصفاً، ولما نزلوا تلقاء الجبل صعد موسى إليه، وسمع كلامه تعالى وأوامره ووصاياه، ثم انحدر موسى عليه السلام إلى قومه، وأعلمهم بما أمروا به، وصاروا يشاهدون على الجبل ضباباً وصوت رعود وبروقاً، ثم أمر تعالى موسى أن يصعد إلى الجبل ليؤتيه الشرائع التي كتبها على قومه، فصعد موسى الجبل، وكان مغطىً بالغمام، فدخل موسى في وسط الغمام، وأقام في الجبل أربعين يوماً لم يأكل ولم يشرب لما أمد به من القوة الروحانية والتجليات القدسية، وأوتي في برهتها الألواح التي كتبت فيها شرائعهم، ولما رجع إلى قومه كان على وجهه أشعة نور مدهشة، حيث كان موسى عليه السلام إذا رجع من تكليم الله تعالى إياه كان يرجع وعلى وجهه نور مدهش، لا يقوى أحد أن ينظر إلى وجهه من شدة النور الذي على وجهه، يقول: ولما رجع إلى قومه كان على وجهه أشعة نور مدهشة، فخافوا من الدنو منه، فجعل على وجهه برقعاً، فكان إذا صعد الجبل للمناجاة رفعه وإذا أتاهم وضعه. والله تعالى أعلم. ((وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ)) يعني حينما توجه للمناجاة: ((اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي)) أي: كن خليفتي فيهم، ((وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)) يعني: لا تتبع سبيل من سلك الإفساد، ولا تطع من دعاك إليه. قال الجشمي: تدل الآيات على أنه استخلف هارون عند خروجه لما رأى أنهم أشد طاعة له وأكثر قبولاً منه، ومخاطبة موسى عليه السلام لهارون وجوابه له كقوله: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه:93]، وقول هارون: {لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي} [طه:94]، وقوله: {فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ} [الأعراف:150] كل ذلك كالدال على أن موسى كان يختص بنوع من الولاية وإن اشتركا في النبوة، يعني: أن هذا يدل على أن مرتبة موسى كانت أعلى من مرتبة هارون، كما هو واضح أن السياق كله هنا أنه استخلفه لما أراد أن يخرج إلى المناجاة، والظاهر أنه استخلفه إلى أن يرجع؛ لأنه هو المعقول من الاستخلاف عند الغيبة. وتدل الآية على أنه يجوز أن ينهاه عن شيء يعلم أنه لا يفعله، ويأمره بما يعلم أنه سيفعله؛ عظة له واعتباراً لغيره، وتأكيداً ومصلحة للجميع.
تفسير قوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه)
تفسير قوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) ثم قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف:143]. قوله: ((ولما جاء موسى لميقاتنا)) أي: حضر الجبل لوقتنا الذي وقتنا له وحددنا، ((وكلمه ربه)) أي: خاطبه من غير واسطة ملك. ((قَالَ رَبِّ أرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)) أي: لن تطيق رؤيتي؛ لأن هذه البنية الآدمية في هذه النشأة الدنيوية لا طاقة لها بذلك؛ لعدم استعدادها له، بل ما هو أكبر جرماً وأشد خلقاً وصلابة وهو الجبل، لا يثبت لذلك، بل يندك. فالله سبحانه وتعالى أراد أن يعلم موسى عليه السلام ذلك، فأولاً قال له: ((لن تراني))، ثم بين أن المقصود: لن تراني بهذه الهيئة التي أنت عليها، يعني: البنية الآدمية في هذه الحياة الدنيا، لأنها غير مؤهلة لرؤية الله عز وجل، ولا تطيق ذلك أبداً، فليس من شأن أهل الدنيا أن يروا الله تبارك وتعالى، وبين له في درس عملي أن الجبل الذي هو أقوى منك جرماً وحجماً وصلابة لا يثبت لرؤية الله سبحانه وتعالى ولتجليه عز وجل، فكيف يثبت الآدمي الضعيف؟! ولذلك قال له تعالى: ((لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ)) يعني: انظر إلى الجبل الذي هو أقوى منك. ((فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)) يعني: إن ثبت مكانه حين أتجلى له ولم يتزلزل فسوف تراني، أي: سوف تثبت لرؤيتي إذا تجليت عليك، وإلا فلا طاقة لك، وفيه من التلطف بموسى والتكريم له والتنزل القدسي ما لا يخفى. وقوله تعالى: ((فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ)) أي: ظهر له وبان، ((جَعَلَهُ دَكًّا))، يعني: جعله التجلي دكاً، أي: مفتتاً، فلم يستقر مكانه، فنبه تعالى على أن الجبل مع شدته وصلابته إذا لم يستقر فالآدمي مع ضعف بنيته أولى بألا يستقر، وفيه تسكين لفؤاد موسى عليه السلام، وتطمين لموسى عليه السلام أن الذي منعني من التجلي لك هو أنك لا تطيق ذلك بهذه البنية التي أنت عليها الآن في الدنيا، وليس المانع من التجلي أن الرؤية مستحيلة، فرؤية الله ليست مستحيلة، لكن الله عز وجل لا يقوى أحد على رؤيته في هذه الدنيا. ((وخر)) أي: سقط ووقع ((موسى)) عليه السلام ((صعقاً)) أي: مغشياً عليه من هول ما رأى من اندكاك الجبل وانفعاله لرؤية الله سبحانه وتعالى له لما تجلى له، ((فَلَمَّا أَفَاقَ)) موسى عليه السلام، ((قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ)) من الإقدام على سؤال الرؤية، ((وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)) أي: أنا أول المؤمنين بأنه لا يستقر ولا يثبت لرؤيتك أحد فيه هذه النشأة الدنيوية. قال الناصر في الانتصاف: إنما سبح موسى عليه السلام لما تبين له من أن العلم قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا، والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه، وعن الخلف في خبره الحق وقوله الصدق، فلما تبين أن مطلوبه كان خلاف المعلوم سبح الله أن سبق في علم الله عز وجل أن الله قضى أنه لا يراه أحد، ولا يقوى أحد أن يراه في الدنيا. وقوله: ((قال سبحانك)) يعني: لا مبدل لكلماتك ولا لعلمك بأنه لا يستطيع أحد أن يراك في الدنيا، وأما التوبة في حق الأنبياء فلا تستلزم كونها عن ذنب؛ لأن منصبهم الجليل ينبغي أن يكون منزهاً مبرءاً من كل ما ينحط به، ولا شك أن التوقف في سؤال الرؤية على الإذن كان أكمل، وقد ورد: (سيئات المقربين حسنات الأبرار)، يعني: لا شك أنه كان الأولى في حق موسى ألا يسأل، أو يستأذن؛ لكنه لم يفعل ذلك، فكان عدم الاستئذان كأنه ذنب، ولذلك قال: ((تبت إليك)) يعني: لا أعود إلى سؤال الرؤية مرة ثانية. وقوله: ((وأنا أول المؤمنين)) هل هو أول المؤمنين بالله؟ A لا؛ لأنه قد سبقه أنبياء آخرون كثيرون ومؤمنون من المسلمين، لكن المقصود: أنا أول المؤمنين بأنه لا يراك أحد في هذه الحياة الدنيا بهذه النشأة.
وجه إثبات رؤية الله من قوله: (رب أرني أنظر إليك)
وجه إثبات رؤية الله من قوله: (رب أرني أنظر إليك) قال المتكلمون: دلت الآية على جواز رؤيته تعالى من وجهين: الوجه الأول: أن سؤال موسى عليه السلام الرؤية يدل على إمكانها؛ لأن العاقل فضلاً عن النبي لا يطلب المحال، ولا مجال إلى القول بجهل موسى عليه السلام بالاستحالة؛ فإن الجاهل بما لا يجوز على الله لا يصلح للنبوة، يعني: أن موسى عليه السلام كان يعلم أن رؤية الله ممكنة وليست مستحيلة، لكنه كان لا يعلم أن هذه الرؤية لا تكون في الدنيا إنما تكون في الآخرة. الوجه الثاني: أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل، وهو أمر ممكن في نفسه. أي وإذا علق الشيء على أمر ممكن فهذا يدل على أنه ممكن، وإذا علق على أمر مستحيل فهذا يدل على أنه مستحيل، وأقرب مثل لذلك هو: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف:40]، فعلق دخولهم الجنة على دخول الجمل في سم الخياط، سواء قلنا: إن المقصود هنا بالجمل: الحبل الضخم الذي يستعمل في السفن، أو الحيوان المعروف، فهو مستحيل، ومثله قولك: لن أفعل كذا حتى يبيض القار، مع أن القار لا يبيض! وكذلك: حتى يشيب الغراب، والغراب لا يشيب. أما إذا علق على أمر ممكن فيدل على أنه ممكن، فعندما يقول مثلاً: سوف آتيك إذا طلعت الشمس، فهذا معناه: أنه يمكن أن يأتيك. فالله سبحانه وتعالى علق الرؤية هنا على استقرار الجبل، واستقرار الجبل أمر ممكن في نفسه، والمعلق على الممكن ممكن؛ لأن معنى التعليق الإخبار بوقوع المعلق عند وقوع المعلق به، والمحال لا يثبت على شيء من التقادير الممكنة.
الرد على الذين ينكرون رؤية الله عز وجل يوم القيامة
الرد على الذين ينكرون رؤية الله عز وجل يوم القيامة وأما زعم المعتزلة أن الرؤية مجاز عن العلم الضروري، وأن معنى قوله: ((أرني أنظر إليك)) أي: اجعلني عالماً بك علماً ضرورياً. وبهذا وقع المعتزلة في إشكال؛ لأنهم لا يستطيعون أن يطعنوا فيما ذكرناه آنفاً من أن النبي أعلم بالله من أن يسأله ما يستحيل عليه سبحانه وتعالى. فالآية واضحة: ((رب أرني أنظر إليك))، لكنهم أولوا الآية كعادة أهل البدع والضلال حينما تصادم النصوص أهواءهم، فإذا كان حديثاً كذبوه، وإذا كانت آية أولوها وأفسدوا معانيها، وجعلوا أهواءهم هي الأصل، فلذلك قالوا في قوله: (رب أرني أنظر إليك): يعني: اجعلني عالماً بك علماً ضرورياً، وهذا التأويل خلاف ظاهر القرآن الكريم، فقوله: (رب أرني أنظر إليك) ظاهر، وانظر إلى كلمة: (أنظر إليك)، فهل هذه معناها: اجعلني أعلم بك علماً ضرورياً؟! A لا؛ لأن النظر الموصول بـ (إلى) نص في الرؤية البصرية، فلا يترك بالاحتمال، مع أن طلب العلم الضروري بمن يخاطبه ويناجيه غير معقول. وكذا يبطل زعمهم أن موسى عليه السلام كان سألها لقومه، يعني: يوجد مخرج آخر أراد المعتزلة أن يخرجوا به من هذه الورطة، فقالوا: موسى كان يعلم أن رؤية الله سبحانه وتعالى مستحيلة، لكنه سأل الله عز وجل أن يراه، وليس المقصود أن يراه هو، لكن لأن قومه قالوا له: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة:55] فهو سأل رؤية الله استجابة لطلب قومه، وأراد بذلك أن يعلم قومه أن الرؤية مستحيلة، فزعمهم أن موسى عليه السلام كان سألها لقومه حيث قالوا: ((لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة)) وهذا الزعم خلاف الظاهر، وهو تكلف يذهب رونق النظم، فترده ألفاظ الآية. وقد ثبت وقوع رؤيته تعالى في الآخرة بالكتاب والسنة، أما الكتاب فلقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22 - 23]. وأما السنة فلا تحصى أحاديثها، ولكن إذا أصيب المرء بداء المكابرة في الحق الصراح عسر إقناعه مهما قوي الدليل وعظمت الحجة، وهذه آفة المعتزلة فإنهم يكذبون الأحاديث الواردة في الرؤية، ويؤولون الآيات التي تثبت الرؤية في الآخرة.
الرد على الزمخشري المعتزلي في إنكاره لرؤية الله عز وجل يوم القيامة
الرد على الزمخشري المعتزلي في إنكاره لرؤية الله عز وجل يوم القيامة قال في (فتح البيان): رؤيته تعالى في الآخرة ثبتت بها الأحاديث المتواترة تواتراً لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة، والجدال في مثل هذا والمراوغة لا تأتي بفائدة، ومنهج الحق واضح، ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه وأدرك عليه أباه وأهل بلده مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه الشريعة المطهرة يوقع في التعصب، والمتعصب وإن كان بصره صحيحاً فبصيرته عمياء، وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق وهو يظن أنه ما دفع غير الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق؛ غفلة منه وجهلاً بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح، وتلقي ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم، وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع! فإنه صار بها باب الحق مرتجاً، وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله سبحانه والهداية: يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ومنهج الحق له واضح انتهى. ويقول القاسمي: وهذا تعريض بالمعتزلة،, في مقدمتهم الزمخشري، وقد انتقل -عفا الله عنه- أخيراً إلى هجاء أهل السنة، أي: أن الزمخشري من أئمة الاعتزال، ورغم اعترافنا بما للزمخشري من باع عظيم جداً في إظهار بلاغة القرآن وإعجاز القرآن الكريم اللغوي والبياني، لكن ما أكثر ما أطال لسانه في علماء أهل السنة! فقد هجاهم وتطاول عليهم تطاولاً قبيحاً، ومن ذلك أنه هجا أهل السنة والجماعة أهل الحق بقوله: لجماعة سموا هواهم سنة اعتبر أن كلمة (أهل السنة والجماعة) يعني: أهل الهوى. لجماعة سموا هواهم سنة وجماعة حمر لعمري موكفة يصفهم -والعياذ بالله- بأنهم حمر. قد شبهوه بخلقه وتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفة ويعني بالبلكفة قولهم: (بلا كيف) وهذا هو ما يسميه علماء اللغة النحت، فمثلاً: بدل أن تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، تقول: البسملة، ولا حول ولا قوة إلا بالله: الحوقلة، وحي على الصلاة أو حي على الفلاح: الحيعلة، فهذا يسمى نحتاً، فهو يقول هنا في ذم أهل السنة والتطاول عليهم: لجماعة سموا هواهم سنة وجماعة حمر لعمري موكفة يشببهم بالحمير التي عليها الإكاف الذي يوضع عليها. وقوله: (قد شبهوه بخلقه) يزعم أن أهل السنة شبهوا الله بخلقه، فهو يعني بزعمه أنهم لما أثبتوا رؤية الله تعالى في الآخرة فكأنهم شبهوا الله بخلقه، والمعتزلة لهم ضلال مبين في فهم الأحاديث، والعوج هو في فهمهم هم وليس في النصوص؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث المتواتر -يعني: نقل بنفس الطريقة التي نقل بها القرآن-: (هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب أو القمر ليس دونه سحاب)، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم سيرون الله سبحانه وتعالى كما يرون الشمس أو القمر ليس دونها سحاب، وهنا أركان التشبيه موجودة، لكن هل معنى هذا أن الحديث يشبه الله سبحانه وتعالى بالشمس أو بالقمر؟! A لا، بل التشبيه للرؤية بالرؤية، وليس للمرئي بالمرئي، ووجه شبهه شدة وضوح الرؤية فقط، وليس معنى ذلك أنك تشبه المرئي هنا بالمرئي هنا، معاذ الله! فهذا مستحيل. فلذلك أثبت أهل السنة الرؤية على أنها رؤية حقيقية، وتكون واضحة أشد الوضوح لا ريب فيها، لكن الله أعلم بكيفيتها، فأهل السنة قالوا: بلا كيف، وهذا شأن أهل السنة في سائر هذه الأشياء، والزمخشري يقول في أهل السنة: (قد شبهوه بخلقه)، أي: أن أهل السنة شبهوا الله بخلقه، (وتخوفوا شنع الورى)، أي: وخافوا أن يشنع الناس عليهم بالتجسيم وبالتشبيه، فوضعوا ستاراً يستترون وراءه، وهو البلكفة، يقصد كلمة (بلا كيف)، فيذم أهل السنة بأنهم يسترون عقائد التجسيم والتشبيه وراء عبارة (بلا كيف)، هذا هو معنى قوله: لجماعة سموا هواهم سنة وجماعة حمر لعمري موكفة قد شبهوه بخلقه وتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفة قال في (الانتصاف): ولولا الاستنان بـ حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاعره والمنافح عنه وروح القدس معه، لقلنا لهؤلاء المتلقبين بالعدلية: سلاماً. ويعني بالعدلية: المعتزلة؛ لأنهم يسمون أنفسهم أهل العدل، أي: العدل في التوحيد، ويسمون أنفسهم بالناجين، أي: الذين هم أهل النجاة بضلالهم وانحرافهم. فيقول: كان الأصل أن نقول لهم: سلاماً؛ يريد أن يصفهم بالجهل، والله سبحانه وتعالى مدح المؤمنين بقوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63]، فيقول: الأصل أن مثل هذا الشخص المتطاول الذي يسب أهل السنة هذا السب الشنيع كان ينبغي أن نقول: سلاماً؛ لأنه جاهل. ولكن كما نافح حسان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداءه، فنحن ننافح عن أصحاب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداءهم. أي: أن حسان كان ينافح عن رسول الله، والإمام الناصر يقول: ونحن نرد أيضاً بالشعر على هذا المعتدي الظالم، وننافح عن أصحاب سنة رسول الله الذين هم أهل السنة والجماعة، فنقول: وجماعة كفروا برؤية ربهم حقاً ووعد الله لنا لن يخلفه وتلقبوا عدلية قلنا أجل عدلوا بربهم فحسبهم سفه وتلقبوا الناجين كلا إنهم إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه فانتصر لأهل السنة بهذا الشعر الجميل. وقوله: (وجماعة كفروا برؤية ربهم) يقصد به المعتزلة كـ الزمخشري وأمثاله. وقوله: (ووعد الله لنا لن يخلفه)، يعني: أن الله وعد المؤمنين بالرؤية، والله لن يخلف وعده. وقوله: (وتلقبوا عدلية)، أي: أنهم لقبوا أنفسهم أنهم أهل العدل، قوله: (قلنا: أجل)، أي: أنتم عدلية، لكن لا نسبة إلى العدل، وإنما نسبة إلى العدول عن الله سبحانه وتعالى. وقوله: (وتلقبوا الناجين كلا إنهم إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه) يعني: أنهم إن لم يكونوا بالفعل دخلوا لظى فهم على شفها جهنم. وقال أبو حيان في الرد على الزمخشري: شبهت جهلاً صدر أمة أحمد وذوي البصائر بالحمير الموكفه وجب الكفار عليك فانظر منصفاً في آية الأعراف فهي المنصفه أترى الكليم أتى بجهل ما أتى وأتى شيوخك ما أتوا عن معرفه إن الوجوه إليه ناظرة بذا جاء الكتاب فقلتم هذا سفه نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى فهوى الهوى بك في المهاوي المتلفه وتلاحظون أنهم يردون عليه بنفس الوزن وبنفس القافية، فيقول له هنا: (شبهت جهلاً صدر أمة أحمد). أي: شبهت السلف الصالح وعلماء أهل السنة والجماعة بالحمير الموكفة. وقوله: (وجب الكفار عليك فانظر منصفاً في آية الأعراف فهي المنصفة) أي: تأمل في آية الأعراف، وهي هذه الآية التي نحن بصددها، ثم بين فقال: (أترى الكليم أتى بجهل ما أتى). أي: هل الكليم عليه السلام كان يجهل ربه؟! وهل موسى ما كان يعرف ربه وهو نبي من أولي العزم من الرسل؟! فحينما قال: ((رب أرني أنظر إليك)) كان لا يعلم أن هذا مستحيل وأتى به، أو أنه أتى بذلك جهلاً؟! وقوله: (وأتى شيوخك ما أتوا عن معرفة)، يعني: هل شيوخك المعتزلة هم أصحاب العلم، وموسى عليه السلام كان جاهلاً بربه؟! وقوله: (إن الوجوه إليك ناظرة بذا جاء الكتاب فقلتم هذا سفه) يشير إلى قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22 - 23]. وقال العلامة الجاربردي أيضاً في الرد عليه قال: عجباً لقوم ظالمين تستروا بالعدل ما فيهم لعمري معرفة قد جاءهم من حيث لا يدرونه تعطيل ذات الله مع نفي الصفة قوله: (عجباً لقوم ظالمين تستروا بالعدل)، أي: أنهم يتسترون وراء العدل، وسموا أنفسهم بالعادلين، وهم في الحقيقة ظالمون. وفي الحقيقة القصائد كثيرة جداً على نفس هذا السياق من علماء أهل السنة، وكلهم يردون على الزمخشري عدوانه وتطاوله، وكتاب (الانتصاف لبيان ما في الكشاف من الاعتزال) للإمام ناصر الدين أخذ بثأر أهل السنة، وتتبع الزمخشري في كل موضع تطاول فيه على علماء أهل السنة والجماعة.
تفسير قوله تعالى: (قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس)
تفسير قوله تعالى: (قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس) ثم ذكر الله تعالى أنه خاطب موسى باصطفائه، فقال سبحانه وتعالى: {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف:144]. ((قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس)) أي: اخترتك على أهل زمانك، وليس أيضاً على إطلاقه؛ فإن الذي اصطفي على الناس أجمعين، هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وآثرتك عليهم ((برسالاتي وبكلامي))، أي: وبتكليمي إياك. ((فخذ ما آتيتك))، أي: خذ ما أعطيتك من شرف النبوة والمناجاة، ((وكن من الشاكرين)) أي: على النعمة في ذلك.
تفسير قوله تعالى: (وكتبنا له في الألواح من كل شيء)
تفسير قوله تعالى: (وكتبنا له في الألواح من كل شيء) ثم قال تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف:145]. ((وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء))، يعني: من الحلال والحرام. ((فخذها بقوة)) أي: بعزم على العمل بما فيها، يعني: خذ الألواح وخذ الشريعة بقوة، كما قال تعالى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة:63]، يعني: تمسكوا به، واعزموا على العمل بما فيه. ((وأمر قومك يأخذوا بأحسنها)) أي: يأخذوا بأحسنها الذي أمروا به دون ما نهوا عنه. ((سأريكم دار الفاسقين)) وهي الأرض التي وعدوا بها من فلسطين، فإنهم لم يعطوها إلا بعد أربعين سنة من خروجهم من مصر، وبقائهم في البرية، كما قال تعالى: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} [المائدة:26]؛ فإن موسى عليه السلام لما مات خلفه يوشع بن نون، فحارب الأمم والملوك الذين كانوا يسكنون أرض كنعان، وفتح بلادهم، وصارت ملكاً لبني إسرائيل، والكنعانيون هم الفلسطينيون، فالعبرة في الانتماء في كل الأزمنة المختلفة في مثل هذه المواقع هي: من هم أهل الإيمان والتوحيد وأهل الإسلام، فمثلاً: في سورة البقرة قصة جالوت وطالوت، وداود عليه السلام، قال عز وجل: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} [البقرة:251]، وجالوت كان من الفلسطينيين؛ لأنهم لم يكونوا على التوحيد، فكان الحق مع بني إسرائيل، وكذلك نحن في هذا الزمان؛ فلو بعث موسى عليه السلام فإنه سيكون مع المسلمين؛ لأنهم هم أهل العقيدة الصحيحة، ولو بعث سليمان عليه السلام فلن يسعى إلى إعادة بناء الهيكل؛ لأن بيت المقدس الآن هو مكان يعبد فيه الله سبحانه وتعالى، وسليمان إذا بعث سوف يكون تابعاً لشريعة محمد عليه الصلاة والسلام، ويدخل في دين الإسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)، أي: ما كان يجوز له أبداً إلا أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، بل عيسى عليه السلام حينما يأتي في آخر الزمان سيحكم بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام، ويصلي خلف المهدي إماماً أول ما ينزل. ولو بعث علي عليه السلام هل سيكون معنا أم مع الشيعة الذين يزعمون حبه والتشيع له؟ A قطعاً سيكون مع أهل السنة، فكذلك لو بعث موسى وعيسى وسليمان وجميع أنبياء بني إسرائيل سوف ينحازون إلى أهل التوحيد وأهل الإسلام، ويحاربون من يزعمون أنهم على ملتهم ظلماً وزوراً. ويدل قوله: ((وكتبنا)) على أنه أعطاه التوراة مكتوبة في الألواح عند الميقات، فموسى عليه السلام أعطي التوراة مرة واحدة مكتوبة في الألواح التي آتاها الله عز وجل لموسى؛ لتكون محروسة، وليبلغه الحاضرون إلى الباقين، وليقع لهم العلم ضرورة، وهذا يدل على أن في التوراة شرائع ما يحتاج إليه. ويدل قوله: ((بقوة)) على أن العبد قادر على الفعل، وأنه يفعل بقدرة.
تفسير قوله تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق)
تفسير قوله تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) ثم قال عز وجل: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:146]. أي: سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمة الشريعة والأحكام عن قلوب المتكبرين عن طاعتي والمتكبرين على الناس؛ لأنهم كما استكبروا على خلق الله أذلهم الله بالجهل، فحرمهم من فهم آيات الله سبحانه وتعالى. وقوله: ((سأصرف)) يعني: سأمنع. ((عن آيتي)) أي: عن فهم وتدبر آياتي. ((الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق))، أي: ما داموا تكبروا بغير الحق في الأرض فسيعاقبهم الله سبحانه وتعالى بالجهل، وكفى بالجهل ذلاً! وهذا من باب مقابلة كبرهم. وهذا كقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:110]، وكقوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف:5]. ((بِغَيْرِ الْحَقِّ))، أي: يتكبرون بما ليس بحق، وهو دينهم الباطل، أو (بغير الحق) حال، يعني: يتكبرون غير محقين. وقوله: ((وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ)) أي: حجة من الآيات والحجج المنزلة عليهم. ((لا يُؤْمِنُوا بِهَا)) يعني: تكبراً عليها. وقوله: ((وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ)) أي: حين يرون طريق الحق والهدى والاستقامة واضحاً ظاهراً. ((لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا))؛ لأنه يتنافى ويتعارض مع أهوائهم. وقوله: ((وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ)) أي: الضلال عن الحق والهلاك. ((يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا)) أي: طريقاً يميلون إليه، ((ذَلِكَ)) إشارة إلى الصرف عن الآيات، أو (ذلك) يعني: لاتخاذهم الغي سبيلاً، ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ))، أي: لاهين لا يتفكرون فيها ولا يتعظون بها، أو غافلين عما ينزل بهم.
تفسير قوله تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم)
تفسير قوله تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم) ثم بين عز وجل وعيد المكذبين بقوله: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف:147]. ((والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة)) يعني: القيامة، وهي الكرة الثانية، وسميت آخرة لتأخرها عن الدنيا، و (الآخرة) صفة لمحذوف، ولقاء الدار الآخرة. وقوله: ((حبطت أعمالهم)) أي: بطلت فلم تعقب نفعاً، والمراد: حبط جزاء أعمالهم؛ لأن الحابط إنما يصح في المنتظر دون ما تقضى، وهذا كقوله: {لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} [الزلزلة:6]، يعني: يروا ثواب أعمالهم. ((هل يجزون إلا ما كانوا يعملون)) أي: إلا جزاء عملهم من الكفر والمعاصي. وذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى: ((سأصرف عن آياتي)) إلى آخره كلام مع قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متصل بما سبق من قصصهم، وهو {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ} [الأعراف:100] إلى آخره، وإيراد قصة موسى وفرعون إنما هو للاعتبار، وإلا فالسياق أصلاً مع الكفار من قوم الرسول عليه الصلاة والسلام. وقال الكعبي وأبو مسلم الأصبهاني: إن هذا الكلام كلام لما وعد الله موسى عليه السلام به من إهلاك أعدائه، ومعنى صرفهم: إهلاكهم، فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها، ولا عن منع المؤمنين من الإيمان بها، وهو شبيه بقوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67]، فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى عليه السلام من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة.
تفسير قوله تعالى: (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار)
تفسير قوله تعالى: (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار) ثم قال تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [الأعراف:148]. يخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلاً جسداً لا روح فيه، وقد احتال بإدخال الريح فيه حتى صار يسمع له خوار، أي: صوت كصوت البقر، وقد أعلمه الله بذلك وهو على الطور؛ حيث قال إخباراً عن نفسه سبحانه وتعالى: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} [طه:85]. قال الزمخشري: فإن قلت: لِمَ قيل: ((وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا)) والمتخذ هو السامري؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن ينسب الفعل إليهم؛ لأن رجلاً منهم باشره، فوجد فيما بين ظهرانيهم، كما يقال: بنو تميم قالوا كذا، وفعلوا كذا، والقائل والفاعل واحد، ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به، فكأنهم أجمعوا عليه؛ لأن الذي يقر على المنكر شريك فيه، كما نسب عقر الناقة إلى ثمود، مع أن الذي عقرها واحد منهم، بدليل قوله تعالى: {إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} [الشمس:12]. الوجه الثاني: أن يراد أنهم اتخذوه إلهاً وعبدوه. ثم قال: فإن قلت: لم قال: (من حليهم)، ولم يقل: الحلي لهم، وإنما كانت عواري في أيديهم؟ قلت: الإضافة تكون بأدنى ملابسة، وكونها في أيديهم عواري كفى بها ملابسة، على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين، كما قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:59]. قال النسفي: وفيه دليل على أن من حلف ألا يدخل دار فلان فدخل داراً استعارها يحنث، وأن الاستيلاء على أموال الكفار يوجب زوال ملكهم عنها. والحلي جمع حلية، كثدي وثدي، وهو: اسم لما يتحسن به من الذهب والفضة، كما قال الشاعر: وما الحلي إلا زينة من ناقص يتمم من حسن إذا الحسن قصرا وأما إذا كان الجمال موفراً كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا إشارة إلى أن المرأة فيها نقص ظاهري في هيئتها، فهي تحاول تكميل هذا بالزينة، ولذلك أباح الله لهن الحرير والذهب والزينة. وقوله تعالى: ((أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا))، هذا تقريع على فرط ضلالهم وإخلالهم بالنظر والتفكر والتدبر، والمعنى: ألم يروا حين اتخذوه إلهاً أنه لا يقدر على كلام ولا على إرشاد سبيل كآحاد البشر، فهو جماد لا ينفع ولا يضر، يعني: أن العجل أحط من البشر؛ لأنه لا عقل عنده، ولا ينفع ولا يضر، فكيف يصلح أن يكون إلهاً؟! وقوله: ((اتَّخَذُوهُ)) هذا تكرير لتأكيد الذم، أي: اتخذوه إلهاً وعبدوه. ((وَكَانُوا ظَالِمِينَ)) أي: واضعين الأشياء في غير مواضعها، والجملة إما استئنافية، وإما اعتراضية تذييلية للإخبار بأن ذلك دأبهم وعادتهم قبل ذلك، فلا ينكر هذا منهم، أو حالية، أي: اتخذوه في هذه الحالة المستقرة لهم. قال الجشمي: تدل الآية على صحة الحجاج على الدين، وأنه تعالى دلهم في بطلان اتخاذ العجل إلهاً بأنه لا يتكلم ولا يهدي، وإنما ذكر الكلام لأن الخوار تنفذ فيه الحيلة، ولا تنفذ في الكلام، وتدل على أن إزالة الشبه في الدين واجب، كما أزالها الله تعالى، وتدل على أن القوم كانوا جهالاً غير عارفين بحقيقة الأشياء، لذلك عبدوا العجل، وتدل على أن تلك الحلي كانت ملكاً لبني إسرائيل، لذلك قال: (حليهم)، فإن ثبت أنهم استعاروه فيدل على زوال ملكهم وانتقال الملك إلى بني إسرائيل، كما تملك أموال أهل الحرث، وتدل على أن الاتخاذ فعلهم.
تفسير قوله تعالى: (ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا)
تفسير قوله تعالى: (ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا) ثم قال تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:149]. قوله: ((ولما سقط في أيديهم)) يعني: ندموا على عبادة العجل. ((ورأوا أنهم قد ضلوا)) يعني: علموا وأيقنوا أنهم قد ضلوا، عن الهدى وعن الحق. ((قالوا لئن لم يرحمنا ربنا)) يعني: بقبول توبتنا. ((ويغفر لنا)) أي: ما قدمنا من عبادة العجل، ((لنكونن من الخاسرين)) أي: بالعقوبة، يعني: لنكونن من الخاسرين الذين خسروا أعمالهم وأعمارهم، يقال للنادم على ما فرط منه: قد سقط في يده، أو أسقط في يده. قال الفراء: يقال: سقط في يده، وأسقط في يده من الندامة، و (سقط) أكثر وأجود. ويكفي في ذلك أن القرآن الكريم آثرها: (ولما سقط في أيديهم) وأنكر أبو عمرو (أسقط) بالألف، وجوزه الأخفش. قال الزمخشري: من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غماً فتصير يده مسقوطاً فيها؛ لأن فاه قد وقع فيها، هذا أصل تعبير (سقط في يده)؛ لأنه يلزم من الندم الشديد أن يحصل العض على يده بفمه، فكأن فمه وقع وسقط في يده، فهذا العض مرتبط بالندامة، واستعير لأجل ذلك. وقال الزجاج: معناه سقط الندم في أيديهم، أي: في قلوبهم وأنفسهم، كما يقال: حصل في يده مكروه، وإن كان محالاً أن يكون في اليد، تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى في العين. وقال الفارسي: (سقط في أيديهم) أي: ضربوا أكفهم على أكفهم من الندم. أي: أن الإنسان إذا ندم قد يضرب كفاً على كف، فمعنى سقط في أيديهم: ضربوا أكفهم على أكفهم من الندم، فإن صح ذلك فهو إذاً من السقوط. وقال في (العباب): هذا نظم لم يسمع به قبل القرآن -أي: هذا التعبير البليغ لم يستعمل قبل القرآن الكريم- ولا عرفته العرب، والأصل فيه: نزول الشيء من أعلى إلى أسفل، ووقوعه على الأرض، ثم اتسع فيه فقيل للخطأ من الكلام: سقط؛ لأنهم شبهوه بما لا يحتاج إليه فيسقط، وذكر اليد لأن الندم يحدث في القلب، وأثره يظهر في اليد، كقوله تعالى: {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا} [الكهف:42]، فقوله: (يقلب كفيه) فيه تعبير عن الندم والحسرة، فتقليب الكفين يعكس ما في القلب، وأنت إذا رأيت إنساناً يفعل ذلك فإنه يعكس لك الشعور الذي في قلبه ونفسه؛ لأن اليد هي الجارحة العظمى، فربما يسند إليها ما لم تباشره، كقوله تبارك وتعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج:10]، ولا يشترط أن تكون المعصية ارتكبت باليد، يعني: الإنسان إذا أكل حراماً وعوقب عليه يقال له: ذلك بما قدمت يداك، وإذا استعمل أي جارحة أخرى غير اليدين في المعصية فإنه يقال كذلك، فتنسب إلى اليد؛ لأنها أعظم جارحة في البدن، وعلى هذا يكون سقط من السقاط وهو كثرة الخطأ، كما قال: كيف يرجون سقاطي بعدما لفع الرأس بياض وصلع وقيل: من عادة النادم أن يطأطئ رأسه ويضعه على يده معتمداً عليها، وتارة يضعها تحت ذقنه وشطر من وجهه، على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه، فكانت اليد مسقوطاً فيها، لتمكن السقوط فيها، ويكون قوله: (سقط في أيديهم) يعني: سقط على أيديهم، كقوله: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه:71]، أي: عليها. و (سقط) عده بعضهم من الأفعال التي لا تتصرف كنعم وبئس. وقرئ: (سَقط في أيديهم) بالبناء للمعلوم يعني: سقط الندم أو العض أو الخسران، وكله تمثيل، وقرئ: (أُسقط) رباعي مجهول، وهي لغة نقلها الفراء والزجاج، كما قدمنا.
تفسير قوله تعالى: (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا)
تفسير قوله تعالى: (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً) {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِي الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف:150] ثم بين تبارك وتعالى ما جرى من موسى عليه السلام بعد رجوعه من الميقات، وكان قد أعلمه تبارك وتعالى بفتنة قومه فقال: ((وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا))، أي: شديد الغضب على قومه لعبادتهم العجل، وحزيناً على ما فاته من مناجاة ربه، فاشتد غضبه لما رأى قومه قد عبدوا العجل واتخذوه إلهاً، وأما كونه كان أسفاً حزيناً فلأن هذا الذي حصل هو الذي أدى إلى أن يسرع إليهم، فإنه أسرع إليهم لما علم ذلك، كما قال تعالى: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} [طه:85] * {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه:86]، وكذلك قال هنا: ((وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا))، أي: غضبان لما قاموا به من عبادة العجل، أسفاً لأنهم تسببوا في قطع مناجاته لربه، فبدل أن يستمتع بالمناجاة مع الله سبحانه وتعالى تسببوا في قطع هذه المناجاة؛ لأنه تعجل الرجوع إليهم، فحزن على ما فاته من مناجاة ربه. وقوله تعالى: ((قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي))، أي: بئسما عملتم خلفي أو قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي، والخطاب إما لعبدة العجل من السامري وأشياعه، أو لوجود بني إسرائيل، وهم هارون عليه السلام والمؤمنون معه، ويدل عليه قوله تعالى: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} [الأعراف:142]، فكأن موسى عليه السلام أدخل هارون في ضمن من خاطبهم بقوله: ((بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي))، فالتقدير الأول هو: أن الخطاب لعبدة العجل، يعني: بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير الله تعالى. وقوله: ((أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ)) أي: ميعاده الذي وعدنيه من الأربعين، فلم تصبروا إلى تمام الأربعين يوماً، وكانوا استبطئوا نزوله من الجبل، فتآمروا في صنع وثن يعبدونه وينضمون إليه، ففعلوا ذلك، وجعلوا يغنون ويرقصون، ويأكلون ويشربون، ويلعبون حوله، ويقولون: هذا الإله الذي أخرجنا من مصر. والعياذ بالله! وقال أبو مسلم: (أعجلتم أمر ربكم) يعني: سبقتم أمر الله فعبدتم ما لم يأمركم به. وقوله: ((وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ)) يعني: من شدة غضبه عليهم طرح الألواح، وهذه الآية تدل على المثل المعروف: ليس المخبر كالمعاين؛ لأن موسى عليه السلام كان معه الألواح عند أن أبلغه الله سبحانه وتعالى: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه:85 - 86] حتى الآن كان خبراً، لكن لما عاين كان رد الفعل عند المعاينة أشد، ولذلك غضب هذا الغضب، وألقى الألواح، مع أنها كانت معه من قبل ولم يلقها. وأيضاً نفس هذا المثل يستنبط من موضع آخر في القرآن، وذلك من قوله تبارك وتعالى: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف:18]، فهذا لم يقع من الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لم يطلع عليهم، لكن لو اطلع: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف:18]. وقوله: ((وألقى الألواح)) أي: طرحها من شدة الغضب وفرط الحزن بين يديه فتكسرت، وهي ألواح من حجارة كتب فيها الشرائع والوصايا الربانية، وإنما ألقاها عليه السلام لما لحقه من فرط الدهش عند رؤيته عكوفهم على العجل، فتأمل نعم الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل؛ كم نعمة أنعم الله عليهم بها! فقد أنجاهم من فرعون، وشق لهم البحر، ثم قالوا: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة! ثم بعد ذلك هاهم الآن يعبدون العجل! فتخيل حال موسى حين يرجع فجأة ويرى قومه فرحين بعبادة العجل ملمين به عاكفين حوله! لذلك غضب وانفعل، واشتدت دهشته؛ حتى ألقى الألواح، فإنه عليه السلام لما نزل من الجبل ودنا من محلتهم ورأى العجل ورقصهم حوله استشاط غضباً، فألقاها غضباً لله وحمية لدينه، ولم يكن غضب موسى عليه السلام هو غضب الشخص العصبي الحاد المزاج، وإنما كان غضباً لله، وغيرة على توحيد الله، وحمية لدين الله، وكان هو في نفسه حديداً شديد الغضب، وكان هارون ألين منه جانباً، ولذلك كان محبباً إلى قومه. وقوله: ((وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ)) أي: وأخذ بشعره، يجره إليه، ويمكن أن يفهم أيضاً أنه أخذ بما في الرأس؛ إما برأس الشعر أو رأس اللحية أيضاً؛ لأنه قال في الآية الأخرى: {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي} [طه:94]، وهذا يدل على أن هارون كان ذا لحية عظيمة؛ بحيث إن موسى كان يمسكه منها، وأخذ برأس أخيه، ولذلك لما سئل بعض أهل العلم وقيل له: أريد دليلاً على وجوب إعفاء اللحية من القرآن الكريم، ففتح الله عليه بهذه الآية -وهو الشيخ محمد بن حبيب الله الشنقيطي رحمه الله- إذ قال: إن قوله تعالى: {يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي} [طه:94] يدل على أن هارون كان له لحية، ثم إذا رجعنا إلى سورة الأنعام نجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر جملة من الأنبياء، وبعدما ذكرهم أمر نبيهم أن يقتدي بهم، فقال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90]. إذاً: رسولنا عليه الصلاة والسلام مأمور بالاقتداء بهؤلاء الأنبياء الذين من جملتهم هارون عليه السلام، وهارون كان ذا لحية عظيمة كما تدل الآية، ثم نحن مأمورون بالاقتداء برسولنا صلى الله عليه وسلم، وأمر القدوة أمر لأتباعه، كما قال تعالى: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق:1] فالخطاب للنبي، لكن المقصود: أتباعه وأمته. لكن يتوقف الأمر هنا على إثبات المشروعية، وهل يثبت الوجوب؟ ينبغي أن يثبت بدليل آخر أن إعفاء اللحية كان واجباً على هارون عليه السلام، وهذا له بحث آخر، لكن هذا من لطائف التفسير والاستنباط من القرآن الكريم. وقوله: (وأخذ برأس أخيه) أي: بشعره، (يجره إليه) ظناً أن يكون هارون قصر في نهيهم عن عبادة العجل، كما قال في الآية الأخرى: {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي} [طه:92 - 94]، وقال هاهنا: ((ابن أم)) بالفتح، ويقرأ أيضاً بالكسر: (يا ابن أم)، وأصلها: يا بن أمي، خفف بحذف حرف النداء والياء، وذكر الأم كي يرقق قلبه، وليذكره أنه أخوه، فالأم بالذات تكون أشد حناناً وعطفاً. وقوله: ((إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي))، فهنا هارون عليه السلام أجاب بهذا الجواب إزاحة لتوهم التقصير في حقه؛ ليبين له أنه لم يكن مقصراً في نهيهم، لكنهم استضعفوه، وكادوا أن يقتلوه، والمعنى: بذلت وسعي في كفهم حتى قهروني واستضعفوني وقاربوا قتلي، أي: لما نهاهم عن عبادة العجل، فهنا بين أنه لم يقصر، وأنه فعل كل ما عليه، وأنهم استضعفوه وقهروه حتى كادوا أن يقتلوه عليه السلام. وقوله: ((فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ))، يعني: بالإساءة إلي، فأنت إذا أسأت إلي سوف تشمت بي الأعداء، والشماتة: سرور الأعداء بما يصيب المرء، ومن أشد الأشياء على النفس شماتة الأعداء، كما يقول الشاعر: كل المصائب قد تمر على الفتى وتهون غير شماتة الأعداء ويكفي أن نبياً من الأنبياء هنا يحذر شماتة الأعداء. ((وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) أي: في عقوبتك لي، لا تجعلني في عدادهم، أو لا تجعل أحداً يعتقد منهم أني مقصر مع براءتي وعدم تقصيري. وتدل الآية على أن الأمر بالمعروف قد يسقط في حال الخوف على النفس، وفي الحال الذي يعلم أنه لا ينفع، لذلك قال هارون: (استضعفوني)، وتدل الآية على أن الغضب والأسف على المبتدع محمود في الدين، فالله سبحانه وتعالى يحب الغيرة والحمية والغضب لدينه ولحرماته عز وجل.
تفسير قوله تعالى: (قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين)
تفسير قوله تعالى: (قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين) ثم قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف:151]. أي: قال موسى عليه السلام متضرعاً إلى ربه استنزالاً لرحمته وتعوذاً بمغفرته من سخطه، ولا يخفى اقتضاء المقام ذلك: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)). لما اعتذر إليه أخوه وذكر له شماتة الأعداء قال: ((رب اغفر لي ولأخي))؛ ليرضي أخاه؛ لأنه تبين له أن هارون لم يقصر، فلذلك استغفر لأخيه هارون؛ وليظهر لأهل الشماتة رضاه عن أخيه هارون، فلا تتم لهم شماتتهم، واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، فدعا أن يغفر له ما فعل مع أخيه من جذب رأسه وشدته عليه، وأن يعفو لأخيه؛ لأنه قد يكون فرط في حسن الخلافة. وطلب ألا يتفرقا عن رحمته فقال: ((وأدخلنا)) مجتمعين غير متفرقين، ((في رحمتك)) ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة، عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم) ثم قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف:152]. يعني: من افترى بدعة فإن ذل البدعة ومخالفة الرسالة على كتفيه، وفي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: (وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري)، فبقدر مخالفة أمر النبي عليه الصلاة والسلام يصيب الإنسان ذل وصغار، فكلما خالفت هديه وقع عليك من الذل ما يوافق حجم هذه المخالفة التي ارتكبتها، فمن خالف أمره بالكفر فيكون حظه من الذل أعظم، وهكذا. قال الحسن البصري: إن ذل البدعة على أكتافهم، وإن هملجت بهم البغال وطقطقت بهم البراذين. وهكذا روى أيوب عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذه الآية: (وكذلك نجزي المفترين) فقال: هي والله لكل مفترٍ إلى يوم القيامة. وقوله: ((كذلك)) معناه أنها ليست خاصة بهم. وقوله: ((إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا))، بين تعالى أن هذه سنة مطردة من سنن الله: ((وكذلك نجزي المفترين))، فإن كل من افترى على الله، وكل من ابتدع في دين الله عز وجل لابد أن يعاقب بهذه المذلة، ولذلك قال سفيان بن عيينة: ليس من صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة تغشاه، وتلا: ((إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا))، فقيل له: هذه في بني إسرائيل أصحاب العجل، فرد عليهم بقوله تعالى: ((وكذلك نجزي المفترين)). فقوله: (وكذلك) إشارة إلى تعميم هذه العاقبة لكل من افترى على الله الكذب وابتدع في دين الله سبحانه وتعالى، وهذا كما قال عز وجل: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} [الأنبياء:87 - 88]، ثم قال: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:88]، ففي هذا إشارة إلى أن من فعل مثلما فعل موسى ودعا بدعاء يونس عليه السلام فإن الله ينجيه؛ لأنه سبحانه قال: ((وكذلك ننجي المؤمنين)).
تفسير قوله عز وجل: (والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا)
تفسير قوله عز وجل: (والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا) قال تعالى: {وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأعراف:153]. ثم قال عز وجل: ((وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا)) يعني: إلى الله ((آمَنُوا)) أي: أخلصوا الإيمان، ((إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)) أي: محاء لذنوبهم، منعم عليهم بالجنة.
تفسير قوله تعالى: (ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح)
تفسير قوله تعالى: (ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح) ثم قال تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف:154]. ((ولما سكت عن موسى الغضب)) يعني: لما سكن عن موسى الغضب ((أخذ الألواح)) التي كان ألقاها من شدة الغضب فتكسرت، ((وفي نسختها)) يعني: فيما نسخ منها أو كتب، والنسخة فعلة، بمعنى مفعول، كالخطبة بمعنى مخطوب. وقوله: ((وفي نسختها هدى ورحمة)) يعني: بالشرائع والوصايا الدينية الربانية المرشدة لما فيه الخير والصلاح، ((للذين هم لربهم يرهبون)) أي: يخشون، قال أبو السعود: في هذا النظم الكريم من البلاغة والمبالغة بتنزيل الغضب الحامل له على ما صدر عنه من الفعل والقول منزلة الآمر بذلك المغري عليه بالتحكم والتشديد، والتعبير عن سكونه بالسكوت ما لا يخفى. يعني: أنه تعبير في قمة البلاغة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما أراد أن يبين شدة تمكن الغضب من موسى عليه السلام شبه الغضب بإنسان يحرض موسى على ما صدر منه من الفعل بإلقاء الألواح، ومن القول باشتداده على أخيه هارون عليه السلام، فكأن هناك رجلاً اسمه الغضب كان هو الذي يغريه لأن يفعل ذلك، فلما سكت وتوقف الغضب عن هذا الإغراء حينئذٍ أخذ موسى الألواح. وأصل هذا الكلام للزمخشري حيث قال: هذا مثل كأن الغضب كان يغريه على ما فعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجر برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء، ولم يستحسن هذه الكلمة، ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم وذوق صحيح إلا لذلك. يعني: أن كل إنسان عنده تذوق بلاغي يستطيع أن يتذوق عظمة القرآن وبلاغته يستعظم ويقدر هذا التعبير في القرآن الكريم: ((ولما سكت عن موسى الغضب))، أي: لم يقع في قلبه التعظيم لهذه البلاغة العظيمة ولم يستفحصها كل ذي طبع سليم وذوق صحيح إلا لأنه فهم من هذا أن الله سبحانه وتعالى بين مثل الغضب كأنه إنسان يغري موسى عليه السلام ويأمره، ويقول له: قل لقومك كذا، ألق الألواح، جر برأس أخيك إليك، فسكت الغضب بعد ذلك وحينئذٍ أخذ موسى الألواح وفي نسختها إلى آخره. وعد بعض أهل العربية الآية من المقلوب، أي: من نمط قلب الحقيقة إلى المجاز، وكأن الأصل: ولما سكت موسى عن الغضب، كما تقول: خرق الثوبُ المسمارَ، قال في (الانتصاف): والتحقيق أنه ليس منه. وقوله: ((ولما سكت عن موسى الغضبُ)) بالرفع؛ لما فيه من المعنى البليغ، وهو أن الغضب كان متمكناً من موسى، حتى كأنه كان يصرفه في أوامره، وقرئت: (سكن) و (سكت) و (أسكت) أي: أسكته الله، أو أخوه باعتذاره إليه. واللام في ((للذين)) متعلق بمحذوف صفة لرحمة، أي: كائنة لهم، أو هي لام لأجل، أي: هدىً ورحمة لأجلهم. واللام في ((لربهم)) لتقوية عمل الفعل المؤخر، كما في قوله تعالى: {إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف:43]؛ فلما أخر الفعل قوى كلمة الرؤيا باللام، وأصلها: إن كنتم تعبرون الرؤيا، فلما أخر الفعل أضاف اللام لتقوية عمل الفعل المؤخر، فقال: ((إن كنتم للرؤيا تعبرون))، كذلك هنا قال عز وجل: ((وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ))، وأصلها: للذين هم يرهبون ربهم، فلما أخر الفعل قوى عمل الفعل المؤخر بإضافة اللام إلى قوله: (لربهم يرهبون)، أي: يرهبون المعاصي لأجل ربهم لا للرياء ولا للسمعة.
تفسير قوله تعالى: (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا)
تفسير قوله تعالى: (واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا) ثم قال تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ} [الأعراف:155]. روى محمد بن إسحاق: أن موسى عليه السلام لما رجع إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وذراه في اليم، اختار من بني إسرائيل سبعين رجلاً الخيّر فالخيّر، وقال: انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم، واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، توبوا وتطهروا وطهروا ثيابكم، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقت له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه قالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا. فهم ذهبوا من أجل أن يتوبوا، ثم أيضاً يطلبون هذا الطلب: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، نريد أن نسمع كلام ربنا سبحانه وتعالى، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، يعني: شيء كالسحاب كان يغطي الجبل بمجرد دخول موسى إلى الجبل، ودنا موسى فدخل فيه وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا في سجود فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه، افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره وانكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم، فقالوا لموسى: ((لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة)) فأخذتهم الصاعقة، وهي الصاعقة التي يحصل منها الاضطراب الشديد، فماتوا جميعاً، فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول: ((رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي)) يعني: أتهلك من ورائي من بني إسرائيل، وفي رواية السدي: فقام موسى يبكي ويقول: يا رب! ماذا أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ وقال ابن إسحاق: اخترت منهم سبعين رجلاً الخيّر فالخيّر أرجع إليهم وليس معي رجل منهم واحد؟ ماذا أقول لبني إسرائيل؟ فما الذي يصدقونني أو يأمنوني عليه بعد هذا؟ وعلى هذا فالمعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا، يعني: قبل أن يأتوا معي للقاء الله سبحانه وتعالى، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني بأني تسببت في موتهم. وقال الزجاج: المعنى: لو شئت أمتهم من قبل أن تبتليهم. قال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) بعد نقل كلام من ذكرنا: وهؤلاء كلهم حاموا حول المقصود، والذي يظهر -والله تعالى أعلم بمراده ومراد نبيه- أن هذا استعطاف من موسى عليه السلام لربه، وتوسل إليه بعفوه عنهم من قبل، حين عبد قومهم العجل، ولم ينكروا عليهم، يقول موسى: إنهم قد تقدم منهم ما يقتضي هلاكهم، ومع هذا فوسعهم عفوك ومغفرتك، ولم تهلكهم مع ما فعلوه، فليسعهم اليوم ما وسعهم من قبل -يعني: من عفوك ومغفرتك- وهذا كمن واخذه بسيده بجرم، فيقول: لو شئت واخذتني قبل هذا بما هو أعظم من هذا الجرم، فعلت من قبل ما هو أعظم من هذا الذنب ومع ذلك سامحتني، ولكن وسعني عفوك أولاً فليسعني اليوم. ثم قال نبي الله: ((أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا)) هذا استفهام على معنى الجحد، يعني: أنت لست تفعل ذلك، والسفهاء هنا هم عبدة العجل. قال الفراء: ظن موسى أنهم أهلكوا باتخاذ قومهم العجل، فقال: (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) من عبادة العجل، وإنما كان إهلاكهم بقولهم: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء:153]. وفي معظم الروايات أنهم ماتوا بسبب تلك الرجفة، أي: ثم أحيوا. وقال وهب بن منبه: لم تكن الرجفة موتاً، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيئة أخذتهم الرعدة فرجفوا، حتى كادت أن تبين مفاصلهم، فلما رأى موسى ذلك رحمهم وخاف عليهم الموت، واشتد عليه فقدهم، وكانوا له وزراء على الخير سامعين له مطيعين، فعند ذلك دعا موسى وبكى وناشد ربه، فكشف الله عنهم تلك الرجفة، فاطمئنوا وسمعوا كلام الله. والله تعالى أعلم. وقوله: ((إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ)) يعني: ما الفتنة التي وقع فيها السفهاء إلا اختبارك وابتلاؤك وامتحانك لعبادك، فأنت ابتليتهم وامتحنتهم، فالأمر كله لك وبيدك، لا يكشفه إلا أنت، كما لا يمتحن به ويختبر إلا أنت، فنحن عائذون بك منك، ولاجئون منك إليك. وقوله: (وتهدي من تشاء) قال الواحدي: هذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر، يشير إلى قوله تعالى: ((إن هي إلا فتنتك تضل من تشاء وتهدي من تشاء)). وقوله: ((أَنْتَ وَلِيُّنَا)) أي: أنت متولي أمورنا القائم بها. ثم ختم بقوله: ((فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ)).
الأعراف [156 - 159]
تفسير سورة الأعراف [156 - 159]
تفسير قوله تعالى: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة)
تفسير قوله تعالى: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة) قال تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:156]. قوله تعالى: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة) أي: أسس لنا فيها خصلة حسنة، كالعافية والحياة الطيبة والتوفيق للطاعة، (وفي الآخرة) أي: حسنة أيضاً، وهي: المثوبة الحسنى والجنة، (إنا هدنا إليك) أي: تبنا إليك، يقال: هاد إليه يهود، إذا رجع وتاب، فهو هائد، ولبعضهم: يا راكب الذنب هد هد واسجد كأنك هدهد فقوله: (يا راكب الذنب هد) يعني: ارجع وتب، (هد) كرر الفعل للتأكيد. وقوله: (واسجد كأنك هدهد) الهدهد: الطائر المعروف. وقال آخر: إني امرؤ مما جنيت هائد يعني: راجع وتائب. قال أبو البقاء: المشهور ضم الهاء، يعني: (هُدنا إليك)، وهو على هذا من (هاد يهود) إذا تاب، وقرئ بكسرها، يعني: (إنا هِدنا إليك)، من (هاد يهيد) إذا تحرك أو حرك، وعلى هذا فقوله تعالى: (إنا هدنا إليك) يعني: إنا حركنا إليك نفوسنا، وعلى القراءتين: (هُدنا) و (هِدنا) يحتمل الوجهين: البناء للفاعل وللمفعول، فقوله: (إنا هدنا إليك) يحتمل أنها بمعنى: إنا ملنا إليك، أو أمالنا غيرنا، أو حركنا أنفسنا، أو حركنا غيرنا، فعلى القراءتين تحتمل البناء للمفعول والبناء للفاعل؛ وذلك لاتحاد الصيغة وصحة المعنى، فاتحاد الصيغة (هُدنا) و (هِدنا) تصلح في البناء للمعلوم والمجهول، وكذلك يصح المعنى وإن اختلف التقدير. وقوله تعالى: (قال عذابي أصيب به من أشاء) استئناف وقع جواباً عن سؤال ينساق إليه الكلام، وكأنه قيل: هذا دعاء موسى وقومه؛ لأنه قد قال موسى في الدعاء: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك)، فكأن سائلاً سأل وقال: فماذا قال تبارك وتعالى في جواب دعاء موسى؟ فقيل: قال: (عذابي أصيب به من أشاء)، أي: من أشاء تعذيبه من العصاة. وقوله: (ورحمتي وسعت كل شيء)، تطلق الرحمة على التعطف والمغفرة والإحسان والجنة، كما قال تعالى: (يدخل من يشاء في رحمته)، يعني: في جنته، فتطلق الرحمة على الجنة، ولعلها هي المرادة هنا: والمعنى: جنتي وسعت كل شيء؛ بدليل مقابلتها بالعذاب قبل، كما جاءت المقابلة أيضاً في قوله تعالى: {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإنسان:31]. والله تعالى أعلم. وقوله: (فسأكتبها)، أي: هذه الرحمة، (للذين يتقون) أي: يتقون الكفر والشرك والمعاصي، (ويؤتون الزكاة) أي: يعطون زكاة أموالهم، (والذين هم بآياتنا) يعني: بكتابنا ورسولنا (يؤمنون) أي: يصدقون. قال الجشمي: تدل الآية على حسن سؤال نعيم الدنيا، كما يحسن سؤال نعيم الآخرة، وتدل على أن الواجب على الداعي أن يقرن بدعائه التوبة والإخلاص؛ لأنه قرن التوبة والرجوع بقولهم: (إنا هدنا إليك). قرنوه بالدعاء، وتدل على أنه تعالى ينعم على البر والفاجر، ويخص بالثواب المؤمن، فلذلك فصل فقال تبارك وتعالى: (قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها) أي: هذه الرحمة إلى آخره، وكما قال تبارك وتعالى من قبل في أوائل السورة: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف:32]، فهي لهم في الحياة الدنيا، لكن يشاركهم فيها الكافرون، وأما يوم القيامة فستكون: خالصة للمؤمنين دون أن يشاركهم فيها المشركون كما كان الحال في الدنيا، ومن تأمل هذا السؤال والجواب عرف عظيم محل هذا البيان؛ لأنه عليه السلام سأل نعيم الدنيا والدين عقيب الرجفة، فكان من الجواب أن العذاب خاصة يصاب به من يستحقه، فأما النعم فما كان من باب الدنيا يسع كل شيء يصح عليه التنعم، وما كان من باب الآخرة يكتب لمن له صفات ذكرها. وتدل على أن الرحمة لا تنال بمجرد الإيمان الذي هو التصديق، حتى ينضم إليه الطاعات، فيبطل قول المرجئة؛ لأنه قال: (فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون)، ولم يقتصر على التصديق حتى أضاف إليه العمل، فهذا يبطل قول المرجئة في زعمهم أن الإيمان مجرد المعرفة ولا يدخل في مسماه العمل.
تفسير قوله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي)
تفسير قوله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف:157]. ثم أبدل تبارك وتعالى من الموصول الأول هذا الموصول أيضاً فقال: ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ))، فالذين بدل كل من الموصول الأول، وهو منصوب على المدح أو مرفوع عليه، يعني: أعني الذين، أو هم الذين. وقوله: (يتبعون الرسول) أي: الذي أرسل إلى الخلائق لتكميلهم. (النبي) يعني: لم الذي نبئ بأكمل الاعتقادات والأعمال والأخلاق والأحوال والمقامات من جهة الوحي. (الأمي) يعني: لم يحصل علماً من بشر. (الذي يجدونه مكتوباً) أي: باسمه: محمد وأحمد عليه الصلاة والسلام، وهكذا نعته، ففي التوراة والإنجيل إما التصريح بأسماء الرسول عليه الصلاة والسلام، كمحمد وأحمد، أو بصفته ونعوته، (عندهم) زيد هذا لزيادة التقرير والتأكيد، وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضر عندهم لا يغيب عنهم أصلاً، يعني: أن أي يهودي أو نصراني عنده وبين يديه هذا الكتاب الذي يقدسه فعنده صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو اسمه في كتابه، ولكن التحريف والتبديل أدى إلى عدم وجود لفظ صريح باسم الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن كانت صفاته ما زالت حتى هذه اللحظة موجودة بين أيديهم رغم باعهم الواسع العظيم في التحريف والحذف والتبديل، كما سنبين إن شاء الله تعالى. وقوله: ((يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ))، وأعرف المعروف: الإيمان بالله ووحدانيته والشرائع ومكارم الأخلاق، وجميع ذلك تعرف صحته إما بالعقل وإما بالشرع. وقوله: ((وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ))، أي: الكفر والشرك والمعاصي ومساوئ الأخلاق؛ لأن العقل والشرع ينكرانه. وقوله: ((وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ)) يعني: التي حرمت عليهم لمعاصيهم، كما قال الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء:160 - 161]، فعقوبة لهذه المعاصي حرمت عليهم أشياء كانت حلالاً عليهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. فقوله: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ) يعني: التي كانت قد حرمت عليهم عقوبة لهم من قبل في كتبهم. وقوله: ((وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)) أي: التي كانوا يتناولونها، كالخنزير والميتة والدم، وهذا في باب المأكولات، أما في باب التكاليف فقال: ((وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)). والإصر هو: الأمر الذي يثقل عليهم من التكاليف الشاقة، فهناك شرائع شاقة وعسيرة أيضاً كانت عليهم، والأغلال جمع غل، وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد، أي: العهود الحرجة والمواثيق الشديدة. والمقصود من قوله: (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم): أنه صلى الله عليه وآله وسلم جاء يخفف عنهم ما كلفوه من هذه الشرائع الحرجة والشديدة، وهذا في باب العبادات. وقوله: ((فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ)) أي: بالنبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم، ((وَعَزَّرُوهُ)) يعني: عظموه ووقروه ((وَنَصَرُوهُ)) أي: على أعدائه في الدين فمنعوه منهم، ((وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ)) وهو القرآن الكريم، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه. ومعنى (أنزل معه) أنزل مع نبوته؛ لأن استنباءه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به؛ فكما نزل الوحي بالقرآن نزل أيضاً بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم. فهذا أول تفسير لمعنى قوله: (واتبعوا النور الذي أنزل معه) يعني: أن النور هو القرآن الذي أنزل مع نبوته؛ لأن القرآن اقترن بتنبيئه صلى الله عليه وسلم. وقيل: (معه) تتعلق بـ (اتبعوا) القرآن المنزل مع اتباع النبي؛ لأن الآية فيها: ((فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ))، أي: اتبعوا النور (القرآن) مع اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فتكون هنا إشارة إلى العمل بسنته صلى الله عليه وسلم، وبما أمر ونهى عنه، فيكون أمراً بالعمل بالكتاب والسنة. أو: هو حال، يعني: اتبعوا القرآن مصاحبين له في اتباعه، وفي التعبير عن القرآن بالنور إنباء عن كونه ظاهراً بنفسه لإعجازه، ومظهراً لغيره من الأحكام لمناسبة الاتباع. وقوله: ((أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) أي: الفائزون بالرحمة والناجون من النقمة.
الرحمة تخص المؤمنين دون غيرهم
الرحمة تخص المؤمنين دون غيرهم وهنا تنبيهات: الأول: يقول القاسمي: يظهر من سياق الآية أن قوله تعالى: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف:156] إلى آخره، أن هذا جواب لموسى عليه السلام؛ وذلك أنه دعا بالمغفرة لقومه أجمعين، وطلب أيضاً حسنتي الدنيا والآخرة لهم، فأجيب: أولاً: أن ذلك لا يحصل لقومه كلهم براً أو فاجراً؛ لما سبق من تقدير الله سبحانه وتعالى العذاب لمن يشاء من الفجار حكمة منه وعدلاً، ولذلك قرأ الحسن وزيد بن علي هنا: (قال عذابي أصيب به من أساء ورحمتي وسعت كل شيء) وفي طيه أن ما أصاب قومه من الرجفة هو من عذابه تعالى، الذي شاء إصابتهم به لأفاعيلهم. وثانيها: أنه لا يستأهل كتابة الحسنتين: في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة إلا المتقون المؤمنون بالآيات، المتبعون للنبي الأمي، فمن استقام على هذه الشرائط كتب له ذلك، ولا يقال على هذا: كيف يتبعونه ولم يدركوا زمنه؟ لأنكم لو تأملتم هذه الآيات، لوجدتم أنها عبارة عن دعاء من موسى عليه السلام لقومه. ثم أتى الجواب يكشف لنا عظمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: أن هذا الحوار والإجابة جاءت قبل أن يولد النبي صلى الله عليه وسلم بمئات السنين، فانظر كيف عظم الله عز وجل قدره، ونوه به فيما أوحاه إلى موسى: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:156]؟ ثم استطرد عز وجل في وصف هؤلاء المؤمنين فقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف:157]، فلا يقال: كيف يتبعونه ولم يدركوا زمنه؟ فإنا نقول: الاتباع أعم؛ هناك اتباع بالقوة، وهو: الإيمان به عليه الصلاة والسلام إجمالاً، فكل من تقدم على زمن بعثته، يجب عليهم أن يؤمنوا به إيماناً مجملاً، وأن يصدقوا بأخباره التي وردت على ألسنة رسلهم تبشيراً به صلى الله عليه وسلم، فهناك اتباع بالفعل، وهو اتباع فعلي وحقيقي وليس بمجرد القول، وهذا لمن لحق زمان بعثته صلى الله عليه وسلم. وهذه الآية الكريمة تثبت أن موسى عليه السلام بشر ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلم بشأنه؛ لأن كتابة الرحمة موقوفة على اتباعه، وذلك في قوله: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون)، فذكر صفات هؤلاء الذي يستحقون الرحمة، ومن صفتهم الأساسية أنهم يؤمنون بالرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم. وقال بعضهم: إن جواب موسى ينتهي إلى قوله تعالى: (والذين هم بآياتنا يؤمنون)، ثم استأنف تبارك وتعالى بقوله: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) إلى آخره، فكأنه تعالى أعلم موسى بأنه ذو عذاب يصيب به من يشاء كما أصاب أصحاب الرجفة، وذو رحمة واسعة تكتب للمتقين المتصدقين المؤمنين بالآيات، أي: فأمر قومك بأن يكونوا من الفريق المرحوم بالمشي على هذا الوصف المذكور. ثم استأنف تعالى الإخبار عمن يتبع النبي الأمي بأنهم المفلحون حقاً، وعليه فيكون قوله: (الذين يتبعون) مبتدأ، وخبره قوله تعالى: (أولئك هم المفلحون)، وتكون القصة تدعو بني إسرائيل بأنهم إذا اتبعوا النبي الأمي كانوا هم المفلحين. وجوز بعضهم أن يكون قوله تعالى: (قال عذابي أصيب به من أشاء) ارتجال خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم قصد به إعلام أهل الكتاب المعاصرين له صلى الله عليه وسلم بأنهم إذا اتبعوه وآمنوا به وصدقوه حقت لهم رحمته تعالى الواسعة، وإلا فلا يأمنوا أن يصابوا بانتقامه تعالى، كما جرى لأسلافهم، وفي ذلك كله من التنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه المتقين ما لا يخفى.
إطلاق الرحمة على العطف والمغفرة والإحسان
إطلاق الرحمة على العطف والمغفرة والإحسان التنبيه الثاني: أن الرحمة تطلق على العطف والمغفرة والإحسان، يقول القاسمي: وعندي أن القرآن الكريم قد تطلق فيه على الجنة كما قال عز وجل: {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ} [الإنسان:31] يعني: الجنة، بدليل أنه قابلها بقوله: {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإنسان:31]، فلعل الرحمة في قوله تعالى هنا: (ورحمتي وسعت كل شيء) بمعنى: الجنة، بدليل أنه قابلها أيضاً بالعذاب، فقال: (عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي) يعني: الجنة. وقال أبو منصور: ما من أحد مسلم وكافر إلا وعليه من آثار رحمته في هذه الدنيا، بها يتعايشون ويؤاخون ويوادون، وفيها ينقلبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، وذلك قوله: (فسأكتبها للذين يتقون) يعني: يتقون معصية الله وخلاف أمره عز وجل، (ويؤتون الزكاة)، كقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف:32]، جعل طيبات الدنيا مشتركة بين المسلم والكافر، خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، لا حظ للكافر فيها، فعلى ذلك رحمته نالت كل أحد في هذه الدنيا، لكنها للذين آمنوا واتقوا الشرك خاصة في الآخرة. والله تعالى أعلم. ويحتمل أيضاً في قوله عز وجل: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة) أنهم سألوا الرحمة، فقال: سأكتبها للذين يتقون معاصي الله ومخالفته، ومع أن الزكاة تدخل في التقوى (الذين يتقون) لكنه أفردها: لعلوها وشرفها؛ فإنها عنوان الهداية؛ ولأنها كانت أشق عليهم فذكرها لئلا يفرطوا فيها.
وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أمي
وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أمي أما وصفه عليه الصلاة والسلام بأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ فهذا أمر مقرر مشهور، ولا شك أن هذا من أعظم علامات الإعجاز في نبوته صلى الله عليه وآله وسلم. وهل كتب النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية أم لا؟ الراجح: أنه لم يكتب قطعاً؛ لأن قوله: (فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم) يوضحه في الرواية الأخرى: (فأمر علياً فتكب)؛ لأن علياً هو الذي كتب، كما يقال: كتب السلطان إلى الولاة يأمرهم بكذا وكذا، مع أنه يكون له كاتب يكتب، لكن هو الذي أمر بذلك، فيصح أن ينسب إليه. وقوله تعالى: (الأمي) نسبة إلى أمة العرب؛ لأن الغالب عليهم أنهم كانوا أميين لا يقرءون ولا يكتبون، كما جاء في الحديث: (إنا أمة أمية؛ لا نكتب، ولا نحسب)، وطبعاً لا يقصد بقوله: (إنا أمة أمية) الدعوة إلى الأمية، أو تحبيب الأمية، وإنما المقصود: أن شريعتنا شريعة سهلة ميسورة لكل الناس ابتداءً من الأمي الذي لا يستطيع أن يقرأ ولا يكتب؛ حيث إنه يستطيع أن يقيم شعائر هذا الدين عن طريق معرفة العلامات الظاهرة، فمثلاً: في مواقيت الصلاة ودخول الشهر العربي لمعرفة الصيام أو الحج وغير ذلك من المواقيت، فيعتبر فيها ما هو معهود عند الأميين، ولا يخاطب طبقة خاصة من المؤهلين بالنظر في الفلك والحسابات والجداول، لأن شريعتنا شريعة أمية سهلة تخاطب بما هو معروف ومعهود عند الأميين، فالإشارة هنا إلى لطافة الشريعة وسهولتها. وأما نسبته إلى أم القرى فلأن أهله كانوا كذلك. وقيل: الأمي ينسب إلى أمه؛ لأن العلم أمر مكتسب، فعلم القراءة والكتابة وغيرها من العلوم المكتسبة، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل:78]، فإذا بقي الإنسان على أصل الخلقة التي خرج بها من بطن أمه فإنه ينسب إلى أمه، يعني: أنه بقي على الحالة التي خرج بها من بطن أمه لم يكتسب علماً، فيوصف بأنه أمي، فإذا تعلم خرج عن هذه الحالة، وإذا بقي عليها من حيث القراءة والكتابة وصف بأنه أمي. وطبعاً لا يعني كون الإنسان أمياً لا يقرأ ولا يكتب أنه ليس بعالم، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم آتاه الله علماً عظيماً، فعلم الأمم بأكملها، وتحدى العرب الفصحاء البلغاء، ووصف الأمية في حق النبي صلى الله عليه وسلم مدح له عليه الصلاة والسلام. وقيل: وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالأمي منسوب إلى الأم، بمعنى: القصد، كما في قوله تعالى: {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة:2]، ويؤيده قراءة يعقوب: (الذين يتبعون الرسول النبي الأَمي)، من القصد؛ لأنه مقصود. ووصف تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه أمي تنبيهاً على أن كمال علمه مع كونه أمياً هو إحدى معجزاته، فهي له مدح وعلو كعب؛ لأنها معجزة له، كما قال البوصير ي: كفاك بالعلم في الأمي معجزة فكما أن صفة التكبر لله ممدوحة وفي غيره مذمومة، فصفة الأمية في حق النبي عليه الصلاة والسلام مدح له؛ لأنها من كبريات معجزاته، فمع كونه أمياً إلا أنه أوتي هذا العلم من عند الله سبحانه وتعالى، وأما في حق غيره فقد تذم تماماً. وأما قوله تبارك وتعالى: (الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل) إلى آخر الآية، ففيه إشارة إلى بشائر الأنبياء عليهم السلام بنبوته صلى الله عليه وسلم، قال الإمام الماوردي في (أعلام النبوة): إن لله تعالى عوناً على أوامره وإغناءً عن نواهيه، فكأن أنبياء الله تعالى معانون على تأسيس النبوة، أي: أن الأنبياء حينما يأتي أحدهم ويدعي النبوة فإن الله سبحانه وتعالى يسهل لهم هذا الأمر؛ لأنهم إذا خرجوا إلى قومهم يدعونهم إلى الإيمان بنبوتهم يكون قد سبق ذلك نوع من الإرهاصات والبشارات السابقة التي تسهل وتؤسس لهم بناء النبوة، حتى قبل أن يبعثوا. يقول: فكأن أنبياء الله تعالى معانون على تأسيس النبوة بما تقدمه من بشائرها، وتبديه من أعلامها وشعائرها؛ ليكون السابق مبشراً ونذيراً، واللاحق مصدقاً وظهيراً، فتدوم بهم طاعة الخلق، وينتظم بهم استمرار الحق، وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مما هو حجة على أممهم ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم، بما أطلعه الله على غيبه؛ ليكون عوناً للرسول وحثاً على القبول، فمنهم من عينه باسمه صلى الله عليه وسلم، ومنهم -أي: الأنبياء السابقين- من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميزه بظهوره وانتشاره، وقد حقق الله تعالى جميعها فيه، حتى صار جلياً بعد الاحتمال ويقيناً بعد الارتياب ثم سرد المارودي البشائر من نصوص كتبهم.
الأمور التي يستدل بها على صحة النبوة
الأمور التي يستدل بها على صحة النبوة وقد سبق من قبل أن بينا الاستدلال على صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وقلنا: إن الاستدلال على صحة النبوة يقوم على أمور خمسة: الأمر الأول: الصفات الشخصية لصاحب الرسالة؛ فإن الأنبياء لهم صفات لا يشركهم فيها غيرهم من البشر، فهناك صفات خاصة بالأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، تتعلق بنسبهم وبملامحهم الخلقية: قوة البدن، وسلامة الحواس، وجمال الصورة، وشرف النسب وغير ذلك من الصفات التي يختص بها الأنبياء، لذلك لما سمع عبد الله بن سلام -وكان كبير اليهود وعالمهم الأكبر في المدينة- بوصول النبي صلى الله عليه وسلم أسرع إليه، فماذا كان تعليقه أول ما رأى النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: (فلما رأيته علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب)، عليه الصلاة والسلام، كما قال بعض الشعراء: كانت بديهته تأتيك بالخبر أي: حتى لو لم يكن معه من الآيات سوى شكله فإن من يراه يعرف أن هذا لا يمكن أن يكذب على الله سبحانه وتعالى، بل لابد أن يكون صادقاً فيما يقول عليه الصلاة والسلام. فصفات الأنبياء البدنية والخلقية والخلقية ونسبهم وملامحهم وتكوين أجسادهم تكون في أكمل الحالات في كل هذه الخصال. الأمر الثاني: الآثار؛ لأن الأنبياء يتركون بصمات وآثاراً في الدنيا لا تشتبه بآثار غيرهم من المصلحين؛ فالأنبياء حينما يوجدون في أمة من الأمم أو في عصر من العصور يتركون من الآثار ما يدل على أن الله سبحانه وتعالى أيدهم ونصرهم، وأي عاقل لا يمكن أن يتصور أن يكون رسول كمحمد عليه الصلاة والسلام يمكنه الله سبحانه وتعالى هذا التمكين، وينشر دينه في الآفاق، ويظهر في كل الأزمان والأعصار بهذه الصورة، ثم يكون مع ذلك كاذباً، بل سنة الله سبحانه وتعالى أنه يفضح كل من ادعى النبوة كاذباً، ويجعلهم آية لمن يعتبر، كما فعل بغلام أحمد القادياني وبـ مسيلمة الكذاب وغير هؤلاء من المتنبئين، فلا بد أن يظهر الله فضيحتهم، وهذه سنة من الله ماضية؛ حتى لا يلتبس الحق بالباطل، فـ مسيلمة تسمى برحمان اليمامة، وادعى النبوة، وسمع أن الرسول عليه الصلاة والسلام بصق في بئر ففاض ماؤها، وبورك في مائها، فذهب هو إلى بئر فبصق فيها فغار ماؤها، فهذه لا تسمى كرامة، إنما تسمى إهانة، وهي خرق للعادة، لكن يقصد بها إهانته، وكذلك لما وجد النبي عليه الصلاة والسلام يمسح على رأس الغلمان ذهب ليمسح على شعر صبي فسقط الشعر من على رأسه، حتى لما حاولوا أن يستجيبوا للتحدي ويأتوا بقرآن مثل القرآن ما استطاعوا أن يتخلصوا من أسر القرآن، وما استطاع أحد أن يبتكر أسلوباً جديداً، لكن كان دائماً يحاول أن يحاكي القرآن، فكان يأتي بأمور مضحكة، كقوله: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي كما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين! إلى آخر هذه الكلمات المعروفة التي يضحك منها العقلاء إذا سمعوها، فجعلهم الله ضحكة للعقلاء. وغلام أحمد القادياني أهانه الله سبحانه وتعالى في آخر لحظات حياته، وأظهر كذبه فيما كان يدعيه من أنه لن يموت إلا بعد كذا وكذا من السنوات إلى آخره، فالسنة ماضية من الله تعالى أنه لا يمكن أن يلتبس المحق بالمبطل والصادق بالكاذب. فمن صفات صاحب الرسالة: الآثار التي يتركها في الأرض، وبالذات نحن المسلمين لا يوجد أبداً نبي أيد بهذه الصفة مثلما أيد نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، فمثلاً: انظر في آثار النبي عليه الصلاة والسلام في الصحابة الذين تربوا على يديه مباشرة رضي الله تعالى عنهم، وانظر كيف كانوا رجالاً ونساءً بل صبياناً وأطفالاً، فقد كانوا جبالاً تمشي على الأرض أو بحاراً من العلم تمشي على الأرض، والرجل الواحد منهم صار أمة في ذاته في كل أبواب الخير، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا عمالقة وجبالاً، ثم تأمل في التابعين وتابعي التابعين، وتأمل في سير الصالحين والحكام العادلين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كالخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز، وتأمل أخبار العباد والصالحين، وكل هذا ما هو إلا من آثار بعثته صلى الله عليه وسلم. وتأمل العدل مع الخصوم، وانظر إلى المسلمين لما سادوا العالم كيف رفقوا بالأمم ورحموها، وأحسنوا إلى الناس، واتقوا الله سبحانه وتعالى فيهم، وكل هذه المحاسن التي هي محاسن الإسلام في الناحية العملية التطبيقية والعملية النظرية كلها من آثار بعثته الشريفة صلى الله عليه وسلم. الأمر الثالث الذي يستدل به على نبوة النبي: المعجزات التي أيده الله بها. الأمر الرابع: البشارات، والبشارات هي إخبار الأنبياء السابقين ببعثة من يأتي بعدهم. الأمر الخامس: النبوءات، وهي: الإخبار عن أشياء تقع في المستقبل ثم تقع تماماً كما أخبر، وهذا مما عندنا فيه مئات من البشارات التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم بصورة مقطوع بها، فوقعت كما أخبر، وما لم يقع حتى الآن سوف يقع بإذن الله، كما قال عز وجل: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص:88].
البشارات في الكتب السابقة ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم
البشارات في الكتب السابقة ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم والذي يناسب تفسير هذه الآية الكريمة هنا قصر الكلام على البشارات التي وقعت في الكتب السابقة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يقول صاحب كتاب (إظهار الحق): إن الإخبارات الواقعة في حق محمد صلى الله عليه وسلم توجد كثيراً إلى الآن أيضاً، مع وقوع التحريفات في هذه الكتب، ومن عرف أولاً طريق إخبار النبي المتقدم عن النبي المتأخر، ثم نظر ثانياً بنظر الإنصاف إلى هذه الإخبارات وقابلها بالإخبارات التي نقلها بإنجيله أو في حق عيسى عليه السلام جزم بأن الإخبارات المحمدية في غاية القوة. وجاء في (منية الأذكياء في قصص الأنبياء) ما نصه: إن نبينا عليه الصلاة والسلام قد بشر به الأنبياء السابقون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفاً رفع كل احتمال؛ حيث صرحت باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته، غير أن أهل الكتاب حذفوا اسمه -يعني: من نسخهم الأخيرة- إلا أن ذلك لم يجدهم نفعاً، أي: أنهم لما رأوا المسلمين يستدلون على صدق نبوته عليه الصلاة والسلام بوجود اسمه في كتبهم هربوا من ذلك بأن حذفوا هذه البشارات، ولكن لم يجدهم ذلك الحذف نفعاً؛ لبقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة، وهي أظهر دلالة من الاسم على المسمى، إذ قد يشترك اثنان في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في جميع الأوصاف، لكن من أمد غير بعيد قد شرعوا في تحريف بعض الصفات؛ ليبعد صدقها على النبي صلى الله عليه وسلم، فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها في بعض المواضع اختلافاً لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصد به، ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليه؛ لانتشار النسخ بالطبع وتيسر المقابلة بينها، فالآن اتضح القول جداً جداً في إثبات التحريفات المقررة بين نسخ كتبهم التي يسمونها بالمقدسة، وها نحن نورد شذرة من البشائر:
البشارة بمحمد في سفر التكوين
البشارة بمحمد في سفر التكوين فمنها: في الباب السادس عشر من سفر التكوين في حق هاجر، هكذا: (وقال لها ملاك الرب: أنت حبلى ستلدين ابناً، وتدعين اسمه إسماعيل، لأن الرب قد سمع لمذلتك، وإنه يكون إنساناً وحشياً يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن). وهذه بشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم لا بجده إسماعيل؛ لأن إسماعيل عليه السلام لم تكن يده فوق يد الجميع، ولا كانت يد الجميع مبسوطة إليه بالخصوص، بل في التوراة: أن إسماعيل وأمه هاجر أخرجا من وطنهما مكرهين. ولم يلد إسماعيل مع إسحاق، وكان الملك والنبوة في بني إسحاق، وكان بنو إسماعيل في البراري العطاش في الصحراء، ولم يسمع أن الأمم دانت لأولاد إسماعيل حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فدانت له الملوك، وخضعت له الأمم، وعلت يده وأيدي بني إسماعيل على كل يد، وصارت يد كل أحد تحت أيديهم، فكان ذكر إسماعيل مقصوداً به ولده، كما أنه في مواضع كثيرة من التوراة ذكر يعقوب والمقصود بالذكر ولد يعقوب، فمن ذلك: قوله في السفر الخامس: (يا إسرائيل ألا تخشى الله ربك، وتسلك في سبيله وتعمل له)، وهذا الخطاب لإسرائيل، لكن هو في الحقيقة لبني إسرائيل، فهو خطاب لهم باسم أبيهم، كما قال تعالى: {يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق:1] فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود هو وأمته، وهذا معروف، وله نظائر كثيرة في القرآن الكريم، فكذلك قوله لقوم موسى: (اسمع إسرائيل ثم احفظ، واعمل يحسن إليك ربك، وتكبر وتنعم)، ونظائره كثيرة. إذاً: معروف في لغة كتابهم أنه يذكر اسم الأب ويراد الابن، وإنما يذكر مجازاً بقرينة الحال، وإلا لزم الخلف في خبره تعالى.
البشارة بمحمد في سفر التثنية
البشارة بمحمد في سفر التثنية ومنها: -أي من هذه البشارات-: في الباب الثالث والثلاثين من سفر التثنية، هكذا: (وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته). فقبل أن يموت موسى عليه السلام بشر قومه بني إسرائيل بهذه البشارة، فقال: (جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من ساعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة لهم). ولا غموض بأن مجيء الله تعالى من سيناء عبارة عن إنزاله التوراة على موسى بطور سيناء، هكذا يفسره أهل الكتاب، فيجب أيضاً أن تفسر باقي البشارة بنفس الأسلوب، وكان يجب أن يطرد التفسير؛ فيفسروا أيضاً (وأشرق لهم من ساعير) بأن المقصود به: إنزال الإنجيل على المسيح عليه السلام؛ لأن ساعير هي الناصرة، التي ينسب إليها النصارى، والتي ولد فيها المسيح عليه السلام، فيجب أن يكون إشراقه من ساعير عبارة عن إنزاله الإنجيل على المسيح، حيث كان المسيح يسكن أرض الجليل بقرية تدعى ناصرة، واسم النصارى مأخوذ منها. أما قوله: (وتلألأ من جبل فاران) (وتلألأ) أي: الرب، (من جبل فاران) كما فسروا: (جاء الرب من سيناء) بإنزال التوراة، (وأشرق لهم من ساعير) يجب أن تفسر بأنها إنزال الإنجيل، فالثالثة هذه لا تحتمل بأي حال إلا إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، فقوله: (وتلألأ من جبل فاران)، تلألؤه من جبل فاران عبارة عن إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في جبل فاران، وفاران هي: مكة، وهذا باتفاق أهل الكتاب أيضاً، ولا يخالفه أهل الكتاب؛ لأن كلمة (فاران) هي جبال مكة أو بلدة مكة، ففي الباب الحادي والعشرين من سفر التكوين في حال إسماعيل عليه السلام هكذا: (وكان الله مع الغلام فكبر، وسكن في البرية، وكان ينمو إسماعيل رامي قوس، وسكن -أي: إسماعيل- في برية فاران -يعني: في مكة- وأخذت له أمة زوجة من أرض مصر)، ولا شك أن إسماعيل كان سكنه في مكة، فإن كلمة فاران يقصد بها: جبال مكة، فقوله: (وتلألأ من جبل فاران) يدل على إنزال القرآن في مكة المكرمة. ونفس هذه البشارة هناك إشارة إليها في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} [التين:1 - 3]. فقوله: (والتين والزيتون) التين والزيتون مشهور في القدس في فلسطين حيث بعث المسيح عليه السلام، وقوله: (وطور سينين) أي: جبل سيناء، وفي هذا إشارة إلى نزول التوراة في سيناء في الطور، وقوله: (وهذا البلد الأمين) أي: مكة، فهذه متطابقة تماماً مع قوله: (جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من ساعير، وتلألأ من جبل فاران)، فلا شك أن إسماعيل كان سكنه في مكة، وفيها عاش، وبها دفن، وهذه البشارة صريحة في نبينا صلى الله عليه وسلم ظاهرة لا تخفى إلا على أكمه لا يعرف القمر، فأي نبي ظهر في مكة بعد موسى غير محمد صلى الله عليه وسلم، وانتشر دينه في مشارق الأرض ومغاربها كما يقتضيه الاستعلان المذكور في البشارة؟ لأن قوله: (وتلألأ من جبل فاران) في ترجمة أخرى: (واستعلن من جبل فاران).
البشارة بنبي مثل موسى والدليل على أنه محمد لا يوشع
البشارة بنبي مثل موسى والدليل على أنه محمد لا يوشع ومن هذه البشارات: في الباب الثامن عشر من سفر التثنية هكذا: (قال لي الرب قد أحسنوا فيما تكلموا، أقيم لهم نبياً من وصف إخوتهم مثلك -يعني: مثل موسى- وأجعل كلامي في فمه)، وفي هذا إشارة إلى أميته عليه الصلاة والسلام، وأنه ينطق بالقرآن، وفيه إشارة إلى أنه يعطيه عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم، قال: (وأجعل كلامي في فمه، سيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه)، يعني: من لا يستجيب لشريعة هذا النبي أنا أطالبه وأعاقبه. فهذه البشارة هي في حق نبينا صلى الله عليه وسلم قطعاً؛ لأنه من ذرية إسماعيل، وذريته يسمون إخوة لبني إبراهيم، فقوله: (أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك) أي: أن هذا النبي يكون شبيهاً بموسى عليه السلام من وسط إخوتهم، يعني: أنه ليس من بني إسرائيل، لكن من إخوتهم الذين هم أولاد إسماعيل عليه السلام، بدليل ما ذكر في التوراة في حق إسماعيل، وأنه قبالة إخوته ينصب المضارب، وقد جرت عادة الكتب المنزلة بتسمية أبناء الأعمام عن بعد بعيد إخوة، كما دعي في القرآن هود وصالح إخوة لعاد وثمود، مع أنهم على بعد بعيد من أولاد الأعمام، كما قال تعالى إخباراً بدعوة إبراهيم عليه السلام لولد إسماعيل: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة:129]، وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وكما قال في خطاب بني إسماعيل: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة:128]. وأما ما زعمته اليهود من أن المراد يوشع فتى موسى فهو باطل من وجوه: أولاً: أن المبشر به من إخوة بني إسرائيل، لا من نفس بني إسرائيل، ويوشع كان من نفس بني إسرائيل. ثانياً: أن يوشع لم يكن مثل موسى عليه السلام؛ لما في آخر سفر التثنية في الإصحاح الرابع والعشرين: (ولم يقم بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى الذي عرف الرب وجهاً لوجه)، يعني: أنه لم يوجد بعد موسى في بني إسرائيل مثل موسى عليه السلام، في حين أن البشارة تقول: (أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك)، وما عرف بعد موسى أبداً نبي مثل موسى عليه السلام، حتى المسيح لما أتى قال: (ما جئت لأنقض موسى، ولكن جئت لأتمم) أي: أنه جاء مكملاً للرسالة، فالذي يستحق وصف (مثلك) ليس إلا محمداً صلى الله عليه وسلم، وهذا نلاحظه في القرآن الكريم، حيث نجد الربط المستمر بين موسى وبين محمد عليهما السلام، وبين أمة محمد وأمة موسى عليهما السلام، فمثلاً: في بداية سورة الإسراء قال عز وجل: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} [الإسراء:1 - 2]، وفي سورة القصص كثير جداً من الآيات، وفي سورة الأحقاف قال عز وجل: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} [الأحقاف:29 - 30]. وجاء ورقة بن نوفل لما نزل الوحي على النبي عليه السلام في القصة المعروفة في باب الوحي، وفيها أنه قال: (هذا الناموس الذي أنزل على موسى)، وقال النجاشي: (إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة)، فانظر كيف يأتي الربط بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، لأنه مثله! وأيضاً في قصة المعراج جاء الربط بين الأمتين كما بينا، فالشاهد: أن عندهم نصّاً في آخر سفر التثنية: (ولم يقم بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهاً لوجه)، ولأن موسى عليه السلام صاحب كتاب وشريعة جديدة مشتملة على أوامر ونواهٍ، ويوشع ليس كذلك، بل هو مأمور باتباع شريعة موسى، وأيضاً يوشع عليه السلام كان حاضراً هناك، وقد أشير إليه بالعبارة الصريحة قبل هذه، ففي الباب الأول من هذا السفر: (يسوع بن نون الواقف أمامك وهو يدخل إلى هناك أنه هو يختمها لإسرائيل. ولا يحتمل بحال من الأحوال أن يكون قوله في هذه البشارة: (أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به).
الأدلة على أن المبشر به أنه مثل موسى هو محمد لا عيسى
الأدلة على أن المبشر به أنه مثل موسى هو محمد لا عيسى وأما ما زعمه النصارى من أن المراد به عيسى فهو أيضاً باطل لوجوه: أولاً: أن عيسى من بني إسرائيل، والمبشر به هنا من غيرهم، أي: من إخوتهم وليس من بني إسرائيل أنفسهم، وعيسى من بني إسرائيل، وأيضاً موسى بشر بنبي مثله، والنصارى يدعون أن عيسى إله، وينكرون كونه نبياً مرسلاً، وإلا لزم اتحاد المرسل والمرسل، وهو غير معقول، على أن مشابهة موسى لنبينا عليهما السلام أقوى من مشابهته لعيسى؛ لاتحادهما في كونهما ذوي والدين وأزواج، فموسى له أبوان، ومحمد له أبوان، أما المسيح فله أم فقط ولا أب له. ثانياً: من أوجه المشابهة بين موسى ومحمد: كونهما مأمورين بالجهاد، بخلاف عيسى عليه السلام، وقد أشار في هذه البشارة بقوله: (ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي أتكلم به باسمي أنا أطالبه)، وفي هذا إشارة إلى أن هذا النبي مأمور بجهاد من كفر بما جاء من عند الله والانتقام منه بسيفه البتار، وكذلك كون شريعتيهما مشتملتين على الحدود والقصاص والتعزير وإيجاب الغسل على الجنب والحائض والنفساء وإيجاب الطهارة وقت العبادة، وهذه كلها ليست موجودة في شريعة عيسى عليه السلام على ما تقول النصارى، ونظائر ذلك كثيرة. وفي هذه البشارة إشارة إلى كون هذا النبي أمياً لا يقرأ، حيث قال: (يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي)، وبذلك تعرف سر وصفه به في قوله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي)، وهي الآية التي نحن بصددها. من هذه البشارات: في الإنجيل في الباب الرابع عشر في إنجيل يوحنا هكذا: (المسيح عليه السلام كان يقول لتلامذته قبل أن يرفع إلى السماء: إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب، - الأب: اصطلاح لهم- فيعطيكم فارقليد آخر؛ ليثبت معكم إلى الأبد روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقبله لأنه ليس يراه ولا يعرفه، وأنتم تعرفونه؛ لأنه مقيم عندكم، وهو ثابت فيكم). وهذه بشارة من المسيح عليه السلام بأن الله تعالى سيبعث للناس من يقوم مقامه وينوب في تبليغ رسالته وسياسة خلقه منابه، وتكون شريعته باقية مخلدة أبداً، وهل هذا إلا محمد صلى الله عليه وسلم؟! والأب هنا بمعنى: الرب والإله؛ لأنه اصطلاح أهل الكتابين، وقد أشار عيسى عليه السلام بكونه روح الحق إلى أن الحق قبل مبعثه يكون كالميت لا حراك به ولا انتعاش، وأنه إذا بعث هذا النبي يعيد الروح للحق، فيصدع حينئذٍ قائماً في الأرض، ولا خفاء أنه عليه الصلاة والسلام هو الذي أحيا الله به الحق بعد عيسى عليه السلام بعدما اندرس ولم يبق منه شيء. ثم قال: (الفارقليد روح القدس الذي يرسله الأب باسمي هو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كل ما قلته لكم)، ولا شك بأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الذي علم كل شيء من الحقائق، وأوضح ما خفي من الدقائق، وذكر أمة عيسى ما نسوه من أقواله المتضمنة أنه عبد من عباد الله تعالى قربه إليه بالرسالة واصطفاه، وأنه لم يدع سوى عبادة الله وتوحيده وتنزيهه وتمجيده. وقوله: (باسمي) أي: بالنبوة، ثم أبان لهم سبب البشارة به قبل أن يأتي فقال: (والآن قد قلت لكم قبل أن يكون؛ حتى إذا كان تؤمنون).
البشارة بالفارقليد في الإنجيل
البشارة بالفارقليد في الإنجيل وفي الباب الخامس عشر من الإنجيل المذكور أيضاً: (فأما إذا جاء الفارقليد الذي أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من الأب ينشق، وهو يشهد لأجلي، وأنتم تشهدون؛ لأنكم معي من الاتباع). وفي الباب السادس عشر منه: (لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق -يعني: أرفع إلى السماء- لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليد، فأما إن انطلقت أرسلته إليكم، فإذا جاء ذاك فهو يوبخ العالم على خطيئة وعلى بر وعلى حكم، أما على الخطيئة فلأنهم لم يؤمنوا بي، وأما على البر فلأني منطلق إلى الأب ولستم ترونني بعد، وأما على الحكم فإن رئيس هذا العالم فارقليد، وإن لي كلاماً كثيراً أقوله لكم، ولكنكم لستم تطيقون حمله، وإذا جاء روح الحق ذاك فهو يعلمكم جميع الحق؛ لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، ويخبركم بما سيأتي، وهو يمجدني؛ لأنه يأخذ مما هو لي، ويخبركم بجميع ما هو للأب)، ومن أمعن النظر في هذه العبارات ولاحظ ما اشتملت عليه من الفحاوى والإشارات جزم بأن (الفارقليد) هو محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه هو الذي ظهر بعد عيسى عليه السلام، وشهد لعيسى بالنبوة والرسالة، ومجده، وبرأه مما افتراه عليه النصارى من دعوى الربوبية، ومما افتراه عليه اليهود من كونه ساحراً كذاباً، وعلى والدته من كونها غير طاهرة الذيل بريئة الساحة، وهو الذي وبخ العالم -سيما اليهود- على الخطايا، ولاسيما خطيئة الكفر بعيسى عليه السلام، والطعن في والدته الطاهرة البتول، وهو الأمين الصادق الذي علم جميع الحقائق، وهو الذي أبان من الأسرار ما لم تطق تحمله قبل مجيئه الأفكار، وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى، صلى الله عليه وسلم. وفسر العلامة ابن قتيبة قوله: (روح الحق الذي من الأب ينبثق) بقوله: أي: يصدر بكلام الله المنزل، واستدل بقول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى:52]، والمراد به هنا: القرآن الكريم؛ لأنه هو الذي يشهد للمسيح بالنبوة والنزاهة عما افتري عليه، وبأنه روح الله وكلمته وصفيه ورسوله، كما شهد الحواريون الذين كانوا معه واهتدوا بهديه، ولم يثبت شهادة كتاب غير القرآن بذلك، فتعين أن يكون هو المراد. أي: أن القرآن هو الكتاب الذي جاء بعد المسيح عليه السلام ينزه المسيح عن الربوبية، وينزهه عن السب الذي سبه إياه اليهود لعنهم الله وسبوا أمه به، فالقرآن هو الكتاب الذي أفاض في شأن عيسى، وفي بيان أنه كان نبياً رسولاً، وأفاض في مدح مريم عليها السلام، ولم تثبت شهادة أي كتاب بعد الإنجيل بذلك سوى القرآن الكريم. ثم تأمل قول المسيح عليه السلام: (إنه خير لكم أن أنطلق، لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليد) فستجد فيه إشارة إلى أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل من المسيح عليه السلام؛ لأنه يقول لهم: (إنه خير لكم أن أنطلق)؛ لأنه لا يبعث محمد حتى يرفع المسيح عليه السلام، ففي هذا إشارة إلى أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل من المسيح عليه السلام. وأما لفظ (فارقليد) فهو يوناني الأصل، قيل: أصله فاركليد، وألـ (ف) تكتب أحياناً فا، ومعناه: المعزي والمعين والوكيل أو الشافع، وقيل فاركليثود فيكون قريباً من معنى محمد وأحمد. وطبعاً هناك عشرات من العلماء النصارى الذين أسلموا ألفوا في هذا الموضوع، منهم يدعى عبد الأحد داود، حيث كان من كبار علمائهم المتبحرين جداً في علومهم، ثم أسلم لله سبحانه وتعالى، وألف كتباً اشتهر منها كتابان: (محمد في التوراة والإنجيل) وأيضاً (الرد على أهل الصليب)، وكان يدعى: الأب عبد الأحد الأشوري أو الإلداني، وكان له شأن رفيع عندهم، ولكنه أسلم وانتصر للتوحيد، وله بحوث قيمة جداً في هذا الموضوع. وأيضاً كما حكينا لكم من قبل عبد الله الترجمان، كان أكبر علماء النصارى، وكذلك الهجري أسلم بسبب هذا النص الذي تلوناه عليكم الآن، وله قصة معروفة. ومما يذكر في هذا المقام أن الشيخ عبد الوهاب النجار حكى في كتابه (قصص الأنبياء) أنه تقابل مع عالم كبير جداً من علماء النصارى ومن علماء اللغة اليونانية القديمة، يدعى كارلن لينو، فسأله فقال: ما معنى كلمة (الفارقليد) التي تكلم بها المسيح عليه السلام؟ فقال له: إن الكتب والآباء يقولون: إنها بمعنى المعزي أو المعين أو الوكيل أو الشافع، فقال له: إني لست أسأل قسيساً، ولكنني أسأل الدكتور كارلن لينو الحاصل على الدكتوراه في آداب اللغة اليونانية القديمة، أي: أنا أسألك لا كقسيس، لكن أسألك كعالم في اللغة اليونانية، أخبرني بالاشتقاق اللغوي عندكم لكلمة (الفارقليد) ما معناها؟ فقال: إنه الذي في اسمه حمد كثير، قال: يعني الذي يوافق أفعل تفضيل من حمد؟ قال: نعم، فقال له: أليس هذا هو محمد عليه الصلاة والسلام؟ لأن من أسمائه: أحمد، فقال: يا أخي! أنت تعرف كثيراً، وسكت على هذا! فالشاهد: أن هذه حقيقة لغوية معروفة، فإذا رجع الإنسان إلى لغتهم عرف هذه الحقيقة، وعلم أن كلمة (فارقليد) هي عبارة عن أفعل تفضيل من الحمد، يعني: أحمد، وهذا كما قال عز وجل: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6]، عليه الصلاة والسلام، فالأمر واضح غاية الوضوح، ولكنهم لما ترجموا لم يذكروا كلمة أحمد، ولكن ترجموها بالمعنى؛ لأن المسيح تكلم بها بالعبرية، ولم يتكلم بها باليونانية؛ لأنه كان يتكلم باللسان العبراني، كقومه بني إسرائيل، فلما ترجمت إلى اليونانية ترجموا معنى العلم، فجعلوها الفارقليد بمعنى أحمد، وقد كانت هذه البشارة سبب إسلام الفاضل عبد الله الترجمان كما بينه في كتابه (تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب)، وقد كتم النصارى بعض الأناجيل المصرحة باسم محمد؛ لكونها شجىً في حلوق أهوائهم كإنجيل برنابا ففيه التصريح بقوله: (إلى أن يجيء محمد رسول الله)، كما نقله في (إظهار الحق)، وإذا كان هذا حالهم في تراجمهم في لقب إلههم ولقب خليفته ما علم، فكيف يرجى منهم صحة بقاء لفظ محمد أو أحمد، إلا أن سيف الحق أمضى، وسهام الصواب أنفذ، فثمة من الأوصاف الصريحة والوسائل الصحيحة ما لا يبقى معه وقفة لحائر. هذا وفي كتبهم بشائر كثيرة تعرض لذكرها جلة من العلماء يزيد عددها عن العشرين، قال الماوردي: لعل ما لم يصل إلينا منها أكثر. وقد اقتصرنا على ما قدمنا؛ روماً للاختصار، ولسهولة الوقوف على البقية في مثل (أعلام النبوة) للماوردي و (إظهار الحق) وغيرهما.
شهادة أهل الكتاب الذي أسلموا بوجود البشارات في كتبهم
شهادة أهل الكتاب الذي أسلموا بوجود البشارات في كتبهم وقال صاحب (برهان الحق) الشيخ رحمة الله عليه رحمة الله: إن من أسلم من علماء اليهود والنصارى في القرن الأول شهد بوجود البشارات المحمدية في كتب العهدين، مثل: عبد الله بن سلام وابن سعنة وبنيامين ومخيريق وكعب الأحبار وغيرهم من علماء اليهود، ومثل بحيرا ونسطورا الحبشي والأسقف الرومي الذي أسلم على يد دحية الكلبي وقت الرسالة فقتلوه، والجارود والنجاشي والرهبان الذين جاءوا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وغيرهم من علماء النصارى. وقد اعترف بصحة نبوته وعموم رسالته هرقل قيصر الروم، والقصة موجودة بطولها في أول صحيح البخاري في كتاب (بدء الوحي)، وهرقل لما جمع أبا سفيان ومن معه وسأله عدة أسئلة في نهاية هذه الأسئلة قال: فإن يكن الذي قاله حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين. وبين أنه كان يتمنى أن يتجشم ويتكلف لقاء النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا قومه إلى الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، فلما حاصوا حيصة الوحوش وثاروا قال لهم: أنا كنت أمتحن إخلاصكم ووفاءكم وثباتكم على دينكم، فحينئذٍ سجدوا له وأقروه، لكنه في الحقيقة آثر الملك على الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، ولو كان عنده فقه ووعي وفهم لتأمل في قول النبي عليه الصلاة والسلام في الرسالة التي بعث بها دحية الكلبي إليه يقول له فيها: (أسلم تسلم)، فوعده بالسلامة، لكنه لم يفقه أن هذا رسول الله، وقد وعده بأنه إذا أسلم سوف يسلم من السوء ولن يصيبه أحد بشر، فما فقه ذلك، وآثر الدنيا على سعادة الآخرة. وكذلك المقوقس صاحب مصر، وابن صوريا وحيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب وغيرهم ممن حملهم الحسد على الشقاء ولم يسلموا. ولما ورد على النبي صلى الله عليه وسلم نصارى نجران وحاجهم في شأن عيسى عليه السلام وحجهم دعاهم إلى المباهلة بأمره تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران:61]، فإذا كنتم واثقين أنكم على الحق فتعالوا نبتهل، فخافوا وأشفقوا ونكصوا على أعقابهم خوفاً من شؤم مغبتها، فكانوا كقوم فرعون الذين قال الله عز وجل عنهم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14].
تفسير قوله تعالى: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات)
تفسير قوله تعالى: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات) وقوله تعالى: (يأمرهم بالمعروف) يحتمل أن يكون مستأنفاً، وأن يكون مفسراً لقوله: ((مَكْتُوبًا)) يعني: أنه يأمرهم بالمعروف إلى آخره. وقوله تعالى: ((وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ)) الطيبات أعم من الطيبات في المأكل، يعني: ليست فقط الطيبات في المأكل، ولكن أيضاً تعم، كالشحوم تعم أيضاً البحائر والسوائب والوصائل والحامي، والطيبات في حكم الشريعة كالبيع وما خلا كسبه عن سحت، وكذا الخبائث هي ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، أو ما خبث في الحكم، كالربا والرشوة وغيرهما من المكاسب الخبيثة. وقوله تعالى: ((يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)) فيه إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم جاء بالتيسير والسماحة، ومعروف أن الإسلام هو دين اليسر ودين السماحة، وهذه حقيقة تعلم من دين الإسلام بالضرورة، كما قال عز وجل: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، وقال عز وجل: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:26 - 28]، وقال عز وجل: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح:5 - 6]. وقال صلى الله عليه وسلم: (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن هذا الدين متين)، (وإن هذا الدين يسر) وغير ذلك من النصوص القاطعة بأن هذا الدين دين اليسر والسماحة، بل إن التيسير من القواعد الأساسية في الشريعة الإسلامية، يقول عليه الصلاة والسلام: (بعثت بالحنيفية السمحة)، وقال عليه الصلاة والسلام لأميريه: معاذ وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما لما بعثهما إلى اليمن: (بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا). والإصر والأغلال استعارة لما كان في شرائعهم من التكاليف الشاقة، فمنها: تحريم طبخ الجدي بلبن أمه. ومنها: نظام الأعياد التي يعيدونها لله في السنة، وهي عيد الفطير وعيد الحصاد وعيد المظالم، وكذلك عيد كل سنة لا يعمل فيه أدنى عمل، وكذلك سبت المزارع، ففي كل سابعة سبت للأرض لا يزرع فيها، ولا يقطف الكرم، بل تترك الأراضي عقلاً وغلات الكروم مأكلاً لفقراء شعبهم ووحوش البرية. ومنها: أن من ضرب أباه أو أمه أو شتمهما أو تمرد عليهما وعصاهما يقتل حداً، وكذا من يعمل يوم السبت يقتل، ومن كان به جن يرجم بالحجارة حتى يموت، ومن تزوج فتاة فادعى أنه لم يجد لها عذرة ثم تبين كذبه يقتلان جميعاً، وإذا أمسكت امرأة عورة رجل تقطع يدها، وإذا نطح ثور رجلاً أو امرأة فمات المنطوح يرجم الثور، ولا يؤكل لحمه، ومن اضطجع مع امرأة صامت يقطعان من شعبهم، ومن طلق امرأته ثم تزوجت آخر وطلقها أو مات عنها فلا يجوز لزوجها الأول أن يتزوجها، وغير ذلك من الآصار التي تقدم ذكر بعضها في آخر سورة البقرة. قال الجشمي: تدل الآية على أن شريعته صلى الله عليه وسلم أسهل الشرائع، وأنه وضع عن أمته كل ثقل كان في الأمم السابقة، وذلك نعمة عظيمة على هذه الأمة. وتدل على وجوب تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، ونصره بالجهاد، ونصرته بنصرة دينه، وكل أمر يؤدي إلى توليد ما يتصل بذلك؛ لأن جميع ذلك من باب النصرة، وهذا لا يختص بعصره، فجميع ذلك لازم إلى انقضاء التكليف. يعني: أن كل مسلم مطالب أن يكون من أنصار السنة، ومطالب أن ينصر النبي عليه الصلاة والسلام في حياته، وينصر سنته بعد وفاته، ولعل الجهاد بالبيان وإيراد الحجة ووضع الكتب وحل شبه المخالفين يزيد في كثير من الأوقات على الجهاد بالسيف، ولهذا قلنا: منازل العلماء في ذلك أعظم المنازل. وقال العلامة البقاعي: لما تراسلت الآي وطال المدى في أقاصيص موسى عليه السلام وبيان مناقبه العظام ومآثره الجسام، وكان ذلك ربما أوقع في بعض النفوس أنه أعلى المرسلين منصباً وأعظمهم رتبة، ساق سبحانه وتعالى هذه الآيات هذا السياق على هذا الوجه الذي بين أعلاهم مراتب، وأزكاهم مناقب، الذي خص برحمته من يؤمن به من خلقه قوة أو فعلاً، وجعل سبحانه ذلك في أثناء قصة بني إسرائيل اهتماماً به وإكراماً له مع ما سيذكر مما يظهر أفضليته، ويوضح أكمليته في قصته مع قومه في مبدأ أمره وأوسطه ومنتهاه في سورة الأنفال وبراءة بأكملها، فكلها في بيان شأن النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه. ثم قال البقاعي: لما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبي الكريم حث على الإيمان به؛ إيجاباً له على وجه علم منه أنه رسول الله إلى كل مكلف. يعني: أن السياق والآيات طالت في شأن موسى عليه السلام والثناء عليه، فربما ظن ظان أن موسى أشرف الأنبياء، فبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة في أثناء خطاب موسى عليه السلام مع قومه أن محمداً أشرف فقال: ((وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ))، فانتقل السياق إلى مدح محمد عليه الصلاة والسلام، حتى الذين في زمن موسى كان عليهم أن يؤمنوا بمحمد؛ لأنه نزل في كتبهم بشارات بنبوته، فهم يؤمنون به بالقوة، يعني بغير العمل لكن بالقلب فقط، وبالتصديق، فأهل الكتاب مطالبون بالإيمان به إما بالقوة -يعني: بالتصديق بالبشارات التي أخبرت بنبوته قبل أن يوجد في هذا الوجود عليه الصلاة والسلام- وإما بالفعل إذا كانوا أحياءً بعد بعثته صلى الله عليه وسلم، فيجب عليهم الإيمان به، فلذلك نوهت الآيات بهذا الوصف العظيم للنبي عليه الصلاة والسلام إشارة إلى دفع هذا التوهم الذي قد يتوهمه بعض الناس من أن موسى أشرف رسل الله، فبين عز وجل أن أكمل وأعظم وأشرف رسل الله هو محمد صلى الله عليه وسلم. يقول: ثم لما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبي الكريم حث على الإيمان به إيجاباً له على وجه علم منه أنه رسول الله إلى كل مكلف تقدم زمانه أو تأخر، أمره سبحانه أن يصرح بما تقدم التلويح إليه. يعني: الإيمان كان واجباً على كل مكلف، سواء كان في الزمن الماضي أو في الزمن الآتي، فكل من كان قبل في الزمن الماضي من اليهود والنصارى مطالبون بالإيمان به، وذلك بالتصديق بالبشارات التي جاءت بوصفه في التوراة وفي الإنجيل، أو بالفعل بعد بعثته. وهذا تلويح، ولكن أتى عز وجل مباشرة في الآية التي تليها بالتصريح بهذه الحقيقة وهو أنه رسول الله إلى الناس كافة عليه الصلاة والسلام، فصرح بما أخذ ميثاق الرسل عليه؛ تحقيقاً لعموم رسالته وشمول دعوته.
تفسير قوله عز وجل: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا)
تفسير قوله عز وجل: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) قال عز وجل: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158]. قوله: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) أي: كافة، (الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت) هذه كلها نعوت للفظ الجلالة، أي: الذي أرسلني هو خالق كل شيء، وربه، ومليكه، الذي بيده الملك والإحياء والإماتة. والآية نص في عموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى الأحمر والأسود والعرب والعجم، وفي الحديث: (أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقولهن فخراً: بعثت إلى الناس كافة: الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأعطيت الشفاعة، فأخرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً)، رواه الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً، ورواه أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد أعطيت الليلة خمساً ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر لملئ مني رعباً، وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها -كانوا يحرقونها- وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً؛ أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم، وقيل لي: سل؛ فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن يشهد أن لا إله إلا الله)، قال الحافظ ابن كثير: إسنادهما جيد قوي، والحديث ثابت بمعناه في الصحيحين وغيرهما.
سهولة الاهتداء إلى الدين الحق
سهولة الاهتداء إلى الدين الحق أخرج مسلم عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا دخل النار)، وهذا يشمل الرجل والمرأة. والأمة هنا المقصود بها: أمة الدعوة، فكل من بلغه أن محمداً عليه الصلاة والسلام قد بعث يجب عليه وجوباً متأكداً، بل هذا أوجب من أي شيء آخر في حياته، أن يتحرى ويجتهد، ولا يقال: اجتهد فلان فوصل في اجتهاده إلى أن محمداً ليس رسول الله، فيكون معذوراً في ذلك، بل يجب عليه الاجتهاد أولاً، ويجب عليه أن يصيب الحق ثانياً؛ لأن أدلة صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يحتمل فيها أن من تحراها يخطئ؛ لشدة وضوحها وظهورها؛ بحيث إنه يطالب بالاجتهاد في البحث عن الحق، ثم ثانياً يجب عليه أن يصل إلى الحق؛ لأن أدلته أوضح من الشمس في رابعة النهار، ولا يمكن أن يشك عاقل أبداً إذا أعمل عقله وكان مخلصاً في البحث عن الحق في أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وصدقاً، وإنما آفة القوم الحسد؛ فإنهم يعرفون أنه رسول من عند الله، ثم يتكبرون عن الانقياد للمسلمين أو الانقياد لشريعته عليه الصلاة والسلام، كما قال عز وجل: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14]، وإما أنهم يعرضون عن تحري مثل هذه القضية. وإذا راجعنا الحديث الذي فيه سؤال القبر: (أما الكافر فيقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ها ها! سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته) فهذا غاية ما عنده أنه سمع الناس يقولون شيئاً على النبي عليه السلام فردد خلفهم كالببغاء دون أن يعقل هذا الكلام، ودون أن يتحرى صدق هذا الكلام، في حين أننا نلاحظ أن هؤلاء القوم انقطعوا لخدمة الدنيا كأنها إلههم ومعبودهم من دون الله سبحانه وتعالى، ففي أمور الدنيا نجد أن هناك من يعمل رسالة دكتوراه بأحسن طريقة في أمور تافهة، فهذا يعمل رسالة دكتوراه في تكوين قشر السمكة، وهذا في نشاط الغدة الفلانية، أو في كذا أو كذا من الأمور، وينفق عمره وماله ووقته وجهده في تحري هذه الدقائق، ثم يعرف أسماء جميع فرق الكرة ولاعبيها، وهذا الدوري حصل كذا، والأولمبي الفلاني غلب الفلاني، والنادي الفلاني عمل كذا! ويعرف أسامي وأنواع السيارات، وأنواع الخشب، وأنواع القماش، وأنواع الملابس، وأنواع الأشجار والأسماك، ولا يعرف لماذا خلق! ولا يعرف ربه الذي خلقه! فهل هذا المخلوق إذا أراد أن يبحث عن الحق يجد هناك سلاسل ستقيده؟! A لا؛ بل الحق موجود، والقرآن موجود ومحفوظ، كما وعد الله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، فلم يحصل فيه تحريف، ولا يقوى أحد أن يغير حرفاً واحداً من القرآن الكريم، وهكذا سنة النبي عليه الصلاة والسلام لم تندثر؛ بل من أراد أن يعرف هدي محمد عليه الصلاة والسلام ليتبعه كما أمر هنا: (واتبعوه لعلكم تهتدون) فإنه يستطيع أن يصل بغاية السهولة.
العلوم الحديثة تدعو إلى التوحيد
العلوم الحديثة تدعو إلى التوحيد وقد أعطى الله البشر العقول لأجل التفكر بالآيات التكوينية وآيات التوحيد في الآفاق وفي أنفسهم، وهؤلاء وقفوا على آيات لم يقف المسلمون على عشر معشارها؛ لأنهم أوغلوا في هذه العلوم التي تكشف أسرار مخلوقات الله سبحانه وتعالى، لكن حولوا العلم الذي هو خادم للتوحيد إلى علم جاحد، ولا يكون الإنسان عندهم متبعاً للمنهج العلمي إلا إذا أعرض تماماً عن ذكر الله سبحانه وتعالى، فالواحد إذا كان في كلية الطب أو الصيدلة أو العلوم وجاء في قضية من القضايا العلمية فاستدل بآية أو بحديث فإنه يكون قد خرج عن المنهج العلمي! فالدين عندهم لابد أن يكون معزولاً على جنب، وممكن أن يتركوه يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أو يتكلم في المقدمة أو الخاتمة بشيء فيه ذكر الله، لكن الذي يربط في صلب البحث بين هذه الآيات التي يجعلها الله حجة عليه وبين التوحيد هذا يكون قد خرج عن مجال العلم؛ لأن العلم لا يعترف إلا بما هو محسوس، أما الغيب فلا. فهذه نظرتهم إلى علم الغيب، مع أن كل آية تصرخ بتوحيد الله سبحانه وتعالى. ومن درس هذه العلوم وتأمل فيها بعلم وبصيرة يجد أن فيها آيات من آيات التوحيد، ونحن مطالبون بالتفكر فيها؛ لأنها تدل على توحيد الله عز وجل، وتدل على صفة الله عز وجل، كالخلق والقدرة والعلم وغير ذلك من صفات الكمال، ومع ذلك يعطلون هذا العلم عن دلالته على خالقه، والله عز وجل يقول: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:53]. فالشاهد: أن هؤلاء خاضوا في كل هذه العلوم، ولذلك يجعل الشيخ أبو بكر الجزائري في كتابه (عقيدة المؤمن) من الدلالة على وجود الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء الكفار الذين يقفون على هذه العلوم يكفرون بالله، يقول: لأنه لا يوجد تفسير لهذا أبداً غير أن هناك أقفالاً على قلوبهم، فكونهم يطلعون على هذه الآيات العجيبة الباهرة التي تدل على توحيد الله سبحانه وتعالى ثم لا ينقادون للتوحيد، هذا يدل على أن هناك قوة هي التي حالت بينهم وبين الهداية، كما قال الشاعر: فيا لك من آيات حق لو اهتدى بهن مريد الحق كن هواديا ولكن على تلك القلوب أكنة أليست وإن أصغت تجيب المناديا فلا يوجد تفسير للناس الذين يطلعون في الشرق والغرب من الكفار على آيات الله سبحانه وتعالى في كل العلوم بلا استثناء ثم لا يؤمنون إلا هذا؛ فحينما تتأمل في الذرة التي هي أصغر وحدة في المادة -كما يقولون- تجد أن نظامها هو نفس نظام المجرة، يعني: أن التركيب فيها هو نفس التركيب في المجرة، فمعنى ذلك: أن الصانع واحد سبحانه وتعالى، ولكن القوم لا يعقلون، فليس هناك تفسير لكفرهم سوى أن في قلوبهم أقفالاً هي التي تمنع قلوبهم من التدبر، فمن يسمع القرآن الكريم لا يتصور أن هذا الكلام يمكن أن يقوله بشر، فالإنسان العاقل الذي نور الله بصيرته لا يمكن أن يتخيل أن هذا القرآن بهذه الروعة يمكن أن يقوله بشر، ولكن كما قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]، وقال عز وجل: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179].
قيام الحجة على كل من سمع بمحمد صلى الله عليه وسلم
قيام الحجة على كل من سمع بمحمد صلى الله عليه وسلم فالشاهد أنهم لا يفقهون، وقد أعطاهم الله العقول كي يهتدوا بها إلى التوحيد فاستعملوها في كل شيء إلا الشيء الذي خلقوا له، وأنا أطيل في هذا لأن هناك من يقول: إن اليهود أو النصارى بمجرد أن يسمع أن محمداً قد بعث وأن القرآن قد نزل، وأنه يوجد دين اسمه الإسلام تكون الحجة قامت عليه، وأقول: نعم، تكون الحجة قد قامت عليه؛ لأنه لو أراد البحث عن الحق لما وجد هناك عائقاً أمامه؛ فالقرآن موجود، ولو بذل عشر معشار الجهد الذي يبذله في أمور الدنيا وتتبع المباريات والأغاني وموديلات السيارات ومتاع الدنيا لاهتدى إلى الحق، لكنه هو الذي عطل هذه القوى وهذه القدرات التي آتاه الله سبحانه وتعالى إياها، فهو مسئول، والعقل موجود، والآيات موجودة، والقرآن موجود، والحجة قائمة، والحق أقرب إلى أحدهم من عنق راحلته، فلا غرابة بعد ذلك أن نسمع قول الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام يقول: (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار). وقوله تعالى: ((فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ)) أي: الذي نبئ بما يرشد الخلائق كلهم مع كونه أمياً، وفي نعته بذلك زيادة تقرير أمره وتحقيق أنه المكتوب في الكتابين. وقوله عز وجل: ((الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ)) أي: ما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ووحيه، ثم ختم تعالى الآية بقوله: ((وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)).
تفسير قوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)
تفسير قوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) ثم قال تبارك وتعالى مباشرة بعد هذه الآية الكريمة: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف:159]. عاد إلى السياق الأول من جديد؛ لأنه قد يفهم من هذا السياق الذي مضى ذم قوم موسى، فعادت الآيات إلى مدح طائفة من بني إسرائيل، وهم الفرقة الناجية من بني إسرائيل؛ لأن كل أمة فيها فرقة ناجية، والدليل هو هذه الآية: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}، ففي قوله: (ومن قوم موسى) تبعيض، فكما أن هذه الأمة انقسمت إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة هي الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، فكذلك هناك فرقة ناجية حتى في قوم موسى، وكل نبي يكون له طائفة من أمته يكونون هم الفرقة الناجية. وقوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق) أي: موقنين ثابتين يهدون الناس بكلمة الحق، ويدلونهم على الاستقامة، ويرشدونهم، فيهدون بالحق، وبالعلم، يعني: الحق في الأمور العلمية. (وبه يعدلون) في الأمور العملية التطبيقية، فبالحق يعدلون في الحكم، ولا يجورون، والآية سيقت لدفع ما عسى أن يوهمه تخصيص كتابة الرحمة والتقوى والإيمان لمتبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرمان أسلاف قوم موسى عليه السلام، إذ قد يتوهم بعض الناس أن تخصيص الرحمة في قوله تعالى: ((فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ)) أن أسلاف قوم موسى يحرمون من هذه الرحمة ومن كل خير، فبين تعالى أنهم ليسوا كلهم كما حكيت أحوالهم من التمرد والعتو والكفر والعناد، فلذلك قال: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}. وقيل: هم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويأباه أنه قد مر ذكرهم فيما سلف. وهذه الآية هي كقوله تعالى: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران:113] وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران:199].
الأنفال [12 - 24]
تفسير سورة الأنفال [12 - 24]
تفسير قوله تعالى: (وإذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم)
تفسير قوله تعالى: (وإذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم) يقول الله سبحانه وتعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال:12]. ((إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ)) أي: يوحي الله إلى الملائكة ويخبرهم أن الله مع المؤمنين، ويحتمل أن معنى قوله: ((أَنِّي مَعَكُمْ)) أنه مع الملائكة إذ أرسلهم ردءاً للمسلمين، فكأنه قيل: أوحى الله إلى الملائكة أني مع المؤمنين، فانصروهم وثبتوهم، وكونوا أنتم معهم أيضاً. ((فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا))، أي: ثبتوا الذين آمنوا بدفع الوسواس، وبالقتال معهم، والحضور مدداً وعوناً. ((سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)) أي: الخوف، ولا شك أن هذا مظهر من مظاهر المدد الرباني الذي يمد الله سبحانه وتعالى به المؤمنين في جهادهم، حتى وإن كانوا أقل عدداً، فإنه سبحانه يمدهم بأسلحة كثيرة ومتنوعة، كما قال عز وجل: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر:31]، ومن هذه الأسلحة أن الله سبحانه وتعالى يلقي في قلوب الذين كفروا الرعب والوهن والخوف والفزع، فهذا بلا شك مما يرجح كفة المؤمنين في الجهاد، والأمر ليس مقتصراً على الأسباب الظاهرة التي يراها الناس، ولكن هناك أسباب خفية وجنود من جند الله سبحانه وتعالى لا يعلمهم إلا هو. وقوله: ((سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ))؛ أي: أنه من جهة يمدهم بالملائكة ومن جهة يلقي في قلوب الذين كفروا الرعب. ((فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ)) هنا علمهم الله سبحانه وتعالى كيفية الضرب، وقوله تعالى: ((فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ))، إما أنها أمر للمؤمنين، وإما أنها أمر للملائكة. وإذا قلنا: إن الأمر موجه إلى الملائكة فإنه يكون فيه دليل على أن الملائكة قد قاتلوا بالفعل مع المؤمنين، لأن الملائكة لابد أن يطيعوا أمر الله سبحانه تعالى. وقوله: ((فَوْقَ الأَعْنَاقِ)) يعني: أعالي الأعناق؛ لأن أعالي الأعناق هي المذابح، وإذا حصل الذبح في أعالي الأعناق فإن الرءوس تطير. أو أن المراد: اضربوا الرءوس؛ لأن الرءوس هي التي فوق الأعناق. ((وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ))، البنان هي الأصابع، ومفردها بنانة، والمعنى: كل الأصابع، وقيل: المراد بالبنان مطلق الأطراف، أي: ليس فقط أطراف الأصابع، وإنما مطلق أطراف البدن، سواء في اليدين أو في الرجلين، فتكون من تسمية الكل بالجزء؛ لوقوعها في مقابلة الأعناق والمقاتل، والمعنى: اضربوهم كيفما اتفق، سواء ضربتموهم في الأماكن التي هي من المقاتل كفوق الأعناق أو على الرءوس، أو في غير المقاتل كالأطراف، فالمهم أن تصيبوهم بما استطعتم من النكاية.
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله)
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:13]. ثم قال تعالى: ((ذَلِكَ)) يعني: ذلك الضرب أو ذلك الأمر بالضرب. ((بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) أي: خالفوهما فيما شرعا. ((وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) وهذا تقرير لما قبله إن أريد بالعقاب ما وقع لهم في الدنيا، أو هو وعيد لما أعد لهم في الآخرة، بعد ما حاق بهم في الدنيا، وبيان لخسرانهم في الدارين.
تفسير قوله تعالى: (ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار)
تفسير قوله تعالى: (ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار) ثم قال تعالى: {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} [الأنفال:14]. ((ذَلِكُمْ)) هذا خطاب للكفرة على طريقة الالتفات؛ لأن الخطاب في الآية السابقة موجه إلى الملائكة أو إلى المؤمنين: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال:12] * {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ}، الكفار {شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:13]، ثم التفت لمخاطبة الكفار أنفسهم فقال عز وجل: ((ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ)) يعني: أيها الكفار! في الدنيا. ((وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ)) يعني: في الآخرة.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار) ثم نهى تبارك وتعالى عن الفرار من الزحف، مبيناً وعيده بقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} [الأنفال:15]. ((إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا)) والزحف هو الجيش الكبير أو الكثير العدد، ويسمى زحفاً تسمية له بالمصدر، كما تقول: هذا رجل عدل، والجمع: زحوف، مثل: سلس وسلوس، ويقال: زحف إليه، أي: مشى، وزحف الصبي على استه، أي: قبل أن يقوم، شبه مشي الجيش الكثير للقتال بزحف الصبيان؛ لأن الجيش إذا كان عددهم كبيراً وضخماً فإنه مهما أسرع فإنه يبدو للرائي البعيد كأنه يزحف كما يزحف الوليد؛ فلكثرته يرى كأنه يزحف، أي: يدب دبيباً قبل الالتقاء للضراب أو الطعان، فمعنى قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا)): إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل. وقوله: ((فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ))، أي: لا تولوهم أدباركم، نهاهم عن أن يعطوهم ظهورهم، فضلاً عن أن يفروا أصلاً، يعني: إذا كان هذا الواجب عليكم وإن كنتم قلة وهم كثرة، فكيف إذا كنتم قريبين منهم عداً أو مثلهم عدداً؟ فأولى أن تثبتوا، وألا تولوهم الأدبار، وعدل عن لفظ الظهور إلى الأدبار، فلم يقل: لا تولوهم الظهور، تقبيحاً للانهزام، وتنفيراً عنه.
تفسير قوله تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة)
تفسير قوله تعالى: (ومن يولهم يومئذٍ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة) ثم قال تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال:16]. قوله: ((إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ)) مستثنى من قوله: ((وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ))، أي: فيكون له هذا الوعيد: ((فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)). قوله: ((مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ)) يعني: مائلاً لقتال، يقال: تحرف وانحرف واحرورف، أي: مال وعدل، ومثل هذا يحدث عندما يقاتل المسلمون أكثر من طائفة، وهناك طائفة أشد خطراً على المسلمين، فقتالها أهم، فيترك قتال الأولى ويوليها دبره؛ لأنه يريد أن يلحق بالطائفة الأخطر على المسلمين والأهم، فهذا لا يعد فراراً من الأعداء، وليس من التولي المنهي عنه في الآية، وإنما هو مستثنى، وهو نوع من أنواع التحرف لقتال. والنوع الآخر يكون بالفر والكر؛ لأن الحرب خدعة كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيخيل للعدو أنه منهزم؛ كي يغتر العدو بذلك فيلحقه، حتى إذا خرج من بين أعوانه ومن بين الجنود الذين معه وانفرد عاد المسلم فكر عليه وحده أو مع كمين آخر من أصحابه المختبئين مثلاً، والذين يخططون لمثل هذا، فهذا باب من أبواب مكايد الحرب، والحرب خدعة، فهذا في الحقيقة ليس فاراً، وإنما فر في الظاهر ليخدع عدوه ويغره، ثم يقتله وحده أو مع الكمين الذي أعده له. وقوله: ((أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ)) أي: منضماً إلى جماعة أخرى من المسلمين؛ ليستعين بهم، فهو يفر في الظاهر؛ لكنه يريد أن يتجه إلى مجموعة أخرى من المؤمنين، فينحاز إليهم؛ ليستعين بهم في القتال. وقوله: ((فَقَدْ بَاءَ)) أي: رجع، ((بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)) أي: بئس ما صار إليه من عذاب النار. وقد دلت الآية على وجوب مصابرة العدو، أي: وجوب الثبات عند القتال، وتحريم الفرار منه يوم الزحف. وهذه الآية الكريمة تدل على أن الفرار يوم الزحف من الكبائر؛ لأنه توعد عليه وعيداً شديداً، وينضم إلى هذا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات وذكر منها التولي يوم الزحف). وظاهر الآيات العموم لكل المؤمنين في كل زمن وعلى كل حال إلا حالة التحرف أو التحيز، وهذا هو المروي عن ابن عباس، واختاره أبو مسلم، وقال الحاكم: وعليه أكثر الفقهاء, فأكثر الفقهاء أن هذه الآية عامة لكل المؤمنين في كل زمن وعلى كل حال إلا حالة التحرف أو التحيز. وروي عن جماعة من السلف أن تحريم الفرار المذكور مختص بيوم بدر؛ لقوله تعالى: ((وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ))، قالوا: فقوله: ((يَوْمَئِذٍ)) يعني: يوم بدر. و A أن الراجح أن الإشارة في قوله تعالى: ((يَوْمَئِذٍ)) تعود إلى يوم لقاء الزحف، لا إلى يوم بدر؛ لأن الله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا)) , و ((إِذَا)) صيغة شرط تفيد العموم، فقوله: ((إِذَا)) أي: في أي مرة تحت أي ظرف وفي أي مكان، فقوله: ((وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ)) فيه إشارة إلى يوم لقيا الذين كفروا زحفاً. وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن معنى قوله تعالى: ((وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة)) يعني: إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الجماعة التي هو فيها سواء قربت تلك الفئة أو بعدت، وقد روي أن أبا عبيد قتل على الجسر بأرض فارس؛ لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: (لو تحيز إليَّ لكنت له فئة)، يعني: ما الذي جعله يثبت أمامهم مع كثرة عددهم وانحصار المسلمين في هذا الجسر؟ أما إنه لو أوى إلى أمير المؤمنين لما عد فاراً، بل يدخل تحت قوله تعالى: ((أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ)). والمعنى أنه إذا كان يولي من أمام العدو ليعود إلى الأمير أو إلى المسلمين ليتجهز من جديد ويخرج للقتال، فهذا ليس بالفرار المذكور، ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: (لو تحيز إليَّ لكنت له فئة) وفي رواية عنه رضي الله تعالى عنه: (أيها الناس! أنا فئتكم)، فأمير المؤمنين هو فئة هؤلاء المجاهدين. وقال الضحاك: المتحيز إلى فئة: الفار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. أي: أنه ما دام يفر ويرجع إلى النبي وإلى الصحابة رضي الله عنهم، ليتجهز للقتال ويعود من جديد فهذا ليس بفار. وحتى لو كان فراراً في الصورة فهو فرار مستثنى، لقوله سبحانه: ((أَوْ مُتَحَيِّزًا))، أي: أو يفر متحيزاً إلى فئة، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه، وجنح إلى هذا ابن كثير رحمه الله تعالى حيث قال: من فر من سرية إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة. ثم أورد حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما المروي عند الإمام أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم، قال: (كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟! ثم قلنا: لو دخلنا المدينة) ثم دخلوا المدينة وهم يشعرون بالخجل وبالخزي؛ لأنهم في نظرهم قد حاصوا، أي: فروا من أمام الأعداء، وبعدما دخلوا المدينة حدثتهم أنفسهم أن يعرضوا أنفسهم على النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بحكمه فيهم. قال: (ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا نهيم، فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال: من القوم؟ فقلنا: نحن الفرارون، فقال: لا، بل أنتم العكارون، أنا فئتكم وفئة المسلمين). والعكارون هم الكرارون، يعني: أن هذا ليس بفرار، لكنه كر، فهذا ليس من الفرار، وإنما هو فرار في الظاهر بصورة مؤقتة؛ كي يكروا ويعودوا من جديد إلى قتال هؤلاء الأعداء؛ لأنهم إذا انضموا إلى الإمام الأعظم وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهم ليسوا فارين؛ لأنهم داخلون في قوله تعالى: ((أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ))، والخليفة فئة كل مسلم، فضلاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال: (فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: من القوم؟ فقلنا: نحن الفرارون، فقال: لا، بل أنتم العكارون، ثم قال: أنا فئتكم وفئة المسلمين، قال: فأتيناه حتى قبلنا يده)، صلى الله عليه وآله وسلم. قال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. وقال الحاكم في مسألة الفرار: إن ذلك يرجع إلى ظن المقاتل واجتهاده، فإن ظن المقاومة لم يحل له الفرار، وإن ظن الهلاك جاز الفرار إلى فئة وإن بعدت إذا لم يقصد الإقلاع عن الجهاد. يعني: لا يشترط أن الفئة تكون في منطقة قريبة من ساحة القتال، بل يجوز ولو كانت بعيدة، ما دام سينحاز إلى فئة من المسلمين، إذا لم يقصد الإقلاع عن الجهاد، وحمل عليه حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما المذكور. وعن الكرخي أنه قال: إن الثبات والمصابرة أمر واجب على المقاتل إلا في ثلاثة أحوال: أولاً: إذا لم يخش الاستئصال. بمعنى: أنه إذا خشي أن المسلمين يستأصلون تماماً وليس هناك أي ثمرة من القتال فهنا يجوز له الفرار، كما حصل من خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في سرية مؤتة. ثانياً: أو عرف عدم نكايته في الكفار. ثالثاً: أو التجأ إلى مصر أو جيش للمسلمين. وكان ينبغي أيضاً الإشارة إلى اعتبار شرط العدد الآتي بيانه، فإذا زاد عدد الكفار عن ضعف عدد المسلمين، فهذه من الحالات التي يجوز فيها الفرار. وربما يكون قد أشار إليها ضمناً في قوله: إذا لم يخش الاستئصال، والله تعالى أعلم. وروي عن عطاء أن حكم هذه الآية منسوخ؛ لقوله تعالى: ((الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)) [الأنفال:66]، قال الحاكم: إذا أمكن الجمع فلا نسخ. ولكن لا نحتاج إلى هذا الجواب؛ لأن اصطلاح النسخ عند السلف ليس كاصطلاح المتأخرين، فالسلف قد يطلقون النسخ يريدون به عدة معانٍ، أما الخلف فاقتصر النسخ عندهم على أن يرد دليل شرعي متراخياً عن دليل شرعي آخر مقتضياً خلاف حكمه، هذا عند الأصوليين، لكن النسخ يأتي في البيان، والإفهام بعد الإيهام، كما سبق أن بينا. يقول القاسمي: كنا أسلفنا أن السلف كثيراً ما يعنون بالنسخ تقييد المطلق أو تخصيص العام، فلا ينافي كونها محكمة إطلاقهم النسخ عليها، قال بعض الأئمة: هذه الآية عامة تقضي بوجوب المصابرة وإن تضاعف عدد المشركين أضعافاً كثيرة، لكن هذا العموم مخصوص بقوله تعالى في هذه السورة: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا} [الأنفال:65]، فأوجب الله المصابرة على الواحد بالعشرة، فلما شق ذلك على المسلمين، رحمهم الله تعالى وأوجب على الواحد مصابرة الاثنين، فقال عز وجل: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} [الأنفال:66]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فلم يفر)، يعني: يجب عليه أن يثبت أمام الاثنين. وبالجملة: لا منافاة بين هذه الآية وآية الضِعف، فإن هذه الآية مقيدة بها، فيكون الفرار من الزحف محرماً بشرط ما بينه الله تعالى في آية الضِعف، فقوله عز وجل: {
تفسير قوله تعالى: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم)
تفسير قوله تعالى: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم) ثم بين تبارك وتعالى أن نصرهم يوم بدر مع قلتهم كان بحوله تعالى وقوته، فقال عز وجل: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:17]. قوله: ((فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ)) أي: بقوتكم. يعني: ما وقع من النصر يوم بدر مع قلتكم ليس بفعلكم أنتم. وقوله: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)) يعني: سبب في قتلهم بنصرتكم وخذلانهم، وألقى الرعب في قلوبهم، وقوى قلوبكم، وأمدكم بالملائكة، وأذهب عنكم الفزع والجزع. وقوله: ((وَمَا رَمَيْتَ))، يعني: أنت يا خاتم النبيين مَا رَمَيْتَ، أي: ما بلغت رمية الحصباء إلى وجوه المشركين، ((إِذْ رَمَيْتَ)) بالحصباء؛ لأنك أتيت بالسبب، وهو أنه صلى الله عليه وسلم أخذ كفاً من الحصباء وألقاه وقال: (شاهت الوجوه)، فابتداء الرمي هو من فعل النبي عليه الصلاة والسلام؛ بدليل أن الله نسب إليه الرمي فقال: ((إِذْ رَمَيْتَ))، لكن هذه كانت معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن مثل هذا الإلقاء من كف واحدة ليس من شأنه في العادة أن يصل إلى عيون الكفار واحداً واحداً؛ فالله هو الذي أوصل هذه الحصباء إلى عين كل واحد منهم، فأشغله بنفسه. فهذه معجزة كانت من فعل الله سبحانه وتعالى في الحقيقة، وإن كان تسبب بها ابتداءً النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقوله: ((وَمَا رَمَيْتَ))، يعني: ما بلغت رمية الحصباء إلى وجوه المشركين، فالرمي المنفي غير الرمي المثبت، فالرمي المنفي هو نفي إيصاله إلى وجوه المشركين؛ لأن هذا النوع من الرمي الذي أدى إلى وصول الحصباء إلى عيون المشركين واحداً واحداً هو فعل الله تعالى، وهو المراد بقوله: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)). وأما رمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو رمي مثبت ذو حدود، أما الرمي المنفي عن الرسول فإنه من فعل الله سبحانه وتعالى، فقوله: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ)) يعني: ما بلغت رمية الحصباء إلى وجوه المشركين إذ رميت بالحصباء؛ لأن كفاً منها لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر، ولذا قال سبحانه: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى))، يعني: بلغ في إيصال ذلك إليهم؛ ليقهرهم. وقال أبو مسلم في معنى الآية: أي: ما أصبت إذ رميت ولكن الله أصاب، والرمي لا يطلق إلا عند الإصابة، وذلك ظاهر في أشعارهم، وقد روى غير واحد أنها نزلت في شأن القبضة من التراب التي حصب بها النبي صلى الله عليه وسلم وجوه المشركين يوم بدر حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها وقال: (شاهت الوجوه)، ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها، أي: أن يكونوا صادقين في الحملة على المشركين عقب هذه الرمية مباشرة، ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله، فانهزموا. يقول الجشمي: تدل الآية على أن فعل العبد يضاف إليه تعالى إذا كان بنصرته ومعونته وتمكينه، فما دام الذي أعان ومكن هو الله سبحانه وتعالى، فينسب الفعل إلى الله عز وجل؛ إذ معلوم أنهم قتلوا، وأنه رمى، ولذلك قال: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ))، ولذلك يضاف إلى السيد ما يأتيه غلامه، وتدل على أن الإضافة بالمعونة والأمر صارت أقوى، فلذلك قال: ((فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ))؛ لأن الله هو الذي أعانكم على قتلهم؛ سبحانه وتعالى. وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وقد ظنت طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله، وأنه هو الفاعل حقيقة. وهذا غلط من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع، ومعنى الآية: أن الله سبحانه وتعالى أثبت لرسوله ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميه، فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف، ونفى عنه الإيصال؛ لأنه لا يقال في لغة العرب: رمى، إلا إذا حصل أنه ضرب بالسهم، والسهم أصاب الهدف، ولا تطلق كلمة الرمي على الحذف الذي لا يترتب عليه الإصابة، يعني: قبل الإصابة لا يطلق عليه رمياً، إنما يطلق العرب الرمي على أن يوجه السهم أو الضربة وأن تصيب، فإن لم تصب فلا يطلق عليه رمي، ولذلك قال تعالى: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ))، فقوله: ((وَمَا رَمَيْتَ)) يعني: ما وصلت وبلغت، وقوله: ((إِذْ رَمَيْتَ)) أي: حذفت. وقوله تعالى: ((وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ)) أي: ليمنحهم من فضله ((بَلاءً حَسَنًا))، أي: منحاً جميلاً بالنصر والغنيمة والفتح، ثم بالأجر والمثوبة، غير مشوب بمقاساة الشدائد والمكاره، فيعرفوا حقه سبحانه وتعالى ويشكروه. وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))، أي: سميع لدعائهم واستغاثتهم، عليم بمن يستحق النصر والغلب.
تفسير قوله تعالى: (ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين)
تفسير قوله تعالى: (ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين) ثم قال تعالى: {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [الأنفال:18]. ((ذَلِكُمْ)) الإشارة إما إلى البلاء الحسن المذكور في قوله: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا} [الأنفال:17]، وإما إلى القتل المذكور في قوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال:17]، وإما إلى الرمي المذكور في قوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال:17]. وإعراب ((ذَلِكُمْ)) على الرفع خبر، أي: الأمر ذلكم، أو المقصود ذلكم. وقوله: ((وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ))، أي: مضعف بأس الكافرين وحيلهم بنصركم وخذلانهم، أي: أن المقصود إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين، فإنه قال: ((وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا))، ثم قال: {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ}، وهذه بشارة أخرى، فمع ما حصل من النصر فإنه أعلمهم بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، وأن كيدهم في تبار ودمار، وقد وجد المخبر على وصف الخبر، فصار معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولله الحمد والمنة.
تفسير قوله تعالى: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)
تفسير قوله تعالى: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) ثم قال عز وجل مخاطباً المشركين: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:19]. قوله: ((إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ))، هذا خطاب للمشركين، يعني: إن تطلبوا الفتح وأن يفصل يبنكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم القضاء بما سألتم. روى أحمد والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن ثعلبة: أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة. يعني: أهلكه الغداة، فكان هو المستفتح؛ ليستعجل فصل القضاء من الله سبحانه وتعالى. وروي أيضاً في بعض الآثار: أنهم تعلقوا بأستار الكعبة، وأخذوا يدعون الله سبحانه وتعالى أن ينزل العذاب والهلكة، وأن يهزم أظلم الفريقين، وأقطعهم للرحم، وأفسدهم في الأرض، وأبعدهم عن الله سبحانه وتعالى. فهم استفتحوا، بمعنى: أنهم سألوا الله سبحانه وتعالى أن يفتح بين الفريقين، فالله سبحانه وتعالى يقول لهم: أنتم جلبتم ذلك لأنفسكم، ألستم أنتم الذين استفتحتم؟ ألستم الذين قلتم: اللهم أهلك أظلمنا وأقطعنا للرحم، وأبعدنا منك؟ فلذلك جاءت الآية: ((إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ))، أي: أنتم الذين استفتحتم وطلبتم أن يقضي الله سبحانه وتعالى بينكم. وعن السدي: أن المشركين حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة، فاستنصروا الله، وقالوا: اللهم انصر أعز الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين، فقال تعالى: ((إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ)). وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن هذه الآية إخبار عنهم بما قالوا؛ لأنهم أيضاً استفتحوا في الآية الأخرى، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32]. وقيل: إن في هذا الخطاب تهكماً بهم. أي: أنتم الذين استفتحتم، ودعوتموني أن أنصر أعز الفريقين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين! فتهكم الله سبحانه وتعالى بهم بقوله: ((فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ))؛ لأن الذي جاءهم هو الهلاك والذلة، وهذا كما في كلمة (بشر) في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة:3]، فإن الكافر عندما يسمع كلمة (بشر) ينشرح، فإذا صدم بكلمة (عذاب أليم) يعرف أن المقصود بها التهكم، فكذلك قوله تعالى هنا: ((فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ)) المقصود بها التهكم؛ لأن الذي جاءهم كان الذلة والهلاك والصغار. والقول بأن المقصود من قوله تعالى: ((فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ)) التهكم يصح إذا قلنا بأن الفتح بمعنى النصر. لكن له معنىً آخر فسرت به الآية أيضاً، وهو: أن الفتح هو الحكم والفصل بين الخصمين والقضاء بينهما، فقوله: ((إِنْ تَسْتَفْتِحُوا))، أي: أنتم طلبتم القضاء والحكم، ((فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ)) أي: حكمي وقضائي. وقوله: ((وَإِنْ تَنتَهُوا))، يعني: إن تنتهوا وتتوبوا عن الكفر وعن عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم. ((فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)) في الدنيا وفي الآخرة. ((وَإِنْ تَعُودُوا)) لمحاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم ((نَعُدْ)) لنصره عليكم. ((وَلَنْ تُغْنِيَ))، أي: لن تدفع ((عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)) بالنصر، وقرئ: (وإن الله مع المؤمنين) استئنافاً. وجوز أن يكون الخطاب في قوله تعالى: ((إِنْ تَسْتَفْتِحُوا)) للمؤمنين، أي: إن تطلبوا الفتح، ((فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ))، فيكون هذا بشارة للمؤمنين بالنصر، والمعنى: إن تطلبوا النصر باستغاثتكم ربكم فقد حصل لكم ذلكم، فاشكروا ربكم، والزموا طاعته. وقوله: ((وَإِنْ تَنتَهُوا)) يعني: عن المنازعة في أمر الأنفال -على أن الخطاب للمؤمنين- وعن طلب الفداء عن الأسرى الذي عوتبوا عليه بقوله تعالى: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} [الأنفال:68]. فقوله تعالى: ((وَإِنْ تَنتَهُوا))، أي: عن مثله، ((فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا))، أي: إلى تلك المنازعات ((نعد)) عليكم بالإنكار، وتأييد العدو؛ لأن الوعد بنصرتكم مشروط بشرط استمراركم على الطاعة وترك المخالفة، ثم لا تنفعكم الفئة والكثرة إذا لم يكن الله معكم بالنصر، فإنه مع الكاملين في إيمانهم، وهذا الوجه قرره الرازي، ونقله عنه البيضاوي. قال البيضاوي: ويؤكده الآية بعد؛ فإن المراد بها الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، والنهي عن الإعراض عنه. يعني: أن البيضاوي يرجح هذا التفسير الأخير، وهو أن الخطاب للمؤمنين. ((وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ))، أي: الكاملي الإيمان الذين لا يخالفون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذه المنازعات.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون) ثم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال:20]. قوله: ((وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ))، أي: لا تعرضوا عنه بمخالفة أمره، ((وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ))، أي: تسمعون القرآن الناطق بوجوب طاعته. والواقع الذي يعيشه الآن المسلمون بعدما وضعت راية الجهاد واقع مؤلم؛ ذاقوا فيه الذل والصغار على يد أحقر خلق الله سبحانه وتعالى، فلماذا يخاف أعداء هذه الأمة من يقظة روح الجهاد في المسلمين؟ وأتذكر واقعة حصلت في بداية حرب أفغانستان، وطبعاً الأوضاع كانت مختلفة تماماً عما نحن عليه الآن، فالسعودية كانت متحمسة جداً، كما كان الحال هنا أيضاً في مصر لجهاد الأفغان ضد الروس، ثم عقد مؤتمر لمناصرة أفغانستان في السعودية، وكان الملك فهد ولي العهد في أيام الملك خالد رحمه الله، فالمهم أن فهداً ارتفعت حرارته قليلاً، فتحمس في المؤتمر، وأعلن الجهاد، فقامت الدنيا كلها ولم تقعد، وحصلت ضغوط شديدة بصورة لم تكن متوقعة، ونحن نعرف عندنا أن هؤلاء عندما يعلنون الجهاد في مثل هذه المؤتمرات لن يكون هناك أي شيء، ومع ذلك ارتعدت جميع الدول الكافرة، فاضطر إلى أن يصدر تصريحاً آخر بعد ذلك، ويعلن أنه إنما كان يقصد جهاد النفس، وهذا يدل على الضعف والخور الذي نحن فيه، وأننا لا نستطيع حتى أن نقول: جهاد، وأصبح الحال كما يقول الشاعر: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربع! هذا هو حال جهادنا الآن، ومع ذلك ما تحملوا حتى مجرد هذه الإشارة الخفيفة؛ لأنهم فقهوا مكامن القوة في الإسلام أكثر مما يفقهها كثير منا، وعرفوا أن هذا فقط هو الذي يعيد للمسلمين عزهم، أما إذا تركوا الجهاد فلابد أن يلزمهم الذل والصغار، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فصحح كلامه تحت الضغط مع أنه كلام في الهواء. ونقول: فلماذا تعلن عن الجهاد؟! فإن جهاد النفس معلن منذ زمان عند الصوفية وعند غيرهم، والله المستعان! فالشاهد: أننا ونحن نتعامل مباشرة مع الوحي الإلهي نحس بهذه الروح، وفعلاً حُقَّ لأعداء الإسلام أن يخافوا من القرآن، وحُقَّ لهم أن يخافوا من بعث روح الجهاد في المسلمين، ومهما راحوا أو جاءوا فلن يرفع شأن المسلمين إلا الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى، لا في سبيل أرض، ولا وطن، ولا مبادئ مفسدة، كما بين الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن القتال سيعود مع اليهود في آخر الزمان، وأن الحجر سينطق، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لتقاتلن اليهود، حتى إن اليهودي يختبئ وراء الحجر أو الشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود). فلا يصفه ولا يقول له إلا: يا مسلم! يا عبد الله! قال عز وجل: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} [الإسراء:5]، وبخلاف هذا لن نذوق إلا الذل والصغار والهوان أكثر مما نحن عليه الآن، والله المستعان.
تفسير قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون)
تفسير قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون) ثم قال تبارك وتعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} [الأنفال:21]. قوله: ((كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا)) يعني: كالذين ادعوا السماع. وقوله: ((وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ))، يعني سماع تدبر واتعاظ، وهم المنافقون أو المشركون، فالمنفي هنا سماع خاص، وهو سماع التدبر والاتعاظ، وإلا فإن السماع الذي هو سماع الحاسة موجود حتى عند البهائم، فلو أن واحداً أتى بالمعلقات السبع ووقف أمام بقرة أو حمار أو عنزة وظل يقرأ أمامها المعلقات السبع، فإنها ستسمع الحروف، لكن لا تفقه المعاني، وهذا هو السماع المنفي عن هؤلاء الكفار؛ حيث نفى الله عنهم السمع والبصر والعقل. والمقصود أن عندهم عقولاً لكنهم لم ينتفعوا بها في الهداية والتدبر والاتعاظ، وكما قال عز وجل: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} [البقرة:171]، فالحمار إذا ظللت تناديه أو تتلو أمامه قصيدة أو خطبة وتكلمه، فهو يسمع الحروف سماع دعاء ونداء، فيقول له صاحبه ألفاظاً معينة ويحفظها، فينفذ الأوامر، لكنه إذا كلمه وخاطبه لا يعقل، فهذا هو حال الكفار بالضبط، بل هم أضل من البهائم، كما سنبين إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ}، أثبت للمؤمنين فيها سماع القرآن، وهو التدبر والفهم، ثم أردف ذلك بقوله: ((وَلا تَكُونُوا))، أي: إياكم أن تكونوا ((كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا))، أي: ادعوا أنهم يسمعون، لكن في الحقيقة ((وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ))، أي: سماع تدبر واتعاظ، وهم المنافقون أو المشركون. فالمنفي سماع خاص، لكنه أتى به مطلقاً للإشارة إلى أنهم نزلوا منزلة من لم يسمع أصلاً، وذلك بجعل سماعهم بمنزلة العدم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعطاك السمع والبصر والعقل لأجل أن تستعمل هذه الآلات في توحيده وفي فهم آياته، وهذه هي الغاية من خلق هذه الحواس، فإذا عطلتها عن وظيفتها فلم تستعملها فيما خلقت له، فكأنك لم ترزق، وأنت بهذا ما انتفعت الانتفاع المطلوب بهذه الحواس. قال الزمخشري: ((وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ)) والمعنى: أيها المؤمنون! إنكم تصدقون بالقرآن والنبوة، فإذا توليتم عن طاعة الرسول في بعض الأمور من قسمة الغنائم وغيرها، كان تصديقكم كلا تصديق، وأشبه سماعكم سماع من لا يؤمن. هذا قول آخر للزمخشري.
تفسير قوله تعالى: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)
تفسير قوله تعالى: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} [الأنفال:22]. ثم بين تعالى سوء حال المشبه بهم، وذلك بعد أن بين أنهم إن لم يسمعوا ويطيعوا فسيكونون مثل الكفار، فقال عز وجل: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} [الأنفال:21]، فمبالغة في التحذير وتقريراً للنهي بيَّن سوء حال المشبه بهم، فقال عز وجل: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} [الأنفال:22]. الدَّوَاب جمع دابة، والمقصود: ما يدب على الأرض. وبهذا المعنى العام يعتبر الإنسان من الدواب؛ لأنه يدب ويتحرك على الأرض، أو يقصد بها البهائم، فالمعنى: ((إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ))، يعني: إن شر البهائم، ((عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ))، أي: عن سماع الحق ((الْبُكْمُ))، يعني: الذين لا ينطقون به، ((الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ))، أي: الذين لا يفهمونه، فجعلهم الله تعالى من جنس البهائم؛ لصرفهم جوارحهم عما خلقت له، وليس هذا فحسب، فإن الله سبحانه وتعالى لم يقل: إن هؤلاء الكفار دواب أو بهائم، وإنما قال: هم شر البهائم، فنظمهم في سلك البهائم والعجماوات التي لا تعقل، ثم وصفهم بأنهم شر هذه البهائم جميعاً، وهذا شيء منطقي وشيء مقبول؛ لأنهم عاندوا بعد الفهم، وكابروا بعد العقل، وهذا غاية في الذم، وقد كثر في التنزيل تشبيه الكافرين بنحو هذا، كقوله عز وجل: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} [البقرة:171]. وهنا تنبيه مهم: وهو أن بعض الناس قد يحصل منه -ومنا عموماً- عدم دقة في استعمال بعض التعبيرات، فنسمع من يصف الكافر الفلاني بأنه خنزير، وهذا قرد وهذا كذا وكذا، وربما ظن أن هذا جائز، وأنه إذا شتم أحداً بمثل هذه الألفاظ لم يأثم، وإذا قيل له قال: إن في القرآن الكريم قوله تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف:176]، وقال: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة:5]، فنقول: أنت إذا ضبطت كلامك فهمت أن الآيات الكريمات لا تدل على ما تذهب أنت إليه؛ فالقرآن لم يقل: هم حمير، ولم يقل: هم كلاب، وإنما قال: (مثل) فشبه؛ وأنت إذا قلت: فلان كذا، وذكرت حيواناً من هذه الحيوانات فهذا كذب وفحش من القول، والأصل أن المسلم يتنزه عن هذا، إلا في حالات قليلة، لأنك إذا قلت: فلان خنزير فهو ليس بخنزير، لكن ممكن أن تشبهه بالخنزير، كما قال الله سبحانه وتعالى: {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179]، وقال أيضاً: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف:176]. فالله سبحانه وتعالى أكثر في القرآن الكريم من تشبيه الكفار بنحو ذلك، كقوله عز وجل: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} [البقرة:171]، أي: يدعو بصوت عالٍ، {بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} [البقرة:171]، أي: يسمع الصوت لكن لا يفهمه.
تفسير قوله تعالى: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم)
تفسير قوله تعالى: (ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم) ثم يقول تبارك وتعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال:23]. قوله: ((وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ)) أي: في هؤلاء الصم البكم، ((خَيْرًا)) أي: صدقاً ورغبة في الحق، ((لَأَسْمَعَهُمْ)) الحجج والمواعظ، ولذلك ممكن أن تجد إنساناً موغلاً في الكفر ثم يمن الله سبحانه وتعالى عليه بالهداية؛ لأن الله علم في قلبه خيراً، أي: هذا المعدن علم الله سبحانه وتعالى أن فيه خيراً، فلذلك أسمعه، ونزع القفل من على قلبه، وفتح قلبه للإيمان، فهداه الله سبحانه وتعالى، وأما الذين يحرمهم الله من نعمة الإيمان فإنه سبحانه علم أن هؤلاء ليس في قلوبهم خير، ولذا قال: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}. فالإنسان أحياناً يقف من أحوال بعض الكفار الذين هداهم الله سبحانه وتعالى للإسلام على شيء عجيب جداً، من شرح الصدر لنور الحق، الأمر الذي يتفوقون فيه على كثير ممن يحملون أسماء المسلمين وهم أبعد ما يكونون عن الإسلام، وقد سمعت عن أخت أمريكية أو بريطانية أتت مع زوجها المسلم الذي التزامه ليس بذاك، فأتت معه إلى مصر، لكنها لما أسلمت صارت ملتزمة التزاماً متيناً بالدين، وتزوجت هذا المسلم، فلما أتت معه إلى شوارع الإسكندرية كانت طول ما هي ماشية في الشوارع تقول: ما شاء الله، الحمد لله، كل المسلمات في بيوتهن! يعني: أنها كانت تحمد ربنا سبحانه وتعالى على أن اللاتي في الشوارع المتبرجات هؤلاء كلهن غير مسلمات، وأن المسلمات المحجبات قارات في بيوتهن؛ لأنها فهمت أن كل المتبرجات يهوديات أو نصرانيات غير مسلمات، فهي تحمد الله أن المسلمات قارات في البيوت، ولا يخرجن في هذه الفتن، والله المستعان! وقوله: ((وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ)) يعني: لأسمعهم الحجج والمواعظ سماع تفهم وتدبر، أي: لجعلهم سامعين؛ حتى يسمعوا سماع المصدقين، ولكن لم يعلم الله فيهم شيئاً من ذلك؛ لخلوهم عن الخير بالمرة، ولم يسمعهم كذلك لخلو السماع عن الفائدة وخروجه عن الحكمة، وإليه أشير بقوله تعالى: ((وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا))، يعني: ولو أسمعهم سماع تفهم وهم على هذه الحالة العارية عن الخير بالكلية لتولوا عما سمعوه من الحق، ((وَهُمْ مُعْرِضُونَ)) أي: عن قبوله جحوداً وعناداً.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) ثم ذكر تبارك وتعالى آية من الآيات التي من المفروض أن كل واحد منا لا أقول: يعلقها على كل متر من بيته، لكن يثبتها في قلبه، ويجعلها دائماً نصب عينيه، خاصة في هذا الزمان، وهي قوله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال:24]. قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ)) الاستجابة هنا بمعنى الإجابة. أي: أجيبوا الله والرسول، وكلمة: ((إِذَا دَعَاكُمْ)) تحتم أن يكون (استجيبوا) بمعنى: أجيبوا؛ لأن من دعاك فأجبه، كما تقول: من دعاك استجب له، وعلى هذا يكون معنى قوله: (استجيبوا) يعني: أجيبوا؛ لأنها تقابل الدعاء، قال الشاعر: وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب فقوله: (فلم يستجبه) يعني: لم يجبه، فمعنى الاستجابة الإجابة، والمراد بها الطاعة والامتثال، وإنما وحد الضمير في قوله تبارك وتعالى: ((إِذَا دَعَاكُمْ))، ولم يقل: إذا دعياكم أو دعواكم -أي: الله والرسول- لأن الرسول عليه الصلاة والسلام هو المباشر للدعوة إلى الله تبارك وتعالى، ولأن استجابته صلى الله عليه وسلم كاستجابته تعالى، كما قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد، كقول تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء:59].
معنى استجابة المؤمنين لما يحييهم
معنى استجابة المؤمنين لما يحييهم وقوله: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) قال عروة بن الزبير فيما رواه ابن إسحاق: أي: للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل. أي: وقواكم به بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم. وإنما سمي الجهاد حياة لأن في وهن عدوهم بسببه حياة لهم وقوة، ولأن الجهاد يضعف العدو، فإذا ضعف العدو فهذا يعطي المسلمين الحياة والقوة، أو لأنه سبب لحصول الشهادة التي توجب لهم الحياة الدائمة، كما قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ} [آل عمران:169]. فقوله: ((إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)) على هذا التفسير أي: إلى الجهاد الذي يترتب عليه أن تنالوا الحياة الدائمة في جنات الفردوس. أو أن قوله: ((إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: إلى الجهاد الذي هو سبب المثوبة الأخروية التي هي معدن الحياة، كما قال تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت:64]، يعني: لهي الحياة الدائمة، فيكون مجازاً مرسلاً بإطلاق السبب على المسبب. وقيل: إن قوله: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: لما يحييكم من العلوم الدينية التي هي مناط حياة القلب كما أن الجهل موته. إذاً: في قوله تبارك وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)) أقوال: القول الأول هو: الطاعة والامتثال. القول الثاني: هو الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى؛ لأن في وهن عدوكم بسبب الجهاد حياة لكم وقوة، أو لأنه يكون سبب الحياة الدائمة بعد الشهادة، أو سبب المثوبة الأخروية التي هي معدن الحياة. القول الثالث: العلوم الدينية التي هي مناط حياة القلب، كما أن الجهل موته. قال الشهاب: وإطلاق الحياة على العلم والموت على الجهل استعارة معروفة ذكرها الأدباء وأهل المعاني، وأنشد الزمخشري لبعضهم: لا تعجبن الجهول حلته فذاك ميت وثوبه كفن يعني: أن الزينة هي زينة العلم، ولذا لم يأمر الله تبارك وتعالى نبيه أن يسأله الاستزادة إلا من العلم فقال: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114]، يعني: وحياً، فالجهل يعبر عنه بالموت. وقول الشاعر: (لا تعجبن الجهول حلته)، يعني: أن الجاهل الذي يلبس حلة نفيسة وجميلة لا تغني عنه شيئاً، وإنما هذه الحلة بالنسبة له مثل الكفن على جسد الميت، وهل يغني الكفن الحسن عن الميت شيئاً؟! فكذلك الجهل. فهذا كله مما يرشح هذا القول بأن قوله: ((إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: العلم الذي يحييكم، والذي بدونه تكونون موتى، وقد جاء هذا في قول أبي الطيب من قصيدته التي أولها: أفاضل الناس أغراض لذا الزمن يخلو من الهم أخلاهم من الفطن ومنها: لا تعجبن مضيماً حسن بزته وهل تروق دفيناً جودة الكفن أي: هل الميت المدفون ينبسط؛ لأن الكفن الذي عليه جيد وحسن؟! والأظهر أن معنى قوله تعالى: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)): ما يصلحكم من أعمال البر والطاعة، أي: أنه عام؛ لأن الصيغة هنا تعم جميع أعمال البر والطاعة، فيدخل فيه ما تقدم وغيره، فالجهاد منها، والشهادة في سبيل الله منها، والعلم الشرعي منها، والطاعة منها، والصلاة منها، والزكاة منها وهكذا. وقد استدل النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية على وجوب إجابته إذا نادى أحداً وهو في الصلاة، فقد روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلا رضي الله عنه قال: (كنت أصلي، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيته، فقال: ما منعك أن تأتيني؟! ألم يقل الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ))).
معنى أن الله يحول بين المرء وقلبه
معنى أن الله يحول بين المرء وقلبه وقوله تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)) يحتمل وجوهاً من المعاني: الوجه الأول: أنه تعالى يملك على المرء قلبه، يعني: اعلموا وتذكروا أن قلوبكم ليست ملكاً لكم، ولستم أنتم الذين تصرفونها وتوجهونها، وإنما مالك القلب هو الله سبحانه وتعالى وحده يصرفه كيف يشاء، فيحول بينه وبين الكفر إذا شاء له الهداية، ويحول بينه وبين الإيمان إذا أراد ضلالته. وهذا المعنى رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس وصححه، وقاله غير واحد من السلف، ويؤيده ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، فقيل: يا رسول الله! آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم؛ إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها)، رواه الإمام أحمد والترمذي عن أنس، وفي لفظ مسلم: (إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد؛ يصرفها كيف شاء)، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك)، وفي رواية: (إن قلب الآدمي بين إصبعين من أصابع الله، فإذا شاء أزاغه، وإذا شاء أقامه). إذاً: المقصود من قوله تبارك وتعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)) أن الله سبحانه وتعالى يملك القلب، ويتمكن منه، ويصرفه كيف يشاء بما لا يقدر عليه صاحبه، فصاحب القلب نفسه الذي قلبه في بدنه لا يملك أن يوجه قلبه، لولا أن يتولى الله سبحانه وتعالى توجيهه. فقوله تبارك وتعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)) يعني: إذا علمتم ذلك فخافوا على أنفسكم، واستعينوا بالله سبحانه وتعالى على أن يثبت قلوبكم على الإيمان؛ لأنه يحول بين المرء وقلبه. وتخيل أنت الفرق الذي يكون بين الإنسان وقلبه الذي هو فيه، ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يحول بين المرء وقلبه، فانظر إلى قدرة الله سبحانه وتعالى وتمام ربوبيته وتصريفه لأحوال الخلق، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما سمي القلب قلباً لتقلبه)، وقال عليه الصلاة والسلام ما معناه: (مثل القلب كمثل القدر إذا استجمعت غلياناً -أو- للقلب أشد اضطراباً من القدر إذا اجتمعت غلياناً)، فالقدر بعد الغليان تتحرك فيه كل أجزاء السائل الذي يغلي، فكذلك القلب لا يعرف الثبات إلا أن يثبته الله سبحانه وتعالى. وقال عليه الصلاة والسلام: (ومثل القلب كمثل ريشة بأرض فلاة تحركها الرياح)، فكلمة القلب مأخوذة من التقلب، فالقلب لو رفعت عنه عناية الله لا يثبت، بل يتقلب، إلا أن يثبته الله سبحانه وتعالى. الوجه الثاني في تفسير قوله عز وجل: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)): أنه حث على المبادرة إلى الطاعة قبل حلول المنية، أي: بادروا إلى التوبة وإلى الطاعة قبل أن يأتيكم الموت، فمعنى يحول بينه وبين قلبه: يميته، فتفوته الفرصة التي هو واجدها، فالآن لم يحل الله بينك وبين قلبك؛ لأنك ما زلت حياً، والقلب يدق وينبض بالحياة، فإذا تبت قبلت توبتك، فبادر الآن لإصلاح حالك مع الله سبحانه وتعالى قبل أن يحول بينك وبين قلبك؛ لأن أصل التوبة وأساس التوبة هو القلب، ويحال بينك وبين قلبك بالموت. فهذا معنى قوله عز وجل: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ))، يعني: بحلول الموت، فلا تملك التوبة إذا حل الموت، فاستدرك واغتنم الفرصة الآن وقد وجدتها، وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله، فأي إنسان إذا أصيب بمرض في عضلة القلب يفزع فزعاً شديداً، وهل يكون انفعال الإنسان بالمرض الذي في قلبه -العضلة نفسها- مثل أي ألم في أصابعه أو جلده أو في أي جهاز آخر؟ فأفزع ما يكون الإنسان إذا علم أن في قلبه مرضاً، فإنه يفزع ويخاف من الموت، ويهرول إلى الأطباء يلتمس عندهم الشفاء، فأولى ثم أولى أن الإنسان إذا أحس أن في قلبه مرضاً أن يهرول إلى علاجه قبل أن يحول الله بينه وبين هذا القلب بموته. وكما أن البدن له أدوية يتعاطاها الإنسان فيشفى بإذن الله، فكذلك القلب أمراضه لها دواء، وعلى الإنسان أن يسارع بالتفتيش عن هذه العلاجات؛ ليطهر قلبه، ويرده إلى الصحة والعافية من جديد قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت، فلا يستطيع إصلاحه بعد الموت؛ فاغتنموا هذه الفرصة، وأخلفوها لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فشبه الموت بالحيلولة بين المرء وقلبه الذي به يعقل في عدم التمكن من علم ما ينفعه علمه. الوجه الثالث: أن المقصود التعبير بها عن غاية القرب من العبد، فقوله: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)) يعني: أن الله قريب منك جداً؛ لأن من فصل بين شيئين كان أقرب إلى كل منهما من الآخر لاتصاله بهما. وانفصال أحدهما عن الآخر معناه: كأن القلب في جهة والإنسان نفسه في جهة، والله سبحانه وتعالى يحول بين الاثنين، فمن الأقرب إلى الإنسان؟ ومن أقرب إلى قلبه؟ هل القلب أقرب إلى المرء، أم أن الله أقرب إلى الإنسان من قلبه وأقرب إلى القلب من الإنسان؟ فهذا المعنى يفيده قوله تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)) فيحول معناها: يقرب، وهذا المعنى نقل عن قتادة؛ حيث قال: إن قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق:16] فيه تنبيه على أنه تعالى مطلع من مكنونات القلوب على ما عسى أن يغفل عنها صاحبها. وقوله: ((وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)) أي: فيجزيكم بأعمالكم.
تفسير ابن القيم لقوله: (إذا دعاكم لما يحييكم)
تفسير ابن القيم لقوله: (إذا دعاكم لما يحييكم) وهنا كلام طيب جداً للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الفوائد نختم به الكلام على هذه الآية، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: قول الله تعالى ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال:24]، تضمنت هذه الآية أموراً: أحدها: أن الحياة النافعة إنما تحصل باستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. يعني: لا يحصل الإنسان الحياة النافعة إلا إذا استجاب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وكل من لم يستجب لله ورسوله فهو كالميت، وإن كانت له حياة بهيمية، فمثله مثل الطيور والأسماك والضفادع والبرمائيات والزواحف وهكذا، كل هذه الأعضاء في المملكة الحيوانية هو مثلها، يشترك معها في الحياة البهيمية الحيوانية. فقد تكون للإنسان حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات، لكن ليس له هذه الحياة الحقيقية التي هي حياة روحية، ولا تحصل إلا بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، حتى بعد أن يموتوا فهم أحياء، وأقرب مثال: هذا الرجل الذي ألف هذا الكتاب ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى الذي يخاطبنا الآن، فهو في الحقيقة حي، يعني: أن الحياة الحيوانية ذهبت بخروج روحه، لكنه حي معنا إلى أن يشاء الله سبحانه وتعالى، وكم ممن يعيش بيننا هو والميت سواء؟! فرغم أن الحياة البهيمية موجودة، لكن لا خير فيه، وإذا مات تستريح منه البلاد والعباد. فمن الحياة الحقيقية أن نتذكر هؤلاء الصالحين، في عبادتهم، وفي علمهم وطاعتهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وفي تضحيتهم في سبيل الدين، فالذكر للإنسان عمر ثانٍ، كما يقولون. وأكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكلما زادت استجابة الإنسان للشرع المطهر وطاعة الله ورسوله قويت فيه هذه الحياة، فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، بقدر ما يفوته من الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول صلى الله عليه وسلم. قال مجاهد: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: للحق، وقال قتادة: هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاح والعصمة في الدنيا والآخرة. وقال السدي: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) هو الإسلام، أحياهم به بعد موتهم بالكفر. قال ابن إسحاق وعروة بن الزبير واللفظ له: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم، وهذه كلها عبارات عن حقيقة واحدة، وهي القيام بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً. قال الواحدي: والأكثرون على أن معنى قوله: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)): هو الجهاد، وهو قول ابن إسحاق، واختيار أكثر أهل المعاني. قال الفراء: ((إِذَا دَعَاكُمْ)) إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم، يريد أن أمرهم إنما يقوى بالحرب والجهاد، فلو تركوا الجهاد ضعف أمرهم واجترأ عليهم عدوهم. قلت - ابن القيم -: الجهاد من أعظم ما يحييهم به في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة. يعني أن الجهاد من أعظم ما يحييهم الله سبحانه وتعالى به، فالجهاد يحيي المؤمنين في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة: أما في الدنيا فإن قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد؛ لأن العدو إذا لم يقهروه سوف يقتلهم ويبيد حياتهم، فإذا قهروا عدوهم استبقوا حياتهم. وأما في البرزخ فقد قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169]. وأما في الآخرة: فإن حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم، ولهذا قال ابن قتيبة: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: الشهادة، وقال بعض المفسرين: ((لِمَا يُحْيِيكُمْ)) يعني: الجنة، فإنها دار الحيوان، وفيها الحياة الدائمة الطيبة، حكاه أبو علي الجرجاني. والآية تتناول هذا كله، فإن الإيمان والإسلام والقرآن والجهاد يحيي القلوب الحياة الطيبة، وكمال الحياة في الجنة، والرسول داعٍ إلى الإيمان وإلى الجنة، وهو داعٍ إلى الحياة في الدنيا والآخرة.
حياة البدن بالعافية وحياة القلب بالإيمان
حياة البدن بالعافية وحياة القلب بالإيمان قال: والإنسان مضطر إلى نوعين من الحياة: حياة بدنه التي بها يدرك النافع والضار، ويؤثر ما ينفعه على ما يضره، ومتى نقصت فيه هذه الحياة ناله من الألم والضعف بحسب ذلك، ولذلك كانت حياة المريض والمحزون وصاحب الهم والغم والخوف والفقر والذل دون حياة من هو معافى من ذلك، فليست حياة الذي يحيا حياة ضنكٍ مثل حياة المعافى من هذا الضنك. ثم قال: وحياة قلبه وروحه التي بها يميز بين الحق والباطل، والغي والرشاد، والهوى والضلال، فيختار الحق على ضده، فتفيده هذه الحياة قوة التمييز بين النافع والضار في العلوم والإرادات والأعمال، وتفيده قوة الإيمان والإرادة والحب للحق، وقوة البغض والكراهة للباطل، فشعوره وتميزه ونصرته بحسب نصيبه من هذه الحياة، كما أن البدن الحي يكون شعوره وإحساسه بالنافع والمؤلم أتم. يعني: كما أن البدن إذا كانت الشبكة العصبية فيه سليمة فإنه إذا أحس بوخزة دبوس أو بنار تلسع يتألم؛ لأن الشبكة العصبية سليمة، لكن لو أن الشبكة فيها قطع، أو فيها فساد، فممكن أن لا يتألم الإنسان، وقد تدخل فيه الشوكة أو المسمار ولا يحس بذلك؛ لضعف الحياة فيه. فالبدن كلما كان أتم حياة كان إحساسه بالشيء المؤلم والضار أكثر من غيره، ويكون ميله إلى النافع ونفرته عن المؤلم أعظم، وكذلك القلب إذا بطلت حياته بطل تمييزه، كما قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال:29]، فطاعة الله وطاعة الرسول عليه والسلام لها ثمرة، وهي أن يلقي الله في قلبه نوراً يستطيع أن يميز بين الحق والباطل، ولا يقع في الشبه والضلالات والوساوس. فكلما زادت حياة الروح بالقرآن وبالعلم النافع ازداد اتضاح الأمور أمامه، فيرى الأبيض أبيض والأسود أسود، والتميز بين الحق والباطل يكون حداً فاصلاً بدون اختلاط، فإذا بطلت حياته بطل تمييزه، وإن كان له نوع تمييز لم يكن فيه قوة يؤثر بها النافع على الضار. يعني: إما أن يفقد حياة القلب تماماً فبالتالي لا يميز، كحال الكفار، فالكافر لا يمكن أن يرى الحق، وإما أن يكون عنده تمييز، لكن ليس عنده همة بأن يؤثر النافع على الضار وقد علم النافع من الضار، كما أن الإنسان لا حياة له، حتى ينفخ فيه الملك -الذي هو رسول الله- من روحه. وهنا في الحقيقة تعبير من أروع تعبيرات الإمام الجليل ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى، وخلاصة الكلام أن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يلخص هذا الكلام الذي ذكرناه كله في أن الإنسان إذا أراد أن تتم حياته واستنارته فلابد أن يتوقف هذا على نفختين: نفخة من الرسول الملكي، ونفخة من الرسول البشري عليه الصلاة والسلام. ويقصد بالنفخة من الرسول الملكي: نفخة الملك عندما يأتي الجنين في بطن أمه وينفخ فيه الروح، ويؤمر بكتب أربع كلمات، كما هو معلوم، فهذه النفخة تحدث للإنسان حياة البدن الدنيوية، وهذه الحياة هي الحياة البهيمية؛ لأنها مشتركة بين الكائنات كلها، وبين المؤمن وبين الكافر. وحتى تتم له حياة القلب لابد من نفخة من الرسول البشري، وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بأن يؤمن به، ويتبع هديه صلى الله عليه وسلم، فتتم له الحياتان هنا.
النفخة الملكية والنفخة النبوية لحياة الإنسان
النفخة الملكية والنفخة النبوية لحياة الإنسان يقول ابن القيم: كما أن الإنسان لا حياة له حتى ينفخ فيه الملك الذي هو رسول الله من روحه، فيصير حياً بذلك النفخ، وكان قبل ذلك من جملة الأموات، فكذلك لا حياة لروحه وقلبه حتى ينفخ فيه الرسول صلى الله عليه وسلم من الروح الذي ألقى الله تعالى إليه. أي: القرآن الكريم، فإذا انتفعت بالقرآن الكريم وارتبطت بالقرآن الكريم فهذه هي النفخة التي تعطيك حياة القلب، وكلما ضعف ارتباطك بالقرآن الكريم ضعف هذا الإيمان في قلبك. يقول: فكذلك لا حياة لروحه وقلبه حتى ينفخ فيه الرسول صلى الله عليه وسلم من الروح الذي ألقى الله إليه، قال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [النحل:2]، ويقول تعالى: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [غافر:15]، وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} [الشورى:52 - 53]. فأخبر أن وحيه روح ونور، فالحياة والاستنارة موقوفة على نفخ الرسول الملكي، فمن أصابه نفخ الرسول الملكي ونفخ الرسول البشري حصلت له الحياتان، ومن حصل له نفخ الملك دون نفخ الرسول حصلت له إحدى الحياتين وفاتته الأخرى، فالكافر حصل نفخة الملك لأن فيه روحاً؛ لكن فاتته نفخة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يؤمن به، وبالتالي لن ينتفع بهدي القرآن الكريم، وقال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام:122] بالإسلام، {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122]، فجمع للمؤمن بين النور والحياة، كما جمع لمن أعرض عن كتابه بين الموت والظلمة. وقال ابن عباس وجميع المفسرين: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام:122] يعني: كان كافراً ضالاً فهديناه. وقوله: {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام:122] هذا يتضمن أموراً: أحدها: أنه يمشي وسط الناس هم في ظلمة وهو في نور، فمثله ومثلهم كمثل قوم أظلم عليهم الليل، فضلوا ولم يهتدوا للطريق، وآخر معه نور يمشي به في الطريق ويراها ويرى ما يحذره فيها. وثانيها: أنه يمشي فيهم بنوره، فهم يقتبسون منه لحاجتهم إلى النور، هذا حال المؤمن المستقيم الداعية في وسط الذين يمشون في الظلام، ويتيهون ويعمهون ويترددون ويتحيرون، فهم محتاجون إلى هذا النور الذي معه؛ كي ينجوا في هذه الطريق. وثالثها: أنه يمشي بنوره يوم القيامة على الصراط إذا بقي أهل الشرك والنفاق في ظلمات حقدهم ونفاقهم.
معنى أن الله يحول بين المرء وقلبه عند ابن القيم
معنى أن الله يحول بين المرء وقلبه عند ابن القيم وقوله تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ))، المشهور في الآية أنه يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان، ويحول بين أهل طاعته وبين معصيته، وبين أهل معصيته وبين طاعته. وهذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين. وفي الآية قول آخر: أن المعنى: أنه سبحانه وتعالى قريب من قلبه لا تخفى عليه خافية، فهو بينه وبين قلبه. ذكره الواحدي عن قتادة، وكأن هذا أنسب بالسياق؛ لأن الاستجابة أصلها بالقلب، فلا تنفع الاستجابة بالبدن دون القلب، فإن الله سبحانه وتعالى بين العبد وقلبه، فيعلم هل استجاب له قلبه، وهل أضمر ذلك أو أضمر خلافه. وعلى القول الأول فوجه المناسبة: إنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة وأبطأتم عنها فلا تأمنوا أن يحول الله بينكم وبين قلوبكم. فإذاً هنا تهديد: لا تأمنوا، وإياكم أن يعاقبكم بأن يحول بينكم وبين قلوبكم، فلا يمكنكم بعد ذلك الاستجابة. فإذا لم تبادروا فلا تأمنوا أن يعاقبكم الله بالحيلولة بينكم وبين الاستجابة، وبين الحق واستبانته، فيكون هذا كقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:110]، لأنهم لم يبادروا، وقوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف:5]، وقوله: {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ} [الأعراف:101]، ففي الآية تحذير عن ترك الاستجابة بالقلب. كما أن الاستجابة لا تقتصر على الاستجابة بالجوارح، لكن تكون أيضاً بالقلب. فالله سبحانه وتعالى يحول بينكم وبين قلوبكم، ويطلع على قلوبكم، وهو أقرب منكم إلى قلوبكم. وفي الآية سر آخر: وهو أنه جمع لهم بين الشرع والأمر به -وهو الاستجابة- وبين القدر والإيمان به، فجمعه بين الشرع والقدر في قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ))، فهنا أمر شرعي طلبي، ثم قال: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ))، فيكون كمثل قوله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير:28]، هذا شرع، ثم قال: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:29]، وكقوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [المدثر:55 - 56].
الأنفال [25 - 34]
تفسير سورة الأنفال [25 - 34]
تفسير قوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)
تفسير قوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) قال عز وجل: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25]. ختمنا الكلام في الدرس الماضي بقوله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال:24]، ثم يقول تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)). والفتنة إما بمعنى الذنب، وعلى هذا فقوله: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً)) يعني: اتقوا الذنب الذي تترتب عليه هذه العقوبة، والذنب يكون مثل إقرار المنكر، وافتراق الكلمة، والتكاسل في الجهاد. وإما أن تكون الفتنة بمعنى العذاب، وعلى هذا فقوله تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً)) أي: اتقوا العذاب. فإن أريد بالفتنة الذنب فقوله تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً)) يعني: اتقوا ذنباً أو معصية، وقوله: ((لا تُصِيبَنَّ)) أي: لا يصيبن أثره أي: العذاب، ((الذين ظلموا منكم خاصة)). وإذا قلنا: إن الفتنة بمعنى العذاب، كما في قوله تعالى: {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} [الذاريات:14] يعني: عذابكم، فالمعنى: اتقوا إصابة العذاب بنفسه. وقوله: ((لا تُصِيبَنَّ)) هذا جواب للأمر: ((وَاتَّقُوا))، أي: إن أصابتكم لا تختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم، لكن شؤمها يتعدى إلى الجميع، فتشمل الظالمين المذنبين وغيرهم؛ بشؤم صحبتهم؛ لأنهم عاشوا معهم، وخالطوهم، وتعدت رذيلتهم إلى من يخالطهم، فإن الأشرار والفساق يتعدى شؤمهم إلى من يساكنهم ويركن إليهم، فيصيبه شؤمهم بسبب مصاحبتهم، وذلك كقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم:41]. وقد روى الإمام أحمد عن جرير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعملون، ثم لم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب). قال الكرخي: ولا يستشكل هذا بقوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164]، لأن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فالواجب على كل من رآه أن يغيره إذا كان قادراً على ذلك، فإذا سكت الجميع فكلهم عصاة؛ هذا بفعله وهذا برضاه. وقدر الله تعالى بحكمته أن الراضي بمنزلة العامل، فانتظما في العقوبة، ودخل فيها الراضي؛ لأن السكوت علامة الرضا، ولذلك فإن العذاب يعم الجميع، وهذا لا يتعارض مع قوله: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164]؛ لأنهم ما داموا قادرين على التغيير ولم يغيروا فإن سكوتهم يعني الموافقة والإقرار والرضا، فاستووا مع الذين عصوا. فإنكار المنكر بالقلب فرض عين على كل مسلم، أما الإنكار باليد وباللسان فعلى التفصيل المعروف في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، وليس بعد ذلك عذر لمعتذر، فالإنسان قد يكون للناس سلطان عليه بالقهر، فيمنعه ذلك من التغيير باليد أو باللسان، لكن لا سلطان لأحد على القلب، فإذا كان القلب لم ينكر المنكر فلا شك أن صاحبه راض بهذا المنكر وآثم بسبب ذلك. فإذاً: علامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل، لكن ما دام قلبك يستقبح المنكر ويكرهه ويبغض أهله فلا وزر عليك، وإن كنت عاجزاً عن تغييره باليد أو باللسان، المهم أن القلب يكون مطمئناً بالإيمان ومتألماً بسبب هذه المعاصي. وذكر القسطلاني أن علامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل الذي يقع في الدين بفعل المعاصي، فلا يتحقق كون الإنسان كارهاً له إلا إذا تألم للخلل الذي يقع في الدين، كما يتألم ويتوجع لفقد ماله أو ولده، فكل من لم يكن متألماً فهو راضٍ بالمنكر، فتعمه العقوبة والمصيبة بهذا الاعتبار. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25]، يعني: لمن يخالف أوامره.
تفسير قوله تعالى: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض) فقال عز وجل: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال:26]. ثم نبه تعالى عباده المؤمنين من السابقين الأولين على نعمه عليهم؛ لأن الراجح أن الخطاب في الآية إنما هو للمهاجرين الأولين خاصة، فقد ذكرهم عز وجل بنعمه عليهم وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، ورزقهم من الطيبات؛ ذكرهم بذلك ليشكروه بدوام طاعتهم واستمرارهم على طاعة الله سبحانه وتعالى. ((وَاذْكُرُوا)) أي: يا معشر المهاجرين! فالخطاب -على الراجح- للمهاجرين. ((إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ)) يعني: إذ كنتم قليلي العدد، ((مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ)) أي: مقهورون في أرض مكة قبل الهجرة تستضعفكم قريش. وقوله: ((تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ)) إذا قلنا إن الخطاب للمهاجرين الأولين فالناس هم أهل مكة، وتخطفه واختطفه بمعنى: استلبه وأخذه بسرعة، فإذا أخذ أحد الشيء بسرعة يقال: تخطفه أو اختطفه. ((فَآوَاكُمْ)) أي: بعد هذا الاضطهاد والاستضعاف آواكم إلى المدينة المنورة دار الهجرة. ((وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ)) يعني: أعانكم وقواكم يوم بدر بنصره، وأما كيف قواكم؟ وكيف أتاكم نصره؟ فبمظاهرة الأنصار؛ لينصروا الدعوة، وبإمداد الملائكة، وبالتثبيت الرباني. ((وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ)) الطيبات هنا الغنائم؛ لأن الغنائم كانت من قبل محرمة على الأمم كلها، ولم تحل لأحد إلا لهذه الأمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي). ((لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) المولى على ما تفضل به وأولى. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: وما ذكرنا من كون الخطاب في الآية للمهاجرين خاصة هو أنسب للمقام، والسياق يشعر به. وهناك قول آخر: أن الخطاب للعرب كافة، فقوله: ((وَاذْكُرُوا)) يعني: أيها العرب! ((إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ)) يعني: بالنسبة للأمم الأخرى كالفرس والروم، ((مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ))، والناس المقصود بهم الأمم من حول العرب. وقد أيد هذا التفسير بقول قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله تعالى في هذه الآية، قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس وأشقاه عيشاً، وأجوعه بطوناً، وأعراه جلوداً، وأثبته ضلالاً والله ما نعلم قبيلاً من حاضر أهل الأرض يومئذٍ كانوا أشر منزلاً منهم حتى جاء الله تعالى بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكاً على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله عز وجل. هذه عبارة قتادة بن دعامة في تأييد أن المقصود بهذه الآية الكريمة العرب عامة بالنسبة لغيرهم من الأمم في ذلك الزمان.
تأثير البيئة على التوجه الشخصي إذا لم توجد عقيدة
تأثير البيئة على التوجه الشخصي إذا لم توجد عقيدة وفي ذلك إشارة إلى قوله تبارك وتعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء:10]، وأيضاً فهناك عوامل كثيرة تؤثر على الإنسان وعلى توجهه، ومن هذه العوامل عامل البيئة المحيطة بالإنسان، ودليله قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). فالإنسان يتأثر بالبيئة من حوله، وهي مما يجعله ينحرف عن فطرة الإسلام. ولا يدفع تأثير البيئة إلا عامل أقوى من كل العوامل، وهو عامل العقيدة، فإذا وجدت العقيدة فهي التي تطغى على تأثير البيئة. فالعقيدة هي التي تحول الأمم والأفراد من حال إلى حال مغاير تماماً، وآية ذلك العرب مع الإسلام، فقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: (إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما نبتغي العزة بغيره أذلنا الله سبحانه وتعالى)، فالمنطقة التي كان يسكنها العرب منطقة متخلفة جاهلة في ذيل الأمم كسولة إلى آخر ما شئت من هذه الصفات. فلا يقوى على رفع تأثير البيئة إلا العقيدة، فإذا زالت العقيدة رجع تأثير البيئة من جديد، وهذا هو الوضع الذي نعيشه الآن؛ فالوضع الذي نعيشه الآن أننا في مؤخرة الأمم، حتى إن هتلر وضع العرب قبل اليهود، واعتبر اليهود أخس الأمم، لكن قبلهم مباشرة وضع العرب! ونحن لا نقول: إننا معشر العرب أخس من الأمم الأخرى، بمعنى: أن لا خير فينا، فالحمد لله نحن مسلمون، ولكن اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أنه كما أنعم علينا بنعمة الإسلام، ولم يجعل لنا سبباً إلى العز والنصر والتمكين إلا هذا الدين وهذا القرآن، فإذا كفرنا بنعمة الله فمن عدله سبحانه وتعالى أن يعاقبنا بأن يسلط علينا أخس الأمم، وأن نعود من جديد إلى تأثير البيئة، فهذه البيئة هذه طبيعتها، بخلاف البيئات الباردة؛ حيث طبيعة الناس أنه إذا لم يحصل نوع من النشاط والحركة والجدية في الحياة فإن الثلوج تدهمهم، أعني أن طبيعة الحياة وطبيعة البيئة في البلاد الأخرى تجعل الناس في حالة يقظة ونهضة وتقدم مستمر. أما نحن إذا تركنا الإسلام فإننا سوف نرجع للوضع الذي كنا عليه من قبل، ولا يزول عنا الذل إلا بالإسلام. وهذه الحقيقة الآن يعرفها الكفار أنفسهم قبل المسلمين، ولذلك هم حريصون دائماً على فصلنا عن الإسلام، وإلهائنا بعقائد غريبة جاءت بإفساد الأخلاق، وبإثارة الشبهات، ويحاولون إشغالنا بكل ما يلهينا عن هذه العقيدة؛ لأنهم يعلمون جيداً أن المسلمين إذا رجعوا إلى عقيدتهم سيكونون أقوى قوة على ظهر الأرض؛ لأن الذي نحن فيه من التخلف ليس ناشئاً عن تخلف عقلي، ولله الحمد، فالمسلمون عندهم كل الطاقات، حتى الطاقات النووية، فهناك قدرات تمتلكها الشعوب الإسلامية، ويكفي فقط الجمهوريات التي استقلت عن الاتحاد السوفيتتي، فأغلبها عندها الطاقة النووية أو القوة النووية، والموارد الطبيعية، والعدد البشري الهائل، فالأمة الإسلامية وجميع الدول الإسلامية إذا توحدت فإن أمريكا بجوارها ستكون صفراً، ولا أقول: صفراً بالضبط، ولكن قطعاً سيكونون أقوى من أمريكا. فالتخلف الذي نحن فيه هو في جزء كبير منه تخلف مفروض علينا، حيث يحرم علينا نوع معين من التكنولوجيا حتى لا نتقدم، وتحرم علينا حتى محاولة الأخذ بأي أسباب القوة، في الوقت تكون حلالاً لأعداء الله اليهود، ويكفي أن نعلم ذلك في قضية هذه الصواريخ البسيطة التي من أجلها أقامت أمريكا الدنيا ولم تقعدها، وواضح أنها كانت صفقة مع كوريا الشمالية، ولكن أمريكا لم تستح من أن تعلن أنها ستفرض عقوبات اقتصادية على مصر بسبب شرائها هذه الصواريخ، ومع ذلك فقد تكفلوا بأن يحتفظوا بالتفوق العسكري لليهود لعنهم الله سبحانه وتعالى. فالشاهد من هذا الكلام: أن التخلف الذي نحن فيه هو تخلف مفروض علينا في جزء كبير منه.
إعراض المسلمين عن الدين هو سبب حرمانهم من التمكين
إعراض المسلمين عن الدين هو سبب حرمانهم من التمكين هذا في هذه الناحية من نواحي النهضة المادية، وأما من ناحية أسباب التقدم والتمكين في الأرض فهي موجودة في أمة المسلمين، ولكننا مع هذه الكثرة غثاء كغثاء السيل؛ فمع هذه الكثرة توجد فينا آفات هي السبب في تخلفنا، وأعظمها على الإطلاق هو أننا نبذنا هذا الدين الذي هو سبب عزنا وراءنا ظهرياً، وليس نبذاً فحسب، بل نحن نحاربه، بل نحن ليل نهار نسلط أعداء الله من العلمانيين والزنادقة ليطفئوا نور الله عز وجل، ويشككوا الناس في الدين، ويلهوا الشباب بالشهوات وبالفتن والشبهات. فبذنوبنا دامت بليتنا، والله يكشفها إذا تبنا، فالقرآن يدلنا على دائنا ويدلنا على دوائنا، فداؤنا راجع إلى أنفسنا، أما دواؤنا فهو في هذا القرآن، كما قال عز وجل: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10]، وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى، ليس لأننا أحقر الأمم، فقد شرفنا الله بالإسلام؛ لكننا نبذنا هذا الإسلام، وطلبنا العزة في غيره. فإذاً: هل من رفعه الله سبحانه وتعالى بالقرآن يستوي مع من لم يرفعه بالقرآن؟ فمن امتن الله عليه بالقرآن وباللغة العربية وبالإسلام وبالتوحيد ومع ذلك رفض النعمة، فلابد أن تكون عقوبته أشد، وتلك سنة الله سبحانه وتعالى التي لا تتبدل، وقانون من قوانين الله سبحانه وتعالى في الكون، وسنة من سننه، وهي التي عبر عنها أمير المؤمنين بقوله: لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. فهذا قانون، فكلما بحثنا عن العزة في غير الإسلام فلابد أن تكون العاقبة هي عاقبة الذل بكل ما تحويه كلمة الذل من معانٍ، فكلما أردنا أن نبتغي العزة في الاشتراكية وفي الرأسمالية والتبعية للغرب، أو في التطبيع مع اليهود؛ أذلنا الله! فما لم نعد إلى الإسلام فلن نحصد سوى الذل، وهذا أمر مقطوع به، وتؤيده النصوص الشرعية، وتؤيده الوقائع التاريخية الماضية والحاضرة، المستقبلة وإن شاء الله أيضاً، وذلك ما لم نعد إلى الله سبحانه وتعالى. يقول قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله تعالى في هذه الآية: كان هذا الحي من العرب أذل الناس، وأشقاه عيشاً، وأجوعه بطوناً، وأعراه جلوداً، وأثبته ضلالاً. أي: أنهم كانوا في ضلال وذل وضياع في كل مجال من المجالات، ولم يرفع عنهم ذلك إلا بالإسلام، فبعد ما كانوا بهذه الصورة المذكورة في هذا الأثر عن قتادة أعزهم الله بالإسلام، وحققوا الإسلام، وانتصروا للإسلام، ورفعوا رايته، فمكنهم الله سبحانه وتعالى من أقوى إمبراطوريتين على ظهر الأرض في ذلك الوقت، وهما الروم وفارس، وفي أقل من نصف قرن امتدت الدولة الإسلامية من المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهندي، أي: ما بين الهند والصين شرقاً إلى المغرب غرباً، وهذا البطل الإسلامي الفاتح يقف على أقصى غرب ما كان يعرف بالعالم القديم وهي بلاد المغرب، ويخوض بفرسه في المحيط الأطلسي ويقول: والله لو أعلم أن وراء هذا البحر أرضاً لغزوتها في سبيل الله تبارك وتعالى. يقول قتادة: والله ما نعلم قبيلاً من حاضر أهل الأرض يومئذٍ كانوا أشر منزلاً منهم؛ حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكاً على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه؛ فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7]، فإذا شكرنا نعمة الله سبحانه وتعالى بإقامة الإسلام، وإقامة حدود الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الله سبحانه وتعالى يعطينا ما أعطى من قبلنا من السابقين الأولين، وإذا كفرنا بهذه النعمة عدنا إلى تأثير البيئة الأولى، وعدنا إلى الذل والهوان والضياع. يقول القاسمي رحمه الله تعالى بعد ما حكى قول قتادة: أن الأمر في العرب: وهذا وإن كان كما ذكر قتادة، لكن في تنزيل بعض ألفاظ الآيات عليه تكلف لا يخفى، فالظاهر ما ذكرنا. يعني: مع أن كلام قتادة حق، لكن الراجح هو أن الآية تختص بالمهاجرين الأولين، فقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال:26]، فحمل كلمة ((النَّاسُ)) على من عدا العرب من الأمم فيه تكلف، ولذلك فهو قول بعيد، والأقرب أن تحمل كلمة ((النَّاسُ)) على كفار مكة. وقوله: ((فَآوَاكُمْ)) يعني: إلى المدينة، وهذا أقرب، ((وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ)) في بدر، ((وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ)) بإباحة الغنائم لأول مرة، ((لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)).
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) ثم قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال:27]. لما ذكرهم تعالى بإسباغ نعمه عليهم ليشكروه، وكان من شكره الوقوف عند حدوده، بين لهم ما يحذر منها، فبين أن من شكره عز وجل الكف عن المعاصي والوقوف عند حدود الله عز وجل، ولذلك قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، ويدخل في خيانة الله تعطيل فرائضه، ومجاوزة حدوده، ويدخل في خيانة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم رفض سنته، وإفشاء سره للمشركين. وقوله: ((وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ)) من خيانة الأمانة الغلول من المغانم، وخيانة كل ما يؤتمن عليه الناس من مال أو أهل أو سر، وكل ما تعبدوا به. وقد روي في نزول الآيات شيء مما ذكرنا، ولفظ الآية مطلق يتناوله وغيره، ومن ذلك ما رواه سعيد بن منصور عن عبد الله بن أبي قتادة قال: نزلت في أبي لبابة رضي الله عنه حين حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة، وأمرهم أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، فاستشار بنو قريظة أبا لبابة في النزول على حكم سعد. وكان أهل أبي لبابة وأمواله فيهم. أي: كانت تجارته وأمواله وأولاده وأهله مع اليهود، وله مصالح عندهم. يعني: أشار إلى حلقه، يعني: أنه الذبح، قال أبو لبابة: (ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله عليه الصلاة والسلام). يعني: أنه ما تحول عن موضعه الذي كان فيه حتى أفاق إلى نفسه وانتبه، وعرف أنه بهذه الإشارة قد خان الله ورسوله؛ لأنه أفشى سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخان الأمانة، ثم حلف فوراً في الحال ألا يذوق ذواقاً حتى يموت أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى المسجد، فربط نفسه بسارية، فمكث أياماً حتى كان يخر مغشياً عليه من الجهد، ثم أنزل الله توبته، وحلف لا يحله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فحله، فقال: (يا رسول الله! إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة)، يعني: تكفيراً عن هذه المعصية، وشكراً لله أن تاب الله عليه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يجزيك الثلث أن تصدق به)، أي: لا تتصدق بكل مالك. قال بعض المفسرين: دل هذا السبب -سبب نزول الآية- على جواز إظهار الجزع على المعصية، أي: أنه يجوز للإنسان إذا وقع في معصية أن يظهر الجزع والتألم الشديد لهذه المعصية، وإتعاب النفس وتوبيخها، ويجوز أيضاً أن يعاقب الإنسان نفسه بأن يلزمها بما فيه مشقة عليها، توبيخاً لها على المعصية، والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أبي لبابة رضي الله تعالى عنه ما فعله بنفسه. ودل على أنه يستحب إتباع المعصية بالصدقة، فالإنسان إذا بدرت منه معصية وفرط منه ذنب فيستحب أن يبادر بأن يتبعه بالحسنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها)، بل كما قال الله عز وجل في سورة هود: {وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود:114]، فمن كفارة السيئات أن يتبعها الإنسان بأعمال صالحة، ومن هذه الحسنات الصدقة، كما في قصة أبي لبابة رضي الله تعالى عنه. وفي هذه الآية: نهي عن أي معصية، فأي معصية هي خيانة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فتضييع الزكاة خيانة لله والرسول وللأمانة، وتضييع الصلاة، وإطلاق البصر إلى الحرام، كل هذه تدخل في الخيانة؛ لأن الأمانة هي التكاليف الشرعية، كما قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ} [الأحزاب:72] إلى آخر الآية، فتضييع هذه الأمانات من الخيانة، كما أوضحت هذه الآية الكريمة. وفيها دليل على أن ذنب العالم أعظم من غيره؛ لقوله: ((وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ))، يعني: لا يستوي من علم أن هذا حرام مع من لم يعلم أن هذا حرام، فإذا قامت حجة الله سبحانه وتعالى عليك بالعلم والهدى من الوحيين الشريفين، فعليك أن تعمل بما علمت، وإلا فلو تجاسرت على انتهاك حدود الله سبحانه وتعالى، وارتكاب المعاصي وأنت تعلم، فالتوبيخ في حقك يكون أشد؛ لأن من يأتي المعصية عن علم ليس كمن يأتيها عن جهل. ففي قوله تعالى: ((لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) دليل على أن ذنب العالم أعظم من غيره؛ لأن المعنى: ((وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) أي: تعلمون تبعة ذلك ووباله.
تفسير قوله تعالى: (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم)
تفسير قوله تعالى: (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم) ثم قال عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال:28]. الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال والأولاد. فما الذي يدفع الناس إلى أن يسوغوا ما يرتكبونه من معاصٍ إلا الخوف على الأولاد والأهل؟ وما الذي يدفع المرتشي إلى الرشوة؟ يريد أن يرضي زوجته وينفق على أولاده. وما الذي يدفع الكذاب إلى الكذب؟ حب الأهل والأموال والأولاد. وما الذي يدفع إلى اقتحام الشبهات وتعاطي الشهوات؟ وما الذي يزين للناس هذه الخيانة التي نهي عنها في هذه الآية؟ إنه حب الأولاد وحب الأموال. قال الرازي: فلما كان الداعي إلى الإقدام على خيانة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هو حب الأموال والأولاد، نبه تعالى أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضارة المتولدة من ذلك الحب، فرب عدو يلبس ثياب الصدق، قال عز وجل: {لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال:27 - 28]. فقوله: ((فتنة)) يعني: محنة من الله سبحانه وتعالى ليبلوكم؛ لأننا في الدنيا في دار الابتلاء وفي دار الامتحان، والآخرة هي دار ظهور النتائج، فقد يخفى علينا حقيقة أو عاقبة ما نفعل من أعمال؛ لأننا مازلنا في دار الابتلاء والامتحان، ولذلك يختبرنا الله سبحانه وتعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35]. وكلمة (فتنة) مأخوذة من الفتن، يقال: هذا دينار فتين، أي دينار محروق، وذلك أن خام الذهب يكون مختلطاً بشوائب كثيرة جداً، ولذلك فإن بعض الأماكن قد يكون فيها ذهب، لكن تصنيع الذهب وتنقيته من الخامات يكلف أكثر من قيمة الذهب، فلذلك يعرضون عن محاولة استخراج الذهب من هذه الأماكن. فإذاً: المعدن الخام الذي تخالطه الشوائب إذا أردنا أن نستفيد منه، ونستخرج منه الذهب نصهره في الفرن؛ لأنه إذا صهر يتميز، قال عز وجل: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [الرعد:17]، فعملية صهر الذهب تسمى عملية الفتن، فالفتن هو: صهر الذهب الخام كي يتميز الذهب الخالص عن الشوائب التي تخالطه، ومن ذلك أخذت كلمة (الفتنة) في الشرع، كما قالوا في الإمام أحمد: إن أحمد أدخل الكير فخرج ذهباً أحمر. أي أن الإمام أحمد أدخل في فتنة القول بخلق القرآن فما زادته الفتنة إلا صلابة وإيماناً وثباتاً. فالفتنة هي اختبار، وهي كالفرن تماماً؛ لأن الله عز وجل يميز بها الخبيث من الطيب، فكل ما يعرض للإنسان من بلاء من أجل اختباره وامتحانه فهو فتنة، قال عز وجل: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2]، أي: دون أن يبتلوا ويمتحنوا. ومن هذه الفتن الأموال والأولاد، فحب المال والولد فتنة، بمعنى: أن العداوة عداوتان: عداوة ظاهره وعداوة باطنة، فالعداوة الظاهرة كالشخص الذي يكاشحك ويظهر لك العداوة، وهذا يقال له العدو الكاشح، فأنت تعرفه، وهناك عدو أخطر، وهو شخص تحبه، لكنه يفتنك، بمعنى: أنه بسبب حبه يصرفك عن حب الله ورسوله، ويوقعك في معصية الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن ثمَّ يفسد عليك دينك، فيلتقي في النتيجة التي تترتب على محبته مع العدو الظاهر؛ لأن هذا يؤذيك وهذا أيضاً يؤذيك في دينك. فلذلك قال الله سبحانه وتعالى: ((وَاعْلَمُوا))، وها اللفظ دليل للشعار الذي يرفعه الناس دائماً: اعرف عدوك. فإن الإنسان قد يكون له عدو شديد الإيذاء له وهو لا ينتبه لعداوته، كما قال عز وجل عن المنافقين: {لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال:60]، فلذلك حذرنا الله سبحانه وتعالى منهم؛ لأن العدو الخفي أشد في نكايته من العدو الظاهر؛ لأنك تتقي العدو الظاهر وتحذر منه. وهكذا عداوة الأهل والأولاد للإنسان من حيث إفساد دينه عليه، فلذلك نبه الله سبحانه وتعالى أن كثيراً من الناس لا يتفطنون لهذه العداوة، ولذلك صدرت الآية بقوله: ((وَاعْلَمُوا))؛ لأن كثيراً من الناس لا يعلمون، ولا يستحضرون أن الأموال والأولاد فتنة. فهذا من باب: اعرف عدوك، وكثير من الناس يتمادون في طاعة إبليس وهم لا يشعرون أنهم جنود لإبليس ومطيعون لإبليس، مع أن الله سبحانه وتعالى لخفاء هذه العداوة بيّن أننا لا نرى إبليس أمامنا عدواً، فقال: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف:27]، فبلا شك أن مثل هذا العدو خطير. فمثلاً: سمعنا كثيراً عن أسطورة وخرافة طاقية الإخفاء، فتخيل لو وجدت حرب بين المسلمين واليهود، وافترضنا -جدلاً- أن من لبس طاقية الإخفاء اختفى، فأي نكاية يمكن أن يحدثها هذا باليهود، فإنه يدخل في صفوفهم دون أن يروه، ويفعل بهم ما يفعل وهم لا يرونه، فتكون النكاية شديدة؛ لأنهم لن يستطيعوا أن يصلوا إليه. فاستحضر أنت إذاً أن هذا العدو الخفي لابس طاقية إخفاء، والله سبحانه وتعالى قد حكم وقضى فقال: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف:27]، فانظر إلى إبليس وجنوده إلى أي مدىً يستطيعون أن يوقعوا الأذى بالإنسان، فمن رحمة الله سبحانه وتعالى ومن بركة الوحي الذي أنزله أن أعلمنا بعداوته، فهو عدو لا نراه، ولكنه شديد العداوة لنا، وإن أي عدو آخر يمكن أن تعقد معه عقداً للمصالحة، أو تحسن إليه، فالإحسان له أثر، كما قال الله سبحانه وتعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34]. وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن علينا معشر المؤمنين أن نيأس من أن يكون هذا الحال هو حالنا مع إبليس، فلا يوجد سبيل على الإطلاق للصلح مع إبليس، ولا يمكن عقد مهادنة معه ولا مصالحة، فالإحسان إليه لا يمكن أن يؤثر فيه، بل يزيده عداوة وحسداً، فبين الله سبحانه وتعالى أن مثل هذا العدو لا يوجد حل معه سوى أن نتخذه عدواً، فقال عز وجل: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} [فاطر:6]، وقال: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف:50]؛ لأنه عدو خفي. ومن الأعداء الأخفياء: الأهل والأموال والأولاد، فالولد في الظاهر هو ثمرة فؤادك وفلذة كبدك، لكنه إذا فتنك عن الدين وكان سبباً في ركوب الشبهات والمحرمات وخيانة الله ورسوله فإنه عدو، كما فعل أبو لبابة رضي الله عنه؛ فإنه كانت له مصالح عند اليهود؛ حيث كان عندهم الأولاد والأموال، فخشي عليهم، وكما فعل حاطب بن أبي بلتعة في القصة المعروفة، فهذه عداوة خفية، وهي شديدة النكاية؛ لأنها غير ظاهرة، وأغلب الناس لا يلتفتون إليها، فأحدهم يعتبر أن هذا عذر مقبول، وأنه حين يقبل الرشوة سوف يؤكل الأولاد، فبسبب ذلك يقبل الرشوة، ويسافر إلى بلاد الكفار، ويقول: سوف نأتي بمال ليأكل الأولاد منه، وأنا سوف آتي بمال وأثمره. ويغفل عن أن هذا المسوغ الذي يذكره قد حذرنا الله سبحانه وتعالى من أن نضعه في اعتبارنا حينما قال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال:28]. فقوله: ((فِتْنَةٌ)) يعني: محنة من الله، ليبلوكم هل تقعون بهما في الخيانة أو تتركون لهما الاستجابة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، أو لا تلهون بهما عن ذكره، فسموا فتنة اعتباراً بما ينال الإنسان من الاختبار بهم. ويجوز أن يراد بالفتنة: الإثم والعذاب. وذلك باعتبار أن الأولاد والأموال سبب لحصول العذاب إن أدوا إلى خيانة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال الحاكم: قد أمر الله بالعلم بذلك. يعني: أن هذه الحقيقة أمرنا الله بأن نعلمها، وأنها مما ينبغي أن نتعلمه، ونتنبه له، ونتفطن إليه. فكيف نحصل هذا العلم؟ نحصل هذا العلم بالتفكر في أحوالهما وزوالهما، ونعلم أن المال غادٍ ورائح، وضيف زائل، والأولاد كذلك، ولا ينفعك إلا عملك الصالح. فطريق العلم بما أمرنا الله بأن نعلمه في هذه الآية: ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ))، بالتفكر والتأمل في أحوالهما وزوالهما وقلة الانتفاع بهما، وكثرة الضرر منهما، وأنه قد يعصى الله بسببهما، صحيح أن هناك محبة فطرية للمال وللأولاد، لكن هذه المحبة إذا كانت على حساب الدين فهي تتحول إلى فتنة وإلى سبب من أسباب العذاب. وقوله سبحانه: ((وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)) يعني: لمن آثر رضاه على جمع المال وحب الولد، فلم يورط نفسه من أجلهما، وقد جاء التحذير من فتنتهما صراحة، في قوله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون:9]، قيل: هذه الآية من جملة ما نزل في أبي لبابة وما فرط منه لأجل ماله وولده.
تفسير قوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا)
تفسير قوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً) نهانا الله تعالى عن خيانة الله ورسوله، ثم حذرنا من فتنة الأموال والأولاد، ثم بشر من يحصن نفسه من هذه الفتنة، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال:29]. قال المهايمي: أشار تعالى إلى أن من ترك الخيانة واستجاب لله أنه لا ينبغي أن يخاف على أهله وماله وعرضه. فالله عز وجل قال: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24]، ثم بعد ذلك قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، ثم قال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}، ثم بشر من ترك الخيانة واستجاب لله أنه لا ينبغي أن يخاف على أهله وماله وعرضه، فأنت إذا تركت الرشوة -مثلاً- أو تركت الشبهات، مع أنك تريد المال لتثميره ولحاجات أولادك، اتقاء لله وخوفاً من عذابه، فلا تظنن أن الله يضيعك، بل أبشر إذا نجحت في هذه الفتنة بما ذكره هنا: ((إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ))، يعني: بعدم الخيانة ((يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)). فلا تخافوا على أهل ولا مال ولا عرض كما خاف أبو لبابة، فإن من اتقاه تعالى لم يجترئ أحد على أهله وحوزته؛ لأنه يؤتى فرقاناً يفارق به سائر الناس من المهابة والإعزاز؛ لأنك إذا حققت تقوى الله سبحانه وتعالى فإن نور التقوى يضيء على أركانك وعلى كيانك، بحيث ينزل الله عليك من المهابة ومن عزة الإيمان والتقوى ما يجعل أعداءك يحجمون عن أذيتك. وقيل: إن معنى قوله: ((فُرْقَانًا)) أي: نصراً. فعلى التفسير الأول يعطيك مهابة وإعزازاً تتميز به عن غيرك، فلا يجترئ أحد عليك أو على أهلك وولدك، وعلى التفسير الثاني يعطيك نصراً؛ ومن كان معه فرقان فإنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال حزبه والإسلام بإعزاز أهله، ومنه قوله تعالى: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ} [الأنفال:41]، يعني: يوم النصر. وقيل: إن معنى قوله: ((يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا)) يعني: بياناً وظهوراً يشهر أمركم، ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض، من قولهم: بت أفعل كذا حتى طلع الفرقان. يعني: حتى طلع الفجر. وقيل: إن معنى قوله: ((يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا)) أي: فصلاً بين الحق والباطل، ومخرجاً من الشبهات، على أن الفرقان هنا مخرج علمي، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد:28]. ولذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إذا استغلقت عليه مسألة من مسائل الفقه يبادر إلى المساجد العتيقة، ويترب وجهه بالسجود لله سبحانه وتعالى ويقول: يا معلم إبراهيم علمني، يا مفهم سليمان فهمني. فيبادر إلى التقوى، وإلى التذلل، وإلى إرضاء الله سبحانه وتعالى، فيفتح الله عليه ما انغلق من المسائل، وكان أحياناً يكثر من الاستغفار، فيفتح الله عليه بإجابة هذه المسائل. إذاً: هذا مخرج ليس إلا لأهل الإيمان، فأنت كلما ضاق عليك الأمر في تحقيق التقوى كوفئت في الجانب الآخر، بأن يجعل الله لك مخرجاً، كما قال عز وجل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} [الطلاق:2]، وإذا لم يجعل لك مخرجاً فارجع وابحث؛ فأنت لم تتق الله، وعندك خلل هو السبب في عدم حصول المخرج؛ لأن وعد الله لا يخلف. ولذلك نقول: إن هذه الآية هي الدليل الصحيح لهذا المعنى الذي ذكرنا، ويخطئ بعض الناس في الاستدلال لهذه المسألة بقوله تبارك وتعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ} [البقرة:282]، حيث يشيع الاستدلال على ألسنة كثير من الخطباء والناس على أن التقوى سبب في حصول العلم، وهي حقيقة صحيحة، فالتقوى سبب حصوله، لكن المناقشة هنا ليست في المدلول، فنحن متفقون على المدلول، وإنما المناقشة في الدليل، هل يدل على ذلك أم يدل على أمر آخر؟ فلو كانت هذه الآية: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة:282] كما يقولون لجزم الفعل (يعلمْكم) وحذف الواو، كما تقول: كل تسمنْ، ذاكر تنجحْ، اتق الله يعلمْك الله، فالفعل الذي يقع في جواب الأمر يكون مجزوماً. لكن هذه الحقيقة نفسها ثابتة، فإن التقوى سبب من أسباب حصول البصيرة والعلم. وليس دليلها قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة:282]، وإنما دليلها قوله تعالى هنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}، أي: نوراً وبصيرة وعلماً تميزون به بين الحق والباطل، ولذلك كلما ازداد الإنسان في التقوى وفي العلم زال عنه الاشتباه في كثير في الأمور، وكلما زاد علم الإنسان نتيجة التقوى كلما كان عنده بصيرة وتسديد، فلا تختلط عليه الأشياء، فالحلال يكون واضحاً والحرام واضحاً، والشبهات كثيراً ما تكون بسبب الجهل، ولهذا من كان عنده علم فإن الأمور تتضح له اتضاحاً جلياً، فعنده فرقان يفرق به بين الحق والباطل، ولا تلتبس عليه الأمور، وإنما تلتبس على من قل حظه من العلم والبصيرة اللذين ينتجان عن التقوى. وكذلك يدل على هذه الحقيقة قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2 - 3]؛ لأن المخرج لا يكون في المسائل المادية وفي قضية الرزق فقط، بل يكون أيضاً في المسائل العلمية في معرفة الشبه والبدع والضلالات والعقائد، وهذه الأشياء يجد الإنسان فيها مخرجاً بالنور الذي يهديه الله به إلى الحقائق في هذه المسائل. فقوله: ((يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا)) (فرقان) مصدر فرق، أي: فصل بين الشيئين، سواء كان بما يدركه البصر أو بما تدركه البصيرة، فالفرقان إما يتعلق بالبصر وإما بالبصيرة، فبالبصر كمعاينة النصر مثلاً أو النور، كما يقال: طلع الفرقان، أي طلع الفجر، أو الفرقان بمعنى: ما تدركه البصيرة وليس البصر، إلا أن الفرقان أبلغ من الفرق؛ لأنه يستعمل في الفرق بين الحق والباطل، وبين الحجة والشبهة.
تفسير قوله عز وجل: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك)
تفسير قوله عز وجل: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) ثم قال عز وجل: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30]. ذكَّر الله تعالى المؤمنين بنعمه عليهم عموماً بقوله تعالى: ((وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ))، فقال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، فذكَّر نبيه صلى الله عليه وسلم بنعمته عليه خاصة في حفظه من مكر قريش به؛ ليشكره تعالى في نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم، وذلك أن قريشاً لما أسلمت الأنصار، وأخذ نور الإسلام في الانتشار، فرقوا أن يتفاقم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة، وهي دار بناها قصي بن كلاب؛ ليصلح فيها بين قريش، ثم صارت لمشاورتهم، والندوة: هي الجماعة من القوم، وندى في مكان، أي: اجتمع فيه، ومنه النادي، يعني: مجتمع الناس. المهم أنهم اجتمعوا في دار الندوة ليتشاوروا في أمره صلى الله عليه وسلم، فقال أبو البختري بن هشام: رأيي أن تحبسوه في بيت، وتشدوا وثاقة، وتسدوا بابه غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها، وتتربصوا به ريب المنون، والمنون: الدهر، وريب المنون يعني: إلى أن يموت ويهلك، وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى: ((لِيُثْبِتُوكَ))، وقد استدل البعض على هذا بقوله تعالى في سورة الطور: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور:30]. فقوله: ((لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ)) هذا حصل قبل الهجرة مباشرة، كما يدل عليه سياق هذه القصة، وسورة الطور مما نزل قبل ذلك، فلا يصح أبداً أن تكون الآية: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور:30]، مقصود بها ما جاء في هذه القصة، فهذا من أسباب ضعفها. وقوله: ((لِيُثْبِتُوكَ)) يعني: ليحبسوك ويوثقوك؛ لأن كل من حبس شيئاً وربطه فقد جعله ثابتاً لا يقدر على الحركة. ثم اعترض رأي أبي البختري شيخ نجدي دخل معهم، ففي بعض الروايات: أن شيخاً أتى عليه مهابة ووقار فزعم أنه شيخ نجدي، وهم لا يعرفونه، فحضر معهم هذه المشورة، فلما اقترح بعضهم هذا الاقتراح الأول -وهو أن يحبسوه ويوثقوه- اعترض هذا الشيخ النجدي الذي كان هو إبليس، -إذا صحت هذه الرواية- فقال: بئس الرأي، يأتيكم من يقاتلكم من قومه، ويخلصه من أيديكم! أي: إذا حسبتموه فإن قبيلته لن تسكت، وسيأتون ويقاتلونكم ويخلصونه من أيديكم. ثم قال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل، وتخرجوه من بين أظهركم، فلا يضركم ما صنع. أي: ينفونه، وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى: ((أَوْ يُخْرِجُوكَ))، يعني: من مكة، فاعترض هذا الشيخ النجدي، فقال: بئس الرأي، يفسد قوماً غيركم، ويقاتلكم بهم. أي: إن أخرجتموه من بينكم ونفيتموه فسوف تنتشر دعوته في مكان آخر، فيتقوى بهؤلاء الذين يؤمنون به، ثم يعود إليكم فيهزمكم. فقال أبو جهل لعنه الله: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً، وتعطوه سيفاً، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا، وهذا ما ذكره تعالى بقوله: ((أَوْ يَقْتُلُوكَ)). ثم قال النجدي اللعين: صدق هذا الفتى، هو أجودكم رأياً، فتفرقوا على رأي أبي جهل مجمعين على قتله، فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره ألا يبيت في مضجعه، وأذن الله له بالهجرة، فأمر علياً فنام في مضجعه، وقال له: (اتشح ببردتي؛ فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه). ثم خرج صلى الله عليه وسلم، وأخذ قبضة من تراب، فأخذ الله بأبصارهم عنه، وجعل ينثر التراب على رءوسهم وهو يقرأ: {يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس:1 - 2] إلى قوله: {فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} [يس:9]، ومضى مع أبي بكر إلى الغار، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا ساروا إليه ليقتلوه، فرأوا علياً! فقالوا: أين صاحبك؟ فقال: لا أدري، فاتبعوا أثره، فلما بلغوا الغار رأوا نسج العنكبوت على بابه، فقالوا: لو دخله لم يبق لنسج العنكبوت أثر، فخيب الله سعيهم، وأبطل مكرهم، ثم مكث صلى الله عليه وسلم فيه ثلاثاً، ثم خرج إلى المدينة. وهذه القصة فيها كلام من حيث سندها، فموضوع العنكبوت والبيض والحمام وغير ذلك من الكلام المشهور ضعيف، والكلام في ضعف الحديث يصدم عواطف بعض الناس، ولكن ليس بأمانيكم، وإنما بحكم أهل الحديث وأهل الصنعة. وقوله: ((وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ)) أي: يدبر ما يبطل مكرهم. وقوله: ((وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ))، أي: أعظمهم تأثيراً، قاله المهايمي، وهو علي بن أحمد بن علي المهايمي ويقال المهائمي، توفي سنة (835هـ) وهو رجل هندي، كنيته أبو الحسن علاء الدين، ويعرف بلقب: المخدوم؛ لأنه يكثر ذكره في تضاعيف التفسير، فلذلك نذكر عنه هذه الثغرة، وهو من النوائف، والنوائف: قوم في بلاد الدكن من الهند. قال الطبري: هم طائفة من قريش خرجوا من المدينة خوفاً من الحجاج بن يوسف الثقفي، فبلغوا ساحل الهند، وسكنوا فيه. وهو باحث مفسر، وللأسف الشديد كان يقول بوحدة الوجود! وولد وتوفي في الهند في مكان اسمه مهائم، وذلك نسب المهايمي أو المهائمي، وهي بلده مجاورة للبحر المحيط أو على حدوده، له مصنفات عربية نفيسة، منها: تفسير الرحمن، وتيسير المنان ببعض ما يشير إلى إعجاز القرآن في مجلدين، ولعله هو الذي يستقي منه القاسمي دائماً، وله كتب في شرح فصوص الحكم وغير ذلك، لكن للأسف الشديد والأمر المؤلم أنه كان يقول بوحدة الوجود. يقول الله: ((وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ))، هذه الآية تشير إلى أن المتقي كما يجعل الله له فرقاناً يمنع من الاجتراء على أهله وماله وعرضه ظاهراً، يحفظه من مكر من مكر به، بل يمكر له على ماكره، قال سبحانه: ((إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ))، ثم أشار في الآية التي تليها إلى أن لا تخش الناس؛ فمن مكر بك مكر الله به، وأبطل كيده الذي يكيدك به.
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا)
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا) أخبر تعالى عن كفار قريش وعتوهم وتمردهم، ودعواهم الباطلة عند سماع آياته تعالى، فقال عز وجل: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [الأنفال:31]. قوله: ((وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا)) يعني: هذا الكلام ليس جديداً علينا؛ فقد سمعنا مثل هذا القرآن. وقوله: ((لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا)) أي: مثل هذا القرآن المتلو، وهذه غاية المكابرة ونهاية العناد؛ لأن الكافر يتحلى بصفة الغباء والإيغال في هذا الغباء، ومثال ذلك فرعون؛ فإن الواقع كان يكذبه تماماً ومع ذلك كان لا يستحي من المكابرة. ومثال ذلك أيضاً المسيح الدجال الذي يخرج بهذه الأشياء التي يفعلها، ويدعي أنه هو الله سبحانه وتعالى، مع أن شكله الظاهر يثبت للناس كذبه، فإنه: أولاً: أعور العين، كما قال عليه الصلاة والسلام: (كأن عينه عنبة طافية)، وجاء في الحديث: (وإن الله ليس بأعور)، ومعاذ الله أن يشبه الله بخلقه، لكن المقصود أن العور عيب ظاهر، وهل الخالق الذي أعطى الخلق هذا الجمال الذي وزعه فيهم يعجز عن أن يجمل نفسه؟! نحن نتكلم من حيث الرد على المسيح الدجال، فهو أعور العين ويدعي أنه هو الله! لو كان هو الله -جدلاً- لدفع هذا العيب الخلقي عن نفسه. ثانياً: أن المؤمن يقرأ على جبين المسيح الدجال كلمة (ك، ف، ر)، حتى المؤمن الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة، وكذلك فرعون عيي غبي جاهل ركيك، ومع ذلك يقول: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف:52]، فيصف موسى الذي هو أفصح الفصحاء أنه يحسن الكلام، ويقول: أنا الخطيب، ويقول: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف:52]. ففرعون مع الدلائل الواضحة على هزيمته وضعفه وخيبته وقصوره البشري يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، ويقول: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38]، بل إن هذا الكبر والاستنكاف إنما قاله بعد ظهور الآيات التي تفضح كذبه، وتؤيد صدق موسى عليه السلام, ومع هذا يصل به الأمر إلى أن يتبع موسى وبني إسرائيل داخل البحر، مع أنه يرى هذه الآية! فالكافر دائماً يتحلى بالغباء، وممكن أن يكون عنده قدر من الذكاء، لكن يغلب عليه الغباء، وعمى البصيرة، فما عنده نور البصيرة ولا نور الإيمان. فكذلك هؤلاء الذين يتكلمون هنا، كما قص الله سبحانه وتعالى خبرهم في هذه الآية: ((وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا))، فهذه غاية المكابرة ونهاية العناد؛ لأن القرآن الكريم يتحداهم من بداية الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة، وإلى نهاية البعثة المحمدية والقرآن الكريم يتحدى هؤلاء المشركين الذين كانوا أفصح العرب على الإطلاق وأفصح الأمم، ولكن لم يستجب واحد منهم لهذا التحدي، وكل من تجاسر وحاول أن يستجيب للتحدي أتى بكلام يضحك منه العقلاء: الفيل ما الفيل، ذو ذنب قصير، وخرطوم طويل إلى غير ذلك من السخافات التي إذا سمعها الإنسان لم يتماسك من الضحك والاستهزاء بها. فهذا منهم أيضاً من باب المكابرة، فهم مهزومون، والقرآن يتحداهم ليل نهار، ثم يقول أحدهم: أنا لو أريد أن أكتب مثل القرآن لفعلت، فهذه غاية المكابرة والعناد، كيف لا، ولو استطاعوا شيئاً من ذلك فما الذي كان يمنعهم من أن يشاءوا ويفعلوا وقد تحدوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله؟ وليس هذا فحسب، بل قال عز وجل: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:23]، فانظر التحدي والإعجاز، ثم قال: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [البقرة:24]. فقد كانت هذه فرصة حتى يثبتوا كذب الرسول عليه السلام، لكنهم لم يفعلوا وهذه من أوضح أدلة إعجاز القرآن الكريم، فإنه ذكر عجزهم عن فعل ذلك حتى في المستقبل، فلا شك أنهم لو قدروا على ذلك لاستجابوا للتحدي، لكن وقع ما أخبر الله سبحانه وتعالى به، فكان أعظم آية على أن القرآن كلام الله عز وجل. يقول: فما الذي كان يمنعهم من المشيئة وقد تحدوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله، وقُرِّعوا على العجز، وذاقوا من ذلك الأمرين، ثم قورعوا بالسيف، فلم يعارضوا بما سواه مع فرط أنفتهم واستنكافهم أن يغلبوا، خصوصاً في باب البيان الذي هم فرسانه المالكون لأزمته، وغاية اجتهادهم به، أي: بالبيان والبلاغة والفصاحة، ومع ذلك عجزوا. وقوله: ((إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)) أي: ما سطروه وكتبوه من القصص، فالقرآن هذا -في زعمهم- عبارة عن أساطير الأولين، كما يحاول كثير من المنصرين إشاعة أن القرآن عبارة عن قصص مؤلفة عن التوراة والإنجيل، وهذا كذب صراح، ولا يقوله إلا إنسان جاهل جهلاً فاحشاً؛ لأن القصص القرآني مهيمن على ما عداه، فالقرآن لا يحاكي أبداً في قصصه ما وجد في التوراة والإنجيل، وإنماهو مهيمن ومصحح لما افتراه اليهود والنصارى على الله سبحانه وتعالى، وما افتروه على أنبياء الله، فالقرآن ليس محاكياً، وإنما هو مهيمن على ما سبقه من الكتب. وقوله: ((أَسَاطِيرُ)) جمع لا واحد له، وقيل: هو جمع أسطر وسطور وأسطار، وهي جموع سطر، وكأنه جمع الجمع، وقيل: هو جمع أسطورة، كأحدوثة، والأصل في السطر الخط والكتابة، يقال: سطر، أي: كتب، ويطلق على السطر من الشيء، كالكتاب والشجر. وقوله: ((قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ))، روي أن قائله النضر بن الحارث بن كلدة، وأنه كان قد ذهب إلى بلاد فارس، وجاء منها بنسخة حديث رستم واسفنديار ولما قدم ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه الله، وهو يتلو على الناس ما قصه الله تعالى من أحاديث القرون، قال: لو شئت لقلت مثل هذا، فزعم أنه مثل الأساطير التي أتى بها من هناك، وكان عليه الصلاة والسلام إذا قام من مجلس جلس فيه النضر فحدثهم من متلقفاته، ثم يقول: بالله أينا أحسن قصصاً أنا أو محمد وقد أمكن الله تعالى منه يوم بدر، وأسره المقداد، ثم أمر صلى الله عليه وسلم به فضربت عنقه. وإذا صح هذا الأثر الذي فيه أن قائل ذلك هو النضر بن الحارث، فاللفظ الكريم فيه نسبة الكلام إلى المجموع لا إلى واحد، وإسناد قوله إلى الجميع، إما لرضا الباقين به، أو لأن قائله كبير متبع، فهو رمز لمن يتبعونه. وقد كان اللعين قاصهم الذي يعلمهم الباطل ويقودهم إليه ويغرهم بمثل هذه الجعجعة.
تفسير قوله تعالى: (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء)
تفسير قوله تعالى: (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) ثم قال تعالى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32]. هذا أسلوب من الجحود بليغ، وهو غاية في الجحود، وأيضاً كما قلنا: فيه غاية الغباء وضعف العقل بالنسبة للكفار؛ لأنهم عدوا أحقية القرآن محالاً؛ فنتيجة الإيغال في الجحود قطعوا بأن القرآن مستحيل أن يكون حقاً؛ بدليل أنهم علقوا على أحقية القرآن أن ينزل الله عليهم العذاب، والمعنى: إن كان هذا القرآن حقاً منزلاً فعاقبنا على إنكاره بالسجيل، كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر. وفي إطلاقهم الحق عليه: ((إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ)) ليسوا مفوضين الأمر لله، وإنما هذا تهكم، فهم وصفوا القرآن بأنه حق من باب التهكم بمن يقول ذلك، سواء كان النبي صلى الله عليه وسلم أو المؤمنين. وقوله: ((إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ))، ليست هذه صيغة دعاء، لأن الداعي بإخلاص يقول: يا رب! إن كان هذا هو الحق فاهدني إليه، لكن قولهم: (إن كان هذا هو الحق من عندك) تهكم واستهزاء بمن يزعم أن القرآن حق. ونفهم من كلمة (أمطر) أنها تأتي من السماء؛ لأن الإمطار لا يأتي إلا من السماء، فما فائدة قوله عز وجل: ((مِنَ السَّمَاءِ))؟ A كأن القائل يريد أن يقول: فأمطر علينا السجيل، وهي الحجارة المسومة للعذاب، فوضع حجارة من السماء موضع سجيل، يعني: أن كلمة (حجارة من السماء) تساوي سجيل. والمعروف أن السجيل: عبارة عن حجارة مسومة للمعذبين تمطر من السماء، كما تقول: صب عليه مسرودة من حديد، وأنت تريد درعاً، فبدل كلمة درع تقول: مسرودة من حديد، من قوله عز وجل: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ:11]، أي: الدرع. وقوله: ((أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)) يعني: إما أن تمطر علينا حجارة من السماء، أو تأتينا بعذاب أليم من نوع آخر، أو هو من عطف العام على الخاص. وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! فقال: أجهل من قومي قومك -يعني: الذين كنت تنسب إليهم قبل الإسلام- حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الحق: ((إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ))، ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا إليه. أي: الذي هو الأصلح لهم، ولا يخفى أنه يوجد فرق بين القولين، بين القول: إنه تهكم، وبين القول: إنه دعاء. والذي اعتمده القاسمي أن وصفهم القرآن بالحق نوع من التهكم، فقولهم: (إن كان هذا هو الحق من عندك) يعني: كما يزعم محمد وأصحابه (فأمطر علينا حجارة من السماء)؛ فلتمكنهم من الجحود علقوا نزول الحجارة على أن يكون القرآن حقاً، والمعروف أن العاقل لا يطلب أن ينزل عليه العذاب أو الحجارة من السماء. وهذه الآية كقوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمْ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت:53]، وكقوله عز وجل: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص:16]، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} [المعارج:1]، أي: أنه يطلب أن ينزل عليه العذاب بسرعة. {لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} [المعارج:2 - 3]، وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة، كما قال قوم شعيب: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ} [الشعراء:187]. وعن عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير أن قائل ذلك النضر بن الحارث. قال عطاء: لقد أنزل في النضر بضع عشرة آية، فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر. يعني: هو الذي قال: ((قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ))، وأيضاً قال تبارك وتعالى: ((قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ))، وعلى القول بأنه النضر فقد أجاب الله دعاءه، وأتاه ما سأله من العذاب يوم بدر. وروى البخاري عن أنس أن قائل ذلك أبو جهل. أي: أنه هو الذي قال: ((إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ)).
تفسير قوله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم)
تفسير قوله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) ثم قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33]. وهنا يبين موجب إمهالهم، فإنهم استفتحوا وطلبوا العذاب، وقالوا: ((اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ))، والواقع أن القرآن هو الحق من عند الله، فما الذي أوجب أن يمهلهم الله ولا يمطر عليهم حجارة من السماء أو يأتيهم بالعذاب الأليم؟! A هو كرامة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن ينزل العذاب وهو في وسطهم. ففي قوله: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ))، بيان للموجب لإمهالهم، وعدم إجابة دعائهم. واللام في قوله: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ)) لتأكيد النفي، وفي هذا دلالة على أن تعذيبهم والنبي بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة، فحكمة الله تقتضي حصول الفصال قبل نزول العذاب، كما حصل للأنبياء عموماً؛ حيث كان يأمرهم الله سبحانه وتعالى بأن يزايلوا قومهم، وأن يفارقوا قومهم، فسنة الله سبحانه وتعالى وحكمته ألا يعذب أمة ونبيها بين ظهرانيها؛ لأنه لو نزل العذاب في مكانهم لأصاب كل من كان فيه. وتشعر هذه الآية بأن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا انفصل عنهم وتركهم فحينئذ ينزل عليهم العذاب. وقوله تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ))، ذكروا فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن المراد استغفار من بقي بين أظهرهم من المسلمين المستضعفين. قال الطيبي: وهذا الوجه أبلغ؛ لدلالته على أن استغفار الغير مما يدفع به العذاب عن أمثال هؤلاء الكفرة. وهذا معنىً لطيف جداً، فقوله تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ))، أي: المشركين ((وَهُمْ)) أي المؤمنون ((يَسْتَغْفِرُونَ)) فالضمير (هم) لا يعود على المشركين، وإنما يعود على المؤمنين المستضعفين الذين كانوا موجودين بين ظهرانيهم، فهذا الوجه سر بلاغته أن فيه دلالة على أن بركة المؤمن متعدية، حتى إنها لتطال من يستحق نزول العذاب، فوجود الصالحين يكون مانعاً من نزول العذاب. الوجه الثاني: أن المراد به: دعاء الكفرة بالمغفرة؛ لأنهم كانوا في الطواف يقولون: غفرانك غفرانك، كما رواه ابن أبي حاتم، فيكون مجرد طلب المغفرة منه تعالى مانعاً من عذابه ولو من الكفرة. الوجه الثالث: أن المراد بالاستغفار التوبة والرجوع عن جميع ما هم عليه من الكفر وغيره، فيكون القيد منفياً في هذا. فقوله: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)) يعني: أن المقصود من الاستغفار: التوبة، والتوبة ينبغي أن تكون من الكفر، كما قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا} [الأنفال:38] يعني: بالتوبة {يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:38]، وقال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ} [التوبة:5] يعني: تابوا إلى الإسلام والتوحيد. قال القاشاني: العذاب ثورة الغضب وأثره، فلا يكون إلا من غضب النبي أو من غضب الله المسبب من ذنوب الأمة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان صورة الرحمة، والله تعالى قال في شأنه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، فلهذا لما كسروا رباعيته قال: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)، ولم يغضب كما غضب نوح عليه السلام: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} [نوح:26]، فوجوده فيهم مانع من نزول العذاب، فهو رحمة حتى على الكفار، وكذا وجود الاستغفار، فإن السبب الأولي للعذاب لما كان وجود الذنب، فالاستغفار مانع من تراكم الذنب وثباته، بل الاستغفار يوجب زواله، فلا يتسبب لغضب الله، فما دام الاستغفار فيهم فهم لا يعذبون. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنزل الله علي أمانين لأمتي: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ))، فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة). وعلى أي الأحوال يقول: ابن كثير: يشهد لها ما رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك! لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله تعالى: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني)، وروى الإمام أحمد عن فضالة بن عبيد عن النبي صلى عليه وسلم أنه قال: (العبد آمن من عذاب الله عز وجل ما استغفر الله). ثم بين تعالى أنهم أهل للعذاب لولا المانع المتقدم، فالله سبحانه وتعالى قال: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ)) وفي هذا تأمينهم من نزول العذاب الذي استفتحوا وطلبوه. فالأمة كان فيها أمانان لنزول العذاب: الأمان الأول: وجود الرسول عليه السلام الذي هو رحمة للعالمين. الأمان الثاني: فإذا مضى الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ربه بقي الأمان الآخر الذي ينبغي لنا جميعاً أن نتشبث به، وهو كثرة الاستغفار؛ لقوله عز وجل: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)).
تفسير قوله تعالى: (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام)
تفسير قوله تعالى: (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام) ثم بين تعالى أنه لولا هذا المانع -وهو الاستغفار أو وجود الرسول عليه السلام بين ظهرانيهم- لنزل عليهم العذاب؛ لأنهم أهل لأن يعذبوا، فقال: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الأنفال:34]. قوله: ((وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ))، أي: كيف لا يعذبون وهم أهل للعذاب؟ وإنما منع العذاب منهم ما ذكرنا. وقوله: ((وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ))، يعني: أي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم وحالهم الصد عن المسجد الحرام، كما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، ومن صدهم عنه إلجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى الهجرة، ولاشك أن هذا صد للمؤمنين وللنبي عن المسجد الحرام. قال القاشاني: أي: ليس عدم نزول العذاب لعدم استحقاقهم لذلك بحسب أنفسهم، بل إنهم مستحقون بذواتهم لصدودهم وصدهم غيرهم، وعدم بقاء الخيرية فيهم، ولكن يمنعه وجودك ووجود المؤمنين المستغفرين معك فيهم. ثم قال: فهم ما داموا على الصورة الاجتماعية كان الخير فيهم غالباً، فلم يستحقوا الدمار بالعذاب، وأما إذا تفرقوا وتزيلوا فما بقي إلا شرهم خالصاً، فوجب تدميرهم، كما وقع في وقعة بدر، ومن هذا يظهر تحقيق المعنى في قوله تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً))؛ لغلبة الشر على المجموع حينئذٍ. وقوله تعالى: ((وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ))، رد لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت الحرام؛ نصد من شاء، وندخل من شاء. فالله سبحانه وتعالى يقول: ((وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ))، يعني: ما كانوا يستحقون ولاية المسجد الحرام، ((إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ)) أي: الذين يتقون الشرك، والله تعالى أعلم.
الأنفال [35 - 47]
تفسير سورة الأنفال [35 - 47]
تفسير قوله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية)
تفسير قوله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنفال:35]. هذه الآية وردت بعد قوله تبارك وتعالى: (وَإِذ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنفال:32 - 35] فكأن هذه الآية واردة في سياق بيان سبب استحقاقهم للعذاب. فقوله: ((وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)) هذا سبب لاستحقاقهم العذاب، وقوله: ((وما كان صلاتهم إلخ)) سبب آخر، أي: وما لهم ألا يعذبهم الله وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية، فتكون الجملة معطوفة على قوله: ((وهم يصدون)). والمكاء هو التصفير، والتصدية هي التصفيق بالأكف، روى ابن أبي حاتم أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حكى فعلهم فصفر، وأمال خده، وصفق بيديه. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أيضاً قال: إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض، ويصفرون، ويصفقون. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، يصفرون، ويصفقون. وعن مجاهد: أنهم كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته. يعني: أن بعض كفار قريش كانوا يصفرون ويصفقون؛ حتى يشوشوا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي عند المسجد الحرام. وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين. يعنى: بدل أن يصلوا لله عند المسجد الحرام كانوا يفعلون هذه الأفاعيل ليؤذوا المؤمنين. فإذاً: تكون هذه الجملة معطوفة على قوله تعالى: ((وَهُمْ يَصُدُّونَ))، في سياق تقرير استحقاقهم العذاب، أو تكون معطوفة على قوله تعالى: ((وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ)). وعلى هذا تكون تقريراً وبياناً لأسباب عدم استحقاقهم ولاية البيت الحرام. وقوله: ((وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ))، أي: لأنهم ليسوا من المتقين، ولأن صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، فمن ثمَّ لا يستحقون ولاية المسجد الحرام. قال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه هذا الكلام؟ قلت: هو نحو من قول الفرزدق: وما كنت أخشى أن يكون عطاؤه أداهم سوداً أو محدرجة سمراً فـ (أخشى) هنا بمعنى: أعلم؛ فالخشية تطلق على العلم كثيراً؛ لأن العلم سببه الخشية. فقوله: (وما كنت أخشى) يعني: ما كنت أعلم أن يكون عطاؤه أداهم سوداً أو محدرجة سمراً. والأداهم: جمع أدهم، وهي الحيات السود، لكن المقصود هنا القيود، وكأنه يقول: بدل أن يكافئني أعطاني القيود وأوثقني. والمحدرجة السمر هي السياط، أي: جلدني وقيدني بدل أن يعطيني عطاءً ويهبني هبة. وكذلك هؤلاء بدل أن يصلوا لله حول الكعبة بالركوع والسجود والتسبيح، إذا بهم جعلوا صلاتهم التصفير والمكاء والتصدية، فقول الفرزدق: وما كنت أخشى أن يكون عطاؤه أداهم سوداً أو محدرجة سمراً والمعنى: أنه وضع القيود والسياط موضع العطاء، وكفار قريش وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة، فهذا من نفس هذا الباب، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء، وهم مشبكون بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، وكانوا يفعلون ذلك إذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته؛ لكي يخلطوا عليه. قوله تعالى: ((فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ))، أي: بسبب كفركم اعتقاداً وعملاً، وفيه إشعار بأن هذا الفعل المبطل لحرمة البيت والذي فيه استهزاء بالكعبة وبالصلاة وبالمؤمنين كفر؛ لأنه عقب قوله تعالى: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية)) بقوله: ((فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون)). ولا يفهم من هذا أن المكاء والتصدية يمكن أن تكون صلاة أو يمكن أن تكون عبادة يتقرب بها إلى الله، وإنما المقصود ذم التشويش على المصلين أو السخرية والاستهزاء؛ ولذلك قال: ((فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ))، وهذا فيه إشعار بأن هذا الفعل كفر؛ لأنه استهانة بشعائر الله سبحانه وتعالى وسخرية بها. والعذاب المذكور هو ما أصابهم يوم بدر من القتل ومن السبي، كما قاله غير واحد من السلف، واختاره إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى. قال الإمام الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: المتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق المخلطون به على أهل الصلاة والذكر والقراءة أشباه هؤلاء المشركين. ومن خصائص الصوفية أنهم وضعوا ما يسمونه ذكراً وليس ذكراً، إنما هو غفلة عن الله سبحانه وتعالى، ونسيان له وليس ذكراً، وإلا فهذا كان شأن المشركين، وهاهو القرآن الكريم يعاتبهم على ذلك.
حكم الغناء وذكر تحريمه من القرآن الكريم
حكم الغناء وذكر تحريمه من القرآن الكريم وهذه الآية أحد أربعة مواضع في القرآن الكريم تكلم المفسرون -خاصة من يميلون إلى الاستفاضة في البحوث المتعلقة بالآيات- عندها عن المعازف والغناء وما إلى ذلك. والثانية قوله تعالى في سورة لقمان: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} [لقمان:6]. والثالثة قوله تعالى في سورة الإسراء: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء:64]، وصوت الشيطان هو المزامير والأغاني والموسيقى. والرابعة قوله تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} [النجم:59 - 61] والسموء بلغة حمير هو الغناء. وموضوع المعازف والأغاني والموسيقى تحتاج إلى بحث مفصل فيها، خاصة في هذا الزمان الذي ظهر فيه الغناء ظهوراً فاحشاً، وصار فناً جميلاً معترفاً به، وفتن به كثير من الناس، وصد كثيراً من الناس عن القرآن الكريم، وسمم قلوب كثير من الشباب، حتى صدقت فيه مقولة الخميني الهالك: الموسيقى أفيون الشعوب. ولكن نظراً لمنهجنا في استعراض التفسير بسرعة فنحن نضطر إلى تجاوز هذه النقطة مع قليل من التنبيهات، ولعل الله سبحانه تعالى ييسر فيما بعد محاضرة مفصلة، أو سلسلة من المحاضرات حول هذا الموضوع بكل جوانبه.
ذم ما يفعله الصوفية من العزف والغناء عند الذكر
ذم ما يفعله الصوفية من العزف والغناء عند الذكر يقول ابن القيم: المتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق والمخلطون به على أهل الصلاة والذكر والقرآن والقراءة أشباه هؤلاء المشركين. قال ابن عرفة وابن الأنباري: المكاء والتصدية ليسا بصلاة. يعني: حذار أن يفهم واحد أن هذه الأشياء يمكن أن تكون عبادة يتقرب بها إلى الله، ويأخذ ذلك من قوله: ((وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً))؛ فهي ليست صلاة، لكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية، واستبدلوا بالصلاة والركوع والسجود والتوحيد والذكر المكاء والتصدية، فألزمهم ذلك عظيم الأوزار، وهذا كقولك: زرته فجعل جفائي صلتي. يعني: جعل الجفاء والغلظة مكان الصلة والإحسان إليَّ، والمقصود: أن المصفقين والصفارين في يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤلاء، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر، لكن لهم قسط من الذنب. فنحن لا نقول: إن هؤلاء الصوفية كفار بنفس ذلك الفعل، لكننا نقول: هم متشبهون بالكفار؛ لأنهم يماثلونهم في هذا الجزء من الانحراف وإن لم يتشبهوا بهم في جميع مكائهم وتصديتهم، والله سبحانه وتعالى لم يشرع التصفيق للرجال وقت الحاجة إليه في الصلاة إذا نابهم أمر؛ كما في الحديث الذي في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نابه في صلاته شيء فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء)، وكلمة (إنما) تفيد الحصر، فالرجال لا يصفقون. فعجباً ممن ينتسبون للإسلام كيف يكون التصفيق شائعاً في احتفالاتهم أو مجالسهم أو مؤتمراتهم بهذه الصورة تشبهاً بالكفار! وإذا أعجبوا بشيء من الشخص الذي يخطبهم -مثلاً- فإنهم يعبرون عن إعجابهم بالتصفيق، وهذه ليست سنة المسلمين؛ لأن في شرعنا أن التصفيق إنما هو للنساء في الصلاة، وأما الرجال فقد أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح؛ لئلا يتشبهوا بالنساء، فكيف إذا فعلوه كما يفعل المشركون لا لحاجة، وقرنوا به أنواعاً من المعاصي قولاً وفعلاً! وانحراف الصوفية بالذات في هذا الباب انحراف عجيب! ومع ذلك يريدون بشتى الحيل الشيطانية أن يسوغوا هذه الأفعال القبيحة التي يفعلونها؛ حتى إن الأمر يصل بهم إلى الاختلاط الفاحش مع النساء في الموالد ونحوها من المناسبات، ويحصل عندهم تعاطي الشيشة وتعاطي المخدرات ونحو ذلك، إضافة إلى أنها تكون مواسم للقمار والشعائر الكفرية مثل حلق رءوس الصبية، كما يفعل في مناسك حج البدوي، والطواف بالقبر والسجود له، والنذر والذبح للبدوي وكل هذه الأشياء التي ضاهوا فيها المشركين، وهذه لا شك شرك وكفر بالله سبحانه وتعالى، فعلى أي الأحوال هذه من مكائد الشيطان التي أضل بها القوم. وربما تجدهم بعد ذلك كالجثث الميتة لا حراك بها، لا يعرفون صلاة ولا إجابة مؤذن ولا عمارة للمساجد، وإنما هو موسم تجارة ولهو شبيه بكثير من مواسم الجاهلية، فهذا ليس ذكراً لله، وإنما يخدعون أنفسهم بتسمية هذا الضلال وهذا النسيان ذكراً، ويسمون الأشياء بضد ما تستحق، لأنه ما يفعلونه غفلة عن الله، ونسيان لله سبحانه وتعالى، وهو صد عن سبيل الله عز وجل. يقول: ومن مكائد عدو الله ومصائده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين؛ سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. فالإنسان الذي يمتلئ قلبه بالإيمان وباليقين ويعمر بقراءة القرآن، إذا سمع الغناء أحس أنه يتعاطى سماً يسمم قلبه. فالمشكلة أن بعض الناس قد يصفون من يصرخون فيهم بحكم الله في الأغاني والمعازف ونحوها بأنهم متشددون؛ حتى إن بعض المشاهير من المشايخ قبل فترة قريبة كتب شعراً أو نثراً، يقول ما معناه: من لم يستمتع بالأوتار تحت الأشجار فهو من جنس طبع الحمار، يعني: أنه يجعل طبع الذين لا يستحسنون الغناء والمعازف من جنس طبع الحمار، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فنحن لا نقول: إن سماع الموسيقى ليس فيه متعة، بل فيه متعة، لكنها متعة محرمة، فمتعاطيها كالذي يستمتع بشرب الخمر أو يستمتع بغير ذلك مما حرمه الله سبحانه وتعالى، فإنه يجد في ذلك متعة، ويجد ميلاً طبعياً في نفسه لهذا الشيء. وأما المؤمن فإنه لا ينقاد وراء هذه المتعة دون أن يحكم شرع الله فيها.
القلب السليم يستمتع بالقرآن ويكره الغناء
القلب السليم يستمتع بالقرآن ويكره الغناء فالإنسان إذا كان قلبه سليماً عامراً بالتوحيد وبالذكر، وكان وثيق الصلة بالقرآن، فبلا شك أن هذا يجعل قلبه سليماً صادقاً في حكمه على الأشياء، فإذا سمع موسيقى حتى دون أن يعرف الحكم الشرعي فيها فإنه يشعر أن فيها سماً ينفذ إلى قلبه، ومثل هذا الشعور لن يتأتى إلا إذا كان قلب الإنسان عامراً بالقرآن الكريم، فإنه يحس أن هذا قرآن الرحمن، والأغاني والموسيقى قرآن الشيطان، فقلبه يتسمم منها. أما الشخص الذي غمرت قلبه محبة هذه الأشياء فمن الصعب أن يعطينا حكماً صادقاً، فمثلاً: أنت إذا أتيت شخصاً يتعاطى الدخان والسجائر فأخبرته بأضرار الدخان فإنه يقول لك: أنا لا أحس بشيء من هذا، بل بالعكس أنا أجد فيها متعة! في حين أن هذا الشخص لا يعد مقياساً سليماً؛ لأنه حصل له نوع من التطبيع مع المعاصي، وطبيعته السليمة قد تغيرت مع المعاصي، فلما حصل له تطبيع تلاقى في منتصف الطريق مع الباطل، وذاب فيه، وانسجم معه. لكن العبرة بكل إنسان سليم متحرر من هذا القيد، فلو أتيت بإنسان سليم لم يتعاط في حياته شيئاً من هذا الدخان وأعطيته سيجارة، فستجد بعض الآثار الصحية عليه في الحال، كأن يسعل ويشعر بالدوار والدوخة وغيرها، وكل هذه الأعراض نتيجة لأنه سليم. فكذلك القلب السليم إذا سمع الموسيقى يشعر بأنها سهام تطعن قلبه وتسممه، أما الشخص الذي هو غارق ليل نهار في الموسيقى مع هجره القرآن الكريم فلا يحس بحلاوة القرآن، ولا شك أن هذا يحجب عن قلبه الإحساس بالقرآن الكريم. ولذلك ننصح كل من ابتلي بشيء من هذا أن يمر أولاً بمرحلة انتقالية يجاهد فيها نفسه بأن يمتنع من سماع هذه المعازف، وفي نفس الوقت يوثق صلته بالقرآن، فكلما زادت صلته بقرآن الرحمن فإنه يحس بالكراهية لقرآن الشيطان، وهذه نتيجة طبيعية، ولكن ربما لا تتأتى عند كثير من الناس نتيجة المواعظ والبحوث والكلام الكثير، لكن إذا ملأ الإنسان قلبه بحب القرآن ووثق صلته بالقرآن فإنه هذا أنجح علاج؛ لأن الصحة والسلامة ستعود إلى قلبه، ويبغض هذه المعاصي، فضلاً عن أن يميل إليها ويتأثر بها.
ذم الأئمة لاتخاذ التصفيق والغناء قربة
ذم الأئمة لاتخاذ التصفيق والغناء قربة قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما اتخاذ التصفيق والغناء والضرب بالدفوف والنفخ بالشبابات والاجتماع على ذلك ديناً وطريقاً إلى الله وقربةً؛ فهذا ليس من دين الإسلام، وليس مما شرعه لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من خلفائه، ولا استحسن ذلك أحد من أئمة المسلمين، بل ولم يكن أحد من أهل الدين يفعل ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا على عهد أصحابه، ولا تابعيهم بإحسان، ولا تابعي التابعين، بل لم يكن أحد من أهل الدين من الأعصار الثلاثة لا بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا العراق ولا بخراسان ولا المغرب ولا مصر يجتمع على مثل هذا السماع، وإنما ابتدع في الإسلام بعد القرون الثلاثة. ولهذا قال الشافعي لما رأى ذلك: خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير؛ يصدون به الناس عن القرآن. وسئل عنه أحمد رحمه الله فقال: أكرهه وهو محدث. قيل: أتجلس معهم؟ قال: لا. وكذلك كرهه سائر أئمة الدين، وأكابر الشيوخ الصالحين لم يحضروه. ويقول شيخ الإسلام: وما ذكره الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه من إحداث الزنادقة من كلام إمام خبير بأصول الإسلام؛ فإن هذا السماع لم يرغب فيه ويدعو إليه في الأصل إلا من هو متهم بالزندقة، كـ ابن الراوندي والفارابي وابن سينا وأمثالهم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومن كان له خبرة بحقائق الدين وأحوال القلوب ومعارفها وأذواقها، عرف أن سماع المكاء والتصدية لا يجلب للقلب منفعة ولا مصلحة إلا وفي ضمن ذلك من الضرر والمفسدة ما هو أعظم منه؛ فهو للروح كالخمر للجسد. يعني: أن الموسيقى والمعازف خمر للروح، وما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدث به، ولا من شيء يبعد عن النار إلا وقد حدث به، ولو كان هذا السماع لمصلحة شرعها الله ورسوله لحدث به؛ فإن الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]، وإذا وجد السامع به منفعة لقلبه ولم يجد شاهد ذلك من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم يلتفت إليه، كما أن الفقيه إذا رأى قياساً لا يشهد له الكتاب والسنة لم يلتفت إليه. وقد سبق أن الإمام القاسمي رحمه الله تعالى تكلم بشيء من التفصيل في بحث ماض في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152].
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله) ثم قال عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال:36]. هذه الآية نزلت فيمن ينفق على حرب النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين، وبيان سوء مغبة هذا الإنفاق، وقد ذهب الضحاك إلى أنه عُني بها المطعمون منهم يوم بدر؛ حيث كان هناك في طائفة المشركين اثنا عشر رجلاً من قريش يتطوعون بإطعام الذين خرجوا لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشرة جزر. يعني: عشرة جمال. وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم أنها نزلت في أبي سفيان، ونفقته الأموال في أحد لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يخفى شمول الآية لأي كافر ينفق ماله ليصد عن سبيل الله، وليحارب دعوة الله، فكل من فعل ذلك فهو داخل في هذه الآية. واللام في قوله تعالى: ((ليصدوا)) هي لام الصيرورة أو لام العاقبة. ويصح أيضاً أن تكون للتعليل؛ لأن غرضهم الصد عما هو سبيل الله بحسب الواقع، فقوله: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ))، يعني: الذي هو في الحقيقة سبيل الله وإن كانوا هم لا يعتقدون أنه سبيل الله. أي: فإذا قلنا إنها للتعليل فهم يصدون عن سبيل الله بحسب الواقع، وإذا قلنا إنها لام الصيرورة ولام العاقبة؛ فلأنهم ينفقون هذا المال ويعتقدون أنهم على حق، وأن محاربة الدين أو محاربة الإسلام لإعزاز دينهم الباطل الذي يرونه حقاً، فهم لا يقصدون الصد عن سبيل الله، لكن فعلهم يئول إلى الصد عن سبيل الله؛ لأنه دين الله في الحقيقة. يقول: واللام في: (ليصدوا) لام الصيرورة، ويصح أن تكون للتعليل؛ لأن غرضهم الصد عما هو سبيل الله بحسب الواقع وإن لم يكن كذلك في اعتقادهم، وسبيل الله: طريقه، وهو دينه واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله: ((فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ))، المعنى: أن الذين ينفقون أموالهم لإطفاء نور الله والصد عن اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم سيعلمون عما قريب سوء مغبة ذلك الإنفاق وانقلابه إلى أشد الخسران من القتل والأسر في الدنيا والنكال في العقبى. وقوله: ((فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً)) جعل نفس الأموال تصير عليهم حسرة. يعني: ندماً وتأسفاً، وإنما الندم والتأسف هو عاقبة أمرها، وليست هي ذاتها؛ فهذه مبالغة. وقوله: ((ثُمَّ يُغْلَبُونَ))، المراد الغلبة التي استقر عليها الأمر، فإن كانت الحرب قبل ذلك سجالاً فإن العاقبة تكون للمتقين. قال بعضهم: ثمرة الآية خطر المعاونة على معصية الله تعالى، وأن الإنفاق في ذلك معصية، فيدخل في هذا معاونة الظلمة على حركاتهم في البغي والظلم، وكذلك بيع السلاح والكراع ممن يستعين بذلك على حرب المسلمين، فكل من يبيع سلاحاً لحرب المسلمين أو سلاحاً في الفتنة فإنه يدخل في هذه الآية.
تفسير قوله تعالى: (ليميز الله الخبيث من الطيب)
تفسير قوله تعالى: (ليميز الله الخبيث من الطيب) ثم قال تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأنفال:37]. ((ليميز الله الخبيث من الطيب)) أي: يميز الله الكافر من المؤمن، أو يميز الفساد من الصلاح. ((ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جنهم)) يعني: يركمه ويجمعه، ويضم بعضه إلى بعض؛ حتى يتراكبوا لفرط ازدحامهم. وقيل معناه أنه يضم إلى الكافر ما أنفق من المال ليصد عن سبيل الله، فيؤتى به وبماله ويجعله الله فوقه؛ ليزيد به عذابه، كما أن الذين يكنزون أموالهم يعذبون بها، وتقرن معهم هذه الأموال. وقوله: ((أولئك)) إشارة إلى الخبيث؛ لأنه مقدر بمعنى الفريق الخبيث، أو أن الإشارة إلى هؤلاء المنفقين أموالهم ليصدوا عن سبيل الله. وقوله: ((أولئك هم الخاسرون)) أي: لأنهم خسروا أنفسهم، وخسروا أموالهم التي أنفقوها.
تفسير قوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)
تفسير قوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ثم قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} [الأنفال:38]. قوله: ((قل للذين كفروا)) يعني: أبا سفيان وأصحابه، فالتعريف فيه للعهد، أو يكون التعريف للجنس، فالمراد بها كل الكفار، فيدخل فيهم دخولاً أولياً أبو سفيان وأصحابه. ((إن ينتهوا)) أي: إن ينتهوا عن الكفر وقتال النبي صلى الله عليه وسلم. ((يغفر لهم ما قد سلف)) أي: من الكفر والمعاصي. ((وإن يعودوا)) أي: إلى قتال النبي صلى الله عليه وسلم. ((فقد مضت سنة الأولين)) يعني: الذين تحزبوا على الأنبياء، فقد عرفتم كيف كانت سنتنا فيهم، وكيف دمرناهم تدميراً. أو أن المقصود بقوله: ((فقد مضت سنة الأولين)) الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر. وقوله تعالى: ((فقد مضت)) فيه دليل لجزاء الشرط؛ لأن تقدير الكلام: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا) انتقمنا منهم. وقد استدل بالآية على أن الإسلام يجب ما قبله، يعني: يقطع ما قبله، كما جاء في الحديث، وفيها أن الكافر إذا أسلم لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو صوم، أو إتلاف مال أو نفس. وأجرى المالكية ذلك كله في المرتد إذا تاب، حيث قالوا: إن هذه الأحكام في كل الكفار، سواء كان الكفر أصلياً أو طارئاً ككفر المرتد؛ فإن تاب لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو صوم أو إتلاف مال أو نفس؛ لعموم الآية. واستدلوا بها على إسقاط ما على الذمي من جزية وجبت عليه قبل إسلامه أي: فلو أن رجلاً ذمياً وجبت عليه جزية ثم أسلم ولم يؤد هذه الجزية فإنه لا يطالب بها بعد إسلامه؛ لظاهر هذه الآية: ((قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا)) يعني: عن الكفر، ((يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)). وعن مالك قال: لا يؤاخذ كافر بشيء صنعه في كفره إذا أسلم؛ لأن الله تعالى قال: ((إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)) و (ما): عامة تعم كل ما سلف.
تفسير قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ونعم النصير)
تفسير قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ونعم النصير) ثم قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال:39 - 40]. ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة)) فتنة: فاعل؛ لأن (كان) هنا تامة، لأنها إذا أتت بمعنى الوجود والحصول تكون تامة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280]، فذو هنا فاعل؛ لأن كان تامة. ((حتى لا تكون فتنة)) أي: شرك أو إضلال لغيرهم وفتن منهم للمؤمنين عن دينهم، أو أن قوله: ((حتى لا تكون فتنة)) يعني: حتى لا تبقى فتنة، وحتى لا يبقى على وجه الأرض من يكفر بالله سبحانه وتعالى، وهذه هي غاية الجهاد. ((ويكون الدين كله لله)) أي: حتى يخلص التوحيد لله، فلا يعبد غيره سبحانه وتعالى. ((فإن انتهوا)) يعني: عن الكفر والمعاصي ظاهراً. ((فإن الله بما يعلمون بصير)) يعني: بما يعملون ببواطنهم بصير، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام: (فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله)، أي: في البواطن؛ لأن البواطن لا نستطيع أن نطلع عليها، لكن نقبل منهم ما يظهرون. فقوله: ((فإن انتهوا فإن الله بما يعلمون بصير)) يعني: سيجازيهم، وعليه حسابهم، فكفوا عنهم وإن لم تعلموا ببواطنهم، واقبلوا منهم ما يظهرون، وهذا كقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة:5]، وفي الآية الأخرى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة:11]. وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل). وفي الصحيح: (أن أسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف فقال: لا إله إلا الله، فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لـ أسامة: أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟! فكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟! فقال: يا رسول الله! إنما قالها تعوذاً، فقال: هلا شققت عن قلبه؟ وجعل يكرر عليه: كيف تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذٍ)، يعني: من شدة غضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه. وقيل: ((ويكون الدين كله لله))، أي: حتى يكون الخضوع كله لله. ثم قال تعالى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال:40]. فقوله: ((وإن تولوا)) يعني: إن أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا عن الشرك. وقوله: ((فاعلموا أن الله مولاكم)) يعني: أن الله ناصركم ومعينكم، فثقوا بولايته ونصرته. وقوله: ((نعم المولى)) أي: فلا يضيع من تولاه. وقوله: ((ونعم النصير)) أي: فلا يُغلَبُ من نصره.
تفسير قوله تعالى: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول)
تفسير قوله تعالى: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول) ثم بين تعالى مصرف ما أحله لهذه الأمة وخصها به من الغنائم فقال عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال:41]. قوله: ((واعلموا أنما غنمتم من شيء)) يعني: ما قل أو كثر من الغنيمة التي أخذتموها من الكفار. وقوله: ((فإن لله)) أي: لله الذي منه النصر المتفرع عليه الغنيمة. وقوله: ((خمسه)) أي: شكراً له على نصره وإعطائه الغنيمة. وقوله: ((وللرسول)) الذي هو الأصل في أسباب النصر. وقوله: ((ولذي القربى)) وهم بنو هاشم وبنو المطلب. وقوله: ((واليتامى)) أي: من مات أبوهم ولم يبلغوا؛ لأنهم ضعفاء. وقوله: ((والمساكين)) لأنهم ضعفاء كاليتامى. وقوله: ((وابن السبيل)) وهو المسافر الذي انقطع في الطريق، ويريد الرجوع إلى بلده، ولا يجد ما يتبلغ به. والغنيمة هي: المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب. أي: ما ظهر عليه المسلمون بقتال. وكلمة: ((من شيء)) قصد بها الاعتناء بالغنيمة، ومعناها: أنه ينبغي ألا يشذ عنها شيء، فما غنمتموه كائناً ما كان يقع الإثم على من يأخذه حتى الخيط والمخيط.
كيفية قسمة الغنائم
كيفية قسمة الغنائم وينبغي أن تقسم الغنائم بين المجاهدين بهذه الكيفية المذكورة في الآية. ((فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ)) بضم الميم وسكونها قرئ بهاتين اللغتين، وأفادت الآية أن الواجب في المغنم تخميسه وصرف الخمس إلى من ذكرهم الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة، ثم بعد ذلك يقسم ما بقي بين الغانمين بالعدل والسوية، للراجل سهم وللفارس ذي الفرس العربي ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه؛ هكذا قسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم عام خيبر. ومن الفقهاء من يقول: للفارس سهمان. لكن القول الأول هو الذي دلت عليه السنة الصحيحة؛ ولأن الفرس يحتاج إلى مئونة نفسه وسائسه الذي يسوسه، وغناء الفارس به أعظم من غناء راجلين في الحرب، فمنفعة الشخص الذي يجاهد على الفرس أكثر من منفعة رجلين. ومنهم من يقول: تقسم عليهم بالسواء.
وجوب العدل في قسمة الغنائم
وجوب العدل في قسمة الغنائم ويجب قسمتها بالعدل، فلا يحابي أحداً لقرابته ولا لنسبه ولا لفضله، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يقسمونها، وفي صحيح البخاري أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رأى أن له فضلاً على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟). وفي مسند أحمد أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال (قلت: يا رسول الله! الرجل يكون حامية القوم يكون سهمه وأسهم غيره سواء؟ قال ثكلتك أمك ابن أم سعد! وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟).
مصارف خمس الغنيمة
مصارف خمس الغنيمة وقوله: ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ)): قال الجمهور: الخمس يصرف على خمسة وجوه، وقال البعض: ستة. والذي قال إنها ستة: قال: هي لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. والذي قال إنها خمسة قال: هي للرسول وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. قال: أما ذكر الله سبحانه في قوله: ((فأن لله خمسه)) فإنما هو للتعظيم، يعني: لتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [التوبة:62]، أو لبيان أنه لابد في الخمسة من إخلاصها لله تعالى. وتمسك المخالف بظاهر الآية، فأوجب سهماً سادساً لله تعالى. قال: لأن كلام الحكيم لا يعرى عن الفائدة. فلابد أن يكون لذكر لفظ الجلالة هنا فائدة، وهذه الفائدة هي أنه مصرف مستقل من مصارف الخمس؛ ولأنه سبق اختصاصه في آية الصدقات في قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:60]، فكذا هنا أيضاً يكون هناك مصرف أو وجه ينفق فيه لله سبحانه وتعالى. ويصرف هذا السهم على هذا المذهب قيل: في وجوه الخير، وقيل: يؤخذ للكعبة المشرفة. وما رواه البيهقي يؤيد مذهب الجمهور؛ فإنه روى بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى، وهو معترض فرساً، فقلت: يا رسول الله! ما تقول في الغنيمة؟ فقال: لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش، قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم). ومن لطائف الحسن أنه أوصى بالخمس من ماله وقال: ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه؟
كيفية التصرف في خمس النبي صلى الله عليه وسلم
كيفية التصرف في خمس النبي صلى الله عليه وسلم أما خمس النبي صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله له فكان أمره في حياته مفوضاً إليه، يتصرف فيه بما شاء، ويرده في أمته كما شاء صلى الله عليه وآله وسلم. وروى الإمام أحمد أن أبا الدرداء قال لـ عبادة بن الصامت رضي الله عنه: يا عبادة! كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس؟ - يعني ذكرني بما قال -فقال عبادة: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوهم إلى بعير من المقسم، فلما سلم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناول وبرة -من بعير- بين أنملتيه فقال: إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم، إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط. وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا؛ فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله تبارك وتعالى القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله بالحضر والسفر، وجاهدوا في سبيل الله؛ فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، ينجي الله تبارك وتعالى به من الغم والهم). قال ابن كثير: هذا حديث حسن عظيم. وفي هذا أنه صلى الله عليه وسلم كان يصرفه في مصالح المسلمين. أما بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا: فمن قائل: إن سهم النبي عليه الصلاة السلام يكون لمن يلي الأمر من بعده. ومن قائل: بل يصرف في مصالح المسلمين، كالسلاح وغير ذلك. ومن قائل: إنه يصرف لقرابته صلى الله عليه وسلم. ومن قائل: إنه يرد على بقية الأصناف: ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، واختاره ابن جرير. وللمسألة حظ من النظر.
من يصرف لهم سهم ذوي القربى
من يصرف لهم سهم ذوي القربى أما قوله تعالى: ((ولذي القربى)) فأجمعوا على أن المراد بذوي القربى قرابته صلى الله عليه وسلم. وذهب الجمهور إلى أن سهم ذوي القربى يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب خاصة؛ لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية، وكذلك في أول الإسلام، حتى إنهم دخلوا معهم الشعب غضباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لما حاصرت قريش بني هاشم مسلمهم وكافرهم بسبب دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فبنو المطلب دخلوا معهم الشعب حمية، وطبعاً المسلمون منهم دخلوا الشعب طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما كفار بني المطلب فإنهم دخلوا معهم الشعب حمية للعشيرة وأنفة وطاعة لـ أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل ابني عبد مناف وإن كانوا بني عمهم فلم يوافقوهم، بل حاربوهم ونابذوهم ومالئوا بطون قريش على حرب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا ذمهم أبو طالب في قصيدته التي يقول فيها: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً عقوبة شر عاجلاً غير آجل بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا بني خلف قيضاً بنا والغياطل يعني: عوضاً بنا، والغياطل هم بنو سهم. ونحن الصميم من ذؤابة هاشم وآل قصي في الخطوب الأوائل يعني: أنه يذم هؤلاء الذين لم يناصروهم. وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: (مشيت أنا وعثمان بن عفان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة منك؟ فقال: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد)، رواه مسلم.
كيفيةالتصرف في سهام اليتامى والمساكين وابن السبيل
كيفيةالتصرف في سهام اليتامى والمساكين وابن السبيل أما سهم اليتامى فقيل: يخص به فقراء اليتامى؛ لأنه يشترط أن يكون اليتيم فقيراً. وقيل: يعم الأغنياء والفقراء، فما داموا يتامى فلهم سهم منه. والأظهر الثاني، يعني: أنه يعم الأغنياء والفقراء. وأما المساكين فهم المحاويج الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ويكفيهم. وأما ابن السبيل فقد ذكرنا معناه أولاً.
وجوب الإيمان بالله عز وجل والانقياد لأوامره
وجوب الإيمان بالله عز وجل والانقياد لأوامره وقوله تعالى: ((إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ)) يعني: اعملوا بما ذكر من توزيع الغنيمة بهذه الكيفية، وارضوا بهذه القسمة، فالإيمان يوجب العمل بالعلم والرضا بالحكم. وقد جاء في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: (وآمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله، ثم قال: هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله ألا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم)، فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان. وقوله: ((إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا)) يعني: إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل. ((عَلَى عَبْدِنَا)) أي: محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات والملائكة والنصر. ((يَوْمَ الْفُرْقَانِ)) أي: يوم بدر؛ فإنه فرق فيه بين الحق والباطل. ((يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)) جمع المؤمنين وجمع الكافرين، فالتعريف للعهد، وكان التقاؤهما يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، والمؤمنون يومئذٍ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، والمشركون ما بين الألف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على سبعين، وأسر منهم مثل ذلك. ((وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) فيقدر على نصر القليل على الكثير، كما فعل بكم يوم بدر.
تفسير قوله تعالى: (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى)
تفسير قوله تعالى: (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى) ثم يقول تعالى: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:42]. قوله: ((إذ أنتم)) هذا بدل من ((يوم الفرقان)) في قوله: {إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال:41]. والمعنى: ((إذ أنتم)) يا معشر المؤمنين ((بالعدوة الدنيا)) يعني: الوادي الذي حده وشفيره أقرب إلى المدينة. وقوله: ((وهم)) أي: المشركون أبو جهل وأصحابه ((بالعدوة القصوى)) يعني: بوادٍ آخر قاصٍ في الجهة الأخرى، فهو أقرب إلى مكة وأبعد من المدينة، فالعدوة القصوى هي البعدى عن المدينة مما يلي مكة. وقوله: ((والركب أسفل منكم)) أي: العير التي فيها أبو سفيان بما معه من التجارة التي كان الخروج لأجلها، فإنها كانت أسفل من موضع المؤمنين إلى ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر. ومن لطائف الزمخشري في استخراج إعجاز وأسرار القرآن الكريم أنه قال هنا: فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم؟ أي: ما الفائدة التي نجنيها من هذا التوقيت بقوله: (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان) يذكرهم بيوم الفرقان، (يوم التقى الجمعان) ثم قال: (إذ أنتم بالعدوة الدنيا) ذكر المكان (وهم بالعدوة القصوى) ثم قال: ((وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ))؟ قال: قلت: الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدو وشوكته وتكامل عدته، وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم، وأن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعاً من الله سبحانه وتعالى. فذكرهم بهذه الأحوال كلها ليعلمهم أن الأسباب المادية كانت مع المشركين، فكانوا أولى بالنصر من حيث الأسباب الظاهرة. أما أنتم أيها المسلمون! فكنتم أولى بالهزيمة، فإذا كان الله قد نصركم فهذا ليس بكسب منكم، وإنما هو فضل من الله سبحانه وتعالى، فقد كان العدو شديد القوة شديد الشوكة من حيث العدد والعدد المتكاملة، ومهدت له أسباب الغلبة، وأيضاً المسلمون لم يخرجوا للقتال، فلذا كانوا قلة في العدد، وكانوا في ضعف، وكانت غلبتهم في مثل هذه الحال ليست أمراً عادياً، وإنما هو من أعاجيب صنع الله سبحانه وتعالى، ودليل على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحول الله وقوته وباهر قدرته. يقول: وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضاً لا بأس بها، ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي خبار- أي: أرض مسترخية لينة- تسوخ فيها الأرجل، ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة. فالعدوة القصوى التي كان فيها المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضاً متماسكة لا بأس بها، وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم؛ لأن العير كان فيها الأموال وفيها النساء، وكانت العرب تخرج إلى الحرب بالنساء وبالأموال؛ حتى يكون ذلك نوعاً من المدد المعنوي في الحرب، فتشتد حميتهم؛ لأنهم إذا هزموا سيتعرض النساء للأسر، ويصرن سبايا، فكانوا يصحبون معهم في حروبهم في مؤخرة الجيوش الأموال والنساء؛ ليبعثهم الذب عن الحريم والغيرة على النساء على بذل جهيداهم في القتال، ولا يتركون وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه، فيجمع ذلك قلوبهم؛ لأنهم لو كان أولادهم ونساؤهم وأموالهم في المحلة التي خرجوا منها ربما زين لهم ذلك الفرار من القتال والرجوع إلى ما ينحازون إليه من الأموال والأهل، فإذا كان معهم أهلوهم وطنوا نفوسهم على ألا يبرحوا موطنهم، ولا يخلوا مراكزهم، وبذلوا منتهى نجدتهم وقصارى شدتهم. وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر واقعة بدر؛ ليقضي أمراً كان مفعولاً من إعزاز دينه، وإعلاء كلمته حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة في قوله: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} [الأنفال:7]، ولم يبين هل هي العير أم هي الجيش؟ فإنهم خرجوا ليأخذوا العير، راغبين في الخروج، وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأموالهم، حتى نفروا ليمنعوا عيرهم، وسبَّب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى، ووراءهم العير يحامون عنها، حتى قامت الحرب على ساق، وكان ما كان. قال الناصر في الانتصاف: وهذا الفصل من خواص حسنات الزمخشري، وتنقيبه عن أسرار الكتاب العزيز. ثم قال تعالى: ((وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ))، يعني: لو تواعدتم أنتم وأهل مكة على موعد تلتقون فيه للقتال لخالف بعضكم بعضاً، فثبطكم قلتكم وكثرتهم، أي: لأنكم قلة تخشون أن يستأصلوكم فثبطتكم هذه القلة وكثرة الأعداء بالنسبة إليكم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فلم يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله سبحانه وتعالى وسبب له. وفي حديث كعب بن مالك قال: (إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد). وعن عمير بن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ولا هؤلاء بهؤلاء؛ حتى التقى السقاة، ونهد الناس بعضهم إلى بعض. وقوله تعالى: ((وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا)) يعني: ولكن جمع الله بينكم على غير ميعاد ليقضي ما أراد من إعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وأهله من غير ملأ منكم. وقوله: ((كان مفعولاً)) يعني: كان حقيقاً بأن يفعل، وقيل: (كان) بمعنى صار. أي: ليقضي الله أمراً صار مفعولاً بعد أن لم يكن. وقوله: ((لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ)) أي: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد لينصركم عليهم، ويرفع حجة الحق على الباطل؛ ليصير الأمر ظاهراً والحجة قاطعة والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئدٍ يهلك من هلك، يعني: يستمر في الكفر من استمر فيه ((عن بينة)) أي على بصيرة من أمره أنه مبطل؛ لقيام الحجة عليه. وفي هذا إشارة إلى أن نصر المؤمنين في بدر كان منه سبحانه، فمع أن الأسباب الظاهرة كلها كانت في كفة المشركين نصر المسلمين على قلتهم وضعف عددهم وعددهم، فهذه آية وحجة لتثبيت الحق في قلوب المؤمنين. ومن الحكم أيضاً: ((ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً)) وهو نصرة الإسلام وإعزاز أهله وإذلال المشركين. وقوله: ((لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ)) يعني: ليهلك بالبقاء على الكفر، فمن رأى هذه الآية -وهي نصر الله للمؤمنين مع قلتهم وضعفهم- فينبغي أن يسلم لله سبحانه وتعالى، فإذا اختار البقاء على الكفر والاستمرار عليه فقد قامت الحجة عليه، ولا عذر له في استمراره على الكفر الذي سيئول به إلى الهلكة في الدنيا والآخرة. وقوله: ((وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ))، عبر عن الإيمان بالحياة، يعني: ويؤمن من آمن عن حجة وبصيرة ويقين بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به، وذلك أن ما كان في وقعة بدر آيات بينة، فمن كفر بعدها كان مكابراً لنفسه مغالطاً لها.
تفسير قوله تعالى: (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم)
تفسير قوله تعالى: (إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم) ثم قال الله تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال:43]. ((إذ يريكهم الله في منامك قليلاً)) (إذ) منصوب باذكر، أي: اذكر إذ، أو بدل آخر من يوم الفرقان في قوله: ((وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)) [الأنفال:41]. وقوله: ((إذ يريكهم الله في منامك قليلاً)) وذلك أن الله عز وجل أراه إياهم في رؤياه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه، فكان تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم. وقوله: ((ولو أراكهم كثيراً لفشلتم)) يعني: أن الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى أرى نبيه صلى الله عليه وسلم المشركين في منامه قليلاً هي أن يجترئ عليهم المسلمون ويتشجعوا على قتالهم. قال تعالى مبيناً أن هذه هي الحكمة المقصودة من هذه الرؤيا: ((ولو)) كان الله سبحانه وتعالى ((أراكهم كثيراً لفشلتم)) يعني: لجبنتم ولهبتم الإقدام، ((ولتنازعتم في الأمر)) أي: أمر الإقدام والإحجام، وبالتالي سيقول فريق: نقدم، ويقول فريق: نحجم، وبالتالي تتنازعون. وقوله: ((ولكن الله سلم)) أي: عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع بتأييده وعصمته. وقوله: ((إنه عليم بذات الصدور)) أي: يعلم ما سيكون فيها من الجرأة والجبن والصبر والجزع؛ ولذلك دبر ما دبر.
تفسير قوله تعالى: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا)
تفسير قوله تعالى: (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً) ثم قال تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [الأنفال:44]. ((وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً)) انظر كيف جعل الله سبحانه وتعالى كل هذه الأسباب تمهد لإعجاز الإسلام في بدر؛ لكي يحصل القتال! فإنه أغرى كل فريق بالآخر؛ كي يحصل القتال، ثم يعز الله المؤمنين ويعز الإسلام. ثم إن الله سبحانه وتعالى جعل المؤمنين يرون الكفار قليلاً، وجعل الكفار يرون المؤمنين قليلاً. وقوله: ((إذ التقيتم)) يعني: تصديقاً لرؤيا رسول الله عليه السلام المنامية عاينتموهم أنتم، وجعل الله سبحانه وتعالى هؤلاء المشركين في أعينكم قليلين؛ إغراء لكم على الإقدام. والمعنى: ((وإذ يريكموهم إذ التقيتم)) عند القتال، ((في أعينكم قليلاً)) وذلك تصديقاً لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعاينوا ما أخبرهم به، فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا. قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلاً منهم، فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفاً. وقوله: ((ويقللكم في أعينهم)) يعني: في اليقظة، وهذا أيضاً إغراء للكافرين بمقاتلة المؤمنين؛ حتى يحصل القتال، ويقضي الله أمراً كان مفعولاً، فكما قلل الكفار في أعين المؤمنين كذلك قلل المؤمنين في أعين الكفار، حتى قال أبو جهل: إن محمداً وأصحابه أكلة جزور، وهذا مثل يضرب في القلة، يعني: قليلي العدد جداً كأكلة رأس. وقوله: ((ليقضي الله أمراً)) أي: من إظهار الخوارق الدالة على صدق دين الإسلام، وكذب دين الكفر، فإن الإسلام هو دين الحق، والكفر دين باطل. وقوله: ((كان مفعولاً)) أي: كالواجب فعله على الحكيم لما فيه من الخير الكثير. قال الزمخشري: فإن قلت: الغرض في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض في تقليل المؤمنين في أعينهم؟ قلت: قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعده؛ ليجترئوا عليهم قلة مبالاة بهم، ثم تفجؤهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا وتفل شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم؛ وذلك قوله: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} [آل عمران:13]. يعني: أنهم في البداية رأوا المؤمنين قلة، ثم بعد ذلك رأوهم مثليهم رأي العين، وهذا بلا شك يوقع الصدمة في قلوب الكفار والفزع والجبن عن مقاتلتهم؛ وإنما رأوهم أولاً قلة لئلا يستعدوا لهم؛ لأنهم لو رأوا المؤمنين كثرة أو على عددهم الحقيقي لاستعدوا وتهيئوا لهم، لكن إذا رأوهم قلة فإنهم لا يبالون بالاستعداد الشديد لقتالهم، وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية البينة من قلتهم أولاً وكثرتهم آخراً. قال الزمخشري أيضاً: فإن قلت: بأي طريق يبصرون الكثير قليلاً؟ قلت: بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير، كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين. وطبعاً لا يقال لشيء صنعه الله سبحانه وتعالى: كيف فعل؟ لأن الله على كل شيء قدير، وهذا أمر ليس مستحيلاً على الله سبحانه وتعالى، بل هو في عالم الممكن، فلا ينبغي أن يقال لله سبحانه وتعالى: كيف؟ لكن هنا الزمخشري يحاول أن يقرب الأمر إلى عقولنا بأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق من الأسباب ما يجعلهم يرون هذه الأشياء. قيل لبعضهم: إن الأحول يرى الواحد اثنين، وكان بين يدي هذا الرجل الذي ذهبوا إليه ديك واحد، فقال: هذا الكلام غير صحيح، كيف تقولون: إن الأحول يرى الواحد اثنين؟ ما لي لا أرى هذين الديكين أربعة؟! فمعناه: أنه كان أحول. وقوله: ((وإلى الله ترجع الأمور)) هذا فيه تنبيه على أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذاتها، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً ليوم المعاد.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا) ثم أرشد تبارك وتعالى عباده المؤمنين إلى آداب اللقاء في ميدان الوغى ومبارزة الأعداء، فقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال:45]. يعني: إذا حاربتم جماعة فاثبتوا للقائهم، واصبروا على مبارزتهم، فلا تفروا ولا تجبنوا. ((إذا لقيتم فئة فاثبتوا)) عبر عن الحرب باللقاء، تغليباً على النزال، ولم يصف الفئة بأنها كافرة؛ لأن هذا معلوم غير محتاج إليه، والمؤمنون لا يقاتلون إلا في سبيل الله، فمتى حاربوا فئة فهم يحاربونها في سبيل الدين، ولذا لابد أن تكون كافرة. وقوله: ((فاثبتوا واذكروا الله كثيراً)) يعني: فاثبتوا في مواطن الحرب مستظهرين بذكره مستنصرين به داعين له على عدوكم، فذكر الله سبحانه وتعالى يعطي قوة للأرواح، ويعطي قوة للأبدان أيضاً، وأدلة ذلك كثيرة. وقوله: ((لعلكم تفلحون)) يعني: إن ثبتم واستعنتم بذكر الله سبحانه وتعالى كثيراً في مثل هذا الموقف فإنكم تنصرون، ومتى ما تخلى المسلمون عن ذلك فأنى لهم النصر؟! ففي نكسة عام (1967م) كان أمراً طبيعياً جداً أن يحصل ما حصل من الهزيمة؛ لأنه لم يكن هناك شيء اسمه ذكر الله سبحانه وتعالى، بل كانوا يوزعون على الجنود في ثكنات القتال صور الممثلات وصور الفنانات! ويقولون للجندي: اضرب فـ أم كلثوم معك في المعركة! اضرب ففلانة معك في المعركة! وكانت أولاء وكان هؤلاء الفاسقات يذهبن إلى صفوف الجبهة لرفع الروح المعنوية! فقوله: ((يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون)) يعني: تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة، وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: يا أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال: اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم). وفي الآية إشعار بأن على العبد ألا يفتر عن ذكر ربه أشغل ما يكون قلباً وأكثر ما يكون هماً، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد، ويقبل إليه بكليته فارغ البال واثقاً بأن لطفه لا ينفك عنه في حال من الأحوال. وكما قلنا مراراً: العبادة الوحيدة التي لم تقيد بوقت هي ذكر الله سبحانه وتعالى، والتي حرضنا على الإكثار منها في كل وقت وفي كل حال، فقد كان صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحواله وفي كل أحيانه. وقال عز وجل: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران:191]، فالإنسان لا يخرج عن حالة من هذه الحالات: إما قائم، وإما قاعد، وإما نائم، فالمقصود بذلك ذكر الله على أي حال كنت، لا كما يفهمها الصوفية أن كونها قياماً أو قعوداً هو القفز والنط، بأن يكون واقفاً ثم يرمي نفسه في الأرض ثم يميل وهكذا، فهذا التلوي وهذه الأفعال إلحاد في آيات الله سبحانه وتعالى وانحراف في فهمها، إنما المقصود: اذكروا الله على كل حال تكونون عليه من الوقوف أو القعود أو الرقود. فلو كان الاشتغال والهم والمشاغل عذراً في الغفلة عن ذكر الله سبحانه وتعالى لكان القتال كذلك، لكن انظر كيف يحرضهم الله سبحانه وتعالى على كثرة الذكر في أشد الأحوال وفي أعظم الأهوال، وهي حالة الاقتتال والالتحام المسلح بأعداء الله سبحانه وتعالى، فعلى العبد ألا يفتر عن ذكر ربه، لقوله عز وجل: ((وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا))، وقال عز وجل: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} [الأحزاب:35].
تفسير قوله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا)
تفسير قوله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا) ثم قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46]. قوله: ((وأطيعوا الله ورسوله)) يعني: في كل ما يأمران به وينهيان عنه، وهذا عام، والتخصيص بالذكر هنا فيه تأكيد. وقوله: ((ولا تنازعوا)) يعني: باختلاف الآراء، أو فيما أمرتم به. وقوله: (فتفشلوا) أي: تجبنوا إذ لا يتقوى بعضكم ببعض؛ لأن التنازع سيذهب بالقوة، فإن المسلمين حين يتنازعون ويكونون قوى متضادة ستكون المحصلة ضعيفة أو لا محصلة. وقوله: ((فتفشلوا وتذهب ريحكم)) يعني: قوتكم وغلبتكم ونصرتكم ودولتكم. وشبه ما ذكر في نفوذ الأمر وتمشيته بالريح وهبوبها، يقال: هبت ريح فلان، يعني: إذا دامت له الدولة، ونفذ أمره، قال الشاعر: إذا هبت رياحك فاغتنمها فعقبى كل خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكون وقوله: ((واصبروا)) يعني: على شدائد الحرب، وعلى مخالفة أهويتكم الداعية إلى التنازع؛ فالصبر مستلزم للنصر. وقوله: ((إن الله مع الصابرين)) يعني: بالنصر. قال ابن كثير: وقد كان للصحابة رضي الله تعالى عنهم في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد من بعدهم رضي الله تعالى عنهم، فإنهم ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما أمرهم فتحوا القلوب والأقاليم شرقاً وغرباً في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش، وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين. قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ((ولا تنازعوا)) أي: لا تختلفوا فيما أمركم به من الجهاد، بل ليتفق أمركم. قال: ولقائل أن يقول: يستفاد من هذا وجوب نصب أمير على الجيش؛ ليدبر أمرهم، ويقطع اختلافهم؛ لأن هذه الوسيلة هي التي تؤدي إلى عدم التنازع؛ لأنهم إذا اتفقوا على طاعته فيما يؤمرهم به لم يبق مجال للتنازع، وقد فعله صلى الله عليه وسلم في السرايا وقال: (اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي).
تفسير قوله عز وجل: (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا)
تفسير قوله عز وجل: (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً) ولما أمر الله تعالى المؤمنين بالثبات والصبر عند اللقاء أمرهم بالإخلاص فيه بنهيهم عن التشبه بالمشركين في انبعاثهم للرياء، فبعد ما قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:45 - 46] قال: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال:47]. ((ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً)) أي: لا تكونوا كالمشركين الذين خرجوا من ديارهم فخراً بالشجاعة. ((ورئاء الناس)) أي: طلباً للثناء بالسماحة والشجاعة، فهم إنما خرجوا كي يقال إنهم: شجعان ومقاتلون ونحو ذلك. وقوله: ((ويصدون عن سبيل الله)) أي: ولا تكونوا كـ أبي جهل وأصحابه وقد أتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم فأبوا وقالوا: لا نرجع حتى نأتي بدراً، فننحر بها الجزر، ونسقي بها الخمر، وتعزف علينا فيها القيان -القينة هي الجارية المغنية- وتسمع بنا العرب. فذلك بطرهم ورئاؤهم الناس بإطعامهم، فوافوها، فسقوا كئوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان. أي: فلا يكن أمركم رياءً ولا سمعة ولا التماس ما عند الناس، وأخلصوا لله النية والحسبة في نصر دينكم ومؤازرة نبيكم صلى الله عليه وسلم، لا تعملوا إلا لذلك، ولا تطلبوا غيره. والرئاء: مصدر راءى، إذا أظهر العمل للناس ليروه، والمرائي يطلب نظر الناس إلى عمله؛ غفلة عن الخالق سبحانه وتعالى. وقد يقال: راياه مراياة ورياءً على القلب. ونصب: ((بطراً ورئاء)) لأنها مفعول من أجله أو مصدر في موضع الحال. وجملة ((ويصدون)) منصوبة لأنها حال بتأويل اسم الفاعل، أو بجعله مصدر فعل هو حال، أو مرفوعة على الاستئناف. ونكتة التعبير بالاسم (بطراً ورئاء) أولاً ثم بالفعل (ويصدون) الإعلام بأن البطر والرياء دأبهم، بخلاف الصد؛ فإنه تجدد لهم في زمن النبوة، أي أنه إنما ذكر البطر والرياء بالاسم باعتبار أن ذلك غير مرتبط بزمان، وأنه دأبهم في كل الأوقات قبل الإسلام وبعد الإسلام، ذحالة العرب في قتالهم، أما الصد عن سبيل الله فإن هذا ما تجدد إلا بعد زمن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
التوبة [1 - 6]
تفسير سورة التوبة [1 - 6]
أسماء سورة التوبة
أسماء سورة التوبة هذه سورة التوبة لها عشرة أسماء، قيل: إنه لا توجد سورة أكثر أسماء من الفاتحة وهذه السورة -سورة التوبة-، فهما أكثر السور من حيث الأسماء الكثيرة لهما، فالمشهور من أسماء هذه السورة: الاسم الأول: سورة (براءة) سميت بها لافتتاحها بالبراءة: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة:1]، ومرجع أكثر ما ذكر فيها إليها؛ لأن أكثر ما ذكر في الآية راجع إلى صدرها، وهو قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة:1]. الاسم الثاني: وهو أشهر أسمائها سورة: (التوبة)، لتكرر ذكر التوبة في هذه السورة الكريمة، كقوله تعالى: {فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [التوبة:3]، وقوله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ} [التوبة:5]، وقوله: {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [التوبة:27]، وقوله: {فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ} [التوبة:74]، وقوله: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة:102]، وقوله: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ} [التوبة:117]، وقوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [التوبة:104]، وقوله: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} [التوبة:112] إلى آخره، فهذان الاسمان أشهر أسماء هذه السورة: سورة براءة، وسورة التوبة. الاسم الثالث: (الفاضحة) فقد أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لـ ابن عباس رضي الله عنهما: سورة التوبة، قال: التوبة هي الفاضحة، السورة التي فضحت المنافقين، ما زالت تنزل ومنهم: ومنهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحداً منهم إلا ذكر فيها، ما زالت تنزل في السورة: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} [التوبة:75] {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي} [التوبة:49] {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة:58] ومنهم من كذا، تفضح أخبار المنافقين، وتهتك سترهم؛ ولذلك سميت: الفاضحة، حتى ظنوا أنها لم تبق أحداً منهم إلا ذكر فيها، فكانوا يشتكون من نزول مزيد من الآيات لأنها تفضح وتكشف وتهتك أستار المنافقين. الاسم الرابع: (سورة العذاب)؛ وذلك لتكرر ذكره فيها. الاسم الخامس: (المقشقشة) والقشقشة معناها: التبرئة، وهي مبرئة من النفاق، عندما تصف المنافقين بأفعال فمن تنزه عنها فإنه يبرأ من النفاق ويكون من المؤمنين. الاسم السادس: (المنقرة)؛ لأنها نقرت عما في قلوب المشركين أي: كشفت وأخرجت ما في قلوبهم، والمنقرة يعني: التي بحثت، كما قال تعالى: {غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ} [المائدة:31] أي: ينبش ويحفر؛ فلذلك سميت المنقرة؛ لأنها بحثت وفتشت في قلوب المنافقين. الاسم السابع: (البحوث) صيغة مبالغة من البحث أي: في قلوب المنافقين. الاسم الثامن: (الحافرة)؛ لأنها حفرت عن قلوب المنافقين، يعني: بحثت عنها. الاسم التاسع: (المثيرة)؛ لأنها أثارت مثالبهم وعوراتهم، أي: أخرجتها من الخفاء إلى الظهور. الاسم العاشر: (المبعثرة)؛ لأنها بعثرت أسرارهم، يعني: كشفت وأظهرت أسرار المنافقين. الاسم الحادي عشر: (المدمدمة) يعني: المهلكة. الاسم الثاني عشر: (المخزية). الاسم الثالث عشر: (المنكلة) يعني: المعاقبة للمنافقين. الاسم الرابع عشر: (المشردة) يعني: الطاردة لهم والمفرقة لجمعهم. فليس في السور أكثر أسماء منها ومن الفاتحة.
سبب ترك كتابة البسملة في سورة التوبة
سبب ترك كتابة البسملة في سورة التوبة للسلف في وجه ترك كتابة البسملة في هذه السورة والتلفظ بها أقوال: يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: اعلم أولاً أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكتبوا سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) في سورة براءة، وهذا في المصاحف العثمانية، خلافاً لقراءة ابن مسعود ففيها البسملة؛ لكن في المصاحف العثمانية، لم يكتب الصحابة رضي الله تعالى عنهم سطر (بسم الله الرحمن الرحيم). واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة منها على أقوال: الأول: أن البسملة رحمة وأمان، وبراءة نزلت بالسيف، فليس فيها أمان، وهذا القول مروي عن علي رضي الله تعالى عنه وسفيان بن عيينة، وقد روى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لِم لم تكتب في براءة البسملة؟ قال: لأنها أمان؛ أي: لأن البسملة أمان فيها اسم الله تعالى، وفيها الرحمة العامة والخاصة. ويقولون: لأنها أمان، وبراءة نزلت بالسيف، فنزولها لرفع الأمان الذي يأبى مقامه التصدير بما يشعر بقائه من ذكر اسمه تعالى مشفوعاً بوصف الرحمة، فلم يناسب ذكر اسم الرحمن الرحيم والبسملة لما في ذلك من نقض الأمان وتوعد المشركين؛ ولذا قال ابن عيينة: اسم الله سلام وأمان، فلا يكتب في النبذ والمحاربة. فهذه الآية تعلن نبذ العهود، وإعلان الحرب على المشركين بعد المهلة التي سنبينها -إن شاء الله- فهذا يتنافى مع ذكر البسملة التي فيها الرحمة، وفيها لفظ الجلالة واسم الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} [النساء:94] فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد كتب إلى أهل الحرب البسملة، فلما كتب إلى أهل الحرب كـ كسرى وقيصر كتب: (بسم الله الرحمن الرحيم). قال: إنما ذلك ابتداء منه يدعوهم، كانت مرحلة دعوة، فابتدأ هو بالدعوة، ولم ينبذ إليهم، ألا تراه يقول: (سلام على من اتبع الهدى)، فمن دُعي إلى الله عز وجل فأجاب، فقد اتبع الهدى، فظهر الفرق، أما هنا: فالسياق بخلاف ذلك، وكذا قال المبرد: إن التسمية افتتاح للخير، وأول هذه السورة وعيد ونقض عهود؛ فلذلك لم تفتتح بالتسمية. الثاني: أن ذلك على عادة العرب إذا كتبوا كتاباً فيه نقض عهد أسقطوا منه البسملة، فلما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم، علياً رضي الله عنه ليقرأها عليهم في الموسم -يعني: الحج- قرأها ولم يبسمل على عادة العرب في شأن نقض العهد، نقل هذا القول بعض أهل العلم ولا يخفى ضعفه. الثالث: أن الصحابة لما اختلفوا هل البراءة والأنفال سورة واحدة أم سورتان، تركوا بينهما فرجة لقول من قال: إنهما سورتان، وتركوا البسملة لقول من قال هما سورة واحدة، فرضي الفريقان وثبتت حجتاهما في المصحف، وهذا الكلام فيه نظر؛ لأن الحاكم يقول: استفاض النقل أنهما سورتان، ويقول أبو السعود في تفسيره: اشتهارها بهذه الأسماء -يعني: إذا كانت السورة اشتهرت بأربعة عشر اسماً- يقضي بأنها سورة مستقلة وليست بعضاً من سورة الأنفال، ومعنى ذلك أن سورة هي أكثر سورة من حيث عدد أسمائها، فكيف بعد ذلك يشك هل هي سورة أم سورتان مع الأنفال؟! فطبعاً اشتهارها بأربعة عشر اسم يؤكد أنها سورة مستقلة، وليست امتداداً لسورة الأنفال؛ لكن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا، كما سنبين إن شاء الله تعالى فيما يأتي، هل هي امتداد لسورة الأنفال؛ بسبب وجود بعض التشابه بينهما أم أنها سورة مستقلة؟ فلما اختلفوا إلى فريقين: فريق يرى أنها امتداد لسورة الأنفال، وفريق يرى أنها سورة مستقلة، كان هناك نوع من الحل الوسط، يرضي الفريقين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فتركوا بينهما فرجة، ففي المصحف العثماني ختمت سورة الأنفال ثم تركت مسافة تكفي لكتابة (بسم الله الرحمن الرحيم)، وهذه الفرجة لا توجد بين أجزاء السورة الواحدة، إنما من شأنها أنها توجد بين السورتين، وفي نفس الوقت لم يكتبوا في الفرجة (بسم الله الرحمن الرحيم) إشارة إلى اختلافهم على مذهبين: ترك البسملة بناءً على قول من ذهب إلى أنهما سورة واحدة، وإيجاد الفرجة للدلالة على قول من قال: إنهما سورتان، وشأن السورتان أن يفصل بينهما بهذه الفرجة. يقول الشنقيطي: ومنها أن الصحابة لما اختلفوا: هل البراءة والأنفال سورة واحدة أو سورتان؟ تركوا بينهما فرجة لقول من قال: إنهما سورتان، وتركوا البسملة لقول من قال: هما سورة واحدة، فرضي الفريقان، وثبتت حجتاهما بالمصحف. الرابع: أن سورة براءة نسخ أولها، فسقطت معه البسملة، وهذا القول: رواه ابن وهب وابن القاسم، وابن عبد الحكم عن مالك، كما نقل القرطبي عن ابن عجلان وسعيد بن جبير: أنها كانت تعدل سورة البقرة. الخامس: قال القرطبي: والصحيح أن البسملة لم تكتب في هذه السورة؛ لأن جبريل لم ينزل بها فيها، قاله القشيري. قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى بعد أن استعرض هذه الأقوال: وأظهر الأقوال عندي في هذه المسألة: أن سبب سقوط البسملة في هذه السورة: هو ما قاله عثمان رضي الله عنه لـ ابن عباس، فقد أخرج النسائي والترمذي وأبو داود والإمام أحمد وابن حبان والحاكم وصححه، ولم يخرجاه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت لـ عثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)، ووضعتموهما في السبع الطول، فما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان رضي الله عنه: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا أنزل عليه شيء يدعو بعض من يكتب عنده، فيقول: ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة، وبراءة من آخر ما أنزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهةً بقصتها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فظننت أنها منها)، فمن ثم قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتها في السبع الطول. هذا الحديث يؤخذ منه: أن ترتيب آيات القرآن الكريم في السورة الواحدة بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذه الآية في الموضع الفلاني يليها كذا، هذا تم بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم، وبلا شك أن ترتيب الآيات توقيفي، ليس عن اجتهاد من الصحابة، وإنما هو بتوقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم، كما يفهم منه أيضاً: أن ترتيب سوره بتوقيف أيضاً، ما عدا سورة واحدة، هي سورة التوبة، وهذا هو أظهر الأقوال، ودلالة الحديث عليه ظاهرة. التنبيه الثاني: قال أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله تعالى: في هذا الحديث دليل على أن القياس أصل في الدين، ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، وقال: إن سورة الأنفال تشبه سورة التوبة، فعند افتقاد النص من النبي عليه الصلاة والسلام على موضع سورة براءة، لجأ الصحابة إلى القياس من حيث الشبه من حيث المعنى، فوجدوا التوبة أشبه من حيث المعنى بسورة الأنفال. يقول: ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة براءة شبيهةٌ بقصة الأنفال فألحقوها بها، فإذا كان القياس يدخل في تأليف القرآن الكريم فما ظنك بسائر الأحكام، يعني: الأولى أن يعتد بالقياس الصحيح فيها.
شرح أثر عثمان في بيان سبب حذف البسملة من سورة التوبة
شرح أثر عثمان في بيان سبب حذف البسملة من سورة التوبة وهنا نحتاج لشرح بعض الألفاظ في هذا الحديث، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت لـ عثمان ما حملكم -يعني: ما هو الباعث لكم- على أن عمدتم -أي: قصدتم- إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)، فوضعتموهما في السبع الطول؟ فما حملكم على ذلك؟ يقول بعض العلماء: القرآن يقسم على تقسيم معين، فأول القرآن السبع الطوال، ثم ذوات المئين، ثم المثاني، ثم المفصل، فالسبع الطوال هي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، وستأتي السابعة، يلي هؤلاء ذوات المئين وهي السور ذوات المئات التي فيها مائة آية، ثم المثاني، ثم المفصل. قوله: (الأنفال وهي من المثاني) يعني: من السبع المثاني، وهي السبع الطوال، وقال بعضهم: المثاني من القرآن ما كان أقل من المئين، وهي السور التي تقل عن مائة آية. وإذا نظرنا إلى عدد آيات سورة الأنفال نجد أنها خمس وسبعون آية، وهي أقل من مائة؛ فلذلك اعتبرها من المثاني؛ لأن المثاني هي ما كانت أقل من مائة آية؛ ولذلك قال: وهي من المثاني، وأنتم تعرفون أيضاً: أن القرآن جميعه أحياناً يسمى مثاني: {مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر:23]. وقال في النهاية: المثاني السور التي تقصر عن المئين، يعني: تقل عن مائة آية، وتزيد عن المفصل: كأن المئين جُعلت مبادئ، والتي تليها مثاني؛ كأن المئين: أول شيء يبدأ بها، والمثاني: ما يثنى به؛ ولذلك قيل: مثاني، فالقرآن كأنه يقسم إلى ما كان فوق المائة وهي المئين والسبع الطوال وما كان دون المائة، وهي المثاني؛ ولذلك سميت الأنفال من المثاني، لأنها أقل من المائة. وقوله: (عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين) لأن سورة التوبة (129) آية، (فقرنتم بينهما) يعني: مع أن الأنفال ليست من السبع الطوال لقصرها عن المئين؛ لأنها خمسون وسبعون آية، وليست غيرها؛ لعدم الفصل بينها وبين براءة فيقول هنا: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تفصلوا بينهما بسطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتموهما في السبع الطول؟ فما حملكم على ذلك؟ قال الطيبي: دلّ هذا الكلام على أنهما نزّلتا منزلة سورة واحدة، وكمل السبع الطوال بها، يعني: السبع الطوال متفق على ست منها، وبعض الناس يعد السبع الطوال ابتداء من الفاتحة، فيقول: الفاتحة، البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، وعلى هذا القول تنتهي السبع الطوال بالأعراف، وبعضهم يقول: تبدأ بالبقرة، وبعضهم يقول: سابعة السبع الطوال هي الأنفال، وبعضهم يقول: بل السابعة هي مجموع الأنفال والتوبة، وبعضهم يقول: بما أن هناك اختلافاً ما بين الأنفال والتوبة، فالسابعة هي: يونس، وهو قول غريب! فهذا بالنسبة لخلاف العلماء، يقول الإمام الطيبي: دلّ هذا الكلام على أنهما نزّلتا -أي: الأنفال والتوبة- منزلة سورة واحدة، وكمل السبع الطوال بها، وعلى هذا فالسورة السابعة من السبع الطوال، هي: التوبة والأنفال، مجموعهما، عوملتا كسورة واحدة. ومن ثم قيل: السبع الطوال هي البقرة، وبراءة، وما بينهما، وهذا هو المشهور؛ لكن روى النسائي والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما: إنها البقرة والأعراف وما بينهما، قال الراوي: وذكر السابعة فنسيتها، وهو يحتمل أن تكون الفاتحة، فإنها من السبع المثاني، ونزّلت سبعتها منزلة المئين، ويحتمل أن تكون الأنفال بانفرادها، أو بانضمام ما بعدها إليها. وصح عن ابن جبير: أنها يونس، فهذا وجه الخلاف في تحديد السبع الطوال. المهم: أن ابن عباس لما قال لـ عثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتموهما في السبع الطوال؟ فما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان رضي الله تعالى عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أُنزل عليه شيء يدعو بعض من يكتب عنده من كتبة الوحي -كـ زيد بن ثابت ومعاوية رضي الله تعالى عنهما وغيرهما- فيقول: (ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا)، وهذه إشارة إلى ترتيب الآيات داخل السورة الواحدة، وأن هذا الترتيب للآيات كان توقيفياً، قال: (وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة، وبراءة من آخر ما أنزل من القرآن) والتعبير هنا بقوله: (من آخر) دقيق، يعني: كأنه لم يقطع بكونها آخر، باعتبار أن سورة النصر هي آخر ما نزل من القرآن الكريم، قال: (وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها) أي: لم يبين لنا أن التوبة امتداد للأنفال، بخلاف سائر سور القرآن؛ لأنهم كانوا يعرفون ترتيب سورة القرآن بتوقيف من النبي عليه الصلاة والسلام، ما عدا هذا الموضع بالذات. يقول: (ولم يبين لنا أنها منها، فظننت أنها منها -بناءً على قياس الشبه لما لاحظوا الشبه بين الأنفال وبين التوبة- فمن ثم قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتها في السبع الطوال).
تفسير قوله تعالى: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين)
تفسير قوله تعالى: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) قال تبارك وتعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة:1]. (براءة) خبر لمحذوف، يعني: هذه براءة، فالمحذوف هو خبر مقدم تقديره: هذه براءة، وتنوين (براءةٌ) للتفخيم. والبراءة في اللغة: انقطاع العصمة، يقال: برئت من فلان براءة، أي: انقطعت بيننا العصمة، ولم يبق بيننا علاقة ولا رابطة، وانقطعت العصمة والعهد الذي بيننا. يقول ابن إسحاق: (نزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم: ألا يصد عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام، وكان ذلك عهداً عاماً بينه وبين الناس من أهل الشرك) والعهود كانت كثيرة مع قبائل العرب، فمنهم من عوهد إلى أجل معلوم، فصلح الحديبية كانت مدته عشر سنوات، ومن سنة ست من الهجرة بدأ تنفيذ صلح الحديبية، وكانت هناك عقود أخرى مع بعض القبائل، لكنها عهود غير مؤقتة، وبعضها كانت عقود مؤقتة، إما أقل من أربعة أشهر، وإما أكثر من أربعة أشهر، فهذه السورة نزلت لبيان انتهاء نوع من هذا العقود كما سوف نبينه إن شاء الله تعالى. قوله: (فكان ذلك عهداً عاماً بينه وبين الناس من أهل الشرك) أي أن أي شخص يريد البيت الحرام فلا يصده أحد؛ كذلك لا يخوف ولا يعتدى على أحد في الشهر الحرام، وكانت هناك عهود بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من العرب إلى آجال مسماة، فنزلت فيهم وفيمن تخلف من المنافقين عنه في تبوك، وفي قول من قال منهم، فكشف الله تعالى سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون. وقال ابن كثير: وأول هذه السورة نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك وهَمّ بالحج، ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك، ولهم عادة سيئة وقبيحة من بدع الجاهلية أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة بلا ثياب، فكره النبي عليه الصلاة والسلام أن يحج معهم، وهم يطوفون حول البيت بهذه الهيئة القبيحة، فكره صلى الله عليه وسلم مخالطتهم، وبعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميراً على الحج تلك السنة؛ ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين ألا يحجوا بعد عامهم هذا، وأن ينادى بالناس: ((بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ))، فلما قفل أتبعه بـ علي بن أبي طالب ليكون مبلغاً عنه صلى الله عليه وسلم لكونه عصبة له كما يأتي؛ لأن علي بن أبي طالب من عصبة النبي عليه الصلاة والسلام وابن عمه، فبعدما بعث أبا بكر لذلك أكد بإرسال علي ليبلغ باسمه المشركين بانقضاء هذا العهد: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
تفسير قوله تعالى: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين)
تفسير قوله تعالى: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين) قال تعالى: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} [التوبة:2]. ((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)) فقولوا لهم: سيحوا في الأرض، أي: سيروا في الأرض بعد نبذنا العهد آمنين من القتل والقتال مدة أربعة أشهر، فلكم مدة أربعة أشهر، وهذا الخطاب موجه لطائفة معينة من المعاهدين سوف نبينهم إن شاء الله، أي: لكم أن تسيروا في الأرض بحرية لمدة أربعة أشهر، وقد بيَّن الله تعالى في سورة الأنفال أن المسلمين بينهم وبين المشركين عهد: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال:58]، فهذا نبذ للعهد، وإعلان لانقضاء العهد، وهناك مهلة زمنية لكم تتحركون فيها بحرية لمدة أربعة أشهر لا يتعرض لكم أحد، لكن بعد انتهائها، لا يوجد عهد بيننا وبينكم. وتبدأ هذه الأربعة أشهر من يوم النحر؛ لأنه بعد ذلك قال: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} [التوبة:3] أي: يوم النحر، فهي من أول أيام عيد الأضحى إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر. والمقصود من هذا الأمر: ((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)) أي: أنتم آمنون، فسيروا في الأرض حيث شئتم، فالمقصود تأمينهم من القتل وتفكرهم واحتياطهم ليعلموا أنه ليس لهم بعدها إلا السيف، وليعلموا قوة المسلمين إذ لم يخشوا استعدادهم لهم، وهذه الأربعة الأشهر كانت عهداً لمن له عهد دون الأربعة الأشهر فأتمت له، فإن من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كانت لقوله تعالى: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التوبة:4]، ويوضح هذا العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة:1 - 2]، فيقول الشنقيطي: ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الكفار المعاهدين: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ) فقوله: (الذين) تفيد عموم أي فئة من المعاهدين من الكفار: ((إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ))، فظاهر الآية يفيد العموم، عموم كل من عاهده المسلمون، فَيُفهم منها أنه بعد انقضاء أشهر الإمهال الأربعة المذكورة في قوله: ((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)) أنه لا عهد لكافر، فمعناها: بعدما تمر أربعة أشهر، لا يبقى لأي كافر على الإطلاق مهما كانت مدة عهده عهد، وتكون نبذت ونقضت جميع العهود، وفي هذا اختلاف كثير بين العلماء، والذي يبينه القرآن الكريم ويشهد له من تلك الأقوال، هو أن محل ذلك إنما هو في أصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة بوقت معين، أو من كانت مدة عهده المؤقت أقل من أربعة أشهر، يعني: هذه البراءة وهذا الكلام بلفظ العهود، يتناول طائفتين من الناس، الأولى: هي طائفة أصحاب العهود المطلقة غير المؤقتة بوقت معين، فهؤلاء أول من يقصدون بهذه البراءة، الذين هم أصحاب العهود المطلقة التي لم يحدد لها أجل أو نهاية، هذا هو القسم الأول. القسم الثاني: من كانت مدة عهده مؤقتة ومؤجلة لأقل من أربعة أشهر. وقد روى الأئمة هاهنا آثاراً كثيرة فيما يتعلق بنزول هذه السورة المباركة، قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ فأراد الحج -أراد أن يحج في هذه السنة- ثم قال: (إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج)، أبى النبي عليه الصلاة والسلام أن يحج، والحال أن المشركين على عادتهم القبيحة، فلم يحب أن يحج ولا أن يذهب إلى البيت إلا بعد أن يقضي على هذه العادة القبيحة، فأرسل أبا بكر وعلياً فطافا بالناس في ذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحاب العهد أن يؤمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر المتواليات، عشرون من ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم، وآذن الناس كلهم بالقتال إلى أن يؤمنوا، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فهو له إلى مدته، فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فلما رآه أبو بكر بالطريق قال: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج الذي كانوا عليه في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس! إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة، إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة، فهو له إلى مدته. فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في المؤذنين، بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى، يعني: يعلنون للناس في منى: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد: ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بـ علي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة، يعلن عليهم هذه البراءة، وقال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منىً يوم النحر ببراءة، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وإنما قيل: (يوم الحج الأكبر)؛ لأن الناس عادتهم أنهم يسمون العمرة: الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام إلى آخره. وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه في رواية أخرى: فكنت أنادي حتى صحل صوتي، -بالصاد- يعني: بح صوتي من كثرة ما كان يعلن في الموسم هذا البيان.
تفسير قوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم)
تفسير قوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم) قال تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة:3]، من أقبح أنواع اللحن هنا أن يقال: أن الله بريء من المشركين ورسولِهِ -والعياذ بالله- ولو قصدها رجل ربما كفر، لأن عطف الرسول على المشركين (بريء من المشركين ورسوله) معناه: أن الله بريء أيضاً من الرسول عليه الصلاة والسلام! وهذا من أقبح ما يقع من اللحن، فيجب أن ينتبه إلى ذلك. {فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [التوبة:3] أي: إن تبتم -أيها المشركون- من كفركم ورجعتم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد فهو خير لكم من الإقامة على الشرك والضلال والفساد. {وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} [التوبة:3] يعني: عن الإيمان وأبيتم إلا الإقامة على ضلالكم وشرككم {فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ} [التوبة:3] أي: غير فائتين أخذه وعقابه، لن تفوتوا الله سبحانه، بل الله قادر عليكم وإن أمهلكم. {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [التوبة:3] وكلمة (بشّر) هذه فيها نوع من التوبيخ والتهكم الشديد (وبشر الذين كفروا) يعني: الذين جحدوا نبوتك وخالفوا أمر ربهم {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة:3] فالشخص إذا سمع كلمة (بشّر) يفرح ويتوقع كلاماً يكون بشرى، وأن هذه بشارة فإذا سمع: (بعذاب أليم) يصدم بصدمة عكسية؛ لأنها عكس ما تؤديه كلمة البشارة، فهذا فيه تهكم بهم. (وبشر الذين كفروا بعذاب أليم) أي: موجع يحل بهم، وفيه من التهكم والتهديد ما فيه، كي لا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب، فإن العذاب الشديد معد لهم يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا إن الله يحب المتقين)
تفسير قوله تعالى: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً إن الله يحب المتقين) ثم استثنى تعالى من ضرب مدة التأجيل لمن له عهد مطلق بأربعة أشهر: من له عهد مؤقت، فكل ما مضى يتعلق بطائفتين: الأولى: من كان له عهد مدته أقل من أربعة أشهر فهذه المدة تكمل إلى أربعة أشهر. الثانية: من كان له عهد مطلق غير مؤقت بوقت، فإنه يرد إلى أربعة أشهر. ويبقى هنا استثناء فيمن كان له عهد مؤقت مؤجل إلى مدة مضروبة عوهد عليها تزيد على مدة الأربعة الأشهر، فقال سبحانه وتعالى: {إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة:1] يوجد شرط {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:4]. قوله: (ثم لم ينقصوكم شيئاً) يعني: لم ينقصوكم شيئاً من شروط هذا الميثاق والعهد الذي بينكم وبينهم، فلم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط، وفي قراءة: (ثم لم ينقضوكم شيئاً) يعني: ثم لم ينقضوا عهدكم شيئاً، من النقض، وكلمة (ثم) للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمام المدة، يعني: مع أن المدة تتطاول وتمر، لكن ثبت أنهم مواظبون وملتزمون بالعهد، فكلمة (ثم) تفيد أنهم ثابتون على العهد محترمون الميثاق مع تمادي المدة؛ لأن هذا التمادي تدل عليه كلمة (ثم لم ينقصوكم شيئاً). (ولم يظاهروا) يعني: لم يعاونوا عليكم أحداً أي: عدواًَ من أعدائكم (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) ما هي هذه المدة؟ التفسير الأرجح -والله أعلم- أن المدة هي المدة الثابتة في الاتفاق، وقد تزيد على أربعة أشهر، لكن هناك قول لـ مجاهد أن (أل) هنا للعهد، فالمدة هي إشارة إلى أربعة أشهر. ثم حرض تعالى على الوفاء بذلك منبهاً على أنه من باب التقوى فقال عز وجل: (إن الله يحب المتقين) يعني: فاتقوه في المحافظة على العهود وعدم نقضها.
تفسير قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم إن الله غفور رحيم)
تفسير قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم إن الله غفور رحيم) قال تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:5]. (فإذا انسلخ) يعني: انقضى، (الأشهر الحرم) والأشهر الحرم هي مدة الإمهال، هذا هو الراجح، فلا تفسر بقوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة:36]؛ لأن هذه الأربعة الحرم هي عبارة عن شهر رجب، ثم ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. وهذه الأشهر الحرم ليست متصلة؛ لأن شهر رجب منفرد لوحده، ثم هذه الشهور الثلاثة الأخرى التي هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم متصلة؛ لكن سياق الكلام هنا واضح في أن المقصود بقوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) أنها أشهر متصلة بعضها ببعض، {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة:2] فلذلك فإن الراجح هنا: تفسير الأشهر الحرم بأنها أشهر الإمهال الأربعة، وليست الأشهر الحرم التي ذكرت في موضع آخر في هذه السورة الكريمة. (فإذا انسلخ) يعني: إذا انقضى، (الأشهر الحرم) أي: أشهر الإمهال التي أبيح للذين عوهدوا فيها أن يسيحوا في الأرض وحرم فيها قتالهم: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) أي: في أي مكان في حلّ أو في حرام. قال ابن كثير: هذا عام والمشهور تخصيصه بغير الحرم، لتحريم القتال فيه، يعني أن: بعض المفسرين قالوا: (حيث وجدتموهم) هذه عامة في أي مكان تجدوهم فيه حتى لو كانوا داخل الحرم الشريف، لكن الإمام ابن كثير يقول: هذا وإن كان ظاهره أنه عام، لكن المشهور أنه يخصص، فلا ينبغي أن يقتل الكافر داخل الحرم لتحريم القتال فيه، لقوله تعالى: {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة:191]. ((فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ)) يعني: ائسروهم أسراً (واحصروهم) أي: احبسوهم في المكان الذي هم فيه، لئلا يتخبطوا في سائر البلاد، (واقعدوا لهم) اقعدوا لقتالهم (كل مرصد) يعني: في كل طريق وممر، (فإن تابوا) أي: عن الكفر، (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) يعني: اتركوا التعرض لهم. (إن الله غفور رحيم) أي: يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر. يوضح الشنقيطي رحمه الله تعالى هنا المقصود من قوله تعالى: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ))، وقد بينا أن الأشهر الحرم تبدأ من يوم النحر؛ لأنه هو يوم الحج الأكبر على الراجح، وقيل: يبدأ من يوم عرفة باعتبار قول من يذهب إلى أن يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة، قال رحمه الله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم)، اختلف العلماء في المراد بالأشهر الحرم في هذه الآية، فقال ابن جرير: إنها المذكورة في قوله تعالى: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة:36]، قاله أبو جعفر الباقر. لكن السياق يدل على أن المراد بها أشهر الإمهال المذكورة في قوله: ((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ))، قال ابن كثير: والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد بها: الأشهر الأربعة المشار إليها بقوله: ((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)). ثم قال: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ)) أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم قتالهم فيها وأجلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، ومعنى هذا الكلام أن قوله تعالى: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ)) فالأشهر هنا (أل) فيها للعهد، وهذا العهد يعود على مذكور وهو قوله: ((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ))، فالعهد يعود هنا إلى مذكور، وهو أولى من أن يعود إلى مقدر وهو الأشهر التي في قوله: (منها أربعة حرم) مع أن هذه الأشهر الأربع الحرم سيأتي حكمها فيما بعد في آية أخرى. ولذلك يكرر الشنقيطي هنا قول الإمام القاسمي رحمه الله تعالى فيقول: ما ذكرناه من أن المراد بالأشهر الحرم، أشهر العهد، هو الذي اختاره الأكثرون، سماها حرماً لتحريم قتال المشركين فيها ودمائهم، فسميت حرماً هنا؛ لتحريم الدماء في هذه الفترة التي هي: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)، فسميت حرماً لتحريم التعرض للمشركين فيها وتحريم قتالهم خلال هذه الأربعة الأشهر، فالألف واللام للعهد، ووضع المظهر موضع المضمر، ليكون ذريعة إلى وصفها بالحرمة. ومعنى قوله: وضع المظهر موضع المضمر، يعني أنه تعالى قال: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) ومقتضى السياق أن يقول الله سبحانه وتعالى (فإذا انسلخت) يعني: الأربعة أشهر التي سبق ذكرها من قبل في قوله: ((فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ))؛ لكنه عدل عن التعبير عنها بسياق الغيبة إلى قوله: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ))، لأنه إذا عبر عنها بالغائب، فلن يمكن وصفها بكونها حرماً، لكن لما قال: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) أمكن هنا: أن توصف بكونها حرماً، بخلاف ما لو استعمل المضمر، فإنه لن توجد كلمة (الحرم) والمقصود بوصفها حرم أنه يحرم فيها قتل المشركين والتعرض لهم خلالها؛ فلذلك يقول هنا: فالألف واللام: للعهد، يعني: الأشهر التي سبق الكلام عليها آنفاً قريباً، ووضع المظهر، وهي كلمة الأشهر، موضع المضمر فلم يقل: فإذا انسلخت، ليكون ذريعة إلى وصفها بالحرمة (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) تأكيداً لما ينبه عنه إباحة السياحة من حرمة التعرض لهم؛ لأن قوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) أي: قولوا لهم: سيحوا وسيروا في الأرض آمنين أربعة أشهر، فهنا وصفها تأكيداً لهذا المعنى، الذي هو الأمان لهم في خلال أربعة أشهر، بأن قال: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) فهذا تأكيد؛ لأن دماءهم يحرم التعرض لها في خلال هذه الأشهر، مع ما فيه من مزيد من الاعتناء بشأن هذه الأشهر، وقيل: المراد بالأشهر الحرم: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، روي ذلك عن ابن عباس والضحاك والباقر واختاره ابن جرير وضعِّف، أي: ضعف هذا القول؛ لأنه لا يساعده النظم الكريم، لأنه يأباه ترتبه عليه بالفاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ))، فهذا مخالف للسياق الذي يقتضي توالي هذه الأشياء: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) يعني: مجرد أن ينقضي تواليها حينئذ تنتهي، فالترتيب بالفاء يدل على التوالي، والأشهر الحرم المذكورة في الآية الأخرى: (منها أربعة حرم) غير متوالية، فرجب مفرد، ثم بعد ذلك: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، على طرد ونسق واحد. قال ابن القيم: (الحرم هنا، هي أشهر التسيير: فسيروا في الأرض أربعة أشهر، أولها: يوم الأذان، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الحج الأكبر، الذي وقع فيه التأذين بذلك، وآخرها العاشر من ربيع الآخر، وليست هي الأربعة المذكورة بقوله: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة:36]، فإن تلك واحد فيها فرد هو رجب، وثلاثة فرد هي ذو القعدة وتالياه، ولم يسير المشركون في هذه الأربعة فإن هذا لا يمكن؛ لأنها غير متوالية، وهو إنما أجزأ لهم أربعة أشهر، ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم) وبالعقل: لو أن المقصود: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) الأشهر الحرم التي هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، فإن عندنا الأشهر التي بين رجب وذو القعدة وهي شعبان، رمضان، شوال، وعلى هذا تكون سبعة أشهر، فالأشهر الحرم في قوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) يكون معناها: عدوا سبعة شهور وليس أربعة شهور، فالأقرب هنا والراجح: أنها أربعة أشهر كما ذكرنا. ثم قال تبارك وتعالى: ((فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ))، الأمر بتخلية السبيل معلّق على شروط ثلاثة: الأول: (فإن تابوا) أي: عن الشرك، ووحدوا الله سبحانه وتعالى ودخلوا في الإسلام. الثاني: إقام الصلاة. الثالث: إيتاء الزكاة، فحيث لم تحصل هذه الشروط جاز ما تقدم من القتل والأخذ والحصر؛ ولهذا اعتمد الصديق رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه! يعني: قتال أبي بكر رضي الله تعالى عنه لمانعي الزكاة، وليس كل قتال أبي بكر كان قتالاً للمرتدين، وقد أطلقت كلمة: حرب الردة تغليباً؛ لأن من امتنع من أداء الزكاة قاتلهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه باعتبارهم ممتنعين عن شريعة من شرائع الإسلام، ولا يلزم من هذا تكفيرهم، وهذا موضوع يحتاج إلى تفصيل، ولكن سأشير إليه هنا إشارة عابرة، وذلك لأن بعض الإخوة يتعاملون مع المراجع الفقهية بطريقة تحتاج لنوع من التحذير، فحينما ينقلون إجماع العلماء على أنه يجب على الإمام مقاتلة الطائفة التي تمتنع عن شريعة من شرائع الإسلام، كما هو مشهور ومعروف من كلام ابن تيمية وغيره من الأئمة، حتى لو ا
تفسير قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)
تفسير قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه) قال عز وجل: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ} [التوبة:6] يعني: إن استجارك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم، وهذا يكون بعد انقضاء مدة العهد التي هي الأربعة أشهر. (وإن أحد من المشركين استجارك)؛ لأنك تقدر على قتله، فلو كان لفترة العهد يكون غير وارد أصلاً أن يقتل؛ لوجود عهد، ووجود مدة المهلة التي هي أربعة أشهر؛ لكن الكلام هذا بعد انقضاء الأربعة أشهر، ويمكن أن يكون هذا في المشركين الذين لم يكن لهم عهد، وهم الذين نقضوا العهود وأمر بقتالهم. فالمعنى: إن استجارك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم، أي: استأمنك، فاستجارك: يعني طلب الجوار والأمان، واستأمنك بعد انقضاء أشهر العهد، فأجره إلى طلبته (حتى يسمع كلام الله) أي: القرآن الذي تقرأه عليه ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر، وتقوم عليه حجة الله به، فإن أسلم ثبت له ما للمسلمين، وإن أبى فإنه يرد إلى مأمنه، فلا تتعرض له، بل لا بد أنك توصله إلى المكان الذي يأمن فيه مثل قبيلته أو بيته أو بلدته، فإذا دخل بيته وداره وأوصلته بأمان فبعد ذلك يمكن أن تقاتله؛ لكن لا بد أن تبلغه إلى المكان الذي يأمن فيه، فانظر إلى عظمة الإسلام، وكيف أنه يحترم العهود حتى مع الكافرين! (ثم أبلغه مأمنه) تقيم عليه الحجة أولاً، وتعلمه القرآن، وتفهمه التوحيد، ثم بعد ذلك إن أجابك فهو مسلم، له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، أما إن أبى فإنه يجب عليك أن توصله إلى مكان الأمان الخاص به إما بيته أو قبيلته التي يأمن فيها، ثم قاتله إن شئت بعدما يأمن ويصل إلى مأمنه. (ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) (ذلك) يعني: أن هذا الأمر بالإجارة وبإبلاغه المأمن بسبب (أنهم قوم لا يعلمون) أي: أنهم جهلة، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويفهموا الحق ولا يبقى لهم معذرة. وقد دلت الآية على أن المستأمن لا يؤذى، فالمشرك إذا طلب منك الأمان وأعطيته الأمان يجب أن تحترم هذا العهد وهذا الأمان ولا تتعرض له بسوء، فمن الغدر أن الإنسان بعدما يؤمن شخصاً يقتله. ومن قلة الفقه ما سمعناه أن بعض الجنود الأفغان الذين يؤمرون بالخروج في جيوش الشيوعيين، وكان هناك بعض المجاهدين الجهلة الذين لم يكن عندهم فقه، يقول لهم الرجل من هؤلاء: لا إله إلا الله، ويبين لهم أنه مسلم، وأنه أكره على الخروج في حرب المجاهدين ومع ذلك فإنهم -هداهم الله- يقتلونه بمنتهى البساطة! فهذا من الجهل، ونظائر ذلك تحصل كثيراً في أماكن أخرى ولا داعي لأن نفجر الجراح من جديد؛ ولكن من أقسى ما سمعناه ما أذيع بالأمس، ونرجو أن يكون هذا الخبر كاذباً؛ لأنه لا يتصور أن يصدر من مسلم على الإطلاق، وأنا لا أكاد أصدق أن إنساناً عنده دين أو ينتسب إلى الإسلام -حتى لو كان فاسقاً أو شارب خمر- يفعل هذه الأشياء؛ فقد أذيع بالأمس أنه في الجزائر، ومعلوم أن الذي يذيع هذه الأخبار وكالات إعلام وأنباء أجنبية، يحتمل أن تكذب وتقصد بذلك التشهير، أن بعض الشباب المسلم في الجزائر أوقفوا سيارة وانتقوا منها من هم في سن التجنيد شباب، وذبحوهم ذبحاً بالسكاكين! وأرجو أن يكون هذا الكلام كاذباً؛ لأنه ليس من الممكن أن مسلماً يفعل هذا الفعل أبداً بأي صورة، وأن تراق الدماء بهذه الطريقة. إذا كان الله سبحانه يضع للمشرك نفسه هذه الحرمة أنه إذا استأمنك فإنك تؤمنه، فما بالك بما يحصل الآن؟! وأنا أستبعد أن يوجد من الإسلاميين في الجزائر من يصل جهله إلى هذا الحد، أشياء مؤلمة جداً نسمعها؛ ولكن الذي يخفف عنا أن بعض من يتبع المخابرات الحكومية في الجزائر هرب إلى فرنسا، وأعلن هناك في الجرائد أنه أكره على أن يقوم بقتل بعض المدنيين، ثم يدَّعون بعد ذلك أن المسلمين هم الذين قتلوا هؤلاء، فلعل هذا هو الشيء الوحيد الذي يجعل الإنسان يستريح، وأن تكون يد المسلمين نظيفة من مثل هذه الحماقات وهذا التجرؤ على حرمات المسلمين، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (فكيف بلا إله إلا الله؟!) كما في قصة أسامة بن زيد. الوصية الأبدية التي نوصي بها أنفسنا وكل أخ: إياك وإراقة دم مسلم بغير حق، إياك وإراقة الدماء، فإن المرء لا يزال في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً، أما إذا أراق دماً حراماً فهذه من الورطات التي لا يكاد يوجد مخرج لمن أوقع نفسه فيها، فالإنسان يجبن عند دماء المسلم، مهما يكن الأمر لا يتأول ولا يجترئ على هذه الحرمات المقطوع بحرمتها، والمحرمة يقيناً، فلا ينبغي أن تزول هذه الحرمة إلا بيقين مثله. أما ما يحصل من المهاترات والجهل، جهل هؤلاء الناس بالفقه وبحدود الله سبحانه وتعالى، فإنهم يسيئون من حيث يزعمون الإحسان، فحرمات المسلمين ليست بهذه الخفة وبهذه الحقارة حتى تنتهك بهذه الصورة التي نشهدها. يقول القاسمي: دلت الآية على أن المستأمن لا يؤذى، وأنه يمكن من العود من غير غدر به ولا خيانة؛ ولذا ورد في الترهيب من عدم الوفاء بالعهد والغدر ما يزجر أشد الزجر، فروى البخاري في تاريخه والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أمن رجلاً على دمه فقتله، فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً)، لأن هذا غدر، والمسلم لا يغدر. وروى أحمد والشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة)، وقال ابن كثير: من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء الرسالة أو التجارة أو طلب صلح، أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أماناً؛ أعطي ما دام متردداً في دار الإسلام إلى أن يرجع إلى مأمنه ووطنه. يعني: أن أي كافر حتى لو كان المسلمون في حالة حرب مع دولة كافرة -وهذا كلام أهل الفقه وأهل السير والجهاد- فدخل الكافر بعهد وبأمان إلى بلاد المسلمين، فيجب على جميع المسلمين أن يحترموا العهد، أعرف أن هذا الكلام قد يصدم عواطف كثير من الناس؛ لكن المسألة ليست بأمانيكم، وليست بعواطفنا؛ لكنها حدود الله سبحانه وتعالى، فهذا هو حكم الله سبحانه وتعالى: أنه ينبغي ما دام دخل بعهد وبأمان أن يحترم هذا المعاهد ولا يتعرض له بسوء إلى أن يرجع إلى مأمنه ووطنه؛ لأن التعرض لشخص أعزل ليست بطولة، ليست بطولة أن الإنسان يتعرض لرجل أعزل ما معه سلاح وما دخل ليقاتل، دخل لسبب من الأسباب بغض النظر عن هذا السبب، فلا يقتل ما دام أنه قد أمّن، وفي هذا العصر الأمان يعتبر: (الفيزة) والتأشيرة، فهذا يعتبر عهد أمان، وكما ينبغي أن يفعل ذلك في ديارنا، فنحن أيضاً لا نخلو من مئات وآلاف المسلمين يذهبون إلى بلاد هؤلاء الكفار للأمان، فهل نقبل أن المسلم يدخل بلادهم بأمان ثم ينقض عهده وأمانه ويتعرض له بسوء في داخل بلادهم؟! فنفس الشيء إذا دخل الكافر بلاد المسلمين بعهد وبأمان فلا ينبغي أن ينقض عهده، وسبق أن نبهنا على هذا المعنى في مناسبة سابقة. يقول ابن كثير: من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أماناً؛ أعطي ما دام متردداً في دار الإسلام، إلى أن يرجع إلى مأمنه ووطنه. وقال القاسمي: وإنما يجار ويؤمن إذا لم يعلم أنه يطلب الخداع والمكر، يعني: لا يعطى العهد إلا لشخص نأمن أنه يريد الخداع والمكر؛ لأنه تعالى علل لزوم الإجارة بقوله: (حتى يسمع كلام الله) لكن لو شككنا في أن أحداً يتجسس، فهذا أصلاً لا يعطى الأمان، والذي يعطي الأمان الآن هي السفارات والقنصليات كما تعلمون. وقال: تدل الآية على أنه يجوز للكافر دخول المسجد لسماع كلام الله لإقامة الحجة عليه، واستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن كلام الله بحرف وصوت قديمين وهم الحنابلة ومن وافقهم كـ العضد، قالوا: لأن منطوق الآية يدل على أن كلام الله يسمعه الكافر والمؤمن والزنديق والصديق (حتى يسمع كلام الله) فالذي يسمع كلام الله المشرك، والذي يسمعه جمهور الخلق ليس إلا هذه الحروف والأصوات، فدل ذلك على أن كلام الله هو هذه الحروف والأصوات، وهنا خطأ مطبعي، يبدو أن كلام القاسمي هو: فدل ذلك على أن كلام الله ليس هذه الحروف والأصوات، فأعتقد أن كلمة (ليس) هذه غير صحيحة. والقول: بأن كلام الله شيء مغاير لها باطل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يشير بقوله: كلام الله، إلا لها، وقد اعترف الرازي -مع أنه أشعري- بقوة هذا لإلزام من خالف فيه، وقد مضى لنا في قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164] بسط لهذه المسألة. التنبيه الأخير: يقول الرازي دلت الآية على أن التقليد غير كاف في الدين، وأنه لا بد من النظر والاستدلال؛ وذلك لأنه لو كان التقليد كافياً لوجب ألا يمهل هذا الكافر، بل يقال له: إما أن تؤمن وإما أن نقتلك، فلما لم يقل له ذلك، بل أمهل وأزيل الخوف عنه، ووجب تبليغه مأمنة؛ علم أن ذلك لأجل عدم كفاية التقليد في الدين، وأنه لا بد من الحجة والدليل؛ فلهذا أمهل ليحصل له النظر والاستدلال: (فأجره حتى يسمع كلام الله) وتقوم عليه الحجة وتصله البراهين، كما أن النقاش مع الكافر أو دعوته إلى الإسلام لا يشمل دخول: أسلم وإلا أقتلك، لكن إن استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، فيعطى فرصة ليفهم، وليس هذا فحسب، بل وتبلغه مأمنه.
التوبة [7 - 28]
تفسير سورة التوبة [7 - 28]
تفسير قوله تعالى: (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله)
تفسير قوله تعالى: (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله) قال الله تبارك وتعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:7]، في هذه الآية وما بعدها يبين الله سبحانه وتعالى الحكمة في البراءة من المشركين، وإنظاره إياهم أربعة أشهر، ثم بعدها السيف المرهف، فقال عز وجل: ((كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ)) أي: أمان. قوله: ((عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ)) يعني: وهم كافرون بهما، فهذا الاستفهام للإنكار والاستبعاد لأن يكون لهم عهد. قوله تعالى: ((إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)) يعني بذلك: أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية على ترك الحرب معهم عشر سنين. ثم قال: ((فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ)) يعني: إذا لم يزالوا مستقيمين على عهدهم مراعين لحقوقكم فاستقيموا لهم على عهدهم. ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)) يعني: فاتقوه في نقض عهد المستقيمين على العهد الذي ثبت بينكم وبينهم. قال ابن كثير: وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك والمسلمون، فاستمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد، ومالئوا حلفاءهم -وهم: بنو بكر- على خزاعة، فقتلوهم في الحرم، وخزاعة كانوا أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعند ذلك غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان سنة ثمان، ففتح الله على يديه البلد الحرام، ومكنه من نواصيهم ولله الحمد والمنة، فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم، فسموا الطلقاء، وكانوا قريباً من ألفين. أما من استمر على كفره وفر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد بعث إليه بالأمان والتسليم في أربعة أشهر، {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة:2] أي: يذهب حيث شاء، ومنهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، ثم هداهم الله سبحانه وتعالى إلى الإسلام.
تفسير قوله تعالى: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلا ولا ذمة)
تفسير قوله تعالى: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلاً ولا ذمة) قال تعالى: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} [التوبة:8] أي: كيف يكون لهم عهد والحال أنهم إن يظهروا عليكم -بعدما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق- لا يرقبون فيكم إلاً ولا ذمة؟! (إلاً) أي: قرابة، (ذمة) أي: عهد. وهذه الجملة مردودة على الآيات الأولى، فإنه قال أولاً: (كيف يكون للمشركين) ثم قال رداً عليهم ثانياً: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلاً ولا ذمة؟!) كيف يكون لهم عهد وحالهم ما ذكر؟! وفي هذا تحريض للمؤمنين على التبرؤ منهم؛ لأن من كان أسير الفرصة، مترقباً لها، لا يرجى منه دوام العهد، وهذه طبيعة المشرك الذي لا يخشى الله ولا يتقيه، وديدنه الغدر ونقض العهود والمواثيق. ثم استأنف تبارك وتعالى بيان حالهم المنافية لثباتهم على العهد، فقال عز وجل: {يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة:8]، (يرضونكم بأفواههم) أي: بالكلام المعسول والكلام الطيب. (وتأبى قلوبهم) يعني: وتنفر قلوبهم. (وأكثرهم فاسقون) متمردون لا عقيدة تسعهم، ولا مروءة تردعهم. وقال: (وأكثرهم) ولم يقل: وكلهم فاسقون؛ لما في بعض الكفرة من التجافي عن الغدر والتعفف عما يجر إلى أحدوثة السوء، وقد كان كثير من المشركين يتصون ويتعفف عن كثير من الخصال المذمومة كالكذب والغدر والخيانة، كما قال أبو سفيان أيام كفره لما قابل هرقل: فوالله! لولا أن يؤثر علي كذب لكذبت عليه.
تفسير قوله تعالى: (اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا)
تفسير قوله تعالى: (اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً) قال تعالى: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [التوبة:9] (اشتروا) أي: استبدلوا بآيات الله. (ثمناً قليلاً) يعني: من متاع الدنيا، والمقصود: أهويتهم الفاسدة. {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ} [التوبة:9] أي: فعدلوا عنه أو صدوا غيرهم، {إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة:9].
تفسير قوله تعالى: (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة)
تفسير قوله تعالى: (لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة) قال تعالى: {لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} [التوبة:10] يعني: المجاوزون الغاية في الظلم والمساوئ، وهذه هي طبيعة الكفر، وطبيعة الشخص الذي لا يؤمن بالله ولا يتقي الله سبحانه وتعالى إذا أمكنته الفرصة، وفي هذه السنوات الأخيرة تتجلى لنا هذه الطبيعة بصورة فاجرة لم يسبق لها مثيل تقريباً، فأنت ترى العالم كله يتنادى بما يسمونه حقوق الإنسان والمواثيق والعهود الدولية وقرارات مجلس الأمن إلى آخر هذه الخزعبلات، ثم هذه الأشياء تطبق على كل الناس إلا مع المسلمين، يستثنى المسلمون فيها، فحينما تنتهك حرماتهم وتسفك دماؤهم فلا حقوق إنسان ولا قوانين ولا معاهدات دولية ولا أي شيء من هذا، مادام هؤلاء مسلمين! كان ياسر عرفات يتحدث مع بعض الصحفيين ومنهم يهود، فكانوا يقولون له: ما هذا الذي تفعله السلطة الفلسطينية من القتل والتعذيب، وإهانة الشعب الفلسطيني، واعتقال الناس وتعذيبهم، حتى أن كثيراً منهم يموت في السجون من التعذيب؟! فرد عليهم ياسر عرفات قائلاً: لا تنسوا أننا نتعامل مع الإرهابيين، يعني: يريد أن يذكرهم بهذه القاعدة المتفق عليها بينهم، وكان يقصد حماس! فهؤلاء المنافقون واليهود لا يتذكرون حقوق الإنسان إلا مع غير المسلمين، أو مع أهوائهم، أما مع المسلمين فيستعملون الغدر والخيانة ونقض العهود، وما رأيناه في البوسنة والهرسك، وما نراه الآن في الشيشان، وما يحصل في فلسطين من غدر اليهود ونقضهم العهود، كل ذلك مما يجعل لمثل هذه الآيات الكريمات وقع خاص في نفوسنا الآن بعد التجارب المريرة التي ذقناها، فكأنها تتحدث فيما نعيشه اليوم!
تفسير قوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة)
تفسير قوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة) قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا} [التوبة:11] يعني: إن تابوا عما هم عليه من الكفر. قوله: {وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة:11] يعني: لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، فعاملوهم معاملة الإخوان، وفيه من استمالتهم واستجلاب قلوبهم مالا مزيد عليه. قوله: {وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [التوبة:11]، هذه جملة معترضة؛ للحث على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين، وعلى المحافظة عليها.
تفسير قوله تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم)
تفسير قوله تعالى: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم) قال تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} [التوبة:12] أي: إن نقضوا أيمانهم. قوله: {مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة:12] يعني: فقاتلوهم، وإنما أوثرت هذه الصيغة وهي قوله تعالى: ((فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ))، للإيذان بأن الذين قاموا بذلك ذوو رياسة وتقدم في الكفر، فهم أحقاء بالقتل والقتال. وقيل: المراد بالأئمة: رؤساؤهم وصناديدهم، وتخصيصهم بالذكر: إما لأهمية قتلهم لكونهم مظنة لها، أو للدلالة على استئصالهم، فإن قتلهم غالباً يكون بعد قتل من دونهم، لأنه لا يوصل إلى الرءوس إلا بعد هلاك من دونهم من الحراس ومن حولهم كما هو معروف في الحروب، فإنه يصعب أن يوصل للقائد حتى يهلك من حوله. {إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} [التوبة:12] (إنهم لا أيمان لهم) جمع يمين، يعني: لا عهود لهم على الحقيقة، حيث لا يراعونها ولا يعدون نقضها محذوراً، فهم وإن نطقوا بها لا عبرة بها، وفي قراءة: (إنهم لا إيمان لهم) يعني: لا إسلام ولا تصديق لهم حتى يرتدعوا عن النقض والطعن، فإن كان عندهم إيمان وإسلام فدين الإسلام يردع ويزجر الإنسان من الغدر والخيانة. (لعلهم ينتهون) يعني: عن الكفر والطعن ويرجعون إلى الإيمان.
تفسير قوله تعالى: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم)
تفسير قوله تعالى: (ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم) ثم حض الله على قتالهم بتهييج قلوب المؤمنين وإغرائهم بقوله سبحانه وتعالى: {أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة:13] (نكثوا أيمانهم) يعني: الأيمان التي حلفوها في المعاهدة. (وهموا بإخراج الرسول) يعني: من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة، كما ذكر الله سبحانه وتعالى في قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال:30]، فهذا نعي عليهم بجنايتهم القديمة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى أيضاً: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} [الممتحنة:1]، وقال أيضاً: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد:13]، وقال عز وجل أيضاً: {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ} [التوبة:40]، وقال عز وجل: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا} [الإسراء:76]. قوله تعالى: ((وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)) يعني: بالقتل يوم بدر، حين خرجوا لنصر عيرهم، فلما نجت العير وعلموا بذلك استمروا في السير طلباً للقتال بغياً وتكبراً وقالوا: كلا، لابد أن نمكث، ونشرب الخمر، وتعزف القيان، وينتشر بين العرب أننا لا نخاف أحداً. وقيل: وهم بدءوكم أول مرة بنقض العهد، وقتالهم مع حلفائهم بني بكر خزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى صار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، وكان ما كان. وقال الزمخشري: قوله تعالى: ((وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)) يعني: وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة -البداية لحن من حيث اللغة والفصيح البداءة- لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم أولاً بالكتاب المنير وتحداهم به، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال، فهم البادئون بالقتال، والبادي أظلم، فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله، وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم؟! ((أَتَخْشَوْنَهُمْ))، أهذا هو المانع من قتالهم؟! يعني: أتخافون أن ينالكم منهم مكروه حتى تتركوا قتالهم؟! ((فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ))، فالله أحق أن تخشوه لمخالفة أمره وترك قتالهم. ((إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ))؛ لأن الإيمان الصحيح هو الإيمان الذي يجعل صاحبه لا يخشى إلا ربه، ولا يبالي بمن سواه، كقوله تعالى: {وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب:39].
تفسير قوله تعالى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم)
تفسير قوله تعالى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) ثم أمر تعالى المؤمنين بالقتال مبيناً حكمته فقال سبحانه وتعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة:14]، (قاتلوهم يعذبهم الله) يعني: بآلام الجراحات والموت. (بأيديكم) يعني: ينصركم الله عليهم، ويغلبكم عليهم. (ويخزهم) بالأسر والاسترقاق، فيجتمع في حقهم العذاب الحسي: بالجراحات والموت، والمعنوي: بالرق. (وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) يعني: يشفي صدور قوم مؤمنين ممن لم يشهد القتال، فإنه إذا علم ذلك شفي صدره. {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:15]، (ويذهب غيظ قلوبهم) يعني: بما كابدوا من المكاره والمكايد. (ويتوب الله على من يشاء) أي: فيحصل لكم أجرهم. (والله عليم حكيم) أي: في أفعاله وأوامره. وقد أنجز الله سبحانه وتعالى لهم هذه المواعيد كلها، فكان إخباره صلى الله عليه وسلم بذلك قبل وقوعه معجزة عظيمة، دالة على صدقه وصحة نبوته. وفي هذه الآيات بيان لبعض الحكم من تشريع الجهاد في الإسلام، (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) ولم يكن قبل موسى عليه السلام قد شرع الجهاد، وإنما كان العذاب يأتي على الكفار من السماء: إما بالصاعقة، وإما بالصيحة، وإما بالزلازل والخسف وغير ذلك، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ} [القصص:43]، (من بعد موسى) يعني: كانت القرون قبل موسى تهلك بعذاب من عند الله، لكن في شريعة موسى شرع الجهاد، لماذا؟ لما فيه من هذه الحكمة؛ لأن المؤمنين إذا أمروا بمقاتلة الكفار بأيديهم، فهذا يكون أشفى لصدورهم؛ حين ينتقمون من هؤلاء الذين أذاقوهم العذاب، وحاربوا دين الله سبحانه وتعالى، فهذه من حكم الجهاد.
تفسير قوله تعالى: (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم)
تفسير قوله تعالى: (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) قال تعالى مبيناً حكمة تشريع الجهاد: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا} [التوبة:16] يعني: تتركوا على ما أنتم عليه دون أن تؤمروا بالجهاد، {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة:16]، قوله: (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة) يعني: بطانة، يفشون إليهم أسرارهم، والمعنى: أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه، ولما يتبين الخلص من المجاهدين من غيرهم، بل لابد أن تختبروا حتى يظهر المخلصون منكم، وهم الذين جاهدوا في سبيل الله ولوجه الله، (ولم يتخذوا وليجة) لم يتخذوا بطانة من الذين يضادون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وفي الآية اكتفاء بأحد القسمين، وهذه من الأساليب الفصيحة عند العرب وهو: الاكتفاء بذكر أحد القسمين والإعراض عن الآخر؛ لوضوح الدلالة على وجوده، كما قال تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل:81]، ولم يذكر البرد؛ لأن هذا مفهوم. كذلك هنا قال عز وجل: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً)، ولم يقل: من غيرهم وهم المقصرون، واكتفى بذكر أحد القسمين ولم يتعرض للمقصرين؛ لأنهم بمعزل من الاندراج تحت إرادة أكرم الأكرمين، وهذا كما قال الشاعر: وما أدري إذا يممت أرضاً أريد الخير أيهما يليني أي: أريد الخير أو الشر، وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: {آلم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:1 - 3]، وقال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179]، وكلها تفيد أن الجهاد شرع لاختبار المطيع من غيره.
تفسير قوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله)
تفسير قوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [التوبة:17]، (ما كان للمشركين) يعني: ما صح لهم ولا استقام. (أن يعمروا مساجد الله) أي: المساجد التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، ما كان لهم أن يعمروا شيئاً منها، ولا شك أن هذا يدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أولياً، إذ نفي الجمع يدل على النفي عن كل فرد، فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكناية. وقرئ: (ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله) بالتوحيد، تصريحاً بالمقصود، وهو: المسجد الحرام، أشرف المساجد في الأرض، الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن. قوله: (أن يعمروا مساجد الله) إما أن العمارة هنا بمعنى: حفظ البناء، أو من العمرة؛ لأن العمرة معناها: الزيارة، يعني: يزوروا مسجد الله، أو من قولهم: عمرت بمكان كذا، يعني: أقمت به. (شاهدين على أنفسهم بالكفر) يعني: بلسان الحال وبلسان المقال. (أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون)، وهذا كقوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} [الأنفال:34].
تفسير قوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر)
تفسير قوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:18]، قوله: (ولم يخش إلا الله) يعني: ولم يعبد إلا الله. (فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) يعني: من المهتدين إلى الجنة، وإبراز اهتدائهم مع ما بهم من الصفات الحسنة في معرض التوقع والذي عبر عنه بكلمة عسى؛ لقطع أطماع الكفرة عن الوصول إلى مواقف الاهتداء والانتفاع بأعمالهم التي يحسبون أنهم في ذلك محصلون الكمالات، مع أن المؤمنين متصفون بالإيمان بالله واليوم الآخر، وهم متعلقون بالرجاء، ولا يقطع بنجاتهم أو اهتدائهم، فماذا يصنع الكافرون الذين لم يؤمنوا بالله ولا باليوم الآخر ولم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة ولم يخشوا الله سبحانه وتعالى؟! وفي هذا تنبيه للمؤمنين على ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء، ورفض الاغترار بالله تبارك وتعالى. والمقصود: أن حال هؤلاء المؤمنين حال مرجوة، والعاقبة عند الله معلومة: {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج:41]، والأعمال بالخواتيم، ولا يدري المؤمن -حتى لو تحلى بكل صفات الإيمان- بما يختم له! والأعمال الصالحة التي يقوم بها الإنسان هي إمارة تشير إلى أنه يرجى له أن يكون من أهل الجنة، لكن لا يقطع بذلك، فليست علة موجبة، لماذا؟ لأن الأعمال بالخواتيم، والخواتيم مغيبة. قال الزمخشري: العمارة تتناول رم ما استرم منها، والرم: الإصلاح. وقمها -أي: جمع القمامة- أيضاً من عمارة المساجد، وتنظيفها، وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر، ومن الذكر درس العلم بل هو أجله وأعظمه، وصيانتها مما لم تبن له المساجد كالبيع والشراء فيها، فينبغي على المؤمنين أن يراعوا حرمات بيت الله عز وجل، وكل ما يرغب الناس في الإتيان إلى المسجد للصلاة والذكر وحضور مجالس العلم فهو من عمارة المساجد، وكل ما ينفر من حضور المسجد وتعميره فهو من تخريب بيوت الله سبحانه وتعالى، وصد الناس عنها. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح). وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من بنى لله مسجداً يبتغي به وجه الله تعالى بنى الله له بيتاً في الجنة).
تفسير قوله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر)
تفسير قوله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر) قال تبارك وتعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة:19]، روى العوفي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله والقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد، أي: نحن نعمل أعمالاً صالحة خير من الإيمان الذي تدعوننا إليه، فنحن نعمر مساجد الله ونسقي الحجيج، فكانوا يفخرون بالحرم ويتعالون على الناس بخدمة الحجاج، ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، وكانوا يزعمون أنهم أولياء بيت الله، {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} [الأنفال:34]، فخير الله سبحانه وتعالى الإيمان والجهاد مع رسوله على عمارة المشركين البيت وقيامهم على السقاية، وفضل الله سبحانه وتعالى هذا على ذاك، فقال: ((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ))، أجعلتم أيها المشركون. ((سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))، فبين عز وجل أن ذلك لا ينفعهم مع الشرك، وأنهم ظالمون بشركهم، ولا تغني عنهم عمارتهم شيئاً، فالكافر قد يعمل أعمالاً حسنة لكن مع عدم الإيمان لا يمكن أن تنفعه في الآخرة أبداً. فشرط العمل الصالح الذي ينتفع به في الآخرة: أن يكون صاحبه وفاعله مؤمناً، هذا أولاً. ثانياً: أن يكون مخلصاً لله، لا مرائياً. ثالثاً: أن يكون موافقاً لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والسقي هو الموضع الذي يعد فيه الشراب في المواسم وغيرها، وسقاية الحاج ما كانت قريش تسقيه للحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس رضي الله تعالى عنه في الجاهلية والإسلام. روى الإمام مسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: كنت عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، أي: بإسلامي وإعماري للمسجد الحرام أكون حزت الخير كله، وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلته، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى آخر الآية}، وعلى هذا يكون الخطاب هنا للمؤمنين حينما اختلفوا في ذلك، كما في صحيح مسلم. ورواه عبد الرزاق في مصنفه، ولفظه: أن رجلاً قال: ما أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام إلى آخره. فظاهر هذه الرواية أن المفاضلة كانت بين بعض المسلمين الذين كانوا يؤثرون السقاية والعمارة على الهجرة والجهاد، ونزلت الآية في ذلك، مع أن الرواية الثابتة عن ابن عباس تنافيه، لأنها تفيد أن هذا كان في حق المشركين، ومما يؤيد أنها نزلت للمفاصلة بين مؤمنين بالله وغير مؤمنين -كما هي رواية ابن عباس - قوله: (كمن آمن بالله)، فلو كان الفريقان مسلمين لما قال ذلك؛ لأن كليهما قد آمن. هذا أولاً. ثانياً: وصفهم بالظالم لأجل هذه التسوية المذكورة، ((وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))، مما يؤيد رواية ابن عباس. يقول القاسمي -مبيناً أنه لا منافاة بين ما رواه ابن عباس، ولا بين ما ثبت في صحيح مسلم من حديث النعمان بن بشير -: حديث النعمان يظهر أنها نزلت في اختصام المسلمين في المفاضلة بين الأمور المذكورة، ورواية ابن عباس تدل على أنها في المخاصمة بين المشركين والمسلمين. وظاهر النظم الكريم فيما قاله ابن عباس لا يرتاب فيه، وأن الآية أول ما نزلت نزلت في المخاصمة بين المشركين والمسلمين، حينما فضل المشركون سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام على الإيمان بالرسول عليه السلام، والجهاد في سبيل الله عز وجل. وقوله تعالى: ((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ))، هل المقصود المفاضلة هنا بين السقاية والعمارة -وهما مصدران- وبين من آمن، أم هناك تقدير؟ هناك محذوف تقديره: أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، (كمن آمن بالله واليوم الآخر)، ومثله ما جاء في سورة القتال: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ} [محمد:15]، فإما أن نقدر: مثل أهل الجنة كمثل أهل النار، أو نقدر: حال أهل الجنة كحال من هو خالد في النار. كذلك هنا في هذه الآية الكريمة: ((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ)) المقصود: أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر؟ أو أجعلتم من سقى الحاج كمن آمن بالله؟ فيقول هنا: لا يخفى أن السقاية والعمارة مصدران لا يتصور تشبيههما بالأعيان، فلابد من تقدير مضاف في أحد الجانبين، أي: أجعلتم أهلهما كمن آمن بالله، ويؤيده قراءة من قرأ: (أجعلتم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام) أو أجعلتموهما كإيمان من آمن.
تفسير قوله تعالى: (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله)
تفسير قوله تعالى: (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله) ثم بين تعالى مراتب فضل المؤمنين إثر بيان عدم الاستواء وضلال المشركين وظلمهم، فقال عز وجل: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة:20]، (أعظم درجة عند الله) أعظم من أهل السقاية والعمارة، وهم وإن لم يكن لهم درجة عند الله -إذا قلنا أن الآية السابقة في الكافرين- فالتفصيل جائز هنا، وإن كان الأصل في أفعل التفضيل اشتراك الطرفين في الصفة، أحدهما يفوق الآخر فيها، كأن تقول: محمد أقوى من علي، فكلاهما مشترك في صفة القوة، لكن محمد أكثر من علي قوة، هذا هو الأصل. لكن أحياناً تأتي صيغة أفعل التفضيل مع عدم اشتراك الطرفين في الصفة، كما قال تبارك وتعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان:24]، يعني: من أصحاب النار، فهل معنى ذلك أنهما يشتركان في الحسن، ولكن أهل الجنة أحسن؟! A لا. إذاً: توجد هناك حالات لا تقتضي صيغة أفعل التفضيل وجود قاسم أو قدر مشترك في الصفة بين طرفي المفاضلة، كما في هذه الآية، على قول من يرى أن الخطاب إنما هو في حق المفاضلة بين المشركين والمسلمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. (أعظم درجة عند الله) يعني: أعظم من أهل الس